{"ً":{"ٌ":23587,"ٍ":"إعراب القرآن للنحاس","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: إعراب القرآن\nالمؤلف: أبو جعفر النَّحَّاس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (ت ٣٣٨هـ)\nوضع حواشيه وعلق عليه: عبد المنعم خليل إبراهيم\nالناشر: منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت\nالطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":132,"ٕ":4,"ٖ":1770154023,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5"],"ٚ":[{"title":"كلام الناشر","level":1,"page":1},{"title":"أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس (ت ٣٣٨ هـ)","level":2,"page":1},{"title":"اسمه ولقبه ونشأته:","level":3,"page":1},{"title":"كتبه","level":3,"page":1},{"title":"أهمية كتاب «إعراب القرآن» لابن النحاس:","level":3,"page":2},{"title":"وأهم الكتب التي اعتمدها:","level":4,"page":2},{"title":"وفاته:","level":3,"page":3},{"title":"مصادر ترجمته:","level":3,"page":3},{"title":"لمحة تاريخية عن مباحث إعراب القرآن","level":2,"page":4},{"title":"المصطلحات المستخدمة في الكتاب","level":2,"page":7},{"title":"[١] شرح إعراب سورة أم القرآن","level":1,"page":9},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ١]","level":2,"page":9},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٢]","level":2,"page":12},{"title":"[سورة الفاتحة (١): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":14},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٥]","level":2,"page":14},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٦]","level":2,"page":15},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٧]","level":2,"page":15},{"title":"[٢] شرح إعراب سورة البقرة","level":1,"page":18},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١]","level":2,"page":18},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢]","level":2,"page":18},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣]","level":2,"page":20},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤]","level":2,"page":21},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥]","level":2,"page":21},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦]","level":2,"page":22},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧]","level":2,"page":23},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨]","level":2,"page":24},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩]","level":2,"page":24},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠]","level":2,"page":24},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١]","level":2,"page":25},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢]","level":2,"page":25},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣]","level":2,"page":26},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤]","level":2,"page":26},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥]","level":2,"page":27},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦]","level":2,"page":27},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧]","level":2,"page":28},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨]","level":2,"page":28},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩]","level":2,"page":28},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠]","level":2,"page":29},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١]","level":2,"page":30},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢]","level":2,"page":31},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣]","level":2,"page":32},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤]","level":2,"page":32},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥]","level":2,"page":33},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦]","level":2,"page":34},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧]","level":2,"page":35},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨]","level":2,"page":36},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٩]","level":2,"page":36},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٠]","level":2,"page":37},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣١]","level":2,"page":38},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٢]","level":2,"page":39},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٣]","level":2,"page":39},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٤]","level":2,"page":40},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٥]","level":2,"page":41},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٦]","level":2,"page":41},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٧]","level":2,"page":42},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٨]","level":2,"page":42},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٩]","level":2,"page":43},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٠]","level":2,"page":43},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤١]","level":2,"page":44},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٢]","level":2,"page":44},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٣]","level":2,"page":45},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٤]","level":2,"page":45},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٥]","level":2,"page":45},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٦]","level":2,"page":46},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٨]","level":2,"page":46},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٩]","level":2,"page":47},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٠]","level":2,"page":47},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥١]","level":2,"page":47},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٢]","level":2,"page":48},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٣]","level":2,"page":48},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٤]","level":2,"page":48},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٥]","level":2,"page":49},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٦]","level":2,"page":49},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٧]","level":2,"page":50},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٨]","level":2,"page":50},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٩]","level":2,"page":51},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٠]","level":2,"page":51},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦١]","level":2,"page":52},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٢]","level":2,"page":53},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٣]","level":2,"page":53},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٤]","level":2,"page":53},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٥]","level":2,"page":53},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٦]","level":2,"page":54},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٧]","level":2,"page":54},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٨]","level":2,"page":54},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٩]","level":2,"page":54},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٠]","level":2,"page":55},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧١]","level":2,"page":55},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٢]","level":2,"page":56},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٣]","level":2,"page":56},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٤]","level":2,"page":56},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٥]","level":2,"page":57},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٦]","level":2,"page":57},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٨]","level":2,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٩]","level":2,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٠]","level":2,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨١]","level":2,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٣]","level":2,"page":59},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٤]","level":2,"page":59},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٥]","level":2,"page":59},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٦]","level":2,"page":61},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٧]","level":2,"page":61},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٨]","level":2,"page":62},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٩]","level":2,"page":62},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٠]","level":2,"page":62},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩١]","level":2,"page":63},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٣]","level":2,"page":63},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٤]","level":2,"page":64},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٥]","level":2,"page":64},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٦]","level":2,"page":64},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٧]","level":2,"page":65},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٨]","level":2,"page":65},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٩]","level":2,"page":66},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٠]","level":2,"page":66},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠١]","level":2,"page":66},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٢]","level":2,"page":66},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٣]","level":2,"page":67},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٤]","level":2,"page":67},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٥]","level":2,"page":68},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٦]","level":2,"page":68},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٧]","level":2,"page":68},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٨]","level":2,"page":68},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٩]","level":2,"page":69},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١١]","level":2,"page":69},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٢]","level":2,"page":69},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٤]","level":2,"page":69},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٥]","level":2,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٦]","level":2,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٧]","level":2,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٨]","level":2,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٩]","level":2,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٠]","level":2,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢١]","level":2,"page":71},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٢]","level":2,"page":71},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٤]","level":2,"page":71},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٥]","level":2,"page":71},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٦]","level":2,"page":72},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٧ إلى ١٢٨]","level":2,"page":73},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٩]","level":2,"page":73},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٠]","level":2,"page":74},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٢]","level":2,"page":74},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٣]","level":2,"page":75},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٤]","level":2,"page":76},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٥]","level":2,"page":76},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٦]","level":2,"page":76},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٧]","level":2,"page":76},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٨]","level":2,"page":77},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٩]","level":2,"page":77},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٠]","level":2,"page":77},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٢]","level":2,"page":77},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٣]","level":2,"page":78},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٤]","level":2,"page":78},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٥]","level":2,"page":78},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٦]","level":2,"page":79},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٧]","level":2,"page":79},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٨]","level":2,"page":79},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٠]","level":2,"page":79},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥١]","level":2,"page":80},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٢]","level":2,"page":80},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٣]","level":2,"page":80},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٤]","level":2,"page":80},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٥]","level":2,"page":80},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٦]","level":2,"page":81},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٧]","level":2,"page":81},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]","level":2,"page":81},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٩]","level":2,"page":82},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٠]","level":2,"page":82},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦١]","level":2,"page":82},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٢]","level":2,"page":82},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٣]","level":2,"page":82},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٤]","level":2,"page":82},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٥]","level":2,"page":83},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٦]","level":2,"page":84},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٧]","level":2,"page":84},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٨]","level":2,"page":84},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٩]","level":2,"page":84},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٠]","level":2,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧١]","level":2,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٣]","level":2,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٤]","level":2,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]","level":2,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٨]","level":2,"page":87},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٩]","level":2,"page":87},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٠]","level":2,"page":87},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨١]","level":2,"page":88},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٢]","level":2,"page":88},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٣]","level":2,"page":88},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٤]","level":2,"page":89},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٥]","level":2,"page":90},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]","level":2,"page":92},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٧]","level":2,"page":92},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٨]","level":2,"page":93},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٩]","level":2,"page":93},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٠]","level":2,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩١]","level":2,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٣]","level":2,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٤]","level":2,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٥]","level":2,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]","level":2,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]","level":2,"page":95},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٨]","level":2,"page":97},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٠]","level":2,"page":97},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠١]","level":2,"page":98},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٣]","level":2,"page":98},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٤]","level":2,"page":99},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٥]","level":2,"page":99},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٧]","level":2,"page":99},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٨]","level":2,"page":99},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٩]","level":2,"page":100},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٠]","level":2,"page":100},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١١]","level":2,"page":101},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٢]","level":2,"page":101},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٣]","level":2,"page":101},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٤]","level":2,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٥]","level":2,"page":103},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٦]","level":2,"page":104},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٧]","level":2,"page":104},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٨]","level":2,"page":105},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٩]","level":2,"page":105},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٠]","level":2,"page":106},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢١]","level":2,"page":106},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٢ إلى ٢٢٣]","level":2,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٤]","level":2,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٥]","level":2,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٦]","level":2,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٨]","level":2,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٩]","level":2,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٠]","level":2,"page":110},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣١]","level":2,"page":110},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٢]","level":2,"page":110},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٣]","level":2,"page":110},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٤]","level":2,"page":111},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٥]","level":2,"page":112},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٦]","level":2,"page":112},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٧]","level":2,"page":113},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٨]","level":2,"page":113},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٩]","level":2,"page":114},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٠]","level":2,"page":115},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤١]","level":2,"page":115},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٣]","level":2,"page":115},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٤]","level":2,"page":116},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٥]","level":2,"page":116},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٦]","level":2,"page":116},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٧]","level":2,"page":117},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٨]","level":2,"page":117},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٩]","level":2,"page":118},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥١]","level":2,"page":118},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٢]","level":2,"page":119},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٣]","level":2,"page":119},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٤]","level":2,"page":120},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٥ إلى ٢٥٦]","level":2,"page":120},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٧]","level":2,"page":121},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٨]","level":2,"page":121},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٩]","level":2,"page":122},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]","level":2,"page":123},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦١]","level":2,"page":123},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٣]","level":2,"page":123},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٤]","level":2,"page":124},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٥]","level":2,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٦]","level":2,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٧]","level":2,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٨]","level":2,"page":126},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٩]","level":2,"page":126},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٠]","level":2,"page":126},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧١]","level":2,"page":126},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٢]","level":2,"page":128},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٣]","level":2,"page":128},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٤]","level":2,"page":128},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٥]","level":2,"page":129},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٦]","level":2,"page":129},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٩]","level":2,"page":129},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٠]","level":2,"page":129},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨١]","level":2,"page":131},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]","level":2,"page":131},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٣]","level":2,"page":134},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٤]","level":2,"page":135},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٥]","level":2,"page":136},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٦]","level":2,"page":136},{"title":"[٣] شرح إعراب سورة آل عمران","level":1,"page":137},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":137},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":138},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧]","level":2,"page":138},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨]","level":2,"page":140},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩]","level":2,"page":140},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠]","level":2,"page":140},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١]","level":2,"page":141},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣]","level":2,"page":141},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤]","level":2,"page":141},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥]","level":2,"page":142},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦]","level":2,"page":142},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧]","level":2,"page":142},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨]","level":2,"page":143},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩]","level":2,"page":143},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠]","level":2,"page":143},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢١]","level":2,"page":144},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٢]","level":2,"page":144},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٤]","level":2,"page":144},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٥]","level":2,"page":144},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٦]","level":2,"page":145},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٧]","level":2,"page":145},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٨]","level":2,"page":145},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٠]","level":2,"page":146},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣١]","level":2,"page":146},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٢]","level":2,"page":147},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٣]","level":2,"page":147},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٤]","level":2,"page":147},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٥]","level":2,"page":148},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٦]","level":2,"page":148},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٧]","level":2,"page":149},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٨]","level":2,"page":150},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٩]","level":2,"page":150},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٠]","level":2,"page":151},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤١]","level":2,"page":151},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٢]","level":2,"page":152},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٣]","level":2,"page":152},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٤]","level":2,"page":152},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٥]","level":2,"page":153},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٦]","level":2,"page":153},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٧]","level":2,"page":154},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٨]","level":2,"page":154},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٩]","level":2,"page":154},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٠]","level":2,"page":155},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥١]","level":2,"page":155},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٢]","level":2,"page":156},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٥]","level":2,"page":156},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":157},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٨]","level":2,"page":157},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٩]","level":2,"page":157},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٠]","level":2,"page":157},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦١]","level":2,"page":157},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٢]","level":2,"page":158},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٣]","level":2,"page":158},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٤]","level":2,"page":158},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٥]","level":2,"page":158},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٦]","level":2,"page":159},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٨]","level":2,"page":159},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٩]","level":2,"page":159},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧١]","level":2,"page":159},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٢]","level":2,"page":160},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٣]","level":2,"page":160},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٥]","level":2,"page":161},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٦]","level":2,"page":161},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٧]","level":2,"page":162},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٨]","level":2,"page":162},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٩]","level":2,"page":162},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٠]","level":2,"page":163},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨١]","level":2,"page":163},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٢]","level":2,"page":164},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٣]","level":2,"page":164},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٤]","level":2,"page":164},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٥]","level":2,"page":165},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٦]","level":2,"page":165},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٠]","level":2,"page":165},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩١]","level":2,"page":165},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٢]","level":2,"page":166},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٣]","level":2,"page":166},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٥]","level":2,"page":166},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٦]","level":2,"page":166},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٧]","level":2,"page":166},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٨]","level":2,"page":167},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٩]","level":2,"page":167},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٠]","level":2,"page":168},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠١]","level":2,"page":168},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٢]","level":2,"page":168},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٣]","level":2,"page":168},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٤]","level":2,"page":169},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٥]","level":2,"page":169},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٦]","level":2,"page":169},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٧]","level":2,"page":169},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٨]","level":2,"page":169},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٠]","level":2,"page":170},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١١]","level":2,"page":170},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٢]","level":2,"page":170},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٣]","level":2,"page":171},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٤]","level":2,"page":171},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]","level":2,"page":171},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٨]","level":2,"page":172},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٩]","level":2,"page":172},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٠]","level":2,"page":173},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢١]","level":2,"page":173},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٢]","level":2,"page":174},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٣]","level":2,"page":174},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٤]","level":2,"page":174},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٥]","level":2,"page":174},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٦]","level":2,"page":174},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٧ إلى ١٢٨]","level":2,"page":175},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٠]","level":2,"page":175},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٣]","level":2,"page":175},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٤]","level":2,"page":175},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٥]","level":2,"page":175},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٦]","level":2,"page":176},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٧]","level":2,"page":176},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٩]","level":2,"page":176},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٠]","level":2,"page":176},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤١]","level":2,"page":176},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٣]","level":2,"page":177},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٤]","level":2,"page":177},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٥]","level":2,"page":177},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٦]","level":2,"page":178},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٧]","level":2,"page":178},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٠]","level":2,"page":178},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥١]","level":2,"page":178},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٢]","level":2,"page":179},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٣]","level":2,"page":179},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٤]","level":2,"page":179},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٥]","level":2,"page":180},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٦]","level":2,"page":180},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٧]","level":2,"page":181},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٨]","level":2,"page":181},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٩]","level":2,"page":181},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٠]","level":2,"page":182},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦١]","level":2,"page":182},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٣]","level":2,"page":182},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٤]","level":2,"page":183},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٥]","level":2,"page":183},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٦]","level":2,"page":183},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٧]","level":2,"page":183},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٨]","level":2,"page":183},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٩]","level":2,"page":184},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٠]","level":2,"page":184},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٢]","level":2,"page":184},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٣]","level":2,"page":184},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٥]","level":2,"page":184},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٦]","level":2,"page":184},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٧]","level":2,"page":184},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٩]","level":2,"page":185},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٠]","level":2,"page":185},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨١]","level":2,"page":186},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٢]","level":2,"page":187},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٣]","level":2,"page":187},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٤]","level":2,"page":187},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٥]","level":2,"page":187},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٦]","level":2,"page":187},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٧]","level":2,"page":188},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٨]","level":2,"page":188},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٩]","level":2,"page":188},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٠]","level":2,"page":188},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩١]","level":2,"page":188},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٣]","level":2,"page":189},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٤]","level":2,"page":189},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٥]","level":2,"page":189},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٦]","level":2,"page":190},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٧]","level":2,"page":190},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٨]","level":2,"page":190},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٩]","level":2,"page":191},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠٠]","level":2,"page":191},{"title":"[٤] شرح إعراب سورة النساء","level":1,"page":192},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١]","level":2,"page":192},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢]","level":2,"page":193},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣]","level":2,"page":194},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤]","level":2,"page":194},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥]","level":2,"page":195},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦]","level":2,"page":196},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧]","level":2,"page":196},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨]","level":2,"page":197},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩]","level":2,"page":197},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠]","level":2,"page":197},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١]","level":2,"page":197},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢]","level":2,"page":199},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣]","level":2,"page":199},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥]","level":2,"page":199},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦]","level":2,"page":200},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧]","level":2,"page":200},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٨]","level":2,"page":200},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٩]","level":2,"page":201},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٠]","level":2,"page":201},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢١]","level":2,"page":201},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٢]","level":2,"page":202},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٣]","level":2,"page":202},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٤]","level":2,"page":202},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٥]","level":2,"page":203},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٦]","level":2,"page":204},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":205},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٩]","level":2,"page":205},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٠]","level":2,"page":205},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣١]","level":2,"page":205},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٢]","level":2,"page":206},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٣]","level":2,"page":206},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٤]","level":2,"page":207},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٥]","level":2,"page":208},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٦]","level":2,"page":208},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٧]","level":2,"page":209},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٨]","level":2,"page":209},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٩]","level":2,"page":210},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٠]","level":2,"page":210},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤١]","level":2,"page":210},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٢]","level":2,"page":210},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٣]","level":2,"page":210},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٤]","level":2,"page":212},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٥]","level":2,"page":212},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٦]","level":2,"page":212},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٧]","level":2,"page":213},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٨]","level":2,"page":213},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":214},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥١]","level":2,"page":214},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٢]","level":2,"page":214},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٣]","level":2,"page":214},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٤]","level":2,"page":215},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٥]","level":2,"page":215},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٦]","level":2,"page":215},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٧]","level":2,"page":215},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٨]","level":2,"page":216},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٩]","level":2,"page":217},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٠]","level":2,"page":217},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦١]","level":2,"page":217},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٢]","level":2,"page":217},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٣]","level":2,"page":217},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٤]","level":2,"page":218},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٥]","level":2,"page":218},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٦]","level":2,"page":218},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٧]","level":2,"page":219},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٨]","level":2,"page":219},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٩]","level":2,"page":219},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٠]","level":2,"page":219},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧١]","level":2,"page":219},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٢]","level":2,"page":220},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٣]","level":2,"page":220},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٤]","level":2,"page":220},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٥]","level":2,"page":220},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٦]","level":2,"page":221},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٧]","level":2,"page":221},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٨]","level":2,"page":221},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٩]","level":2,"page":222},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨١]","level":2,"page":222},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٢]","level":2,"page":223},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٣]","level":2,"page":223},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٤]","level":2,"page":224},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٥]","level":2,"page":224},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٦]","level":2,"page":225},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٧]","level":2,"page":225},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٨]","level":2,"page":225},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٠]","level":2,"page":226},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩١]","level":2,"page":226},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٢]","level":2,"page":226},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٣]","level":2,"page":227},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٤]","level":2,"page":228},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٥]","level":2,"page":229},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٦]","level":2,"page":229},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٧]","level":2,"page":229},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٨]","level":2,"page":230},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٠]","level":2,"page":230},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠١]","level":2,"page":230},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٢]","level":2,"page":231},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٣]","level":2,"page":231},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٤]","level":2,"page":231},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٥]","level":2,"page":232},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٢]","level":2,"page":232},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٣]","level":2,"page":232},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٤]","level":2,"page":233},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٥]","level":2,"page":233},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٧]","level":2,"page":233},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٨]","level":2,"page":234},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٩]","level":2,"page":234},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٠]","level":2,"page":234},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢١]","level":2,"page":234},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٢]","level":2,"page":234},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٣]","level":2,"page":235},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٤]","level":2,"page":235},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٥]","level":2,"page":235},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٧]","level":2,"page":235},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٨]","level":2,"page":236},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٩]","level":2,"page":237},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣١]","level":2,"page":237},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٣]","level":2,"page":237},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٤]","level":2,"page":237},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٥]","level":2,"page":237},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٧]","level":2,"page":238},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٨ إلى ١٣٩]","level":2,"page":238},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٠]","level":2,"page":239},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤١]","level":2,"page":239},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٢]","level":2,"page":239},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٣]","level":2,"page":240},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٤]","level":2,"page":240},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٥]","level":2,"page":240},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٦]","level":2,"page":240},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٧]","level":2,"page":241},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٨]","level":2,"page":241},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٩]","level":2,"page":241},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٠]","level":2,"page":241},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥١]","level":2,"page":242},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٢]","level":2,"page":242},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٣]","level":2,"page":242},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٤]","level":2,"page":242},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٥]","level":2,"page":243},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٧ إلى ١٥٨]","level":2,"page":243},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٩]","level":2,"page":244},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٠]","level":2,"page":244},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٢]","level":2,"page":244},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٣]","level":2,"page":245},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٤]","level":2,"page":246},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٥]","level":2,"page":246},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٦]","level":2,"page":247},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٧ إلى ١٦٨]","level":2,"page":247},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٩ إلى ١٧٠]","level":2,"page":247},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧١]","level":2,"page":247},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٢]","level":2,"page":248},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٣]","level":2,"page":248},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٤]","level":2,"page":248},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٥]","level":2,"page":249},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]","level":2,"page":249},{"title":"[٥] شرح إعراب سورة المائدة","level":1,"page":250},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١]","level":2,"page":250},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢]","level":2,"page":251},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣]","level":2,"page":252},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤]","level":2,"page":253},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥]","level":2,"page":253},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦]","level":2,"page":254},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧]","level":2,"page":255},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨]","level":2,"page":255},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩]","level":2,"page":255},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٢]","level":2,"page":255},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٣]","level":2,"page":256},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٤]","level":2,"page":256},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٥]","level":2,"page":257},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٦]","level":2,"page":257},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٨]","level":2,"page":257},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":257},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢١]","level":2,"page":258},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٢]","level":2,"page":258},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٣]","level":2,"page":258},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٤]","level":2,"page":259},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٥]","level":2,"page":259},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٦]","level":2,"page":259},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٧]","level":2,"page":259},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٩]","level":2,"page":260},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":260},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٢]","level":2,"page":261},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٣]","level":2,"page":261},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٤]","level":2,"page":261},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٥]","level":2,"page":262},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٨]","level":2,"page":262},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٩]","level":2,"page":262},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤١]","level":2,"page":263},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٢]","level":2,"page":263},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٤]","level":2,"page":264},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٥]","level":2,"page":264},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٦]","level":2,"page":265},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٧]","level":2,"page":265},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٨]","level":2,"page":265},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٩]","level":2,"page":266},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٠]","level":2,"page":266},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥١]","level":2,"page":266},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٢]","level":2,"page":267},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٣]","level":2,"page":267},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٤]","level":2,"page":268},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٥]","level":2,"page":268},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٦]","level":2,"page":268},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٧]","level":2,"page":268},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٩]","level":2,"page":269},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٠]","level":2,"page":269},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦١]","level":2,"page":270},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٤]","level":2,"page":270},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٥]","level":2,"page":270},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٧]","level":2,"page":270},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٩]","level":2,"page":271},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٠]","level":2,"page":271},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧١]","level":2,"page":271},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٢]","level":2,"page":272},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٣]","level":2,"page":272},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":2,"page":273},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٧]","level":2,"page":273},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٨]","level":2,"page":273},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٩]","level":2,"page":274},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٠]","level":2,"page":274},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨١]","level":2,"page":274},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٢]","level":2,"page":274},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٣]","level":2,"page":275},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٤]","level":2,"page":275},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٧]","level":2,"page":275},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٨]","level":2,"page":275},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٩]","level":2,"page":275},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٠]","level":2,"page":276},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٣]","level":2,"page":276},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٤]","level":2,"page":277},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٥]","level":2,"page":277},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٦]","level":2,"page":278},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٧]","level":2,"page":278},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠١]","level":2,"page":278},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٢]","level":2,"page":279},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]","level":2,"page":279},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٦]","level":2,"page":279},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٧]","level":2,"page":281},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٨]","level":2,"page":282},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٩]","level":2,"page":282},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٠]","level":2,"page":282},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١١]","level":2,"page":283},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٢]","level":2,"page":283},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٣]","level":2,"page":284},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٤]","level":2,"page":284},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٥]","level":2,"page":284},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٦]","level":2,"page":284},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٧]","level":2,"page":285},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٨]","level":2,"page":285},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٩]","level":2,"page":285},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٢٠]","level":2,"page":286},{"title":"٦ شرح إعراب سورة الأنعام","level":1,"page":287},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١]","level":2,"page":287},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢]","level":2,"page":287},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣]","level":2,"page":287},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤]","level":2,"page":288},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦]","level":2,"page":288},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧]","level":2,"page":288},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨]","level":2,"page":288},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩]","level":2,"page":288},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠]","level":2,"page":288},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢]","level":2,"page":288},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤]","level":2,"page":289},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦]","level":2,"page":289},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٩]","level":2,"page":289},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٠]","level":2,"page":290},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢١]","level":2,"page":290},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٣]","level":2,"page":290},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٥]","level":2,"page":291},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٦]","level":2,"page":291},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٧]","level":2,"page":291},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٨]","level":2,"page":291},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢٩]","level":2,"page":292},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣١]","level":2,"page":292},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٢]","level":2,"page":292},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٣]","level":2,"page":292},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٤]","level":2,"page":293},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٥]","level":2,"page":293},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٦]","level":2,"page":293},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٧]","level":2,"page":293},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٨]","level":2,"page":293},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٩]","level":2,"page":294},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٠]","level":2,"page":294},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤١]","level":2,"page":295},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٤٩]","level":2,"page":295},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٢]","level":2,"page":295},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٣]","level":2,"page":295},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٤]","level":2,"page":296},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":296},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٧]","level":2,"page":297},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٨]","level":2,"page":297},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٩]","level":2,"page":297},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٠]","level":2,"page":297},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦١]","level":2,"page":298},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٢]","level":2,"page":298},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٣]","level":2,"page":298},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٥]","level":2,"page":298},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":2,"page":299},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٨]","level":2,"page":299},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٩]","level":2,"page":299},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٠]","level":2,"page":299},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧١]","level":2,"page":299},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":300},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٤]","level":2,"page":301},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٥]","level":2,"page":301},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٦]","level":2,"page":302},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٨]","level":2,"page":302},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٩]","level":2,"page":302},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٠]","level":2,"page":302},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨١]","level":2,"page":303},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٢]","level":2,"page":303},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٣]","level":2,"page":303},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٤]","level":2,"page":303},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٥]","level":2,"page":304},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٦]","level":2,"page":304},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٧]","level":2,"page":305},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٩]","level":2,"page":305},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٠]","level":2,"page":305},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩١]","level":2,"page":305},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٢]","level":2,"page":306},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٤]","level":2,"page":306},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٥]","level":2,"page":306},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٦]","level":2,"page":307},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٨]","level":2,"page":307},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٩]","level":2,"page":308},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٠]","level":2,"page":309},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠١]","level":2,"page":309},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٢]","level":2,"page":309},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٤]","level":2,"page":309},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٥]","level":2,"page":310},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٨]","level":2,"page":310},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٩]","level":2,"page":311},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٠]","level":2,"page":311},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١١]","level":2,"page":311},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٢]","level":2,"page":312},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٣]","level":2,"page":312},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٤]","level":2,"page":312},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٥]","level":2,"page":313},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٦]","level":2,"page":313},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٧]","level":2,"page":313},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٨]","level":2,"page":313},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٩]","level":2,"page":313},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢١]","level":2,"page":314},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٢]","level":2,"page":314},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٣]","level":2,"page":314},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٥]","level":2,"page":314},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٦]","level":2,"page":314},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٧]","level":2,"page":315},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٨]","level":2,"page":315},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٠]","level":2,"page":315},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣١]","level":2,"page":315},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٣]","level":2,"page":315},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٤]","level":2,"page":316},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٥]","level":2,"page":316},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٦]","level":2,"page":316},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٧]","level":2,"page":316},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٨]","level":2,"page":317},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٩]","level":2,"page":318},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٠]","level":2,"page":319},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤١]","level":2,"page":319},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٢]","level":2,"page":319},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٣]","level":2,"page":320},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٥]","level":2,"page":320},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٦]","level":2,"page":321},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٧]","level":2,"page":322},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٨]","level":2,"page":322},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٩]","level":2,"page":322},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٠]","level":2,"page":322},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥١]","level":2,"page":323},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٢]","level":2,"page":323},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٣]","level":2,"page":323},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٤]","level":2,"page":324},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٥]","level":2,"page":324},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٦]","level":2,"page":324},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٧]","level":2,"page":325},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٨]","level":2,"page":325},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٩]","level":2,"page":325},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٠]","level":2,"page":326},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦١]","level":2,"page":326},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٢]","level":2,"page":326},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٥]","level":2,"page":327},{"title":"٧ شرح إعراب سورة الأعراف","level":1,"page":328},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":328},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣]","level":2,"page":328},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤]","level":2,"page":329},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥]","level":2,"page":329},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":329},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":329},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠]","level":2,"page":329},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١]","level":2,"page":330},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢]","level":2,"page":330},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":330},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨]","level":2,"page":331},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":331},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢١]","level":2,"page":332},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٢]","level":2,"page":332},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٣]","level":2,"page":332},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٦]","level":2,"page":333},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]","level":2,"page":333},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٩]","level":2,"page":334},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٠]","level":2,"page":334},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]","level":2,"page":335},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٣]","level":2,"page":335},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٤]","level":2,"page":335},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٥]","level":2,"page":336},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٦]","level":2,"page":336},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]","level":2,"page":336},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٨]","level":2,"page":336},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٩]","level":2,"page":337},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٠]","level":2,"page":337},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤١]","level":2,"page":337},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٢]","level":2,"page":337},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٣]","level":2,"page":337},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٤]","level":2,"page":338},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٥]","level":2,"page":338},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٦]","level":2,"page":338},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٧]","level":2,"page":339},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٨]","level":2,"page":339},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٤٩]","level":2,"page":339},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٠]","level":2,"page":339},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥١]","level":2,"page":339},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٢]","level":2,"page":339},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٣]","level":2,"page":340},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٤]","level":2,"page":340},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٦]","level":2,"page":341},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٧]","level":2,"page":342},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٨]","level":2,"page":342},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٩]","level":2,"page":343},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٢]","level":2,"page":344},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٣]","level":2,"page":344},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٥]","level":2,"page":344},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٧]","level":2,"page":344},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٦٩]","level":2,"page":344},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧١]","level":2,"page":344},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٣]","level":2,"page":345},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٤]","level":2,"page":345},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":345},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٢]","level":2,"page":346},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٣]","level":2,"page":346},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٤]","level":2,"page":346},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٥]","level":2,"page":346},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٦]","level":2,"page":346},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٧]","level":2,"page":347},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٩]","level":2,"page":347},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٩٣]","level":2,"page":347},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":2,"page":347},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٠]","level":2,"page":348},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠١]","level":2,"page":348},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٢]","level":2,"page":348},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٥]","level":2,"page":348},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٧]","level":2,"page":349},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٠]","level":2,"page":349},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١١]","level":2,"page":349},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٢]","level":2,"page":350},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٣]","level":2,"page":350},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٥]","level":2,"page":350},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٦]","level":2,"page":350},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٧]","level":2,"page":350},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١١٩]","level":2,"page":351},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٠]","level":2,"page":351},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٦]","level":2,"page":351},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٧]","level":2,"page":351},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٠]","level":2,"page":351},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣١]","level":2,"page":352},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٢]","level":2,"page":352},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٣]","level":2,"page":352},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٧]","level":2,"page":353},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٠]","level":2,"page":353},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤١]","level":2,"page":353},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٣]","level":2,"page":353},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٤ إلى ١٤٥]","level":2,"page":354},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٦]","level":2,"page":355},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٧]","level":2,"page":355},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٨]","level":2,"page":355},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٩]","level":2,"page":356},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٠]","level":2,"page":356},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥١]","level":2,"page":357},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٢]","level":2,"page":357},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٣]","level":2,"page":358},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٤]","level":2,"page":358},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٥]","level":2,"page":358},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٦]","level":2,"page":359},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٧]","level":2,"page":359},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٩]","level":2,"page":359},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٠]","level":2,"page":360},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦١ إلى ١٦٢]","level":2,"page":360},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٣]","level":2,"page":360},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٤]","level":2,"page":361},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٥]","level":2,"page":361},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٦]","level":2,"page":362},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٨]","level":2,"page":362},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٩]","level":2,"page":363},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٠]","level":2,"page":363},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧١]","level":2,"page":363},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٢ إلى ١٧٣]","level":2,"page":363},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٥]","level":2,"page":364},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٦]","level":2,"page":365},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٧]","level":2,"page":365},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٨]","level":2,"page":365},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٩]","level":2,"page":365},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٠]","level":2,"page":365},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨١]","level":2,"page":366},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٢ إلى ١٨٣]","level":2,"page":366},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٥]","level":2,"page":366},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٦]","level":2,"page":366},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٧]","level":2,"page":366},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٨]","level":2,"page":367},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٩]","level":2,"page":367},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٠]","level":2,"page":368},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٣]","level":2,"page":368},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٤]","level":2,"page":368},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٥]","level":2,"page":369},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٦]","level":2,"page":369},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٧]","level":2,"page":369},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٨]","level":2,"page":369},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٩]","level":2,"page":369},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٠]","level":2,"page":370},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠١]","level":2,"page":370},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٢]","level":2,"page":370},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٣]","level":2,"page":371},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٤]","level":2,"page":371},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٥]","level":2,"page":371},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٦]","level":2,"page":372},{"title":"٨ شرح إعراب سورة الأنفال","level":1,"page":373},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١]","level":2,"page":373},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢]","level":2,"page":373},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣]","level":2,"page":373},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤]","level":2,"page":373},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥]","level":2,"page":374},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦]","level":2,"page":374},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧]","level":2,"page":374},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٨]","level":2,"page":375},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٩]","level":2,"page":375},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٠]","level":2,"page":376},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١١]","level":2,"page":376},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٢]","level":2,"page":376},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٣]","level":2,"page":376},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٤]","level":2,"page":377},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٥]","level":2,"page":377},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٦]","level":2,"page":377},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٧]","level":2,"page":377},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٨]","level":2,"page":377},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٩]","level":2,"page":378},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٠]","level":2,"page":378},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢١]","level":2,"page":378},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٢]","level":2,"page":378},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٣]","level":2,"page":379},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٤]","level":2,"page":379},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٦]","level":2,"page":379},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٧]","level":2,"page":379},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٩]","level":2,"page":379},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٠]","level":2,"page":379},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٢]","level":2,"page":380},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٣]","level":2,"page":380},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٤]","level":2,"page":380},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٥]","level":2,"page":380},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٧]","level":2,"page":382},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٨]","level":2,"page":382},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٩]","level":2,"page":382},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٠]","level":2,"page":382},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":382},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":383},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٦]","level":2,"page":384},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٧]","level":2,"page":384},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٨]","level":2,"page":384},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٩]","level":2,"page":384},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٠]","level":2,"page":384},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥١]","level":2,"page":385},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٢]","level":2,"page":385},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":385},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٧]","level":2,"page":385},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٨]","level":2,"page":385},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٩]","level":2,"page":386},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٠]","level":2,"page":387},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦١]","level":2,"page":387},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٤]","level":2,"page":387},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٥]","level":2,"page":388},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٦]","level":2,"page":388},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٧]","level":2,"page":389},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٨]","level":2,"page":389},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٩]","level":2,"page":389},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٠]","level":2,"page":389},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧١]","level":2,"page":390},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٢]","level":2,"page":390},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٣]","level":2,"page":390},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٤]","level":2,"page":390},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٥]","level":2,"page":391},{"title":"٩ شرح إعراب سورة براءة","level":1,"page":392},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١]","level":2,"page":392},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢]","level":2,"page":392},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣]","level":2,"page":393},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":393},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦]","level":2,"page":393},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧]","level":2,"page":394},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨]","level":2,"page":394},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١]","level":2,"page":394},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢]","level":2,"page":395},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٣]","level":2,"page":395},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":395},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٦]","level":2,"page":396},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٧]","level":2,"page":396},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٨]","level":2,"page":396},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٩]","level":2,"page":396},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٠]","level":2,"page":397},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٢]","level":2,"page":397},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٣]","level":2,"page":397},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٤]","level":2,"page":397},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٥]","level":2,"page":398},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٦]","level":2,"page":398},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٨]","level":2,"page":398},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٠]","level":2,"page":398},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣١]","level":2,"page":399},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٢]","level":2,"page":399},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٣]","level":2,"page":400},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٤]","level":2,"page":400},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٥]","level":2,"page":401},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]","level":2,"page":401},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٧]","level":2,"page":401},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٨]","level":2,"page":402},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٩]","level":2,"page":402},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٠]","level":2,"page":402},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤١]","level":2,"page":404},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٢]","level":2,"page":404},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٣]","level":2,"page":404},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":404},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":405},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٩]","level":2,"page":405},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٠]","level":2,"page":406},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥١]","level":2,"page":406},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٢]","level":2,"page":406},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٣]","level":2,"page":406},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٤]","level":2,"page":407},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٧]","level":2,"page":407},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٥٨]","level":2,"page":408},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]","level":2,"page":408},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦١]","level":2,"page":408},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٢]","level":2,"page":409},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٣]","level":2,"page":409},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٤]","level":2,"page":410},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":410},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٧]","level":2,"page":411},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٨]","level":2,"page":411},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٩]","level":2,"page":411},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٠]","level":2,"page":411},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٢]","level":2,"page":411},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٣]","level":2,"page":412},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٤]","level":2,"page":412},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٥]","level":2,"page":412},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٧]","level":2,"page":412},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٩]","level":2,"page":412},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨١]","level":2,"page":413},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٢]","level":2,"page":413},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٤]","level":2,"page":413},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٦]","level":2,"page":413},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٧]","level":2,"page":413},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٨]","level":2,"page":413},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٩]","level":2,"page":413},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٠]","level":2,"page":414},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩١]","level":2,"page":414},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٢]","level":2,"page":414},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٣]","level":2,"page":415},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٧]","level":2,"page":415},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٨]","level":2,"page":415},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":2,"page":415},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠١]","level":2,"page":416},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٣]","level":2,"page":416},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٤]","level":2,"page":417},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٥]","level":2,"page":417},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٦]","level":2,"page":417},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٧]","level":2,"page":417},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٨]","level":2,"page":418},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٩]","level":2,"page":418},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٠]","level":2,"page":419},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١١]","level":2,"page":419},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٢]","level":2,"page":420},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٤]","level":2,"page":420},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٧]","level":2,"page":420},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٩]","level":2,"page":421},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٠]","level":2,"page":421},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢١]","level":2,"page":421},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٢]","level":2,"page":421},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٣]","level":2,"page":421},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٧]","level":2,"page":422},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٨]","level":2,"page":422},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٩]","level":2,"page":422},{"title":"١٠ شرح إعراب سورة يونس ع","level":1,"page":423},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١]","level":2,"page":423},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣]","level":2,"page":424},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤]","level":2,"page":424},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥]","level":2,"page":424},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦]","level":2,"page":425},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":425},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠]","level":2,"page":425},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١١]","level":2,"page":425},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٢]","level":2,"page":426},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٤]","level":2,"page":426},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٥]","level":2,"page":426},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٦]","level":2,"page":427},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٩]","level":2,"page":427},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٠]","level":2,"page":427},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢١]","level":2,"page":427},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٢]","level":2,"page":428},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٣]","level":2,"page":428},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٤]","level":2,"page":428},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٦]","level":2,"page":429},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٧]","level":2,"page":429},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٨]","level":2,"page":429},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٩]","level":2,"page":429},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٠]","level":2,"page":430},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٢]","level":2,"page":430},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٣]","level":2,"page":430},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٥]","level":2,"page":430},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٧]","level":2,"page":431},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٨]","level":2,"page":432},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٩]","level":2,"page":432},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٠]","level":2,"page":432},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤١]","level":2,"page":432},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٢]","level":2,"page":432},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٣]","level":2,"page":432},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٤]","level":2,"page":433},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٥]","level":2,"page":433},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٦]","level":2,"page":433},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤٧]","level":2,"page":433},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٠]","level":2,"page":434},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥١]","level":2,"page":434},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٣]","level":2,"page":434},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٥]","level":2,"page":434},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٦]","level":2,"page":435},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٨]","level":2,"page":435},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٩]","level":2,"page":435},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦١]","level":2,"page":435},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٢]","level":2,"page":435},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٣]","level":2,"page":436},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٥]","level":2,"page":436},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٠]","level":2,"page":436},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧١]","level":2,"page":436},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٢]","level":2,"page":437},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٤]","level":2,"page":437},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٧]","level":2,"page":437},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٨]","level":2,"page":438},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٠]","level":2,"page":438},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨١]","level":2,"page":438},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٢]","level":2,"page":439},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٣]","level":2,"page":439},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٥]","level":2,"page":439},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":2,"page":439},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٩]","level":2,"page":440},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٠]","level":2,"page":441},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٢]","level":2,"page":441},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٤]","level":2,"page":441},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٧]","level":2,"page":441},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٨]","level":2,"page":441},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٩]","level":2,"page":442},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٠]","level":2,"page":443},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠١]","level":2,"page":443},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٤]","level":2,"page":443},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٠٩]","level":2,"page":443},{"title":"١١ شرح إعراب سورة هود ع","level":1,"page":444},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١]","level":2,"page":444},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢]","level":2,"page":444},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣]","level":2,"page":444},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥]","level":2,"page":445},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦]","level":2,"page":445},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧]","level":2,"page":445},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":446},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠]","level":2,"page":446},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١]","level":2,"page":446},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢]","level":2,"page":446},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٣]","level":2,"page":446},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٤]","level":2,"page":446},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٥]","level":2,"page":447},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٦]","level":2,"page":447},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٧]","level":2,"page":447},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٠]","level":2,"page":448},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢١]","level":2,"page":448},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٢]","level":2,"page":449},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٣]","level":2,"page":449},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٤]","level":2,"page":449},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٥]","level":2,"page":449},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٧]","level":2,"page":449},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٨]","level":2,"page":450},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٠]","level":2,"page":451},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣١]","level":2,"page":451},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٢]","level":2,"page":451},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٤]","level":2,"page":451},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٥]","level":2,"page":451},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٦]","level":2,"page":452},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٧]","level":2,"page":452},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٨]","level":2,"page":452},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٣٩]","level":2,"page":452},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٠]","level":2,"page":452},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤١]","level":2,"page":453},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٢]","level":2,"page":453},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٣]","level":2,"page":454},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٤]","level":2,"page":454},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٥]","level":2,"page":455},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٦]","level":2,"page":455},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٧]","level":2,"page":455},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٨]","level":2,"page":455},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٩]","level":2,"page":456},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٠]","level":2,"page":456},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥١]","level":2,"page":456},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٢]","level":2,"page":456},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٤]","level":2,"page":456},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٦]","level":2,"page":456},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٧]","level":2,"page":457},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٨]","level":2,"page":457},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٥٩]","level":2,"page":457},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٠]","level":2,"page":457},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦١]","level":2,"page":457},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٤]","level":2,"page":458},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٥]","level":2,"page":458},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٦]","level":2,"page":458},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٧]","level":2,"page":459},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٩]","level":2,"page":459},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٠]","level":2,"page":460},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧١]","level":2,"page":460},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٢]","level":2,"page":461},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٣]","level":2,"page":461},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":461},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٧]","level":2,"page":462},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٨]","level":2,"page":462},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧٩]","level":2,"page":463},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨١]","level":2,"page":463},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٢]","level":2,"page":463},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٣]","level":2,"page":463},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٤]","level":2,"page":464},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٦]","level":2,"page":464},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٧]","level":2,"page":464},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٨]","level":2,"page":464},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٩]","level":2,"page":465},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":465},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٣]","level":2,"page":465},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩٥]","level":2,"page":465},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]","level":2,"page":466},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٠]","level":2,"page":466},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠١]","level":2,"page":466},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٢]","level":2,"page":466},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٣]","level":2,"page":466},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٥]","level":2,"page":466},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٦]","level":2,"page":467},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٧]","level":2,"page":467},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٨]","level":2,"page":468},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٩]","level":2,"page":468},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٠]","level":2,"page":468},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١١]","level":2,"page":469},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٣]","level":2,"page":470},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٤]","level":2,"page":471},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٥]","level":2,"page":471},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٦]","level":2,"page":471},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٨]","level":2,"page":471},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٩]","level":2,"page":471},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٠]","level":2,"page":471},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٣]","level":2,"page":472},{"title":"١٢ شرح إعراب سورة يوسف ع","level":1,"page":473},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١]","level":2,"page":473},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢]","level":2,"page":473},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣]","level":2,"page":473},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤]","level":2,"page":474},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥]","level":2,"page":476},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦]","level":2,"page":476},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧]","level":2,"page":476},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨]","level":2,"page":477},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩]","level":2,"page":477},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠]","level":2,"page":477},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١]","level":2,"page":478},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٢]","level":2,"page":478},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٣]","level":2,"page":479},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":479},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٨]","level":2,"page":479},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٩]","level":2,"page":480},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٠]","level":2,"page":480},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢١]","level":2,"page":481},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٢]","level":2,"page":481},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٣]","level":2,"page":481},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٤]","level":2,"page":483},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٥]","level":2,"page":483},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":483},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٩]","level":2,"page":484},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٠]","level":2,"page":484},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣١]","level":2,"page":484},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٣]","level":2,"page":486},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٤]","level":2,"page":486},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٥]","level":2,"page":486},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٦]","level":2,"page":487},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٠]","level":2,"page":487},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤١]","level":2,"page":487},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٢]","level":2,"page":488},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٣]","level":2,"page":488},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٤]","level":2,"page":488},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٥]","level":2,"page":488},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٦]","level":2,"page":489},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٧]","level":2,"page":489},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٨]","level":2,"page":489},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":489},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٢]","level":2,"page":489},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٣]","level":2,"page":490},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٤]","level":2,"page":490},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٥]","level":2,"page":490},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٦]","level":2,"page":490},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٨]","level":2,"page":490},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٩]","level":2,"page":490},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٠]","level":2,"page":490},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٢]","level":2,"page":491},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٣]","level":2,"page":491},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٤]","level":2,"page":491},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٥]","level":2,"page":492},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٦]","level":2,"page":492},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٧]","level":2,"page":492},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٨]","level":2,"page":492},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٠]","level":2,"page":493},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٢]","level":2,"page":493},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٣]","level":2,"page":493},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٤]","level":2,"page":493},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٥]","level":2,"page":493},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٦]","level":2,"page":494},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٧]","level":2,"page":495},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٨]","level":2,"page":495},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٩]","level":2,"page":495},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٠]","level":2,"page":495},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨١]","level":2,"page":496},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٢]","level":2,"page":496},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٣]","level":2,"page":496},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٤]","level":2,"page":496},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٥]","level":2,"page":497},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٦]","level":2,"page":497},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٧]","level":2,"page":497},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٨ إلى ٩٠]","level":2,"page":498},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩١]","level":2,"page":498},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٢]","level":2,"page":498},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٣]","level":2,"page":498},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٦]","level":2,"page":499},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":2,"page":499},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠١]","level":2,"page":499},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٢]","level":2,"page":499},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٣]","level":2,"page":499},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٦]","level":2,"page":499},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٧]","level":2,"page":500},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٨]","level":2,"page":500},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٩]","level":2,"page":500},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١٠]","level":2,"page":500},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١١]","level":2,"page":501},{"title":"١٣ شرح إعراب سورة الرعد","level":1,"page":502},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١]","level":2,"page":502},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢]","level":2,"page":502},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣]","level":2,"page":502},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤]","level":2,"page":503},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٥]","level":2,"page":503},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٦]","level":2,"page":504},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٧]","level":2,"page":504},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٨]","level":2,"page":504},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٩]","level":2,"page":504},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٠]","level":2,"page":505},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١١]","level":2,"page":505},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٢]","level":2,"page":505},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٣]","level":2,"page":505},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٤]","level":2,"page":506},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٥]","level":2,"page":506},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٦]","level":2,"page":506},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٧]","level":2,"page":506},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٨]","level":2,"page":507},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":507},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢١]","level":2,"page":507},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٢]","level":2,"page":507},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":507},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٧]","level":2,"page":508},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٨]","level":2,"page":508},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٩]","level":2,"page":508},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٠]","level":2,"page":508},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣١]","level":2,"page":508},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٣]","level":2,"page":508},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٤]","level":2,"page":509},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٥]","level":2,"page":509},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٦]","level":2,"page":509},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":509},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٠]","level":2,"page":510},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤١]","level":2,"page":510},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٢]","level":2,"page":510},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٣]","level":2,"page":510},{"title":"١٤ شرح إعراب سورة إبراهيم ع","level":1,"page":511},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١]","level":2,"page":511},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢]","level":2,"page":511},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣]","level":2,"page":511},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤]","level":2,"page":511},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥]","level":2,"page":512},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٦]","level":2,"page":512},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٨]","level":2,"page":513},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٩]","level":2,"page":513},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١١]","level":2,"page":513},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٢]","level":2,"page":513},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٤]","level":2,"page":513},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٥]","level":2,"page":513},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٧]","level":2,"page":513},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٨]","level":2,"page":514},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢١]","level":2,"page":515},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٢]","level":2,"page":515},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٦]","level":2,"page":515},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٨]","level":2,"page":516},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٩]","level":2,"page":516},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٠]","level":2,"page":516},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣١]","level":2,"page":516},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٣]","level":2,"page":516},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٤]","level":2,"page":517},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٥]","level":2,"page":517},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٦]","level":2,"page":517},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٧]","level":2,"page":517},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٢]","level":2,"page":517},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٣]","level":2,"page":517},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٤]","level":2,"page":517},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٦]","level":2,"page":518},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٧]","level":2,"page":518},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٨]","level":2,"page":519},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٩]","level":2,"page":519},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٢]","level":2,"page":519},{"title":"١٥ شرح إعراب سورة الحجر","level":1,"page":520},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١]","level":2,"page":520},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢]","level":2,"page":520},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣]","level":2,"page":521},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤]","level":2,"page":521},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨]","level":2,"page":521},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩]","level":2,"page":521},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٢]","level":2,"page":521},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":522},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":522},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ١٩]","level":2,"page":522},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٠]","level":2,"page":522},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢١]","level":2,"page":522},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٢]","level":2,"page":523},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٥]","level":2,"page":523},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٦]","level":2,"page":523},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٧]","level":2,"page":523},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢٩]","level":2,"page":523},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣٠]","level":2,"page":523},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣١]","level":2,"page":524},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣٢]","level":2,"page":524},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":524},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣٩]","level":2,"page":524},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٠]","level":2,"page":524},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤١]","level":2,"page":524},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٢]","level":2,"page":524},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٤٧]","level":2,"page":525},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥١]","level":2,"page":525},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٣]","level":2,"page":525},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٤]","level":2,"page":525},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":526},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٥٧]","level":2,"page":526},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":526},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٠]","level":2,"page":526},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٥]","level":2,"page":527},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٦]","level":2,"page":527},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٧]","level":2,"page":528},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٨]","level":2,"page":528},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٢]","level":2,"page":528},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٣]","level":2,"page":528},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٥]","level":2,"page":528},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٨]","level":2,"page":528},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٩]","level":2,"page":529},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٠]","level":2,"page":529},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٢]","level":2,"page":529},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":2,"page":529},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":2,"page":529},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٢]","level":2,"page":530},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٤]","level":2,"page":530},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٦]","level":2,"page":530},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٩]","level":2,"page":530},{"title":"١٦ شرح إعراب سورة النحل","level":1,"page":531},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١]","level":2,"page":531},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":531},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥]","level":2,"page":531},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨]","level":2,"page":531},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٣]","level":2,"page":532},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٥]","level":2,"page":532},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٠]","level":2,"page":532},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢١]","level":2,"page":532},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٣]","level":2,"page":533},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٤]","level":2,"page":533},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٠]","level":2,"page":533},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣١]","level":2,"page":533},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٢]","level":2,"page":534},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٣]","level":2,"page":534},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":534},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٠]","level":2,"page":534},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤١]","level":2,"page":534},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٢]","level":2,"page":535},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٤]","level":2,"page":535},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٦]","level":2,"page":535},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٧]","level":2,"page":535},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":535},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥١]","level":2,"page":535},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٢]","level":2,"page":536},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٣]","level":2,"page":536},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٦]","level":2,"page":536},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٧]","level":2,"page":536},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٥٨]","level":2,"page":536},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٠]","level":2,"page":537},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦١]","level":2,"page":537},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٢]","level":2,"page":537},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٣]","level":2,"page":538},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٤]","level":2,"page":538},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٦]","level":2,"page":538},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٧]","level":2,"page":539},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٨]","level":2,"page":539},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٠]","level":2,"page":539},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧١]","level":2,"page":539},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٢]","level":2,"page":539},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٣]","level":2,"page":540},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٤]","level":2,"page":540},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٥]","level":2,"page":540},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٦]","level":2,"page":540},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٨]","level":2,"page":541},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٩]","level":2,"page":541},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨١]","level":2,"page":541},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٣]","level":2,"page":541},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٤]","level":2,"page":541},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٦]","level":2,"page":542},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٧]","level":2,"page":542},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٨]","level":2,"page":542},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٩]","level":2,"page":542},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٠]","level":2,"page":542},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩١]","level":2,"page":542},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٢]","level":2,"page":543},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٤]","level":2,"page":543},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٦]","level":2,"page":543},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]","level":2,"page":544},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠١]","level":2,"page":544},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٣]","level":2,"page":544},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٦]","level":2,"page":545},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٧]","level":2,"page":545},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٠]","level":2,"page":545},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١١]","level":2,"page":545},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٢]","level":2,"page":546},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٦]","level":2,"page":546},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٧]","level":2,"page":546},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٠]","level":2,"page":546},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٤]","level":2,"page":546},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٧]","level":2,"page":546},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٨]","level":2,"page":547},{"title":"١٧ شرح إعراب سورة الإسراء","level":1,"page":548},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١]","level":2,"page":548},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":548},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤]","level":2,"page":549},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥]","level":2,"page":549},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦]","level":2,"page":549},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧]","level":2,"page":550},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨]","level":2,"page":551},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩]","level":2,"page":551},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠]","level":2,"page":551},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١]","level":2,"page":551},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":552},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٤]","level":2,"page":552},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٥]","level":2,"page":552},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٦]","level":2,"page":553},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٧]","level":2,"page":553},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٨]","level":2,"page":553},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٠]","level":2,"page":553},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢١]","level":2,"page":553},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٢]","level":2,"page":553},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٣]","level":2,"page":553},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٨]","level":2,"page":554},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٩]","level":2,"page":554},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٠]","level":2,"page":555},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣١]","level":2,"page":555},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٢]","level":2,"page":555},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٣]","level":2,"page":555},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٤]","level":2,"page":556},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٦]","level":2,"page":556},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٧]","level":2,"page":556},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٨]","level":2,"page":556},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٠]","level":2,"page":557},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤١]","level":2,"page":557},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٢]","level":2,"page":557},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٣]","level":2,"page":557},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٤]","level":2,"page":557},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٥]","level":2,"page":557},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٦]","level":2,"page":558},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٧]","level":2,"page":558},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٨]","level":2,"page":558},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٩]","level":2,"page":558},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":558},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٢]","level":2,"page":558},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٣]","level":2,"page":559},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٦]","level":2,"page":559},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٧]","level":2,"page":559},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٨]","level":2,"page":560},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٩]","level":2,"page":560},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٠]","level":2,"page":561},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦١]","level":2,"page":561},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٢]","level":2,"page":561},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٣]","level":2,"page":562},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٤]","level":2,"page":562},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٥]","level":2,"page":562},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٧]","level":2,"page":562},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٨]","level":2,"page":563},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٩]","level":2,"page":563},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٠]","level":2,"page":563},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧١]","level":2,"page":563},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٢]","level":2,"page":563},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٣]","level":2,"page":564},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٤]","level":2,"page":564},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٥]","level":2,"page":564},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٦]","level":2,"page":565},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":2,"page":565},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٠]","level":2,"page":565},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨١]","level":2,"page":565},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٢]","level":2,"page":565},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٣]","level":2,"page":566},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٤]","level":2,"page":566},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٥]","level":2,"page":566},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٧]","level":2,"page":567},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٨]","level":2,"page":567},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":2,"page":567},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٢]","level":2,"page":568},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٣]","level":2,"page":568},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٤]","level":2,"page":568},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٥]","level":2,"page":568},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٦]","level":2,"page":568},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٧]","level":2,"page":569},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٠]","level":2,"page":569},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠١]","level":2,"page":569},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٢]","level":2,"page":569},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٤]","level":2,"page":570},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٥]","level":2,"page":570},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٦]","level":2,"page":570},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٧]","level":2,"page":570},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٨]","level":2,"page":570},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٩]","level":2,"page":570},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١٠]","level":2,"page":570},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١١]","level":2,"page":571},{"title":"١٨ شرح إعراب سورة الكهف","level":1,"page":572},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١]","level":2,"page":572},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢]","level":2,"page":572},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤]","level":2,"page":572},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥]","level":2,"page":572},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦]","level":2,"page":572},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":573},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩]","level":2,"page":573},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠]","level":2,"page":573},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١١]","level":2,"page":573},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٢]","level":2,"page":573},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٣]","level":2,"page":574},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٤]","level":2,"page":574},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٦]","level":2,"page":574},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٧]","level":2,"page":575},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٨]","level":2,"page":575},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٩]","level":2,"page":575},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٠]","level":2,"page":576},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢١]","level":2,"page":576},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٢]","level":2,"page":576},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٣]","level":2,"page":576},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٤]","level":2,"page":576},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٥]","level":2,"page":576},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٦]","level":2,"page":577},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٠]","level":2,"page":577},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣١]","level":2,"page":578},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٢]","level":2,"page":578},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٣]","level":2,"page":578},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٤]","level":2,"page":579},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٦]","level":2,"page":579},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٨]","level":2,"page":579},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٩]","level":2,"page":579},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤١]","level":2,"page":580},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٢]","level":2,"page":580},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٣]","level":2,"page":580},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٤]","level":2,"page":580},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٥]","level":2,"page":581},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]","level":2,"page":581},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٠]","level":2,"page":581},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥١]","level":2,"page":582},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٢]","level":2,"page":582},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٣]","level":2,"page":582},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٥]","level":2,"page":583},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٦]","level":2,"page":583},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٧]","level":2,"page":583},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٩]","level":2,"page":583},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٠]","level":2,"page":584},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦١]","level":2,"page":584},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٢]","level":2,"page":584},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٣]","level":2,"page":584},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٤]","level":2,"page":585},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":585},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٨]","level":2,"page":585},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٠]","level":2,"page":585},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧١]","level":2,"page":585},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٣]","level":2,"page":586},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٤]","level":2,"page":586},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٦]","level":2,"page":586},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٧]","level":2,"page":587},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٨]","level":2,"page":587},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٩]","level":2,"page":587},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٠]","level":2,"page":588},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨١]","level":2,"page":588},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٢]","level":2,"page":588},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٥]","level":2,"page":588},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":589},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٨]","level":2,"page":589},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٩ إلى ٩٠]","level":2,"page":590},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":590},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٤]","level":2,"page":591},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٥]","level":2,"page":591},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٦]","level":2,"page":591},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٧]","level":2,"page":591},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٨]","level":2,"page":592},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٩]","level":2,"page":592},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٠]","level":2,"page":592},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠١]","level":2,"page":592},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٢]","level":2,"page":592},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٣]","level":2,"page":592},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٤]","level":2,"page":593},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٩]","level":2,"page":593},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١١٠]","level":2,"page":593},{"title":"١٩ شرح إعراب سورة مريم","level":1,"page":594},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١]","level":2,"page":594},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢]","level":2,"page":595},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣]","level":2,"page":595},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤]","level":2,"page":595},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥]","level":2,"page":595},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧]","level":2,"page":597},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨]","level":2,"page":597},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩]","level":2,"page":597},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٠]","level":2,"page":597},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١١]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٢]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٣]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٤]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٥]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٧]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٩]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٠]","level":2,"page":599},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢١]","level":2,"page":599},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٢]","level":2,"page":599},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٣]","level":2,"page":599},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٤]","level":2,"page":600},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٥]","level":2,"page":600},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٦]","level":2,"page":600},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٧]","level":2,"page":601},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٨]","level":2,"page":601},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٩]","level":2,"page":602},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٠]","level":2,"page":602},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣١]","level":2,"page":602},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٢]","level":2,"page":602},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٣]","level":2,"page":603},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٤]","level":2,"page":603},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٥]","level":2,"page":603},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٦]","level":2,"page":603},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٨]","level":2,"page":604},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٩]","level":2,"page":604},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":604},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٦]","level":2,"page":604},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٧]","level":2,"page":604},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٨]","level":2,"page":605},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٠]","level":2,"page":605},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٥]","level":2,"page":605},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٢]","level":2,"page":606},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٣]","level":2,"page":606},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٨]","level":2,"page":606},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٩]","level":2,"page":606},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٠]","level":2,"page":606},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦١]","level":2,"page":606},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٢]","level":2,"page":607},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٤]","level":2,"page":607},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٥]","level":2,"page":607},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٧]","level":2,"page":607},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٨]","level":2,"page":607},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٩]","level":2,"page":607},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":2,"page":609},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":2,"page":609},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٥]","level":2,"page":610},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٨]","level":2,"page":610},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٠]","level":2,"page":610},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٧]","level":2,"page":610},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٨]","level":2,"page":610},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٩]","level":2,"page":611},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٠]","level":2,"page":611},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩١]","level":2,"page":611},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٢]","level":2,"page":611},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٣]","level":2,"page":612},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٥]","level":2,"page":612},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]","level":2,"page":612},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٨]","level":2,"page":612},{"title":"٢٠ شرح إعراب سورة طه","level":1,"page":613},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١]","level":2,"page":613},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢]","level":2,"page":613},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣]","level":2,"page":613},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤]","level":2,"page":614},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥]","level":2,"page":614},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦]","level":2,"page":614},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧]","level":2,"page":614},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨]","level":2,"page":614},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠]","level":2,"page":614},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١]","level":2,"page":614},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢]","level":2,"page":615},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣]","level":2,"page":615},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٤]","level":2,"page":615},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٥]","level":2,"page":615},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٦]","level":2,"page":616},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":616},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٠]","level":2,"page":617},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢١]","level":2,"page":617},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٢]","level":2,"page":617},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٤]","level":2,"page":617},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٥]","level":2,"page":617},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٧]","level":2,"page":617},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٢٨]","level":2,"page":617},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":617},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":618},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":618},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٩]","level":2,"page":618},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٠]","level":2,"page":618},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤١]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٢]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٣]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٤]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٥]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٦]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٧]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٣]","level":2,"page":620},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٥]","level":2,"page":620},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٦]","level":2,"page":620},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٨]","level":2,"page":620},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٩]","level":2,"page":621},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦١]","level":2,"page":621},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":621},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٤]","level":2,"page":624},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٦]","level":2,"page":624},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":625},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٩]","level":2,"page":625},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧١]","level":2,"page":625},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٢]","level":2,"page":626},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٣]","level":2,"page":626},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٤]","level":2,"page":626},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٧]","level":2,"page":626},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٨]","level":2,"page":627},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٩]","level":2,"page":627},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٠]","level":2,"page":628},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨١]","level":2,"page":628},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٢]","level":2,"page":628},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٣]","level":2,"page":628},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٤]","level":2,"page":628},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٥]","level":2,"page":629},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٦]","level":2,"page":629},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٧]","level":2,"page":629},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٨]","level":2,"page":629},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٩]","level":2,"page":629},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٠]","level":2,"page":630},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩١]","level":2,"page":630},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٢ إلى ٩٣]","level":2,"page":630},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٤]","level":2,"page":630},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٥]","level":2,"page":630},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٦]","level":2,"page":630},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٧]","level":2,"page":631},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٨]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٩]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٠]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠١ إلى ١٠٣]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٩]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٠]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١١]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٧]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":2,"page":633},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢١]","level":2,"page":633},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٢]","level":2,"page":633},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٢٨]","level":2,"page":633},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٩ إلى ١٣٠]","level":2,"page":634},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣١]","level":2,"page":634},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٤]","level":2,"page":634},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٥]","level":2,"page":635},{"title":"٢١ شرح إعراب سورة الأنبياء","level":1,"page":636},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١]","level":2,"page":636},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢]","level":2,"page":636},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣]","level":2,"page":636},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤]","level":2,"page":637},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥]","level":2,"page":637},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦]","level":2,"page":637},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩]","level":2,"page":638},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠]","level":2,"page":638},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١]","level":2,"page":638},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٤]","level":2,"page":638},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٥]","level":2,"page":638},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٦]","level":2,"page":638},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٧]","level":2,"page":638},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٨]","level":2,"page":639},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٠]","level":2,"page":639},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٢]","level":2,"page":639},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٤]","level":2,"page":639},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٦]","level":2,"page":639},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٨]","level":2,"page":640},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٩]","level":2,"page":640},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٠]","level":2,"page":640},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٢]","level":2,"page":640},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٣]","level":2,"page":641},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٤]","level":2,"page":641},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٥]","level":2,"page":641},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٨]","level":2,"page":641},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٠]","level":2,"page":641},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٢ إلى ٤٥]","level":2,"page":642},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٧]","level":2,"page":642},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٨]","level":2,"page":642},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥١]","level":2,"page":643},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٢]","level":2,"page":643},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٨]","level":2,"page":643},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٠]","level":2,"page":643},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٧]","level":2,"page":643},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧١]","level":2,"page":644},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٣]","level":2,"page":644},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٤]","level":2,"page":644},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٨]","level":2,"page":644},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٩]","level":2,"page":644},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨١]","level":2,"page":645},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٢]","level":2,"page":645},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٤]","level":2,"page":645},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٥]","level":2,"page":645},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٧]","level":2,"page":645},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٩]","level":2,"page":646},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٠]","level":2,"page":646},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩١]","level":2,"page":646},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٢]","level":2,"page":647},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٤]","level":2,"page":647},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٥]","level":2,"page":647},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]","level":2,"page":648},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٨]","level":2,"page":648},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٩]","level":2,"page":649},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٠]","level":2,"page":649},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠١]","level":2,"page":649},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٢]","level":2,"page":649},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٣]","level":2,"page":649},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٤]","level":2,"page":649},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٥]","level":2,"page":650},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٦]","level":2,"page":650},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٧]","level":2,"page":650},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٨]","level":2,"page":650},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٩]","level":2,"page":650},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١١]","level":2,"page":650},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١٢]","level":2,"page":650},{"title":"٢٢ شرح إعراب سورة الحج","level":1,"page":651},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١]","level":2,"page":651},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢]","level":2,"page":651},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣]","level":2,"page":651},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤]","level":2,"page":652},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥]","level":2,"page":652},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦]","level":2,"page":653},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٨]","level":2,"page":653},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٩]","level":2,"page":653},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٠]","level":2,"page":653},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١١]","level":2,"page":653},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٢]","level":2,"page":654},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٣]","level":2,"page":654},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٥]","level":2,"page":654},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٧]","level":2,"page":655},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٨]","level":2,"page":655},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٩]","level":2,"page":655},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٠]","level":2,"page":656},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٣]","level":2,"page":656},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٤]","level":2,"page":656},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٥]","level":2,"page":656},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":657},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٩]","level":2,"page":658},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٠]","level":2,"page":659},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣١]","level":2,"page":659},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٢]","level":2,"page":659},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٤]","level":2,"page":660},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٥]","level":2,"page":660},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]","level":2,"page":661},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٧]","level":2,"page":661},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٩]","level":2,"page":661},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٠]","level":2,"page":662},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":663},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٥]","level":2,"page":663},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٢]","level":2,"page":663},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٥]","level":2,"page":665},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٣]","level":2,"page":665},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٥]","level":2,"page":665},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٢]","level":2,"page":665},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٣]","level":2,"page":666},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٨]","level":2,"page":666},{"title":"٢٣ شرح إعراب سورة المؤمنين","level":1,"page":668},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١]","level":2,"page":668},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢]","level":2,"page":668},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣]","level":2,"page":668},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤]","level":2,"page":668},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":668},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧]","level":2,"page":669},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨]","level":2,"page":669},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠]","level":2,"page":669},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٠]","level":2,"page":670},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٩]","level":2,"page":670},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٣]","level":2,"page":670},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٦]","level":2,"page":670},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٠]","level":2,"page":671},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٤]","level":2,"page":671},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٠]","level":2,"page":672},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥١]","level":2,"page":672},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٢]","level":2,"page":672},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٣]","level":2,"page":672},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٤]","level":2,"page":673},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":673},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٧]","level":2,"page":673},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦١]","level":2,"page":673},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٢]","level":2,"page":673},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٣]","level":2,"page":673},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٧]","level":2,"page":674},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٩]","level":2,"page":674},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧١]","level":2,"page":674},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٢]","level":2,"page":674},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٣]","level":2,"page":674},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٤]","level":2,"page":675},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٥]","level":2,"page":675},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٦]","level":2,"page":675},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٧]","level":2,"page":675},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":675},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٣ إلى ٩٤]","level":2,"page":675},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٦]","level":2,"page":676},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٧]","level":2,"page":676},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٩]","level":2,"page":676},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٠]","level":2,"page":676},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠١]","level":2,"page":676},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٤]","level":2,"page":677},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]","level":2,"page":677},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٨]","level":2,"page":677},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٩]","level":2,"page":677},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٠]","level":2,"page":677},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٢]","level":2,"page":678},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٣]","level":2,"page":678},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٦]","level":2,"page":678},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٨]","level":2,"page":678},{"title":"٢٤ شرح إعراب سورة النور","level":1,"page":679},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١]","level":2,"page":679},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢]","level":2,"page":679},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣]","level":2,"page":679},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤]","level":2,"page":680},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥]","level":2,"page":680},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦]","level":2,"page":680},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٧]","level":2,"page":680},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٠]","level":2,"page":681},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١١]","level":2,"page":681},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٢]","level":2,"page":681},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٥]","level":2,"page":681},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٧]","level":2,"page":682},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١٩]","level":2,"page":682},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢١]","level":2,"page":682},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٢]","level":2,"page":682},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٣]","level":2,"page":682},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٥]","level":2,"page":682},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٦]","level":2,"page":683},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٧]","level":2,"page":683},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":683},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٢]","level":2,"page":684},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٣]","level":2,"page":685},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٥]","level":2,"page":685},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٦]","level":2,"page":687},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٧]","level":2,"page":688},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٩]","level":2,"page":688},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٠]","level":2,"page":688},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤١]","level":2,"page":689},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٣]","level":2,"page":689},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٤]","level":2,"page":690},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٥]","level":2,"page":690},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٩]","level":2,"page":691},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٠]","level":2,"page":691},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥١]","level":2,"page":691},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٣]","level":2,"page":691},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٤]","level":2,"page":691},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٥]","level":2,"page":691},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٧]","level":2,"page":692},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٨]","level":2,"page":692},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٩]","level":2,"page":693},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٠]","level":2,"page":693},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦١]","level":2,"page":694},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٢]","level":2,"page":694},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٣]","level":2,"page":695},{"title":"٢٥ شرح إعراب سورة الفرقان","level":1,"page":696},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١]","level":2,"page":696},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢]","level":2,"page":696},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥]","level":2,"page":696},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧]","level":2,"page":697},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٨]","level":2,"page":697},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٩]","level":2,"page":697},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٠]","level":2,"page":697},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٣]","level":2,"page":698},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٤]","level":2,"page":698},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٥]","level":2,"page":698},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٨]","level":2,"page":698},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٩]","level":2,"page":699},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٠]","level":2,"page":699},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٢]","level":2,"page":700},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٣]","level":2,"page":700},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٤]","level":2,"page":700},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٥]","level":2,"page":700},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٦]","level":2,"page":700},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٧]","level":2,"page":701},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٨]","level":2,"page":701},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٠]","level":2,"page":701},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":701},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٣]","level":2,"page":702},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٤]","level":2,"page":702},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٥]","level":2,"page":702},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٦]","level":2,"page":702},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٧]","level":2,"page":703},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٨]","level":2,"page":703},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٩]","level":2,"page":703},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٠]","level":2,"page":703},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤١]","level":2,"page":703},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٣]","level":2,"page":704},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٤]","level":2,"page":704},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٥]","level":2,"page":704},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]","level":2,"page":704},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٠]","level":2,"page":704},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٤]","level":2,"page":705},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٥]","level":2,"page":705},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٧]","level":2,"page":705},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٩]","level":2,"page":705},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٠]","level":2,"page":706},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦١]","level":2,"page":706},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٢]","level":2,"page":706},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٣]","level":2,"page":706},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٦]","level":2,"page":707},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٧]","level":2,"page":707},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٨]","level":2,"page":708},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٩]","level":2,"page":708},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٠]","level":2,"page":708},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧١]","level":2,"page":708},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٣]","level":2,"page":708},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٤]","level":2,"page":708},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٥]","level":2,"page":708},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٦]","level":2,"page":709},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٧]","level":2,"page":709},{"title":"٢٦ شرح إعراب سورة الشعراء","level":1,"page":710},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١]","level":2,"page":710},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢]","level":2,"page":710},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣]","level":2,"page":710},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤]","level":2,"page":711},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧]","level":2,"page":711},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠]","level":2,"page":711},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١]","level":2,"page":711},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":711},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧]","level":2,"page":711},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨]","level":2,"page":712},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩]","level":2,"page":712},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠]","level":2,"page":712},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢]","level":2,"page":712},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":713},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٥]","level":2,"page":713},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٦]","level":2,"page":713},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":713},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":713},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣١]","level":2,"page":713},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٦]","level":2,"page":713},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤١]","level":2,"page":714},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٦]","level":2,"page":714},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٩]","level":2,"page":714},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٠]","level":2,"page":714},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥١]","level":2,"page":714},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٢]","level":2,"page":714},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٤]","level":2,"page":714},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٥]","level":2,"page":715},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٦]","level":2,"page":715},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٩]","level":2,"page":715},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦١]","level":2,"page":715},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٩]","level":2,"page":716},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":2,"page":716},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٣]","level":2,"page":716},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٧]","level":2,"page":717},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":717},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٢]","level":2,"page":717},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٤]","level":2,"page":717},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٥]","level":2,"page":717},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٩]","level":2,"page":717},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٠]","level":2,"page":718},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠١]","level":2,"page":718},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٢]","level":2,"page":718},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٥]","level":2,"page":718},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١١]","level":2,"page":718},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١٩]","level":2,"page":718},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٨]","level":2,"page":718},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٩]","level":2,"page":718},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣٧]","level":2,"page":719},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٨]","level":2,"page":719},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٩]","level":2,"page":719},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٥]","level":2,"page":720},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٦]","level":2,"page":720},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٧]","level":2,"page":720},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧١]","level":2,"page":720},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧٦]","level":2,"page":721},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٤]","level":2,"page":721},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٢ إلى ١٩٣]","level":2,"page":721},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٦]","level":2,"page":722},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٧]","level":2,"page":722},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٨]","level":2,"page":722},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٠ إلى ٢٠١]","level":2,"page":723},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٥]","level":2,"page":723},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٦]","level":2,"page":723},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٧]","level":2,"page":723},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٨ إلى ٢٠٩]","level":2,"page":723},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٠]","level":2,"page":723},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١١ إلى ٢١٢]","level":2,"page":724},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٣ إلى ٢١٤]","level":2,"page":724},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٥]","level":2,"page":724},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٦]","level":2,"page":724},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢١]","level":2,"page":724},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٢]","level":2,"page":724},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٣]","level":2,"page":724},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٤]","level":2,"page":725},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٥]","level":2,"page":725},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٧]","level":2,"page":725},{"title":"٢٧ شرح إعراب سورة النمل","level":1,"page":726},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١]","level":2,"page":726},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢]","level":2,"page":726},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣]","level":2,"page":726},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤]","level":2,"page":726},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥]","level":2,"page":726},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":727},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨]","level":2,"page":727},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٠]","level":2,"page":727},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١١]","level":2,"page":728},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٢]","level":2,"page":728},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٣]","level":2,"page":729},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٦]","level":2,"page":729},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٧]","level":2,"page":729},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٨]","level":2,"page":729},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٠]","level":2,"page":729},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢١]","level":2,"page":729},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٢]","level":2,"page":730},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":732},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٨]","level":2,"page":733},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٠]","level":2,"page":734},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣١]","level":2,"page":734},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٢]","level":2,"page":734},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":734},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٥]","level":2,"page":735},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٦]","level":2,"page":735},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٧]","level":2,"page":735},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٨]","level":2,"page":735},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٣٩]","level":2,"page":736},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٠]","level":2,"page":736},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤١]","level":2,"page":736},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٢]","level":2,"page":736},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٣]","level":2,"page":736},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٤]","level":2,"page":737},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٥]","level":2,"page":737},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٦]","level":2,"page":737},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٧]","level":2,"page":737},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٨]","level":2,"page":738},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٩]","level":2,"page":738},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٠]","level":2,"page":738},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥١]","level":2,"page":738},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٢]","level":2,"page":739},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٤]","level":2,"page":739},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٥]","level":2,"page":739},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٦]","level":2,"page":739},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٩]","level":2,"page":739},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٠]","level":2,"page":740},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٥]","level":2,"page":740},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٦]","level":2,"page":740},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٧]","level":2,"page":741},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨١]","level":2,"page":742},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٢]","level":2,"page":742},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٧]","level":2,"page":743},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٨]","level":2,"page":743},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٩]","level":2,"page":744},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩٠]","level":2,"page":744},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩١]","level":2,"page":744},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩٢]","level":2,"page":745},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩٣]","level":2,"page":745},{"title":"٢٨ شرح إعراب سورة القصص","level":1,"page":746},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":746},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤]","level":2,"page":746},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥]","level":2,"page":746},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦]","level":2,"page":747},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧]","level":2,"page":747},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨]","level":2,"page":747},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٩]","level":2,"page":747},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٠]","level":2,"page":748},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٢]","level":2,"page":748},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٤]","level":2,"page":748},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٥]","level":2,"page":749},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٧]","level":2,"page":749},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٨]","level":2,"page":750},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ١٩]","level":2,"page":750},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٢]","level":2,"page":751},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٣]","level":2,"page":751},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٤]","level":2,"page":751},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٥]","level":2,"page":752},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٦]","level":2,"page":752},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٨]","level":2,"page":752},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٩]","level":2,"page":752},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٠]","level":2,"page":753},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣١]","level":2,"page":753},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٢]","level":2,"page":753},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٤]","level":2,"page":753},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٨]","level":2,"page":754},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٣]","level":2,"page":754},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٤]","level":2,"page":754},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٦]","level":2,"page":754},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٧]","level":2,"page":754},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٩]","level":2,"page":754},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":755},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٧]","level":2,"page":755},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٥٨]","level":2,"page":755},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦١]","level":2,"page":756},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٤]","level":2,"page":756},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٦]","level":2,"page":756},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٨]","level":2,"page":756},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":2,"page":756},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٥]","level":2,"page":756},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٦]","level":2,"page":757},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧٨]","level":2,"page":757},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٢]","level":2,"page":758},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٣]","level":2,"page":758},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٤]","level":2,"page":758},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٨]","level":2,"page":758},{"title":"٢٩ شرح إعراب سورة العنكبوت","level":1,"page":759},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":759},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣]","level":2,"page":759},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤]","level":2,"page":759},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥]","level":2,"page":760},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٨]","level":2,"page":760},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١١]","level":2,"page":760},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٢]","level":2,"page":760},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٣]","level":2,"page":761},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٤]","level":2,"page":761},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":762},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٧]","level":2,"page":762},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٢]","level":2,"page":763},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٤]","level":2,"page":763},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٥]","level":2,"page":763},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٧]","level":2,"page":764},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٨]","level":2,"page":764},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٩]","level":2,"page":764},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٣]","level":2,"page":765},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٨]","level":2,"page":765},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٩]","level":2,"page":765},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٠]","level":2,"page":766},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤١]","level":2,"page":766},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٢]","level":2,"page":766},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٥]","level":2,"page":766},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٦]","level":2,"page":767},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٨]","level":2,"page":767},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٩]","level":2,"page":767},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":767},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٠]","level":2,"page":767},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٦]","level":2,"page":768},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٩]","level":2,"page":768},{"title":"٣٠ شرح إعراب سورة الروم","level":1,"page":769},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":769},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤]","level":2,"page":769},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٦]","level":2,"page":771},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٧]","level":2,"page":771},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٨]","level":2,"page":772},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٩]","level":2,"page":772},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٠]","level":2,"page":772},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٢]","level":2,"page":772},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٣]","level":2,"page":773},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٥]","level":2,"page":773},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٧]","level":2,"page":773},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٨]","level":2,"page":774},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":774},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٢]","level":2,"page":774},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٥]","level":2,"page":774},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٦]","level":2,"page":775},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٧]","level":2,"page":775},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٨]","level":2,"page":775},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٩]","level":2,"page":776},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٠]","level":2,"page":776},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣١]","level":2,"page":776},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٢]","level":2,"page":776},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٣]","level":2,"page":777},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٤]","level":2,"page":777},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٥]","level":2,"page":777},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٦]","level":2,"page":777},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٨]","level":2,"page":777},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤١]","level":2,"page":778},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٣]","level":2,"page":779},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٧]","level":2,"page":779},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٨]","level":2,"page":779},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":779},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥١]","level":2,"page":780},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":780},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٤]","level":2,"page":780},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٥]","level":2,"page":781},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٦]","level":2,"page":781},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٧]","level":2,"page":781},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٨]","level":2,"page":781},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٦٠]","level":2,"page":782},{"title":"٣١ شرح إعراب سورة لقمان","level":1,"page":783},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":783},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣]","level":2,"page":783},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٤]","level":2,"page":783},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٦]","level":2,"page":783},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٧]","level":2,"page":784},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٠]","level":2,"page":784},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١١]","level":2,"page":784},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٢]","level":2,"page":784},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٣]","level":2,"page":785},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٦]","level":2,"page":785},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٧]","level":2,"page":786},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٨]","level":2,"page":786},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٩]","level":2,"page":786},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٠]","level":2,"page":786},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢١]","level":2,"page":787},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٢]","level":2,"page":787},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٧]","level":2,"page":787},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٨]","level":2,"page":788},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٩]","level":2,"page":788},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٢]","level":2,"page":788},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٤]","level":2,"page":789},{"title":"٣٢ شرح إعراب سورة السجدة","level":1,"page":790},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":790},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":790},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٧]","level":2,"page":790},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٨]","level":2,"page":791},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٩]","level":2,"page":791},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٠]","level":2,"page":791},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١١]","level":2,"page":791},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٢]","level":2,"page":792},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٣]","level":2,"page":792},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٤]","level":2,"page":792},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٥]","level":2,"page":793},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٦]","level":2,"page":793},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٧]","level":2,"page":793},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٨]","level":2,"page":793},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":794},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢١]","level":2,"page":794},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٢]","level":2,"page":794},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٣]","level":2,"page":794},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٤]","level":2,"page":794},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٦]","level":2,"page":795},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٧]","level":2,"page":795},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٨]","level":2,"page":796},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٩]","level":2,"page":796},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٣٠]","level":2,"page":796},{"title":"٣٣ شرح إعراب سورة الأحزاب","level":1,"page":797},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١]","level":2,"page":797},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢]","level":2,"page":797},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣]","level":2,"page":797},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤]","level":2,"page":797},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥]","level":2,"page":798},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦]","level":2,"page":798},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧]","level":2,"page":799},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٨]","level":2,"page":799},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٩]","level":2,"page":799},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٠]","level":2,"page":800},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١١]","level":2,"page":800},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":800},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":801},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٦]","level":2,"page":801},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٨]","level":2,"page":802},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٩]","level":2,"page":802},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٠]","level":2,"page":802},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢١]","level":2,"page":803},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٢]","level":2,"page":803},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٣]","level":2,"page":803},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":803},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٧]","level":2,"page":804},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٨]","level":2,"page":804},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣١]","level":2,"page":804},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٢]","level":2,"page":805},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":805},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]","level":2,"page":807},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]","level":2,"page":807},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]","level":2,"page":807},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٨]","level":2,"page":808},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٩]","level":2,"page":808},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٠]","level":2,"page":808},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٢]","level":2,"page":809},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٣]","level":2,"page":809},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٤]","level":2,"page":809},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٥]","level":2,"page":810},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٦]","level":2,"page":810},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٧]","level":2,"page":810},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٨]","level":2,"page":810},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":810},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥١]","level":2,"page":811},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٢]","level":2,"page":811},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٣]","level":2,"page":812},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٦]","level":2,"page":813},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٧]","level":2,"page":813},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٨]","level":2,"page":813},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٩]","level":2,"page":813},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":814},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٢]","level":2,"page":815},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":815},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٦]","level":2,"page":815},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":815},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٩]","level":2,"page":816},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٠]","level":2,"page":816},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٢]","level":2,"page":816},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٣]","level":2,"page":816},{"title":"٣٤ شرح إعراب سورة سبأ","level":1,"page":818},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١]","level":2,"page":818},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢]","level":2,"page":818},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣]","level":2,"page":818},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":819},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٦]","level":2,"page":819},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٧]","level":2,"page":819},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٨]","level":2,"page":819},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٠]","level":2,"page":820},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١١]","level":2,"page":820},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٢]","level":2,"page":820},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٣]","level":2,"page":821},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٤]","level":2,"page":822},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٥]","level":2,"page":822},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٦]","level":2,"page":823},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٧]","level":2,"page":824},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٨]","level":2,"page":824},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٩]","level":2,"page":825},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٠]","level":2,"page":826},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢١]","level":2,"page":826},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٢]","level":2,"page":826},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٣]","level":2,"page":827},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٤]","level":2,"page":827},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٧]","level":2,"page":828},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٨]","level":2,"page":828},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٠]","level":2,"page":828},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣١]","level":2,"page":829},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٢]","level":2,"page":829},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٣]","level":2,"page":829},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٤]","level":2,"page":830},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٦]","level":2,"page":830},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٧]","level":2,"page":830},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٩]","level":2,"page":832},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٠]","level":2,"page":832},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤١]","level":2,"page":832},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٦]","level":2,"page":832},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٨]","level":2,"page":832},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٩]","level":2,"page":833},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٠]","level":2,"page":833},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥١]","level":2,"page":833},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٢]","level":2,"page":833},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٣]","level":2,"page":834},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٤]","level":2,"page":834},{"title":"٣٥ شرح إعراب سورة فاطر","level":1,"page":835},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١]","level":2,"page":835},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢]","level":2,"page":835},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣]","level":2,"page":835},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤]","level":2,"page":836},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٥]","level":2,"page":836},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٦]","level":2,"page":836},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٧]","level":2,"page":837},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٨]","level":2,"page":837},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٩]","level":2,"page":837},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٠]","level":2,"page":838},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١١]","level":2,"page":839},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":839},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٤]","level":2,"page":840},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٥]","level":2,"page":840},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٦]","level":2,"page":841},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٨]","level":2,"page":841},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":2,"page":841},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٥]","level":2,"page":842},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٧]","level":2,"page":842},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٨]","level":2,"page":842},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٩]","level":2,"page":842},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":843},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٤]","level":2,"page":844},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٥]","level":2,"page":844},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٦]","level":2,"page":845},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٧]","level":2,"page":845},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٨]","level":2,"page":845},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٩]","level":2,"page":845},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٠]","level":2,"page":846},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤١]","level":2,"page":846},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٢]","level":2,"page":846},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٣]","level":2,"page":847},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٤]","level":2,"page":848},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٥]","level":2,"page":848},{"title":"٣٦ شرح إعراب سورة يس","level":1,"page":849},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١]","level":2,"page":849},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢]","level":2,"page":849},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣]","level":2,"page":849},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤]","level":2,"page":850},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥]","level":2,"page":850},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦]","level":2,"page":850},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧]","level":2,"page":850},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨]","level":2,"page":850},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٩]","level":2,"page":851},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٠]","level":2,"page":852},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١١]","level":2,"page":852},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٢]","level":2,"page":852},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٣]","level":2,"page":852},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٤]","level":2,"page":853},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٥]","level":2,"page":853},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٨]","level":2,"page":853},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٩]","level":2,"page":853},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٠]","level":2,"page":854},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢١]","level":2,"page":854},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٢]","level":2,"page":854},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٣]","level":2,"page":854},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٥]","level":2,"page":854},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٦]","level":2,"page":854},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٧]","level":2,"page":855},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٨]","level":2,"page":855},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٩]","level":2,"page":855},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٠]","level":2,"page":855},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣١]","level":2,"page":856},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٢]","level":2,"page":857},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٣]","level":2,"page":857},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٥]","level":2,"page":857},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٦]","level":2,"page":857},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٧]","level":2,"page":857},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٨]","level":2,"page":857},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٣٩]","level":2,"page":857},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٠]","level":2,"page":858},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤١]","level":2,"page":858},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":859},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٤]","level":2,"page":859},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٩]","level":2,"page":859},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٠]","level":2,"page":860},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥١]","level":2,"page":860},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٢]","level":2,"page":861},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٣]","level":2,"page":861},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٥]","level":2,"page":861},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٦]","level":2,"page":862},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٧]","level":2,"page":862},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٨]","level":2,"page":862},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٥٩]","level":2,"page":862},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٠]","level":2,"page":862},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦١]","level":2,"page":862},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٢]","level":2,"page":863},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٦]","level":2,"page":863},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٧]","level":2,"page":863},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٨]","level":2,"page":864},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٦٩]","level":2,"page":864},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٠]","level":2,"page":864},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧١]","level":2,"page":865},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٢]","level":2,"page":865},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٣]","level":2,"page":865},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٤]","level":2,"page":866},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٥]","level":2,"page":866},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٧٦]","level":2,"page":866},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":866},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":866},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨٢]","level":2,"page":866},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨٣]","level":2,"page":867},{"title":"٣٧ شرح إعراب سورة الصافات","level":1,"page":868},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":868},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤]","level":2,"page":868},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥]","level":2,"page":868},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦]","level":2,"page":868},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧]","level":2,"page":869},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨]","level":2,"page":869},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩]","level":2,"page":870},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠]","level":2,"page":870},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١]","level":2,"page":870},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢]","level":2,"page":870},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤]","level":2,"page":871},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٩]","level":2,"page":871},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٠]","level":2,"page":871},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢١]","level":2,"page":872},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":872},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٤]","level":2,"page":872},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٥]","level":2,"page":872},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٦]","level":2,"page":872},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":872},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٩]","level":2,"page":873},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٠]","level":2,"page":873},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣١]","level":2,"page":873},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٢]","level":2,"page":873},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٣]","level":2,"page":873},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٤]","level":2,"page":873},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٥]","level":2,"page":874},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٨]","level":2,"page":874},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٠]","level":2,"page":874},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٢]","level":2,"page":874},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٤]","level":2,"page":874},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٥]","level":2,"page":874},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٦]","level":2,"page":874},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٧]","level":2,"page":874},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٨]","level":2,"page":875},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٩]","level":2,"page":875},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٠ إلى ٥٢]","level":2,"page":875},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٤]","level":2,"page":876},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٥]","level":2,"page":877},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٦]","level":2,"page":877},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٧]","level":2,"page":877},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":877},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٠]","level":2,"page":877},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦١]","level":2,"page":878},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٢]","level":2,"page":878},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٣]","level":2,"page":878},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٤]","level":2,"page":878},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٥]","level":2,"page":878},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٦ إلى ٦٨]","level":2,"page":878},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٠]","level":2,"page":878},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٥]","level":2,"page":879},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٦]","level":2,"page":879},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٧]","level":2,"page":879},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":879},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٠]","level":2,"page":879},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٢]","level":2,"page":879},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٣]","level":2,"page":880},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٤]","level":2,"page":880},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٥]","level":2,"page":880},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٦]","level":2,"page":880},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٧]","level":2,"page":880},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٨]","level":2,"page":880},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٩]","level":2,"page":880},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٠]","level":2,"page":880},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩١ إلى ٩٤]","level":2,"page":881},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٥]","level":2,"page":881},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٦]","level":2,"page":881},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٩]","level":2,"page":881},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٠]","level":2,"page":882},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠١]","level":2,"page":882},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٢]","level":2,"page":882},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٥]","level":2,"page":883},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٦]","level":2,"page":884},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٧]","level":2,"page":884},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٣]","level":2,"page":884},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٥]","level":2,"page":884},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٦]","level":2,"page":884},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٣]","level":2,"page":885},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٥]","level":2,"page":885},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٦]","level":2,"page":885},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٠]","level":2,"page":885},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٥ إلى ١٣٧]","level":2,"page":886},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٨]","level":2,"page":886},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٩]","level":2,"page":886},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٠]","level":2,"page":887},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤١]","level":2,"page":887},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٢]","level":2,"page":887},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٣ إلى ١٤٤]","level":2,"page":887},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٥]","level":2,"page":887},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٦]","level":2,"page":888},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٧]","level":2,"page":888},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٨ إلى ١٤٩]","level":2,"page":889},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٥٠]","level":2,"page":889},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٥١]","level":2,"page":890},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٤]","level":2,"page":890},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٥٨]","level":2,"page":890},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٠]","level":2,"page":890},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦١ إلى ١٦٢]","level":2,"page":890},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٣]","level":2,"page":891},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٤]","level":2,"page":891},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦٥ إلى ١٦٦]","level":2,"page":891},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٧]","level":2,"page":892},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦٨ إلى ١٦٩]","level":2,"page":892},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٠]","level":2,"page":892},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧١]","level":2,"page":892},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٢]","level":2,"page":892},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٣]","level":2,"page":892},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٤]","level":2,"page":892},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٧]","level":2,"page":892},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١٨٠]","level":2,"page":892},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٨١ إلى ١٨٢]","level":2,"page":892},{"title":"٣٨ شرح إعراب سورة ص","level":1,"page":893},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١]","level":2,"page":893},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢]","level":2,"page":893},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣]","level":2,"page":894},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥]","level":2,"page":896},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦]","level":2,"page":896},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":897},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":897},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٢]","level":2,"page":897},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٤]","level":2,"page":898},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٥]","level":2,"page":898},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٦]","level":2,"page":898},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٧]","level":2,"page":898},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ١٨]","level":2,"page":899},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":899},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢١]","level":2,"page":899},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٢]","level":2,"page":899},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٣]","level":2,"page":900},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٤]","level":2,"page":900},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٥]","level":2,"page":901},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٦]","level":2,"page":901},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":901},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٩]","level":2,"page":901},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٠]","level":2,"page":901},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣١]","level":2,"page":902},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":902},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٤]","level":2,"page":902},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٥]","level":2,"page":902},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٠]","level":2,"page":902},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤١]","level":2,"page":903},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٢]","level":2,"page":903},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٣]","level":2,"page":903},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٤]","level":2,"page":904},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٥]","level":2,"page":904},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٦]","level":2,"page":904},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٧]","level":2,"page":904},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":905},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥١]","level":2,"page":905},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥٢]","level":2,"page":905},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥٥]","level":2,"page":906},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥٦]","level":2,"page":906},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٥٧]","level":2,"page":906},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":907},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦١]","level":2,"page":907},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٢]","level":2,"page":907},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٣]","level":2,"page":907},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٤]","level":2,"page":907},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٥]","level":2,"page":908},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٦]","level":2,"page":908},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٧]","level":2,"page":908},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٨]","level":2,"page":908},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٦٩]","level":2,"page":908},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٠]","level":2,"page":908},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٢]","level":2,"page":908},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٥]","level":2,"page":908},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٦]","level":2,"page":909},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٧٧]","level":2,"page":909},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٩ إلى ٨١]","level":2,"page":909},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨٢]","level":2,"page":909},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٤ إلى ٨٧]","level":2,"page":909},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٨٨]","level":2,"page":910},{"title":"٣٩ شرح إعراب سورة الزمر","level":1,"page":911},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١]","level":2,"page":911},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣]","level":2,"page":911},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤]","level":2,"page":912},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥]","level":2,"page":912},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦]","level":2,"page":912},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧]","level":2,"page":912},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٨]","level":2,"page":912},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٩]","level":2,"page":912},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٠ إلى ١٣]","level":2,"page":914},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٤]","level":2,"page":914},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٥]","level":2,"page":914},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٦]","level":2,"page":914},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":2,"page":915},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٠]","level":2,"page":915},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢١]","level":2,"page":915},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٢]","level":2,"page":915},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٣]","level":2,"page":916},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":916},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٦]","level":2,"page":916},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":916},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٩]","level":2,"page":916},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٠]","level":2,"page":917},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣١]","level":2,"page":917},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٢]","level":2,"page":917},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":918},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":918},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٨]","level":2,"page":918},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":919},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤١]","level":2,"page":919},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":919},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٤]","level":2,"page":920},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٥]","level":2,"page":920},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٦]","level":2,"page":920},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٧]","level":2,"page":920},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٨]","level":2,"page":920},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٩]","level":2,"page":920},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٠ إلى ٥٢]","level":2,"page":921},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٣]","level":2,"page":921},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":921},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٦]","level":2,"page":922},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٧]","level":2,"page":922},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٨]","level":2,"page":922},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٩]","level":2,"page":923},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٠]","level":2,"page":923},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦١]","level":2,"page":923},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٢]","level":2,"page":923},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٣]","level":2,"page":923},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٤]","level":2,"page":924},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٥]","level":2,"page":924},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٦]","level":2,"page":924},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٧]","level":2,"page":924},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]","level":2,"page":925},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧١ إلى ٧٣]","level":2,"page":925},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٤]","level":2,"page":926},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٥]","level":2,"page":926},{"title":"٤٠ شرح إعراب سورة الطول (غافر)","level":1,"page":927},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١]","level":2,"page":927},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢]","level":2,"page":927},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣]","level":2,"page":927},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤]","level":2,"page":928},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥]","level":2,"page":928},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦]","level":2,"page":928},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧]","level":2,"page":928},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨]","level":2,"page":928},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٩]","level":2,"page":928},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":929},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":929},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٤]","level":2,"page":929},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٥]","level":2,"page":929},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":929},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٨]","level":2,"page":930},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٩]","level":2,"page":930},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٠]","level":2,"page":930},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":930},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٣]","level":2,"page":931},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٤]","level":2,"page":931},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٥]","level":2,"page":931},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":931},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٨]","level":2,"page":932},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":932},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣١]","level":2,"page":932},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٢]","level":2,"page":932},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٣]","level":2,"page":932},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٤]","level":2,"page":933},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٥]","level":2,"page":933},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":933},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٨ إلى ٤٢]","level":2,"page":933},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٣]","level":2,"page":934},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":934},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٦]","level":2,"page":934},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٧]","level":2,"page":935},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٨]","level":2,"page":935},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":935},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":2,"page":936},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٤]","level":2,"page":937},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٥]","level":2,"page":937},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٦]","level":2,"page":937},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٧]","level":2,"page":937},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٠]","level":2,"page":938},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦١ إلى ٦٣]","level":2,"page":938},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٤]","level":2,"page":938},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٥]","level":2,"page":938},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٧ إلى ٧٠]","level":2,"page":939},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧١ إلى ٧٤]","level":2,"page":939},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٥]","level":2,"page":939},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧٦]","level":2,"page":940},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":2,"page":940},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٩ إلى ٨٠]","level":2,"page":940},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨١]","level":2,"page":940},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨٢]","level":2,"page":940},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٨٣]","level":2,"page":941},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨٤ إلى ٨٥]","level":2,"page":941},{"title":"٤١ شرح إعراب سورة السجدة (فصلت)","level":1,"page":942},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":942},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤]","level":2,"page":942},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥]","level":2,"page":942},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٦]","level":2,"page":943},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٧]","level":2,"page":943},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٨]","level":2,"page":943},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٩]","level":2,"page":943},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٠]","level":2,"page":944},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١١]","level":2,"page":944},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٢]","level":2,"page":944},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٣]","level":2,"page":945},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":946},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ١٦]","level":2,"page":946},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":946},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":2,"page":947},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٣]","level":2,"page":948},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٤]","level":2,"page":948},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٥]","level":2,"page":948},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":949},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":949},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٠]","level":2,"page":950},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣١]","level":2,"page":950},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٢]","level":2,"page":950},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٣]","level":2,"page":950},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٤]","level":2,"page":951},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٥]","level":2,"page":951},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":2,"page":951},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٩]","level":2,"page":952},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٠]","level":2,"page":952},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤١]","level":2,"page":952},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٢]","level":2,"page":953},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٣]","level":2,"page":953},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٤]","level":2,"page":953},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٥]","level":2,"page":954},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٦]","level":2,"page":954},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٤٧]","level":2,"page":954},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٨ إلى ٥١]","level":2,"page":955},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥٢]","level":2,"page":955},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥٣]","level":2,"page":955},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٥٤]","level":2,"page":956},{"title":"٤٢ شرح إعراب سورة حم عسق (الشورى)","level":1,"page":957},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":957},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥]","level":2,"page":957},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٦]","level":2,"page":958},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٧]","level":2,"page":958},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٨]","level":2,"page":958},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٩]","level":2,"page":958},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٠]","level":2,"page":958},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١١]","level":2,"page":958},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٢]","level":2,"page":959},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٣]","level":2,"page":959},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٤]","level":2,"page":960},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٥]","level":2,"page":960},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٦]","level":2,"page":961},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ١٧]","level":2,"page":961},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":962},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":962},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٢]","level":2,"page":962},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٣]","level":2,"page":963},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":963},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٦]","level":2,"page":964},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":2,"page":964},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٠]","level":2,"page":965},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣١]","level":2,"page":965},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٢]","level":2,"page":965},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":965},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٦]","level":2,"page":966},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٧]","level":2,"page":966},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٨]","level":2,"page":968},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٩]","level":2,"page":968},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٠]","level":2,"page":968},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤١]","level":2,"page":969},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٢]","level":2,"page":969},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٣]","level":2,"page":969},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٤]","level":2,"page":969},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٥]","level":2,"page":969},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٦]","level":2,"page":970},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٧]","level":2,"page":970},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":970},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥٠]","level":2,"page":970},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥١]","level":2,"page":970},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥٢]","level":2,"page":972},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥٣]","level":2,"page":972},{"title":"٤٣ شرح إعراب سورة الزخرف","level":1,"page":973},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":973},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤]","level":2,"page":973},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥]","level":2,"page":973},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":974},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨]","level":2,"page":974},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٠]","level":2,"page":974},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١١]","level":2,"page":975},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٢]","level":2,"page":975},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٣]","level":2,"page":975},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٤]","level":2,"page":975},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٥]","level":2,"page":975},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٦]","level":2,"page":976},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٧]","level":2,"page":976},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٨]","level":2,"page":976},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":2,"page":977},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٢ إلى ٢٦]","level":2,"page":978},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٧]","level":2,"page":978},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٨]","level":2,"page":978},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣١]","level":2,"page":979},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٢]","level":2,"page":979},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":979},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٥]","level":2,"page":980},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٦]","level":2,"page":981},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٧]","level":2,"page":981},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٨]","level":2,"page":981},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":981},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":2,"page":982},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٤]","level":2,"page":982},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٨]","level":2,"page":982},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":982},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥١]","level":2,"page":983},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٢]","level":2,"page":983},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٣]","level":2,"page":983},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":984},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٦]","level":2,"page":984},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٧]","level":2,"page":984},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٨]","level":2,"page":985},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٩]","level":2,"page":985},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٠]","level":2,"page":985},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":985},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":2,"page":986},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":987},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٧]","level":2,"page":987},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٨]","level":2,"page":987},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٩]","level":2,"page":987},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٠]","level":2,"page":987},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧١]","level":2,"page":987},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":988},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":988},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٦]","level":2,"page":988},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٧]","level":2,"page":988},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٠]","level":2,"page":989},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨١ إلى ٨٣]","level":2,"page":989},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٤ إلى ٨٥]","level":2,"page":989},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":989},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":2,"page":989},{"title":"٤٤ شرح إعراب سورة حم (الدخان)","level":1,"page":991},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":991},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣]","level":2,"page":991},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤]","level":2,"page":991},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥]","level":2,"page":991},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٦]","level":2,"page":992},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":992},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٠]","level":2,"page":992},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":992},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":992},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٥]","level":2,"page":992},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":993},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٨]","level":2,"page":993},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ١٩]","level":2,"page":993},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":993},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٢]","level":2,"page":993},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٣]","level":2,"page":993},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٤]","level":2,"page":993},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٥]","level":2,"page":994},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٦]","level":2,"page":994},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٧]","level":2,"page":994},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٨]","level":2,"page":995},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٩]","level":2,"page":995},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٠]","level":2,"page":995},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣١]","level":2,"page":995},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٢]","level":2,"page":995},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٣]","level":2,"page":995},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٩]","level":2,"page":996},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٠]","level":2,"page":996},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":996},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":996},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":997},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٧]","level":2,"page":997},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٨]","level":2,"page":997},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٩]","level":2,"page":997},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٠]","level":2,"page":997},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":2,"page":998},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":998},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٦]","level":2,"page":998},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٧]","level":2,"page":999},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٨]","level":2,"page":999},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٩]","level":2,"page":999},{"title":"٤٥ شرح إعراب سورة الجاثية","level":1,"page":1000},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1000},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣]","level":2,"page":1000},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1000},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٦]","level":2,"page":1001},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":2,"page":1002},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١١]","level":2,"page":1002},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٢]","level":2,"page":1002},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٣]","level":2,"page":1002},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1003},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":2,"page":1003},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1004},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢١]","level":2,"page":1004},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٢]","level":2,"page":1005},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٣]","level":2,"page":1005},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٤]","level":2,"page":1006},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":1007},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٧]","level":2,"page":1007},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٨]","level":2,"page":1007},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٩]","level":2,"page":1009},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٠]","level":2,"page":1009},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣١]","level":2,"page":1009},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٢]","level":2,"page":1010},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":1010},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٦]","level":2,"page":1011},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٧]","level":2,"page":1011},{"title":"٤٦ شرح إعراب سورة الأحقاف","level":1,"page":1012},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1012},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٤]","level":2,"page":1012},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٥]","level":2,"page":1013},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٦]","level":2,"page":1013},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٧]","level":2,"page":1013},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٨]","level":2,"page":1014},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٩]","level":2,"page":1014},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٠]","level":2,"page":1014},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١١]","level":2,"page":1015},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٢]","level":2,"page":1015},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1016},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٥]","level":2,"page":1016},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٦]","level":2,"page":1017},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٧]","level":2,"page":1017},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٠]","level":2,"page":1018},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":2,"page":1019},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٤]","level":2,"page":1020},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٥]","level":2,"page":1020},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٦]","level":2,"page":1021},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٧]","level":2,"page":1021},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٨]","level":2,"page":1022},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٩]","level":2,"page":1023},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٠]","level":2,"page":1023},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":1023},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٣]","level":2,"page":1023},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٤]","level":2,"page":1024},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٥]","level":2,"page":1024},{"title":"٤٧ شرح إعراب سورة محمد ﷺ","level":1,"page":1025},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1025},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣]","level":2,"page":1026},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1026},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٧]","level":2,"page":1027},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٨]","level":2,"page":1027},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٩]","level":2,"page":1027},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٠]","level":2,"page":1027},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١١]","level":2,"page":1028},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٢]","level":2,"page":1028},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٣]","level":2,"page":1028},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٤]","level":2,"page":1029},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٥]","level":2,"page":1029},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٦]","level":2,"page":1030},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٧]","level":2,"page":1030},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٨]","level":2,"page":1030},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1031},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢١]","level":2,"page":1031},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٢]","level":2,"page":1031},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":1032},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٥]","level":2,"page":1033},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٦]","level":2,"page":1033},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٧]","level":2,"page":1033},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٨]","level":2,"page":1034},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٢٩]","level":2,"page":1034},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٠]","level":2,"page":1034},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":2,"page":1034},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٤]","level":2,"page":1035},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٥]","level":2,"page":1035},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٦]","level":2,"page":1035},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٧]","level":2,"page":1035},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٨]","level":2,"page":1036},{"title":"٤٨ شرح إعراب سورة الفتح","level":1,"page":1037},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١]","level":2,"page":1037},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢]","level":2,"page":1037},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٣]","level":2,"page":1038},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٤]","level":2,"page":1038},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1038},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٨]","level":2,"page":1039},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٩]","level":2,"page":1039},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٠]","level":2,"page":1039},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١١]","level":2,"page":1039},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":1040},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1040},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٧]","level":2,"page":1041},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1041},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٠]","level":2,"page":1041},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢١]","level":2,"page":1042},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٢]","level":2,"page":1042},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٣]","level":2,"page":1042},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":1042},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٦]","level":2,"page":1043},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٧]","level":2,"page":1043},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٨]","level":2,"page":1044},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩]","level":2,"page":1044},{"title":"٤٩ شرح إعراب سورة الحجرات","level":1,"page":1046},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١]","level":2,"page":1046},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٢]","level":2,"page":1047},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٣]","level":2,"page":1048},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٤]","level":2,"page":1048},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٥]","level":2,"page":1048},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٦]","level":2,"page":1049},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1049},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٩]","level":2,"page":1049},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٠]","level":2,"page":1050},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١١]","level":2,"page":1050},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٢]","level":2,"page":1051},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٣]","level":2,"page":1052},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1052},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٦]","level":2,"page":1053},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٧]","level":2,"page":1053},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٨]","level":2,"page":1053},{"title":"٥٠ شرح إعراب سورة ق","level":1,"page":1054},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١]","level":2,"page":1054},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢]","level":2,"page":1054},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣]","level":2,"page":1054},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤]","level":2,"page":1055},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٥]","level":2,"page":1055},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٦]","level":2,"page":1055},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٧]","level":2,"page":1055},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٨]","level":2,"page":1055},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٩]","level":2,"page":1055},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٠]","level":2,"page":1056},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١١]","level":2,"page":1056},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":1056},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٥]","level":2,"page":1057},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٦]","level":2,"page":1057},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٧]","level":2,"page":1057},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٨]","level":2,"page":1057},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ١٩]","level":2,"page":1058},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٠]","level":2,"page":1058},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢١]","level":2,"page":1058},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٢]","level":2,"page":1058},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٣]","level":2,"page":1059},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٤]","level":2,"page":1059},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٥]","level":2,"page":1060},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٦]","level":2,"page":1060},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٧]","level":2,"page":1060},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٨]","level":2,"page":1060},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٢٩]","level":2,"page":1060},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٠]","level":2,"page":1060},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣١]","level":2,"page":1061},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٢]","level":2,"page":1061},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":1061},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٥]","level":2,"page":1061},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٦]","level":2,"page":1062},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٧]","level":2,"page":1062},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٨]","level":2,"page":1062},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":1062},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤١]","level":2,"page":1063},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٢]","level":2,"page":1063},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٣]","level":2,"page":1063},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٤]","level":2,"page":1063},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٤٥]","level":2,"page":1064},{"title":"٥١ شرح إعراب سورة الذاريات","level":1,"page":1065},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١]","level":2,"page":1065},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢]","level":2,"page":1065},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣]","level":2,"page":1065},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤]","level":2,"page":1065},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥]","level":2,"page":1065},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٦]","level":2,"page":1065},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1065},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٩]","level":2,"page":1066},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١٠]","level":2,"page":1066},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١١]","level":2,"page":1066},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١٢]","level":2,"page":1066},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١٣]","level":2,"page":1066},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١٤]","level":2,"page":1067},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١٥]","level":2,"page":1067},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١٦]","level":2,"page":1067},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١٧]","level":2,"page":1068},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١٨]","level":2,"page":1068},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ١٩]","level":2,"page":1068},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٠]","level":2,"page":1068},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢١]","level":2,"page":1068},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٢]","level":2,"page":1068},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٣]","level":2,"page":1069},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٤]","level":2,"page":1070},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٥]","level":2,"page":1070},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٦]","level":2,"page":1070},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٧]","level":2,"page":1070},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٨]","level":2,"page":1070},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٩]","level":2,"page":1071},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٠]","level":2,"page":1071},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣١]","level":2,"page":1071},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٢]","level":2,"page":1071},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٣]","level":2,"page":1071},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٤]","level":2,"page":1071},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٥]","level":2,"page":1071},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٦]","level":2,"page":1072},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٧]","level":2,"page":1072},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٨]","level":2,"page":1072},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٩]","level":2,"page":1072},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٠]","level":2,"page":1072},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤١]","level":2,"page":1073},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٢]","level":2,"page":1073},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٣]","level":2,"page":1073},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٤]","level":2,"page":1073},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٥]","level":2,"page":1073},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٦]","level":2,"page":1073},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٧]","level":2,"page":1074},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٨]","level":2,"page":1074},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٩]","level":2,"page":1075},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٠]","level":2,"page":1075},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥١]","level":2,"page":1075},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٢]","level":2,"page":1075},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٣]","level":2,"page":1075},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٤]","level":2,"page":1075},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٥]","level":2,"page":1076},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٦]","level":2,"page":1076},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٧]","level":2,"page":1076},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٨]","level":2,"page":1076},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٩]","level":2,"page":1076},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٦٠]","level":2,"page":1077},{"title":"٥٢ شرح إعراب سورة الطور","level":1,"page":1078},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ١]","level":2,"page":1078},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢]","level":2,"page":1078},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣]","level":2,"page":1078},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤]","level":2,"page":1078},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٥ إلى ٨]","level":2,"page":1078},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٩]","level":2,"page":1079},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ١٠]","level":2,"page":1079},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ١١]","level":2,"page":1079},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ١٢]","level":2,"page":1079},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ١٣]","level":2,"page":1079},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1079},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ١٦]","level":2,"page":1079},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ١٧]","level":2,"page":1080},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1080},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٠]","level":2,"page":1080},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢١]","level":2,"page":1080},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٢]","level":2,"page":1081},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٣]","level":2,"page":1081},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٤]","level":2,"page":1081},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٥]","level":2,"page":1081},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٦]","level":2,"page":1081},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٧]","level":2,"page":1081},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٨]","level":2,"page":1082},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢٩]","level":2,"page":1082},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٠]","level":2,"page":1082},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣١]","level":2,"page":1082},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٢]","level":2,"page":1082},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٣]","level":2,"page":1083},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٤]","level":2,"page":1083},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٥]","level":2,"page":1083},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٦]","level":2,"page":1083},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٧]","level":2,"page":1083},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٨]","level":2,"page":1083},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٣٩]","level":2,"page":1084},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٠]","level":2,"page":1084},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤١]","level":2,"page":1084},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٢]","level":2,"page":1084},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٣]","level":2,"page":1084},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٤]","level":2,"page":1084},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٥]","level":2,"page":1084},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٦]","level":2,"page":1085},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٧]","level":2,"page":1085},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٨]","level":2,"page":1085},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٤٩]","level":2,"page":1085},{"title":"٥٣ شرح إعراب سورة النجم","level":1,"page":1087},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1087},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1087},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥]","level":2,"page":1087},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٦]","level":2,"page":1087},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٧]","level":2,"page":1087},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٨]","level":2,"page":1088},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٩]","level":2,"page":1088},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٠]","level":2,"page":1088},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١١]","level":2,"page":1088},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٢]","level":2,"page":1089},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1090},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٥]","level":2,"page":1090},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1091},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ١٨]","level":2,"page":1091},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1091},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢١]","level":2,"page":1091},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٢]","level":2,"page":1091},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٣]","level":2,"page":1092},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٤]","level":2,"page":1092},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٥]","level":2,"page":1092},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٦]","level":2,"page":1092},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":1092},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٩]","level":2,"page":1092},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٠]","level":2,"page":1092},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣١]","level":2,"page":1093},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٢]","level":2,"page":1093},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٣]","level":2,"page":1093},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٤]","level":2,"page":1094},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٥]","level":2,"page":1094},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":1094},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٨]","level":2,"page":1094},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٩]","level":2,"page":1094},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٠]","level":2,"page":1094},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤١]","level":2,"page":1095},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٢]","level":2,"page":1095},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٣]","level":2,"page":1095},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٤]","level":2,"page":1095},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٥]","level":2,"page":1095},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٦]","level":2,"page":1095},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٧]","level":2,"page":1095},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٨]","level":2,"page":1096},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٤٩]","level":2,"page":1096},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٠]","level":2,"page":1096},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥١]","level":2,"page":1097},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٢]","level":2,"page":1097},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٣]","level":2,"page":1097},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٤]","level":2,"page":1097},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٥]","level":2,"page":1098},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٦]","level":2,"page":1098},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٧]","level":2,"page":1098},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٨]","level":2,"page":1098},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٥٩]","level":2,"page":1098},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٦٠]","level":2,"page":1099},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٦١]","level":2,"page":1099},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٦٢]","level":2,"page":1099},{"title":"٥٤ شرح إعراب سورة القمر","level":1,"page":1100},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١]","level":2,"page":1100},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٢]","level":2,"page":1100},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣]","level":2,"page":1100},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤]","level":2,"page":1100},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1101},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1101},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٩]","level":2,"page":1101},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٠]","level":2,"page":1102},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١١]","level":2,"page":1102},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٢]","level":2,"page":1102},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٣]","level":2,"page":1102},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٤]","level":2,"page":1102},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٥]","level":2,"page":1103},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٦]","level":2,"page":1103},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٧]","level":2,"page":1103},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٨]","level":2,"page":1103},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ١٩]","level":2,"page":1104},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٢٠]","level":2,"page":1104},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":1105},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٢٣]","level":2,"page":1105},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٢٤]","level":2,"page":1105},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٢٥]","level":2,"page":1105},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":1105},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٢٨]","level":2,"page":1106},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٢٩]","level":2,"page":1106},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣٠]","level":2,"page":1106},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣١]","level":2,"page":1106},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣٣]","level":2,"page":1107},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣٤]","level":2,"page":1107},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣٥]","level":2,"page":1107},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣٦]","level":2,"page":1107},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٣٧]","level":2,"page":1107},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":1108},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤١]","level":2,"page":1108},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٢]","level":2,"page":1108},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٣]","level":2,"page":1109},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٤]","level":2,"page":1109},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٥]","level":2,"page":1109},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٦]","level":2,"page":1109},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٧]","level":2,"page":1109},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٨]","level":2,"page":1109},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٤٩]","level":2,"page":1109},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥٠]","level":2,"page":1110},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥١]","level":2,"page":1110},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥٢]","level":2,"page":1110},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥٣]","level":2,"page":1110},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥٤]","level":2,"page":1110},{"title":"[سورة القمر (٥٤): آية ٥٥]","level":2,"page":1111},{"title":"٥٥ شرح إعراب سورة الرحمن","level":1,"page":1112},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1112},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1112},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٥]","level":2,"page":1112},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٦]","level":2,"page":1112},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧]","level":2,"page":1112},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1113},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٠]","level":2,"page":1113},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١١]","level":2,"page":1113},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٢]","level":2,"page":1113},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٣]","level":2,"page":1113},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٤]","level":2,"page":1113},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1114},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٧]","level":2,"page":1114},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٨]","level":2,"page":1114},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٩]","level":2,"page":1114},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":1114},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":1114},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":1115},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٢٦]","level":2,"page":1115},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":1115},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٢٩]","level":2,"page":1115},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":1116},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":1116},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣٥]","level":2,"page":1117},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣٦]","level":2,"page":1118},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":1118},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٩ إلى ٤٢]","level":2,"page":1118},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٤٣]","level":2,"page":1118},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٤٤]","level":2,"page":1118},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٤٥]","level":2,"page":1118},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":1119},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":1119},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":1119},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":1119},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":1119},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":1119},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":1120},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":1120},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":1120},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":1120},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":2,"page":1120},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":2,"page":1120},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":1121},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":1121},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":1121},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":2,"page":1121},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧٨]","level":2,"page":1122},{"title":"٥٦ شرح إعراب سورة الواقعة","level":1,"page":1123},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١]","level":2,"page":1123},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢]","level":2,"page":1123},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣]","level":2,"page":1123},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1124},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦]","level":2,"page":1124},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧]","level":2,"page":1124},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1124},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1125},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٢]","level":2,"page":1125},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٣]","level":2,"page":1125},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٤]","level":2,"page":1125},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٥]","level":2,"page":1125},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٦]","level":2,"page":1125},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٧]","level":2,"page":1126},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٨]","level":2,"page":1126},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٩]","level":2,"page":1126},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢٠]","level":2,"page":1126},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢١]","level":2,"page":1126},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":1126},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢٤]","level":2,"page":1128},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢٥]","level":2,"page":1128},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢٦]","level":2,"page":1128},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢٧]","level":2,"page":1129},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":1129},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":1129},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":1129},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣٤]","level":2,"page":1129},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣٥]","level":2,"page":1129},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣٦]","level":2,"page":1129},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣٧]","level":2,"page":1130},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":1130},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤١]","level":2,"page":1130},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٢]","level":2,"page":1130},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٣]","level":2,"page":1130},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٤]","level":2,"page":1130},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٥]","level":2,"page":1131},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٦]","level":2,"page":1131},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٧]","level":2,"page":1131},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٨]","level":2,"page":1131},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":1131},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥١]","level":2,"page":1132},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":1132},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٤]","level":2,"page":1133},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٥]","level":2,"page":1133},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٦]","level":2,"page":1133},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٧]","level":2,"page":1133},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٨]","level":2,"page":1133},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٩]","level":2,"page":1134},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٠]","level":2,"page":1134},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦١]","level":2,"page":1134},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٢]","level":2,"page":1134},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٣]","level":2,"page":1134},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٤]","level":2,"page":1134},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":1135},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٧]","level":2,"page":1135},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٨]","level":2,"page":1135},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٩]","level":2,"page":1135},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٠]","level":2,"page":1136},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧١]","level":2,"page":1136},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٢]","level":2,"page":1136},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٣]","level":2,"page":1136},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٤]","level":2,"page":1137},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ إلى ٨٠]","level":2,"page":1137},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٨١]","level":2,"page":1137},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٨٢]","level":2,"page":1137},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٤ إلى ٨٣]","level":2,"page":1137},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٩ إلى ٨٨]","level":2,"page":1138},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٠]","level":2,"page":1139},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩١]","level":2,"page":1139},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٢]","level":2,"page":1139},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٣]","level":2,"page":1139},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٤]","level":2,"page":1139},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٥]","level":2,"page":1139},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٦]","level":2,"page":1139},{"title":"٥٧ شرح إعراب سورة الحديد","level":1,"page":1140},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١]","level":2,"page":1140},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢]","level":2,"page":1140},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٣]","level":2,"page":1140},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٤]","level":2,"page":1141},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٥]","level":2,"page":1141},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٦]","level":2,"page":1141},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٧]","level":2,"page":1141},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1142},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٠]","level":2,"page":1142},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١١]","level":2,"page":1143},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٢]","level":2,"page":1144},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٣]","level":2,"page":1145},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٤]","level":2,"page":1146},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٥]","level":2,"page":1146},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٦]","level":2,"page":1147},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٧]","level":2,"page":1147},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٨]","level":2,"page":1148},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٩]","level":2,"page":1148},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٠]","level":2,"page":1149},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢١]","level":2,"page":1149},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٢]","level":2,"page":1150},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":1151},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٥]","level":2,"page":1152},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٦]","level":2,"page":1152},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٧]","level":2,"page":1152},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٨]","level":2,"page":1153},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٩]","level":2,"page":1153},{"title":"٥٨ شرح إعراب سورة المجادلة","level":1,"page":1155},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١]","level":2,"page":1155},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢]","level":2,"page":1155},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٣]","level":2,"page":1156},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٤]","level":2,"page":1156},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٥]","level":2,"page":1157},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٦]","level":2,"page":1157},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٧]","level":2,"page":1158},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٨]","level":2,"page":1158},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٩]","level":2,"page":1159},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٠]","level":2,"page":1159},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١١]","level":2,"page":1160},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٢]","level":2,"page":1161},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٣]","level":2,"page":1161},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٤]","level":2,"page":1161},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٥]","level":2,"page":1161},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٦]","level":2,"page":1161},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٧]","level":2,"page":1162},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٨]","level":2,"page":1162},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٩]","level":2,"page":1162},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٠]","level":2,"page":1162},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢١]","level":2,"page":1162},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٢]","level":2,"page":1163},{"title":"٥٩ شرح إعراب سورة الحشر","level":1,"page":1164},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١]","level":2,"page":1164},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢]","level":2,"page":1164},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٣]","level":2,"page":1166},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٤]","level":2,"page":1167},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٥]","level":2,"page":1167},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٦]","level":2,"page":1167},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٧]","level":2,"page":1168},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٨]","level":2,"page":1170},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٩]","level":2,"page":1170},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٠]","level":2,"page":1171},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١١]","level":2,"page":1171},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٢]","level":2,"page":1171},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٣]","level":2,"page":1172},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٤]","level":2,"page":1172},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٥]","level":2,"page":1172},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٦]","level":2,"page":1173},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٧]","level":2,"page":1173},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٨]","level":2,"page":1174},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١٩]","level":2,"page":1174},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٠]","level":2,"page":1174},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢١]","level":2,"page":1174},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٢]","level":2,"page":1174},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٣]","level":2,"page":1175},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٤]","level":2,"page":1176},{"title":"٦٠ شرح إعراب سورة الممتحنة","level":1,"page":1178},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١]","level":2,"page":1178},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٢]","level":2,"page":1179},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٣]","level":2,"page":1179},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٤]","level":2,"page":1180},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٥]","level":2,"page":1181},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٦]","level":2,"page":1181},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٧]","level":2,"page":1181},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٨]","level":2,"page":1181},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٩]","level":2,"page":1181},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٠]","level":2,"page":1182},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١١]","level":2,"page":1182},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٢]","level":2,"page":1183},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٣]","level":2,"page":1183},{"title":"٦١ شرح إعراب سورة الصف","level":1,"page":1184},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١]","level":2,"page":1184},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٢]","level":2,"page":1184},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٣]","level":2,"page":1184},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٤]","level":2,"page":1184},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٥]","level":2,"page":1184},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٦]","level":2,"page":1185},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٧]","level":2,"page":1185},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٨]","level":2,"page":1185},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٩]","level":2,"page":1186},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ إلى ١٣]","level":2,"page":1186},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٤]","level":2,"page":1186},{"title":"٦٢ شرح إعراب سورة الجمعة","level":1,"page":1188},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1188},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٣]","level":2,"page":1188},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٤]","level":2,"page":1189},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٥]","level":2,"page":1189},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٦]","level":2,"page":1189},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٧]","level":2,"page":1189},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٨]","level":2,"page":1190},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٩]","level":2,"page":1190},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١٠]","level":2,"page":1190},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١١]","level":2,"page":1191},{"title":"٦٣ شرح إعراب سورة المنافقين","level":1,"page":1192},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ١]","level":2,"page":1192},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٢]","level":2,"page":1192},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٣]","level":2,"page":1193},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٤]","level":2,"page":1193},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٥]","level":2,"page":1194},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٦]","level":2,"page":1194},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٧]","level":2,"page":1194},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٨]","level":2,"page":1195},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٩]","level":2,"page":1195},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ١٠]","level":2,"page":1195},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ١١]","level":2,"page":1197},{"title":"٦٤ شرح إعراب سورة التغابن","level":1,"page":1199},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١]","level":2,"page":1199},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٢]","level":2,"page":1199},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٣]","level":2,"page":1199},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٤]","level":2,"page":1199},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٥]","level":2,"page":1200},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٦]","level":2,"page":1200},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٧]","level":2,"page":1200},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٨]","level":2,"page":1200},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ٩]","level":2,"page":1201},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٠]","level":2,"page":1201},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١١]","level":2,"page":1201},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٢]","level":2,"page":1201},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٣]","level":2,"page":1202},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٤]","level":2,"page":1202},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٥]","level":2,"page":1202},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٦]","level":2,"page":1202},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٧]","level":2,"page":1203},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): آية ١٨]","level":2,"page":1203},{"title":"٦٥ شرح إعراب سورة الطلاق","level":1,"page":1204},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١]","level":2,"page":1204},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٢]","level":2,"page":1205},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٣]","level":2,"page":1205},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٤]","level":2,"page":1206},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٥]","level":2,"page":1206},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٦]","level":2,"page":1207},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٧]","level":2,"page":1207},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٨]","level":2,"page":1207},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٩]","level":2,"page":1208},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٠]","level":2,"page":1208},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١١]","level":2,"page":1208},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢]","level":2,"page":1208},{"title":"٦٦ شرح إعراب سورة التحريم","level":1,"page":1210},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١]","level":2,"page":1210},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٢]","level":2,"page":1210},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٣]","level":2,"page":1211},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٣]","level":2,"page":1211},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٥]","level":2,"page":1212},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٦]","level":2,"page":1212},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٧]","level":2,"page":1213},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٨]","level":2,"page":1213},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٩]","level":2,"page":1213},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١٠]","level":2,"page":1213},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١١]","level":2,"page":1214},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ١٢]","level":2,"page":1214},{"title":"٦٧ شرح إعراب سورة الملك","level":1,"page":1215},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١]","level":2,"page":1215},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢]","level":2,"page":1215},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٣]","level":2,"page":1215},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٤]","level":2,"page":1216},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٥]","level":2,"page":1216},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٦]","level":2,"page":1216},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1216},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٩]","level":2,"page":1216},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٠]","level":2,"page":1217},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١١]","level":2,"page":1217},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٢]","level":2,"page":1217},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٣]","level":2,"page":1217},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٤]","level":2,"page":1217},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1217},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1218},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ١٩]","level":2,"page":1218},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٠]","level":2,"page":1218},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢١]","level":2,"page":1218},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٢]","level":2,"page":1218},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٣]","level":2,"page":1218},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٤]","level":2,"page":1218},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٥]","level":2,"page":1218},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٦]","level":2,"page":1219},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٧]","level":2,"page":1219},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٨]","level":2,"page":1219},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٩]","level":2,"page":1219},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٣٠]","level":2,"page":1219},{"title":"٦٨ شرح إعراب سورة ن (القلم)","level":1,"page":1220},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1220},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣]","level":2,"page":1221},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤]","level":2,"page":1222},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1222},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٧]","level":2,"page":1222},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1222},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٠]","level":2,"page":1223},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١١]","level":2,"page":1223},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٢]","level":2,"page":1223},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٣]","level":2,"page":1224},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٤]","level":2,"page":1224},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٥]","level":2,"page":1224},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٦]","level":2,"page":1224},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٧]","level":2,"page":1224},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٨]","level":2,"page":1224},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ١٩]","level":2,"page":1224},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٠]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢١]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٢]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٣]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٤]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٥]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٦]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٧]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٨]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٢٩]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٠]","level":2,"page":1226},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣١]","level":2,"page":1226},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٢]","level":2,"page":1226},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٣]","level":2,"page":1226},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٤]","level":2,"page":1226},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٥]","level":2,"page":1226},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٦]","level":2,"page":1226},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٣٧]","level":2,"page":1226},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":1227},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٠]","level":2,"page":1227},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤١]","level":2,"page":1227},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٢]","level":2,"page":1227},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٣]","level":2,"page":1228},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٤]","level":2,"page":1228},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٥]","level":2,"page":1228},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٦]","level":2,"page":1228},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٧]","level":2,"page":1228},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٨]","level":2,"page":1229},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٤٩]","level":2,"page":1229},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٥٠]","level":2,"page":1229},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٥١]","level":2,"page":1229},{"title":"[سورة القلم (٦٨): آية ٥٢]","level":2,"page":1230},{"title":"٦٩ شرح إعراب سورة الحاقة","level":1,"page":1231},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١]","level":2,"page":1231},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":1231},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤]","level":2,"page":1231},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1231},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٧]","level":2,"page":1231},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٨]","level":2,"page":1232},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٩]","level":2,"page":1232},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٠]","level":2,"page":1232},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١١]","level":2,"page":1232},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٢]","level":2,"page":1232},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٣]","level":2,"page":1233},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٤]","level":2,"page":1233},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٥]","level":2,"page":1233},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٦]","level":2,"page":1233},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٧]","level":2,"page":1233},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٨]","level":2,"page":1233},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":2,"page":1233},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٢]","level":2,"page":1234},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٣]","level":2,"page":1234},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٤]","level":2,"page":1234},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٥]","level":2,"page":1234},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٦]","level":2,"page":1234},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":1234},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٩]","level":2,"page":1234},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":1234},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":2,"page":1234},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٣٥]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٣٦]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٣٧]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٠]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٣]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٤]","level":2,"page":1236},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٥]","level":2,"page":1236},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٦]","level":2,"page":1236},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٧]","level":2,"page":1236},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٨]","level":2,"page":1236},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٩]","level":2,"page":1236},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٥٠]","level":2,"page":1236},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٥١]","level":2,"page":1236},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): آية ٥٢]","level":2,"page":1236},{"title":"٧٠ شرح إعراب سورة سأل سائل (المعارج)","level":1,"page":1237},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ١]","level":2,"page":1237},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٢]","level":2,"page":1237},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣]","level":2,"page":1238},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٤]","level":2,"page":1238},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٥]","level":2,"page":1238},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٦]","level":2,"page":1238},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٧]","level":2,"page":1238},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٨]","level":2,"page":1238},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٩]","level":2,"page":1238},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1238},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":1239},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ١٤]","level":2,"page":1239},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1239},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ١٧]","level":2,"page":1239},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ١٨]","level":2,"page":1239},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":2,"page":1239},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٢٢]","level":2,"page":1240},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٢٣]","level":2,"page":1240},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٢٤]","level":2,"page":1240},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٢٥]","level":2,"page":1240},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٦ إلى ٣٤]","level":2,"page":1240},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٥]","level":2,"page":1241},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٦]","level":2,"page":1241},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٨]","level":2,"page":1241},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٩]","level":2,"page":1241},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٤٠]","level":2,"page":1241},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٤١]","level":2,"page":1241},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٤٢]","level":2,"page":1242},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٤٣]","level":2,"page":1242},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): آية ٤٤]","level":2,"page":1242},{"title":"٧١ شرح إعراب سورة نوح ﵇","level":1,"page":1243},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١]","level":2,"page":1243},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":1243},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٤]","level":2,"page":1243},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٥]","level":2,"page":1243},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٦]","level":2,"page":1243},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1244},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٩]","level":2,"page":1244},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٠]","level":2,"page":1244},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١١]","level":2,"page":1244},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٢]","level":2,"page":1244},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٣]","level":2,"page":1244},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٤]","level":2,"page":1244},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٥]","level":2,"page":1244},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٦]","level":2,"page":1245},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٧]","level":2,"page":1245},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٨]","level":2,"page":1245},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ١٩]","level":2,"page":1245},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٠]","level":2,"page":1245},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢١]","level":2,"page":1245},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٢]","level":2,"page":1245},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٣]","level":2,"page":1245},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٤]","level":2,"page":1246},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٥]","level":2,"page":1246},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٦]","level":2,"page":1246},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٧]","level":2,"page":1246},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢٨]","level":2,"page":1247},{"title":"٧٢ شرح إعراب سورة الجن","level":1,"page":1248},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١]","level":2,"page":1248},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢]","level":2,"page":1248},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٣]","level":2,"page":1248},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٤]","level":2,"page":1249},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٥]","level":2,"page":1249},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٦]","level":2,"page":1249},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٧]","level":2,"page":1249},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٨]","level":2,"page":1250},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٩]","level":2,"page":1250},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٠]","level":2,"page":1250},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١١]","level":2,"page":1250},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٢]","level":2,"page":1250},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٣]","level":2,"page":1250},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٤]","level":2,"page":1250},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٦]","level":2,"page":1251},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٧]","level":2,"page":1251},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٨]","level":2,"page":1252},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ١٩]","level":2,"page":1252},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٠]","level":2,"page":1253},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢١]","level":2,"page":1253},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٢]","level":2,"page":1253},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٣]","level":2,"page":1253},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٤]","level":2,"page":1253},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٥]","level":2,"page":1253},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٦]","level":2,"page":1254},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٧]","level":2,"page":1254},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٨]","level":2,"page":1254},{"title":"٧٣ شرح إعراب سورة المزمل","level":1,"page":1255},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١]","level":2,"page":1255},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":1255},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٤]","level":2,"page":1255},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٥]","level":2,"page":1256},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٦]","level":2,"page":1256},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٧]","level":2,"page":1256},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٨]","level":2,"page":1256},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٩]","level":2,"page":1256},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٠]","level":2,"page":1256},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١١]","level":2,"page":1256},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٣]","level":2,"page":1257},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٤]","level":2,"page":1257},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٥]","level":2,"page":1258},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1258},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٨]","level":2,"page":1259},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ١٩]","level":2,"page":1259},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٢٠]","level":2,"page":1259},{"title":"٧٤ شرح إعراب سورة المدثر","level":1,"page":1261},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١]","level":2,"page":1261},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٢]","level":2,"page":1261},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣]","level":2,"page":1261},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1261},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٦]","level":2,"page":1261},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٧]","level":2,"page":1262},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٨]","level":2,"page":1262},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1262},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١١]","level":2,"page":1262},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١٢]","level":2,"page":1262},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١٣]","level":2,"page":1262},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١٤]","level":2,"page":1262},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1262},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ١٧]","level":2,"page":1262},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1263},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":1263},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٣]","level":2,"page":1263},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":1263},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٦]","level":2,"page":1263},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٧]","level":2,"page":1263},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٨]","level":2,"page":1263},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٩]","level":2,"page":1264},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٠]","level":2,"page":1264},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":1264},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":1265},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٥]","level":2,"page":1265},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٦]","level":2,"page":1265},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٧]","level":2,"page":1266},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٨]","level":2,"page":1266},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٩ إلى ٤٢]","level":2,"page":1266},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":2,"page":1266},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":2,"page":1266},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٤٨]","level":2,"page":1266},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٤٩]","level":2,"page":1267},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٠]","level":2,"page":1267},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٥١]","level":2,"page":1267},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٢]","level":2,"page":1267},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٣]","level":2,"page":1267},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٥]","level":2,"page":1267},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٦]","level":2,"page":1267},{"title":"٧٥ شرح إعراب سورة القيامة","level":1,"page":1268},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١]","level":2,"page":1268},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢]","level":2,"page":1269},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٣]","level":2,"page":1269},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٤]","level":2,"page":1269},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٥]","level":2,"page":1270},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٦]","level":2,"page":1270},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1270},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٩]","level":2,"page":1270},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٠]","level":2,"page":1270},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١١]","level":2,"page":1271},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٢]","level":2,"page":1271},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٣]","level":2,"page":1271},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٤]","level":2,"page":1271},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٥]","level":2,"page":1271},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1271},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٨]","level":2,"page":1272},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ١٩]","level":2,"page":1272},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٠]","level":2,"page":1272},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢١]","level":2,"page":1272},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":1272},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٤]","level":2,"page":1277},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٥]","level":2,"page":1277},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":1277},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٠]","level":2,"page":1277},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":1277},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٣]","level":2,"page":1277},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":1278},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٦]","level":2,"page":1278},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٧]","level":2,"page":1278},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٨]","level":2,"page":1278},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٩]","level":2,"page":1278},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): آية ٤٠]","level":2,"page":1278},{"title":"٧٦ شرح إعراب سورة هل أتى [الإنسان]","level":1,"page":1279},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1279},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٣]","level":2,"page":1279},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٤]","level":2,"page":1280},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٥]","level":2,"page":1280},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٦]","level":2,"page":1280},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٧]","level":2,"page":1281},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٨]","level":2,"page":1281},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٩]","level":2,"page":1281},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٠]","level":2,"page":1281},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١١]","level":2,"page":1282},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٢]","level":2,"page":1282},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٣]","level":2,"page":1282},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1282},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٦]","level":2,"page":1283},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٧]","level":2,"page":1283},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٨]","level":2,"page":1283},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٩]","level":2,"page":1283},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٠]","level":2,"page":1283},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢١]","level":2,"page":1284},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٢]","level":2,"page":1285},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٣]","level":2,"page":1285},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٤]","level":2,"page":1285},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٥]","level":2,"page":1286},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٦]","level":2,"page":1286},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٧]","level":2,"page":1286},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٨]","level":2,"page":1286},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٩]","level":2,"page":1287},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٣٠]","level":2,"page":1287},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): آية ٣١]","level":2,"page":1287},{"title":"٧٧ شرح إعراب سورة المرسلات","level":1,"page":1288},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1288},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤]","level":2,"page":1288},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٥]","level":2,"page":1288},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٦]","level":2,"page":1289},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٧]","level":2,"page":1290},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٨]","level":2,"page":1290},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١١]","level":2,"page":1290},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":1290},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٤]","level":2,"page":1291},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٥]","level":2,"page":1291},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1291},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٨]","level":2,"page":1291},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٩]","level":2,"page":1291},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٠ إلى ٢٣]","level":2,"page":1291},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٤]","level":2,"page":1292},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٥]","level":2,"page":1292},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٦]","level":2,"page":1292},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٧]","level":2,"page":1292},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":1292},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣١]","level":2,"page":1292},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٢]","level":2,"page":1292},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٣]","level":2,"page":1294},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٥]","level":2,"page":1294},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٦]","level":2,"page":1294},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٨]","level":2,"page":1294},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٩]","level":2,"page":1294},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤١]","level":2,"page":1294},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٢]","level":2,"page":1295},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٣]","level":2,"page":1295},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٤]","level":2,"page":1295},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":1295},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٨]","level":2,"page":1295},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): آية ٥٠]","level":2,"page":1295},{"title":"٧٨ شرح إعراب سورة عم يتساءلون (النبأ)","level":1,"page":1296},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١]","level":2,"page":1296},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣]","level":2,"page":1296},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٤]","level":2,"page":1296},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٦]","level":2,"page":1296},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٧]","level":2,"page":1296},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٨]","level":2,"page":1296},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1297},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١١]","level":2,"page":1297},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١٢]","level":2,"page":1297},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١٣]","level":2,"page":1297},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١٤]","level":2,"page":1297},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١٥]","level":2,"page":1297},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١٦]","level":2,"page":1298},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١٧]","level":2,"page":1298},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ١٨]","level":2,"page":1298},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1298},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٢١]","level":2,"page":1298},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٢٢]","level":2,"page":1298},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":1298},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٢٥]","level":2,"page":1300},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٢٦]","level":2,"page":1301},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٢٧]","level":2,"page":1301},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٢٨]","level":2,"page":1301},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":1302},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":1302},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٣]","level":2,"page":1302},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٤]","level":2,"page":1302},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٥]","level":2,"page":1303},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٦]","level":2,"page":1303},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٧]","level":2,"page":1303},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٩]","level":2,"page":1304},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٤٠]","level":2,"page":1304},{"title":"٧٩ شرح إعراب سورة النازعات","level":1,"page":1305},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١]","level":2,"page":1305},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢]","level":2,"page":1305},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٣]","level":2,"page":1305},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤]","level":2,"page":1305},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٥]","level":2,"page":1306},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٨]","level":2,"page":1306},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٩]","level":2,"page":1306},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٠]","level":2,"page":1306},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١١]","level":2,"page":1307},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٢]","level":2,"page":1307},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1307},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٥]","level":2,"page":1307},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٦]","level":2,"page":1307},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٨]","level":2,"page":1308},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ١٩]","level":2,"page":1308},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٠]","level":2,"page":1308},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢١]","level":2,"page":1308},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٢]","level":2,"page":1308},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":1308},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٥]","level":2,"page":1308},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٦]","level":2,"page":1308},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٧]","level":2,"page":1308},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٨]","level":2,"page":1308},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٩]","level":2,"page":1309},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٠]","level":2,"page":1309},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٢]","level":2,"page":1309},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٣]","level":2,"page":1309},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٤]","level":2,"page":1309},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٥]","level":2,"page":1309},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٦]","level":2,"page":1310},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]","level":2,"page":1310},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٠]","level":2,"page":1310},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤١]","level":2,"page":1310},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٢]","level":2,"page":1310},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٣]","level":2,"page":1310},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٤]","level":2,"page":1310},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٥]","level":2,"page":1310},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٦]","level":2,"page":1310},{"title":"٨٠ شرح إعراب سورة عبس","level":1,"page":1311},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ١]","level":2,"page":1311},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٢]","level":2,"page":1311},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٣]","level":2,"page":1311},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٤]","level":2,"page":1311},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1311},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٧]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٨]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٩]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ١٠]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ١١]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ١٢]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ١٧]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٢١]","level":2,"page":1312},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٢٢]","level":2,"page":1313},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٢٣]","level":2,"page":1313},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":2,"page":1313},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٧ إلى ٣١]","level":2,"page":1313},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٣٢]","level":2,"page":1313},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٣٣]","level":2,"page":1313},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":2,"page":1314},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٣٧]","level":2,"page":1314},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٣٨]","level":2,"page":1314},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٣٩]","level":2,"page":1314},{"title":"[سورة عبس (٨٠): آية ٤٢]","level":2,"page":1314},{"title":"٨١ شرح إعراب سورة إذا الشمس كورت (التكوير)","level":1,"page":1315},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ١]","level":2,"page":1315},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢]","level":2,"page":1315},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٣]","level":2,"page":1315},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٤]","level":2,"page":1315},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٥]","level":2,"page":1315},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٦]","level":2,"page":1316},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1316},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ١٠]","level":2,"page":1317},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ١١]","level":2,"page":1317},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ١٢]","level":2,"page":1317},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1317},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ١٥]","level":2,"page":1317},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ١٦]","level":2,"page":1318},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1318},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ١٩]","level":2,"page":1318},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٠]","level":2,"page":1319},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢١]","level":2,"page":1319},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٢]","level":2,"page":1319},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٣]","level":2,"page":1319},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٤]","level":2,"page":1319},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٥]","level":2,"page":1320},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٦]","level":2,"page":1320},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٧]","level":2,"page":1320},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٨]","level":2,"page":1320},{"title":"[سورة التكوير (٨١): آية ٢٩]","level":2,"page":1320},{"title":"٨٢ شرح إعراب سورة انفطرت (الانفطار)","level":1,"page":1321},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1321},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ٤]","level":2,"page":1321},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ٥]","level":2,"page":1321},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ٦]","level":2,"page":1322},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ٧]","level":2,"page":1322},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ٨]","level":2,"page":1322},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ٩]","level":2,"page":1322},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ١٠]","level":2,"page":1322},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":1322},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ١٣]","level":2,"page":1322},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1323},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ١٦]","level":2,"page":1323},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ١٧]","level":2,"page":1323},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): آية ١٩]","level":2,"page":1323},{"title":"٨٣ شرح إعراب سورة المطففين","level":1,"page":1325},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١]","level":2,"page":1325},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٢]","level":2,"page":1325},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٣]","level":2,"page":1325},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٤]","level":2,"page":1326},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1326},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٧]","level":2,"page":1327},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٨]","level":2,"page":1327},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٩]","level":2,"page":1327},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1327},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١٢]","level":2,"page":1327},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١٣]","level":2,"page":1327},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١٤]","level":2,"page":1328},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١٥]","level":2,"page":1328},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١٦]","level":2,"page":1328},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ١٧]","level":2,"page":1329},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1329},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٢٠]","level":2,"page":1329},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٢٢]","level":2,"page":1329},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":1329},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٢٥]","level":2,"page":1329},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٢٦]","level":2,"page":1330},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":1330},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٢٩]","level":2,"page":1331},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٣٠]","level":2,"page":1331},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٣١]","level":2,"page":1331},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٣٢]","level":2,"page":1331},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): آية ٣٣]","level":2,"page":1331},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":2,"page":1331},{"title":"٨٤ شرح إعراب سورة انشقت (الانشقاق)","level":1,"page":1333},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١]","level":2,"page":1333},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢]","level":2,"page":1333},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٣]","level":2,"page":1333},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1333},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٦]","level":2,"page":1333},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1333},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٩]","level":2,"page":1333},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1334},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٢]","level":2,"page":1334},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٣]","level":2,"page":1334},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٤]","level":2,"page":1334},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٥]","level":2,"page":1334},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٦]","level":2,"page":1334},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1334},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1334},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢٠]","level":2,"page":1335},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢١]","level":2,"page":1335},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢٢]","level":2,"page":1335},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢٣]","level":2,"page":1335},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":1335},{"title":"٨٥ شرح إعراب سورة البروج","level":1,"page":1336},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١]","level":2,"page":1336},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":1336},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1336},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ٦]","level":2,"page":1337},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ٧]","level":2,"page":1337},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ٨]","level":2,"page":1337},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ٩]","level":2,"page":1337},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٠]","level":2,"page":1337},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١١]","level":2,"page":1337},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٢]","level":2,"page":1338},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1338},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٥]","level":2,"page":1338},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٦]","level":2,"page":1338},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٧]","level":2,"page":1338},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٨]","level":2,"page":1338},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ١٩]","level":2,"page":1338},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ٢٠]","level":2,"page":1338},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":1338},{"title":"٨٦ شرح إعراب سورة الطارق","level":1,"page":1340},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ١]","level":2,"page":1340},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":1340},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ٤]","level":2,"page":1340},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ٥]","level":2,"page":1340},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ٦]","level":2,"page":1341},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ٧]","level":2,"page":1341},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ٨]","level":2,"page":1342},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1342},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ١١]","level":2,"page":1342},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ١٢]","level":2,"page":1342},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1342},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ١٥]","level":2,"page":1342},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ١٦]","level":2,"page":1342},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): آية ١٧]","level":2,"page":1342},{"title":"٨٧ شرح إعراب سورة سبح (الأعلى)","level":1,"page":1343},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١]","level":2,"page":1343},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٢]","level":2,"page":1343},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٤]","level":2,"page":1344},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٥]","level":2,"page":1344},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٦]","level":2,"page":1344},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٧]","level":2,"page":1344},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٨]","level":2,"page":1344},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ٩]","level":2,"page":1344},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٠]","level":2,"page":1345},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١١]","level":2,"page":1345},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٢]","level":2,"page":1345},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٣]","level":2,"page":1345},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٤]","level":2,"page":1345},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٥]","level":2,"page":1345},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٦]","level":2,"page":1345},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٧]","level":2,"page":1345},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٨]","level":2,"page":1345},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٩]","level":2,"page":1346},{"title":"٨٨ شرح إعراب سورة الغاشية","level":1,"page":1347},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ١]","level":2,"page":1347},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":1347},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ٤]","level":2,"page":1347},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ٥]","level":2,"page":1348},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ٦]","level":2,"page":1348},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ٧]","level":2,"page":1348},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ٨]","level":2,"page":1348},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ٩]","level":2,"page":1348},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٠]","level":2,"page":1348},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ١١]","level":2,"page":1348},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٢]","level":2,"page":1349},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٣]","level":2,"page":1349},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٤]","level":2,"page":1350},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٥]","level":2,"page":1350},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1350},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٨]","level":2,"page":1350},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٩]","level":2,"page":1350},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":1350},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ٢٢]","level":2,"page":1350},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ٢٣]","level":2,"page":1351},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ٢٤]","level":2,"page":1351},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ٢٥]","level":2,"page":1351},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): آية ٢٦]","level":2,"page":1351},{"title":"٨٩ شرح إعراب سورة الفجر","level":1,"page":1352},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١]","level":2,"page":1352},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٣]","level":2,"page":1352},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٤]","level":2,"page":1353},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٥]","level":2,"page":1353},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":1354},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٨]","level":2,"page":1354},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١٢]","level":2,"page":1355},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١٣]","level":2,"page":1355},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١٤]","level":2,"page":1355},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١٥]","level":2,"page":1355},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١٨]","level":2,"page":1355},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ١٩]","level":2,"page":1356},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":1356},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٢]","level":2,"page":1356},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٣]","level":2,"page":1356},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٥]","level":2,"page":1356},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٧]","level":2,"page":1357},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٨]","level":2,"page":1357},{"title":"٩٠ شرح إعراب سورة البلد","level":1,"page":1358},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ١]","level":2,"page":1358},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ٢]","level":2,"page":1358},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ٣]","level":2,"page":1358},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ٤]","level":2,"page":1359},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ٥]","level":2,"page":1359},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ٦]","level":2,"page":1359},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ٧]","level":2,"page":1359},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1360},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ١٠]","level":2,"page":1360},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ١١]","level":2,"page":1360},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":1360},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ١٧]","level":2,"page":1361},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ١٨]","level":2,"page":1361},{"title":"[سورة البلد (٩٠): آية ٢٠]","level":2,"page":1361},{"title":"٩١ شرح إعراب سورة الشمس","level":1,"page":1362},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١]","level":2,"page":1362},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ٢]","level":2,"page":1362},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ٣]","level":2,"page":1362},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ٤]","level":2,"page":1362},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1362},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ٧]","level":2,"page":1363},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ٨]","level":2,"page":1363},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ٩]","level":2,"page":1363},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١٠]","level":2,"page":1363},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١١]","level":2,"page":1363},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١٢]","level":2,"page":1364},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١٣]","level":2,"page":1364},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١٤]","level":2,"page":1364},{"title":"[سورة الشمس (٩١): آية ١٥]","level":2,"page":1365},{"title":"٩٢ شرح إعراب سورة الليل","level":1,"page":1366},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ١]","level":2,"page":1366},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ٢]","level":2,"page":1366},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ٣]","level":2,"page":1366},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ٤]","level":2,"page":1366},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1366},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ٧]","level":2,"page":1367},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ٨]","level":2,"page":1367},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ١٠]","level":2,"page":1367},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ١١]","level":2,"page":1367},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ١٢]","level":2,"page":1367},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ١٣]","level":2,"page":1367},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ١٤]","level":2,"page":1367},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1368},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1368},{"title":"[سورة الليل (٩٢): آية ١٩]","level":2,"page":1368},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":1368},{"title":"٩٣ شرح إعراب سورة الضحى","level":1,"page":1370},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1370},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): آية ٣]","level":2,"page":1371},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): آية ٤]","level":2,"page":1371},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): آية ٥]","level":2,"page":1371},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":1372},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): آية ٨]","level":2,"page":1372},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1372},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): آية ١١]","level":2,"page":1372},{"title":"٩٤ شرح إعراب سورة ألم نشرح (الشرح)","level":1,"page":1373},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): آية ١]","level":2,"page":1373},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): آية ٢]","level":2,"page":1373},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): آية ٣]","level":2,"page":1374},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): آية ٤]","level":2,"page":1374},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1374},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): آية ٧]","level":2,"page":1374},{"title":"٩٥ شرح إعراب سورة التين","level":1,"page":1375},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ١]","level":2,"page":1375},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ٢]","level":2,"page":1375},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ٣]","level":2,"page":1375},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ٤]","level":2,"page":1376},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ٥]","level":2,"page":1376},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ٦]","level":2,"page":1377},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ٧]","level":2,"page":1377},{"title":"[سورة التين (٩٥): آية ٨]","level":2,"page":1378},{"title":"٩٦ شرح إعراب سورة القلم (العلق)","level":1,"page":1379},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ١]","level":2,"page":1379},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ٢]","level":2,"page":1379},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ٣]","level":2,"page":1379},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ٤]","level":2,"page":1379},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1380},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ٧]","level":2,"page":1380},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ٨]","level":2,"page":1380},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":2,"page":1380},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ١٣]","level":2,"page":1380},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":2,"page":1380},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ١٧]","level":2,"page":1380},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ١٨]","level":2,"page":1381},{"title":"[سورة العلق (٩٦): آية ١٩]","level":2,"page":1381},{"title":"٩٧ شرح إعراب سورة ليلة القدر (القدر)","level":1,"page":1382},{"title":"[سورة القدر (٩٧): آية ١]","level":2,"page":1382},{"title":"[سورة القدر (٩٧): آية ٢]","level":2,"page":1383},{"title":"[سورة القدر (٩٧): آية ٣]","level":2,"page":1383},{"title":"[سورة القدر (٩٧): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1383},{"title":"٩٨ شرح إعراب سورة لم يكن (البينة)","level":1,"page":1385},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ١]","level":2,"page":1385},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٢]","level":2,"page":1386},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٣]","level":2,"page":1386},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٤]","level":2,"page":1386},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٥]","level":2,"page":1386},{"title":"[سورة البينة (٩٨): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":1386},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٨]","level":2,"page":1387},{"title":"٩٩ شرح إعراب سورة إذا زلزلت (الزلزلة)","level":1,"page":1388},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): آية ١]","level":2,"page":1388},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٢]","level":2,"page":1388},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٣]","level":2,"page":1388},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٤]","level":2,"page":1388},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٥]","level":2,"page":1388},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٦]","level":2,"page":1388},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1389},{"title":"١٠٠ شرح إعراب سورة العاديات","level":1,"page":1390},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":1390},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): آية ٦]","level":2,"page":1391},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): آية ٧]","level":2,"page":1391},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): آية ٨]","level":2,"page":1391},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): آية ٩]","level":2,"page":1391},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): آية ١٠]","level":2,"page":1391},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): آية ١١]","level":2,"page":1391},{"title":"١٠١ شرح إعراب سورة القارعة","level":1,"page":1392},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): آية ١]","level":2,"page":1392},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): آية ٣]","level":2,"page":1392},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1392},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): آية ٦]","level":2,"page":1392},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): آية ٧]","level":2,"page":1392},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1392},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): آية ١٠]","level":2,"page":1393},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): آية ١١]","level":2,"page":1393},{"title":"١٠٢ شرح إعراب سورة التكاثر","level":1,"page":1394},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1394},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1394},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1394},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): آية ٧]","level":2,"page":1395},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): آية ٨]","level":2,"page":1395},{"title":"١٠٣ شرح إعراب سورة العصر","level":1,"page":1396},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): آية ١]","level":2,"page":1396},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): آية ٢]","level":2,"page":1396},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): آية ٣]","level":2,"page":1396},{"title":"١٠٤ شرح إعراب سورة الهمزة","level":1,"page":1397},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): آية ١]","level":2,"page":1397},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): آية ٢]","level":2,"page":1397},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1398},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): آية ٥]","level":2,"page":1398},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":1398},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): آية ٨]","level":2,"page":1398},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): آية ٩]","level":2,"page":1398},{"title":"١٠٥ شرح إعراب سورة الفيل","level":1,"page":1400},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): آية ١]","level":2,"page":1400},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): آية ٢]","level":2,"page":1400},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): آية ٣]","level":2,"page":1400},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): آية ٤]","level":2,"page":1400},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): آية ٥]","level":2,"page":1400},{"title":"١٠٦ شرح إعراب سورة لإيلاف (قريش)","level":1,"page":1401},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1401},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): آية ٣]","level":2,"page":1401},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): آية ٤]","level":2,"page":1402},{"title":"١٠٧ شرح إعراب سورة أرأيت (الماعون)","level":1,"page":1403},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): آية ١]","level":2,"page":1403},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): آية ٢]","level":2,"page":1403},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): آية ٣]","level":2,"page":1403},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1404},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): آية ٦]","level":2,"page":1404},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): آية ٧]","level":2,"page":1404},{"title":"١٠٨ شرح إعراب سورة الكوثر","level":1,"page":1405},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): آية ١]","level":2,"page":1405},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): آية ٢]","level":2,"page":1405},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): آية ٣]","level":2,"page":1406},{"title":"١٠٩ شرح إعراب سورة الكافرين","level":1,"page":1407},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): آية ١]","level":2,"page":1407},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ٢ إلى ٥]","level":2,"page":1407},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): آية ٦]","level":2,"page":1407},{"title":"١١٠ شرح إعراب سورة إذا جاء نصر الله (النصر)","level":1,"page":1408},{"title":"[سورة النصر (١١٠): آية ١]","level":2,"page":1408},{"title":"[سورة النصر (١١٠): آية ٢]","level":2,"page":1408},{"title":"[سورة النصر (١١٠): آية ٣]","level":2,"page":1408},{"title":"١١١ شرح إعراب سورة تبت (المسد)","level":1,"page":1409},{"title":"[سورة المسد (١١١): آية ١]","level":2,"page":1409},{"title":"[سورة المسد (١١١): آية ٢]","level":2,"page":1409},{"title":"[سورة المسد (١١١): آية ٣]","level":2,"page":1409},{"title":"[سورة المسد (١١١): آية ٤]","level":2,"page":1409},{"title":"[سورة المسد (١١١): آية ٥]","level":2,"page":1410},{"title":"١١٢ شرح إعراب سورة قل هو الله أحد (الإخلاص)","level":1,"page":1411},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): آية ١]","level":2,"page":1411},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): آية ٢]","level":2,"page":1411},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): آية ٣]","level":2,"page":1413},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): آية ٤]","level":2,"page":1413},{"title":"١١٣ شرح إعراب سورة الفلق","level":1,"page":1414},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): آية ١]","level":2,"page":1414},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): آية ٢]","level":2,"page":1414},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): آية ٣]","level":2,"page":1414},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): آية ٤]","level":2,"page":1414},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): آية ٥]","level":2,"page":1415},{"title":"١١٤ شرح إعراب سورة الناس","level":1,"page":1416},{"title":"[سورة الناس (١١٤): آية ١]","level":2,"page":1416},{"title":"[سورة الناس (١١٤): آية ٢]","level":2,"page":1416},{"title":"[سورة الناس (١١٤): آية ٣]","level":2,"page":1416},{"title":"[سورة الناس (١١٤): آية ٤]","level":2,"page":1416},{"title":"[سورة الناس (١١٤): آية ٥]","level":2,"page":1416},{"title":"[سورة الناس (١١٤): آية ٦]","level":2,"page":1416}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167,"1,173":168,"1,174":169,"1,175":170,"1,176":171,"1,177":172,"1,178":173,"1,179":174,"1,180":175,"1,181":176,"1,182":177,"1,183":178,"1,184":179,"1,185":180,"1,186":181,"1,187":182,"1,188":183,"1,189":184,"1,190":185,"1,191":186,"1,192":187,"1,193":188,"1,194":189,"1,195":190,"1,196":191,"1,197":192,"1,198":193,"1,199":194,"1,200":195,"1,201":196,"1,202":197,"1,203":198,"1,204":199,"1,205":200,"1,206":201,"1,207":202,"1,208":203,"1,209":204,"1,210":205,"1,211":206,"1,212":207,"1,213":208,"1,214":209,"1,215":210,"1,216":211,"1,217":212,"1,218":213,"1,219":214,"1,220":215,"1,221":216,"1,222":217,"1,223":218,"1,224":219,"1,225":220,"1,226":221,"1,227":222,"1,228":223,"1,229":224,"1,230":225,"1,231":226,"1,232":227,"1,233":228,"1,234":229,"1,235":230,"1,236":231,"1,237":232,"1,238":233,"1,239":234,"1,240":235,"1,241":236,"1,242":237,"1,243":238,"1,244":239,"1,245":240,"1,246":241,"1,247":242,"1,248":243,"1,249":244,"1,250":245,"1,251":246,"1,252":247,"1,253":248,"1,254":249,"1,255":250,"1,256":251,"1,257":252,"1,258":253,"1,259":254,"1,260":255,"1,261":256,"1,262":257,"1,263":258,"1,264":259,"1,265":260,"1,266":261,"1,267":262,"1,268":263,"1,269":264,"1,270":265,"1,271":266,"1,272":267,"1,273":268,"1,274":269,"1,275":270,"1,276":271,"1,277":272,"1,278":273,"1,279":274,"1,280":275,"1,281":276,"1,282":277,"1,283":278,"1,284":279,"1,285":280,"1,286":281,"1,287":282,"1,288":283,"1,289":284,"1,290":285,"1,291":286,"2,3":287,"2,4":288,"2,5":289,"2,6":290,"2,7":291,"2,8":292,"2,9":293,"2,10":294,"2,11":295,"2,12":296,"2,13":297,"2,14":298,"2,15":299,"2,16":300,"2,17":301,"2,18":302,"2,19":303,"2,20":304,"2,21":305,"2,22":306,"2,23":307,"2,24":308,"2,25":309,"2,26":310,"2,27":311,"2,28":312,"2,29":313,"2,30":314,"2,31":315,"2,32":316,"2,33":317,"2,34":318,"2,35":319,"2,36":320,"2,37":321,"2,38":322,"2,39":323,"2,40":324,"2,41":325,"2,42":326,"2,43":327,"2,44":328,"2,45":329,"2,46":330,"2,47":331,"2,48":332,"2,49":333,"2,50":334,"2,51":335,"2,52":336,"2,53":337,"2,54":338,"2,55":339,"2,56":340,"2,57":341,"2,58":342,"2,59":343,"2,60":344,"2,61":345,"2,62":346,"2,63":347,"2,64":348,"2,65":349,"2,66":350,"2,67":351,"2,68":352,"2,69":353,"2,70":354,"2,71":355,"2,72":356,"2,73":357,"2,74":358,"2,75":359,"2,76":360,"2,77":361,"2,78":362,"2,79":363,"2,80":364,"2,81":365,"2,82":366,"2,83":367,"2,84":368,"2,85":369,"2,86":370,"2,87":371,"2,88":372,"2,89":373,"2,90":374,"2,91":375,"2,92":376,"2,93":377,"2,94":378,"2,95":379,"2,96":380,"2,97":381,"2,98":382,"2,99":383,"2,100":384,"2,101":385,"2,102":386,"2,103":387,"2,104":388,"2,105":389,"2,106":390,"2,107":391,"2,108":392,"2,109":393,"2,110":394,"2,111":395,"2,112":396,"2,113":397,"2,114":398,"2,115":399,"2,116":400,"2,117":401,"2,118":402,"2,119":403,"2,120":404,"2,121":405,"2,122":406,"2,123":407,"2,124":408,"2,125":409,"2,126":410,"2,127":411,"2,128":412,"2,129":413,"2,130":414,"2,131":415,"2,132":416,"2,133":417,"2,134":418,"2,135":419,"2,136":420,"2,137":421,"2,138":422,"2,139":423,"2,140":424,"2,141":425,"2,142":426,"2,143":427,"2,144":428,"2,145":429,"2,146":430,"2,147":431,"2,148":432,"2,149":433,"2,150":434,"2,151":435,"2,152":436,"2,153":437,"2,154":438,"2,155":439,"2,156":440,"2,157":441,"2,158":442,"2,159":443,"2,160":444,"2,161":445,"2,162":446,"2,163":447,"2,164":448,"2,165":449,"2,166":450,"2,167":451,"2,168":452,"2,169":453,"2,170":454,"2,171":455,"2,172":456,"2,173":457,"2,174":458,"2,175":459,"2,176":460,"2,177":461,"2,178":462,"2,179":463,"2,180":464,"2,181":465,"2,182":466,"2,183":467,"2,184":468,"2,185":469,"2,186":470,"2,187":471,"2,188":472,"2,189":473,"2,190":474,"2,191":475,"2,192":476,"2,193":477,"2,194":478,"2,195":479,"2,196":480,"2,197":481,"2,198":482,"2,199":483,"2,200":484,"2,201":485,"2,202":486,"2,203":487,"2,204":488,"2,205":489,"2,206":490,"2,207":491,"2,208":492,"2,209":493,"2,210":494,"2,211":495,"2,212":496,"2,213":497,"2,214":498,"2,215":499,"2,216":500,"2,217":501,"2,218":502,"2,219":503,"2,220":504,"2,221":505,"2,222":506,"2,223":507,"2,224":508,"2,225":509,"2,226":510,"2,227":511,"2,228":512,"2,229":513,"2,230":514,"2,231":515,"2,232":516,"2,233":517,"2,234":518,"2,235":519,"2,236":520,"2,237":521,"2,238":522,"2,239":523,"2,240":524,"2,241":525,"2,242":526,"2,243":527,"2,244":528,"2,245":529,"2,246":530,"2,247":531,"2,248":532,"2,249":533,"2,250":534,"2,251":535,"2,252":536,"2,253":537,"2,254":538,"2,255":539,"2,256":540,"2,257":541,"2,258":542,"2,259":543,"2,260":544,"2,261":545,"2,262":546,"2,263":547,"2,264":548,"2,265":549,"2,266":550,"2,267":551,"2,268":552,"2,269":553,"2,270":554,"2,271":555,"2,272":556,"2,273":557,"2,274":558,"2,275":559,"2,276":560,"2,277":561,"2,278":562,"2,279":563,"2,280":564,"2,281":565,"2,282":566,"2,283":567,"2,284":568,"2,285":569,"2,286":570,"2,287":571,"2,288":572,"2,289":573,"2,290":574,"2,291":575,"2,292":576,"2,293":577,"2,294":578,"2,295":579,"2,296":580,"2,297":581,"2,298":582,"2,299":583,"2,300":584,"2,301":585,"2,302":586,"2,303":587,"2,304":588,"2,305":589,"2,306":590,"2,307":591,"2,308":592,"2,309":593,"3,3":594,"3,4":595,"3,5":596,"3,6":597,"3,7":598,"3,8":599,"3,9":600,"3,10":601,"3,11":602,"3,12":603,"3,13":604,"3,14":605,"3,15":606,"3,16":607,"3,17":608,"3,18":609,"3,19":610,"3,20":611,"3,21":612,"3,22":613,"3,23":614,"3,24":615,"3,25":616,"3,26":617,"3,27":618,"3,28":619,"3,29":620,"3,30":621,"3,31":622,"3,32":623,"3,33":624,"3,34":625,"3,35":626,"3,36":627,"3,37":628,"3,38":629,"3,39":630,"3,40":631,"3,41":632,"3,42":633,"3,43":634,"3,44":635,"3,45":636,"3,46":637,"3,47":638,"3,48":639,"3,49":640,"3,50":641,"3,51":642,"3,52":643,"3,53":644,"3,54":645,"3,55":646,"3,56":647,"3,57":648,"3,58":649,"3,59":650,"3,60":651,"3,61":652,"3,62":653,"3,63":654,"3,64":655,"3,65":656,"3,66":657,"3,67":658,"3,68":659,"3,69":660,"3,70":661,"3,71":662,"3,72":663,"3,73":664,"3,74":665,"3,75":666,"3,76":667,"3,77":668,"3,78":669,"3,79":670,"3,80":671,"3,81":672,"3,82":673,"3,83":674,"3,84":675,"3,85":676,"3,86":677,"3,87":678,"3,88":679,"3,89":680,"3,90":681,"3,91":682,"3,92":683,"3,93":684,"3,94":685,"3,95":686,"3,96":687,"3,97":688,"3,98":689,"3,99":690,"3,100":691,"3,101":692,"3,102":693,"3,103":694,"3,104":695,"3,105":696,"3,106":697,"3,107":698,"3,108":699,"3,109":700,"3,110":701,"3,111":702,"3,112":703,"3,113":704,"3,114":705,"3,115":706,"3,116":707,"3,117":708,"3,118":709,"3,119":710,"3,120":711,"3,121":712,"3,122":713,"3,123":714,"3,124":715,"3,125":716,"3,126":717,"3,127":718,"3,128":719,"3,129":720,"3,130":721,"3,131":722,"3,132":723,"3,133":724,"3,134":725,"3,135":726,"3,136":727,"3,137":728,"3,138":729,"3,139":730,"3,140":731,"3,141":732,"3,142":733,"3,143":734,"3,144":735,"3,145":736,"3,146":737,"3,147":738,"3,148":739,"3,149":740,"3,150":741,"3,151":742,"3,152":743,"3,153":744,"3,154":745,"3,155":746,"3,156":747,"3,157":748,"3,158":749,"3,159":750,"3,160":751,"3,161":752,"3,162":753,"3,163":754,"3,164":755,"3,165":756,"3,166":757,"3,167":758,"3,168":759,"3,169":760,"3,170":761,"3,171":762,"3,172":763,"3,173":764,"3,174":765,"3,175":766,"3,176":767,"3,177":768,"3,178":769,"3,179":770,"3,180":771,"3,181":772,"3,182":773,"3,183":774,"3,184":775,"3,185":776,"3,186":777,"3,187":778,"3,188":779,"3,189":780,"3,190":781,"3,191":782,"3,192":783,"3,193":784,"3,194":785,"3,195":786,"3,196":787,"3,197":788,"3,198":789,"3,199":790,"3,200":791,"3,201":792,"3,202":793,"3,203":794,"3,204":795,"3,205":796,"3,206":797,"3,207":798,"3,208":799,"3,209":800,"3,210":801,"3,211":802,"3,212":803,"3,213":804,"3,214":805,"3,215":806,"3,216":807,"3,217":808,"3,218":809,"3,219":810,"3,220":811,"3,221":812,"3,222":813,"3,223":814,"3,224":815,"3,225":816,"3,226":817,"3,227":818,"3,228":819,"3,229":820,"3,230":821,"3,231":822,"3,232":823,"3,233":824,"3,234":825,"3,235":826,"3,236":827,"3,237":828,"3,238":829,"3,239":830,"3,240":831,"3,241":832,"3,242":833,"3,243":834,"3,244":835,"3,245":836,"3,246":837,"3,247":838,"3,248":839,"3,249":840,"3,250":841,"3,251":842,"3,252":843,"3,253":844,"3,254":845,"3,255":846,"3,256":847,"3,257":848,"3,258":849,"3,259":850,"3,260":851,"3,261":852,"3,262":853,"3,263":854,"3,264":855,"3,265":856,"3,266":857,"3,267":858,"3,268":859,"3,269":860,"3,270":861,"3,271":862,"3,272":863,"3,273":864,"3,274":865,"3,275":866,"3,276":867,"3,277":868,"3,278":869,"3,279":870,"3,280":871,"3,281":872,"3,282":873,"3,283":874,"3,284":875,"3,285":876,"3,286":877,"3,287":878,"3,288":879,"3,289":880,"3,290":881,"3,291":882,"3,292":883,"3,293":884,"3,294":885,"3,295":886,"3,296":887,"3,297":888,"3,298":889,"3,299":890,"3,300":891,"3,301":892,"3,302":893,"3,303":894,"3,304":895,"3,305":896,"3,306":897,"3,307":898,"3,308":899,"3,309":900,"3,310":901,"3,311":902,"3,312":903,"3,313":904,"3,314":905,"3,315":906,"3,316":907,"3,317":908,"3,318":909,"3,319":910,"4,3":911,"4,4":912,"4,5":913,"4,6":914,"4,7":915,"4,8":916,"4,9":917,"4,10":918,"4,11":919,"4,12":920,"4,13":921,"4,14":922,"4,15":923,"4,16":924,"4,17":925,"4,18":926,"4,19":927,"4,20":928,"4,21":929,"4,22":930,"4,23":931,"4,24":932,"4,25":933,"4,26":934,"4,27":935,"4,28":936,"4,29":937,"4,30":938,"4,31":939,"4,32":940,"4,33":941,"4,34":942,"4,35":943,"4,36":944,"4,37":945,"4,38":946,"4,39":947,"4,40":948,"4,41":949,"4,42":950,"4,43":951,"4,44":952,"4,45":953,"4,46":954,"4,47":955,"4,48":956,"4,49":957,"4,50":958,"4,51":959,"4,52":960,"4,53":961,"4,54":962,"4,55":963,"4,56":964,"4,57":965,"4,58":966,"4,59":967,"4,60":968,"4,61":969,"4,62":970,"4,63":971,"4,64":972,"4,65":973,"4,66":974,"4,67":975,"4,68":976,"4,69":977,"4,70":978,"4,71":979,"4,72":980,"4,73":981,"4,74":982,"4,75":983,"4,76":984,"4,77":985,"4,78":986,"4,79":987,"4,80":988,"4,81":989,"4,82":990,"4,83":991,"4,84":992,"4,85":993,"4,86":994,"4,87":995,"4,88":996,"4,89":997,"4,90":998,"4,91":999,"4,92":1000,"4,93":1001,"4,94":1002,"4,95":1003,"4,96":1004,"4,97":1005,"4,98":1006,"4,99":1007,"4,100":1008,"4,101":1009,"4,102":1010,"4,103":1011,"4,104":1012,"4,105":1013,"4,106":1014,"4,107":1015,"4,108":1016,"4,109":1017,"4,110":1018,"4,111":1019,"4,112":1020,"4,113":1021,"4,114":1022,"4,115":1023,"4,116":1024,"4,117":1025,"4,118":1026,"4,119":1027,"4,120":1028,"4,121":1029,"4,122":1030,"4,123":1031,"4,124":1032,"4,125":1033,"4,126":1034,"4,127":1035,"4,128":1036,"4,129":1037,"4,130":1038,"4,131":1039,"4,132":1040,"4,133":1041,"4,134":1042,"4,135":1043,"4,136":1044,"4,137":1045,"4,138":1046,"4,139":1047,"4,140":1048,"4,141":1049,"4,142":1050,"4,143":1051,"4,144":1052,"4,145":1053,"4,146":1054,"4,147":1055,"4,148":1056,"4,149":1057,"4,150":1058,"4,151":1059,"4,152":1060,"4,153":1061,"4,154":1062,"4,155":1063,"4,156":1064,"4,157":1065,"4,158":1066,"4,159":1067,"4,160":1068,"4,161":1069,"4,162":1070,"4,163":1071,"4,164":1072,"4,165":1073,"4,166":1074,"4,167":1075,"4,168":1076,"4,169":1077,"4,170":1078,"4,171":1079,"4,172":1080,"4,173":1081,"4,174":1082,"4,175":1083,"4,176":1084,"4,177":1085,"4,178":1086,"4,179":1087,"4,180":1088,"4,181":1089,"4,182":1090,"4,183":1091,"4,184":1092,"4,185":1093,"4,186":1094,"4,187":1095,"4,188":1096,"4,189":1097,"4,190":1098,"4,191":1099,"4,192":1100,"4,193":1101,"4,194":1102,"4,195":1103,"4,196":1104,"4,197":1105,"4,198":1106,"4,199":1107,"4,200":1108,"4,201":1109,"4,202":1110,"4,203":1111,"4,204":1112,"4,205":1113,"4,206":1114,"4,207":1115,"4,208":1116,"4,209":1117,"4,210":1118,"4,211":1119,"4,212":1120,"4,213":1121,"4,214":1122,"4,215":1123,"4,216":1124,"4,217":1125,"4,218":1126,"4,219":1127,"4,220":1128,"4,221":1129,"4,222":1130,"4,223":1131,"4,224":1132,"4,225":1133,"4,226":1134,"4,227":1135,"4,228":1136,"4,229":1137,"4,230":1138,"4,231":1139,"4,232":1140,"4,233":1141,"4,234":1142,"4,235":1143,"4,236":1144,"4,237":1145,"4,238":1146,"4,239":1147,"4,240":1148,"4,241":1149,"4,242":1150,"4,243":1151,"4,244":1152,"4,245":1153,"4,246":1154,"4,247":1155,"4,248":1156,"4,249":1157,"4,250":1158,"4,251":1159,"4,252":1160,"4,253":1161,"4,254":1162,"4,255":1163,"4,256":1164,"4,257":1165,"4,258":1166,"4,259":1167,"4,260":1168,"4,261":1169,"4,262":1170,"4,263":1171,"4,264":1172,"4,265":1173,"4,266":1174,"4,267":1175,"4,268":1176,"4,269":1177,"4,270":1178,"4,271":1179,"4,272":1180,"4,273":1181,"4,274":1182,"4,275":1183,"4,276":1184,"4,277":1185,"4,278":1186,"4,279":1187,"4,280":1188,"4,281":1189,"4,282":1190,"4,283":1191,"4,284":1192,"4,285":1193,"4,286":1194,"4,287":1195,"4,288":1196,"4,289":1197,"4,290":1198,"4,291":1199,"4,292":1200,"4,293":1201,"4,294":1202,"4,295":1203,"4,296":1204,"4,297":1205,"4,298":1206,"4,299":1207,"4,300":1208,"4,301":1209,"4,302":1210,"4,303":1211,"4,304":1212,"4,305":1213,"4,306":1214,"4,307":1215,"4,308":1216,"4,309":1217,"4,310":1218,"4,311":1219,"5,3":1220,"5,4":1221,"5,5":1222,"5,6":1223,"5,7":1224,"5,8":1225,"5,9":1226,"5,10":1227,"5,11":1228,"5,12":1229,"5,13":1230,"5,14":1231,"5,15":1232,"5,16":1233,"5,17":1234,"5,18":1235,"5,19":1236,"5,20":1237,"5,21":1238,"5,22":1239,"5,23":1240,"5,24":1241,"5,25":1242,"5,26":1243,"5,27":1244,"5,28":1245,"5,29":1246,"5,30":1247,"5,31":1248,"5,32":1249,"5,33":1250,"5,34":1251,"5,35":1252,"5,36":1253,"5,37":1254,"5,38":1255,"5,39":1256,"5,40":1257,"5,41":1258,"5,42":1259,"5,43":1260,"5,44":1261,"5,45":1262,"5,46":1263,"5,47":1264,"5,48":1265,"5,49":1266,"5,50":1267,"5,51":1268,"5,52":1269,"5,53":1270,"5,54":1271,"5,55":1272,"5,56":1273,"5,57":1274,"5,58":1275,"5,59":1276,"5,60":1277,"5,61":1278,"5,62":1279,"5,63":1280,"5,64":1281,"5,65":1282,"5,66":1283,"5,67":1284,"5,68":1285,"5,69":1286,"5,70":1287,"5,71":1288,"5,72":1289,"5,73":1290,"5,74":1291,"5,75":1292,"5,76":1293,"5,77":1294,"5,78":1295,"5,79":1296,"5,80":1297,"5,81":1298,"5,82":1299,"5,83":1300,"5,84":1301,"5,85":1302,"5,86":1303,"5,87":1304,"5,88":1305,"5,89":1306,"5,90":1307,"5,91":1308,"5,92":1309,"5,93":1310,"5,94":1311,"5,95":1312,"5,96":1313,"5,97":1314,"5,98":1315,"5,99":1316,"5,100":1317,"5,101":1318,"5,102":1319,"5,103":1320,"5,104":1321,"5,105":1322,"5,106":1323,"5,107":1324,"5,108":1325,"5,109":1326,"5,110":1327,"5,111":1328,"5,112":1329,"5,113":1330,"5,114":1331,"5,115":1332,"5,116":1333,"5,117":1334,"5,118":1335,"5,119":1336,"5,120":1337,"5,121":1338,"5,122":1339,"5,123":1340,"5,124":1341,"5,125":1342,"5,126":1343,"5,127":1344,"5,128":1345,"5,129":1346,"5,130":1347,"5,131":1348,"5,132":1349,"5,133":1350,"5,134":1351,"5,135":1352,"5,136":1353,"5,137":1354,"5,138":1355,"5,139":1356,"5,140":1357,"5,141":1358,"5,142":1359,"5,143":1360,"5,144":1361,"5,145":1362,"5,146":1363,"5,147":1364,"5,148":1365,"5,149":1366,"5,150":1367,"5,151":1368,"5,152":1369,"5,153":1370,"5,154":1371,"5,155":1372,"5,156":1373,"5,157":1374,"5,158":1375,"5,159":1376,"5,160":1377,"5,161":1378,"5,162":1379,"5,163":1380,"5,164":1381,"5,165":1382,"5,166":1383,"5,167":1384,"5,168":1385,"5,169":1386,"5,170":1387,"5,171":1388,"5,172":1389,"5,173":1390,"5,174":1391,"5,175":1392,"5,176":1393,"5,177":1394,"5,178":1395,"5,179":1396,"5,180":1397,"5,181":1398,"5,182":1399,"5,183":1400,"5,184":1401,"5,185":1402,"5,186":1403,"5,187":1404,"5,188":1405,"5,189":1406,"5,190":1407,"5,191":1408,"5,192":1409,"5,193":1410,"5,194":1411,"5,195":1412,"5,196":1413,"5,197":1414,"5,198":1415,"5,199":1416,"5,200":1417},"ٜ":{"1":[3,291],"2":[3,309],"3":[3,319],"4":[3,311],"5":[3,200]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200"],"ٞ":{"1":[1,2,3,4],"2":[5,6],"3":[7,8],"4":[9],"7":[10],"9":[11,12],"12":[13],"14":[14,15],"15":[16,17],"18":[18,19,20],"20":[21],"21":[22,23],"22":[24],"23":[25],"24":[26,27,28],"25":[29,30],"26":[31,32],"27":[33,34],"28":[35,36,37],"29":[38],"30":[39],"31":[40],"32":[41,42],"33":[43],"34":[44],"35":[45],"36":[46,47],"37":[48],"38":[49],"39":[50,51],"40":[52],"41":[53,54],"42":[55,56],"43":[57,58],"44":[59,60],"45":[61,62,63],"46":[64,65],"47":[66,67,68],"48":[69,70,71],"49":[72,73],"50":[74,75],"51":[76,77],"52":[78],"53":[79,80,81,82],"54":[83,84,85,86],"55":[87,88],"56":[89,90,91],"57":[92,93],"58":[94,95,96,97],"59":[98,99,100],"61":[101,102],"62":[103,104,105],"63":[106,107],"64":[108,109,110],"65":[111,112],"66":[113,114,115,116],"67":[117,118],"68":[119,120,121,122],"69":[123,124,125,126],"70":[127,128,129,130,131,132],"71":[133,134,135,136],"72":[137],"73":[138,139],"74":[140,141],"75":[142],"76":[143,144,145,146],"77":[147,148,149,150],"78":[151,152,153],"79":[154,155,156,157],"80":[158,159,160,161,162],"81":[163,164,165],"82":[166,167,168,169,170,171],"83":[172],"84":[173,174,175,176],"85":[177,178,179,180,181],"87":[182,183,184],"88":[185,186,187],"89":[188],"90":[189],"92":[190,191],"93":[192,193],"94":[194,195,196,197,198,199],"95":[200],"97":[201,202],"98":[203,204],"99":[205,206,207,208],"100":[209,210],"101":[211,212,213],"102":[214],"103":[215],"104":[216,217],"105":[218,219],"106":[220,221],"107":[222,223,224],"108":[225,226,227],"110":[228,229,230,231],"111":[232],"112":[233,234],"113":[235,236],"114":[237],"115":[238,239,240],"116":[241,242,243],"117":[244,245],"118":[246,247],"119":[248,249],"120":[250,251],"121":[252,253],"122":[254],"123":[255,256,257],"124":[258],"125":[259,260,261],"126":[262,263,264,265],"128":[266,267,268],"129":[269,270,271,272],"131":[273,274],"134":[275],"135":[276],"136":[277,278],"137":[279,280],"138":[281,282],"140":[283,284,285],"141":[286,287,288],"142":[289,290,291],"143":[292,293,294],"144":[295,296,297,298],"145":[299,300,301],"146":[302,303],"147":[304,305,306],"148":[307,308],"149":[309],"150":[310,311],"151":[312,313],"152":[314,315,316],"153":[317,318],"154":[319,320,321],"155":[322,323],"156":[324,325],"157":[326,327,328,329,330],"158":[331,332,333,334],"159":[335,336,337,338],"160":[339,340],"161":[341,342],"162":[343,344,345],"163":[346,347],"164":[348,349,350],"165":[351,352,353,354],"166":[355,356,357,358,359],"167":[360,361],"168":[362,363,364,365],"169":[366,367,368,369,370],"170":[371,372,373],"171":[374,375,376],"172":[377,378],"173":[379,380],"174":[381,382,383,384,385],"175":[386,387,388,389,390],"176":[391,392,393,394,395],"177":[396,397,398],"178":[399,400,401,402],"179":[403,404,405],"180":[406,407],"181":[408,409,410],"182":[411,412,413],"183":[414,415,416,417,418],"184":[419,420,421,422,423,424,425],"185":[426,427],"186":[428],"187":[429,430,431,432,433],"188":[434,435,436,437,438],"189":[439,440,441],"190":[442,443,444],"191":[445,446],"192":[447,448],"193":[449],"194":[450,451],"195":[452],"196":[453,454],"197":[455,456,457,458],"199":[459,460,461],"200":[462,463,464],"201":[465,466,467],"202":[468,469,470],"203":[471],"204":[472],"205":[473,474,475,476],"206":[477,478],"207":[479],"208":[480,481],"209":[482,483],"210":[484,485,486,487,488],"212":[489,490,491],"213":[492,493],"214":[494,495,496,497],"215":[498,499,500,501],"216":[502],"217":[503,504,505,506,507],"218":[508,509,510],"219":[511,512,513,514,515],"220":[516,517,518,519],"221":[520,521,522],"222":[523,524],"223":[525,526],"224":[527,528],"225":[529,530,531],"226":[532,533,534],"227":[535],"228":[536],"229":[537,538,539],"230":[540,541,542],"231":[543,544,545],"232":[546,547,548],"233":[549,550,551],"234":[552,553,554,555,556],"235":[557,558,559,560],"236":[561],"237":[562,563,564,565,566],"238":[567,568],"239":[569,570,571],"240":[572,573,574,575],"241":[576,577,578,579],"242":[580,581,582,583],"243":[584,585],"244":[586,587,588],"245":[589],"246":[590,591],"247":[592,593,594,595],"248":[596,597,598],"249":[599,600],"250":[601,602],"251":[603],"252":[604],"253":[605,606],"254":[607],"255":[608,609,610,611],"256":[612,613],"257":[614,615,616,617],"258":[618,619,620],"259":[621,622,623,624],"260":[625,626],"261":[627,628,629],"262":[630,631,632],"263":[633,634],"264":[635,636],"265":[637,638,639],"266":[640,641,642],"267":[643,644],"268":[645,646,647,648],"269":[649,650],"270":[651,652,653,654],"271":[655,656,657],"272":[658,659],"273":[660,661,662],"274":[663,664,665,666],"275":[667,668,669,670,671],"276":[672,673],"277":[674,675],"278":[676,677,678],"279":[679,680,681],"281":[682],"282":[683,684,685],"283":[686,687],"284":[688,689,690,691],"285":[692,693,694],"286":[695],"287":[696,697,698,699],"288":[700,701,702,703,704,705,706],"289":[707,708,709],"290":[710,711,712],"291":[713,714,715,716],"292":[717,718,719,720],"293":[721,722,723,724,725],"294":[726,727],"295":[728,729,730,731],"296":[732,733],"297":[734,735,736,737],"298":[738,739,740,741],"299":[742,743,744,745,746],"300":[747],"301":[748,749],"302":[750,751,752,753],"303":[754,755,756,757],"304":[758,759],"305":[760,761,762,763],"306":[764,765,766],"307":[767,768],"308":[769],"309":[770,771,772,773],"310":[774,775],"311":[776,777,778],"312":[779,780,781],"313":[782,783,784,785,786],"314":[787,788,789,790,791],"315":[792,793,794,795,796],"316":[797,798,799,800],"317":[801],"318":[802],"319":[803,804,805],"320":[806,807],"321":[808],"322":[809,810,811,812],"323":[813,814,815],"324":[816,817,818],"325":[819,820,821],"326":[822,823,824],"327":[825],"328":[826,827,828],"329":[829,830,831,832,833],"330":[834,835,836],"331":[837,838],"332":[839,840,841],"333":[842,843],"334":[844,845],"335":[846,847,848],"336":[849,850,851,852],"337":[853,854,855,856,857],"338":[858,859,860],"339":[861,862,863,864,865,866],"340":[867,868],"341":[869],"342":[870,871],"343":[872],"344":[873,874,875,876,877,878],"345":[879,880,881],"346":[882,883,884,885,886],"347":[887,888,889,890],"348":[891,892,893,894],"349":[895,896,897],"350":[898,899,900,901,902],"351":[903,904,905,906,907],"352":[908,909,910],"353":[911,912,913,914],"354":[915],"355":[916,917,918],"356":[919,920],"357":[921,922],"358":[923,924,925],"359":[926,927,928],"360":[929,930,931],"361":[932,933],"362":[934,935],"363":[936,937,938,939],"364":[940],"365":[941,942,943,944,945],"366":[946,947,948,949,950],"367":[951,952],"368":[953,954,955],"369":[956,957,958,959,960],"370":[961,962,963],"371":[964,965,966],"372":[967],"373":[968,969,970,971,972],"374":[973,974,975],"375":[976,977],"376":[978,979,980,981],"377":[982,983,984,985,986],"378":[987,988,989,990],"379":[991,992,993,994,995,996],"380":[997,998,999,1000],"382":[1001,1002,1003,1004,1005],"383":[1006],"384":[1007,1008,1009,1010,1011],"385":[1012,1013,1014,1015,1016],"386":[1017],"387":[1018,1019,1020],"388":[1021,1022],"389":[1023,1024,1025,1026],"390":[1027,1028,1029,1030],"391":[1031],"392":[1032,1033,1034],"393":[1035,1036,1037],"394":[1038,1039,1040],"395":[1041,1042,1043],"396":[1044,1045,1046,1047],"397":[1048,1049,1050,1051],"398":[1052,1053,1054,1055],"399":[1056,1057],"400":[1058,1059],"401":[1060,1061,1062],"402":[1063,1064,1065],"404":[1066,1067,1068,1069],"405":[1070,1071],"406":[1072,1073,1074,1075],"407":[1076,1077],"408":[1078,1079,1080],"409":[1081,1082],"410":[1083,1084],"411":[1085,1086,1087,1088,1089],"412":[1090,1091,1092,1093,1094],"413":[1095,1096,1097,1098,1099,1100,1101],"414":[1102,1103,1104],"415":[1105,1106,1107,1108],"416":[1109,1110],"417":[1111,1112,1113,1114],"418":[1115,1116],"419":[1117,1118],"420":[1119,1120,1121],"421":[1122,1123,1124,1125,1126],"422":[1127,1128,1129],"423":[1130,1131],"424":[1132,1133,1134],"425":[1135,1136,1137,1138],"426":[1139,1140,1141],"427":[1142,1143,1144,1145],"428":[1146,1147,1148],"429":[1149,1150,1151,1152],"430":[1153,1154,1155,1156],"431":[1157],"432":[1158,1159,1160,1161,1162,1163],"433":[1164,1165,1166,1167],"434":[1168,1169,1170,1171],"435":[1172,1173,1174,1175,1176],"436":[1177,1178,1179,1180],"437":[1181,1182,1183],"438":[1184,1185,1186],"439":[1187,1188,1189,1190],"440":[1191],"441":[1192,1193,1194,1195,1196],"442":[1197],"443":[1198,1199,1200,1201],"444":[1202,1203,1204,1205],"445":[1206,1207,1208],"446":[1209,1210,1211,1212,1213,1214],"447":[1215,1216,1217],"448":[1218,1219],"449":[1220,1221,1222,1223,1224],"450":[1225],"451":[1226,1227,1228,1229,1230],"452":[1231,1232,1233,1234,1235],"453":[1236,1237],"454":[1238,1239],"455":[1240,1241,1242,1243],"456":[1244,1245,1246,1247,1248,1249],"457":[1250,1251,1252,1253,1254],"458":[1255,1256,1257],"459":[1258,1259],"460":[1260,1261],"461":[1262,1263,1264],"462":[1265,1266],"463":[1267,1268,1269,1270],"464":[1271,1272,1273,1274],"465":[1275,1276,1277,1278],"466":[1279,1280,1281,1282,1283,1284],"467":[1285,1286],"468":[1287,1288,1289],"469":[1290],"470":[1291],"471":[1292,1293,1294,1295,1296,1297],"472":[1298],"473":[1299,1300,1301,1302],"474":[1303],"476":[1304,1305,1306],"477":[1307,1308,1309],"478":[1310,1311],"479":[1312,1313,1314],"480":[1315,1316],"481":[1317,1318,1319],"483":[1320,1321,1322],"484":[1323,1324,1325],"486":[1326,1327,1328],"487":[1329,1330,1331],"488":[1332,1333,1334,1335],"489":[1336,1337,1338,1339,1340],"490":[1341,1342,1343,1344,1345,1346,1347],"491":[1348,1349,1350],"492":[1351,1352,1353,1354],"493":[1355,1356,1357,1358,1359],"494":[1360],"495":[1361,1362,1363,1364],"496":[1365,1366,1367,1368],"497":[1369,1370,1371],"498":[1372,1373,1374,1375],"499":[1376,1377,1378,1379,1380,1381],"500":[1382,1383,1384,1385],"501":[1386],"502":[1387,1388,1389,1390],"503":[1391,1392],"504":[1393,1394,1395,1396],"505":[1397,1398,1399,1400],"506":[1401,1402,1403,1404],"507":[1405,1406,1407,1408,1409],"508":[1410,1411,1412,1413,1414,1415],"509":[1416,1417,1418,1419],"510":[1420,1421,1422,1423],"511":[1424,1425,1426,1427,1428],"512":[1429,1430],"513":[1431,1432,1433,1434,1435,1436,1437],"514":[1438],"515":[1439,1440,1441],"516":[1442,1443,1444,1445,1446],"517":[1447,1448,1449,1450,1451,1452,1453],"518":[1454,1455],"519":[1456,1457,1458],"520":[1459,1460,1461],"521":[1462,1463,1464,1465,1466],"522":[1467,1468,1469,1470,1471],"523":[1472,1473,1474,1475,1476,1477],"524":[1478,1479,1480,1481,1482,1483,1484],"525":[1485,1486,1487,1488],"526":[1489,1490,1491,1492],"527":[1493,1494],"528":[1495,1496,1497,1498,1499,1500],"529":[1501,1502,1503,1504,1505],"530":[1506,1507,1508,1509],"531":[1510,1511,1512,1513,1514],"532":[1515,1516,1517,1518],"533":[1519,1520,1521,1522],"534":[1523,1524,1525,1526,1527],"535":[1528,1529,1530,1531,1532,1533],"536":[1534,1535,1536,1537,1538],"537":[1539,1540,1541],"538":[1542,1543,1544],"539":[1545,1546,1547,1548,1549],"540":[1550,1551,1552,1553],"541":[1554,1555,1556,1557,1558],"542":[1559,1560,1561,1562,1563,1564],"543":[1565,1566,1567],"544":[1568,1569,1570],"545":[1571,1572,1573,1574],"546":[1575,1576,1577,1578,1579,1580],"547":[1581],"548":[1582,1583,1584],"549":[1585,1586,1587],"550":[1588],"551":[1589,1590,1591,1592],"552":[1593,1594,1595],"553":[1596,1597,1598,1599,1600,1601,1602],"554":[1603,1604],"555":[1605,1606,1607,1608],"556":[1609,1610,1611,1612],"557":[1613,1614,1615,1616,1617,1618],"558":[1619,1620,1621,1622,1623,1624],"559":[1625,1626,1627],"560":[1628,1629],"561":[1630,1631,1632],"562":[1633,1634,1635,1636],"563":[1637,1638,1639,1640,1641],"564":[1642,1643,1644],"565":[1645,1646,1647,1648,1649],"566":[1650,1651,1652],"567":[1653,1654,1655],"568":[1656,1657,1658,1659,1660],"569":[1661,1662,1663,1664],"570":[1665,1666,1667,1668,1669,1670,1671],"571":[1672],"572":[1673,1674,1675,1676,1677,1678],"573":[1679,1680,1681,1682,1683],"574":[1684,1685,1686],"575":[1687,1688,1689],"576":[1690,1691,1692,1693,1694,1695],"577":[1696,1697],"578":[1698,1699,1700],"579":[1701,1702,1703,1704],"580":[1705,1706,1707,1708],"581":[1709,1710,1711],"582":[1712,1713,1714],"583":[1715,1716,1717,1718],"584":[1719,1720,1721,1722],"585":[1723,1724,1725,1726,1727],"586":[1728,1729,1730],"587":[1731,1732,1733],"588":[1734,1735,1736,1737],"589":[1738,1739],"590":[1740,1741],"591":[1742,1743,1744,1745],"592":[1746,1747,1748,1749,1750,1751],"593":[1752,1753,1754],"594":[1755,1756],"595":[1757,1758,1759,1760],"597":[1761,1762,1763,1764],"598":[1765,1766,1767,1768,1769,1770,1771],"599":[1772,1773,1774,1775],"600":[1776,1777,1778],"601":[1779,1780],"602":[1781,1782,1783,1784],"603":[1785,1786,1787,1788],"604":[1789,1790,1791,1792,1793],"605":[1794,1795,1796],"606":[1797,1798,1799,1800,1801,1802],"607":[1803,1804,1805,1806,1807,1808],"609":[1809,1810],"610":[1811,1812,1813,1814,1815],"611":[1816,1817,1818,1819],"612":[1820,1821,1822,1823],"613":[1824,1825,1826,1827],"614":[1828,1829,1830,1831,1832,1833,1834],"615":[1835,1836,1837,1838],"616":[1839,1840],"617":[1841,1842,1843,1844,1845,1846,1847,1848],"618":[1849,1850,1851,1852],"619":[1853,1854,1855,1856,1857,1858,1859,1860],"620":[1861,1862,1863,1864],"621":[1865,1866,1867],"624":[1868,1869],"625":[1870,1871,1872],"626":[1873,1874,1875,1876],"627":[1877,1878],"628":[1879,1880,1881,1882,1883],"629":[1884,1885,1886,1887,1888],"630":[1889,1890,1891,1892,1893,1894],"631":[1895],"632":[1896,1897,1898,1899,1900,1901,1902,1903],"633":[1904,1905,1906,1907],"634":[1908,1909,1910],"635":[1911],"636":[1912,1913,1914,1915],"637":[1916,1917,1918],"638":[1919,1920,1921,1922,1923,1924,1925],"639":[1926,1927,1928,1929,1930],"640":[1931,1932,1933,1934],"641":[1935,1936,1937,1938,1939],"642":[1940,1941,1942],"643":[1943,1944,1945,1946,1947],"644":[1948,1949,1950,1951,1952],"645":[1953,1954,1955,1956,1957],"646":[1958,1959,1960],"647":[1961,1962,1963],"648":[1964,1965],"649":[1966,1967,1968,1969,1970,1971],"650":[1972,1973,1974,1975,1976,1977,1978],"651":[1979,1980,1981,1982],"652":[1983,1984],"653":[1985,1986,1987,1988,1989],"654":[1990,1991,1992],"655":[1993,1994,1995],"656":[1996,1997,1998,1999],"657":[2000],"658":[2001],"659":[2002,2003,2004],"660":[2005,2006],"661":[2007,2008,2009],"662":[2010],"663":[2011,2012,2013],"665":[2014,2015,2016,2017],"666":[2018,2019],"668":[2020,2021,2022,2023,2024,2025],"669":[2026,2027,2028],"670":[2029,2030,2031,2032],"671":[2033,2034],"672":[2035,2036,2037,2038],"673":[2039,2040,2041,2042,2043,2044],"674":[2045,2046,2047,2048,2049],"675":[2050,2051,2052,2053,2054,2055],"676":[2056,2057,2058,2059,2060],"677":[2061,2062,2063,2064,2065],"678":[2066,2067,2068,2069],"679":[2070,2071,2072,2073],"680":[2074,2075,2076,2077],"681":[2078,2079,2080,2081],"682":[2082,2083,2084,2085,2086,2087],"683":[2088,2089,2090],"684":[2091],"685":[2092,2093],"687":[2094],"688":[2095,2096,2097],"689":[2098,2099],"690":[2100,2101],"691":[2102,2103,2104,2105,2106,2107],"692":[2108,2109],"693":[2110,2111],"694":[2112,2113],"695":[2114],"696":[2115,2116,2117,2118],"697":[2119,2120,2121,2122],"698":[2123,2124,2125,2126],"699":[2127,2128],"700":[2129,2130,2131,2132,2133],"701":[2134,2135,2136,2137],"702":[2138,2139,2140,2141],"703":[2142,2143,2144,2145,2146],"704":[2147,2148,2149,2150,2151],"705":[2152,2153,2154,2155],"706":[2156,2157,2158,2159],"707":[2160,2161],"708":[2162,2163,2164,2165,2166,2167,2168],"709":[2169,2170],"710":[2171,2172,2173,2174],"711":[2175,2176,2177,2178,2179,2180],"712":[2181,2182,2183,2184],"713":[2185,2186,2187,2188,2189,2190,2191],"714":[2192,2193,2194,2195,2196,2197,2198],"715":[2199,2200,2201,2202],"716":[2203,2204,2205],"717":[2206,2207,2208,2209,2210,2211],"718":[2212,2213,2214,2215,2216,2217,2218,2219],"719":[2220,2221,2222],"720":[2223,2224,2225,2226],"721":[2227,2228,2229],"722":[2230,2231,2232],"723":[2233,2234,2235,2236,2237,2238],"724":[2239,2240,2241,2242,2243,2244,2245],"725":[2246,2247,2248],"726":[2249,2250,2251,2252,2253,2254],"727":[2255,2256,2257],"728":[2258,2259],"729":[2260,2261,2262,2263,2264,2265],"730":[2266],"732":[2267],"733":[2268],"734":[2269,2270,2271,2272],"735":[2273,2274,2275,2276],"736":[2277,2278,2279,2280,2281],"737":[2282,2283,2284,2285],"738":[2286,2287,2288,2289],"739":[2290,2291,2292,2293,2294],"740":[2295,2296,2297],"741":[2298],"742":[2299,2300],"743":[2301,2302],"744":[2303,2304,2305],"745":[2306,2307],"746":[2308,2309,2310,2311],"747":[2312,2313,2314,2315],"748":[2316,2317,2318],"749":[2319,2320],"750":[2321,2322],"751":[2323,2324,2325],"752":[2326,2327,2328,2329],"753":[2330,2331,2332,2333],"754":[2334,2335,2336,2337,2338,2339],"755":[2340,2341,2342],"756":[2343,2344,2345,2346,2347,2348],"757":[2349,2350],"758":[2351,2352,2353,2354],"759":[2355,2356,2357,2358],"760":[2359,2360,2361,2362],"761":[2363,2364],"762":[2365,2366],"763":[2367,2368,2369],"764":[2370,2371,2372],"765":[2373,2374,2375],"766":[2376,2377,2378,2379],"767":[2380,2381,2382,2383,2384],"768":[2385,2386],"769":[2387,2388,2389],"771":[2390,2391],"772":[2392,2393,2394,2395],"773":[2396,2397,2398],"774":[2399,2400,2401,2402],"775":[2403,2404,2405],"776":[2406,2407,2408,2409],"777":[2410,2411,2412,2413,2414],"778":[2415],"779":[2416,2417,2418,2419],"780":[2420,2421,2422],"781":[2423,2424,2425,2426],"782":[2427],"783":[2428,2429,2430,2431,2432],"784":[2433,2434,2435,2436],"785":[2437,2438],"786":[2439,2440,2441,2442],"787":[2443,2444,2445],"788":[2446,2447,2448],"789":[2449],"790":[2450,2451,2452,2453],"791":[2454,2455,2456,2457],"792":[2458,2459,2460],"793":[2461,2462,2463,2464],"794":[2465,2466,2467,2468,2469],"795":[2470,2471],"796":[2472,2473,2474],"797":[2475,2476,2477,2478,2479],"798":[2480,2481],"799":[2482,2483,2484],"800":[2485,2486,2487],"801":[2488,2489],"802":[2490,2491,2492],"803":[2493,2494,2495,2496],"804":[2497,2498,2499],"805":[2500,2501],"807":[2502,2503,2504],"808":[2505,2506,2507],"809":[2508,2509,2510],"810":[2511,2512,2513,2514,2515],"811":[2516,2517],"812":[2518],"813":[2519,2520,2521,2522],"814":[2523],"815":[2524,2525,2526,2527],"816":[2528,2529,2530,2531],"818":[2532,2533,2534,2535],"819":[2536,2537,2538,2539],"820":[2540,2541,2542],"821":[2543],"822":[2544,2545],"823":[2546],"824":[2547,2548],"825":[2549],"826":[2550,2551,2552],"827":[2553,2554],"828":[2555,2556,2557],"829":[2558,2559,2560],"830":[2561,2562,2563],"832":[2564,2565,2566,2567,2568],"833":[2569,2570,2571,2572],"834":[2573,2574],"835":[2575,2576,2577,2578],"836":[2579,2580,2581],"837":[2582,2583,2584],"838":[2585],"839":[2586,2587],"840":[2588,2589],"841":[2590,2591,2592],"842":[2593,2594,2595,2596],"843":[2597],"844":[2598,2599],"845":[2600,2601,2602,2603],"846":[2604,2605,2606],"847":[2607],"848":[2608,2609],"849":[2610,2611,2612,2613],"850":[2614,2615,2616,2617,2618],"851":[2619],"852":[2620,2621,2622,2623],"853":[2624,2625,2626,2627],"854":[2628,2629,2630,2631,2632,2633],"855":[2634,2635,2636,2637],"856":[2638],"857":[2639,2640,2641,2642,2643,2644,2645],"858":[2646,2647],"859":[2648,2649,2650],"860":[2651,2652],"861":[2653,2654,2655],"862":[2656,2657,2658,2659,2660,2661],"863":[2662,2663,2664],"864":[2665,2666,2667],"865":[2668,2669,2670],"866":[2671,2672,2673,2674,2675,2676],"867":[2677],"868":[2678,2679,2680,2681,2682],"869":[2683,2684],"870":[2685,2686,2687,2688],"871":[2689,2690,2691],"872":[2692,2693,2694,2695,2696,2697],"873":[2698,2699,2700,2701,2702,2703],"874":[2704,2705,2706,2707,2708,2709,2710,2711],"875":[2712,2713,2714],"876":[2715],"877":[2716,2717,2718,2719,2720],"878":[2721,2722,2723,2724,2725,2726,2727],"879":[2728,2729,2730,2731,2732,2733],"880":[2734,2735,2736,2737,2738,2739,2740,2741],"881":[2742,2743,2744,2745],"882":[2746,2747,2748],"883":[2749],"884":[2750,2751,2752,2753,2754],"885":[2755,2756,2757,2758],"886":[2759,2760,2761],"887":[2762,2763,2764,2765,2766],"888":[2767,2768],"889":[2769,2770],"890":[2771,2772,2773,2774,2775],"891":[2776,2777,2778],"892":[2779,2780,2781,2782,2783,2784,2785,2786,2787,2788],"893":[2789,2790,2791],"894":[2792],"896":[2793,2794],"897":[2795,2796,2797],"898":[2798,2799,2800,2801],"899":[2802,2803,2804,2805],"900":[2806,2807],"901":[2808,2809,2810,2811,2812],"902":[2813,2814,2815,2816,2817],"903":[2818,2819,2820],"904":[2821,2822,2823,2824],"905":[2825,2826,2827],"906":[2828,2829,2830],"907":[2831,2832,2833,2834,2835],"908":[2836,2837,2838,2839,2840,2841,2842,2843],"909":[2844,2845,2846,2847,2848],"910":[2849],"911":[2850,2851,2852],"912":[2853,2854,2855,2856,2857,2858],"914":[2859,2860,2861,2862],"915":[2863,2864,2865,2866],"916":[2867,2868,2869,2870,2871],"917":[2872,2873,2874],"918":[2875,2876,2877],"919":[2878,2879,2880],"920":[2881,2882,2883,2884,2885,2886],"921":[2887,2888,2889],"922":[2890,2891,2892],"923":[2893,2894,2895,2896,2897],"924":[2898,2899,2900,2901],"925":[2902,2903],"926":[2904,2905],"927":[2906,2907,2908,2909],"928":[2910,2911,2912,2913,2914,2915],"929":[2916,2917,2918,2919,2920],"930":[2921,2922,2923,2924],"931":[2925,2926,2927,2928],"932":[2929,2930,2931,2932,2933],"933":[2934,2935,2936,2937],"934":[2938,2939,2940],"935":[2941,2942,2943],"936":[2944],"937":[2945,2946,2947,2948],"938":[2949,2950,2951,2952],"939":[2953,2954,2955],"940":[2956,2957,2958,2959,2960],"941":[2961,2962],"942":[2963,2964,2965,2966],"943":[2967,2968,2969,2970],"944":[2971,2972,2973],"945":[2974],"946":[2975,2976,2977],"947":[2978],"948":[2979,2980,2981],"949":[2982,2983],"950":[2984,2985,2986,2987],"951":[2988,2989,2990],"952":[2991,2992,2993],"953":[2994,2995,2996],"954":[2997,2998,2999],"955":[3000,3001,3002],"956":[3003],"957":[3004,3005,3006],"958":[3007,3008,3009,3010,3011,3012],"959":[3013,3014],"960":[3015,3016],"961":[3017,3018],"962":[3019,3020,3021],"963":[3022,3023],"964":[3024,3025],"965":[3026,3027,3028,3029],"966":[3030,3031],"968":[3032,3033,3034],"969":[3035,3036,3037,3038,3039],"970":[3040,3041,3042,3043,3044],"972":[3045,3046],"973":[3047,3048,3049,3050],"974":[3051,3052,3053],"975":[3054,3055,3056,3057,3058],"976":[3059,3060,3061],"977":[3062],"978":[3063,3064,3065],"979":[3066,3067,3068],"980":[3069],"981":[3070,3071,3072,3073],"982":[3074,3075,3076,3077],"983":[3078,3079,3080],"984":[3081,3082,3083],"985":[3084,3085,3086,3087],"986":[3088],"987":[3089,3090,3091,3092,3093,3094],"988":[3095,3096,3097,3098],"989":[3099,3100,3101,3102,3103],"991":[3104,3105,3106,3107,3108],"992":[3109,3110,3111,3112,3113,3114],"993":[3115,3116,3117,3118,3119,3120,3121],"994":[3122,3123,3124],"995":[3125,3126,3127,3128,3129,3130],"996":[3131,3132,3133,3134],"997":[3135,3136,3137,3138,3139],"998":[3140,3141,3142],"999":[3143,3144,3145],"1000":[3146,3147,3148,3149],"1001":[3150],"1002":[3151,3152,3153,3154],"1003":[3155,3156],"1004":[3157,3158],"1005":[3159,3160],"1006":[3161],"1007":[3162,3163,3164],"1009":[3165,3166,3167],"1010":[3168,3169],"1011":[3170,3171],"1012":[3172,3173,3174],"1013":[3175,3176,3177],"1014":[3178,3179,3180],"1015":[3181,3182],"1016":[3183,3184],"1017":[3185,3186],"1018":[3187],"1019":[3188],"1020":[3189,3190],"1021":[3191,3192],"1022":[3193],"1023":[3194,3195,3196,3197],"1024":[3198,3199],"1025":[3200,3201],"1026":[3202,3203],"1027":[3204,3205,3206,3207],"1028":[3208,3209,3210],"1029":[3211,3212],"1030":[3213,3214,3215],"1031":[3216,3217,3218],"1032":[3219],"1033":[3220,3221,3222],"1034":[3223,3224,3225,3226],"1035":[3227,3228,3229,3230],"1036":[3231],"1037":[3232,3233,3234],"1038":[3235,3236,3237],"1039":[3238,3239,3240,3241],"1040":[3242,3243],"1041":[3244,3245,3246],"1042":[3247,3248,3249,3250],"1043":[3251,3252],"1044":[3253,3254],"1046":[3255,3256],"1047":[3257],"1048":[3258,3259,3260],"1049":[3261,3262,3263],"1050":[3264,3265],"1051":[3266],"1052":[3267,3268],"1053":[3269,3270,3271],"1054":[3272,3273,3274,3275],"1055":[3276,3277,3278,3279,3280,3281],"1056":[3282,3283,3284],"1057":[3285,3286,3287,3288],"1058":[3289,3290,3291,3292],"1059":[3293,3294],"1060":[3295,3296,3297,3298,3299,3300],"1061":[3301,3302,3303,3304],"1062":[3305,3306,3307,3308],"1063":[3309,3310,3311,3312],"1064":[3313],"1065":[3314,3315,3316,3317,3318,3319,3320,3321],"1066":[3322,3323,3324,3325,3326],"1067":[3327,3328,3329],"1068":[3330,3331,3332,3333,3334,3335],"1069":[3336],"1070":[3337,3338,3339,3340,3341],"1071":[3342,3343,3344,3345,3346,3347,3348],"1072":[3349,3350,3351,3352,3353],"1073":[3354,3355,3356,3357,3358,3359],"1074":[3360,3361],"1075":[3362,3363,3364,3365,3366,3367],"1076":[3368,3369,3370,3371,3372],"1077":[3373],"1078":[3374,3375,3376,3377,3378,3379],"1079":[3380,3381,3382,3383,3384,3385,3386],"1080":[3387,3388,3389,3390],"1081":[3391,3392,3393,3394,3395,3396],"1082":[3397,3398,3399,3400,3401],"1083":[3402,3403,3404,3405,3406,3407],"1084":[3408,3409,3410,3411,3412,3413,3414],"1085":[3415,3416,3417,3418],"1087":[3419,3420,3421,3422,3423,3424],"1088":[3425,3426,3427,3428],"1089":[3429],"1090":[3430,3431],"1091":[3432,3433,3434,3435,3436],"1092":[3437,3438,3439,3440,3441,3442,3443],"1093":[3444,3445,3446],"1094":[3447,3448,3449,3450,3451,3452],"1095":[3453,3454,3455,3456,3457,3458,3459],"1096":[3460,3461,3462],"1097":[3463,3464,3465,3466],"1098":[3467,3468,3469,3470,3471],"1099":[3472,3473,3474],"1100":[3475,3476,3477,3478,3479],"1101":[3480,3481,3482],"1102":[3483,3484,3485,3486,3487],"1103":[3488,3489,3490,3491],"1104":[3492,3493],"1105":[3494,3495,3496,3497,3498],"1106":[3499,3500,3501,3502],"1107":[3503,3504,3505,3506,3507],"1108":[3508,3509,3510],"1109":[3511,3512,3513,3514,3515,3516,3517],"1110":[3518,3519,3520,3521,3522],"1111":[3523],"1112":[3524,3525,3526,3527,3528,3529],"1113":[3530,3531,3532,3533,3534,3535],"1114":[3536,3537,3538,3539,3540,3541],"1115":[3542,3543,3544,3545],"1116":[3546,3547],"1117":[3548],"1118":[3549,3550,3551,3552,3553,3554],"1119":[3555,3556,3557,3558,3559,3560],"1120":[3561,3562,3563,3564,3565,3566],"1121":[3567,3568,3569,3570],"1122":[3571],"1123":[3572,3573,3574,3575],"1124":[3576,3577,3578,3579],"1125":[3580,3581,3582,3583,3584,3585],"1126":[3586,3587,3588,3589,3590,3591],"1128":[3592,3593,3594],"1129":[3595,3596,3597,3598,3599,3600,3601],"1130":[3602,3603,3604,3605,3606,3607],"1131":[3608,3609,3610,3611,3612],"1132":[3613,3614],"1133":[3615,3616,3617,3618,3619],"1134":[3620,3621,3622,3623,3624,3625],"1135":[3626,3627,3628,3629],"1136":[3630,3631,3632,3633],"1137":[3634,3635,3636,3637,3638],"1138":[3639],"1139":[3640,3641,3642,3643,3644,3645,3646],"1140":[3647,3648,3649,3650],"1141":[3651,3652,3653,3654],"1142":[3655,3656],"1143":[3657],"1144":[3658],"1145":[3659],"1146":[3660,3661],"1147":[3662,3663],"1148":[3664,3665],"1149":[3666,3667],"1150":[3668],"1151":[3669],"1152":[3670,3671,3672],"1153":[3673,3674],"1155":[3675,3676,3677],"1156":[3678,3679],"1157":[3680,3681],"1158":[3682,3683],"1159":[3684,3685],"1160":[3686],"1161":[3687,3688,3689,3690,3691],"1162":[3692,3693,3694,3695,3696],"1163":[3697],"1164":[3698,3699,3700],"1166":[3701],"1167":[3702,3703,3704],"1168":[3705],"1170":[3706,3707],"1171":[3708,3709,3710],"1172":[3711,3712,3713],"1173":[3714,3715],"1174":[3716,3717,3718,3719,3720],"1175":[3721],"1176":[3722],"1178":[3723,3724],"1179":[3725,3726],"1180":[3727],"1181":[3728,3729,3730,3731,3732],"1182":[3733,3734],"1183":[3735,3736],"1184":[3737,3738,3739,3740,3741,3742],"1185":[3743,3744,3745],"1186":[3746,3747,3748],"1188":[3749,3750,3751],"1189":[3752,3753,3754,3755],"1190":[3756,3757,3758],"1191":[3759],"1192":[3760,3761,3762],"1193":[3763,3764],"1194":[3765,3766,3767],"1195":[3768,3769,3770],"1197":[3771],"1199":[3772,3773,3774,3775,3776],"1200":[3777,3778,3779,3780],"1201":[3781,3782,3783,3784],"1202":[3785,3786,3787,3788],"1203":[3789,3790],"1204":[3791,3792],"1205":[3793,3794],"1206":[3795,3796],"1207":[3797,3798,3799],"1208":[3800,3801,3802,3803],"1210":[3804,3805,3806],"1211":[3807,3808],"1212":[3809,3810],"1213":[3811,3812,3813,3814],"1214":[3815,3816],"1215":[3817,3818,3819,3820],"1216":[3821,3822,3823,3824,3825],"1217":[3826,3827,3828,3829,3830,3831],"1218":[3832,3833,3834,3835,3836,3837,3838,3839],"1219":[3840,3841,3842,3843,3844],"1220":[3845,3846],"1221":[3847],"1222":[3848,3849,3850,3851],"1223":[3852,3853,3854],"1224":[3855,3856,3857,3858,3859,3860,3861],"1225":[3862,3863,3864,3865,3866,3867,3868,3869,3870,3871],"1226":[3872,3873,3874,3875,3876,3877,3878,3879],"1227":[3880,3881,3882,3883],"1228":[3884,3885,3886,3887,3888],"1229":[3889,3890,3891,3892],"1230":[3893],"1231":[3894,3895,3896,3897,3898,3899],"1232":[3900,3901,3902,3903,3904],"1233":[3905,3906,3907,3908,3909,3910,3911],"1234":[3912,3913,3914,3915,3916,3917,3918,3919,3920],"1235":[3921,3922,3923,3924,3925,3926,3927],"1236":[3928,3929,3930,3931,3932,3933,3934,3935,3936],"1237":[3937,3938,3939],"1238":[3940,3941,3942,3943,3944,3945,3946,3947],"1239":[3948,3949,3950,3951,3952,3953],"1240":[3954,3955,3956,3957,3958],"1241":[3959,3960,3961,3962,3963,3964],"1242":[3965,3966,3967],"1243":[3968,3969,3970,3971,3972,3973],"1244":[3974,3975,3976,3977,3978,3979,3980,3981],"1245":[3982,3983,3984,3985,3986,3987,3988,3989],"1246":[3990,3991,3992,3993],"1247":[3994],"1248":[3995,3996,3997,3998],"1249":[3999,4000,4001,4002],"1250":[4003,4004,4005,4006,4007,4008,4009],"1251":[4010,4011],"1252":[4012,4013],"1253":[4014,4015,4016,4017,4018,4019],"1254":[4020,4021,4022],"1255":[4023,4024,4025,4026],"1256":[4027,4028,4029,4030,4031,4032,4033],"1257":[4034,4035],"1258":[4036,4037],"1259":[4038,4039,4040],"1261":[4041,4042,4043,4044,4045,4046],"1262":[4047,4048,4049,4050,4051,4052,4053,4054,4055],"1263":[4056,4057,4058,4059,4060,4061,4062],"1264":[4063,4064,4065],"1265":[4066,4067,4068],"1266":[4069,4070,4071,4072,4073,4074],"1267":[4075,4076,4077,4078,4079,4080,4081],"1268":[4082,4083],"1269":[4084,4085,4086],"1270":[4087,4088,4089,4090,4091],"1271":[4092,4093,4094,4095,4096,4097],"1272":[4098,4099,4100,4101,4102],"1277":[4103,4104,4105,4106,4107,4108],"1278":[4109,4110,4111,4112,4113,4114],"1279":[4115,4116,4117],"1280":[4118,4119,4120],"1281":[4121,4122,4123,4124],"1282":[4125,4126,4127,4128],"1283":[4129,4130,4131,4132,4133],"1284":[4134],"1285":[4135,4136,4137],"1286":[4138,4139,4140,4141],"1287":[4142,4143,4144],"1288":[4145,4146,4147,4148],"1289":[4149],"1290":[4150,4151,4152,4153],"1291":[4154,4155,4156,4157,4158,4159],"1292":[4160,4161,4162,4163,4164,4165,4166],"1294":[4167,4168,4169,4170,4171,4172],"1295":[4173,4174,4175,4176,4177,4178],"1296":[4179,4180,4181,4182,4183,4184,4185],"1297":[4186,4187,4188,4189,4190,4191],"1298":[4192,4193,4194,4195,4196,4197,4198],"1300":[4199],"1301":[4200,4201,4202],"1302":[4203,4204,4205,4206],"1303":[4207,4208,4209],"1304":[4210,4211],"1305":[4212,4213,4214,4215,4216],"1306":[4217,4218,4219,4220],"1307":[4221,4222,4223,4224,4225],"1308":[4226,4227,4228,4229,4230,4231,4232,4233,4234,4235],"1309":[4236,4237,4238,4239,4240,4241],"1310":[4242,4243,4244,4245,4246,4247,4248,4249,4250],"1311":[4251,4252,4253,4254,4255,4256],"1312":[4257,4258,4259,4260,4261,4262,4263,4264,4265,4266],"1313":[4267,4268,4269,4270,4271,4272],"1314":[4273,4274,4275,4276,4277],"1315":[4278,4279,4280,4281,4282,4283],"1316":[4284,4285],"1317":[4286,4287,4288,4289,4290],"1318":[4291,4292,4293],"1319":[4294,4295,4296,4297,4298],"1320":[4299,4300,4301,4302,4303],"1321":[4304,4305,4306,4307],"1322":[4308,4309,4310,4311,4312,4313,4314],"1323":[4315,4316,4317,4318],"1325":[4319,4320,4321,4322],"1326":[4323,4324],"1327":[4325,4326,4327,4328,4329,4330],"1328":[4331,4332,4333],"1329":[4334,4335,4336,4337,4338,4339],"1330":[4340,4341],"1331":[4342,4343,4344,4345,4346,4347],"1333":[4348,4349,4350,4351,4352,4353,4354,4355],"1334":[4356,4357,4358,4359,4360,4361,4362,4363],"1335":[4364,4365,4366,4367,4368],"1336":[4369,4370,4371,4372],"1337":[4373,4374,4375,4376,4377,4378],"1338":[4379,4380,4381,4382,4383,4384,4385,4386,4387],"1340":[4388,4389,4390,4391,4392],"1341":[4393,4394],"1342":[4395,4396,4397,4398,4399,4400,4401,4402],"1343":[4403,4404,4405],"1344":[4406,4407,4408,4409,4410,4411],"1345":[4412,4413,4414,4415,4416,4417,4418,4419,4420],"1346":[4421],"1347":[4422,4423,4424,4425],"1348":[4426,4427,4428,4429,4430,4431,4432],"1349":[4433,4434],"1350":[4435,4436,4437,4438,4439,4440,4441],"1351":[4442,4443,4444,4445],"1352":[4446,4447,4448],"1353":[4449,4450],"1354":[4451,4452],"1355":[4453,4454,4455,4456,4457],"1356":[4458,4459,4460,4461,4462],"1357":[4463,4464],"1358":[4465,4466,4467,4468],"1359":[4469,4470,4471,4472],"1360":[4473,4474,4475,4476],"1361":[4477,4478,4479],"1362":[4480,4481,4482,4483,4484,4485],"1363":[4486,4487,4488,4489,4490],"1364":[4491,4492,4493],"1365":[4494],"1366":[4495,4496,4497,4498,4499,4500],"1367":[4501,4502,4503,4504,4505,4506,4507],"1368":[4508,4509,4510,4511],"1370":[4512,4513],"1371":[4514,4515,4516],"1372":[4517,4518,4519,4520],"1373":[4521,4522,4523],"1374":[4524,4525,4526,4527],"1375":[4528,4529,4530,4531],"1376":[4532,4533],"1377":[4534,4535],"1378":[4536],"1379":[4537,4538,4539,4540,4541],"1380":[4542,4543,4544,4545,4546,4547,4548],"1381":[4549,4550],"1382":[4551,4552],"1383":[4553,4554,4555],"1385":[4556,4557],"1386":[4558,4559,4560,4561,4562],"1387":[4563],"1388":[4564,4565,4566,4567,4568,4569,4570],"1389":[4571],"1390":[4572,4573],"1391":[4574,4575,4576,4577,4578,4579],"1392":[4580,4581,4582,4583,4584,4585,4586],"1393":[4587,4588],"1394":[4589,4590,4591,4592],"1395":[4593,4594],"1396":[4595,4596,4597,4598],"1397":[4599,4600,4601],"1398":[4602,4603,4604,4605,4606],"1400":[4607,4608,4609,4610,4611,4612],"1401":[4613,4614,4615],"1402":[4616],"1403":[4617,4618,4619,4620],"1404":[4621,4622,4623],"1405":[4624,4625,4626],"1406":[4627],"1407":[4628,4629,4630,4631],"1408":[4632,4633,4634,4635],"1409":[4636,4637,4638,4639,4640],"1410":[4641],"1411":[4642,4643,4644],"1413":[4645,4646],"1414":[4647,4648,4649,4650,4651],"1415":[4652],"1416":[4653,4654,4655,4656,4657,4658,4659]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الجزء الأول\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>[كلام الناشر]</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحّاس (ت ٣٣٨ ه</span>ـ)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>اسمه ولقبه ونشأته:</span>\nأبو جعفر، أحمد بن محمد بن إسماعيل، المصري النحوي، ابن النحّاس:\nالعلّامة، إمام العربية.\nولد في مصر، ونشأ فيها ثم ارتحل إلى بغداد فأخذ عن المبرّد، والأخفش علي ابن سليمان، ونفطويه، والزّجّاج وغيرهم. ثم عاد إلى مصر وتصدّر للتدريس، وكانت مصر خلال النصف الثاني من القرن الثالث والنصف الأول من الرابع للهجرة حلقة الوصل بين المغرب والمشرق، وقد قصده طلّاب المعرفة، كما قصدوا غيره، من المغرب وأخذوا عنهم صنوف علوم اللغة والقرآن، وعادوا بها إلى بلادهم. وبذلك انتقلت مصنّفات هؤلاء العلماء المصريين إلى هناك.\nنشأ ابن النحاس محبّا للعلم وكان لا يتوانى أن يسأل أهل العلم والفقه ويفاتشهم بما يشكل عليه في تصانيفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>[كتبه]</span>\nوقد صنّف كتبا حسنة مفيدة منها:\nكتاب الأنوار.\nوكتاب الاشتقاق لأسماء الله ﷿.\nوكتاب معاني القرآن.\nوكتاب اختلاف الكوفيين والبصريين سمّاه «المقنع» .\nوكتاب أخبار الشعراء.\nوكتاب أدب الكتّاب.\nوكتاب الناسخ والمنسوخ.\nوكتاب الكافي في النحو.\nوكتاب صناعة الكتاب.\nوكتاب إعراب القرآن.","vol":"1","page":3},{"text":"وكتاب شرح السبع الطّوال.\nوكتاب شرح أبيات سيبويه.\nوكتاب الاشتقاق.\nوكتاب معاني الشعر.\nوكتاب التفّاحة في النحو.\nوكتاب أدب الملوك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>أهمية كتاب «إعراب القرآن» لابن النحّاس:</span>\nأهمية هذا الكتاب أنه أول كتاب وصل إلينا بهذا العمق وهذه المادة العلمية الغزيرة. حيث حشد ابن النحّاس الكثير من أقاويل علماء اللغة التي أخذها عن مشايخه أو من الكتب التي كانت بين يديه لمن سبقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>وأهم الكتب التي اعتمدها:</span>\nكتاب سيبويه، وكتاب العين، وكتاب المسائل الكبير للأخفش سعيد بن مسعدة، وكتاب معاني القرآن للزجاج، وكتاب ما ينصرف وما لا ينصرف للزجاج، وكتاب معاني القرآن للفرّاء، وكتاب المصادر في القرآن للفرّاء، والمقصور والممدود للفراء، وكتاب القراءات لأبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب القراءات لابن سعدان النحوي، وكتاب الغريب المصنّف لأبي عبيد. وقد اشتمل كتابه «إعراب القرآن» على آراء أعلام المذهب البصري في النحو واللغة والقراءات مثل: أبي عمرو بن العلاء، ويونس، وقطرب، والأخفش سعيد بن مسعدة، وأبي عبيدة، وأبي عمرو الجرمي، وابن الأعرابي، والمازني، وأبي حاتم السجستاني، والمبرّد ومحمد ابن الوليد ولّاد، وأبي إسحاق الزجاج بالإضافة إلى الخليل بن أحمد وأبي الخطّاب الأخفش وسيبويه. وكذلك عرض ابن النحاس آراء النحاة واللغويين الكوفيين فكان يعرض آراء هؤلاء إلى جانب آراء البصريين فيرجّح مرّة ويترك الآراء دون ترجيح أحيانا.\nومن الكوفيين: الكسائي وثعلب والفراء ومحمد بن حبيب ومحمد بن سعدان وابن السكيت ونفطويه وابن رستم. أما الحفّاظ والمحدّثون من شيوخه فهم يؤلّفون جانبا من مصادر كتابه، ومن شيوخه:\nبكر بن سهل الدمياطي، وأبي بكر جعفر بن محمد الفريابي والنّسائي أحمد بن شعب، والطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي، والحسن بن غليب المصري، وأبي الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي وأبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي، والطبري في تفسيره.","vol":"1","page":4},{"text":"الشواهد الواردة في كتاب «إعراب القرآن»: اعتمد ابن النحاس الأنواع الثلاثة من الشواهد وهي:\n١- الشعر (عدد الشواهد ٦٠٢) وهي موزّعة على العصر الجاهلي والإسلامي والأموي.\n٢- الحديث النبوي (عدد الشواهد ١٦٧) .\n٣- الأمثال والأقوال الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>وفاته:</span>\nتوفّي ابن النحاس يوم السبت لخمس خلون من ذي الحجة سنة ٣٣٨ هـ أو ٣٣٧ هـ ... وقد رويت حكاية محزنة لموته، وهي أنه كان جالسا على درج المقياس (وهو عمود من رخام قائم وسط بركة على شاطئ النيل له طريق يدخل إلى النيل يدخل الماء إذا زاد عليه وفي ذلك العمود خطوط يعرفون بوصول الماء إليها مقدار الزيادة) وكان النيل في أيام زيادته، وكان ابن النحاس يقطّع شيئا من الشعر عروضيا، فسمعه أحد العوام فظنّه يسحر النيل حتى لا يزيد فتغلو الأسعار فدفعه برجله فوقع في النيل فلم يعرف له خبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>مصادر ترجمته:</span>\nالنجوم الزاهرة ٣/ ٣٠٠.\nالبداية والنهاية ١١/ ٢٢٢.\nإنباه الرواة ١/ ١٠١.\nآداب اللغة ٢/ ١٨٢.\nسير أعلام النبلاء ١٢/ ٧١ (دار الفكر) .\nالمنتظم لابن الجوزي ٦/ ٣٦٤.\nبغية الوعاة ١/ ٣٦٢.\nوفيات الأعيان ١/ ٨٢.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>لمحة تاريخية عن مباحث إعراب القرآن</span>\nكان القرآن الكريم على الدوام دليل المسلمين وقبلتهم ومثابة اجتهادهم، لذلك ما انفكّوا يعكفون عليه حفظا ودرسا وتمثّلا، ولا ينون يصرفون جهدا كبيرا متّصلا لتبيان معانيه وأحكامه، وناسخه ومنسوخه، ووجوه قراءته، ودقائق بلاغته، وآيات إعجازه، وسوى ذلك من النواحي التي يشتمل عليها موضوع علوم القرآن ومباحثه القديمة المتجددة.\nومن المباحث الأساسية في هذا المجال إعراب القرآن، ألفاظا وجملا. ولا يخفى ما لهذا المبحث من أهمية كبرى في الكشف عن معاني القرآن للارتباط الوثيق القائم بين المعنى والمبنى في اللغة العربية أو بالأحرى بين اللفظ وإعرابه بحيث يتلوّن المعنى بتلوّن الإعراب. وقد قيل: الإعراب فرع المعنى. ولعل ما يميز اللغة العربية عن معظم اللغات الأخرى هو هذا الارتباط الوثيق بين المعنى والإعراب، وبهذا الترتيب:\nفالنصّ العربي يفهم أولا، ثم يقرأ قراءة صحيحة أي معربة على الوجه الصحيح.\nوالقارئ مهما بلغ من التمكّن في علم النحو، لا يستطيع أن يقرأ نصّا عربيّا لأول وهلة وعلى النحو الصحيح إن لم يكن متمثلا المعنى المراد أولا، خصوصا عند ما تغيب علامات الإعراب أو الشكل. هذا بخلاف ما يحصل بإزاء نص فرنسي مثلا، إذ يستطيع قراءته قراءة صحيحة حتى من دون أن يسبق له علم بالمعنى الموجود فيه. فالنص الفرنسي يقرأ ثم يفهم. من هنا يمكن القول إن اللغة العربية ما تزال لغة شفوية في المقام الأول.\nإن العلاقة بين «علم إعراب القرآن» وعلم النحو لا تحتاج إلى إيضاح.\nوبالتالي فقد اعتبر جمهور العلماء أن إعراب القرآن هو من علم النحو. ولكن العلاقة وثيقة أيضا بين إعراب القرآن وتفسيره، ولذلك ذهب البعض، ومنهم طاش كبري زادة في كتابه «مفتاح السعادة»، إلى أنه من فروع علم التفسير.\nوالحقيقة أن إعراب القرآن ضروري للتفسير ولا ينفصل عن علم القراءات. وعليه ثمّة علوم ثلاثة مترابطة هي: علم التفسير (التأويل) وعلم الإعراب وعلم القراءات. من هنا نلاحظ أن معظم كتب التفسير لا تخلو من إشارات إلى وجوه القراءة المختلفة وبالتالي إلى وجوه الإعراب.","vol":"1","page":7},{"text":"وقد نشأ إعراب القرآن مع نشوء علم النحو وتطوّره، ثم أخذ يستقل شيئا فشيئا حتى صار غرضا قائما بذاته. علما أن مباحث النحو اعتمدت بشكل أساسي على شواهد القرآن الكريم، إلى شواهد الشعر الجاهلي وصدر الإسلام، لتقعيد قواعدها وتأييد مذاهبها. والعلماء الذين اشتغلوا بالكشف عن وجوه إعراب القرآن كانت لهم اتجاهات مختلفة: فبعضهم جمع بين أوجه القراءات والإعراب مثل الفرّاء في «معاني القرآن» وابن جنّي في «المحتسب» وابن فارس في «الحجة» . ومنهم من اقتصر على إعراب مشكله مثل مكّي، أو إعراب غريبه كابن الأنباري في كتابه «البيان في إعراب غريب القرآن» . ومنهم من انتقى فأعرب سورا وأجزاء كابن خالويه. ومنهم من اختار ظاهرة محددة مثل الألفاظ التي تقرأ بالتثليث (بالضمة والفتحة والكسرة) كما فعل أحمد ابن يوسف الرعيني الأندلسي في كتابه «تحفة الأقران في ما قرئ بالتثليث من القرآن» .\nومنهم من أعربه كله كالعكبري.\nوأشهر من صنّف في إعراب القرآن والقراءات في بابين مستقلين أو في باب واحد هم على التوالي:\n١- يحيى بن زياد الفرّاء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ: «إعراب القرآن» في أوجه القراءات والإعراب.\n٢- أبو مروان عبد الملك بن حبيب المالكي القرطبي المتوفى سنة ٢٣٩ هـ: «إعراب القرآن» و«الواضحة في إعراب الفاتحة» .\n٣- أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني (٢٤٨ هـ): «إعراب القرآن» و«كتاب القراءات» .\n٤- أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد (٢٨٦ هـ): «إعراب القرآن» و«احتجاج القرّاء» .\n٥- أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (٢٩١ هـ): «غريب القرآن» و«كتاب إعراب القرآن» و«كتاب القراءات» .\n٦- أبو البركات عبد الرحمن بن أبي سعيد الأنباري (٣٢٨ هـ): «البيان في إعراب غريب القرآن» .\n٧- أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحّاس، (٣٣٨ هـ):\n«إعراب القرآن»، وهو كتابنا هذا.\n٨- إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجّاج (٣١١ هـ): «إعراب القرآن» و«مختصر إعراب القرآن ومعانيه» .","vol":"1","page":8},{"text":"٩- الحسين بن أحمد، أبو عبد الله المعروف بابن خالويه (٣٧٠ هـ): «كتاب إعراب ثلاثين سورة من القرآن» من الطارق إلى آخر القرآن والفاتحة.\n١٠- عثمان بن جنّي (٣٩٢ هـ): «المحتسب» في شرح الشواذ لابن مجاهد في القراءات.\n١١- أبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي (٤٣٠ هـ): «إعراب القرآن» .\n١٢- مكّي بن أبي طالب القيسي القيرواني (٤٣٧ هـ): «مشكل إعراب القرآن» و«الكشف عن وجوه القراءات وعللها» و«الموجز» في القراءات.\n١٣- يحيى بن علي بن محمد، الخطيب التبريزي (٥٠٢ هـ): «المخلص في إعراب القرآن» .\n١٤- إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني (٥٣٥ هـ): «إعراب القرآن» .\n١٥- أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (٦١٦ هـ): «التبيان في إعراب القرآن» و«إعراب الشواذ في القرآن» .\n١٦- عبد اللطيف بن يوسف البغدادي (٦٢٩ هـ): «الواضحة في إعراب الفاتحة» .\n١٧- المنتجب بن أبي العز الهمداني (٦٤٣ هـ): «المفيد في إعراب القرآن المجيد» .\n١٨- إبراهيم بن محمد السفاقسي (٧٤٢ هـ): «المجيد في إعراب القرآن المجيد» .\n١٩- أحمد بن يوسف المعروف بابن السمين الحلبي (٧٥٦ هـ): «الدرّ المصون في علم الكتاب المكنون» في إعراب القرآن.\n٢٠- أحمد بن يوسف بن مالك الرعيني الأندلسي (٧٧٧ هـ): «تحفة الأقران في ما قرئ بالتثليث من القرآن» .\n٢١- أحمد بن محمد، الشهير بنشانجي زادة (٩٨٦ هـ): «إعراب القرآن» إلى سورة الأعراف- حاشية على أنوار التنزيل للبيضاوي.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المصطلحات المستخدمة في الكتاب</span>\n١- اسم ما لم يسمّ فاعله: النائب عن الفاعل ٢- الإشمام: إشمام الحرف هو أن تشمّه الضمّة أو الكسرة، وهو أقلّ من روم الحركة لأنه لا يسمع وإنما يتبيّن بحركة الشّفة، ولا يعتدّ بها حركة لضعفها، والحرف الذي فيه الإشمام ساكن أو كالساكن.\n٣- الإمالة: هي أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة وبالألف نحو الياء، أو هي إحدى الظواهر الخاصة بنطق الفتحة الطويلة نطقا يجعلها بين الفتحة الصريحة والكسرة الصريحة.\n٤- البيان والتفسير: التمييز ٥- التبرئة: النفي للجنس.\n٦- الترجمة والتكرير: هو البدل عند البصريين.\n٧- الحذف: حين تتجاوز أصوات متماثلة أو متقاربة تميل بعض اللهجات إلى حذف أحدها طلبا للتخفيف، وقد يكون هذا الحذف في الحروف وقد يكون في الحركات التي هي في بنية الكلمة أو للإعراب.\n٨- حروف الخفض: حروف الجرّ.\n٩- حروف اللّين: هي حروف المدّ التي يمدّ بها الصوت، وهي الألف، والواو، والياء.\n١٠- الرّوم: هو تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك معظم صوتها فيسمع لها صوتا خفيا يدركه الأعمى بحاسة السمع.\n١١- العماد: الفاصلة عند البصريين.\n١٢- القطع: الحال.\n١٣- المخالفة: هي ظاهرة صوتية تكون لميل بعض اللهجات العربية إلى السهولة بأن يجتمع صوتان متماثلان فيقلب أحدهما إلى صوت لين طويل.\n١٤- المكنّى: الضمير.","vol":"1","page":11},{"text":"١٥- المماثلة بين الحركات: الإتباع: هو تجاوز حركتين في كلمة أو كلمتين وتأثّر إحداهما بالأخرى.\n١٦- المماثلة بين الحروف: الإدغام: هو ضرب من التأثير الذي يقع في الأصوات المتجاورة إذا كانت متماثلة أو متجانسة أو متقاربة فيختفي أحد الصوتين بالآخر.\n١٧- النعت: وهو الصفة عند البصريين.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>[١] شرح إعراب سورة أمّ القرآن</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحوي المعروف بالنحاس:\nهذا كتاب أذكر فيه إن شاء الله إعراب القرآن، والقراءات التي تحتاج أن يبيّن إعرابها والعلل فيها ولا أخليه من اختلاف النحويين وما يحتاج إليه من المعاني وما أجازه بعضهم ومنعه بعضهم وزيادات في المعاني وشرح لها، ومن الجموع واللغات، وسوق كلّ لغة إلى أصحابها ولعلّه يمرّ الشيء غير مشبع فيتوهّم متصفّحه أنّ ذلك لإغفال وإنما هو لأنّ له موضعا غير ذلك. ومذهبنا الإيجاز والمجيء بالنكتة في موضعها من غير إطالة، وقصدنا في هذا الكتاب الإعراب وما شاكله بعون الله وحسن توفيقه. قال أبو جعفر: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن سعيد الدّمشقي «١» عن عبد الخالق عن أبي عبيد «٢» قال: حدّثنا عبّاد بن عبّاد المهلّبي عن واصل «٣» مولى أبي عيينة قال:\nقال عمر بن الخطاب ﵁: تعلّموا إعراب القرآن كما تتعلّمون حفظه. فمن ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>[سورة الفاتحة (١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)\n(اسم) مخفوض بالباء الزائدة، وقال أبو إسحاق «٤»: وكسرت الباء ليفرّق بين ما\n_________\n(١) أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي: نزل بغداد وحدّث بها عن هشام بن عمار وطبقته وكان مؤدّبا لعبد الله بن المعتز. روى عن إسماعيل بن محمد الصفّار (ت ٣٠٦ هـ) ترجمته في تاريخ بغداد ٤/ ١٧٢.\n(٢) أبو إسحاق الزّجاج، إبراهيم بن السري، بصريّ المذهب من أصحاب سيبويه وشيخ النحاس، له من التصانيف: معاني القرآن، الاشتقاق، خلق الإنسان، مختصر النحو، شرح أبيات سيبويه، القوافي، العروض، النوادر، وتفسير جامع المنطق، (ت ٣١٦ هـ) . ترجمته في: (بغية الوعاة ١/ ٤١١، وتاريخ بغداد ٦/ ٩١، وطبقات الزبيدي ٢١) . والقول في إعراب القرآن ومعانيه ص ١٢.\n(٣) الفرّاء: أبو زكريا يحيى بن زياد: أخذ علمه عن الكسائي، وكان أعلم الكوفيين بعد الكسائي، كان يميل إلى الاعتزال ويسلك ألفاظ الفلاسفة. وكان زائد العصبية على سيبويه. صنّف: معاني القرآن، البهاء فيما تلحن به العامة، اللغات، المصادر في القرآن، الجمع والتثنية في القرآن، آلة الكتاب، النوادر، المقصور والممدود، فعل وأفعل، المذكر والمؤنث، الحدود وغير ذلك. (ت ٢٠٧ هـ) . ترجمته في (بغية الوعاة ٢/ ٣٣٣، وطبقات الزبيدي ١٤٣) .\n(٤) علي بن حمزة الكسائي: أحد القرّاء السبعة، وإمام الكوفيين في النحو، صنّف: معاني القرآن، القراءات، النوادر الكبير، الأوسط، الأصغر، العدد، المصادر، الحروف، أشعار المعاياة وغيرها، (ت ١٨٩ هـ) . ترجمته في (غاية النهاية ١/ ٥٣٥، وبغية الوعاة ٢/ ١٦٤) .","vol":"1","page":13},{"text":"يخفض وهو حرف لا غير وبين ما يخفض وقد يكون اسما نحو الكاف، ويقال: لم صارت الباء تخفض؟ فالجواب عن هذا وعن جميع حروف الخفض أنّ هذه الحروف ليس لها معنى إلّا في الأسماء ولم تضارع الأفعال فتعمل عملها فأعطيت ما لا يكون إلّا في الأسماء وهو الخفض والبصريون القدماء يقولون: الجرّ، وموضع الباء وما بعدها عند الفرّاء «١» نصب بمعنى ابتدأت بسم الله الرّحمن الرّحيم أو أبدأ بسم الله الرّحمن الحريم، وعند البصريين رفع بمعنى ابتدائي بسم الله، وقال عليّ بن حمزة الكسائي «٢»:\nالباء لا موضع لها من الإعراب والمرور واقع على مجهول إذا قلت: مررت بزيد.\nوالألف في «اسم» «٣» ألف وصل لأنّك تقول: سميّ فلهذا حذفت من اللفظ، وفي حذفها من الخط أربعة أقوال: قال الفراء «٤»: لكثرة الاستعمال، وحكي لأنّ الباء لا تنفصل، وقال الأخفش سعيد «٥»: حذفت لأنها ليست من اللفظ، والقول الرابع أن الأصل سم وسم أنشد أبو زيد «٦»: [الرجز]\n١-\nبسم الذي في كلّ سورة سمه «٧»\nبالضمّ أيضا، فيكون الأصل سما ثم جئت بالباء فصار بسم ثم حذفت الكسرة فصار بسم، فعلى هذا القول لم يكن فيه ألف قطّ والأصل في اسم فعل لا يكون إلا ذلك لعلّة أوجبته وجمعه أسماء، وجمع أسماء أسامي. وأضفت اسما إلى الله جلّ\n_________\n(١) أبو عبيد: القاسم بن سلّام الأنصار، أول من جمع القراءات في كتاب، أخذ عن ابن الأعرابي والكسائي والفرّاء وغيرهم. له من التصانيف: الغريب المنصف، غريب القرآن، غريب الحديث، معاني القرآن، المقصور والممدود، القراءات، المذكر والمؤنث ... وغيرها. (ت ٢٢٤ هـ) . ترجمته في (طبقات الزبيدي ٢١٧، وبغية الوعاة ٢/ ٢٥٢) .\n(٢) واصل مولى أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة البصري. روى عن الحسن ورجاء بن حيوة. ترجمته في تهذيب التهذيب ١١/ ١٠٥.\n(٣) انظر الإنصاف لابن الأنباري المسألة (١) .\n(٤) انظر معاني الفرّاء: ١/ ٢.\n(٥) الأخفش: أبو الحسن سعيد بن مسعدة، قرأ النحو على سيبويه في البصرة وكان معتزليا، صنّف:\nالأوساط في النحو، معاني القرآن، المقاييس في النحو، الاشتقاق، المسائل، الكبير الصغير، العروض، القوافي، الأصوات وغيرها. (ت ٢١١ أو ٢١٥ هـ) . ترجمته في: (بغية الوعاة ١/ ٥٩٠، وطبقات الزبيدي ٧٤، وإنباه الرواة ١/ ٣٦) .\n(٦) أبو زيد الأنصاري: سعيد بن أوس بن ثابت، روى القراءة عن أبي عمرو وأبي السمال (ت ٢١٥ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٠٥.\n(٧) الشاهد في نوادر أبي زيد ١٦٦، ونوادر أبي مسحل: ١/ ٩٥، والإنصاف ١/ ١٠، وأسرار العربية ٨، واللسان (سا) .","vol":"1","page":14},{"text":"وعزّ، والألف في الله جلّ وعزّ ألف وصل على قول من قال: الأصل لاه. ومن العرب من يقطعها فيقول: بسم الله، للزومها كألف القطع. الرَّحْمنِ نعت لله تعالى ولا يثنّى ولا يجمع لأنه لا يكون إلّا لله جلّ وعزّ، وأدغمت اللّام في الراء لقربها منها وكثرة لام التعريف. الرَّحِيمِ نعت أيضا، وجمعه رحماء. وهذه لغة أهل الحجاز وبني أسد وقيس وربيعة، وبنو تميم يقولون: رحيم ورغيف وبعير، ولك أن تشمّ «١» الكسر في الوقف وأن تسكّن، والإسكان في المكسور أجود والإشمام في المضموم أكثر.\nويجوز النصب في الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ على المدح، والرفع على إضمار مبتدأ، ويجوز خفض الأول ورفع الثاني، ورفع أحدهما ونصب الآخر.\n_________\n(١) إشمام الحرف: أن تشمّه الضمّة أو الكسرة، وهو أقلّ من روم الحركة لأنه لا يسمع وإنما يتبيّن بحركة الشفة ولا يعتدّ بها حركة لضعفها، والحرف الذي فيه الإشمام ساكن أو كالساكن. (تاج العروس شمم) .","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>[سورة الفاتحة (١): آية ٢]</span>\nالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)\nالْحَمْدُ لِلَّهِ رفع بالابتداء على قول البصريين «١»، وقال الكسائي «٢»: «الحمد» رفع بالضمير الذي في الصفة، والصفة اللام، جعل اللام بمنزلة الفعل. وقال الفراء «٣»:\n«الحمد» رفع بالمحل وهو اللام. جعل اللام بمنزلة الاسم، لأنها لا تقوم بنفسها والكسائي يسمي حروف الخفض صفات، والفراء يسمّيها محال، والبصريون يسمّونها ظروفا. وقرأ ابن عيينة ورؤبة بن العجّاج «٤» الْحَمْدُ لِلَّهِ على المصدر وهي لغة قيس والحارث بن سامة. والرفع أجود من جهة اللفظ والمعنى، فأما اللفظ: فلأنه اسم معرفة خبّرت عنه، وأما المعنى: فإنّك إذا رفعت أخبرت أنّ حمدك وحمد غيرك لله جلّ وعزّ، وإذا نصبت لم يعد حمد نفسك وحكى الفراء: الْحَمْدُ لِلَّهِ والحمد لله «٥» .\nقال أبو جعفر: وسمعت عليّ بن سليمان «٦» يقول: لا يجوز من هذين شيء عند البصريين. قال أبو جعفر: وهاتان لغتان معروفتان وقراءتان موجودتان في كل واحدة منهما علة، روى إسماعيل بن عياش «٧» عن زريق عن الحسن «٨» أنّه قرأ\n_________\n(١) انظر الإنصاف مسألة (٥)، والبحر المحيط ١/ ١٣١.\n(٢) انظر الإنصاف مسألة (٦) . [.....]\n(٣) انظر الإنصاف مسألة (٦) .\n(٤) رؤبة بن العجاج التميمي الراجز من أعراب البصرة وكان رأسا في اللغة (ت ١٤٥ هـ)، ترجمته في (السير ٦/ ١٦٢، ولسان الميزان ٢/ ٢٦٤، ومعجم الأدباء ١١/ ١٤٩) .\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٣.\n(٦) علي بن سليمان الأخفش الصغير، أبو الحسن، سمع ثعلبا، والمبرد (ت ٢١٥ هـ) وهو من شيوخ النحاس.\nترجمته في طبقات الزبيدي ١٢٥.\n(٧) إسماعيل بن عياش: أبو عتبة العنسي الحمصي، روى عن شرحبيل بن مسلم ومحمد بن زياد (ت ١٨٢ هـ) ترجمته في تذكرة الحفاظ ٢٥٣.\n(٨) الحسن، أبو سعيد، الحسن بن أبي سعيد بن أبي الحسن بن يسار البصري، إمام أهل البصرة، قرأ على حطان ابن عبد الله الرقاشي وعلى أبي العالية. (ت ١١٠ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٣٥.","vol":"1","page":17},{"text":"الْحَمْدُ لِلَّهِ «١»، وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة الْحَمْدُ لِلَّهِ «٢» وهذه لغة بعض بني ربيعة، والكسر لغة تميم. فأما اللغة في الكسر فإنّ هذه اللفظة تكثر في كلام الناس والضمّ ثقيل ولا سيّما إذا كانت بعده كسرة فأبدلوا من الضمة كسرة وجعلوها بمنزلة شيء واحد، والكسرة مع الكسرة أخفّ وكذلك الضمة مع الضمة فلهذا قيل: الْحَمْدُ لِلَّهِ. لِلَّهِ خفض باللام الزائدة. وزعم «٣» سيبويه «٤» أنّ أصل اللام الفتح يدلّك على ذلك أنك إذا أضمرت قلت: الحمد له فرددتها إلى أصلها إلّا أنها كسرت مع الظاهر للفرق بين لام الجر ولام التوكيد.\nرَبِّ مخفوض على النعت لله. الْعالَمِينَ خفض بالإضافة وعلامة الخفض الياء لأنها من جنس الكسرة، والنون عند سيبويه «٥» كأنها عوض لما منع من الحركة والتنوين والنون عند أبي العباس «٦» عوض من التنوين، وعند أبي إسحاق «٧» عوض من الحركة وفتحت فرقا بينها وبين نون الاثنين، وقال الكسائي: يجوز رَبِّ الْعالَمِينَ كما تقول:\nالحمد لله ربّا وإلها أي على الحال، وقال أبو حاتم «٨»: النصب بمعنى أحمد الله ربّ العالمين، وقال أبو إسحاق «٩»: يجوز النصب على النداء المضاف، وقال أبو الحسن بن كيسان «١٠»: يبعد النصب على النداء المضاف لأنه يصير كلامين ولكن نصبه على المدح، ويجوز الرفع أي هو ربّ العالمين. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا في الكتاب المتقدم: أنه يقال على التكثير: ربّاه وربّه وربّته. وشرحه أن الأصل ربّبه ثم تبدل من الباء ياء كما يقال:\nقصّيت أظفاري وتقصّيت ثم تبدل من الياء تاء كما تبدل من الواو في تالله «١١» .\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ١، والمحتسب لابن جني ١/ ٣٧.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ١.\n(٣) انظر الكتاب ٢: ٤٠٠.\n(٤) سيبويه: عمرو بن قنبر، رأس مدرسة البصرة في النحو (ت ١٨٠ هـ) . ترجمته في طبقات الزبيدي ٦٦.\n(٥) انظر الكتاب.\n(٦) أبو العباس: محمد بن يزيد المبرد، من تلاميذ أبي عثمان المازني، كان رأس نحاة البصرة (ت ٢٨٥ هـ) .\nترجمته في: طبقات الزبيدي ١٠٨.\n(٧) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجّاج ٧.\n(٨) أبو حاتم: سهل بن محمد السجستاني، روى علم سيبويه عن الأخفش سعيد بالبصرة (ت ٢٥٥ هـ أو ٢٦٥ هـ) ترجمته في طبقات الزبيدي ١٠٠، ومراتب النحويين ٨٠. [.....]\n(٩) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٤.\n(١٠) أبو الحسن بن كيسان: محمد بن إبراهيم بن كيسان، أخذ عن المبرد وثعلب وحفظ المذهب البصري والكوفي في النحو، ولكنه كان إلى مذهب البصريين أميل. من تصانيفه: المهذّب في النحو، وغلط أدب الكاتب، واللامات، والبرهان، وغريب الحديث، وغيرها. (ت ٢٩٩ هـ) . ترجمته في بغية الوعاة ١/ ١٨، ومعجم الأدباء ١٧/ ١٣٨، وتاريخ بغداد ١/ ٣٣٥.\n(١١) انظر الكتاب: ١/ ٤٤، والمقتضب ١/ ٢٤٦.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>[سورة الفاتحة (١): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)\nويجوز الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ على المدح، ويجوز رفعهما على إضمار مبتدأ، ويجوز رفع أحدهما ونصب الآخر، ويجوز خفض الأول ورفع الثاني ونصبه.\nوقرأ محمد بن السّميفع «١» اليمانيّ مالك يوم الدّين بنصب مالك. وفيه أربع لغات: مالك وملك وملك ومليك. كما قال لبيد: [الكامل] ٢-\nفاقنع بما قسم المليك فإنّما ... قسم المعايش بيننا علّامها «٢»\nوفيه من العربية خمسة وعشرون وجها «٣»: يقال «ملك يوم الدين» على النعت، والرفع على إضمار مبتدأ، والنصب على المدح وعلى النداء وعلى الحال وعلى النعت وعلى قراءة من قرأ رَبِّ الْعالَمِينَ فهذه ستة أوجه، وفي «مالك» مثلها وفي «ملك» مثلها، وفي «مليك» مثلها. هذه أربعة وعشرون والخامس والعشرون روى عن أبي حيوة شريح بن يزيد «٤» أنه قرأ ملك يوم الدّين «٥» وقد روي عنه أنه قرأ ملك يوم الدين. قال أبو جعفر: جمع مالك وملّاك وملّك، وجمع ملك أملاك وملوك، وجمع ملك أملك وملوك فهذا على قول من قال: «ملك» لغة وليس بمسكّن من ملك، وجمع مليك ملكاء. يَوْمِ مخفوض بإضافة مالك إليه، والدِّينِ مخفوض بإضافة يوم إليه. وجمع يوم أيّام والأصل: أيوام أدغمت الواو في الياء ولا يستعمل منه فعل.\nوزعم سيبويه أنه لو استعمل منه فعل لقيل: يمت. وجمع الدين أديان وديون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>[سورة الفاتحة (١): آية ٥]</span>\nإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)\nإِيَّاكَ «٦» نصب بوقوع نَعْبُدُ عليه وقرأ الفضل بن عيسى الرّقاشي إِيَّاكَ فتح الهمزة، وقرأ عمرو بن فائد إِيَّاكَ مخفّفا والاسم من إيّاك عند الخليل «٧»\n_________\n(١) ابن السميفع اليماني: محمد بن عبد الرّحمن، له اختيار في القراءة ينسب إليه، شذّ فيه، قرأ على أبي حيوة. ترجمته في غاية النهاية ٢/ ١٥٠.\n(٢) البيت للبيد في ديوانه ص ٣٢٠، ولسان العرب (خلق)، وتاج العروس (خلق)، وهو في الديوان: «قسم الخلائق بيننا» .\n(٣) (مالك): قراءة عاصم والكسائي وخلف ويعقوب، وهي قراءة العشرة إلا طلحة والزبير، وقرأ (ملك) باقي السبعة وزيد وأبو الدرداء وابن عمر والمسور وكثير من الصحابة، وقرأ (ملك): أبو هريرة وعاصم الجحدري انظر البحر المحيط ١/ ١٣٣.\n(٤) أبو حيوة: شريح بن يزيد هو صاحب قراءة شاذّة، ومقرئ الشام، روى القراءة عن الكسائي (ت ٢٠٣ هـ) .\nترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٢٥.\n(٥) انظر: إعراب ثلاثون سورة لابن خالويه ٢٣.\n(٦) انظر البحر المحيط ١/ ١٣٩، وهمع الهوامع ١/ ٦١، والكتاب ٢/ ٣٥٥، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٣١١.\n(٧) الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، عالم بالعربية، بصري (ت ١٧٠ هـ أو ١٧٥ هـ) ترجمته في: طبقات الزبيدي ٤٣، وإنباه الرواة ١/ ٣٤١.","vol":"1","page":19},{"text":"وسيبويه إيّا، والكاف موضع خفض وعند الكوفيين إيّاك اسم بكمالها، وزعم الخليل ﵀ أنه اسم مضمر. قال أبو العباس: هذا خطأ لا يضاف المضمر ولكنه مبهم مثل «كلّ» أضيف إلى ما بعده. نَعْبُدُ فعل مستقبل وهو مرفوع عند الخليل وعند سيبويه لمضارعته الأسماء، وقال الكسائي: الفعل المستقبل مرفوع بالزوائد التي في أوله، وقال الفراء: هو مرفوع بسلامته من الجوازم والنواصب. وإِيَّاكَ منصوب بنستعين عطف جملة على جملة، وقرأ يحيى بن وثّاب «١» والأعمش نَسْتَعِينُ «٢» بكسر النون وهذه لغة تميم وأسد وقيس وربيعة، فعل ذلك ليدلّ على أنه من استعون يستعين والأصل في «نستعين» نستعون قلبت حركة الواو على العين فلما انكسر ما قبل الواو صارت ياء والمصدر استعانة والأصل استعوان قلبت حركة الواو على العين فلما انفتح ما قبل الواو صارت ألفا، ولا يلتقي ساكنان فحذفت الألف الثانية لأنها زائدة وقيل الأولى لأن الثانية لمعنى ولزمت الهاء عوضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>[سورة الفاتحة (١): آية ٦]</span>\nاهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)\nإِنَّا هُدْنا دعاء وطلب في موضع جزم عند الفراء «٣» ووقف عند البصريين ولذلك حذفت الياء والألف ألف وصل لأنّ أول المستقبل مفتوح، وكسرتها لأنه من يهدي، والنون والألف مفعول أول. والصِّراطَ مفعول ثان. وجمعه في القليل أصرطة وفي الكثير صرط قال الأخفش: أهل الحجاز يؤنثون الصراط وقرأ ابن عباس «٤» السراط «٥» بالسين وبعض قيس يقولها بين الصاد والزاي ولا يجوز أن يجعل زايا إلّا أن تكون ساكنة قال قطرب «٦»: إذا كان بعد السين في نفس الكلمة طاء أو قاف أو خاء أو غين فلك أن تقلبها صادا. الْمُسْتَقِيمَ نعت للصراط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>[سورة الفاتحة (١): آية ٧]</span>\nصِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)\nصِراطَ الَّذِينَ بدل. والَّذِينَ في موضع خفض بالإضافة وهو مبنيّ لئلا\n_________\n(١) يحيى بن وثّاب الأسدي الكوفي، تابعي ثقة، روى عن ابن عباس وابن عمر (ت ١٠٣ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٣٨٠.\n(٢) وهذه قراءة عبيد بن عمير الليثي وزرّ بن جيش والنخعي أيضا، انظر البحر المحيط ١/ ١٤١.\n(٣) انظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٤٠٣، والإنصاف مسألة ٢١٤.\n(٤) ابن عباس: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، روى عن النبي ﷺ والصحابة. قرأ عليه مجاهد وسعيد ابن جبير (ت ٩٨ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٤٢٥. [.....]\n(٥) انظر الحجة لابن خالويه ٣٨، والبحر المحيط ١/ ١٤٣.\n(٦) قطرب: محمد بن المستنير، أخذ عن سيبويه وعيسى بن عمر (ت ٢٠٦ هـ) . ترجمته في تاريخ بغداد ٣/ ٢٩٨، وطبقات النحويين ١٠٦.","vol":"1","page":20},{"text":"يعرب الاسم من وسطه. أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ داخل في الصلة والهاء والميم يعود على الذين. وفي «عليهم» خمس لغات قرئ بها كلّها. قرأ ابن أبي إسحاق «١» أنعمت عليهمو «٢» بضم الهاء وإثبات الواو، وهذا هو الأصل أن تثبت الواو كما تثبت الألف في التثنية. وقرأ الحسن أنعمت عليهمي «٣» بكسر الهاء وإثبات الياء وكسر الهاء لأنه كره أن يجمع بين ياء وضمة، والهاء ليس بحاجز حصين وأبدل من الواو ياء لما كسر ما قبلها، وقرأ أهل المدينة عَلَيْهِمْ «٤» بكسر الهاء وإسكان الميم، وهي لغة أهل نجد، وقرأ حمزة «٥» وأهل الكوفة عَلَيْهِمْ بضم الهاء وإسكان الميم فحذفوا الواو لثقلها وإنّ المعنى لا يشكل إذ كان يقال في التثنية: عليهما، واللغة الخامسة قرأ بها الأعرج عليهمو بكسر الهاء والواو، وحكي لغتنا شاذّتان وهما ضمّ الهاء والميم بغير واو وكسرهما بغير ياء. وقال محمد بن يزيد: وهذا لا يجوز لأنه مستقبل فإن قيل: فلم قيل: منه فضمّت الهاء؟ فالجواب أن النون في «منه» ساكنة. قال أبو العباس: وناس من بني بكر بن وائل يقولون: عليكم فيكسرون الكاف كما يكسرون الهاء لأنها مهموسة مثلها وهي إضمار كما أنّ الهاء إضمار، وهذا غلط فاحش لأنها ليست مثلها في الخفاء. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ خفض على البدل من الذين وإن شئت نعتا. قال ابن كيسان: ويجوز أن يكون بدلا من الهاء والميم في عليهم، وروى الخليل ﵀ عن عبد الله بن كثير «٦» غَيْرِ الْمَغْضُوبِ «٧» بالنصب قال الأخفش: هو نصب على الحال، وإن شئت على الاستثناء قال أبو العباس: هو استثناء ليس من الأول. قال الكوفيون: لا يكون استثناء لأن بعده «ولا»، ولا تزاد «لا» في الاستثناء. قال أبو جعفر: وذا لا يلزم لأن فيه معنى النفي، وقال: «غير المغضوب عليهم» ولم يقل:\nالمغضوبين لأنه لا ضمير فيه. قال ابن كيسان: هو موحّد في معنى جمع وكذلك كل فعل المفعول إذا لم يكن فيه خفض مرفوع، نحو المنظور إليهم والمرغوب فيهم، والْمَغْضُوبِ بإضافة غير إليه وعَلَيْهِمْ في موضع رفع لأنه اسم ما لم يسمّ فاعله.\n_________\n(١) ابن أبي إسحاق: عبد الله بن زيد بن الحارث الحضرمي البصري، أحد الأئمة في القراءات والعربية.\nأخذ القراءة عن يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم. (ت ١٢٧ هـ) . ترجمته في: (بغية الوعاة ٢/ ٤٢، وغاية النهاية ١/ ٤١٠) .\n(٢) انظر مختصر في شواذ القرآن ١، والمحتسب ١/ ٤٤. والبحر المحيط ١/ ١٤٦.\n(٣) انظر الحجة لابن خالويه ٣٩، والحجة للفارسي ١/ ٤٢.\n(٤) حمزة بن حبيب أبو عمارة الكوفي، أحد القرّاء السبعة (ت ١٥٦ هـ) . ترجمته في (غاية النهاية ١/ ٢٦١) .\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٥.\n(٦) عبد الله بن كثير: أبو معبد عبد الله المكي الداري، إمام أهل مكة في القراءات وأحد السبعة (ت ١٢٠ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٤٤٣.\n(٧) انظر الحجة للفارسي ١/ ١٠٥.","vol":"1","page":21},{"text":"وَلَا زائدة عند البصريين وبمعنى غير عند الكوفيين «١» . والضَّالِّينَ عطف على «المغضوب عليهم» والكوفيون يقولون: نسق «٢»، وسيبويه «٣» يقول: إشراك. والأصل في الضّالين: الضاللين ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان وجاز ذلك لأن في الألف مدّة والثاني مدغم، إلّا أنّ أيّوب السّختياني «٤» همز فقرأ وَلَا الضَّالِّينَ «٥» .\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٨.\n(٢) النّسق: العطف.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٤١.\n(٤) أيوب السختياني: هو فقيه أهل البصرة (ت ١٣١ هـ) . ترجمته في شذرات الذهب ١/ ١٨١.\n(٥) انظر مختصر ابن خالويه ١، والمحتسب ١/ ٤٦، والبحر المحيط ١/ ١٥١. [.....]","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>[٢] شرح إعراب سورة البقرة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>[سورة البقرة (٢): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١)\nمن ذلك قوله ﷿: الم ... مذهب الخليل وسيبويه «١» في «الم» وما أشبهها أنها لم تعرب لأنها بمنزلة حروف التهجّي فهي محكيّة ولو أعربت ذهب معنى الحكاية وكان قد أعرب بعض الاسم، وقال الفراء: «٢» إنما لم تعرب لأنك لم ترد أن تخبر عنها بشيء، وقال أحمد بن يحيى «٣»: لا يعجبني قول الخليل فيها لأنك إذا قلت: زاي فليست هذه الزاي التي في زيد لأنك قد زدت عليها. قال أبو جعفر: هذا الرّدّ لا يلزم لأنك لا تقدر أن تنطق بحرف واحد حتى تزيد عليه. قال ابن كيسان:\n«الم» في موضع نصب بمعنى اقرأ «الم» أو عليك «الم» ويجوز أن يكون موضعه رفعا بمعنى: هذا الم أو هو أو ذاك.\nثم قال ﷿:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>[سورة البقرة (٢): آية ٢]</span>\nذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)\nذلِكَ فيه ستة أوجه: يكون بمعنى هذا ذلك الكتاب، فيكون خبر هذا ويكون بمعنى «الم ذلك» هذا قول الفراء «٤» أي حروف المعجم ذلك الكتاب واجتزئ ببعضها من بعض، ويكون هذا رفعا بالابتداء والْكِتابُ خبره، والكوفيون يقولون: رفعنا هذا بهذا وهذا بهذا، ويكون «الكتاب» عطف البيان الذي يقوم مقام النعت وهُدىً\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٢٨٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٩.\n(٣) أحمد بن يحيى ثعلب: إمام الكوفيين في النحو واللغة، حفظ كتب الفرّاء، ولازم ابن الأعرابي بضع عشرة سنة واعتمد عليه في اللغة، وعلى سلمة بن عاصم في النحو. صنّف: المصون في النحو، واختلاف النحويين، ومعاني القرآن، معاني الشعر، القراءات، التصغير، الوقف والابتداء، الهجاء، الأمالي، غريب القرآن، وغيره (ت ٢٩١ هـ) . ترجمته في: (بغية الوعاة ١/ ٣٩٦، وطبقات الزبيدي ١٥٥) .\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ١٠.","vol":"1","page":23},{"text":"خبرا، ويكون لا رَيْبَ فِيهِ الخبر، والكوفيون يقولون: الهاء العائدة الخبر. والوجه السادس: أن يكون الخبر «لا ريب فيه» لأن معنى لا شكّ: حقّ، ويكون التمام على هذا لا ريب، ويقال: ذلك، ولغة تميم ذاك. ولم تعرب ذلك ولا هذا لأنها لا يثبتان على المسمّى. قال البصريون: اللّام في ذلك توكيد، وقال الكسائي والفراء: جيء باللّام في ذلك لئلا يتوهّم أنّ ذا مضاف إلى الكاف، وقيل: جيء باللّام بدلا من الهمزة ولذلك كسرت، وقال علي بن سليمان: جيء باللّام لتدل على شدة التراخي. قال أبو إسحاق «١»: كسرت فرقا بينها وبين لام الجرّ ولا موضع للكاف. والاسم عند البصريين «ذا» وعند الفراء «٢» الذال. ثم قال الله جلّ وعزّ لا رَيْبَ فِيهِ نصب «ريب» لأن «لا» عند البصريين مضارعة لأنّ فنصبوا بها وأنّ «لا» لم تعمل إلّا في نكرة لأنها جواب نكرة فيها معنى «من» بنيت مع النكرة فصيّرا شيئا واحدا، وقال الكسائي: سبيل النكرة أن يتقدمها أخبارها فتقول: قام رجل، فلما تأخّر الخبر في التبرئة «٣» نصبوا ولم ينوّنوا لأنه نصب ناقص، وقال الفراء: سبيل «لا» أن تأتي بمعنى غير، تقول: مررت بلا واحد ولا اثنين، فلما جئت بها بغير معنى «غير» وليس، نصبت بها ولم تنوّن لئلا يتوهّم أنك أقمت الصفة مقام الموصوف، وقيل: إنّما نصبت لأن المعنى: لا أجد ريبا، فلما حذفت الناصب حذفت التنوين، ويجوز لا رَيْبَ فِيهِ «٤» تجعل «لا» بمعنى ليس.\nوأنشد سيبويه: [مجزوء الكامل] ٣-\nمن صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لابراح «٥»\nفِيهِ هُدىً الهاء في موضع خفض بفي، وفي الهاء خمسة أوجه: أجودها «فيه هدى» ويليه فِيهِ هُدىً «٦» بضم الهاء بغير واو، وهي قراءة الزهري «٧» وسلّام أبي المنذر «٨»\n_________\n(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ص ٢٨.\n(٢) انظر الإنصاف مسألة ٩٥، والبحر المحيط ١/ ١٥٤.\n(٣) التبرئة: النفي للجنس.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٢، والبحر المحيط ١/ ١٦٠.\n(٥) الشاهد لسعد بن مالك في الأشباه والنظائر ٨/ ١٠٩، وخزانة الأدب ١/ ٤٦٧، والدرر ٢/ ١١٢، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٨، وشرح التصريح ١/ ١٩٩، وشرح شواهد المغني ص ٥٨٢، وشرح المفصل ١/ ١٠٩، والكتاب ١/ ٥٨، والمقاصد النحوية ٢/ ١٥٠، وبلا نسبة في الإنصاف ص ٣٦٧، وأوضح المسالك ١/ ٢٨٥، وشرح الأشموني ١٢٥، ومغني اللبيب ص ٢٣٩، والمقتضب ٤/ ٣٦٠.\n(٦) انظر مختصر ابن خالويه (٢)، والحجة للفارسي ١/ ١٤٢.\n(٧) الزهري: أبو بكر محمد بن مسلم المدني، أحد الأئمة الكبار، تابعي، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، قرأ على أنس (ت ١٢٤ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٢٦٢.\n(٨) سلّام بن سليمان أبو المنذر المزنيّ، ثقة ومقرئ كبير، أخذ القراءة عن عاصم وأبي عمرو. وقرأ عليه يعقوب الحضرمي. (ت ١٧١ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٠٩.","vol":"1","page":24},{"text":"ويليه فيهي هدى بإثبات الياء وهي قراءة ابن كثير، ويجوز فيهو هدى بالواو ويجوز فِيهِ هُدىً مدغما والأصل «فيهو هدى» الاسم الهاء وزيدت الواو عند الخليل لأن الهاء خفيّة فقويت بحرف جلد متباعد منها وتبدل منها ياء لأن قبلها ياء أو يحذف لاجتماع الواو والياء عند سيبويه «١»، ولاجتماع الساكنين عند أبي العباس، وكذا الياء، ويدغم لاجتماع هاءين وليس بجيد، لأنّ حروف الحلق ليست أصلا بالإدغام ويجتمع ساكنان، وقال سيبويه:\nإنّما زيدت الواو كما زيدت الألف في المؤنث. وفي «هدى» ستة أوجه: تكون في موضع رفع خبرا عن ذلك، وعلى إضمار مبتدأ وعلى أن تكون خبرا بعد خبر، وعلى أن تكون رفعا بالابتداء. قال أبو إسحاق: يكون المعنى فيه هدى ولا ريب. فهذه أربعة أوجه. في الرفع، ويكون على وجه خامس وهو أن يكون، على موضع لا ريب فيه أي حق هدى، ويكون نصبا على الحال من ذلك والكوفيون يقولون: قطع «٢»، ويكون حالا من الكتاب وتكون حالا من الهاء، قال الفرّاء: بعض بني أسد يؤنّث الهدى فيقول: هذه هدى حسنة، ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا يحرّك. ثم قال جلّ وعزّ لِلْمُتَّقِينَ مخفوض باللّام الزائدة، ولغة أهل الحجاز: فلان موتق. وهذا هو الأصل والتّقيّة أصلها الوقيّة من وقيت أبدلت من الواو تاء لأنها أقرب الزوائد إليها وقد فعلوا ذلك من غير أن يكون ثمّ تاء، كما حدّثنا عليّ بن سليمان عن محمد بن يزيد عن المازني قال: سألت الأصمعي عن قول الشاعر: [الرجز] ٤-\nفإن يكن أمسى البلى تيقوري «٣»\nوقلت له: قال الخليل: هو فيعول من الوقار فأبدل من الواو تاء فقال: هذا قول الأشياخ والأصل للمتّقين بياءين مخفّفتين وحذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين،\nثم قال جلّ وعزّ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>[سورة البقرة (٢): آية ٣]</span>\nالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)\nالَّذِينَ: في موضع خفض نعت للمتقين ويجوز أن يكون نصب بمعنى أعني، ورفعا من جهتين بالابتداء، والخبر أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وعلى إضمار «هم» .\nيُؤْمِنُونَ بالهمز لأن أصل آمن: أأمن كره الجمع بين همزتين فأبدلت من الثانية ألف\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٣٠٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١٢. [.....]\n(٣) الشاهد من أرجوزة للعجاج في ديوانه ١/ ٣٤٠، ولسان العرب (هير)، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٢٣، والكتاب ٤/ ٣٣٢، والتنبيه والإيضاح ٢/ ٢٢٩، وتهذيب اللغة ٩/ ٢٨١، وكتاب المعين ٥/ ٢٠٧، وبلا نسبة في سرّ صناعة الإعراب ١/ ١٤٦، وشرح المفصل ١٠/ ٣٨، والمنصف ١/ ٢٢٧، والمخصص ٣/ ١٨، ٧ ١٨٢.","vol":"1","page":25},{"text":"فلما قلت: يؤمنون فزالت إحدى الهمزتين همزت على الأصل، وإن خفّفت قلت: يؤمنون بغير همز. ويؤمنون مثل يكرمون الأصل فيه يؤكرمون لأن سبيل المستقبل أن يكون زائدا على الماضي حرفا إلّا أنه حذف منه الزائد لأن الضمّة تدلّ عليه ولو جئت به على الأصل لاجتمعت الهمزات. والمضمر في يؤمنون يعود على الذين، وهذيل تقول: الّذون في موضع الرفع، ومن العرب من يقول: الذي في الجمع كما قال: [الطويل] ٥-\nأو إنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد «١»\nبِالْغَيْبِ مخفوض بالباء الزائدة والباء متصل بيؤمنون وَيُقِيمُونَ معطوف على يؤمنون والأصل يقومون قلبت كسرة على القاف فانقلبت ياء، الصَّلاةَ منصوبة بيقيمون، وجمعها صلوات، وصلاءة، وصلاوة. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ «ما» في موضع خفض بمن وهي مصدر لا يحتاج إلى عائد، ويجوز أن يكون بمعنى الذي وتحذف العائد، والنون والألف رفع بالفعل والهاء والميم نصب به ومن متصلة بينفقون أي وينفقون مما رزقناهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>[سورة البقرة (٢): آية ٤]</span>\nوَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)\nوَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ عطف على الذين الأولين بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ «ما» خفض بالباء والضمير الذي في أنزل يعود على «ما» وهو اسم ما لم يسمّ فاعله والكاف خفض بإلى والأصل الاك أبدل من الألف ياء للفرق بين الألفات المتمكّنة، والتي ليست بمتمكنة ويلزمها الإضافة، وأجاز الكسائي حذف الهمزة وأن يقرأ: وما أنزلّيك، وشبّهه بقوله لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف: ٣٨] قال ابن كيسان: ليس مثله لأنّ النون من لكن ساكنة واللام من أنزل متحركة. وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ عطف. وقَبْلِكَ مخفوض بمن والكاف خفض بإضافة قبل إليها. وَبِالْآخِرَةِ خفض بالباء والباء متعلقة بيوقنون وهُمْ رفع بالابتداء ويُوقِنُونَ فعل مستقبل في موضع الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>[سورة البقرة (٢): آية ٥]</span>\nأُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)\nأُولئِكَ ابتداء والخبر عَلى هُدىً وأهل نجد يقولون: ألّاك «٢»، وبعضهم\n_________\n(١) الشاهد للأشهب بن رميلة في خزانة الأدب ٦/ ٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥١٧، والكتاب ١/ ١٨٧، ولسان العرب (فلج)، والمؤتلف والمختلف ص ٣٣، والمحتسب ١/ ١٨٥، والمقاصد النحوية ١/ ٤٨٢، والمقتضب ٤/ ١٤٦، والمنصف ١/ ٦٧، وللأشهب أو لحريث بن مخفض في الدرر ١/ ١٤٨، وبلا نسبة في الأزهية ص ٩٩، وخزانة الأدب ٢/ ٣١٥، والدرر ٥/ ١٣١، ورصف المباني ص ٣٤٢، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٥٣٧، وشرح المفصل ٣/ ١٥٥، ومغني اللبيب ١/ ١٩٤.\n(٢) انظر همع الهوامع ١/ ٧٤.","vol":"1","page":26},{"text":"يقول: ألا لك، و(هدى) خفض بعلى: مِنْ رَبِّهِمْ خفض بمن، والهاء والميم خفض بالإضافة ويقال: كيف قرأ أهل الكوفة (عليهم) ولم يقرءوا «من ربّهم» «ولا» «فيهم»؟\nوالجواب أنّ «عليهم» الياء فيه منقلبة من ألف والأصل علاهم قال: [الرجز] ٦-\nطارت علاهنّ فطر علاها «١»\nفأقرّت الهاء على ضمتها، وليس هذا في «فيهم» «ولا من ربّهم» وَأُولئِكَ رفع بالابتداء هُمُ ابتداء ثان الْمُفْلِحُونَ خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول، ويجوز أن يكون «هم» زيادة، يسميها البصريون فاصلة «٢» ويسميها الكوفيون عمادا «٣» والْمُفْلِحُونَ خبر أولئك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>[سورة البقرة (٢): آية ٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦)\nإِنَّ الَّذِينَ الَّذِينَ: نصب بإن وعملت إنّ لأنها أشبهت الفعل في الإضمار ويقع بعدها اسمان وفيها معنى التحقيق. كَفَرُوا صلة «الذين» والمضمر يعود على الذين. قال محمد بن يزيد سَواءٌ عَلَيْهِمْ رفع بالابتداء: أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ الخبر والجملة خبر «إنّ» أي أنهم تبالهوا حتى لم تغن فيهم النذارة والتقدير سواء عليهم الإنذار وتركه، أي سواء عليهم هذان، وجيء بالاستفهام من أجل التسوية. قال ابن كيسان: يجوز أن يكون سواء خبر إنّ وما بعده، يقوم مقام الفاعل، ويجوز أن يكون خبر إنّ «لا يؤمنون» أي إنّ الذين كفروا لا يؤمنون أَأَنْذَرْتَهُمْ «٤» فيه ثمانية أوجه: أجودها عند الخليل وسيبويه «٥» تخفيف الهمزة الثانية وتحقيق الأولى. وهي لغة قريش وسعد بن بكر وكنانة، وهي قراءة أهل المدينة وأبي عمرو والأعمش أَأَنْذَرْتَهُمْ «٦»، قال ابن كيسان: وروي عن ابن محيصن «٧» أنّه قرأ بحذف الهمزة الأولى سواء عليهم أنذرتهم «٨» فحذف لالتقاء\n_________\n(١) الشاهد لرؤبة في ديوانه ص ١٦٨، وله أو لأبي النجم أو لبعض أهل اليمن في المقاصد النحوية ١/ ١٣٣، ولبعض أهل اليمن في خزانة الأدب ٧/ ١٣٣، وشرح شواهد المغني ١/ ١٢٨ وبلا نسبة في لسان العرب (طير، وعلا، ونجا) وخزانة الأدب ٤/ ١٠٥، والخصائص ٢/ ٢٦٩، وشرح شواهد الشافيه ٣٥٥، وشرح المفصل ٣/ ٣٤، وقبله: «نادية وناديا أباها» .\n(٢) انظر المقتضب ٤/ ١٠٣.\n(٣) انظر مجالس ثعلب ٥٣.\n(٤) انظر البحر المحيط ١/ ١٧٤.\n(٥) انظر الكتاب ٤/ ٢٩.\n(٦) انظر التيسير الداني ص ٣٦، باب ذكر الهمزتين المتلاحقتين في كلمة.\n(٧) ابن محيصن: محمد بن عبد الرّحمن السهمي، مولاهم، مقرئ أهل مكة مع ابن كثير، ثقة، عرض على مجاهد وابن جبير (ت ١٢٣ هـ) ترجمته في غاية النهاية ٢/ ١٦٧.\n(٨) انظر مختصر ابن خالويه (٢)، والمحتسب ١/ ٥٠.","vol":"1","page":27},{"text":"الهمزتين، وإن شئت قلت: لأن «أم» تدلّ على الاستفهام كما قال: [المتقارب] ٧-\nتروح من الحيّ أم تبتكر ... وماذا يضرّك لو تنتظر «١»\nوروي عن ابن أبي إسحاق أنه قرأ أَأَنْذَرْتَهُمْ «٢» حقّق الهمزتين وأدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما. قال أبو حاتم: ويجوز أن يدخل بينهما ألفا ويخفف الثانية وأبو عمرو ونافع يفعلان ذلك كثيرا، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين أَأَنْذَرْتَهُمْ وهو اختيار أبي عبيد، وذلك بعيد عند الخليل وسيبويه يشبهه الثقل بضننوا. قال سيبويه «٣»: الهمزة بعد مخرجها وهي نبرة تخرج من الصدر باجتهاد، وهي أبعد الحروف مخرجا فثقلت لأنها كالتهوّع.\nفهذه خمسة أوجه، والسادس قاله الأخفش قال: يجوز أن تخفّف الأولى من الهمزتين وذلك رديء لأنهم إنّما يخفّفون بعد الاستثقال وبعد حصول الواحدة. قال أبو حاتم: ويجوز تخفيف الهمزتين جميعا. فهذه سبعة أوجه، والثامن يجوز في غير القرآن لأنه مخالف للسواد. قال الأخفش سعيد: تبدل من الهمزة هاء فتقول «هانذرتهم» كما يقال: إيّاك وهيّاك: وقال الأخفش: في قول الله ﷿ «هأنتم» إنّما هو أأنتم. والتاء في «أأنذرتهم» في موضع رفع وفتحتها فرقا بين المخاطب والمخاطب، والهاء والميم نصحب بوقوع الفعل عليهما «أم لم تنذرهم» جزم بلم وعلامة الجزم حذف الضمة من الراء، والهاء والميم نصب أيضا، لا يُؤْمِنُونَ فعل مستقبل ولا موضع للا من الإعراب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>[سورة البقرة (٢): آية ٧]</span>\nخَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)\nخَتَمَ اللَّهُ خَتَمَ: فعل ماض واسم الله جلّ وعزّ مرفوع بالفعل، عَلى قُلُوبِهِمْ مخفوض بعلى والهاء والميم خفض بالإضافة. وَعَلى سَمْعِهِمْ مثله. ولم لم يقل و«على أسماعهم» وقد قال «على قلوبهم» ففيه ثلاثة أجوبة: منها أن السمع مصدر فلم يجمع، وقيل: هو واحد يؤدي عن الجميع، وقيل: التقدير وعلى موضع سمعهم. وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ رفع بالابتداء، وعند الكوفيين بالصفة. وروى المفضّل «٤» عن عاصم بن\n_________\n(١) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ١٥٤، والأزهيّة ص ٣٧، ولسان العرب (عبد)، وبلا نسبة في رصف المعاني ص ٤٥.\n(٢) انظر الحجة للفارسي ١/ ٢٠٥.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٢٩. [.....]\n(٤) المفضّل الضبي الكوفي: مقرئ نحوي، أخباري موثّق، من أجلّة أصحاب عاصم (ت ١٦٨ هـ)، ترجمته في معرفة القراء الكبار ١٨.","vol":"1","page":28},{"text":"بهدلة وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «١» بالنصب أضمر وجعل، وقرأ الحسن غشاوة «٢» بضم العين، وقرأ أبو حيوة غشاوة «٣» بفتح. قال أبو جعفر: وأجودها غِشاوَةٌ بكسر الغين كذلك تستعمل العرب في كل ما كان مشتملا على الشيء نحو عمامة وقلادة، روي عن الأعمش غشوة ردّه إلى أصل المصدر. قال ابن كيسان، وهو النحويّ، فكلما قلنا: قال ابن كيسان فإيّاه نعني: يجوز غشوة وغشوة فإن جمعت غشاوة تحذف الهاء قلت: غشاء، وحكى الفراء غشاوى مثل أداوى. وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ رفع بالابتداء. عَظِيمٌ من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>[سورة البقرة (٢): آية ٨]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)\nوَمِنَ النَّاسِ خفض بمن وفتحت النون وأنت تقول. من الناس، لأن قبل النون في «من» كسرة فحرّكوها بأخفّ الحركات في أكثر المواضع ورجعوا إلى الأصل في الأسماء التي فيها ألف الوصل، ويجوز في كل واحد منهما ما جاز في صاحبه و«الناس» اسم يجمع إنسانا وإنسانة والأصل عند سيبويه «٤» أناس. قال الفراء: الأصل الأناس خففت الهمزة ثم أدغمت اللام في النون، قال الكسائي: هما لغتان ليست إحداهما أولى من الأخرى. يدلّ على ذلك أن العرب تصغّر ناسا نويسا ولو كان ذلك الأصل لقالوا: أنيس. وَما هُمْ على المعنى و«هم» اسم «ما» على لغة أهل الحجاز ومبتدأ على لغة بني تميم بِمُؤْمِنِينَ خفض بالباء، وهي توكيد عند البصريين وجواب لمن قال: إنّ زيدا لمنطلق عند الكوفيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>[سورة البقرة (٢): آية ٩]</span>\nيُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩)\nيُخادِعُونَ فعل مستقبل، وكذا وَما يَخْدَعُونَ ولا موضع لها من الإعراب إِلَّا أَنْفُسَهُمْ مفعول. وَما يَشْعُرُونَ مثل الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>[سورة البقرة (٢): آية ١٠]</span>\nفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)\nفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ رفع بالابتداء فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا مفعولان، وبعض أهل الحجاز يميل «فزادهم» ليدلّ على أنه من زدت وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ جمع «أليم» إلام وألماء مثل كريم وكرماء، ويقال: ألآم مثل أشراف. بِما كانُوا «ما» خفض بالباء يَكْذِبُونَ في موضع نصب على خبر كان.\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه (٢)، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٣.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه (٢)، والبحر المحيط ١/ ١٧٧.\n(٣) انظر البحر المحيط ١/ ١٧٧ وهي قراءة الأعمش أيضا.\n(٤) انظر الكتاب ٢/ ١٩٧.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>[سورة البقرة (٢): آية ١١]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)\nوَإِذا في موضع نصب على الظرف. قِيلَ لَهُمْ فعل ماض، ويجوز قِيلَ لَهُمْ بالإدغام. وجاز الجمع بين ساكنين لأن الياء حرف مدّ ولين والأصل: قول ألقيت حركة الواو على القاف فانكسر ما قبل الواو فقلبت ياء. قال الأخفش: ويجوز قيل بضم القاف وبالياء، ومذهب الكسائي إشمام القاف الضّم ليدلّ على أنّه لما لم يسمّ فاعله وهي لغة كثير من قيس، فأما هذيل وبنو دبير «١» من بني أسد وبنو فقعس فيقولون: قول بواو ساكنة «لهم» الهاء والميم خفض باللام «٢» . لا تُفْسِدُوا جزم بلا وعلامة الجزم حذف النون. فِي الْأَرْضِ خفض بفي، وإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على اللام وحذفتها ولم تحذف ألف الوصل لأن الحركة عارضة فقلت: الأرض، وحكى الكسائي أللرض لمّا خفّفت الهمزة فحذفها أبدل منها لاما. قال الفراء: لمّا خفّفت الهمزة تحركت اللام فكره حركتها لأنّ أصلها السكون زاد عليها لاما أخرى ليسلم السكون. قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ابتداء وخبر، و«ما» عند سيبويه «٣» كافّة لأنّ عن العمل، فأما ضمّ «نحن» ففيه أقوال للنحويين قال هشام «٤»: الأصل نحن قلبت حركة الحاء على النون وأسكنت الحاء، وقال محمد بن يزيد: نحن مثل قبل وبعد لأنها متعلقة بالإخبار عن اثنين وأكثر قال أحمد بن يحيى: هي مثل حيت تحتاج إلى شيئين بعدها. قال أبو إسحاق الزجاج «٥»: «نحن» للجماعة ومن علامة الجماعة الواو، والضمة من جنس الواو فلما اضطروا إلى حركة نحن لالتقاء الساكنين حرّكوها بما يكون للجماعة قال: ولهذا ضمّوا واو الجمع في قول أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة: ١٦] وقال عليّ بن سليمان: نحن يكون للمرفوع فحرّكوها بما يشبه الرفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>[سورة البقرة (٢): آية ١٢]</span>\nأَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)\nأَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ كسرت «إنّ» لأنها مبتدأة. قال عليّ بن سليمان: يجوز فتحها كما أجاز سيبويه «٦»: حقا أنّك منطلق بمعنى «ألا» والهاء والميم اسم «إنّ» و«هم» مبتدأ و«المفسدون» خبر المبتدأ، والمبتدأ وخبره خبر «إنّ» ويجوز أن يكون «هم»\n_________\n(١) بنو دبير: بطن من أسد من خزيمة من العدنانية (جمهرة أنساب العرب ١٩٥) .\n(٢) انظر: البحر المحيط ١/ ١٩١.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ١٤٩.\n(٤) هشام بن معاوية الضرير يكنى أبا عبد الله، صاحب الكسائي. (ت ٢٠٩ هـ) ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٣٥٤.\n(٥) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٥١.\n(٦) انظر الكتاب ٣/ ١٤٠.","vol":"1","page":30},{"text":"توكيدا للهاء والميم، ويجوز أن يكون فاصلة والكوفيون يقولون: عماد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>[سورة البقرة (٢): آية ١٣]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا ألف قطع لأنك تقول: يؤمن كَما آمَنَ النَّاسُ الكاف في موضع نصب لأنها نعت لمصدر محذوف أي إيمانا كإيمان الناس. قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ فيه أربعة أقوال أجودها أن تخفّف الهمزة الثانية فتقلبها واوا خالصة وتحقّق الأولى فتقول السّفهاء ولا «١» وهي قراءة أهل المدينة والمعروف من قراءة أبي عمرو، وإن شئت خفّفتهما جميعا فجعلت الأولى بين الهمزة والألف وجعلت الثانية واوا خالصة، وإن شئت خفّفت الأولى وحقّقت الثانية وإن شئت حقّقتها جميعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>[سورة البقرة (٢): آية ١٤]</span>\nوَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤)\nوَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا الأصل لقيوا حذفت الضمّة من الياء لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وقرأ محمد بن السّميفع اليمانيّ وإذا لاقوا الذين آمنوا «٢»، والأصل لاقيوا، فإن قيل: لم ضمّت الواو من «لاقوا» في الإدراج وحذفت من «لقوا»؟ فالجواب أنّ قبل الواو التي في لقوا ضمّة تدلّ عليها فحذفت لالتقاء الساكنين وحرّكت في «لاقوا» لأن قبلها فتحة. الَّذِينَ في موضع نصب بالفعل آمَنُوا داخل في الصلة. قالُوا آمَنَّا جواب إذا. وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ فإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على الواو وحذفتها كما يقرأ أهل المدينة، «شياطينهم» خفض بإلى وهو جمع مكسر فلذلك لم تحذف منه النون بالإضافة، والهاء والميم خفض بالإضافة. قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ الأصل إنّنا حذفت منه لاجتماع النونات «معكم» نصب بالاستقرار ومن أسكن العين جعل «مع» حرفا. إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ مبتدأ وخبر فإن خفّفت الهمزة فسيبويه «٣» يجعلها بين الهمزة والواو وحجّته أنّ حركتها أولى بها، وزعم الأخفش أنه يجعلها ياء محضة فيقول:\nمستهزيون «٤» قال الأخفش: أفعل في هذا كما فعلت في قوله: «السفهاء ولا» قال محمد بن يزيد ليس كما قال الأخفش لأن قوله: «السفهاء الا» لو جئت بها بين بين كنت تنحو بها نحو الألف، والألف لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحا فاضطررت إلى قلبها\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ص ٤٠.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه (٢) .\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٢٤. [.....]\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه (٢) .","vol":"1","page":31},{"text":"واوا وليس كذا مستهزئون، ومن أبدل الهمزة قال: مستهزون وعلى هذا كتبت في المصحف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>[سورة البقرة (٢): آية ١٥]</span>\nاللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)\nاللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ «يستهزئ»: فعل مستقبل في موضع خبر الابتداء، والهاء والميم في موضع خفض بالباء. وَيَمُدُّهُمْ عطف على يستهزئ والهاء والميم في موضع نصب بالفعل فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>[سورة البقرة (٢): آية ١٦]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)\nأُولئِكَ مبتدأ، الَّذِينَ خبر. اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى في صلة الذين وفي ضم الواو أربعة أقوال، قول سيبويه «١»: أنّها ضمّت فرقا بينها وبين الواو الأصلية نحو وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى [الجن: ١٦] وقال الفراء: كان يجب أن يكون قبلها واو مضمومة لأنها واو جمع فلمّا حذفت الواو التي قبلها واحتاجوا إلى حركتها حرّكوها بحركة التي حذفت. قال ابن كيسان: الضمة في الواو أخفّ من غيرها لأنها من جنسها، قال أبو إسحاق «٢»: هي واو جمع حرّكت بالضم كما فعل في نحن، وقرأ ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر «٣» اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ «٤» بكسر الواو وعلى الأصل لالتقاء الساكنين: وروى أبو زيد الأنصاري عن قعنب أبي السّمال «٥» العدويّ أنه قرأ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بفتح الواو «٦» ولخفّة الفتحة وأنّ قبلها مفتوحا، وأجاز الكسائي اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بضم الواو «٧» كما يقال: أُقِّتَتْ [المرسلات: ١١] وأدؤر. قال أبو جعفر:\nوهذا غلط لأن همزة الواو إذا انضمّت إنّما يجوز فيها إذا انضمّت لغير علّة. فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ رفع بربحت. وَما كانُوا مُهْتَدِينَ «٨» نصب على خبر كان، والفراء يقول:\nحال غير مستغنى عنها. قال ابن كيسان: يجوز تجارة وتجاير وضلالة وضلايل.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ١٩٢، وهو قول الخليل.\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٥٢.\n(٣) يحيى بن يعمر أبو سليمان العدواني البصري، تابعي فقيه أديب نحويّ أخذ النحو عن أبي الأسود، (ت ١٢٩ هـ) . ترجمته في (بغية الوعاة ٢/ ٣٤٥، وطبقات الزبيدي ٢١، وغاية النهاية ٢/ ٣٨١) .\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه (٢)، والمحتسب ١/ ٥٤.\n(٥) قعنب بن أبي قعنب أبو السّمّال العدوي البصري، له اختيار في القراءة شاذ عن العامة، انظر غاية النهاية (٢/ ٢٧) .\n(٦) انظر البحر المحيط ١/ ٢٠٤.\n(٧) انظر المحتسب ١/ ٥٥، ومختصر ابن خالويه (٢) .\n(٨) انظر البحر المحيط ١/ ٢٠٧.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>[سورة البقرة (٢): آية ١٧]</span>\nمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧)\nابتداء. كَمَثَلِ الَّذِي خبره والكاف بمعنى مثل والَّذِي خفض بالإضافة.\nاسْتَوْقَدَ نارًا صلته. فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ «ما»: في موضع نصب بمعنى الذي وكذا إن كانت نكرة إلّا أنّ النعت يلزمها إذا كانت نكرة وإن كانت زائدة فلا موضع لها.\nوحَوْلَهُ: ظرف مكان والهاء في موضع خفض بإضافته إليها. ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وأذهب نورهم بمعنى واحد. وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ وقرأ أبو السّمال وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ «١» بإسكان اللام حذف الضمة لثقلها، ومن أثبتها فللفرق بين الاسم والنعت، ويقال:\n«ظلمات» بفتح اللام. قال البصريون: أبدل من الضمة فتحة لأنّها أخفّ، وقال الكسائي: ظلمات جمع الجمع جمع ظلم: لا يُبْصِرُونَ فعل مستقبل في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>[سورة البقرة (٢): آية ١٨]</span>\nصُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)\nعلى إضمار مبتدأ أي هم صمّ: بُكْمٌ عُمْيٌ وفي قراءة عبد الله «٢» وحفصة «٣» صمّا بكما عميا «٤» لأنّ المعنى وتركهم غير مبصرين صما بكما عميا، ويكون أيضا بمعنى أعني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>[سورة البقرة (٢): آية ١٩]</span>\nأَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩)\nالأصل عند البصريين «٥» صيوب ثم أدغم مثل ميّت، وعند الكوفيين الأصل صويب ثم أدغم ولو كان كما قالوا لما جاز إدغامه كما لا يجوز إدغام طويل. وجمع صيّب صيايب والتقدير في العربية: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا أو كمثل صيب. فِيهِ ظُلُماتٌ ابتداء. وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ معطوف عليه. يَجْعَلُونَ مستأنف وإن شئت كان حالا من الهاء التي في «فيه» فإن قيل: كيف يكون حالا ولم يعد على الهاء شيء؟ فالجواب أنّ\n_________\n(١) انظر المحتسب ١/ ٥٦، ومختصر ابن خالويه (٢) .\n(٢) عبد الله بن مسعود بن الحارث الهذلي، أحد السابقين للإسلام والبدريين، عرض القرآن على النبي ﷺ (ت ٣٢ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٤٥٨.\n(٣) حفصة بنت عمر بن الخطاب، جليلة، من أزواج الرسول ﷺ. روى لها البخاري ومسلم في الصحيحين (ت ٤٥ هـ) . ترجمتها في الإصابة تر (٢٩٦) ج ٤/ ٢٧٣.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه (٢)، ومعاني الفراء ١/ ٦.\n(٥) انظر الإنصاف مسألة ١١٥، والبحر المحيط ١/ ٢١٨. [.....]","vol":"1","page":33},{"text":"التقدير في صواعقه مثل يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج: ٢٠] . أَصابِعَهُمْ في واحد الأصابع خمس لغات يقال: إصبع بكسر الهمزة وفتح الباء، ويقال إصبع بفتح الهمزة وكسر الباء، ويقال: بفتحهما جميعا وبكسرهما جميعا وبضمّهما جميعا. وهي مؤنّثة وكذلك الأذن. وروي عن الحسن أنه قرأ من الصّواقع «١» وهي لغة تميم وبعض ربيعة. حَذَرَ الْمَوْتِ ويقال: حذار قال سيبويه «٢»: هو منصوب لأنه موقوع له أي مفعول من أجله وحقيقته أنه مصدر، وأنشد سيبويه: [الطويل] ٨-\nوأغفر عوراء الكريم ادّخاره ... وأعرض عن شتم اللّئيم تكرّما «٣»\nوَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ابتداء وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠]</span>\nيَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)\nيَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ويجوز في غير القرآن يكاد أن يفعل كما قال: [الرجز] ٩-\nقد كاد من طول البلى أن يمصحا «٤»\nوفي «يخطف» سبعة أوجه القراءة الفصيحة يَخْطَفُ، وقرأ عليّ بن الحسين ويحيى بن وثّاب يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ «٥» بكسر الطاء قال سعيد الأخفش:\nهي لغة. وقرأ الحسن «٦» وقتادة «٧» وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي «٨» يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ بفتح الياء وكسر الخاء والطاء، وروي عن الحسن أنّه قرأ بفتح الخاء.\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٣.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٤٣٥، والبحر المحيط ١/ ٢٢٣.\n(٣) الشاهد لحاتم الطائي في ديوانه ص ٢٢٤، والكتاب ١/ ٤٣٥، وخزانة الأدب ٣/ ١٢٣، وشراح أبيات سيبويه ١/ ٤٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٥٢، وشرح المفصل ٢/ ٥٤، واللمع ص ١٤١، والمقاصد النحوية ٣/ ٧٥ ونوادر أبي زيد ص ١١٠، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ١٨٧، وخزانة الأدب ٣/ ١١٥، وشرح ابن عقيل ص ٢٩٦، والمقتضب ٢/ ٣٤٨.\n(٤) الشاهد لرؤبة في ملحق ديوانه ص ١٧٢، والدرر ٢/ ١٤٢، وشرح شواهد الإيضاح ص ٩٩، وشرح المفصّل ٧/ ١٢١، وبلا نسبة في أدب الكاتب ٤١٩، وأسرار العربية ص ٥، وتخليص الشواهد ص ٣٢٩، والمقتضب ٣/ ٧ وهمع الهوامع ١/ ١٣٠، وديوان الأدب ٢/ ١٩٨.\n(٥) انظر مختصر ابن خالويه ٣، والبحر المحيط ١/ ٢٢٧، وهي قراءة مجاهد أيضا.\n(٦) قراءة الحسن في البحر المحيط ١/ ٢٢٧.\n(٧) قتادة: ابن دعامة السدوسي، أحد الأئمة في حروف القرآن، (ت ١١٧ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٢٥.\n(٨) أبو رجاء العطاردي: عمران بن تيم البصري التابعي، أسلم في حياة الرسول وعرض القرآن على ابن عباس (ت ١٠٥ هـ) . ترجمته في (غاية النهاية ١/ ٦٠٤) .","vol":"1","page":34},{"text":"قال الفراء «١»: وقرأ بعض أهل المدينة بتسكين الخاء وتشديد الطاء، وقال الكسائي والأخفش والفراء: يجوز يَخْطَفُ بكسر الياء والخاء والطاء، فهذه ستة أوجه موافقة للسواد، والسابع حكاه عبد الوارث قال: رأيت في مصحف أبيّ «٢» يكاد البرق يتخطّف أبصارهم زعم سيبويه والكسائي أنّ من قرأ يَخْطَفُ بكسر الخاء والطاء فالأصل عنده «يختطف» ثم أدغم التاء في الطاء فالتقى ساكنان وكسر الخاء لالتقاء الساكنين. قال سيبويه «٣»: ومن فتحها ألقى حركة التاء عليها، قال الفراء «٤»: هذا خطأ ويلزم من قاله أن يقول في يمدّ: يمدّ لأن الميم كانت ساكنة وأسكنت الدال بعدها وفي يعضّ يعضّ، قال الفراء «٥»: وإنما الكسر لأن الألف في «اختطف» مكسورة. قال أبو جعفر: قال أصحاب سيبويه «٦»: الذي قال الفراء لا يلزم لأنه لو قيل: يمدّ ويعضّ لأشكل بيفعل، ويفتعل لا يكون إلّا على جهة واحدة. قال الكسائي: من قال: يخطف كسر الياء لأن الألف في اختطف مكسورة. فأما ما حكاه الفراء «٧» عن أهل المدينة من إسكان الخاء والإدغام فلا يعرف ولا يجوز لأنه جمع بين ساكنين. كُلَّما:\nمنصوب لأنه ظرف وإذا كانت كلّما بمعنى إذا فهي موصولة. قال الفراء: يقال: أضاءك وضاءك ويجوز «لذهب بسمعهم» مدغما. وَأَبْصارِهِمْ عطف عليه إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اسم إنّ وخبرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>[سورة البقرة (٢): آية ٢١]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ ... يا أَيُّهَا يا: حرف النداء، وأيّ: نداء مفرد ضمّ لأنه في موضع المكنيّ، وكان يجب أن لا يعرب فكرهوا أن يخلوه من حركة لأنه قد كان متمكنا فاختاروا له الضمة لأن الفتحة تلحق المعرب في النداء والكسرة تلحق المضاف إليه، وأجاز أبو عثمان المازني «يا أيّها الناس»: على الموضع كما يقال: يا زيد الظّريف. وزعم الأخفش أن «الناس» في صلة أيّ و«هاء» للتنبيه إلا أنّها لا تفارق أيّا لأنها عوض من الإضافة. ولغة بعض بني مالك «٨» من بني أسد «يا أيه الرجل» بضم\n_________\n(١) انظر مختصر في شواذ القرآن ٣، ومعاني القرآن للفراء ١: ١٨.\n(٢) أبيّ بن كعب: من الخزرج، صحابي أنصاري، كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود، ولما أسلم كان من كتّاب الوحي، شهد بدرا وأحدا والخندق مع رسول الله ﷺ. اشترك في جمع القرآن بتكليف من عثمان بن عفّان، وله في الصحيحين وغيرهما (١٦٤ حديثا) (ت ٢١ هـ/ ٦٤٢ م) . ترجمته في (طبقات ابن سعد ٣، وغاية النهاية ١/ ٣١، وصفة الصفوة ١/ ١٨٨، وحلية الأولياء ١/ ٢٥٠) .\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ١٠.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ١٨.\n(٥) انظر الكتاب ٣/ ١٠.\n(٦) أصحاب سيبويه: هم تلاميذه وأشهرهم الأخفش سعيد بن مسعدة، وقطرب محمد بن المستنير. [.....]\n(٧) انظر معاني الفراء ١/ ١٨.\n(٨) انظر البحر المحيط ١/ ٢٣١.","vol":"1","page":35},{"text":"الهاء لما كانت الهاء لازمة حركتها حرّكها بحركة أيّ النَّاسُ تابع لأيّ كالنعت كما ينعت، لا يجوز نصبه عند أبي العباس لأنه لا يستغنى عنه فصار كما تقول: يا ناس، اعْبُدُوا ألف وصل لأنه من يعبد وضممتها والأصل الكسر لئلا تجمع بين كسرة وضمة. قال سيبويه «١»: ليس في الكلام «فعل» وحذف النون للجزم عند الكوفيين ولأنه لم يضارع عند البصريين، رَبَّكُمُ نصب باعبدوا. الَّذِي نعت له. خَلَقَكُمْ في الصلة والكاف والميم نصب بالفعل. وَالَّذِينَ عطف على الكاف والميم. مِنْ قَبْلِكُمْ في الصلة. لَعَلَّكُمْ الكاف والميم اسم لعلّ. تَتَّقُونَ فعل مستقبل علامة رفعه النون وهو في موضع خبر لعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢]</span>\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا ... الَّذِي: نعت لربكم وإن شئت كان نعتا للذي خلقكم، وصلح أن يقال نعت للنعت لأن النعت هو المنعوت في المعنى، ويجوز أن يكون منصوبا بتتقون، ويجوز أن يكون بمعنى أعني، وأن يكون في موضع رفع على أنه خبر ابتداء محذوف ويجوز «جعل لكم» «٢» مدغما لأن الحرفين مثلان قد كثرت الحركات، وترك الإدغام أجود لأنها من كلمتين. الْأَرْضَ فِراشًا مفعولان لجعل.\nوَالسَّماءَ بِناءً عطف، والسماء تكون جمعا لسماوة وسماءة، وتكون واحدة مؤنّثة مثل عناق وتذكيرها شاذّ، وجمعها سماوات وسماءات وأسم وسمايا، وَالسَّماءَ: المطر، مذكّر، وكذلك السقف في المستعمل، وجمعها أسمية وسميّ وسميّ «٣» . «وبناء» يقصر على أنه جمع بنية ومصدر، ويقال: بنيّ جمع بنية وفي الممدود في الوقف خمس لغات: أجودها و«السماء بناء» بهمزة بين ألفين ويجوز تخفيف الهمزة حتى تضعف، ويجوز حذفها لقربها من الساكن وهي بين ساكنين فإذا حذفتها حذفت الألف بعدها فقلت: «بنا» لفظه كلفظ المقصور، ومن العرب من يزيد بعده في صورته مدّة، ومنهم من يعوض من الهمزة ياء فيقول: بنيت بنايا، والبصريون يقولون: هو مشبّه بخطايا، والفراء يقول: ردت الهمزة إلى أصلها لأن أصلها الياء. وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً والأصل في ماء موه قلبت الواو ألفا لتحرّكها وتحرّك ما قبلها فقلت: ماه، فالتقى حرفان خفيّان فأبدلت من الهاء همزة لأنها أجلد وهي بالألف أشبه فقلت: ماء فالألف الأولى عين الفعل وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء وبعد الهمزة ألف بدل من التنوين. قال أبو\n_________\n(١) الكتاب: ٤/ ٣٦٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٢٣٧.\n(٣) اللسان (سما) .","vol":"1","page":36},{"text":"الحس عليّ: لا يجوز أن يكتب إلا بألفين عند البصريين وإن شئت بثلاث فإذا جمعوا أو صغّروا ردّوا إلى الأصل فقالوا: مويه وأمواه ومياه مثل: أجمال وجمال. فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ جمع ثمرة ويقال: ثمر مثل شجر، ويقال: ثمر مثل خشب، ويقال ثمر مثل بدن وثمار مثل إكام. رِزْقًا لَكُمْ مفعول. فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا «تجعلوا» جزم بالنهي فلذلك حذفت منه النون «أندادا» مفعول أول و«لله» في موضع الثاني. وَأَنْتُمْ مبتدأ. تَعْلَمُونَ فعل مستقبل في موضع الخبر والجملة في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣]</span>\nوَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣)\nوَإِنْ كُنْتُمْ في موضع جزم بالشرط. فِي رَيْبٍ خفض بفي مِمَّا نَزَّلْنا «ما» خفض بمن والعائد عليها محذوف لطول الاسم أي ما نزّلناه. عَلى عَبْدِنا خفض بعلى.\nفَأْتُوا جواب الشرط، وإن شئت قلت مجازاة. قال ابن كيسان: قصرت فأتوا لأنه من باب المجيء، وحكى الفراء في قراءته فتوا فيجوز فتوا. بِسُورَةٍ خفض الباء. مِنْ مِثْلِهِ خفض بمن. وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ نصب بالفعل، جمع شهيد. يقال: شاهد وشهيد مثل قادر وقدير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤]</span>\nفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)\nفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا يقال: كيف دخلت «إن» على «لم» ولا يدخل عامل على عامل؟\nفالجواب أنّ «إن» هنا غير عاملة في اللفظ فدخلت على «لم» كما تدخل على الماضي لأنها لا تعمل في لم كما لا تعمل في الماضي فمعنى «إن لم تفعلوا» إن تركتم الفعل.\nقال الأخفش سعيد: إنّما جزموا بلم لأنها نفي فأشبهت «لا» في قولك: لا رجل في الدار، فحذفت بها الحركة كما حذفت التنوين من الأسماء، وقال غيره: جزمت بها لأنها أشبهت إن التي للشرط لأنها تردّ المستقبل إلى الماضي كما تردّ «إن» فتحتاج إلى جواب فأشبهت الابتداء، والابتداء يلحق به الأسماء الرفع وهو أولى بالأسماء فكذا حذف مع «إن» لأن أولى ما للأفعال السكون. وَلَنْ تَفْعَلُوا نصب بلن وعلامة نصبه حذف النون، واستوى النصب والجزم في الأفعال لأنهما فرعان وهما بمنزلة النصب والخفض في الأسماء وحكي عن الخليل ﵀: أن أصل «لن» «لا» . وإن ردّ عليه هذا سيبويه وقال: لو كان كذا لما جاز: زيدا لن أضرب «١» . قال أبو عبيدة «٢»: من\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ١٩٠.\n(٢) أبو عبيدة: معمر بن المثنى التيمي، من اللغويين البصريين (ت ٢١٠ هـ) . ترجمته في طبقات الزبيدي ١٩٢، ونزهة الألباء ٨٤.","vol":"1","page":37},{"text":"العرب من يجزم بلن كما يجزم بلم. فَاتَّقُوا النَّارَ جواب الشرط في الفاء وما بعدها ولغة تميم وأسد «فتقوا النّار»، وحكي سيبويه «١»: تقى يتقي، النَّارَ مفعوله. الَّتِي من نعتها. وَقُودُهَا مبتدأ. النَّاسُ خبر وَالْحِجارَةُ عطف عليهم. أُعِدَّتْ فعل ماض والتاء علامة التأنيث أسكنت عند البصريين لأنها حرف جاء لمعنى، وعند الكوفيين أنك لمّا ضممت تاء المخاطب وفتحت تاء المخاطب المذكر وكسرت تاء المؤنث وبقيت هذه التاء كان ترك العلامة لها علامة، واسم ما لم يسمّ فاعله مضمر في أعدّت. لِلْكافِرِينَ خفض باللام الزائدة، وقرأ الحسن ومجاهد «٢» وطلحة بن مصرّف «٣» الَّتِي وَقُودُهَا «٤»، بضمّ الواو. وقال الكسائي والأخفش سعيد: الوقود بفتح الواو الحطب والوقود بضمها الفعل، قال أبو جعفر يجب على هذا أن لا يقرأ إلّا وقودها بفتح الواو لأنّ المعنى حطبها. إلا أنّ الأخفش قال: وحكي أنّ بعض العرب يجعل الوقود والوقود جميعا بمعنى الحطب والمصدر، وذهب إلى أن الأول أكثر قال:\nكما أنّ الوضوء الماء والوضوء المصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥]</span>\nوَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)\nأَنَّ: في موضع نصب والمعنى بأن لهم. قال الكسائي وجماعة من البصريين:\n«أنّ» في موضع خفض بإضمار الباء. جَنَّاتٍ في موضع نصب اسم أنّ وكسرت التاء عند البصريين لأنه جمع مسلّم فوجب أن يستوي خفضه ونصبه كما كان في المذكر جائزا. تَجْرِي في موضع نصب نعت للجنات، ومرفوع لأنه فعل مستقبل، وحذفت الضمة من الياء لثقلها معها. الْأَنْهارُ مرفوع بتجري. كُلَّما ظرف. قالُوا هذَا مبتدأ. والَّذِينَ خبره، ويجوز أن يكون هذا هو الذي. رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ غاية «٥» مبني على الضمّ لأنه قد حذف منه، وهو ظرف يدخله النصب والخفض في حال سلامته فلما اعتلّ بالحذف أعطي حركة لم تكن تلحقه، وقيل: أعطي الضمة لأنها غاية الحركات وَأُتُوا بِهِ فعلوا من أتيت مُتَشابِهًا على الحال. أَزْواجٌ مرفوع بالابتداء.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٢٢٩، والبحر المحيط ١/ ٢٤٩.\n(٢) مجاهد بن جبر مولى عبد الله بن السائب القارئ الفقيه الزاهد روى عن ابن عباس (ت ١٠٢ هـ) .\nترجمته في غاية النهاية ٢/ ٤١.\n(٣) طلحة بن مصرف بن عمر الكوفي، تابعي، له اختيار في القراءة ينسب إليه، أخذ القراءة عرضا عن إبراهيم بن يزيد النخعي والأعمش (ت ١١٢ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٤٣.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٤، وانظر البحر المحيط ١/ ٢٤٩.\n(٥) انظر الكتاب ٣/ ٣١٧.","vol":"1","page":38},{"text":"مُطَهَّرَةٌ نعت وواحد الأزواج زوج. قال الأصمعي، ولا تكاد العرب تقول: زوجة.\nقال أبو جعفر «١»: حكى الفراء أنه يقال: زوجة وأنشد: [الطويل] ١٠-\nإنّ الذي يمشي يحرش زوجتي ... كماش إلى أسد الشّرى يستبيلها «٢»\nوَهُمْ مبتدأ، خالِدُونَ خبره والظرف ملغى، ويجوز في غير القرآن نصب خالدين على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦)\nإِنَّ اللَّهَ اسم «إنّ» والجملة الخبر. لغة تميم وبكر بن وائل. لا يستحى بياء واحدة وهكذا قرأ ابن كثير وابن محيصن وشبل «٣» وفيه قولان: قال الخليل:\nأسكنت الياء الأولى كما سكنت في «باع» وسكنت الثانية لأنها لام الفعل، قال سيبويه «٤» وقال غيره: لمّا كسر وكانتا ياءين حذفوها وألقوا حركتها على الحاء. قال أبو جعفر: شرح قول الخليل أنّ الأصل استحيا فأعلّه من جهتين أعلّ الياء الأولى كما يقال: استباع، وأعلّ الثانية كما يقال: يرمي فحذف الأولى لئلا يلتقي ساكنان، وهذا بعيد جدا لأنهم يجتنبون الإعلال من جهتين. والقول الآخر هو قول سيبويه سمعت أبا إسحاق يقول: إذا قال سيبويه بعد قول الخليل: وقال غيره فإنما يعني نفسه ولا يسمّي نفسه بعد الخليل إجلالا منه له، وشرح قول سيبويه أنّ الأصل: استحيا كثر استعمالهم إيّاه فحذفوا الياء الأولى وألقوا حركتها على الحاء فأشبه افتعل نحو اقتضى فصرفوه تصريفه فقالوا: استحى يستحي. أَنْ يَضْرِبَ في موضع نصب أي من أن يضرب.\nمَثَلًا منصوب بيضرب. ما بَعُوضَةً في نصبها ثلاثة أوجه: تكون «ما» زائدة و«بعوضة» بدلا من مثل، ويجوز أن تكون «ما» في موضع نصب نكرة و«بعوضة» نعتا لما، وصلح أن تكون نعتا لأنها بمعنى قليل، والوجه الثالث قول الكسائي والفراء «٥» قالا: التقدير: أن يضرب مثلا ما بين بعوضة حذفت «بين» وأعربت بعوضة بإعرابها\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ١/ ٢٥١.\n(٢) الشاهد للفرزدق في ديوانه ٦١، ولسان العرب (زوج) و(بول)، وإصلاح المنطق ٣٣١، وبلا نسبة في ديوان الأدب ٣/ ٣٠٨ والمذكّر والمؤنث للأنباري ص ٣٧٥، والمذكر والمؤنث للفراء ص ٩٥، وفي الديوان:\n«وإنّ الذي يسعى ليفسد زوجتي» [.....]\n(٣) شبل بن عياد أبو داود المكي، مقرئ مكة، ثقة، هو أجلّ أصحاب ابن كثير (ت ١٦٠ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٢٣.\n(٤) انظر الكتاب ٤/ ٥٤٠.\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٢٢.","vol":"1","page":39},{"text":"والفاء بمعنى «إلى» أي إلى ما فوقها، ومعنى ضربت له مثلا مثّلت له مثلا وهذه الأبنية على ضرب واحد أي على مثال واحد فَما فَوْقَها عطف على «ما» الأولى، وحكي أنه سمع رؤبة يقرأ إنّ الله لا يستحي أن يضرب مثلا مّا بعوضة «١» بالرفع وهذه لغة تميم، جعل «ما» بمعنى الذي ورفع بعوضة على إضمار ابتداء والحذف في «ما» أقبح منه في الذي لأن الذي إنّما له وجه واحد والاسم معه أطول. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا «الذين»:\nرفع بالابتداء وخبره ما بعد الفاء فلا بدّ من الفاء في جواب أَمَّا لأن فيها معنى الشرط أي مهما يكن من شيء فالأمر كذا. فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ «أنّ» في موضع نصب بيعلمون والهاء اسمها والحق خبرها. مِنْ رَبِّهِمْ خفض بمن. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ولغة تميم وبني عامر «أيما» يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] ١١-\nرأت رجلا أيما إذا الشّمس عارضت ... فيضحى وأيما بالعشيّ فيخصر «٢»\nفَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا إن شئت جعلت «ما» و«ذا» شيئا واحدا في موضع نصب بأراد. قال ابن كيسان: وهو أجود وإن شئت جعلت «ما» اسما تاما في موضع رفع بالابتداء و«ذا» بمعنى الذي هو خبر الابتداء، ويكون التقدير: ما الذي أراد الله بهذا مثلا. قال أحمد بن يحيى ثعلب: «مثلا» منصوب على القطع وقال ابن كيسان: هو منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال. يُضِلُّ فعل مستقبل.\nكَثِيرًا مفعول به. وَيَهْدِي أسكنت الياء فيه استثقالا للجمع بينها وبين ياء وكسرة. وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ بوقوع الفعل عليهم، والتقدير وما يضلّ به أحدا إلّا الفاسقين، ولا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لأن الاستثناء لا يكون إلّا بعد تمام الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧]</span>\nالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)\nالَّذِينَ: في موضع نصب على النعت للفاسقين وإن شئت جعلته في موضع رفع على أنه خبر ابتداء محذوف أي هم الذين. يَنْقُضُونَ فعل مستقبل والمضمر الذي فيه\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٤، والبحر المحيط ١/ ٢٦٦.\n(٢) الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص ٩٤، والأزهية ص ١٤٨، والأغاني ١/ ٨١، وخزانة الأدب ٥/ ٣١٥، والدرر ٥/ ١٠٨، وشرح شواهد المغني ص ١٧٤، والمحتسب ١/ ٢٨٤، ومغني اللبيب ١/ ٥٥، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص ١٢٠، والجنى الداني ص ٥٢٧، ورصف المباني ص ٩٩، وشرح الأشموني ٣/ ٦٠٨، وهمع الهوامع ٢/ ٦٧.","vol":"1","page":40},{"text":"يعود على الذين. عَهْدَ اللَّهِ مفعول به. مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ خفضت بعدا بمن وميثاقه بعد إليه وهو بمعنى: إيثاقه. قال ابن كيسان: هو اسم يؤدي عن المصدر كما قال القطاميّ: [الوافر] ١٢-\nأكفرا بعد ردّ الموت عنّي ... وبعد عطائك المائة الرّتاعا «١»\nوَيَقْطَعُونَ عطف على ينقضون. ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ «ما» في موضع نصب بيقطعون. والمصدر قطيعة وقطعت الحبل قطعا وقطعت النهر قطوعا وقطعت الطّير قطاعا وقطاعا. إذا خرجت من بلد إلى بلد، وأصاب الناس قطعة إذا قلّت مياههم ورجل به قطع أي انبهار. وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ عطف على يقطعون. أُولئِكَ مبتدأ.\nهُمُ ابتداء ثان. الْخاسِرُونَ خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول، إن شئت كانت هم زائدة والخاسرون الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨]</span>\nكَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)\nكَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ... كَيْفَ اسم في موضع نصب وهي مبنية على الفتح، وكان سبيلها أن تكون ساكنة لأن فيها موضع الاستفهام فأشبهت الحروف واختير لها الفتح من أجل الياء. تَكْفُرُونَ فعل مستقبل بِاللَّهِ خفض بالباء. وَكُنْتُمْ أَمْواتًا التقدير وقد كنتم أمواتا ثم حذفت قد. أَمْواتًا خبر كنتم فَأَحْياكُمْ الكاف والميم في موضع نصب بالفعل وكذا. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فعل مستقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>[سورة البقرة (٢): آية ٢٩]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)\nهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ابتداء وخبر. ما في موضع نصب. جَمِيعًا عند سيبويه»\nنصب على الحال. ثُمَّ اسْتَوى أهل الحجاز يفخّمون وأهل نجد يميلون ليدلّوا على أنه من ذوات الياء. إِلَى السَّماءِ خفض بإلى. فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ قال محمد بن الوليد: سبع منصوب على أنه بدل من الهاء والنون أي فسوّى سبع سموات، قال أبو جعفر: يجوز عندي أن يكون فسوّى منهن كما قال جلّ وعزّ: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ\n_________\n(١) الشاهد للقطامي في ديوانه ٣٧، وتذكرة النحاة ٤٥٦، وخزانة الأدب ٨/ ١٣٦، وشرح التصريح ٢/ ٦٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٤٩، وشرح عمدة الحافظ ٦٩٥، ومعاهد التنصيص ١/ ١٧٩، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٠٥، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٤١١، وأوضح المسالك ٣/ ٢١١، والدرر ٥/ ٢٦٢، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣٦، وشرح شذور الذهب ٥٢٨ وشرح ابن عقيل ٤١٤.\n(٢) انظر الكتاب: ١/ ٤٤٥، والبحر المحيط ١/ ٢٨٢.","vol":"1","page":41},{"text":"[الأعراف: ١٥٥] أي من قومه. وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ مبتدأ وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>[سورة البقرة (٢): آية ٣٠]</span>\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠)\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ قال أبو عبيدة «١»: إِذْ اسم، وهو ظرف زمان ليس مما يزاد. قال أبو إسحاق «٢» ذكر الله ﷿ خلق الناس وغيرهم فالتقدير: ابتدأ خلقهم «إذ قال ربّك» . لِلْمَلائِكَةِ خفض باللّام والهاء لتأنيث الجماعة. إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ الياء في موضع نصب جاعل خبر إنّ. والأصل إنني حذفت النون لاجتماع نونين فِي الْأَرْضِ خفض بفي. خَلِيفَةً نصب بجاعل، ولا يجوز حذف التنوين للفصل ولو وليه المفعول لجاز حذف التنوين. «خليفة» يكون بمعنى فاعل أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض أو من كان قبله من غير الملائكة كما روي ويجوز أن يكون «خليفة» بمعنى مفعول أي يخلف كما يقال ذبيحة بمعنى مفعولة. قالُوا أَتَجْعَلُ فقل مستقبل. فِيها مَنْ يُفْسِدُ في موضع نصب بتجعل والمفعول الثاني يقوم مقامه «فيها» «يفسد» على اللفظ، ويجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى.\nوَيَسْفِكُ «٣» عطف عليه، وروي عن الأعرج وَيَسْفِكُ الدِّماءَ «٤» بالنصب يجعله جواب الاستفهام بالواو. وواحد الدماء دم ولا يكون اسم على حرفين إلا وقد حذف منه والمحذوف منه ياء وقد نطق به على الأصل قال الشاعر: [الوافر] ١٣-\nفلو أنّا على حجر ذبحنا ... جرى الدّميان بالخبر اليقين «٥»\nوَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ لا يجوز إدغام النون في النون لئلّا يلتقي ساكنان. قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ من حرّك الياء فقال «إنّي اعلم ما» كره أن يكون اسم على حرف واحد ساكنا، ومن أسكنها قال: قد اتّصلت بما قبلها (أعلم) فعل مستقبل، ويجوز أن يكون\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن ١/ ٣٦، والبحر المحيط ١/ ٢٨٤.\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٠.\n(٣) هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ١/ ٢٩٠.\n(٤) هذه قراءة ابن هرمز، انظر البحر المحيط ١/ ٢٩٠.\n(٥) الشاهد للمثقّب العبدي في ملحق ديوانه ص ٢٨٣، والأزهية ١٤١، والمقاصد النحوية ١/ ١٩٢، ولعلي بن بدال في أمالي الزجاجي ص ٢٠ وخزانة الأدب ١/ ٢٦٧، وشرح شواهد الشافية ص ١١٢، وللمثقب أو لعلي بن بدال في خزانة الأدب ٧/ ٤٨٢، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٣٥٧، وجمهرة اللغة ص ٢٨٦، ورصف المباني ص ٢٤٢، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٣٩٥، وشرح الأشموني ٣/ ٦٦٩، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٦٤، وشرح شواهد الإيضاح ص ٢٨١، وشرح المفصل ٤/ ١٥١، والمقتضب ١/ ٢٣١، والمقرّب ٢/ ٤٤.","vol":"1","page":42},{"text":"اسما بمعنى فاعل كما يقال: الله أكبر بمعنى كبير، وكما قال: [الطويل] ١٤-\nلعمرك ما أدري وإنّي لأوجل ... على أيّنا تغدو المنيّة أوّل «١»\nويجوز إدغام الميم في الميم، و«ما» في موضع نصب بأعلم إذا جعلته فعلا وإن جعلته اسما جاز أن يكون «ما» في موضع خفض بالإضافة وفي موضع نصب وتحذف التنوين لأنه لا ينصرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>[سورة البقرة (٢): آية ٣١]</span>\nوَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١)\nوَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها آدَمَ والْأَسْماءَ مفعولان لعلّم. وآدم لا ينصرف في المعرفة بإجماع النحويين لأنه على أفعل وهو معرفة، ولا يمتنع شيء من الصرف عند البصريين إلّا بعلّتين فإن نكّرت آدم وليس بنعت لم يصرفه الخليل وسيبويه «٢» وصرفه الأخفش سعيد لأنه إنّما منعه من الصرف لأنه كان نعتا وهو على وزن الفعل فإذا لم يكن نعتا صرفه. قال أبو إسحاق «٣»: القول قول سيبويه لا يفرق بين النعت وغيره لأنه هو ذاك بعينه، وجمع آدم إذا كان صفة أدم فإن لم يكن نعتا فجمعه آدمون وأوادم وهكذا الباب كله. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا «عرضهم» في الكتاب الذي قبل هذا.\nفَقالَ أَنْبِئُونِي ألف قطع لأنها من أنبأ ينبئ فإن خفّفت الهمزة قلت أنبئوني بين بين فإن جعلتها مبدلة قلت أنبوني مثل أعطوني. بِأَسْماءِ هؤُلاءِ «بأسماء»: مخفوض بالباء و«هؤلاء» في موضع مخفوض بالإضافة إلّا أنه مبني على الكسر لالتقاء الساكنين وهو مبني مثل هذا وفيه وجوه إذا مددته وإن شئت خفّفت الهمزة الثانية وحققت الأولى.\nوهو أجود الوجوه عند الخليل وسيبويه. وهي قراءة نافع فقلت هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ولا يجوز غير هذا في قول من خفّف الثانية، والدليل على هذا أنّهم أجمعوا على القراءة في قوله جلّ وعزّ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٢] على وجه واحد عن نافع ولا فرق بينهما، وإن شئت خفّفت الأولى وحقّقت الثانية فقلت: هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ، وإن شئت حقّقتهما جميعا فقلت «هؤلاء ان»، وإن شئت خفّفتهما، وإن شئت\n_________\n(١) الشاهد لمعن بن أوس في ديوانه ص ٣٩، وخزانة الأدب ٨/ ٢٤٤، وشرح التصريح ٢/ ٥١، ولسان العرب (كبر) و(وجل)، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٩٣، وتاج العروس (وجل)، بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ١٤٠، وأوضح المسالك: ١٦١، وجمهرة اللغة ص ٤٩٣، وخزانة الأدب ٦/ ٥٠٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٢، وشرح شذور الذهب ١٣٣، وشرح قطر الندى ص ٢٣، وشرح المفصل ٤/ ٨٧، والمقتضب ٣/ ٢٤٦، والمنصف ٣/ ١٣٥.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٢١٧، والبحر المحيط ١/ ٢٩٥. [.....]\n(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٧٧.","vol":"1","page":43},{"text":"خفّفت «١» الأولى فقلت «هؤلاء إن كنتم صادقين» وهو مذهب أبي عمرو بن العلاء في الهمزتين إذا اتفقتا. وتميم وبعض أسد وقيس يقصرون «هؤلا» فعلى لغتهم «هاؤلا إن كنتم» وقال الأعشى: [الخفيف] ١٥-\nهؤلا ثمّ هؤلا كلّا أعطيت ... نعالا محذوّة بمثال «٢»\nومن العرب من يقول: «هؤلا» فيحذف الألف والهمزة، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:\n«كنتم» في موضع جزم بالشرط وما قبله في موضع جوابه عند سيبويه «٣»، وعند أبي العباس الجواب محذوف، والمعنى إن كنتم صادقين فأنبئوني. قال أبو عبيد: وزعم بعض المفسرين أنّ «إن» بمعنى «إذ»، وهذا خطأ إنما هي «أن» المفتوحة التي تكون بمعنى «إذ» فأمّا هذه فهي بمعنى الشرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>[سورة البقرة (٢): آية ٣٢]</span>\nقالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)\nقالُوا سُبْحانَكَ منصوب على المصدر عند الخليل. وسيبويه «٤»، يؤدي عن معنى نسبّحك سبحانك تسبيحا، وقال الكسائي: هو منصوب لأنه لم يوصف قال: ويكون منصوبا على أنه نداء مضاف. لا عِلْمَ لَنا مثل «لا ريب فيه» ويجوز لا عِلْمَ لَنا يجعل «لا» بمعنى ليس المعنى ليس. إِلَّا ما عَلَّمْتَنا «ما» في موضع رفع كما تقول «لا إلاه إلّا الله» وخبر التبرية كخبر الابتداء، ويجوز النصب إذا تمّ الكلام على أصل الاستثناء. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ «أنت» في موضع نصب توكيدا للكاف. وإن شئت كانت رفعا بالابتداء، والعليم: خبره، والجملة خبر إنّ، وإن شئت كانت فاصلة لا موضع لها، والكوفيون يقولون عماد الألف واللام في موضع رفع. الْحَكِيمُ من نعت العليم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>[سورة البقرة (٢): آية ٣٣]</span>\nقالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)\nقالَ يا آدَمُ نداء مفرد. أَنْبِئْهُمْ «٥»: حذفت الضمة من الهمزة لأنه أمر وإن خفّفت الهمزة قلت: أنبيهم كما قلت: ذيب وبير وإن أبدلت منها قلت: أنبهم كما قال زهير: [الطويل]\n_________\n(١) انظر تيسير القراءات للداني ص ٦٢.\n(٢) البيت للأعشى في ديوانه ص ٦١، وشرح المفصّل ٣/ ١٣٧، والمقتضب ٤/ ٢٧٨.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٧٨، والبحر المحيط ١/ ٢٩٦.\n(٤) انظر الكتاب ١/ ٤١٣.\n(٥) انظر البحر المحيط ١/ ٢٩٨.","vol":"1","page":44},{"text":"١٦-\nجريء متى يظلم يعاقب بظلمه ... سريعا وإن لا يبد بالظّلم يظلم «١»\nبِأَسْمائِهِمْ خفض بالباء. فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ وإن خففت جعلتها بين الهمزة والألف، وإن أبدلت قلت «أنباهم» بألف خالصة. قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ الأصل: أقول ألقيت حركة الواو على القاف فانضمّت القاف وحذفت الواو لسكونها وسكون اللام وأسكنت اللام للجزم. إِنِّي كسرت الألف لأن ما بعد القول مبتدأ، وزعم سيبويه «٢» أن من العرب من يجري القول مجرى الظن وهي حكاية أبي الخطاب فعلى هذا «أني أعلم» . قال الكسائي: رأيت العرب إذا لقيت الياء همزة، استحبوا الفتح فيقولون: «إنّي أعلم» ويجوز اعلم لأنه من علم. غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ نصب بأعلم وكذا ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>[سورة البقرة (٢): آية ٣٤]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ خفض باللّام الزائدة. اسْجُدُوا أمر فلذلك حذفت منه النون وضممت الهمزة إذا ابتدأتها لأنه من يسجد. وروي عن أبي جعفر أنه قرأ للملائكة اسجدوا «٣» وهذا لحن لا يجوز، وأحسن ما قيل فيه ما روي عن محمد بن يزيد قال:\nأحسب أنّ أبا جعفر كان يخفض ثمّ يشمّ الضّمّة ليدلّ على أنّ الابتداء بالضم كما يقرأ وَغِيضَ الْماءُ [هود: ٤٤] فيشير إلى الضّمة ليدلّ على أنه لما لم يسمّ فاعله لِآدَمَ في موضع خفض باللام إلّا أنه لا ينصرف، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ نصب على الاستثناء لا يجوز غيره عند البصريين لأنه موجب، وأجاز الكوفيون «٤» الرفع. و«إبليس» اسم أعجمي فلذلك لم ينوّن، وزعم أبو عبيدة «٥» أنّه عربي مشتقّ من أبلس إلّا أنه لم ينصرف لأنه لا نظير له. أَبى وَاسْتَكْبَرَ أبى يأبى إباء، وهذا حرف نادر جاء على فعل يفعل ليس فيه حرف من حروف الحلق. قال أبو إسحاق: سمعت إسماعيل بن إسحاق «٦» يقول: القول فيه عندي أن الألف مضارعة لحروف الحلق. قال أبو جعفر:\n_________\n(١) الشاهد في ديوانه ص ٢٤، وخزانة الأدب ٣/ ١٧، و٧/ ١٣، والدرر ١/ ١٦٥، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٧٣٩، وشرح شواهد الشافية ص ١٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٨٥، والممتع في التصريف ١/ ٣٨١، وبلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب ١/ ٢٦، والمقرب ١/ ٥٠، وهمع الهوامع ١/ ٥٢.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ١٧٨.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٣، والمحتسب ١/ ٧١.\n(٤) انظر الإنصاف مسألة ٣٥، والبحر المحيط ١/ ٣٠٣.\n(٥) انظر اللسان (بلس)، وتفسير الطبري ١/ ٢٢٧.\n(٦) إسماعيل بن إسحاق القاضي البصري الفقيه المالكي، صاحب قالون، صنّف في القراءات والحديث، وكان عالما في العربية (ت ٢٨٢ هـ) . انظر: النشر لابن الجزري ١/ ٣٤، وشذرات الذهب لابن العماد ٢/ ١٧٧.","vol":"1","page":45},{"text":"ولا أعلم أنّ أبا إسحاق روى عن إسماعيل نحوا غير هذا الحرف. وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ خفض بمن وفتحت النون لالتقاء الساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>[سورة البقرة (٢): آية ٣٥]</span>\nوَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)\nوَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ «أنت»: توكيد المضمر، ويجوز في غير القرآن على بعد: قم وزيد. وَكُلا مِنْها حذفت النون لأنه أمر وحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال فحذفها شاذ. قال سيبويه «١»: ومن العرب من يقول: أوكل فيتمّ. رَغَدًا نعت لمصدر محذوف أي أكلا رغدا. قال ابن كيسان: ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال. حَيْثُ شِئْتُما «حيث» مبنية على الضم لأنها خالفت أخواتها من الظروف في أنها لا تضاف فأشبهت قبل وبعد إذا أفردتا فضمّت. وحكى سيبويه «٢»: أنّ من العرب من يفتحها على كل حال. قال الكسائي «٣»: الضّمّ لغة قيس وكنانة والفتح لغة بني تميم. قال الكسائي: وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض وينصبونها في موضع النصب. قال سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٢] ويضمّ ويفتح ويقال: حوث. وَلا تَقْرَبا نهي فلذلك حذفت النون. هذِهِ الشَّجَرَةَ في موضع نصب بتقربا والهاء في هذه بدل من ياء، الأصل هذي، ولا أعلم في العربية هاء تأنيث مكسورا ما قبلها إلّا هاء هذه، ومن العرب من يقول: هاتا هند ومنهم من يقول: هاتي هند. وحكى سيبويه، هذه هند بإسكان الهاء. الشَّجَرَةَ نعت لهذه. فَتَكُونا جواب النهي منصوب على إضمار «أن» عند الخليل وسيبويه «٤»، وزعم الجرميّ: أنّ الفاء هي الناصبة، ويجوز أن يكون «فتكونا» جزما عطفا على تقربا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>[سورة البقرة (٢): آية ٣٦]</span>\nفَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦)\nفَأَزَلَّهُمَا من أزللته فزلّ، وفأزالها من أزلته فزال. الشَّيْطانُ رفع بفعله. وَقُلْنَا اهْبِطُوا حذفت الألف من اهبطوا لأنها ألف وصل وحذفت الألف من قلنا في اللفظ لسكونها وسكون الهاء بعدها. بَعْضُكُمْ مبتدأ. عَدُوٌّ خبره والجملة في موضع نصب على الحال، والتقدير وهذه حالكم وحذفت الواو لأن في الكلام عائدا كما يقال:\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٣٤١.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٤٢. [.....]\n(٣) انظر البحر المحيط ١/ ٣٠٦.\n(٤) انظر الكتاب ٣/ ٢٧، ومعاني الفراء ١/ ٢٦، والبحر المحيط ١/ ٣١٠.","vol":"1","page":46},{"text":"رأيتك السّماء تمطر عليك، ويقال: كيف قال «عدوّ» ولم يقل: أعداء؟ ففي هذا جوابان: أحدهما أنّ بعضا وكلّا يخبر عنهما بالواحد وذلك في القرآن قال الله جلّ وعزّ: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ [مريم: ٩٥] وقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ [النمل: ٨٧] والجواب الآخر أنّ عدوّا يفرد في موضع الجمع. قال الله جلّ وعزّ: وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ [الكهف: ٥٠] بمعنى أعداء وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ مرفوع بالابتداء.\nوَمَتاعٌ عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>[سورة البقرة (٢): آية ٣٧]</span>\nفَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)\nفَتَلَقَّى آدَمُ رفع بفعله. كَلِماتٍ نصب بالفعل، وقرأ الأعمش: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ مدغما. إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «هو»: رفع بالابتداء و«التواب» خبره والجملة خبر إنّ، ويجوز أن يكون هو توكيدا للهاء، ويجوز أن يكون فاصلة، وحكى أبو حاتم: أنّ أبا عمرو وعيسى وطلحة قرءوا إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ مدغما وإنّ ذلك لا يجوز لأن بين الهاءين واوا في اللفظ لا في الخط. قال أبو جعفر: أجاز سيبويه أن تحذف هذه الواو وأنشد: [الوافر] ١٧-\nله زجل كأنّه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير «١»\nفعلى هذا يجوز الإدغام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>[سورة البقرة (٢): آية ٣٨]</span>\nقُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)\nقُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا نصب على الحال، وزعم الفراء «٢» أنه يقال: إنّما خوطب بهذا آدم ﷺ وإبليس بعينه ويعني ذرّيته فكأنه خاطبهم كما قال: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: ١١] أي أتينا بما فينا، وقال غير الفراء: يكون مخاطبة لآدم ﵇ وحواء والحية، ويجوز أن يكون لآدم وحواء لأن الاثنين جماعة، ويجوز أن يكون إبليس ضمّ إليهما في المخاطبة. فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ «ما» زائدة، والكوفيون يقولون صلة، والبصريون يقولون: فيها معنى التوكيد يَأْتِيَنَّكُمْ في موضع جزم بالشرط والنون مؤكدة وإذا دخلت «ما» شبهت بلام القسم فحسن المجيء بالنون وجواب الشرط الفاء\n_________\n(١) الشاهد للشمّاخ في ديوانه ص ١٥٥، والخصائص ١/ ٣٧١، والدرر ١/ ١٨١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٣٧ والكتاب ١/ ٥٩، ولسان العرب (ها)، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٥٦١، والأشباه والنظائر ٢/ ٣٧٩، وخزانة الأدب ٢/ ٣٨٨، ٥/ ٢٧٠، ٢٧١، ولسان العرب (زجل)، والمقتضب ١/ ٢٦٧، وهمع الهوامع ١/ ٥٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣١.","vol":"1","page":47},{"text":"في قوله: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ و«من» في موضع رفع و«تبع» في موضع جزم بالشرط فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ جوابه، وقال الكسائي في «فلا خوف عليهم» جواب الشرطين جميعا، وقرأ عاصم الجحدري وعيسى وابن أبي إسحاق فمن تبع هديّ «١» قال أبو زيد: هذه لغة هذيل يقولون: هديّ وعصيّ وأنشد النحويون: [الكامل] ١٨-\nسبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع «٢»\nقال أبو جعفر: العلّة في هذا عند الخليل وسيبويه «٣» وهذا معنى قولهما- أنّ سبيل ياء الإضافة أن يكسر ما قبلها فلما لم يجز أن تتحرك الألف جعل قبلها ياء عوضا من التغيير. وقرأ الحسن وعيسى وابن أبي إسحاق فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين لأن الثاني معرفة لا يكون فيه إلّا الرفع فاختاروا في الأول الرفع أيضا ليكون الكلام من وجه واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>[سورة البقرة (٢): آية ٣٩]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)\nوَالَّذِينَ رفع بالابتداء. كَفَرُوا من صلته. وَكَذَّبُوا عطف على كفروا.\nبِآياتِنا خفض بالباء. أُولئِكَ مبتدأ. أَصْحابُ النَّارِ خبره والجملة خبر الذين.\nوَهُمْ فِيها خالِدُونَ ابتداء وخبر في موضع نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>[سورة البقرة (٢): آية ٤٠]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)\nيا بَنِي نداء مضاف علامة النصب فيه الياء وحذفت منه النون للإضافة، الواحد ابن والأصل فيه بني وقيل فيه بنو ولو لم يحذف منه لقيل بنا كما يقال: عصا فمن قال:\nالمحذوف منه واو احتجّ بقولهم: البنوّة وهذا لا حجّة فيه لأنهم قد قالوا الفتوّة. قال أبو جعفر: سمعت أبا إسحاق يقول: المحذوف منه عندي ياء كأنه من بنيت.\nإِسْرائِيلَ «٤» في موضع خفض إلّا أنه لا ينصرف لعجومته ويقال: إسرائل بغير ياء وبهمزة مكسورة ويقال اسراأل بهمزة مفتوحة، وتميم يقولون: اسرائين بالنون.\nاذْكُرُوا حذف النون منه لأنه أمر وحذفت الألف لأنها ألف وصل وضممتها في\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٥، والبحر المحيط ١/ ٣٢٢.\n(٢) الشاهد لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ١/ ٧، وإنباه الرواة ١/ ٥٢، والدرر ٥/ ٥١، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٧٠٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٦٢، وشرح قطر الندى ص ١٩١، وشرح المفصّل ٣/ ٣٣، وكتاب اللامات ص ٩٨، ولسان العرب (هوا)، والمحتسب ١/ ٧٦، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٩٣، وهمع الهوامع ٢/ ٥٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١٩٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣١، وشرح ابن عقيل ص ٤٠٨، والمقرب ١/ ٢١٧ وكتاب العين ١/ ٢٩٩.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٤٥٨.\n(٤) انظر البحر المحيط ١/ ٣١٥.","vol":"1","page":48},{"text":"الابتداء لأنه من يذكر نِعْمَتِيَ الَّتِي بتحريك الياء أكثر في كلام العرب إذا لقيها ألف ولام فإن أسكنتها حذفتها لالتقاء الساكنين.. «التي» في موضع نصب نعت لنعمتي.\nأَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ من صلتها. وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أمر أُوفِ بِعَهْدِكُمْ جواب الأمر مجزوم لأن فيه معنى المجازاة، وقرأ الزّهري أُوفِ بِعَهْدِكُمْ «١» على التكثير، ويقال: وفي بالعهد أيضا، وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وقع الفعل على النون والياء وحذفت الياء لأنه رأس آية، وقرأ ابن أبي إسحاق «فارهبوني» بالياء وكذا فاتّقوني، «وإيّاي» منصوب بإضمار فعل وكذا الاختيار في الأمر والنهي والنفي والاستفهام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>[سورة البقرة (٢): آية ٤١]</span>\nوَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)\nوَآمِنُوا عطف. بِما خفض بالباء. أَنْزَلْتُ صلته والعائد محذوف لطول الاسم أي بما أنزلته. مُصَدِّقًا على الحال. لِما خفض باللام. مَعَكُمْ صلة لما.\nوَلا تَكُونُوا جزم بلا فلذلك حذفت منه النون. أَوَّلَ خبر تكونوا، ولم ينوّنه لأنه مضاف ولو لم يكن مضافا جاز فيه التنوين على أنه اسم ليس بنعت، وجاز الضمّ بغير تنوين على أنه غاية، وجاز ترك التنوين على أنه نعت قال كافِرٍ ولم يقل: كافرين، فيه قولان:\nزعم الأخفش والفراء «٢» أنه محمول على المعنى لأن المعنى أول من كفر به، وحكى سيبويه:\nهو أظرف الفتيان وأجمله لأنه قد كان يقول كأنه يقول: هو أظرف فتى وأجمله، والقول الآخر أنّ التقدير: ولا تكونوا أول فريق كافر به، والإمالة في كافر لغة تميم، وهي حسنة لأنه مخفوض والراء بمنزلة حرفين وليس فيه حرف مانع والحروف الموانع»\nالخاء والغين والقاف والصاد والضاد والطاء والظاء. قال أبو جعفر: وفي «أول» من العربية ما يلطف ونحن نشرحه إن شاء الله. «أول» عند سيبويه «٤» مما لم ينطق منه بفعل وهو على أفعل عينه وفاؤه واو. وإنما لم ينطق منه بفعل عنده لئلا يعتل من جهتين وهذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون: هو من وأل، ويجوز أن يكون من أال فإذا كان من وأل فالأصل فيه أوأل ثم خفّفت الهمزة فقلت: أول كما تخفّف همزة خطيئة فتقول: خطيّة وإن كان من أال فالأصل فيه: أاول ثم أبدلت من الألف واوا لأنه لا ينصرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>[سورة البقرة (٢): آية ٤٢]</span>\nوَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)\nوَلا تَلْبِسُوا نهي فلذلك حذفت منه النون. الْحَقَّ مفعول. بِالْباطِلِ خفض\n_________\n(١) انظر المحتسب ١/ ٨١، والبحر المحيط ١/ ٣٣٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٢، والبحر المحيط ١/ ٣٣٢.\n(٣) الحروف الموانع: هي الحروف التي تمنع الإمالة.\n(٤) انظر الكتاب ٣/ ٢١٩.","vol":"1","page":49},{"text":"بالباء. وَتَكْتُمُوا عطف على تَشْتَرُوا وإن شئت كان جوابا للنهي في موضع نصب على إضمار أن عند البصريين «١»، والتقدير لا يكن منكم أن تشتروا وتكتموا، والكوفيون «٢» يقولون: هو منصوب على الصّرف، وشرحه أنه صرف عن الأداة التي عملت فيما قبله ولم يستأنف فيرفع فلم يبق إلّا النّصب فشبّهت الواو والفاء بكي فنصبت بها كما قال: [الكامل] ١٩-\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم «٣»\nوَأَنْتُمْ مبتدأ. تَعْلَمُونَ فعل مستقبل في موضع الخبر والجملة في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>[سورة البقرة (٢): آية ٤٣]</span>\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)\nوَأَقِيمُوا أمر، وكذا وَآتُوا وَارْكَعُوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>[سورة البقرة (٢): آية ٤٤]</span>\nأَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)\nأَتَأْمُرُونَ فعل مستقبل. وَتَنْسَوْنَ عطف عليه. أَفَلا تَعْقِلُونَ مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>[سورة البقرة (٢): آية ٤٥]</span>\nوَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥)\nوَاسْتَعِينُوا أمر. بِالصَّبْرِ خفض بالباء قال أبو جعفر: وقد ذكرنا فيه أقوالا في الكتاب الذي قبل هذا، وأصحّها أن يكون الصبر عن المعاصي ويكون وَالصَّلاةِ مثل قوله وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [البقرة: ٩٨]، يقال فلان صابر أي عن المعاصي فإذا صبّر عن المعاصي فقد صبّر على الطاعة وقال جلّ وعزّ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠] ولا يقال لمن صبر على المصيبة: صابر إنّما يقال: صابر على كذا فإذا قلت: صابر مطلقا فهو على ما ذكرنا، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ اسم «إنّ» وخبرها، ويجوز في غير القرآن وإنه، ويجوز وإنهما.\n_________\n(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٩٠، والبحر المحيط ١/ ٣٣٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٣. [.....]\n(٣) الشاهد لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه، ص ٤٤، والأزهية ص ٢٣٤، وشرح التصريح ٢/ ٢٣٨، وشرح شذور الذهب ص ٣١٠، وهمع الهوامع ٢/ ١٣، وللمتوكل الليثي في الأغاني ١٢/ ١٥٦، وحماسة البحتري ص ١١٧، والعقد الفريد ٢/ ٣١١، والمؤتلف والمختلف ص ١٧٩، ولأبي الأسود أو للمتوكل في اللسان (عظظ)، ولأحدهما أو للأخطل في شرح شواهد الإيضاح ص ٢٥٢، ولأبي الأسود أو للأخطل أو للمتوكل الكناني في الدرر ٤/ ٨٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٣، وللأخطل في الردّ على النحاة ص ١٢٧، وشرح المفصل ٢٤٤٧، ولحسان بن ثابت في شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٨٨، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٦/ ٢٩٤، وأمالي ابن الحاجب ٢/ ٨٦٤، وأوضح المسالك ٤/ ١٨١، ورصف المباني ٤٢٤.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>[سورة البقرة (٢): آية ٤٦]</span>\nالَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)\nالَّذِينَ في موضع خفض على النعت للخاشعين. يَظُنُّونَ فعل مستقبل، وفتحت «أنّ» بالظن واسمها الهاء والميم والخبر. مُلاقُوا والأصل ملاقون لأنه بمعنى تلاقون حذفت النون تخفيفا، وَأَنَّهُمْ عطف على الأول، ويجوز «وأنّهم» بقطعه مما قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>[سورة البقرة (٢): آية ٤٨]</span>\nوَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)\nيَوْمًا منصوب باتّقوا، ويجوز في غير القرآن «يوم لا تجزي» على الإضافة.\nوفي الكلام حذف بين النحويين فيه اختلاف قال البصريون «١»: التقدير يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا، ثم حذف «فيه» قال الكسائي «٢»: هذا خطأ لا يجوز «فيه» ولو جاز هذا لجاز: الذي تكلمت زيد، بمعنى تكلمت فيه، قال: ولكن التقدير واتقوا يوما لا تجزيه نفس، ثم حذف الهاء، وقال الفراء «٣»: يجوز أن تحذف «فيه» وأن تحذف الهاء، قال أبو جعفر: الذي قاله الكسائي لا يلزم لأن الظروف يحذف منها ولا يحذف من غيرها. تقول: تكلّمت في اليوم وكلمت وتكلّمت اليوم. هذا احتجاج البصريين.\nفأما الفراء فردّ على الكسائي بأن قال: فإذا قلت: كلّمت زيدا وتكلّمت في زيد، فالمعنيان مختلفان فلهذا لم يجز الحذف فينقلب المعنى والفائدة في الظروف واحدة، وهذه الجملة في موضع نصب عند البصريين على نعت لليوم، ولهذا وجب أن يعود عليه ضمير، وعند الكوفيين صلة، وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ ويجوز «تقبل» «٤» بالتاء لأنّ الشفاعة مؤنّثة وإنّما حسن تذكيرها لأنها بمعنى التّشفّع كما قال: [الكامل] ٢٠-\nإنّ السّماحة والمروءة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح «٥»\nوقال الأخفش: حسن التذكير لأنك قد فرقت. قال سيبويه «٦»: وكلّما طال الكلام فهو أحسن وهو في الموات أكثر فرقوا بين الحيوان والموات كما فرّقوا بين الآدميّين\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ١/ ٣٤٧، وإعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٩٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٢، والبحر المحيط ١/ ٣٤٧.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٣٢.\n(٤) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٩٥، والبحر المحيط ١/ ٣٤٨، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو.\n(٥) الشاهد لزياد الأعجم في ديوانه ص ٥٤، والأغاني ١٥/ ٣٠٨، وأمالي المرتضى ١/ ٧٢، وسمط اللآلي ص ٩٢١، والشعر والشعراء ١/ ٤٣٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٠٢، وللصلتان العبدي في أمالي المرتضى ٢/ ١٩٩، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٧٦٣، وشرح شذور الذهب ص ٢٢٠.\n(٦) انظر الكتاب ٢/ ٣٤.","vol":"1","page":51},{"text":"وغيرهم في الجمع. شَفاعَةٌ اسم ما لم يسمّ فاعله وكذا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>[سورة البقرة (٢): آية ٤٩]</span>\nوَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)\nوَإِذْ نَجَّيْناكُمْ «إذ» في موضع نصب عطفا على «اذكروا نعمتي» . مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ قال الكسائي: إنّما يقال: آل فلان وآل فلانة، ولا يقال في البلدان لا يقال: هو من آل حمص ولا من آل المدينة، قال: إنّما يقال في الرئيس الأعظم نحو محمد ﵇ أهل دينه وأتباعه، وآل فرعون لأنه رئيسهم في الضلالة، قال: وقد سمعناه في البلدان قالوا: أهل المدينة وآل المدينة، قال أبو الحسن بن كيسان: إذا جمعت آلا قلت: آلون فإن جمعت آلا الذي هو بمنزلة السراب قلت: أوآل مثل مال وأموال. قال أبو جعفر: الأصل في آل أهل ثم أبدل من الهاء ألف فإن صغّرت رددته إلى أصله فقلت أهيل. فِرْعَوْنَ في موضع خفض إلّا أنه لا ينصرف لعجمته. قال الأخفش:\nيَسُومُونَكُمْ في موضع رفع على الابتداء، وإن شئت كان في موضع نصب على الحال أي سائمين لكم. قرأ ابن محيصن يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ «١» والتشديد أبلغ لأن فيه معنى التكثير. وَيَسْتَحْيُونَ عطف. وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ رفع بالابتداء. عَظِيمٌ من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>[سورة البقرة (٢): آية ٥٠]</span>\nوَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)\nوَإِذْ فَرَقْنا في موضع نصب، وحكى الأخفش فَرَقْنا «٢»، الْبَحْرَ مفعول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>[سورة البقرة (٢): آية ٥١]</span>\nوَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١)\nوَإِذْ واعَدْنا مُوسى وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر «٣» وشيبة وإذا وعدنا «٤» بغير ألف وهو اختيار أبي عبيد وأنكر «واعدنا» قال: لأن المواعدة إنما تكون من البشر، فأما الله جلّ وعزّ فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد. على هذا وجدنا القرآن كقوله: وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم: ٢٢] وقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الفتح: ٢٩] وقوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [الأنفال: ٧] . قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول أبي إسحاق «٥» في الكتاب الذي قبل هذا. وكلام أبي عبيد\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه (٥)، والبحر المحيط ١/ ٣٥١.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه (٥)، والمحتسب ١/ ٨٢.\n(٣) أبو جعفر: يزيد القعقاع المخزومي المدني أحد القراء العشرة، تابعي، عرض على ابن عباس وغيره، وروى القراءة عن نافع (ت ١٣٠ هـ) ترجمة في غاية النهاية ٢/ ٣٨٢.\n(٤) انظر البحر المحيط ١/ ٣٥٢.\n(٥) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ١٠٠، والبحر المحيط ١/ ٣٥٧.","vol":"1","page":52},{"text":"هذا غلط بيّن لأنه أدخل بابا في باب وأنكر ما هو أحسن وأجود و«واعدنا» أحسن وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي، وليس قوله سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة: ٩] من هذا في شيء، لأن «واعدنا موسى» إنما هو من باب الموافاة وليس هو من الوعد والوعيد في شيء وإنما هو من قول:\nموعدك يوم الجمعة، وموعدك موضع كذا، والفصيح في هذا أن يقال: واعدته. مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مفعولان. قال الأخفش: التقدير وإذ واعدنا موسى تمام أربعين ليلة ثم حذف كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] . ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ بالإدغام، وإن شئت أظهرت لأن الذال مجهورة والتاء مهموسة فالإظهار حسن، وإنّما جاز الإدغام لأن الثاني بمنزلة المنفصل.. «العجل»: مفعول أول والمفعول الثاني محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>[سورة البقرة (٢): آية ٥٢]</span>\nثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)\nثُمَّ عَفَوْنا «ثم»: تدلّ على أن الثاني بعد الأول ومع ذلك تراخ، وموضع النون والألف رفع بالفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>[سورة البقرة (٢): آية ٥٣]</span>\nوَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)\nوَإِذْ آتَيْنا بمعنى أعطينا. مُوسَى الْكِتابَ مفعولان. وَالْفُرْقانَ عطف على الكتاب. قال الفراء: وقطرب «١»: يكون وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التّوراة، ومحمدا ﷺ الفرقان. قال أبو جعفر: هذا خطأ في الإعراب والمعنى، أما الإعراب فإن المعطوف على الشيء مثله وعلى هذا القول يكون المعطوف على الشيء خلافه، وأما المعنى فقد قال فيه جلّ وعزّ: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ [الأنبياء: ٤٨] . قال أبو إسحاق «٢»: يكون الفرقان هذا الكتاب أعيد ذكره وهذا أيضا بعيد إنما يجيء في الشعر كما قال: [الوافر] ٢١-\nوألفى قولها كذبا ومينا «٣»\nوأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد: فرقانا بين الحق والباطل الذي علّمه إيّاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>[سورة البقرة (٢): آية ٥٤]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)\n_________\n(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ١٠١.\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ١٠١. [.....]\n(٣) الشاهد لعدي بن زيد في ذيل ديوانه ص ١٨٣، والأشباه والنظائر ٣/ ٢١٣، وجمهرة اللغة ٩٩٣، والدرر ٦/ ٧٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٦، والشعر والشعراء ١/ ٢٣٣، ولسان العرب (مين)، ومعاهد التنصيص ١/ ٣١٠، وبلا نسبة في مغني اللبيب ١/ ٣٥٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٩، وصدره:\n«وقدّدت الأديم لراهشيه»","vol":"1","page":53},{"text":"وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ حذفت الياء لأن النداء موضع حذف والكسرة تدلّ عليها وهي بمنزلة التنوين فحذفتها كما تحذف التنوين من المفرد، ويجوز في غير القرآن إثباتها ساكنة فتقول: «يا قومي» لأنها اسم وهي في موضع خفض، وإن شئت فتحتها، وإن شئت ألحقت معها هاء فقلت: يا قوميه. وإن شئت أبدلت منها ألفا لأنها أخفّ فقلت: يا قوما، وإن شئت قلت: يا قوم بمعنى يا أيّها القوم، وإن جعلتهم نكرة نصبت ونونت. إِنَّكُمْ كسرت إنّ لأنها بعد القول فهي مبتدأة، ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ استغني بالجمع القليل عن الكثير والكثير نفوس بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ مفعول أي بأن اتخذتم العجل والكاف والميم في موضع خفض بالإضافة وهما في التأويل في موضع رفع. فَتُوبُوا أمر. إِلى بارِئِكُمْ خفض بإلى، وروي عن أبي عمرو بإسكان الهمزة من بارِئِكُمْ «١» وروى عنه سيبويه باختلاس الحركة. قال أبو جعفر: أما إسكان الهمزة فزعم أبو العباس أنه لحن لا يجوز في كلام ولا شعر لأنها حرف الإعراب، وقد أجاز ذلك النحويون القدماء الأئمة وأنشدوا: [الرجز] ٢٢-\nإذا اعوججن قلت صاحب قوم «٢»\nويجوز إِلى بارِئِكُمْ «٣» تبدل من الهمزة ياء. إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ: الهاء اسم «إنّ» وهو مبتدأ و«التواب» الخبر والجملة خبر إنّ، وإن شئت كانت «هو» زائدة، وإن شئت كانت توكيدا للهاء «والتواب» خبر «إن» و«الرّحيم» من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>[سورة البقرة (٢): آية ٥٥]</span>\nوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)\nوَإِذْ قُلْتُمْ معطوف. يا مُوسى نداء مفرد. جَهْرَةً مصدر في موضع الحال يقال: رأيت الأمير جهارا أو جهرة. أي غير مستتر بشيء ومنه: فلان يجاهر بالمعاصي أي لا يستتر من الناس. فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ رفع بفعلها. وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ في موضع الحال أي ناظرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>[سورة البقرة (٢): آية ٥٦]</span>\nثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)\nثُمَّ بَعَثْناكُمْ موضع النون والألف رفع بالفعل والكاف والميم نصب بالفعل.\n_________\n(١) انظر: إملاء ما منّ به الرّحمن ١/ ٣٧، والتيسير في القراءات للداني ٦٣.\n(٢) الشاهد بلا نسبة في معاني القرآن للفراء ٢/ ١٢، وتفسير الطبري ٢٢/ ١٤٦، وشرح شواهد للشنتمري ٢/ ٢٩٧، والكتاب ٤/ ٣١٨. وتمامه «بالدّوّ أمثال السفين العوّم» .\n(٣) انظر مختصر في شواذ القرآن ٥، والبحر المحيط ١/ ٣٦٤.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>[سورة البقرة (٢): آية ٥٧]</span>\nوَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)\nقال الأخفش سعيد: واحد الْغَمامَ غمامة كسحابة وسحاب. قال الفراء: يجوز غمائم. وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ نصب بوقوع الفعل عليه وَالسَّلْوى عطف ولا يتبيّن فيه الإعراب لأنه مقصور ووجب هذا في المقصور كلّه لأنّه لا يخلو من أن يكون في آخره ألف. قال الخليل: والألف حرف هوائي لا مستقر له فأشبه الحركة فاستحالت حركته، وقال الفراء: لو حرّكت الألف لصارت همزة. قال الأخفش: «المنّ» جمع لا واحد له مثل الخير والشر و«السلوى» لم يسمع له بواحد ولو قيل: على القياس لكان يقال: في واحدة سلوى كما يقال: سماني وشكاعى «١» في الواحد والجميع. كُلُوا أمر، مِنْ طَيِّباتِ خفض بمن، ما رَزَقْناكُمْ خفض بالإضافة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>[سورة البقرة (٢): آية ٥٨]</span>\nوَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)\nوَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا حذفت الألف من «قلنا» لسكونها وسكون الدال بعدها والألف التي يبتدأ بها قبل الدال ألف وصل لأنها من يدخل. فَكُلُوا عطف عليه. رَغَدًا نعت لمصدر محذوف أي أكلا رغدا، ويجوز أن يكون في موضع الحال. وَادْخُلُوا عطف. سُجَّدًا نصب على الحال. وَقُولُوا عطف، حِطَّةٌ على إضمار مبتدأ.\nقال الأخفش: وقرئت حِطَّةٌ نصبا على أنها بدل من الفعل. قال أبو جعفر: الحديث عن ابن عباس أنهم قيل لهم: «قولوا لا إله إلا الله» وفي حديث آخر عنه قيل لهم:\n«قولوا مغفرة» تفسير للنصب أي قولوا شيئا يحطّ عنكم ذنوبكم كما تقول: قل خيرا.\nوحديث ابن مسعود «قالوا حطة» تفسير على الرفع وهو أولى في اللغة والأئمة من القراء على الرفع، وإنما صار أولى في اللغة لما حكي عن العرب في معنى بدّل قال أحمد بن يحيى: يقال: بدّلت الشيء. أي غيّرته ولم أزل عينه وأبدلته أزلت عينه وشخصه كما قال أبو النجم: [الرجز] ٢٣-\nعزل الأمير المبدل «٢»\nوقال الله جلّ وعزّ: قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس: ١٥]\n_________\n(١) شكاعي: نبت صغير.\n(٢) الشاهد لأبي النجم في معاني الفراء ٢/ ٢٥٩، وتفسير الطبري ١٨/ ١٥٩، واللسان (بدل) . ومقاييس اللغة ١/ ٢١٠، وبلا نسبة في كتاب العين ١/ ٣٥٧.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>[سورة البقرة (٢): آية ٥٩]</span>\nفَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)\nفَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا في موضع رفع بالفعل. قَوْلًا مفعول. غَيْرَ الَّذِي نعت له. وقرأ الأعمش يَفْسُقُونَ «١» بكسر السين يقال: فسق يفسق فهو فاسق عن الشيء إذا خرج عنه، فإذا قلت: فاسق ولم تقل عن كذا فمعناه خارج عن طاعة الله جلّ وعزّ. وفي نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة: ٥٨] كلام يغمض من العربية سنشرحه إن شاء الله فمن ذلك قول الخليل «٢» ﵀: الأصل في جمع خطيئة أن تقول: خطاييء ثم قلب فقيل: خطاءي بهمزة بعدها ياء ثم تبدل من الياء ألفا بدلا لازما فتقول:\nخطاءى وقد كان هذا البدل يجوز في غير هذا القول: عذارى إلّا أنه زعم هاهنا تخفيفا فلمّا اجتمعت ألفان بينهما همزة والهمزة من جنس الألف صرت كأنك قد جمعت بين ثلاث ألفات فأبدلت من الهمزة ياء فقلت: خطايا. وأمّا سيبويه «٣» فمذهبه أنّ الأصل خطايىء مثل الأول ثم وجب عنده أن تهمز الياء كما همزتها في مدائن فتقول: خطائىء ولا تجتمع همزتان في كلمة فأبدلت من الثانية ياء فقلت: خطاءي ثم عملت كما عملت في الأول. وقال الفراء: خطايا جمع خطيّة بلا همز كما تقول: هديّة وهدايا قال: ولو جمعت خطيئة مهموزة لقلت خطاءيء. وقال الكسائي: لو جمعتها مهموزة لأدغمت الهمزة في الهمزة كما قلت دوابّ وقرأ مجاهد تغفر لكم خطاياكم فأنّث على الجماعة وقرأ الحسن وعاصم الجحدري تغفر لكم خطيئتكم والبيّن «نَغْفِرْ لَكُمْ» لأن بعده وَسَنَزِيدُ بالنون وخطاياكم اتباعا للسواد وإنّه على بابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>[سورة البقرة (٢): آية ٦٠]</span>\nوَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)\nوَإِذِ اسْتَسْقى كسرت الذال لالتقاء الساكنين و«إذ» غير معربة لأنها بمنزلة «في» أنها اسم لا تتمّ إلّا بما بعدها. فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا «اثنتا» في موضع رفع «فانفجرت» وعلامة الرفع فيها الألف وأعربت دون نظائرها لأن التثنية معربة أبدا لصحة معناها. عَيْنًا نصب على البيان وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا «٤» وهذه لغة بني تميم وهذا من لغتهم نادر لأن سبيلهم التخفيف، ولغة أهل الحجاز\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه (٥) .\n(٢) انظر الإنصاف مسألة ١١٦.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٣٣، والإتحاف ٨٤.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه (٥)، والبحر المحيط ١/ ٣٩١.","vol":"1","page":56},{"text":"«عشرة» وسبيلهم التثقيل. وَلا تَعْثَوْا نهي فلذلك حذفت منه النون وهو من عثى يعثى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>[سورة البقرة (٢): آية ٦١]</span>\nوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)\nوَإِذْ قُلْتُمْ عطف. يا مُوسى نداء مفرد. لَنْ نَصْبِرَ نصب بلن. عَلى طَعامٍ خفض بعلى. واحِدٍ من نعته. فَادْعُ سؤال بمنزلة الأمر، فلذلك حذفت منه الواو ولغة بني عامر «فادع لنا» بكسر العين لالتقاء الساكنين. يُخْرِجْ لَنا جزم لأنه جواب الأمر، وفيه معنى المجازاة. مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ قال الأخفش «١»: «من» زائدة قال أبو جعفر: هذا خطأ على قول سيبويه «٢» لأن «من» لا تزاد عنده في الواجب وإنّما دعا الأخفش إلى هذا أنه لم يجد مفعولا ليخرج فأراد أن يجعل ما مفعولا. والأولى أن يكون المفعول محذوفا دلّ عليه سائر الكلام والتقدير: يخرج لنا مما تنبت الأرض مأكولا. مِنْ بَقْلِها بدل بإعادة الحروف. وَقِثَّائِها عطف. وقرأ طلحة ويحيى بن وثّاب. وَقِثَّائِها «٣» بضمّ القاف وتقول في جمعها: قثائيّ مثل علباء وعلابيّ. إلّا أنّ قثّاء من ذوات الهمزة يقال: أقثأت القوم. قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: لا يصحّ عندي في أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى إلّا أن يكون من ذوات الهمز من قولهم: دنيء بيّن الدناءة، ثم أبدلت الهمزة. قال أبو جعفر: هذا الذي ذكرنا إنما يجوز في الشعر ولا يجوز في الكلام فكيف في كتاب الله جلّ وعزّ. قال أبو إسحاق «٤»: هو من الدنو أي الذي هو أقرب من قولهم ثوب مقارب أي قليل الثمن. قال أبو جعفر:\nوأجود من هذين القولين أن يكون المعنى- والله أعلم- أتستبدلون الذي هو أقرب إليكم في الدنيا بالذي هو خير لكم يوم القيامة لأنهم إذا طلبوا غير ما أمروا بقبوله فقد استبدلوا الذي هو أقرب إليهم في الدنيا مما هو خير لهم لما لهم فيه من الثواب اهْبِطُوا مِصْرًا نكرة. هذا أجود الوجوه لأنها في السواد بألف، وقد يجوز أن تصرف تجعل اسما للبلاد وإنما اخترنا الأول لأنه لا يكاد يقال مثل مصر بلاد ولا بلد وإنما\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ١/ ٣٩٤.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٧٣.\n(٣) انظر المحتسب ١/ ٨٧، ومختصر ابن خالويه (٦) .\n(٤) انظر إعراب القرآن ومعانيه ١١٢. [.....]","vol":"1","page":57},{"text":"يقال لها: بلدة. وإنما يستعمل بلاد في مثل بلاد الروم. وقال الكسائي: يجوز أن تصرف مصر وهي معرفة لخفّتها يريد أنها مثل هند. وهذا خطأ على قول الخليل وسيبويه والفراء «١»، لأنك لو سمّيت امرأة بزيد لم تصرف، وقال الكسائي: يجوز أن تصرف مصر وهي معرفة لأن العرب تصرف كل ما لا ينصرف في الكلام إلا أفعل منك. فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ «ما» نصب بأنّ. وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ اسم ما لم يسم فاعله. وَالْمَسْكَنَةُ عطف وقد ذكرنا الهمز في النبيئين «٢» في الكتاب الذي قبل هذا. ذلِكَ بِما عَصَوْا قال الأخفش: أي بعصيانهم. وَكانُوا يَعْتَدُونَ عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>[سورة البقرة (٢): آية ٦٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اسم «إنّ» (آمنوا) صلته. وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ عطف كلّه. مَنْ آمَنَ مبتدأ وآمن في موضع جزم بالشرط والفاء الجواب، وخبر المبتدأ. فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ والجملة خبر إنّ والعائد على الذين من الجملة محذوف أي من آمن منهم. وقرأ الحسن البصريّ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ «٣» على التبرئة والرفع على الابتداء أجود، ويجوز أن تجعل «لا» بمعنى ليس، فأمّا وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فلا يكون إلّا بالابتداء لأن «لا» لا تعمل في معرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>[سورة البقرة (٢): آية ٦٣]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ قال الأخفش: أي واذكروا إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ أي فقلنا خذوا ما آتيناكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>[سورة البقرة (٢): آية ٦٤]</span>\nثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)\nفَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ رفع بالابتداء عند سيبويه «٤» والخبر محذوف لا يجوز عنده إظهاره لأن العرب استغنت عن إظهاره بأنهم إذا أرادوا ذلك جاءوا بأنّ فإذا جاءوا بها لم يحذفوا الخبر، والتقدير فلولا فضل الله تدارككم. وَرَحْمَتُهُ عطف على فضل.\nلَكُنْتُمْ جواب لولا. مِنَ الْخاسِرِينَ خبر كنتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>[سورة البقرة (٢): آية ٦٥]</span>\nوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥)\nوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ في موضع نصب ولا يحتاج إلى مفعول ثان إذا كانت علمتم\n_________\n(١) ومعاني الفراء ١/ ٤٢.\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ١١٣.\n(٣) انظر البحر المحيط ١/ ٤٠٥.\n(٤) انظر الكتاب ٢/ ١٢٨.","vol":"1","page":58},{"text":"بمعنى عرفتم. حكى الأخفش: لقد علمت زيدا ولم أكن أعلمه. اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ صلة الذين فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خبر كان. خاسِئِينَ نعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>[سورة البقرة (٢): آية ٦٦]</span>\nفَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)\nفَجَعَلْناها نَكالًا مفعول ثان. لِما بَيْنَ ظرف. وَما خَلْفَها عطف. وَمَوْعِظَةً عطف على «نكالا» . لِلْمُتَّقِينَ خفض باللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>[سورة البقرة (٢): آية ٦٧]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧)\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ كسرت إنّ لأنها بعد القول وحكي عن أبي عمرو ويَأْمُرُكُمْ حذف الضمة من الراء لثقلها، قال أبو العباس: لا يجوز هذا لأن الراء حرف الإعراب وإنما الصحيح عن أبي عمرو أنه كان يختلس الحركة، أَنْ تَذْبَحُوا في موضع نصب بيأمركم أي بأن تذبحوا، بَقَرَةً نصب بتذبحوا قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا مفعولان، ويجوز تخفيف الهمزة تجعلها بين الواو والهمزة ويجوز حذف الضّمّة من الزاي كما تحذفها من عضد فتقول هُزُوًا «١» كما قرأ أهل الكوفة، فأما جزء فليس مثل هزء لأنه على فعل من الأصل. قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ولغة تميم وأسد «عن» في موضع «أن» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>[سورة البقرة (٢): آية ٦٨]</span>\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨)\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ حذفت الواو لأنه طلب، ولغة بني عامر «ادع لنا» بكسر العين لالتقاء الساكنين. يُبَيِّنْ لَنا تدغم النون في اللام، وإن شئت أظهرت فإذا كانت النون متحركة كان الاختيار الإظهار نحو وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ [الأنعام: ٤٣]، (يبيّن): جزم لأنه جواب الأمر، ما هِيَ ابتداء وخبر. قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ خبر إنّ. لا فارِضٌ قال الأخفش: لا يجوز نصب فارض لأنه نعت للبقرة كما تقول: مررت برجل لا قائم ولا جالس، ويجوز أن يكون التقدير ولا هي فارض، ويقال على هذا: مررت برجل لا قائم ولا جالس. وَلا بِكْرٌ عطف على فارض. عَوانٌ على إضمار مبتدأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>[سورة البقرة (٢): آية ٦٩]</span>\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)\nما لَوْنُها ابتداء وخبره، ويجوز «ما لونها» على أن تكون ما زائدة وتنصبه\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ١/ ٤١٥.","vol":"1","page":59},{"text":"بيبيّن. بَقَرَةٌ صَفْراءُ لم تنصرف صفراء لأنّ فيها ألف التأنيث وهي ملازمة فخالفت الهاء لأن ما فيه الهاء ينصرف في النكرة. فاقِعٌ نعت. لَوْنُها رفع بفاقع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>[سورة البقرة (٢): آية ٧٠]</span>\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)\nإِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا ذكر البقر لأنه بمعنى الجميع. قال الأصمعي: الباقر جمع باقرة قال: ويجمع بقر على باقورة، وقرأ الحسن إنّ البقر تشّابه علينا «١» جعله فعلا مستقبلا وأنّثه والأصل تتشابه ثم أدغم التاء في الشين، وقرأ يحيى بن يعمر إن الباقر يشّابه علينا جعله فعلا مستقبلا وذكر الباقر وأدغم، ويجوز إنّ البقر تشابه علينا بتخفيف الشين وضم الهاء ولا يجوز يشابه علينا بتخفيف الشين وبالياء، وإنما جاز في التاء لأن الأصل تتشابه فحذفت لاجتماع التاءين. وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ خبر إنّ و«شاء» في موضع جزم بالشرط وجوابه عند سيبويه الجملة وعند أبي العباس محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>[سورة البقرة (٢): آية ٧١]</span>\nقالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)\nقال الأخفش: «لا ذلول» نعت ولا يجوز نصبه. قال أبو جعفر: يجوز أن يكون التقدير لا هي ذلول، وقد قرأ أبو عبد الرّحمن السّلمي «٢» لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وهو جائز على إضمار خبر النفي. تُثِيرُ الْأَرْضَ متصل بالأول على هذا المعنى أي لا تثير الأرض. وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ وزعم علي ابن سليمان أنه لا يجوز أن يكون تثير مستأنفا لأن بعده «ولا تسقي الحرث» فلو كان مستأنفا لما جمع بين الواو و«لا» . مُسَلَّمَةٌ أي هي مسلّمة ويجوز أن يكون «مسلّمة» نعتا أي إنها بقرة مسلمة من العرج وسائر العيوب ولا يقال: مسلمة من العمل لأنه لا يصلح سالمة مما هو خير لها. لا شِيَةَ فِيها الأصل وشية حذفت الواو كما حذفت من يشي والأصل يوشي. قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فيه أربعة أوجه «٣»: الهمز كما قرأ الكوفيون قالُوا الْآنَ وتخفيف الهمزة مع حذف الواو لالتقاء الساكنين كما قرأ أهل المدينة قالُوا الْآنَ «٤» وحكى الأخفش «٥» وجهين آخرين: أحدهما إثبات الواو مع تخفيف الهمزة، قالوا لآن جئت بالحقّ أثبت الواو لأن اللام قد تحرّكت بحركة الهمزة ونظير هذا وأنه أهلك عادا لولا [النجم: ٥٠]\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري ١/ ٣٥٠.\n(٢) أبو عبد الرّحمن السلميّ: عبد الله بن حبيب مقرئ الكوفة. إليه انتهت القراءة تجويدا وضبطا، أخذ القراءة عن علي بن أبي طالب وعثمان وابن مسعود (ت ٧٤ هـ) . وترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٤١.\n(٣) انظر إملاء ما منّ به الرّحمن ١/ ٤٣، ٤٤، والبحر المحيط ١/ ٤٢٢.\n(٤) انظر البحر المحيط ١/ ٤٢٢.\n(٥) انظر إعراب القرآن ومعاوية للزجاج ١٢٢.","vol":"1","page":60},{"text":"على قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقال أبو جعفر: سمعت محمد بن الوليد يقول:\nسمعت محمد بن يزيد يقول: ما علمت أنّ أبا عمرو بن العلاء لحن في صميم العربية إلّا في حرفين أحدهما «عادا لولا» والآخر يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] وإنّما صار لحنا لأنّه أدغم حرفا في حرف فأسكن الأول والثاني حكمه السكون وإنّما حركته عارضة فكأنه جمع بين ساكنين وحكى الأخفش قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فقطع الألف الأولى وهي ألف وصل كما يقال يا الله. قال أبو إسحاق «١»: الآن مبنيّ على الفتح وفيها الألف واللام لأن الألف واللام دخلت لغير عهد تقول: كنت إلى الآن هاهنا فالمعنى إلى هذا الوقت فبنيت كما بني هذا وفتحت النون لالتقاء الساكنين.\nفَذَبَحُوها الهاء والألف نصب بالفعل والاسم الهاء ولا تحذف الألف لخفّتها وللفرق بين المذكر والمؤنث، وَما كادُوا يَفْعَلُونَ فعل مستقبل وأجاز سيبويه «٢»: كاد أن يفعل تشبيها بعسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>[سورة البقرة (٢): آية ٧٢]</span>\nوَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)\nوَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا «إذ» ظرف معطوفة على ما قبلها. فَادَّارَأْتُمْ الأصل تدارأتم ثم أدغمت التاء في الدال ولم يجز أن تبتدئ بالمدغم لأنه ساكن فزدت ألف الوصل، وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ «ما» في موضع نصب بمخرج ويجوز حذف التنوين على الإضافة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>[سورة البقرة (٢): آية ٧٣]</span>\nفَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)\nكَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى\nموضع الكاف نصب لأنها نعت لمصدر محذوف ولا يجوز أن تدغم الياء في الياء من «يحيي» لئلا يلتقي ساكنان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>[سورة البقرة (٢): آية ٧٤]</span>\nثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)\nثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ تقول: قسا فإذا زدت التاء حذفت الألف لالتقاء الساكنين.\nقُلُوبُكُمْ مرفوعة بقست. فَهِيَ كَالْحِجارَةِ والكاف في موضع رفع على خبر هي. أَوْ أَشَدُّ عطف على الكاف ويجوز أن «أشدّ قسوة» تعطفه على الحجارة قَسْوَةً على البيان. وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ «ما» في موضع نصب لأنها اسم إنّ، واللّام للتوكيد\n_________\n(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه ١٢٢.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ١٠.","vol":"1","page":61},{"text":"منه على لفظ «ما»، وفي قراءة أبيّ منها على المعنى. قال أبو حاتم: يجوز لما تتفجّر منه الأنهار ولا يجوز لما تشّقّق لأنه إذا قال: تتفجّر أنّثه بتأنيث الأنهار، وهذا لا يكون في تشّقق. قال أبو جعفر: يجوز ما أنكره يحمل على المعنى لأن المعنى وإن منها لحجارة تشقق، وأمّا يشقق بالياء فمحمول على لفظ «ما» وأما الكسائي فيقول: هو مذكّر على تذكير البعض ومثله عنده: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ [النحل: ٦٦] أي مما في بطون بعضه. وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ في موضع نصب على لغة أهل الحجاز والباء توكيد.\nعَمَّا تَعْمَلُونَ أي عن عملكم ولا تحتاج إلى عائد إلّا أن تجعلها بمعنى الذي فتحذف العائد لطول الاسم أي عن الذي تعملونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>[سورة البقرة (٢): آية ٧٥]</span>\nأَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)\nأَفَتَطْمَعُونَ فعل مستقبل. أَنْ في موضع نصب أي في أن. يُؤْمِنُوا نصب بأن فلذلك حذفت منه النون. وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ قال الخليل «١»: قد للتوقع «فريق» اسم كان والخبر. يَسْمَعُونَ ويجوز أن يكون الخبر منهم ويكون «يسمعون» نعتا لفريق وجمع «فريق» في أدنى العدد: أفرقة والكثير أفرقاء. قال سيبويه «٢»: واعلم أنّ ناسا من ربيعة يقولون: «منهم» أتبعوها الكسرة ولم يكن المسكّن حاجزا حصينا عندهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>[سورة البقرة (٢): آية ٧٦]</span>\nوَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦)\nقال أبو جعفر: الأصل في لَقُوا لقيوا، وقد ذكرناه في أول السورة «٣»، والأصل في خَلا خلو قلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها. لِيُحَاجُّوكُمْ نصب بلام كي وإن شئت بإضمار أن وعلامة النصب حذف النون. قال يونس «٤»: وناس من العرب يفتحون لام كي. قال الأخفش: لأن الفتح الأصل قال خلف الأحمر «٥»: هي لغة بني العنبر.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٣٤٥.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٣١١. [.....]\n(٣) انظر تفسير الآية ١٤.\n(٤) يونس بن حبيب أبو عبد الرّحمن الضبي، أخذ عن أبي عمرو، وكان النحو أغلب عليه (ت ١٨٣ هـ) .\nترجمته في طبقات الزبيدي ٤٨.\n(٥) خلف الأحمر بن حيان بن محرز أبو محرز مولى بلال بن أبي بردة، أحد رواة الغريب (من الحديث) والشعر والعلماء به. توفي في حدود الثمانين ومائة. ترجمته في طبقات الزبيدي ١٧٧، ونزهة الألباء ٥٣.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>[سورة البقرة (٢): آية ٧٨]</span>\nوَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨)\nوَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ رفع بالابتداء، لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ في موضع نصب، إِلَّا أَمانِيَّ نصب لأنه استثناء ليس من الأول، ومثله ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: ١٥٧] . وقرأ أبو جعفر إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ قال: هذا كما يقال في جمع مفتاح: مفاتح. قال أبو جعفر: الحذف في المعتلّ أكثر كما قال ذو الرمة: [الطويل] ٢٤-\nوهل يرجع التّسليم أو يكشف العما ... ثلاث الأثافي والرّسوم البلاقع «١»\nوَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>[سورة البقرة (٢): آية ٧٩]</span>\nفَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)\nفَوَيْلٌ مبتدأ قال الأخفش: ويجوز نصبه على إضمار فعل أي ألزمه الله ويلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>[سورة البقرة (٢): آية ٨٠]</span>\nوَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠)\nوَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ روى سيبويه «٢» عن بعض أصحاب الخليل قال: الأصل في لن «لا أن» . وحكى هشام عن الكسائي مثله وزعم سيبويه أنّ هذا خطأ وأنّ لن عاملة كأن واستدلّ على ذلك بقول العرب: زيدا لن أضرب. قُلْ أَتَّخَذْتُمْ مدغما، وقرأ عاصم أَتَّخَذْتُمْ بغير إدغام لأن الثاني بمنزلة المنفصل فحسن الإظهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>[سورة البقرة (٢): آية ٨١]</span>\nبَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١)\nبَلى بمنزلة نعم إلّا أنها لا تقع إلّا بعد النفي، وزعم الكوفيون «٣» أنها «بل» زيدت عليها الياء فبل يدلّ على ردّ الجحد والياء تدلّ على الإيجاب لما بعده، قالوا: ولو قال قائل: ألم تأخذ دينارا فقلت نعم لكان المعنى لا لم آخذ لأنك حقّقت النفي وما بعده، وإذا قلت: بلى صار المعنى قد أخذت. مَنْ في موضع رفع بالابتداء وهي شرط.\nفَأُولئِكَ ابتداء ثان. أَصْحابُ النَّارِ خبر الثاني والثاني خبره خبر الأول.\n_________\n(١) الشاهد لذي الرمة في ديوانه ص ١٢٧٤، والأشباه والنظائر ٥/ ١٢٢، وإصلاح المنطق ٣٠٣، وجواهر الأدب ٣١٧، والدرر ٦/ ٢٠١، وشرح شواهد الإيضاح ص ٣٠٨، وخزانة البغدادي ١/ ٢١٣، وشرح المفصّل ٢/ ١٢٢، ولسان العرب (خمس)، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣٥٨، وتذكرة النحاة ص ٣٤٤، وشرح الأشموني ١/ ٨٧، والمقتضب ٢/ ١٧٦، والمنصف ١/ ٦٤، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٠.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٣.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٥٢.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>[سورة البقرة (٢): آية ٨٣]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)\nلا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ قد ذكرناه في الكتاب الذي قبل هذا. وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا مصدر. وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا مبني على فعل وحكى الأخفش وقولوا للناس حسنى «١» على فعلى. قال أبو جعفر: وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال من هذا شيء إلّا بالألف واللام نحو الفضلى والكبرى والحسنى. هذا قول سيبويه، وقرأ عيسى بن عمر وقولوا للناس حسنا «٢» بضمتين، وهذا مثل الحلم، وقرأ الكوفيون حسنا «٣» أي قولا حسنا. قال الأخفش سعيد: حسن وحسن مثل بخل وبخل قال محمد بن يزيد: يقبح في العربية أن تقول: مررت بحسن على أن تقيم الصفة مقام الموصوف لأنه لا يعرف ما أردت. ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا منصوب على الاستثناء والمستثنى عند سيبويه «٤» منصوب لأنه مشبّه بالمفعول وقال محمد بن يزيد: هو مفعول على الحقيقة المعنى استثنيت قليلا. وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>[سورة البقرة (٢): آية ٨٤]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ ويجوز إدغام القاف في الكاف لقرب إحداهما من الأخرى، لا تَسْفِكُونَ مثل لا تَعْبُدُونَ [البقرة: ٨٣] وقرأ طلحة. تَسْفُكُونَ «٥» بضم الفاء، دِماءَكُمْ جمع دم والأصل في دم فعل هذا البيّن وقيل أصله دمي على «فعل» إلّا أنّ الميم تحرّك في التثنية إذا ردّ إلى أصله ليدلّ ذلك على أنها كانت حرف الإعراب في الحذف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>[سورة البقرة (٢): آية ٨٥]</span>\nثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)\nثُمَّ أَنْتُمْ فتحت الميم من «ثم» لالتقاء الساكنين، ولا يجوز ضمّها ولا كسرها\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه (٧) .\n(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٤٥٣، ومختصر ابن خالويه (٧) .\n(٣) وهي قراءة حمزة والكسائي ويعقوب، انظر البحر المحيط ١/ ٤٥٣.\n(٤) انظر الكتاب ٢/ ٣٤٦.\n(٥) انظر البحر المحيط ١/ ٤٥٧، وهي قراءة شيب ابن أبي حمزة أيضا.","vol":"1","page":64},{"text":"كما جاز في «ردّ» لأنها لا تتصرّف. وأَنْتُمْ في موضع رفع بالابتداء ولا يعرب المضمر وضممت التاء من أنتم لأنها كانت مفتوحة إذا خاطبت واحدا مذكرا ومكسورة إذا خاطبت واحدة مؤنّثة فلما ثنّيت وجمعت لم تبق إلّا الضّمة، هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ قال القتبي «١»: التقدير: يا هؤلاء. قال أبو جعفر: هذا خطأ على قول سيبويه «٢» لا يجوز عنده: هذا أقبل، وقال أبو إسحاق «٣»: «هؤلاء» بمعنى الذين، وتقتلون داخل في الصلة أي ثم أنتم الذين تقتلون، وسمعت عليّ بن سليمان يقول:\nسمعت محمد بن يزيد يقول: أخطأ من قال انّ «هذا» بمعنى «الذي» وإن كان قد أنشد:\n[الطويل] ٢٥-\nعدس ما لعبّاد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق «٤»\nقال: فإنّ هذا بطلان المعاني قال أبو الحسن: هذا على بابه و«طليق» و«تحملين» خبر أيضا، قال أبو جعفر: يجوز أن يكون التقدير والله أعلم أعني هؤلاء و«تقتلون»:\nخبر «أنتم»، «أنفسكم»: مفعوله، ولا يجيز الخليل وسيبويه أن يتصل المفعول في مثل هذا لا يجيزان: ضربتني ولا ضربتك. قال سيبويه: استغنوا عنه بضربت نفسي وضربت نفسك، وقال أبو العباس: لم يجز هذا لئلا يكون المخاطب فاعلا مفعولا في حال واحدة. تظّاهرون عليهم هذه قراءة أهل المدينة وأهل مكة تدغم التاء في الظاء لقربها منها، وقرأ الكوفيون تَظاهَرُونَ «٥» حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها، وقرأ قتادة تظّهرون قال أبو جعفر: وهذا بعيد وليس هو مثل قوله: يظّهّرون منكم من نسائهم [المجادلة: ٢] لأن معنى هذا أن يقول لها: أنت عليّ كظهر أمّي، فالفعل في هذا من واحد، وقوله تظّاهرون الفعل فيه لا يكون إلّا من اثنين أو أكثر. وَإِنْ يَأْتُوكُمْ شرط فلذلك حذفت منه النون، «تفادوهم» جوابه «٦»، أُسارى على فعلى هو الباب\n_________\n(١) القتبي: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ)، ترجمته في طبقات الزبيدي ٢٠٠.\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ٢٣٤.\n(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ١٣٧، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ١٧٧. [.....]\n(٤) الشاهد ليزيد بن مفرّغ في ديوانه ص ١٧٠، وأدب الكاتب ص ٤١٧، والإنصاف ٢/ ٧١٧، وتخليص الشواهد ص ١٥٠، وتذكرة النحاة ص ٢٠، وجمهرة اللغة ص ٦٤٥، والدرر ١/ ٢٦٩، وشرح التصريح ١/ ١٣٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٥٩، وشرح المفصّل ٤/ ٧٩، والشعر والشعراء ١/ ٣٧١، ولسان العرب (حدس، وعدس)، والمقاصد النحوية ١/ ٤٤٢، وبلا نسبة في أمالي بن الحاجب ص ٣٦٢، وأوضح المسالك ١/ ١٦٢، وخزانة الأدب ٤/ ٣٣٣، وشرح الأشموني ١/ ٧٤، وشرح شذور الذهب ص ١٩٠، وشرح قطر الندى ١٠٦، وشرح المفصل ٢/ ١٦، والمحتسب ٢/ ٩٤، ومغني اللبيب ٢/ ٤٦٢، وهمع الهوامع ١/ ٨٤.\n(٥) وهي قراءة عاصم وصخرة والكسائي، انظر البحر المحيط ١/ ٤٥٩.\n(٦) انظر تيسير الداني ٦٤.","vol":"1","page":65},{"text":"كما تقول: قتيل وقتلى وجريح وجرحى، ومن قال: أُسارى شبه بسكران وسكارى فكل واحد منهما مشبّه بصاحبه قال سيبويه «١»: وإنما قالوا: سكران وسكرى لأنها آفة تدخل على العقل. قال أبو حاتم: ولا يجوز أسارى. قال أبو إسحاق «٢»: كما يقال:\nسكارى وفعالي هو الأصل وفعالي داخلة عليها، وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال يقال: أسير وأسراء كظريف وظرفاء، أُسارى: في موضع نصب على الحال. وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ وإن شئت أسكنت الهاء لثقل الضمة «٣» كما قال امرؤ القيس:\n[المديد] ٢٦-\nفهو لا ينمي رميّته ... ماله؟ لا عدّ من نفره «٤»\nوإن شئت أسكنت الهاء لثقل الضمّة وكذلك إن جئت بالفاء واللام، «وهو» في موضع رفع بالابتداء. وهو كناية عن الحديث، والجملة التي بعده خبر، وإن شئت كان «هو» كناية عن الإخراج وإخراجهم بدل من هو، وزعم الفراء «٥» أنّ «هو» عماد وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له لأن العماد لا يكون في أول الكلام. فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ابتداء وخبر. وقرأ الحسن ويوم القيامة تردّون إلى أشدّ العذاب «٦» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>[سورة البقرة (٢): آية ٨٦]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)\nأُولئِكَ الَّذِينَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>[سورة البقرة (٢): آية ٨٧]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مفعولان وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ قال هارون: لغة أهل الحجاز الرّسل بضمتين مضافا كان أو غير مضاف ولغة تميم التخفيف مضافا أو غير مضاف وأخذ أبو عمرو من اللغتين جميعا فكان يخفّف إذا أضاف إلى حرفين ويثقّل\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ١٢٠.\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ١٣٦.\n(٣) انظر تيسير ٦٤.\n(٤) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ١٢٥، ولسان العرب (نفر)، و(نمي)، وتهذيب اللغة ١٥/ ٥١٨، وتاج العروس (نمي)، وأساس البلاغة (نمي)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٥/ ٤٨٠.\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٥١، والبحر المحيط ١/ ٤٦٠.\n(٦) انظر مختصر ابن خالويه ٨.","vol":"1","page":66},{"text":"إذا أضاف إلى حرف أو لم يضف. وقرأ ابن محيصن وآايدناه «١»، وقرأ مجاهد وابن كثير بِرُوحِ الْقُدُسِ. أَفَكُلَّما ظرف. بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ حذفت الهاء لطول الاسم أي تهواه. فَفَرِيقًا منصوب بكذبتم وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>[سورة البقرة (٢): آية ٨٨]</span>\nوَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)\nوَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ابتداء وخبر مشتقّ من قولهم أغلف أي على قلوبنا غطاء، ومثله وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت: ٥]، وكذا وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: ٢٦]، وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ [نوح: ٧] وجوز أن يكون غلف جمع غلاف وحذفت الضمة لثقلها فأما غلف فهو جمع غلاف لا غير أي قلوبنا أوعية للعلم وقيل: أي قلوبنا لا تجلى بشيء كالغلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>[سورة البقرة (٢): آية ٨٩]</span>\nوَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩)\nوَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ نعت لكتاب، ويجوز في غير القرآن نصبه على الحال، وفي قراءة عبد الله منصوب في «آل عمران» «٢» قال الأخفش سعيد: جواب لمّا محذوف لعلم السامع كما قال: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ [الإسراء: ٧] أي فإذا جاء وعد الآخرة خلّيناكم وإياهم بذنوبكم ولم نحل بينكم وبينهم، ومثله وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ [يس: ٤٥] أي وإذا قيل لهم هذا أعرضوا ودلّ عليه فإذا هم معرضون «٣»، وقال الفراء «٤»: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كأن الفاء جواب للمّا الأولى والثاني ولم تحتج الأولى إلى جواب.\nقال سيبويه «٥»: وقال جلّ وعزّ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>[سورة البقرة (٢): آية ٩٠]</span>\nبِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠)\nبِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا كأنه قال: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم ثم قال: «أن» على التفسير كأنه قيل له: ما هو؟ كما يقول العرب: بئسما له. يريدون:\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٨.\n(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٥١ (آية ٨١- آل عمران) .\n(٣) يشير إلى الآية ٤٦ سورة يس: إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٥٩.\n(٥) انظر الكتاب ٣/ ١٧٨. [.....]","vol":"1","page":67},{"text":"بئس الشيء له، وقال الكسائي: ما واشتروا اسم واحد في موضع رفع وقال الأخفش: هو مثل قولك: بئس رجلا زيد. والتقدير عنده بئس شيئا اشتروا به أنفسهم، ومثله إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة: ٢٧١] ومثله إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء: ٥٨]، وقال الفراء «١»: يجوز أن تكون «ما» مع بئس بمنزلة كلّما. قال أبو جعفر: أبين هذه الأقوال قول الأخفش ونظيره ما حكي عن العرب: بئسما تزويج ولا مهر، ودققته دقّا نعمّا. وقول سيبويه حسن يجعل «ما» وحدها اسما لإبهامها وسبيل بئس ونعم أن لا تدخلا على معرفة إلّا للجنس. فأما قول الكسائي فمردود من هذه الجهة، وقول الفراء: تكون «ما» مع بئس مثل كلّما لا يجوز لأنه يبقى الفعل بلا فاعل وإنّما تكون «ما» كافّة في الحروف نحو إنّما وربّما.\nقال الكسائي والفراء «٢»: «أن يكفروا» إن شئت كانت «أن» في موضع خفض ردّا على الهاء في به قال الفراء: أي اشتروا أنفسهم بأن يكفروا بما أنزل الله. قال أبو جعفر: يقال «٣»: بئس ونعم هذا الأصل ويقال: بئس ونعم على الاتباع، ويقال: بئس ونعم تقلب حركة الهمزة على الباء. بَغْيًا مفعول من أجله وهو على الحقيقة مصدر. أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ في موضع نصب والمعنى لأن ينزل الله الفضل على نبيّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>[سورة البقرة (٢): آية ٩١]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)\nوَراءَهُ ظرف. وَهُوَ الْحَقُّ ابتداء وخبر. مُصَدِّقًا حال مؤكّدة عند سيبويه.\nلِما مَعَهُمْ «ما» في موضع خفض باللام ومعهم صلتها ومعهم منصوب بالاستقرار ومن أسكن جعله حرفا. قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ الأصل فلما و«ما» في موضع خفض باللّام وحذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر ولا ينبغي أن يوقف عليه لأنّه إن وقف عليه بلا هاء كان لحنا فإن وقف عليه بالهاء زيد في الشواذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>[سورة البقرة (٢): آية ٩٣]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)\nوَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ضممت الميم لالتقاء الساكنين لأن أصلها الضم، وإن شئت كسرت على أصل التقاء الساكنين. وهو مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:\n٨٢]، والمعنى: وسقوا في قلوبهم حبّ العجل.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٥٦، والبحر المحيط ١/ ٤٧٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٥٦.\n(٣) انظر الإنصاف مسألة ١٤.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>[سورة البقرة (٢): آية ٩٤]</span>\nقُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤)\nقُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ شرط. الدَّارُ اسم كانت. والْآخِرَةُ من نعتها.\nخالِصَةً خبر كانت وإن شئت كان حالا وتكون عِنْدَ اللَّهِ في موضع الخبر. وقرأ ابن أبي إسحاق. فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ كسر الواو لالتقاء الساكنين. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا في قوله: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ [البقرة: ١٦] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>[سورة البقرة (٢): آية ٩٥]</span>\nوَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)\nوَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ نصب بلن فلذلك حذفت منه النون. أَبَدًا ظرف زمان من طول العمر إلى الموت. بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إن جعلت «ما» بمعنى الذي فالتقدير قدّمته وإن جعلتها مصدرا لم تحتج إلى عائد وأَيْدِيهِمْ في موضع رفع حذفت الضمة من الياء لثقلها مع الكسرة، وأجاز سيبويه ضمّها وكسرها في الشعر وأنشد لابن قيس الرقيات:\n[المنسرح] ٢٧-\nلا بارك الله في الغوانيّ هل ... يصبحن إلّا لهنّ مطّلب «١»\nفإن كانت في موضع نصب حرّكتها لأن النصب خفيف، ويجوز إسكانها في الشعر. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>[سورة البقرة (٢): آية ٩٦]</span>\nوَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)\nوَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ مفعولان، وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا على حذف أي وأحرص ليعطف اسما على اسم ويجوز في العربية مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ بمعنى من الذين أشركوا قوم يودّ أحدهم إلا أنّ المعنى في الآية لا يحتمل هذا وإن كان جائزا في العربية أدغمت والأصل في يودّ: يودد. أدغمت لئلا يجمع بين حرفين من جنس واحد متحرّكين وقلبت حركة الدال على الواو ليدلّ ذلك على أنه يفعل، وحكى الكسائي:\nوددت بفتحها فيجوز على هذا «يودّ» بكسر الواو. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا\n_________\n(١) الشاهد لعبيد الله بن قيس الرقيات في ديوانه ص ٣، والأزهيّة ص ٢٠٩، والدرر ١/ ١٦٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٦٩، وشرح شواهد المغني ص ٦٢، وشرح المفصّل ١٠/ ١٠١، ولسان العرب (غنا)، والمقتضب ١/ ١٤٢، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٣٦، ورصف المباني ص ٢٧٠، وما ينصرف وما لا ينصرف ص ١١٥، والمحتسب ١/ ١١١، والمنصف ٢/ ٦٧، ومغني اللبيب ٢٤٣، والمقتضب ٣/ ٣٥٤، وهمع الهوامع ١/ ٥٣.","vol":"1","page":69},{"text":"وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ في الكتاب الذي قبل هذا «١» . وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ أي بما يعمل هؤلاء الذين يودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة ومن قرأ بما تعملون فالتقدير عنده قل لهم يا محمد: الله بصير بما تعملون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>[سورة البقرة (٢): آية ٩٧]</span>\nقُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)\nقُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فيه خمس لغات للعرب: لغة أهل الحجاز: جبريل «٢» ولغة تميم وقيس جبرئيل «٣» كما قرأ الكوفيون. ولغة بني أسد «جبرين» «٤» بالنون، وقرأ الحسن وعبد الله بن كثير لِجِبْرِيلَ «٥» بفتح الجيم بغير همز. قال أبو جعفر: لا يعرف في كلام العرب فعليل بفتح الفاء وفيه فعليل نحو دهليز وقطمير وبرطل وليس ينكر أن يأتي في كلام العجم ما ليس له نظير في كلام العرب ولا ينكر أن يكثر تغييره كما قالوا: إبراهيم وإبراهم وابراهم وابراهام. واللغة الخامسة جبرئل «٦» ومن تأول الحديث «جبر عبد و«ال» الله «٧» وجب عليه أن يقول: هذا جبرإل ورأيت جبرال، ومررت بجبرإل. وهذا لا يقال فوجب أن يكون معنى الحديث أنه مسمّى بهذا، والجمع في اللغات الأربع على التكسير جباريل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>[سورة البقرة (٢): آية ٩٨]</span>\nمَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨)\nوفي ميكائيل «٨» أربع لغات: فلغة أهل الحجاز كراهة شديدة فلما رآه في السواد بياء ولام بعد الكاف قرأه (وميكايل) وذهب إلى أنّ الألف (ميكال) وبها قرأ أبو عمرو، وحاد عنها نافع لأنه كان يكره مخالفة الخط كراهة شديدة حذفت كما تحذف من الأسماء الأعجمية نحو إبراهيم إسماعيل فهذه حجّة بيّنة وحجة أبي عمرو وأنّ حروف المدّ واللّين يقلب بعضها إلى بعض كثيرا كما كتبوا ابن أبي طالب بالواو فأبدلوا من الياء واوا ولا يقال: إلّا ابن أبي طالب ويقال: ميكائل ويقال: ميكاأل كما يقال: إسرأل\n_________\n(١) إشارة إلى كتابه معاني القرآن.\n(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٤٨٥، وهي قراءة ابن عامر وأبو عمرو ونافع وحفص.\n(٣) انظر البحر المحيط ١/ ٤٨٥، وهي قراءة الأعمش وحمزة والكسائي وحماد بن أبي زياد عن أبي بكر عن عاصم.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٨.\n(٥) انظر البحر المحيط ١/ ٤٨٦، وهي قراءة ابن محيصن.\n(٦) انظر المحتسب ١/ ٩٧، وهي قراءة يحيى بن يعمر.\n(٧) انظر المحتسب ١/ ٩٧، والبحر المحيط ١/ ٤٨٦، واللسان (جبر) .\n(٨) انظر تيسير الداني ٦٥، والبحر المحيط ١/ ٤٨٦.","vol":"1","page":70},{"text":"بهمزة مفتوحة وهما اسمان أعجميّان فلذلك لم ينصرفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>[سورة البقرة (٢): آية ٩٩]</span>\nوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩)\nوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ «آيات»: في موضع نصب وكسرت التاء عند البصريين ليستوي النصب والخفض في المؤنث لأنه جمع مسلّم كما استوى في المذكّر، وقول الكوفيين لأن التاء غير أصلية والأصل في آية آية ولا ينطق منها بفعل لئلّا تجتمع علّتان. وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ مرفوعون بفعلهم. والتقدير وما يكفر بها أحد إلّا الفاسقون لأنه لا بدّ قبل الإيجاب من النفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٠]</span>\nأَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)\nأَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا قال الأخفش: الواو زائدة دخلت عليها ألف الاستفهام، ومذهب الكسائي أنها «أو» حركت الواو منها. كُلَّما ظرف. عَهْدًا مصدر. بَلْ أَكْثَرُهُمْ ابتداء. لا يُؤْمِنُونَ فعل مستقبل في موضع الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>[سورة البقرة (٢): آية ١٠١]</span>\nوَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)\nوَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مرفوع بفعله. مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ نعت، ويجوز على الحال. نَبَذَ فَرِيقٌ جواب لمّا. مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ خبر ما لم يسمّ فاعله.\nكِتابَ اللَّهِ منصوب بنبذ. وَراءَ ظُهُورِهِمْ ظرف. كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ فعل مستقبل في موضع خبر كأن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٢]</span>\nوَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)\nوَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ هذه آية مشكلة وقد تقصّينا ما فيها من المعاني في الكتاب الذي قبل هذا. موضع «ما» نصب باتّبعوا وتتلو داخل في الصلة وحذفت منه الهاء لطول الاسم والأصل تتلوه الشياطين. «وسليمان» ﷺ: لا ينصرف لأنه معرفة وفي آخره زائدتان فأشبه سكران، وَلكِنَّ الشَّياطِينَ نصب بلكنّ وإن خفّفت لكن رفعت ما بعدها بالابتداء. يُعَلِّمُونَ في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون في موضع","vol":"1","page":71},{"text":"رفع على أنه خبر ثان. النَّاسَ السِّحْرَ مفعولان. بِبابِلَ لا ينصرف لأنه أعجمي معرفة. هارُوتَ وَمارُوتَ مثله والجمع هواريت مثل طواغيت، ويقال: هوارتة وهوار وموارتة وموار فاعلم ومثله جالوت وطالوت. وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ من زائدة للتوكيد والتقدير وما يعلمان أحدا. حَتَّى يَقُولا نصب بحتّى فلذلك حذفت منه النون ولغة هذيل وثقيف عتّى. فَلا تَكْفُرْ جزم بالنهي. فَيَتَعَلَّمُونَ أحسن ما قيل فيه أنه مستأنف، وقول الفراء «١»: أنه نسق على «يعلّمون» غلط لأنه لو كان كذا لوجب أن يكون فيتعلمون منهم، فقوله منهما يمنع أن يكون التقدير: «ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر فيتعلّمون» إلّا على قول من قال: الشياطين هاروت وماروت، وللفراء «٢» قول آخر قال: يكون محمولا على المعنى لأن معنى (فلا تكفر) فلا تتعلّم السحر أي فيأتون فيتعلّمون، وقيل: التقدير يعلّمان الناس فيتعلّمون. مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ في موضع نصب بيفرّقون وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ «من» زائدة وقول أبي إسحاق إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ: إلّا بعلم الله غلط لأنه إنما يقال في العلم: إذن وقد أذنت به إذنا ولكن لمّا لم يحل فيما بينهم وبينه وخلّوا يفعلونه كان كأنّه إباحة مجازا. وَلَقَدْ عَلِمُوا لام توكيد. لَمَنِ اشْتَراهُ لام يمين وهي للتوكيد أيضا، وموضع «من» رفع بالابتداء، لأنه لا يعمل ما قبل اللام فيما بعدها ومن بمعنى الذي. قال الفراء: هي للمجازاة. قال أبو إسحاق: ليس هذا موضع شرط ومن بمعنى الذي كما تقول: لقد علمت لمن جاءك ما له عقل. ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ «من» زائدة، والتقدير ما له في الآخرة خلاق، ولا تزاد من في الواجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٣]</span>\nوَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)\nوَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا موضع أنّ موضع رفع أي لو وقع إيمانهم، ولَوْلا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا لأنها بمنزلة حروف الشرط إذ كانت لا بدلها من جواب وأن يليها الفعل. قال محمد بن يزيد: وإنما لم يجاز بها لأن سبيل حروف المجازاة كلّها أن تقلب الماضي إلى معنى المستقبل فلمّا لم يكن هذا في «لو» لم يجز أن يجازى بها. قال الأخفش سعيد: ليس «للو» هنا جواب في اللفظ ولكن في المعنى، والمعنى لأثيبوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا أمر فلذلك حذفت منه الياء، وأحسن ما\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٦٤، والبحر المحيط ١/ ٥٠٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٥٠٠. [.....]","vol":"1","page":72},{"text":"قيل فيه قول مجاهد. قال: لا تقولوا اسمع منّا ونسمع منك ولكن قولوا فهمنا، انْظُرْنا بيّن لنا، أمر وأن يخاطبوه ﷺ بالإجلال. وهذا حسن أي لا تقولوا كافينا في المقال كما قال: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣] وقرأ الحسن (راعنا) «١» منونا نصبه على أنه مصدر أو نصبه بالقول أي لا تقولوا رعونة.\nقال أبو جعفر: يقال لما نتأ من الجبل رعن والجبل أرعن وجيش أرعن أي متفرّق ورجل أرعن أي متفرق الحجج ليس عقله مجتمعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٥]</span>\nما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)\n«المشركين»: معطوف على أهل ويجوز في النحو «ولا المشركون» بعطفه على الذين، أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ «من» زائدة، والتقدير أن ينزّل عليكم خير اسم ما لم يسمّ فاعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٦]</span>\nما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)\nما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ شرط والجواب. نَأْتِ وقوله أَوْ نُنْسِها عطف على ننسخ وحذفت الياء للجزم، ومن قرأ أو ننسأها «٢» حذف للضمة من الهمزة للجزم. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ جزم بلم وحرف الاستفهام لا يغيّر عمل العامل، وفتحت أنّ لأنها في موضع اسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٧]</span>\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)\n«ملك»: رفع الابتداء، و(له): الخبر والجملة خبر أنّ وملك مشتقّ من ملكت العجين أي أحكمت عجنه، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ويجوز رفع نصير عطفا على الموضع لأن المعنى وما لكم من دون الله وليّ ولا نصير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٨]</span>\nأَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)\nأَمْ تُرِيدُونَ أي أبل وحكى سيبويه إنّها لإبل أم شاء. أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ في موضع نصب بتريدون. كَما سُئِلَ مُوسى الكاف في موضع نصب نعت لمصدر أي\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٧٠، والبحر المحيط ١/ ٥٠٨، وتفسير الطبري ١/ ٤٧٢، وهي قراءة ابن أبي ليلى وأبي حياة وابن محيصن أيضا.\n(٢) انظر التيسير في القراءات ٦٥، والبحر المحيط ١/ ٥١٣.","vol":"1","page":73},{"text":"سؤالا كما سئل موسى وإن خفّفت الهمزة وجعلتها بين الهمزة والياء فقلت: سئل، وقرأ الحسن سيل «١» وهذا على لغة من قال: سلت أسال ويجوز أن يكون على بدل الهمزة إلّا أنّ بدل الهمزة بعيد (موسى) اسم ما لم يسمّ فاعله لم يتبيّن فيه الإعراب لأنه مقصور ولم ينوّن لأنه لا ينصرف لعجمته. وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ جزم بالشرط كسرت اللام لالتقاء الساكنين واختير الكسر لأنه أخو الجزم، وقيل: لأن الضّم والفتح يكونان بغير تنوين إعرابا. وجواب الشرط فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٩]</span>\nوَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)\nوَدَّ كَثِيرٌ رفع بودّ. مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ خفض بمن، لَوْ يَرُدُّونَكُمْ فعل مستقبل. كُفَّارًا مفعول ثان وإن شئت كان حالا. حَسَدًا مصدر وقال الفراء: هو كالمفسّر. فَاعْفُوا أمر والأصل فاعفوا وحذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>[سورة البقرة (٢): آية ١١١]</span>\nوَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١)\nأجاز الفراء «٢» أن يكون هُودًا بمعنى يهودي وحذف منه الزائدة وأن يكون جمع هائد، والقول الثاني مذهب البصريين. قال الأخفش سعيد: إِلَّا مَنْ كانَ جعل كان واحدا على لفظ «من» ثم قال: هودا فجمع لأنّ معنى من جمع. تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ ابتداء وخبر ويجوز تلك أمانيهم. قُلْ هاتُوا والأصل هاتيوا حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين يقال في الواحد المذكر: هات يا هذا، مثل رام وفي المؤنث هاتي، مثل رامي. وإِنْ كُنْتُمْ شرط أي «إن كنتم صادقين فبيّنوا ما قلتم ببرهان» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>[سورة البقرة (٢): آية ١١٢]</span>\nبَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)\nبَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ على لفظ من ثم قال: فلهم على المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>[سورة البقرة (٢): آية ١١٤]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤)\nابتداء وخبر أي وأي أحد أظلم. مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أن في\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ١/ ٥١٦.\n(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٧٣، والبحر المحيط ١/ ٥٢٠.","vol":"1","page":74},{"text":"موضع نصب على البدل من مساجد، ويجوز أن يكون التقدير من أن يذكر وحروف الخفض تحذف مع أن لطول الكلام، وقيل: لأنّ المعنى في الفعل بعدها يتبيّن، وَسَعى معطوف على منع، أُولئِكَ مبتدأ والجملة خبر، خائِفِينَ حال، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ رفع بابتداء وإن شئت على معنى وجب وكذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>[سورة البقرة (٢): آية ١١٥]</span>\nوَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)\nفَأَيْنَما تُوَلُّوا شرط فلذلك حذفت النون و«أين» العاملة و«ما» زائدة وقرأ الحسن فَأَيْنَما تُوَلُّوا بفتح التاء واللام والأصل تتولّون. فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ «ثمّ» في موضع نصب على الظرف ومعناها البعد إلّا أنّها مبنيّة على الفتح غير معربة لأنها مبهمة تكون بمنزلة هناك للبعد فإن أردت القرب قلت هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>[سورة البقرة (٢): آية ١١٦]</span>\nوَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦)\nسُبْحانَهُ مصدر. بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ «ما» في موضع رفع بالابتداء، وإن شئت بالاستقرار. كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ابتداء وخبر، والتقدير كلّهم ثم حذفت الهاء والميم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>[سورة البقرة (٢): آية ١١٧]</span>\nبَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)\nبَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خبر ابتداء محذوف. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا رفع (فيكون) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>[سورة البقرة (٢): آية ١١٨]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)\nمِثْلَ قَوْلِهِمْ مفعول وإن شئت كان نعتا لمصدر محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>[سورة البقرة (٢): آية ١١٩]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩)\nبَشِيرًا نصب على الحال. وَنَذِيرًا عطف عليه. قال الأخفش سعيد: ويجوز وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ بفتح التاء وضم اللام ويكون في موضع الحال تعطفه على «بشيرا ونذيرا» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٠]</span>\nوَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠)\nوَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى المصدر رضوان ورضوان ومرضاة ورضى ورضى، وهو من ذوات الواو، ويقال: في التثنية: رضوان، وحكى الكسائي: رضيان وحكى","vol":"1","page":75},{"text":"رضاءا ممدودا وكأنه مصدر راضى. حَتَّى تَتَّبِعَ نصب بحتّى وحتى بدل من أن وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ جمع هوى كما تقول: جمل وأجمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>[سورة البقرة (٢): آية ١٢١]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١)\nالَّذِينَ رفع بالابتداء. آتَيْناهُمُ الْكِتابَ صلته. يَتْلُونَهُ خبر الابتداء وإن شئت كان الخبر أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٢]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢)\nوقرأ الحسن نعمتي التي أنعمت عليكم بإسكان الياء ثم حذفها في الوصل لالتقاء الساكنين. وَأَنِّي في موضع نصب عطف على «نعمتي» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٤]</span>\nوَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)\nقرأ عبد الله وأبو رجاء والأعمش قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قال الفراء: لأنّ ما نالك فقد نلته كما تقول: نلت خيرا ونالني خير، وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال: المعنى يوجب نصب الظالمين. قال الله جلّ وعزّ لإبراهيم ﷺ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا فعهد إليه بهذا فسأل إبراهيم فقال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي فقال جلّ وعزّ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ لا أجعل إماما ظالما، وروي عن ابن عباس أنه قال: سأل إبراهيم أن يجعل من ذريته إمام فعلم الله ﷿ أنّ في ذريته من يعصي فقال: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٥]</span>\nوَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)\nوَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً مفعولان والأصل مثوبة قلبت حركة الواو على الثاء فانقلبت الواو ألفا اتباعا لثاب يثوب. قال الأخفش: الهاء في «مثابة» للمبالغة لكثرة من يثوب إليه. وَأَمْنًا يعطفه على مثابة. وَاتَّخِذُوا «١» معطوف على جعلنا. قال الأخفش: أي واذكروا إذ اتّخذوا معطوف على اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ، ومن قرأ وَاتَّخِذُوا «٢» قطعه من الأول وجعله أمرا وعطف جملة على جملة. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أنه قيل: الأولى\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ١/ ٥٥٢، وهي قراءة نافع وابن عامر.\n(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٥٥٢، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والجمهور.","vol":"1","page":76},{"text":"أن يكون «مقام إبراهيم» الذي يصلّي إليه الأئمة الساعة وإذا كان كذا كان الأولى وَاتَّخِذُوا لحديث حميد عن أنس: قال أبو جعفر: وذلك الحديث لم يروه عن أنس إلّا حميد إلّا من جهة فضعف. وليس يبعد «واتّخذوا» على الاختيار ثم يكون قد عمل به، على أن حمّاد بن سلمة قد روى عن هشام بن عروة عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ صدرا من خلافته كانوا يصلّون بإزاء البيت ثم صلّى عمر إلى المقام. قال أبو جعفر: «مقام» من قام يقوم يكون مصدرا واسما للموضع، ومقام من أقام وتدخلهما الهاء للمبالغة. وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ في موضع خفض ولم ينصرفا لأنهما أعجميان وما لا ينصرف في موضع الخفض منصوب لأنه مشبّه بالفعل والفعل لا يخفض هذا قول البصريين، وقال الفراء: كان يجب أن يخفض بلا تنوين إلّا أنهم كرهوا أن يشبه المضاف في لغة من قال: مررت بغلام يا هذا: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ يجوز أن تكون أن في موضع نصب والتقدير بأن، ويجوز أن لا يكون لها موضع تكون تفسيرا لقول سيبويه تكون بمعنى أي، ويقول الكوفيون: تكون بمعنى القول.\nلِلطَّائِفِينَ خفض باللّام. وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ عطف. السُّجُودِ نعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٦]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ نداء مضاف. اجْعَلْ هذا سؤال ولفظه الأمر إلّا أنّه استعظم أن يقال له أمر. وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مفعول. مَنْ آمَنَ بدل من أهل وهذا بدل البعض من الكل. قالَ وَمَنْ كَفَرَ «من» في موضع نصب، والتقدير وارزق من كفر ودلّ على الفعل المحذوف فأمتّعه، ويجوز أن تكون من للشرط، وتكون في موضع نصب ويضمر الفعل بعدها. ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء والخبر «فأمّتعه» .\nوفي قراءة أبيّ فنمتّعه قليلا ثمّ نضطره «١»، وفي قراءة يحيى بن وثاب فأمتعه قليلا ثمّ اضطرّه «٢» بكسر الهمزة ورفع الفعل على لغة من قال: أنت تضرب، وروي عن ابن محيصن أنه كان يدغم الضاد في الطاء. قال أبو جعفر: وذا لا يجوز لأن في الضاد تفشّيا فلا تدغم في شيء ولكن يجوز أن تدغم الطاء فيها كما قالوا: اضّجع «وفمن اضّرّ» . وحدثنا أحمد بن شعيب بن علي قال: أخبرني عمران بن بكار قال:\nحدّثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي قال: حدثنا شعيب بن إسحاق عن هارون عن حنظلة عن الحارث بن أبي ربيعة قال: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ «٣» قال أبو جعفر: وهذا\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٧٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٥٥٥، وهي قراءة الجمهور.\n(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٧٨، والمحتسب ١/ ١٠٤، والبحر المحيط ١/ ٥٥٥.","vol":"1","page":77},{"text":"على السؤال والطلب والأصل اضطرره ثم أدغم ففتح لالتقاء الساكنين لخفّة الفتحة ويجوز الكسر. قال أبو جعفر: وهذه القراءة شاذة ونسق الكلام والتفسير جميعا يدلّان على غيرها، أمّا نسق الكلام فإنّ الله جلّ وعزّ خبّر عن إبراهيم ﷺ أنه قال: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا ثم جاء بقوله ولم يفصل بينه بقال، ثم قال فكان هذا جوابا من الله جلّ وعزّ ولم يقل- بعد: - قال إبراهيم. وأما التفسير فقد صحّ عن ابن عباس وسعيد بن جبير «١» ومجاهد ومحمد بن كعب وهذا لفظ ابن عباس دعا إبراهيم ﷺ لمن آمن دون الناس خاصة فأعلم الله جلّ وعزّ أنه يرزق من كفر كما يرزق من آمن وأنه يمتّعه قليلا ثمّ يضطرّه إلى عذاب النار. قال أبو جعفر: وقال الله جلّ وعزّ: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ [الإسراء: ٢٠] وقال: وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ [هود: ٤٨] وقال أبو إسحاق: إنما علم إبراهيم ﷺ أنّ في ذرّيته كفارا فخصّ المؤمنين لأن الله جلّ وعزّ قال له: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٧ الى ١٢٨]</span>\nوَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)\nالْقَواعِدَ الواحدة قاعدة، والواحدة من قوله الْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ [النور:\n٦٠]، قاعد، وَإِسْماعِيلُ عطف على إبراهيم، رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا قال الأخفش: الذي قال «ربّنا تقبل منّا» إسماعيل، وغيره يقول: هما جميعا قالا. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله ويقولان ربّنا تقبّل منّا وأرنا مناسكنا «٢» ويبعد وأرنا «٣» بإسكان الراء لأن الأصل:\nأرينا، حذفت الياء لأنه أمر وألقيت حركة الهمزة على الراء وحذفت الهمزة فإن حذفت الكسرة كان ذلك إجحافا، وليس هذا مثل فخذ لأن الكسرة في أرنا تدلّ على الهمزة وليست الكسرة في فخذ دالة على شيء، ولكن يجوز حذفها على بعد لأنها مستثقلة كما أنّ الكسرة في فخذ مستثقلة. قال الأخفش: واحد المناسك منسك مثل مسجد ويقال:\nمنسك. قال أبو جعفر: يقال: نسك ينسك فكان يجب على هذا أن يقال: منسك إلا أنه ليس في كلام العرب مفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٩]</span>\nرَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)\nيَتْلُوا في موضع نصب لأنه نعت لرسول أي رسولا تاليا، ويجوز في غير\n_________\n(١) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الكوفي التابعي الجليل. عرض على ابن عباس وعرض عليه أبو عمرو (ت ٩٥ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٠٥.\n(٢) انظر المحتسب ١/ ١٠٨، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٧٨.\n(٣) انظر تيسير الداني ٦٦.","vol":"1","page":78},{"text":"القرآن جزمه يكون جوابا للمسألة. وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٠]</span>\nوَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)\nوَمَنْ ابتداء وهو اسم تامّ في الاستفهام والمجازاة. يَرْغَبُ فعل مستقبل في موضع الخبر وهو تقرير وتوبيخ وقع فيه معنى النفي أي ما يرغب، عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وقول الفراء «١»: إنّ نَفْسَهُ مثل: ضقت به ذرعا محال عند البصريين لأنه جعل المعرفة منصوبة على التمييز. قال سيبويه «٢»: وذكر الحال وإنّها مثل التمييز وهذا لا يكون إلّا نكرة، يعني ما كان منصوبا على الحال كما أنّ ذلك لا يكون إلّا نكرة يعني التمييز. قال أبو جعفر: فإن جئت بمعرفة زال معنى التمييز لأنك لا تبيّن بها ما كان من جنسها. قال الفراء «٣»: ومثله: بطرت معيشتها ولا يجوز عنده: نفسه سفه زيد ولا معيشتها بطرت القرية، وقال الكسائي: وهو أحد قولي الأخفش: المعنى إلّا من سفه في نفسه ويجيزان التقديم. قال الأخفش: ومثله عُقْدَةَ النِّكاحِ أي على عقدة النكاح. قال أبو جعفر: وقد تقصّيناه في الكتاب الذي قبل هذا. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ يقال: كيف جاز تقديم في الآخرة وهو داخل في الصلة؟ فالجواب أنه ليس التقدير وإنه لمن الصالحين في الآخرة فتكون الصلة قد تقدمت ولأهل العربية فيه ثلاثة أقوال: منها أن يكون المعنى وإنه صالح في الآخرة ثم حذف، وقيل «في الآخرة» متعلّق بمصدر محذوف أي صلاحه في الآخرة، والقول الثالث أن الصالحين ليس بمعنى الذين صلحوا ولكنه اسم قائم بنفسه كما يقال: الرجل والغلام. الأصل في اصْطَفَيْناهُ اصتفيناه أبدل من التاء طاء لأن الطاء مطبقة كالصاد وهي من مخرج التاء ولم يجز أن تدغم الصاد لأنها لا تدغم إلّا في أختيها الزاي والسين لما فيهنّ من الصفير ولكن يجوز أن تدغم التاء فيها في غير القرآن فتقول: اصّفيناه قبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٢]</span>\nوَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)\nوَوَصَّى فيه معنى التكثير وإذا كان كذلك بعدت القراءة به وأحسن من هذا أن يكون وصّى وأوصى بمعنى واحد مثل كرمنا وأكرمنا. إِبْراهِيمُ رفع بفعله.\nوَيَعْقُوبُ عطف عليه. يا بَنِيَّ نداء مضاف، وهذه ياء النفس لا يجوز هاهنا إلّا فتحها لأنها لو سكنت لالتقى ساكنان ومثله بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢] إِنَّ اللَّهَ كسرت\n_________\n(١) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٧٩.\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ١١٠. [.....]\n(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٧٩.","vol":"1","page":79},{"text":"«إنّ» لأن أوصى وقال واحد، وقيل: على إضمار القول. فَلا تَمُوتُنَّ في موضع جزم بالنهي أكّد بالنون الثقيلة وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ابتداء وخبر في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٣]</span>\nأَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)\nأَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ خبر كان ولم يصرفه لأن فيه ألف التأنيث ودخلت لتأنيث الجماعة كما دخلت الهاء. إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ مفعول مقدّم وفي تقديمه فائدة على مذهب سيبويه «١» قال: لأنهم يقدمون الذي بيانه أهم عليهم وهم ببيانه أعنى وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم. ما تَعْبُدُونَ «ما» في موضع نصب بتعبدون. قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ في موضع خفض على البدل ولم تصرف لأنها أعجمية. قال الكسائي: إن شئت صرفت إسحاقا وجعلته من السحق وصرفت يعقوب وجعلته من الطير. قال أبو جعفر: ومن قرأ وإله أبيك «٢» فله فيه وجهان: أحدهما أن يكون أفرد لأنه كره أن يجعل إسماعيل أبا لأنه عمّ. قال أبو جعفر: هذا لا يجب، لأن العرب تسمّي العم أبا، وأيضا فإنّ هذا بعيد لأنه يقدر وإله إسماعيل وإله إسحاق فيخرج وهو أبوه الأدنى من نسق إبراهيم ففي هذا من البعد ما لا خفاء به، وفيه وجه آخر على مذهب سيبويه يكون أبيك جمعا. حكى سيبويه «٣»: أبون وأبين كما قال:\n[الوافر] ٢٨-\nفقلنا أسلموا إنّا أخوكم «٤»\nسيبويه والخليل يقولان: في جمع إبراهيم وإسماعيل براهيم وسماعيل وهذا قول الكوفيين، وحكوا أيضا براهمة وسماعلة والهاء بدل من الياء كما يقال: زنادقة، وحكوا براهم وسماعل. قال محمد بن يزيد: هذا غلط لأن الهمزة ليس هذا موضع زيادتها\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ٦٨.\n(٢) انظر المحتسب ١/ ١١٢ (قراءة ابن عباس ويحيى ابن يعمر والحسن وعاصم الجحدري وأبي رجاء)، ومختصر ابن خالويه ٩ (يحيى بن يعمر) .\n(٣) انظر الكتاب ٢/ ٤٤٧.\n(٤) الشاهد للعباس بن مرداس في ديوانه ص ٥٢، ولسان العرب (أخا)، والمقتضب ٢/ ١٧٤، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٢٨٥، وتذكرة النحاة ص ١٤٤، وجمهرة اللغة ١٣٠٧، وخزانة الأدب ٤/ ٤٧٨، والخصائص ٢/ ٤٢٢، وعجزه:\n«فقد برئت من الإحن الصدور»","vol":"1","page":80},{"text":"ولكن أقول: أباره وأسامع، ويجوز أباريه وأساميع وأجاز أحمد بن يحيى: براه كما يقال: في التصغير بريه وجمع إسحاق أساحيق، وحكى الكوفيون: أساحقة وأساحق وكذا يعقوب ويعاقيب ويعاقبة ويعاقب فأما إسرائيل فلا نعلم أحدا يجيز حذف الهمزة من أوله وإنما يقال: أساريل وحكى الكوفيون: أسارلة وأسارل. والباب في هذا كلّه أن يجمع مسلّما فيقال: إبراهيمون وإسحاقون وإسماعيلون ويعقوبون والمسلّم لا عمل فيه. إِلهًا واحِدًا نصب على الحال، وإن شئت على البدل لأنه يجوز أن تبدل النكرة من المعرفة والمعرفة من النكرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٤]</span>\nتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)\nتِلْكَ مبتدأ، أُمَّةٌ خبره، قَدْ خَلَتْ نعت لأمة وإن شئت كان خبر المبتدأ ويكون أمة بدلا من تلك، لَها ما كَسَبَتْ «ما» في موضع رفع بالابتداء، وبالصفة على قول الكوفيين، وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٥]</span>\nوَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)\nوَقالُوا كُونُوا هُودًا جمع هائد، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى ذوى هود كما يقال: قوم عدل ورضى. تَهْتَدُوا جواب الأمر. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا «قل بل ملّة إبراهيم» في الكتاب الذي قبل هذا. قال أبو إسحاق «١»: حَنِيفًا منصوب على الحال. قال علي بن سليمان هذا خطأ لا يجوز: جاءني غلام هند مسرعة ولكنه منصوب على أعني، وقال غيره: المعنى بل نتبع إبراهيم في هذه الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٦]</span>\nقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)\nوَما أُنْزِلَ إِلَيْنا في موضع خفض أي والذي أنزل إلينا واسم ما لم يسمّ فاعله مضمر في أنزل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٧]</span>\nفَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)\nفَسَيَكْفِيكَهُمُ الكاف والهاء والميم في موضع نصب مفعولان، ويجوز في غير القرآن فسيكفيك إياهم، وكذا الفعل إذا تعدّى إلى المفعول الأول قوي فجاز أن يأتي في الثاني منفصلا.\n_________\n(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ١٨١، والبحر المحيط ١/ ٥٧٧.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٨]</span>\nصِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨)\nصِبْغَةَ اللَّهِ قال الأخفش: أي دين الله، قال: وهي بدل من ملّة. قال أبو جعفر: وهو قول حسن لأن أمر الله جلّ وعزّ ونهيه ودلائله مخالطة للمعقول كما يخالط الصبغ الثوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٩]</span>\nقُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)\nقُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ جاز اجتماع حرفين من جنس واحد متحركين لأن الثاني كالمنفصل، وقرأ ابن محيصن قل أتحاجّونّا «١» مدغما، وهذا جائز إلّا أنه مخالف للسواد وقد جمع أيضا بين ساكنين وجاز ذلك لأن الأول حرف مدّ ولين، ويجوز أن تدغم ويومأ إلى الفتحة كما قرئ لا تَأْمَنَّا [يوسف: ١١] بإشمام الضمّة، ويجوز «أتحاجّونا» بحذف النون الثانية كما قرأ نافع فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: ٥٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٠]</span>\nأَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)\nقالوا: قرأ الكسائي أَمْ تَقُولُونَ «٢» بالتاء، وهي قراءة حسنة لأن الكلام متسق أي أتحاجوننا أم تقولون، والقراءة بالياء من كلامين وتكون «أم» بمعنى «بل» . قال الأخفش: كما تقول إنها لأبل أم شاء. وكسرت «إنّ» لأن الكلام محكيّ والأسباط من ولد يعقوب بمنزلة القبائل من ولد إسماعيل، هُودًا خبر كان وخبر «إنّ» في الجملة ويجوز في غير القرآن رفع هود على خبر «إنّ» وتكون كان ملغاة.\nتمّ الجزء الأول «٣» من كتاب «إعراب القرآن» والحمد لله رب العالمين وصلى الله على النبي محمد وعلى آله الكرام الأبرار وسلم.\nقال أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل في قوله ﷿:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٢]</span>\nسَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)\nسَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ جمع سفيه والنساء سفايه، ما وَلَّاهُمْ «ما» اسم تام في موضع رفع بالابتداء وولّاهم في موضع الخبر.\n_________\n(١) انظر مختصر في شواذ القرآن ١٠، والبحر المحيط ١/ ٥٨٥، وهي قراءة زيد بن ثابت والحسن والأعمش أيضا.\n(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٥٨٦.\n(٣) حسب تقسيم المؤلف.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٣]</span>\nوَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)\nجَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا مفعولان. قال القتبي «١»: إنما قيل للخير وسط لأن الغلوّ والتقصير مذمومان، وخير الأمور أوساطها. قال أبو إسحاق: العرب تشبّه القبيلة بالوادي والقاع وخير الوادي وسطه وكذا خير القبيلة وسطها، وقيل: سبيل الجليل والرئيس أن لا يكون طرفا وأن يكون متوسّطا فلهذا قيل للفاضل: وسط. لِتَكُونُوا لام كي أي لأن تكونوا، شُهَداءَ خبر ويكون عطفا. وقرأ الزهري إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ «٢» «من»: في موضع رفع على هذه القراءة لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله.\nوجمع قبلة في التكسير قبل وفي التسليم قبلات، ويجوز أن تبدل من الكسرة فتحة، ويجوز أن تحذف الكسرة. وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً الفراء يذهب إلى أنّ «إن» واللام بمعنى «ما» و«إلّا»، والبصريون «٣» يقولون: هي «إن» الثقيلة خفّفت فصلح الفعل بعدها ولزمتها اللام لئلّا تشبه «إن» التي بمعنى «ما» قال الأخفش: أي وإن كانت القبلة لكبيرة، لَرَؤُفٌ على وزن فعول والكوفيون يقرءون لَرَؤُفٌ «٤»، وحكى الكسائي أن لغة بني أسد لرأف على فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٤]</span>\nقَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)\nشَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ظرف مكان كما تقول: تلقاءه وجهته، وانتصب الظرف لأنه فضلة بمنزلة المفعول به، وأيضا فإن الفعل واقع فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٥]</span>\nوَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)\nوَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ لأنهم كفروا وقد تبيّنوا الحق\n_________\n(١) انظر تفسير غريب القرآن ٦٥.\n(٢) انظر المحتسب ١/ ١١١، ومختصر ابن خالويه ١٠، والبحر المحيط ١/ ٥٩٨.\n(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ١٨٧.\n(٤) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ١٧١ والبحر المحيط ١/ ٦٠١.","vol":"1","page":83},{"text":"فليس تنفعهم الآيات. قال الأخفش: والفرّاء «١»: أجيبت «إن» بجواب «لو» لأن المعنى ولو أتيت الذين أوتوا الكتاب بكلّ آية، ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وكذا تجاب «لو» بجواب «إن» تقول: لو أحسنت أحسن إليك ومثله وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا [الروم:\n٥١] أي لو أرسلنا ريحا. قال أبو جعفر: هذا القول خطأ على مذهب سيبويه «٢» وهو الحق، لأن معنى «إن» خلاف معنى «لو» يعني أنّ معنى إن يجب بها الشيء لوجوب غيره تقول: إن أكرمتني أكرمتك ومعنى «لو» أنه يمتنع بها الشيء لامتناع غيره فلا تدخل واحدة منهما على الأخرى. والمعنى ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك. وقال سيبويه: المعنى ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا ليظلنّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٦]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ابتداء، يَعْرِفُونَهُ في موضع أي يعرفون التحويل أو يعرفون النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٧]</span>\nالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)\nالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ رفع بالابتداء أو على إضمار ابتداء وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قرأ الحق «٣» منصوبا أي يعلمون الحق فأما الذي في «الأنبياء» الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنبياء: ٢٤] فلا نعلم أحدا قرأه إلّا منصوبا والفرق الذي بينهما أنّ الذي في سورة البقرة مبتدأ آية والذي في سورة الأنبياء ليس كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٨]</span>\nوَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)\nلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها\nالهاء والألف مفعول أول والمفعول الثاني محذوف أي هو مولّيها وجهه أو نفسه والمعنى هو مولّ نحوها وجهه والعرب تحذف من كلّ وبعض فيقولون كلّ منطلق: أي كل رجل والتقدير ولكلّ أمة وأهل ملة. اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ\nأمر أي بادروا ما أمركم الله جلّ وعزّ به من استقبال شطر البيت الحرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٠]</span>\nوَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٨٤. [.....]\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ١٢٤.\n(٣) انظر البحر المحيط ١/ ٦٠٤، ومختصر ابن خالويه ١٠.","vol":"1","page":84},{"text":"لِئَلَّا وإن شئت خفّفت الهمزة يَكُونَ نصب بأن، وإن شئت قلت: تكون لتأنيث الحجّة وهذا متعلّق بما تقدم من الاحتجاج عليهم. إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ في موضع نصب استثناء ليس من الأول كما تقول العرب: ما نفع إلّا ما ضرّ وما زاد إلّا ما نقص. وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ قال الأخفش: هو معطوف على لئلّا يكون أي ولأن أتمّ نعمتي عليكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>[سورة البقرة (٢): آية ١٥١]</span>\nكَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)\nكَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناه والكاف في موضع نصب أي لعلّكم تهتدون اهتداء مثل ما أرسلنا، ويجوز أن يكون التقدير ولأتم نعمتي عليكم إيمانا مثل ما أرسلنا، ويجوز أن تكون الكاف في موضع نصب على الحال أي ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال ويجوز أن يكون التقدير: فاذكروني ذكرا مثل ما و«ما» في موضع خفض بالكاف وأرسلنا صلتها. يَتْلُوا فعل مستقبل والأصل فيه ضم الواو إلّا أن الضمّة مستثقلة وقبلها أيضا ضمة فحذفت وهو في موضع نصب نعت لرسول.\nوَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٢]</span>\nفَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)\nفَاذْكُرُونِي أمر. أَذْكُرْكُمْ فيه معنى المجازاة فلذلك جزم. وَلا تَكْفُرُونِ نهي فلذلك حذفت منه النون وحذفت الياء لأنه رأس آية وإثباتها حسن في غير القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)\nأي عن المعاصي، قال أبو جعفر: وقد ذكرناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٤]</span>\nوَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤)\nوَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ على إضمار مبتدأ، وكذلك، بَلْ أَحْياءٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٥]</span>\nوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)\nوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ هذه الواو مفتوحة عند سيبويه «١» لالتقاء الساكنين وقال غيره: لمّا ضمّت إلى النون صارت بمنزلة خمسة عشر.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ١١، والبحر المحيط ١/ ٦٢٣.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٦]</span>\nالَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦)\nالَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ نعت للصابرين قالُوا إِنَّا لِلَّهِ قال الكسائي: إن شئت كسرت الألف لاستعمالها وكثرتها، وقال الفراء «١»: وإنما كسرت النون في «إنا لله» لكثرة استعمالهم إيّاها. قال أبو جعفر: أمّا قول الفراء فغلط قبيح لأنّ النون لا تكسر ولا يكون ما قبل الألف أبدا مكسورا ولا مضموما وأما قول الكسائي: فيجوز على أنه يريد أنّ الألف ممالة إلى الكسرة وأما على أن تكسر فمحال لأن الألف لا تحرّك البتة وإنّما أميلت الألف في «إنا لله» لكسرة اللام في لله ولو قلت: إنّا لزيد شاكرون، لم يجز إمالة الألف لأنها في حرف آخر وجاز ذلك في إنا لله لأنه لمّا كثر صار الشيئان بمنزلة شيء واحد، وإن شئت فخّمت. والأصل إنّنا حذفت إحدى النونين تخفيفا، وكذا وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٧]</span>\nأُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)\nأُولئِكَ مبتدأ والخبر، عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ. وَرَحْمَةٌ عطف على صلوات. وَأُولئِكَ مبتدأ، هُمُ ابتداء ثان، والْمُهْتَدُونَ خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول، وإن شئت كانت «هم» زائدة توكيدا و«المهتدون» الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]</span>\nإِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)\nإِنَّ الصَّفا اسم «إنّ» والألف منقلبة من واو. وَالْمَرْوَةَ عطف على الصفا.\nمِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الخبر مشتق من شعرت به وهمز لأنه فعائل لا أصل للياء في الحركة فأبدل منها همزة. فَمَنْ في موضع رفع بالابتداء وحَجَّ في موضع جزم بالشرط، وجوابه وخبر الابتداء فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما «٢» والأصل: يتطوّف ثم أدغمت التاء في الطاء، وحكي أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما «٣» على التكثير، وروي عن ابن عباس أن يطّاف والأصل أيضا يتطاف «٤» أدغمت التاء في الطاء. قال أبو جعفر: ولا نعلم أحدا قرأ: «أن يطوف بهما» . وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ فعل ماض في موضع جزم بالشرط وهذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وهي حسنة لأنه لا علّة فيها، وقراءة أهل الكوفة إلّا عاصما. وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا «٥» والأصل يتطوع أدغمت التاء في الطاء. فَإِنَّ اللَّهَ اسم\n_________\n(١) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٩٤، والبحر المحيط ٦٢٥.\n(٢) هذه قراءة الجمهور.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ١١.\n(٤) انظر إملاء ما منّ به الرّحمن ٧٠، والبحر المحيط ١/ ٦٣٢.\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٩٥، والبحر المحيط ١/ ٦٣٢.","vol":"1","page":86},{"text":"إنّ. شاكِرٌ خبره عَلِيمٌ نعت لشاكر، وإن شئت كان خبرا بعد خبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩)\nإِنَّ الَّذِينَ اسم «إنّ» وقرأ طلحة بن مصرف مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ بمعنى بيّنه الله. أُولئِكَ مبتدأ. يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ في موضع الخبر والجملة خبر «إنّ» ولعنه وطرده أي باعده من رحمته كما قال الشمّاخ: [الوافر] ٢٩-\nذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذّئب كالرّجل اللّعين «١»\nقال أبو جعفر: وقد بيّنا معنى «وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» لأن للقائل أن يقول: أهل دينهم لا يلعنونهم ومن أحسن ما قيل فيه أنّ أهل دينهم يلعنون على الحقيقة لأنهم يلعنون الظالمين وهم من الظالمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٠]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا نصب بالاستثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>[سورة البقرة (٢): آية ١٦١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اسم «إنّ» أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ الخبر، وقرأ الحسن أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعون «٢» وهذا معطوف على الموضع كما تقول:\nعجبت من قيام زيد وعمرو لأن موضع «زيد» موضع رفع والمعنى من أن قام زيد والمعنى أولئك عليهم أن يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٢]</span>\nخالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)\nخالِدِينَ فِيها حال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٣]</span>\nوَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)\nوَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٤]</span>\nإِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)\n_________\n(١) الشاهد للشمّاخ بن ضرار في ديوانه ص ٣٢١، وجمهرة اللغة ص ٩٤٩، وخزانة الأدب ٤/ ٣٤٧، وشرح المفصّل ٣/ ١٣، ولسان العرب (لعن)، والمعاني الكبير ١/ ١٩٤، والمنصف ١/ ١٠٩، وبلا نسبة في مجالس ثعلب ٢/ ٥٤٣، والمحتسب ١/ ٣٢٧.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٩٦، وتفسير الطبري ٢/ ٥٨.","vol":"1","page":87},{"text":"(لَآياتٍ) في موضع نصب اسم إنّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٥]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥)\nمِنَ في موضع رفع بالابتداء ويَتَّخِذُ على اللفظ ويجوز في غير القرآن يتخذون، يُحِبُّونَهُمْ على المعنى، ويجوز في غير القرآن يحبّهم وهو في موضع نصب على الحال من المضمر الذي في يتّخذ، وإن شئت كان نعتا لأنداد، وإن شئت كان في موضع رفع نعتا لمن على أنّ من نكرة كما قال: [الكامل] ٣٠-\nفكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حبّ النّبيّ محمّد إيّانا «١»\nوَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ ابتداء وخبر، كَحُبِّ اللَّهِ على البيان، وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بالياء قراءة أهل مكة وأهل الكوفة وأبي عمرو وهي اختيار أبي عبيد، وقرأ أهل المدينة وأهل الشام ولو ترى الذين «٢» بالتاء وفي الآية إشكال وحذف زعم أبو عبيد أنه اختار القراءة بالياء لأنه يروى في التفسير أنّ المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا أن القوة لله. قال أبو جعفر: روي عن محمد بن يزيد أنه قال:\nهذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد وليست عبارته فيه بالجيدة لأنه يقدّر «ولو يرى الذين ظلموا العذاب» وكأنه جعله مشكوكا فيه، وقد أوجبه الله ﷿. ولكن التقدير وهو قول أبي الحسن الأخفش سعيد: ولو يرى الذين ظلموا أنّ القوة لله، ويرى بمعنى يعلم أي لو يعلمون حقيقة قوة الله، فيرى واقعة على «أن»، وجواب «لو» محذوف أي لتبيّنوا ضرر اتخاذهم الآلهة، كما قال: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام: ٢٧] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ [الأنعام: ٣٠] ولم يأت للو جواب. قال الزهري وقتادة:\nالإضمار أشدّ للوعيد. قال أبو جعفر: ومن قرأ ولو ترى بالتاء كان «الذين» مفعولين\n_________\n(١) الشاهد لكعب بن مالك في ديوانه ص ٢٨٩، وخزانة الأدب ٦/ ١٢٠، ١٢٣، ١٢٨، والدرر ٣/ ٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٣٥، ولبشير بن عبد الرّحمن في لسان العرب (منن)، ولحسان بن ثابت في الأزهيّة ص ١٠١، ولكعب أو لحسان أو لعبد الله بن سواحة في الدرر ١/ ٣٠٢، ولكعب أو لحسان أو لبشير بن عبد الرّحمن في شرح شواهد المغني ١/ ٣٣٧، والمقاصد النحوية ١/ ٤٨٦، وللأنصاري في الكتاب ٢/ ١٠١، ولسان العرب (كفى)، وبلا نسبة في الجنى الداني ص ٥٢، ورصف المباني ص ١٤٩، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ١٣٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٤١، وشرح المفصّل ٤/ ١٢، ومجالس ثعلب ١/ ٣٣٠، والمقرب ١/ ٢٠٣، وهمع الهوامع ١/ ٩٢.\n(٢) انظر البحر المحيط ١/ ٦٤٥، وهي قراءة الحسن وقتادة وشيبة وأبي جعفر ويعقوب أيضا.","vol":"1","page":88},{"text":"عنده وحذف أيضا جواب «لو» و«أن» في موضع نصب أي لأن القوة لله وأنشد سيبويه: [الطويل] ٣١-\nوأغفر عوراء الكريم ادّخاره ... وأعرض عن شتم اللّئيم تكرّما «١»\nأي لادّخاره، وأجاز الفراء «٢» أن تكون «أنّ» في موضع نصب على إضمار الرؤية ومن كسر فقرأ إنّ القوة لله وإنّ الله جعلها استئنافا جَمِيعًا نصب على الحال.\nوَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ عطف على أنّ الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٦]</span>\nإِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦)\nإِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ضمّت الهمزة في اتبعوا اتباعا للتاء وضمّت التاء الثانية لتدل على أنه لما لم يسمّ فاعله، فإن قيل: سبيل ما لم يسم فاعله أن يضمّ أوله للدلالة فكيف ضمّ الثالث هذا للدلالة فالجواب أنّ سبيل فعل ما لم يسمّ فاعله أن يضمّ أول متحركاته فلما كانت التاء الأولى ساكنة اجتلبت لها الهمزة وحرّكت الثانية لأنها أول المتحركات. وَرَأَوُا الْعَذابَ ضمّت الواو لالتقاء الساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٧]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)\nلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً «أن» في موضع رفع أي لو وقع ذلك فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ جواب التمني. كَما الكاف في موضع نصب أي تبرؤوا كما، ويجوز أن يكون نصبا على الحال. كَذلِكَ الكاف في موضع رفع أي الأمر كذلك، ويجوز أن تكون في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف أي رؤية كذلك يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ مفعولان حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٨]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا نعت لمفعول أي شيئا حلالا أو أكلا حلالا. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا (خطوات الشيطان) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٩]</span>\nإِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩)\nوَأَنْ تَقُولُوا في موضع خفض عطفا على قوله بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ.\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٨) .\n(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٩٧. [.....]","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٠]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا فتحت الواو لأنها واو عطف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>[سورة البقرة (٢): آية ١٧١]</span>\nوَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)\nوَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ، وخبره كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ قال أبو جعفر: وقد تقصينا معناه. بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً نصب بيسمع. وَنِداءً عطف عليه. صُمٌّ أي هم صمّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٣]</span>\nإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)\nإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ نصب بحرّم، و«ما» كافة، ويجوز أن تجعلها بمعنى الذي وترفع الميتة والدم ولحم الخنزير. فَمَنِ اضْطُرَّ ضمّت النون لالتقاء الساكنين وأتبعت الضمة الضمة، ويجوز الكسر على أصل التقاء الساكنين، وقرأ أبو جعفر فَمَنِ اضْطُرَّ «١» بكسر الطاء لأنّ الأصل اضطرر فلمّا أدغم ألقى حركة الراء على الطاء ويجوز (فمن اضّرّ) لمّا لم يجز أن يدغم الضاد في الطاء أدغم الطاء في الضاد، ويجوز أن تقلب الضاد طاء من غير إدغام ثم تدغم الطاء في الطاء فتقول: فمن اطّر وهذا في غير القرآن، غَيْرَ باغٍ «غير» نصب على الحال، والأصل باغي استثقلت الحركة في الياء فسكنت والتنوين ساكن فحذفت الياء لسكونها وسكون التنوين وكانت أولى بالحذف لأن التنوين علامة وقبل الياء ما يدلّ عليها وكذا ولا عاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)\nالَّذِينَ اسم «إنّ»، والخبر أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]</span>\nلَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)\nلَيْسَ الْبِرَّ اسم ليس، والخبر أَنْ تُوَلُّوا وقرأ الكوفيون لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا «٢»\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ١١.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١٠٣، والبحر المحيط ٢/ ٣.","vol":"1","page":90},{"text":"جعلوا «أن» في موضع رفع والأول بغير تقديم ولا تأخير، وفي قراءة أبيّ وابن مسعود ليس البرّ بأن تولّوا فلا يجوز في البرّ هاهنا إلّا الرفع. وَلكِنَّ الْبِرَّ وقرأ الكوفيون ولكن البرّ رفع بالابتداء. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ الخبر، وفيه ثلاثة أقوال: يكون التقدير ولكن البرّ برّ من آمن بالله ثم حذف كما قالت الخنساء: [البسيط] ٣٢-\nفإنما هي إقبال وإدبار «١»\nأي ذات إقبال، ويجوز أن يكون التقدير ولكن ذو البرّ من آمن بالله ويجوز أن يكون البرّ بمعنى البار والبرّ كما يقال: رجل عدل، وفي الآية إشكال من جهة الإعراب لأن بعد هذا وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فيه خمسة أقوال: يكون و«الموفون» رفعا عطفا على «من»، و«الصابرين» على المدح أي وأعني الصابرين، ويكون و«الموفون» رفعا بمعنى، وهم الموفون مدحا للمضمرين و«الصابرين» عطفا على ذوي القربى، ويكون و«الموفون» رفعا على وهم الموفون و«الصابرين» بمعنى وأعني الصابرين فهذه ثلاثة أجوبة لا مطعن فيها من جهة الإعراب موجودة في كلام العرب وأنشد سيبويه «٢»: [الكامل] ٣٣-\nلا يبعدن قومي الّذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر\nالنّازلين بكلّ معترك ... والطّيّبون معاقد الأزر\nوإن شئت قلت: النازلون والطيبين، وإن شئت رفعتهما جميعا، ويجوز نصبهما.\nقال الكسائي: يجوز أن يكون و«الموفون» نسقا «٣» على «من» و«الصابرين» نسقا على «ذوي القربى» . قال أبو جعفر: وهذا القول خطأ وغلط بيّن لأنك إذا نصبت والصابرين ونسقته على ذوي القربى دخل في صلة «من» فقد نسقت على «من» من قبل أن تتمّ الصلة وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف، والجواب الخامس: أن يكون\n_________\n(١) الشاهد للخنساء في ديوانها ص ٣٨٣، والأشباه والنظائر ١/ ١٩٨، وخزانة الأدب ١/ ٤٣١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٨٢، والشعر والشعراء ١/ ٣٥٤، والكتاب ١/ ٣٣٧، ولسان العرب (رهط، وقبل، وسوا)، والمقتضب ٤/ ٣٠٥، والمنصف ١/ ١٩٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٨٧، وشرح الأشموني ١/ ٢١٣، وشرح المفصّل ١/ ١١٥، والمحتسب ٢/ ٤٣، وصدره:\n«ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت»\n(٢) البيتان للخرنق بنت بدر بن هفان في ديوانها ص ٤٣، والأشباه والنظائر ٦/ ٢٣١، وأمالي المرتضى ١/ ٢٠٥، والإنصاف ٢/ ٤٦٨، وأوضح المسالك ٣/ ٣١٤، والحماسة البصرية ١/ ٢٢٧، وخزانة الأدب ٥/ ٤١، والدرر ٦/ ١٤، وسمط اللآلي ص ٥٤٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦، وشرح التصريح ٢/ ١١٦، والكتاب ١/ ٢٦٤، ولسان العرب (نضر)، والمحتسب ٢/ ١٩٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٠٢، وأساس البلاغة (أزر)، وبلا نسبة في رصف المباني ص ٤١٦، وشرح الأشموني ٢/ ٣٩٩.\n(٣) النسق: العطف.","vol":"1","page":91},{"text":"و«الموفون» عطفا على المضمر الذي في آمن «الصابرين» عطفا على «ذوي القربى» قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله والموفين والصابرين قال أبو جعفر: يكونان منسوقين على ذوي القربى وعلى المدح. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله في «النساء» والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة [النساء: ١٦٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ اسم ما لم يسمّ فاعله. فِي الْقَتْلى لم يتبيّن فيه الإعراب لأنّ فيه ألف التأنيث وجيء بها لتأنيث الجماعة. الْحُرُّ بِالْحُرِّ ابتداء وخبر.\nوَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى نسق عليه. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ شرط والجواب فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وهو رفع بالابتداء، والتقدير فعليه اتباع بالمعروف ويجوز في غير القرآن فاتّباعا وأداء يجعلهما مصدرين. ذلِكَ تَخْفِيفٌ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٩]</span>\nوَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)\nوَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ رفع بالابتداء. وقراءة أبيّ وأبي الجوزاء ولكم في القصص شاذة والظاهر دلّ على غيرها. قال الله ﷿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى فدلّ بعض الكلام على بعض والتفسير على القصاص. روى سفيان الثوري «١» عن السدّيّ عن أبي مالك وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ قال: أن لا يقتل بعضكم بعضا ثم قال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ حذف المفعول لعلم السامع. روى اللّيث عن ربيعة في قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ محارمكم وما نهيت بعضكم فيه عن بعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٠]</span>\nكُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)\nكُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ في الكلام تقدير واو العطف المعنى وكتب عليكم، ومثله في بعض الأقوال لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:\n١٥، ١٦] أي ولا يصلاها. أَحَدَكُمُ مفعول والْمَوْتُ فاعل. إِنْ تَرَكَ خَيْرًا شرط، وفي جوابه قولان: قال الأخفش سعيد: التقدير فالوصيّة ثم حذف الفاء كما قال: [البسيط]\n_________\n(١) سفيان الثوري: أبو عبد الله الكوفي، الإمام الكبير، روى القراءة عرضا عن حمزة وروى عن عاصم (ت ١٦١ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٠٨.","vol":"1","page":92},{"text":"٣٤-\nمن يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان «١»\nوالجواب الآخر أنّ الماضي يجوز أن يكون جوابه قبله وبعده فيكون التقدير الوصية للوالدين والأقربين إن ترك خيرا فإن حذفت الفاء فالوصية رفع بالابتداء وإن لم تقدر الفاء جاز أن ترفعها أيضا بالابتداء وأن ترفعها على أنها اسم ما لم يسمّ فاعله أي كتب عليكم الوصية. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا في الآية أقوالا منها أن تكون منسوخة بالفرض ومنها أن تكون على الندب على الوصية. قال أبو جعفر: والقول أنه لا يجوز أن يكون شيء من هذا على الندب إلّا بدليل وقد قيل: أنها منسوخة بالحديث «لا وصية لوارث» «٢» . حَقًّا مصدر، ويجوز في غير القرآن «حقّ» بمعنى ذلك حق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>[سورة البقرة (٢): آية ١٨١]</span>\nفَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)\nفَمَنْ بَدَّلَهُ شرط، وجوابه فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ و«ما» كافة لأنّ عن العمل وإِثْمُهُ رفع بالابتداء. عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ في موضع الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٢]</span>\nفَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)\nفَمَنْ خافَ شرط، والأصل خوف وقلبت الواو ألفا لتحرّكها وتحرّك ما قبلها.\nوأهل الكوفة يميلون «خاف» ليدلّوا على الكسرة من فعلت. مِنْ مُوصٍ ومن موصّ والتخفيف أبين لأن أكثر النحويين يقول: موصّ للتكثير وقد يجوز أن يكون مثل كرّم وأكرم جَنَفًا من جنف يجنف إذا جاز والاسم منه جنف وجانف. فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ عطف على خاف والكناية عن الورثة ولم يجر لهم ذكر لأنه قد عرف المعنى وجواب الشرط فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ اسم ما لم يسمّ فاعله. كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ\n_________\n(١) الشاهد لكعب بن مالك في ديوانه ص ٢٨٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٠٩، وله أو لعبد الرّحمن بن حسان في خزانة الأدب ٩/ ٤٩، وشرح شواهد المغني ١/ ١٧٨، ولعبد الرّحمن بن حسان في خزانة الأدب ٢/ ٣٦٥، ولسان العرب (بجل)، والمقتضب ٢/ ٧٢، ومغني اللبيب ١/ ٥٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٣، ونوادر أبي زيد ص ٣١، ولحسان بن ثابت في الدرر ٥/ ٨١، والكتاب ٣/ ٧٣، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ١١٤، وأوضح المسالك ٤/ ٢١٠، وخزانة الأدب ٩/ ٤٠، والخصائص ٢/ ٢٨١، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٢٦٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٨٦، وشرح المفصّل ٩/ ٢، ٣، والمحتسب ١/ ١٩٣، والمقرب ١/ ٢٧٦، والمنصف ٣/ ١١٨، وهمع الهوامع ٢/ ٦٠.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ١٨٦، والترمذي في سننه ٢١٢٠، ٢١٢١، والنسائي في سننه (الوصايا ب ٥)، وابن ماجة في سننه ٢٧١٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٨٥.","vol":"1","page":93},{"text":"الكاف في موضع نصب من ثلاث جهات: يجوز أن يكون نعتا لمصدر من كتب أي كتب عليكم الصّيام كتبا كما، ويجوز أن يكون التقدير كتب عليكم الصيام صوما كما، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال أي كتب عليكم الصيام مشبها كما كتب على الذين من قبلكم، ويجوز أن يكون في موضع رفع نعتا للصيام وما للصيام وما بيانه «الذين آمنوا» و«ما» في موضع خفض وصلتها كتب على الذين من قبلكم والضمير في كتب يعود على «ما» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٤]</span>\nأَيَّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)\nأَيَّامًا مَعْدُوداتٍ قال الأخفش: أَيَّامًا نصب بالصيام أي كتب عليكم أن تصوموا أياما معدودات، وقال الفراء «١»: هي نصب بكتب لأن فعل ما لم يسمّ فاعله إذا رفعت بعده اسما نصبت الآخر. وفي الآية شيء لطيف غامض من النحو يقال: لا يجيز النحويون: هذا صارف ظريف زيدا وكيف يجوز أن تنصب «أياما» بالصيام إذا كانت الكاف نعتا للصيام؟ فالجواب أنك إذا جعلت أياما مفعولة لم يجز هذا، وإن جعلتها ظرفا جاز لأن الظروف تعمل فيها المعاني، وزعم أحمد بن يحيى: أنّ ذلك لا يجوز البتّة وإن جعلت الكاف في موضع نصب بكتب لم يجز لأنك تفرق بين الصيام وبين ما عمل فيه بما لم يعمل فيه وإن جعلت الكاف في موضع نصب بالصيام ونصبت أياما بالصيام فلا اختلاف فيه إنّه جيد بالغ. مَعْدُوداتٍ نعت لأيام إلّا أن التاء كسرت عند البصريين لأنه جمع مسلّم، وعند الكوفيين لأنها غير أصلية. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا شرط بمن أي فمن كان منكم مريضا في هذه الأيام فَعِدَّةٌ رفع بالابتداء، والخبر عليه حذفت. قال الكسائي: ويجوز فعدّة أي فليصم عدّة. مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لم تنصرف «أخر» عند سيبويه «٢» لأنها معدولة عن الألف واللام لأن سبيل فعل من هذا الباب أن يأتي بالألف واللام نحو الكبر والفضل. قال الكسائي: هي معدولة أخر كما تقول:\nحمراء وحمر فلذلك لم تنصرف، وقيل منعت من الصرف لأنها على وزن جمع.\nويقال: إنما يقال يوم آخر ولا يقال: أخرى وأخر إنما هي جمع أخرى ففي هذا جوابان: أحدهما أنّ نعت الأيام يكون مؤنثا فلذلك نعتت بأخر، والجواب الآخر أن يكون أخر جمع أخرى كأنه أيام أخرى ثم كثرت فقيل أيام أخر. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ\n_________\n(١) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ١١٢، والبحر المحيط ٢/ ٤٦.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٣١٥.","vol":"1","page":94},{"text":"والأصل يطوقونه، وقد قرئ به فقلبت حركة الواو على الطاء فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وقرأ ابن عباس يطوّقونه «١» فصحّت الواو لأنه ليس قبلها كسرة، ويقرأ يطّوّقونه «٢» والأصل يتطوّقونه ثم أدغمت التاء في الطاء. والقراءة المجمع عليها يُطِيقُونَهُ وأصحّ ما فيها أنّ الآية منسوخة كما ذكرناه. فأما يطيّقونه وتطّيّقونه فلا يجوز لأن الواو لا تقلب ياء إلا لعلّة. فدية طعام مساكين «٣» هذه قراءة أهل المدينة وابن عامر «٤» رواها عنه عبيد الله عن نافع، وقرأ أبو عمرو والكسائي وحمزة وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ «٥» وهذا اختيار أبي عبيد وزعم أنه اختاره لأن معناه لكل يوم إطعام واحد منهم فالواحد مترجم عن الجميع وليس الجميع بمترجم عن الواحد. قال أبو جعفر: وهذا مردود من كلام أبي عبيد لأن هذا إنّما يعرف بالدلالة فقد علم أنّ معنى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين أنّ لكلّ يوم مسكينا فالاختيار هذه القراءة ليرد جمعا على جمع. واختار أبو عبيد أن يقرأ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قال: لأن الطعام هو الفدية. قال أبو جعفر: لا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل وأبين منه أن يقرأ فِدْيَةٌ طَعامُ بالإضافة لأن فدية مبهمة تقع للطعام وغيره فصار مثل قولك: هذا ثوب خزّ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ شرط وجوابه وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ابتداء وخبر أي فالصوم خير لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٥]</span>\nشَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)\nشَهْرُ رَمَضانَ حكيت فيه ستة أوجه: شَهْرُ رَمَضانَ قراءة العامة، وقرأ مجاهد وشهر ابن حوشب شَهْرُ رَمَضانَ بالنصب وحكي عن الحسن وأبي عمرو إدغام الراء في الراء وهذا لا يجوز لئلّا يجتمع ساكنان، والقراءة الرابعة: الإخفاء والوجه الخامس أن تقلب حركة الراء على الهاء فتضم الهاء، وهذا قول الكوفيين كما قال امرؤ القيس: [الطويل] ٣٥-\nفمن كان ينسانا وحسن بلائنا ... فليس بناسينا على حالة بكر «٦»\n_________\n(١) انظر المحتسب ١/ ١١٨.\n(٢) انظر المحتسب ١/ ١١٨، والبحر المحيط ٢/ ٤٢.\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ١٧٦.\n(٤) ابن عامر، عبد الله بن عامر اليحصبي، أحد القراء السبعة (ت ١١٨ هـ) ترجمته في كتاب السبعة لابن مجاهد ٨٦، وغاية النهاية ١/ ٤٢٣. [.....]\n(٥) وهذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ٢/ ٤٤.\n(٦) الشاهد غير موجود في شعر امرئ القيس ولا في الشواهد النحوية.","vol":"1","page":95},{"text":"ويجوز شَهْرُ رَمَضانَ «١» من جهتين: إحداهما على قراءة من نصب فقلب حركة الراء على الهاء، والأخرى على لغة من قال لحم ولحم ونهر ونهر «شهر رمضان» رفع بالابتداء وخبره الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ويجوز أن يكون شهر مرفوعا على إضمار ابتداء، والتقدير المفترض عليكم صومه شهر رمضان أو ذلك شهر رمضان أو الصوم أو الأيام. ورمضان لا ينصرف لأن النون فيه زائدة. ونصب شهر رمضان شاذّ وقد قيل فيه أقوال: قال الكسائي: المعنى كتب عليكم الصيام وأن تصوموا شهر رمضان. قال الفراء «٢»: أي كتب عليكم الصيام أي أن تصوموا شهر رمضان. قال أبو جعفر: لا يجوز أن تنصب شهر رمضان تصوموا لأنه يدخل في الصلة ثم يفرق بين الصلة والموصول وكذا إن نصبته بالصيام، ولكن يجوز أن تنصبه على الإغراء أي الزموا شهر رمضان وصوموا شهر رمضان. وهذا بعيد أيضا لأنه لم يتقدّم ذكر الشهر فيغرى به.\nهُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ في موضع نصب على الحال من القرآن والقرآن اسم ما لم يسمّ فاعله. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ يقال: ما الفائدة في هذا والحاضر والمسافر يشهدان الشهر؟ فالجواب أن الشهر ليس بمفعول وإنما هو ظرف زمان والتقدير فمن شهد منكم المصر في الشهر، وجواب آخر أن يكون التقدير فمن شهد منكم الشهر غير مسافر ولا مريض فَلْيَصُمْهُ وقرأ الحسن فَلْيَصُمْهُ وكان يكسر لام الأمر كانت مبتدأة أو كان قبلها شيء وهو الأصل ومن أسكن حذف الكسرة لأنها ثقيلة. وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ اسم «كان» فيها مضمر «ومريضا» خبره «أو على سفر» عطف أي أو مسافرا.\nفَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ واليسر واليسر لغتان وكذا العسر والعسر.\nوَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ فيه خمسة أقوال. قال الأخفش: هو معطوف أي ويريد ولتكملوا العدة كما قال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [الصف: ٨]، وقال غيره: يريد الله هذا التخفيف لتكملوا العدة، وقيل الواو مقحمة، وقال الفراء «٣»: المعنى ولتكملوا العدّة فعل هذا. قال أبو جعفر: وهذا قول حسن ومثله وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥] أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك، والقول الخامس ذكره أبو إسحاق إبراهيم بن السري «٤» قال: هو محمول على المعنى والتقدير فعل الله ذلك ليسهّل عليكم ولتكملوا العدة. قال: ومثله ما أنشد سيبويه «٥»: [الكامل]\n_________\n(١) وهذه قراءة مجاهد وشهر بن حوشب وهارون الأعور، انظر البحر المحيط ٢/ ٤٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١١٢.\n(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ١١٣.\n(٤) انظر إعراب القرآن ومعانيه ٢١٩.\n(٥) البيتان للشمّاخ بن ضرار في ملحق ديوانه ص ٤٢٧، وأساس البلاغة (معز)، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٩٦، ولذي الرمة في ملحق ديوانه ص ١٨٤٠، وبلا نسبة في أساس البلاغة (شجج)، وتاج العروس (شجج)، وخزانة الأدب ٥/ ١٤٧، والكتاب ١/ ٣٢٠، ولسان العرب (شجج) .","vol":"1","page":96},{"text":"٣٦-\nبادت وغيّر آيهنّ مع البلى ... إلّا رواكد جمرهنّ هباء\nومشجّج أمّا سواء قذاله ... فبدا وغيّر ساره المعزاء\nلأن معنى: بادت إلّا رواكد بها رواكد فكأنه. قال: وبها مشجّج أو ثمّ مشجّج، وقرأ الحسن وقتادة والعاصمان والأعرج وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ واختار الكسائي وَلِتُكْمِلُوا لقوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] . قال أبو جعفر: هما لغتان بمعنى واحد كما قال: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: ١٧] ولا يجوز ولتكملوا بإسكان اللام والفرق بين هذا وبين ما تقدم أن التقدير ولأن تكملوا العدة فلا يجوز حذف أن والكسرة. وَلِتُكَبِّرُوا عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]</span>\nوَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)\nفَإِنِّي قَرِيبٌ خبر إنّ. أُجِيبُ خبر بعد خبر. حكى سيبويه «١»: «هذا حلو حامض» . ويجوز أن يكون نعتا ومستأنفا. فَلْيَسْتَجِيبُوا لام أمر وكذا وَلْيُؤْمِنُوا وجزمت لام الأمر لأنها تجعل الفعل مستقبلا لا غير فأشبهت إن التي للشرط، وقيل:\nلأنها لا تقع إلّا على الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٧]</span>\nأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)\nأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ اسم ما لم يسمّ فاعله. قال أبو إسحاق «٢»:\n«الرفث» كلمة جامعة لكلّ ما يريده الرجل من المرأة. هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ ابتداء وخبر وشدّدت النون من هنّ لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ فتحت أن بعلم. فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ قد ذكرناه وهو إباحة. وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ عطف عليه وكذا وَكُلُوا وَاشْرَبُوا فَلا تَقْرَبُوها جزم بالنهي والكلام في «لا» كالكلام في لام الأمر.\nقال الكسائي: فلا تقربوها قربانا.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ٧٩، قال: «كقولك: هذا حلو حامض» .\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه ٢٢٠.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٨]</span>\nوَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)\nوَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا عطف على تأكلوا، وفي قراءة أبيّ ولا تدلوا «١» ويجوز أن يكون ولا تدلوا جواب النهي بالواو كما قال: [الكامل] ٣٧-\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم «٢»\nبِها الهاء تعود على الأموال أي ترشوا بها أو تخاصموا من أجلها فكأنكم قد أدليتم بها ويجوز أن يكون الهاء تعود على الحجّة وإن لم يتقدم لها ذكر كما يقال: أدلى بحجته. «أموالكم» إضافة الجنس أي الأموال التي لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٩]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ وإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على السين وحذفتها فقلت: يسلونك وأهلّه جمع هلال في القليل والكثير وكان يجب أن يقال في الكثير:\nهلل فاستثقلوا ذلك كما استثقلوه في كساء ورداء من المعتل قُلْ هِيَ مَواقِيتُ ابتداء وخبر، الواحد ميقات انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها وهي ساكنة ولم تنصرف مواقيت عند البصريين لأنها جمع وهو جمع لا يجمع ولا نظير له في الواحد وقال الفراء «٣» لم تنصرف لأنها غاية الجمع. لِلنَّاسِ خفض باللام. وَالْحَجِّ «٤» عطف عليه هذه لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون الحجّ بكسر الحاء فالفتح على المصدر والكسر على أنه اسم والحجّة بفتح الحاء المرة الواحدة والحجّة عمل سنة ومنه ذو الحجّة ويقال للسنة أيضا حجّة كما قال زهير: [الطويل] ٣٨-\nوقفت بها من بعد عشرين حجّة ... فلأيا عرفت الدّار بعد توهّم «٥»\nوَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ ولا يجوز نصب البرّ لأن الباء إنما تدخل في الخبر\n_________\n(١) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ١١٥.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (١٩) .\n(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ١١٥.\n(٤) انظر البحر المحيط ٢/ ٧٠.\n(٥) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٧، ولسان العرب (وهم، ولأي)، وبلا نسبة في المخصّص ٣/ ٣٠. [.....]","vol":"1","page":98},{"text":"ويقال: بيوت بالكسر وهي لغة رديئة لأنه يخالف الباب وجازت على أن تبدل من الضمة كسرة لمجاورتها الياء. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى قال أبو جعفر: قد ذكرناه «١» والتقدير: من اتّقى ما نهي عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٠]</span>\nوَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)\nوَلا تَعْتَدُوا لا تقتلوا من لم تؤمروا بقتله ويدخل في الأمر بهذا النساء والصبيان وقتل اثنين بواحد يقال: اعتدى إذا جاوز ما يجب. وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>[سورة البقرة (٢): آية ١٩١]</span>\nوَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١)\nوَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ نهي، وهو منسوخ وقرأ الكوفيون ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتّى يقتلوكم فيه»\nعلى قول العرب: قتلنا بني فلان إذا قتلوا بعضهم، ولا يجوز هذا حتى يعرف المعنى، وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال: لا ينبغي أن تقرأ هذه القراءة لأنه يجب على من قرأها أن يكون المعنى لا تقتلوهم ولا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٣]</span>\nوَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)\nفَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ قال الأخفش سعيد: المعنى فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلّا على الظالمين منهم وقيل: فإن انتهوا للجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٤]</span>\nالشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)\nالشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ ابتداء وخبر، والتقدير قتال الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام. وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ويجوز فتح الراء وإسكانها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٥]</span>\nوَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)\nوَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ الأصل بأيديكم فاستثقلت الحركة في الياء فسكنت. قال الأخفش: الباء زائدة وأبو العباس يذهب إلى أنها متعلقة بالمصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]</span>\nوَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)\n_________\n(١) ذكره في إعراب الآية (٢٤) .\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١١٦.","vol":"1","page":99},{"text":"وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ والعمرة عطف على الحجّ وقراءة الشّعبي «١» وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ شاذة بعيدة لأن العمرة يجب أن يكون إعرابها كإعراب الحج كذا سبيل المعطوف فإن قيل: رفعها بالابتداء لم تكن في ذلك فائدة لأن العمرة لم تزل لله ﷿، وأيضا فإنه تخرج العمرة من الإتمام، وقال من احتجّ للرفع إذا نصبت وجب أن تكون العمرة واجبة. قال أبو جعفر: وهذا الاحتجاج خطأ لأن هذا لا يجب به فرض وإنّما الفرض وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] ولو قال قائل: أتمم صلاة الفرض والتطوّع لما وجب من هذا أن يكون التطوع واجبا وإنما المعنى إذا دخلت في صلاة الفرض والتطوّع فأتممها. فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. قال أبو عمرو بن العلاء:\nواحد الهدي هدية، وقال الفراء: لا واحد له. قال «٢» ابن السّكيت «٣»: ويقال: هديّ، وحكى غيره: إنها لغة بني تميم قال زهير: [الوافر] ٣٩-\nفلم أر معشرا أسروا هديّا ... ولم أر جار بيت يستباء «٤»\nقال الأخفش: التقدير فعليه ما استيسر من الهدي. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أي فعليه صيام ثلاثة أيام وثبتت الهاء في ثلاثة فرقا بين المذكّر والمؤنث، وقيل: كان المذكر أولى بالهاء لأن الهاء تدخل في المذكر في الجمع القليل نحو قردة. وهذا قول الكوفيين، وقال بعض البصريين: كان المذكر أولى بالهاء لأن تأنيثه غير حقيقي فأنّث باللفظ والمؤنث تأنيثه حقيقي فأنّث بالمعنى والصيغة لأنها أوكد، وقال بعضهم: وقع بالمذكر التأنيث لأنه بمعنى جماعة. تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ابتداء وخبر، وتيك لغة. ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الأصل حاضرين حذفت النون للإضافة وحذفت الياء من اللفظ في الإدراج لسكونها وسكون اللام بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]</span>\nالْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)\n_________\n(١) الشّعبيّ: عامر بن شراحيل الكوفي، الإمام الحافظ، عرض على السلمي وعلقمة بن قيس. (ت ١٠٥ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٥٠.\n(٢) انظر إصلاح المنطق لابن السّكّيت (٢٧٥) .\n(٣) ابن السكيت، أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، أحد كبار اللغويين الكوفيين قتله المتوكل سنة ٢٤٤ هـ.\nترجمته في طبقات الزبيدي ٢٢١.\n(٤) الشاهد لزهير في ديوانه ص ٧٩، ولسان العرب (بوأ)، و(هدى) ومقاييس اللغة ١/ ٣١٤، وكتاب العين ٨/ ٤١٢، وتهذيب اللغة ٦/ ٣٨٠، وتاج العروس (بوأ) و(هدى) .","vol":"1","page":100},{"text":"الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ابتداء وخبر، والتقدير أشهر الحجّ أشهر معلومات، ويجوز «الحجّ أشهرا» على الظرف أي في أشهر وزعم الفراء «١» أنه لا يجوز النصب وعلّته أنّ أشهرا نكرة غير محصورات، وليس هذا سبيل الظروف، وكذا عنده: المسلمون جانب والكفار جانب فإن قلت جانب أرضهم وجانب بلادهم كان النصب هو الوجه. فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ «من» في موضع رفع بالابتداء وهي شرط، وخبر الابتداء محمول على المعنى أي فلا يكن فيه رفث فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ «٢» على التبرية وقرأ يزيد بن القعقاع فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ جعل «لا» بمعنى «ليس»، وإن شئت رفعت بالابتداء، وقال أبو عمرو: المعنى فلا يكن فيه رفث إلّا أنه نصب. وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وقطعه من الأول لأنّ معناه عنده أنه قد زال الشك في أنّ الحجّ في ذي الحجة، ويجوز «فلا رفث ولا فسوق» يعطفه على الموضع وأنشد النحويون: [السريع] ٤٠-\nلا نسب اليوم ولا خلّة ... اتّسع الخرق على الرّاقع «٣»\nويجوز في الكلام: فلا رفث ولا فسوقا ولا جدالا في الحج عطفا على اللفظ على ما كان يجب في «لا» قال الفراء: ومثله: [الطويل] ٤١-\nفلا أب وابنا مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزّرا «٤»\nوَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ شرط وجوابه. وَتَزَوَّدُوا أمر وهو إباحة.\nوَاتَّقُونِ أمر فلذلك حذفت منه النون. يا أُولِي الْأَلْبابِ نداء مضاف وواحد الألباب لبّ،\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ١١٩، والبحر المحيط ٢/ ٩٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ١: ١٢٠، وهي أيضا قراءة مجاهد.\n(٣) الشاهد لأنس بن العباس بن مرداس في تخليص الشواهد ص ٤٠٥، والدرر ٦/ ١٧٥، وشرح التصريح ١/ ٢٤١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٠١، ولسان العرب (قمر) و(عتق)، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٥١، وله أو لسلامان بن قضاعة في شرح أبيات سيبويه ١/ ٥٨٣، ولأبي عامر جدّ العباس بن مرداس في ذيل سمط اللآلي ص ٣٧، وبلا نسبة في أمالي بن الحاجب ١/ ٤٢١، وأوضح المسالك ٢/ ٢٠، وشرح الأشموني ١/ ١٥١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٧٥، وشرح شذور الذهب ص ١١٢، وشرح ابن عقيل ص ٢٠٢، وشرح المفصّل ٢/ ١٠١، و٩/ ١٣٨، واللّمع في العربية ص ١٢٨، ومغني اللبيب ١/ ٢٢٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٤.\n(٤) الشاهد لرجل من عبد مناة بن كنانة في تخليص الشواهد ص ٤١٣، وخزانة الأدب ٤/ ٦٧، وشرح التصريح ١/ ٢٤٣، وشرح شواهد الإيضاح ص ٢٠٧، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٥٥، وله أو للفرزدق في الدرر ٦/ ١٧٢، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٤١٩، ٢/ ٥٩٣، وأوضح المسالك ٢/ ٢٢، وجواهر الأدب ص ٢٤١، وشرح الأشموني ١/ ١٥٣، وشرح قطر الندى ص ١٦٨، وشرح المفصّل ٢/ ١٠١، والكتاب ٢/ ٢٩٤، واللامات ص ١٠٥، واللمع ص ١٣٠، والمقتضب ٤/ ٣٧٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٣.","vol":"1","page":101},{"text":"ولبّ كلّ شيء: خالصه، فلذلك قيل للعقل لبّ. قال أبو جعفر: سمعت أبا إسحاق يقول: قال لي أحمد بن يحيى أتعرف في كلام العرب من المضاعف شيئا جاء على فعل؟ فقلت: نعم حكى سيبويه «١» عن يونس: لببت تلب فاستحسنه وقال: ما أعرف له نظيرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٨]</span>\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ اسم ليس. أَنْ تَبْتَغُوا في موضع نصب أي في أن تبتغوا، وعلى قول الكسائي والخليل إنها في موضع خفض. فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ بالتنوين وكذا لو سمّيت امرأة بمسلمات لأن التنوين ليس فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف فتحذفه وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين هذا الجيد، وحكى سيبويه «٢» عن العرب حذف التنوين (من عرفات يا هذا)، ورأيت عرفات يا هذا. بكسر التاء بغير تنوين.\nقال: لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين، وحكى الأخفش: والكوفيون فتح التاء. قال الأخفش: تجرى مجرى الهاء فيقال: من عرفات يا هذا. وأنشدوا: [الطويل] ٤٢-\nتنوّرتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي «٣»\nفَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ومشعر مفعل من شعرت به أي علمت به أي معلم من متعبّدات الله جلّ وعزّ وكان يجب أن يكون على مفعل بناء على يشعر إلّا أنه ليس في كلام العرب اسم على مفعل. وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ الكاف في موضع نصب أي ذكرا مثل هدايته إيّاكم أي جزاء على هدايته إياكم. وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ لام توكيد إلّا أنّها لازمة لئلّا تكون إن بمعنى ما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٠]</span>\nفَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠)\nفَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ بالإظهار لأن الثاني بمنزلة المنفصل ويجوز (مناسكّم)\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ١٤٦.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٢٥٦.\n(٣) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ٣١، وخزانة الأدب ١/ ٥٦، والدرر ١/ ٨٢، ورصف المباني ٣٤٥، وسرّ صناعة الإعراب ص ٤٩٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢١٩، وشرح ١/ ٨٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٣٥٩، وشرح المفصّل ١/ ٤٧، والكتاب ٣/ ٢٥٥، والمقاصد النحوية ١/ ١٩٦، والمقتضب ٣/ ٣٣٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٦٩، وشرح الأشموني ١/ ٤١، وشرح ابن عقيل ص ٤٤ وشرح المفصّل ٩/ ٣٤.","vol":"1","page":102},{"text":"بالإدغام أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء: ٧٨ فلا يكون إلّا مدغما. فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ الكاف في موضع نصب أي ذكرا كذكركم، ويجوز أن يكون في موضع الحال. أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا «أشدّ» في موضع خفض عطفا على ذكركم، والمعنى أو (كأشدّ ذكرا. ولم ينصرف لأنه أفعل صفة، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى أو اذكروه أشدّ ذكرا)، ذِكْرًا على البيان. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ في موضع رفع بالابتداء وإن شئت بالصفة. يَقُولُ رَبَّنا آتِنا صلة من وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ من زائدة للتوكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠١]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١)\nوالأصل في قِنا أوقنا حذفت الواو كما حذفت في يقي وحذفت من يقي لأنها بين ياء وكسرة مثل يعد. هذا قول البصريين، وقال الكوفيون «١»: حذفت فرقا بين اللازم والمتعدّي، وقال محمد بن يزيد: هذا خطأ لأن العرب تقول: ورم يرم فيحذفون الواو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٣]</span>\nوَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)\nوَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ قال الكوفيون: الألف والتاء لأقل العدد، وقال البصريون: هما للقليل والكثير. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا المعدودات والمعلومات وقول العلماء فيهما. ونشرح ذلك ها هنا. أصحّ ما قيل في المعدودات: أنها ثلاثة أيام: بعد يوم النحر، وقيل المعدودات والمعلومات واحد، وهذا غلط لقوله جل وعز:\n«فمن تعجّل في يومين»، والتقدير في العربية فمن تعجل في يومين منها، والمعنى في أيام معدودات لذكر الله تعالى. وأصحّ ما قيل (فيه) في المعلومات قول ابن عمر ﵀ وهو مذهب أهل المدينة: إنها يوم النحر ويومان بعده لأن الله ﷿ قال:\nوَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ [الحج: ٢٨] فلا يجوز أن يكون هذا إلّا الأيام التي ينحر فيها ولا يخلو يوم النحر من أن يكون أولها أو أوسطها أو آخرها فلو كان آخرها أو أوسطها لكان النحر قبله، وهذا محال فوجب أن يكون أولها. فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ «من» رفع بالابتداء والخبر: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ويجوز في غير القرآن فلا إثم عليهم لأن معنى «من» جماعة كما قال ﷿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [يونس: ٤٢]\n_________\n(١) انظر الإنصاف مسألة ١١٢. [.....]","vol":"1","page":103},{"text":"وكذا وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى يقال: بأيّ شيء اللام متعلقة؟ فالجواب وفيه أجوبة يكون التقدير المغفرة لمن اتقى وهذا على تفسير ابن مسعود، وقال الأخفش:\nالتقدير ذلك لمن اتّقى، وقيل التقدير السلامة لمن اتقى، وقيل، واذكروا يدلّ على الذكر فالمعنى الذكر لمن اتّقى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٤]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قيل «من» هاهنا مخصوص، وقال الحسن: الكاذب، وقيل: الظالم وقيل: المنافق وقرأ ابن محيصن وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ «١» بفتح الياء والهاء. وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ الفعل مثل منه لددت تلدّ وعلى قول أبي إسحاق «٢»: خصام جمع خصم وقال غيره: وهو مصدر خاصم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٥]</span>\nوَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥)\nوَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها منصوب بلام كي. وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ عطف عليه، وفي قراءة أبيّ. وليهلك الحرث وقرأ الحسن وقتادة ويهلك «٣» بالرفع وفي رفعه أقوال: يكون معطوفا على يعجبك، وقال أبو حاتم: هو معطوف على سعى لأن معناه يسعى ويهلك، وقال أبو إسحاق: التقدير هو يهلك أي يقدر هذا، وروي عن ابن كثير أنه قرأ ويهلك الحرث والنسل «٤» بفتح الياء وضم الكاف والحرث والنسل مرفوعان بيهلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٧]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)\nابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ مفعول من أجله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً في الكسائي: السّلم والسّلم واحد، وكذا هو عند أكثر البصريين إلّا أن أبا عمرو فرّق بينهما وقرأ هاهنا (ادخلوا في السّلم) «٥»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٢/ ١٢٢، وهي قراءة أبي حيوة أيضا.\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٢٣٩.\n(٣) انظر البحر المحيط ٢/ ١٢٣.\n(٤) انظر البحر المحيط ٢/ ١٢٣.\n(٥) انظر التيسير ٦٨.","vol":"1","page":104},{"text":"وقال: هو في الإسلام وقرأ التي في «الأنفال» «١» والتي في «سورة محمد» «٢» ﷺ «السّلم» بفتح السين، وقال: هي بالفتح المسالمة وقال عاصم الجحدري: «السّلم» الإسلام و«السّلم» الصّلح والسّلم الاستسلام ومحمد بن يزيد ينكر هذه التفريقات وهي تكثر عن أبي عمرو واللّغة لا تأخذ هكذا وإنما تأخذ بالسماع لا بالقياس ويحتاج من فرق إلى دليل، وقد حكى البصريون: بنو فلان سلم وسلم بمعنى واحد ولو صح التفريق لكان المعنى واحدا لأنه إذا دخل في الإسلام فقد دخل في المسالمة. والصّلح والسّلم مؤنثة وقد تذكّر. كَافَّةً نصب على الحال وهو مشتق من قولهم: كففت أي منعت أي لا يمتنع منكم أحد ومنه قيل: مكفوف وكفّة الميزان وقيل: كفّ لأنه يمتنع بها. وَلا تَتَّبِعُوا نهي. خُطُواتِ الشَّيْطانِ مفعول وقد ذكرناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٩]</span>\nفَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)\nفَإِنْ زَلَلْتُمْ المصدر زلا وزللا ومزلّة وزلّ في الطين زليلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٠]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)\nوقرأ قتادة وأبو جعفر يزيد بن القعقاع في ظلال من الغمام وقرأ أبو جعفر وَالْمَلائِكَةُ «٣» بالخفض وظلل جمع ظلّة في التكسير، وفي التسليم ظللات، وأنشد سيبويه: [الطويل] ٤٣-\nإذا الوحش ضمّ الوحش في ظللاتها ... سواقط من حرّ وقد كان أظهرا «٤»\nويجوز ظللات وظلّات، وظلّال جمع ظلّ في الكثير، والقليل أظلال، ويجوز أن يكون ظلال جمع ظلّة وقيل: بل القليل أظلال، والكثير ظلال، وقيل: ظلال جمع ظلّة مثله قلّة وقلال كما قال: [الخفيف] ٤٤-\nممزوجة بماءه القلال «٥»\nقال الأخفش سعيد: وَالْمَلائِكَةُ بالخفض بمعنى وفي الملائكة قال: والرفع أجود كما قال هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام: ١٥٨] وَجاءَ رَبُّكَ\n_________\n(١) يشير إلى الآية ٦١: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ.\n(٢) يشير إلى الآية ٣٥: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ١٢٤، والبحر المحيط ٢/ ١٢٥.\n(٤) الشاهد للنابغة الجعدي في ديوانه ٧٤، وشرح شواهد الإيضاح ص ٤٨٤، والكتاب ١/ ١٠٦، ولسان العرب (سقط) .\n(٥) الشاهد للأعشى في ديوانه ص ٥٥، ولسان العرب (أسفط) و(سفط) و(عتق)، وتاج العروس (سنفط) و(عتق)، والمخصّص ١٧/ ١٩ وروايته: وكأن الخمر العتيق من الإرفنط ممزوجة بماء زلال.","vol":"1","page":105},{"text":"وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] قال الفراء «١»: وفي قراءة عبد الله هل ينظرون إلّا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام قال أبو إسحاق: التقدير في ظلل من الغمام ومن الملائكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>[سورة البقرة (٢): آية ٢١١]</span>\nسَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١)\nسَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ بتخفيف الهمزة فلما تحركت السين لم تحتج إلى ألف الوصل.\nكَمْ في موضع نصب لأنها مفعول ثان لآتيناهم، ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار عائد ولم يعرب وهي اسم لأنها بمنزلة الحروف لما وقع فيها معنى الاستفهام. قال سيبويه: فبعدت من المضارعة بعد «كم» و«إذ» من المتمكنة. مِنْ آيَةٍ إذا فرقت بين كم وبي الاسم كان الاختيار أن تأتي بمن فإن حذفتها نصبت في الاستفهام والخبر، ويجوز الخفض في الخبر كما قال: [الرمل] ٤٥-\nكم بجود مقرف نال العلى ... وكريم بخله قد وضعه «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٢]</span>\nزُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)\nزُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا اسم ما لم يسمّ فاعله، وقرأ مجاهد وحميد بن قيس «٣» زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا «٤» وهي قراءة شاذّة لأنه لم يتقدّم للفاعل ذكر. وَالَّذِينَ اتَّقَوْا ابتداء. فَوْقَهُمْ ظرف في موضع الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٣]</span>\nكانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)\nكانَ النَّاسُ اسم كان. أُمَّةً خبرها. واحِدَةً نعت، قال أبو جعفر: قد ذكرنا\n_________\n(١) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ١٢٤.\n(٢) الشاهد لأنس بن زنيم في ديوانه ص ١١٣، وخزانة الأدب ٦/ ٤٧١، والدرر ٤/ ٤٩، وشرح شواهد الشافية ص ٥٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٩٣، ولعبد الله بن كريز في الحماسة البصرية ٢/ ١٠، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٣٠٣، والدرر ٦/ ٢٠٤، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٠، وشرح الأشموني ٣/ ٦٣٥، وشرح عمدة الحفاظ ص ٥٣٤، وشرح المفصل ٤: ١٣٢، والكتاب ٢/ ١٦٨، والمقتضب ٣/ ٦١، والمقرّب ١/ ٣١٣، وهمع الهوامع ١/ ٢٥٥.\n(٣) حميد بن قيس المكي الأعرج القارئ، ثقة، أخذ عرضا عن مجاهد (ت ٢٢٤ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٦٥.\n(٤) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ١٣١، والبحر المحيط ٢/ ١٣٨ وهي قراءة أبي حيوة أيضا. [.....]","vol":"1","page":106},{"text":"قول أهل التفسير في المعنى، والتقدير في العربية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين ودلّ على هذا الحذف وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ أي كان الناس على دين الحق فاختلفوا. فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي «مبشّرين» من أطاع و«منذرين» من عصى وهما نصب على الحال. وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ الكتاب بمعنى الكتب. لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ نصب بإضمار أن وهو مجاز مثل هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية: ٢٩]، وقرأ عاصم الجحدري لِيَحْكُمَ شاذة لأنه قد تقدّم ذكر الكتاب. وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ موضع الذين رفع بفعلهم والذين اختلفوا فيه هم المخاطبون. فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول أهل التفسير فيه وربما أعدنا الشيء مما تقدّم لنزيده شرحا أو لنختار منه قولا. فمن أحسن ما قيل فيه: إن المعنى فهدى الله الذين آمنوا بأن بيّن لهم الحقّ مما اختلفت فيه من كان قبلهم، فأمّا الحديث «في يوم الجمعة فهم لنا تبع» «١» فمعناه فعليهم أن يتّبعونا لأن هذه الشريعة ناسخة لشرائعهم. قال أبو إسحاق «٢»: معنى بإذنه بعلمه. قال أبو جعفر: وهذا غلط وإنما ذلك الإذن والمعنى والله أعلم بأمره وإذا أذنت في الشيء فكأنك قد أمرت به أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب ن يستعملوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٤]</span>\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْ تقوم مقام المفعولين: وَلَمَّا يَأْتِكُمْ حذفت الياء للجزم وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ «٣» هذه قراءة أهل الحرمين، وقرأ أهل الكوفة والحسن وابن أبي إسحاق وأبو عمرو حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ بالنصب وهو اختيار أبي عبيد وله في ذلك حجّتان: إحداهما عن أبي عمرو: قال: «زلزلوا» فعل ماض و«يقول» فعل مستقبل فلما اختلفا كان الوجه النصب، والحجة الأخرى حكاها عن الكسائي، قال: إذا تطاول الفعل الماضي صار بمنزلة المستقبل. قال أبو جعفر: أما الحجّة الأولى بأنّ «زلزلوا» ماض و«يقول» مستقبل فشيء ليس فيه علّة الرفع ولا النصب لأن حتّى ليست من حروف العطف في الأفعال ولا هي البتّة من عوامل الأفعال وكذا قال الخليل وسيبويه «٤»: في نصبهم ما بعدها على إضمار «أن» إنما حذفوا أن لأنهم قد علموا أن حتى من عوامل الأسماء هذا معنى قولهما، وكأن هذه الحجة غلط وإنما تتكلم بها في\n_________\n(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٣٣٨.\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٢٤٧، والبحر المحيط ٢/ ١٤٧.\n(٣) انظر التيسير ٦٨.\n(٤) انظر الكتاب ٣/ ١٦، والإنصاف مسألة ٨٣.","vol":"1","page":107},{"text":"باب الفاء. وحجة الكسائي: بأن الفعل إذا تطاول صار بمنزلة المستقبل كلا حجّة، لأنه لم يذكر العلّة في النصب ولو كان الأول مستقبلا لكان السؤال بحاله. ومذهب سيبويه «١» في «حتّى» أن النصب فيما بعدها من جهتين، والرفع من جهتين: تقول:\nسرت حتّى أدخلها على أن السير والدخول جميعا قد مضيا أي سرت إلى أن أدخلها.\nوهذا غاية وعليه قراءة من قرأ بالنصب، والوجه الآخر في النصب في غير الآية سرت حتى أدخلها أي كي أدخلها، والوجهان في الرفع سرت حتّى أدخلهما أي سرت فأدخلها وقد مضيا جميعا أي كنت سرت فدخلت ولا تعمل حتّى ها هنا بإضمار أن لأن بعدها جملة كما قال الفرزدق: [الطويل] ٤٦-\nفيا عجبا حتّى كليب تسبّني ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع «٢»\nفعلى هذه القراءة بالرفع وهي أبين وأصحّ معنى أي وزلزلوا حتى الرسول يقول أي حتى هذه حاله، لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى، والوجه الآخر في الرفع في غير الآية سرت حتى أدخلها على أن يكون السير قد مضى والدخول الآن، وحكى سيبويه مرض حتّى ما يرجونه ومثله:\nسرت حتّى أدخلها لا أمنع. مَتى نَصْرُ اللَّهِ رفع بالابتداء على قول سيبويه وعلى قول أبي العباس رفع بفعله أي متى يقع نصر الله. أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ اسم إنّ وخبرها ويجوز في غير القرآن إن نصر الله قريبا أي مكانا قريبا والقريب لا تثنّيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنّثه في هذا المعنى قال ﷿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦] وقال الشاعر: [الطويل] ٤٧-\nله الويل إن أمسى ولا أمّ هاشم ... قريب ولا بسباسة ابنة يشكرا «٣»\nفإن قلت: فلان قريب، ثنّيت وجمعت فقلت: قريبون وأقرباء أو قرباء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٥]</span>\nيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)\nيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ وإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على السين ففتحتها وحذفت الهمزة فقلت: يسلونك. ماذا يُنْفِقُونَ «ما» في موضع رفع بالابتداء و«ذا»\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ١٦.\n(٢) الشاهد للفرزدق في ديوانه ٤١٩، وخزانة الأدب ٥/ ٤١٤، والدرر ٤/ ١١٢، وشرح شواهد المغني ١/ ١٢، وشرح المفصّل ٨: ١٨ ومغني اللبيب ١/ ١٢٩، وبلا نسبة في رصف المباني ص ١٨١، وشرح المفصل ٨/ ٦٢، والمقتضب ٢/ ٤١، وهمع الهوامع ٢/ ٢٤.\n(٣) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ٦٨، ولسان العرب (قرب)، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/ ٢٣٢.","vol":"1","page":108},{"text":"الخبر وهو بمعنى الذي وحذفت الياء لطول الاسم أي ما الذي ينفقونه وإن شئت كانت «ما» في موضع نصب بينفقون و«ذا» مع «ما» بمنزلة شيء واحد. قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ «ما» في موضع نصب بأنفقتم وكذا وما تنفقوا وهو شرط والجواب: فَلِلْوالِدَيْنِ وكذا وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٦]</span>\nكُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)\nكُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ اسم ما لم يسمّ فاعله. وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٧]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧)\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ وفي قراءة عبد الله عن قتال فيه وقراءة عكرمة «١» عن الشهر الحرام قتل فيه بغير ألف وكذا: قل قتل فيه كبير. وقرأ الأعرج ويسئلونك بالواو. عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قال أبو جعفر: الخفض عند البصريين على بدل الاشتمال، وقال الكسائي «٢»: هو مخفوض على التكرير أي عن قتال فيه، وقال الفراء «٣»: هو مخفوض على نيّة «عن»، وقال أبو عبيدة «٤»: هو مخفوض على الجوار. قال أبو جعفر: لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله ﷿ ولا في شيء من الكلام وإنما الجوار غلط وإنما وقع في شيء شاذّ وهو قولهم، هذا جحر ضبّ خرب. والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: هذان جحرا ضبّ خربان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء ولا يحمل شيء من كتاب الله ﷿ على هذا، ولا يكون إلّا بأفصح اللّغات وأصحّها، ولا يجوز إضمار «عن»، والقول فيه أنه بدل، وأنشد سيبويه: [الطويل] ٤٨-\nفما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما «٥»\n_________\n(١) عكرمة مولى ابن عباس. وردت عنه الرواية في حروف القرآن، روى عن مولاه وابن عمر. عرض عليه عمرو بن العلاء (ت ١٠٥ هـ)، ترجمته في غاية النهاية ١/ ٥١٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٢/ ١٥٤.\n(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ١٤١، والبحر المحيط: ٢/ ١٥٤.\n(٤) انظر مجاز القرآن ١/ ٧٢.\n(٥) الشاهد لعبدة بن الطبيب في ديوانه ٨٨، والأغاني ١٤/ ٧٨، ٢١/ ٢٩، وخزانة الأدب ٥/ ٢٠٤، وديوان المعاني ٢/ ١٧٥، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٧٩٢، وشرح المفصل ٣/ ٦٥، والشعر والشعراء ٢/ ٧٣٢، والكتاب ١/ ٢٠٨، ولمرداس بن عبدة في الأغاني ١٤/ ٨٦.","vol":"1","page":109},{"text":"فأمّا قتال فيه بالرفع فغامض في العربية. والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه فقوله: «يسألونك» يدلّ على الاستفهام كما قال: [الطويل] ٤٩-\nأصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلّل «١»\nفالمعنى أترى برقا فحذف ألف الاستفهام لأن الألف التي في أصاح بدل منها وتدلّ عليها وإن كانت حرف النداء وكما قال «٢»: [المتقارب] ٥٠-\nتروح من الحيّ أم تبتكر\nوالمعنى: أتروح فحذف الألف لأن أم تدلّ عليها. قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ابتداء وخبر. وَصَدٌّ ابتداء. عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ خفض بعن. وَكُفْرٌ بِهِ عطف على صدّ. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على سبيل الله. وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ عطف على صدّ وخبر الابتداء. أكرم عند الله ووَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ابتداء وخبر أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام، وقيل: في المسجد الحرام عطف على الشهر أي ويسألونك عن المسجد فقال تعالى وإخراج أهله منه أكبر عند الله وهذا لا وجه له لأن القوم لم يكونوا في شكّ من عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين في إخراجهم من منازلهم بمكة فيحتاجوا إلى المسألة عنه هل كان ذلك لهم، ومع ذلك فإنه قول خارج عن قول العلماء لأنهم أجمعوا أنها نزلت في سبب قتل ابن الحضرمي «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اسم إن. وَالَّذِينَ هاجَرُوا عطف عليه: أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ابتداء وخبر في موضع خبر إنّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٩]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ هذه قراءة أهل الحرمين وأبي\n_________\n(١) الشاهد للأسود بن يعفر في ديوانه ص ٥٧، وشرح المفصّل ١/ ٤٦، ولسان العرب (خلد)، و(حجا)، ونوادر أبي زيد ص ١٦٠، ولامرئ القيس في ديوانه ص ٢٤، ولسان العرب (كلل)، وبلا نسبة في الاشتقاق ص ٢٤٤، وإصلاح المنطق ص ٤٠٣، وأمالي ابن الحاجب ص ٣٢٨، وجمهرة اللغة ص ٤٤٢، ٦٥٧، ١٠٣٧.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٧) . [.....]\n(٣) ابن الحضرميّ: هو عمرو بن الحضرمي وهو أول قتيل من المشركين (البحر المحيط ٢/ ١٥٥) .","vol":"1","page":110},{"text":"عمرو بن العلاء، وقرأ الكوفيون كثير «١» وإجماعهم على حُوبًا كَبِيرًا [النساء:\n٢] يدلّ على أن كبيرا أولى أيضا فكما يقال: إثم صغير كذا يقال: كبير ولو جاز كثير لقيل: إثم قليل وأجمع المسلمون على قولهم: كبائر وصغائر. وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ هكذا قرأ أهل الحرمين وأهل الكوفة، وقرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق قُلِ الْعَفْوَ بالرفع. قال أبو جعفر: إن جعلت «ذا» بمعنى الذي كان الاختيار الرفع وجاز النصب، وإن جعلت ما وذا شيئا واحدا كان الاختيار النصب وجاز الرفع، وحكى النحويون: ماذا تعلّمت أنحوا أم شعرا؟ بالنصب والرفع على أنهما جيدان حسنان إلا أن التفسير في الآية يدلّ على النصب. قال ابن عباس: الفضل، وقال:\nالعفو ما يفضل عن أهلك فمعنى هذا ينفقون العفو، وقال الحسن: المعنى قل أنفقوا العفو، وقال أبو جعفر: وقد بيّنا لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في الدّنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٠]</span>\nفِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)\nقُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ابتداء وخبر. وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ شرط وجوابه، والتقدير: فهم إخوانكم، ويجوز في غير القرآن فإخوانكم، والتقدير: فتخالطون إخوانكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢١]</span>\nوَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)\nوَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ يقال: نكح ينكح إذا وطئ هذا الأصل ثم استعمل ذلك لمن تزوّج ويجوز ولا تنكحوا أي لا تزوّجوا بضم التاء ولا تنكحوا المشركين أي ولا تزوّجوهم، وكل من كفر بمحمد ﷺ فهو مشرك يدلّ على ذلك القرآن، وسنذكره إن شاء الله في موضعه. وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ ابتداء وخبر وكذا أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وكذا وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وكذا وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ في قراءة الحسن «٢»، وفي قراءة أبي العالية «٣» وَالْمَغْفِرَةِ «٤» عطفا على الجنة.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٢/ ١٦١ (وهي قراءة حمزة والكسائي) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٢/ ١٧٦.\n(٣) أبو العالية: رفيع بن مهران الرياحي، تابعي، عرض على أبيّ وابن عباس وعمر (ت ٩٠ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٨٤.\n(٤) انظر البحر المحيط ٢/ ١٧٦.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٢ الى ٢٢٣]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ محيض مصدر ومثله جاء مجيئا وقال مقيلا. قُلْ هُوَ أَذىً ابتداء وخبر، وأذى من ذوات الياء. يقال: أذيت به أذى وأذاني وهما آذياني. وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ لم تحذف النون للنصب لأنها علامة التأنيث وقد ذكرناه. فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ «حيث» في العربية للموضع فتأوّل قوم هذا على ما يجب في العربية أنه موضع بعينه وهو الفرج، وقال قوم: قد بيّن ذلك الموضع بقوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فإنّى شئتم وهو الذي أمر به. وأما قول مجاهد من حيث نهوا عنه في محيضهنّ فيدلّ على أنه جعل الأمر والنهي شيئا واحدا، وهذا مردود. «أنّى» ظرف وحقيقته: من أين شئتم، وقيل: كيف شئتم وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أي الطاعة ثم حذف المفعول. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ حذفت النون للإضافة لأنه بمعنى المستقبل.\nوروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت سعيد بن جبير يحدّث عن ابن عباس قال سمعت النبي ﷺ وهو يخطب يقول: «إنّكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا» «١» ثم تلا رسول الله ﷺ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٤]</span>\nوَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)\nوَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ نهي قال ابن عباس «٢»: يحلف أن لا يصل ذا قرابته. أَنْ تَبَرُّوا في موضع نصب، وإن شئت في موضع خفض، وإن شئت في موضع رفع فالنصب على ثلاث تقديرات منها: في أن تبرّوا ثم حذف «في» فتعدّى الفعل، ومنها: كراهة أن تبرّوا ثم يحذف، ومنها: لئلا تبرّوا والخفض في جهة واحدة على قول الخليل والكسائي يكون في أن تبرّوا فأضمرت «في» وخفضت بها والرفع بالابتداء وحذفت الخبر، والتقدير أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أولى أو أمثل مثل طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد: ٢١] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٥]</span>\nلا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)\nلا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ يقال: لغا يلغوا أو يلغى لغوا ولغي يلغى لغى إذا\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه (القيامة ٩/ ٢٥٦)، والقرطبي في تفسير ٣٥/ ٩٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٢/ ١٨٧.","vol":"1","page":112},{"text":"أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام أو بما لا خير فيه أو بما لا يلغى إثمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٦]</span>\nلِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)\nلِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ أي يحلفون والمصدر إيلاء وأليّة وألوة وإلوة. تَرَبُّصُ رفع بالابتداء أو بالصفة. أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أثبت الهاء لأنه عدد لمذكر وقد ذكرنا علّته «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٨]</span>\nوَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)\nوَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ أثبت الهاء أيضا لأنه عدد لمذكر، الواحد قرء، والتقدير عند سيبويه «٢» ثلاثة أقراء من قروء لأن قروءا للكثير عنده، وقد زعم بعضهم أن ثلاثة قروء لما كانت بالهاء دلت الهاء على أنها أطهار وليست لحيض، قال:\nولو كانت حيضا لكانت ثلاثة قروء. وهذا القول خطأ قبيح لأن الشيء الواحد قد يكون له اسمان مذكر ومؤنث نحو دار ومنزل، وهذا بيّن كثير، وقد قال الله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ قال إبراهيم النخعي: يعني الحيض وهذا من أصحّ قول، وهكذا كلام العرب، والتقدير: والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من القروء أي من الحيض، ومحال أن يكون هاهنا الطهر لأنه إنما خلق الله جلّ وعزّ في أرحامهن الحيض والولد، ولم يجر هاهنا للولد ذكر فوجب أن يكون الحيض ومن الدليل على أنّ القرء الحيضة في قول الله جلّ وعزّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] والطلاق في الطهر. ولا يخلو قوله جلّ وعزّ لعدّتهنّ من أن يكون معناه قبل عدتهنّ أو بعدها أو معها ومحال أن يكون معها أو بعدها فلمّا وجب أن يكون قبلها وكان الطهر كلّه وقتا للطلاق وجب أن يكون بعده وليس بعده إلّا الحيض، والتقدير في العربية ليعتددن.\nوَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ابتداء وخبر، وبعولة جمع بعل والهاء لتأنيث الجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٩]</span>\nالطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)\nالطَّلاقُ مَرَّتانِ ابتداء وخبر، والتقدير عدد الطلاق الذي تملك معه الرجعة مرتان. فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ابتداء والخبر محذوف أي فعليكم إمساك بمعروف ويجوز في\n_________\n(١) انظر إعراب القرآن للزجاج ٢٦٤، وإعراب الآية ١٩٦، البقرة.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٥٤.","vol":"1","page":113},{"text":"غير القرآن فإمساكا على المصدر. وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا أن في موضع رفع بيحل. إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وقرأ أبو جعفر يزيد ابن القعقاع وحمزة. إِلَّا أَنْ يَخافا «١» بضم الياء وهو اختيار أبي عبيد قال: لقوله «فإن خفتم» فجعل الخوف لغيرهم ولم يقل: فإن خافا، وفي هذا حجّة لمن جعل الخلع إلى السلطان. قال أبو جعفر: أنا أنكر هذا الاختيار على أبي عبيد وما علمت في اختياره شيئا أبعد من هذا الحرف لأنه لا يوجب الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى ما اختاره فأما الإعراب فإنه يحتجّ له بأنّ عبد الله بن مسعود قرأ. إلّا أن تخافوا ألا يقيما حدود الله «٢» فهذا في العربية إذا ردّ إلى ما لم يسمّ فاعله قيل إلّا أن يخاف أن لا يقيم حدود الله وأما اللفظ فإن كان على لفظ يخافا وجب أن يقال: فإن خيف وإن كان على لفظ فإن خفتم وجب أن يقال: إلّا أن تخافوا وأمّا المعنى فإنه يبعد أن يقال: لا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئا إلّا أن يخاف غيركم ولم يقل تعالى فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية فيكون الخلع إلى السلطان، وقد صحّ عن عمر وعثمان وابن عمر أنهم أجازوا الخلع بغير السلطان. وقال القاسم بن محمد إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ما يجب عليهما في العشرة والصحبة فأما فإن خفتم وقبله «إلا أن يخافا» فهذا مخاطبة الشريعة وهو من لطيف كلام العرب أي فإن كنتم كذا فإن خفتم ونظيره فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ [البقرة: ٢٣٢] لأن الولي يعضل غيره ونظيره وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ [المجادلة: ٣] وأَنْ يَخافا في موضع نصب استثناء ليس من الأول «ألا يقيما» في موضع نصب أي من أن لا يقيما وبأن لا يقيما وعلى أن لا، فلما حذف الحرف تعدّى الفعل وقول من قال: يخافا بمعنى يوقنا لا يعرف، ولكن يقع النشوز فيقع الخوف من الزيادة. أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أكثر العلماء وأهل النظر على أن هذا للمرأة خاصة لأنها التي لا تقيم حدود الله في نشوزها وهذا معروف في كلام العرب بيّن في المعقول ولو أن رجلا وامرأة اجتمعا فصلّى الرجل ولم تصلّ المرأة لقلت ما صلّيا وهذا لا يكون إلّا في النفي خاصة. فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ يقال: إنما الجناح على الزوج فكيف قال عليهما؟ فالجواب أنه قد كان يجوز أن يحظر عليهما أن يفتدي منه فأطلق لها ذلك وأعلم أنه لا إثم عليهما جميعا، وقال الفراء «٣»: قد يجوز أن يكون فلا جناح عليهما للزوج وحده مثل يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرّحمن: ٢٢] . وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ في موضع جزم بالشرط فلذلك حذفت منه الألف، والجواب فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.\n_________\n(١) انظر التيسير الداني ٦٩.\n(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ١٤٥، والبحر المحيط ٢/ ٢٠٦.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ١٤٧ والبحر المحيط ٢/ ٢٠٨.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٠]</span>\nفَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)\nفَإِنْ طَلَّقَها أي فإن طلقها الثالثة: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ أي من بعد الثالثة حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وبيّن رسول الله ﷺ أنّ النكاح ها هنا الجماع وكذلك أصله في اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣١]</span>\nوَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)\nوَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ في إذا معنى الشرط فلذلك تحتاج إلى جواب، والجواب فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا مفعول من أجله أي من أجل الضرار لِتَعْتَدُوا نصب بإضمار أن. وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا مفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٢]</span>\nوَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)\nذلِكَ يُوعَظُ بِهِ ولم يقل: ذلكم لأنه محمول على معنى الجميع ولو كان ذلكم كان مثل ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٣]</span>\nوَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)\nوَالْوالِداتُ ابتداء. يُرْضِعْنَ في موضع الخبر وفعل المولود رضع يرضع فهو راضع حَوْلَيْنِ ظرف زمان ولا يجوز أن يكون الفعل في أحدهما. هذا قول سيبويه.\nوقرأ مجاهد وحميد بن قيس وابن محيصن لمن أراد أن تتمّ الرّضاعة «١» بفتح التاء الأولى ورفع الرضاعة بعدها. قال أبو جعفر: ويجوز لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ بالياء لأن الرّضاعة والرّضاع واحد ولا يعرف البصريون: الرضاعة إلا بفتح الراء والرضاع إلا بكسر الراء مثل القتال، وحكى الكوفيون كسر الراء مع الهاء وفتحها بغير هاء وقد قرأ أبو رجاء وكان فصيحا لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ «٢» وقرأ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ بفتح\n_________\n(١) هذه قراءة الحسن وأبي رجاء أيضا، انظر البحر المحيط ٢/ ٢٣٢.\n(٢) هذه قراءة الجارود بن أبي سبرة أيضا، انظر مختصر ابن خالويه ١٤. [.....]","vol":"1","page":115},{"text":"التاء. لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها في موضع جزم بالنهي وفتحت الراء لالتقاء الساكنين ويجوز كسرها وهي قراءة، وقرأ أبو عمرو لا تُضَارَّ «١» جعله خبرا بمعنى النهي وهذا مجاز والأول حقيقة. وروى أبان «٢» عن عاصم لا تضارر والدة وهذه لغة أهل الحجاز. قال أحمد بن يحيى: يجوز أن يكون تقدير «لا تضارّ والدة» لا تضارر ثم أدغم. قال أبو جعفر: لا تضارّ والدة اسم ما لم يسمّ فاعله إذا كان التقدير لا تضارر وإن كان التقدير لا تضارر كانت رفعا بفعله. وَلا مَوْلُودٌ عطف عليها بالواو ولا توكيد. وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ رفع بالابتداء أو الصفة. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ التقدير في العربية وإن أردتم أن تسترضعوا أجنبية لأولادكم وحذفت اللام لأنه يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف وأنشد سيبويه: [البسيط] ٥١-\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب «٣»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٤]</span>\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يقال أين خبر «الذين» ففيه أقوال قال الأخفش سعيد: التقدير: والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا يتربّصن بأنفسهنّ بعدهم أو بعد موتهم، ثم حذف هذا كما يحذف شيء كثير، وقال الكسائي: في التقدير يتربّص أزواجهم كما قال جلّ وعزّ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا ... لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة: ١٠٧، ١٠٨] أي لا تقم في مسجدهم وقال الفراء «٤»: إذا ذكرت أسماء ثم ذكرت أسماء مضافة إليها فيها معنى الخبر وكان الاعتماد في الخبر على الثاني أخبر عن الثاني وترك الأول. قال أبو إسحاق: هذا خطأ لا يجوز أن يبتدأ باسم ولا يحدّث عنه.\nقال أبو جعفر: ومن أحسن ما قيل فيها قول أبي العباس محمد بن يزيد قال: التقدير:\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٦٩.\n(٢) أبان بن تغلب الربعي الكوفي النحوي، قرأ على عاصم (ت ١٤١ هـ)، ترجمته في (مشاهير علماء الأمصار لابن حبان ١٦٤، وغاية النهاية لابن الجزري ١/ ٤) .\n(٣) الشاهد لعمرو بن معدي كرب في ديوانه ص ٦٣، وخزانة الأدب ٩/ ١٢٤، والدرر ٥/ ١٨٦، وشرح شواهد المغني ص ٧٢٧، والكتاب ١/ ٧٢، ومغني اللبيب ص ٣١٥، ولخفاف بن ندبة في ديوانه ص ١٢٦، وللعباس بن مرداس في ديوانه ص ١٣١، ولأعشى طرود في المؤتلف والمختلف ص ١٧، وهو لأحد الأربعة السابقين أو لزرعة بن خفاف في خزانة الأدب ١/ ٣٣٩، ولخفاف بن ندبة أو للعباس بن مرداس في شرح أبيات سيبويه ١/ ٢٥٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ١٦، وشرح شذور الذهب ٤٧٧، وشرح المفصّل ٨/ ٥٠ وكتاب اللامات ص ١٣٩، والمحتسب ١/ ٥١، والمقتضب ٢/ ٣٦.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ١٥٠.","vol":"1","page":116},{"text":"والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا أزواجهم يتربّصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ثم حذف كما قال الشاعر: [الطويل] ٥٢-\nوما الدّهر إلّا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح «١»\nوفيها قول رابع يكون التقدير وأزواج الذين يتوفّون منكم وقد ذكرنا وعشرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٥]</span>\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ خطبة وخطب واحد، والخطبة ما كان لها أول وآخر، وكذا ما كان على فعلة نحو الأكلة والضغطة. أَوْ أَكْنَنْتُمْ يقال:\nأكننت الشيء إذا أخفيته في نفسك، وكننته: صنته ومنه كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: ٤٩] هذه أفصح اللغات. وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا أي على سرّ حذف الحرف لأنه مما يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف، ويجوز أن يكون في موضع الحال. إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا استثناء ليس من الأول. وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ أي على عقدة النكاح ثم حذف «على» كما تقدّم «٢» وحكى سيبويه «٣»: ضرب فلان الظهر والبطن أي «على»، قال سيبويه: والحذف في هذه الأشياء لا يقاس. قال أبو جعفر: ويجوز أن يكون المعنى ولا تعقدوا عقدة النكاح لأن معنى تعقدوا وتعزموا واحد ويقال: تعزموا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٦]</span>\nلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)\nوَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ «٤» ويقرأ قدره «٥» وأجاز الفراء:\n_________\n(١) الشاهد لتميم بن مقبل في ديوانه ٢٤، وحماسة البحتري ص ١٢٣، والحيوان ٣/ ٤٨، وخزانة الأدب ٥/ ٥٥، والدرر ٦/ ١٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١١٤، وشرح شواهد الإيضاح ص ٦٣٤، والكتاب ٢/ ٣٦٥، ولسان العرب (كدح)، ولعجير السلولي في سمط اللآلي ص ٢٠٥، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١٠/ ١٧٥، وشرح عمدة الحافظ ص ٥٤٧، ولسان العرب (تور)، والمحتسب ١/ ١١٢، والمقتضب ٢/ ١٣٨، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٠.\n(٢) تقدّم ذكره في إعراب الآية ١٣٠.\n(٣) انظر الكتاب ١/ ٢١١.\n(٤) هذه قراءة ابن كثير وأبي بكر (بسكون الدال) . انظر البحر المحيط ٢/ ٢٤٢.\n(٥) بفتح الدال، قراءة حمزة والكسائي وابن عامر وحفص ويزيد وروح، انظر البحر المحيط ٢/ ٢٤٢.","vol":"1","page":117},{"text":"قدره «١» قال أبو جعفر: حكى أكثر أهل اللغة أن قدرا أو قدرا بمعنى واحد، وقال بعضهم: القدر بالتسكين الوسع. يقال فلان ينفق على قدره أي على وسعه. وأكثر ما يستعمل القدر بالتحريك للشيء إذا كان مساويا للشيء. يقال: هذا على قدر هذا. فأما النصب فلأنّ معنى متّعوهنّ وأعطوهن واحد. مَتاعًا مصدر ويجوز أن يكون حالا أي قدره في هذه الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٧]</span>\nوَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)\nفَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ أي فعليكم، ويجوز النصب في غير القرآن أي فأدّوا نصف ما فرضتم ويقال: نصف ونصف بمعنى نصف. إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ في موضع نصب بأن وعلامة النصب فيه مطّرحة لأنه مبني وقد ذكرنا نظيره، إلّا أنا نزيده شرحا فقول سيبويه «٢»: إنه إنما بني لما زادوا فيه ولأنه مضارع للماضي، والماضي مبنيّ فبني كما يبنى الماضي ومثّل هذا سيبويه بأن الأفعال أعربت لأنها مضارعة للأسماء والفعل بالفعل أولى من الفعل بالاسم، وهذا مما يستحسن من قول سيبويه. وقال الكوفيون «٣»: كان سبيله أن يحذف منه النون ولكنها علامة فلو حذفت لذهب المعنى، وقال محمد بن يزيد: اعتلّ هذا الفعل من ثلاث جهات والشيء إذا اعتلّ من ثلاث جهات بني منها أنّه فعل وأنه لجمع وأنه لمؤنث. قال أبو جعفر: وسمعت أبا إسحاق يسأل عن هذا فقال:\nهو غلط من قول أبي العباس: لأنا لو سمّينا امرأة بفرعون لم نبنه. أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ معطوف. وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ابتداء وخبر والأصل يعفوا وأسكنت الواو الأولى لثقل الحركة فيها ثم حذفت لالتقاء الساكنين. وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ قال طاوس: اصطناع المعروف. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا ضمة هذه الواو في اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٨]</span>\nحافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)\nحافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى قد ذكرناه «٥»، ونزيده شرحا. قرأ الرّؤاسي «٦»: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى بالنصب أي والزموا الصلاة\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ١٥٣.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٤٥.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ١٥٤.\n(٤) راجع إعراب الآية ١٦- البقرة.\n(٥) يعني في معاني القرآن. [.....]\n(٦) أبو جعفر الرؤاسي: محمد بن الحسن الكوفي النحوي، إمام مشهور، روى الحروف عن أبي عمرو، وله اختيار في القراءة، يروى عنه، واختيار في الوقوف، روى عنه الكسائي والفراء. ترجمته في غاية النهاية ٢/ ١١٦ ونزهة الألباء ٥٠.","vol":"1","page":118},{"text":"الوسطى وفي حرف ابن مسعود وعلى الصلاة الوسطى وروي عن ابن عباس والصلاة الوسطى صلاة العصر «١» . وهذه القراءة على التفسير لأنها زيادة في المصحف، والحديث المرويّ في القراءة والكتابة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر لا يوجب أن يكون الوسطى خلاف العصر كما أنّ قوله ﷿: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرّحمن: ٦٨] أن يكون النخل والرمان خلاف الفاكهة كما قال الشاعر: [الكامل] ٥٣-\nالنّازلون بكلّ معترك ... والطّيّبون معاقد الأزر «٢»\nليس الطّيّبون فيه خلاف النازلين، وحكى سيبويه: مررت بزيد أخيك وصديقك، والصديق هو الأخ. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا احتجاج من قال: إن الصلاة الوسطى العصر لأنها بين الصلاتين من صلاة النهار وصلاتين من صلاة الليل وأجود من هذا الاحتجاج أن يكون قيل لها: الوسطى لأنها بين صلاتين إحداهما أول ما فرض والأخرى الثالثة مما فرض وحجّة من قال إنها الصبح: أنها بين صلاتين من صلاة النهار وصلاتين من صلاة الليل وحجة من قال إنها الظهر: أنها في وسط النهار وقال قوم:\nهي العشاء الآخرة وقال قوم: هي المغرب لأنها بين صلاتين من النهار وصلاتين من الليل. وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ منصوب على الحال وقد بينا معناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٩]</span>\nفَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)\nفَإِنْ خِفْتُمْ شرط، وجوابه ما قلنا فَرِجالًا نصب على الحال أي فصلّوا رجالا، والمعنى: فإن خفتم أن تقوموا لله قانتين فصلّوا مشاة أو ركبانا. قال أبو جعفر: يقال:\nراجل ورجلان ورجل بمعنى واحد وفي الجمع لغات يقال: رجّالة رجال مثل صاحب وصحاب كما قال: [الطويل] ٥٤-\nوقال صح ابي: قد شأونك فاطلب «٣»\nويجوز أن يكون رجال جمع رجل بمعنى راجل، ويقال في الجمع: رجّال مثل\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٢/ ٢٥٠.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٣٣) .\n(٣) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ٥٠، ولسان العرب (صحب) (شأى)، والتنبيه والإيضاح ١/ ١٠٢، وبلا نسبة في ديوان الأدب ١/ ٤٥٤، وصدره:\n«فكان تدانينا وعقد عذاره»","vol":"1","page":119},{"text":"كاتب وكتاب، ويقال: رجل مثل تاجر وتجر، ويقال: راجل ورجلة ورجلة اسم للجمع، وكذا رجال مخفّف ويقال: رجالي رجالي ورجلي جمع رجلان. فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي فقوموا لله قانتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٠]</span>\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ الذين في موضع رفع إن شئت بالابتداء، والتقدير يوصون وصيّة. والمعنى ليوصوا وصيّة، وإن شئت كان الذين رفعا بإضمار فعل أي يوصّي الذين يتوفّون منكم وصيّة، وفي الرفع وجه ثالث أي وفيما فرض عليكم الذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا يوصون وصيّة لأزواجهم والذين مبنيّ على حال واحدة لأنه لا تتمّ إلّا بصلة ويقال: الّذون في موضع الرفع ومن قرأ وصية «١» بالرفع فتقديره والذين يتوفّون منكم عليهم وصيّة لأزواجهم، مَتاعًا مصدر عند الأخفش وعند أبي العباس أي ذوي متاع. غَيْرَ إِخْراجٍ في نصبه ثلاثة أوجه: قال الفراء «٢»: أي من غير إخراج، وقال الأخفش: هو مصدر أي لا إخراجا ثم جعل: «غير» في موضع «لا» وقيل: هو حال أي غير ذوي إخراج، والمعنى يوصون بهنّ غير مخرجين لهنّ وهذا كلّه منسوخ بالربع والثمن [النساء: ١٢] وأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤] و«لا وصيّة لوارث» . فَإِنْ خَرَجْنَ شرط والجواب فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فيما فعلن في أنفسهنّ من معروف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤١]</span>\nوَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)\nوَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا قال الأخفش: هو مصدر أي أحقّ ذلك حقا. قال أبو جعفر: عَلَى متعلّقة بالفعل المحذوف أي يحق ذلك على المتّقين حقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٣]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ هذه ترى من رؤية القلب أي ألم تتنبّه على هذا وألم يأتك علمه والأصل الهمز فترك استخفافا. حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول من أجله وهو مصدر. إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ اسم إنّ وخبرها واللام زائدة للتوكيد.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٢/ ٢٥٤، (قرأ بها الحرميان والكسائي وأبو بكر، لكن باقي السبعة قرءوها بالنصب) .\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١٥٦.","vol":"1","page":120},{"text":"وأصل ذي ذوى فاعلم وقد نطق القرآن به على الأصل قال الله ﷿: ذَواتا أَفْنانٍ [الرّحمن: ٤٨] . ومعنى لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ها هنا أنه أحيا هؤلاء بعد الموت وأراهم الآية العظمى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٤]</span>\nوَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)\nوَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أمر، أي لا تهربوا كما هرب هؤلاء. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اسم «أنّ» وخبرها أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٥]</span>\nمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)\nمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ «من» رفع بالابتداء، وخبره «ذا» و«الذي» نعت لذا، وإن شئت بدل. يُقْرِضُ اللَّهَ اسم للمصدر وأصل قرضت قطعت، ومنه سمي المقراضان ومنه تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ [الكهف: ١٧]، فمعنى أقرضت الرجل أعطيته قطعة من مالي. فيضاعفه له «١» عطف على يقرض وإن شئت كان مستأنفا وقرأ ابن أبي إسحاق والأعرج فَيُضاعِفَهُ لَهُ نصبا وقد روي أيضا هذا عن عاصم والنصب على جواب الاستفهام. وأَضْعافًا بمعنى المصدر. كَثِيرَةً من نعته. وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وإن شئت قلبت السين صادا لأن بعدها طاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٦]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ قيل: الملأ الأشراف لأنهم مليئون بما يدخلون فيه. إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جزم لأنه جواب الطلب والطلب في لفظ الأمر، ويجوز نقاتل في سبيل الله ورفعا بمعنى نحن نقاتل أي فإنّا ممّن يقاتل، ومن قرأ بالياء يقاتل «٢» فالوجه عنده الرفع لأنه نعت لملك. قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ قال أبو حاتم: ولا وجه لعسيتم، وقد قرأ الحسن به ونافع وطلحة «٣» ابن مصرّف ولو كان\n_________\n(١) هذه قراءة نافع وحمزة والكسائي بالألف ورفع الفاء، وقرأ عاصم بالألف ونصب الفاء، انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ١٨٥. والبحر المحيط ٢/ ٢٦١.\n(٢) قراءة الضحاك وابن أبي عيلة بالياء، انظر البحر المحيط ٢/ ٢٦٣.\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ١٨٦.","vol":"1","page":121},{"text":"كذا لقرئت «فعسي الله» . قال أبو جعفر: حكى يعقوب بن السّكيت وغيره أنّ «عسيت» لغة ولكنها لغة رديئة فإذا قال عسى الله ثم قال: فهل عسيتم استعمل اللغتين جميعا إلّا أنه ينبغي له أن يقرأ بأفصح اللغتين وهي فتح السين. إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ شرط. أَلَّا تُقاتِلُوا في موضع نصب. قال أبو إسحاق: أي هل عسيتم مقاتلة قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال الأخفش: أن زائدة. وقال الفراء «١»: هو محمول على المعنى، أي وما منعنا كما تقول: ما لك ألّا تصلي، أي ما منعك، وقيل: المعنى وأيّ شيء لنا في ألّا نقاتل في سبيل الله، وهذا أجودها. وأنزل في موضع نصب. وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا أي سبيت ذرارينا. تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ استثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٧]</span>\nوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)\nوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا «طالوت» مفعول، ولم ينصرف لأنه أعجمي وكذا داوود وجالوت، ولو سمّيت رجلا بطاووس وراقود لصرفت وإن كانا أعجميّين، والفرق بين هذا وبين الأول أنك تقول: الطاوس فتدخل فيه الألف واللام فتمكّن في العربية، ولا يكون هذا في ذاك. ملك السماوات نصب على الحال.\nقالُوا أَنَّى من أي جهة وهي في موضع نصب على الظرف الْمُلْكُ عَلَيْنا رفع اسم يكون. وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ابتداء وخبره. وَلَمْ يُؤْتَ جزم بلم فلذلك حذفت منه الألف. سَعَةً مِنَ الْمالِ خبر ما لم يسمّ فاعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٨]</span>\nوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)\nإِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ اسم «إن» وخبرها أي إتيان التابوت والآية في التابوت على ما روي أنه كان يسمع فيه أنين فإذا سمع ذلك ساروا نحوهم وإذا هدأ الأنين لم يسيروا ولم يسر التابوت. ولغة الأنصار التابوه بالهاء. وروي عن زيد بن ثابت «٢» (التّبوت) . فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ رفع بالابتداء أو بالاستقرار فيجوز أن\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ١٦٣، والبحر المحيط ٢/ ٢٦٤.\n(٢) زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، صحابي، كان كاتب الوحي. كان رأسا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض. كان أحد الذين جمعوا القرآن في عهد النبيّ ﷺ من الأنصار، وهو الذي كتبه في المصحف لأبي بكر ثم لعثمان (ت ٤٥ هـ)، ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٩٦، وصفة الصفوة ١/ ٢٩٤.","vol":"1","page":122},{"text":"تكون السكينة شيئا فيه وكذا البقيّة، ويجوز أن يكون التابوت في نفسه سكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، والأصل في آل أهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٩]</span>\nفَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)\nقرأ حميد بن قيس إنّ الله مبتليكم بنهر بإسكان الهاء. وهي لغة، إلّا أن الكوفيين يقولون: ما كان ثانيه أو ثالثه حرفا من حروف الحلق كان لك أن تسكّنه وأن تحرّكه نحو نهز وسمع ولحم فأما البصريون فيتبعون في هذا اللغة السماع من العرب ولا يتجاوزون ذلك. إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً «من» في موضع نصب بالاستثناء واختار أبو عبيد: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً «١» بضم الغين قال: لأنه لم يقل: غرف وإنما هو الماء بعينه.\nقال أبو جعفر: الفتح في هذا أولى لأن الغرفة بالضم هي ملء الشيء يقع للقليل والكثير والغرفة بالفتح المرة الواحدة وسياق الكلام يدلّ على القليل فالفتح أشبه. فأما قول أبي عبيد أنه اختاره لأنه لم يقل: غرف فمردود لأن غرف واغترف بمعنى احد.\nفَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ استثناء. فَلَمَّا جاوَزَهُ الهاء تعود على النهر «وهو» توكيد «والذين» في موضع رفع عطف على المضمر في جاوزه ويقبح أن تعطف على المضمر المرفوع حتى تؤكّده لأنه لا علامة له فكأنك عطفت على بعض الفعل فإذا وكّد به والتوكيد هو الموكّد فكأنك جئت به منفصلا. قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ طاقة وطوق اسمان بمعنى الإطاقة. كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ لو حذفت من لكان الاختيار الخفض لأنه خبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥١]</span>\nفَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١)\nوَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ قيل: من ذلك منطق الطير وعمل الدروع. ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض «٢» اسم «الله» تعالى في موضع رفع بالفعل لولا أن يدفع\n_________\n(١) هذه قراءة الكوفيين وابن عامر، انظر تيسير الداني ٦٩.\n(٢) هذه قراءة نافع ويعقوب وسهل، انظر تيسير الداني ٦٩، والبحر المحيط ٢/ ٢٦٩.","vol":"1","page":123},{"text":"و(دفاع) مرفوع بالابتداء عند سيبويه «١» . «الناس» مفعولون. «بعضهم» بدل من الناس «ببعض» في موضع المفعول الثاني عند سيبويه «٢» وهو عنده مثل قولك: ذهبت بزيد، فبزيد في موضع مفعول واختار أبو عبيد وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ وأنكر دفاع وقال: لأن الله تعالى لا يغالبه أحد. قال أبو جعفر: القراءة بدفاع حسنة جيدة وفيها قولان قال أبو حاتم: دافع ودفع واحد يذهب إلى أنه مثل طارقت النعل، وأجود من هذا وهو مذهب سيبويه لأن سيبويه قال: وعلى ذلك دفعت الناس بعضهم ببعض، ثم قال: ومثل ذلك ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض. قال أبو جعفر: هكذا قرأت على أبي إسحاق في كتاب سيبويه أن يكون «دفاع» مصدر دفع كما تقول: حسبت الشيء حسابا ولقيته لقاء وهذا أحسن فيكون دفاع ودفع مصدرين لدفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٢]</span>\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)\nتِلْكَ ابتداء. آياتُ اللَّهِ خبره، وإن شئت كانت بدلا والخبر. نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ خبر «إنّ» أي وإنك لمرسل.\nتم الجزء الثاني «٣» من كتاب إعراب القرآن والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على النبي محمد وآله الكرام الأبرار وسلم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٣]</span>\nتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣)\nتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ تلك لتأنيث الجماعة وهي رفع بالابتداء.\nبِالرُّسُلِ نعت وخبر الابتداء الجملة. وعند الكوفيين «تلك» رفع بالعائد كما تقول:\nزيد كلّمت أباه. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ حذفت الهاء لطول الاسم، والمعنى من كلّمه الله ومن لموسى ﷺ قال: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] . وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ هاهنا على مذهب ابن عباس والشّعبيّ ومجاهد محمد ﷺ «بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلّت لي\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ١٢٨. [.....]\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٢٠٥.\n(٣) حسب تقسيم المؤلف.","vol":"1","page":124},{"text":"الغنائم وأعطيت الشفاعة» «١» . ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجرة وإطعامه خلقا عظيما من تميرات ودرور شاة أم معبد بعد جفاف. وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ مفعولان. وَلكِنِ اخْتَلَفُوا كسرت النون لالتقاء الساكنين ويجوز حذفها لالتقاء الساكنين في غير القرآن وأنشد سيبويه: [الطويل] ٥٥-\nفلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل «٢»\nفَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ «من» في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)\nمِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ: الجملة في موضع رفع نعت لليوم فإن شئت رفعت فقلت لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ تجعل «لا» بمعنى «ليس» أو بالابتداء وإن شئت نصبت على التّبرئة وقد ذكرناه قبل هذا «٣» . وَالْكافِرُونَ ابتداء.\nهُمُ ابتداء ثان. الظَّالِمُونَ خبر الثاني وإن شئت كانت «هم» زائدة للفصل والظالمون خبر الكافرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٥ الى ٢٥٦]</span>\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ابتداء وخبر، وهو مرفوع محمول على المعنى أي ما إله إلّا هو، ويجوز لا إله إلّا هو، ويجوز في غير القرآن لا إله إلّا إيّاه نصب على الاستثناء.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ١١٦، ٥/ ١٤٥، وابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٢١٨، والهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٦٥، وابن سعد في الطبقات الكبرى ١/ ١٢٧، وابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ١٥٤.\n(٢) الشاهد للنجاشي الحارثي في ديوانه ص ١١١، والأزهية ص ٢٩٦، وخزانة الأدب ١٠/ ٤١٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٩٥، وشرح التصريح ١/ ١٩٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٠١، والكتاب ١/ ٥٥، والمنصف ٢/ ٢٢٩، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٣٣، والإنصاف ٢/ ٦٨٤، وأوضح المسالك ١/ ٦٧١، وتخليص الشواهد ص ٢٦٩، والجنى الداني ص ٥٩٢، وخزانة الأدب ٥/ ٢٦٥، ورصف المباني ص ٢٧٧، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٤٤٠، وشرح الأشموني ١/ ١٣٦، وشرح المفصل ٩/ ١٤٢، واللامات ١٥٩، ولسان العرب (لكن)، ومغني اللبيب ١/ ٢٩١، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٦، وتاج العروس (لكن) .\n(٣) راجع إعراب آية (٦٢) .","vol":"1","page":125},{"text":"قال أبو ذرّ «١»: سألت رسول الله ﷺ أيّما أنزل إليك من القرآن أعظم فقال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. وقال ابن عباس: أشرف آية في القرآن آية الكرسي. الْحَيُّ الْقَيُّومُ نعت لله ﷿، وإن شئت كان بدلا من هو وإن شئت كان خبرا بعد خبر، وإن شئت على إضمار مبتدأ، ويجوز في غير القرآن النصب على المدح. وقد ذكرنا التفسير، والأصل فيه. لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ الأصل وسنة حذفت الواو كما حذفت من يسن ولا نوم الواو للعطف «ولا» توكيد. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة. مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ «من» رفع بالابتداء و«ذا» خبره والذين نعت لذا، وإن شئت بدل، ولا يجوز أن تكون «ذا» زائدة كما زيدت مع «ما» لأن «ما» مبهمة فزيدت «ذا» معها لشبهها بها: يقال: كرسيّ وكرسيّ. ويجوز لا إِكْراهُ فِي الدِّينِ «٢» وقرأ أبو عبد الرّحمن قَدْ تَبَيَّنَ الرَّشَدُ مِنَ الْغَيِّ «٣» وكذا يروى عن الحسن والشّعبي.\nيقال: رشد يرشد رشدا ورشد يرشد رشدا، إذا بلغ ما يحب وغوى ضدّه كما قال:\n[الطويل] ٥٦-\nومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما «٤»\nفَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ جزم بالشرط والطاغوت مؤنث وقد ذكرنا معناها وما قيل فيها «٥» . وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ عطف. فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى جواب. وجمع الوثقى الوثق مثل الفضلى والفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٧]</span>\nاللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا ابتداء. أَوْلِياؤُهُمُ ابتداء ثان وبِالطَّاغُوتِ خبره، والجملة خبر الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)\n_________\n(١) أبو ذرّ الغفاري: جندب بن جنادة، أحد السابقين الأولين، أسلم في أول المبعث خامس خمسة (ت ٣٢ هـ) . ترجمته في تذكرة الحفاظ ١٧.\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٢٩٧ وفيه جواز رفع: لا إكراه.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ١٦، والبحر المحيط ٢/ ٢٩٢.\n(٤) الشاهد للمرقّش الأصغر في ديوانه ص ٥٦٥، ولسان العرب (غوى)، وشرح اختيارات المفضل ١١٠٤، وتاج العروس (غوى)، وبلا نسبة في كتاب العين ٢/ ٢٣٨، ومقاييس اللغة ٤/ ١٩٢، والمخصص ٦/ ١٧٠، وصدره:\n«فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره»\n(٥) انظر التيسير ٧٠، والإتحاف ١٦١.","vol":"1","page":126},{"text":"أَلَمْ تَرَ حذفت الياء للجزم، وقد ذكرنا الصلة أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ في موضع نصب أي لأن قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ الاسم «أن» فإذا قلت: أنا أو: أنه فالألف والهاء لبيان الحركة ولا يقال: أنا فعلت بإثبات الألف إلّا شاذا في الشعر على أنّ نافعا قد أثبت الألف فقرأ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ولا وجه له. فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ الذي في موضع رفع اسم ما لم يسمّ فاعله. يقال: بهت الرجل وبهت وبهت إذا انقطع وسكت متحيّرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٩]</span>\nأَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)\nأَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ قيل: قرية لاجتماع الناس فيها من قولهم: قريت الماء أي جمعته. وَهِيَ خاوِيَةٌ ابتداء وخبر. فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ظرف. قالَ كَمْ لَبِثْتَ، وقرأ أهل الكوفة قالَ كَمْ لَبِثْتَ «١» أدغموا الثاء في التاء لقربها منها والإظهار أحسن.\nفَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أصحّ ما قيل فيه: أنّ معناه لم تغيّره السنون. من قرأ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ «٢» بالهاء في الوصل، قال: أصل سنة: سنهة، وقال: سنيهة في التصغير كما قال: [الطويل] ٥٧-\nليست بسنهاء ولا رجبيّة «٣»\nفحذف الضمة للجزم، ومن قرأ لم يتسنّ وانظر قال: في التصغير سنيّة وحذف الألف للجزم ويقف على الهاء فيقول: لم يتسنّه تكون الهاء لبيان الحركة، وقرأ طلحة بن مصرّف لم يسّنّ أدغم التاء في السين. وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٠٣، وهذه قراءة السبعة عدا نافع وابن كثير فقد أظهروا الثاء.\n(٢) هذه قراءة السبعة عدا حمزة والكسائي، فقد قرأ بحذف الهاء في الأصل، انظر البحر المحيط ٢/ ٣٠٣، والتيسير ٧٠.\n(٣) الشاهد لسويد بن الصامت في لسان العرب (سنه) (بسنهاء)، و(عر)، وبلا نسبة في سرّ صناعة الإعراب ١/ ٤١٤، ٢/ ٥٤٧، ولسان العرب (رجب)، (فرح) . وعجزه:\n«ولكن عرايا في السنين الجوائح»","vol":"1","page":127},{"text":"وروي عن ابن عباس والحسن كَيْفَ نُنْشِزُها والمعنى واحد كما يقال:\nرجع ورجعته إلا أنّ المعنى المعروف في اللغة أنشر الله الموتى فنشروا وقيل: ننشرها مثل نشرت الثوب كما قال الأعشى: [السريع] ٥٨-\nحتّى يقول النّاس ممّا رأوا ... يا عجبا للميّت النّاشر «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ ويجوز في غير القرآن ربّي بإثبات الياء فمن حذف قال: النداء موضع حذف ومن أثبت قال: هي اسم فإذا حذفت كان الاختيار أن أقف بغير إشمام فأقول: ربّ فيشبه هذا المفرد. أَرِنِي قد ذكرناه «٢» . كَيْفَ في موضع نصب أي بأي حال تحيي الموتى. وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي سألتك ليطمئن قلبي ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا. قال أبو إسحاق: المعنى ثم اجعل على كلّ جبل من كلّ واحد جزءا، وقرأ أبو جعفر وعاصم (جزءا) على فعل يَأْتِينَكَ سَعْيًا نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦١]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)\nفِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ رفع بالابتداء. قال يعقوب الحضرمي «٣»: وقرأ بعضهم فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ «٤» على أنبتت مائة حبة وكذلك قرأ بعضهم وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ [الملك: ٦] على وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ [الملك: ٥] وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٣]</span>\nقَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)\nقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ابتداء والخبر محذوف أي قول معروف أمثل وأولى، ويجوز أن يكون قول معروف خبر ابتداء محذوف أي الذي أمرتم به قول معروف. وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وهذا مشكل يبيّنه الإعراب، بِالْمَغْفِرَةِ رفع بالابتداء، والخبر:\n_________\n(١) الشاهد في ديوان الأعشى ص ١٩١، ولسان العرب (نشر)، وتهذيب اللغة ١١/ ٣٣٨، ومقاييس اللغة ٥/ ٤٣٠، وتاج العروس (نشر)، بلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٧٣٤، والمخصص ٩/ ٩٢. [.....]\n(٢) مرّ في إعراب الآية (١٢٨) .\n(٣) يعقوب بن إسحاق الحضرمي: أحد القراء العشرة، وإمام أهل البصرة، سمع الحروف من الكسائي (ت ٢٥٥ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٣٨٦.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه (١٦)، والبحر المحيط ٢/ ٣١٧.","vol":"1","page":128},{"text":"خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ والمعنى- والله أعلم- وفعل يؤدّي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى وتقديره في العربية وفعل مغفرة ويجوز أن يكون مثل قولك: تفضّل الله عليك أكثر من الصدقة التي تمنّ بها أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنّون بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى العرب تقول لما يمنّ به: يد سوداء ولما يعطى عن غير مسألة: يد بيضاء ولما يعطى عن مسألة ولا يمنّ به: يد خضراء كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ الكاف في موضع نصب أي إبطالا كالذي ينفق ماله رئاء الناس فهي نعت للمصدر المحذوف، ويجوز أن تكون في موضع الحال. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ ابتداء وخبر، وقرأ سعيد بن المسيّب «١» والزّهري كَمَثَلِ صَفْوانٍ «٢» بتحريك الفاء، وحكى قطرب مثل صفوان. قال الأخفش: صفوان جماعة صفوانة. قال: وقال بعضهم صفوان واحد مثل حجر. قال الكسائي: صفوان واحد وجمعه صفوان وصفيّ وصفيّ. قال أبو جعفر: صفوان وصفوان يجوز أن يكون جمعا وأن يكون واحدا إلّا أن الأولى أن يكون واحدا لقوله عليه تراب فأصابه وابل وأن كان يجوز تذكير الجمع إلّا أن الشيء لا يخرج عن بابه إلّا بدليل قاطع فأما ما حكاه الكسائي في الجمع فليس يصحّ على حقيقة النظر ولكن صفوان جمع صفا وصفا بمعنى صفوان ونظيره ورل ورلان وأخ وإخوان وكرى وكروان كما قال: [الوافر] ٥٩-\nلنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات وما نطير «٣»\nوالضعيف في العربية يقول: كروان جمع كروان وصفيّ جمع صفا مثل عصا وعصيّ. قال الكسائي: وهي الحجارة الملس التي لا تنبت شيئا. فَتَرَكَهُ صَلْدًا قال الكسائي: يقال: صلد يصلد صلدا بتحريك اللام فهو صلد بالإسكان وهو كل ما لا ينبت شيئا ومنه جبين أصلد وأنشد الأصمعيّ: [الرجز] ٦٠-\nبراق أصلاد الجبين الأجله «٤»\n_________\n(١) سعيد بن المسيب المخزومي، عالم التابعين، وردت الرواية عنه في حروف القرآن. قرأ على ابن عباس، وروى عن عمر وعثمان (ت ٩٤ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٠٨.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه (١٦) والبحر المحيط ٢/ ٣٢٢.\n(٣) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٤٩، وخزانة الأدب ٢/ ٣٧٥ و٤١٥.\n(٤) الشاهد لرؤبة بن العجاج في ديوانه ص ١٦٥، ولسان العرب (صلد) و(غدن) و(بله)، و(جله)، وتاج العروس (صلد) و(غدن) و(جله)، وتهذيب اللغة ٦/ ٣١١، ٨/ ٧٤، وجمهرة اللغة ص ٤٩٤، ومقاييس اللغة ١/ ٢٩٢، ومجمل اللغة ١/ ٢٨٧، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ٦/ ٥٧، ومقاييس اللغة ٤/ ٤١٤، ومجمل اللغة ٣/ ٨٨، والمخصص ١٢/ ٢٩٠، وقبله:\n«لمّا رأتني خلق المموّه»","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٥]</span>\nوَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)\nوَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ مفعول من أجله. وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ عطف عليه. كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ وقرأ ابن عباس وأبو إسحاق السّبيعي (بربوة) «١» بكسر الراء وقرأ الحسن وعاصم وابن عامر الشامي بِرَبْوَةٍ بفتح الراء. قال الأخفش: ويقال: برباوة وبرباوة وكلّه من الرابية وفعله ربا يربو. فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ. قال أبو إسحاق «٢»: أي فالذي يصيبها طلّ. قال أبو جعفر: حكى أهل اللغة:\nوبلت وأوبلت وطلّت وأطلّت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٦]</span>\nأَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)\nأَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ يقال: «تكون» فعل مستقبل فكيف عطف عليه بالماضي وهو وَأَصابَهُ الْكِبَرُ ففيه جوابان: أحدهما أنّ التقدير و«قد أصابه الكبر»، والجواب الآخر أنه محمول على المعنى لأن المعنى أيودّ أحدكم لو كانت له جنة فعلى هذا وأصابه الكبر. وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ وقال في موضع آخر ذُرِّيَّةً ضِعافًا [النساء: ٩] كما تقول: ظريف وظرفاء وظراف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)\nوَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ وفي قراءة عبد الله ولا تأمموا «٣» وهما لغتان، وقرأ ابن كثير وَلا تَيَمَّمُوا والأصل تتيمّموا فأدغم التاء في التاء، ومن قرأ تَيَمَّمُوا حذف، وقرأ مسلم بن جندب «٤» وَلا تَيَمَّمُوا. وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وقرأ قتادة\n_________\n(١) انظر تفسير القرطبي ٢/ ٣١٦، ومختصر ابن خالويه (١٦) .\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٠٥، والبحر المحيط ٢/ ٣٢٤.\n(٣) هذه قراءة أبي صالح صاحب عكرمة، انظر مختصر ابن خالويه (١٧) .\n(٤) مسلم بن جندب: أبو عبد الله الهذلي مولاهم، تابعي مشهور، عرض على عبد الله بن عياش وعرض عليه نافع (ت ١٣٠ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٢٩٧.","vol":"1","page":130},{"text":"إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ «١» وقال: إلّا أن تغمض لكم فيه، وروي عنه إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أي تأخذوه بنقصان فكيف تعطونه في الصدقة «أن» في موضع نصب والتقدير إلّا بأن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٨]</span>\nالشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)\nالشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ مفعولان ويقال: الفقر. وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ويجوز في غير القرآن ويأمركم الفحشاء بحذف الباء وأنشد سيبويه: [البسيط] ٦١-\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٩]</span>\nيُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩)\nوَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ شرط فلذلك خففت الألف والجواب فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٠]</span>\nوَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠)\nوَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ يكون التقدير وما أنفقتم من نفقة فإنّ الله يعلمها وما نذرتم من نذر فإنّ الله يعلمه ثم حذف، ويجوز أن يكون التقدير وما أنفقتم من نفقة فإنّ الله يعلمه وتعود الهاء على «ما» كما أنشد: [الطويل] ٦٢-\nفتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجته من جنوب وشمأل «٣»\nويكون أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ معطوفا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧١]</span>\nإِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)\nإِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ هذه قراءة أبي عمرو وعاصم ونافع، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي فنعمّا هي «٤» بفتح النون، وروي عن أبي عمرو ونافع بإسكان\n_________\n(١) هذه قراءة الزهري، انظر المحتسب ١/ ١٣٨، ومختصر ابن خالويه (١٧) .\n(٢) انظر المحتسب ١/ ١٣٩.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (٥١) . [.....]\n(٤) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ٨ (لما نسجتها)، والأضداد ص ٩٣، وخزانة الأدب ١١/ ٦، والدرر ١/ ٢٨٥، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٦٣، ٢/ ٧٤٣، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٩/ ٢٧، ومغني اللبيب ١/ ٣٣١، والمنصف ٣/ ٢٥، وهمع الهوامع ١/ ٨٨.","vol":"1","page":131},{"text":"العين رواه قالون عن نافع، ويجوز في غير القرآن «فنعم ما هي» ولكنه في السواد متّصل فلزم الإدغام وحكى النحويون «١» في نعم أربع لغات يقال نعم الرجل زيد هذا الأصل ويقال: نعم الرجل فتكسر النون لكسرة العين، ويقال: نعم الرجل والأصل نعم حذفت الكسرة لأنها ثقيلة، ويقال: نعم الرجل وهذه أفصح اللغات. والأصل: فيها نعم، وهي تقع في كل مدح فخفّفت وقلبت كسرة العين على النون وأسكنت العين، فمن قرأ «فنعمّا هي» فله تقديران: أحدهما أن يكون جاء به على لغة من قال: نعم، والتقدير الآخر: أن يكون على اللغة الجيّدة فيكونا لأصل نعم ثم كسرت العين لالتقاء الساكنين فأما الذي حكي عن أبي عمرو ونافع من إسكان العين فمحال. حكي عن محمد بن يزيد أنه قال: أما إسكان العين والميم مشدّدة فلا يقدر أحد أن ينطق به وإنما يروم الجمع بين ساكنين ويحرّك ولا يأبه. قال أبو جعفر: ومن قرأ «فنعمّا هي» فله تقديران:\nأحدهما أن يكون على لغة من قال: نعم الرجل، والآخر أن يكون على لغة من قال:\nنعم الرجل، فكسر العين لالتقاء الساكنين، ويجب على من قرأ: فنعم أن يقول: بئس.\nوَإِنْ تُخْفُوها شرط فلذلك حذفت منه النون. وَتُؤْتُوهَا عطف عليه، والجواب فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ قرأ قتادة وابن أبي إسحاق وأبو عمرو ونكفّر عنكم من سيّئاتكم «٢» وقرأ نافع والأعمش وحمزة والكسائي ونكفّر عنكم «٣» إلا أنّ الحسين بن علي الجعفي «٤» روى عن الأعمش ونكفّر عنكم بالنصب. قال أبو حاتم: قرأ الأعمش فهو خير لكم نكفّر عنكم بغير واو جزما، والصحيح عن عاصم أنه قرأ مرفوعا بالنون، وروى عنه حفص «٥» أنه قرأ وَيُكَفِّرُ بالياء والرفع وكذلك روي عن الحسن وروي عنه بالياء والجزم «٦»، وقرأ عبد الله بن عباس «٧» وتكفّر عنكم من سيّئاتكم بالتاء وكسر الفاء والجزم، وقرأ عكرمة «٨» وتكفّر عنكم بالتاء وفتح الفاء والجزم.\nقال أبو جعفر: أجود القراءات ونكفر عنكم بالرفع هذا قول الخليل وسيبويه. قال سيبويه «٩»: والرفع هاهنا الوجه وهو الجيد لأن الكلام الذي بعد الفاء جرى مجراه في غير الجزاء. وأجاز الجزم يحمله على المعنى لأن المعنى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٧١.\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ١٨٠، والمقتضب ٢/ ١٤٠، والإنصاف مسألة (٧١٤) .\n(٣) انظر تيسير الداني ٧١.\n(٤) انظر تيسير الداني ٧١.\n(٥) الحسين بن علي الجعفي: مولاهم الكوفي، قرأ على حمزة، وهو أحد الذين خلفوه في القراءة، وروى القراءة أيضا عن أبي عمرو (ت ٢٠٣) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٤٧.\n(٦) حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي أخذ القراءة عرضا عن عاصم (ت ١٨٠ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٥٤.\n(٧) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٣٨.\n(٨) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٣٨.\n(٩) انظر الكتاب ٣/ ١٠٥.","vol":"1","page":132},{"text":"يكن خيرا لكم ونكفّر عنكم والذي حكاه أبو حاتم عن الأعمش بغير واو جزما يكون على البدل كأنه في موضع الفاء والذي روي عن عاصم «وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ» بالياء والرفع يكون معناه يكفر الله. هذا قول أبي عبيد، وقال أبو حاتم معناه يكفّر الإعطاء، وقرأ ابن عباس «وتكفّر «يكون معناه وتكفّر الصدقات، وقراءة عكرمة وتكفّر عنكم أي أشياء من سيئاتكم فأما النصب ونكفّر فضعيف وهو على إضمار «أن» وجاز على بعد لأن الجزاء إنما يجب به الشيء لوجوب غيره فضارع الاستفهام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٢]</span>\nلَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)\nلَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ تكلّم جماعة في معنى يهدي ويضلّ فمن أجلّ ما روي في ذلك ما رواه سفيان عن خالد الحذّاء عن عبد الأعلى القرشي عن عبد الله بن الحارث عن عمر أنه قال في خطبته: «من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له» وكان الجاثليق حاضرا فأومأ بالإنكار فقال عمر: ما يقول؟ فقالوا يقول: إنّ الله لا يهدي ولا يضلّ، فقال له عمر: كذبت يا عدوّ الله بل الذي خلقك هو يضلك ويدخلك النار إن شاء الله، إن الله خلق أهل الجنة وما هم عاملون وخلق أهل النار وما هم عاملون فقال هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه فما برح الناس يختلفون في القدر. قال أبو عبيد: قال الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦] . وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ «ما» الأولى في موضع نصب بتنفقوا والثانية لا موضع لها لأنها حرف والثالثة كالأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٣]</span>\nلِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)\nتَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ ويقال في هذا المعنى: سيمياء لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا مصدر في موضع الحال أي ملحفين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٤]</span>\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ رفع بالابتداء، والخبر: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ودخلت الفاء ولا يجوز: زيد فمنطلق لأن في الكلام معنى الجزاء أي من أجل","vol":"1","page":133},{"text":"نفقتهم فلهم أجرهم وهكذا كلام العرب إذا قلت: السارق فاقطعه فمعناه من أجل سرقته فاقطعه ومعنى «بالليل والنهار» في الليل والنهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٥]</span>\nالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥)\nالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا رفع بالابتداء، والخبر: لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ. فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ لأنه تأنيث غير حقيقي أي فمن جاءه وعظ كما قال: [الكامل] ٦٣-\nإنّ السّماحة والمروءة ضمّنا «١»\nوقرأ الحسن فمن جاءته موعظة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٦]</span>\nيَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)\nيَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا الأصل في الربا الواو. قال سيبويه «٢»: تثنيته ربوان. قال الكوفيون: تكتبه بالياء وتثنيته (تثنّيه) بالياء وقال أبو جعفر: سمعت أبا إسحاق يقول: ما رأيت خطأ أقبح من هذا ولا أشنع لا يكفيهم الخطأ في الخط حتى يخطئون في التثنية وهم يقرءون وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ [الروم: ٣٩] وقال محمد بن يزيد: كتب الربا في المصحف بالواو فرقا بينه وبين الزنا وكان الربا أولى بالواو لأنه من ربا يربو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٩]</span>\nفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)\nفَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ حكى أبو عبيد عن الأصمعي «فأذنوا» فكونوا على أذن من ذلك أي على علم. قال أبو جعفر: وهذا قول وجيز حسن حكى أهل اللغة أنه يقال:\nأذنت به أذنا إذا علمت به ومعنى فآذنوا على قراءة الأعمش، وحمزة وعاصم على حذف المفعول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٠]</span>\nوَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)\nوَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ «كان» بمعنى وقع. وأنشد سيبويه: [الطويل] ٦٤-\nفدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب «٣»\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٢٠) .\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٤٢٨.\n(٣) الشاهد لمقاس العائذي في الأزهيّة ص ١٨٦، وشرح أبيات الكتاب ١/ ٢٥٢، وشرح المفصّل ٧/ ٩٨، والكتاب ١/ ٨٥، ولسان العرب (كون)، وبلا نسبة في أسرار العربية ١٣٥، ولسان العرب (شهب) و(ظلم)، والمقتضب ٤/ ٩٦.","vol":"1","page":134},{"text":"فهذا أحسن ما قيل فيه لأنه يكون عاما لجميع الناس ويجوز أن يكون خبر كان محذوفا أي وإن كان ذو عسرة في الدين. وقال حجاج الوراق في مصحف عبد الله وإن كان ذا عسرة «١» . قال أبو جعفر: والتقدير: وإن كان المعامل ذا عسرة. فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ أي فالذي تعاملون به نظرة وقرأ الحسن وأبو رجاء فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ «٢» حذف الكسرة لثقلها وقرأ مجاهد وعطاء فناظره على الأمر إِلى مَيْسَرَةٍ «٣» بضم السين وكسر الراء وإثبات الهاء في الإدراج. وقال أبو إسحاق «٤»: وقرئ (فناظرة إلى ميسرة) «٥» وقرأ أهل المدينة (إلى ميسرة) «٦» ويجوز (فنظرة إلى ميسرة) بالنصب على المصدر. قال أبو حاتم: ولا يجوز «فناظرة» إنما ذلك في «النمل» فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل: ٣٥] لأنها امرأة تكلّمت بهذا لنفسها من نظرت تنظر فهي ناظرة فأمّا «فنظرة» في البقرة فمن التأخير من ذلك: أنظرتك بالدّين أي أخّرتك به وقالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر: ٣٦] وأجاز ذلك أبو إسحاق وقال: هي من أسماء المصادر مثل لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ [الواقعة: ٢] وأَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ [القيامة: ٢٥] قال أبو جعفر «ميسرة» أفصح اللغات وهي لغة أهل نجد و«ميسرة» وإن كانت لغة أهل الحجاز فهي من الشواذ لا يوجد في كلام العرب مفعلة إلّا حروف معدودة شاذة ليس فيها شيء إلا يقال فيه مفعلة وأيضا فإن الهاء زائدة، وليس في كلام العرب مفعل البتّة وقراءة من قرأ إِلى مَيْسَرَةٍ «٧» لحن لا يجوز. قال الأخفش سعيد: ولو قرءوا إلى ميسره لكان أشبه والذي قال الأخفش حسن يقال: جلست مجلسا ومفعل كثير. قال الأخفش: ويجوز إلى موسرة مثل مدخلة. وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ابتداء وخبر وفي قراءة عبد الله وأن تتصدّقوا وقرأ عيسى وطلحة وأن تصدقوا مخفّفا تتصدّقوا على الأصل وتصدّقوا تدغم التاء في الصاد لقربها منها ولا يجوز هذا في تتفكرون لبعد التاء من الفاء ومن خفّف حذف التاء للدلالة ولئلا يجمع بين ساكنين وتاءين.\n_________\n(١) هذه قراءة عثمان وأبيّ أيضا، انظر مختصر ابن خالويه (١٧)، والبحر المحيط ٢/ ٣٥٤. [.....]\n(٢) هذه لغة تميم، انظر البحر المحيط ٢/ ٣٥٤.\n(٣) انظر المحتسب ١/ ١٤٣.\n(٤) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣١٦.\n(٥) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٥٤.\n(٦) انظر تيسير الداني ٧١، والبحر المحيط ٢/ ٣٥٤.\n(٧) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣١٦، والبحر المحيط ٢/ ٣٥٥، وهي قراءة عطاء ومجاهد.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨١]</span>\nوَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)\nوَاتَّقُوا يَوْمًا مفعول. تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ قد ذكرنا كلّ ما فيه في كتابنا الأول «المعاني» .\nفَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ أثبت اللام في الثاني وحذفها من الأول لأن الثاني غائب والأول للمخاطبين فإن شئت حذفت اللام في المخاطب لكثرة استعمالهم ذلك وهو أجود، وإن شئت أثبتّها على الأصل، فأمّا الغائب فزعم محمد بن يزيد أنه لا بدّ من اللام في الفعل إذا أمرته، وأجاز سيبويه والكوفيون حذفها وأنشدوا: [الوافر] ٦٥-\nمحمّد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من قوم تبالا «١»\nوَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ هذه لغة أهل الحجاز وبني أسد، وتميم يقولون:\nأمليت وجاء القرآن باللغتين جميعا. قال جلّ وعزّ فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: ٥] والأصل أمللت أبدل من اللام ياء لأنه أخفّ. فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ رفع بالابتداء «وامرأتان» عطف عليه والخبر محذوف أي فرجل وامرأتان يقومون مقامهما وإن شئت أضمرت المبتدأ أي فالذي يستشهد رجل وامرأتان ويجوز\n_________\n(١) الشاهد لأبي طالب في شرح شذور الذهب ص ٢٧٥، وله أو للأعشى في خزانة الأدب ٩/ ١١، وللأعشى أو لحسّان أو لمجهول في الدرر ٥/ ٦١، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ٣١٩، والإنصاف ٢/ ٥٣٠، والجنى الداني ص ١١٣، ورصف المباني ص ٢٥٦، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٣٩١، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧٥، وشرح شواهد المغني ١/ ٥٩٧، وشرح المفصل ٧/ ٣٥، والكتاب ٣/ ٦، واللامات ص ٩٦، ومغني اللبيب ١/ ٢٢٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٤١٨، والمقتضب ٢/ ١٣٢ والمقرّب ١/ ٢٧٢، وهمع الهوامع ٢/ ٥٥.","vol":"1","page":136},{"text":"النصب في غير القرآن أي فاستشهدوا وحكى سيبويه «١»: إن خنجرا فخنجرا أي فاتخذ خنجرا. أن تضلّ أحدهما فتذكّر إحداهما الأخرى هذه قراءة الحسن وأبي عمرو بن العلاء وعيسى وابن كثير وحميد بفتح «أن» ونصب «تذكر» وتخفيفه وقرأ أهل المدينة أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ بفتح «أن» ونصب «تذكر» وتشديده وقرأ أبان بن تغلب والأعمش وحمزة أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى بكسر «إن» ورفع تذكّر وتشديده. قال أبو جعفر: ويجوز تضلّ بفتح التاء والضاد ويجوز تضلّ بكسر التاء وفتح الضاد والقراءة الأولى حسنة لأن الفصيح أن يقال: أذكرتك وذاكرتك وعظتك قال جلّ وعزّ: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: ٥٥] وفي الحديث عن النبي ﷺ «رحم الله فلانا كأيّ من آية أذكرنيها» «٢» وفي هذه القراءة على حسنها من النحو إشكال شديد. قال الفراء «٣»: هو في مذهب الجزاء، وإن جزاء مقدم أصله التأخير أي استشهدوا امرأتين مكان الرجل كما تذكر الذاكرة الناسية إن نسيت فلما تقدّم الجزاء اتّصل بما قبله ففتحت أن فصار جوابه مردودا عليه قال: ومثله: إني ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى. المعنى أنه يعجبه الإعطاء وإن سأل السائل. قال أبو جعفر: وهذا القول خطأ عند البصريين لأن «إن» المجازاة لو فتحت انقلب المعنى وقال سيبويه «٤»: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى انتصب لأنه أمر بالإشهاد لأن تذكر ومن أجل أن تذكر. قال: فإن قال إنسان: كيف جاز أن تقول أن تضلّ؟ ولم يعدّ هذا للإضلال والالتباس فإنما ذكر أن تضلّ لأنه سبب الإذكار كما يقول الرجل: أعددته أن يميل الحائط فأدعمه. وهو لا يطلب بإعداده ذلك ميلان الحائط ولكنه أخبر بعلّة الدعم وبسببه. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يحي عن أبي العباس محمد بن يزيد أن التقدير: ممن ترضون من الشهداء كراهة أن تضلّ إحداهما وكراهة أن تذكّر إحداهما الأخرى. قال أبو جعفر: وهذا القول غلط وأبو العباس يجلّ عن قول مثله لأن المعنى على خلافه وذلك أنه يصير المعنى كراهة أن تضلّ إحداهما وكراهة أن تذكّر إحداهما الأخرى وهذا محال، وأصحّ الأقوال قول سيبويه ومن قال «تضلّ» جاء به على لغة من قال: ضللت تضلّ وعلى هذا تقول: تضلّ بكسر التاء لتدلّ على أن الماضي فعلت.\nوَلا تَسْئَمُوا قال الأخفش: يقال: سئمت أسأم سآمة وسآما وسأما وسأما، أَنْ تَكْتُبُوهُ في موضع نصب بالفعل كما قال زهير: [الطويل]\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ٣١٩.\n(٢) أخرجه القاضي عياض في الشفا ٢/ ٣٤٥، الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٤/ ٤٩٣، والمتقي الهندي في كنز العمال ٢٧٩٣، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار ١/ ٢٨٠.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ١٨٤.\n(٤) انظر الكتاب ٣/ ٥٩.","vol":"1","page":137},{"text":"٦٦-\nسئمت تكاليف الحياة ومن يعش «١»\nصَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا على الحال: أعطيته دينه صغر أو كبر. ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ابتداء وخبر. وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ عطف عليه وكذا وَأَدْنى أَلَّا في موضع نصب أي من أن لا. إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً «٢» «أن» في موضع نصب استثناء ليس من الأول.\nقال الأخفش: أي إلّا أن تقع تجارة وقال غيره تُدِيرُونَها الخبر، وقرأ عاصم إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً أي إلّا أن تكون المداينة تجارة حاضرة. وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ أمر فزعم قوم أنه على الندب والتأديب وكذا قالوا في قوله: إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ هذا قول الفراء وزعم أنّ مثله وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا «٣» [المائدة: ٢] قال ومثله فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الجمعة: ١٠] . قال أبو جعفر:\nهذا قول خطأ عند جميع أهل اللغة وأهل النظر ولا يشبه هذا قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا ولا فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ لأن هذين إباحة بعد حظر ولا يجوز في اللغة أن يحمل الأمر على الندب إلّا بما تستعمله العرب من تقدّم الحظر أو ما أشبه ذلك فزعم قوم أنّ هذا مما رخّص في تركه بغير آية وعلى هذا فسّروا أَوْ نُنْسِها [البقرة:\n١٠٦] قالوا: نطلق لكم تركها، وقيل الإباحة في ترك المكاتبة بالدّين فإن أمن بعضكم بعضا وقيل: المكاتبة واجبة كما أمر الله ﷿ إذا كان الدين إلى أجل وأمر الله بهذا حفظا لحقوق الناس وقال عبد الله بن عمر: المشاهدة واجبة في كل ما يباع قليل أو كثير كما قال الله تعالى: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ يجوز أن يكون التقدير ولا يضارر وأن يكون التقدير ولا يضارر. قال أبو جعفر: ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا قال: لأن بعده وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ فالأولى أن تكون من شهد بغير الحقّ أو حرّف في الكتابة أن يقال له: فاسق، فهو أولى ممن سأل شاهدا وهو مشغول أن يشهد. قال المفضّل: وقرأ الأعمش وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ.\nقال أبو جعفر: كسر الراء لالتقاء الساكنين وكذلك معن فتح إلّا أن الفتح أخفّ وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وابن أبي إسحاق ولا يضارر «٤» بكسر الراء الأولى وقرأ ابن مسعود ولا يضارر بفتح الراء الأولى «٥» وهاتان القراءتان على التفسير ولا\n_________\n(١) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٢٩، وكتاب العين ٥/ ٣٧٢، وأساس البلاغة (كلف)، وتاج العروس (حمل)، وعجزه:\n«ثمانين حولا لا أبا لك يسأم»\n(٢) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٦٩.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ١٨٣. [.....]\n(٤) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٧٠.\n(٥) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٧٠، وهي قراءة عكرمة أيضا.","vol":"1","page":138},{"text":"يجوز أن تخالف التلاوة التي في المصحف. وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ أي فإن هذا الفعل ويجوز أن يكون التقدير فإن الضرار فسوق بكم كما قال: [الوافر] ٦٧-\nإذا نهي السّفيه جرى إليه «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٣]</span>\nوَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)\nوَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا وقرأ ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك «٢» وأبو العالية ولم تجدوا كتابا وروي عن ابن عباس ولم تجدوا كتّابا «٣» قال أبو جعفر: هذه القراءة شاذّة والعامة على خلافها وقلّ ما يخرج شيء عن قراءة العامة إلّا كان فيه مطعن نسق الكلام يدلّ على كاتب. قال تعالى قبل هذا وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وكتّاب يقضي جماعة. فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ هذه قراءة علي بن أبي طالب ﵁ وأهل الكوفة وأهل المدينة وقرأ ابن عباس فرهن «٤» بضمتين وهي قراءة أبي عمرو وقرأ عاصم بن أبي النجود فرهن بإسكان الهاء وتروى عن أهل مكة. قال أبو جعفر: الباب في هذا رهان كما تقول: بغل وبغال وكبش وكباش و«رهن» سبيله أن يكون جمع رهان مثل كتاب وكتب، وقيل: هو جمع رهن مثل سقف، وليس هذا الباب و«رهن» بإسكان الهاء سبيله أن تكون الضمّة حذفت منه لثقلها وقيل: هو جمع رهن مثل سهم حشر أي دقيق وسهام حشر والأول أولى لأن الأول ليس بنعت وهذا نعت. فَلْيُؤَدِّ من الأداء مهموز ويجوز تخفيف همزه فتقلب الهمزة واوا ولا تقلب ألفا ولا تجعل بين بين لأن الألف لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحا. الَّذِي اؤْتُمِنَ مهموز في الأصل لأنه من الأمانة ففاء الفعل همزة. والأصل في اؤتمن أأتمن كرهوا الجمع بين همزتين فلما زالت إحداهما همزت فإن خفّت الهمزة التقى ساكنان الياء التي في الذي والهمزة المخفّفة فحذفت فقلت: الذي تمن وإذا همزت فقد كان التقى ساكنان أيضا إلّا\n_________\n(١) الشاهد لأبي قيس بن الأسلت الأنصاري في إعراب القرآن ص ٩٠٢، والأشباه والنظائر ٥/ ١٧٩، وأمالي المرتضى ١/ ٢٠٣، والإنصاف ١/ ١٤٠، وخزانة الأدب ٣/ ٣٦٤، ٤/ ٢٢٦، والخصائص ٣/ ٤٩، والدرر ١/ ٢١٦، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٢٤٤، ومجالس ثعلب ص ٧٥، والمحتسب ٢/ ٣٧٠، وهمع الهوامع ١/ ٦٥، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ١٧٦، وعجزه:\n«وخالف والسّفيه إلى خلاف»\n(٢) الضّحاك بن قيس بن خالد الفهري القرشي، ولّاه معاوية على الكوفة سنة (٦٥ هـ) . ترجمته في تهذيب ابن عساكر ٧/ ٤، وابن الأثير حوادث سنة (٦٥ هـ) .\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ١٨٩.\n(٤) هذه قراءة مجاهد وابن كثير وابن عمرو أيضا، انظر معاني الفراء ١/ ١٨٨، والتيسير الداني ٧٢.","vol":"1","page":139},{"text":"أنك حذفت الياء لأن قبلها ما يدلّ عليها وإذا خفّفت الهمزة لم يجز أن تأتي بواو بعد كسرة والابتداء أؤتمن وقرأ أبو عبد الرّحمن ولا يكتموا الشهادة جعله نهيا لغيب.\nوَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ فيه وجوه إن أنت رفعت آثما على أنه خبر «إن» و«قلبه» فاعل سدّ مسدّ الخبر، وإن شئت رفعت آثما على الابتداء وقلبه فاعل وهما في موضع خبر «إنّ» وإن شئت رفعت آثما على أنه خبر الابتداء ينوى به التأخير، وإن شئت كان قلبه بدلا من آثم كما تقول: هو قلب الآثم وإن شئت كان بدلا من المضمر الذي في آثم وأجاز أبو حاتم «فإنه آثم قلبه» قال: كما تقول: هو آثم قلب الإثم. قال: ومثله:\nأنت عربيّ قلبا على المصدر. قال: أبو جعفر: وقد خطّئ أبو حاتم في هذا لأن قلبه معرفة ولا يجوز ما قال في المعرفة، لا يقال: أنت عربيّ قلبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٤]</span>\nلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)\nوَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ شرط. أَوْ تُخْفُوهُ عطف عليه، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ جواب الشرط، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ «١» عطف على الجواب. قال سيبويه «٢»: وبلغنا أنّ بعضهم قرأ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ «٣» . قال أبو جعفر: هذه القراءة مروية عن ابن عباس والأعرج وهي عند البصريين على إضمار «أن»، وحقيقته أنه عطف على المعنى والعطف على اللفظ أجود كما قال: [الطويل] ٦٨-\nومتى مايع منك كلاما ... يتكلّم فيجبك بعقل «٤»\nوقرأ الحسن ويزيد بن القعقاع، وابن محيصن يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ «٥» قطعه من الأول وروي عن طلحة بن مصرّف يحاسبكم به الله يغفر لمن يشاء «٦» بغير فاء على البدل وأجود من الجزم لو كان بلا فاء الرفع حتى يكون في موضع الحال كما قال: [الطويل] ٦٩-\nمتى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد «٧»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٧٦.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ١٠٥.\n(٣) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٧٦، وهي قراءة أبي حيوة أيضا.\n(٤) لم أجده في الشواهد اللغوية.\n(٥) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٧٦.\n(٦) انظر المحتسب ١/ ١٤٩، والبحر المحيط ٢/ ٣٦١.\n(٧) الشاهد للأعشى في ديوانه ص ٥١، وإصلاح المنطق ص ١٩٨، والأغاني ٢/ ١٦٨، وخزانة الأدب ٣/ ٧٤، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٦٥، ولسان العرب (عشا) ومجالس ثعلب ص ٤٦٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٩، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٨٧١، وخزانة الأدب ٥/ ٢١٠، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧٩، وشرح ابن عقيل ص ٥٨١، وشرح عمدة الحافظ ص ٣٦٣، وشرح المفصل ٢/ ٦٦، وما ينصرف وما لا ينصرف ص ٨٨، والمقتضب ٢/ ٦٥.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٥]</span>\nآمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)\nكُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ على اللفظ ويجوز في غير القرآن آمنوا على المعنى. وَقالُوا سَمِعْنا على حذف أي سمعنا سماع قابلين وقيل: سمع بمعنى قبل، كما يقال: سمع الله لمن حمده. غُفْرانَكَ\nمصدر، رَبَّنا نداء مضاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٦]</span>\nلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)\nلا تُؤاخِذْنا جزم لأنه طلب، وكذا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. ولفظه لفظ النهي. وَاعْفُ عَنَّا طلب أيضا ولفظه لفظ الأمر، ولذلك لم يعرب عند البصريين وجزم عند الكوفيين وكذا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وكذا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>[٣] شرح إعراب سورة آل عمران</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس بمصر في قول الله ﷿:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)\nالم اللَّهُ وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد «١» وعاصم بن أبي النجود وأبو جعفر الرؤاسي الم اللَّهُ «٢» بقطع الألف. قال الأخفش سعيد: ويجوز الم اللَّهُ بكسر الميم لالتقاء الساكنين. قال أبو جعفر: القراءة الأولى قراءة العامة، وقد تكلّم فيها النحويون القدماء فمذهب سيبويه «٣» أن الميم فتحت لالتقاء الساكنين واختاروا لها الفتح لئلا يجمعوا بين كسرة وياء وكسرة قبلها. قال سيبويه: ولو أردت الوصل لقلت:\nالم الله ففتحت الميم لالتقاء الساكنين كما فعلت بأين وكيف. قال الكسائي: حروف التهجّي إذا لقيتها ألف الوصل فحذفت ألف الوصل حرّكتها بحركة الألف فقلت: الم الله والم اذكروا والم اقتربت. وقال الفراء «٤»: الأصل: الم الله كما قرأ الرؤاسي ألقيت حركة الهمزة على الميم، وقال أبو الحسن بن كيسان: الألف التي مع اللام بمنزلة «قد» وحكمها حكم ألف القطع لأنهما حرفان جاءا لمعنى وإنما وصلت لكثرة الاستعمال فلهذا ابتدئت بالفتح. قال أبو إسحاق «٥»: الذي حكاه الأخفش من كسر الميم خطأ لا يجوز ولا تقوله العرب لثقله. الْحَيُّ الْقَيُّومُ وقرأ عمر بن الخطاب ﵁\n_________\n(١) عمرو بن عبيد، أبو عثمان البصري، روى الحروف عن الحسن البصري، وهو رأس المعتزلة. وردت له رواية في حروف القرآن (ت ١٤٤ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٦٠٢. [.....]\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ١٩\n(٣) انظر الكتاب ٤: ٢٦٥\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٩.\n(٥) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٢٧.","vol":"1","page":142},{"text":"القيّام وقال «١» خارجة «٢» في مصحف عبد الله الحيّ القيّم «٣» . قال أبو جعفر:\nالقيّوم فيعول الأصل فيه قيووم ثم وقع الإدغام، والقيّام الفيعال الأصل فيه القيوام ثم أدغم وقيّم فيعل عند البصريين الأصل فيه قيوم ثم أدغم، وزعم الفراء «٤» أنّه فعيل. قال ابن كيسان: لو كان كما قال لما أعلّ كما لم يعلّ سويق وما أشبهه. اسم الله ﷿ مرفوع بالابتداء، والخبر نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ والْحَيُّ الْقَيُّومُ نعت، وإن شئت كان الخبر لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ثم جيء بخبر بعد خبر. مُصَدِّقًا نصب على الحال، وعند الكوفيين على القطع قال أبو جعفر: وقد ذكرنا اشتقاق التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ في الكتاب الذي قبل هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nمِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)\nمِنْ قَبْلُ غاية وقد ذكرناه «٥» وهُدىً في موضع نصب على الحال ولم يتبيّن فيه الإعراب لأنه مقصور. إِنَّ الَّذِينَ اسم إنّ والصلة كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ والخبر لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ. وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ابتداء وخبر، وكذا هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ وروى العباس بن الفضل «٦» عن أبي عمرو هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>[سورة آل عمران (٣): آية ٧]</span>\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧)\nهذه الآية كلها مشكلة. وقد ذكرناها، وسنزيدها شرحا إن شاء الله. قال أبو جعفر: أحسن ما قيل في المحكمات والمتشابهات أنّ المحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره نحو وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ١٩٠، وهي قراءة إبراهيم النخعي والأعمش وابن مسعود وأصحاب عبد الله وزيد بن علي وجعفر بن محمد وأبي رجاء أيضا. وانظر المحتسب ١/ ١٥١.\n(٢) خارجة بن مصعب أبو الحجاج الضبعي: أخذ القراءة عن نافع وأبي عمرو، وله شذوذ كثير عنهما لم يتابع عليه، وروى أيضا عن حمزة حروفا. (ت ١٦٨ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٦٨.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه (١٩)، والمحتسب ١/ ١٥١، وهي قراءة علقمة بن قيس.\n(٤) انظر الإنصاف مسألة ١١٥.\n(٥) انظر إعراب الآية (٢٥) سورة البقرة.\n(٦) العباس بن الفضل بن عمرو بن عبيد الأنصاري، قاضي الموصل، حاذق من أكابر أصحاب أبي عمرو (ت ١٨٦ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٥٣.","vol":"1","page":143},{"text":"وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ [طه: ٨٢] والمتشابهات نحو إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:\n٥٣] يرجع فيه إلى قوله وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [طه: ٨٢] وإلى قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] فأما ترك صرف «أخر» فلأنها معدولة عن الألف واللام. وقد ذكرناه «١» . فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ «الذين» في موضع رفع بالابتداء والخبر فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ويقال زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ مفعول من أجله أي ابتغاء الاختبار الذي فيه غلوّ وإفساد ذات البين ومنه فلان مفتون بفلانة أي قد غلا في حبّها. وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ عطف على الله جلّ وعزّ. هذا أحسن ما قيل فيه لأن الله جلّ وعزّ مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم وهم جهّال. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أكثر من هذا الاحتجاج فأما القراءة المرويّة عن ابن عباس وما يعلم تأويله إلّا الله ويقول الراسخون في العلم «٢» فمخالفة لمصحفنا وإن صحّت فليس فيها حجة لمن قال الراسخون في العلم ويقول الراسخون في العلم آمنا بالله فأظهر ضمير الراسخين ليبيّن المعنى كما أنشد سيبويه: [الخفيف] ٧٠-\nلا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا «٣»\nفإن قال قائل: قد أشكل على الراسخين في العلم بعض تفسيره حتى قال ابن عباس: لا أدري ما الأواه [التوبة: ١١٤] وما غِسْلِينٍ [الحاقة: ٣٦] فهذا لا يلزم لأن ابن عباس ﵀ قد علم بعد ذلك وفسّر ما وقف عنه، وجواب أقطع من هذا إنما قال الله ﷿ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ولم يقل جلّ وعزّ: وكل راسخ فيجب هذا فإذا لم يعلمه أحدهم علمه الآخر. قال ابن كيسان:\nويقال: الراصخون بالصاد لغة لأنّ بعدها خاء. يَقُولُونَ في موضع نصب على الحال من الراسخين كما قال: [مجزوء الكامل] ٧١-\nالرّيح تبكي شجوه ... والبرق يلمع في الغمامه «٤»\nويجوز أن يكون الراسخون في العلم تمام الكلام ويكون يقولون مستأنفا.\n_________\n(١) انظر إعراب الآية ١٨٤- سورة البقرة.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١٩١.\n(٣) الشاهد لعدي بن زيد في ديوانه ٦٥، والأشباه والنظائر ٨/ ٣٠، وخزانة الأدب ١/ ٣٧٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٣٦، ١١٨، ولسوادة بن عدي في شرح أبيات سيبويه ١/ ١٢٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ١٧٦، والكتاب ١/ ١٠٦، ولسوادة أو لعدي في لسان العرب (نغص)، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ١٥٣، وخزانة الأدب ٦/ ٩٠ و١١/ ٣٦٦، والخصائص ٣/ ٥٣، ومغني اللبيب ٢/ ٥٠٠.\n(٤) الشاهد ليزيد بن مفرغ الحميري في ديوانه ص ٢٠٨.\n«الريح تبكي شجوها ... والبرق يضحك في الغمامه»\nوفي لسان العرب (درك)، وفي تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ١٢٧، وغير منسوب في الأضداد لابن الأنباري ٤٢٤. [.....]","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>[سورة آل عمران (٣): آية ٨]</span>\nرَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)\nرَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا جزم لأن لفظه لفظ النهي، ويجوز لا تزغ قلوبنا رفع بفعلها، ويجوز لا يزغ قلوبنا على تذكير الجميع. وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً لم تعرب لدن لأنها غير متمكّنة وفيها تسع لغات: لغة أهل الحجاز لدن ويقال: لدن بإسكان النون ولدن بكسرها. قال الفراء: بعض بني تميم يقول لد قال العجاج: [الرجز] ٧٢-\nمن لد شولا فإلى إتلائها «١»\nوحكى الكسائي لد يا هذا، وحكى أبو حاتم لد بإسكان الدال. قال الفراء: ربيعة تقول: من لدن يا هذا بإسكان الدال وكسر النون، وأسد يقولون: لدن بضم اللام والدال وإسكان النون، وحكى أبو حاتم لدن يا هذا بضم اللام وإسكان الدال، ويقال:\nلدي بمعنى لدن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>[سورة آل عمران (٣): آية ٩]</span>\nرَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)\nرَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ ويجوز جامع الناس بالتنوين والنصب وهو الأصل وحذف التنوين استخفافا، ويجوز جامع الناس بغير تنوين وبالنصب، وأنشد سيبويه:\n[المتقارب] ٧٣-\nفألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلّا قليلا «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وقرأ أبو عبد الرّحمن لن يغني عنهم أموالهم لأنه قد فرق وهو تأنيث غير حقيقي. قال أبو حاتم: بالتاء أجود مثل شَغَلَتْنا أَمْوالُنا [الفتح: ١١] . وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرّف وَقُودُ بضم الواو ويجوز في العربية إذا ضم الواو أن يقول: أقود مثل أُقِّتَتْ [المرسلات: ١١] .\n_________\n(١) الرجز بلا نسبة في شرح المفصّل ٤/ ١٠١، و٨/ ٣٥، والكتاب ١/ ٣٢٢، ولسان العرب (لدن)، ومغني اللبيب ٢/ ٤٢٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٥١، وهمع الهوامع ١/ ١٢٢، وهو غير موجود في ديوان العجاج.\n(٢) الشاهد لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ٥٤، والأشباه والنظائر ٦/ ٢٠٦، وخزانة الأدب ١١/ ٣٧٤، والدرر ٦/ ٢٨٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٩٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٣٣، والكتاب ١/ ٢٢٤، ولسان العرب (عتب) و(عسل)، والمقتضب ٢/ ٣١٣، والمنصف ٢/ ٢٣١، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٦٥٩، ورصف المباني ص ٤٩، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٥٣٤، وشرح المفصل ٢/ ٦، ٩/ ٣٤، ومجالس ثعلب ص ١٤٩، ومغني اللبيب ٢/ ٥٥٥، وهمع الهوامع ٢/ ١٩٩.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>[سورة آل عمران (٣): آية ١١]</span>\nكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)\nقد ذكرنا موضع الكاف، وزعم الفراء «١» أن المعنى: كفرت العرب كفرا ككفر آل فرعون. قال أبو جعفر: لا يجوز أن تكون الكاف متعلّقة بكفروا لأن كفروا داخل في الصلة وكدأب خارج منها. قال أبو حاتم: وسمعت يعقوب يذكر «كدأب» «٢» بفتح الهمزة وقال لي وأنا غليّم: على أيّ شيء يجوز «كدأب» فقلت: أظنّه من دئب يدأب دأبا فقيل ذلك منّي وتعجّب من جودة تقديري على صغري ولا أدري أيقال ذلك أم لا؟\nقال أبو جعفر: هذا القول خطأ لا يقال البتّة: دئب، وإنما يقال: دأب يدأب، دؤبا ودأبا، هكذا حكى النحويون منهم الفراء، حكى في «كتاب المصادر» كما قال:\n[الطويل] ٧٤-\nكدأبك من أمّ الحويرث قبلها ... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل «٣»\nفأما الدأب فإنه يجوز كما يقال: شعر وشعر ونهر ونهر لأن فيه حرفا من حروف الحلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣]</span>\nقَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)\nقَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بمعنى إحداهما فئة وقرأ الحسن ومجاهد فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ بالخفض على البدل قال أحمد بن يحيى ويجوز النصب على الحال أي التقتا مختلفتين قال أبو إسحاق «٤»:\nالنصب بمعنى أعني. ترونهم مّثليهم «٥» نصب على الحال، ومن قرأ ترونهم «٦» فالنصب عنده على خبر ترى وقد ذكرنا المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤]</span>\nزُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ١٩١.\n(٢) انظر البحر المحيط ٢/ ٤٠٧.\n(٣) الشاهد لامرى القيس في ديوانه ص ٩، وجمهرة اللغة ص ٦٨٨، وخزانة الأدب ٣/ ٢٢٣، والمنصف ١/ ١٥٠، وتاج العروس (أسل) .\n(٤) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٣٥.\n(٥) انظر تيسير الداني ٧٢.\n(٦) انظر البحر المحيط ٢/ ٤٠٧، والمحتسب ١/ ١٥٤.","vol":"1","page":146},{"text":"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ اسم ما لم يسمّ فاعله، وحرّكت الهاء من الشهوات فرقا بين الاسم والنعت ويجوز إسكانها لأن بعدها واوا. قال ابن كيسان: قال بعضهم لا تكون الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ أقلّ من تسعة لأن معناها المجمّعة فالثلاثة قناطير فإذا جمعتها صارت مثل قولك: ثلاث ثلاثات. الذَّهَبِ مؤنثة، يقال: هي الذهب الحسنة، وجمعها ذهاب وذهوب ويجوز أن يكون جمع ذهبة وجمع فضة فضض، والخيل مؤنّثة. قال ابن كيسان: حدّثت عن أبي عبيدة أنه قال: واحد الخيل خائل مثل طائر وطير وقيل له: خائل لأنه يختال في مشيته قال ابن كيسان: إذا قلت: نعم لم تك إلّا للإبل فإذا قلت: أنعام وقعت للإبل وكلّ ما ترعى. لا يجوز أن تدغم الثاء من «الحرث» في الذال من «ذلك» كما فعلت في يَلْهَثْ ذلِكَ [الأعراف: ١٧٦] لأن الراء من الحرث ساكنة فلو أدغمت اجتمع ساكنان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥]</span>\nقُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥)\nقُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ، لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي رفع بالابتداء أو بالصفة. قال أبو حاتم: ويجوز جنات «١» بالخفض على البدل من خير، سمعت يعقوب يذكر ذلك وغيره ويجوز بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ [الحج: ٧٢] بالخفض. قال ابن كيسان: ويجوز «جنّات» بالخفض على البدل وبالنصب على إعادة الفعل ويكون للذين متعلقا بقوله: أَأُنَبِّئُكُمْ على قول الفراء «٢» وتبيينا على قول الأخفش أي ملغاة.\nوَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ عطف على جنات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦]</span>\nالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦)\nقال الَّذِينَ يَقُولُونَ في موضع خفض أي للذين اتقوا عند ربهم الذين يقولون، إن شئت كان رفعا أي هم الذين ونصبا على المدح أي أعني الذين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧]</span>\nالصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)\nالصَّابِرِينَ بدل من الذين إذا كان نصبا أو خفضا وإن كان رفعا كان الصابرين\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٢/ ٤١٧، وهي قراءة يعقوب.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١٩٦.","vol":"1","page":147},{"text":"بمعنى أعني الصابرين. وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ عطف كلّه. بِالْأَسْحارِ واحدها سحر تقول: سير به سحر يا فتى، لا ينصرف لأنه معدول عن الألف واللام وهو معرفة ولا يجوز أن يرفع إذا كان معرفة لأن الظروف إنما ترفع هاهنا مجازا فإذا وقعت فيها علّة أقرّت على بابها نصبا فإن نكّرته جاز فيه الرفع وصرف. قال أبو إسحاق «١»: السحر من حيث يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨]</span>\nشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)\nشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ قد ذكرنا فيه قراءات وفسّرنا إعرابها فأما قراءة أبي المهلب «٢» شُهَداءَ لِلَّهِ «٣» فهي نصب على الحال وروي عنه شُهَداءَ لِلَّهِ أي هم شهداء لله ويروى عنه شهداء الله ويروى عنه شهداء الله. قائِمًا بِالْقِسْطِ نصب على الحال المؤكّدة وعند الكوفيين على القطع وفي قراءة عبد الله القائم بالقسط على النعت وفي قراءته «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩]</span>\nإِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩)\nإِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وهذا بكسر «إنّ» لا غير. قال الأخفش: المعنى وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلّا من بعد ما جاءهم العلم. قال أبو إسحاق «٥»:\nالذي هو أجود عندي أن يكون «بغيا» منصوبا بما دلّ عليه «وما اختلف الذين أوتوا الكتاب» أي اختلفوا بغيا بينهم. وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ شرط والجواب فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ويجوز رفع يكفر بجعل «من» بمعنى الذي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠]</span>\nفَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)\nوَمَنِ اتَّبَعَنِ حذفت الياء في السواد لأن الكسرة تدلّ عليها والنون عوض\n_________\n(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه ٣٣٨.\n(٢) أبو المهلّب: محارب بن دثار السدوسي الكوخي، عرض على أبيه عن عمر بن الخطاب، وروى عن جابر وابن عمر ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٤٢.\n(٣) انظر المحتسب ١/ ١٥٥.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٢٠٠. [.....]\n(٥) انظر إعراب القرآن ومعانيه ٣٤٠.","vol":"1","page":148},{"text":"وَإِنْ تَوَلَّوْا شرط والجواب فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>[سورة آل عمران (٣): آية ٢١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١)\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ الذين اسم إن والخبر فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فإن قيل: كيف دخلت الفاء في خبر «إنّ» ولا يجوز: إن زيدا فمنطلق؟ فالجواب أنّ «الذي» إذا كان اسم «إن» وكان في صلته فعل كان في الكلام معنى المجازاة فجاز دخول الفاء، ولا يجوز ذا في ليت ولعلّ وكأنّ، لأنّ «إنّ» تأكيد. وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ وقرأ حمزة ويقاتلون الذين يأمرون بالقسط «١» وهو وجه بعيد جدّا لأنّ بعض الكلام معطوف على بعض والنسق واحد والتفسير يدلّ على «يقتلون» . قال أبو العالية: كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيّون يدعونهم إلى الله جلّ وعزّ فقتلوهم فقام أناس من المؤمنين بعدهم فأمروهم بالإسلام فقتلوهم فيهم نزلت هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ إلى آخرها وروى شعبة «٢» عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة «٣» عن عبد الله قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبيّا ثم يقوم سوق بقتلهم من آخر النهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٢]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)\nقرأ أبو السمّال العدوي أولئك الذين حبطت أعمالهم «٤» وهي لغة شاذة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٤]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا «ذلك» في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي أمرهم ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٥]</span>\nفَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)\nقال الكسائي لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ.\nأي في يوم. وقال البصريون: المعنى لحساب يوم واللام في موضعها. ويجوز في غير القرآن وأفيت مثل أُقِّتَتْ [المرسلات: ١١] .\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٧٣.\n(٢) شعبة بن الحجاج بن الورد، أبو بسطام الأزدي العتكي مولاهم نزيل البصرة ومحدّثها (ت ١٦٠ هـ) ترجمته في تذكرة الحفاظ ١٩٣.\n(٣) انظر تفسير الطبري ١/ ٥١، وحلية الأولياء ٤/ ٢٠.\n(٤) هذه قراءة أبي واقد وأبي الجراح، انظر مختصر ابن خالويه ١٩، والبحر المحيط ٢/ ٤٣١.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٦]</span>\nقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)\nقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ الفراء «١» يذهب فيما يرى إلى أن الأصل في اللَّهُمَّ يا الله أمّنا منك بخير فلما كثر واختلط حذفوا منه وإن الضمّة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في أمّنا لمّا حذفت انتقلت. قال أبو جعفر: هذا عند البصريين من الخطأ العظيم حتى قال بعضهم: هذا الحاد في اسم الله ﷿. قال أبو جعفر: القول في هذا ما قاله الخليل وسيبويه «٢» أن الأصل يا الله ثم جاءوا بحرفين عوضا من حرفين وهما الميمان عوضا من «يا» والدليل على هذا أنه ليس أحد من الفصحاء يقول «يا اللهمّ» لأنهم لا يجمعون بين الشيء وعوضه، والضمة التي في اللهمّ عندهما هي ضمّة المنادى المرفوع. فأمّا قول الفراء: إنّ الأصل يا الله أمّنا فلو كان كذا لوجب أن يقال:\nأؤمم وأن يدغم فيضم ويكسر وكان يجب أن تكون ألف وصل لا حكم لها، وكان يجب أن يقال: يا اللهمّ، وأيضا فكيف يصحّ المعنى أن يقال: يا الله أمّنا منك بخير.\nمالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وهذا لا يقدّمه أحد بين يدي دعائه مالِكَ الْمُلْكِ منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان ولا يجوز أن يكون عنده صفة لقوله: «اللهمّ» من أجل الميم وخالفه محمد بن يزيد وإبراهيم بن السّريّ في هذا وقالا: يجوز أن يكون صفة كما يكون صفة إذا جئت بيا. تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ روى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير: أنّ وفد نجران أتوا النبيّ ﷺ فقرأ عليهم سورة آل عمران وفسّر لهم من أولها إلى رأس الثمانين فقال: تؤتي الملك من تشاء «ملك النبوة» . قال ابن إسحاق: وكانوا نصارى فأعلم الله جلّ وعزّ بعنادهم وكفرهم وأنّ عيسى ﷺ وإن كان الله جلّ وعزّ أعطاه آيات تدلّ على نبوّته من إحياء الموتى وغير ذلك فإن الله ﷿ منفرد بهذه الأشياء من قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٧]</span>\nتُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)\nفلو كان عيسى إلها لكان هذا إليه فكان في ذلك اعتبار وآية بيّنة ثم حذّر الله جلّ وعزّ المؤمنين، وأمرهم ألّا يتخذوهم أولياء فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٨]</span>\nلا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٠٣.\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ١٩٨.","vol":"1","page":150},{"text":"لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ جزما على التي وكسرت الذّال لالتقاء الساكنين. قال الكسائي: ويجوز لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ بالرفع على الخبر كما يقال: ينبغي أن تفعل ذلك.\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ شرط وجوابه أي فليس من أولياء الله مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] . إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً مصدر وكذا تقيّة والأصل الواو وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ قال أبو إسحاق: أي ويحذّركم الله إيّاه ثم استغنوا عن ذلك بذا وصار المستعمل. قال: وأما تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [المائدة:\n١١٦] فمعناه تعلم ما عندي وما في حقيقتي ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك، وقال غيره: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي عقابه مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ، وقال تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي أي مغيّبي فجعلت النفس في موضع الإضمار لأنه فيها يكون وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ على الازدواج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٠]</span>\nيَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)\nيَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا يَوْمَ نصب بتقدير: ويحذّركم الله نفسه يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا، ويجوز أن يكون التقدير: وإلى الله المصير يوم تجد كل نفس ما عَمِلَتْ مفعول. مُحْضَرًا حال. وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ معطوف على «ما» الأولى ولو كانت «ما» منقطعة من الأولى على أن تكون شرطا وتعطف جملة على جملة لم يجز إلّا أن تجزم تودّ ولا نعلم أحدا قرأ به وإن كان جائزا في النحو.\nأَمَدًا اسم أنّ. بَيْنَها ظرف. بَعِيدًا من نعته. وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>[سورة آل عمران (٣): آية ٣١]</span>\nقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)\nقُلْ إِنْ كُنْتُمْ شرط. تُحِبُّونَ خبر كنتم. فَاتَّبِعُونِي أمر والفاء وما بعدها جواب الشرط. يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ جواب الأمر وفيه معنى المجازاة والمحبة من الله جلّ وعزّ الثناء والثواب وروي أنّ المسلمين قالوا: يا رسول الله إنّنا لنحبّ ربّنا فأنزل الله ﷿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وعنه ﷺ: «من أراد أن يحبّه الله فعليه بصدق الحديث وأداء الأمانة وأن لا يؤذي جاره» «١» وقرأ أبو رجاء العطارديّ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «٢» بفتح الياء. قال الكسائي: يقال: يحبّ وتحبّ واحبّ، ويحبّ بكسر الياء وتحبّ ونحبّ وإحبّ قال: وهذه لغة بعض قيس يعني الكسر قال: والفتح لغة تميم\n_________\n(١) ذكره القرطبي في تفسيره ٤/ ٦١، والطبري في تفسيره ٣/ ٢٢٣.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٢٠، والبحر المحيط ٢/ ٤٤٨.","vol":"1","page":151},{"text":"وأسد وقيس وهي على لغة من قال: حبّ وهي لغة قد ماتت. قال الأخفش: لم تسمع حببت. قال الفراء: لم تسمع حببت إلّا في بيت أنشده الكسائي: [الطويل] ٧٥-\nوأقسم لولا تمره ما حببته ... ولا كان أدنى من عبيد ومشرق»\nقال أبو جعفر: لا يجوز عند البصريين كسر الياء من يحب لثقل الكسرة في الياء فأما فتحها فمعروف يدلّ عليه محبوب. وَيَغْفِرْ لَكُمْ عطف على يحببكم وروى محبوب عن أبي عمرو بن العلاء أنه أدغم الراء من «يغفر» في اللام من «لكم» . قال أبو جعفر: لا يجيز الخليل وسيبويه «٢» إدغام الراء في اللام لئلا يذهب التكرير وأبو عمرو أجلّ من أن يغلط في مثل هذا ولعلّه كان يخفي الحركة كما يفعل في أشياء كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٢]</span>\nقُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)\nفَإِنْ تَوَلَّوْا شرط إلّا أنه ماض لا يعرب والتقدير فإن تولوا على كفرهم والجواب فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٣]</span>\nإِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣)\nإِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا قال الفراء «٣»: أي إنّ الله اصطفى دينهم. قال أبو جعفر:\nهذا التقدير لا يحتاج إليه لأن المعنى اختارهم وروي عن ابن عباس أنه قال: أدم خلق من أديم الأرض. قال أبو جعفر: أديم الأرض وجهها فسمّي آدم لأنه خلق من وجه الأرض. قال أحمد بن يحيى من قال سمّي آدم من أديم الأرض فقد أخطأ في العربية لأنه يجب أن يصرفه لأنه فاعل مثل طابق قال: ولكنه مشتق من شيئين أحدهما أن يكون مشتقا من قولهم: أدمت فلانا بنفس أي خلطته فقيل آدم لأنه خلق من أخلاط قال:\nوالقول عندي أنّ آدم أفعل من الأدمة في اللون. قال أبو جعفر: الذي أنكره أحمد بن يحيى قول أكثر النحويين وقد يجوز أن يكون آدم أفعل مشتقا من أديم الأرض وأن يكون فاعلا كما قال إلّا أنا نقدّره أفعل فلا ينصرف. ونوح اسم أعجمي إلّا أنه انصرف لأنه على ثلاثة أحرف وقد يجوز أن يشتقّ من ناح ينوح. ولم ينصرف عمران لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٤]</span>\nذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)\nذُرِّيَّةً قال الأخفش: هي نصب على الحال، وقال الكوفيون: على القطع وقال\n_________\n(١) يروى في صدر هذا البيت «والله لولا تمره»، والشاهد لعيلان بن شجاع النهشلي في لسان العرب (حبب)، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٤١٠، وخزانة الأدب ٩/ ٤٢٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٨٠، وشرح المفصّل ٧/ ١٣٨، والخصائص ٢/ ٢٢٠، ومغني اللبيب رقم (٥٨٥) .\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٥٨٤.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٢٠٧.","vol":"1","page":152},{"text":"أبو إسحاق «١» هي بدل. وذرّية مشتقة من الذرّ لكثرتها وفيها تقديران تكون فعليّة وتكون فعلولة أصلها ذرّورة فاستثقلوا التضعيف فأبدلوا من الراء الأخيرة ياء ثم أدغموا الواو في الياء فقالوا ذرّيّة ويقال: ذرّيّة. بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٥]</span>\nإِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)\nإِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ قال أبو عبيدة «٢»: «إذ» زائدة وقال محمد بن يزيد: التقدير أذكر إذ قال وقال أبو إسحاق «٣»: المعنى: واصطفى آل عمران إذ قالت امرأة عمران رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا منصوب على الحال، وقيل: هو نعت لمفعول محذوف أي نذرت لك ما في بطني غلاما محرّرا أي يخدم الكنيسة. قال أبو جعفر:\nالقول الأول أولى من جهة التفسير وسياق اللام والإعراب، فأمّا التفسير فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: حملت امرأة عمران بعد ما أسنّت فنذرت ما في بطنها محررا فقال لها عمران: ما صنعت ويحك فولدت أنثى فقبلها ربّها بقبول حسن وكان لا يحرّر إلّا الغلمان فتساهم عليها الأحبار بالأقلام التي يكتبون بها الوحي فكفلها زكرياء واتّخذ لها مرضعا فلما شبّت جعل لها محرابا لا يرتقى إليه إلّا بسلم فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في القيظ وفاكهة القيظ في الشتاء قال يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالت هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران: ٣٧] فعند ذلك طمع زكرياء في الولد. قال: إنّ الذي يأتيها بهذا قادر على أن يرزقني ولدا، وقال الضحاك: كان أكثر من يجعل خادما للأحبار ينبّأ فلذلك كان لا يقبل إلّا الغلمان. فهذا التفسير، وسياق الكلام أنها قالت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى أي وليست الأنثى مما يقبل فقال الله جلّ وعزّ فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ [آل عمران: ٣٧] وأما الإعراب فإنّ إقامة النعت مقام المنعوت لا يجوز في مواضع ويجوز على المجاز في أخرى، وحذف اللام في مثل هذا لا يستعمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٦]</span>\nفَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦)\nقالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى حال، وإن شئت بدل. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وقد ذكرنا أنه يقرأ بِما وَضَعَتْ «٤» وهي قراءة بعيدة لأنها قد قالت: إنّي وضعتها أنثى وروي عن ابن عباس بِما وَضَعَتْ «٥» بكسر التاء أي قيل لها هذا وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى الكاف\n_________\n(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٥١، والبحر المحيط ٢/ ٤٥٤.\n(٢) انظر مجاز القرآن ١/ ٩٠. [.....]\n(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٥٢.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٢٠٧، والبحر المحيط ٢/ ٤٥٦، وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر ويعقوب.\n(٥) انظر البحر المحيط ٢/ ٤٥٦.","vol":"1","page":153},{"text":"في موضع نصب على خبر ليس أو على الظرف. وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ مفعولان ولم تنصرف مريم لأنه اسم مؤنث معرفة وهو أيضا أعجميّ. وَذُرِّيَّتَها عطف على الهاء والألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٧]</span>\nفَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)\nفَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ مصدر تقبّل تقبّل إلّا أن معنى تقبّل وقبل واحد فالمعنى فقبلها ربّها بقبول حسن ونظيره «١»: [الرجز] ٧٦-\nوقد تطوّيت انطواء الحضب «٢»\nلأن معنى تطوّيت وانطويت واحد. قال أبو جعفر: الحضب الحيّة ومثله للقطامي: [الوافر] ٧٧-\nوليس بأن تتّبعه اتّباعا «٣»\nوَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ولم يقل: إنباتا لأنه لما قال: أنبتها دلّ على نبت كما قال:\n[الطويل] ٧٨-\nفصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال «٤»\nوإنما مصدر ذلّت ذلّ ولكنه قد دلّ على معنى أذللت، وقرأ مجاهد فَتَقَبَّلَها بإسكان اللام على الطلب والمسألة رَبُّها نداء مضاف وَأَنْبَتَها بإسكان التاء وَكَفَّلَها «٥» بإسكان اللام زكرياء بالمدّ والنصب، وقرأ الكوفيّون وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا\n_________\n(١) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ٣٢، وخزانة الأدب ٩/ ١٨٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤١، ولسان العرب (روض)، والمقتضب ١/ ٧٤، وبلا نسبة في المحتسب ٢/ ٢٦٠.\n(٢) الشاهد لرؤبة في ديوانه ص ١٦، ولسان العرب (حضب)، والدرر ٣/ ٥٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٩١، وشرح المفصّل ١/ ١١٢، والكتاب ٤/ ١٩٦، وتهذيب اللغة ٤/ ٢٢٠، وتاج العروس (حضب)، وبلا نسبة في لسان العرب (طوى)، وهمع الهوامع ١/ ١٨٧، والمخصص ٨/ ١١٠ و١٠/ ١٨٢، وبعده:\n«بين قتادة ردهة وشقب»\n(٣) الشاهد للقطامي في ديوانه ص ٣٥، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٣٢، والشعر والشعراء ٢/ ٧٢٨، والكتاب ٤/ ١٩٥، ولسان العرب (تبع)، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص ٦٣٠، والأشباه والنظائر ١/ ٢٤٥، وجمهرة الأمثال ١/ ٤١٩، وشرح المفصّل ١/ ١١١، والمقتضب ٣/ ٢٠٥. وصدره:\n«وخير الأمر ما استقبلت منه»\n(٤) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ٣٢، وخزانة الأدب ٩/ ١٨٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤١، ولسان العرب (روض)، والمقتضب ١/ ٧٤، وبلا نسبة في المحتسب ٢/ ٢٦٠.\n(٥) انظر القراءات المختلفة في البحر المحيط ٢/ ٤٦٠.","vol":"1","page":154},{"text":"أي وكفّلها الله زكرياء، وروى هارون بن موسى «١» عن عبد الله بن كثير وأبي عبد الله المدني «٢» وكفلها زكريّاء بكسر الفاء. قال الأخفش سعيد: يقال: كفل يكفل وكفل يكفل ولم أسمع كفل وقد ذكرت. قال الفراء «٣»: أهل الحجاز يمدّون زكريّاء ويقصرونه، وأهل نجد يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون: زكريّ. قال الأخفش:\nفيه أربع لغات زكرياء بالمدّ وزكريّا بالقصر وزكريّ بتشديد الياء والصرف وزكر ورأيت زكريا. قال أبو حاتم: زكريّ بلا صرف لأنه أعجميّ. وهذا غلط لأن ما كانت فيه ياء مثل هذه انصرف، ولم ينصرف زكريّاء في المدّ والقصر لأن فيه ألف تأنيث والدليل على هذا أنه لا يصرف في النكرة وقال قوم: لم ينصرف لأنه أعجميّ. كُلَّما دَخَلَ منصوب بوجد أي كلّ دخوله أي كلّ وقت دخوله، وإن شئت أملت الألف من حساب لكسرة الحاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٨]</span>\nهُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨)\nهُنالِكَ في موضع نصب لأنه ظرف يتضمّن المكان وأحوال الزمان وهو مبني لأنه بمنزلة ذلك وهنا بمنزلة هذا، وبنو تميم يقولون: هناك بمنزلة هنالك واللام مكسورة لالتقاء الساكنين، ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً على اللفظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٩]</span>\nفَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)\nفَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وقرأ عبد الله بن مسعود وابن عباس فناداه الملائكة «٤» وهو اختيار أبي عبيد وروي عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم كان عبد الله يذكّر الملائكة في كلّ القرآن قال أبو عبيد: أنا اختار ذلك خلافا على المشركين لأنهم قالوا الملائكة بنات الله. قال أبو جعفر: هذا احتجاج لا يحصل منه شيء لأن العرب تقول: قالت الرجال وقال الرجال وكذا النساء وكيف يحتجّ عليهم بالقرآن ولو جاز أن يحتجّ عليهم بهذا لجاز أن يحتجّوا بقوله وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٤٢] ولكن الحجة عليهم في قوله جلّ وعزّ: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [الزخرف: ١٩] أي فلم يشاهدوا خلقهم فكيف يقولون: إنهم إناث فقد علم أنّ هذا ظنّ وهوى، وأما فناداه فهو جائز على تذكير\n_________\n(١) هارون بن موسى الأعور البصري الأزدي، صدوق، له قراءة معروفة، روى القراءة عن عاصم الجحدري وعاصم بن أبي النجود وعن أبي عمرو (ت ٢٠٠ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٣٤٨.\n(٢) أبو عبد الله المدني: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الصادق، قرأ على آبائه محمد الباقر فزين العابدين فالحسين فعلي. (ت ١٤٨ هـ)، ترجمته في غاية النهاية ١/ ١٩٦.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٢٠٨.\n(٤) انظر تيسير الداني ٧٣.","vol":"1","page":155},{"text":"الجميع ونادته على تأنيث الجماعة. وَهُوَ قائِمٌ ابتداء وخبر. يُصَلِّي في موضع رفع، وإن شئت كان نصبا على أنه حال من المضمر. أَنَّ اللَّهَ وقرأ حمزة «١» والكسائي أَنَّ اللَّهَ أي قالت الملائكة: إن الله يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى هذه قراءة أهل المدينة وقرأ حمزة يُبَشِّرُكَ «٢» وقرأ حميد بن قيس المكيّ الأعرج يُبَشِّرُكَ بضم الياء وإسكان الباء.\nقال الأخفش: هي ثلاث لغات بمعنى واحد وقال محمد بن يزيد: يقال: بشرته أي أخبرته بما أظهر في بشرته السرور وبشّرته على التكثير قال أبو إسحاق «٣» يقال: بشرته أبشره وأبشره. قال الكسائي: سمعت غنيّا تقول: بشرته أبشره. قال الأخفش: يقال:\nبسرته فبشر وابشر أي سررته فسرّ ومنه وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ [فصلت: ٣٠] . قال الفراء:\nلا يقال: من هذا إلّا أبشر «٤» وحكي عن محمد بن يزيد بشّرته فأبشر مثل قرّرته فأقرّ وفطّرته فأفطر أي طاوعني بِيَحْيى لم ينصرف لأنه فعل مستقبل سمّي به وقيل: لأنه أعجمي، ومذهب الخليل وسيبويه أنك إن جمعته قلت يحيون بفتح الياء في كل حال، وقال الكوفيون: إن كان عربيا فتحت الياء وإن كان أعجميا ضممتها لأنه لا يعرف أصلها مُصَدِّقًا حال. بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ عيسى ﷺ قيل: فرض عليه أن يتّبعه. وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا عطف. مِنَ الصَّالِحِينَ. قال أبو إسحاق «٥»: الصالح الذي يؤدّي لله جلّ وعزّ ما افترض عليه وإلى الناس حقوقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٠]</span>\nقالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠)\nوَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وبلغت الكبر واحد. وَامْرَأَتِي عاقِرٌ ابتداء وخبر في موضع الحال، وعاقر بلا هاء على النسب ولو كان على الفعل لقيل: عقرت فهي عقيرة كأنّ بها عقرا يمنعها من الولادة. قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ الكاف في موضع نصب أي يفعل ما يشاء مثل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>[سورة آل عمران (٣): آية ٤١]</span>\nقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)\nقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً اجْعَلْ بمعنى صيّر فلذلك وجب أن يتعدّى إلى مفعولين\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٢/ ٤٦٥.\n(٢) انظر تيسير الداني ٧٣، والبحر المحيط ٢/ ٤٦٥. [.....]\n(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٥٦.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٢١٢.\n(٥) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٥٨.","vol":"1","page":156},{"text":"و«لي» في موضع الثاني وإذا كان بمعنى خلق لم يتعدّ إلّا إلى واحد نحو قوله: خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ [الأنبياء: ٣٣] . قالَ آيَتُكَ ابتداء. أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ خبره ويجوز رفع تكلّم بمعنى أنك لا تكلّم الناس مثل أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه: ٨٩] والكوفيون يقولون: الرفع على أن تكون «لا» بمعنى ليس. ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ظرف وقد ذكرنا قول قتادة أن زكريّاء عوقب بمنع الكلام حين سأل وهذا قول مرغوب عنه لأن الله ﷿ لم يخبرنا أن زكرياء أذنب ولا أنه نهاه عن هذا، والقول فيه أن المعنى اجعل لي علامة تدلّ على كون الولد إذ كان ذلك مغيّبا عنّي. قال الأخفش: إِلَّا رَمْزًا استثناء ليس من الأول. قال الكسائي يقال: رمز يرمز ويرمز، وقرأ علقمة بن قيس «١» إِلَّا رَمْزًا «٢» وقرأ الأعمش إِلَّا رَمْزًا «٣» وهما اسمان والمسكّن المصدر.\nوَسَبِّحْ أمر أي نزّه الله جلّ وعزّ عمّا يقول المشركون وقيل: سبّح أي صلّ ومنه فرغ فلان من سبحته. بِالْعَشِيِّ قيل: هو جمع وقيل: هو واحد والأولى أن يكون واحدا للمستقبل. قال الأصمعي: يقال: أنا آتيك عشيّ غد وأنا آتيك عشيّة اليوم وأتيته عشيّة أمس وعشيّ أمس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٢]</span>\nوَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢)\nإِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ الطاء مبدلة من تاء لأن الطاء بالصاد أشبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٣]</span>\nيا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)\nيا مَرْيَمُ اقْنُتِي أمر فلذلك حذفت منه النون. وَاسْجُدِي عطف عليه يقال: سجد إذا تطامن وذلّ، وركع إذا انحنى، ومنه يقال: ركع الشيخ مع الراكعين يجوز أن يكون معناه اركعي مع الذين يصلّون في جماعة ويجوز أن يكون معناه كوني مع الراكعين وإن لم تصلّي معهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٤]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)\nذلِكَ في موضع رفع أي الأمر ذلك فهو خبر الأمر ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء وخبره مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ «إذ» في موضع نصب أي: وما كنت لديهم ذلك الوقت أَقْلامَهُمْ جمع قلم من قلمه إذا قطعه\n_________\n(١) علقمة بن قيس النخعي الفقيه، خال إبراهيم النخعي، عرض على ابن مسعود وسمع عليا وعمر وعائشة (ت ٦٢ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٥١٦.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٢٠، والمحتسب ١/ ١٦١ والبحر المحيط ٢/ ٤٧٢، وهي قراءة يحيى بن وثاب أيضا.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٢٠، والبحر المحيط ٢/ ٤٧٢.","vol":"1","page":157},{"text":"وقد ذكرنا أنه قيل: أقلامهم سهامهم «١» وأجود من هذا القول: أي أقلامهم التي يكتبون بها الوحي جمعوها فرموا بها في نهر لينظروا أيّها يستقبل جري الماء فيكون صاحبه الذي يكفل مريم أي يضمن القيام بأمرها. فأما أن تكون الأقلام القداح فبعيد لأن هذه هي الأزلام التي نهى الله ﷿ عنها إلّا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت الجاهلية تفعلها. أَيُّهُمْ ابتداء وهو متعلق بفعل محذوف أي ينظرون أيّهم يكفل مريم وحكى سيبويه «٢»: اذهب فانظر زيد أبو من هو؟ وإن نصبت انقلب المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٥]</span>\nإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)\nإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ متعلّقة بيختصمون ويجوز أن تكون متعلقة بقوله «وما كنت لديهم»، بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ ولم يقل: اسمها لأن معنى كلمة ولد قال إبراهيم النخعيّ «٣» المسيح الصدّيق. قال أبو عبيد: هو في لغتهم مسيحا، وقيل: إنما سمّي المسيح لأنه مسح بدهن كانت الأنبياء تتمسّح به طيّب الرائحة فإذا مسّح به علم أنه نبيّ. «عيسى» «٤» اسم أعجميّ فلذلك لم ينصرف وإن جعلته عربيا لم ينصرف في معرفة ولا نكرة لأن فيه ألف التأنيث، ويكون مشتقا من عاسه يعوسه إذا ساسه وقام عليه، ويجوز أن يكون مشتقا من العيس ومن العيس. قال الأخفش وَجِيهًا منصوب على الحال، وقال الفراء «٥»: هو منصوب على القطع. قال أبو إسحاق «٦»: النصب على القطع كلمة محال لأن المعنى أنه بشّر بعيسى في هذه الحال ولم يبيّن معنى القطع فإن كان القطع معنى فلم يبيّنه ما هو؟ وإن كان لفظا فلم يبيّن ما العامل؟ وإن كان يريد أنّ الألف واللام قطعتا منه فهذا محال لأن الحال لا تكون إلّا نكرة والألف واللام بمعهود فكيف يقطع منه ما لم يكن فيه قطّ. قال الأخفش وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ عطف على وجيه أي ومقرّبا وجمع وجيه وجهاء ووجاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٦]</span>\nوَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)\nقال الأخفش: وَيُكَلِّمُ.\n_________\n(١) انظر إعراب الآية ٣٥.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٢٩٤.\n(٣) إبراهيم النخعي: بن يزيد بن قيس بن الأسود الكوفي، قرأ على علقمة بن قيس، وقرأ عليه سليمان الأعمش (ت ٩٦ هـ) . انظر غاية النهاية ١/ ٢٩.\n(٤) انظر تاج العروس (عيس) .\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٢١٣.\n(٦) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٦٢.","vol":"1","page":158},{"text":"عطف على «وجيها» . قال الأخفش والفراء «١» وَكَهْلًا معطوف على وجيها.\nقال أبو إسحاق «٢»: وكهلا بمعنى ويكلّم الناس كهلا. وروى ابن جريج «٣» عن مجاهد قال: الكهل الحليم. قال أبو جعفر: هذا لا يعرف في اللغة وإنما الكهل عند أهل اللغة من ناهز الأربعين وقال بعضهم: يقال له: حدث إلى ستّ عشرة سنة ثم شابّ إلى اثنتين وثلاثين سنة ثم يكتهل في ثلاث وثلاثين. قال الأخفش: وَمِنَ الصَّالِحِينَ عطف على وجيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٧]</span>\nقالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)\nإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ عطف على «يقول»، ويجوز أن يكون منقطعا أي فهو يكون. وقد تكلم العلماء في معناه فقيل: هو بمنزلة الموجود المخاطب لأنه لا بدّ أن يكون ما أراد جلّ وعزّ فعلى هذا خوطب وقيل: أخبر الله جلّ وعزّ بسرعة ما يريد أنه على هذا وقيل: علامته لما يريد كما كان نفخ عيسى ﵇ في الطائر علامة لخلق الله جلّ وعزّ إيّاه. وقيل: أي يخرجه من العدم إلى الوجود فخوطب العباد على ما يعرفون. وقيل له أي من أجله كما تقول: أنا أكرم فلانا لك أي من أجلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٨]</span>\nوَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)\nوَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ونعلّمه بالنون يردّونه على قوله نُوحِيهِ [آل عمران: ٤٤] والياء أولى لقوله وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فالياء أقرب. قال الأخفش وَيُعَلِّمُهُ في موضع نصب عطفا على «وجيها» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٩]</span>\nوَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)\nوَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ في نصبه قولان أحدهما أنّ التقدير ويجعله رسولا والآخر ويكلمهم رسولا. أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ أي بأني فإنّ في موضع نصب\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢١٣.\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٦٣. [.....]\n(٣) ابن جريج: عبد الملك بن عبد العزيز القرشي، روى القراءة عن ابن كثير (ت ١٥٠ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٤٦٩.","vol":"1","page":159},{"text":"أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بدل منها ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من آية ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي هي أنّي أخلق لكم من الطين كهيئة الطير. فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ هذه قراءة أبي عمرو وأهل الكوفة وقرأ يزيد بن القعقاع كهيئة الطّائر فأنفخ فيه فيكون طائرا وقرأ نافع كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائرا «١» والقراءتان الأوليان أبين والتقدير في هذه فانفخ في الواحد منها أو منه لأن الطير يذكّر ويؤنث فيكون الواحد طائرا، وطائر وطير مثل تاجر وتجر.\nوَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ أي بالذي تأكلونه ويجوز أن يكون ما والفعل مصدرا. وَما تَدَّخِرُونَ وقرأ مجاهد والزهريّ وأيوب السختيانيّ وما تذخرون «٢» بالذال معجمة مخفّفا. قال الفراء: أصلها الذال يعني تذخرون من ذخرت فالأصل تذتخرون فثقل على اللسان الجمع بين الذال والتاء فأدغموا وكرهوا أن تذهب التاء في الذال فيذهب معنى الافتعال فجاءوا بحرف عدل بينهما وهو الدال فقالوا: تدّخرون. قال أبو جعفر: هذا القول غلط بيّن لأنهم لو أدغموا على ما قال لوجب أن يدغموا الذال في التاء وكذا باب الإدغام أن يدغم الأول في الثاني فكيف تذهب التاء والصواب في هذا مذهب الخليل وسيبويه أنّ الذال حرف مجهور يمنع النفس أن يجري والتاء حرف مهموس يجري معه النفس فأبدلوا من مخرج التاء حرفا مجهورا أشبه الذال في جهرها فصار تذدخرون ثم أدغمت الذال في الدال فصار تدّخرون: قال الخليل وسيبويه: وإن شئت أدغمت الدال في الذال فقلت تذّخرون وليس هذا بالوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>[سورة آل عمران (٣): آية ٥٠]</span>\nوَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)\nوَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ أي وجئتكم مصدّقا. قال أحمد بن يحيى: لا يجوز أن يكون معطوفا على «وجيها» لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون لما بين يديه.\nوَلِأُحِلَّ لَكُمْ فيه حذف ليتعلق به لام كي، أي ولأحلّ لكم جئتكم وقد ذكرنا معناه ونزيده شرحا قيل إنّما أحلّ لهم عيسى ﵇ ما حرّم عليهم بذنوبهم ولم يكن في التوراة نحو أكل الشحوم وكلّ ذي ظفر وقيل: إنّما أحلّ لهم عيسى ﵇ أشياء حرمتها عليهم الأحبار لم تكن محرمة عليهم في التوراة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>[سورة آل عمران (٣): آية ٥١]</span>\nإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)\nإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ بكسر «إن» على الابتداء وحكى أبو حاتم عن الأخفش:\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٧٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢١٥، والبحر المحيط ٢/ ٤٩٠.","vol":"1","page":160},{"text":"«أنّ» بالفتح على البدل من آية ورده أبو حاتم وزعم أنه لا وجه له قال: لأن الآية العلامة التي لم يكونوا رأوها فكيف يكون قولا. قال أبو جعفر: ليس هكذا روى من يضبط عن الأخفش ولا كذا في كتبه والرواية عنه الصحيحة أنه قال: وحكى بعضهم «أنّ الله» بفتح «أن» على معنى وجئتكم بأن الله ربّي وربّكم وهذا قول حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>[سورة آل عمران (٣): آية ٥٢]</span>\nفَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)\nفَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قال الفراء: أرادوا قتله. قال أبو جعفر: يقال:\nأحسست وأحست مثل ظللت وظلت، وحكي حسيت بمعنى علمت وعرفت. قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قال الأخفش: واحد الأنصار نصير مثل شريف وأشراف وناصر مثل صاحب وأصحاب وقال محمد بن يزيد: العرب تقول في واحد الأنصار نصر شبّهوا فعلا بفعل. وَاشْهَدْ بِأَنَّا الأصل بأننا حذفت النون تخفيفا وكذا إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران: ٥٥] والماكر الذي يحتال لمن يكيده والمكر من الله جلّ وعزّ مجازاة وعدل فعلى هذا وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [آل عمران: ٥٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>[سورة آل عمران (٣): آية ٥٥]</span>\nإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)\nإِنِّي مُتَوَفِّيكَ الأصل متوفيك حذفت الضمّة استثقالا وهو خبر «إنّ» . وَرافِعُكَ عطف عليه وكذا وَمُطَهِّرُكَ وكذا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ويجوز وجاعل الذين اتبعوك وهو الأصل وقد قيل: إن التمام عند قوله ومطهّرك من الذين كفروا وهو قول حسن يدلّ عليه الحديث والنظر فأما الحديث فحدّثنا جعفر بن محمد الفريابي قال: حدّثنا إبراهيم بن العلاء الزبيديّ قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن معاوية بن أبي سفيان قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد نتحدّث فقال: «أإنكم لتتحدثون أني من آخركم موتا قلنا: نعم يا رسول الله قال: إني من أولكم موتا» «١» وذكر الحديث، وقال في آخره وتلا إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ يا محمد. فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ. قال أبو جعفر: وأما من جهة النظر فإن القرآن منزّل على النبي ﷺ فكل ما كان فيه من المخاطبة فهي له إلّا أن يقع دليل، وعلى هذا قوله جلّ\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري ١٩/ ٣٨٧.","vol":"1","page":161},{"text":"وعزّ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج: ٢٧] يجب أن يكون للنبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)\nفَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ابتداء، وخبره فَأُعَذِّبُهُمْ ويجوز أن يكون الذين في موضع نصب بإضمار فعل وكذا. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وحكى سيبويه وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [فصلت: ١٧] بالنصب وحدّثنا أحمد بن محمد بن خالد قال: حدّثنا خلف بن هشام قال: حدّثنا الخفّاف عن إسماعيل عن الحسن أنه قرأ وأما الذين آمنوا وعملوا الصّالحات فنوفّيهم أجورهم «١» . قال أبو جعفر: والمعنى واحد أي فيوفيهم الله أجورهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>[سورة آل عمران (٣): آية ٥٨]</span>\nذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)\nذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذلِكَ في موضع رفع بالابتداء وخبره نَتْلُوهُ ويجوز أن يكون في موضع رفع بإضمار مبتدأ أي الأمر ذلك ويجوز أن يكون في موضع نصب بإضمار فعل. قال أبو إسحاق «٢»: يجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي ونتلوه صلته، والخبر مِنَ الْآياتِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>[سورة آل عمران (٣): آية ٥٩]</span>\nإِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)\nكَمَثَلِ آدَمَ تمّ الكلام ثم قال خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي فكان والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عرف المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٠]</span>\nالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)\nقال الفراء: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ مرفوع بإضمار هو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>[سورة آل عمران (٣): آية ٦١]</span>\nفَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١)\nفَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ شرط والجواب الفاء وما بعدها. قال ابن عباس: هم أهل نجران السيّد والعاقب وأبو الحارث. تَعالَوْا أمر فيه معنى التحريض وبيان الحجّة.\nنَدْعُ جواب الأمر مجزوم. ثُمَّ نَبْتَهِلْ عطف عليه وحكى أبو عبيدة «٣» بهله الله\n_________\n(١) انظر الحجّة لابن خالويه ٨٥، والبحر المحيط ٢/ ٤٩٩.\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٧١.\n(٣) انظر مجاز القرآن ١/ ٩٦، والبحر المحيط ٢/ ٥٠٢.","vol":"1","page":162},{"text":"يبهله بهلة أي لعنه ونبتهل ندعو باللعنة فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ عطف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٢]</span>\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ هو زائدة فاصلة عند البصريين ويجوز أن تكون مبتدأة والْقَصَصُ خبرها والجملة خبر إنّ. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ ويجوز النصب على الاستثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٣]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ شرط وجوابه وتولّوا فعل ماض لا يتبيّن فيه الجزم ويجوز أن يكون مستقبلا ويكون الأصل تتولّوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٤]</span>\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ وقرأ قعنب كلمة «١» ألقى حركة اللام على الكاف كما يقال: كبد قال أبو العالية: الكلمة لا إله إلّا الله. سَواءٍ نعت لكلمة وقرأ الحسن «٢» سَواءٍ بالنصب أي استوت استواء: قال قتادة: السواء العدل. قال الفراء:\nويقال في معنى العدل سوى وسوى. قال: وفي قراءة عبد الله إلى كلمة عدل بيننا وبينكم «٣» . أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ على البدل من كلمة وإن شئت كان التقدير هي أن لا نعبد إلّا الله وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا قال الكسائي والفراء: ويجوز وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا بالجزم على التوهّم إنّه ليس في أول الكلام «أن» قال أبو جعفر التوهّم لا يحصل منه شيء ولكن مذهب سيبويه أنه يجوز في «نعبد» وما بعده الجزم على أن تكون أن مفسّرة بمعنى أي كما قال ﷿: أَنِ امْشُوا [ص: ٦] وتكون «لا» جازمة ويجوز على هذا أن يرفع نعبد وما بعده ويكون خبرا ويجوز الرفع بمعنى أنّه لا نعبد، ومثله أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه: ٨٩] ومعنى وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ لا نعبد عيسى لأنه بشر مثلنا ولا نقبل من الرهبان تحريمهم علينا ما لم يحرّمه الله جلّ وعزّ علينا فنكون قد اتّخذناهم أربابا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٥]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥)\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ الأصل «لما» حذفت الألف لأن حرف\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٢١.\n(٢) انظر البحر المحيط ٢/ ٥٠٦.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٢٢٠.","vol":"1","page":163},{"text":"الجر عوض منها وللفرق بين الاستفهام والخبر ولم يجز الحذف في الخبر لأن الألف متوسطة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٦]</span>\nها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦)\nها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ قال أبو عمرو بن العلاء الأصل أأنتم فأبدل من الهمزة الأولى هاء لأنها أختها. قال أبو جعفر: وهذا قول حسن وللفراء «١» في هذا الاسم إذا دخلت عليها الهاء مذهب وسنذكره بعد هذا. قال الحسن والضحّاك قال كعب بن الأشرف اليهوديّ وأصحابه ونفر من النصارى: إبراهيم منّا فأنزل الله جلّ وعزّ ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [آل عمران: ٦٧] يعني بالحنيف الحاجّ فقال لهم رسول الله ﷺ: زعمتم أنّ إبراهيم كان منكم وقد كان إبراهيم يحجّ.\nقال أبو جعفر: الحنيف في اللغة: إقبال صدر القدم على الأخرى من خلقة لا تزول فمعنى الحنيف عند العرب المائل إلى الإسلام على الحقيقة فأما إخباره جلّ وعزّ عن إبراهيم ﷺ أنه كان مسلما فبيّن، ويعلم أنه كان مسلما وجمع الأنبياء والصالحين بأن يعرف ما الإسلام وما الإيمان؟ وهو أصل من أصول الدين لا يسع جهله ومعرفته من اللغة. قال أبو جعفر: معنى مسلم في اللغة: متذلّل لأمر الله منطاع له، ومعنى مؤمن:\nمصدّق بما جاء من عند الله قابل له عامل به في كلّ الأوقات، فهذا ما لا يدفع أنه دين كل نبيّ وملك وصالح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٨]</span>\nإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)\nإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ اسم «إنّ» وخبرها وَهذَا النَّبِيُّ معطوف على الذين، ويجوز و«هذا النبيّ» بالنصب تعطفه على الهاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٩]</span>\nوَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩)\nوَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ يقال: أهذا عذر لهم ففيه جوابان: جملتهما أنه لا عذر لهم فقيل: معنى لا يشعرون لا يعلمون بصحّة الإسلام وواجب عليهم أن يعلموا لأنّ البراهين ظاهرة والحجج باهرة وجواب آخر أنهم لا يشعرون بأنهم لا يصلون إلى إضلال المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>[سورة آل عمران (٣): آية ٧١]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)\nويجوز «وتكتموا الحق» على جواب الاستفهام.\n_________\n(١) انظر إعراب الآية ١١٩ آل عمران.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٢]</span>\nوَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)\nوَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ على الظرف وكذا آخِرَهُ ومذهب قتادة أنهم فعلوا هذا ليشكّكوا المسلمين وروي عن ابن عباس قال: نظر اليهود إلى النّبيّ ﷺ يصلّي الصبح إلى بيت المقدس قبلتهم فأعجبهم ذلك ثم حوّلت القبلة في صلاة الظهر إلى الكعبة فقالت اليهود: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار يعنون صلاة الصبح حين صلّى إلى بيت المقدس وَاكْفُرُوا آخِرَهُ يعنون صلاة الظهر حين صلّى إلى الكعبة. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى قبلتكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٣]</span>\nوَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)\nوَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قال أبو جعفر: هذه الآية من أشكل ما في السورة وقد ذكرناه، والإعراب يبيّنها. فيها أقوال: فمن قال: إنّ في الكلام تقديما وتأخيرا فإنّ المعنى: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلّا من اتّبع دينكم وجعل اللام زائدة فهو عنده استثناء ليس من الأول وإلّا لم يجز التقديم ومن قال: المعنى على غير تقديم ولا تأخير جعل اللام أيضا زائدة أو متعلقة بمصدر أي لا تجعلوا تصديقكم إلّا لمن اتّبع دينكم بأن يؤتى أحد من العلم برسالة النبي ﷺ مثل ما أوتيتم وتقدير ثالث أي كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. وقال الفراء «١»: يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله إلّا لمن تبع دينكم ثم قال لمحمد ﷺ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أي إنّ البيان بيان الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أي بيّن أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وصلحت أحد لأن «أن» بمعنى «لا» مثل يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] أي أن لا تضلّوا قال أبو جعفر: في قوله قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ قولان: أحدهما أنّ الهدى إلى الخير والدلالة على الله بيد الله جلّ وعزّ يؤتيه أنبياءه فلا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم مثل ما أوتيتم، فإن أنكروا ذلك فقل إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والقول الآخر: قل إنّ الهدى هدى الله الذي أتاه المؤمنين من التصديق بمحمد ﷺ لا غيره أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من البراهين والحجج والأخبار بما في كتبهم أو يحاجّوكم عند ربكم. قال الأخفش: أي ولا يؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدقوا أن يحاجّوكم يذهب إلى أنه معطوف وقال الفراء «٢»: «أو» بمعنى حتّى وإلّا أن.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٢٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢٢٣، والبحر المحيط ٢/ ٥١٨.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٥]</span>\nوَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)\nوَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ وقرأ أبو الأشهب «١» من إن تيمنه «٢» «من» في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة والشرط وجوابه من صلتها عند البصريين وعند الكوفيين بإضمار القول وتيمنه، على لغة من قال: تستعين «٣» وفي يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ خمسة أوجه قرئ منها بأربعة: أجودها قراءة نافع والكسائي يؤدّهي إليك «٤» بياء في الإدراج، وقرأ يزيد بن القعقاع يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ «٥» بكسر الهاء بغير ياء وقرأ أبو المنذر سلّام يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ بضم الهاء بغير واو كذا قرأ أخواته نحو نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى [النساء:\n١١٥] و«عليه» و«إليه» قال أبو عبيد: واتّفق أبو عمرو والأعمش وحمزة على وقف الهاء فقرءوه يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ «٦» . قال أبو جعفر: والوجه الخامس يؤدّهو إليك بواو في الإدراج فهذا الأصل لأن الهاء خفيّة فزعم الخليل: أنها أبدلت بحرف جلد وهو الواو. وقال غيره: اختير لها الواو لأن الواو من الشفة والهاء بعيدة المخرج. وقال سيبويه «٧»: الواو في المذكّر بمنزلة الألف في المؤنّث وتبدل منها ياء لأن الياء أخفّ إذا كانت قبلها كسرة أو ياء وتحذف الياء وتبقى الكسرة لأن الياء قد كانت تحذف والفعل مرفوع فأثبتت بحالها، ومن قال «يؤدّه إليك» فحجّته أنه حذف الواو وأبقى الضمة كما كان مرفوعا أيضا فأما إسكان الهاء فلا يجوز إلا في الشعر عند بعض النحويين وبعضهم يجيزه وأبو عمرو أجلّ من أن يجوز عليه مثل هذا والصحيح عنه أنه كان يكسر الهاء وقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش إِلَّا ما دُمْتَ بكسر الدال من دمت تدام مثل خفت تخاف لغة أزد السراة وحكى الأخفش: دمت تدوم شاذا. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ أي فعلهم ذلك وأمرهم ذلك بأنّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أي طريق ظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٦]</span>\nبَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)\nقال الله جلّ وعزّ: بَلى.\n_________\n(١) أبو الأشهب العطاردي البصري، جعفر بن حيان، قرأ على رجاء العطاردي، وقرأ عليه يعقوب ابن إسحاق (ت ١١٥ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ١٩٢. [.....]\n(٢) هذه قراءة يحيى بن وثاب وابن مسعود، انظر مختصر ابن خالويه ٢١، والبحر المحيط ٢/ ٥٢٣.\n(٣) هذه لغة تميم وأسد وقيس وربيعة، انظر إعراب آية ٥- أم القرآن.\n(٤) انظر الحجة لابن خالويه ٨٦، وتيسير الداني ٧٤.\n(٥) هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ٢/ ٥٢٤.\n(٦) هذه قراءة عاصم أيضا، انظر معاني الفراء ١/ ٢٢٣، وتيسير الداني ٧٤.\n(٧) انظر الكتاب ٤/ ٣٠٥.","vol":"1","page":166},{"text":"أي بلى عليهم سبيل العذاب بكذبهم واستحلالهم. قال أبو إسحاق «١»: وتمّ الكلام ثم قال مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى. قال أبو جعفر: مَنْ رفع بالابتداء وهو شرط وأَوْفى في موضع جزم وَاتَّقى معطوف عليه أي واتقى الله فلم يكذب ولم يستحلّ ما حرّم عليه فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ أي يحبّ أولئك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧)\nالَّذِينَ اسم. وأُولئِكَ ابتداء وما بعده خبره والجملة خبر «إن» . وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ قد ذكرنا معناه ونشرحه بزيادة. يكون المعنى: لا يسمعهم الله كلامه بلا سفير كما كلّم الله موسى ﷺ فهذا معناه لا يكلّمهم على الحقيقة ويكلّمهم مجازا بأن يأمر الملائكة أن تحاسبهم كما قال فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢، ٩٣] وكذا أَيْنَ شُرَكائِيَ [النحل: ٢٧] فإذا قالت لهم الملائكة يقول الله لكم كذا فقد كلّمهم مجازا وقيل معنى لا يكلّمهم يغضب عليهم وقيل: المعنى على المجاز أي ولا يكلمهم كلام راض عنهم ولكن كلام موبّخ لهم ومقرّر وموقّف. ووَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ برحمته ولا يؤتيهم خيرا كما يقال: فلان لا ينظر إلى ولده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٨]</span>\nوَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)\nوَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا اسم «إنّ» واللام توكيد. يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ وقرأ أبو جعفر وشبية يلوّون ألسنتهم على التكثير وقرأ حميد بن قيس يلون ألسنتهم «٢» وتقديره يلوون ثم همز الواو لانضمامها وخفّف الهمزة وألقى حركتها على ما قبلها. ألسنة جمع لسان في لغة من ذكّر ومن أنّث قال: ألسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٩]</span>\nما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)\nما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ نصب بأن. ثُمَّ يَقُولَ عطف عليه وروى محبوب عن أبي عمرو ثم يقول بالرفع. والنصب أجود. وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ حذف القول والتقدير:\nولكن يقول وقال علي بن سليمان: المعنى ولكن ليقل ودخلت الواو على لكن وهما حرفا عطف على قول قوم لضعف لكن. قال ابن كيسان: الواو هي العاطفة ولكن\n_________\n(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٣٨٢.\n(٢) انظر مختصر في شواذ القرآن (٢١) .","vol":"1","page":167},{"text":"للتحقيق. بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ قراءة أبي عمرو وأهل المدينة «١» وقرأ ابن عباس وأهل الكوفة تُعَلِّمُونَ بضم التاء وتشديد اللّام وقرأ مجاهد تعلمون «٢» بفتح التاء وتشديد اللام أي تتعلّمون ويدرسون فخولف أبو عبيد في هذا الاختيار لأن شعبة روى عن عاصم عن زيد «٣» «٤» عن عبد الله بن مسعود وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، قال حكماء علماء وقال الضحاك: لا ينبغي لأحد أن يدع حفظ القرآن جهده فإن الله جلّ وعزّ يقول: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ أي فقهاء علماء فقيل: يبعد أن يقال: كونوا حكماء علماء بتعليمكم والحسن: كونوا حكماء علماء بعلمكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٠]</span>\nوَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)\nقال سيبويه: وَلا يَأْمُرَكُمْ «٥» فجاءت منقطعة من الأول لأنه أراد ولا يأمركم الله، وقال الأخفش: أي وهو لا يأمركم وهذه قراءة أبي عمرو والكسائي وأهل الحرمين وأما رواية اليزيدي عن أبي عمرو أنه أسكن الراء فغلط «٦» . قال سيبويه: وقرأ بعضهم وَلا يَأْمُرَكُمْ «٧» على قوله: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ [آل عمران: ٧٩] . قال أبو جعفر: النصب قراءة ابن أبي إسحاق وحمزة وعاصم. أَنْ تَتَّخِذُوا أي بأن تتخذوا. الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا وهذا موجود في النصارى يعظّمون الملائكة والأنبياء حتى يجعلوهم أربابا، ويروون عن سليمان ﷺ أنه قال ربّي لربّي: اجلس عن يميني. يعنون قال الله جلّ وعزّ للمسيح ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>[سورة آل عمران (٣): آية ٨١]</span>\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)\nأي واذكر. قال سيبويه «٨»: سألت الخليل في قوله جلّ وعزّ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٧٤.\n(٢) انظر مختصر في شواذ القرآن ٢١.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٥٨.\n(٤) زرّ بن حبيش الأسدي الكوفي، عرض على ابن مسعود وعثمان وعلي، وعرض عليه عاصم والأعمش (ت ٨٢ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٩٤.\n(٥) انظر تيسير الداني ٧٤.\n(٦) انظر تيسير الداني ٧٤. [.....]\n(٧) قراءة عاصم وحمزة وابن عامر، انظر تيسير الداني ٧٤.\n(٨) انظر الكتاب ٣/ ١٢٢.","vol":"1","page":168},{"text":"فقال: «ما» بمعنى الذي. قال أبو جعفر: التقدير على قول الخليل للذي آتيتكموه ثم حذف الهاء لطول الاسم فالذي رفع بالابتداء، وخبره مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ و«من» لبيان الجنس وقال الأخفش: هي زائدة ويجوز أن يكون الخبر لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وقال الكسائي: «ما» للشرط فعلى قوله موضعها نصب بآتيتكم وقرأ أهل الكوفة لَما آتَيْتُكُمْ بكسر «١» اللام، وقال الفراء: أي أخذ الميثاق للذي آتاهم من كتاب وحكمة وجعل لنؤمنن به من أخذ الميثاق كما تقول: أخذت ميثاقك لتفعلنّ. قال أبو جعفر:\nولأبي عبيدة في هذا قول حسن، قال: المعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتؤمننّ به لما آتيتكم من ذكره في التوراة وقيل: في الكلام حذف والمعنى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمنّ الناس لما جاءكم من كتاب وحكمة ولتأخذنّ على الناس أن يؤمنوا ودل على هذا الحذف وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٢]</span>\nفَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢)\nفَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ شرط والمعنى فمن تولى عن الإيمان بعد أخذ الميثاق والجواب فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٣]</span>\nأَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)\nأَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ «٢» نصبت «غير» يبغون. وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وإن شئت أدغمت الميم في الميم وقد ذكرنا في معناه، قولين: أولهما أن يكون المعنى وله خضع وذلّ من في السموات والأرض كما تقول: أسلم فلان نفسه للموت، فالمعنى أن الله جلّ وعزّ خلق الخلق على ما أراد فمنهم الحسن والقبيح والطويل والقصير والصحيح والمريض وكلهم منقادون اضطرارا فالصحيح منقاد. طائع محبّ لذلك والمريض منقاد خاضع وإن كان كارها وطَوْعًا وَكَرْهًا مصدر في موضع الحال أي طائعين مكرهين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٤]</span>\nقُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)\nقُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ فيه ثلاثة أجوبة يكون قل بمعنى قولوا لأنّ المخاطبة للنبي ﷺ مخاطبة لأمّته ويكون المعنى قل لهم قولوا آمنا بالله ويكون المراد الأمّة ونظيره يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] .\n_________\n(١) هذه قراءة يحيى بن وثاب، انظر معاني الفراء ١/ ٢٢٥، والبحر المحيط ٢/ ٥٣٢.\n(٢) هذه قراءة السبعة عدا أبي عمرو وحفص فقراءتهما بالياء، انظر تيسير الداني ٧٥.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٥]</span>\nوَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)\nوَمَنْ يَبْتَغِ «١» شرط فلذلك حذفت منه الياء والجواب فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وزعم أبو حاتم: أنّ أبا عمرو والأعمش قرءا وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا مدغما. قال أبو جعفر: وهذا ليس بالجيّد من أجل الكسرة التي في الغين. وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ قال هشام: أي وهو خاسر في الآخرة من الخاسرين ولولا هذا لفرقت بين الصلة والموصول وقال المازني: الألف واللام مثلهما في الرجل وقال محمد بن يزيد:\nالظرف متعلّق بمصدر محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٦]</span>\nكَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)\nكَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ حذفت الضمة من الياء لثقلها وحذفت الياء من اللفظ لالتقاء الساكنين وثبتت في الخطّ لأنّ الكتب على الوقف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ اسم «إنّ» والخبر لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وقد ذكرنا في معناه أقوالا. وقد قيل أيضا فيه: إن المعنى إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم عند الموت. قال أبو جعفر: وهذا القول حسن كما قال ﷿:\nوَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨] وقيل: لن تقبل توبتهم التي كانوا عليها قبل أن يكفروا لأنّ الكفر قد أحبطها. قال أبو جعفر: حدّثنا عليّ بن سليمان قال: حدّثنا أبو سعيد السّكريّ قال:\nحدّثنا محمد بن حبيب قال: حدّثنا محمد بن المستنير وهو قطرب في قول الله جلّ وعزّ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وقد قال الله جلّ وعزّ في موضع آخر وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [الشورى: ٢٥] فهذه الآية في قوم من أهل مكة قالوا: نتربّص بمحمد ﷺ ريب المنون فإن بدا لنا الرجعة رجعنا إلى قومنا فأنزل الله جلّ وعزّ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ أي لن تقبل توبتهم وهم مقيمون على الكفر فسمّاها توبة غير مقبولة لأنه لم يصح من القوم عزم والله جلّ وعزّ يقبل التوبة كلّها إذا صحّ العزم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>[سورة آل عمران (٣): آية ٩١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ اسم «إنّ» والخبر فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٢/ ٥٤٠.","vol":"1","page":170},{"text":"ذَهَبًا منصوب على البيان. قال الفراء «١»: يجوز رفعه على الاستئناف كأنه يريد هو ذهب. وقال أحمد بن يحيى: يجوز الرفع على التبيين لملء.\nتم الجزء الثالث «٢» من كتاب إعراب القرآن الحمد لله رب العالمين وصلوات على محمد الأمين وعلى آله أجمعين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٢]</span>\nلَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)\nلَنْ تَنالُوا نصب بلن وعلامة النصب حذف النون وكذا حَتَّى تُنْفِقُوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٣]</span>\nكُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣)\nكُلُّ الطَّعامِ ابتداء والخبر كانَ حِلًّا يقال: حلّ وحلال وحرم وحرام.\nإِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ استثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٥]</span>\nقُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)\nقال علي بن سليمان:\nحَنِيفًا بمعنى أعني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٦]</span>\nإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦)\nإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ اسم «إنّ» والخبر لَلَّذِي بِبَكَّةَ واللّام توكيد. مُبارَكًا على الحال ويجوز في غير القرآن مبارك على أن يكون خبرا ثانيا وعلى البدل من الذي وعلى إضمار مبتدأ. وَهُدىً لِلْعالَمِينَ عطف عليه ويكون بمعنى «وهو هدى للعالمين» والمعنى إنّ أول بيت وضع للناس مباركا وهدى للعالمين للّذي ببدكة كما روي عن علي ابن أبي طالب ﵁ أنه سئل عنه: أهو أول بيت وضع للناس؟ فقال: لا قد كان نوح ﷺ وقومه في البيوت من قبل إبراهيم ﵇ ولكنّه أول بيت وضعت فيه البركة ويجوز في غير القرآن مبارك بالخفض نعتا لبيت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٧]</span>\nفِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٢٦، والبحر المحيط ٢/ ٥٤٣.\n(٢) حسب تقسيم المؤلف.","vol":"1","page":171},{"text":"فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ رفع بالابتداء أو بالصفة، مقام إبراهيم: في رفعه ثلاثة أوجه:\nقال الأخفش: أي منها مقام إبراهيم وحكي عن محمد بن يزيد قال: «مقام» بدل من آيات والقول الثالث بمعنى هي مقام إبراهيم وقول الأخفش معروف في كلام العرب كما قال زهير: [البسيط] ٧٩-\nلها متاع وأعوان غدون لها ... قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا «١»\nوقول أبي العباس إنّ مقاما بمعنى مقامات لأنه مصدر قال الله جلّ وعزّ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ [البقرة: ٧] وقال جرير: [البسيط] ٨٠-\nإنّ العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا «٢»\nويقوّي هذا الحديث المرويّ «الحجّ كلّه مقام إبراهيم» «٣» . وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا يجوز أن يكون معطوفا على مقام أي وفيه آيات من دخله كان آمنا لأن ذلك من الآيات كان الناس يتخطّفون حوالى الحرم فإذا قصده ملك هلك. ويجوز أن يكون مَنْ رفعا بالابتداء والخبر كانَ آمِنًا. وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا مَنْ في موضع خفض على بدل البعض من الكلّ هذا قول أكثر النحويين وأجاز الكسائي أن تكون «من» في موضع رفع، واسْتَطاعَ شرط والجواب محذوف أي من استطاع إليه سبيلا فعليه الحج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٨]</span>\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨)\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ وقبل هذا وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران: ٧٠] فالله شهيد عليهم وهم يشهدون على أنفسهم بالكفر بآيات الله وقد ظهرت البراهين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٩]</span>\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)\nلِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا أي تبغون لها وحذف اللام مثل وَإِذا كالُوهُمْ [المطففين: ٣] أي قالوا لهم يقال: بغيت له كذا وأبغيته أي أعنته\n_________\n(١) الشاهد لزهير في ديوانه ص ٣٩، وبلا نسبة في لسان العرب (سحق)، وتهذيب اللغة ٤/ ٢٥، وفي الديوان (لها أداة) .\n(٢) الشاهد لجرير في ديوانه ص ١٦٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧١٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٦٤، والمقتضب ٢/ ١٧٣، وبلا نسبة في شرح المفصل ٥/ ٩.\n(٣) أخرجه القرطبي في تفسيره ٤/ ١٤٠.","vol":"1","page":172},{"text":"عليه. وَأَنْتُمْ شُهَداءُ قيل: هذا للذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وقيل «شهداء» أي عالمون أنها سبيل الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠)\nإِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا شرط فلذلك حذفت منه النون والجواب يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠١]</span>\nوَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)\nوَكَيْفَ تَكْفُرُونَ كَيْفَ في موضع نصب وفتحت الفاء عند الخليل وسيبويه لالتقاء الساكنين واختير لها الفتح لأن قبل الفاء ياء فثقل أن يجمعوا بين ياء وكسرة.\nوقال الكوفيون: إذا التقى ساكنان في حرف واحد فتح أحدهما وإذا كانا في حرفين كسر. وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ ابتداء وخبر في موضع الحال. وَفِيكُمْ رَسُولُهُ رفع بالابتداء وإن شئت بالصفة على قول الكسائي: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ شرط والجواب فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ مصدر والأصل في تقاة تقية قلبت الياء ألفا والتاء منقلبة من واو لأنّه من وقى ويجوز أن تأتي بالواو فتقول: وقاة وإن شئت أبدلت من الواو همزة فقلت: أقاة مثل: «أقّتت» وقد ذكرنا وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٣]</span>\nوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)\nوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ يقال: اعتصمت بفلان واعتصمت فلانا والمعنى واعتصموا بالقرآن من الكفر والباطل. جَمِيعًا على الحال عند سيبويه. وَلا تَفَرَّقُوا نهي فلذلك حذفت منه النون والأصل تتفرقوا وقرئ وَلا تَفَرَّقُوا بإدغام التاء في التاء.\nفَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا خبر أصبح ويقال: أخوان مثل حملان والأصل في أخ أخو والدليل على هذا قولهم في التثنية أخوان وكان يجب أن يقال: مررت باخا كما يقال:\nمررت بعصا إلا أنه حذف منه لتشبيهه بغيره وقد حكى هشام: «مكره أخاك لا بطل» «٢» .\n_________\n(١) انظر إعراب الآية (١٣٢ سورة البقرة) .\n(٢) المثل رواه الميداني في مجمع الأمثال ٢/ ٣١٨.","vol":"1","page":173},{"text":"وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ الأصل في شفا شفو ولهذا يكتب بالألف ولا يمال.\nفَأَنْقَذَكُمْ مِنْها الهاء تعود على النار لأنها المقصود أو على الحفرة أي فأنقذكم منها بالنبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٤]</span>\nوَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)\nوَلْتَكُنْ «١» أمر، والأصل ولتكن حذفت الكسرة لثقلها وحذفت الضمة من النون للجزم وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. أُمَّةٌ اسم تكن. يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ في موضع النعت وما بعده عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٥]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا الكاف في موضع نصب على الظرف وهي في موضع الخبر. قال جابر بن عبد الله «٢» كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ اليهود والنصارى «٣»، جاءهم مذكّر على الجميع وجاءتهم على الجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٦]</span>\nيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)\nيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ويجوز تبيضّ وتسودّ بكسر التاء لأنك تقول: ابيضّت فتكسر التاء كما تكسر الألف ويجوز تبياضّ «٤» وقد قرئ به ويجوز كسر التاء فيه أيضا، ويجوز يوم يبيّض وجوه على تذكير الجميع «٥» ويجوز «أجوه» مثل «أقّتت» فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ رفع بالابتداء وقد ذكرناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٧]</span>\nوَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧)\nوَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ابتداء والخبر فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ تكون «هم» زائدة وتكون مبتدأة ويجوز نصب خالدين على الحال في غير القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٨]</span>\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ (١٠٨)\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ ابتداء وخبر أي تلك المذكورة حجج الله جلّ وعزّ ودلائله ويجوز\n_________\n(١) وهي قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ٣/ ٢٣.\n(٢) جابر بن عبد الله بن عمرو، أبو عبد الله الأنصاري الفقيه، كان آخر من شهد بيعة العقبة في السبعين من الأنصار (ت ٧٨ هـ) . ترجمته في تذكرة الحفاظ ٤٣. [.....]\n(٣) وهذا قول الحسن أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٢٤.\n(٤) هذه قراءة الزهري، انظر مختصر ابن خالويه ٢٢.\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٢٢٨.","vol":"1","page":174},{"text":"أن تكون آيات الله بدلا من تلك ولا تكون نعتا، لا ينعت المبهم بالمضاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٠]</span>\nكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠)\nكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ يجوز أن تكون كنتم زائدة أي أنتم خير أمّة وأنشد سيبويه: [الوافر] ٨١-\nوجيران لنا كانوا كرام «١»\nويجوز أن يكون المعنى كنتم في اللوح المحفوظ خير أمة وروى سفيان عن ميسرة الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال: تجرّون الناس في السلاسل إلى الإسلام، فالتقدير على هذا: كنتم خير أمة، وعلى قول مجاهد: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وقيل: إنّما صارت أمة محمد ﷺ خير أمة لأن المسلمين منهم أكثروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى، وقيل هذا لأصحاب رسول الله ﷺ كما قال النبي ﷺ: «خير الناس قرني الذين بعثت فيهم» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>[سورة آل عمران (٣): آية ١١١]</span>\nلَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١)\nلَنْ يَضُرُّوكُمْ نصب بلن وتمّ الكلام. إِلَّا أَذىً استثناء ليس من الأول.\nوَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ شرط وجوابه وتم الكلام. ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ مستأنف فلذلك ثبتت فيه النون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٢]</span>\nضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)\nضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا تم الكلام. إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ استثناء ليس من الأول أي لكنهم يعتصمون بحبل الله من الله وهو العهد.\n_________\n(١) الشاهد للفرزدق في ديوانه ٢٩٠، والأزهيّة ص ١٨٨، وتخليص الشواهد ٢٥٢، وخزانة الأدب ٩/ ٢١٧، وشرح الأشموني ١/ ١١٧، وشرح التصريح ١/ ١٩٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٩٣، والكتاب ٢/ ١٥٥، ولسان العرب (كنن)، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٢، والمقتضب ٤/ ١١٦، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ١٣٦، والأشباه والنظائر ١/ ١٦٥، وأوضح المسالك ١/ ٢٥٨، وشرح ابن عقيل ١٤٦، والصاحبي في فقه اللغة ١٦١، ولسان العرب (كون)، ومغني اللبيب ١/ ٢٨٧، وصدره:\n«فكيف إذا رأيت ديار قوم»\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٧٦، والهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١٩.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٣]</span>\nلَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)\nلَيْسُوا سَواءً تم الكلام. مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ ابتداء إلّا أنّ للفراء «١» فيه قولا زعم أنه يرفع أمة بسواء وتقديره ليس تستوي أمة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله وأمة كافرة. قال أبو جعفر: وهذا القول خطأ من جهات: إحداها أنه يرفع أمة بسواء فلا يعود على اسم ليس شيء يرفع بما ليس جاريا على الفعل ويضمر ما لا يحتاج إليه لأنه قد تقدم ذكر الكافرين فليس لاضمار هذا وجه، وقال أبو عبيدة «٢»: هذا مثل قولهم: أكلوني البراغيث، وهذا غلط لأنه قد تقدّم ذكرهم وأكلوني البراغيث لم يتقدّم لهن ذكر، قال ابن عباس: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ من آمن مع النبي ﷺ. قال الأخفش: التقدير من أهل الكتاب ذو أمة أي ذو طريقة حسنة وأنشد:\n[الطويل] ٨٢-\nوهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع «٣»\nآناءَ اللَّيْلِ ظرف زمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٤]</span>\nيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)\nيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون في موضع نعت لأمة، ويجوز أن يكون مستأنفا وما بعده، عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٦ الى ١١٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اسم «إنّ» والخبر لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ابتداء وخبر، وكذا هُمْ فِيها خالِدُونَ وكذاثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ\nوالتقدير كمثل مهلك ريح. قال ابن عباس: الصرّ البرد الشديد.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٣٠، والبحر المحيط ٣/ ٣٦.\n(٢) انظر مجاز القرآن ١/ ١٠١.\n(٣) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٣٥، ولسان العرب (أمم)، ومقاييس اللغة ١/ ٢٨، وكتاب العين ٨/ ٤٢٨، وتهذيب اللغة ١٥/ ٦٣٥، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ٢٤٧، ومجمل اللغة ١/ ١٥٢. وصدره:\n«حلفت فلم أترك لنفسك ريبة»","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ قال الضحاك «١»: هم الكفار والمنافقون. قال أبو جعفر: فيه قولان أحدهما مِنْ دُونِكُمْ من سواكم. قال الفراء «٢»: وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ [الأنبياء: ٨٢] أي سوى ذلك، والقول الآخر:\nلا تتّخذوا بطانة من دونكم في الستر وحسن المذهب وهذا يدلّ على أنه يجب على أهل السّنّة مجانبة أهل الأهواء وترك مخالطتهم لأنهم لا يتقون في التلبيس عليهم قال الله جلّ وعزّ: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ إلى آخر الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٩]</span>\nها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩)\nها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ زعم الفراء «٣» أنّ العرب إذا جاءت باسم مكنّى فأرادت التقريب فرقت بين «ها» وبين الاسم المشار إليه بالاسم المكنّى يقول الرجل للرجل: أين أنت؟ فيقول: ها أنا ذا، ولا يجوز هذا عنده إلّا في التقريب والمضمر. وقال أبو إسحاق: هو جائز في المضمر والمظهر إلّا أنه في المضمر أكثر. قال أبو عمرو بن العلاء: ها أنتم الأصل فيه أاأنتم بهمزتين بينهما ألف كما قال ذو الرمّة: [الطويل] ٨٣-\nأاأنت أم أمّ سالم «٤»\nثم ثقل فأبدلوا من الهمزة هاء. ها أَنْتُمْ رفع بالابتداء. وأُولاءِ الخبر تُحِبُّونَهُمْ في موضع نصب على الحال وكسرت أولاء لالتقاء الساكنين ويجوز أن يكون أولاء بمعنى الذين وتحبّونهم صلة. وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ عطف والكتاب بمعنى الكتب.\n_________\n(١) وهذا قول ابن عباس وقتادة والسدي والربيع، انظر البحر المحيط ٣/ ٤١.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠٩.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٢٣١.\n(٤) تمام البيت:\nفيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا ءاأنت أم أم سالم\nوالشاهد لذي الرمة في ديوانه ص ٧٦٧، وأدب الكاتب ص ٢٢٤، والأزهيّة ص ٣٦، والأغاني ١٧/ ٣٠٩، والخصائص ٢/ ٤٥٨، والدرر ٣/ ١٧، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٧٢٣، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٥٧، وشرح شواهد الشافية ٣٤٧، وشرح المفصل ١/ ٩٤، ولسان العرب (جلل)، واللمع ١٩٣، والمقتضب ١/ ١٦٣.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٠]</span>\nإِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)\nإِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ شرط. تَسُؤْهُمْ مجازاة وكذا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا «١» حذفت الياء لالتقاء الساكنين لأنك لما حذفت الضمة من الراء بقيت الراء ساكنة والياء ساكنة فحذفت الياء وكانت أولى بالحذف لأن قبلها ما يدلّ عليها وحكى الكسائي أنه سمع ضاره يضوره وأجاز لا يَضُرُّكُمْ «٢» وزعم أن في قراءة أبي ابن كعب لا يضرركم فهذه ثلاثة أوجه، وقرأ الكوفيون لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا بضم الراء وتشديدها. وفيه ثلاثة أوجه، والثلاثة ضعاف منها أن يكون في موضع جزم وضمّ لالتقاء الساكنين واختاروا الضمة وفيه ثلاثة أوجه لضمة الضاد، وهذا بعيد لأنه يشبه المرفوع والضم ثقيل وزعم الكسائي والفراء «٣» أنّ ذلك على إضمار الفاء كما قال:\n[البسيط] ٨٤-\nمن يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشرّ بالشرّ عند الله مثلان «٤»\nوتقدير ثالث يكون لا يضرّكم أن تصبروا وأنشد سيبويه: [الرجز] ٨٥-\nإنّك إن يصرع أخوك تصرع «٥»\nوزعم الفراء أنه على التقديم والتأخير. وروى المفضّل الضبيّ عن عاصم لا يَضُرُّكُمْ «٦» بفتح الراء لالتقاء الساكنين لخفّة الفتح. والوجه السادس لا يَضُرُّكُمْ بكسر الراء لالتقاء الساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢١]</span>\nوَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)\nوَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ قال ابن عباس: هذا في يوم أحد.\n_________\n(١) قراءة السبعة عدا ابن عامر والكوفيين، انظر تيسير الداني ٧٥، والحجة لابن خالويه ٨٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢٣٢، والبحر المحيط ٣/ ٤٦. [.....]\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٢٣٢، والبحر المحيط ٣/ ٤٦.\n(٤) مرّ الشاهد رقم (٣٤) .\n(٥) الشاهد لجرير بن عبد الله البجلي في الكتاب ٣/ ٧٦، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٢١، ولسان العرب (بجل)، وله أو لعمرو بن خثارم العجلي في خزانة الأدب ٨/ ٢٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٩٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٠، ولعمرو بن خثارم البجلي في الدرر ١/ ٢٧٧، وبلا نسبة في جواهر الأدب ٢٠٢، والإنصاف ٢/ ٦٢٣، ورصف المباني ١٠٤، وشرح الأشموني ٣/ ٥٨٦ وشرح التصريح ٢/ ٢٤٩، وشرح عمدة الحافظ ٣٥٤، وشرح المفصل ٨/ ١٥٨، ومغني اللبيب ٢/ ٥٥٣، وقبله:\n«يا أقرع بن حابس يا أقرع»\n(٦) انظر مختصر ابن خالويه ٢٢.","vol":"1","page":178},{"text":"إِذْ في موضع نصب أي اذكر. وحكى الفراء: وإذي بالياء، وفي قراءة ابن مسعود تبوّى للمؤمنين «١» والمعنى واحد أي تتّخذ للمؤمنين مقاعد ومنازل ولم ينصرف مقاعد لأن هذا الجمع لا نظير له في الواحد ولهذا لم يجمع. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ابتداء وخبر أي سميع لما قالوا عليم بما يخفون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٢]</span>\nإِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)\nإِذْ في موضع نصب بتبوّئ، والمصدر همّا ومهمة وهمّة وهمما. أَنْ تَفْشَلا نصب بأن فلذلك حذفت منه النون. وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ابتداء وخبر. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وإن شئت كسرت اللام الأولى وهو الأصل ومعنى توكّلت على الله، تقوّيت به وتحفّظت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٣]</span>\nوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)\nوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ جمع ذليل وجمع فعيل إذا كان نعتا على فعلاء فكرهوا أن يقولوا: ذللاء لثقله فقالوا: أذلّة جعلوه بمنزلة الاسم نحو رغيف وأرغفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٤]</span>\nإِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)\nإِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ وإن شئت أدغمت اللام في اللام وجاز الجمع بين ساكنين لأن أحدهما حرف مدّ ولين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٥]</span>\nبَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)\nبَلى تم الكلام. وإِنْ تَصْبِرُوا شرط. وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ نسق.\nهذا نعت لفورهم. يُمْدِدْكُمْ جواب. بِخَمْسَةِ آلافٍ دخلت الهاء لأن الألف مذكّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٦]</span>\nوَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)\nوَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ لام كي أي ولتطمئنّ قلوبكم به جعله وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٣٣، والبحر المحيط ٣/ ٤٩.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٧ الى ١٢٨]</span>\nلِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨)\nلِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي بالقتل أي ليقطع طرفا نصركم ويجوز أن يكون متعلقا بيمددكم. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أَوْ يَكْبِتَهُمْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مصدر في موضع الحال. مُضاعَفَةً نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٣]</span>\nوَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)\nوفي مصاحف أهل الكوفة وَسارِعُوا عطف جملة على جملة وفي مصاحف أهل المدينة بغير واو لأنه قد عرف المعنى. وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ابتداء وخبر في موضع خفض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٤]</span>\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ نعت للمتّقين وإن شئت كان على إضمار مبتدأ وإن شئت أضمرت أعني. قال عبيد بن عمير «١»: السرّاء والضرّاء الرّخاء والشدة.\nوَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ عطف، وإن جعلت الأول في موضع رفع كان هذا منصوبا على أعني مثل يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء:\n١٦٢] وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ عطف قال أبو العالية: أي عن المماليك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٥]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)\nوَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً نسق. وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ أي ليس أحد يغفر المعصية ولا يزيل عقوبتها إلّا الله جلّ وعزّ. وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ قيل:\nأي وهم يعلمون أنّي أعاقب على الإصرار وقيل: وهو قول حسن وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي يذكرون ذنوبهم فيتوبون منها وليس على الإنسان إذا لم يذكر ذنبه ولم يعلمه أن يتوب منه بعينه ولكن يعتقد أنّه كلّما ذكر ذنبا تاب منه.\n_________\n(١) وهذا قول الضحاك أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٦٢.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٦]</span>\nأُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)\nأُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ابتداءان. وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ نسق.\nخالِدِينَ على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٧]</span>\nقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)\nقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ السنّة في كلام العرب الطريق المستقيم وفلان على السنّة أي على الطريق المستقيم لا يميل إلى شيء من الأهواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٩]</span>\nوَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)\nوَلا تَهِنُوا نهي، والأصل: توهنوا حذفت الواو لأن بعدها كسرة فأتبعت يوهن. وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ابتداء وخبر وحذفت الواو لالتقاء الساكنين لأن الفتحة تدلّ عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٠]</span>\nإِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)\nإِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ وقرأ الكوفيون قَرْحٌ «١» وقرأ محمد اليماني قَرْحٌ «٢» بفتح الراء. قال الفراء «٣»: كأن القرح ألم الجراح وكأن القرح الجراح بعينها، وقال الكسائي والأخفش: هما واحد. قال أبو جعفر: هذا مثل فقر وفقر فأمّا القرح فهو مصدر قرح يقرح قرحا. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ قيل: هذا في الحرب تكون مرّة للمؤمنين لينصر الله دينه وتكون مرّة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم الله وليمحّص ذنوبهم.\nوقيل: معنى نداولها بين الناس من فرح وغمّ وصحّة وسقم لنكد الدنيا وفضل الآخرة عليها. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وحذف الفعل أي وليعلم الله الّذين آمنوا داولها.\nوَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ أي ليقتل قوم فيكونوا شهداء يوم القيامة على الناس بأعمالهم فقيل لهذا شهيد. قيل: إنّما سمّي شهيدا لأنه مشهود له بالجنّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤١]</span>\nوَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١)\nوَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا نسق أيضا وفي معناه ثلاثة أقوال قيل: يمحّص يختبر،\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٣٤، والبحر المحيط ٣/ ٦٨، وهذه قراءة أبي بكر والأعمش أيضا.\n(٢) انظر المحتسب ١/ ١٦٦، والبحر المحيط ٣/ ٦٨، وهذه قراءة أبي السمال وابن السميفع.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٢٣٥.","vol":"1","page":181},{"text":"وقال الفراء: أي وليمحّص الله ذنوب الذين آمنوا، والقول الثالث أي يمحّص يخلص وهذا أعرفها. قال الخليل ﵀ يقال: محص الحبل يمحص محصا إذا انقلع وبره منه اللهمّ محّص عنّا ذنوبنا أي خلّصنا من عقوبتنا. وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ أي يستأصلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٢ الى ١٤٣]</span>\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ «أن» وصلتها يقومان مقام المفعولين. وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ أي علم شهادة والمعنى ولم تجاهدوا فيعلم ذلك منكم وفرق سيبويه بين لم ولمّا «١»، فزعم أنّ لم يفعل نفي فعل وأنّ لمّا يفعل نفي قد فعل. وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ جواب النفي، وهو عند الخليل «٢» منصوب بإضمار أن، وقال الكوفيون: هو منصوب على الصرف، فيقال لهم ليس يخلو الصرف من أن يكون شيئا لغير علّة أو لعلة فلعلّة نصب ولا معنى لذكر الصرف. وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «٣» فهذا على النسق، وقرأ مجاهد وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ أَنْ في موضع نصب على البدل من الموت وقَبْلِ غاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٤]</span>\nوَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)\nوَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ابتداء وخبر وبطل عمل ما روي عن ابن عباس أنه قرأ قد خلت من قبله رسل بغير ألف ولام. أَفَإِنْ ماتَ شرط. أَوْ قُتِلَ عطف عليه والجواب انْقَلَبْتُمْ وكلّه استفهام ولم تدخل ألف الاستفهام في انقلبتم لأنها قد دخلت في الشرط، والشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد وكذا المبتدأ وخبره تقول: أزيد منطلق؟ ولا تقول: أزيد أمنطلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٥]</span>\nوَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)\nوَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ «أن» في موضع اسم كان. قال أبو إسحاق «٤»: المعنى وما كان لنفس لتموت إلا بإذن الله. قال أبو جعفر: لنفس تبيين\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٣٥، والإنصاف مسألة ٧٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢٣٥، ومختصر ابن خالويه ٢٢.\n(٣) انظر مصحف عبد الله، والبحر المحيط ٣/ ٧٤.\n(٤) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٤٢٠.","vol":"1","page":182},{"text":"ولولا ذلك لكنت قد فرقت بين الصلة والموصول. كِتابًا مُؤَجَّلًا مصدر ودل بهذه الآية على أن كلّ إنسان مقتول أو غير مقتول قد بلغ أجله وأن الخلق لا بدّ أن يبلغوا آجالهم آجالا واحدة كتبها الله عليهم لأن معنى مؤجّلا إلى أجل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٦]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)\nوَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ «١» قال الخليل وسيبويه «٢»: هي أيّ دخلت عليها كاف التشبيه فصار في الكلام معنى كم فالوقف على قوله وكأيّن وقرأ أبو جعفر وابن كثير وكاإن وهو مخفّف من ذاك وهو كثير في كلام العرب. وقرأ الحسن وعكرمة وأبو رجاء ربيّون «٣» بضم الراء. قال أبو جعفر: وقد ذكر سيبويه مثل هذا وقد ذكرنا معنى الآية: وقرأ أبو السمّال العدوي فما وهنوا لما أصابهم «٤» بإسكان الهاء وهذا على لغة من قال: وهن. حكى أبو حاتم: وهن يهن مثل ورم يرم ويجوز ما ضَعُفُوا بإسكان العين بحذف الضمة والكسرة لثقلها وحكى الكسائي وَما ضَعُفُوا بفتح العين ولا يجوز حذف الفتحة لخفتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٧]</span>\nوَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧)\nوقرأ الحسن وَما كانَ قَوْلَهُمْ جعله اسم «كان» ومن نصب جعله خبر كان وجعل اسمها أَنْ قالُوا لأنه موجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٠]</span>\nبَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)\nوأجاز الفراء «٥» بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ بمعنى أطيعوا الله مولاكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥١]</span>\nسَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)\nسَنُلْقِي فعل مستقبل وحذفت الضمة من الياء لثقلها وقرأ أبو جعفر والأعرج\n_________\n(١) هذه قراءة نافع وأبي عمر وابن كثير، أما قراءة الباقين فبالألف وفتح القاف والتاء. انظر تيسير الداني ٧٥. [.....]\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٧٧.\n(٣) هذه قراءة علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس أيضا، انظر مختصر ابن خالويه ٢٢، والمحتسب ١/ ١٧٣.\n(٤) انظر البحر المحيط ٣/ ٧٨، ومختصر ابن خالويه ٢٢.\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٢٣٧.","vol":"1","page":183},{"text":"وعيسى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وهما لغتان. مَثْوَى الظَّالِمِينَ رفع بئس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٢]</span>\nوَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)\nويجوز وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ مدغما وكذا إِذْ تَحُسُّونَهُمْ. وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة أي منكم من يريد الغنيمة بقتاله ومنكم من يريد الآخرة بقتال. ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ في هذه الآية غموض في العربية وذاك أن قوله جلّ وعزّ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ليس بمخاطبة للذين عصوا وإنما هو مخاطبة للمؤمنين، وذلك أنّ النبي ﷺ أمرهم أن ينصرفوا إلى ناحية الجبل ليتحرّزوا إذ كان ليس فيهم فضل للقتال. وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ للعاصين خاصة وهم الرماة وهذا في يوم أحد كانت الغلبة بدئا للمؤمنين حتى قتلوا صاحب راية المشركين فذلك قول الله ﵎: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ فلمّا عصى الرماة النبي ﷺ وشغلوا بالغنيمة صارت الهزيمة عليهم ثم عفا الله عنهم ونظير هذا من المضمر فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التوبة: ٤٠] أي على أبي بكر الصدّيق قلق حتّى تبين له رسول الله ﷺ فسكن وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [التوبة: ٤٠] للنبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٣]</span>\nإِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣)\nإِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وقرأ الحسن ولا تلون «١» بواو واحدة وقد ذكرنا نظيره «٢»، وروى أبو يوسف الأعشى عن أبي بكر بن عيّاش عن عاصم ولا تلوون بضم التاء وهي لغة شاذة. فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ لمّا صاح صائح يوم أحد قتل محمد ﷺ زال غمّهم بما أصابهم من القتل والجراح لغلط ما وقعوا فيه، وقيل: وقفهم الله جلّ وعزّ على ذنبهم فشغلوا بذلك عما أصابهم وقيل فأثابكم أن غمّ الكفار كما غموكم لكيلا تحزنوا بما أصابكم دونهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٤]</span>\nثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٢٣، والبحر المحيط ٣/ ٨٩.\n(٢) انظر إعراب الآية ٧٨- آل عمران.","vol":"1","page":184},{"text":"ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا «أمنة» منصوبة بأنزل ونعاس بدل منها، ويجوز أن يكون «أمنة» مفعولا من أجله ونعاسا بأنزل يغشى للنعاس وتغشى للأمنة.\nوَطائِفَةٌ ابتداء والخبر قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، ويجوز أن يكون الخبر يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ والواو بمعنى إذ والجملة في موضع الحال، ويجوز في العربية وطائفة بالنصب على إضمار أهمّت. ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ مصدر أي يظنّون ظنّا مثل ظنّ الجاهلية وأقيم النعت مقام المنعوت والمضاف مقام المضاف إليه. يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ «من» الأولى للتبعيض والثانية زائدة. قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ اسم إنّ وكلّه توكيد، وقال الأخفش: بدل. وقرأ أبو عمرو وابن أبي ليلى «١» وعيسى قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ «٢» رفع بالابتداء «ولله» الخبر والجملة خبر «إنّ» . قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وقرأ الكوفيون في بيوتكم بكسر الباء أبدل من الضمة كسر لمجاورتها الياء. لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ «٣» وقرأ أبو حيوة لَبَرَزَ «٤» والمعنى: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم في اللوح المحفوظ القتل إلى مضاجعهم، وقيل: كتب بمعنى فرض.\nوَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وحذف الفعل الذي مع لام كي والمعنى: وليبتلي الله ما في صدوركم فرض عليكم القتال والحرب ولم ينصركم يوم أحد ليختبر صبركم وليمحّص عنكم سيّئاتكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)\nالَّذِينَ اسم «إنّ» والخبر إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا أي استدعى زللهم بأن ذكّرهم خطاياهم فكرهوا الثبوت لئلا يقتلوا، وقيل: ببعض ما كسبوا بانهزامهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)\n_________\n(١) ابن أبي ليلى: عبد الرّحمن الأنصاري الكوفي، تابعي كبير، عرض على علي بن أبي طالب (ت ٨٢ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٧٦.\n(٢) انظر تيسير الداني ٧٥.\n(٣) هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ٣/ ٩٧.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٢٣، والبحر المحيط ٣/ ٩٧.","vol":"1","page":185},{"text":"غُزًّى جمع غاز مثل صائم وصوّم، ويقال: غزّاء كما يقال: صوّام، ويقال:\nغزاة وغزيّ كما قال: [الكامل] ٨٦-\nقل للقوافل والغزيّ إذا غزوا «١»\nوروي عن الزهري أنه قرأ غُزًّى بالتخفيف لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ فيه قولان أحدهما أنّ المعنى أنّ الله جلّ وعزّ جعل ظنّهم أن إخوانهم لو قعدوا عندهم ولم يخرجوا مع النبي ﷺ ما قتلوا، والقول الآخر أنهم لما قالوا هذا لم يلتفت المؤمنون إلى قولهم فكان ذلك حسرة. وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ أي يقدر على أن يحيي من خرج إلى القتال ويميت من أقام في أهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٧]</span>\nوَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)\nوَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ قال عيسى أهل الحجاز يقولون: متّم وسفلى مضر يقولون: متّم بضم الميم. قال أبو جعفر: قول سيبويه «٢» إنه شاذ جاء على متّ يموت ومثله عنده فضل يفضل وأما الكوفيون فقالوا من قال: متّ قال: يمات مثل خفت تخاف ومن قال: متّ قال يموت، وهذا قول حسن وجواب «أو» لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ وهو محمول على المعنى لأن معنى ولئن قتلتم في سبيل الله أو متّم ليغفرنّ لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٨]</span>\nوَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)\nوَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ فوعظهم بهذا أي لا تفرّوا من القتال ومما أمرتكم به وفرّوا من عقاب الله فإنكم إليه تحشرون لا يملك لكم أحد ضرّا ولا نفعا غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٩]</span>\nفَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)\nفَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ «ما» زائدة وخفضت رَحْمَةٍ بالباء ويجوز أن تكون «ما»\n_________\n(١) الشاهد لزياد الأعجم في ديوانه ص ٥٣، ولسان العرب (غزا)، وتهذيب اللغة ٨/ ١٦٣، وذيل الأمالي ٢/ ٨، والحماسة البصرية ١/ ٢٠٦، وخزانة الأدب ١٠/ ٤، وللصلتان العبدي في أمالي المرتضى ٢/ ١٩٩، وبلا نسبة في كتاب العين ٤/ ٤٣٤، وعجزه:\n«والباكرين وللمجدّ الرّائح»\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٤٨٦.","vol":"1","page":186},{"text":"اسما نكرة خفضا بالباء ورحمة نعتا لما ويجوز فبما رحمة أي فبالذي هو رحمة أي لطف من الله جلّ وعزّ. لِنْتَ لَهُمْ كما قال: [الكامل] ٨٧-\nفكفى بنا فضلا على من غيرنا «١»\nوغير أيضا وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا على فعل- الأصل فظظ. فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ والمصدر مشاورة وشوار فأما مشورة وشورى فمن الثلاثي. فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وقرأ جابر بن زيد أبو الشعثاء وأبو نهيك فَإِذا عَزَمْتَ أي فتوكّل على الله أي لا تتّكل على عدّتك وتقوّ بالله، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٠]</span>\nإِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)\nإِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ شرط والجواب في الفاء وما بعدها وكذا وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي فليثقوا بالله وليرضوا بجميع ما فعله. هذا معنى التوكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦١]</span>\nوَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١)\nوَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ «٢» قد ذكرناه «٣» وذكرنا قراءة ابن عباس يَغُلَّ «٤» وَمَنْ يَغْلُلْ شرط. يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ جوابه أي ومن يغلل بما غلّه يوم القيامة يحمله على رؤوس الأشهاد عقوبة له وفي هذا موعظة لكل من فعل معصية مستترا بها وتمّ الكلام ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ عطف جملة على جملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٣]</span>\nهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)\nهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ابتداء وخبر يكون «هم» لمن اتّبع رضوان الله ودخل الجنة أي هم متفاضلون ويجوز أن يكون «هم» لمن اتّبع رضوان الله ولمن باء بسخطه، ويكون المعنى لكل واحد منهم حظّه من عمله.\n_________\n(١) مرّ الشاهد (٣٠) .\n(٢) هذه قراءة السبعة عدا ابن كثير وأبي عمر وعاصم فقد قرءوا بفتح الياء وضمّ العين. انظر تيسير الداني ٧٦. [.....]\n(٣) انظر معاني ابن النحاس ورقة (٥٥ ب) .\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٢٤٦.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٤]</span>\nلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤)\nإِذْ ظرف والمعنى في المنّة فيه أقوال منها أن يكون معنى من أنفسهم أنه بشر مثلهم فلما أظهر البراهين وهو بشر مثلهم علم أنّ ذلك من عند الله جل وعز، وقيل:\nمن أنفسهم منهم، فشرفوا به فكانت تلك المنة، وقيل: من أنفسهم أي يعرفونه بالصدق والأمانة فأما قول من قال معناه «من العرب» فذلك أجدر أن يصدقوه إذ لم يكن من غيرهم فخطأ لأنه لا حجة لهم في ذلك لو كان من غيرهم كما أنه لا حجة لغيرهم في ذلك. يَتْلُوا عَلَيْهِمْ في موضع نصب نعت لرسول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٥]</span>\nأَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)\nأَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها المصيبة التي قد أصابتهم يوم أحد أصابوا مثليهما يوم بدر، وقيل: أصابوا مثليها يوم بدر ويوم أحد جميعا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٦]</span>\nوَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦)\nفَبِإِذْنِ اللَّهِ قيل: بعلمه ولا يعرف في هذا إلّا الإذن ولكن يكون فبإذن الله فبتخليته بينكم وبينهم وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٧]</span>\nوَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧)\nوَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وحذف الفعل أي خلّى بينكم وبينهم والمنافقون عبد الله بن أبيّ وأصحابه وانهزموا يوم أحد إلى المدينة فلما وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ فأكذبهم الله جلّ وعزّ فقال: قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٨]</span>\nالَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)\nالَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ في موضع نصب على النعت للذين نافقوا أو على أعني يجوز أن يكون رفعا على إضمار مبتدأ. قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ أي فكما لا تقدرون أن تدفعوا عن أنفسكم الموت كذا لا تقدرون أن تمنعوا من القتل من كتب الله جلّ وعزّ عليه أن يقتل.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٩]</span>\nوَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)\nوَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا مفعولان. بَلْ أَحْياءٌ أي بل هم أحياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٠]</span>\nفَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)\nفَرِحِينَ نصب على الحال ويجوز في غير القرآن رفعه يكون نعتا لأحياء.\nوَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ قيل: لم يلحقوا بهم في الفضل وقيل: هم في الدنيا. أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بدل من «الذين» وهو بدل الاشتمال ويجوز أن يكون المعنى بأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٢]</span>\nالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)\nالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ابتداء والخبر لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ويجوز أن يكون الذين بدلا من المؤمنين وبدلا من الذين لم يلحقوا بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٣]</span>\nالَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)\nالَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ بدل من الذين قبله. وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ابتداء وخبر أي كافينا الله. يقال: أحسبه إذا كافأه. وَنِعْمَ الْوَكِيلُ مرفوع بنعم أي نعم القيّم والحافظ الله والناصر لمن نصره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٥]</span>\nإِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)\nوقد ذكرنا إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٦]</span>\nوَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)\nوَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ هذه أفصح اللغتين وقال: «يحزنك» . ويقال:\nإنّ هؤلاء قوم أسلموا ثم ارتدّوا خوفا من المشركين فاغتمّ النبيّ ﷺ فأنزل الله جلّ وعزّ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا أي لن يضرّوا أولياء الله حين تركوا نصرهم إذ كان الله جلّ وعزّ ناصرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)\nإِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ مجاز جعل- مما استبدلوا به من الكفر وتركوه من الإسلام بمنزلة البيع والشراء.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٩]</span>\nما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)\nما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ لام النفي وأن مضمرة إلّا أنها لا تظهر.\nومن أحسن ما قيل في الآية أن المعنى ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمنين بالمنافقين حتى يميّز بينهما بالمحنة والتكليف فتعرفوا المؤمن من المنافق والخبيث المنافق والطيب المؤمن. وقيل: المعنى ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الإقرار فقط حتى يفرض عليهم الفرائض، وقيل: هذا خطاب للمنافقين خاصة أي ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من عداوة النبيّ ﷺ. وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ أي ما كان ليعيّن لكم المنافقين حتّى تعرفوهم ولكن يظهر ذلك بالتكليف والمحنة وقيل: ما كان الله ليعلمكم ما يكون منهم وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيطلعه على ما يشاء من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٠]</span>\nوَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)\nقرأ هل المدينة وأكثر القراء: وَلا يَحْسَبَنَّ بالياء في الموضعين جميعا وقرأ حمزة بالتاء «١» فيهما، وزعم أبو حاتم: أنه لحن لا يجوز وتابعه على ذلك جماعة، وقرأ يحيى بن وثاب أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ [آل عمران: ١٧٨] بكسر «إن» فيهما جميعا. قال أبو حاتم: وسمعت الأخفش يذكر كسر «إن» يحتجّ به لأهل القدر لأنه كان منهم ويجعله على التقديم والتأخير أي ولا يحسبنّ الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم. قال: ورأيت في مصحف في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفا فصار: إنّما نملي لهم ليزدادوا إيمانا، فنظر إليه يعقوب القارئ فتبيّن اللحق فحكّه.\nقال أبو جعفر: التقدير على قراءة نافع أنّ «أنّ» تنوب عن المفعولين، وأما قراءة حمزة فزعم الكسائي والفراء «٢» أنّها جائزة على التكرير أي ولا تحسبنّ الذين كفروا لا تحسبنّ إنما نملي لهم. قال أبو إسحاق «٣»: «أنّ» بدل من الذين أي ولا يحسبن أنما نملي لهم خير لأنفسهم أي إملاءنا للذين كفروا خيرا لأنفسهم كما قال: [الطويل] ٨٨-\nفما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما «٤»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٧٧.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢٤٨، والبحر المحيط ٣/ ١٢٩.\n(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٤٤١.\n(٤) مرّ الشاهد رقم (٤٨) .","vol":"1","page":190},{"text":"قال أبو جعفر: قراءة يحيى بن وثاب بكسر إن فيهما جميعا حسنة كما تقول:\nحسبت عمرا أبوه خارج. فأما وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ على قراءة نافع فالذين في موضع رفع والمفعول الأول محذوف. قال الخليل وسيبويه والكسائي والفراء «١» والمعنى: البخل هو خيرا لهم، «وهو» زائدة، عماد عند الكوفيين وفاصلة عند البصريين ومثل هذا المضمر قول الشاعر: [الوافر] ٨٩-\nإذا نهي السّفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف «٢»\nلمّا أن قال السفيه دلّ على السفل فأضمره ولما قال جلّ وعزّ: يبخلون دلّ على البخل ونظيره قول العرب: «من كذب كان شرا له» «٣» فأما قراءة حمزة ولا تحسبنّ الذين يبخلون فبعيدة جدا وجوازها أن يكون التقدير: ولا تحسبنّ الذين يبخلون مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] ويجوز في العربية وهو خير لهم ابتداء وخبر. بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ابتداء وخبر وكذا وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وكذا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، البخل والبخل في اللغة أن يمنع الإنسان الحق الواجب عليه فأما من منع ما لا يجب عليه فليس ببخيل لأنه لا يذمّ بذلك، وأهل الحجاز يقولون: يبخلون وقد بخلوا. وسائر العرب يقولون: بخلوا يبخلون وبعض بني عامر يقولون: يجدبي أي يجتبي فيبدلون من التاء دالا إذا كان قبلها جيم ويقولون يجدلون أي يجتلدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨١]</span>\nلَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١)\nلَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ وإن شئت أدغمت الدال في السين لقربها منها قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ كسرت إن لأنها حكاية وبعض العرب يفتح. قال أهل التفسير: لما أنزل الله جلّ وعزّ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة: ٢٤٥] قال قوم من اليهود إن الله فقير يقترض منا وإنما قالوا هذا تمويها على ضعفائهم لا إنهم يعتقدون هذا لأنهم أهل كتاب ولكنهم كفروا بهذا القول لأنهم أرادوا تشكيك المؤمنين وتكذيب النبي ﷺ أي إنه فقير على قول محمد ﷺ لأنه اقترض منا. سَنَكْتُبُ ما قالُوا نصب بسنكتب وقرأ الأعمش وحمزة سيكتب ما قالوا «٤» فما هاهنا اسم ما لم يسمّ فاعله واعتبر حمزة بقراءة ابن مسعود ويقال ذوقوا عذاب الحريق. وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ أي ونكتب قتلهم أي رضاهم بالقتل وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي نوبّخهم بهذا.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٤٨.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٦٧) .\n(٣) انظر الكتاب ٢/ ٤١٢.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٢٤٩، وتيسير الداني ٧٧.","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٢]</span>\nذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)\nذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ حذفت الضمة من الياء لثقلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٣]</span>\nالَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣)\nالَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا في موضع خفض بدلا من الذين في قوله لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا [آية: ١٨١] أَلَّا نُؤْمِنَ في موضع نصب. قال الملهم صاحب الأخفش من أدغم بغنّة كتب أن لا منفصلا ومن أدغم بغير غنّة كتب ألّا متصلا وقيل بل يكتب منفصلا لأنها «أن» دخلت عليها «لا» وقيل: من نصب الفعل كتبها متصلة ومن رفع كتبها منفصلة حَتَّى يَأْتِيَنا نصب بحتى. وقرأ عيسى بن عمر بِقُرْبانٍ «١» بضم الراء. إن جمعت قربانا قلت: قرابين وقرابنة. قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي على تذكير الجميع أي جاء أوائلكم وإذا جاء أوائلهم فقد جاءهم. بِالْبَيِّناتِ بالآيات المعجزات وَبِالَّذِي قُلْتُمْ بالقربان. فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي إن كنتم صادقين إن الله جلّ وعزّ عهد إليكم ألّا تؤمنوا حتى تؤتوا بقربان تأكله النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٤]</span>\nفَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)\nفَإِنْ كَذَّبُوكَ شرط فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جوابه فهذا تعزية له ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٥]</span>\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ابتداء وخبر. وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ «ما» كافة ولا يجوز أن تكون بمعنى الذي ولو كان ذلك لقلت: أجوركم فرفعت على خبر «إن» وفرقت بين الصلة والموصول. وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ابتداء وخبر أي أنها فانية فهي بمنزلة ما يغر ويخدع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٦]</span>\nلَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)\nلَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ لا ما قسم فإن قيل: لم ثبتت الواو في «لتبلونّ» وحذفت من «لتسمعنّ»؟ فالجواب أنّ الواو في لتبلونّ قبلها فتحة فحركت\n_________\n(١) انظر المحتسب ١/ ١٧٧، والبحر المحيط ٣/ ١٣٨.","vol":"1","page":192},{"text":"لالتقاء الساكنين ولم يجز حذفها لأنه ليس قبلها ما يدلّ عليها وحذفت في ولتسمعنّ لأن قبلها ما يدلّ عليها ولا يجوز همز الواو في لتبلونّ لأن حركتها عارضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٧]</span>\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧)\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ على حكاية الخطاب، وقرأ أبو عمرو وعاصم بالياء «١» لأنهم غيب والهاء كناية عن أهل الكتاب، وقيل: عن النبي ﷺ أي عن أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٨]</span>\nلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)\nلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وروى الحسين بن علي الجعفي عن الأعمش بما آتوا «٢» أي أعطوا. قيل: يراد بهذا اليهود وفي قراءة أبيّ بما فعلوا «٣»، وقال ابن زيد: هم المنافقون كانوا يقولون للنبي ﷺ: نخرج ونحارب معك ثم يتخلّفون ويعتذرون ويفرحون بما فعلوا لأنهم يرون أنهم قد تمّت لهم الحيلة فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ كرّر «تحسبنّ» لطول الكلام ليعلم أنه يراد الأول كما تقول: لا تحسب زيدا إذا جاءك وكلّمك لا تحسبه مناصحا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٩]</span>\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ابتداء وخبر، وكذا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٠]</span>\nإِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠)\nإِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ في موضع نصب على أنه اسم «إن» لِأُولِي خفض باللام وزيدت فيها الواو فرقا بينها وبين «إلى» . الْأَلْبابِ خفض بالإضافة وحكى سيبويه «٤» عن يونس: قد لببت ولا يعرف في المضاعف سواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩١]</span>\nالَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١)\nالَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ في موضع خفض على النعت لأولي الألباب. قِيامًا وَقُعُودًا\n_________\n(١) وهذه قراءة ابن كثير أيضا، انظر تيسير الداني ٧٧.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٢٣.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٢٤، والبحر المحيط ٣/ ١٤٣. [.....]\n(٤) انظر الكتاب ٤/ ١٤٧.","vol":"1","page":193},{"text":"نصب على الحال. وَعَلى جُنُوبِهِمْ في موضع حال أي مضطجعين. وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ليكون ذلك أزيد في بصائرهم ويكون «ويتفكّرون» عطفا على الحال أو على يذكرون أو منقطعا. رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي ما خلقته من أجل باطل أي خلقته دليلا عليك، والتقدير: يقولون «باطلا» مفعول من أجله. سُبْحانَكَ أي تنزيها لك من أن يكون خلقت هذا باطلا. حدّثنا عبد السلام بن أحمد بن سهل قال: حدّثنا محمد بن علي بن محرّر قال: حدّثنا أبو أسامة قال: حدّثنا الثوريّ عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن موسى بن طلحة قال: سئل رسول الله ﷺ عن معنى «سبحان الله» فقال:\n«تنزيه الله عن السوء» «١» . سُبْحانَكَ مصدر وأضيف على أنه نكرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٣]</span>\nرَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣)\nرَبَّنا نداء مضاف. أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ في موضع نصب أي بأن آمنوا. وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ المعنى وتوفّنا أبرارا مع الأبرار، ومثل هذا الحذف كلّه قوله: [الوافر] ٩٠-\nكأنّك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشنّ «٢»\nوواحد الأبرار بارّ كما يقال: صاحب وأصحاب، ويجوز أن يكون واحدهم برّا مثل كتف وأكتاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٤]</span>\nرَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤)\nرَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ أي على ألسن رسلك مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٥]</span>\nفَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥)\nفَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي أي بأنّي، وقرأ عيسى بن عمر فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي «٣»\n_________\n(١) أخرجه الطبري في تفسيره ١١/ ٦٤.\n(٢) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ١٢٦، وخزانة الأدب ٥/ ٦٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٨، وشرح المفصّل ٣/ ٥٩، والكتاب ٢/ ٣٦٣، ولسان العرب (وقش)، و(قعع) و(شنن)، والمقاصد النحوية ٤/ ٦٧، وبلا نسبة في سرّ صناعة الإعراب ١/ ٢٨٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤٠١، وشرح المفصّل ١/ ٦١، ولسان العرب (خدر) و(أقش) و(دنا)، والمقتضب ٢/ ١٣٨.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٢٤.","vol":"1","page":194},{"text":"بكسر الهمزة أي فقال إني. بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ابتداء وخبر أي دينكم واحد. فَالَّذِينَ هاجَرُوا ابتداء. وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أي في طاعة الله جلّ وعزّ. وَقُتِلُوا أي قاتلوا أعدائي. وَقُتِلُوا أي في سبيلي، وقرأ ابن كثير وابن عامر وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا «١» على التكثير، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وقتلوا وقاتلوا «٢» لأن الواو لا تدلّ على أن الثاني بعد الأول. قال هارون القارئ: حدّثني يزيد بن حازم «٣» عن عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه أنه قرأ وقتلوا وقتلوا «٤» خفيفة بغير ألف. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي لأسترنّها عليهم في الاخرة فلا أوبّخهم بها ولا أعاقبهم عليها. ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مصدر مؤكد عند البصريين، وقال الكسائي: وهو منصوب على القطع، قال الفراء «٥»: هو مفسّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٦]</span>\nلا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦)\nلا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ نهي مؤكد بالنون الثقيلة، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب لا يَغُرَّنَّكَ بنون خفيفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٧]</span>\nمَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧)\nمَتاعٌ قَلِيلٌ أي ذلك متاع قليل أي ابتداء وخبر، وكذا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ والجمع مآو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٨]</span>\nلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨)\nلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ في موضع رفع بالابتداء، وقرأ يزيد بن القعقاع لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا «٦» بتشديد النون نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مثل ثوابا عند البصريين، وقال الكسائي: يكون مصدرا وقال الفراء «٧»: هو مفسّر، وقرأ الحسن نزلا «٨» بإسكان الزاي وهي لغة تميم، وأهل الحجاز وبنو أسد يثقّلون.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٧٧.\n(٢) انظر تيسير الداني ٧٧.\n(٣) يزيد بن حازم بن زيد الأزدي الجهضمي البصري. روى عن سليمان بن يسار وعكرمة (ت ١٤٨ هـ) ترجمته في تهذيب التهذيب ١١/ ٣١٧.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٢٤، والبحر المحيط ٣/ ١٥٢.\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٢٥١، والبحر المحيط ٣/ ١٥٣.\n(٦) انظر مختصر ابن خالويه ٢٤.\n(٧) انظر معاني الفراء ١/ ٢٥١.\n(٨) وهذه قراءة مسلمة بن محارب والأعمش أيضا، وانظر مختصر ابن خالويه ٢٤.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٩]</span>\nوَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩)\nوَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ اسم «إنّ» واللام توكيد. قال الضحاك: وما أنزل إليكم القرآن وما أنزل إليهم التوراة والإنجيل. قال الحسن: نزلت في النجاشيّ «١» . خاشِعِينَ لِلَّهِ حال من المضمر الذي في يؤمن، وقال الكسائي: يكون قطعا من من لأنها معرفة وتكون قطعا من وما أنزل إليهم. قال الضحاك: خاشِعِينَ أي أذلّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا أمر فلذلك حذفت منه النون. وَصابِرُوا وَرابِطُوا عطف عليه وكذا وَاتَّقُوا اللَّهَ أي لا يكن وكدكم الجهاد فقط اتقوا الله في جميع أموركم. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لتكونوا على رجاء من الفلاح. قال الضحّاك: الفلاح البقاء.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٣/ ١٥٥.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>[٤] شرح إعراب سورة النساء</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>[سورة النساء (٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ «يا» حرف ينادى به، وقد يجوز أن يحذف إذا كان المنادى يعلم بالنداء و«أيّ» نداء مفرد و«ها» تنبيه. «النّاس» نعت لأيّ لا يجوز نصبه على الموضع لأن الكلام لا يتم قبله إلّا على قول المازني، وزعم الأخفش: أنّ أيّا موصولة بالنعت ولا تعرف الصلة إلّا جملة. اتَّقُوا رَبَّكُمُ أمر فلذلك حذفت منه النون. الَّذِي خَلَقَكُمْ في موضع نصب على النعت. مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أنّثت على اللفظ، ويجوز في الكلام من نفس واحد، وكذا وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما المذكر والمؤنث في التثنية على لفظ واحد في العلامة وليس كذا الجمع لاختلافه واتفاق التثنية. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ «١» هذه قراءة أهل المدينة بإدغام التاء في السين، وقراءة أهل الكوفة تَسائَلُونَ بحذف التاء لاجتماع تاءين ولأن المعنى يعرف ومثله إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور: ١٥] . وَالْأَرْحامَ عطف أي واتّقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ إبراهيم وقتادة وحمزة وَالْأَرْحامَ «٢» بالخفض وقد تكلّم النحويون في ذلك. فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لحن لا تحلّ القراءة به، وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا علّة قبحه فيما علمته. وقال سيبويه «٣»: لم يعطف على المضمر المخفوض لأنه بمنزلة التنوين، وقال أبو عثمان المازني: المعطوف والمعطوف عليه شريكان لا يدخل في أحدهما إلّا ما دخل في الآخر فكما لا يجوز مررت بزيد وك وكذا لا يجوز مررت بك وزيد، وقد جاء في الشعر كما قال: [البسيط] ٩١-\nفاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيّام من عجب «٤»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٧٨. [.....]\n(٢) انظر تيسير الداني ٧٨.\n(٣) انظر الكتاب ٢/ ٤٠٣.\n(٤) الشاهد بلا نسبة في الإنصاف ٤٦٤، وخزانة الأدب ٥/ ١٢٣، وشرح الأشموني ٢/ ٤٣٠، والدرر ٢/ ٨١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٠٧، وشرح ابن عقيل ص ٥٠٣، وشرح عمدة الحافظ ص ٦٦٢، وشرح المفصّل ٣/ ٧٨، والكتاب ٢/ ٤٠٤، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٩.","vol":"1","page":197},{"text":"وكما قال: [الطويل] ٩٢-\nوما بينها والكعب غوط نفانف «١»\nوقال بعضهم وَالْأَرْحامَ قسم وهذا خطأ من المعنى والإعراب لأن الحديث عن رسول الله ﷺ يدلّ على النصب روى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن النذر بن جرير عن أبيه قال: كنت عند النبي ﷺ حتى جاء قوم من مصر حفاة عراة فرأيت وجه النبي ﷺ يتغير لما رأى من فاقتهم ثم صلّى الظهر وخطب الناس فقال: «يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم والأرحام، ثم قال تصدّق رجل بديناره تصدّق رجل بدرهمه تصدّق رجل بصاع تمره» «٢» وذكر الحديث فمعنى هذا على النصب لأنه حضّهم على صلة أرحامهم، وأيضا فلو كان قسما كان قد حذف منه لأن المعنى: ويقولون بالأرحام أي وربّ الأرحام: ولا يجوز الحذف إلّا أن لا يصحّ الكلام إلّا عليه. وأيضا فقد صحّ عن النبي ﷺ «من كان حالفا فليحلف بالله» «٣» فكما لا يجوز أن تحلف إلّا بالله كذا لا يجوز أن تستحلف إلّا بالله فهذا يرد قول من قال المعنى أسألك بالله وبالرّحم، وقد قال أبو إسحاق «٤»: معنى تَسائَلُونَ بِهِ تطلبون حقوقكم به ولا معنى للخفض على هذا. والرحم مؤنثة ويقال:\nرحم ورحم ورحم ورحم. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا قال ابن عباس أي حفيظا. قال أبو جعفر: يقال: رقب الرجل وقد رقبته رقبة ورقبانا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>[سورة النساء (٤): آية ٢]</span>\nوَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)\nوَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ مفعولان ولا يقال: يتيم إلّا لمن بلغ دون العشر، وقيل: لا يقال: يتيم إلا لمن لم يبلغ الحلم، يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يتم بعد بلوغ» «٥» . وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أي لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرّمة خبيثة وتدعوا الطّيب وهو مالكم ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم أي\n_________\n(١) الشاهد لمسكين الدارمي في ديوانه ص ٥٣ وفيه (تنائف) بدل (نفانف)، والحيوان ٦/ ٤٩٤، والمقاصد النحوية ٤/ ١٦٤، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٦٥، وشرح الأشموني ٢/ ٤٣٠، وشرح عمدة الحافظ ٦٦٣، وشرح المفصّل ٣/ ٧٩، ولسان العرب (غوط)، وتاج العروس (غوط) . وصدره:\n«نعلّق في مثل السواري سيوفنا»\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٣٥٩، ومسلم في الزكاة ٧٠.\n(٣) أخرجه الترمذي في النذور ٧/ ١٦، وابن ماجة في سننه- باب، حديث ٢٠٩٤، وأبو داود في سننه، الإيمان والنذور، حديث ٣٢٤٩، والدارمي في النذور ٢/ ١٨٥.\n(٤) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٤٥٥، والبحر المحيط ٣/ ١٦٤.\n(٥) أخرجه أبو داود في سننه ٢٨٧٣، والمتقي في كنز العمال ٩٠٤٩٩.","vol":"1","page":198},{"text":"لا تجمعوا بينهما فتأكلوهما. إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا «١» وقرأ الحسن حُوبًا «٢» . قال الأخفش: وهي لغة بني تميم والحوب المصدر وكذا الحيابة والحوب الاسم. وقرأ ابن محيصن ولا تبّدلوا «٣» أدغم التاء في التاء وجمع بين ساكنين، وذلك جائز لأن الساكن الأول حرف مدّ ولين، ولا يجوز هذا في قوله نارًا تَلَظَّى [الليل: ١٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>[سورة النساء (٤): آية ٣]</span>\nوَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣)\nوَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى شرط أي إن خفتم ألّا تعدلوا في مهورهنّ في النفقة عليهن. فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ فدلّ بهذا على أنه لا يقال: نساء إلا لمن بلغ الحلم.\nواحد النساء نسوة ولا واحد لنسوة من لفظه ولكن يقال: امرأة. ويقال: كيف جاءت «ما» للآدميين ففي هذا جوابان: قال الفراء «٤»: «ما» هاهنا مصدر وهذا بعيد جدّا لا يصحّ فانكحوا الطيبة، وقال البصريون: «ما» تقع للنعوت كما تقع «ما» لما لا يعقل يقال: ما عندك؟ فيقال: ظريف وكريم فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء أي الحلال وما حرّمه الله فليس بطيب. مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ في موضع نصب على البدل من «ما» ولا ينصرف عند أكثر البصريين في معرفة ولا نكرة لأن فيه علّتين إحداهما أنه معدول. قال أبو إسحاق:\nوالأخرى أنه معدول عن مؤنث وقال غيره: العلّة أنّه معدول يؤدّي عن التكرير صحّ أنها لا تكتب وهذا أولى قال الله ﷿: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [فاطر: ١] فهذا معدول عن مذكّر، وقال الفراء «٥»: لم ينصرف لأن فيه معنى الإضافة والألف واللام، وأجاز الكسائي والفراء صرفه في العدد على أنه نكرة، وزعم الأخفش أنه إن سمّي به صرفه في المعرفة والنكرة لأنه قد زال عنه العدل. فَإِنْ خِفْتُمْ في موضع جزم بالشرط أَلَّا تَعْدِلُوا في موضع نصب بخفتم فَواحِدَةً أي فانكحوا واحدة وقرأ الأعرج فَواحِدَةً بالرفع. قال الكسائي: التقدير فواحدة تقنع. أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ عطف على واحدة. ذلِكَ أَدْنى ابتداء وخبره أَلَّا تَعُولُوا في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>[سورة النساء (٤): آية ٤]</span>\nوَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)\nوَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ مفعولان الواحدة صدقة. قال الأخفش: وبنو تميم\n_________\n(١) وهذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ٣/ ١٦٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢٥٣، والإتحاف ١١٢، والبحر المحيط ٣/ ١٦٩، وهذه لغة بني تميم.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٢٤.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٢٥٣، والبحر المحيط ٣/ ١٧٠.\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٢٥٤.","vol":"1","page":199},{"text":"يقولون: صدقة والجمع صدقات، وإن شئت فتحت، وإن شئت أسكنت»\n. قال المازني: يقال صداق المرأة بالكسر ولا يقال: بالفتح، وحكى يعقوب وأحمد ابن يحيى الفتح. فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا مخاطبة للأزواج وزعم الفراء «٢» أنه مخاطبة للأولياء لأنهم كانوا يأخذون الصداق ولا يعطون المرأة منه شيئا فلم يبح لهم منه إلا ما طابت به نفس المرأة. قال أبو جعفر: والقول الأول أولى لأنه لم يجر للأولياء ذكر.\nنَفْسًا منصوبة على البيان، ولا يجيز سيبويه ولا الكوفيون أن يتقدّم ما كان على البيان، وأجاز المازني وأبو العباس أن يتقدم إذا كان العامل فعلا وأنشد: [الطويل] ٩٣-\nوما كان نفيسا بالفراق تطيب «٣»\nوسمعت أبا إسحاق يقول: إنّما الرواية «وما كان نفسي» . فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا منصوب على الحال من الهاء. يقال: هنؤ الطعام ومرؤ فهو هنيء مريء على فعيل، وهنيء يهنأ فهو هني على فعل، والمصدر على فعل، وقد هنأني ومرأني فإن أفردت قلت: أمرأني بالألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>[سورة النساء (٤): آية ٥]</span>\nوَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)\nوَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ روى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ قال: يعني اليتامى لا تؤتوهم أموالهم. كما قال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] وهذا من أحسن ما قيل في الآية وشرحه في العربية ولا تؤتوا السفهاء الأموال التي تملكونها ويملكونها كما قال: وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:\n٥٩]، وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ قال:\nأولادكم لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها ويبقوا بلا شيء، وروى سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ قال: النساء. قال أبو جعفر: وهذا القول لا يصحّ، إنّما تقول العرب في النساء: سفائه وقد قيل «ولا تؤتوا السفهاء\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٢٤ والبحر المحيط ٣/ ١٧٤، والقراءة الأولى لأبي واقد، والثانية بالفتح عن قتادة، والثالثة عن قتادة وأبي السمال. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢٥٦، والبحر المحيط ٣/ ١٧٤.\n(٣) الشاهد للمخبّل السعدي في ديوانه ص ٢٩٠، والخصائص ٢/ ٣٨٤، ولسان العرب (صبب)، وللمخبّل السعدي أو لأعشى همدان أو لقيس بن الملوّح في الدرر ٤/ ٣٦، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٣٥، وللمخبّل السعدي أو لقيس بن معاذ في شرح شواهد الإيضاح ص ١٨٨، وبلا نسبة في أسرار العربية ١٩٧، والإنصاف ص ٨٢٨، وشرح الأشموني ١/ ٢٦٦، وشرح ابن عقيل ٣٤٨، وشرح المفصّل ٢/ ٧٤، والمقتضب ٣/ ٣٦، وهمع الهوامع ١/ ٢٥٢، وصدره:\n«أتهجر ليلى بالفراق حبيبها»","vol":"1","page":200},{"text":"أموالكم» مخاطبة للأوصياء أضيفت الأموال إليهم وإن كانت ليست لهم على السعة لأنها في أيديهم كما يقال: بسر النخلة وماء البئر، وقيل: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم» حقيقة أي لا تعطوهم الأموال التي تملكونها وهذا بعيد لأن بعده وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا مصدر ونعته. قرأ إبراهيم النخعيّ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم اللاتي جعل الله لكم على جمع التي، وقراءة العامة الَّتِي «١» على لفظ الجماعة. قال الفراء «٢»: الأكثر في كلام العرب النساء اللواتي والأموال التي وكذلك غير الأموال. قرأ أهل الكوفة قِيامًا وقرأ أهل المدينة قيما «٣» وقرأ عبد الله بن عمر قواما «٤»، زعم الفراء والكسائي أن قياما مصدر أي ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أموركم فتقومون بها قياما، وقال الأخفش: المعنى قائمة بأموركم يذهب إلى أنه جمع وقيّما وقواما عند الكسائي والفراء بمعنى قياما، وقال البصريون: قيم جمع قيمة أي جعلها الله قيمة للأشياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>[سورة النساء (٤): آية ٦]</span>\nوَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)\nوَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا وقرأ أبو عبد الرّحمن السلمي رشدا «٥» وهو مصدر رشد، ورشد مصدر رشد وكذا الرّشاد. وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا مفعول من أجله، وقد يكون مصدرا في موضع الحال. وَبِدارًا عطف عليه. أَنْ يَكْبَرُوا في موضع نصب ببدار، وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ شرط وجوابه، وكذا وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ يجازى بإذا في الشعر لأنها تحتاج إلى جواب، ولا يليها إلا الفعل مظهرا أو مضمرا ولم يجاز بها في غير الشعر عند الخليل وسيبويه لأن ما بعدها مخالف لما بعد حروف الشرط لأنه محصّل قال الخليل: تقول آتيك إذا احمرّ البسر ولا تقول: إن احمرّ البسر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>[سورة النساء (٤): آية ٧]</span>\nلِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)\nلِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٣/ ١٧٧.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢٥٧.\n(٣) انظر تيسير الداني ٧٨.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٢٤، والبحر المحيط ٣/ ١٧٨.\n(٥) وأيضا هي قراءة عيسى الثقفي وأبي السمال وابن مسعود انظر مختصر ابن خالويه ٤٤، والبحر المحيط ٣/ ١٨٠.","vol":"1","page":201},{"text":"مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا قال أبو إسحاق «١»: نَصِيبًا مَفْرُوضًا نصب على الحال، وقال الأخفش والفراء «٢»: هو مصدر كما تقول: فرضا ولو كان غير مصدر لكان مرفوعا على النعت لنصيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>[سورة النساء (٤): آية ٨]</span>\nوَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)\nيبعد أن يكون هذا على الندب لأن الندب لا يكون إلّا بدليل أو إجماع أو توقيف فأحسن ما قيل فيه أنّ الله جلّ وعزّ أمر إذا حضر أولو القربى ممن لا يرث أن يعطيه من يرث شكرا لله جلّ وعزّ على تفضيله إياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>[سورة النساء (٤): آية ٩]</span>\nوَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)\nوَلْيَخْشَ جزم بالأمر فلذلك حذفت منه الألف. قال سيبويه: لئلا يشبه المجزوم المرفوع والمنصوب، وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم، وأجاز ذلك سيبويه في الشعر وأنشد الجميع: [الوافر] ٩٤-\nمحمد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا «٣»\nوزعم أبو العباس: أن هذا لا يجوز لأن الجازم لا يضمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>[سورة النساء (٤): آية ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)\nاسم إن والخبر إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية ابن عباس وَسَيَصْلَوْنَ «٤» على ما لم يسم فاعله، وقرأ أبو حيوة وسيصلّون «٥» على التكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>[سورة النساء (٤): آية ١١]</span>\nيُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)\nيُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ خبر فيه معنى الإلزام ثمّ بيّن الذي أوصاهم به فقال:\n_________\n(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٤٦٧، والبحر المحيط ٣/ ١٨٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢٥٧.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (٦٥) .\n(٤) انظر تيسير الداني ٧٨.\n(٥) انظر مختصر ابن خالويه ٢٤.","vol":"1","page":202},{"text":"لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ «مثل» رفع بالابتداء أو بالصفة، ويجوز النصب في غير القرآن على إضمار فعل. فَإِنْ كُنَّ نِساءً خبر كان أي فإن كان الأولاد نساء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ قال أبو جعفر: قد ذكرنا فيه أقوالا «١»: منها أنّ فوق زائدة وهو خطأ لأن الظروف ليست مما يزداد لغير معنى، ومنها الاحتجاج للأخوات ولا حجّة فيه لأن ذلك إجماع فهو مسلّم لذلك، ومنها أنه إجماع وهو مردود لأن الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى البنين النصف لأن الله جلّ وعزّ قال: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ قال: فلا أعطي البنتين الثلثين، ومنها أن أبا العباس قال: في الآية ما يدلّ على أن للبنتين الثلثين قال:\nلما كان للواحد مع الابن الواحد الثلث علمنا أن للابنتين الثلثين وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط لأن الاختلاف في البنتين وليس في الواحدة فيقول مخالفه إذا ترك ابنتين وابنا فللبنتين النصف فهذا دليل على أنّ هذا فرضهما وأقوى الاحتجاج في أن للبنتين الثلثين الحديث المروي. لغة أهل الحجاز وبني أسد الثّلث والرّبع إلى العشر، ولغة بني تميم وربيعة الثلث بإسكان اللام إلى العشر، ويقال: ثلثت القوم أثلثهم، وثلثت الدراهم أثلثها إذا أتممتها ثلاثة وأثلثت هي إلا أنّهم قالوا في المائة والألف: مأيتها وأمأت وآلفتها وألفت. وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وهذه قراءة حسنة أي وإن كانت المولودة واحدة مثل فَإِنْ كُنَّ نِساءً، وقرأ أهل المدينة وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً «٢» تكون كانت بمعنى وقعت مثل كان الأمر، وقرأ أبو عبد الرّحمن السلميّ فَلَهَا النِّصْفُ وقرأ أهل الكوفة فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ «٣» وهذه لغة حكاها سيبويه. قال الكسائي: هي لغة كثير من هوازن وهذيل. قال أبو جعفر: لما كانت اللام مكسورة وكانت متصلة بالحرف كرهوا ضمة بعد كسرة فأبدلوا من الضمة كسرة لأنه ليس في الكلام فعل ومن ضم جاء به على الأصل ولأن اللام تنفصل لأنها داخلة على الاسم. قرأ مجاهد وعاصم وابن كثير مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ «٤» على ما لم يسمّ فاعله وقرأ الحسن يُوصِي بِها «٥» على التكثير. فَرِيضَةً مصدر. إِنَّ اللَّهَ اسم إنّ. كانَ عَلِيمًا خبر كان واسم كان فيها مضمر والجملة خبر إنّ، ويجوز في غير القرآن «إنّ الله كان عليم حكيم» على إلغاء كان. وأهل التفسير يقولون: معنى كان عليما حكيما لم يزل، ومذهب سيبويه «٦» أنهم رأوا حكمة وعلما فقيل لهم: إن الله كان كذلك وقال أبو العباس: ليس\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٣/ ١٩١.\n(٢) انظر تيسير الداني ٧٨ والبحر المحيط ٣/ ١٩١. [.....]\n(٣) انظر تيسير الداني ٧٨، والحجّة لابن خالويه ٩٥.\n(٤) انظر تيسير الداني ٧٨.\n(٥) انظر مختصر ابن خالويه ٢٥، وهي قراءة أبي الدرداء وأبي رجاء أيضا.\n(٦) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٤٧٧.","vol":"1","page":203},{"text":"في قوله «كان» دليل على نفي الحال والمستقبل، وقيل: «كان» يخبر بها عن الحال كما قال جلّ وعزّ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم: ٢٩] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>[سورة النساء (٤): آية ١٢]</span>\nوَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)\nوَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ ابتداء أو بالصفة. قال الأخفش سعيد في وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً إن شئت نصبت كلالة على أنه خبر كان، وإن شئت جعلت كان بمعنى وقع وجعلت يورث صفة لرجل وكلالة نصب على الحال كما تقول: يضرب قائما. قال أبو جعفر: تكلّم الأخفش على أن الكلالة هو الميّت فإن كان للورثة قدّرته ذا كلالة. أَوِ امْرَأَةٌ ويقال مرأة وهو الأصل. وَلَهُ أَخٌ الأصل أخو يدلّ على ذلك أخوان فحذف منه وغيّر على غير قياس. وقال محمد بن يزيد حذف منه للتثبّت والأصل في أخت أخوة. قال الفراء: ضمّ أول أخت لأن المحذوف منها واو وكسر أول بنت لأن المحذوف منها ياء. فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ابتداء أو بالصفة. غَيْرَ مُضَارٍّ نصب على الحال أي يوصي بها غير مضارّ وبيّن رسول الله ﷺ أنّ الموصى بأكثر من الثلث مضارّ وَصِيَّةٍ مصدر. وَاللَّهُ عَلِيمٌ أي بمن أطاعه. حَلِيمٌ أي عمّن عصاه فأما قوله جلّ وعزّ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا فقيل معناه «عليما» بما لكم فيه من المصلحة «حكيما» بما قسم من هذه الأموال، وقال الحسن: «إنّ الله كان عليما» بخلقه قبل أن يخلقهم «حكيما» بما يدبّرهم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>[سورة النساء (٤): آية ١٣]</span>\nتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)\nتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ابتداء وخبر. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ شرط يُدْخِلْهُ مجازاة، ويجوز في الكلام يدخلهم على المعنى، ويجوز من يطيعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>[سورة النساء (٤): آية ١٥]</span>\nوَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)\nوَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ابتداء، والخبر فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً","vol":"1","page":204},{"text":"مِنْكُمْ\nولا يجوز أن تكون اللاتي إلّا النساء. فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ. قال أبو جعفر: قد بيّنا أن هذا منسوخ فإنّ المرأة كانت إذا زنت حبست فنسخ ذلك بحديث النبي ﷺ «قد جعل الله لهنّ سبيلا» «١» ولولا الحديث لكان الحبس واجبا مع الضرب ونسخ عن الزانية المحصنة الحبس بالرّجم، والرجم سنّة فقد نسخ القرآن الحديث بلا مدفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>[سورة النساء (٤): آية ١٦]</span>\nوَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)\nوَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ الأولى أن يكون هذا للرجلين فأما أن يكون للرجل والمرأة على أن يغلّب المذكر على المؤنث فبعيد لأنه لا يخرج الشيء إلى المجاز ومعناه صحيح في الحقيقة. وزعم قوم أنّ قوله فَآذُوهُما منسوخ وقيل، وهو أولى:\nإنه ليس بمنسوخ وإنه واجب أن يؤذيا بالتوبيخ فيقال لهما: فجرتما وفسقتما وخالفتما أمر الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>[سورة النساء (٤): آية ١٧]</span>\nإِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)\nإِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ قيل: هذا لكل من عمل ذنبا، وقيل: هذا لمن جهل فقط والتوبة لكلّ من عمل ذنبا في موضع آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>[سورة النساء (٤): آية ١٨]</span>\nوَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٨)\nقال أبو جعفر: الآية مشكلة والإعراب يبيّن معناها فقوله جلّ وعزّ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ عطف على الذين يعملون السيئات. وفي معناه ثلاثة أقوال:\nفأكثر الناس على أن معنى السيئات هاهنا لما دون الكفر أي ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات ثم تاب عند الموت ولا لمن مات كافرا فتاب يوم القيامة، ويجوز أن يكون معنى «ولا الذين يموتون» ولا الذين يقاربون الموت، وقيل: الذين يعملون السيئات الكفار وغيرهم ثم خصّ الكفار كما قال جلّ وعزّ فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرّحمن: ٦٨] وقول ثالث يكون الذين يعملون السيئات الكفار فيكون المعنى وليست التوبة للكفار الذين يتوبون عند الموت ولا الذين يموتون وهم كفار.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٣١٣، ومسلم في صحيحه الحدود ١٢، ١٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٢١٠، وابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٠٤، والطبري في تفسيره ٤/ ١٩٨.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>[سورة النساء (٤): آية ١٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا «١» أَنْ في موضع رفع أي وراثة النساء والنِّساءَ منصوبات على أحد معنيين يكون بمعنى أن ترثوا من النساء كما ترثون الأموال وقد رويا جميعا في التفسير. روى أبو صالح عن ابن عباس قال: لما مات أبو قيس بن الأسلت جاء ابنه فألقى على امرأة أبيه رداءه وقال: قد ورثتها كما ورثت ماله. وكان هذا حكمهم فإن شاء دخل بها بلا صداق وإن شاء زوّجها وأخذ صداقها فأنزل الله جلّ وعزّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا.\nوفي رواية أخرى كان الرجل يتزوج المرأة فإذا مات عنها قبل أن يدخل بها منعها ابنه من التزويج حتى يرث منها. كَرْهًا مصدر في موضع الحال. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ يجوز أن يكون معطوفا وفي قراءة عبد الله ولا أن تعضلوهنّ «٢» ويجوز أن يكون «كرها» تمام الكلام ثم ابتدأ النهي فقال: «ولا تعضلوهنّ» وذلك أن يكون عند الرجل امرأة لا يريدها فيعضلها أي لا يطلقها لتفتدي منه فذلك محظور عليه قال ابن السلماني: نزلت لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا في أمر الجاهلية ونزلت وَلا تَعْضُلُوهُنَّ في أمر الإسلام، وقال ابن سيرين وأبو قلابة لا يحل له أن يأخذ منها فدية إلّا أن يجد على بطنها رجلا قال الله جلّ وعزّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وقال الضحاك وقتادة:\nالفاحشة المبيّنة النشوز أي فإذا نشزت كان له أن يأخذ الفدية، وقول ثالث إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ إلا أن يزنين فيحبسن في البيوت فيكون هذا قبل النسخ «وأن» في موضع نصب على جميع الأقوال لأنها استثناء ليس من الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>[سورة النساء (٤): آية ٢٠]</span>\nوَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)\nأَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا مصدر في موضع الحال. وَإِثْمًا معطوف عليه. مُبِينًا من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>[سورة النساء (٤): آية ٢١]</span>\nوَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٢١)\nوَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ جملة في موضع الحال.\n_________\n(١) هذه قراءة حمزة والكسائي، وباقي السبعة بفتح الكاف، انظر تيسير الداني ٧٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢٥٩، والبحر المحيط ٣/ ٢١٣.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>[سورة النساء (٤): آية ٢٢]</span>\nوَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢)\nوَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ استثناء ليس من الأول.\nإِنَّهُ كانَ فاحِشَةً خبر كان، ويجوز الرفع على إلغاء «كان» في غير القرآن. وَساءَ سَبِيلًا منصوب على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>[سورة النساء (٤): آية ٢٣]</span>\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ جمع أمّهة يقال: أمّ وأمّهة بمعنى واحد وجاء القرآن بهما. أُمَّهاتُكُمْ اسم ما لم يسمّ فاعله يقوم مقام الفاعل. قال محمد بن يزيد: لأنه مع الفعل جملة كالفاعل ولا يستغني عنه الفعل كما لا يستغني عن الفاعل. وَبَناتُكُمْ عطف، جمع بنة والأصل بنية والمستعمل ابنة وبنت. قال الفراء: كسرت الباء من بنت لتدلّ الكسرة على حذف الياء. وَأَخَواتُكُمْ عطف جمع أخوة. وَعَمَّاتُكُمْ عطف عليه إلى قوله وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ «أن» في موضع رفع أي وحرّم عليكم الجمع بين الأختين إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ استثناء ليس من الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>[سورة النساء (٤): آية ٢٤]</span>\nوَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)\nوَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عطف وقد بيّنا أنهنّ ذوات الأزواج. يقال: امرأة محصنة أي متزوجة ومحصنة أي حرّة ومنه وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [المائدة: ٥] ومحصنة ومحصنة وحصان أي عفيفة كما قال حسان بن ثابت في عائشة ﵂: [الطويل] ٩٥-\nحصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل «١»\n_________\n(١) الشاهد لحسان بن ثابت في ديوانه ٢٢٨، والإنصاف ٢/ ٧٥٩، ولسان العرب (حصن)، وتاج العروس (حصن)، و(رزن)، وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص ٢٨٩، ولسان العرب (غرت) .","vol":"1","page":207},{"text":"وأصل هذا من قولهم مدينة حصينة أي منيعة فالمحصنة ذات الزوج قد منعها زوجها أن تزوّج غيره والمحصنة الحرّة لأن الإحصان يكون بها والعفيفة الممتنعة من الفسق. إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ استثناء من موجب كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ مصدر على قول سيبويه نصبا، وقيل: هو إغراء أي الزموا كتاب الله ويجوز الرفع أي هذا فرض الله. وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أي كتب الله ذلك عليكم وأحلّ لكم ويقرأ وَأُحِلَّ لَكُمْ «١» ردّا على حرّمت عليكم ما وَراءَ ذلِكُمْ «٢» مفعول. أَنْ تَبْتَغُوا بدل من «ما»، ويجوز أن يكون المعنى لأن وتحذف اللام فتكون «أن» في موضع نصب أو خفض. مُحْصِنِينَ نصب على الحال. فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ شرط، والجواب فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً مصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>[سورة النساء (٤): آية ٢٥]</span>\nوَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)\nوَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا مفعول. أَنْ يَنْكِحَ في موضع نصب أي إلى أن ينكح وَالْمُحْصَناتِ الحرائر ولا الإماء فما ملكت أيمانكم فلينكح من هذا الجنس.\nبَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ابتداء وخبر ويجوز أن يكون مرفوعا بينكح بعضكم من بعض أي فلينكح هذا فتاة هذا فيكون مقدما ومؤخرا أي فمن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض من فتياتكم المؤمنات و«بعضكم» مرفوع بهذا التأويل محمول على المعنى. فَإِذا أُحْصِنَّ صحيحة عن ابن عباس وفسّرها:\nتزوّجن، وقال ابن مسعود: فَإِذا أُحْصِنَّ أي أسلمن، وقال عاصم الجحدري فَإِذا أُحْصِنَّ «٣» أي أحصنّ أنفسهن. وهذا أحسن ما قيل في هذه القراءة، وقال هارون القارئ: حدّثنا معمر قال: سألت الزهريّ عن قوله «فإذا أحصنّ» أو «أحصنّ» فقال:\nالقراءة «أحصنّ» ومعنى أحصنّ عففن: وقيل: أسلمن. قال أبو جعفر: وهذا غير معروف عن الزهري إلا من هذا الطريق ولا يصحّ له معنى لا يكون فإذا عففن فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ وكذا يبعد مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ فإذا أسلمن والصحيح ما رواه عن الزهري قال: سألته عن الأمة تزني، فقال: إذا كانت متزوّجة جلدت بالكتاب فإذا كانت\n_________\n(١) هذه قراءة السبعة عدا حمزة والكسائي، انظر تيسير الداني ٧٩، والحجة لابن خالويه ٥٨.\n(٢) هذه قراءة حفص وحمزة والكسائي، انظر تيسير الداني ٧٩.\n(٣) قراءة حمزة والكسائي بفتح الهمزة والصاد والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد، انظر تيسير الداني ٧٩.","vol":"1","page":208},{"text":"غير متزوّجة جلدت بالسّنّة، وروى معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنّ النبي ﷺ سئل عن الأمة التي لم تحصن فقال: «إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها، ثم قال في الثالثة أو الرابعة وبيعوها ولو بضفير» «١» فهذا يبيّن أنّ الله ﷿ لمّا أوجب على الأمة إذا زنت وقد تزوّجت نصف حدّ الحرّة أشكل عليهم أمرها إذا لم تتزوج فسألوا عنه فأجيبوا أنّ عليها ما على المتزوجة فتبيّن من هذا أن الإحصان هاهنا التزويج، وقد قيل: إن المعنى فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب يعني به المتزوّجات وأن على المتزوّجة الحرّة إذا زنت ضرب مائة بكتاب الله جلّ وعزّ والرّجم بسنّة رسول الله ﷺ، والرّجم لا يتبعّض فوجب أن يكون عليها نصف الجلد. وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ابتداء وخبر أي الصبر خير لكم. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>[سورة النساء (٤): آية ٢٦]</span>\nيُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)\nيُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي ليبيّن لكم أمر دينكم وما يحلّ لكم وما يحرم عليكم وقال بعد هذا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [النساء: ٢٨] فجاء هذا بأن والأول باللام فقال الفراء «٢»: العرب تأتي باللام على معنى كي في موضع أن في أردت وأمرت فيقولون: أردت أن تفعل وأردت لتفعل لأنهما يطلبان المستقبل، ولا يجوز ظننت لتفعل لأنك تقول: ظننت أن قد قمت. قال أبو إسحاق «٣»: وهذا خطأ ولو كانت اللام بمعنى «أن» لدخلت عليها لام أخرى كما تقول: جئت كي تكرمني، ثم تقول: جئت لتكرمني وأنشدنا: [الطويل] ٩٦-\nأردت لكيما يعلم النّاس أنّها ... سراويل قيس والوفود شهود «٤»\nقال: والتقدير أراد به ليبيّن لكم. قال أبو جعفر: وزاد الأمر على هذا حتى سمّاها بعض القراء لام «أن» وقيل: المعنى يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم مثل وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الشورى: ١٥] . وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قال بعض أهل النظر: في هذا دليل على أنّ كلّ ما حرّم قبل هذه الآية علينا قد حرّم على من كان\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ١١٧، والبخاري في صحيحه ٣/ ٩٣ و٨/ ٢١٣، ومسلم في صحيحه- الحدود ٣٢، وأبو داود في سننه ٤٤٦٩، والبيهقي في سننه ٨/ ٢٤٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢٦١.\n(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٤٩٧. [.....]\n(٤) الشاهد لقيس بن سعد بن عبادة في خزانة الأدب ٨/ ٥١٤، ولسان العرب (سرل)، والكامل للمبرد ٢/ ٤٥٦، وبلا نسبة في رصف المعاني ٢١٥.","vol":"1","page":209},{"text":"قبلنا. قال أبو جعفر: وهذا غلط لأنه قد يكون المعنى ويبيّن لكم أمر من قبلكم ممن كان يجتنب ما نهي عنه، وقد يكون يبيّن لكم كما بيّن لمن قبلكم من الأنبياء ولا يومى به إلى هذا بعينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا (٢٨)\nوَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ابتداء وخبر وأن في موضع نصب بيريد وكذا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ. وَخُلِقَ الْإِنْسانُ اسم ما لم يسمّ فاعله «١» . ضَعِيفًا على الحال. ومعناه أنّ هواه يستميله وشهوته وغضبه يستخفّانه وهذا أشدّ الضعف فاحتاج إلى التخفيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>[سورة النساء (٤): آية ٢٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ أي بالظلم ويدخل في هذا القمار وكلّ ما نهي عنه. إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ «٢» هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقرأ الكوفيون تِجارَةً بالنصب. وهو اختيار أبي عبيد. قال أبو جعفر: النصب بعيد من جهة المعنى والإعراب. فأما المعنى فإن هذه التجارة الموصوفة ليس فيها أكل الأموال بالباطل فيكون النصب، وأما الإعراب فيوجب الرفع لأن «أن» هاهنا في موضع نصب لأنها استثناء ليس من الأول «وتكون» صلتها، والعرب تستعملها هاهنا بمعنى وقع فيقولون: جاءني القوم إلّا أن يكون زيد ولا يكاد النصب يعرف. وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ نهي: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا أي فبرحمته نهاكم عن هذا ومنع بعضكم من بعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>[سورة النساء (٤): آية ٣٠]</span>\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي من يقتل نفسه، ويجوز أن يكون المعنى من يفعل شيئا مما تقدّم النهي عنه. فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا حذفت الضمة من الياء لثقلها. وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا اسم كان وخبرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>[سورة النساء (٤): آية ٣١]</span>\nإِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)\nإِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ جمع كبيرة وهمز الجمع لالتقاء الساكنين ولم يكن للياء\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه (٢٥) .\n(٢) انظر تيسير الداني ٧٩.","vol":"1","page":210},{"text":"خطّ في التحريك فتحرّك. ومعنى اجتنبت الشيء تركته جانبا. نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ عطف، ويجوز في غير القرآن النصب على الصرف عند الكوفيين وبإضمار «أن» عند البصريين، ويجوز الرفع بقطعه من الأول. قرأ أبو عمرو وأكثر الكوفيين وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا وهو المصدر، وقرأ أهل المدينة وعاصم وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا «١» بمعنى فتدخلون مدخلا كريما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>[سورة النساء (٤): آية ٣٢]</span>\nوَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)\nقُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا نهى الله جلّ وعزّ عن الحسد. والعرب تقول: حسد فلان فلانا، إذا تمنّى أن يتحوّل إليه ماله والتقدير ولا تتمنّوا تحويل ما فضّل الله به بعضكم على بعض فإن تمنّى أن يكون له مثل ماله ولا يتحوّل عنه قيل غبطه ولم يقل حسده. وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ وقرأ الكسائي وسلوا «٢» بلا همز ألقى حركة الهمزة على السين. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا أي قد علم ما لكم فيه الصلاح فلا يحسد بعضكم بعضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>[سورة النساء (٤): آية ٣٣]</span>\nوَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)\nوَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ إذا جاءت «كلّ» مفردة فلا بد من أن يكون في الكلام حذف عند جميع النحويين حتى إنّ بعضهم أجاز: مررت بكلّ يا فتى، مثل «قبل» و«بعد»، وتقدير الحذف ولكلّ أحد جعلنا موالي، وجواب آخر أن يكون ولكلّ شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي ورّاثا أي أولى بالميراث والذين عاقدت أيمانكم «٣» أي بالحلف، وقرأ حمزة وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ أي بالحلف، وقرأ حمزة. والّذين عقدت أيمانكم وهي قراءة بعيدة لأن المعاقدة لا تكون إلّا من اثنين فصاعدا فبابها فاعل، وقراءة حمزة تجوز على غموض من العربية يكون التقدير فيها والذين عقدتهم أيمانكم الحلف وتعدّى إلى مفعولين والتقدير عقدت لهم أيمانكم الحلف ثم حذف اللام مثل وَإِذا كالُوهُمْ [المطففين: ٣] أي كالوا لهم وحذف المفعول الأول لأنه متصل في الصّلة. فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فيه قولان: قال الحسن\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٧٩، وقرأ الباقون بضمّ الميم.\n(٢) انظر تيسير الداني ٧٩، والبحر المحيط ٣/ ٢٤٦.\n(٣) هي قراءة السبعة سوى حمزة والكوفيين، انظر البحر المحيط ٣/ ٢٤٧.","vol":"1","page":211},{"text":"وقتادة هي منسوخة «١» بالمواريث، وقيل: هي منسوخة بقوله: أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال: ٧٥] وهذان واحد، والقول الآخر أنّ مجاهدا قال: معناه فآتوهم نصيبهم من النصر كما وعدتموهم أي ليست منسوخة. قال أبو جعفر: قول مجاهد أولى لأنه إذا ثبتت التلاوة لم يقع النسخ إلّا بإجماع أو دليل. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا أي قد شهد معاقدتكم إياهم وهو جلّ وعزّ يحبّ الوفاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>[سورة النساء (٤): آية ٣٤]</span>\nالرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)\nالرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ابتداء وخبر أي يقومون بالنفقة عليهنّ والذبّ عنهن يقال: قوّام وقيّم، بِما فَضَّلَ اللَّهُ «ما» مصدر فلذلك لم يحتج إلى عائد وفضّل الله جل وعز الرجال على النساء بجودة العقل وحسن التدبير. وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ في المهور حتى صرن لهم أزواجا وصارت نفقتهنّ عليهم. فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ ابتداء خبر. قال الفراء: وفي حرف عبد الله فالصالحات قوانت حوافظ. قال أبو جعفر:\nوهذا جمع مكسّر مخصوص به المؤنث بِما حَفِظَ اللَّهُ وفي قراءة أبي جعفر بما حفظ الله بالنصب. وقد ذكرناه، ولكن نشرحه بعناية الشرح هاهنا. الرفع أبين أي حافظات لمغيب أزواجهن بحفظ الله جلّ وعزّ وتسديده، وقيل: بما حفظهن الله في مهورهن وعشرتهن، وقيل: بما استحفظهن الله إياه من أداء الأمانات إلى أزواجهن، والنصب بمعنى بالشيء الذي حفظ الله أي بالدين أو العقل الذي حفظ أمر الله. وقيل:\nبحفظ الله أي بخوف مثل ما حفظت الله جلّ وعزّ، وقيل: التقدير بما حفظن الله ثم وحّد الفعل كما قال: [المتقارب] ٩٧-\nفإنّ الحوادث أودى بها «٢»\nوَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ في موضع رفع بالابتداء، وتقديره على قول سيبويه «٣»:\n_________\n(١) انظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ١٠٥.\n(٢) الشاهد للأعشى في ديوانه ص ٢٢١، وخزانة الأدب ١١/ ٤٣٠، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٧٧، وشرح شواهد الإيضاح ٣٤٦، وشرح المفصل ٥/ ٩٥، ولسان العرب (حدث) و(ودي)، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٦٦، وبلا نسبة في الإنصاف ص ٧٦٤، ورصف المباني ١٠٣، وشرح الأشموني ١/ ١٧٥، والكتاب ٢/ ٤٢.\n(٣) انظر الكتاب ١/ ١٩٦.","vol":"1","page":212},{"text":"وفيما فرض عليكم، وعند غيره التقدير أنّ الخبر فَعِظُوهُنَّ وقيل: «اللاتي» في موضع نصب على قراءة من قرأ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] فقول أبي عبيدة والفراء «١» تخافون بمعنى توقنون وتعلمون مردود غير معروف في اللغة وتخافون على بابه أي تخافون أن يكون منهم هذا لما تقدّم. فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ فيه ثلاثة أقوال: فمنها أن يهجرها في المضجع أي وقت النوم، وقيل:\nالمعنى وبيّنوا عليهنّ بكلام غليظ وتوبيخ شديد من قولهم: أهجر إذا أفحش لأن أبا زيد حكى: هجر وأهجر، وقال صاحب هذا القول: النشوز التنحية عن المضجع فكيف يهجرها فيما تنحّت عنه، والقول الثالث: إنّ حفص بن غياث روى عن الحسن بن عبيد عن أبي الضحى عن ابن عباس في قول الله جلّ وعزّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ «٢» قال: هذا كلّه في أمر المضجع فإن رجعت إلى المضجع لم يضربها. قال أبو جعفر: وهذا أحسن ما قيل في الآية أي اضربوهنّ من أجل المضاجع كما تقول: هجرت فلانا في الكذب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>[سورة النساء (٤): آية ٣٥]</span>\nوَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)\nوَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما شرط. فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها جوابه.\nإِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما قيل الضميران للحكمين لأنهما إذا أرادا الإصلاح قصدا الحق فوفّقهما الله جلّ وعزّ: وقيل: الضميران للزوجين لأنه لا يقال: حكم إلّا لمن يريد الصلاح، وقيل: الضمير الأول للحكمين والثاني للزوجين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>[سورة النساء (٤): آية ٣٦]</span>\nوَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا (٣٦)\nوَاعْبُدُوا اللَّهَ أمر فلذلك حذفت منه النون. وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا نهي.\nوَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا مصدر. قال الفراء «٣»: ويجوز وبالوالدين إحسان «٤» ترفعه بالباء لأن الفعل لم يظهر. وَبِذِي الْقُرْبى خفض بالباء. وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٦٥، والبحر المحيط ٣/ ٢٥٢.\n(٢) البحر المحيط ٣/ ٢٥٢.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٢٦٦، وهذه قراءة ابن أبي عبلة.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٢٦٧.","vol":"1","page":213},{"text":"عطف كلّه. قال الفراء «١»: وفي مصاحف أهل الكوفة العتق ذا القربى ويجب على هذا أن يقرأ والجار ذا القربى تنصبه على إضمار فعل وتنصب ما بعده. وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ قال الأخفش: الجار الجنب المجانب للقرابة أي ليس بينك وبينه قرابة، وحكى والجار الجنب وأنشد:\n٩٨-\nالناس جنب والأمير جنب «٢»\nوالجنب الناحية أي المتنحّي عن القرابة، وقال أبو عبد الرّحمن: سألت أبا مكوزة الأعرابي عن الصّاحب بالجنب فقال: هو الذي بجنبك، وكذا قال الأخفش هو الذي بجنبك. يقال: فلان بجنبك وإلى جنبك، وحكى الأخفش مفعلة والجار الجانب، وقال أبو عبد الرّحمن: سألت أبا مكوزة عن الجار الجنب فقال: هو الذي يجيء ويحلّ حيث يحل تقع عليه عينك. وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ في موضع خفض أي وأحسنوا بما ملكت أيمانكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>[سورة النساء (٤): آية ٣٧]</span>\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (٣٧)\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ في موضع نصب على البدل من «من» ويجوز أن يكون في موضع رفع بدلا من المضمر الذي في فخور ويجوز أن يكون في موضع رفع فتعطف عليه وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ ويكون الخبر «إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّة أي لا يظلمهم» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>[سورة النساء (٤): آية ٣٨]</span>\nوَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا (٣٨)\nوَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ يكون في موضع رفع على ما ذكرنا آنفا، ويجوز أن يكون في موضع نصب تعطفه على الذين إذا كان بدلا من من، ويجوز أن يكون في موضع خفض تعطفه على «الكافرين» . وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا شرط فلا يجوز حذف النون منه لأنها متحركة وأما المعنى فيكون «من قبل من الشيطان في الدنيا فقد قارنه»، ويجوز أن يكون المعنى «من قرن به الشيطان في النار» . فَساءَ قَرِينًا منصوب على البيان أي فساء الشيطان قرينا. وقرين فعيل من الاقتران والاصطحاب كما قال: [الطويل]\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٦٧. [.....]\n(٢) الشاهد في لسان العرب وتاج العروس (جنب) بلا نسبة.","vol":"1","page":214},{"text":"٩٩-\nعن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإنّ القرين بالمقارن مقتدي «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>[سورة النساء (٤): آية ٣٩]</span>\nوَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)\nوَماذا عَلَيْهِمْ «ما» في موضع رفع بالابتداء و«وذا» خبر «ما» و«ذا» بمعنى:\nالذي، ويجوز أن يكون «ما» و«ذا» اسما واحدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>[سورة النساء (٤): آية ٤٠]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)\nوَإِنْ تَكُ حَسَنَةً اسم «تك» بمعنى تحدث، ويجوز أيضا أن تنصب حسنة على تقدير: وإن تك فعلته حسنة. يُضاعِفْها جواب الشرط. وَيُؤْتِ عطف عليه. مِنْ لَدُنْهُ في موضع خفض بمن إلّا أنها غير معربة لأنها لا تتمكّن و«عند» قد تمكّنت فنصبت وخفضت، وتمكّنها أنّك تقول: هذا القول عندي صواب ولا تقول: هذا القول لدي صواب. أَجْرًا مفعول. عَظِيمًا من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>[سورة النساء (٤): آية ٤١]</span>\nفَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١)\nفَكَيْفَ إِذا جِئْنا فتحت الفاء لالتقاء الساكنين. إِذا ظرف زمان والعامل فيه جِئْنا. وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>[سورة النساء (٤): آية ٤٢]</span>\nيَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)\nيَوْمَئِذٍ ظرف، وإن شئت كان مبنيا و«إذ» مبنية لا غير والتنوين فيها عوض مما حذف. وَعَصَوُا الرَّسُولَ ضمّت الواو لالتقاء الساكنين، ويجوز كسرها. لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ «٢» قال أبو جعفر: قد ذكرناه. وقيل: معناه لو لم يبعثوا، لأنهم لو لم يبعثوا لكانت الأرض مستوية عليهم لأنهم من التراب نقلوا. وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا «٣» . قال أبو جعفر: قد ذكرناه، وذكرنا قول قتادة أن القيامة مواطن ومعناه أنهم لما تبيّن لهم وحوسبوا لم يكتموا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>[سورة النساء (٤): آية ٤٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى ابتداء وخبر في موضع نصب\n_________\n(١) الشاهد في ديوان طرفة ١٥٣، وهو لعدي بن زيد في تفسير الطبري ٥/ ٨٨.\n(٢) انظر القراءات في البحر المحيط ٣/ ٢٦٣.\n(٣) انظر البحر المحيط ٣/ ٢٦٤.","vol":"1","page":215},{"text":"على الحال، ويقال: سكارى «١» ولم ينصرف لأن في آخره ألف التأنيث. حَتَّى تَعْلَمُوا نصب بحتى. وَلا جُنُبًا عطف على الموضع أي ولا تقربوا الصلاة جنبا. إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ نصب على الحال. قال الأخفش: كما تقول: لا تأتني إلّا راكبا. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا معنى الآية إلّا أنها مشكلة من أحكام القرآن فنزيدها شرحا. قال الضحاك: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى أي من النوم. وهذا القول خطأ من جهات: منها أنه لا يعرف في اللغة، والحديث على غيره ولا يجوز أن يتعبد النائم في حال نومه فثبت أن سكارى من السكر الذي هو شرب، وقوله حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ بدل على أنّ من كان يعلم ما يقول فليس سكران. وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ فيه قولان:\nأحدهما أنّ المعنى لا تصلّوا وقد أجنبتم، ويقال: أجنبتم وجنبتم وجنبتم إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ إلّا مسافرين فتتيّممون فتصلّون فيجب على هذا أن يكون الجنب ليس له أن يتيمّم إلّا أن يكون مسافرا. وهذا قول عمر بن الخطاب ﵁ وعبد الله بن مسعود ﵀، والقول الآخر: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ لا تقربوا موضع الصلاة وهو المسجد إلّا عابري سبيل إلّا جائزين كما قال عبد الله بن عمر أيتخطأ الجنب المسجد؟\nفقال: نعم ألست تقرأ: «إلّا عابري سبيل»، وهذا مذهب علي ابن أبي طالب ﵁ وابن عباس وأنس بن مالك ﵏ أنّ للجنب أن يتيمّم في الحضر. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أي مرضى لا تقدرون معه على تناول الماء أو تخافون التلف من برد أو جراح.\nأَوْ عَلى سَفَرٍ لا تجدون فيه الماء أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ قد ذكرنا أنّ بعض الفقهاء قال «٢»: «أو» بمعنى الواو وإنّما احتاج إلى هذا لأن المرض والسفر ليسا بحدثين والغائط حدث، والحذّاق من أهل العربية لا يجيزون أن يكون «أو» بمعنى الواو لاختلافهما فبعضهم يقول: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، وإن كنتم جنبا فاطهّروا» أي وإن كنتم جنبا وأردتم الصلاة. والتقديم والتأخير لا ينكر كما قال الله جلّ وعزّ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه: ١٢٩] أي ولولا كلمة سبقت من ربّك وأجل مسمّى، وقال امرؤ القيس: [الطويل] ١٠٠-\nفلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال «٣»\nوقيل: في الكلام حذف بلا تقديم ولا تأخير، والمعنى: وإن كنتم مرضى أو\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه (٢٦) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٢٦٨.\n(٣) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ٣٩، والكتاب ١/ ١٣١، والإنصاف ١/ ٨٤، وتذكرة النحاة ٣٣٩، وخزانة الأدب ١/ ٣٢٧، والدرر ٢/ ١١٠، ٥/ ٣٢٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٥، وهمع الهوامع ٢/ ١١٠.","vol":"1","page":216},{"text":"على سفر وقد قمتم إلى الصلاة محدثين فتيمّموا صعيدا طيبا وكذا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: ٦] معناه إذا قمتم محدثين. أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ في معناه ثلاثة أقوال: منها أن يكون لمستم جامعتم ومنها أن يكون لمستم باشرتم ومنها أن يكون لمستم يجمع الأمرين جميعا ولامستم بمعناه عند أكثر الناس إلّا أنه حكي عن محمد بن يزيد أنه قال: الأولى في اللغة أن يكون لامستم بمعنى قبّلتم أو نظيره لأن لكل واحد منهما فعلا فقال: ولمستم بمعنى غشيتم ومسستم وليس للمرأة في هذا فعل. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا أي يقبل العفو وهو السهل. غَفُورًا للذنوب. ومعنى غفر الله ذنبه ستر عنه عقوبته فلم يعاقبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>[سورة النساء (٤): آية ٤٤]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)\nأَلَمْ تَرَ حذفت الألف للجزم، والأصل الهمز فحذفت استخفافا. إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ في موضع نصب على الحال. وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>[سورة النساء (٤): آية ٤٥]</span>\nوَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)\nوَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ روي عن الحسن وأبي عمرو أنهما أدغما الميم في الباء «١»، ولا يجوز ذلك لأن في الميم غنّة فلو أدغمتها لذهبت. وَكَفى بِاللَّهِ الباء زائدة زيدت لأن المعنى اكتفوا بالله وَلِيًّا على البيان، وإن شئت على الحال، وكذا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>[سورة النساء (٤): آية ٤٦]</span>\nمِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (٤٦)\nمِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وقرأ أبو عبد الرّحمن والنخعي يحرّفون الكلام عن مواضعه «٢» . قال أبو جعفر: والكلم في هذا أولى لأنهم إنما يحرّفون كلم النبيّ ﷺ أو ما عندهم في التوراة وليس يحرفون جميع الكلام. ومعنى يحرفون يتأولون على غير تأويله وذمهم الله جل وعز بذلك لأنهم يفعلونه متعمّدين.\nوَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ نصب على الحال. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا قول ابن عباس: معناه لا سمعت وشرحه اسمع لا سمعت. هذا مرادهم ويظهرون أنّهم يريدون اسمع غير\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٨٠.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٢٦، وهي قراءة علي بن أبي طالب أيضا.","vol":"1","page":217},{"text":"مسمع مكروها ولا أذى، وأما قول الحسن: معناه غير مسمع منك أي غير مجاب إلى ما تقوله فلو كان كذا لكان في اللفظ غير مسموع منك. وَراعِنا قال الأخفش: أي وراعنا سمعك أي ارعنا، وقيل: يريدون بقولهم وراعنا أي وراعنا مواشينا استخفافا بمخاطبة رسول الله ﷺ. قال أبو جعفر: وشرح هذا- والله أعلم- أنهم يظهرون بقولهم: راعنا أرعنا سمعك ويريدون المراعاة يدلّ على هذا قوله ﷿: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ أي إنهم يلوون ألسنتهم أي يميلونها إلى ما في قلوبهم ويطعنون في الدين أي يقولون لأصحابهم: لو كان نبيا لدرى أنّا نسبّه فأظهر الله جلّ وعزّ النبي ﷺ على ذلك وكان من علامات نبوته، ونهاهم عن هذا القول. لَيًّا مصدر وإن شئت كان مفعولا من أجله وأصله لويا ثم أدغمت الواو في الياء. وَطَعْنًا معطوف عليه. وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا «أنّ» في موضع رفع أي لو وقع هذا وقيل: إنّما وقعت «إنّ» في موضع الفعل لأنه لا بد من أن يكون بعدها جملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>[سورة النساء (٤): آية ٤٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)\nمُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ نصب على الحال. مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ويقال: نطمس ويقال في الكلام: طسم يطسم ويطسم بمعنى طمس، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا اسم كان وخبرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>[سورة النساء (٤): آية ٤٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)\nإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ قال أبو جعفر: قد ذكرناه ونزيده بيانا. فهذا من المحكم وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ من المتشابه الذي قد تكلم فيه العلماء فقال بعضهم: كان هذا متشابها حتى بيّن الله جلّ وعزّ ذلك بالوعيد، وقال محمد بن جرير «١»: «قد أبانت هذه الآية أنّ كلّ صاحب كبيرة ففي مشيئة الله جلّ وعزّ، إن شاء عفا عنه ذنبه وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله جلّ وعزّ» . وقال بعضهم:\nقد بيّن الله جلّ وعزّ بقوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء: ٣١] فأعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفرها لمن أتى الكبائر، وقول ثالث أنّ المعنى في «لمن يشاء» لمن تاب ويكون إخبارا بعد إخبار أنه يغفر الشرك وجميع الذنوب لمن تاب «فأن» في موضع نصب بيغفر، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى أن الله لا يغفر ذنبا مع أن يشرك به وبأن يشرك به، ويجوز على\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري ٥/ ١٢٦.","vol":"1","page":218},{"text":"مذهب جماعة من النحويين على هذا الجواب أن يكون «أن» في موضع جرّ. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شرط وجوابه فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا أي اختلق ومنه افترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه وفريت الشيء قطعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>[سورة النساء (٤): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ أي يسمّيه مطيعا ووليا ثم عجب النبي ﷺ من ذلك فقال: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه وهذه التزكية. وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>[سورة النساء (٤): آية ٥١]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وهما كلّ ما عبد من دون الله جلّ وعزّ وإيمانهم بالجبت والطاغوت قولهم لمن عبد الأوثان: هؤُلاءِ أَهْدى من المؤمنين الموحّدين وقول ابن عباس: الجبت والطاغوت كعب بن الأشرف، وحييّ بن أخطب ليس بخارج من ذاك. وإنما هو على التمثيل لهما بالجبت والطاغوت لأنهم أطاعوهما في تكذيب رسول الله ﷺ. سَبِيلًا على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>[سورة النساء (٤): آية ٥٢]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)\nأُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>[سورة النساء (٤): آية ٥٣]</span>\nأَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)\nأَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ لأنهم أنفوا من اتباع النبي ﷺ، والتقدير أهم أولى بالنبوة ممن أرسلته أم لهم نصيب من الملك، ودلّ على هذا الحذف دخول أم على أول الكلام لأنه قد علم أنّ قبلها شيئا محذوفا. فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أي يمنعون الحقوق خبّر الله جلّ وعزّ بما يعلمه منهم. قال سيبويه: «إذن» «١» في عوامل الأفعال بمنزلة أظنّ في عوامل الأسماء أي تلغى إذا لم يكن الكلام معتمدا عليها فإن كانت في أول الكلام وكان الذي بعدها مستقبلا نصبت لا غير، وإن كان قبلها فاء أو واو جاء الرفع والنصب فالرفع على أن تكون الفاء ملصقة بالفعل والنصب على أن تكون الفاء ملصقة بإذن، ويجوز على هذا في غير القرآن فإذن لا يؤتوا الناس نقيرا، والناصب للفعل عند سيبويه «إذا» لمضارعتها أن.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ١١.","vol":"1","page":219},{"text":"والناصب عند الخليل «أن» مضمرة بعد إذن ولا ينتصب فعل عنده إلّا بأن مظهرة أو مضمرة، وزعم الفراء «١» أن إذن تكتب بالألف وأنها منونة. قال أبو جعفر: وسمعت علي ابن سليمان يقول: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول: أشتهي أن أكوي يد من يكتب إذن بالألف لأنها مثل «لن» و«أن»، ولا يدخل التنوين في الحروف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>[سورة النساء (٤): آية ٥٤]</span>\nأَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)\nأَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ لأنهم حسدوا النبي ﷺ. فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ أي هم مقرّون بهذا فلم يحسدون من فضّله الله به؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>[سورة النساء (٤): آية ٥٥]</span>\nفَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)\nفَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ بالنبي ﷺ لأنه قد تقدم ذكره وهو المحسود، ويكون به للقرآن لأنه قد تقدّم ذكره، ويكون به للكتاب. وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا أي لمن صدّ عنه. وسعير بمعنى مسعورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>[سورة النساء (٤): آية ٥٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا اسم «إنّ» والخبر سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا. كُلَّما ظرف.\nنَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بالإدغام لأن التاء من طرف اللسان والجيم من وسطه والإظهار أحسن لئلا تجتمع الجيمات. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا في معناه قولين يرجعان إلى معنى واحد، وهو أنّ المعنى إنا نعيد النضيج غير نضيج وإنما يقع الألم على النفس لأنها التي تحس وتعرف، ومثله كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا [الإسراء: ٩٧] أي يعيد النضيج غير نضيج حتّى تسعر النار كما يقال: تبدّلت بعدنا أي تغيّرت. لِيَذُوقُوا منصوب بلام كي وهي بدل من «أن» .\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا أي لا يعجزه شيء ولا يفوته حَكِيمًا في إيعاده عباده وفي جميع أفعاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>[سورة النساء (٤): آية ٥٧]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًاّ ظَلِيلًا (٥٧)\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ موضع الذين نصب على العطف على ما يجب من\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٧٣.","vol":"1","page":220},{"text":"اللفظ، وإن شئت كان رفعا وهو أجود على الموضع وإن شئت على الابتداء، والذين:\nغير معرب لأنه لو أعرب لأعرب وسط الاسم، وقيل: لأنه لا يقع إلّا لغائب وفتحت النون لأنه جمع وقيل: لأن قبلها ياء، وقيل: لأنها بمنزلة شيء ضمّ إلى شيء. وفيها لغات فاللغة التي جاء بها القرآن «الذين» في موضع الرفع والخفض والنصب، وبنو كنانة يقولون: الذون في موضع الرفع، ومن العرب من يقول: اللاذون في موضع الرفع والخفض، ومنهم من يقول: اللذيّون. وفي التثنية أربع لغات أيضا: يقال: اللذان بتخفيف النون، واللذانّ بتشديدها يشدّد عوضا مما حذف، وقيل ليفرق بينها وبين ما يحذف في الإضافة، ويقال: اللّذيّان بتشديد الياء، ويقال: اللّذا بغير نون وأنشد سيبويه: [الكامل] ١٠١-\nأبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا «١»\nوفي الواحد لغات يقال: جاءني الذي كلّمك، وجاءني اللذ كلمك بكسر الذال بغير ياء، واللّذ بإسكان الذال كما قال:\n١٠٢-\nكاللّذ تزبّى زيبة فاصطيدا «٢»\nويقال: الذي بتشديد الياء وطيء تقول: جاءني ذو قال ذاك، بالواو، ورأيت ذو قال ذاك، ومررت بذو قال ذاك، بمعنى الذي. سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ مفعولان، ومذهب سيبويه «٣» أنّ التقدير: في جنّات فحذفت «في» . تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ نعت لجنات. خالِدِينَ نعت أيضا لأنه قد عاد الذكر، وإن شئت كان نصبا على الحال.\nأَبَدًا ظرف زمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>[سورة النساء (٤): آية ٥٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ فعل مستقبل وإسكان الراء لحن. أَنْ تُؤَدُّوا في موضع نصب.\nوالأصل بأن تؤدّوا، والمصدر تأدية. والاسم الأداء وقد ذكرنا نِعِمَّا في «سورة البقرة» «٤» .\n_________\n(١) الشاهد للأخطل في ديوانه ص ٣٨٧، والأزهيّة ٢٩٦، والاشتقاق ٣٣٨، وخزانة الأدب ٣/ ١٨٥، والدرر ١/ ١٤٥، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٥٣٦، وشرح التصريح ١/ ١٣٢، وشرح المفصّل ٣/ ١٥٤، والمقتضب ٤/ ١٤٦، وتاج العروس (لذي)، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٦٢، وأوضح المسالك ١/ ١٤٠، وخزانة الأدب ٨/ ٢١٠، ورصف المباني ٣٤١، وما ينصرف وما لا ينصرف ٨٤، والمحتسب ١/ ١٨٥، والمنصف ١/ ٦٧.\n(٢) الشاهد بلا نسبة في الكامل ١٨، والخزانة ٢/ ٤٩٨، وصدره:\n«فأنت والأمر الذي قد كيدا» [.....]\n(٣) انظر الكتاب ١/ ٤٨٠.\n(٤) انظر إعراب الآية ٢٧١- البقرة.","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-503>[سورة النساء (٤): آية ٥٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)\nذلِكَ خَيْرٌ ابتداء وخبر. وَأَحْسَنُ عطف على خير. تَأْوِيلًا على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>[سورة النساء (٤): آية ٦٠]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (٦٠)\nيُرِيدُونَ في موضع نصب على الحال. أَنْ يَتَحاكَمُوا مفعول. إِلَى الطَّاغُوتِ قد ذكرنا قول الضحاك «١»: أنه يراد به كعب بن الأشرف وهذا عند أهل اللغة كلّ ما عبد من دون الله، ويروى أن تحاكمهم إلى الطاغوت أنهم كانوا يجيلون القداح فإذا أخرج القدح المكتوب عليه افعل أو لا تفعل قالوا قد حكم الطاغوت علينا بهذا يفعلون هذا بين يدي الأصنام. وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ أي بذلك ضَلالًا بَعِيدًا محمول على المعنى أي فيضلون ضلالا بعيدا ومثله وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (١٧) [نوح: ١٧] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>[سورة النساء (٤): آية ٦١]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)\nيَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا اسم للمصدر عند الخليل والمصدر الصدّ والكوفيون يقولون: هما مصدران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>[سورة النساء (٤): آية ٦٢]</span>\nفَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)\nفَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ أي من ترك الاستعانة بهم وما يلحقهم من الذلّ نحو فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا [التوبة: ٨٣] . ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ حال، إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْسانًا «إن» بمعنى «ما» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>[سورة النساء (٤): آية ٦٣]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)\nأُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ ابتداء وخبر. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي لا تقبل عذرهم. وَعِظْهُمْ خوّفهم العقاب. وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا أي من الوعيد يبلغ منهم. وقد بلغ الرجل بلاغة ورجل بليغ يبلغ بلسانه كنه ما في قلبه، والعرب\n_________\n(١) انظر إعراب آية ٥١- النساء.","vol":"1","page":222},{"text":"تقول: أحمق بلغ وبلغ أي نهاية في الحماقة، وقيل: معناه يبلغ ما يريد وإن كان أحمق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>[سورة النساء (٤): آية ٦٤]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ «من» زائدة للتوكيد. وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ «أنّ» في موضع رفع أي لو وقع هذا لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا أي قابلا لتوبتهم وهما مفعولان لا غير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>[سورة النساء (٤): آية ٦٥]</span>\nفَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)\nفَلا وَرَبِّكَ خفض بواو القسم وهي بدل من الباء لمضارعتها إياها وجواب القسم لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ نصب بحتى وعلامة النصب حذف النون. وقرأ أبو السمّال.\nفِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ «١» بإسكان الجيم وهذا لحن عند الخليل وسيبويه «٢» لا تحذف الفتحة عندهم لخفّتها. ورواه عروة بن الزبير عن أخيه عبد الله عن أبيه قال: خاصمني رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ في ماء كنّا نسقي منه جميعا فقال النبي ﷺ «اسق يا زبير ثم خلّ لجارك، فقال الأنصاريّ: يا رسول الله أن كان ابن عمّتك. فتلوّن وجه النبي ﷺ» «٣» . قال الزبير: ولا أحسب هذه الآية نزلت إلّا فيه فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ وبغير هذا الإسناد أن الأنصاري حاطب بن أب بلتعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>[سورة النساء (٤): آية ٦٦]</span>\nوَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)\nوَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ضممت النون لالتقاء الساكنين واختير الضم لأن التاء مضمومة، وإن شئت كسرت على الأصل، وكذا أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ على البدل من الواو، وأهل الكوفة يقولون: على التكرير ما فعلوه ما فعله إلّا قليل منهم وقرأ عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر ما فعلوه إلّا قليلا منهم نصبا «٤»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٣/ ٢٩٦، وقال: «وكأنه فرّ من توالي الحركات، وليس تعوي لخفّة الفتحة بخلاف الضمة والكسرة» .\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٢٣١.\n(٣) أخرجه البخاري ٥/ ٣٤ في المساقاة باب سكر الأنهار (٣٣٥٩) و(٤٥٨٥)، ومسلم في الفضائل ٤/ ١٨٢٩، وذكره في البحر المحيط ٣/ ٢٩٦.\n(٤) انظر تيسير الداني ٨٠.","vol":"1","page":223},{"text":"على الاستثناء. والرفع أجود عند جميع النحويين، وإنّما صار الرفع أجود لأن اللفظ أولى من المعنى وهو يشتمل على المعنى. وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ أي في الدنيا والآخرة. وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا في أمورهم و«تثبيتا» على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>[سورة النساء (٤): آية ٦٧]</span>\nوَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)\nأي ثوابا في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>[سورة النساء (٤): آية ٦٨]</span>\nوَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)\nأي طريقا إلى الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>[سورة النساء (٤): آية ٦٩]</span>\nوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٦٩)\nوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ شرط والجواب فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ اتباع الأنبياء وَالشُّهَداءِ الذين قاموا بالقسط وشهدوا لله جلّ وعزّ بالحقّ، وقيل: المقتولون في سبيل الله، وقيل: إنما سمّي المقتول شهيدا لأنه شهد لله جلّ وعزّ بالحق وأقام شهادته حتى قتل، وقيل لأنه شهد كرامة الله جلّ وعزّ: وفيه قول ثالث أنه يشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة، ويقال: إن الشهداء عدول يوم القيامة. وقرأ أبو السّمّال العدويّ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا «١» . قال أبو جعفر: وهذا جائز لنقل الضمة، وقال الأخفش «رفيقا» نصب على الحال وهو بمعنى رفقاء، وقال الكوفيون: هو نصب على التفسير لأن العرب تقول: حسن أولئك من رفقاء وكرم زيد من رجل، ودخول «من» يدلّ على أنه مفسّر ذلك الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>[سورة النساء (٤): آية ٧٠]</span>\nذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)\nذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ابتداء وخبر أي ذلك الثواب العظيم تفضل من الله جلّ وعزّ لأنه قد أنعم عليهم في الدنيا فقد كان يجوز أن يكون ذلك النعيم بأعمالهم وفي الحديث «لا يدخل الجنة أحد بعمله» «٢» ففيه جوابان: أحدهما هذا وأنه مثل الآية، والجواب الآخر أنه قد كانت لهم ذنوب وقد كان يجوز أن يجعل العمل جزاء الذنوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>[سورة النساء (٤): آية ٧١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)\nفَانْفِرُوا ثُباتٍ على الحال. الواحد ثبة، ويقال لوسط الحوض: ثبة، وربما توهّم\n_________\n(١) هي لغة تميم كما في البحر المحيط ٣/ ٣٠١، وانظر مختصر ابن خالويه (٢٦) .\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٢٥٦ و٣/ ٤٩٤.","vol":"1","page":224},{"text":"الضعيف في العربية أنهما واحد وأن أحدهما من الآخر، وبينهما فرق، فثبة الحوض يقال في تصغيرها: ثويبة لأنها من ثاب يثوب، ويقال في ثبة الجماعة ثبيّة «١» . أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا نصب على الحال عند سيبويه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>[سورة النساء (٤): آية ٧٢]</span>\nوَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)\nوَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ اللام الأولى لام التوكيد والثانية لام القسم. و«من» في موضع نصب، وصلتها: لَيُبَطِّئَنَّ، لأن فيه معنى اليمين، والخبر مِنْكُمْ وقرأ مجاهد وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ «٢» جاء موحّدا على اللفظ ولو كان قالوا لجاز وكذا في جميع الآية.\nوقرأ ابن كثير وعاصم من رواية حفص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>[سورة النساء (٤): آية ٧٣]</span>\nوَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)\nكَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ومن ذكّر جعل مودة بمعنى الودّ. فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا جواب التمني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>[سورة النساء (٤): آية ٧٤]</span>\nفَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)\nفَلْيُقاتِلْ أمر وحذفت الكسرة من اللام تخفيفا. الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وقد ذكرنا أن معنى يشترون يبيعون أي يبذلون أنفسهم وأموالهم لله بِالْآخِرَةِ أي بثواب الآخرة. وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شرط. فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ عطف عليه. والمجازاة فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>[سورة النساء (٤): آية ٧٥]</span>\nوَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)\nوَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في موضع نصب كما قال ﷿: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر: ٤٩] وَالْمُسْتَضْعَفِينَ قال محمد بن يزيد: أختار أن يكون المعنى: في المستضعفين لأن السبيلين مختلفان كأنّ سبيل المستضعفين خلاصهم. قال أبو إسحاق «٣»: بل الاختيار أن يكون المعنى: وفي سبيل المستضعفين فإنّ خلاص\n_________\n(١) انظر تاج العروس (ثبا) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٠٢.\n(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٥٣٩.","vol":"1","page":225},{"text":"المستضعفين من سبيل الله جلّ وعزّ. الَّذِينَ يَقُولُونَ نعت للمستضعفين، ويجوز أن يكون نعتا للجميع المخفوضين بمن. مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها نعت للقرية وإن كان الفعل للضمير كما تقول: مررت بالرجل العاقل أبوه ولم يقل: الظالمين لأنه نعت يقوم مقام الفعل أي التي ظلم أهلها. وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا أي يستنقذنا منهم. وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا أي ينصرنا عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>[سورة النساء (٤): آية ٧٦]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا (٧٦)\nالَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ. يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فعل مستقبل في موضع الخبر، وكذا وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ قال أبو عبيدة والكسائي: الطاغوت يذكّر ويؤنث.\nقال أبو عبيدة: وإنما ذكّر وأنّث «١» لأنهم كانوا يسمون الكاهن والكاهنة طاغوتا. قال:\nوحدّثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله وسئل عن الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كانت في جهينة واحدة وفي أسلم واحدة وفي كلّ حيّ واحدة. قال أبو إسحاق «٢»: الدليل على أنه الشيطان قوله: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>[سورة النساء (٤): آية ٧٧]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ روي عن ابن عباس: إنّ قوما تمنّوا القتال قبل أن يؤذن فيه فنهاهم النبي ﷺ فلما فرض كرهوه فأنزل الله جلّ وعزّ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ... إلى آخرها. يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف. أَوْ أَشَدَّ عطف على الكاف في موضع نصب، ويجوز أن يكون عطفا على خشية في موضع خفض. كَخَشْيَةِ على البيان. لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ الأصل «لما» حذفت الألف لأنها استفهام. لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ أي هلا ولا يليها إلّا الفعل. قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ابتداء وخبر وكذا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى أي اتّقى المعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>[سورة النساء (٤): آية ٧٨]</span>\nأَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)\n_________\n(١) انظر تاج العروس (طغو) .\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٥٤١. [.....]","vol":"1","page":226},{"text":"أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ شرط ومجازاة و«ما» زائدة. وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ على التكثير. يقال: شاد البنيان وأشاد بذكره. وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ شرط ومجازاة وكذا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ. قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ابتداء وخبر. فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا أي لا يعرفون معناه وتأويله، وقد بين الله جلّ وعزّ لهم فقال: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٢] واللام متصلة عند البصريين والفراء «١» لأنها لام خفض، وحكى ابن سعدان «٢» انفصالها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>[سورة النساء (٤): آية ٧٩]</span>\nما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)\nما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ قال الأخفش: «ما» بمعنى الذي، وقيل: هو شرط. والصواب قول الأخفش لأنه نزل في شيء بعينه من الجدب وليس هذا من المعاصي في شيء ولو كان منها لكان وما أصبت من سيئة وروى مجاهد عن ابن عباس «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك» وأنا كتبتها عليك وهذه قراءة على التفسير. وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا مصدر مؤكّد، ويجوز أن يكون المعنى ذا رسالة. وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>[سورة النساء (٤): آية ٨١]</span>\nوَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)\nوَيَقُولُونَ طاعَةٌ أي أمرنا طاعة أو منّا طاعة. قال الأخفش: ويجوز طاعة بالنصب أي نطيع طاعة. بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ فذكّر الطائفة لأنها في المعنى رجال، وأدغم الكوفيون التاء في الطاء لأنهما من مخرج واحد، واستقبح ذلك الكسائي في الفعل، وهو عند البصريين غير قبيح، وهي قراءة أبي عمرو «٣» . فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أمر أي ثق به. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي ناصرا لك على عدوك وموثوقا به.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٧٨.\n(٢) محمد بن سعدان النحوي، أبو جعفر الضرير، من أصحاب القراء. كان أحد القراء بقراءة حمزة (ت ٢٣١ هـ) . ترجمته في (طبقات الزبيدي ١٥٣) .\n(٣) انظر تيسير الداني ٨٣.","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>[سورة النساء (٤): آية ٨٢]</span>\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (٨٢)\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أي أفلا ينظرون في عاقبته وفي الحديث «لا تدبروا» «١» أي لا يولي بعضكم بعضا دبره، وأدبر القوم مضى أمرهم إلى آخره، ودلّ بهذا على أنه يجب التدبر للقرآن ليعرف معناه وكان في هذا ردّ على من قال: لا يؤخذ تفسير القرآن إلّا عن النبيّ ﷺ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا لأنه ليس من متكلّم يتكلّم بكلام كثير إلا وجد في كلامه اختلاف كثير إمّا في الوصف واللفظ وإما في جودة المعنى وإما في التناقض وإما في الكذب فأنزل جلّ وعزّ القرآن وأمر بتدبره لأنهم لا يجدون فيه اختلافا في وصف من العيوب ولا رذالة في معنى ولا تناقضا ولا كذبا فيما يخبرون به من علم الغيوب ما يسرّون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>[سورة النساء (٤): آية ٨٣]</span>\nوَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلًا (٨٣)\nوَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ في إذا معنى الشرط ولا يجازى بها والمعنى: أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم. أَوِ الْخَوْفِ وهو ضد هذا. أَذاعُوا بِهِ أي أظهروه وتحدّثوا به من قبل أن يقفوا على حقيقته فنهوا عن ذلك لما يلحقهم من الكذب والإرجاف. وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وهم الأمراء لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ أي يستخرجونه بالمسألة وهذا مشتق من «النبط» وهو أول ما يخرج من ماء البئر أول ما يحفر وسمّي النبط نبطا لأنهم يستخرجون ما في الأرض. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ رفع بالابتداء والخبر عند سيبويه «٢» ولا يجوز أن يظهر الخبر عنده، والكوفيون يقولون رفع بلولا. لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا في هذه الآية ثلاثة أقوال: قال أبو عبيد: التقدير أذاعوا به إلا قليلا، وهذا قول جماعة من النحويين قالوا لأن الأكثر من المستنبطين لا يعلمون. وقال أبو إسحاق «٣»: بل التقدير «لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا»، لأن هذا الاستنباط الأكثر يعرفه لأنه استعلام بخبر، وهذان قولان على المجاز، وقول ثالث بغير مجاز. يكون المعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بأن بعث فيكم رسولا أقام فيكم الحجة لكفرتم وأشركتم إلا قليلا منكم أي إنه كان يوحد.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه في البر والصلة ٨/ ١٢٠.\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ١٢٨.\n(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٥٤٧.","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>[سورة النساء (٤): آية ٨٤]</span>\nفَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)\nفَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذه الفاء متعلقة بقوله: وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٧٤] فقاتل في سبيل الله أي من أجل هذا فقاتل، ويجوز أن تكون متعلقة بقوله: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء: ٧٥] . لا تُكَلَّفُ مرفوع لأنه فعل مستقبل ولم يجزم لأنه ليس علة للأول وزعم الأخفش أنه يجوز جزمه. إِلَّا نَفْسَكَ خبر ما لم يسم فاعله. عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا إطماع، والإطماع من الله سبحانه واجب على أن الطمع قد جاء في كلام العرب على الوجوب وقد قيل منه وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: ٨٢] . وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا نصب على البيان وكذا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>[سورة النساء (٤): آية ٨٥]</span>\nمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)\nمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها قال الحسن «١»: من شفع في شيء فله أجر وإن لم يشفّع لأنّ الله جلّ وعزّ قال: «من يشفع» ولم يقل: من يشفع وفي الحديث «اشفعوا تؤجروا» «٢» ويقضي الله جلّ وعزّ على لسان نبيّه ﷺ ما شاء، ويروى أنّ هذا نزل في اليهود وكانوا يدعون على المسلمين في الغيبة بالهلاك وفي الحضور بأن يقولوا: السلام عليكم فأنزل الله ﷿: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وأتبع ذلك بقوله: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ وهي السلام.\nقال أبو موسى الأشعري «الكفل» النصيب. قال الكسائي: أصل الكفل مركب يهيّأ على ظهر البعير وهذا قول حسن. يقال: اكتفلت البعير إذا لفقت على موضع من ظهره كساء ثم ركبت البعير فإنما أخذت نصيبا من البعير. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا اسم كان وخبرها. قال أبو عبيدة «٣»: «المقيت» الحافظ، وقال الكسائي «٤»: المقيت المقتدر، وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتقّ من القوت والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان.\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري ٥/ ١٨٦.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٤٠٤، والبيهقي في سننه ٨/ ١٦٧، والبخاري في صحيحه ٢/ ١٤٠، وأبو داود في سننه (٥١٣٢)، والنسائي في سننه ٥/ ٧٨، وابن كثير في تفسيره ٢/ ٣٢٤.\n(٣) انظر مجاز القرآن ١/ ١٣٥.\n(٤) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٢٢، والبغوي ١/ ٤٥٧، وفتح القدير ١/ ٤٩٣.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>[سورة النساء (٤): آية ٨٦]</span>\nوَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)\nوَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها لم ينصرف لأنه أفعل وهو صفة أي بتحية أحسن منها. قال ابن عباس: إذا قال سلام عليكم قلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فهذا أحسن منها. أَوْ رُدُّوها وعليكم وهذا للكفار يعني الثاني، وقال غيره:\nلا يجوز أن يقال للكفار: وعليكم السلام كما لا يجوز أن يترحّم على ميتهم ولا حيّهم. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا قيل محاسبا كما قال: أكيل بمعنى مواكل، وقال مجاهد: «حسيبا» حفيظا، وقال أبو عبيدة «١»: كافيا. قال أبو جعفر: وهذا أبينها يقال:\nأحسبني الشيء أي كفاني ومنه حَسْبَكَ اللَّهُ [الأنفال: ٦٤] وقد بيّنت أن هذا خطأ في الكتاب الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>[سورة النساء (٤): آية ٨٧]</span>\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ابتداء وخبر. لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لأن الناس يقومون فيها لرب العالمين جل وعز، وقيل: لأن الناس يقومون من قبورهم إليها. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>[سورة النساء (٤): آية ٨٨]</span>\nفَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)\nفَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ روى شعبة عن عديّ بن ثابت عن عبد الله بن زيد عن زيد بن ثابت قال: تخلّف رجال عن أحد فاختلف فيهم أصحاب رسول الله ﷺ فقالت فرقة: اقتلهم وقالت فرقة: اعف عنهم فأنزل الله جلّ وعزّ فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ.\nقال الضحاك: هؤلاء قوم تخلّفوا بمكّة وأظهروا لرسول الله ﷺ الإسلام وقالوا إن ظهر محمد فقد عرفنا وإن ظهر قومنا فهو أحبّ إلينا، فصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولونهم وقوم يتبرؤون منهم فقال الله جلّ وعزّ فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا فبين الله جلّ وعزّ كفرهم وأوجب البراءة منهم، وقال الأخفش «فئتين» على الحال «٢» كما يقال: مالك قائما، وقال الكوفيون «٣»: هو خبر ما لكم كخبر كان وظننت وأجازوا إدخال الألف واللام فيه، وحكى الفراء «٤»: أركسهم أي ردّهم إلى الكفر. قال\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن ١/ ١٣٥.\n(٢) عند البصريين كما في البحر المحيط ٣/ ٣٢٦.\n(٣) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٢٦.\n(٤) قاله ابن عباس واختاره الفراء والزجاج، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٢٦. [.....]","vol":"1","page":230},{"text":"أبو إسحاق: أي ردّهم إلى حكم الكفار. أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي أن تهدوه إلى الثواب بأن يحكم له بأحكام المؤمنين. فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي إلى الحجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>[سورة النساء (٤): آية ٩٠]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)\nإِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ استثناء من وَاقْتُلُوهُمْ ويروى أن هؤلاء قوم اتصلوا ببني مدلج وكانوا صلحا للنبي ﷺ «يصلون» أي يتصلون. أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي ضاقت وللنحويين فيه على هذه اللغة أربعة أقوال: قال الفراء «١»: أي قد حصرت فأضمر «قد»، وقال محمد بن يزيد «٢»: هو دعاء كما تقول: لعن الله الكافرين وقيل: هو خبر بعد خبر، والقول الرابع أن يكون حصرت في موضع خفض على النعت لقوم، وفي حرف أبيّ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم ليس فيه أَوْ جاؤُكُمْ، وقرأ الحسن أو جاؤكم حصرة صدورهم «٣» نصبا على الحال، ويجوز خفضه على النعت ورفعه «٤» على الابتداء والخبر، وحكى أو جاؤكم حصرات صدورهم «٥» ويجوز الرفع. يُقاتِلُوكُمْ في موضع نصب أي من أن يقاتلوكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>[سورة النساء (٤): آية ٩١]</span>\nسَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١)\nقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش «٦» كلّما ردّوا إلى الفتنة بكسر الراء لأن الأصل رددوا فأدغم وقلب الكسرة على الراء ونظيره وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ [الانشقاق: ٢] . فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وقعت إن على لم لأن المعنى للفعل الماضي فإن لم يعتزلوا قتالكم أي فإن تركوا قتالكم. وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ أي عن الحرب. وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا عليهم مقامه مقام المفعول الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>[سورة النساء (٤): آية ٩٢]</span>\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٨٢.\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٣٠.\n(٣) وقرأ قتادة ويعقوب أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٣٠.\n(٤) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٣٠.\n(٥) انظر مختصر ابن خالويه (٢٨) .\n(٦) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٣٠.","vol":"1","page":231},{"text":"وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا أَنْ في موضع رفع لأنه اسم كان. إِلَّا خَطَأً استثناء ليس من الأول وسيبويه «١» يقول «إلا» بمعنى لكن أي لكن إن قتله خطأ فعليه كذا، ولا يجوز أن يكون «إلا» بمعنى الواو ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح في المعنى لأن الخطأ لا يحظر، وقرأ الأعمش إلّا خطاءا «٢» ممدودا. وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي فعليه تحرير رقبة. وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا استثناء ليس من الأول أي إلا أن يصدق أهل المقتول بالدية على القاتل، وقرأ أبو عبد الرّحمن إلا أن تصّدّقوا «٣» بالتاء، ويجوز على هذه القراءة إلا أن تصدّقوا بحذف التاء، ولا يجوز التخفيف مع الياء وفي حرف أبيّ إلا أن يتصدّقوا «٤» . فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ مثل الروم. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي فعلى القاتل تحرير رقبة. وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ قيل يراد به أهل الذمة وقيل يراد به المسلم يكون نسبة إلى أهل الذمّة والأولى أن يكون الضمير الذي في كان للمؤمن لأنه قد تقدّم ذكره. وروى يزيد بن زريع «٥» عن يونس عن الحسن أنه قرأ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن «٦» . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رفع بالابتداء، والخبر: فَصِيامُ شَهْرَيْنِ أي فعليه صيام شهرين متتابعين تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ مصدر، وإن شئت مفعولا من أجله، ويجوز الرفع أي ذلك توبة من الله إن الله كان عليما أي بما فيه مصلحة خلقه حَكِيمًا أي بتدبير أمر عباده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>[سورة النساء (٤): آية ٩٣]</span>\nوَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا (٩٣)\nوَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا شرط، والجواب فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ والتقدير\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ٣٢٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٣٤، وهي قراءة الحسن أيضا.\n(٣) وهي قراءة الحسن وعبد الوارث عن أبي عمرو أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٣٧.\n(٤) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٣٧، وفيه «وفي حرف أبيّ وعبد الله، يتصدّقوا بالياء والتاء» .\n(٥) يزيد بن زريع أبو معاوية البصري، حدّث عن أيوب السختياني وخالد الحذّاء. (ت ١٨٢ هـ) . ترجمته في تذكرة الحفاظ ٢٥٦.\n(٦) وبهذا قال مالك، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٣٧.","vol":"1","page":232},{"text":"في العربية يجزه الله جهنم والدليل على هذا أنّ بعده. وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ أي عاقبه وَلَعَنَهُ أي باعده من رحمته وثوابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>[سورة النساء (٤): آية ٩٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)\nإِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ويقرأ فتثبّتوا «١»، وتبيّنوا في هذا أوكد لأن الإنسان قد يتثبّت ولا يتبيّن، وفي «إذا» معنى الشرط وقد يجازى بها كما قال: [الكامل] ١٠٣-\nوإذا تصبك خصاصة فتجّمل «٢»\nوالجيّد أن لا يجازى بها كما قال: [الكامل] ١٠٤-\nوالنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع «٣»\nوَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا هكذا قرأ «٤» ابن عباس وأبو عبد الرّحمن وأبو عمرو بن الغلاء وعاصم الجحدريّ، والحديث يدلّ على ذلك لأنه يروى أن مرداسا الفدكيّ مرّ بغالب فقال: السلام عليكم فقام إليه غالب فقتله وأخذ ماله فأنزل الله جلّ وعزّ: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا. ومن جيّد ما قيل فيه ما رواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال: مرّ المسلمون برجل في غنمه فقال: سلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنمه فنزلت وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا هكذا الحديث بالألف. وقرأ أهل الحرمين وأهل الكوفة لمن ألقى إليكم السّلم «٥» وذلك جائز لأنه إذا سلم فقد ألقى السلم والعرب تقول:\nألقى فلان إليّ السّلم أي انقاد واستسلم وقال الله جلّ وعزّ وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ\n_________\n(١) هذه قراءة حمزة والكسائي والباقون فتبيّنوا، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٤٢.\n(٢) الشاهد لعبد قيس بن خفاف في الدرر ٣/ ١٠٢، وشرح اختيارات المفضل ١٥٥٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٧١، ولسان العرب (كرب)، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٠٣، ولحارثة بن بدر الغداني في أما لي المرتضى ١/ ٣٨٣، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٣٥، وشرح الأشموني ٣/ ٥٨٣، وشرح عمدة الحافظ ص ٣٧٤، ومغني اللبيب ١/ ٩٣، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٦، وصدره:\n«واستغن ما أغناك ربّك بالغنى» [.....]\n(٣) الشاهد لأبي ذؤيب في الدرر ٣/ ١٠٤، وشرح اختيارات المفضّل ص ١٦٩٣، وشرح أشعار الهذليين ١/ ٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٦٢، ومغني اللبيب ١/ ٩٣، وبلا نسبة في همع الهوامع ١/ ٢٠٦.\n(٤) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٤٢.\n(٥) وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي أيضا، انظر تيسير الداني ٨٣.","vol":"1","page":233},{"text":"[النحل: ٨٧] وقرأ أبو رجاء ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم «١» بكسر السين وإسكان اللام، وقرأ أبو جعفر لَسْتَ مُؤْمِنًا. فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ لم تنصرف لأنها جمع لا نظير له في الواحد. كَذلِكَ الكاف في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>[سورة النساء (٤): آية ٩٥]</span>\nلا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)\nلا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ هذه قراءة أهل الحرمين وزيد بن ثابت وغَيْرُ «٢» نصب على الاستثناء، وإن شئت على الحال من الْقاعِدُونَ أي لا يستوي القاعدون في حال صحتهم، والحديث يدل على معنى النصب، روى أبو بكر بن عياش وزهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن البراء قال: كنت عند رسول الله ﷺ فقال: ادع لي زيدا وقل له يأتي بالكتف والدواة فقال له اكتب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله، فقال ابن أمّ مكتوم: وأنا ضرير، فما برحنا حتى أنزل الله ﷿ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ. وقرأ أهل الكوفة وأبو عمرو غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ قال الأخفش: هو نعت للقاعدين، وقرأ حيوة غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «٣» جعله نعتا للمؤمنين، ومحمد بن يزيد يقول هو بدل لأنه نكرة والأول معرفة. فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وقد قال بعد هذا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>[سورة النساء (٤): آية ٩٦]</span>\nدَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)\nدَرَجاتٍ فالجواب أن معنى «درجة» علوا أي أعلاهم ورفعتهم بالثناء والمدح والتقريظ، فهذا معنى درجة ودرجات يعني في الجنة. قال ابن محيرز سبعين درجة. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى منصوب بوعد، وكلّ قيل: يعنى به المجاهدون خاصة، وقيل: يعنى به المجاهدون وأولو الضرر، وقيل: يعنى به المجاهدون والقاعدون وأولو الضرر لأنهم كلهم مؤمنون وإن كان بعضهم أفضل من بعض. وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا نصب بفضّل وإن شئت كان مصدرا «درجات» بدل من أجر، ويجوز الرفع أي ذلك درجات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>[سورة النساء (٤): آية ٩٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا (٩٧)\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ اسم إن والخبر فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ. وتَوَفَّاهُمُ فعل\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه (٢٨) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٤٢ وقال: «أي: لا نؤمنك في نفسك» .\n(٣) انظر تيسير الداني ٨٣.","vol":"1","page":234},{"text":"ماض وجاء التذكير بمعنى الجميع، ويجوز أن يكون فعلا مستقبلا والأصل «تتوفّاهم» فحذفت إحدى التاءين. ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ نصب على الحال، والأصل ظالمين أنفسهم فحذفت النون وأضيف. قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ الأصل، «فيما» حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر لأن قبلها حرف خفض والوقوف عند أهل العربية فيه لئلا تحذف الألف والحركة ولأن فيها حرف خفض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>[سورة النساء (٤): آية ٩٨]</span>\nإِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)\nإِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ نصب على الاستثناء أي إلا المستضعفين على الحقيقة. لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في موضع الحال أي غير مستطيعين وكذا وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>[سورة النساء (٤): آية ١٠٠]</span>\nوَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)\nوَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا شرط وجوابه. قال مجاهد «١»: المرغم:\nالمتزحزح، وقال الضحاك: المراغم: المتحوّل، وقال الكسائي «٢»: المراغم:\nالمذهب، وقال أبو عبيدة: المراغم: المهاجر «٣» . قال أبو جعفر: وهذه الأقوال متفقة المعاني فالمراغم هو المذهب والمتحوّل في حال هجرة وهو اسم للموضع الذي يراغم فيه وهو مشتق من الرّغام، ورغم أنف فلان أي لصق بالتراب وراغمت «٤» فلانا هجرته وعاديته ولم أبال إن رغم أنفه رغم الله أمره. قال الضحاك: وَسَعَةً في الرزق وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ شرط. ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ عطف، ولا يجوز أن يكون جوابا لأن «ثم» يبعد الثاني معها من الأول والفاء يقرب فيها الثاني من الأول والجواب فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>[سورة النساء (٤): آية ١٠١]</span>\nوَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)\n«أن» في موضع نصب أي في أن تقصروا. قال أبو عبيدة: فيها ثلاث لغات يقال:\nقصرت الصلاة وقصّرتها وأقصرتها. إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: فتنت الرجل وتميم وربيعة وقيس وأسد وجميع أهل نجد يقولون:\n_________\n(١) وهي قراءة الأعمش أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٤٤.\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٥، وقال «قال مجاهد: المزحزح عمّا يكره» .\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٢٨٤.\n(٤) وهذا قول ابن زيد أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٥٠.","vol":"1","page":235},{"text":"أفتنت الرجل. وفرق الخليل وسيبويه بينهما فقالا: فتنته جعلت فيه فتنة مثل عجلته وأفتنته جعلته مفتتنا، وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته بالألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>[سورة النساء (٤): آية ١٠٢]</span>\nوَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٠٢)\nوَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ والأصل فلتقم حذفت الكسرة لثقلها وحكى الأخفش والكسائي والفراء «١»: أنّ لام الأمر ولام كي ولام الجحود يفتحن، وسيبويه «٢» يمنع من هذا لعلّة موجبة وهي الفرق بين لام الجر ولام التوكيد. قال أبو إسحاق «٣»: لا يلتفت إلى حكاية حاك لم يروها النحويون القدماء وإن كان الذي يحكيها صادقا فإن الذي سمعت منه مخطئ. وكذا وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ وكذا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً في موضع رفع إلا أنه مقصور «أن تضعوا» في موقع نصب أي في أن تضعوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>[سورة النساء (٤): آية ١٠٣]</span>\nفَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)\nفَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ حال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>[سورة النساء (٤): آية ١٠٤]</span>\nوَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)\nوَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ نهي، وقرأ عبد الرّحمن الأعرج إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ «٤» بفتح الهمزة أي لأن، وقرأ منصور بن المعتمر «٥» إن تكونوا تيلمون «٦»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٥٨.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٤.\n(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٥٦٦.\n(٤) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٥٧، وقال «بفتح الهمزة على المفعول من أجله» . [.....]\n(٥) منصور بن المعتمر أبو عتاب السلمي الكوفي، عرض على الأعمش، وروى عن مجاهد (ت ١٣٣ هـ) .\nترجمته في غاية النهاية ٢/ ٣١٤.\n(٦) وهي قراءة ابن وثاب أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٥٧.","vol":"1","page":236},{"text":"بكسر التاء ليدلّ على أنه من فعل، ولا يجوز عند البصريين في تألمون كسر التاء لثقل الكسر فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>[سورة النساء (٤): آية ١٠٥]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)\nإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ لام كي، وروي عن الحسن وأبي عمرو أنهما أدغما الميم في الباء، ولا يجيز ذلك النحويون لأن في الميم غنّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>[سورة النساء (٤): آية ١١٢]</span>\nوَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)\nوَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا\nشرط. ثُمَّ يَرْمِ بِهِ\nعطف عليه وفي الكلام حذف من الأول على مذهب سيبويه ويقال: ما الفرق بين الخطيئة والإثم وقد عطف أحدهما على الآخر ففي هذا أجوبة: منها أنهما واحد ولكن لما اختلف اللفظان جاز هذا، وقيل: قد تكون الخطيئة صغيرة والإثم لا يكون إلا كبيرة، وقال أبو إسحاق «١»: سمّى الله جلّ وعزّ بعض المعاصي خطايا وسمّى بعضها إثما فأعلم أنه من كسب معصية تسمّى خطيئة أو كسب معصية تسمّى إثما ثم رمى بها من لم يعملها وهو منها بريء فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا\nوالبهتان الكذب الذي يتحيّر من عظمه وشأنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>[سورة النساء (٤): آية ١١٣]</span>\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ\nما بعد «لولا» مرفوع بالابتداء عند سيبويه «٢» والخبر محذوف لا يظهر، والمعنى: ولولا فضل الله عليك ورحمته بأن نبّهك على الحقّ، لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ\nعن الحقّ لأنهم سألوا رسول الله ﷺ أن يبرّئ ابن أبيرق «٣» من التّهمة ويلحقها اليهوديّ فتفضّل الله جلّ وعزّ على رسوله ﷺ بأن نبّهه على ذلك وأعلمه إيّاه. وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ\nلأنهم يعملون عمل الضالين والله جلّ وعزّ يعصم رسوله ﷺ. وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ\nلأنك معصوم. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ\nحذفت الضمّة من النون للجزم وحذفت الواو لالتقاء الساكنين و«تعلم» في موضع نصب لأنه خبر «تكن» .\n_________\n(١) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٥٧٢.\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ١٢٨.\n(٣) هو طعمة بن أبيرق الذي سرق الدرع ورماها في دار اليهودي (انظر الدر ٢/ ١١٧، والخازن ١/ ٥٩٦) .","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>[سورة النساء (٤): آية ١١٤]</span>\nلا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)\nلا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ نجواهم في العربية على معنيين:\nأحدهما أنه يكون لما يتناجون به ويتداعون إليه. إذا كان على هذا «فمن» في موضع نصب لأنه استثناء ليس من الأول، أي لكن من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ودعا إليه ففي نجواه خير، ويجوز أن يكون «من» في موضع خفض، ويكون التقدير: إلّا في نجوى من أمر بصدقة، والمعنى الآخر أن النجوى تكون الجماعة المفردين فيكون (من) هذا في موضع خفض على البدل، وفي موضع نصب على قول من قال: ما مررت بأحد إلّا زيدا، ونجوى مشتقة من نجوت الشيء أنجوه أي خلصته وأفردته والنجوة من الأرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله كما قال: [البسيط] ١٠٥-\nفمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكنّ كمن يمشي بقرواح «١»\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ شرط. ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ مفعول من أجله وهو مصدر وجواب الشرط. فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا حذفت الضمة من الياء لثقلها، ويجوز أن يؤتى به على الأصل في الشعر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>[سورة النساء (٤): آية ١١٥]</span>\nوَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (١١٥)\nوَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ جزم لأنه شرط وظهر التضعيف لأن القاف الثانية في موضع سكون وإنما كسرت لئلا يلتقي ساكنان. قوله نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى جواب الشرط، وإن شئت حذفت الياء وتركت الكسرة تدلّ عليها، وإن شئت ضممت وأثبت الواو، وإن شئت حذفتها. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا علله. فأما إسكان الهاء فلا يجوز لخفائها وكذا وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا نصب على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>[سورة النساء (٤): آية ١١٧]</span>\nإِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطانًا مَرِيدًا (١١٧)\nإِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثًا مفعول وكذا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا قال أبو رجاء عن الحسن قال: كان في كل حيّ صنم يقال له أنثى بني فلان فقال الله جلّ\n_________\n(١) الشاهد لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص ١٥، ولسان العرب (قرح) و(نجا)، وكتاب العين ٣/ ٤٤، ومجمل اللغة (نجو)، وديوان الأدب ٢/ ٧٣، وتهذيب اللغة ١١/ ٢٠١، وتاج العروس (قرح)، وأمالي القالي ١/ ١٧٧، ولأوس بن حجر في ديوانه ص ١٦، والشعر والشعراء ٢١٤، والأغاني ١١/ ٧٥، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٥/ ٣٩٨، والمخصص ٩/ ١٠٣.","vol":"1","page":238},{"text":"وعزّ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثًا وَإِنْ قال ابن عباس: مع كل صنم شيطانة، وقيل:\nإِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثًا لأن الحجارة مؤنّثة فذكرها الله جلّ وعزّ بالضعة لأن المذكر من كل شيء أرفع من المؤنث وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا لأنه أمرهم بذلك فنسب الدعاء إليه مجازا لأنهم يطيعونه به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>[سورة النساء (٤): آية ١١٨]</span>\nلَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)\nلَعَنَهُ اللَّهُ من نعته ويجوز أن يكون دعاءا عليه. وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا قيل: من النصيب طاعتهم إياه في أشياء منها أنهم يضربون للمولود مسمارا عند ولادته ودورانهم به يوم أسبوعه يقولون: لتعرفه العمّار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>[سورة النساء (٤): آية ١١٩]</span>\nوَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا (١١٩)\nوَلَأُضِلَّنَّهُمْ أي عن الحق. وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ أي طول الحياة والخير والتوبة والمغفرة مع الإصرار. وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ هذه لامات قسم والنون لازمة لها لأنه لا يقسم إلّا على المستقبل وأهل التفسير مجاهد وغيره يقولون معنى فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ دين الله وقد قيل: يراد به الخصاء وما تفعله الزنج والحبش من الآثار، وقيل: هو أنّ الله خلق الشمس والقمر والحجارة للمنفعة فحولوا ذلك وعبدوها من دون الله جلّ وعزّ. وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ يطيعه ويدع أمر الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>[سورة النساء (٤): آية ١٢٠]</span>\nيَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢٠)\nيَعِدُهُمْ أي يعدهم الرياسة والجاه «١» والمال ليعصوا الله جلّ وعزّ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا أي خديعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>[سورة النساء (٤): آية ١٢١]</span>\nأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا (١٢١)\nف أُولئِكَ مبتدأ. مَأْواهُمْ مبتدأ ثان. جَهَنَّمُ خبر الثاني والجملة خبر الأول. وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا أي ملجأ والفعل منه حاص يحيص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>[سورة النساء (٤): آية ١٢٢]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ رفع بالابتداء والخبر. سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ وإن شئت كان في موضع نصب على إضمار فعل يفسّره ما بعده وذلك حسن لأنه معطوف.\n_________\n(١) وهذه قراءة الحسن وشيبة بن نصاح والحكم والأعرج أيضا انظر البحر المحيط ٣/ ٣٧١.","vol":"1","page":239},{"text":"وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ ابتداء وخبر. قِيلًا على البيان يقال: قيلا وقولا وقالا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>[سورة النساء (٤): آية ١٢٣]</span>\nلَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٢٣)\nلَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ وقرأ أبو جعفر المدني لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ بتخفيف الياء فيهما جميعا، ومن أحسن ما روي فيه ما رواه الحكم ابن أبان عن عكرمة عن بن عباس قال: قالت اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان منا، وقالت قريش: ليس نبعث فأنزل الله جلّ وعزّ لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ. مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ قال: والسوء هنا الشرك، وقال الضحاك: السوء الكفر وما يجزى عليه مما لم يتب منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>[سورة النساء (٤): آية ١٢٤]</span>\nوَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)\nوَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ جزم بالشرط والمجازاة فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.\nوَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>[سورة النساء (٤): آية ١٢٥]</span>\nوَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)\nوَمَنْ أَحْسَنُ ابتداء وخبر. وَلَهَدَيْناهُمْ على البيان. وَهُوَ مُحْسِنٌ ابتداء وخبر في موضع الحال وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا وقد ذكرنا معناه. ومن أحسن ما قيل فيه أن الخليل المختصّ اختصّه الله جلّ وعزّ في وقته للرسالة والدليل على هذا قول النبي ﷺ «وقد اتّخذ الله ﷿ صاحبكم خليلا» «١» يعني نفسه ﷺ، وقال ﷺ «لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا» «٢» أي لو كنت مختصا أحدا بشيء لاختصصت أبا بكر.\nوفي هذا ردّ على من زعم أن النبي ﷺ اختصّ بعض أصحابه بشيء من أمر الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>[سورة النساء (٤): آية ١٢٧]</span>\nوَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ٩٣.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٣٧٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٢٤٦، والترمذي في سننه (٣٦٥٩)، ومسلم في صحيحه في فضائل الصحابة ب ١ رقم (٢، ٣، ٤) وابن حجر في فتح الباري ٧/ ١٧.","vol":"1","page":240},{"text":"ما في موضع رفع أي ويفتيكم القرآن. وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ في موضع خفض لأنه عطف على اليتامى، وكذا وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>[سورة النساء (٤): آية ١٢٨]</span>\nوَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)\nوَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا رفعت امرأة بإضمار فعل يفسره ما بعده وإنما يحسن هذا في ان لقوّتها في باب المجازاة وإذا كان الفعل ماضيا وهو يجوز في المستقبل في الشعر وأنشد سيبويه: [الخفيف] ١٠٦-\nوإذا واغل ينبهم يحيّوه ... وتعطف عليه كأس السّاقي «١»\nوقول من قال: خفت بمعنى تيقّنت خطأ. قال أبو إسحاق «٢»: المعنى وإن امرأة خافت من بعلها دوام النشوز. قال أبو جعفر: الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز التباعد والإعراض أن لا يكلّمها ولا يأنس بها فلا جناح عليهما أن يصّالحا بينهما صلحا «٣» هذه قراءة المدنيين وقرأ الكوفيون أَنْ يُصْلِحا «٤» وقرأ عاصم (الجحدي) أن يصلحا «٥» بفتح الياء وتشديد الصاد وفتحها، وقرءوا كلّهم صلحا إلا أنه روي عن الأعمش أنه قرأ إلّا أن يصلحا بينهما إصلاحا. قال أبو جعفر: وهذا كله محمول على المعنى كما يقال: هو يدعه تركا فمن قال: يصلحا فالمصدر إصلاحا على قوله وصلح اسم، ومن قال: يصّالحا فالمصدر إصلاحا، والأصل: تصالحا ثم أدغم ومن قال: يصّلحا فالأصل عنده يصطلحا اصطلاحا ثم يدغم ونظيره قول امرئ القيس: [الطويل] ١٠٧-\nورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال»\nوقال القطامي: [الوافر] ١٠٨-\nوخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتّباعا «٧»\nلأن معنى تتبّعه وتتّبعه واحد. وللنحويين في هذا قولان: فمنهم من يقول:\nالعامل فيه فعل محذوف والمعنى إلا أن يصّالحا بينهما فيصلح الأمر صلحا فعلى هذا\n_________\n(١) الشاهد لعدي بن زيد في ديوانه ص ١٥٦، والإنصاف ٢/ ٦١٧، وخزانة الأدب ٣/ ٤٦، والدرر ٥/ ٧٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٨٨، والكتاب ٣/ ١٢٨، وبلا نسبة في شرح المفصّل ٩/ ١٠، ولسان العرب (وغل)، والمقتضب ٢/ ٧٦، وهمع الهوامع ٢/ ٥٩، وتاج العروس (وغل)، وفي رواية «فمتى واغل» .\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه ص ٥٨٧.\n(٣) هذه قراءة السبعة، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٧٩.\n(٤) هذه قراءة السبعة، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٧٩.\n(٥) هذه قراءة السبعة، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٧٩. [.....]\n(٦) مرّ الشاهد رقم (٧٨) .\n(٧) مرّ الشاهد رقم (٧٧) .","vol":"1","page":241},{"text":"القول لا يكنى عن المصدر متّصلا، ومنهم من يقول العامل فيه الأول والكلام محمول على المعنى فهذا يكنى عنه متصلا، وهذا يقع مشروحا في باب الألف واللام.\nوَالصُّلْحُ خَيْرٌ ابتداء وخبر. وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ أي تشح بما لها فيه من المنفعة.\nوَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا أي وإن تؤثروا الإحسان والتقوى فتجملوا العشرة. فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وإذا خبّره جازى عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>[سورة النساء (٤): آية ١٢٩]</span>\nوَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)\nوَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ قيل: في القسمة واللّين والكسوة وقال الحسن والضحاك: في الحبّ والجماع «١» . فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ مصدر، وقال الحسن «٢» والضحاك: ولا تمل إلى الشابّة وتترك الأخرى لا أيمّا فتتزوج ولا ذات زوج. فَتَذَرُوها منصوب لأنه جواب النهي. كَالْمُعَلَّقَةِ الكاف في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>[سورة النساء (٤): آية ١٣١]</span>\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)\nوَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ عطف على «الذين» . أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ في موضع نصب. قال الأخفش: أي بأن تتقوا الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>[سورة النساء (٤): آية ١٣٣]</span>\nإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)\nإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ شرط وجوابه وَيَأْتِ بِآخَرِينَ عطف على الجواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>[سورة النساء (٤): آية ١٣٤]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)\nمَنْ كانَ يُرِيدُ في موضع نصب لأنه خبر كان. فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ رفع بالابتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>[سورة النساء (٤): آية ١٣٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)\nكُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ نعت لقوّامين وإن شئت كان خبرا بعد خبر. وأجود من هذين أن يكون نصبا على الحال بما في قوامين من ذكر «الذين آمنوا» لأنه يصير المعنى كونوا قوامين بالعدل عند شهادتكم وحين شهادتكم ولم ينصرف لأن فيه ألف\n_________\n(١) وهو قول عمر وابن عباس أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٨٠ وتفسير الطبري ٥/ ٣١٢.\n(٢) انظر تفسير الطبري ٥/ ٣١٦.","vol":"1","page":242},{"text":"التأنيث. وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أي ولو كان الحق على أنفسكم. أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ عطف بأو. إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا خبر يكن واسمها فيها مضمر أي أن يكون المطالب غنيا، أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما ولم يقل به و«أو» إنما يدلّ على الحصول لواحد، ففي هذا للنحويين أجوبة قال الأخفش: تكون «أو» بمعنى الواو قال: ويجوز أن يكون التقدير إن يكن من تخاصم غنيّين أو فقيرين فقال: غنيا فحمله على لفظ من مثل وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [محمد: ١٦] والمعنى يستمعون. قال أبو جعفر: والقولان خطأ لا تكون «أو» بمعنى الواو ولا تضمر من كما لا يضمر بعض الاسم، وقيل إنما قال بهما لأنه قد تقدّم ذكرهما كما قال وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:\n١٢] . أَنْ تَعْدِلُوا في موضع نصب. وقرأ ابن عامر والكوفيون وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا «١» وقد ذكرناه، والفعل منه لوى والأصل فيه لوي قلبت الياء ألفا بحركتها وحركة ما قبلها والمصدر ليّا والأصل لويا وليّانا والأصل لويانا ثم أدغمت الواو وفي الحديث «ليّ الواجد يحلّ عقوبته وعرضه» «٢» قال ابن الأعرابي: عقوبته حبسه وعرضه شكايته، وزعم بعض النحويين أنّ من قرأ (تلوا) بمعنى «تلووا» والأصل: تلؤوا همزت الواو كما يقال: أُقِّتَتْ فصار تلؤوا ثم خفّفت الهمزة فألقيت حركتها على اللام فوجب أن تحذف فصار تلو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>[سورة النساء (٤): آية ١٣٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا اسم «إنّ» والخبر لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ويقال: الله لا يغفر شيئا من الكفر فكيف قال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ؟ فالجواب إنّ الكافر إذا آمن غفر له كفره فإذا رجع فكفر لم يغفر له الكفر الأول ومعنى «ثم ازدادوا كفرا» أصرّوا على الكفر. لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا أي طريقا إلى الجنّة وقيل: لا يخصّهم بالتوفيق كما يخصّ أولياءه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٨ الى ١٣٩]</span>\nبَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)\nبَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ نعت للمنافقين وفي هذا دليل على أنّ من عمل معصية من الموحّدين ليس بمنافق لأنه\n_________\n(١) هي قراءة حمزة أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٨٦.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٢٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٥١، وأبو داود في سننه ٣٦٢٨، والنسائي في سننه ٧/ ٣١٦، والمتقي في كنز العمال (١٥٤٣٩) .","vol":"1","page":243},{"text":"لا يتولّى الكافرين. أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ أي أيبتغون أن يعتزوا بهم. فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>[سورة النساء (٤): آية ١٤٠]</span>\nوَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)\nفدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأنّ من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضى بالكفر كفر، قال الله جلّ وعزّ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ والأصل التنوين فحذف استخفافا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>[سورة النساء (٤): آية ١٤١]</span>\nالَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)\nالَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ نعت للمنافقين. فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ اسم كان وكذا وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ جاء على الأصل، ولو أعلّ لكان لم نستحذ والفعل على الإعلال استحاذ يستحيذ وعلى غير الإعلال استحوذ يستحوذ وفي حرف أبيّ ومنعناكم من المؤمنين «١» وهو محمول على المعنى لأن المعنى قد استحوذنا عليكم ويجوز أن يكون على حذف قد. وقد ذكرنا معنى وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>[سورة النساء (٤): آية ١٤٢]</span>\nإِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٤٢)\nإِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ\nمجاز أي يخادعون أولياء الله. وَهُوَ خادِعُهُمْ\nأي معاقبهم، وإن شئت أسكنت الهاء فقلت «وهو» لأن الضمّة ثقيلة وقبل الكلمة واو، وحكي إسكان الواو وقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي وَهُوَ خادِعُهُمْ\n«٢» بإسكان العين، وقال محمد بن يزيد: هذا لحن لأنه زوال الإعراب. قال أبو جعفر: وقد أجاز سيبويه ذلك وأنشد: [الرجز] ١٠٩-\nإذا اعوججن قلت صاحب قوّم «٣»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٩١، ومعاني الفراء ١/ ٢٩٢.\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٩٣، ومختصر ابن خالويه (٢٩) .\n(٣) مرّ الشاهد (٢٢) .","vol":"1","page":244},{"text":"وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى\nفي موضع نصب على الحال، وكذا يراءون الناس أي يرون الناس أنّهم يتديّنون بصلاتهم وقرأ ابن أبي إسحاق والأعرج يرؤّون الناس «١» على وزن يُدَعُّونَ [الطور: ١٣]، وحكى أنها لغة سفلى مضر والقراءة الأولى أولى لإجماعهم على الذين هم يراءون، ويقال: فلان مراء وفعل ذلك رئاء الناس. وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا\nأي لا يذكرون الله جلّ وعزّ بقراءة ولا تسبيح وإنّما يذكرونه بالتكبير وبما يراءون به والتقدير: إلّا ذكرا قليلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>[سورة النساء (٤): آية ١٤٣]</span>\nمُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)\nمُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ أي مضطربين يظهرون لهؤلاء أنهم منهم ولهؤلاء أنهم منهم وفي حرف أبيّ متذبذبين «٢» ويجوز الإدغام على هذه القراءة مُذَبْذَبِينَ بتشديد الذال الأولى وكسر الثانية وروي عن الحسن مذبذبين «٣» بفتح الميم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>[سورة النساء (٤): آية ١٤٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا (١٤٤)\nلا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ مفعولان أي لا تجعلوهم خاصتكم وبطانتكم. أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا أي في تعذيبه إياكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>[سورة النساء (٤): آية ١٤٥]</span>\nإِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)\nإِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ «٤» وقرأ الكوفيون فِي الدَّرْكِ «٥» والأول أفصح، والدليل على ذلك أنه يقال في جمعه: أدراك مثل جمل وأجمال. وقد ذكرنا أن الإدراك الطبقات والمنازل إلا أن استعمال العرب أن يقال لكل ما تسافل:\nأدراك، يقال للبئر: أدراك، ويقال لما تعالى: درج فللجنّة درج وللنار أدراك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>[سورة النساء (٤): آية ١٤٦]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا استثناء فأولئك مع المؤمنين أي فأولئك يؤمنون مع المؤمنين.\nوَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا مفعولان وحذفت الياء في المصحف من «يؤتي»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٩٣، ومختصر ابن خالويه (٢٩) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٩٤.\n(٣) وهي قراءة ابن عباس أيضا، انظر مختصر ابن خالويه (٢٩) .\n(٤) قرأ الحرميان والعربيان «في الدرك» انظر البحر المحيط ٣/ ٣٩٦.\n(٥) وهي قراءة حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب، انظر البحر المحيط ٣/ ٣٩٦. [.....]","vol":"1","page":245},{"text":"لأنها محذوفة في اللفظ لالتقاء الساكنين، وأهل المدينة يحذفونها في الوقف ويثبّتون أمثالها في الإدراج، واعتلّ لهم الكسائي بأنّ الوقف موضع حذف، ألا ترى أنك تحذف الإعراب في الوقف «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>[سورة النساء (٤): آية ١٤٧]</span>\nما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)\nما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ ما في موضع نصب والمعنى أن الله جلّ وعزّ لا ينتفع بعذابكم ولا بظلمكم فلم يعذّبكم إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا أي يشكر عباده على طاعته ومعنى يشكرهم يثيبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>[سورة النساء (٤): آية ١٤٨]</span>\nلا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)\nلا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ أي لا يريد أن يجهر أحد بسوء من القول، وتمّ الكلام ثم قال جلّ وعزّ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ استثناء ليس من الأول في موضع نصب أي لكن من ظلم فله أن يقول ظلمني فلان بكذا، ويجوز أن يكون «من» في موضع رفع، ويكون التقدير لا يحبّ الله أن يجهر بالسوء إلا من ظلم، ويجوز إسكان اللام ومن قرأ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ «٢» فلا يجوز له أن يسكن اللام لخفة الفتحة وتقديره ما يفعل الله بعذابكم إلا من ظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>[سورة النساء (٤): آية ١٤٩]</span>\nإِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)\nإِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أي من القول السيئ. أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ أي أن تبدوا خيرا فهو خير من القول السّيئ أو تخفوه أو تعفوا عن سوء مما لحقكم فإنّ الله يعفو عنكم لعفوكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>[سورة النساء (٤): آية ١٥٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ اسم «إنّ» والجملة الخبر وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ أي بين الإيمان بالله ورسله. وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وهم اليهود آمنوا بموسى ﷺ وكفروا بعيسى ومحمد ﷺ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ ولم يقل: ذينك لأن ذلك يقع للإثنين كما قال جلّ وعزّ بَيْنَ ذلِكَ [البقرة: ٦٨] في سورة «البقرة»، ولو كان ذينك لجاز، والمعنى ويريدون أن يتّخذوا بين الإيمان والجحد طريقا.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٩٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٣٩٨.","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>[سورة النساء (٤): آية ١٥١]</span>\nأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٥١)\nأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا لأنهم لا ينفعهم إيمانهم بالله جل وعز إذا كفروا برسوله وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به جلّ وعزّ لأنه مرسل للرسول ومنزّل عليه الكتاب وكفروا بكل رسول مبشّر بذلك الرسول فلهذا، صاروا الكافرين حقا والتقدير قلت قولا حقا وما قبله يدلّ عليه. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ولِلْكافِرِينَ يقوم مقام المفعول الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>[سورة النساء (٤): آية ١٥٢]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)\nوَالَّذِينَ آمَنُوا ابتداء في موضع رفع، وإن شئت كان في موضع نصب بإضمار فعل يفسّره ما بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>[سورة النساء (٤): آية ١٥٣]</span>\nيَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا (١٥٣)\nيَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا هم اليهود سألوا النبي ﷺ أن يصعد إلى السماء وهم يرونه بلا كتاب وينزل ومعه كتاب تعنّتا له ﷺ فأعلم الله جل وعز أن آباءهم قد تعنّتوا موسى ﷺ بأكبر من هذا. فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً جهرة نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة، وقول أبي عبيدة «١»: إن التقدير فقالوا جهرة في موضع الحال.\nوَأَرِنا «٢» بإسكان الراء بعيدة في العربية لأنه حذف بعد حذف. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ أي بعظيم ما جاءوا به. ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي البراهين أنه لا معبود إلا الله جلّ وعزّ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا من الآيات التي جاء بها وسمّيت الآية سلطانا لأن من جاء بها قاهر بالحجة وهي قاهرة للقلوب بأن تعلم أنه ليس في قوى البشر أن يأتوا بمثلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>[سورة النساء (٤): آية ١٥٤]</span>\nوَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (١٥٤)\nوَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا على الحال. وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ «٣» من عدا\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن ١/ ١٤٢.\n(٢) راجع إعراب الآية ١٢٧- البقرة.\n(٣) انظر البحر المحيط ٣/ ٤٠٣.","vol":"1","page":247},{"text":"تعدو، وتعدّوا، والأصل فيه تعتدوا، فأدغمت التاء في الدال، ولا يجوز إسكان العين ولا يوصل إلى الجمع بين ساكنين في هذا، والذي يقرأ بهذا إنما يروم الخطأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>[سورة النساء (٤): آية ١٥٥]</span>\nفَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٥٥)\nفَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ خفض بالباء و«ما» زائدة. وَكُفْرِهِمْ عطف وكذا وَقَتْلِهِمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٧ الى ١٥٨]</span>\nوَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)\nكسرت «إنّ» لأنها مبتدأة بعد القول وفتحها لغة. رَسُولَ اللَّهِ بدل، وإن شئت على معنى أعني وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ رويت روايات في التشبيه الذي كان منها أن رؤساءهم لمّا فقدوا المسيح أخذوا رجلا فقتلوه ولبّسوه ثيابا مثل ثياب المسيح وصلبوه على خشبة مرتفعة ومنعوا الناس من الدنوّ منه لئلّا يفطن بهم ثم دفنوه ليلا، وقيل: كان المسيح ﷺ محبوسا عند خليفة قيصر فاجتمعت اليهود إليه فتوهّم أنهم يريدون خلاصه فقال لهم: أنا أخلّيه لكم قالوا بل نريد قتله فرفعه الله جل وعز إليه أي حال بينهم وبينه فأخذ خليفة قيصر رجلا فقتله وقال لهم: قد قتلته خوفا منه فهو الذي شبّه عليهم، وقد يكون آمن به وأطلقه فرفع وشبّه عليهم بغيره ممّن قد استحق القتل في حبسه، وقد يكون امتنع من قتله لما رأى من الآيات قال الله جلّ وعزّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ تمّ الكلام. ثم قال جلّ وعزّ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ استثناء ليس من الأول في موضع نصب، وقد يجوز أن يكون في موضع رفع على البدل أي ما لهم به علم إلّا اتباع الظن، وأنشد سيبويه: [الرجز] ١١٠-\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس «١»\nوَما قَتَلُوهُ يَقِينًا نعت لمصدر وفيه تقديران: أبينهما أنّ التقدير قال الله جلّ وعزّ هذا قولا يقينا، والقول الآخر أن يكون المعنى وما علموه علما يقينا وروى الأعشى عن أبي بكر بن عياش عن عاصم:\n_________\n(١) الشاهد لجران العود في ديوانه ص ٩٧، وخزانة الأدب ١٠/ ١٥، والدرر ٣/ ١٦٢، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٤٠، وشرح التصريح ١/ ٣٥٣، وشرح المفصل ٢/ ١١٧، والمقاصد ٣/ ١٠٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٩١، والإنصاف ١/ ٢٧١، وأوضح المسالك ٢/ ٢٦١، والجنى الداني ١٦٤، ورصف المباني ص ٤١٧، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٩، وشرح شذور الذهب ٣٤٤.","vol":"1","page":248},{"text":"بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا بغير إدغام والإدغام أجود لقرب اللام من الراء وأنّ في الراء تكريرا فالإدغام فيها حسن. وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا أي قادرا على أن يمنع أولياءه من أعدائه ولا يمنعه من ذاك مانع ولا يغلبه غالب. حَكِيمًا فيما يدبّره من أمور خلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>[سورة النساء (٤): آية ١٥٩]</span>\nوَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)\nوَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ لأن أهل الكتاب فيه على ضربين منهم من كذّبه ومنهم من اتّخذه إلها فيضطرّ قبل موته إلى الإيمان به لأنه يتبيّن أنه كان على باطل إذا عاين وتقدير سيبويه «١» وإن من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمنن به، وتقدير الكوفيين وإن من أهل الكتاب إلّا من ليؤمننّ به، وحذف الموصول خطأ. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا أي على من كان فيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>[سورة النساء (٤): آية ١٦٠]</span>\nفَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)\nفَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا قال أبو إسحاق: هذا بدل من فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [آية: ١٥٥] حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ نحو كل ذي ظفر وما أشبهه وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا أي صدّا كثيرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>[سورة النساء (٤): آية ١٦٢]</span>\nلكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)\nلكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ رفع بالابتداء. يُؤْمِنُونَ في موضع الخبر، والكوفيون يقولون: رفع بالضمير وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، في نصبه ستة أقوال فسيبويه ينصبه على المدح أي وأعني المقيمين. قال سيبويه: هذا باب ما ينصب على التعظيم ومن ذلك المقيمين الصلاة وأنشد «٢»: [البسيط] ١١١-\nوكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم ... إلّا نميرا أطاعت أمر غاويها\nالظّاعنين ولمّا يظعنوا أحدا ... والقائلون لمن دار نخلّيها\nوأنشد «٣»: [الكامل]\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ٣٦٣.\n(٢) البيتان لمالك بن خياط العكلي في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٢١، والكتاب ٢/ ٥٩، ولابن حماط العكلي في خزانة الأدب ٥/ ٤٢، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٧٠، ولسان العرب (ظعن)، وتاج العروس (ظعن) .\n(٣) مرّ البيتان في الشاهد رقم (٣٣) .","vol":"1","page":249},{"text":"١١٢-\nلا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر\nالنّازلين بكلّ معترك ... والطّيبون معاقد الأزر\nوهذا أصحّ ما قيل في المقيمين، وقال الكسائي: وَالْمُقِيمِينَ معطوف على «ما» . قال أبو جعفر: وهذا بعيد لأن المعنى يكون ويؤمنون بالمقيمين، وحكى محمد بن جرير أنه قيل: إن المقيمين هنا الملائكة ﵈ لدوامهم على الصّلاة والتسبيح والاستغفار، واختار هذا القول، وحكى أنّ النصب على المدح بعيد لأن المدح إنما يأتي بعد تمام الخبر، وخبر الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ في أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا فلا ينتصب على المدح ولم يتمّ خبر الابتداء لأنه جعل «والمؤتون» عطفا وجعل الخبر ما ذكر. ومذهب سيبويه غير ما قال، وقيل: والمقيمين عطف على الكاف التي في قبلك أي من قبلك ومن قبل المقيمين وقيل: «والمقيمين» عطف على الكاف التي في أولئك وقيل: هو معطوف على الهاء والميم أي منهم ومن المقيمين. وهذه الأجوبة الثلاثة لا تجوز لأن فيها عطف مظهر على مضمر مخفوض، والجواب السادس أن يكون و«المقيمين» عطفا على قبلك ويكون المعنى ومن قبل المقيمين ثم أقام المقيمين مقام قبل كما قال وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] وقرأ سعيد بن جبير وعاصم الجحدري والمقيمون الصلاة وكذا هو في حرف عبد الله بن مسعود فأما حرف أبيّ فهو فيه وَالْمُقِيمِينَ «١» كما في المصاحف. وَالْمُؤْتُونَ «٢» فيه خمسة أقوال: قال سيبويه: وأما «المؤتون» فمرفوع بالابتداء. وقال: غيره: هو مرفوع على إضمار مبتدأ أي فهم المؤتون الزكاة، وقيل هو معطوف على المضمر الذي في المقيمين، وقيل: هو عطف على المضمر الذي في يؤمنون أي يؤمنون هم والمؤتون، والجواب الخامس أن يكون معطوفا على الراسخين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>[سورة النساء (٤): آية ١٦٣]</span>\nإِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (١٦٣)\nإِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ انصرف نوح وهو اسم أعجمي لأنه على ثلاثة أحرف فخفّ فأما إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ فأعجمية وهي معرفة فلذلك لم ينصرف، وكذا يعقوب وعيسى وموسى إلا أن عيسى وموسى يجوز أن تكون الألف فيهما للتأنيث فلا ينصرفان في معرفة ولا نكرة. روي عن الحسن أنه قرأ ويونس «٣» بكسر النون\n_________\n(١) وهي قراءة عمرو بن عبيد وعيسى بن عمرو مالك بن دينار وعصمة عن الأعمش ويونس وهارون عن أبي عمرو أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٤١١.\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٤١٢.\n(٣) وهي قراءة نافع في رواية ابن جماز عنه أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٤١٣.","vol":"1","page":250},{"text":"وكذا يوسف بكسر السين يجعلهما من أنس وأسف ويجب على هذا أن ينصرفا ويهمزا ويكون جمعهما يأ أنس ويأ اسف ومن لم يهمز قال: يوانس ويواسف وحكى أبو زيد: يونس ويوسف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>[سورة النساء (٤): آية ١٦٤]</span>\nوَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا (١٦٤)\nوَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ بإضمار فعل أي وقصصنا رسلا لأنه معطوف على ما قد عمل فيه الفعل ومثله ما أنشد سيبويه «١»: [المنسرح] ١١٣-\nأصبحت لا أحمل السّلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا\nوالذّئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرّياح والمطرا\nويجوز أن يكون وَرُسُلًا عطفا على المعنى لأن المعنى إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ إنا أرسلناك موحين إليك وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك من قبل وفي حرف أبيّ ورسل «٢» بالرفع. وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا مصدر مؤكّد، وأجمع النحويون على أنك إذا أكّدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا وأنه لا يجوز في قول الشاعر: [الرجز] ١١٤-\nامتلأ الحوض وقال قطني «٣»\nأن يقول: قال قولا فكذا لمّا قال: تكليما وجب أن يكون كلاما على الحقيقة من الكلام الذي يعقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>[سورة النساء (٤): آية ١٦٥]</span>\nرُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)\nرُسُلًا مُبَشِّرِينَ على البدل من وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ ويجوز أن يكون على\n_________\n(١) البيتان للربيع بن ضبع في أمالي المرتضى ١/ ٢٥٥ وحماسة البحتري ٢٠١، وخزانة الأدب ٧/ ٣٨٤، وشرح التصريح ٢/ ٣٦، والكتاب ١/ ١٤٤، ولسان العرب (ضمن)، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٩٨، وبلا نسبة في الردّ على النحاة ١١٤، وشرح المفصّل ٧/ ١٠٥، والمحتسب ٢/ ٩٩.\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٤١٤. [.....]\n(٣) الشاهد بلا نسبة في إصلاح المنطق ص ٥٧، والإنصاف ١٣٠، وأمالي المرتضى ٢/ ٣٠٩، وتخليص الشواهد ١١١، وجواهر الأدب ص ١٥١، والخصائص ١/ ٢٣، ورصف المباني ص ٣٦٢، وسمط اللآلي ٤٧٥، وشرح الأشموني ١/ ٥٧، وشرح المفصّل ١/ ٨٢، وكتاب اللامات ١٤٠، ولسان العرب (قطط) و(قطن)، ومجالس ثعلب ص ١٨٩، والمقاصد النحوية ١/ ٣٦١، ومقاييس اللغة ٥/ ١٤، والمخصّص ١٤/ ٦٢، وتهذيب اللغة ٨/ ٢٦٤، وكتاب العين ٥/ ١٤، وبعده:\n«مهلا رويدا قد ملأت بطني»","vol":"1","page":251},{"text":"إضمار فعل، ويجوز نصبه على الحال أي كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ورسلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>[سورة النساء (٤): آية ١٦٦]</span>\nلكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)\nلكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ رفع وإن شئت شدّدت النون ونصبت. يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ والشاهد المبيّن لشهادته أن يبيّن، ويعلم ذلك. وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٧ الى ١٦٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اسم «إنّ» والجملة الخبر، وكذا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا مفعول ثان وقد حذفت منه «إلى» كما حذفت «من» في قوله وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الأعراف: ١٥٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٩ الى ١٧٠]</span>\nإِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)\nإِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ بدل.\nفَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ على مذهب سيبويه «١» وآتوا خيرا لكم، وعلى قول الفراء «٢» نعت لمصدر محذوف أي إيمانا خيرا لكم، وعلى قول أبي عبيدة «٣»: يكن خيرا لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>[سورة النساء (٤): آية ١٧١]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)\nيا أَهْلَ الْكِتابِ نداء مضاف. لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ نهي والغلو والتجاوز في الظلم. إِنَّمَا الْمَسِيحُ رفع بالابتداء ف عِيسَى بدل منه وكذا ابْنُ مَرْيَمَ ويجوز أن يكون خبر الابتداء، ويكون المعنى إنما المسيح ابن مريم فكيف يكون إلها هو محدث\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ٣٤٠، والبحر المحيط ٣/ ٤١٦.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٢٩٥، والبحر المحيط ٣/ ٤١٦.\n(٣) وهو مذهب الكسائي أيضا، انظر البحر المحيط ٣/ ٤١٦، ومجاز القرآن ١/ ١٤٣.","vol":"1","page":252},{"text":"ليس بقديم ويكون رَسُولُ اللَّهِ خبرا ثانيا. فَآمِنُوا بِاللَّهِ أي بأنه إله واحد خالق المسيح ومرسله. وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أي ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ قال سيبويه:\nومما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره قوله: انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ لأنك إذا قلت: انته فأنت تخرجه وتدخله في آخر وأنشد: [السريع] ١١٥-\nفواعديه سرحتي مالك ... أو الرّبى بينهما أسهلا «١»\nومذهب أبي عبيدة انتهوا يكن خيرا لكم. قال محمد بن يزيد: هذا خطأ لأنه لا يضمر الشرط وجوابه وهذا لا يوجد في كلام العرب، ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف. قال علي بن سليمان: هذا خطأ فاحش لأنه يكون المعنى انتهوا الانتهاء الذي هو خير لكم. إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ ابتداء وخبر. سُبْحانَهُ مصدر. أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ في موضع نصب أي كيف يكون له ولد وولد الرجل مشبه له ولا شبيه لله جلّ وعزّ: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا بيان، وإن شئت حال ومعنى وكيل كاف لأوليائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>[سورة النساء (٤): آية ١٧٢]</span>\nلَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)\nْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ\nأي لن يأنف نْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ\nفي موضع نصب أي من أن يكون عبدا لله لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ\nفدلّ بهذا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء صلوات الله عليهم وكذا وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [هود: ٣١] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>[سورة النساء (٤): آية ١٧٣]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧٣)\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ رفع بالابتداء والجملة الخبر، ويجوز أن يكون نصبا على إضمار فعل يفسره ما بعده وكذا وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا وقد ذكرنا معنى تسمية عيسى ﷺ بالكلمة «٢» . ومن أحسن ما قيل فيه أنّ عيسى ﷺ لما كان يهتدى به صار بمنزلة كلام الله جلّ وعزّ الذي يهتدى به ولما كان يحيى به من موت الكفر قيل له روح الله جلّ وعزّ على التمثيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>[سورة النساء (٤): آية ١٧٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)\nوَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا أي يهتدى به من الضلالة فهو نور مبين أي واضح بين.\n_________\n(١) الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في خزانة الأدب ٢/ ١٢٠، والكتاب ١/ ٣٤٠، وله أو لغيره من الحجازيين في شرح أبيات سيبويه ١/ ٤٢٨، وبلا نسبة في لسان العرب (وعد) .\n(٢) انظر إعراب الآية ٤٥- آل عمران.","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>[سورة النساء (٤): آية ١٧٥]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ أي امتنعوا بكتابه عن معاصيه وإذا اعتصموا بكتابه فقد اعتصموا به، وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ أي إلى ثوابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]</span>\nيَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)\nيَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ فيها ثلاثة أقوال: منها أن الكلالة الميت الذي لا والد له ولا ولد، ومنها أنها الورثة الذين لا والد فيهم ولا ولد، وقيل: الكلالة المال. إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ رفع بإضمار فعل وجاز هذا لأن «إن» أصل حروف المجازاة وبعدها فعل ماض يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا في موضع نصب وقيل: خفض وفيه ثلاثة أقوال: قال الفراء «١»: أي لئلا تضلّوا وهذا عند البصريين خطأ لأن «لا» لا تحذف هاهنا، وقال محمد بن يزيد وجماعة من البصريين: التقدير كراهة أن تضلّوا ثم حذف وهو مفعول من أجله، والقول الثالث: أن المعنى يبيّن الله لكم الضلالة أي فإذا بيّن لكم الضلالة اجتنبتموها. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ابتداء وخبر أي بكل شيء من مصالح عباده في قسمة مواريثهم وغيرها ذو علم.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٩٧.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>[٥] شرح إعراب سورة المائدة</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>[سورة المائدة (٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (يا) للنداء وحروف النداء عند سيبويه «١» خمسة وهي: يا وأيا وهيّا وأي والألف. و«ها» للتنبيه و(أيّ) نداء مفرد والنعت لازم له ليبيّنه الَّذِينَ نعت لأيّ ويقال: «الّذون» . آمَنُوا صلة الذين والأصل «أأمنوا» فخفّفت الهمزة الثانية ولا يجوز الجمع بينهما في حرف واحد إلّا في فعّال. أَوْفُوا مجزوم عند الكوفيين وأضمروا اللام، وغير معرب عند البصريين لأنه لا يضارع. بِالْعُقُودِ خفض بالباء وهو جمع عقد يقال: عقدت الحبل والعهد وأعقدت العسل ووجب بهذا أن يوفى بكل يمين وأمان وبيع واجارة إذا لم يكن حراما. أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ اسم ما لم يسمّ فاعله أي أحل لكم أكلها والانتفاع بها. وبنو تميم يقولون: «بهيمة» «٢» .\nإِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ في موضع نصب بالاستثناء، وهو عند سيبويه «٣» بمنزلة المفعول، وعند أبي العباس بمعنى استثنيت. قال أبو إسحاق «٤»: لا يجوز إلا ما قاله سيبويه والذي قال أبو العباس لا يصحّ، وزعم الفراء «٥»: أنه يجوز الرفع بجعلها «إلا» العاطفة والنصب عنده بإن. غَيْرَ مُحِلِّي نصب على الحال مما في أوفوا. قال الأخفش:\nأي يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد، وقال غيره: حال من الكاف والميم، والتقدير: أحلّت لكم بهيمة الأنعام غير محلى الصيد، والأصل محلّين حذفت\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ٢٣٤.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٣١، وهذه قراءة أبي السمال.\n(٣) انظر الكتاب ٢/ ٣٤٦.\n(٤) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٦١٧.\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٢٩٨.","vol":"1","page":255},{"text":"النون استخفافا وحذفت الياء في الوصل لالتقاء الساكنين. وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ابتداء وخبر.\nإِنَّ اللَّهَ اسم «إنّ» يَحْكُمُ في موضع الخبر أي بين عباده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>[سورة المائدة (٥): آية ٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وهي العلامات وقيل هي البدن المشعرة أي المعلمة أي لا تستحلّوها قبل محلّها وقيل هي العلامات التي بين الحلّ والحرم لا تتجاوزوها غير محرمين. وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ عطف، وكذا وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ قيل: هذا كلّه منسوخ وقيل حرّم عليهم أن يمسوا الهدي والقلائد قبل محلّ الهدي وروي عن الأعمش ولا آمّي البيت الحرام «١» بحذف النون والإضافة.\nيَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ في موضع نصب أي مبتغين، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ بضم الياء. قال الكسائي: هما لغتان ولا يعرف البصريون الضم في هذا المعنى وإنما يقال ذلك في الإجرام أَنْ صَدُّوكُمْ في موضع نصب مفعول من أجله أي لأن صدّوكم، وقرأ أبو عمرو وابن كثير أَنْ صَدُّوكُمْ «٢» بكسر إن وهو اختيار أبي عبيد وروي عن الأعمش إن يصدّوكم «٣» وهذه القراءة لا تجوز بإجماع النحويين إلّا في شعر على قول بعضهم لأن «إن» إذا عملت فلا بدّ في جوابها من الفاء والفعل وإن كان سيبويه قد أنشد: [الرجز] ١١٦-\nإنّك إن يصرع أخوك تصرع «٤»\nفإنّما أجازه في الشعر وقد ردّ عليه قوله فأما «إن صدّوكم» بكسر «إن» فالعلماء الجلّة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء منها أنّ هذه الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان وكان المشركون صدّوا المؤمنين عام الحديبية سنة ستّ فالصدّ كان قبل الآية وإذا قرئ بالكسر لم يجز أن يكون إلا بعده كما تقول: لا تعط فلانا شيئا إن قاتلك فهذا لا يكون إلّا للمستقبل وإن فتحت كان للماضي فوجب على هذا ألّا يجوز إلا أن صدّوكم، وأيضا فلو لم يصح هذا الحديث لكان الفتح واجبا لأن قوله تعالى:\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٣١، ومعاني الفراء ١/ ٢٩٩ والبحر المحيط ٣/ ٤٣٥ (وهي قراءة عبد الله وأصحابه) .\n(٢) انظر تيسير الداني ٨٢. [.....]\n(٣) انظر المحتسب ١/ ٢٠٦.\n(٤) مرّ الشاهد رقم (٨٥) .","vol":"1","page":256},{"text":"لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ إلى آخر الآية يدلّ على أنّ مكة كانت في أيديهم وأنّهم لا ينهون عن هذا إلّا وهم قادرون على الصدّ عن البيت الحرام فوجب من هذا فتح «أن» لأنه لما مضى وأيضا فلو كان للمستقبل لكان بعيدا في اللغة لأنك لو قلت لرجل يخاف من آخر الشتم والضرب والقتل: لا تغضب إن ضربك فلان لكان بعيدا لأنك توهم أن يغضب من الضرب فقط. أَنْ تَعْتَدُوا في موضع نصب لأنه مفعول به أي لا يكسبنّكم شنآن قوم الاعتداء، وأنكر أبو حاتم وأبو عبيد «شنان» بإسكان النون لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة وخالفهما غيرهما وقال: ليس هذا مصدرا ولكنه اسم فاعل على وزن كسلان وغضبان قال الأخفش: ثم قال عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى فقطعه من أول الكلام.\nإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ اسم انّ وخبرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>[سورة المائدة (٥): آية ٣]</span>\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ اسم ما لم يسمّ فاعله وما بعده عطف عليه، ويجوز فيما بعده النصب بمعنى وحرّم الله عليكم الدم، والأصل في دم فعل يدلّ على ذلك قول الشاعر: [الوافر] ١١٧-\nجرى الدميان بالخبر اليقين «١»\nوهو من دمي يدمى مثل: حذر يحذر، وقيل: وزنه فعل بإسكان العين.\nوَالنَّطِيحَةُ بالهاء وإن كانت مصروفة عن مفعولة لأنه لم يتقدّمها اسم. وكذا يقول:\nخضيبة فإن ذكرت مؤنّثا قلت: رأيت كفّا خضيبا هذا قول الفرّاء، والبصريون يقولون:\nجعلت اسما فحذفت منها الهاء كالذبيحة، وقيل: هي بمعنى ناطحة قال الفراء: أهل نجد يقولون «السبع» فيحذفون الضمة. إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ في موضع نصب بالاستثناء وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ وحقيقته في اللغة تستدعوا القسم بالقداح. قال الأخفش وأبو عبيدة:\nواحد الأزلام زلم وزلم. ذلِكُمْ فِسْقٌ ابتداء وخبر. الْيَوْمَ ظرف والعامل فيه يئس والتقدير اليوم يئس الذين كفروا من تغيير دينكم وردّكم عنه لما رأوا من استبصاركم بصحّته واغتباطكم به. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فدلّ بهذا على أن الإيمان والإسلام أشياء كثيرة، وهذا خلاف قول المرجئة. فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ (من) في موضع رفع\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (١٣) .","vol":"1","page":257},{"text":"بالابتداء، والتقدير فإنّ الله له غفور رحيم ثم حذف له وأنشد سيبويه: [الرجز] ١١٨-\nقد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع «١»\nاضْطُرَّ في موضع جزم بالشرط إلّا أنه فعل ماض لا يعمل فيه عامل، ويجوز كسر النون وضمّها، وقرأ ابن محيصن فمن اطّرّ «٢» وهو لحن لأن الضاد فيها تفش فلا تدغم في شيء. غَيْرَ مُتَجانِفٍ «٣» على الحال، وإن شئت كسر النون في «فمن» على أصل التقاء الساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>[سورة المائدة (٥): آية ٤]</span>\nيَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤)\nيَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ ما في موضع رفع بالابتداء، والخبر الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وذا زائدة، وإن شئت كان بمعنى الذي وكان الخبر قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وهو الحلال، وكل حرام فليس بطيب، وقيل: الطيب ما التذّه أكله وشاربه ولم يكن عليه منه ضرر في الدنيا ولا في الآخرة. وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ قال الأخفش: واحدتها جارحة. مُكَلِّبِينَ نصب على الحال. فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ الأصل أمسكنه وحذفت الهاء لطول الاسم وفي هذا وفيما قبله دليل على أنه أن أكل الجارحة لم يؤكل منه. وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ الذكر باللسان، وقيل: بالقلب والذي توجبه اللغة أن يكون باللسان حقيقة وبالقلب مجازا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>[سورة المائدة (٥): آية ٥]</span>\nالْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)\nمُحْصِنِينَ.\nنصب على الحال. غَيْرَ مُسافِحِينَ مثله، وإن شئت كان نعتا. وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ عطف على مسافحين ولا يجوز أن يكون معطوفا على محصنين. وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ شرط والجواب فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. قال أبو إسحاق «٤»: أي من بدل شيئا مما\n_________\n(١) الشاهد لأبي النجم العجلي في تخليص الشواهد ٢٨١، والكتاب ١/ ١٣٨، وخزانة الأدب ١/ ٣٥٩، والدرر ٢/ ١٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٤٤، وشرح المفصل ٦/ ٩٠، والمحتسب ١/ ٢١١، ومعاهد التنصيص ١/ ١٤٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٤، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ٦١، وشرح المفصل ٢/ ٣٠ والمقتضب ٤/ ٢٥٢، وهمع الهوامع ١/ ٩٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٤٤٢ (بإدغام الضاد في الطاء) .\n(٣) وقرأ أبو عبد الرّحمن والنخعي وابن وثاب (متجنف) بدون ألف، انظر البحر المحيط ٣/ ٤٤٢.\n(٤) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجّاج ٦٣٠.","vol":"1","page":258},{"text":"أحلّه الله فجعله حراما أو حرّم شيئا مما أحلّه الله فقد حبطت أعماله أي لا يثاب عليها.\nوَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ لا يجوز أن يكون الظرف متعلقا بالخاسرين فيدخل في الصلة ولكنه متعلّق بالمصدر، وقد ذكرنا نظيره فيما تقدّم «١» وأما قول مجاهد رواه عنه ابن جريج في قول الله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ قال «بالله» فمعناه من كفر بالإيمان كفر بالله وحبط عمله والدليل على ذلك أنّ سفيان روى عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد قال: «الإيمان قول وعمل يزيد وينقص» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>[سورة المائدة (٥): آية ٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ قال زيد بن أسلم: أي إذا قمتم من النوم إلى الصلاة وقال غيره: في الكلام حذف أي إذا قمتم إلى الصلاة وقد أحدثتم وقيل كان واجبا أن يتهيّأ للصلاة كلّ من قام إليها ثم نسخ ذلك. وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ «٣» فمن قرأ بالنصب جعله عطفا على الأول أي واغسلوا أرجلكم، وقد ذكرنا الخفض «٤»\nإلا أنّ الأخفش وأبا عبيدة «٥» يذهبان إلى أنّ الخفض على الجوار «٦» والمعنى للغسل.\nقال الأخفش: ومثله: «هذا جحر ضب خرب» وهذا القول غلط عظيم لأن الجوار لا يجوز في الكلام أن يقاس عليه وإنما هو غلط ونظيره الأقواء. ومن أحسن ما قيل أنّ المسح والغسل واجبان جميعا والمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب، والقراءتان بمنزلة آيتين وفي الآية تقديم وتأخير على قول بعضهم قال: التقدير: إذا قمتم إلى الصلاة أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى\n_________\n(١) مرّ في إعراب الآية ١٣٠ سورة البقرة.\n(٢) الحديث في إتحاف السادة المتقين ٩/ ١٥٢، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٥/ ٤١٩، واللئالئ المصنوعة للسيوطي ١/ ١٩، وتنزيه الشريعة لابن عراق ١/ ١٥٠، وميزان الاعتدال ٢١١٧، ٨٦٥٨.\n(٣) هذه قراءة نافع وابن عامر وحفص، انظر البحر المحيط ٣/ ٤٥٢، وتيسير الداني ٨٢.\n(٤) (وأرجلكم): بالخفض هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة وأبي بكر، وأنس وعكرمة والشعبي والباقر وقتادة وعلقمة والضحاك.\n(٥) انظر مجاز القرآن ١/ ١٥٥.\n(٦) انظر إعراب القرآن للزجاج ٦٣١.","vol":"1","page":259},{"text":"الكعبين. وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا أي ذوي جنب لأن جنبا مصدر وهو واحد فإن جمعته قلت: جنوب وأجناب وجناب. وحكى ثعلب ومحمد بن جرير: أجنب الرجل وجنب واجتنب والمصدر الجنابة والإجناب. فَاطَّهَّرُوا «١» والأصل فتطهّروا فأدغمت التاء في الطاء لأنها من أصول الثنايا العليا وطرف اللسان وجيء بألف الوصل ليوصل إلى الساكن وقرأ الزهري أو جاء أحد منكم من الغيط. وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ «٢» لام كي أي إرادته ليطهّركم من الذنوب. وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بالثواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>[سورة المائدة (٥): آية ٧]</span>\nوَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)\nوَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ قيل: هذا الميثاق الذي في قوله جلّ وعزّ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ [الأعراف: ١٧٢] وقيل: هذا الميثاق الذي أخذه رسول الله ﷺ عليهم في بيعة الرضوان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>[سورة المائدة (٥): آية ٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨)\nشُهَداءَ أي مبيّنين وهو منصوب على أنه خبر ثان من كونوا، ويجوز أن يكون نعتا لقوامين وبدلا ولم ينصرف لأن فيه ألف التأنيث. عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا منصوب بأن ولا تحول «لا» بين العامل والمعمول فيه لأنها قد تقع زائدة. اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>[سورة المائدة (٥): آية ٩]</span>\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إذا قلت: وعد لم يكن إلّا للخير وأوعد للشر إلا أن يبيّن. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ رفع بالابتداء. وَأَجْرٌ عَظِيمٌ عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>[سورة المائدة (٥): آية ١٢]</span>\nوَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢)\nوَلَقَدْ لام توكيد أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وهو الذي كان موسى ﷺ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٣/ ٤٥٣. [.....]\n(٢) وقرأ ابن المسيب ليطهركم بإسكان الطاء وتخفيف الهاء.","vol":"1","page":260},{"text":"أخذه عليهم. وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا نصب ببعثنا وعلامة النصب الياء وأعربت اثنا عشر من بين أخواتها لأن المثنى لا يبنى. وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ كسرت «إن» لأنها مبتدأة، ومعكم منصوب لأنه ظرف. لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ لام توكيد ومعناها القسم، وكذا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ وكذا وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>[سورة المائدة (٥): آية ١٣]</span>\nفَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)\nفَبِما نَقْضِهِمْ «ما» زائدة للتوكيد ونَقْضِهِمْ مخفوض بالباء، ويجوز رفعه في غير القرآن أي فالذي هو نقضهم. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ «١» أي يتأوّلونه على تأويله، ويُحَرِّفُونَ في موضع نصب أي جعلنا قلوبهم قاسية محرفين، قيل: معنى جعلنا قلوبهم قاسية وصفناهم بهذا، ومثله كثير قد حكاه سيبويه وغيره وقد ذكرناه.\nوَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا استثناء من الهاء والميم اللتين في خائنة منهم قال قتادة: خائنة خيانة. فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ أمر وفي معناه قولان: أحدهما فاعف عنهم واصفح ما دام بينك وبينهم عهد وهم أهل الذمة، والقول الآخر أنه منسوخ بقوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال: ٥٨] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>[سورة المائدة (٥): آية ١٤]</span>\nوَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)\nوَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ قال سعيد الأخفش هذا كما تقول: من زيد أخذت درهمه. قال أبو جعفر: ولا يجيز النحويون أخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى ولا ألينها لبست من الثياب لئلا يتقدّم مضمر على مظهر.\nفَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أي تركوا حظّا من الكتاب الذي وعظوا به وذكّروا به، وجعلوا ذلك الترك والتحريف سببا للكفر بمحمد ﷺ. وجمع حظ حظوظ، وسمع عن العرب: أحظ بإسكان الحاء، والأصل: أحظظ فابدل من الضاد ياء، وسمع منهم أحاظ. فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ قيل: يراد به النصارى، وقيل:\nاليهود والنصارى لأنه قد تقدّم ذكرهما. والأولى أن يكون للنصارى لأنهم أقرب.\nوأحسن ما قيل في معنى فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ أن الله تعالى أمر بعداوة\n_________\n(١) (الكلم): وهي قراءة الجمهور وفيها قراءات، فقد قرأها أبو عبد الرّحمن والنخعي (الكلام)، وقرأ أبو رجاء (الكلم) . انظر البحر المحيط ٣/ ٤٦١.","vol":"1","page":261},{"text":"الكفار وإبغاضهم فكلّ فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها لأنهم كفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>[سورة المائدة (٥): آية ١٥]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥)\nقرأ الحسن قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ.\nأدغم النون في اللام لقربها منها ويُبَيِّنُ في موضع نصب على الحال وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ معطوف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>[سورة المائدة (٥): آية ١٦]</span>\nيَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)\nيَهْدِي بِهِ اللَّهُ بضم الهاء على الأصل، ومن كسر أبدل من الضمة كسرة لئلا يجمع بين ضمة وكسرة. سُبُلَ السَّلامِ «١» مفعول ثان، والأصل إلى سبل السلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>[سورة المائدة (٥): آية ١٨]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)\nوَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ابتداء وخبر فردّ الله تعالى هذا عليهم فقال: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ فلم يكونوا يخلون من إحدى جهتين: إمّا أن يقولوا هو يعذّبنا، فيقال لهم: فلستم إذا أبناءه وأحبّاءه، أو يقولوا: لا يعذّبنا فيكذّبوا ما في كتبهم وما جاءت به رسلهم ويبيحوا المعاصي. بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ابتداء وخبر.\nيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وقد أعلم الله جلّ وعزّ من يغفر له أنّه من تاب وآمن وأعلم من يعذّبه، وهو من كفر وأصرّ فلما عرف معناه جاء مجملا ولم يقل ﷿:\nيغفر لمن يشاء منكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠)\nأَنْ تَقُولُوا في موضع نصب أي كراهة أن تقولوا، ويجوز مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ على الموضع.\nوروى عبيد بن عقيل عن شبل بن عبّاد عن عبد الله بن كثير أنه قرأ\n_________\n(١) قرأ الحسن وابن شهاب (سبل) ساكنة الباء، انظر البحر المحيط ٣/ ٤٦٤.","vol":"1","page":262},{"text":"يا قوم اذكروا «١» بضم الميم وكذلك ما أشبهه وتقديره يا أيّها القوم كما قال: [البسيط] ١١٩-\nويلا عليك وويلا منك يا رجل «٢»\nإِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ لم ينصرف لأن فيه ألف تأنيث. وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا قيل تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب، وقيل جعلكم ذوي منازل لا يدخل عليكم فيها إلا بإذن. وروى أنس بن عياض عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك: لا أعلمه إلا قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان له منزل أو قال بيت يأوي إليه وزوجة وخادم يخدمه فهو ملك» «٣» . ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ حذفت الياء للجزم، ويجوز إثباتها في الشعر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>[سورة المائدة (٥): آية ٢١]</span>\nيا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١)\nيا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ يعني بيت المقدس والْمُقَدَّسَةَ نعت للأرض أي المطهّرة من كثير من الذنوب بكثرة الأنبياء فيها. الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ نعت أي كتب لكم سكناها. وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ أي لا ترجعوا عن طاعتي. فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ جواب النهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>[سورة المائدة (٥): آية ٢٢]</span>\nقالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢)\nقالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا اسم «إن» . جَبَّارِينَ نعت والخبر في الظرف. حَتَّى يَخْرُجُوا نصب بحتى ولا يجوز رفعه لأنه مستقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>[سورة المائدة (٥): آية ٢٣]</span>\nقالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)\nقالَ رَجُلانِ ويجوز الإدغام إدغام اللام في الراء ويجوز إسكان الجيم من رجلين لثقل الضمة. مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ومن قرأ يَخافُونَ «٤» قال: هما جبّاران من الله عليهما بالإسلام ومن فتح الياء قال: هما من أصحاب موسى الذين يخافون الجبارين، وقد يجوز على هذه القراءة أن يكونوا من الجبّارين.\n_________\n(١) هذه قراءة ابن محيصن، انظر البحر المحيط ٣/ ٤٦٩.\n(٢) الشاهد للأعشى في ديوانه ص ١٠٧، وخزانة الأدب ٨/ ٣٩٤، وشرح المفصّل ١/ ١٢٩، ولسان العرب (ويل)، والمحتسب ٢/ ٢١٣، وتاج العروس (ويل) . وتمام البيت:\n«\nقالت هريرة لمّا جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل\n»\n(٣) انظر تفسير القرطبي ٦/ ١٢٤.\n(٤) هذه قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد، انظر البحر المحيط ٣/ ٤٧٠ ومختصر ابن خالويه ٣١.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>[سورة المائدة (٥): آية ٢٤]</span>\nقالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤)\nأَبَدًا ظرف زمان. فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ عطف على المضمر الذي في فَاذْهَبْ لأنك قد أكّدته، ويقبح عند البصريين أن تعطف على المضمر المرفوع إذا لم تؤكّده لأنه كأحد حروف الفعل إلا أنه جائز عندهم في الشعر وهو عند الفراء «١» جائز في كل موضع. إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ خبر إنّ، ويجوز في غير القرآن قاعدين على الحال لأن الكلام قد تمّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>[سورة المائدة (٥): آية ٢٥]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥)\nقالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي الأصل إنّني حذفت النون لاجتماع النونات.\nوَأَخِي في موضع نصب عطف على نفسي، وإن شئت كان عطفا على اسم إن، ويجوز أن يكون موضعه رفعا عطفا على الموضع، وإن شئت على المضمر، وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ فَافْرُقْ «٢» بكسر الراء ومعنى فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ اجعل دارنا الجنة ليكون بيننا وبينهم فرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>[سورة المائدة (٥): آية ٢٦]</span>\nقالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)\nقالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ اسم «إن» وخبرها. ومعنى محرمة أنّهم ممنوعون من دخولها كما يقال: حرّم الله وجهك على النار. أَرْبَعِينَ سَنَةً ظرف زمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>[سورة المائدة (٥): آية ٢٧]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)\nوَاتْلُ أمر فلذلك حذفت منه الواو. أمر الله تعالى النبي ﷺ أن يتلو على اليهود خبر ابني آدم إذ قرّبا قربانا وإن كان عندهم في التوراة ليعلمهم أنّ سبيلهم في عصيان الله تعالى وكفرهم بنبيه ﷺ سبيل ابن آدم ﵇ وأنهم ليسوا أكرم على الله من ابن آدم لصلبه وكان في ذلك دلالة على نبوته ﷺ إذ كان لم يقرأ الكتب وأما قول عمرو مجاهد إنّ اللذين قرّبا قربانا من بني إسرائيل فغلط يدلّ على ذلك قوله ﷿ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ. قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي من المتقين من المعاصي.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٠٤، والبحر المحيط ٣/ ٤٧١.\n(٢) هذه قراءة عبيد بن عمير ويوسف بن داود، انظر البحر المحيط ٣/ ٤٧٢.","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>[سورة المائدة (٥): آية ٢٩]</span>\nإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)\nإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يقال: كيف يريد المؤمن هذا؟ ففي هذا قولان:\nمحمد بن يزيد: هذا مجاز لمّا كان المؤمن يريد الثواب ولا يبسط يده بالقتل كان بمنزلة من يريد هذا، والجواب الآخر أنه حقيقة لأنه لما قال له: لأقتلنّك استوجب النار بهذا فقد أراد الله تعالى أن يكون من أهل النار فعلى المؤمنين أن يريدوا ذلك فأما معنى بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فمن أحسن ما قيل فيه- وهو مذهب سيبويه «١» - أنّ المعنى بإثمنا لأن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول، وحكى سيبويه: المال بيني وبينك أي بيننا، وأنشد: [الوافر] ١٢٠-\nفأيّي ما وأيّك كان شرّا «٢»\nأي فأيّنا، ويجوز أن يكون بإثمي بإثم قولك لي لأقتلنك، ويجوز أن يكون المعنى بإثم قتلي إن قتلتني. فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ عطف. وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nفَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)\nوقرأ أبو واقد فطاوعت له نفسه «٣» .\nقال أبو جعفر: هذا بعيد لأنه إنما يقال: طاوعته نفسه.\nفَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ أي أحدث له شهوة في هذا لِيُرِيَهُ لام كي يكون لما آل أمره إلى هذا كان كأنه فعله ليريه، ويجوز أن يكون المعنى ليريه الله، وإن خفّفت الهمزة قلت: سوّة. يا وَيْلَتى «٤» الأصل: يا ويلتي ثم أبدل من الياء ألفا. وقرأ الحسن يا ويلتي «٥» بالياء. والأول أفصح لأن حذف الياء في النداء أكثر. ومذهب\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ٤٢١.\n(٢) الشاهد لعباس بن مرداس في الكتاب ٢/ ٤٢٢، وهو في ديوانه ص ١٤٨، وخزانة الأدب ٤/ ٣٦٧، وذيل الأمالي ص ٦٠، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٩٣، وشرح ديوان زهير ١١٣، وشرح المفصّل ٢/ ١٣١، ولسان العرب (قوم) . وعجزه:\n«فسيق إلى المقامة لا يراها»\n(٣) هذه قراءة الحسن بن عمران والجراح ورويت عن الحسن، انظر المحتسب ١/ ٢٠٩.\n(٤) قرأ الجمهور (يا ويلتا) بألف بعد التاء، وهي بدل من ياء المتكلم، انظر البحر المحيط ٣/ ٤٨١.\n(٥) هذه قراءة الحسن، وأمال حمزة والكسائي وأبو عمرو ألف ويلتي، انظر البحر المحيط ٣/ ٤٨١. [.....]","vol":"1","page":265},{"text":"سيبويه «١» أن النداء إنما يقع في هذه الأشياء على المبالغة إذا قلت: يا عجبا فكأنك قلت: يا عجب احضر فهذا وقتك، فهذا أبلغ من قولك: هذا وقت العجب ويا ويلتا كلمة تدعو بها العرب عند الهلاك هذا قول سيبويه «٢»، وقال الأصمعي: ويل بعد وقرأ الحسن أَعَجَزْتُ «٣» بكسر الجيم. وهذه لغة شاذة إنما يقال: عجزت المرأة إذا عظمت عجيزتها، وعجزت عن الشيء أعجز عجزا ومعجزة ومعجزة. فَأُوارِيَ «٤» عطف على أكون، ويجوز أن يكون جواب الاستفهام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>[سورة المائدة (٥): آية ٣٢]</span>\nمِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)\nوقرأ يزيد بن القعقاع مِنْ أَجْلِ ذلِكَ «٥» .\nبكسر النون وإسقاط الهمزة، وهذا على لغة من قال: أجل ثمّ خفّفت الهمزة.\nيقال: أجلت الشيء آجله أجلا وإجلا إذا جنيته. أَنَّهُ في موضع نصب أي بأنّه والهاء كناية عن الحديث، ويجوز إنه بالكسر على الحكاية، والجملة خبر «انّ» . وقرأ الحسن أو فسادا «٦» أي أو عمل فسادا، ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي أو أفسد فسادا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>[سورة المائدة (٥): آية ٣٣]</span>\nإِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣)\nجَزاءُ رفع بالابتداء وخبره أَنْ يُقَتَّلُوا والتقدير: الذي يحاربون أولياء الله ومتّبعي رسله، وقرأ الحسن أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ والأصل أيديهم حذفت الضمة من الياء لثقلها، ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ابتداء وخبر.\nوَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ يدلّ على أن الحدّ لا يزيل عقوبة الآخرة عمّن لم يتب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>[سورة المائدة (٥): آية ٣٤]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا في موضع نصب بالاستثناء، ويجوز أن يكون في موضع رفع\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ٢٢٢.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٣٩٦.\n(٣) وهذه قراءة ابن مسعود وفياض وطلحة وسليمان أيضا. انظر البحر المحيط ٣/ ٤٨١.\n(٤) انظر البحر المحيط ٣/ ٤٨١.\n(٥) انظر البحر المحيط ٣/ ٤٨٣، والمحتسب ١/ ٢٠٩.\n(٦) انظر مختصر ابن خالويه ٣٢، والمحتسب ١/ ٢١٠، والبحر المحيط ٣/ ٤٨٤.","vol":"1","page":266},{"text":"بالابتداء، ويكون التقدير: إلّا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم. فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لهم. غَفُورٌ رَحِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>[سورة المائدة (٥): آية ٣٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ.\nأي بترك المعاصي والجهاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>[سورة المائدة (٥): آية ٣٨]</span>\nوَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)\nوَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ رفع بالابتداء، والخبر فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما وعند سيبويه «١» الخبر محذوف والتقدير عنده: وفيما فرض عليكم السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، والرفع عند الكوفيين بالعائد، وقرأ عيسى بن عمر وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ «٢» نصبا وهو اختيار سيبويه. قال «٣»: إلا أن العامة أبت إلّا الرفع، يريد بالعامة الجماعة ونصبه بإضمار فعل أي: اقطعوا السارق والسارقة وإنما اختار النصب لأن الأمر بالفعل أولى. وقد خولف سيبويه في هذا فزعم الفراء «٤»: أن الرفع أولى لأنه ليس يقصد به إلى سارق بعينه فنصب وإنما المعنى كلّ من سرق فاقطعوا يده. وهذا قول حسن غير مدفوع. يدلّ عليه أنهم قد أجمعوا على أن قرءوا وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما [النساء: ١٦] وهذا مذهب محمد ابن يزيد، فأما فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ولم يقل فيه: يديهما فقد تكلّم فيه النحويون فقال الخليل: أرادوا أن يفرّقوا بين ما في الإنسان منه واحد وما فيه اثنان فقال: أشبعت بطونها. وإِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤]، وقال الفراء: لما كان أكثر ما في الإنسان من الجوارح اثنين حملوا الأقل على الأكثر، وقال غيرهما: فعل هذا لأن التثنية جمع، وقيل: لأنه لا يشكل، وأجاز النحويون التثنية على الأصل والتوحيد لأنه يعرف، وأجاز سيبويه جمع غير هذا، وحكى: وصغار حالهما يريد رحلي راحلتين.\nجَزاءً بِما كَسَبا مفعول من أجله، وإن شئت كان مصدرا، وكذا نَكالًا مِنَ اللَّهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>[سورة المائدة (٥): آية ٣٩]</span>\nفَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)\nفَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ شرط وجوابه فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ.\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ١٩٦.\n(٢) وهذه قراءة ابن أبي عبلة أيضا. انظر معجم القراءات القرآنية ٢/ ٢٠٨ وتفسير القرطبي ٦/ ١١٦، والكشاف ١/ ٣٧٧، والبحر المحيط ٣/ ٤٨٩.\n(٣) انظر الكتاب ١/ ١٩٧.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٣٠٦.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>[سورة المائدة (٥): آية ٤١]</span>\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١)\nلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ويقال: يحزنك، والأول أفصح. مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ أي لم يضمروا في قلوبهم الإيمان كما نطقت به ألسنتهم. وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا يكون هذا تمام الكلام ثم قال جلّ وعزّ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أي هم سمّاعون ومثله طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ [النور: ٥٨] . وقال الفراء «١»: ويجوز سمّاعين وطوّافين كما قال: مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا [الأحزاب: ٦١] وكما قال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ [الطور: ١٧] ثم قال فاكِهِينَ [الطور: ١٨] وآخِذِينَ [الذاريات: ٢٦] ويجوز أن يكون المعنى: ومن الذين هادوا قوم سمّاعون للكذب.\nسَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ثم قال: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ أي يتأوّلونه على غير تأويله بعد أن فهموه عنك وعرفوا مواضعه التي أرادها الله ﷿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ أي إن أعطيتم هذا الذي قلنا لكم فاقبلوه. وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ أي إن نهيتم عنه فَاحْذَرُوا أن تقبلوه ممن قال لكم فإنه ليس بنبيّ يريدون أن يروا ضعفتهم أنّهم ينصحونهم. أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ أي لم يرد الله ﷿ أن يطهّر قلوبهم من الطبع عليها والختم كما طهر قلوب المؤمنين ثوابا لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>[سورة المائدة (٥): آية ٤٢]</span>\nسَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)\nأَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ «٢» .\nعلى التكثير. والسّحت في اللغة كلّ حرام يسحت الطاعات أي يذهبها، وروى العباس بن الفضل عن خارجة بن مصعب عن نافع أكّالون للسّحت «٣» بفتح السين، وهذا مصدر من سحته يقال: سحت وأسحت بمعنى واحد، وقال أبو إسحاق «٤»:\nسحته ذهب به قليلا قليلا.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٠٩.\n(٢) قرأ النحويان وابن كثير (السّحت) بضمتين، وقرأ باقي السبعة بإسكان الحاء.\n(٣) انظر البحر المحيط ٣/ ٥٠١، وهذه قراءة زيد بن علي أيضا.\n(٤) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٦٦٢. [.....]","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-635>[سورة المائدة (٥): آية ٤٤]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)\nإِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ «هدى» في موضع رفع بالابتداء ونور عطف عليه وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عطف على النبيين. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ رفع بالابتداء وخبره: فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وقد ذكرنا معناه. ومن أحسن ما قيل فيه قول الشّعبيّ قال: هذا في اليهود خاصة ويدلّ على ما قال ثلاثة أشياء: منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله لِلَّذِينَ هادُوا فعاد الضمير عليهم، ومنها أن سياق الكلام يدلّ على ذلك ألا ترى أنّ بعده. وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها فهذا الضمير لليهود بإجماع وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص فإن قال قائل «من» إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلّا أن يقع دليل على تخصيصها، قيل له «من» هاهنا بمعنى الذي مع ما ذكرنا من الأدلّة والتقدير: واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فهذا أحسن ما قيل في هذا، وقد قيل: من لم يحكم بما أنزل الله مستحلّا لذلك. وقد قيل: من ترك الحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>[سورة المائدة (٥): آية ٤٥]</span>\nوَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)\nالآية فيها وجوه «١»: قرأ نافع وعاصم والأعمش بالنصب في جميعها، وهذا بين على العطف. ويجوز تخفيف أن ورفع الكل بالابتداء والعطف، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلّا الجروح. قال أبو جعفر: حدّثنا محمد بن الوليد عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال: حدثنا حجّاج عن هارون عن عبّاد بن كثير عن عقيل عن الزهري عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قرأ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ «٢» الرفع من ثلاث جهات بالابتداء والخبر، وعلى المعنى لأن المعنى قلنا لهم النفس بالنفس، والوجه الثالث قاله أبو إسحاق «٣»: يكون عطفا على المضمر. فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ شرط وجوابه ويجوز في غيرة القرآن فمن اصّدّق به.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٣/ ٥٠٦، ومعاني الفراء ١/ ٣٠٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣١٠.\n(٣) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجّاج ٦٦٤.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>[سورة المائدة (٥): آية ٤٦]</span>\nوَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)\nوَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا على الحال. فِيهِ هُدىً في موضع رفع بالابتداء. وَنُورٌ عطف عليه. وَمُصَدِّقًا فيه وجهان يجوز أن يكون لعيسى ﷺ ونعطفه على مصدّق الأول، ويجوز أن يكون للإنجيل ويكون التقدير: وآتيناه الإنجيل مستقرّا فيه هدّى ونور ومصدّقا. وَهُدىً وَمَوْعِظَةً عطف على مصدّق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>[سورة المائدة (٥): آية ٤٧]</span>\nوَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧)\nوَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ أمر ويجوز كسر اللام والجزم لأن أصل اللام الكسر، وفي الكلام حذف، والمعنى: وأمرنا أهله أن يحكموا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ فحذف هذا، وقرأ الأعمش وحمزة وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ «١» على أنها لام كي، والأمر أشبه وسياق الكلام يدلّ عليه. قال أبو جعفر: والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان لأنّ الله تعالى لم ينزل كتابا إلّا ليعمل فيما فيه وأمر بالعمل بما فيه فصحّتا جميعا. وإذا كانت لام كي ففي الكلام حذف أي وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه أنزلناه عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>[سورة المائدة (٥): آية ٤٨]</span>\nوَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)\nوَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا حال. وَمُهَيْمِنًا عطف عليه. لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا روي عن ابن عباس أنه قال: الشرعة والمنهاج الإسلام والسنّة، وقيل:\nالشرعة ابتداء الشيء وهو قول لا إله إلّا الله، والمنهاج جملة الفرائض، وقيل: هما واحد ومن أحسن ما قيل فيه أن الشريعة والشرعة واحد وهو ما ظهر من الدين مما يؤخذ بالسمع نحو الصلاة والزكاة وما أشبههما، ومنه أشرعت بابا إلى الطريق، ومنه شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، ومنه إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا [الأعراف: ١٦٣] ومنه طريق شارع، ومنه الشّراع، والمنهاج الطريق الواضح البيّن المستقيم فجعل شريعة وطريقا بيّنا أي برهانا واضحا. ودلّ بهذا على أن شريعة محمد ﷺ مخالفة لشريعة موسى ﷺ. لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي لجعل شريعتكم واحدة.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣١٢ وقرأ أبي (وأن ليحكم) بزيادة أن قبل لام كي، انظر البحر المحيط ٣/ ٥١١.","vol":"1","page":270},{"text":"وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما في الكلام حذف تتعلق به لام كي أي ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليبلوكم أي ليتعبّدكم آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا أي فاسبقوا الخيرات من قبل أن تعجزوا عنها أو تموتوا أو يذهب وقتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>[سورة المائدة (٥): آية ٤٩]</span>\nوَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩)\nوَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وقد كان خيّره قبل هذا فنسخ التخيير بالحتم والدليل على أنّ هذا ناسخ وأنّ على الإمام أن يحكم على أهل الكتاب بالحقّ قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ [النساء: ٣٥] . وَأَنِ احْكُمْ «أن» في موضع نصب عطفا على الكتاب أي وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله أي بحكم الله الّذي أنزله إليك في كتابه. وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ الهاء والميم في موضع نصب يجب أن يكون هذا على قول من قال: حاذر، ويجوز أن يكون على قول من قال:\nحذر في قول سيبويه وأنشد: [الكامل] ١٢١-\nحذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار «١»\nأَنْ يَفْتِنُوكَ بدل وإن شئت بمعنى من أن يفتنوك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>[سورة المائدة (٥): آية ٥٠]</span>\nأَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)\nأَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ نصب بيبغون. والمعنى أنّ الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء فضارعوا الجاهلية بهذا الفعل. وَمَنْ أَحْسَنُ ابتداء وخبر. مِنَ اللَّهِ حُكْمًا على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>[سورة المائدة (٥): آية ٥١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)\nلا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ مفعولان وتولّيهم معاضدتهم على المسلمين واختصاصهم، دونهم. بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ابتداء وخبر. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم ووجبت له النار كما وجبت لهم فصار منهم أي من أصحابهم.\n_________\n(١) الشاهد لأبان اللاحقي في خزانة الأدب ٨/ ١٦٩، ولأبي يحيى اللاحقي في المقاصد النحوية ٣/ ٥٤٣ وبلا نسبة في الكتاب ١/ ١٦٨، وخزانة الأدب ٨/ ١٥٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٠٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣٤٢، وشرح المفصل ٦/ ٧١، ولسان العرب (حذر) والمقتضب ٢/ ١١٦.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-643>[سورة المائدة (٥): آية ٥٢]</span>\nفَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢)\nفَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ أي في موالاتهم. فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أي بالنصر وهو نصب بأن فَيُصْبِحُوا عطف أي فأصبحوا نادمين على تولّيهم الكفار إذا رأوا نصر الله ﷿ للمؤمنين وإذا عاينوا عند الموت فبشّروا بالعذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>[سورة المائدة (٥): آية ٥٣]</span>\nوَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣)\nقرأ أهل المدينة وأهل الشام «يا أيها الذين آمنوا» «١» بغير واو مرفوع لأنه فعل مستقبل، وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا «٢» بالواو والنصب عطفا على «أن يأتي» عند أكثر النحويين وإذا كان على هذا كان النصب بعيدا لأنه مثل قولك: عسى زيد أن يأتي ويقوم عمرو. وهذا بعيد جدا لا يصحّ المعنى عسى زيد أن يقوم عمرو، ولكن لو قلت: عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو كان جيدا ولو كانت الآية عسى الله أن يأتي بالفتح كان النصب حسنا وجوازه على أنه يحمل على هذا المعنى مثل قوله: [مجزوء الكامل] ١٢٢-\nورأيت زوجك في الوغا ... متقلّدا سيفا ورمحا «٣»\nوفيه قول آخر تعطفه على الفتح كما قال: [الوافر] ١٢٣-\nللبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف «٤»\nوقرأ الكوفيون وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بالرفع على القطع من الأول. أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ أي قالوا إنّهم ويجوز أنّهم بأقسموا إنّهم ويجوز أنّهم بأقسموا فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ أي خاسرين للثواب.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٣/ ٥٢١، ومعاني الفراء ١/ ٣١٣.\n(٢) انظر تيسير الداني ٨٢.\n(٣) الشاهد بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٠٨، وأمالي المرتضى ١/ ٥٤، والإنصاف ٢/ ٦١٢، وخزانة الأدب ٢/ ٢٣١، والخصائص ٢/ ٤٣١، وشرح شواهد الإيضاح ١٨٢، وشرح المفصل ٢/ ٥٠، ولسان العرب (رغب) و(زجج)، والمقتضب ٢/ ٥١. والشطر الأول:\n«يا ليت زوجك قد غدا»\n(٤) الشاهد لميسون بنت بحدل في خزانة الأدب ٨/ ٥٠٣، والدرر ٤/ ٩٠، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٢٧٣، وشرح التصريح ٢/ ٢٤٤، وشرح شواهد الإيضاح ٢٥٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٥٣، ولسان العرب (مسن)، والمحتسب ١/ ٣٢٦، ومغني، اللبيب ١/ ٢٦٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٧، وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ٤٨، والأشباه والنظائر ٤/ ٢٧٧، وأوضح المسالك ٤/ ١٩٢، والجنى الداني ١٥٧، وخزانة الأدب ٨/ ٥٢٣، والردّ على النحاة ١٢٨، ورصف المباني ص ٤٢٣، وشرح الأشموني ٣/ ٥٣١.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-645>[سورة المائدة (٥): آية ٥٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)\nيا أيّها الذين آمنوا من يرتدد منك عن دينه. هذه قراءة «١» أهل المدينة وأهل الشام، وقرأ أهل الكوفة وأهل البصرة مَنْ يَرْتَدَّ بفتح الدال لالتقاء الساكنين، ويجوز كسرها إلا أن الفتح اختير لأنه أخف، وقال الكوفيون: فتح لأنه بني على التشبيه من قولك: ردّا ولهذا عند الفراء فتح الفعل الماضي، ويرتدد أحسن لأن الحرف الثاني قد سكن. فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ في موضع النعت. أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ نعت أي يرؤفون بهم ويرحمونهم. أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يغلظون عليهم ويعادونهم، ويجوز «أذلّة» بالنصب على الحال أي يحبّهم ويحبّونه في هذا الحال. يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ فدلّ بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ لأنهم الذين جاهدوا في الله في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته. ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ابتداء وخبر. وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ أي واسع الفضل عليم بمصالح خلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>[سورة المائدة (٥): آية ٥٥]</span>\nإِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥)\nإِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ابتداء وخبر. وَرَسُولُهُ عطف. وَالَّذِينَ آمَنُوا كذلك ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أن محمد بن علي أبا جعفر سئل عن معنى إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا هل هو علي بن أبي طالب ﵁؟ فقال: علي من المؤمنين «٢»، يذهب إلى أن هذا لجميع المؤمنين وهذا قول بين لأن الذين لجماعة المؤمنين وهذا في تولّي المؤمنين بعضهم بعضا وليس هذا من الإمامة في شيء يدلّ على ذلك أن هذا التولّي في حياة رسول الله ﷺ، ومعنى يقيمون الصلاة يأتون بها في أوقاتها بجميع حقوقها كما يقال: فلان قائم بعمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>[سورة المائدة (٥): آية ٥٦]</span>\nوَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦)\nوَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مبتدأ، فقيل الخبر محذوف والتقدير: ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فهو من حزب الله وقيل هُمُ الخبر والْغالِبُونَ خبر ثان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>[سورة المائدة (٥): آية ٥٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٨٢، والبحر المحيط ٣/ ٥٢٣.\n(٢) انظر البحر المحيط ٣/ ٥٢٥.","vol":"1","page":273},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا وهذه قراءة أهل المدينة، وقرأ أهل الكوفة»\nهزؤا حذفوا الضمة لثقلها فان خفّفت الهمزة على قراءة أهل المدينة قلبتها واوا فقلت «هزوا» وإن خفّفتها على قراءة أهل الكوفة قلت «هزا» مثل «هدى» . مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ هذه قراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة أي ولا تتّخذوا الكفار أولياء، وقرأ أبو عمرو والكسائي وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ «٢» بمعنى ومن الكفار ومِنَ هاهنا لبيان الجنس والنصب أوضح وأبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>[سورة المائدة (٥): آية ٥٩]</span>\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩)\nهَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا وتدغم اللام في التاء لقربها منها إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ في موضع نصب أي هل تنقمون منا إلّا إيماننا به وقد علمتم أنّا على الحقّ وفسقكم في ترككم الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>[سورة المائدة (٥): آية ٦٠]</span>\nقُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠)\nقُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ أي بشرّ من نقمتكم علينا، وقيل: من شرّ ما تريدون لنا من المكروه مَثُوبَةً على البيان وأصلها مفعولة فألقيت حركة الواو على الثاء فسكنت الواو وبعدها واو ساكنة فحذفت إحداهما مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ في موضع رفع كما قال ﷿: بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ [الحج: ٧٢] والتقدير: هو لعن من لعنه الله، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى قل هل أنبئكم من لعنه الله، ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من شرّ وقد ذكرنا وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ والقراءات «٣» فيه، ويجوز على قراءة الأعمش وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بحذف الضمة لثقلها ويجوز على قراءة حمزة وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ «٤» بحذف الضمة أيضا وبنصبه على الذمّ وإن شئت كان منصوبا بمعنى وجعل منهم أي وصفهم بهذا، ويجوز الرفع بمعنى وهم ويجوز الخفض عطفا على مِنْ إذا كانت في موضع خفض. أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا «٥» يقال ليس في المؤمنين شرّ فكيف جاء أولئك شرّ مكانا ففي هذا أجوبة حكى الكوفيون: العسل أحلى من الخلّ، وإن كان مردودا، وقال أبو إسحاق «٦»: المعنى أولئك شرّ مكانا على قولكم. ومن أحسن ما قيل فيه: أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٦٣.\n(٢) انظر تيسير الداني ٨٣.\n(٣) انظر البحر المحيط ٣/ ٥٢٩. [.....]\n(٤) انظر تيسير الداني ٨٣.\n(٥) انظر البحر المحيط ٣/ ٥٣١.\n(٦) انظر البحر المحيط ٣/ ٥٣١.","vol":"1","page":274},{"text":"لما لحقكم من الشرّ، وقيل: أولئك الذين نسيهم الله شرّ من الذين نقموا عليكم، وقيل: أولئك الذين نقموا عليكم شرّ من الذين لعنهم الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>[سورة المائدة (٥): آية ٦١]</span>\nوَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)\nوَقَدْ دَخَلُوا أي بالإبغاض للنبي ﷺ وللمؤمنين وتمنّي هلاكهم وخرجوا منطوين عليه وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ من الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>[سورة المائدة (٥): آية ٦٤]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)\nغُلَّتْ أَيْدِيهِمْ اسم لم يسمّ فاعله حذفت الضمة من الياء لثقلها أي غلّت في الآخرة، ويجوز أن يكون دعاءا عليهم، وكذا وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ابتداء وخبر.\nقال الأخفش وفي قراءة عبد الله بل يداه بسطان «١» . قال الأخفش: يقال: يد بسطة أي منطلقة منبسطة. وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ لام قسم. كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا ظرف أي كلّما جمعوا وأعدّوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>[سورة المائدة (٥): آية ٦٥]</span>\nوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)\nوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ «أن» في موضع رفع، وكذا وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>[سورة المائدة (٥): آية ٦٧]</span>\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧)\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي كلّ ما أنزل من ربك. وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ شرط وجوابه. فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ «٢» «٣» هذه قراءة أهل المدينة، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة والكسائي (رسالته) على واحدة والقراءتان حسنتان إلا أن الجمع أبين لأن رسول الله ﷺ كان ينزل عليه الوحي شيئا شيئا ثم يبينه. وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ دلالة على نبوة رسول الله ﷺ لأن الله جلّ وعزّ خبّر أنه معصوم، وفي هذه الآية دلالة على ردّ قول من قال: إن النبي ﷺ كتم شيئا من أمر الدين تقيّة، ودلالة على أنه لم يسرّ إلى أحد شيئا من أمر الدين لأن المعنى بلّغ كل ما أنزل إليك ظاهرا ولولا هذا ما كان في قوله جلّ وعزّ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ فائدة.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٣/ ٥٣٥، ومعاني الفراء ١/ ٣١٥.\n(٢) انظر تيسير الداني ٨٣.\n(٣) هذه قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر، وقرأ باقي السبعة على التوحيد. انظر البحر المحيط ٣/ ٥٤٠.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-655>[سورة المائدة (٥): آية ٦٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اسم إن. وَالَّذِينَ هادُوا عطف عليه. وَالصَّابِئُونَ وقرأ سعيد ابن جبير والصابئين «١» بالنصب، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله منهم وعمل صالحا فلهم أجرهم والصابئون والنصارى كذلك. وأنشد سيبويه وهو نظير هذا: [الوافر] ١٢٤-\nوإلّا فاعلموا أنّا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق «٢»\nوقال الكسائي والأخفش ذكره في «المسائل الكبير»: و«الصابئون» عطف على المضمر الذي في هادوا، وقال الفراء «٣»: إنما جاز الرفع لأن الذين لا يبين فيه الإعراب. قال أبو جعفر: وسمعت أبا إسحاق يقول، وقد ذكر له قول الأخفش والكسائي: هذا خطأ من جهتين: أحدهما أن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه حتى يؤكّد، والجهة الأخرى أن المعطوف شريك المعطوف عليه فيصير المعنى: إنّ الصابئين قد دخلوا في اليهودية وهذا محال وسبيل ما لا يتبيّن فيه الإعراب وما يتبيّن فيه واحدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>[سورة المائدة (٥): آية ٧٠]</span>\nلَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)\nفَرِيقًا كَذَّبُوا أي كذبوا فريقا وكذلك وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>[سورة المائدة (٥): آية ٧١]</span>\nوَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١)\nوَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ هذه قراءة الكوفيين وأبي عمرو والكسائي، وقرأ «٤» أهل الحرمين بالنصب. قال سيبويه «٥»: حسبت أن لا تقول ذاك أي حسبت أنه قال: وإن\n_________\n(١) هذه قراءة عثمان وأبيّ وعائشة وابن جبير والجحدري وابن كثير، انظر البحر المحيط ٣/ ٥٤١.\n(٢) الشاهد لبشر بن أبي خازم في الكتاب ٢/ ١٥٨، وفي ديوانه ١٦٥، وتخليص الشواهد ص ٣٧٣، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٩٣، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٤، وشرح التصريح ١/ ٢٢٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٧١، وبلا نسبة في أسرار العربية ١٥٤، وشرح المفصل ٨/ ٦٩.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٣١٠.\n(٤) انظر الكتاب ٣/ ١٨٩.\n(٥) هذه قراءة ابن عامر وعاصم أيضا.","vol":"1","page":276},{"text":"شئت نصبت. قال أبو جعفر: الرفع عند النحويين في حسبت وأخواتها أجود كما قال قال امرؤ القيس: [الطويل] ١٢٥-\nألا زعمت بسباسة اليوم أنّني ... كبرت وأن لا يشهد اللهو أمثالي «١»\nوإنما صار الرفع أجود لأن حسبت وأخواتها بمنزلة العلم في أنه شيء ثابت وإنما يجوز النصب على أن تجعلهنّ بمنزلة خشيت وخفت هذا قول سيبويه في النصب.\nفِتْنَةٌ اسم تكون. والفتنة: الاختبار فإن وقعت لغيره فذلك مجاز والمعنى وحسبوا أن لا يكون عقاب. فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ولم يقل:\nعمي وصمّ، والفعل متقدّم ففي هذا أجوبة: منها أن يكون كثير منهم بدلا من الواو.\nقال الأخفش سعيد: كما تقول رأيت قومك ثلثيهم، وإن شئت كانت على إضمار مبتدأ أي العمي والصمّ منهم كثير، وجواب رابع يكون على لغة من قال: أكلوني البراغيث.\nقال الأخفش: يجوز أن يكون هذا منها وأنشد: [الطويل] ١٢٦-\nولكن ديافيّ أبوه وأمّه ... بحوران يعصرن السليط أقاربه «٢» .\nويجوز في غير القرآن كثيرا بالنصب نعتا لمصدر محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>[سورة المائدة (٥): آية ٧٢]</span>\nلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢)\nلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وهذا قول اليعقوبيّة «٣» فردّ الله جلّ وعزّ ذلك عليهم بحجّة قاطعة مما يقرّون به فقال وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ أي إذا كان المسيح يقول: يا ربّ ويا الله فكيف يدعو نفسه أم كيف يسألها هذا محال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>[سورة المائدة (٥): آية ٧٣]</span>\nلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)\n_________\n(١) الشاهد لامرى القيس في ديوانه ص ٢٨، وجمهرة اللغة ١٢١، وبلا نسبة في لسان العرب (لها)، وتاج العروس (لها) . وفي الديوان «وأن لا يحسن اللهو» .\n(٢) الشاهد للفرزدق في ديوانه ١/ ٤٦، والكتاب ٢/ ٣٥، والاشتقاق ٢٤٢، وتخليص الشواهد ٤٧٤، وخزانة الأدب ٥/ ١٦٣، والدرر ٢/ ٢٨٥، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٩١، وشرح شواهد الإيضاح ٣٣٦، وشرح المفصل ٣/ ٨٩، ولسان العرب (سلط) و(دوف)، وبلا نسبة في الجنى الداني ١٥٠، وخزانة الأدب ٧/ ٤٤٦، والخصائص ٢/ ١٩٤، ورصف المباني ١٩، وسرّ صناعة الإعراب ٤٤٦، ولسان العرب (خطأ)، وهمع الهوامع ١/ ١٦٠.\n(٣) اليعقوبية: فرقة من النصارى، انظر البحر المحيط ٣/ ٥٤٣. [.....]","vol":"1","page":277},{"text":"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ هذا المعنى أحد ثلاثة ولا يجوز فيه التنوين فإن قلت: ثالث اثنين جاز التنوين. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ (من) زائدة ويجوز في غير القرآن إلا إلها واحدا على الاستثناء، وأجاز الكسائي «١» الخفض على البدل وذلك خطأ عند الفراء «٢» والبصريين لأن «من» لا تدخل في الإيجاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nمَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)\nمَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ابتداء وخبر، أي إن المسيح ﷺ وإن أظهر الآيات فإنما جاء بها كما جاءت الرسل. وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ابتداء وخبر. كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ أي: فإذا كانا يأكلان الطعام كانا يحدثان فكنّى الله تعالى عن ذلك وكان في هذا دلالة على أنّهما بشران قال الله تعالى انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي كيف يصرفون عن الحقّ بعد هذا البيان ثم زادهم في البيان فقال:\nقُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا.\nأي أنتم مقرّون أن عيسى كان جنينا في بطن أمّه لا يملك لأحد ضرّا ولا نفعا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي أنتم قد أقررتم أنّ عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يعلم والله جلّ وعزّ لم يزل سميعا عليما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>[سورة المائدة (٥): آية ٧٧]</span>\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧)\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ أي لا تفرطوا كما أفرطت اليهود والنصارى في عيسى. وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ جمع هوى وهكذا جمع المقصور على نظيره من السالم، وقيل: هوى لأنه يهوي بصاحبه في الباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>[سورة المائدة (٥): آية ٧٨]</span>\nلُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)\nلُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا اسم ما لم يسمّ فاعله، وبعض العرب يقول: الّذون.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٣/ ٥٤٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣١٧.","vol":"1","page":278},{"text":"عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أي أمر بلعنهم فلعنّاهم ولم ينصرف داود ﵇ لأنه اسم أعجميّ لا يحسن فيه الألف واللام فإن حسنت في مثله ألف ولام انصرف نحو طاوس وراقود. ذلِكَ في موضع رفع بالابتداء أي ذلك اللعن. بِما عَصَوْا، ويجوز أن يكون على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك، ويجوز أن يكون في موضع نصب أي فعلنا ذلك بهم بعصيانهم واعتدائهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>[سورة المائدة (٥): آية ٧٩]</span>\nكانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)\nكانُوا لا يَتَناهَوْنَ مرفوع لأنه فعل مستقبل وهو في موضع نصب لأنه خبر كان. لَبِئْسَ لام توكيد. قال أبو إسحاق: المعنى لبئس شيئا فعلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>[سورة المائدة (٥): آية ٨٠]</span>\nتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠)\nتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا هم اليهود كانوا يتولّون المشركين وليسوا على دينهم. لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، (أن) في موضع رفع على إضمار مبتدأ، وقيل: بدل مما في «لبئس ما»، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى لأن سخط الله. وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>[سورة المائدة (٥): آية ٨١]</span>\nوَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١)\nفدلّ بهذا على أنّ من اتّخذ كافرا وليا فليس بمؤمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>[سورة المائدة (٥): آية ٨٢]</span>\nلَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)\nلَتَجِدَنَّ لام قسم ودخلت النون على قول الخليل وسيبويه فرقا بين الحال والمستقبل. أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ مفعولان وعَداوَةً على البيان وكذا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى وفي هذا قولان: أحدهما أنهم لم يكونوا نصارى على الحقيقة ولا يجوز أن يمدح الله تعالى كافرا وإنما هم قوم كانوا يؤمنون بعيسى، ولا يقولون: إنه إله فسمّوا بالنصارى قبل أن يسلموا، والقول الآخر أن المعنى: الذين قالوا إنا نصارى. ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ اسم أن ويقال في جمع قسيس مكسرا قساوسة أبدل من إحدى السينين واو، ويقال قسّ بمعناه وجمعه","vol":"1","page":279},{"text":"قسوس ويقال للنميمة أيضا قسّ. وقد قسّ الحديث قسّا. ورهبانا: جمع راهب والفعل منه رهب الله يرهب أي خافه رهبا رهبانا ورهبة. قال أبو عبيد: ويقال: رهبان للواحد.\nقال الفراء: جمعه رهابنة ورهابين. وَأَنَّهُمْ في موضع خفض عطفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>[سورة المائدة (٥): آية ٨٣]</span>\nوَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)\nوأجاز سيبويه في الشعر الجزم بإذا. تَفِيضُ في موضع نصب على الحال وكذا (يقولون) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>[سورة المائدة (٥): آية ٨٤]</span>\nوَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)\nوَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ في موضع نصب على الحال أي شيء لنا في هذه الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>[سورة المائدة (٥): آية ٨٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في موضع رفع نعت لأي. لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ جزم على النهي فلذلك حذفت منه النون وكذا وَلا تَعْتَدُوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>[سورة المائدة (٥): آية ٨٨]</span>\nوَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)\nوَاتَّقُوا اللَّهَ في موضع نصب نعت. أَنْتُمْ ابتداء مُؤْمِنُونَ خبر، وهما صلة الذي وعادت إليه الهاء التي في (به) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>[سورة المائدة (٥): آية ٨٩]</span>\nلا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)\nقرأ أبو عمرو وأهل المدينة. وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ بالتشديد، وقرأ أهل الكوفة والكسائي بما عقدتم «١» بالتخفيف. وأنكر أبو عبيد التشديد «٢» . قال:\nلأنه للتكرير، وزعم أنه يخاف أن يلزم من قرأ به أن لا يوجب الكفّارة حتى يحلف مرارا، قال: وهذا خارج من قول الناس. قال أبو جعفر: هذا لا يلزم، وفي التشديد قولان: قال أبو عمرو: عقّدتم وكّدتم أي فكما تقول: وكّدتم فكذا تقول: عقّدتم ومعنى عقدت اليمين ووكّدتها أن يحلف الحالف على الشيء غير غالط ولا ناس،\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٨٣.\n(٢) قرأ الحرميان وأبو عمر بتشديد القاف.","vol":"1","page":280},{"text":"وقيل: عقّدتم لأنه لجماعة. فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ابتداء وخبر ويجوز تنوين إطعام ونصب عشرة بغير تنوين وبتنوين على أن يكون مَساكِينَ في موضع نصب على البدل. مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ البيّن في هذا أن يكون ما تطعمون ليس بالرفيع ولا بالدّون. كِسْوَتُهُمْ في موضع نصب وعلامة النصب فيه الياء وحذفت النون للإضافة. أَوْ كِسْوَتُهُمْ عطف على إطعام وكذا أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ويجوز «أو تحرير رقبة»، وكذا فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ والتقدير فعليه. ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ ابتداء وخبر والتقدير إذا حلفتم وحنثتم ثم حذف. وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ أمر الله جلّ وعزّ، بحفظ الأيمان وترك التهاون بها حتى تنسى ليذكرها ويقوم فيها بما يجب عليه من كفارة أو غيرها. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ الكاف في موضع نصب أي يبيّن لكم آياته بيانا مثل ما بيّن لكم في كفارة اليمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>[سورة المائدة (٥): آية ٩٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)\nإِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ الخمر عند العرب عصير العنب إذا اشتدّ، ثم قال رسول الله ﷺ: «كلّ مسكر خمر» «١» فجعله بمنزلة هذه التي تعرفها العرب بالخمر والأنصاب: الأوثان والأزلام القداح، والتقدير واستعمال الأزلام. رِجْسٌ خبر الابتداء. والرجس عند العرب كلّ عمل يقبح فعله والفعل منه رجس يرجس ورجس يرجس، والرجس بفتح الراء وإسكان الجيم الصوت والفعل من الميسر. يسر ييسر فهو ياسر ويسر. فَاجْتَنِبُوهُ يكون فاجتنبوا الرّجس، ويكون فاجتنبوا هذا الفعل ويكون لأحد هذه الأشياء، ويكون باقيها داخلا فيما دخل فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>[سورة المائدة (٥): آية ٩٣]</span>\nلَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)\nلَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا أي من الحلال ودلّ على هذا إِذا مَا اتَّقَوْا فأمّا التكرير في قوله: إِذا مَا اتَّقَوْا ثُمَّ اتَّقَوْا ففيه أقوال: منها أن يكون المعنى: إذا ما اتقوا الكفر ثم آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا المعاصي ثم اتّقوا ظلم النّاس ودلّ على هذا وَآمَنُوا وقيل: إذا ما اتّقوا فيما مضى وصلحت «إذا» لما مضى على إضمار كانوا ثم اتّقوا للحال ثم اتّقوا في المستقبل، وقيل إذا اتّقوا للحال ثُمَّ اتَّقَوْا للمستقبل ثم اتقوا أقاموا على التقى، وقيل: إذا اتّقوا الكفر ثم اتّقوا الكبائر ثم اتّقوا الصّغائر.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في كتاب الأشربة، باب ما جاء في شارب الخمر رقم (١٨٦١) .","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-674>[سورة المائدة (٥): آية ٩٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤)\nلَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ لام قسم وفي دخول «من» ثلاثة أجوبة تكون لبيان الجنس كما تقول: لأمتحننّك بشيء من الذهب وكما قال سيبويه «١»: هذا باب علم ما الكلم من العربيّة، ويجوز أن تكون «من» للتبعيض لأن المحرم صيد البرّ خاصة، ويجوز أن يكون التبعيض لأن الصيد إنما منع في الإحرام خاصّة. وواحد الحرم حرام أي محرم ومحرم يقع على ضربين أحدهما بالحجّ أو العمرة، والآخر أنه يقال: أحرم إذا دخل الحرم. لِيَعْلَمَ اللَّهُ لام كي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>[سورة المائدة (٥): آية ٩٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥)\nوَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا شرط والجواب فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ وهذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقرأ أهل الكوفة فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ «٢» وروى هارون ابن حاتم عن ابن عياش عن عاصم فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ «٣» ينصب «مثل» .\nقال الكسائي: وفي حرف عبد الله فجزاؤه مثل ما قتل «٤» فقراءة المدنيين وأبي عمرو بمعنى فعليه جزاء مثل ما قتل، ويجوز أن يكون هذا على قراءة الكوفيين أيضا ويكون «مثل» نعتا لجزاء، ويجوز أن يكون «جزاء» مرفوعا بالابتداء وخبره «مثل ما قتل» والمعنى فجزاء فعله مثل ما قتل ومن نصب «مثلا» فتقديره فعليه أن يجزي مثل ما قتل.\nيَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ تثنية ذو على الأصل. هَدْيًا نصب على الحال من الهاء التي في «به» ويجوز أن يكون على البيان، ويجوز أن يكون مصدرا، وقرأ الأعرج هديّا بتشديد الياء «٥» وهي لغة فصيحة. بالِغَ الْكَعْبَةِ أصله بالغا الكعبة لأنه نعت لنكرة.\nأَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ «٦» هذه قراءة أهل المدينة على إضافة الجنس وقراءة أبي عمرو وأهل الكوفة أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ قال أبو عبيد: لأن الطعام هو الكفارة، وهو عند البصريين على البدل. أَوْ كَفَّارَةٌ معطوفة على جزاء أي أو عليه كفارة.\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ٤٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٢، وتيسير الداني ٨٣.\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٢، والمحتسب ١/ ٢١٨.\n(٤) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٢.\n(٥) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٣.\n(٦) هذه قراءة عبد الله بن الحارث أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٢٦.","vol":"1","page":282},{"text":"أَوْ عَدْلُ ذلِكَ قد ذكرناه. صِيامًا على البيان. لِيَذُوقَ بلام كي. وَمَنْ عادَ في موضع جزم بالشرط إلا أنه فعل ماض مبني على الفتح. فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ فعل مستقبل وفيه جواب الشرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>[سورة المائدة (٥): آية ٩٦]</span>\nأُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)\nأُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ اسم ما لم يسم فاعله. وَطَعامُهُ عطف عليه. وقد ذكرنا معناه ومن أحسن ما قيل فيه أن الله تعالى أحلّ صيد البحر وأكله، وقد قيل: طعامه الماء لأنه يتطعّم، وقرأ ابن عباس وطعمه «١» بضم الطاء وإسكان العين. مَتاعًا منصوب على أنه مصدر لأن معنى أحلّ لكم هذا متّعتم به متاعا، ونظيره كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٤] . ما دمتم حرما، ويقال: «دمتم» «٢» والضمّ أفصح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>[سورة المائدة (٥): آية ٩٧]</span>\nجَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)\nجَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ مفعول أول، وقيل لها كعبة لتربيع أعلاها. الْبَيْتَ الْحَرامَ بدل. قيما مفعول ثان وقرأ ابن عامر وعاصم الجحدري قِيامًا لِلنَّاسِ «٣» وهما من ذوات الواو فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها، وقد قيل: قوام. وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ عطف. لِتَعْلَمُوا في موضع رفع أي الأمر ذلك ويجوز أن يكون في موضع نصب أي فعل الله ذلك. أَنَّ لام كي. أَنَّ اللَّهَ في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>[سورة المائدة (٥): آية ١٠١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)\nأَشْياءَ لا تنصرف، وللنحويين فيها أقوال: قال «٤» الخليل وسيبويه رحمهما الله والمازني: أصلها فعلاء شيئاء فاستثقلت همزتان بينهما ألف فقلبت الأولى فصارت لفعاء، وقال الكسائي وأبو عبيد: لم تنصرف لأنها أشبهت حمراء لقول العرب:\nأشياوات مثل حمراوات، وقال الأخفش والفراء»\nوالزيادي: لم تنصرف لأنها أفعلاء\n_________\n(١) هذه قراءة يحيى بن وثاب، انظر البحر المحيط ٤/ ٢٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٨، وتيسير الداني ٨٣، ومختصر ابن خالويه ٣٥.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٥٢٤، والبحر المحيط ٤/ ٣٢. [.....]\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٣٢١.\n(٥) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٦.","vol":"1","page":283},{"text":"أشيئاء على وزن أشيعاع كما يقال: هين وأهوناء. قال أبو حاتم: أشياء أفعال مثل أنباء وكان يجب أن تنصرف إلا أنّها سمعت عن العرب غير معروفة فاحتال لها النحويون باحتيالات لا تصحّ. قال أبو جعفر: أصحّ هذه الأقوال قول الخليل وسيبويه والمازني ويلزم الكسائي وأبا عبيد ألّا يصرفا أسماء وأبناء لأنه يقال فيهما: أبناوات وأسماوات، حدّثني أحمد بن محمد الطبري النحوي يعرف بابن رستم عن أبي عثمان المازني قال:\nقلت للأخفش: كيف تصغّر أشياء؟ فقال: أشياء فقلت له: يجب على قولك أن تصغّر الواحد ثم تجمعه فانقطع. قال أبو جعفر وهذا كلام بيّن لأن أشياء لو كانت أفعلاء ما جاز أن تصغّر حتى تردّ إلى الواحد، وأيضا فإن فعلا لا يجمع على أفعلاء، وإمّا أن يكون أفعالا على قول أبي حاتم فمحال لأن أفعالا لا يمتنع من الصرف وليس شيء يمتنع من الصرف لغير علّة، والتقدير لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، وأحسن ما قيل في هذا ما رواه أبو هريرة ﵀ أن رجلا قال للنبي ﷺ:\nمن أبي؟ فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ فالمعنى على هذا لا تسألوا عن أشياء مستورة قد عفا الله عنها بالتوبة إن تبد لكم تسؤكم وعلم الله جلّ وعزّ أن الصلاح لهم أن لا تسألوا عنها، وقيل هذه أشياء عفا الله عنها كما قال النبي ﷺ: «الحلال بيّن والحرام بيّن وأشياء سكت الله ﷿ عنها هي عفو» «١» ومعنى سكت الله عنها لم ينه عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٢]</span>\nقَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)\nأي ردّوا على أنبيائهم فقالوا ليس الأمر كما قلتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ.\nإغراء لأن معنى عليكم: الزموا. لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ «٢» خبر ويجوز أن يكون جزما على الجواب أو على النهي يراد به المخاطبون كما يقال: لا أرينّك هاهنا وإذا كان جزما جاز ضمّه وفتحه وكسره، وحكى الأخفش لا يَضُرُّكُمْ «٣» جزما من ضار يضير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)\n_________\n(١) هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٢.\n(٢) هذه قراءة النخعي، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٢.\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٢.","vol":"1","page":284},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ من أشكل آية في القرآن وقد ذكرنا فيها أقوالا للعلماء، ونذكر هاهنا:\nأحسن ما قيل فيها حدّثنا الحسن بن آدم بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال:\nحدّثنا أبو زيد هارون بن محمد يعرف بابن أبي الهيذام قال: حدّثني أبو مسلم الحسن ابن أحمد بن أبي شعيب الحراني قال: حدّثنا محمد بن سلمة قال: حدّثنا محمد بن إسحاق عن أبي النّضر عن باذان مولى أم هانئ ابنة أبي طالب عن ابن عباس عن تميم الداريّ في هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ قال: برىء الناس منها غيري وغير عدي بن بدّاء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبيل الإسلام فأقبلا من الشام بتجارتهما وقدم عليهم مولى لبني سهم يقال له: بديل بن أبي مريم «١» بتجارة ومعه جام من فضّة يريد به الملك وهو مال عظيم قال: فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلّغا ما ترك أهله قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم واقتسمناه إليهما أنا وعدي بن بداء قال: فلمّا قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقدوا الجام فسألوا عنه فقلنا ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فوثبوا إليه وأتوا به النبي ﷺ فسألهم البيّنة فلم يجدوا بأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف فأنزل الله ﷿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إلى قوله جلّ وعزّ:\nأَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فنزعت خمسمائة الدرهم من عدي بن بداء، وحدّثنا الحسن بن آدم قال: حدّثنا أبو يزيد قال:\nحدّثني أبو زائدة زكرياء بن يحيى بن أبي زائدة قال: وجدت في كتاب أبي بخطّه:\nحدّثني محمد بن القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس أن تميما الداريّ وعديّ بن بدّاء كانا يختلفان إلى مكة في تجارة فخرج معهما رجل من بني سهم ببضاعة فتوفّي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما فجاءا بتركته فدفعوها إلى أهله وحبسوا عنهم جاما «٢» من فضة مخوصا بالذهب قالوا: لم نره فأتوا بهما النبي ﷺ فأمر بهما فحلفا بالله ﷿ ما كتمنا ولا ظلمنا فخلّى سبيلهما ثم إن الجام وجد بمكة زعموا أنهم اشتروه من عدي وتميم فقام رجل من أولياء السّهميّين فحلف بالله أنّ الجام\n_________\n(١) بديل بن أبي مريم، وقيل ابن أبي مارية السهمي، مولى عمرو بن العاص، انظر ترجمته في الإصابة ١/ ٤٥ (٦٠٩) .\n(٢) الجام من الفضة: الإناء.","vol":"1","page":285},{"text":"لجام السهمي ولشهادتنا أحقّ من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ثم أخذوا الجام وفيهم أنزلت هذه الآية «١» . شَهادَةُ بَيْنِكُمْ «٢» رفع بالابتداء، وخبره اثْنانِ والتقدير شهادة اثنين مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] ويجوز أن يكون اثنان رفعا بفعلهما أي ليكن منكم أن يشهد اثنان، وقيل: «شهادة» رفع بإذا حضر لأنها شهادة مستأنفة ليست واقعة لكل الخلق أي عند حضور الموت والاثنان مرفوعان عند قائل هذا القول بمعنى أن يشهد اثنان ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ نعت. أَوْ آخَرانِ عطف مِنْ غَيْرِكُمْ. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا ما فيه وأنه قيل:\nمن غيركم من غير أهل دينكم، وقيل: من غير أقربائكم والثاني أولى لأن المعنى أو آخران عدلان من غيركم. كذا يجب أن يكون معنى آخر في اللغة ولا يكون غير المسلم عدلا. إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ «أنتم» رفع بفعل مضمر مثل الثاني. تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ أي صلاة العصر وخصّت بهذا لأنه لا ركوع بعدها فالناس يتفرغون بعدها. فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ يعني المدّعى عليهما. إِنِ ارْتَبْتُمْ معترض والتقدير فيقسمان بالله يقولان لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا أي بقسمنا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى معترض أي ولو كان الميت ذا قربى. وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ متصل بقوله «ثمنا» وقرأ ابن محيصن إنّا إذا لملّاثمين «٣» أدغم النون في اللّام.\nوهذا رديء في العربية لأن اللام حكمها السكون وإن حرّكت فإنما الحركة للهمزة، ونظير هذا قراءة أبي عمرو ونافع وإنّه أهلك عادا لولى «٤» [النجم: ٥١] . قال أبو جعفر: سمعت محمد بن الوليد يقول: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول: ما علمت أن أبا عمرو بن العلاء لحن في شيء في صميم العربية إلّا في حرفين أحدهما وإنّه أهلك عادا لّولى والآخرة يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٧]</span>\nفَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)\nفَإِنْ عُثِرَ في موضع جزم بالشرط يقال: منه عثرت عليه بالذنب أعثر عثورا وعثرت في المشي أعثر عثارا. فَآخَرانِ رفع بفعل مضمر. يَقُومانِ في موضع نعت. مَقامَهُما مصدر وتقديره مقاما مثل مقامهما ثم أقيم النعت مقام المنعوت والمضاف مقام المضاف إليه. مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ «٥»، روي عن أبيّ بن كعب مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ «٦»\n_________\n(١) القصة في البحر المحيط ٤/ ٤٣.\n(٢) وقرأ السلمي والحسن (شهادة) بالنصب والتنوين، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٣.\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٨، ومختصر ابن خالويه ٣٥.\n(٤) انظر كتاب السبعة ٦١٥.\n(٥) هذه قراءة حمزة وأبي بكر، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٩.\n(٦) هذه قراءة أبيّ وعلي وابن عباس، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٩.","vol":"1","page":286},{"text":"بفتح التاء والحاء، وكذا روى حفص بن سليمان عن عاصم بن أبي النجود.\nالْأَوْلَيانِ قراءة أهل المدينة يكون بدلا من قوله «فآخران» أو من المضمر في يَقُومانِ وقيل هو اسم ما لم يسم فاعله أي استحقّ عليهم إثم الأوليين مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ والمعنى عند قائل هذا «من الذين استحق عليهم الإثم بالخيانة»، وعليهم بمعنى فيهم مثل عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [البقرة: ١٠٢] أي في ملك سليمان والمعنى الأولى بالميّت أو القسم، وقرأ الكوفيون الأولين «١» بدل من الذين أو من الهاء والميم في عليهم، وروي عن الحسن الأولان «٢» . فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما ابتداء وخبر وقد ذكرنا ما فيه. والأولى أن يكون لأولياء الميت فأما أن يكون الشاهدان يحلفان فبعيد وإنما أشكل لقوله: لشهادتنا وبيانه أنّ الشهادة بمعنى الخبر وكلّ مخبر شاهد، وقد روى معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال: قام رجلان من أولياء الميت فحلفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٨]</span>\nذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)\nذلِكَ أَدْنى ابتداء وخبر. أَنْ في موضع نصب يَأْتُوا نصب بأن. أَوْ يَخافُوا عطف عليه. أَنْ تُرَدَّ في موضع نصب بيخافوا. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا أمر فلذلك حذفت منه النون. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ نعت للقوم وفسق ويفسق ويفسق أي خرج من الطاعة إلى المعصية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٩]</span>\nيَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩)\nيَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ظرف زمان والعامل فيه واسمعوا أي واسمعوا خبر يوم، وقيل: التقدير: واتّقوا يوم يجمع الله الرسل. فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا لا يصحّ قول مجاهد في هذا إنهم يفزعون فيقولون: لا علم لنا لأن الرسل صلّى الله عليهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والصحيح في هذا أن المعنى: ماذا أجبتم في السرّ والعلانية ليكون هذا توبيخا للكفار فيقولون: لا علم لنا فيكون هذا تكذيبا لمن اتّخذ المسيح إلها. إِلَّا ما عَلَّمْتَنا في موضع رفع لأنه خبر التبرية ويجوز أن يكون في موضع نصب على الاستثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>[سورة المائدة (٥): آية ١١٠]</span>\nإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٨٣، والبحر المحيط ٤/ ٤٩. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٢٤، والبحر المحيط ٤/ ٥١.","vol":"1","page":287},{"text":"إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يكون على دعوة واحدة فيكون عِيسَى صلّى الله عليه في موضع نصب ويكون على دعوتين فيكون عِيسَى ﵇ في موضع ضمّ وابْنَ مَرْيَمَ\n«١» نداء ثانيا، وإن شئت بدلا وإن شئت نعتا على الموضع ولا يجوز الرفع في الثاني إذا كان مضافا إلّا عند الطوال فإنه أجاز الرفع، وقرأ ابن محيصن إذ آيدتك «٢» وكذا روي عن مجاهد، وكذا روى الحسين بن علي الجعفيّ عن أبي عمرو. وتُكَلِّمُ في موضع نصب على الحال. وَكَهْلًا عطف عليه، ويجوز أن يكون معطوفا على الموضع. فِي الْمَهْدِ أي أيدتك صغيرا في المهد وكبيرا كهلا وحكى ثابت بن أبي ثابت: إن الكهل ابن أربعين إلى الخمسين، وقال غيره: ابن ثلاث وثلاثين. وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. معنى تخلق تقدّره تقديرا مستويا لا زيادة فيه ولا نقصان. فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي «٣» أي فيقلب الله ﷿ الروح الذي يكون من النفخ لحما ودما وقد قرئ طَيْرًا! وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي معنى بإذني بدعوتي فأبرئهما. قال الخليل ﵀: الأكمه الذي يولد أعمى والذي يعمى بعد ما كان يبصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>[سورة المائدة (٥): آية ١١١]</span>\nوَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١)\nآمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ على الأصل ومن العرب من يحذف إحدى النونين..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>[سورة المائدة (٥): آية ١١٢]</span>\nإِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)\nأي هل يفعل ذلك لمسألتنا وقد ذكرناه. قالَ اتَّقُوا اللَّهَ وقرأ الكسائي هل تستطيع ربّك «٤» أي هل تستطيع أن تسأل ربك قال: اتّقوا الله أي اتّقوا معاصي الله وكثرة السؤال فإنكم لا تدرون ما يحلّ بكم عند اقتراح الآيات إذ كان الله جلّ وعزّ إنما يفعل الأصلح بعباده. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن كنتم مؤمنين به وبما جئت به فقد جئتكم من الآيات بما فيه غناء.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٥٤.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٥٥.\n(٣) انظر تيسير الداني ٨٣، والبحر المحيط ٤/ ٥٥.\n(٤) انظر تيسير الداني ٨٣.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-688>[سورة المائدة (٥): آية ١١٣]</span>\nقالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)\nقالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها نصب بأن. وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ عطف كلّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>[سورة المائدة (٥): آية ١١٤]</span>\nقالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)\nقالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ الأصل عند سيبويه «١» يا الله والميمان بدل من يا.\nرَبَّنا نداء ثان، لا يجيز سيبويه غيره ولا يجوز عنده أن يكون نعتا لأنه قد أشبه الأصوات من أجل ما لحقه. أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ سؤال. تَكُونُ نعت المائدة وليس بجواب، وقرأ الأعمش تكن لنا عيدا «٢» على الجواب. والمعنى يكون يوم نزولها عيدا لنا. لِأَوَّلِنا لأوّل أمتنا وآخرها، وقرأ عاصم الجحدري. لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>[سورة المائدة (٥): آية ١١٥]</span>\nقالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)\nوهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>[سورة المائدة (٥): آية ١١٦]</span>\nوَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦)\nالمعنى وإذ يقول الله يوم القيامة «وفعل» تأتي بمعنى «يفعل»، و«يفعل» بمعنى «فعل» إذا عرف المعنى لأن الفعل واحد وإنما اختلف لاختلاف الزمان، وأنشد سيبويه في نظير الآية: [الكامل] ١٢٧-\nولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني ... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني «٤»\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ١٩٨.\n(٢) قرأ عبد الله والأعمش (يكن) بالجواب على جواب الأمر، انظر البحر المحيط ٤/ ٦٠.\n(٣) وهذه قراءة زيد بن ثابت وابن محيصن أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٦٠.\n(٤) الشاهد لرجل من سلول والكتاب ٣/ ٢٢، والدرر ١/ ٧٨، وشرح التصريح ٢/ ١١، وشرح شواهد المغني ١/ ٣١٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٨، ولشمر بن عمرو الحنفي في الأصمعيات ١٢٦، ولعميرة بن جابر الحنفي في حماسة البحتري ١٧١، وبلا نسبة في الأزهية ص ٢٦٣، والأشباه والنظائر ٣/ ٩٠، والأضداد ص ١٣٢، وأمالي ابن الحاجب ٦٣١، وجواهر الأدب ٣٠٧، وخزانة الأدب ١/ ٣٥٧، والخصائص ٢/ ٣٣٨، وشرح شواهد الإيضاح ٢٢١، وشرح شواهد المغني ١/ ٨٤، وشرح ابن عقيل ٤٧٥، ولسان العرب (ثم) و(منن) .","vol":"1","page":289},{"text":"وقال آخر: [الكامل] ١٢٨-\nوانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح «١»\nيريد فلقد كان. قالَ سُبْحانَكَ مصدر أي تنزيها لك أن يكون معك إله سواك.\nما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ هذا التمام و«بحق» من صلة لي ولا بدّ للباء من أن تكون متعلقة بشيء. تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي تعلم حقيقة ما عندي ولا أعلم حقيقة ما عندك على الازدواج. قال المازني: التقدير إن قيل كنت قلته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>[سورة المائدة (٥): آية ١١٧]</span>\nما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)\nأَنِ لا موضع لها من الإعراب وهي مفسّرة مثل وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [ص: ٦]، ويجوز أن تكون «أن» في موضع نصب أي ما ذكرت لهم إلّا عبادة الله جلّ وعزّ، ويجوز أن تكون في موضع خفض أي: بأن اعبدوا، وضمّ النون أجود لأنهم يستثقلون كسرة بعدها ضمة والكسر جائز على أصل التقاء الساكنين «٢» . وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ (ما) في موضع نصب أي وقت دوامي فيهم. فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ قيل هذا يدلّ على أن الله جل وعز توفاه قبل أن يرفعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>[سورة المائدة (٥): آية ١١٨]</span>\nإِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)\nإِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ شرط وجوابه. وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مثله وقد مضى تفسيره العزيز الذي لا يقهر الحكيم في فعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>[سورة المائدة (٥): آية ١١٩]</span>\nقالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)\nقالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ هذه القراءة البينة على الابتداء والخبر، وفيها وجهان آخران: أحدهما هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ بالتنوين ويحذف فيه مثل\n_________\n(١) الشاهد لزياد الأعجم في ديوانه ٥٤، وأمالي المرتضى ٢/ ٣٠١، وخزانة الأدب ١٠/ ٤، والشعر والشعراء ١/ ٤٣٨، ولسان العرب (كون)، وللصلتان العبدي في أمالي المرتضى ٢/ ١٩٩، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ٥١٢، وخزانة الأدب ١/ ٢١٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٦٤، والكشاف ١/ ٦٩٤.","vol":"1","page":290},{"text":"وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا [البقرة: ١٢٣] . والوجه الآخر هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ «١» بنصب يوم. حكى إبراهيم بن حميد عن محمد بن يزيد إنّ هذه القراءة لا تجوز لأنه نصب خبر الابتداء. قال أبو جعفر: ولا يجوز فيه البناء وقال إبراهيم بن السريّ «٢» هي جائزة بمعنى قال الله هذا لعيسى يوم ينفع الصادقين صدقهم أي قاله يوم القيامة، وقال غيره: التقدير قال الله جلّ وعزّ هذه الأشياء تقع يوم القيامة، وقال الكسائي والفراء «٣»: بني «يوم» هاهنا على النصب لأنه مضاف إلى غير اسم كما تقول: مضى يومئذ وأنشد الكسائي: [الطويل] ١٢٩-\nعلى حين عاتبت المشيب على الصّبا ... وقلت ألمّا تصح والشّيب وازع «٤»\nولا يجيز البصريون ما قالاه إذا أضفت الظرف إلى فعل مضارع فإن كان ماضيا كان جيدا كما مرّ في البيت. وإنّما جاز أن يضاف إلى الفعل ظروف الزمان لأن الفعل بمعنى المصدر. قال أبو إسحاق: حقيقة الحكاية أَبَدًا ظرف زمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>[سورة المائدة (٥): آية ١٢٠]</span>\nلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)\nوَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ابتداء وخبر.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٦٧، وتيسير الداني ٨٤، وهذه قراءة نافع.\n(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٧١٧.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٣٢٦. [.....]\n(٤) الشاهد للنابغة في ديوانه ٣٢، والكتاب ٢/ ٣٤٥، والأضداد ١٥١، وجمهرة اللغة ١٣١٥، وخزانة الأدب ٢/ ٤٥٦، والدرر ٣/ ١٤٤، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٥٠٦، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٣، وشرح التصريح ٢/ ٤٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨١٦، ولسان العرب (وزع) و(خشف)، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٠٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١١١، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٥، وشرح ابن عقيل ٣٨٧، وشرح المفصّل ٣/ ١٦، ومغني اللبيب ٥٧١، والمقرب ١/ ٢٩٠، والمنصف ١/ ٥٨، وهمع الهوامع ١/ ٢١٨.","vol":"1","page":291},{"text":"الجزء الثاني\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>٦ شرح إعراب سورة الأنعام</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>[سورة الأنعام (٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)\nالْحَمْدُ لِلَّهِ ابتداء وخبر. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا بأكثر من هذا في «أمّ القرآن» والمعنى: قولوا الحمد لله. الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ نعت. وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ بمعنى خلق فإذا كانت جعل بمعنى خلق لم تتعدّ إلا إلى مفعول واحد. ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ابتداء وخبر ومن العرب من يقول: الذون والمعنى ثم الذين كفروا يجعلون لله ﷿ عدلا وشريكا وهو خلق هذه الأشياء وحده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>[سورة الأنعام (٦): آية ٢]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ابتداء وخبر وفي معناه قولان: أحدهما هو الذي خلق أصلكم يعني آدم ﷺ، والآخر تكون النطفة خلقها الله جلّ وعزّ من طين على الحقيقة ثم قلبها حتى كان الإنسان منها. ثُمَّ قَضى أَجَلًا مفعول. وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ابتداء وخبر. وقال الضحّاك: قضى أجلا يعني أجل الموت وأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ أجل القيامة فالمعنى على هذا أحكم أجلا وأعلمكم أنكم تقيمون إلى الموت ولم يعلمكم بأجل القيامة وقيل: قضى أجلا ما أعلمناه من أنه لا نبيّ بعد محمد ﷺ وَأَجَلٌ مُسَمًّى أمر الآخرة، وقيل: قضى أجلا ما نعرفه من أوقات الأهلّة والزروع وما أشبههما، وأجل مسمّى أجل الموت لا يعلم الإنسان متى يموت. ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ابتداء وخبر أي تشكّون في أنه إله واحد وقيل: تمارون في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>[سورة الأنعام (٦): آية ٣]</span>\nوَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣)\nوَهُوَ اللَّهُ ابتداء وخبر. قال أبو جعفر: وقد ذكرناه ومن أحسن ما قيل فيه: أنّ المعنى: وهو الله يعلم سرّكم وجهركم في السموات وفي الأرض. وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (ما) في موضع نصب يعلم.","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>[سورة الأنعام (٦): آية ٤]</span>\nوَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤)\n(ما) نفي، وليست بشرط فلذلك ثبتت الياء في تأتيهم وإعراضهم عنها كفرهم بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>[سورة الأنعام (٦): آية ٦]</span>\nأَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)\n(كم) في موضع نصب بأهلكنا ولا يعمل فيه يروا وإنما يعمل في الاستفهام ما بعده. مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ولم يقل «لهم» لأنه جاء على تحويل المخاطبة.\nوَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا على الحال. وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ مفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>[سورة الأنعام (٦): آية ٧]</span>\nوَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)\nويقال قرطاس. فَلَمَسُوهُ عطف، وجواب لو لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>[سورة الأنعام (٦): آية ٨]</span>\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨)\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ بمعنى هلّا. وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ اسم ما لم يسم فاعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>[سورة الأنعام (٦): آية ٩]</span>\nوَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩)\nوَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا أي لو أنزلنا إليهم ملكا على هيئته لم يروه فإذا جعلناه رجلا التبس عليهم أيضا ما يلبسون على أنفسهم فكانوا يقولون: هذا ساحر مثلك وقال أبو إسحاق: كانوا يقولون لضعفتهم: إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق فيلبسون عليهم بهذا ويشكّكونهم فأعلم الله جل وعز أنه لو أنزل ملكا في صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللّبس كما يفعلون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠]</span>\nوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)\nوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بكسر الدال وضمّها لالتقاء الساكنين، الكسر الأصل، والضم لأن بعد الساكن ضمة. فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي عقابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢]</span>\nقُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢)\nكَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قال الفراء: إن شئت كان هذا تمام الكلام ثم استأنفت لَيَجْمَعَنَّكُمْ وإن شئت كان في موضع نصب. الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ قال الأخفش:\nإن شئت كان الَّذِينَ في موضع نصب على البدل من الكاف والميم، وزعم أبو العباس أن هذا القول خطأ لأنه لا يبدل من المخاطب، ولا المخاطب، لا يقال مررت","vol":"2","page":4},{"text":"بك زيد ولا مررت بي زيد، لأن هذا لا يشكل فيبيّن، وقيل: «الذين» نداء مفرد، وقيل قول ثالث وهو أجودها يكون الذين في موضع رفع بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤]</span>\nقُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)\nقُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا مفعولان. فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «١» نعت وأجاز الأخفش الرفع على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: ويجوز النصب على المدح، وقال الفراء «٢»:\nعلى القطع. وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ وهي قراءة العامة وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦]</span>\nمَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)\nمَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وقرأ الكوفيون مَنْ يُصْرَفْ «٤» بفتح الياء وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد، وعلى قول سيبويه الاختيار «من يصرف» بضم الياء لأن سيبويه قال: وكلّما قلّ الإضمار كان أولى. فإذا قرأ من يصرف بفتح الياء فتقديره من يصرف الله عنه العذاب وإذا قرأ من يصرف فتقديره من يصرف عنه العذاب. وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>[سورة الأنعام (٦): آية ١٩]</span>\nقُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)\nقُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ابتداء وخبر. شَهادَةً على البيان، والمعنى أيّ شيء من الأشياء أكبر شهادة حتى استشهد به عليكم. قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ابتداء وخبر وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا اسم ما لم يسم فاعله. الْقُرْآنُ نعت له. لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ نصب بلام كي. وَمَنْ بَلَغَ في موضع نصب عطف على الكاف والميم. وفي معناه قولان أحدهما وأنذر من بلغه القرآن، والآخر ومن بلغ الحلم ودلّ بهذا على أنّ من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا متعبّد. أَإِنَّكُمْ بهمزتين على الأصل وإن خففت الثانية قلت:\nأينّكم وروى الأصمعي عن أبي عمرو ونافع أاإنكم وهذه لغة معروفة يجعل بين الهمزتين ألف كراهة لالتقائهما. وَإِنَّنِي على الأصل ويجوز وإني على الحذف بَرِيءٌ خبر «إن» .\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٩٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٢٨.\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٩١.\n(٤) انظر تيسير الداني ٨٤، والبحر المحيط ٤/ ٩١ وهي قراءة أبي بكر وحمزة والكسائي.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-710>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٠]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ في موضع رفع بالابتداء. يَعْرِفُونَهُ في موضع الخبر.\nالَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ في موضع رفع نعت للذين الأول، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>[سورة الأنعام (٦): آية ٢١]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)\nوَمَنْ أَظْلَمُ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٣]</span>\nثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)\nثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ.\nأي اختبارهم يقرأ على خمسة أوجه: قرأ حمزة الكسائي ثم لم يكن»\nبالياء.\nفِتْنَتُهُمْ نصب وهذه قراءة بيّنة لأنّ: أَنْ قالُوا اسم «يكن» ولفظه مذكّر «فتنتهم» خبر، وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو بن العلاء ثُمَّ لَمْ تَكُنْ «٢» بالتاء، فِتْنَتُهُمْ نصب أنّث «أن قالوا» عند سيبويه، لأنّ «أن قالوا» هو الفتنة، ونظيره عند سيبويه «٣» قول العرب: ما جاءت حاجتك، وقراءة الحسن تلتقطه بعض السيّارة [يوسف: ١٠] وأنشد سيبويه: [الطويل] ١٣٠-\nوتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدّم «٤»\nوقال غير سيبويه: جعل «أن قالوا» بمعنى المقالة وقرأ عبد الله بن مسعود وأبيّ ابن كعب وما كان فتنتهم إلّا أن قالوا «٥» وقرأ الأعرج ومسلم بن جندب وابن كثير وعبد الله بن عامر الشامي وعاصم من رواية حفص والأعمش من رواية المفضل والحسن وقتادة وعيسى بن عمر. ثُمَّ لَمْ تَكُنْ بالتاء فِتْنَتُهُمْ بالرفع اسم تكن والخبر إِلَّا أَنْ قالُوا فهذه أربع قراءات والخامسة ثم لم يكن بالياء. (فتنتهم) «٦» بالرفع يذكر الفتنة لأنها بمعنى الفتون ومثله فمن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥] .\nوَاللَّهِ خفض بواو القسم وهي بدل من الباء لقربها منها. رَبِّنا نعت ومن نصب\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٨٤.\n(٢) انظر تيسير الداني ٨٤.\n(٣) انظر الكتاب ١/ ٩٢.\n(٤) الشاهد للأعشى في ديوانه ص ١٧٣، والكتاب ١/ ٩٣، والأزهية ٢٣٨، والأشباه والنظائر ٥/ ٥٥ وخزانة الأدب ٥/ ١٠٦، والدرر ٥/ ١٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٤، ولسان العرب (صدر) و(شرق)، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٧٨، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٠٥، والخصائص ٢/ ٤١٧، والمقتضب ٤/ ١٩٧، وهمع الهوامع ٢/ ٤٩.\n(٥) انظر البحر المحيط ٤/ ٩٩.\n(٦) انظر البحر المحيط ٤/ ٩٩، ومختصر ابن خالويه ٣٦.","vol":"2","page":6},{"text":"فعلى النداء أي يا ربّنا وهي قراءة حسنة لأن فيها معنى الاستكانة والتضرّع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٥]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)\nأَنْ يَفْقَهُوهُ في موضع نصب أي كراهة أن يفقهوه. وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا عطف يقال: وقرت أذنه بفتح الواو وحكى أبو زيد عن العرب: أذن موقورة فعلى هذا وقرت بضم الواو. واحد الأساطير اسطارة ويقال: أسطورة، ويقال: هو جمع أسطار وأسطار جمع سطر يقال: سطر وسطر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٦]</span>\nوَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)\nوقرأ الحسن وهم ينهون عنه وينون عنه «١» ألقى حركة الهمزة على النون وحذفها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٧]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)\nويجوز في العربية إذ أقفوا على النّار مثل أُقِّتَتْ [المرسلات: ١١] . قرأ أهل المدينة والكسائي يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٢» رفع كلّه. قال أبو جعفر: وهكذا يروى عن أبي عمرو، ويروى عنه وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا بالإدغام، وقرأ الكوفيون وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بالنصب. وَنَكُونَ مثله، وقرأ عبد الله بن عامر يا ليتنا نرد ولا نكذب بالرفع وَنَكُونَ «٣» بالنصب، وقرأ أبي وابن مسعود يا ليتنا نردّ ولا نكذّب بآيات ربّنا «٤» بالفاء والنصب. قال أبو جعفر:\nالقراءة الأولى بالرفع على أن يكون منقطعا مما قبله هذا قول سيبويه وقيل: هو عطف والإدغام حسن والنصب بالواو على أنه جواب التمنّي وكذا بالفاء ورفع الأول على قراءة ابن عامر على القطع مما قبله أو العطف ويجعل «ونكون» جوابا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٨]</span>\nبَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨)\nبَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ في معناه قولان: أحدهما أنه للمنافقين لأن اسم الكفر مشتمل عليهم فعاد الضمير على بعض المذكور وهذا من كلام العرب الفصيح والقول الآخر أن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي ﷺ خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ١٠٤.\n(٢) انظر تيسير الداني ٨٤.\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ١٠٧، وتيسير الداني ٨٤. [.....]\n(٤) انظر البحر المحيط ٤/ ١٠٧.","vol":"2","page":7},{"text":"يفطن بهم ضعفاؤهم فظهر ذلك يوم القيامة، وقرأ يحيى بن وثاب وَلَوْ رُدُّوا بكسر «١» الراء لأن الأصل رددوا فقلب كسرة الدال على الراء كما يقال: قيل وبيع وبينهما فرق لأنّ قيل إنما قلبت فيه الحركة لأنه معتل وليس حكم الياء والواو حكم غيرهما لكثرة انقلابهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>[سورة الأنعام (٦): آية ٢٩]</span>\nوَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)\nوَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ابتداء وخبر وَما نَحْنُ اسم ما. نَحْنُ الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>[سورة الأنعام (٦): آية ٣١]</span>\nقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١)\nقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ أي قد خسروا أعمالهم وثوابها. حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً نصب على الحال وهي عند سيبويه «٢» مصدر في موضع الحال كما تقول:\nقتلته صبرا وأنشد: [الطويل] ١٣١-\nفلأيا بلأي ما حملنا وليدنا ... على ظهر محبوك ظماء مفاصله «٣»\nولا يجيز سيبويه أن يقاس عليه. لا يقال: جاء فلان سرعة. وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ أي ذنوبهم جعلها لثقلها بمنزلة الحمل الثقيل الذي يحمل على الظّهر وقيل: يعني عقوبات الذنوب لأن العقوبة يقال لها وزر. أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي يحملون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٢]</span>\nوَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢)\nوَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ابتداء وخبر أي الذين يشتهون الحياة الدنيا لا عاقبة له فهو بمنزلة اللهو واللعب. وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ ابتداء وخبر وقرأ ابن عامر ولدار الآخرة خفيفة وبالخفض، والدار الآخرة خير لبقائها. لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي يتقون معاصي الله جلّ وعزّ أَفَلا تَعْقِلُونَ إنّ الأمر هكذا فتزهدوا في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٣]</span>\nقَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)\nقَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ كسرت «إنّ» لدخول اللام. فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ قد ذكرناه وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال: يكذبونك ويكذّبونك بمعنى واحد قال: وقد يكون لا يكذبونك بمعنى لا يجدونك تأتي بالكذب كما تقول: أبخلت الرجل، وقال\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ١٠٨.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٤٣٨.\n(٣) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ١٣٣، والكتاب ١/ ٤٣٨، وشرح شواهد للشنتمري ١/ ١٨٦.","vol":"2","page":8},{"text":"غيره: معنى لا يكذّبونك لا يكذّبونك بحجّة ولا برهان ودلّ على هذا وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٤]</span>\nوَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)\nوَلَقَدْ كُذِّبَتْ على تأنيث الجماعة. رُسُلٌ اسم ما لم يسمّ فاعله، وإن شئت حذفت الضمة فقلت: رسل لثقل الضمة. فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا أي فاصبر كما صبروا.\nوَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا أي فسيأتيك ما وعدت به. وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ مبيّن لذلك أي ما وعد الله ﷿ فلا يقدر أحد أن يدفعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٥]</span>\nوَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥)\nوَإِنْ كانَ شرط. كَبُرَ فعل ماض وهو خبر عن كان. فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ مفعول به. أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ عطف عليه أي سببا إلى السماء وهذا تمثيل لأن السّلّم الذي يرتقى عليه سبب إلى الموضع وما يعرف ما حكاه الفراء من تأنيث السلّم. فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ عطف وأمر الله جلّ وعزّ النبي ﷺ أن لا يشتدّ حزنه عليهم إذ كانوا لا يؤمنون كما أنه لا يستطيع هذا. فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ من الذين اشتدّ حزنهم وتحسّروا حتّى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد وإلى ما لا يحلّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٦]</span>\nإِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)\nإِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ أي يسمعون سماع إصغاء وتفهّم وإرادة للحقّ. وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ وهم الكفار وهم بمنزلة الموتى في أنهم لا يقبلون ولا يصغون إلى حجّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٧]</span>\nوَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧)\nوَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ وكان منهم تعنّتا بعد ظهور البراهين وإقامة الحجّة بالقرآن الذي عجزوا عن أن يأتوا بسورة مثله لما فيه من الوصف وعلم الغيوب. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن الله جلّ وعزّ إنّما ينزل من الآيات ما فيه مصلحة للعباد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٨]</span>\nوَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)\nوَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ عطف على اللفظ، وقرأ الحسن وعبد الله","vol":"2","page":9},{"text":"ابن أبي إسحاق وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ «١» جعله عطفا على الموضع، والتقدير: وما دابة ولا طائر يطير بجناحيه. إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ أي هم جماعات مثلكم في أن الله جلّ وعزّ خلقهم وتكفّل بأرزاقهم وعدل عليهم فلا ينبغي أن تظلموهم ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به. ودابّة يقع لجميع ما دبّ. ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ أي ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن إما دلالة مبيّنة مشروحة وإما مجملة نحو وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ فدلّ بهذا على أن البهائم تحشر يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٩]</span>\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ ابتداء وخبر. مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ شرط ومجازاة وكذا وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>[سورة الأنعام (٦): آية ٤٠]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠)\nقُلْ أَرَأَيْتَكُمْ بتحقيق «٢» الهمزتين قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة وقرأ نافع بتخفيف الهمزتين يلقي حركة الأولى على ما قبلها ويأتي بالثانية بين بين، وحكى أبو عبيد عنه أنه يسقط الهمزة ويعوّض منها ألفا وهذا عند أهل اللغة غلط عليه لأن الياء ساكنة والألف ساكنة ولا يجتمع ساكنان، وقرأ عيسى بن عمر والكسائي قل أريتكم «٣» بحذف الهمزة الثانية وهذا بعيد في العربية وإنما يجوز في الشعر والعرب تقول: أريتك زيدا ما شأنه. قال الفراء «٤»: الكاف لفظها لفظ منصوب ومعناها معنى مرفوع، كما يقال: دونك زيدا أي خذه. قال أبو إسحاق: هذا محال ولكن الكاف لا موضع لها وهي زائدة للتوكيد كما يقال: ذاك والعرب تقول على هذا في التثنية أريتكما زيدا ما شأنه، وفي الجمع أريتكم زيدا وفي المرأة أريتك زيدا ما شأنه، يدعون التاء موحّدة ويجعلون العلامة في الكاف فإن كانت الكاف في موضع نصب قالوا في التثنية:\nأريتما كما عالمين بفلان وفي الجمع أريتموكم عالمين بفلان وفي جماعة المؤنث أريتكنّ عالمات بفلان وفي الواحدة أريتك عالمة بزيد. قال الله ﷿ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: ٦، ٧] فهو من هذا بعينه.\n_________\n(١) وهذه قراءة ابن أبي عبلة أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ١٢٥.\n(٢) انظر تيسير الداني ٨٤.\n(٣) انظر تيسير الداني ٨٤.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٣٣١، والبحر المحيط ٤/ ١٣١.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>[سورة الأنعام (٦): آية ٤١]</span>\nبَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)\nإِيَّاهُ نصب بتدعون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ فعل مستقبل. وَتَنْسَوْنَ وتتركون مثل وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [طه: ١١٥] ويجوز أن يكون المعنى وتتركون فتكونون بمنزلة الناسين. وقرأ عبد الرحمن الأعرج. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ بضم الهاء على الأصل لأن الأصل أن تكون الهاء مضمومة كما تقول: جئت معه وقد ذكرنا توحيد الهاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>[سورة الأنعام (٦): آية ٤٩]</span>\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)\nقال الكسائي: يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة إذا أتاهم فجاءة وقرأ الحسن والأعمش الْعَذابُ بِما «١» مدغما وهكذا روي عن أبي عمرو مدغما وقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش بِما كانُوا يَفْسُقُونَ «٢» بكسر السين وهي لغة معروفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٢]</span>\nوَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)\nوَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ جزم بالنهي وعلامة الجزم حذف الضمة وكسرت الدال لالتقاء الساكنين. يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ غداة نكرة فعرفت بالألف واللام وكتبت بالواو كما كتبت الصلاة بالواو وقرأ أبو عبد الرحمن السلميّ وعبد الله بن عامر ومالك بن دينار بِالْغَداةِ «٣» وباب غدوة أن تكون معرفة إلا أنه يجوز تنكيرها كما تنكّر الأسماء الأعلام فإذا نكّرت دخلتها الألف واللام للتعريف، وعشيّ وعشيّة نكرتان لا غير. ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (من) الأولى للتبعيض والثانية زائدة للتوكيد وكذا. وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ جواب النفي. فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ جواب النهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٣]</span>\nوَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)\nلام كي وهذا من المشكل يقال: كيف فتنوا ليقولوا هذا لأنه إن كان إنكارا فهو كفر منهم وفي هذا جوابان: أحدهما أنّ المعنى اختبرنا الأغنياء بالفقراء أن تكون مرتبتهم عند النبي ﷺ واحدة ليقولوا على سبيل الاستفهام لا على سبيل الإنكار أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، والجواب الآخر أنهم لما اختبروا بهذا فآل عاقبته\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ١٣٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ١٣٦.\n(٣) انظر تيسير الداني ٨٥، والبحر المحيط ٤/ ١٣٩.","vol":"2","page":11},{"text":"إلى أن قالوا هذا سبيل الإنكار صار مثل قوله جلّ وعزّ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٤]</span>\nوَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)\nفَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ رفع بالابتداء وفيه معنى المنصوب عند سيبويه «١» فلذلك ابتدئ بالنكرة. كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجب فخوطب العباد على ما يعرفون من أنه من كتب شيئا فقد أوجبه على نفسه وقيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ قال أبو جعفر: وقد ذكرنا قراءة «٢» من قرأ (أنّه) (فأنه) ففتحهما جميعا وقراءة من كسرهما جميعا وقراءة من فتح الأولى وكسر الثانية، وقرأ عبد الرحمن الأعرج بكسر الأولى وفتح الثانية كذا روى عنه ابن سعدان فمن فتحهما جميعا جعل الأولى بدلا من الرحمة أو على إضمار مبتدأ أي هي كذا والثانية مكرّرة عند سيبويه «٣» كما قال الله جلّ وعزّ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [آل عمران: ١٨٨] وقال جلّ وعزّ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا ثم قال بعد إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ [الحج: ١٧] وقال الأخفش وأبو حاتم: «أنّ» الثانية في موضع رفع بالابتداء أي فالمغفرة له وهذا خطأ عند سيبويه، وسيبويه لا يجوز عنده أن يبتدأ بأنّ ولكن قال بعض النحويين يجوز أن تكون «أنّ» الثانية في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي فالذي له أنّ الله غفور رحيم ومن كسرهما جميعا جعل الأولى مبتدأة وجعل كتب بمعنى قال وكسر الثانية لأنها بعد الفاء في جواب الشرط، ومن كسر الأولى وفتح الثانية جعل الأولى كما قلنا وفتح الثانية على إضمار مبتدأ، وأنكر أبو حاتم هذه القراءة ولم يقع إليه، ومن فتح الأولى وكسر الثانية جعل الأولى كما ذكرنا فيمن فتحهما جميعا وكسر الثانية على ما يجب فيها بعد الفاء فهذه القراءة بيّنة في العربية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nوَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)\nوَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ يقال: هذه اللام تتعلّق بالفعل فأين الفعل الذي تعلّقت به فالكوفيون يقولون: التقدير وكذلك نفصّل الآيات لنبيّن لكم\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ٣٩٥.\n(٢) القراءات كلّها في البحر المحيط ٤/ ١٤٤.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ١٥٣. [.....]","vol":"2","page":12},{"text":"ولتستبين سبيل المجرمين. قال أبو جعفر: وهذا الحذف كلّه لا يحتاج إليه والتقدير وكذلك نفصّل الآيات، ولتستبين سبيل المجرمين فصّلناها. والسبيل يذكر ويؤنّث والتأنيث أكثر، وقرأ يحيى بن وثّاب وطلحة بن مصرف قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا «١» بكسر اللام وقال أبو عمرو بن العلاء ضللت لغة تميم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٧]</span>\nقُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧)\nقُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ الضمير يعود على البيّنة وذكّرت لأن البيان والبيّنة واحد وقيل: التقدير: وكذّبتم بما جئت به. قال أبو جعفر: قد ذكرنا «٢» يقضي الحقّ ويَقُصُّ الْحَقَّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٨]</span>\nقُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)\nقُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي من العذاب. لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي لانقطع إلى آخره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٩]</span>\nوَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩)\nوَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ الذي هو يفتح علم الغيب إذا أراد جلّ وعزّ أن يخبر به نبيّا أو غيره، ومفاتح جمع مفتح هذه اللغة الفصيحة ويقال مفتاح والجمع مفاتيح. وقرأ الحسن وعبد الله بن بي إسحاق ولا رطب لا يابس إلّا في كتاب مّبين «٣» عطفا على المعنى ويجوز وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ على الابتداء والخبر. إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي كتبها الله لتعتبر الملائكة بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٠]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)\nوَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ابتداء وخبر أي يستوفي عددكم. بِاللَّيْلِ وفي الليل واحد وقرأ أبو رجاء وطلحة بن مصرّف ثم يبعثكم فيه ليقضي أجلا مسمّى «٤» .\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ١٤٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ١٤٦، ومعاني الفراء ١/ ٣٨.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٣٧، والبحر المحيط ٤/ ١٥، وهي قراءة ابن السميفع أيضا.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٣٧.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-738>[سورة الأنعام (٦): آية ٦١]</span>\nوَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١)\nحَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ هذا اختيار الخليل وهي قراءة نافع على تخفيف الهمزة الثانية ويجوز تخفيفهما «١» وحذف إحداهما. تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا على تأنيث الجماعة كما قال: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ [غافر: ٨٣] وقرأ حمزة توفّاه رسلنا «٢» على تذكير الجمع وقرأ الأعمش يتوفّاه رسلنا بزيادة ياء في أوله والتذكير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٢]</span>\nثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)\nثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ على النعت وقرأ الحسن الحقّ «٣» بالنصب يكون مصدرا وبمعنى أعني، ومعنى مولاهم الحقّ أنه خالقهم ورازقهم ونافعهم وضارهم وهذا لا يكون إلا الله جلّ وعزّ أَلا لَهُ أي اعلموا وقولوا له الحكم وحده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٣]</span>\nقُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)\nتَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا مصدر ويجوز أن يكون حالا والمعنى ذوي تضرّع وروى أبو بكر ابن عيّاش عن عاصم وَخُفْيَةً «٤» بكسر الخاء وروي عن الأعمش وخيفة الياء قبل الفاء وهذا معنى بعيد لأن معنى تضرعا أن يظهروا التذلّل، وخفية أن يبطنوا مثل ذلك قرأ الكوفيون لَئِنْ أَنْجانا «٥» واتّساق الكلام بالتاء كما قرأ أهل المدينة وأهل الشام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٥]</span>\nقُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)\nأَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وروي عن أبي عبد الله المدني أَوْ يَلْبِسَكُمْ»\nبضم الياء أي يجلّلكم العذاب ويعمّكم به وهذا من اللّبس بضم اللام والأول من اللّبس بفتحها وهو موضع مشكل والإعراب يبيّنه. قيل: التقدير أو يلبس عليكم أمركم فحذف أحد المفعولين وحرف الجر كما قال جلّ وعزّ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [المطففين: ٣]\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٨٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ١٥٢.\n(٣) وهذه قراءة الأعمش أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ١٥٣، ومختصر ابن خالويه ٣٧.\n(٤) انظر البحر المحيط ٤/ ١٥٣، وتيسير الداني ٨٥.\n(٥) انظر البحر المحيط ٤/ ١٥٤، وتيسير الداني ٨٥.\n(٦) انظر البحر المحيط ٤/ ١٥٥.","vol":"2","page":14},{"text":"وهذا اللبس بأن يكون يطلق لبعضهم أن يحارب بعضا أو يريهم آية يتفرقون عندها فيروا شيعا، وشِيَعًا نصب على الحال أو المصدر، وقيل: معنى يلبسكم شيعا يقوّي عدوكم حتى يخالطكم فإذا خالطكم فقد لبسكم فرقا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ بالحرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nوَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)\nقُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لم أومر أن أحفظكم من التكذيب والكفر.\nروي عن ابن عباس لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ أي لكل خبر حقيقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٨]</span>\nوَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)\nوَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا التقدير وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والردّ والاستهزاء. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ منكرا عليهم. حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فأدّب الله جلّ وعزّ نبيه فهذا ﷺ لأنه كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم ويدعوهم فيستهزءون بالقرآن فأمره الله ﷿ أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه وكان في هذا ردّ في كتاب الله ﷿ على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج واتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية، وقرأ عبد الله بن عامر وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ «١» على التكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٩]</span>\nوَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)\nوَلكِنْ ذِكْرى في موضع نصب على المصدر ويجوز أن تكون في موضع رفع بمعنى «ولكن الذي يفعلونه ذكرى» أي ولكن عليهم ذكرى، وقال الكسائي:\nالمعنى ولكن هذه ذكرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٠]</span>\nوَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)\nوَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ في موضع نصب أي كراهة أن تبسل. بِما كانُوا يَكْفُرُونَ في موضع نصب على خبر كانوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>[سورة الأنعام (٦): آية ٧١]</span>\nقُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٨٥، والبحر المحيط ٤/ ١٥٧.","vol":"2","page":15},{"text":"قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا أي ما لا ينفعنا إن دعوناه. وَلا يَضُرُّنا إن تركناه. وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا أي نرجع إلى الضلالة بعد الهدى. وواحد الأعقاب عقب وهي مؤنّثة تصغيرها عقيبة. كَالَّذِي الكاف في موضع نصب نعت لمصدر. اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ على تأنيث الجماعة، وقرأ حمزة استهواه الشياطين «١» على تذكير الجمع، وروي عن ابن مسعود استهواه الشيطان «٢» وعن الحسن استهوته الشياطون «٣» رواه محبوب عن عمرو عن الحسن وهو لحن. حَيْرانَ نصب على الحال ولم ينصرف لأنّ أنثاه حيرى. لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا وفي الابتداء ائتنا والأصل بهمزتين أبدلت من إحداهما ياء لئلا يجتمعا. وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ لام كي. قال أبو جعفر: وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول: هي لام الخفض واللامات كلها ثلاث لام خفض ولام أمر ولام توكيد لا يخرج شيء عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nوَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)\nوَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ فيه ثلاثة أقوال: فمذهب الفراء أنّ المعنى وأمرنا لأن نسلّم وأن أقيموا، والجواب الثاني أن يكون المعنى وبأن أقيموا الصلاة والثالث أن يكون عطفا على المعنى أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا الصلاة، لأن معنى «ائتنا» أن ائتنا.\nوَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ابتداء وخبر وكذا وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ. وَيَوْمَ يَقُولُ فيه ثلاثة أجوبة يكون عطفا على الهاء في وَاتَّقُوهُ، والثاني أن يكون عطفا على السموات، والثالث أن يكون بمعنى اذكر. كُنْ فَيَكُونُ فيه ثلاثة أجوبة: قال الفراء «٤»: يقال إنه للصور خاصة «ويوم يقول للصور كن فيكون»، والجواب الثاني أن يكون المعنى فيكون جميع ما أراد من موت الناس وحياتهم وعلى هذين الجوابين قَوْلُهُ الْحَقُّ ابتداء وخبر، والجواب الثالث أن يكون قوله رفعا بيكون والحقّ من نعته. يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فيه ثلاثة أجوبة: يكون بدلا من يوم، والجواب الثاني أن يكون التقدير قوله الحقّ يوم ينفخ في الصور، والجواب الثالث أن يكون التقدير وله الملك يوم ينفخ في الصّور. عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فيه ثلاثة أجوبة يكون نعتا للذي أي\n_________\n(١) انظر الحجة لابن خالويه ١١٧.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٣٨.\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ١٦٢. [.....]\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٣٤٠.","vol":"2","page":16},{"text":"وهو الذي خلق السموات عالم الغيب، ويكون على إضمار مبتدأ وقرأ الحسن والأعمش وعاصم عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ «١» يكون بدلا من الهاء التي في (له)، والجواب الثالث في الرفع أن يكون محمولا على المعنى أي ينفخ فيه عالم الغيب لأنه إذا كان النفخ فيه بأمر الله كان منسوبا إلى الله جلّ وعزّ وأنشد سيبويه: [الطويل] ١٣٢-\nليبك يزيد ضارع لخصومة ... وأشعث ممّن طوّحته الطّوائح «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٤]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤)\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ تكلّم العلماء في هذا فقال الحسن: كان اسم أبيه آزر، وقيل كان له اسمان آزر وتارح، وروى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: بلغني أنها أعوج، قال: وهي أشدّ كلمة قالها إبراهيم ﷺ لأبيه، وقال الضحاك: معنى آزر شيخ.\nقال أبو جعفر: يكون هذا مشتقا من الأزر وهو الظّهر ولا ينصرف لأنه على أفعل ويكون بدلا كما يقال: رجل أجوف أي عظيم الجوف، وكذا آزر يكون عظيم الأزر معوّجه، وروي عن ابن عباس أنه قرأ وإذ قال إبراهيم لأبيه أازرا «٣» بهمزتين فالأولى مفتوحة والثانية مكسورة هذه رواية أبي حاتم ولم يبيّن معناه فيجوز أن يكون مشتقا من الأزر أي الظّهر ويكون معناه القوة ويكون مفعولا من أجله، ويجوز أن يكون بمعنى وزر كما يقال: وسادة وإسادة وفي رواية غير أبي حاتم بهمزتين مفتوحتين وفي الروايتين تَتَّخِذُ بغير ألف. أَصْنامًا آلِهَةً مفعولان وفيه معنى الإنكار. إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ عطفا على الكاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٥]</span>\nوَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)\nوقرأ أبو السمّال العدوي وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بإسكان اللام ولا يجوز عند سيبويه حذف الفتحة لخفّتها ولعلّها لغة. وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ أي وليكون من الموقنين أريناه.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ١٦٥.\n(٢) الشاهد للحارث بن نهيك في الكتاب ١/ ٣٤٥، وفي خزانة الأدب ١/ ٣٠٣، وشرح شواهد الإيضاح ٩٤، وشرح المفصل ١/ ٨٠، وللبيد بن ربيعة في ملحق ديوانه ٣٦٢، ولنهشل بن حريّ في خزانة الأدب ١/ ٣٠٣، ومعاهد التنصيص ١/ ٢٠٢، وللحارث بن ضرار في شرح أبيات سيبويه ١/ ١١٠، ولنهشل أو للحارث أو لضرار أو لمزرد بن ضرار أو للمهلهل في المقاصد النحوية ٢/ ٤٥٤، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٤٥، وأمالي ابن الحاجب ص ٤٤٧، وتخليص الشواهد ٤٧٨، وخزانة الأدب ٨/ ١٣٩، والخصائص ٢/ ٣٥٣، وشرح الأشموني ١/ ١٧١، وشرح المفصل ١/ ٨٠، ومغني اللبيب ٦٢٠، والمقتضب ٣/ ٢٨٢، وهمع الهوامع ١/ ١٦٠، وعجز البيت «ومختبط ممّا تطيح اللوائح» .\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٣٨ والبحر المحيط ٤/ ١٦٩ وهذه قراءة أبي إسماعيل الشامي أيضا.","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-750>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٦]</span>\nفَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)\nفَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا مفعول. قالَ هذا رَبِّي ابتداء وخبر ومن أحسن ما قيل في هذا ما صحّ عن ابن عباس ﵀ أنه قال في قول الله جلّ وعزّ نُورٌ عَلى نُورٍ [النور: ٣٥] قال: كذا قلب المؤمن يعرف الله جلّ وعزّ ويستدلّ عليه بقلبه فإذا عرفه ازداد نورا على نور وكذا إبراهيم ﷺ عرف الله ﷿ بقلبه واستدلّ عليه بدلائله فعلم أن له ربّا وخالقا فلما عرّفه الله جلّ وعزّ بنفسه ازداد معرفة فقال: أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ [الأنعام: ٨٠] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٨]</span>\nفَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)\nفَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً نصب على الحال لأن هذا من رؤية العين. قالَ هذا رَبِّي قال الكسائي والأخفش: أي قال هذا الطالع ربي، وقال غيرهما: أي هذا الضوء قال أبو الحسن علي بن سليمان: أي هذا الشخص كما قال الأعشى «١»: [السريع] ١٣٣-\nقامت تبكّيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر\nتركتني في الدّار ذا غربة ... قد ذلّ من ليس له ناصر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٩]</span>\nإِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)\nأي قصدت بعبادتي وتوحيدي لله جلّ وعزّ وحده. وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسم «ما» وخبرها، وإذا وقفت قلت: أنا، زدت الألف لبيان الحركة ومن العرب من يقول «انه» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٠]</span>\nوَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)\nوَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي قرأ نافع أتحاجّوني «٢» بنون مخفّفة، وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: هو لحن وأجاز سيبويه «٣» ذلك وقال: استثقلوا التّضعيف، وأنشد: [الوافر]\n_________\n(١) البيتان بلا نسبة في أمالي المرتضى ١/ ٧١، والأشباه والنظائر ٥/ ١٧٧، والإنصاف ٢/ ٥٠٧، وسمط اللآلي ١/ ١٧٤، وشرح المفصل ٥/ ١٠١، ولسان العرب (عمر) .\n(٢) هذه قراءة ابن عامر أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ١٧٤، وتيسير الداني ٨٦.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٤.","vol":"2","page":18},{"text":"١٣٤-\nتراه كالثّغام يعلّ مسكا ... يسوء الفاليات إذا فليني «١»\nقال أبو عبيدة: وإنما كره التثقيل من كره للجمع بين ساكنين وهما الواو والنون فحذفوها. قال أبو جعفر: والقول في هذا قول سيبويه ولا ينكر الجمع بين ساكنين إذا كان الأول حرف مدّ ولين والثاني مدّغما. وَقَدْ هَدانِ بحذف الياء لأن الكسرة تدلّ عليها والنون عوض منها إذا حذفتها وإثباتها حسن. وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ أي لأنه لا ينفع ولا يضرّ وما في موضع نصب. إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا في موضع نصب استثناء ليس من الأول. وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا بيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>[سورة الأنعام (٦): آية ٨١]</span>\nوَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)\nوَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ مفعول وكذا وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا أي حجة. فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ابتداء وخبر. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي إن كنتم تعلمون فإنّ من خاف من ينفع ويضر أولى بالأمن منكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٢]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)\nالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ مبتدأ. أُولئِكَ ابتداء ثان. لَهُمُ الْأَمْنُ خبره والجملة خبر الأول. وَهُمْ مُهْتَدُونَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٣]</span>\nوَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)\nوكذا وَتِلْكَ حُجَّتُنا قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ «٢» بالإضافة وقرأ أهل الكوفة نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بتقدير ونرفع من نشاء إلى درجات ثم حذفت «إلى» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٤]</span>\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًاّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ اسمان أعجميان لا ينصرفان في المعرفة وينصرفان في النكرة فإن أخذت إسحاق من أسحقه الله انصرف وكذا يعقوب إن كان منقولا\n_________\n(١) الشاهد لعمرو بن معديكرب في ديوانه ص ١٨٠، والكتاب ٤/ ٤، وخزانة الأدب ٥/ ٣٧١، والدرر ١/ ٢١٣، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٠٤، وشرح شواهد الإيضاح ٢١٣، ولسان العرب (فلا) والمقاصد النحوية ١/ ٣٧٩، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٨٥، وجمهرة اللغة ٤٥٩، وشرح المفصل ٣/ ٩١، ولسان العرب (حيج)، والمنصف ٢/ ٣٣٧، وهمع الهوامع ١/ ٦٥.\n(٢) انظر تيسير الداني ٨٦.","vol":"2","page":19},{"text":"انصرف بكل حال يقال لذكر القبح: يعقوب. كُلًّا نصب بهدينا. وَنُوحًا نصب بهدينا الثاني. وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ قال الفراء «١» عطف على نوح، وقال الأخفش: عطف على إسحاق وكذا وَأَيُّوبَ وما بعده ولم ينصرف داود لأنه اسم أعجميّ وكل ما كان على فاعول لا يحسن فيه الألف واللام لم ينصرف وسليمان اسم أعجمي ويجوز أن يكون مشتقا من السلامة ولا ينصرف لأن فيه ألفا ونونا زائدتين، وأيوب اسم عجمي وكذا يوسف، وقرأ طلحة بن مصرف وعيسى بن عمر وَيُوسُفَ «٢» بكسر السين. قال أبو زيد: يقول العرب يؤسف بالهمزة وكسر السين وفتحها يؤسف مهموز، وموسى اسم عجميّ، فأما موسى الحديد فإن سمّيت بها رجلا لم تنصرف لأنها مؤنّثة، وعيسى اسم عجمي وإن جعلته مشتقا لم ينصرف لأن في آخره ألفا تشبه ألف التأنيث واشتقاقه من عاسه يعوسه انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ويجوز أن يكون مشتقا من العيس وهو ماء الفحل «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٥]</span>\nوَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)\nوَزَكَرِيَّا اسم عجميّ ويجوز أن يكون عربيا فيه ألف تأنيث ولا ينصرف في معرفة ولا نكرة. وَيَحْيى لم ينصرف لأن أصله من الفعل وكتب بالياء فرقا بين الاسم والفعل. وَإِلْياسَ عجميّ وقرأ الأعرج والحسن وقتادة وَإِلْياسَ بوصل الألف، قال الفراء «٤»: ويجوز في هذا كلّه الرفع كما تقول: أخذت صدقاتهم لكلّ مائة شاة شاة وشاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٦]</span>\nوَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلًاّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦)\nوَإِسْماعِيلَ عجميّ، وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم وَالْيَسَعَ بلام مخفّفة، وقرأ الكوفيون إلا عاصما واللّيسع «٥»، وكذا قرأ الكسائي وردّ قراءة من قرأ «واليسع» قال: لأنه لا يقال: اليفعل مثل اليحيى وهذا الردّ لا يلزم والعرب تقول:\nاليعمل واليحمد ولو نكّرت يحيى لقلت: اليحيى، وردّ أبو حاتم على من قرأ (الّيسع) وقال: لا يوجد ليسع. قال أبو جعفر: وهذا الردّ لا يلزم قد جاء في كلام العرب حيدر وزينب والحق في هذا أنه اسم عجميّ والعجميّة لا تؤخذ بالقياس إنما تؤدّى سماعا والعرب تغيّرها كثيرا فلا ينكر أن يأتي الاسم بلغتين وَيُونُسَ عجميّ وإن قلت: يونس\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٤٢.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٦٢، والبحر المحيط ٤/ ١٧٨.\n(٣) انظر تاج العروس (عيس) .\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٣٤٢.\n(٥) انظر البحر المحيط ٤/ ١٧٨، وتيسير الداني ٨٦. [.....]","vol":"2","page":20},{"text":"أو يونس لم تصرفه لأن أصله من الفعل. وَلُوطًا عجميّ لخفته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٧]</span>\nوَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)\nوَاجْتَبَيْناهُمْ أي اخترناهم مشتقّ من جبيت الماء في الحوض أي جمعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٩]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩)\nأُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ابتداء وخبر. فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ شرط، وجوابه فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا أي بالإيمان بها قوما. لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ الباء الثانية توكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٠]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)\nأُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ابتداء وخبر. فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ فيه قولان: أحدهما أن المعنى اصبر كما صبروا، والآخر أنه صحّ عن النبي ﷺ أنه كان يحبّ أن يتّبع أهل الكتاب فيما لم ينه عنه ولم ينسخ وقرأ عبد الله بن عامر فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا «١» وهذا لحن لأن الهاء لبيان الحركة في الوقف وليست بهاء إضمار ولا بعدها واو ولا ياء أيضا ولا يجوز فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ومن اجتنب اللحن واتبع السواد قرأ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ فوقف ولم يصل لأنه إن وصل بالهاء لحن وإن حذفها خالف السواد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>[سورة الأنعام (٦): آية ٩١]</span>\nوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)\nوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ مصدر. قال أبو جعفر: وقد ذكرناه أنه قيل المعنى: وما عظّموا الله حقّ تعظيمه وهذا يكون من قولهم: لفلان قدر. وشرح هذا أنهم لما قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ نسبوا الله جلّ وعزّ إلى أنه لا يقيم الحجّة على عباده ولا يأمرهم بما لهم فيه الصلاح فلم يعظّموه حق تعظيمه ولا عرفوه حقّ معرفته وقد قيل: المعنى:\nوما قدروا نعم الله حقّ تقديرها، وقرأ أبو حيوة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ «٢» بفتح الدال وهي لغة. تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ أي في قراطيس مثل وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الأعراف: ١٥٥] .\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ١٨٠، والحجة لابن خالويه ١٢٠، وتيسير الداني ٨٦.\n(٢) وهذه قراءة الحسن وعيسى الثقفي أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ١٨١.","vol":"2","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-764>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٢]</span>\nوَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)\nوَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ نعت ويجوز نصبه في غير القرآن على الحال وكذا مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى أي أنزلناه لهذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٤]</span>\nوَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)\nوَمَنْ قالَ في موضع خفض أي ومن أظلم ممن قال سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وحذف الجواب أي لرأيت عذابا عظيما. وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ ابتداء وخبر والأصل باسطون أيديهم يقولون أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ وحذف أي أخرجوا أنفسكم من العذاب أي خلّصوها. الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أي عذاب الهوان.\nبِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أي تدعون معه شريكا وتقولون: لم يبعث محمدا ﷺ.\nوَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى في موضع نصب على الحال ولم ينصرف لأن فيه ألف تأنيث وقرأ أبو حيوة فرادا «١» بالتنوين قال هارون: لغة تميم فرادا بالتنوين وهؤلاء يقولون:\nفي موضع الرفع فراد، وحكى أحمد بن يحيى فراد بلا تنوين مثل ثلاث ورباع. قال أبو جعفر: المعنى: ولقد جئتمونا منفردين ليس معكم ناصر ممن كان يصاحبكم في الغيّ.\nكَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فيه ثلاثة أقوال: يكون منفردين كما خلقوا، ويكون عراة، ويكون كما خلقناكم أعدناكم. وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ أي الذين عبدتموهم وجعلتموهم شركاء في أموالكم لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ «٢» قال أبو عمرو أي وصلكم وبَيْنَكُمْ «٣» على الظرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٥]</span>\nإِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)\nإِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى أي يشقّ النواة الميتة فيخرج منها ورقا أخضر وكذا\n_________\n(١) وهذه قراءة عيسى بن عمر أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ١٨٥.\n(٢) هي قراءة السبعة بضم الميم، انظر البحر المحيط ٤/ ١٨٦.\n(٣) هذه قراءة نافع والكسائي وحفص بالفتح، انظر البحر المحيط ٤/ ١٨٦.","vol":"2","page":22},{"text":"الحبة ويخرج من الورق الأخضر نواة ميتة وحبة وهذا معنى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ وروي عن ابن عباس: يخرج البشر الحيّ من النطفة الميتة والنطفة من البشر الحي. ذلِكُمُ اللَّهُ ابتداء وخبر. فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فمن أين تصرفون عن الحق مع ما ترون من قدرة الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٦]</span>\nفالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)\nفالِقُ الْإِصْباحِ نعت وهو معرفة لا يجوز فيه التنوين عند أحد من النحويين إلا عند الكسائي ومعنى فالق الإصباح الذي خلق له فلقا وهو الفجر. يقال للفجر: فلق الصّبح وفرقه وقرأ الحسن وعيسى بن عمر فالِقُ الْإِصْباحِ «١» بفتح الهمزة وهو جمع صبح وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قرأ فلق الإصباح «٢» على فعل والهمزة مكسورة والحاء منصوبة، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وحمزة والكسائي وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا «٣» أي جعله يصلح أن يسكن فيه وقرأ أهل المدينة وجاعل الليل سكنا «٤» .\nوَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا نصب الشمس والقمر عطفا على المعنى أي وجعل، والخفض بعيد لضعف الخافض وأنك قد فرقت، وقد قرأ يزيد بن قطيب السكوني وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر «٥» بالخفض عطفا على اللفظ وقال الأخفش: حسبانا أي بحسبان. قال: وهو جمع حساب مثل شهاب وشهبان وقال يعقوب: حسبان مصدر حسبت الشيء أحسبه حسبا وحسبانا، والحساب الاسم وقال غيره: جعل الله جلّ وعزّ سير الشمس والقمر بحساب لا يزيد ولا ينقص فدلّهم الله جلّ وعزّ بذلك على قدرته ووحدانيته. ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٨]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)\nوقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج وشيبة والنخعي فَمُسْتَقَرٌّ. بكسر القاف.\nوقرأ أبو جعفر ونافع وحمزة والكسائي فَمُسْتَقَرٌّ بفتح القاف والرفع بالابتداء فيها إلا أن التقدير فيمن كسر القاف: فمنها مستقرّ والفتح بمعنى فلها مستقر: قال عبد الله بن مسعود: فلها مستقر في الرحم ومستودع في الأرض وهذا التفسير يدلّ على\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ١٩٠، ومختصر ابن خالويه ٣٩.\n(٢) وهذه قراءة ابن وثاب وأبي حيوة أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ١٩٠.\n(٣) هذه قراءة الكوفيين، انظر البحر المحيط ٤/ ١٩٠.\n(٤) انظر تيسير الداني ٨٧، والبحر المحيط ٤/ ١٩٠.\n(٥) انظر مختصر ابن خالويه ٣٩.","vol":"2","page":23},{"text":"الفتح، وقال الحسن فمستقرّ في القبر وأكثر أهل التفسير يقولون: المستقرّ ما كان في الرحم والمستودع ما كان في الصلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٩]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)\nوَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً والأصل في ماء «ماه» والهاء خفيّة والألف كذلك فأبدل من الهاء همزة لأن الهمزة جلدة. فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ أي كل شيء نابت.\nفَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا قال الأخفش: أي أخضر كما يقول العرب: «أرنيها نمرة أركها مطرة» «١» . وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ رفع بالابتداء، وأجاز الفراء «٢» في غير القرآن «قنوانا دانية» على العطف على ما قبله. قال سيبويه: ومن العرب من يقول «٣»: قنوان.\nقال الفراء: هذه لغة قيس، وأهل الحجاز يقولون: قنوان، وتميم تقول: قنيان ثم يجتمعون في الواحد فيقولون: قنو وقنو. وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ قراءة العامة بالنصب عطفا أي فأخرجنا جنات، وقرأ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والأعمش وهو الصحيح من قراءة عاصم وجنات بالرفع وأنكر هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم حتى قال أبو حاتم: هي محال لأن الجنات لا تكون من النخل. قال أبو جعفر: والقراءة جائزة وليس التأويل على هذا ولكنه رفع بالابتداء والخبر محذوف أي ولهم جنات كما قرأ جماعة من القراء. وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة: ٢٢] وأجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء، ومثله كثير وعلى هذا أيضا وحورا عينا»\nحكاه سيبويه وأنشد: [البسيط] ١٣٥-\nجئني بمثل بني بدر لقومهم ... أو مثل أسرة منظور بن سيّار «٥»\nفأما وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ فليس فيه إلا النصب للإجماع على ذلك. انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ قراءة أبي عمرو وأهل المدينة جمع ثمرة وقراءة يحيى ابن وثاب وحمزة والكسائي إِلى ثَمَرِهِ «٦» بضمتين جمع ثمار وقيل: هذا المال المثمّر وروي عن\n_________\n(١) النّمرة: واحدة النّمر، والسحاب النّمر الذي ترى في خلله نقاطا كلون النمر، والمثل من قول أبي ذؤيب الهذليّ، وهو يضرب لما يتيقّن وقوعه إذا لاحت مخايله. انظر تاج العروس (نمر) .\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٤٧.\n(٣) هذه قراءة الأعرج وهارون وأبي عمرو، انظر البحر المحيط ٤/ ١٩٣.\n(٤) هذه قراءة أبيّ، انظر الكتاب ١/ ١٤٩. [.....]\n(٥) الشاهد لجرير في ديوانه ٢٣٧، والكتاب ١/ ١٤٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٦٦، والمقتضب ٤/ ١٥٣، وبلا نسبة في شرح المفصل ٦/ ٦٩، والمحتسب ٢/ ٧٨.\n(٦) وهي قراءة مجاهد أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ١٩٥.","vol":"2","page":24},{"text":"الأعمش إِلى ثَمَرِهِ بضمّ الثاء وإسكان الميم، حذفت الضمة لثقلها. ويجوز أن يكون جمع ثمر مثل بدنة وبدن، وقرأ محمد بن السميفع اليماني ويانعه «١» أي ومدركه، وقرأ ابن محيصن وابن أبي إسحاق وينعه «٢» بضمّ الياء. قال الفراء: الضم لغة بعض أهل نجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٠]</span>\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ «الجنّ» مفعول أول وشُرَكاءَ مفعول ثان والتقدير وجعلوا لله الجن شركاء ويجوز أن يكون الجن بدلا من شركاء والمفعول الثاني لله، وأجاز الكسائي رفع الجنّ بمعنى هم الجن. وقرأ ابن مسعود وهو خلقهم وقرأ يحيى بن يعمر وَخَلَقَهُمْ «٣» بإسكان اللام. قال: أي وجعلوا خلقهم لأنهم كانوا يخلقون الشيء ثم يعبدونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠١]</span>\nبَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)\nبَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بمعنى هو بديع وأجاز الكسائي خفضه على النعت لله ﷿ ونصبه بمعنى بديعا السموات والأرض. قال أبو جعفر: وذا خطأ عند البصريين لأنه لما مضى. أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ اسم «تكن» أي من أين يكون له ولد؟\nوولد كلّ شيء شبيهه ولا شبيه له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٢]</span>\nذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)\nذلِكُمُ في موضع رفع بالابتداء. اللَّهُ رَبُّكُمْ على البدل. خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ خبر الابتداء ويجوز أن يكون ربكم الخبر و«خالق» خبرا ثانيا أو على إضمار مبتدأ وأجاز الكسائي والفراء النصب فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٤]</span>\nقَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)\nقَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ أي آيات وبراهين يبصّر بها ويستدلّ وبصائر مهموز لئلا\n_________\n(١) وهي قراءة ابن أبي عبلة أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ١٩٥، وتيسير الداني ٨٧.\n(٢) وهي قراءة الضحاك أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ١٩٥.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٣٩.","vol":"2","page":25},{"text":"يلتقي ساكنان والألف لا يتحرك. فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ أي فمن استدلّ وتعرّف وَمَنْ عَمِيَ فلم يستدلّ فصار بمنزلة الأعمى. وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أي لم أومر بحفظكم عن أن تهلكوا أنفسكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٥]</span>\nوَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)\nوَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ الكاف في موضع نصب أي ونصرف الآيات مثل ما تلونا عليك. وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ قال أبو جعفر: قد ذكرنا ما فيه من القراءات وروى شعبة عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ «١» قال قرأت وتعلّمت وفي الكلام حذف أي وليقولوا درست صرّفناها. قال أبو إسحاق: هذا كما تقول: كتب فلان هذا الكتاب لحتفه أي آل أمره إلى ذا وكذا لما صرّفت الآيات آل أمرهم إلى أن قالوا درست وتعلّمت. قال أبو جعفر: وفي المعنى قول آخر حسن وهو أن يكون معنى نُصَرِّفُ الْآياتِ نأتي بها آية بعد آية ليقولوا درست علينا فيذكرون الأول بالآخر فهذا حقيقة والذين قال أبو إسحاق مجاز، ومن قرأ دَرَسْتَ «٢» فأحسن ما قيل فيه أن المعنى ولئلا يقولوا انقطعت وامّحت وليس يأتي محمد ﷺ بغيرها، وأحسن ما قيل في دارست «٣» أن معناه دارستنا فيكون معناه كمعنى درست وقيل: معناه دارست أهل الكتاب فهذا أيضا مجاز كما قال: [المتقارب] ١٣٦-\nفللموت ما تلد الوالده «٤»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٨]</span>\nوَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)\nوَلا تَسُبُّوا نهي وحذفت منه النون للجزم نهى الله ﷿ المؤمنين أن يسبّوا أوثانهم لأنه علم أنهم إذا سبّوها نفر الكفار وازدادوا كفرا ونظيره قوله ﷿:\nفَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [طه: ٤٤] . فَيَسُبُّوا جواب النهي بالفاء. عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ مصدر ومفعول من أجله وروي عن أهل مكة أنهم قرءوا عدوا فهذا نصب على الحال وهو واحد يؤدّي عن جمع مثل فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ الشعراء:\n_________\n(١) انظر المحتسب ١/ ٢٢٥، والبحر المحيط ٤/ ٢٠٠.\n(٢) هذه قراءة ابن عامر، انظر تيسير الداني ٨٧.\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٠٠.\n(٤) الشاهد لنهيكة بن الحارث المازني، أو لشتيم بن خويلد في خزانة الأدب ٩/ ٥٣٠، ولشتيم أو لسماك بن عمرو في لسان العرب (لوم) وبلا نسبة في شرح شواهد المغني ٢/ ٥٧٢، ومغني اللبيب ١/ ٢١٤.","vol":"2","page":26},{"text":"[الشعراء: ٧٧] وروي عنهم عدوا «١» بضم العين والدال وتشديد الواو وهذه قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٩]</span>\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)\nوقرأ طلحة بن مصرّف وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بالنون الخفيفة. قال سيبويه: قال الخليل: وَما يُشْعِرُكُمْ ثم أوجب فقال: (إنّا) . قال أبو جعفر: هذه قراءة مجاهد وأبي عمرو وابن كثير، وقرأ أهل المدينة والأعمش وحمزة أَنَّها «٢» بفتح الهمزة قال الخليل: «أنها» بمعنى «لعلها» «٣» . قال أبو جعفر:\nالتمام على هذه القراءة أيضا وَما يُشْعِرُكُمْ ثم ابتدأ فقال (أنّها) وفيه معنى الإيجاب وهذا موجود في كلام العرب أن تأتي لعل وعسى بمعنى ما سيكون فأما قول الكسائي:\nأنّ «لا» زائدة فخطأ عند البصريين لأنها إنما تزاد فيما لا يشكل وقرأ حمزة وحده لا تؤمنوا «٤» بالتاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٠]</span>\nوَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)\nوَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ «أول مرة» هذه آية مشكلة ولا سيما وفيها وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ فالمعنى ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم يوم القيامة على لهب النار كما لم يؤمنوا في الدنيا ونذرهم في الدنيا أي نمهلهم ولا نعاقبهم فبعض الآية في الآخرة وبعضها في الدنيا ونظيرها وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ [الغاشية: ٢] فهذا في الآخرة عامِلَةٌ ناصِبَةٌ [الغاشية: ٣] فهذا في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>[سورة الأنعام (٦): آية ١١١]</span>\nوَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)\nأَنَّنا في موضع رفع. وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا «٥» قال هارون القارئ:\nأي عيانا وقال محمد بن يزيد يكون قبلا بمعنى ناحية كما تقول: لي قبل فلان مال و(قبلا) بضم القاف والباء وفيه ثلاثة أقوال: فمذهب الفراء أنه بمعنى ضمناء كما قال أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [الإسراء: ٩٢] وقول الأخفش بمعنى قبيل وعلى\n_________\n(١) انظر المحتسب ١/ ٢٢٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٠٣.\n(٣) انظر معاني الفراء: ١/ ٣٥٠.\n(٤) انظر تيسير الداني ٨٧، والبحر المحيط ٤/ ٢٠٤.\n(٥) انظر تيسير الداني ٨٧. [.....]","vol":"2","page":27},{"text":"القولين هو نصب على الحال، وقال محمد بن يزيد وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا أي مقابلا، ومنه إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ [يوسف: ٢٦] ومنه قبل الرجل ودبره لما كان من بين يديه ومن ورائه ومنه قبل الحيض، وقرأ الحسن وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا حذف الضمة من الباء لثقلها. ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «أن» في موضع نصب استثناء ليس من الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٢]</span>\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢)\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا حكى سيبويه (جعل) بمعنى وصف عَدُوًّا مفعول أول. لِكُلِّ نَبِيٍّ في موضع المفعول الثاني. شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يدل على عدوّ ويجوز أن تجعل «شياطين» مفعولا أول «وعدوّا» مفعولا ثانيا. ومعنى شيطان متمرّد في معاصي الله تعالى لاحق ضرره بغيره فإذا كان هكذا فهو شيطان كان من الإنس أو من الجن ومعناه ممتد في الشرّ مشتقّ من الشطن وهو الحبل وسمّي ما توسوس به شياطين الجنّ إلى شياطين الإنس وحيا لأنه إنما يكون خفية وجعل تمويههم زخرفا لتزيينهم إياه وغُرُورًا نصب على الحال لأن معنى يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يغرّونهم بذلك غرورا ويجوز أن يكون في موضع الحال، وروى ابن عباس بإسناد أنه قال في قوله يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ لإبليس مع كل جنّي شيطان ومع كل إنسيّ شيطان فيلقى أحدهما الآخر فيقول له: إني قد أضللت صاحبي فأضلل صاحبك بمثله، ويقول له الآخر: مثل ذلك هذا وحي بعضهم إلى بعض. قال أبو جعفر: والقول الأول يدلّ عليه وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ [الأنعام: ١٢١] فهذا يبيّن معنى ذلك.\nفَذَرْهُمْ أمر فيه معنى التهديد. قال سيبويه: ولا يقال وذر ولا ودع استغنوا عنه بترك.\nقال أبو إسحاق: الواو ثقيلة فلمّا كان ترك ليست فيه واو بمعنى ما فيه الواو ترك ما فيه الواو وهذا معنى قوله وليس بنصّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٣]</span>\nوَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)\nوَلِتَصْغى إِلَيْهِ لام كي وكذا وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا إلا أن الحسن قرأ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا «١» بإسكان اللام جعلها لام أمر فيه معنى التهديد كما قال: افعل ما شئت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٤]</span>\nأَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)\nأَفَغَيْرَ اللَّهِ نصب بابتغي. حَكَمًا نصب على البيان وإن شئت على الحال.\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٤٠، والبحر المحيط ٤/ ٢١١.","vol":"2","page":28},{"text":"وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ ابتداء وخبر وكذا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ نهي مؤكدة بالنون الثقيلة وفتحت لالتقاء الساكنين وقيل لأنهما شيئان ضمّ أحدهما إلى الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٥]</span>\nوَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)\nوَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا مصدر وحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٦]</span>\nوَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦)\nوَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ أي الكفّار. يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن الطريق التي تؤدّي إلى ثواب الله ﷿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ بمعنى «ما» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٧]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)\n(من) في موضع رفع بالابتداء مثل لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ [الكهف: ١٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٨]</span>\nفَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)\nفَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ اسم ما لم يسمّ فاعله والذكر عند أهل اللغة باللسان ويكون بالقلب مجازا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٩]</span>\nوَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)\nوَما لَكُمْ ابتداء وخبر. أَلَّا في موضع نصب والمعنى وأيّ شيء لكم في أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وسيبويه يجيز أن تكون «أن» في موضع جرّ بإضمار الخافض. إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ في موضع نصب بالاستثناء. وَإِنَّ كَثِيرًا اسم «إن» وصلح أن يكون اسمها نكرة لأنّ فيها فائدة وليس الخبر معرفة.\nوهذا حسن عند سيبويه، وأنشد: [الطويل] ١٣٧-\nوإنّ شفاء عبرة لو سفحتها ... فهل عند رسم دارس من معوّل «١»\n_________\n(١) الشاهد لامرئ القيس من مطوّلته (قفا نبك) صفحة ٩، والكتاب ٢/ ١٤٣، وخزانة الأدب ٣/ ٤٤٨، والدرر ٥/ ١٣٩، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٢٥٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٤٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٢، ولسان العرب (عول) و(هول)، والمنصف ٣/ ٤٠، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٩/ ٢٧٤، والدرر ٦/ ١٥٤، وشرح الأشموني ٢/ ٤٣٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٧٢، وهمع الهوامع ٢/ ٧٧.","vol":"2","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢١]</span>\nوَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)\nوَلا تَأْكُلُوا نهي. مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ كسرت الراء لالتقاء الساكنين.\nوَإِنَّهُ لَفِسْقٌ خبر «إنّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٢]</span>\nأَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)\nوروى المسيّبي عن نافع بن أبي نعيم أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ بإسكان الواو وقال أبو جعفر: يجوز أن يكون محمولا على المعنى أي انظروا وتبيّنوا أغير الله أبتغي حكما أو من كان ميتا فأحييناه. ومن فتح الواو جعلها واو عطف دخلت عليها ألف الاستفهام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٣]</span>\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣)\nلام كي قيل: إنه مجاز كما قال فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٥]</span>\nفَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)\nفَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ أي يوسعه ثوابا إلى طاعته وهي شرط ومجازاة. وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا مثله، وقرأ ابن كثير ضَيِّقًا «١» بتخفيف الياء كما يقال: ليّن ولين وهيّن وهين. حرج اسم الفاعل وحرج مصدر وصف به كما يقال: رجل عدل ورضى وقيل: حرج جمع حرجة ومعناه شدّة الضيق ومنه فلان يتحرّج أي يضيّق على نفسه في تركه هواه للمعاصي. كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ «٢» قد ذكرناه. كَذلِكَ الكاف في موضع نصب وكذا ما مرّ من قوله «وكذلك جعلنا في كلّ قرية» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٦]</span>\nوَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٨٨، والبحر المحيط ٤/ ٢١٩.\n(٢) قراءات (يصّعّد) في البحر المحيط ٤/ ٢٢٠.","vol":"2","page":30},{"text":"وَهذا صِراطُ رَبِّكَ ابتداء وخبر. مُسْتَقِيمًا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٧]</span>\nلَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)\nلَهُمْ دارُ السَّلامِ ابتداء وخبر وكذا وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٨]</span>\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ نصب بالفعل المحذوف أي ويوم يحشرهم نقول جَمِيعًا على الحال. يا مَعْشَرَ الْجِنِّ نداء مضاف. قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ أبين ما قيل فيه أن الجنّ استمتعت من الإنس أنهم تلذّذوا بطاعة الإنس إيّاهم وتلذّذ الإنس بقبولهم من الجنّ حتّى زنوا وشربوا الخمور. وقيل: الجنّ هم الذين استمتعوا من الإنس لأن الإنس قبلوا منهم، والأول أولى لأن كلّ واحد منهما قد استمتع بصاحبه. والتقدير في العربية: استمتع بعضنا ببعضنا. قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ ابتداء وخبر. خالِدِينَ فِيها نصب على الحال. إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ استثناء ليس من الأول. إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ أي عقوبتهم وفي جميع أفعاله. عَلِيمٌ بمقدار مجازاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٠]</span>\nيا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠)\nأحسن ما قيل فيه أنّ معنى منكم في الخلق والتكليف والمخاطبة. قُصُّونَ\nفي موضع رفع نعت لرسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣١]</span>\nذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١)\nذلِكَ في موضع رفع عند سيبويه بمعنى الأمر ذلك، لأنّ ربك لم يكن مهلك القرى بظلم وأجاز الفراء «١» أن يكون في موضع نصب بمعنى فعل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٣]</span>\nوَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)\nكَما أَنْشَأَكُمْ الكاف في موضع نصب بمعنى ويستخلف من بعدكم ما يشاء استخلافا مثل ما أنشأكم. مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ وقرأ زيد بن ثابت\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٥٥.","vol":"2","page":31},{"text":"ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ «١» بكسر الذال وتشديد الراء والياء، وقرأ أبان بن عثمان ذريّة «٢» بفتح الذال وتخفيف الراء وتشديد الياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٤]</span>\nإِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)\n(ما) اسم (إنّ) والخبر لآت واللام توكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٥]</span>\nقُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)\nقُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ أي على ما أنا عليه. مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ اسم تكون ويجوز «من يكون» «٣» لأنه مصدر وتأنيثه غير حقيقي كتأنيث الجماعة، وقرأ الأعرج يا معشر الجنّ والإنس ألم تأتكم على تأنيث الجماعة. مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ في موضع رفع لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ويجوز أن يكون بمعنى الذي فتكون في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٦]</span>\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦)\nفَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ هذه لغة أهل الحجاز، ولغة بني أسد بِزَعْمِهِمْ وهكذا قرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي، ولغة تميم وقيس فيما حكى الفراء والكسائي «بزعمهم» بكسر الزاي وإن كان أبو حاتم قد أنكر كسرها وقد حكاه الكسائي والفراء فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ سمّوا شركاء لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم فقالوا هم شركاؤنا فيها. ساءَ ما يَحْكُمُونَ قال الكسائي (ما) في موضع رفع أي ساء الشيء يفعلون. قال أبو إسحاق «ما» في موضع رفع والمعنى ساء الحكم يحكمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٧]</span>\nوَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧)\nوَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ هذه قراءة أهل\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٤٠، أما في البحر المحيط ٤/ ٢٢٨، فقال: «وقرأ زيد بن ثابت «ذرّيّة» بفتح الذال، وأبان بن عثمان «ذرية» بفتح الذال وتخفيف الراء المكسورة» .\n(٢) هذه قراءة حمزة والكسائي، انظر البحر المحيط ٤/ ٢٢٩.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٣٥٦، والبحر المحيط ٤/ ٢٣٠.","vol":"2","page":32},{"text":"الحرمين وأهل الكوفة وأهل البصرة إلا أبا عبد الرحمن والحسن فإنهما قرءا وَكَذلِكَ زَيَّنَ بضم الزاي لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ برفع قتل وخفض أولادهم.\nشُرَكاؤُهُمْ «١» بالرفع وحكى أبو عبيد أن ابن عامر وأهل الشام قرءوا وَكَذلِكَ زَيَّنَ بضم الزاي. (لكثير من المشركين قتل أولادهم) برفع قتل ونصب أولادهم شركائهم «٢» بالخفض وحكى غير أبي عبيد عن أهل الشام أنهم قرءوا وَكَذلِكَ زَيَّنَ بضم الزاي لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ برفع قتل وخفض أولادهم شركائهم «٣» بالخفض أيضا. قال أبو جعفر: فهذه أربع قراءات الأولى أبينها وأصحّها تنصب «قتلا» بزيّن وخفض «أولادهم» بالإضافة، شُرَكاؤُهُمْ رفع بزيّن لا بالقتل لأنهم زيّنوا ولم يقتلوا وهم شركاؤهم في الدين ورؤساؤهم، والقراءة الثانية أن يكون «قتل» اسم ما لم يسمّ فاعله. «شركاؤهم» رفع بإضمار فعل لأن زيّن يدلّ على ذلك أي زيّنه شركاؤهم ويجوز على هذا: ضرب زيد عمرو بمعنى ضربه عمرو وأنشد سيبويه: [الطويل] ١٣٨-\nليبك يزيد ضارع لخصومة «٤»\nوقرأ ابن عامر وعاصم من رواية ابن عباس يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ [النور: ٣٦] وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٤، ٥] بمعنى قتلتهم النار، فأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر وأهل الشام فلا يجوز في كلام ولا شعر وإنما أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه في الشعر بالظرف لأنه لا يفصل فأما بالأسماء غير الظروف فلحن، وأما ما حكاه غير أبي عبيد وهي القراءة الرابعة فهو جائز على أن تبدل شركاؤهم من أولادهم لأنهم شركاؤهم في النسب والميراث. لِيُرْدُوهُمْ لام كي. وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ أي يأمرونهم بالباطل فيصير الحقّ مغطى عليه فبهذا يلبسون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٨]</span>\nوَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)\nوَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ ابتداء وخبر. وَحَرْثٌ حِجْرٌ عطف على الخبر وقرأ أبان\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٨٨.\n(٢) انظر تيسير الداني ٨٨.\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٣١.\n(٤) مرّ الشاهد رقم ١٣٢، وعجزه:\n«وأشعث ممّن طوّحته الطوائح»","vol":"2","page":33},{"text":"ابن عثمان وَحَرْثٌ حِجْرٌ «١» بضم الحاء والجيم وقرأ الحسن وقتادة وَحَرْثٌ حِجْرٌ «٢» بضم الحاء واسكان الجيم لغات بمعنى، وروي عن ابن عباس وابن الزبير وحرث حرج «٣» الراء قبل الجيم وكذا في مصحف أبيّ وفيه قولان: أحدهما أنه مثل جبذ وجذب، والقول الآخر وهو أصحّ أنه من الحرج وهو الضيق فيكون معناه الحرام ومنه فلان يتحرّج أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه بالحرام. افْتِراءً مفعول من أجله ومصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٩]</span>\nوَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)\nوَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا تقرأ على أربعة أوجه: قراءة العامة وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ برفع خالصة والتأنيث وقرأ قتادة خالِصَةٌ بالنصب وقرأ ابن عباس وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا على الإضافة وقرأ الأعمش خالص لذكورنا بغير هاء والقراءة الأولى على الابتداء والخبر، وفي تأنيث ما ثلاثة أقوال: قال الكسائي والأخفش هذا على المبالغة وقال الفراء «٤»: تأنيثها لتأنيث الأنعام وهذا القول عند قوم خطأ لأن ما في بطونها ليس منها فلا يشبه تلتقطه بعض السيارة [يوسف: ١٠] لأن بعض السيارة سيارة وهذا لا يلزم الفراء لأنه إنما يؤنث هذا لأن الذي في بطونها أنعام كما أنها أنعام، والقول الثالث أحسنها يكون التأنيث على معنى ما والتذكير على اللفظ والدليل على هذا أنّ بعده وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا على اللفظ فالتقدير وقالوا الأنعام التي في بطون هذه الأنعام خالصة، والنصب عند الفراء على القطع وعند البصريين على الحال مما في المخفوض الأول ولا يجوز أن يكون حالا من المضمر الذي في الذكور كما يجوز زيد قائما في الدار لأن العامل لا يتصرف وإن كان الأخفش قد أجازه في بعض كتبه، والقراءة الثالثة على أن يكون خالِصَةٌ ابتداء ثانيا والخبر «لذكورنا» والجملة خبر «ما» ويجوز أن «خالصه» بدلا من «ما» . والقراءة الرابعة على تذكير «ما» في اللفظ.\nيَكُنْ بمعنى وإن يكن ما في بطونها ميتة والتأنيث بمعنى وإن تكن الحمول ميتة.\nقال أبو حاتم: وإن تكن النسمة ميتة. قال أبو عمرو بن العلاء: الاختيار يكن بالياء لأن بعده فَهُمْ فِيهِ ولم يقل: فيها وإن يكن ميتة بالرفع بمعنى تقع وقال الأخفش: أي وإن تكن في بطونها ميتة.\n_________\n(١) وهي قراءة عيسى بن عمر أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٢٣٣، ومختصر ابن خالويه ٤١.\n(٢) انظر البحر المحيط: ٤/ ٢٣٣. [.....]\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٤١.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٢٥٨.","vol":"2","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-803>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٠]</span>\nقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)\nسَفَهًا مصدر ومفعول من أجله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤١]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ في موضع نصب وكسرت التاء لأنه جمع مسلّم.\nمَعْرُوشاتٍ نعت أي عليها حيطان، وقيل: لأن بعض أغصانها على بعض. وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ عطف. مُخْتَلِفًا على الحال. قال أبو إسحاق: هذه مسألة مشكلة من النحو لأنه يقال: قد أنشأها ولم يختلف أكلها وهو ثمرها. ففي هذا جوابان: أحدهما أنه أنشأها بقوله خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٠٢] فأعلم الله ﷿ أنه أنشأها مختلفا أكلها، والجواب الآخر أنه أنشأها مقدّرا ذلك فيها، وقد بيّن هذا سيبويه «١» بقوله:\nمررت برجل معه صقر صائدا به غدا، على الحال كما تقول: ليدخلنّ الدار آكلين شاربين أي مقدّرين ذلك. وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ عطف. مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ على الحال. ويقال: حصاد وحصاد وجداد وجدّاد وصرام وصرام. وَلا تُسْرِفُوا نهي.\nإِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ أي لا يثني عليهم ولا يثيبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٢]</span>\nوَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)\nوَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا عطف، أي وأنشأ حمولة وفرشا من الأنعام وللعلماء في الأنعام ثلاثة أقوال: أحدها أنّ الأنعام الإبل خاصة، وقيل: النعم الإبل وحدها وإذا كان معها غنم وبقر فهي أنعام أيضا، والقول الثالث أصحّها قال أحمد بن يحيى: «الأنعام» كلّ ما أحلّه الله جلّ وعزّ من الحيوان ويدلّ على صحّة هذا قوله جلّ وعزّ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [المائدة: ١] . وقد ذكرنا الحمولة والفرش، ومن أحسن ما قيل فيهما أنّ الحمولة المسخّرة المذلّلة للحمل، و«الفرش» ما خلقه الله ﷿ من الجلود والصوف مما يجلس عليه ويتمهّد. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ جمع خطوة.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٥٨.","vol":"2","page":35},{"text":"ويجوز الضمّ والفتح وقرأ أبو السمال خُطُواتِ الشَّيْطانِ «١» بفتح الخاء والطاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٣]</span>\nثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣)\nثَمانِيَةَ أَزْواجٍ في نصبه ستة أقوال: قال الكسائي: هو منصوب بإضمار أنشأ، وقال الأخفش سعيد: هو منصوب على البدل من حمولة وفرش، وإن شئت على الحال، وقال الأخفش علي بن سليمان: يكون منصوبا بكلوا أي كلوا لحم ثمانية أزواج، ويجوز أن يكون منصوبا على البدل من «ما» على الموضع، ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى كلوا المباح ثمانية أزواج مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ قرأ طلحة بن مصرّف وعيسى مِنَ الضَّأْنِ «٢» بفتح الهمزة، وقرأ أبان بن عثمان من الضأن اثنان ومن المعز اثنان «٣» رفعا بالابتداء وقرأ أبو عمرو والحسن وعيسى ومن المعز «٤» بفتح العين وفي حرف أبيّ ومن المعزى اثنين «٥»، قال أبو جعفر: الأكثر في كلام العرب المعز والضأن بالإسكان، ويدلّ على هذا قولهم في الجمع: معيز هذا جمع معز كما يقال:\nعبد وعبيد، وقال امرؤ القيس: [الوافر] ١٣٩-\nويمنحها بنو شمج بن جرم ... معيزهم حنانك ذا الحنان «٦»\nواختار أبو عبيد ومن المعز أيضا بإسكان العين، قال: لإجماعهم على الضأن وقد ذكرنا أنه قد قرئ الضَّأْنِ وما عزّ ومعز مثل تاجر وتجر فأما معز فيجوز لأن فيه حرفا من حروف الحلق وكذا ضأن. قُلْ آلذَّكَرَيْنِ منصوب بحرّم. أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ عطف عليه وكذا أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ وزدت مع ألف الوصل مدة فقلت الذكرين لنفرق بين الخبر والاستفهام، ويجوز حذف المدة لأن «أم» تدلّ على الاستفهام كما قال: [المتقارب] ١٤٠-\nتروح من الحيّ أم تبتكر «٧»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٥]</span>\nقُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ٤٦.\n(٢) انظر المحتسب ١/ ٢٣٣.\n(٣) وهي قراءة الحسن أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٢٤١.\n(٤) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٤١.\n(٥) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٤١، ومختصر ابن خالويه ٤١.\n(٦) الشاهد لامرى القيس في ديوانه ص ١٤٣، ولسان العرب (حنن)، وبلا نسبة في مجالس ثعلب ٢/ ٥٤٣، والمقتضب ٣/ ٢٢٤.\n(٧) مرّ الشاهد رقم (٧) .","vol":"2","page":36},{"text":"قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ وقرأ أبو جعفر محمد بن علي يَطْعَمُهُ والأصل فيه يطتعمه «١» فأدغم بعد قلب التاء طاء. يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أي إلا أن يكون المأكول ميتة. قال الأصمعي: قال لي نافع بن أبي نعيم مفسرا إلا أن يكون ذلك ميتة وقرأ ابن كثير والأعمش وحمزة إلا أن تكون ميتة «٢» والتقدير على هذا: إلا أن يكون المأكولة ميتة وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع إلا أن تكون ميتة «٣» بالرفع. أَوْ دَمًا بالنصب وبعض النحويين يقول هو لحن لأنه عطف منصوبا على مرفوع وسبيل المعطوف سبيل المعطوف عليه والقراءة جائزة وقد صحّت عن إمام على أن يكون أو دما معطوفا على أن لأن «أن» في موضع نصب وهي اسم والتقدير إلّا كون ميتة أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا نعت. أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ عطف وكذا أَوْ فِسْقًا فإنّه رجس ينوى به التأخير وفي الآية إشكال يقال: قد حرّم رسول الله ﷺ كلّ ذي ناب من السباع وكلّ ذي مخلب من الطير، وليس هما في الآية ففي هذا أقوال: منها أنّهم سألوا عن شيء بعينه فوقع الجواب مخصوصا وهذا مذهب الشافعي ﵁، وقيل: ما صحّ عن النبي ﷺ فهو داخل في الآية معطوف على ما بعد إلا، وهذا قول حسن ومثله كثير، وفي الآية قول ثالث بيّن وهو أن ما حرّمه رسول الله ﷺ فهو ميتة فالآية على هذا مشتملة على هذه الأشياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٦]</span>\nوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦)\nوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وقرأ الحسن ظفر «٤» بإسكان الفاء وقرأ أبو السمّال ظفر «٥» بإسكان الفاء وكسر الظاء، وأنكر أبو حاتم كسر الظاء وأنكر أبو حاتم كسر الظاء وإسكان الفاء ولم يذكر هذه القراءة قال: ويقال: أظفور وحكى الفراء في الجمع أظافير وأظافرة وأظافر وأظفارا. وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٤٢.\n(٢) انظر تيسير الداني ٨٩، والبحر المحيط ٤/ ٢٤٢.\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٤٢، وتيسير الداني ٨٩.\n(٤) وهي قراءة أبيّ والأعرج أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٢٤٥، ومختصر ابن خالويه ٤١. [.....]\n(٥) وهي قراءة الحسن أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٢٤٥، ومختصر ابن خالويه ٤١.","vol":"2","page":37},{"text":"(ما) في موضع نصب على الاستثناء. ظُهُورُهُما رفع بحملت. أَوِ الْحَوايا في موضع رفع عطف على الظهور. حاوية وحوايا وحاوياء مثل نافقاء ونوافق وضاربة وضوارب وأبدل من الياء ألف كما يقال صحارى. أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ (ما) في موضع نصب عطف على ما حملت وفي هذا أقوال هذا أصحّها وهو قول الكسائي والفراء «١» وأحمد بن يحيى والنظر يوجبه أن يعطف الشيء على ما يليه إلا أن لا يصحّ معناه أو يدل دليل على غيره. ذلِكَ جَزَيْناهُمْ أي الأمر ذلك.\nوَإِنَّا لَصادِقُونَ خبر إنّ والأصل إنّنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٧]</span>\nفَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)\nفَإِنْ كَذَّبُوكَ شرط والجواب فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ أي لأنه حلم عنكم فلم يعاقبكم في الدنيا والأصل في «ذو» ذوى ولو نطق به على الأصل لقيل: ذوى مثل عصا وقد جاء في القرآن على الأصل وهو ذَواتا أَفْنانٍ [الرحمن: ٤٨] ثم أخبر الله جلّ وعزّ بالغيب عما سيقولونه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٨]</span>\nسَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨)\nسَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا عطف على النون والألف وحسن ذلك لما جئت بلا، توكيدا وقد أفادت معنى النفي عن الجميع وقيل: معنى قوله: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا أي لو شاء الله لأرسل إلى آبائنا رسولا فنهاهم عن الشرك وعن تحريم ما أحلّ فانتهوا فاتبعناهم على ذلك وألفناه ولم تنفر طباعنا عنه فردّ الله ﷿ عليهم ذلك فقال هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا أي أعندكم دليل على أنّ هذا كذا. إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ في هذا القول وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ فتوهمون ضعفتكم أنّ لكم حجّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٩]</span>\nقُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)\nقُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ أي التي تقطع عذر المحجوج وتزيل الشكّ عمن نظر فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٠]</span>\nقُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)\nقُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ فتحت الميم لالتقاء الساكنين كما تقول: ردّ يا هذا. ولا يجوز\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٦٣.","vol":"2","page":38},{"text":"ضمها ولا كسرها. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا معناها إلّا أنّ في كتاب العين للخليل ﵀ أنّ أصلها: «هل أؤمّ» . أي هل أقصدك ثم كثر استعمالهم إياها حتى صار المقصود يقولها، كما أن «تعالى» أصلها أن يقولها المتعالي للمتسافل فكثر استعمالها إياها حتى صار المتسافل يقول للمتعالي: تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥١]</span>\nقُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)\nقُلْ تَعالَوْا أَتْلُ جواب الأمر. ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ (ما) في موضع نصب بالفعل. أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا الفراء يختار أن يكون (لا) للنهي لأن بعده وَلا تَقْتُلُوا.\nقال أبو جعفر: ويجوز أن تكون «أن» في موضع نصب بدلا من «ما» أي أتل عليكم تحريم الإشراك ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى كراهة أن تشركوا ويكون المتلو عليهم قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا [الأنعام: ١٤٥] الآية، ويجوز أن يكون في موضع رفع بمعنى هو أن لا تشركوا به شيئا. وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا مصدر. وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ أي من خوف الفقر. وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ نصب بالفعل. ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ بدل منها. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ أي الأمر ذلكم ويجوز أن يكون بمعنى بيّن لكم وصاكم به. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لتكونوا على رجاء من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٢]</span>\nوَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)\nوَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ\nنهي كلّه فلذلك حذفت منه النون. وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا\nأي إذا عاهدتم الله جلّ وعزّ على شيء أو حلفتم لإنسان فأوفوا. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ\nمثل الأول وأدغمت التاء في الذال لقربها منها ويجوز حذفها للدلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٣]</span>\nوَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)\nوَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم وتقديرها عند الخليل وسيبويه «١»: ولأن هذا صراطي كما قال جلّ وعز: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ١٤٦.","vol":"2","page":39},{"text":"[الجن: ١٨] والفراء «١» يذهب إلى أنها في موضع خفض بمعنى «ذلكم وصّاكم به» ووصّاكم بأنّ هذا صراطي مستقيما، والكسائي يذهب إلى أنها في موضع نصب على هذا المعنى إلا أنه لمّا حذف الباء نصب وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وَأَنَّ هذا «٢» بكسر الهمزة وهذا مستأنف ومن قرأ وَأَنَّ هذا «٣» بالتخفيف فهذا عنده في موضع رفع بالابتداء ويجوز النصب ومعنى وأنّ هذا صراطي مستقيما لا يعرّج من سلكه.\nمُسْتَقِيمًا على الحال. فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ أي لا تتبعوا الديانات المختلفة.\nفَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ جواب النهي. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ مثل الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٤]</span>\nثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)\nثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مفعولان تَمامًا مفعول من أجله ومصدر. عَلَى الَّذِي خفض بعلى أَحْسَنَ فعل ماض داخل في الصلة وهذا قول البصريين وأجاز الكسائي والفراء «٤» أن يكون اسما نعتا للذي وأجاز: مررت بالذي أخيك، ينعتان الذي بالمعرفة وما قاربها وذا محال عند البصريين لأنه نعت للاسم قبل أن يتم والمعنى عندهم على المحسن، وأجاز الكسائي والفراء أن يكون الذي بمعنى الذين أي على المحسن، وحكي عن محمد بن يزيد قول رابع قال: هو مثل قولك: إذا ذكر زيد مررت بالذي ضرب أي الذي ضربه فالمعنى تماما على الذي أحسنه الله إلى موسى من الرسالة وغيرها وَتَفْصِيلًا عطف وكذا وَهُدىً وَرَحْمَةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٥]</span>\nوَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)\nوَهذا كِتابٌ ابتداء وخبر. مُبارَكٌ نعت، ويجوز في غير القرآن: مباركا.\nعلى الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٦]</span>\nأَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦)\nأَنْ تَقُولُوا في موضع نصب بمعنى كراهة أن تقولوا وقال الفراء «٥» أي: واتّقوا أن تقولوا.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٦٤، والبحر المحيط ٤/ ٢٥٤.\n(٢) انظر تيسير الداني ٨٩.\n(٣) انظر تيسير الداني ٨٩، والبحر المحيط ٤/ ٢٥٤، وهذه قراءة ابن عامر.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٣٦٥، والبحر المحيط ٤/ ٢٥٥.\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٣٦٦، والبحر المحيط ٤/ ٢٥٧.","vol":"2","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-819>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٧]</span>\nأَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)\nأَوْ تَقُولُوا عطف عليه. فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ لأن البينة والبيان واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٨]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)\nيَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ويجوز تأتي مثل فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ [القصص: ٨] أو مثل تلتقطه بعض السيارة [يوسف: ١٠] وقرأ ابن سيرين لا تنفع نفسا إيمانها.\nقال أبو حاتم: هذا غلط من ابن سيرين. قال أبو جعفر: في هذا شيء دقيق من النحو ذكره سيبويه وذلك أنّ الإيمان والنفس كلّ واحد منهما مشتمل على الآخر فجاز التأنيث وأنشد سيبويه: [الطويل] ١٤١-\nمشين كما اهتزّت رماح تسفّهت ... أعاليها مرّ الرّياح النواسم «١»\nلأن المرّ والرياح كل واحد منهما مشتمل على الآخر، وفيه قول آخر أن يؤنث الإيمان لأنه مصدر كما يذكّر المصدر المؤنث مثل فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ [البقرة: ٢٧٥] لأن موعظة بمعنى الوعظ وكما قال: [الطويل] ١٤٢-\nفقد عذرتنا في صحابته العذر «٢»\nففي أحد الأقوال أنه أنّث العذر لأنه بمعنى المعذرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)\nإِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض وكذا من ابتدع فقد جاء بما لم يأمر الله جل وعز به فقد فرّق دينه وفارقوا دينهم يعني الإسلام وكلّ من فارقه فقد فارق\n_________\n(١) الشاهد لذي الرمة في ديوانه ص ٧٥٤، وخزانة الأدب ٤/ ٢٢٥، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٨، والكتاب ١/ ٩٤، والمحتسب ١/ ٢٣٧، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٦٧ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/ ٢٣٩، والخصائص، ٢/ ٤١٧، وشرح الأشموني ٢/ ٣١٠، وشرح عمدة الحافظ ٨٣٨، ولسان العرب (عرد) و(صدر)، و(قبل)، و(سفه)، والمقتضب ٤/ ١٩٧.\n(٢) الشاهد بلا نسبة في تذكرة النحاة ص ٥٨٣، وللأبيرد اليربوعي في الحماسة البصرية ١/ ٢٦٨، ونسب للأخطل في لسان العرب (عذر) . وصدره:\n«فإن تكن الأيام فرّقن بيننا»","vol":"2","page":41},{"text":"دينه الذي يجب أن يتّبعه لست منهم في شيء فأوجب براءته منهم إنما أمرهم إلى الله تعزية للنبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٠]</span>\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ ابتداء وهو شرط والجواب فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها أي فله عشر حسنات أمثالها وحكى سيبويه «١»: عندي عشرة نسّابات أي عندي عشرة رجال نسابات، وقرأ الحسن وسعيد بن جبير والأعمش فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها «٢» وتقديرها: فله حسنات عشر أمثالها أي له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب له ويجوز أن يكون له مثل ويضاعف المثل فيصير عشرة. فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها خبر ما لم يسمّ فاعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦١]</span>\nقُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)\nقُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قال الأخفش: هو نصب بهداني وقال غيره:\nهو نصب بمعنى عرّفني مثل: هو يدعه تركا. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون محمولا على المعنى لأن المعنى هداني صراطا مستقيما كما قال جلّ وعزّ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا [الفتح: ٢]: قِيَمًا من نعمته وقيّما أعلّ على الإتباع. مِلَّةَ إِبْراهِيمَ بدل. حَنِيفًا قال أبو إسحاق: هو حال من إبراهيم وقال علي بن سليمان: هو نصب بإضمار أعني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٢]</span>\nقُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢)\nقُلْ إِنَّ صَلاتِي اسم «إنّ» . وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي عطف عليه وقرأ أهل المدينة وَمَحْيايَ «٣» بإسكان الياء في الإدراج وهذا لم يجزه أحد من النحويين إلا يونس لأنه جمع بين ساكنين وإنما أجازه يونس لأن قبله ألفا والألف المدّ التي فيها تقوم مقام الحركة وأجاز يونس اضربان زيدا وإنما منع النحويون هذا لأنه جمع بين ساكنين وليس في الثاني إدغام، ومن قرأ بقراءة أهل المدينة وأراد أن يسلم من اللحن وقف على «محياي» فيكون غير لاحن عند جميع النحويين، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى وعاصم الجحدري وَمَحْيايَ وَمَماتِي «٤» بالإدغام وهذا وجه جيد في العربية لمّا كانت الياء يغيّر\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٤٦.\n(٢) انظر البحر المحيط: ٤/ ٢٦١، ومختصر ابن خالويه ٤١.\n(٣) انظر تيسير الداني ٨٩، والبحر المحيط ٤/ ٢٦٢.\n(٤) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٦٢. [.....]","vol":"2","page":42},{"text":"ما قبلها بالكسر ولم يجز في الألف كسر صيّر تغييرها قلبها إلى الياء كما أنشد أهل اللغة: [الكامل] ١٤٣-\nسبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم «١»\nخبر. قال الأخفش: يقال: وزر يوزر ووزر يزر ووزر يوزر وزرا ويجوز إزرا كما يقال: إسادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٥]</span>\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ مفعولان. لِيَبْلُوَكُمْ نصب بلام كي وهو بدل من «أن» . إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ اسم «إنّ» وخبرها وكذا وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم ١٨، وعجزه:\n«فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع»","vol":"2","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>٧ شرح إعراب سورة الأعراف</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ربّ يسّر وأعن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالمص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)\nالمص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ قال الكسائي: أي هذا كتاب أنزل إليك، وقال الفراء «١»:\nالمعنى الألف واللام والميم والصاد من حروف المقطّع كتاب أنزل إليك مجموعا. قال أبو إسحاق: هذا القول خطأ من ثلاث جهات: منها أنه لو كان كما قال لوجب أن يكون بعد هذه الحروف أبدا كتاب وقد قال الله جلّ وعزّ: الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران: ١، ٢] ومنها أنه لو كان كما قال ما لكانت «الم» في غير موضع كذا «حم»، ومنها أنه أضمر شيئين لأنه يحتاج أن يقدّر «الم» بعض حروف كتاب أنزل إليك ولا يكون هذا كقولك: اب ت ث ثمانية وعشرون حرفا، لأن هذا اسم للسورة كما تقول: الحمد سبع آيات والدليل على هذا أنه لا يجوز ط ظ ر ن ثمانية وعشرون حرفا. قال أبو جعفر: وقد أجاز الفراء هذا. فَلا يَكُنْ نهي وعلامة الجزم فيه حذف الضمة من النون وحذفت الواو لسكونها وسكون النون وكانت أولى بالحذف لأن قبلها ضمة تدلّ عليها. حَرَجٌ اسم يكن والنهي في اللفظ للحرج وفي المعنى المخاطب. لِتُنْذِرَ بِهِ نصب بلام كي. وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ «٢» لم تنصرف لأن في آخرها ألف تأنيث وتكون في موضع رفع ونصب وخفض، الرفع عند البصريين على إضمار مبتدأ، وقال الكسائي: هي عطف على «كتاب»، والنصب عند البصريين على المصدر، وقال الكسائي: هي عطف على الهاء في «أنزلناه»، والخفض بمعنى للإنذار وذكرى للمؤمنين خفض باللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>[سورة الأعراف (٧): آية ٣]</span>\nاتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣)\nاتَّبِعُوا أمر وهو جزم عند الفراء وبناء عند سيبويه وَلا تَتَّبِعُوا جزم. مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٦٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٦٨.","vol":"2","page":44},{"text":"مفعول ولم ينصرف لأن فيه ألف التأنيث أي لا تعبدوا معه غيره قَلِيلًا نعت لظرف أو لمصدر. ما تَذَكَّرُونَ «١» تكون «ما» زائدة وتكون مع الفعل مصدرا والأصل تتذكّرون فأدغمت التاء في الذال لقربها منها وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي تذكرون فحذف التاء الثانية لاجتماع تاءين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>[سورة الأعراف (٧): آية ٤]</span>\nوَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤)\nوَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها في موضع رفع بالابتداء ويجوز النصب بإضمار فعل.\nفَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ قال الفراء «٢»: خفّفت الواو والمعنى أو وهم قائلون. قال أبو إسحاق: هذا خطأ إذا عاد الذكر استغني عن الواو تقول: جاءني زيد راكبا أو هو ماش ولا يحتاج إلى الواو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>[سورة الأعراف (٧): آية ٥]</span>\nفَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)\nفَما كانَ دَعْواهُمْ خبر كان واسمها إِلَّا أَنْ قالُوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nفَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧)\nفدلّ بهذا على أن الكفار يحاسبون وهذه لام القسم وحقيقتها أنها للتوكيد وكذا فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ خبر كان وبطل عمل ما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)\nوَالْوَزْنُ رفع بالابتداء الْحَقُّ خبره، ويجوز أن يكون الحق نعتا له والخبر يَوْمَئِذٍ ويجوز نصب الحق على المصدر. فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ شرط وجوابه، وكذا وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ مصدر أي بظلمهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠]</span>\nوَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠)\nوقرأ الأعرج معائش «٣» بالهمز وكذا روى خارجة بن مصعب عن نافع. قال\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٦٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٧٢، والبحر المحيط ٤/ ٢٦٨.\n(٣) وهي قراءة زيد بن علي والأعمش أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٢٧١، ومختصر ابن خالويه ٤٢.","vol":"2","page":45},{"text":"أبو جعفر: والهمز لحن لا يجوز لأن الواحد معيشة فزدت ألف الجمع وهي ساكنة والياء ساكنة فلا بد من تحريك إذ لا سبيل إلى الحذف والألف لا تحرّك فحرّكت الياء بما كان يجب لها في الواحد ونظيره من الواو منارة ومناور ومقامة ومقاوم كما قال: [الطويل] ١٤٤-\nوإنّي لقوّام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها «١»\nوكذا مصيبة ومصاوب هذا الجيد ولغة شاذّة مصايب. قال الأخفش: إنما جاز مصايب لأن الواحدة معتلّة. قال أبو إسحاق: هذا خطأ يلزمه أن يقول: مقايم، ولكن القول عندي أنه مثل وسادة وإسادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>[سورة الأعراف (٧): آية ١١]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)\nقال أبو جعفر: فقد ذكرنا معنى وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ استثناء من موجب. لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ في موضع الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>[سورة الأعراف (٧): آية ١٢]</span>\nقالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)\nقالَ ما مَنَعَكَ ما في موضع رفع بالابتداء، وعند الكسائي بالعائد. والمعنى أيّ شيء منعك أَلَّا تَسْجُدَ في موضع نصب أي من أن تسجد. قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ابتداء وخبر. في أنا ثلاث لغات أفصحها: أنا فعلت بحذف الألف في الإدراج لأنها زائدة لبيان الحركة في الوقف. قال الفراء: وبعض بني قيس وربيعة يقولون: أنا فعلت بإثبات الألف في الإدراج. قال الكسائي: وبعض قضاعة يقولون: أان فعلت، مثل عان. وفي الوقف ثلاث لغات: أفصحها: أنا. قال الكسائي: ومن العرب من يقول: «أنه» قال الأخفش: ومن العرب من يقول: «أن» في الوقف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nقالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧)\nقالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي فيها ثلاثة أجوبة: يكون من الغيّ ويكون مثل أحمدت الرجل، وقيل: أغواه أي خيّبه. لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي لأقعدن لهم في الغيّ على\n_________\n(١) الشاهد للأخطل في ديوانه ص ٢٣٣، وحماسة البحتري ص ٢١٢، والخصائص ٣/ ١٤٥، وشرح المفصل ١٠/ ٩٠، وللفرزدق في المقتضب ١/ ١٢٢، وبلا نسبة في شرح المفصل ١٠/ ٩٧، والمنصف ١/ ٣٠٦.","vol":"2","page":46},{"text":"صراطك حذفت «على» كما حكى سيبويه: ضرب الظّهر والبطن وأنشد: [الكامل] ١٤٥-\nلدن بهزّ الكفّ يعسل متنه ... فيه كما عسل الطّريق الثّعلب «١»\nوالتقدير على صراطك وفي صراطك وسمّي الدين صراطا لأنه الطريق إلى النجاة.\nوأحسن ما قيل في معنى ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ في الضلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨]</span>\nقالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)\nقالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا على الحال وقرأ عاصم من رواية أبي بكر بن عيّاش لَمَنْ تَبِعَكَ «٢» بكسر اللام وأنكره بعض النحويين وتقديره- والله أعلم- من أجل من تبعك كما يقال: أكرمت فلانا لك وقد يكون المعنى: الدّحر لمن تبعك منهم. قال أبو إسحاق من قرأ «لمن تبعك» بفتح اللام فهي عنده لام قسم وهي توطئة لقوله لَأَمْلَأَنَّ وقال غيره: لمن تبعك هي لام توكيد لأملأنّ لام قسم الدليل على هذا أنه يجوز في غير القرآن حذف اللام الأولى ولا يجوز حذف الثانية، وفي الكلام معنى الشرط والمجازاة أي من تبعك عذّبته، ولو قلت: من تبعك أعذبه لم يجز إلّا أن تريد لأعذبنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠)\nوَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ نهي. فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ جواب ويكون عطفا.\nقال الأخفش: فَوَسْوَسَ لَهُمَا أي إليهما. ما وُورِيَ ويجوز في غير القرآن أوري مثل «أقّتت» . إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ خبر تكونا و«أن» في موضع نصب بمعنى كراهة والكوفيون يقولون: لئلّا وقرأ يحيى بن أبي كثير والضحّاك إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ بكسر اللام ويجوز على هذه القراءة إسكانها ولا يجوز على القراءة الأولى لخفة الفتحة، وزعم أبو عبيد أن احتجاج يحيى بن أبي كثير بقوله وَمُلْكٍ لا يَبْلى [طه:\n_________\n(١) الشاهد لساعدة بن جؤيّة الهذليّ في الكتاب ١/ ٦٩، وتخليص الشواهد ٥٠٣، وخزانة الأدب ٣/ ٨٣، والدرر ٣/ ٨٦، وشرح أشعار الهذليين ١١٢٠، وشرح التصريح ١/ ٣١٢، وشرح شواهد الإيضاح ص ١٥٥، وشرح شواهد المغني ص ٨٨٥، ولسان العرب (وسط) و(عسل)، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٤٤، ونوادر أبي زيد ص ١٥، وبلا نسبة في أسرار العربية ١٨٠، وجمهرة اللغة ٨٤٢، والخصائص ٣/ ٣١٩، وشرح الأشموني ١/ ١٩٧، ومغني اللبيب ص ١١، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٠.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٤٢، وهي قراءة عاصم.","vol":"2","page":47},{"text":"١٢٠] حجّة بيّنة ولكنّ الناس على تركها فلهذا تركناها «١» . قال أبو جعفر: إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ قراءة شاذة وقد أنكر على أبي عبيد هذا الكلام وجعل من الخطأ الفاحش وهل يجوز أن يتوهّم آدم ﷺ أنه يصل إلى أكثر من ملك الجنة وهي غاية الطالبين وإنما معنى وَمُلْكٍ لا يَبْلى المقام في ملك الجنّة والخلود فيه وقد بيّن الله جلّ وعز فضل الملائكة على جميع الخلق في غير موضع من القرآن فمنها هذا وهو إلّا أن يكونا ملكين ومنها وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: ٥٠] ومنه لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ\n[النساء: ١٧٢] وقال الحسن: فضّل الله ﷿ الملائكة بالصور والأجنحة والكرامة، وقال غيره: فضّلهم الله جلّ وعزّ بالطاعة وترك المعصية فبهذا يقع التفضيل في كلّ شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>[سورة الأعراف (٧): آية ٢١]</span>\nوَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)\nليس «لكما» داخلا في الصلة وللنحويين فيه ثلاثة أقوال: قال هشام: التقدير إني ناصح لكما لمن الناصحين، وقال محمد بن يزيد: يكون لكما تبيينا كما تقول: مرحبا بك وبك مرحبا. قال محمد بن يزيد وقال المازني: وهو اختياري الألف واللام بمنزلتها في الرجل وليست بمعنى الذي ألا ترى أنك تقول: نعم القائم. ولا يجوز:\nنعم الذي قام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٢]</span>\nفَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)\nوقرأ الحسن فلمّا ذاقا الشجرة بدت لهما سوأتهما على واحدة والأجود الجمع ويجوز التثنية وقد ذكرناه في «سورة المائدة» «٢» . وَطَفِقا «٣» ويجوز إسكان الفاء.\nوحكى الأخفش طفق يطفق مثل ضرب يضرب وقرأ الحسن يَخْصِفانِ «٤» بكسر الخاء والأصل يختصفان فأدغم وكسر الخاء لالتقاء الساكنين وقرأ ابن بريدة ويعقوب يَخْصِفانِ «٥» بفتح الخاء ألقى حركة التاء عليها، ويجوز يخصّفان بضم الياء من خصف يخصف والمعنى أنهما أمرا بترك اللّباس فبدت سوآتهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٣]</span>\nقالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)\nقالا رَبَّنا نداء مضاف والأصل يا ربنا وقيل في معنى «يا» معنى التعظيم.\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٤٢.\n(٢) انظر المائدة: ٣١.\n(٣) وقرأ أبو السّمال (وطفقا) بالفتح، انظر البحر المحيط ٤/ ٢٨١.\n(٤) وهي قراءة الأعرج ومجاهد وابن وثاب أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٢٨١.\n(٥) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٨١، ومختصر ابن خالويه ٤٢. [.....]","vol":"2","page":48},{"text":"وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وقعت (إن) على (لم) لأن معناها مع ما بعدها الفعل الماضي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٦]</span>\nيا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)\nيا بَنِي آدَمَ نداء مضاف. قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وهو القطن والكتّان لأنهما يكونان من الماء الذي يكون من السماء، وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن وعاصم من رواية المفضّل الضبّي وأبو عمرو ومن رواية الحسين بن عليّ الجعفيّ ورياشا «١» ولم يحكه أبو عبيد إلا عن الحسن ولم يفسّر معناه وهو جمع ريش وهو ما كان من المال واللباس قال الفراء «٢»: ريش ورياش كما تقول: لبس ولباس وَلِباسُ التَّقْوى «٣» هذه قراءة أهل المدينة والكسائي، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم والأعمش وحمزة وَلِباسُ التَّقْوى بالرفع، والنصب على العطف وتم الكلام والرفع بالابتداء. وذلِكَ من نعته وخبر الابتداء خَيْرٌ ويجوز أن يكون «لباس» مرفوعا على إضمار مبتدأ أي وستر العورة ذلك لباس المتّقين وروي عن محمد بن يزيد أنه قال: الرفع والنصب حسنان إلّا أن النصب يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون ذلك إشارة إلى اللباس والآخر أن يكون إشارة إلى كل ما تقدّم فأما لباس التقوى ففيه قولان: أحدهما أن معنى أنزل لباس التقوى ما علّمه الله جلّ وعزّ وهدى به هذا في النصب، وفي الرفع على التمثيل، والقول الآخر أن معنى لباس التقوى لبس الصوف والخشن من الثياب مما يتواضع به لله جلّ وعزّ. وأولى ما قيل في النصب أنه معطوف و«ذلك» مبتدأ، أي ذلك الذي أنزلناه من اللباس والريش لباس التقوى خير من التقوى والتجرّد في طوافكم فإن رفعت فقرأت وَلِباسُ التَّقْوى فأولى ما قيل فيه أن ترفعه بالابتداء. وذلِكَ نعته أي ولباس التقوى ذلك الذي علمتموه خير لكم من لباس الثياب التي يواري سوآتكم ومن الرياش الذي أنزلناه إليكم فألبسوه ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ أي مما يدل على أنّ له خالقا. لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي ليكونوا على رجاء من التذكير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]</span>\nيا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)\nيا بَنِي آدَمَ نداء مضاف. لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ نهي وهو مجاز مثل\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٨٣، ومختصر ابن خالويه ٤٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٧٥.\n(٣) انظر تيسير الداني ٩٠.","vol":"2","page":49},{"text":"وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢] أي كونوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت. كَما في موضع نصب نعت لمصدر. أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أب وأبة للمؤنث فعلى هذا قيل: أبوان ويقال في النداء: يا أبة للمذكر وبضم الهاء وبفتح.\nيَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما في موضع نصب على الحال ويكون مستأنفا. لِيُرِيَهُما نصب بلام إِنَّهُ يَراكُمْ الأصل يرأاكم ثم خفّفت الهمزة. هُوَ وَقَبِيلُهُ عطف على المضمر وهو توكيد وهذا يدلّ على أنه يقبح رأيتك وعمر وأنه ليس المضمر كالمظهر، وقيل:\nإن قوله إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يدلّ على أن الجنّ لا يرون إلا في وقت نبيّ ليكون ذلك دلالة على نبوّته لأن الله جلّ وعزّ خلقهم خلقا لا يرون فيه وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم وذلك من المعجزات التي لا تكون إلّا في وقت الأنبياء ﷺ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ وحكى سيبويه: حيث. قال أبو إسحاق هي مبنيّة لعلّتين: إحداهما أنها لا تدلّ على موضع بعينه، والأخرى أنّ ما بعدها صلة لأنها لا تضاف ويقال: حوث وحوث وحكى الكوفيّون الكسر والإضافة. إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ أي وصفناهم بهذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٩]</span>\nقُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)\nكَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ الكاف في موضع نصب. أي تعودون كما بدأكم أي كما خلقكم أول مرّة يعيدكم. قال أبو إسحاق: هو متعلّق بما قبله أي ومنها تخرجون كما بدأكم تعودون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٠]</span>\nفَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)\nفَرِيقًا هَدى نصب بهدى. وَفَرِيقًا نصب بإضمار فعل أي وأضلّ فريقا وأنشد سيبويه «١»: [المنسرح] ١٤٦-\nأصبحت لا أحمل السّلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نّفرا\nوالذّئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرّياح والمطرا\nوقال الكسائي والفراء: التقدير يعودون فريقا هدى وفريقا أي يعودون فريقين.\nقال الكسائي: وفي قراءة أبيّ تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حقّ عليهم\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (١١٣) .","vol":"2","page":50},{"text":"الضلالة «١» قال الفراء: ولو كان مرفوعا لجاز وقرأ عيسى بن عمر أنّهم بفتح الهمزة بمعنى لأنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]</span>\nقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)\nقُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ابتداء وخبر أي هي خالصة يوم القيامة للذين آمنوا في الدنيا وهذه قراءة ابن عباس وبها قرأ نافع وسائر القراء يقرءون خالِصَةً على الحال أي يجب لهم في هذه الحال، وخبر الابتداء لِلَّذِينَ آمَنُوا والاختيار عند سيبويه النصب لتقدم الظرف. كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٣]</span>\nقُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣)\nقُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ نصب بوقوع الفعل عليها. ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ بدل.\nوَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ قال الفراء «٢»: الإثم ما دون الحدّ، والبغي الاستطالة على الناس. قال أبو جعفر: فإمّا أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك وتحريم الخمر موجود نصّا في كتاب الله جل وعز وهو قوله إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠] وحقيقة الإثم أنه جميع المعاصي كما قال: [الكامل] ١٤٧-\nإنّي وجدت الأمر أرشده ... تقوى الإله، وشرّه الإثم «٣»\nوالبغي التجاوز في الظلم. وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ في موضع نصب عطف وكذا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ يبيّن أن كلّ مشرك يقول على الله ما لا يعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٤]</span>\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ أي الوقت المعلوم عند الله. لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ظرف زمان. وَلا يَسْتَقْدِمُونَ فدلّ بهذا على أن المقتول إنما يقتل بأجله.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٧٦، والبحر المحيط ٤/ ٢٩٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٧٨.\n(٣) الشاهد للمخبّل السعدي في ديوانه ص ٣١٦، ولسان العرب (ألا)، وديوان المفضليات ٢٢٤.","vol":"2","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-849>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٥]</span>\nيا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)\nيا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ شرط ودخلت النون توكيدا لدخول ما. فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ شرط وما بعده جوابه وهو وجوابه جواب الأول، وأصلح منكم وقيل المعنى فمن اتقى وأصلح فليطعم وحذف هذا ودلّ قوله جلّ وعزّ فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إن المؤمنين يوم القيامة لا يخافون ولا يحزنون ولا يلحقهم رعب ولا فزع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٦]</span>\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها ابتداء. أُولئِكَ ابتداء ثان. أَصْحابُ النَّارِ خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]</span>\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧)\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ابتداء وخبر وكذا أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ لأن التقدير نائل لهم. حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ قال الخليل وسيبويه «١» في «حتّى» و«أمّا» و«إلا» لا يملن لأنهم حروف ففرق بينهنّ وبين الأسماء نحو حبلى وسكرى. قال أبو إسحاق:\nتكتب «حتى» بالياء لأنها أشبهت سكرى ولو كتبت «إلا» بالياء لأشبهت «إلى» ولم تكتب «إما» بالياء لأنها «إن» ضمّت إليها «ما» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٨]</span>\nقالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨)\nكُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ ظرف. حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا أي اجتمعوا وقرأ الأعمش تداركوا «٢» وهذا الأصل ثم وقع الإدغام فاحتيج إلى ألف الوصل وقرأ مجاهد حتى إذا أدركوا «٣» أي أدرك بعضهم بعضا. جَمِيعًا على الحال. قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ما تجدون من العذاب.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٢٤٨.\n(٢) وهي قراءة ابن مسعود أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٢٩٨.\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٩٨.","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٩]</span>\nوَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)\nأي قد كفرتم وفعلتم كما فعلنا فليس تستحقون تخفيفا من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)\nإِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها اسم «إن» والخبر في لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ هذه قراءة نافع وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي لا يفتح «١» بالباء على تذكير الجميع والتأنيث على تأنيث الجماعة والتخفيف يكون للقليل والكثير والتثقيل للكثير لا غير والتثقيل هنا أولى لأنه على الكثير أدلّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>[سورة الأعراف (٧): آية ٤١]</span>\nلَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)\nلَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ التنوين عند سيبويه «٢» عوض من الياء وعند أصحابه عوض من الحركة. وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ الكاف في موضع نصب لأنها نعت لمصدر محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٢]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢)\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ابتداء والجملة الخبر ومعنى لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها أي إلا ما تقدر عليه وتتسع له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٣]</span>\nوَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)\nوَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إن احتجت إلى جمع غلّ قلت: غلال. تَجْرِي في موضع نصب على الحال وقد يكون مستأنفا وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا فيه قولان:\nأحدهما هدانا إلى ما أدّى إلى هذا، والقول الآخر أن المعنى الذي هدانا إلى الجنة بالتمكين لنا والتعريف. وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لام نفي. لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ «أن» في موضع رفع. وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ «أن» في موضع نصب مخفّفة من الثقيلة وقد يكون تفسيرا\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٩٠.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٣٤٢.","vol":"2","page":53},{"text":"لما نودوا به فلا يكون لها موضع تِلْكُمُ الْجَنَّةُ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٤]</span>\nوَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)\nوَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ تميل من أجل الراء لأنها مخفوضة وهي بمنزلة حرفين ويجوز التفخيم. أَنْ قَدْ وَجَدْنا مثل «أن تلكم» . فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا مفعولان. قالُوا نَعَمْ وقرأ الأعمش والكسائي قالُوا نَعَمْ «١» بكسر العين ويجوز على هذه اللغة إسكان العين. فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ هذه قراءة أبي عمرو وعاصم ونافع. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ «٢» أَنْ في موضع نصب على القراءتين ويجوز في المخففة أن لا يكون لها موضع وتكون مفسرة وحكى أبو عبيد أن الأعمش قرأ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ وحكى عصمة عن الأعمش أنه قرأ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ «٣» بكسر الهمزة فهذا على إضمار القول كما قرأ الكوفيون فناداه الملائكة وهو قائم يصلّي في المحراب إنّ الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-859>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٥]</span>\nالَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥)\nالَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ في موضع خفض نعت للظالمين ويجوز الرفع والنصب على إضمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٦]</span>\nوَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)\nوَبَيْنَهُما حِجابٌ وهو السّور الذي ذكره الله جلّ وعزّ. وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ أي وعلى أعراف السّور وهي شرفه ومنه عرف الفرس، وقد تكلّم العلماء في أصحاب الأعراف فقال قوم: هم ملائكة، وقيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم، ومن أحسن ما قيل فيه أنّ أصحاب الأعراف عدول القيامة وهم الشهداء من كل أمة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم فهم على السّور بين الجنة والنار وقال جلّ وعزّ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي سلمتم من العقوبة لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف أي لم يدخلوها بعد، وهم يطمعون على هذا التأويل وهم يعلمون أنّهم يدخلونها، وذلك معروف في اللغة أن يكون طمع بمعنى علم.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٩١.\n(٢) انظر تيسير الداني ٩١، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٣. [.....]\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٠٣.","vol":"2","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-861>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٧]</span>\nوَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)\nوقد علموا أنه لا يجعلهم معهم فهذا سبيل التذلّل كما يقول أهل الجنة رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا [التحريم: ٨] ويقولون: «الحمد لله» على سبيل الشكر لله جلّ وعزّ ولهم في ذلك لذّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٨]</span>\nوَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)\nأي من أهل النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>[سورة الأعراف (٧): آية ٤٩]</span>\nأَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)\nأَهؤُلاءِ إشارة إلى قوم المؤمنين الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة أي أقسمتم في الدنيا لا ينالهم الله في الآخرة برحمة يوبّخونهم بذلك وزيدوا غمّا بأن قيل لهم ادْخُلُوا الْجَنَّةَ وقرأ عكرمة دخلوا الجنة «١» بغير ألف والدال مفتوحة وقرأ طلحة بن مصرف أدخلوا الجنة «٢» بكسر الخاء على أنه فعل ماض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٠]</span>\nوَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠)\nأَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ مثل «أن تلكم الجنّة» وجمع تِلْقاءَ تلاقيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>[سورة الأعراف (٧): آية ٥١]</span>\nالَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)\nالَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا في موضع خفض نعت للكافرين وقد يكون رفعا ونصبا بإضمار كَما نَسُوا في موضع خفض بالكاف. وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ عطف عليه أي وكما كانوا بآياتنا يجحدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٢]</span>\nوَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)\nوَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ أي بيّناه حتى يعرفه من تدبّره وقيل: فصّلناه أنزلناه متفرّقا. عَلى عِلْمٍ منّا به. هُدىً وَرَحْمَةً قال الفراء «٣» هو نصب على القطع. قال أبو\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٠٦، والمحتسب ١/ ٢٤٩.\n(٢) وهي قراءة ابن وثاب والنخعي أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٣٠٦.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٣٨٠.","vol":"2","page":55},{"text":"إسحاق: أي هاديا ذا رحمة فجعله حالا من الهاء التي في «فصّلناه» . قال الكسائي والفراء: ويجوز هُدىً وَرَحْمَةً بالخفض «١» . قال الفراء: مثل وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ [الأنعام: ٩٢] . قال أبو إسحاق: ويجوز «هدى ورحمة» بمعنى: هو هدى ورحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٣]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ بالهمز لأنه من آل يؤول وأهل المدينة يخفّفون الهمزة ويجعلونها ألفا، وفي معناه قولان: أحدهما هل ينظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب، والقول الآخر هل ينظرون إلّا تأويله من النظر إلى يوم القيامة. يَوْمَ يَأْتِي نصب بيقول. فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ «من» زائدة للتوكيد. فَيَشْفَعُوا لَنا نصب لأنه جواب الاستفهام. أَوْ نُرَدُّ قال الفراء: المعنى أو هل نردّ وقال أبو إسحاق: هو عطف على المعنى أي هل يشفع لنا أحد أو نردّ وقرأ ابن أبي إسحاق أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ «٢» بنصبهما جميعا والمعنى إلّا أن نردّ كما قال امرؤ القيس: [الطويل] ١٤٨-\nفقلت له لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا «٣»\nوقرأ الحسن أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ «٤» برفعهما جميعا والقراءة المجمع عليها أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ «٥» . قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي لم ينتفعوا بها وكلّ من لم ينتفع فقد خسرها.\nوَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ما كانوا يعبدونه من الأوثان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٤]</span>\nإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)\nإِنَّ رَبَّكُمُ اسم «إنّ» (اللَّهُ) خبرها. الَّذِي نعت ويجوز في القرآن إن ربّكم الله\n_________\n(١) في البحر المحيط ٤/ ٣٠٨ (بالخفض على البدل، وهي قراءة زيد بن عليّ) .\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٤٤.\n(٣) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ٦٦، والأزهية ١٢٢، وخزانة الأدب ٤/ ٢١٢، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٩، والكتاب ٣/ ٥١، وشرح المفصّل ٧/ ٢٢، والصاحبي في فقه اللغة ١٢٨، واللامات ص ٦٨، والمقتضب ٢/ ٢٨، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣١٣، والجنى الداني ص ٢٣١، والخصائص ١/ ٢٦٣، ورصف المباني ١٣٣، وشرح عمدة الحافظ ٦٤٤، واللمع ٢١١.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٤٤، والبحر المحيط ٤/ ٣٠٨.\n(٥) هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ٤/ ٣٠٨.","vol":"2","page":56},{"text":"الذي يكون «الذي» الخبر. خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ولو أراد جلّ وعزّ خلقهما في أقلّ الأوقات لفعل ولكنّه علم أن ذلك أصلح ليظهر قدرته للملائكة شيئا بعد شيء.\nيُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي يجعله له كالغشاء وهو في موضع نصب على الحال ويجوز أن يكون مستأنفا وكذا يَطْلُبُهُ حَثِيثًا نعت لمصدر محذوف. وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ قال الأخفش: هي معطوفة على السموات أي وخلق الشمس وروي عن عبد الله بن عامر وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ على الابتداء والخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٦]</span>\nوَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)\nاسم «إنّ» وخبرها «فأما قريب» ولم يقل قريبا ففيه ستة أقوال: من أحسنها أنّ الرحمة والرحم واحد وهي بمعنى العفو والغفران كما قال زياد الأعجم: [الكامل] ١٤٩-\nإنّ السّماحة والمروءة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطّريق الواضح «١»\nومذهب الفراء «٢» أن قريبا إنما جاء بغير هاء ليفرق بين قريب من النسب وبينه، وقال من احتجّ له: كذا كلام العرب كما قال امرؤ القيس: [الطويل] ١٥٠-\nله الويل إن أمسى ولا أمّ هاشم ... قريب ولا بسباسة ابنة يشكرا «٣»\nقال أبو إسحاق: هذا خطأ لأن سبيل المذكر والمؤنّث أن يجريا على أفعالهما ومذهب أبي عبيدة «٤» أن تذكير قريب على تذكير المكان. قال علي بن سليمان: هذا خطأ ولو كان كما قال لكان قريب منصوبا في القرآن كما تقول: إنّ زيدا قريبا منك.\nقال أبو جعفر: والذي قاله أبو عبيدة قد أجاز سيبويه مثله على بعد كما قال لبيد:\n[الكامل] ١٥١-\nفغدت كلا الفرجين تحسب أنّه ... مولى المخافة خلفها وأمامها «٥»\nفهذه ثلاثة أقوال، وقال الأخفش: يجوز أن يذكّر كما يذكّر بعض المؤنّث وأنشد: [المتقارب] ١٥٢-\nفلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها «٦»\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٢٠) .\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٨٠.\n(٣) مرّ الشاهد رقم ٤٧.\n(٤) انظر مجاز القرآن ١/ ٢١٦.\n(٥) الشاهد للبيب بن ربيعة في ديوانه ص ٣١١، والكتاب ١/ ٤٧٥، وإصلاح المنطق ٧٧، والدرر ٣/ ١١٧، وشرح شواهد الإيضاح ص ١٧٠، وشرح المفصل ٢/ ١٢٩، ولسان العرب (أمم)، و(كلا)، و(ولي)، والمقتضب ٤/ ٣٤١، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٤٦٣، ولسان العرب (فرج) . [.....]\n(٦) الشاهد لعامر بن جوين في تخليص الشواهد ٤٨٣، والكتاب ٢/ ٤٢، وخزانة الأدب ١/ ٤٥، والدرر ٦/ ٢٦٨، وشرح التصريح ١/ ٢٧٨، وشرح شواهد الإيضاح ٣٣٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٤٣، ولسان العرب (أرض) و(بقل)، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٦٤، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣٥٢، وجواهر الأدب ١١٣، والخصائص ٢/ ٤١١، وشرح الأشموني ١/ ١٧٤، والردّ على النحاة ٩١، ورصف المباني ١٦٦، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٥٧، وشرح ابن عقيل ٢٤٤، وشرح المفصل ٥/ ٩٤، ولسان العرب (خضب) والمحتسب ٢/ ١١٢، ومغني اللبيب ٢/ ٦٥٦.","vol":"2","page":57},{"text":"قال: ويجوز أن تكون الرحمة هاهنا للمطر، والقول السادس أن يكون هذا على النسب كما يقال: امرأة طالق وحائض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)\nوَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ ابتداء وخبر والرياح جمع ريح في أكثر العدد وفي أقلّه أرواح لأن الياء في ريح منقلبة من واو إذ كانت قبلها كسرة وهي ساكنة. بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ فيه ست قراءات «١» وسابعة تجوز: قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو نُشُرًا بضم النون والشين وقرأ الحسن وقتادة نُشْرًا بضم النون وإسكان الشين. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي نَشْرًا بفتح النون وإسكان الشين وقرأ عاصم بُشْرًا بالباء وإسكان الشين والتنوين وروي عنه بُشْرًا بفتح الباء فهذه خمس قراءات، وقرأ محمد اليماني بشرى بين يدي رحمته في وزن حبلى، والقراءة السابعة بشرا «٢» بضم الباء والشين. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا معانيها في كتابنا المعاني وهي في موضع نصب على الحال وما كان منها مصدرا فهو مثل قوله: «قتلته صبرا» . حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا يذكّر ويؤنّث وكذا كلّ جمع بينه وبين واحدته هاء ويجوز نعته بواحد فتقول: سحاب ثقيل وثقيلة. سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ وإلى بلد بمعنى واحد. كَذلِكَ الكاف في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٨]</span>\nوَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)\nوَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ رفع بالابتداء. يَخْرُجُ نَباتُهُ في موضع الخبر، وقرأ «٣» عيسى بن عمر يخرج نباته بإذن ربه بضم الياء والْبَلَدُ الطَّيِّبُ هو الطيّب تربته والذي خبث هو الذي في تربته حجارة وفي أرضه شوك شبّه سريع الفهم بالبلد الطيب. والبلد الذي خبث لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا نصب على الحال، وقرأ طلحة إِلَّا نَكِدًا «٤» حذف الكسرة\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٨١، والبحر المحيط ٤/ ٣٢٠، والمحتسب ١/ ٣٥٥، وتيسير الداني ٩١.\n(٢) وهذه قراءة ابن عباس والسلمي وابن أبي عبلة، انظر البحر المحيط ٤/ ٣٢٠.\n(٣) في البحر المحيط ٤/ ٣٢٢ قال: (وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وعيسى بن عمر: يَخْرُجُ نَباتُهُ مبنيا للمفعول) .\n(٤) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٢٢.","vol":"2","page":58},{"text":"لثقلها ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى ذا نكد وقرأ أبو جعفر إِلَّا نَكِدًا فهذا مصدر بمعنى ذا نكد كما قال الخنساء: [البسيط] ١٥٣-\nفإنّما هي إقبال وإدبار «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٩]</span>\nلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)\nلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ الفاء تدلّ على أنّ الثاني بعد الأول يا قَوْمِ نداء مضاف ويجوز يا قومي على الأصل. اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هذه قراءة أبي عمرو وشيبة ونافع وعاصم وحمزة، وقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش والكسائي وأبو جعفر غيره «٢» بالخفض وهو اختيار أبي عبيد. قال أبو عمرو: ولا أعرف الجر ولا النصب وقال عيسى بن عمر: النصب والجر جائزان. قال أبو جعفر: والرفع من جهتين: إحداهما أن يكون «غير» في موضع «إلّا» فتقول ما لكم إله إلّا الله وما لكم إله غير الله فعلى هذا الوجه لا يجوز الخفض لا يجوز: ما جاءني من أحد إلّا زيد لأن من لا يكون إلّا في الواجب. قال سيبويه: لأن «على» و«عن» لا يفعل بهما ذلك أي لا يزادان البتّة ثم قال: ولا «من» في الواجب، والوجه الآخر في الرفع أن يكون نعتا على الموضع أي ما لكم إله غيره والخفض على اللفظ، ويجوز النصب على الاستثناء وليس بكثير غير أنّ الكسائي والفراء أجازا نصب «غير» في كلّ موضع يحسن فيه «إلّا» في موضعها تمّ الكلام أو لم يتمّ، وأجازا ما جاءني غيرك. قال الفراء: هي لغة بعض بني أسد وقضاعة وأنشد: [البسيط] ١٥٤-\nلم يمنع الشّرب منها غير أن هتفت ... حمامة في سحوق ذات أو قال «٣»\nقال الكسائي: ولا يجوز جاءني غيرك لأنّ إلّا لا يقع هاهنا. قال أبو جعفر: لا يجوز عند البصريين نصب غير إذا لم يتمّ الكلام وذلك عندهم من أقبح اللحن. قال أبو إسحاق: وإنما استهواه- يعني الفراء- البيت الذي أنشده سيبويه منصوبا وإنما نصب غير في البيت لأنها مضافة إلى ما لا إعراب فيه فأما ما جاءني غيرك فلحن وخطأ.\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٣٢) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٢٤.\n(٣) الشاهد لأبي قيس بن الأسلت في ديوانه ص ٨٥، وجمهرة اللغة ١٣١٦، وخزانة الأدب ٣/ ٤٠٦، والدرر ٣/ ١٥٠، ولأبي قيس بن رفاعة في شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٨٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٥٨، وشرح المفصل ٣/ ٨٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٦٥، والإنصاف ١/ ٢٨٧، وخزانة الأدب ٦/ ٥٣٢، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٥٠٧، وشرح التصريح ١/ ١٥، وشرح المفصّل ٣/ ٨١، والكتاب ٢/ ٣٤٤، ولسان العرب (نطق)، ومغني اللبيب ١/ ١٥٩، وهمع الهوامع ١/ ٢١٩.","vol":"2","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-873>[سورة الأعراف (٧): آية ٦٢]</span>\nأُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢)\nأُبَلِّغُكُمْ «١» وأبلّغكم واحد كما يقال: أكرمه وكرّمه، وكما قال: [الطويل] ١٥٥-\nومن لا يكرم نفسه لا يكرم «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>[سورة الأعراف (٧): آية ٦٣]</span>\nأَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)\nأَوَعَجِبْتُمْ فتحت الواو لأنها واو عطف دخلت عليها ألف الاستفهام للتقرير وإنما سبيل الواو أن تدخل على حروف الاستفهام إلّا الألف لقوّتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>[سورة الأعراف (٧): آية ٦٥]</span>\nوَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥)\nوَإِلى عادٍ وإن شئت لم تصرفه يكون اسما للقبيلة كما قال جلّ وعزّ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى «٣» [النجم: ٥٠] ومن صرف جعله اسما للحيّ. أَخاهُمْ عطف وهو عطف البيان والتقدير وأرسلنا إلى عاد أخاهم هُودًا بدل والصرف وهو أعجميّ لخفّته لأنه على ثلاثة أحرف وقد يجوز أن يكون عربيا مشتقا من هاد يهود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>[سورة الأعراف (٧): آية ٦٧]</span>\nقالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧)\nلَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولو كان ليست جاز والتذكير لأنه مصدر وقد فرق بينه وبين الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>[سورة الأعراف (٧): آية ٦٩]</span>\nأَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)\nخُلَفاءَ جمع خليفة على التذكير والمعنى وخلائف على اللفظ. وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً قال الفراء «٤»: ويروى أنّ أطولهم كان مائة ذراع وأقصرهم ستّين ذراعا.\nويجوز بَصْطَةً الصاد لأن بعدها طاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>[سورة الأعراف (٧): آية ٧١]</span>\nقالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)\n_________\n(١) قراءة أبي عمرو، وباقي السبعة بالتشديد، انظر البحر المحيط ٤/ ٣٢٥، وتيسير الداني ٩١.\n(٢) الشاهد عجز بيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٣٢، واللمع ص ٢١٥ وصدره:\n«ومن يغترب يحسب عدوّا صديقه»\n(٣) انظر تيسير الداني ١٦٦، وهذه قراءة نافع وأبي عمرو.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٣٨٤.","vol":"2","page":60},{"text":"فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها وحذف المفعول الثاني أي سميتموها آلهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>[سورة الأعراف (٧): آية ٧٣]</span>\nوَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)\nوَإِلى ثَمُودَ لم ينصرف لأنه جعل اسما للقبيلة، وقال أبو حاتم: لم ينصرف لأنه أعجميّ وهذا غلط لأنه مشتقّ من الثمد وقد قرأ الفراء «١» أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ [هود:\n٦٨] على أنه اسم للحيّ، وقرأ يحيى بن وثّاب وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا «٢» بالصرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>[سورة الأعراف (٧): آية ٧٤]</span>\nوَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)\nوقرأ الحسن وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ «٣» بفتح الحاء، وهي لغة وفيه حرف من حروف الحلق فلذلك جاء على فعل يفعل قرأ الأعمش ولا تعثوا «٤» بكسر التاء أخذا من عثي يعثى لا من عثا يعثو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)\nوَلُوطًا نصب لأنه عطف أي وأرسلنا لوطا ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى:\nواذكروا، وكذا ما تقدّم من نظيره إلّا أن الفراء أجاز «٥» «وإلى عاد أخوهم هود» لأن له رافعا ولا يجوز عنده في لوط هذا. قال أبو إسحاق: زعم بعض النحويين يعني الفراء أن لوطا يكون مشتقا من لطت الحوض قال: وهذا خطأ لأن الأسماء الأعجمية لا تشتقّ. أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ استفهام فيه معنى التقرير. واختلف القراء في الذي بعده فقرأه\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠.\n(٢) وهذه قراءة الأعمش أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٣٣٠، ومختصر لابن خالويه ٤٤. [.....]\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٤٤.\n(٤) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٣٢.\n(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٣٨٣.","vol":"2","page":61},{"text":"أبو عمر بالاستفهام إلّا أنه ليّن الهمزة فجعلها بين الهمزة والياء وقرأ عاصم وحمزة بالاستفهام أيضا غير أنهما حقّقا الهمزة فقرأ أانكم «١» وقرأ الكسائي ونافع الثاني بغير همزة وهو اختيار أبي عبيد، واحتجّ هو والكسائي جميعا بقوله ﷿ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [الأنبياء: ٣٤] ولم يقل: أفهم وبقوله: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ [آل عمران: ١٤٤] ولم يقل: انقلبتم. قال أبو جعفر: وحكي عن محمد بن يزيد أنه كان يذهب إلى قول أبي عبيد والكسائي وهذا من أقبح الغلط لأنهما شبّها شيئين بما لا يشتبهان لأن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد فلا يكون فيهما استفهامان كالمبتدأ وخبره فلا يجوز: أفإن متّ أفهم الخالدون كمالا يجوز: أزيد أمنطلق وقصّة لوط ﷺ فيها جملتان فلك أن تستفهم عن كل واحدة منهما ويجوز الحذف من الثانية لدلالة الأولى عليها إلا أن الاختيار تخفيف الهمزة الثانية وهذا قول الخليل وسيبويه. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٢]</span>\nوَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)\nوَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ويكون الخبر أَنْ قالُوا فإذا نصبت فالاسم «أن قالوا» أي إلّا قولهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٣]</span>\nفَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣)\nفَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ عطف على الهاء. إِلَّا امْرَأَتَهُ استثناء من موجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٤]</span>\nوَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)\nوَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا توكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٥]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)\nوَإِلى مَدْيَنَ لم تنصرف لأنها اسم مدينة وقيل: لأنها اسم قبيلة وقيل: للعجمة وأصحّها الأول. أَخاهُمْ عطف. فَأَوْفُوا الْكَيْلَ من أوفى ويقال: وفى وعلى هذه اللغة فأوفوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٦]</span>\nوَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)\nقال الأخفش وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ أي في كلّ صراط، وفلان بالبصرة وفي\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٣٥.","vol":"2","page":62},{"text":"البصرة واحد. تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ أي عن الطريق التي تؤدّي إلى طاعة الله جلّ وعزّ. وَتَبْغُونَها عِوَجًا مفعولان والتقدير يبغون لها عوجا. يقال: في الدين وفي الأمر عوج وفي العود عوج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٧]</span>\nوَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)\nوَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مذكّر على المعنى وعلى اللفظ كانت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٩]</span>\nقَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)\nوَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ «فيها» اسم يكون إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ في موضع نصب وفيه تقديران: قال أبو إسحاق: أي إلا بمشيئة الله جلّ وعزّ. قال: وهذا قول أهل السّنّة، والتقدير الآخر أنه استثناء ليس من الأول وفي معناه قولان: أحدهما: إلّا أن يشاء الله أن يتعبّدنا بشيء مما أنتم عليه، والقول الآخر: أن يكون مثل حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الأعراف: ٤٠] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-889>[سورة الأعراف (٧): آية ٩٣]</span>\nفَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)\nوقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش وطلحة بن مصرف فكيف إيس على قوم كافرين «١» وهذه لغة تميم يقولون: أنا اضرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٧ الى ٩٨]</span>\nأَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)\nأَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى مثل أو عجبتم وكذا أَوَأَمِنَ على هذه القراءة وروي عن نافع وجهان: روى قالون وأكثر الناس عنه أنه قرأ أَوَأَمِنَ «٢» بإسكان الواو، وروى عنه ورش أومن بتحريك الواو وإذهاب الهمزة والوجهان يرجعان إلى معنى واحد لأنه ألقى حركة الهمزة على الواو لمّا أراد تخفيفها وحذفها ومعنى أَوَهاهنا الخروج من شيء إلى شيء ونظيره قوله جلّ وعزّ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ [الإسراء: ٥٤] .\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٤٩.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٥١.","vol":"2","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-891>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٠]</span>\nأَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)\nقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ بالياء فأن في موضع رفع على هذا وقرأ مجاهد وأبو عبد الرحمن بالنون أولم نهد «١» قال أبو عمرو والقراءة بالنون محال. قال أبو جعفر: يكون «أن» في موضع نصب على قراءة من قرأ بالنون بمعنى لأن أصبناهم ببعض ذنوبهم وتمّ الكلام ثم قال جلّ وعزّ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ ولا يكون معطوفا على أصبناهم لأن أصبناهم ماض ونطبع مستقبل، وأجاز الفراء «٢» العطف لأن المستقبل والماضي يقعان هاهنا بمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠١]</span>\nتِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١)\nفَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ قال الأخفش أي فما كان ليحكم لهم بالإيمان بتكذيبهم أي ليسوا المؤمنين بتكذيبهم وقال غيره: هذا لقوم بأعيانهم كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٢]</span>\nوَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)\nوَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ في موضع نصب فالمعنى وما وجدنا لأكثرهم عهدا ومن زائدة للتوكيد وفيه قولان: أحدهما أن يكون المعنى وما وجدنا لأكثرهم وفاء بالعهد أي وفاء عهد أي إذا عوهدوا لم يوفوا، والقول الثاني أن يكون العهد بمعنى الطاعة لأنّ على الإنسان الطاعة كما عليه الوفاء بالعهد. وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ الفراء يقول: المعنى وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين، وسيبويه يذهب إلى أنّ «إن» هذه هي الثقيلة خفّفت ولزمت اللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٥]</span>\nحَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥)\nحَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هذه قراءة نافع وشيبة «٣»، وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو وأهل مكة وأهل الكوفة (على ألّا) «٤» مخفّفة بمعنى جدير وخلق يقال: فلان خليق بأن يفعل وجدير أن يفعل وعلى أن يفعل بمعنى واحد، ومعنى «حقيق عليّ»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٥١.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٨٦.\n(٣) انظر تيسير الداني ٩٢.\n(٤) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٥٦.","vol":"2","page":64},{"text":"واجب عليّ وأن على هذه القراءة في موضع رفع وهي في السواد موصولة في موضع ومفصولة في موضع. وقد تكلّم النحويون في ذلك فقال الملهم صاحب الأخفش سعيد ابن مسعد: من العرب من يدغم بغنّة ومنهم من يدغم بلا غنّة، فمن أدغم بغنّة كتبها مفصولة ومن أدغم بلا غنّة كتبها موصولة لأنه قد أذهب النون وما فيها من الغنّة، وقال القتبيّ: من نصب بها كتبها موصولة ومن لم ينصب بها كتبها مفصولة نحو أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه: ٨٩] فهذه مفصولة لأن فيها إضمارا. قال أبو جعفر:\nوسمعت أبا الحسن عليّ بن سليمان يقول لا يجوز أن يكتب من هذا شيء إلّا مفصولا لأنها «أن» دخلت عليها «لا» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٧]</span>\nفَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧)\nفَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ حذفت الواو لسكونها وسكون الألف ويجوز فألقى عصا هو فإذا هي بالواو بين الساكنين هاء. فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ابتداء وخبر، والمعنى مبين أنه ثعبان لا يلبس وهذه «إذا» التي للمفاجأة، تقول: خرجت فإذا عمرو جالس ويجوز النصب. قال الكسائي: لأن المعنى فاجأته. قال بعض البصريين لو كان كما قال لنصب الاسم. قال علي بن سليمان: سألت أبا العباس محمد بن يزيد كيف صارت «إذا» خبرا لجثّة فقال: هي هاهنا ظرف مكان قال علي بن سليمان: وهو عندي بمعنى الحدوث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>[سورة الأعراف (٧): آية ١١٠]</span>\nيُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠)\nيُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ نصب بيريد. فَماذا تَأْمُرُونَ ويجوز أن يكون «قالوا» لفرعون وحده «فماذا تأمرون» كما يخاطب الجبّارون، ويجوز أن يكون «قالوا» له ولأصحابه و«ما» في موضع رفع على أنّ «ذا» بمعنى الذي وفي موضع نصب على أنّ (ما) و(ذا) شيء واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>[سورة الأعراف (٧): آية ١١١]</span>\nقالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١)\nقالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ هذه قراءة أهل المدينة وعاصم والكسائي، وقرأ سائر أهل الكوفة أَرْجِهْ وَأَخاهُ «١» بإسكان الهاء، وقرأ عيسى بن عمر وأبو عمرو بن العلاء أرجئه وأخاه «٢» بهمزة ساكنة والهاء مضمومة. فالقراءة الأولى فيها ثلاثة أقوال: منها أن يكون على بدل الهمزة وقال الكسائي: تميم وأسد يقولون: أرجيت الأمر إذا أخّرته،\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٥٩، وتيسير الداني ٩٢.\n(٢) انظر تيسير الداني ٩٢.","vol":"2","page":65},{"text":"والقول الثالث قاله محمد بن يزيد قال: هو مأخوذ من رجا يرجو أي أطمعه ودعه يرجو وكسر الهاء على الاتباع ويجوز ضمّها على الأصل وإسكانها لحن ولا يجوز إلّا في شذوذ من الشعر والهمز جيد حسن لولا مخالفة السواد إلّا أنه يحتجّ لذلك بأنّ مثل هذا يحذف من الخط. وَأَخاهُ عطف على الهاء. حاشِرِينَ نصب بالفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>[سورة الأعراف (٧): آية ١١٢]</span>\nيَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)\nيَأْتُوكَ جزم لأنه جواب الأمر فلذلك حذفت منه النون، وقرأ الكوفيون إلّا عاصما بكلّ سحّار عليم «١» وقرأ سائر الناس ساحِرٍ وكذلك هو في السواد كلّه ويجب أن تجتنب مخالفة السواد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>[سورة الأعراف (٧): آية ١١٣]</span>\nوَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣)\nوَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ وحذف ذكر الإرسال إليهم لعلم السامع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>[سورة الأعراف (٧): آية ١١٥]</span>\nقالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥)\nقالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ «أن» في موضع نصب عند الكسائي والفراء «٢» كما قال: [البسيط] ١٥٦-\nقالوا الرّكوب فقلنا تلك عادتنا»\nقال الفراء: في الكلام حذف والمعنى: قال لهم موسى ﵇: إنكم لن تغلبوا ربّكم ولن تبطلوا آياته، وهذا من معجز القرآن الذي لا يأتي مثله في كلام الناس ولا يقدرون عليه يأتي باللفظ اليسير بجمع المعنى الكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>[سورة الأعراف (٧): آية ١١٦]</span>\nقالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)\nوَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ أي عظيم عندهم وليس بعظيم على الحقيقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>[سورة الأعراف (٧): آية ١١٧]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧)\nوروي عن عاصم فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مخفّفا ويجوز على هذه القراءة «تلقف لأنه من\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٩٢، والبحر المحيط ٤/ ٣٦٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٨٩. [.....]\n(٣) الشاهد للأعشى في ديوانه ١١٣، وخزانة الأدب ٨/ ٣٩٤، والدرر ٥/ ٨٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٦٥، والصاحبي في فقه اللغة ص ٢٧٦، والكتاب ٣/ ٥٦، والمحتسب ١/ ١٩٥، وبلا نسبة في همع الهوامع ٢/ ٦٠، وهو في الديوان:\n«إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل»","vol":"2","page":66},{"text":"لقف. ما يَأْفِكُونَ أي ما يكذبون لأنهم جاءوا بحبال وجعلوا فيها زئبقا حتّى تحرّكت وقالوا هذه حيّات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>[سورة الأعراف (٧): آية ١١٩]</span>\nفَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩)\nوَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ على الحال والفعل منه صغر يصغر صغرا وصغورا وصغارا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٠]</span>\nوَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠)\nعلى الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٦]</span>\nوَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)\nقال خارجة قرأ الحسن وَما تَنْقِمُ مِنَّا «١» قال الأخفش: هي لغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٧]</span>\nوَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧)\nوَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ جواب الاستفهام، وقال الفراء: هو منصوب على الظرف، وفي قراءة أبيّ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وقد تركوا أن يعبدوك وَآلِهَتَكَ «٢» . قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وسنقتّل على التكثير.\nقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٠]</span>\nوَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)\nوَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ قال بالجوع، ومن العرب من يعرب النون في السنين وأنشد الفراء: [الوافر] ١٥٧-\nأرى مرّ السّنين أخذن منّي ... كما أخذ السّرار من الهلال «٣»\nوأنشد سيبويه هذا البيت بفتح النون ولكن أنشد في هذا ما لا يجوز غيره وهو قوله: [الوافر] ١٥٨-\nوقد جاوزت رأس الأربعين «٤»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٦٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٦٧، ومعاني الفراء ١/ ٣٩١.\n(٣) الشاهد لجرير في ديوانه ٥٤٦، والدرر ١/ ١٣٥، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ١/ ١٥٣، والمخصص ١٧/ ١٠٣، ولسان العرب (خضع)، والمقتضب ٤/ ٢٠٠، وهمع الهوامع ١/ ٤٧، وفي الديوان:\n«رأت مرّ السنين»\n(٤) الشاهد لسحيم بن وثيل في إصلاح المنطق ١٥٦، وتخليص الشواهد ص ٧٤، وتذكرة النحاة ٤٨٠، وخزانة الأدب ٨/ ٦١، وحماسة البحتري ١٣، والدرر ١/ ١٤٠، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٦٢٧، وشرح التصريح ١/ ٧٧، وشرح ابن عقيل ٤١، وشرح المفصل ٥/ ١١، ولسان العرب (نجذ) و(ربع)، و(دري)، والمقاصد النحوية ١/ ١٩١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ٢٤٨، وأوضح المسالك ١/ ٦١، وجواهر الأدب ١٥٥، وشرح الأشموني ١/ ٣٨، والمقتضب ٣/ ٣٣٢، وهمع الهوامع ١/ ٤٩، وصدره:\n«وماذا تبتغي الشعراء منّي»","vol":"2","page":67},{"text":"وحكى الفراء عن بني عامر أنهم يقولون: أقمت عنده سنينا يا هذا. مصروفا قال: وبنو تميم لا يصرفون ويقولون: مضت له سنين يا هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣١]</span>\nفَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١)\nوَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ شرط. يَطَّيَّرُوا جوابه والأصل يتطيّروا فأدغمت التاء في الطاء وقرأ طلحة وعيسى تطيّروا «١» على أنه فعل ماض. ومعنى تطيّروا تشاءموا والأصل في هذا من الطير، ثم كثر استعمالهم إيّاه حتى قيل لكل من تشاءم: تطيّر.\nوقرأ الحسن ألا إنّما طيرهم عند الله «٢» جمع طائر. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي لا يعلمون أنّ ما لحقهم من القحط والشدائد إنما هو من عند الله جلّ وعزّ بذنوبهم لا من عند موسى ﷺ وقومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٢]</span>\nوَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)\nوَقالُوا مَهْما وحكى الكوفيون مهما بمعناه. قال الخليل «٣» ﵀: الأصل «ما ما» الأولى للشرط والثانية التي تزاد في قولك: أينما تجلس أجلس، فكرهوا الجمع بين حرفين لفظهما واحد فأبدلوا من الألف هاء فقالوا: مهما. قال أبو إسحاق: قال بعضهم الأصل فيه «مه» أي اكفف. مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ شرط والجواب لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٣]</span>\nفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)\nفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ قال الأخفش: جمع طوفانة. وَالْجَرادَ جمع جرادة في المذكر والمؤنث فإن أردت الفصل قلت: رأيت جرادة ذكرا. وَالضَّفادِعَ جمع\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٧٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٧٠، ومختصر ابن خالويه ٤٥.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٦٨.","vol":"2","page":68},{"text":"ضفدع. وَالدَّمَ عطف. قال أبو إسحاق آياتٍ مُفَصَّلاتٍ نصب على الحال. قال:\nوتروى أنه كان بين الآية والآية ثمانية أيام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٧]</span>\nوَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)\nوَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا مفعولان. الَّتِي بارَكْنا فِيها في موضع نصب لمشارق ومغارب ويجوز أن يكون خفضا نعتا للأرض وزعم الكسائي والفراء «١» أنّ الأصل في مشارق الأرض وفي مغاربها ثم حذف «في» فنصب. قال الفراء: وتوقع «أورثنا» على «التي»، وأجاز الفراء «٢» أن يكونا مفعولين كما تقدم. وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ رفع بفعلها. الْحُسْنى نعتها وروي عن عاصم كلمات ربّك الحسنى «٣» .\nوَما كانُوا يَعْرِشُونَ لغة فصيحة. قال الكسائي: وبنو تميم يقولون: «يعرشون» وبها قرأ عاصم ويقال أيضا: عكف يعكف ويعكف والمصدر منها جميعا على فعول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٠]</span>\nقالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠)\nقالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ مفعولان أحدهما بحرف والأصل أبغي لكم. إِلهًا نصب على البيان. وَهُوَ ابتداء والخبر فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤١]</span>\nوَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)\nوَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ أي واذكروا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٢ الى ١٤٣]</span>\nوَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)\nوَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً مفعولان أي تمام ثلاثين ليلة. وقد ذكرنا واعدنا\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٩٧.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٤٥.\n(٣) انظر تيسير الداني ٩٣، والبحر المحيط ٤/ ٣٧٦. وقراءة ابن عامر وأبي بكر بضم الراء، وباقي السبعة والحسن ومجاهد وأبي رجاء بكسر الراء.","vol":"2","page":69},{"text":"ووعدنا في سورة البقرة وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ حذفت الهاء لأنه عدد لمؤنث. فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً الفائدة في هذا وقد علم أنّ ثلاثين وعشرا أربعون، أنه قد كان يجوز أن تكون العشر غير ليال فلما قال: أربعين ليلة علم أنها ليال، وقيل: هو توكيد، وجواب ثالث هو أحسنها قد كان يجوز أن تكون العشر تتمة لثلاثين فأفاد قوله: فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أنّ العشر سوى الثلاثين. وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي على البدل، ويجوز «هارون» على النداء، وهو من خلف يخلف أي كن خليفة لي. ويقال: خلف الله عليه بخير إذا مات له من لا يعتاض منه الوالدان، وأخلف الله عليه إذا مات له من يعتاض منه الوالدان، وأخلف الله عليه إذا مات له من يعتاض منه الأخوة ومن أشبهم. وَأَصْلِحْ ألف قطع وكذا أَرِنِي.\nفأما أَنْظُرْ فهي ألف النفس فلذلك قطعت وجزم أنظر لأنه جواب. فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ شرط والجواب فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة ويدلّ على صحتها دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا [الفجر: ٢١] وأنّ الجبل مذكّر، وقرأ أهل الكوفة جعله دكّاء «١» وتقديره في العربية فجعله مثل أرض دكّاء والمذكّر أدك وجمع دكّاء دكّاوات ودكّ. وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا على الحال فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ ويجوز الإدغام. سُبْحانَكَ مصدر. تُبْتُ إِلَيْكَ يقال: تاب إذا رجع، والتوبة أن يندم على ما كان منه وينوي أن لا يعاود ويقلع في الحال عن الفعل، فهذه ثلاث شرائط في التوبة. وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ابتداء وخبر، وقرأ نافع وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ «٢» بإثبات الألف في الإدراج والأولى حذفها في الإدراج، وإثباتها لغة شاذة خارجة عن القياس لأن الألف إنما جيء بها لبيان الفتحة وأنت إذا أدرجت لم تثبت فلا معنى للألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٤ الى ١٤٥]</span>\nقالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)\nفَخُذْ ما آتَيْتُكَ لا يقال: أوخذ وهو القياس كما يقال: أومر فلانا، لأنه سمع من العرب هكذا، وقيل: فيه علّة وهي أن الخاء من حروف الحلق وكذا الهمزة. فأما أومر فيقال، وعلى هذا قوله جلّ وعزّ: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها فإذا قلت: مر فلانا فهذا الأكثر ويجوز أومر.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٩٣، والبحر المحيط ٤/ ٣٨٣.\n(٢) انظر الإتحاف ١٣٨.","vol":"2","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-916>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٦]</span>\nسَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦)\nوَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ قراءة أهل المدينة وأهل البصرة وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما الرشد «١» قال أبو عبيد: فرّق أبو عمرو بين الرّشد والرشد فقال: الرشد في الصلاح والرشد في الدين. قال أبو جعفر: وسيبويه يذهب إلى أن الرشد واحد مثل السّخط والسخط وكذا قال الكسائي. قال أبو جعفر: والصحيح عن أبي عمرو غير ما قال أبو عبيد. قال إسماعيل بن إسحاق حدّثنا نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء قال: إذا كان الرشد وسط الآية فهو مسكّن وإذا كان رأس الآية فهو محرّك قال أبو جعفر: يعني أبو عمرو برأس الآية نحو وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا [الكهف:\n١٠] فهما عنده لغتان بمعنى واحد، إلا أنه فتح هذا لتتفق الآيات. ويقال: رشد يرشد ورشد يرشد، وحكى سيبويه: رشد يرشد وحقيقة الرشد والرشد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد وهو ضدّ الخيبة وحقيقة الغيّ في اللغة الخيبة قال الله جلّ وعزّ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: ١٢١] وقال الشاعر: [الطويل] ١٥٩-\nفمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغولا يعدم على الغيّ لايما «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٧]</span>\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ مبتدأ. والخبر حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ. هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ خبر ما لم يسمّ فاعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٨]</span>\nوَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨)\nوَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما مِنْ حُلِيِّهِمْ «٣» بكسر الحاء، وقرأ يعقوب مِنْ حُلِيِّهِمْ بفتح الحاء والتخفيف. قال أبو جعفر: جمع حلي حليّ وحليّ مثل ثدي وثديّ والأصل حلويّ ثم أدغمت الواو في الياء فانكسرت اللام لمجاورتها الياء وتكسر الحاء لكسرة اللام وضمّها على الأصل. فأما عصيّ فالأصل فيها عصوّ لأنها من ذوات الواو ثم\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٩٣. [.....]\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٥٦) .\n(٣) انظر تيسير الداني ٩٣.","vol":"2","page":71},{"text":"أعلّت. عِجْلًا مفعول. جَسَدًا نعت. لَهُ خُوارٌ رفع بالابتداء أو بالصفة يقال خار يخور خوارا إذا صاح وكذا جأر يجأر جؤارا، ويقال: خار يخور خورا إذا جبن وضعف. اتَّخَذُوهُ فحذف المفعول الثاني أي اتخذوه إلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٩]</span>\nوَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)\nقال الأخفش: يقال: سقط في يده وأسقط ومن قال سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ فالمعنى عنده سقط الندم قالوا لئن لم ترحمنا ربّنا «١» شرط وفيه معنى القسم، وربّنا على النداء. ومن قرأ يَرْحَمْنا بالياء وَيَغْفِرْ لَنا بالياء ورَبُّنا رفع بفعله، ومن قرأ ترحمنا بالتاء وتغفر لنا بالتاء فهو ينصب ربّنا على النداء المضاف كأنه قال: يا ربّنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٠]</span>\nوَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)\nغَضْبانَ نصب على الحال ولم ينصرف لأنّ مؤنثه غضبى. وحقيقة امتناع صرفه أنّ الألف والنون فيه بمنزلة ألفي التأنيث في قولك حمراء فالنون بدل كما يقال: في صنعاء صنعانيّ. أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ قال يعقوب: يقال: عجلت الشيء سبقته وأعجلت الرجل استعجلته. وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ أخذ برأسه، وأخذ رأسه واحد وكذا وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [المائدة: ٦] وقيل: إنما أخذ برأسه على جهة المسارّة لا غير فكره هارون ﷺ أن يتوهّم من حضر لأن الأمر على خلاف ذلك فقال: ابن أمّ على الاستعطاف له لأنه أخوه لأمه وهذا موجود في كلام العرب كما قال: [الخفيف] ١٦٠-\nيا ابن أمّي ويا شقيق نفسي «٢»\nقرأ أهل المدينة وأبو عمرو ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ «٣» وقرأ أهل الكوفة ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٩٣، وتيسير الداني ٩٣، والبحر المحيط ٤/ ٣٩٢.\n(٢) الشاهد لأبي زبيد الطائي في ديوانه ص ٤٨، والدرر ٥/ ٥٧، وشرح التصريح ٢/ ١٧٩، والكتاب ٢/ ٢١٣، ولسان العرب (شقق)، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٢، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤٠، وشرح الأشموني ٢/ ٤٥٧، وشرح قطر الندى ٢٠٧، وشرح المفصل ٢/ ١٢، والمقتضب ٤/ ٢٥٠، وهمع الهوامع ٢/ ٥٤، وعجزه:\n«أنت خلّفتني لدهر شديد»\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٩٤، وتيسير الداني ٩٣، ومعاني الفراء ١/ ٣٩٤.","vol":"2","page":72},{"text":"قال الكسائي والفراء «١» وأبو عبيد: يا ابن أمّ تقديره يا ابن أمّاه، وقال البصريون: هذا القول خطأ لأن الألف خفيفة لا تحذف ولكن جعل الاسمان اسما واحدا فصار كقولك: خمسة عشر أقبلوا. وقال الأخفش وأبو حاتم: يا ابن أمّ كما يقول: يا غلام غلام أقبل. قال أبو جعفر: يا غلام غلام لغة شاذة لأن الثاني ليس بمنادى فلا ينبغي أن تحذف منه الياء فالقراءة بكسر الميم على هذا القول بعيدة ولكن لها وجه حسن جيّد يكون بمنزلة قولك: يا خمسة عشر أقبلوا، لمّا جعل الاسمين اسما واحدا أضاف. إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي بنونين لأنه فعل مستقبل ويجوز الإدغام في غير القرآن. قرأ مجاهد ومالك بن دينار فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ بالتاء على تأنيث الجماعة ويجوز كسرها ويجوز التذكير على الجميع. وفيه شيء لطيف يقال: كيف نهى الأعداء عن الشماتة؟ فالجواب أن هذا مثل قوله جلّ وعزّ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٢] أي اثبتوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وكما قالت العرب: لا أرينك هاهنا. والمعنى لا تفعل بي ما تشمت من أجله الأعداء. قال أبو عبيد: وحكيت عن حميد فَلا تُشْمِتْ «٢» بكسر الميم. قال أبو جعفر: ولا وجه لهذه القراءة لأنه إن كان من شمت وجب أن يقول: تشمت وإن كان من أشمت وجب أن يقول: تشمت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥١]</span>\nقالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)\nقالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي فأعاد حرف الجرّ لأنّ المضمر المخفوض لا يعطف عليه إلّا هكذا إلّا في شذوذ كما قرأ حمزة تساءلون به والأرحام «٣» [النساء: ١] فيجيء على هذا اغفر لي وأخي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)\nإِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ اسم «إنّ» والخبر سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ والغضب من الله جلّ وعزّ العقوبة. وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا لأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضا ورأوا أنهم قد ضلّوا. والأشبه بسياق الكلام أن يكون إنّ الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا. من كلام موسى ﷺ أخبر الله جلّ وعزّ به عنه وتمّ الكلام ثم قال الله ﷿ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٩٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٩٤، والبحر المحيط ٤/ ٣٩٥.\n(٣) انظر تيسير الداني ٧٨.","vol":"2","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-923>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٣]</span>\nوَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)\nوَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ابتداء، والخبر إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٤]</span>\nوَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)\nوَفِي نُسْخَتِها هُدىً في موضع رفع بالابتداء. وَرَحْمَةٌ عطف عليه. لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ في اللام ثلاثة أقوال: قول الكوفيين: أنها زائدة. قال الكسائي: حدثني من سمع الفرزدق يقول: نقدت لها مائة درهم بمعنى نقدتها، وقال محمد ابن يزيد هي متعلقة بمصدر، وقال الأخفش سعيد: قال بعضهم: المعنى والذين هم من أجل ربّهم يرهبون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٥]</span>\nوَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)\nوَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا مفعولان أحدهما حذفت منه «من» وأنشد سيبويه:\n[الطويل] ١٦١-\n[و] منّا الّذي اختير الرّجال سماحة ... وجودا إذا هبّ الرّياح الزّعازع «١»\nفَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي ماتوا. قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ أي أمتهم كما قال جلّ وعزّ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ [النساء: ١٧٦] . وَإِيَّايَ عطف والمعنى لو شئت أمتّنا قبل أن تخرج إلى الميقات فلم يتوهّم الناس علينا أنّنا أحدثنا خروجا عن طاعتك.\nأَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ استفهام فيه معنى النفي، وهكذا هو في كلام العرب وإذا كان نفيا كان بمعنى الإيجاب كما قال جرير: [الوافر] ١٦٢-\nألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح «٢»\n_________\n(١) الشاهد للفرزدق في ديوانه ٤١٨، والكتاب ١/ ٧٤، والأشباه والنظائر ٢/ ٣٣١، وخزانة الأدب ٩/ ١١٣، والدرر ٢/ ٢٩١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٢٤، وشرح شواهد المغني ١/ ١٢، ولسان العرب (خير)، وبلا نسبة في شرح المفصل ٨/ ٥١، والمقتضب ٤/ ٣٣٠، وهمع الهوامع ١/ ١٦٢.\n(٢) الشاهد لجرير في ديوانه ٨٥، والجنى الداني ٣٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٢، ولسان العرب (نقص)، ومغني اللبيب ١/ ١٧، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ٤٦٣، ورصف المباني ٤٦، وشرح المفصل ٨/ ١٢٣، والمقتضب ٣/ ٢٩٢.","vol":"2","page":74},{"text":"إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أي ما هذا إلا اختبارك وتعبّدك بما يشتدّ. تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ أي تضلّ بها الذين تشاء، والذين تشاء هم الذين لا يصبرون عند البلاء ولا يرضون وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ من صبر ورضي. أَنْتَ وَلِيُّنا ابتداء وخبر وكذا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٦]</span>\nوَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)\nوقرأ أبو وجزة السعدي «١» إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ «٢» يقال: هاد يهود، هذا المعروف، إذا تاب ويقال: ثوب مهوّد أي مرقّق مليّن. قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ أي الذين أشاء أي المستحقّين له. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أي من دخل فيها لم تعجز عنه، وقيل: وسعت كلّ شيء من الخلق حتّى إنّ البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٧]</span>\nالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)\nالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ خفض على البدل من «الذين» الأول وإن شئت كان نعتا وكذا الَّذِي يَجِدُونَهُ «والذين هم» عطف، وقرأ أبو جعفر وأيّوب وابن عامر والضحّاك وضع عنهم آصارهم وهو جمع إصر، وأصله في اللغة الثقل وهو ما تعبّدوا به مما يثقل، وقيل: هو ما ألزموه من قطع ما أصابه البول، وقيل: هو ما كان يؤخذ عليهم من العهود إنّهم كانوا يطيعون الله جلّ وعزّ ويؤمنون بأنبيائه صلوات الله عليهم ويوالون أهل الطاعة ويعادون أهل المعصية قربوا أو بعدوا. قال الأخفش: وقرأ الجحدري وعيسى وَعَزَّرُوهُ «٣» بالتخفيف، وكذا وَعَزَّرْتُمُوهُمْ [المائدة: ١٢] قال أبو إسحاق: يقال: عزره يعزره ويعزره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٩]</span>\nوَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)\nيكون لمن آمن منهم، ويكون لقوم قد هلكوا أو لمن لحق عيسى ﷺ فآمن به،\n_________\n(١) أبو وجزة السعدي: يزيد بن عبيد المدني، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وكان شاعرا مجيدا (ت ١٣٠ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٣٨٢.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٤٦، والبحر المحيط ٤/ ٤٠٠، وهذه قراءة زيد بن علي أيضا.\n(٣) وهذه قراءة قتادة وسليمان التيمي أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٠٣.","vol":"2","page":75},{"text":"ومعنى يهدون بالحق يدعون الناس إلى الهداية وَبِهِ يَعْدِلُونَ في الحكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٠]</span>\nوَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)\nوَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا التقدير اثنتي عشرة أمة فلهذا أجاز التأنيث. أَسْباطًا بدل من اثنتي عشرة. أُمَمًا نعت لأسباط، والمعنى: جعلناهم اثنتي عشرة فرقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦١ الى ١٦٢]</span>\nوَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)\nوروى معمر عن همّام بن منبّه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قول الله جلّ وعزّ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ قال: قالوا حبّة في شعرة حدّثنا أبو القاسم محمد بن جعفر القزويني قال: حدّثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: أخبرنا سفيان عن معمر عن همّام بن منبّه عن أبي هريرة قالوا: حبّة في شعرة وقيل لهم وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا فدخلوا متورّكين على أستاههم. بِما كانُوا يَظْلِمُونَ مرفوع لأنه فعل مستقبل وموضعه نصب، و«ما» بمعنى المصدر أي بظلمهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٣]</span>\nوَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)\nوَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ وإن خفّفت الهمزة قلت: وسلهم ألقيت حركتها على السين وحذفتها، الَّتِي في موضع خفض نعت للقرية. إِذْ في موضع نصب والمعنى سلهم عن وقت عدوا في السبت، وهذا سؤال توبيخ وتقرير. يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا على الحال. وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ «١» قد ذكرنا قول الكسائي وأبي عبيد أنّ معنى يسبتون يعظّمون السبت، وحقيقته في اللغة يعملون عمل السبت، يقال: سبت يسبت إذا استراح أو عمل عمل السبت، وأكثر العرب يقول: اليوم السبت وكذا الجمعة لأن العمل فيهما وتقول في سائر الأيام بالرفع: اليوم الاثنان والتقدير ولا تأتيهم يوم لا يسبتون، والظرف يضاف إلى\n_________\n(١) انظر القراءات المختلفة ليسبتون في البحر المحيط ٤/ ٤٠٨. [.....]","vol":"2","page":76},{"text":"الفعل عند سيبويه لكثرة استعمالهم إياه وعند أبي العباس لأن الفعل بمعنى المصدر، وقال أبو إسحاق هو على الحكاية أي يوم يقال هذا، ولا يفعل عند سيبويه نفي ليفعلنّ أو هو يفعل إذا أراد المستقبل. كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ أي نشدّد عليهم في العباد ونختبرهم والكاف في موضع نصب. بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي بفسقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٤]</span>\nوَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)\nوَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الأصل «لما» حذفت الألف لأنه استفهام، وقيل:\n«ما» حرف خفض. فإذا أوقفت في غير القرآن قلت: لمه الهاء لبيان الحركة.\nقالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ «١» وقرأ عيسى وطلحة مَعْذِرَةً «٢» بالنصب. ونصبه عند الكسائي من جهتين: إحداهما أنه مصدر، والأخرى أن التقدير فعلنا ذلك معذرة.\nوقد فرّق سيبويه «٣» بين الرفع والنصب وبيّن أنّ الرفع الاختيار فقال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليمسوا عليه ولكنهم قيل لهم: لم تعظون؟ فقالوا: موعظتنا معذرة، ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله وإليك من كذا وكذا يريد اعتذارا لنصب. وهذا من دقائق سيبويه ﵀ ولطائفه التي لا يلحق فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٥]</span>\nفَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)\nالَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ وفي هذا إحدى عشرة قراءة»\nوكان الإعراب أولى بذكرها لما فيها من النحو ولأنه لا يضبط مثلها إلّا أهل الإعراب. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بِعَذابٍ بَئِيسٍ على وزن فعيل، وقرأ أهل مكة بِعَذابٍ بَئِيسٍ بكسر الباء والوزن واحد، وقرأ أهل المدينة «٥» بِعَذابٍ بَئِيسٍ الباء مكسورة وبعدها ياء ساكنة والسين مكسورة منونة، وقرأ الحسن بعذاب بئس بما الباء مكسورة وبعدها همزة ساكنة والسين مفتوحة، وقرأ أبو عبد الرحمن المقرئ بعذاب بئس الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مكسورة منونة. قال يعقوب القارئ: عن بعض القراء\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٩٣، وهي قراءة الجمهور.\n(٢) انظر تيسير الداني ٩٣، والبحر المحيط ٤/ ٤٠٩.\n(٣) انظر الكتاب ١/ ٣٨٢.\n(٤) انظر الحجة لابن خالويه ١٤١، وتيسير الداني ٩٤، والبحر المحيط ٤/ ٤١٠.\n(٥) انظر تيسير الداني ٩٤، والبحر المحيط ٤/ ٤١٠.","vol":"2","page":77},{"text":"بعذاب بئس الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مفتوحة، وقرأ الأعمش بعذاب بيئس «١» على فيعل وروي عنه بيأس «٢» على فيعل، وروي عنه بعذاب بئس بباء مفتوحة وهمزة مشدّدة مكسورة والسين في هذا كلّه مكسورة منونة يعني قراءة الأعمش، وقرأ نصر بن عاصم «٣» بعذاب بيّس الباء مفتوحة وبعدها ياء مشددة بغير همز. قال يعقوب القارئ وجاء عن بعض القراء بعذاب بئيس الباء مكسورة وبعدها همزة ساكنة وبعدها ياء مفتوحة، فهذه إحدى عشرة قراءة. ومن قرأ بَئِيسٍ فهو عنده من بؤس فهو بئيس أي اشتدّ وكذا بئيس إلّا أنه كسر الباء لأن بعدها همزة مكسورة. وأما قراءة أهل المدينة ففيها ثلاثة أقوال: قال الكسائي: في تقديرها بئيس ثم خفّفت الهمزة كما يعمل أهل المدينة فاجتمعت ياءان فثقل ذلك فحذفوا إحداهما وألقوا حركتها على الباء فصارت بيس، وقال محمد بن يزيد: الأصل بئس ثم كسرت الباء لكسرة الهمزة فصارت بئس فحذفت الكسرة من الهمزة لثقلها فهذان قولان، وقال علي بن سليمان: العرب تقول جاء ببنات بيس أي بشيء رديء فمعنى «بعذاب بيس» بعذاب رديء. وأما قراءة الحسن فزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها قال: لأنه لا يقال: مررت برجل بئس حتى يقال: بئس الرجل وبئس رجلا. قال أبو جعفر: وهذا مردود من كلام أبي حاتم حكى النحويون إن فعلت كذا وكذا فيها ونعمت يريدون ونعمت الخصلة، فالتقدير على قراءة الحسن بعذاب بئس العذاب وبعذاب بئس على فعل مثل حذر. وقراءة الأعمش بيئس لا تجوز على قول البصريين لأنه لا يجيء مثل هذا في كلام العرب إلّا في المعتل المدغم نحو ميّت وسيّد. فأما بيأس فجائز عندهم لأن مثله صيرف وحيدر. وأما بئس فلا يكاد يعرف مثله في الصفات، وأما بيّس بغير همز فإنّما يجيء في ذوات الياء نحو بيّع، وأما بيأس فجائز ومثله جذيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٦]</span>\nفَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)\nفَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا أي فلما تجاوزوا في معصية الله جلّ وعزّ. قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يقال: خسأته فخسأ أي باعدته وطردته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٨]</span>\nوَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)\nمِنْهُمُ الصَّالِحُونَ رفع بالابتداء. وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ منصوب على الظرف ولا نعلم أحدا رفعه.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٤١٠، والمحتسب ١/ ٢٦٤.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٤١٠، وهذه قراءة ابن عباس وأبي بكر عن عاصم والأعمش.\n(٣) نصر بن عاصم الليثي البصري النحوي، تابعي، عرض على أبي الأسود، وعرض عليه أبو عمرو، ويقال: إنه أول من نقط المصاحف (ت ١٠٠ هـ) . ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٣٣٦.","vol":"2","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-936>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٩]</span>\nفَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩)\nوَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ولا يجوز إدغام الراء في اللام لأن فيها تكريرا ويجوز إدغام اللّام في الراء نحو بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ [المطففين: ١٤] . وَإِنْ يَأْتِهِمْ جزم بالشرط فلذلك حذفت منه الياء والجواب يَأْخُذُوهُ. قال الكسائي: وقرأ أبو عبد الرحمن وادّارسوا ما فيه «١» فأدغم التاء في الدال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٠]</span>\nوَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)\nوَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ ابتداء والتقدير في خبره إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ منهم، وقرأ أبو العالية وعاصم وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ «٢» وكلام العرب على غير هذا يقولون: مسّكت وأمسكته وكذا القراءة وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [الممتحنة:\n١٠] وقال كعب ابن زهير فجاء به على طبعه: [البسيط] ١٦٣-\nفما تمسّك بالحبل الذي زعمت ... إلّا كما تمسك الماء الغرابيل «٣»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧١]</span>\nوَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)\nوَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ أي واذكروا لهم. فَوْقَهُمْ ظرف. ظُلَّةٌ خبر كأن وأنّ في موضع خفض بالكاف، والكاف في موضع رفع الابتداء. والبر محمول على المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٢ الى ١٧٣]</span>\nوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)\nوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ بمعنى واذكروا، هذه الآية مشكلة وقد ذكرنا فيها شيئا وقد قال قوم: إنّ معنى وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّاتهم «٤» أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعضهم قالوا ومعنى وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أي قال. وفي\n_________\n(١) انظر المحتسب ١/ ٢٦٧، والبحر المحيط ٤/ ٤١٥.\n(٢) انظر تيسير الداني ٩٤، والبحر المحيط ٤/ ٤١٦، وهذه قراءة عمر وأبي العالية وأبي بكر عن عاصم.\n(٣) الشاهد لكعب بن زهير في ديوانه ص ٨، وتاج العروس (غربل) .\n(٤) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٢٩٨، والبحر المحيط ٤/ ٤٢٠.","vol":"2","page":79},{"text":"الحديث عن النبي ﷺ غير هذا القول. قال أبو جعفر: قرئ على جعفر بن محمد وأنا أسمع عن قتيبة عن مالك بن أنس عن زيد ابن أبي أنيسة إن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن يزيد بن الخطاب أخبره عن مسلم ابن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها فقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله جلّ وعزّ خلق آدم فمسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرّيّة فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرّيّة فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون. فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟\nفقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتّى يموت على عمل أهل الجنة فيدخله الجنّة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتّى يموت فيدخله النار قال: وليس الله تعالى بظالم له في هذه الحال لأنه قد علم ما سيكون منه» «١» . قال أبو جعفر: والآية مع هذا مشكلة ونحن نتقصّى ما فيها. قال بعض العلماء: هي مخصوصة لأن الله جلّ وعزّ قال: مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ فخرج من هذا من كان من ولد آدم ﵇ لصلبه. وقال جلّ وعزّ: أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ فخرج منها كل من لم يكن له آباء مشركون. ومعنى وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ قال لهم: بأن أرسل إليهم رسولا، وقيل:\nبل هي عامة لجميع الناس لأن كلّ أحد يعلم أنه كان طفلا فغذّي وربّي وأن له مدبّرا وخالقا فهذا معنى وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ، ومعنى قالُوا بَلى أنّ ذلك واجب عليهم، وقيل هذا لمن كان من ظهور بني آدم ﵇ وقد علم أنّ ولد آدم ﵇ لصلبه كذا.\nوقرأ أهل المدينة وأهل الكوفة (أن تقولوا) بالتاء معجمة من فوق، وقرأ عبد الله بن عباس وسعيد بن جبير وأبو عمرو بن العلاء وابن محيصن وعاصم الجحدري وعيسى بن عمر أن يقولوا «٢» بالياء، و(أن) في موضع نصب في القراءتين جميعا بمعنى كراهة أن وعند الكوفيين بمعنى لئلا. أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ بمعنى لست تفعل هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٥]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥)\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ في موضع جزم عند الكوفيين فلذلك حذفت منه الواو. قال الفراء: واللام الجازمة محذوفة. وهو عند البصريين مبني على أصل الأفعال، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ أي من الخائنين.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير ١١/ ١٩٤.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٢٠. [.....]","vol":"2","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-941>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٦]</span>\nوَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)\nوَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها أي لو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة بها أي بالعمل بها. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ابتداء وخبر وقيل: «مثل» هاهنا بمعنى صفة كما قال مَثَلُ الْجَنَّةِ [الرعد: ٣٥] وقيل: هو على بابه. إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ شرط وجوابه وهو في موضع الحال أي فمثله كمثل الكلب لاهثا، والمعنى أنه على شيء واحد لا يرعوي عن المعصية كمثل الكلب الذي هذه حاله، وقيل: المعنى أنه لا يرعوي عن أذى الناس كمثل الكلب لاهثا، ومعنى لاهث أنه يحرك لسانه وينبح. وفي هذه الآية أعظم الفائدة لمن تدبّرها وذلك أنّ فيها منعا منه التقليد لعالم إلا بحجة يبيّنها لأن الله جلّ وعزّ خبّر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره وأن لا يقبل منه إلا بحجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٧]</span>\nساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)\nساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ قال الأخفش: فجعل مثل القوم مجازا. والتقدير: ساء مثلا مثل القوم والْقَوْمُ مرفوعون بالابتداء أو على إضمار مبتدأ. وقرأ عاصم الجحدري والأعمش (ساء مثل القوم) «١» رفع مثلا بساء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-943>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٨]</span>\nمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨)\nمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي شرط وجوابه وكذا وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٩]</span>\nوَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)\nأي هم بمنزلة من لا يفقه لأنهم لا ينتفعون بها. أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ليست. بَلْ هاهنا رجوعا عن الأول ولكنّ المعنى هم كالأنعام وهم أضل من الأنعام لأنهم لا يهتدون إلى ثواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٠]</span>\nوَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)\nهذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم والكسائي، وقرأ يحيى بن وثاب\n_________\n(١) هذه قراءة الحسن وعيسى بن عمر أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٢٤.","vol":"2","page":81},{"text":"والأعمش وحمزة يلحدون «١» بفتح الياء والحاء، واللغة الفصيحة ألحد في دينه ولحد القبر. وقد تدخل كلّ واحدة منهما على الأخرى لأن المعنى معنى الميل. ومعنى يلحدون في أسمائه على ضربين: أحدهما أن يسموا غيره إلها والآخر أن يسمّوه بغير أسمائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨١]</span>\nوَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)\nفدلّ الله جلّ وعزّ بهذه الآية أنه لا تخلو الدنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٢ الى ١٨٣]</span>\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)\nوَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ الكيد من الله جلّ وعزّ هو عذابه إذا أتاهم من حيث لا يشعرون وهذا معنى الكيد في اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٥]</span>\nأَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)\nوَأَنْ عَسى في موضع خفض معطوف على ما قبله. (أن يكون) في موضع رفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٦]</span>\nمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)\nمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ شرط ومجازاة. وَنَذَرُهُمْ «٢» بالنون هذه قراءة أهل المدينة وفيها تقديران: أحدهما أن يكون معطوفا على ما يجب فيما بعد الفاء في المجازاة وكذا «ونذرهم»، وقراءة الكوفيين وَيَذَرُهُمْ «٣» بالياء والجزم معطوف على موضع الفاء. والمعنى لا تميتهم إذا عصوا حتى يحضر أجلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٧]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧)\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أي عن الساعة التي تقوم فيها القيامة. أَيَّانَ مُرْساها أي يقولون: متى وقوعها؟ ومُرْساها في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه وبإضمار فعل\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٩٤.\n(٢) انظر تيسير الداني ٩٤، والبحر المحيط ٤/ ٤٣١.\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٣١.","vol":"2","page":82},{"text":"عند أبي العباس ومرساها من أرساها، ومرساها من رست أي ثبتت ووقعت، ومنه وَقُدُورٍ راسِياتٍ [سبأ: ١٣] . قال قتادة: أي ثابتات. قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ابتداء وخبر. لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً مصدر في موضع الحال. يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول أهل التفسير إن المعنى على التقديم والتأخير، وقال محمد بن يزيد المعنى يسألونك كأنك حفيّ بالمسألة عنها أي ملحّ يذهب إلى أنه ليس فيه تقديم ولا تأخير يقال: أحفى في المسألة وفي الطلب فهو محفي وحفيّ على التكثير مثل مخصب وخصيب. قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ليس هذا تكريرا ولكن أحد العلمين لوقوعها، والآخر لكنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٨]</span>\nقُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)\nما شاءَ اللَّهُ في موضع نصب بالاستثناء والمعنى إلّا ما شاء الله أن يملكني، وأنشد سيبويه: [الطويل] ١٦٤-\nمهما شاء بالناس يفعل «١»\nوَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ من أحسن ما قيل فيه أن المعنى لو كنت أعلم الغيب ما يريد الله جلّ وعزّ مني من قبل أن يعرّفنيه لفعلته وقيل:\nلو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٩]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ابتداء وخبر وقد ذكرناه «٢» وقد قيل: إن المعنى هو الذي خلقكم من آدم ﵇ ثم جعل منه زوجه إخبار. فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا كل ما كان في الجوف فهو حمل بالفتح وإذا كان على الظهر فهو حمل، وما كان في النخلة فهو حمل بالفتح. وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسر. قال الأخفش: فَلَمَّا أَثْقَلَتْ صارت ذات ثقل كما تقول: أثمر النخل. لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا أي سويا.\n_________\n(١) الشاهد للأسود بن يعفر في ديوانه ٥٦، وسمط اللآلي ٩٣٥، والكتاب ٢/ ٢٥٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٦٤، وشرح التصريح ٢/ ١٩٠، ونوادر أبي زيد ١٥٩، وبلا نسبة في المقرب ١/ ١٨٨، وتمامه:\n«ألا هل لهذا الدهر من متعلّل ... عن الناس، مهما شاء بالناس يفعل\n»\n(٢) مرّ في إعراب الآية ١٧٢.","vol":"2","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-953>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٠]</span>\nفَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)\nفَلَمَّا آتاهُما صالِحًا قيل: التقدير إيتاء صالحا، وهو ذكر وأنثى كما كانت حواء تلد. جَعَلا لَهُ قيل: يعني الذكر والأنثى الكافرين ويعني به الجنسين ودل على هذا فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ولم يقل: يشركان فهذا قول حسن، وقيل: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ومن هيئة واحدة وشكل واحد وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها أي من جنسها فلمّا تغشّاها يعني الجنسين وعلى هذا القول لا يكون لآدم وحواء في الآية ذكر. قرأ أهل المدينة وعاصم جعلا له شركا «١» وقرأ أبو عمرو وسائر أهل الكوفة جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ «٢» وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأولى، وقال: كان يجب على هذه القراءة أن يكون جعلا لغيره شريكا لأنهما يقرّان أن الأصل لله جلّ وعزّ فإنما يجعلان لغيره الشرك. قال أبو جعفر: التأويل لمن قرأ القراءة الأولى جعلا له ذا شرك مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٣]</span>\nوَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)\nوَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ قال الأخفش وإن تدعوا الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم. سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ قال أحمد بن يحيى: لأنه رأس آية يريد أنه قال «أم أنتم صامتون» ولم يقل أم صمتم. قال أبو جعفر: المعنى في «أم أنتم صامتون» وفي «أم صمتم» واحد. هذا قول سيبويه «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤)\nإِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ اسم إنّ. عِبادٌ خبره. أَمْثالُكُمْ نعت، وحكى أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني أن سعيد بن جبير قرأ إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم «٤» بتخفيف «إن» وكسرها لالتقاء الساكنين ونصب «عبادا» بالتنوين ونصب «أمثالكم» قال: يريد ما الذين تدعون من دون الله بعباد أمثالكم أي هنّ حجارة وأصنام وخشب. قال أبو جعفر: وهذه القراءة لا ينبغي أن يقرأ بها من ثلاث جهات إحداها أنها مخالفة للسواد، والثانية أن سيبويه يختار الرفع في خبر «إن» إذا كانت بمعنى «ما» فيقول: إن زيد منطلق لأن عمل «ما» ضعيف و«إن» بمعناها فهي أضعف\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٩٤، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٢٩٩، والبحر المحيط ٤/ ٤٣٦.\n(٢) انظر تيسير الداني ٩٤، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٢٩٩، والبحر المحيط ٤/ ٤٣٦.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٧٣.\n(٤) انظر المحتسب ١/ ٢٧٠، والبحر المحيط ٤/ ٤٤٠.","vol":"2","page":84},{"text":"منها، والجهة الثالثة أن الكسائي زعم أنّ «إن» لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى «ما» إلّا أن يكون بعدها إيجاب كما قال جلّ وعزّ: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ [الملك:\n٢٠] فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ الأصل أن تكون اللام مكسورة فحذفت الكسرة لثقلها وإن اللام قد اتصلت بما قبلها. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خبر كنتم وفي اللام حذف والمعنى فادعوهم إلى أن يتّبعوكم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أنّهم آلهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٥]</span>\nأَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥)\nأَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أنتم أفضل منهم فكيف تجدونهم وقرأ أبو جعفر وشيبة أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ «١»، وهي لغة. واليد والرّجل والأذن مؤنّثات يصغّرن بالهاء، وتزاد في اليد ياء في التصغير تردّ إلى أصلها. قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي الذين شركتموهم فجعلتم لهم قسطا من أموالكم. ثُمَّ كِيدُونِ والأصل كيدوني بالياء حذفت الياء لأن الكسرة تدلّ عليها وكذا فَلا تُنْظِرُونِ أي فلا تؤخرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٦]</span>\nإِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)\nإِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ اسم «إنّ» وخبرها، وقرأ عاصم الجحدري إنّ وليّ الله الذي نزّل الكتاب «٢» يعني جبرئيل ﵇. ومعنى وليّي الله حافظي وناصري الله، ووليّ الشّيء الذي يحفظه ويمنع منه الضرر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٧]</span>\nوَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)\nوَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مبتدأ والخبر لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٨]</span>\nوَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)\nوَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى شرط فلذلك حذفت منه النون، والجواب لا يَسْمَعُوا.\nوَتَراهُمْ مستأنف. يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ في موضع الحال ومعنى النظر فتح العينين إلى المنظور إليه وليس هو مثل الرؤية وخبّر عنهم بالواو لأن الخبر جرى على فعل من يعقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٩]</span>\nخُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)\nخُذِ الْعَفْوَ وهو اليسير. قال أبو عبد الله إبراهيم بن محمد: العفو الزكاة لأنها يسير من كثير، قال أبو جعفر: وهو من عفا إذا درس، وقد يقال: خذ العفو منه أي لا\n_________\n(١) وهي قراءة نافع أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٤١، ومختصر ابن خالويه ٤٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٤٢، ومختصر ابن خالويه ٤٨.","vol":"2","page":85},{"text":"تنقص عليه وسامحه. وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وقرأ عيسى بن عمر بِالْعُرْفِ «١» أي المعروف ومعنى المعروف ما كان حسنا في العقل. وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أي إذا أقمت عليهم الحجّة وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فأعرض عنهم صيانة له عنهم وترفعا لقدره عن مجاوبتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٠]</span>\nوَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)\nوَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نزغ أي إن وسوس إليك الشيطان عند الغضب بما لا يحلّ. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ لقولك عَلِيمٌ بما يجب في ذلك ويَنْزَغَنَّكَ في موضع جزم بالشرط وكّد بالنون وحسن ذلك لمّا دخلت «ما»، وحكى سيبويه: بألم ما تختننّه «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)\nإِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا أي اتّقوا المعاصي. إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ هذه قراءة أهل البصرة وأهل مكة، وقرأ أهل المدينة وأهل الكوفة طائفة وروي عن سعيد بن جبير طيّف «٣» بتشديد الياء. قال أبو جعفر: كلام العرب في مثل هذا طيف بالتخفيف على أنه مصدر من طاف يطيف، وقال الكسائي: هو مخفّف من طيّف. قال أبو جعفر: ومعنى طيف في اللغة ما يتخيّل في القلب أو يرى في النوم وكذا معنى طائف، وقال أبو حاتم: سألت الأصمعيّ عن طيّف فقال: ليس في المصادر فيعل. قال أبو جعفر: ليس هذا بمصدر ولكن يكون بمعنى طائف، والمعنى: إنّ الذين اتّقوا المعاصي إذا لحقهم شيء من الشيطان تفكّروا في قدرة الله جلّ وعزّ في إنعامه عليهم فتركوا المعصية فإذا هم مستبصرون، وروي عن مجاهد تَذَكَّرُوا بتشديد الذال ولا وجه له في العربية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٢]</span>\nوَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)\nوَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ قال أحمد بن جعفر: الضمير للمشركين. قال أبو حاتم: أي وإخوان المشركين وهم الشياطين. قال أبو إسحاق: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى لا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون وإخوانهم يمدونهم في\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٤٤، قال: بضم الراء.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٥٨٠، وقد ورد المثل في خزانة الأدب ١/ ٤٠٣، ومجمع الأمثال ١/ ١٠٧، والمعنى:\nلا يكون الختان إلا بألم، والمقصود أنه لا يدرك الخير إلا باحتمال المشقّة. [.....]\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٤٥.","vol":"2","page":86},{"text":"الغي وأحسن ما قيل في هذا قول الضحاك وَإِخْوانُهُمْ أي إخوان الشياطين وهم الفجّار. يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ قال أي لا يتوبون ولا يرجعون، وعلى هذا يكون الضمير متّصلا، فهذا أولى في العربية. وقيل للفجار: إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم. وقرأ أهل المدينة يَمُدُّونَهُمْ بضم الياء، وجماعة من أهل اللغة ينكرون هذه القراءة منهم أبو حاتم وأبو عبيد. قال أبو حاتم: لا أعرف لها وجها إلّا أن يكون المعنى يزيدونهم من الغيّ، وهذا غير ما يسبق إلى القلوب، وحكى جماعة من أهل اللغة منهم أبو عبيد أنه يقال إذا أكثر شيء شيئا بنفسه: مدّه، وإذا أكثره بغيره قيل: أمدّه نحو يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ [آل عمران: ١٢٥] وحكي عن محمد بن يزيد أنه احتجّ لقراءة أهل المدينة قال: يقال مددت له في كذا أي زيّنته له واستدعيته أن يفعله وأمددته في كذا أي أعنته برأي أو غير ذلك. وقرأ عاصم الجحدريّ: وإخوانهم يمادّونهم «١» في الغيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٣]</span>\nوَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)\nوَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا بمعنى «هلّا» ولا يليها إلّا الفعل ظاهرا أو مضمرا.\nهذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ابتداء وخبر أي هذا الذي دللتكم به أنّ الله جلّ وعزّ واحد.\nبصائر أي يستبصر به. وَهُدىً أي ودلالة. وَرَحْمَةٌ أي ونعمة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٤]</span>\nوَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)\nوَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قال أبو جعفر: قد ذكرنا أنه يقال: إن هذا في الصلوات، وقيل: إنه في الخطبة، وفي اللغة يجب أن يكون في كل شيء إلّا أن يدلّ دليل على اختصاص شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٥]</span>\nوَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥)\nوَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً مصدر وقد يكون في موضع الحال وجمع خيفة خوف لأنها بمعنى الخوف، وحكى الفراء أنه يقال أيضا: خيّف. وقرأ أبو مجلز «٢» بالغدوّ والإيصال «٣» وهو مصدر أصلنا أي دخلنا في العشيّ وَالْآصالِ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٤٦، ومختصر ابن خالويه ٤٨.\n(٢) أبو مجلز: لاحق بن حميد السدوسي البصري، سمع الصحابة ابن عباس وابن عمر وغيرهما. وردت عنه الرواية في حروف القرآن (ت ١٠٦ هـ)، ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٣٦٢.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٤٨، والبحر المحيط ٤/ ٤٤٩.","vol":"2","page":87},{"text":"جمع أصل مثل طنب وأطناب، قال الأخفش: الآصال جمع أصيل مثل يمين وأيمان، وقال الفراء: أصل جمع أصيل وقد يكون أصل واحدا كما قال: [البسيط] ١٦٥- ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)\nإِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ اسم «إنّ» وهم الملائكة صلوات الله عليهم قال أبو إسحاق: قال: عند ربك والله جلّ وعزّ بكل مكان لأنهم قريبون من رحمة الله جلّ وعزّ وكلّ قريب من رحمة الله جلّ وعزّ فهو عنده، وقال غيره: لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلّا حكم الله جلّ وعزّ، وقيل: لأنهم رسل الله كما يقال: عند الخليفة جيش كثير وَيُسَبِّحُونَهُ أي يعظّمونه وينزّهونه عن كلّ سوء. وَلَهُ يَسْجُدُونَ أي يذلّون خلاف أهل المعاصي.\n_________\n(١) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٠٧، وتاج العروس (أصل)، وصدره:\n«يوما بأطيب منها نشر رائحه»","vol":"2","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-968>٨ شرح إعراب سورة الأنفال</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>[سورة الأنفال (٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ إن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على السين وأسقطتها، وقرأ سعد بن أبي وقاص ﵁ يسئلونك الأنفال «١» يكون على التفسير وتعدّت يسألونك إلى مفعولين. قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ ابتداء وخبر وَالرَّسُولِ عطف. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي كونوا مجتمعين على أمر الله جلّ وعزّ، وفي الدعاء «اللهمّ أصلح ذات البين» أي الحال التي يقع بها الاجتماع. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الغنائم وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-970>[سورة الأنفال (٨): آية ٢]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ابتداء و«ما» كافة ويجوز في القياس النصب ومنعه سيبويه.\nالَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ خبر الابتداء. وحكى سيبويه وجل يوجل وياجل وييجل وييجل. قال أبو زيد: سألت خليلا عن الذين قالوا: رأيت الزّيدان، فقال: هذا على لغة من قال ياجل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>[سورة الأنفال (٨): آية ٣]</span>\nالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)\nالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ بدل من الذين الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-972>[سورة الأنفال (٨): آية ٤]</span>\nأُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)\nأُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ابتداء وخبر. حَقًّا مصدر. لَهُمْ دَرَجاتٌ ابتداء أي منازل رفيعة في الجنة بقدر أعمالهم. وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ عطف.\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٤٨، والمحتسب ١/ ٢٧٢.","vol":"2","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-973>[سورة الأنفال (٨): آية ٥]</span>\nكَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥)\nكَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ من المشكل ولأهل اللغة فيها ستة أقوال: قال سعيد بن مسعدة أولئك المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. قال: وقال بعض العلماء كما أخرجك ربك من بيتك بالحقّ فاتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، وقال الكسائي أي مجادلتهم الآن له كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ. وقال أبو عبيدة «١»:\nهو قسم أي والذي أخرجك من بيتك. قال أبو إسحاق: الكاف في موضع نصب أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربّك من بيتك بالحق وهم كارهون كذلك ننفّل من رأيت. فهذه خمسة أقوال، وقول أبي إسحاق هذا هو معنى قول الفراء لأن الفراء قال «٢»: امض لأمرك في الغنائم ونفّل من شئت وإن كرهوا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، والقول السادس من أحسنها قال الله جلّ وعزّ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ إلى لَهُمْ ... مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ فالمعنى هذا الوعد للمؤمنين حقّ كما أخرجك ربك من بيتك بالحقّ الواجب له فأنجز وعدك وأظفرك بعدوك فأوفى لك لأنه قال جلّ وعزّ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ [الأنفال: ٧] فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا كذا ما وعدكم به في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-974>[سورة الأنفال (٨): آية ٦]</span>\nيُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)\nومعنى يُجادِلُونَكَ يجادلك بعضهم فعاد الضمير على البعض لأنهم قد ذكروا في الكلّ والمعنى بعد ما تبيّن أن النبي ﷺ لما كان كل ما يخبرهم به يكون وجب عليهم أن يقبلوا منه كل ما يقوله وكان قد تبين لهم الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>[سورة الأنفال (٨): آية ٧]</span>\nوَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧)\nإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مفعول ثان: أَنَّها لَكُمْ بدل وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ قال أبو عبيدة «٣»: أي غير ذات الحدّ. قال أبو إسحاق: أي تودّون أن تظفروا بالطائفة التي ليست معها سلاح ولا فيها حرب يقال: فلان شاك في السلاح وشائك وشاك من الشّكّة كما قال: [المنسرح] ١٦٦-\nإمّا تري شكّتي رميح أبي ... سعد فقد أحمل السّلاح معا «٤»\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن ١/ ٢٤٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٤٠٣، والبحر المحيط ٤/ ٤٥٧.\n(٣) انظر مجاز القرآن ١/ ٢٤١.\n(٤) الشاهد لذي الإصبع العدواني في ديوانه ص ٦٠، وشرح اختيارات المفضل ٧٢٨، والأغاني ٣/ ٩٤، وبلا نسبة في لسان العرب (رمح)، وجمهرة اللغة ٥٤٢، وتاج العروس (رمح) .","vol":"2","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-976>[سورة الأنفال (٨): آية ٨]</span>\nلِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)\nلِيُحِقَّ الْحَقَّ أي يحقّ وعده. وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أي كيد الكافرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>[سورة الأنفال (٨): آية ٩]</span>\nإِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)\nإِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ لقلّتكم في العدد أي اذكر. فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي في موضع نصب أي بأني، وقرأ عيسى بن عمر (إنّي) «١» بمعنى: قال إني، وروي عن عاصم أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ كما تقول: فلس وأفلس. مُرْدِفِينَ «٢» قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم والأعمش والكسائي وحمزة مُرْدِفِينَ بكسر الدال. قال سيبويه «٣»: وقرأ بعضهم مُرْدِفِينَ «٤» بفتح الراء وتشديد الدال وبعضهم مُرْدِفِينَ «٥» بكسر الراء وبعضهم مُرْدِفِينَ «٦» بضم الراء والدال مكسورة في القراءات الثلاث. «مردفين» بفتح الدال فيها تقديران: يكون في موضع نصب على الحال من «كم» في ممدكم أي أردف بهم المؤمنين وهذا مذهب مجاهد. قال مجاهد: أي ممدّين. قال أبو جعفر: ويجوز أن يكون «مردفين» في موضع خفض نعتا للألف «ومردفين» بكسر الدال، قال أبو عمرو: فيه أي أردف بعضهم بعضا، ورد أبو عبيد على أبي عمرو هذا القول وأنكر كسر الدال واحتجّ أن معنى أردف فلان فلانا جعله خلفه. قال: ولا نعلم هذا في صفة الملائكة يوم بدر وأنكر أن يكون أردف بمعنى ردف، قال لقول الله جلّ وعزّ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ [النازعات: ٧] ولم يقل المردفة. قال أبو جعفر: لا يلزم أبا عمرو هذا الرد ولا تتأوّل قوله على ما تأوّله أبو عبيد ولكن المعنى في مردفين قد تقدّم بعضهم بعضا. يقال:\nردفته وأردفته بمعنى تبعته وأتبعته. ولو كان كما قال أبو عبيد لكان معنى مردفين بفتح الدال مردفين خلفكم وإنما معنى مردفين في آثاركم أي اتبع بعضهم بعضا وهذا أقوى من قول من قال: مردف بهم المسلمون لأنّ ظاهر القرآن على خلافه والقراءة بمردفين أولى لأن أهل التأويل على هذه القراءة يفسّرون أي أردف بعضهم بعضا، وأما مردّفين فتقديره عند سيبويه:\nمرتدفين ثم أدغم التاء في الدال فألقى حركتها على الراء لئلا يلتقي ساكنان ومن قال:\nمردّفين كسر الراء «٧» لالتقاء الساكنين ومن قال مردّفين بضم الراء قبلها ضمة كما تقول: ردّ يا هذا.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٦٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٦٠.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٥٨٢.\n(٤) وهذه قراءة الخليل بن أحمد وحكاه عن ابن عطية، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٦٠، ومختصر ابن خالويه ٤٩، والمحتسب ١/ ٢٧٣. [.....]\n(٥) وهذه قراءة الخليل بن أحمد وحكاه عن ابن عطية، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٦٠، ومختصر ابن خالويه ٤٩، والمحتسب ١/ ٢٧٣.\n(٦) وهذه قراءة الخليل بن أحمد وحكاه عن ابن عطية، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٦٠، ومختصر ابن خالويه ٤٩، والمحتسب ١/ ٢٧٣.\n(٧) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٦٣.","vol":"2","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-978>[سورة الأنفال (٨): آية ١٠]</span>\nوَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)\nوَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى مفعولان، ولن تنصرف بُشْرى لأن فيها ألف التأنيث. وَلِتَطْمَئِنَّ لام كي والفعل محذوف لما دلّ عليه. وَمَا النَّصْرُ ابتداء، والخبر إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ اسم «إن» وخبرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>[سورة الأنفال (٨): آية ١١]</span>\nإِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١)\nإِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ مفعولان وهي قراءة أهل الحرمين وهي حسنة لأن بعده وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ أَمَنَةً مفعول من أجله ومصدر. يقال: أمنة وأمنا وأمانا. لِيُطَهِّرَكُمْ نصب بلام كي لأنها بدل من «أن» أو بإضمار «أن» . وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ عطف. وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ عطف جملة على جملة أو مفرد وأعيدت اللام، وَيُثَبِّتَ بِهِ بالماء الذي أنزله الله جلّ وعزّ على الرمل يوم بدر حتى تثبت أقدام المسلمين وقد يكون به للرباط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>[سورة الأنفال (٨): آية ١٢]</span>\nإِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢)\nإِذْ يُوحِي رَبُّكَ أي يثبّت به ذلك الوقت وقد يكون اذكر إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي في موضع نصب والمعنى بأني مَعَكُمْ ظرف ومن أسكن العين فهي عنده حرف. قال الأخفش: فاضربوا فوق الأعناق معناه فاضربوا الأعناق، وهذا عند محمد بن يزيد خطأ لأن فوقا يفيد معنى فلا يجوز زيادتها ولكن المعنى أنهم أبيحوا ضرب الوجوه وما قرب منها. وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. قال أبو إسحاق: واحد البنان بنانة وهي هاهنا الأصابع وغيرها من الأعضاء واشتقاق البنان من قولهم: أبن بالمكان إذا أقام به، فالبنان يعتمل به ما يكون للإقامة والحياة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>[سورة الأنفال (٨): آية ١٣]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣)\nِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ\n(ذلك) في موضع رفع بالابتداء أو خبر. والتقدير ذلك الأمر أو الأمر ذلك. مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ\nجزم بالشرط، ويجوز وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ «١» كما قال جرير: [الوافر] ١٦٧-\nفغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا «٢»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٦٦، وقال: «الإدغام لغة تميم» .\n(٢) الشاهد لجرير في ديوانه ٨٢١، وجمهرة اللغة ١٠٩٦، وخزانة الأدب ١/ ٧٢، والكتاب ٤/ ١٧، والدرر ٦/ ٣٢٢، وشرح المفصّل ٩/ ١٢٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ٤١١، وخزانة الأدب ٦/ ٥٣١، وشرح الأشموني ٣/ ٨٩٧، وشرح شافية ابن الحاجب ٢٤٤، والمقتضب ١/ ١٨٥.","vol":"2","page":92},{"text":"ويجوز «ومن يشاقّ الله»، والتقديردِيدُ الْعِقابِ\nله، وحذف له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>[سورة الأنفال (٨): آية ١٤]</span>\nذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)\nذلِكُمْ فَذُوقُوهُ كما تقدّم في الأول، وَأَنَّ في موضع رفع بعطفها على ذلكم. قال الفراء «١»: ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى «وبأنّ للكافرين» قال:\nويجوز أن يضمر واعلموا أنّ، قال أبو إسحاق: لو جاز إضمار واعلموا لجاز زيد منطلق وعمرا جالسا، بل كان يجوز في الابتداء: زيدا منطلقا لأن المخبر معلم وهذا لا يقوله أحد من النحويين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>[سورة الأنفال (٨): آية ١٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥)\nإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا مصدر في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>[سورة الأنفال (٨): آية ١٦]</span>\nوَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)\nوَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ شرط. إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ نصب على الحال. فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ مجازاة. وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>[سورة الأنفال (٨): آية ١٧]</span>\nفَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)\nوكذا وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ على قراءة «٢» من خفّف «لكن»، ومعنى فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ فلم تقتلوهم بتدبيركم ولكن الله قتلهم بالنصر، ونظير هذا أنّ رجلين لو كانا يتقاتلان ومعهما سيفان فجاء رجل وأخذ سيف أحدهما فقتله الآخر لجاز أن يقال: ما قتل ذاك إلّا الذي أخذ سيفه. وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى مثله ويجوز أن يكون المعنى وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>[سورة الأنفال (٨): آية ١٨]</span>\nذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨)\nذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ «٣» قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو،\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٠٥.\n(٢) انظر الإتحاف ١٤٢.\n(٣) انظر تيسير الداني ٩٥.","vol":"2","page":93},{"text":"وقراءة أهل الكوفة مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ «١» وفي التشديد معنى المبالغة، وروي عن الحسن مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ بالإضافة والتخفيف. والمعنى أنّ الله جلّ وعزّ يلقي في قلوبهم الرّعب حتى يتشتّتوا أو يتفرق جمعهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>[سورة الأنفال (٨): آية ١٩]</span>\nإِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)\nإِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ في معناه ثلاثة أقوال: يكون مخاطبة للكفار لأنهم قالوا: اللهمّ انصر أحبّ الفئتين إليك. وَإِنْ تَنْتَهُوا أي عن الكفر. وَإِنْ تَعُودُوا إلى هذا القول. نَعُدْ إلى نصر المؤمنين. وقيل: إن تستفتحوا مخاطبة للمؤمنين أي تستنصروا فقد جاءكم النصر وكذا «وإن تنتهوا» أي وإن تنتهوا عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم والأسرى قبل الإذن. فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وإن تعودوا إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم كما قال جلّ وعزّ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٦٨]، والقول الثالث أن يكون أن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح للمؤمنين وما بعده للكفّار وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أي مع المؤمنين المطيعين وفتح (أنّ) بمعنى ولأنّ الله، والتقدير لكثرتها وأنّ الله، و«أنّ» في موضع نصب على هذا وقيل: هي عطف على «وأن الله موهّن» والكسر على الاستئناف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)\nابتداء وخبر في موضع الحال والمعنى وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من الحجج والبراهين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>[سورة الأنفال (٨): آية ٢١]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١)\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ الكاف في موضع نصب على الظرف وخبر كان يكون سَمِعْنا بمعنى قبلنا كما يقال: سمع الله لمن حمده، ويكون من سماع الأذن، ويكون بمعنى وهم لا يشعرون وهم لا يتدبّرون ما سمعوا ولا يفكّرون فيه فهم بمنزلة من لم يسمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٢]</span>\nإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢)\nإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ والأصل أشرّ حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال وكذا «خير» الأصل فيها أخير، الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ خبر «إنّ» ونعت.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٧٣، وتيسير الداني ٩٥.","vol":"2","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-991>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٣]</span>\nوَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)\nوَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ أي لأسمعهم جواب كلّ ما يسألون عنه ودلّ على هذا ولو أسمعهم لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فخبر بالغيب عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)\nإِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ حذفت الضمّة من الياء لثقلها ولا يجوز الإدغام.\nوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ (أنّ) في موضع نصب باعلموا، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ عطف. قال الفراء «١»: ولو استؤنف فكسرت «وإنّه» لكان صوابا.\nقال أبو جعفر: وقد ذكرنا لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٦]</span>\nوَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)\nإِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ابتداء وخبر. مُسْتَضْعَفُونَ نعت وكذا تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)\nلا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ بغلول الغنائم ونسبها إلى الله جلّ وعزّ لأنه أمر بقسمها، وإلى الرسول ﷺ لأنه المؤدّي عن الله جلّ وعزّ والقيّم بها. وَتَخُونُوا في موضع جزم نسقا على الأول وقد يكون نصبا على الجواب كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللّبن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-995>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)\nإِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا أي يجعل بينكم وبين الكفار فرقانا بأن ينصركم ويعزّكم ويخذلهم ويذلّهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٠]</span>\nوَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)\nوَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي واذكر هذا لِيُثْبِتُوكَ نصب بلام كي قيل معناه\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٠٧، والبحر المحيط ٤/ ٤٧٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٧٨.","vol":"2","page":95},{"text":"يحبسونك. وحكى بعض أهل اللغة أثبته إذا جرحه فلم يقدر أن يبرح، أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ عطف. وَيَمْكُرُونَ مستأنف. وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ابتداء وخبر. والمعنى أنّ الله جلّ وعزّ إنما مكره أن يأتيهم بالعذاب الذي يستحقّونه من حيث لا يشعرون فهو خير الماكرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٢]</span>\nوَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢)\nوَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ خبر كان. وهُوَ عند الخليل وسيبويه «١» فاصلة. قال أبو جعفر: وسمعت أبا إسحاق يفسّر معنى فاصلة قال: لأنه إنما جيء بها ليعلم أنّ الخبر معرفة أو ما قارب المعرفة وأن الْحَقَّ ليس بنعت وإنّ كانَ ليست بمعنى «وقع»، وقال الأخفش: (هو) صلة زائدة كزيادة «ما» وقال الكوفيون (هو) عماد. قال الأخفش: وبنو تميم يرفعون فيقولون: إن كان هذا هو الحقّ من عندك. قال أبو جعفر: يكون (هو) ابتداء و«الحقّ» خبره والجملة خبر كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٣]</span>\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)\nوقد ذكرنا وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ «٢» بنهاية الشرح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٤]</span>\nوَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)\nقال الأخفش: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ أن فيه زائدة.\nقال أبو جعفر: ولو كان كما قال لرفع يعذبهم و(أن) في موضع نصب والمعنى وما يمنعهم من أن يعذّبوا فدخلت «أن» لهذا المعنى. وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ابتداء وخبر، وكذا إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وعليهم أن يعلموا، وقيل لا يعلمون أنهم يعذّبون في الآخرة. ويجوز أن يغفر لهم، وقيل لا يعلمون أن المتّقين أولياؤه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1000>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٥]</span>\nوَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)\nوَما كانَ صَلاتُهُمْ اسم كان: إِلَّا مُكاءً خبر. قال أبو حاتم: قال\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ٤٠٩.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٨٣.","vol":"2","page":96},{"text":"هارون وبلغني أن الأعمش قرأ وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً «١» . قال أبو جعفر: قد أجاز سيبويه مثل هذا على أنه شاذّ بعيد لأنه جعل اسم كان نكرة وخبرها معرفة وأنشد سيبويه: [الطويل] ١٦٨-\nأسكران كان ابن المراغة إذ هجا ... تميما ببطن الشّام أم متساكر «٢»\nوأنشد: [الوافر] ١٦٩-\nفإنّك لا تبالي بعد حول ... أظبي كان أمّك أم حمار «٣»\nقال أبو أعفر: وأبين من هذا وإن كان قد وصل النكرة قوله: [الوافر] ١٧٠-\nولا يك موقف منك الوداعا «٤»\nوكذا: [الوافر] ١٧١-\nيكون مزاجها عسل وماء «٥»\nوإن كان علي بن سليمان قد قال: التقدير مزاجا لها. وتصدية، من صدّ يصدّ إذا ضجّ فأبدل من إحدى الدالين ياء.\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٤٩، والبحر المحيط ٤/ ٤٨٦. [.....]\n(٢) الشاهد للفرزدق في ديوانه ٤٨١، وخزانة الأدب ٩/ ٢٨٨، والكتاب ١/ ٩٠، ولسان العرب (سكر)، والمقتضب ٤/ ٩٣، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ٣٧٥، ومغني اللبيب ٢/ ٤٩٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٧٤.\n(٣) الشاهد لخداش بن زهير في الكتاب ١/ ٨٨، وتخليص الشواهد ٢٧٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩١٨، والمقتضب ٤/ ٩٤، ولثروان بن خزارة في حماسة البحتري ٢١٠، وخزانة الأدب ٧/ ١٩٢، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٢٧، ولثروان أو لخداشي في خزانة الأدب ٩/ ٢٨٣، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١٠/ ٤٧٢، وشرح المفصل ٧/ ٩٤.\n(٤) الشاهد للقطامي في ديوانه ٣١، وخزانة الأدب ٢/ ٣٦٧، والكتاب ٢/ ٢٥٠، والدرر ٣/ ٥٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٤٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٤٩، ولسان العرب (ضبع) و(ودع) واللمع ص ١٢٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٩٥، والمقتضب ٤/ ٩٤، وصدره:\n«قفي قبل التفرّق يا ضباعا»\n(٥) الشاهد لحسان بن ثابت في ديوانه ٧١، والأشباه والنظائر ٢/ ٢٩٦، والكتاب ١/ ٨٨، وخزانة الأدب ٩/ ٢٢٤، والدرر ٢/ ٧٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٠، وشرح شواهد المغني ٨٤٩، وشرح المفصّل ٧/ ٩٣، ولسان العرب (سبأ) و(رأس)، و(جني)، والمحتسب ١/ ٢٧٩، والمقتضب ٤/ ٩٢، وبلا نسبة في همع الهوامع ١/ ٨٩. وصدره:\n«كأنّ سبيئة من بيت رأس»","vol":"2","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1001>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٧]</span>\nلِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧)\nلِيَمِيزَ نصب بلام كي ولِيَمِيزَ «١» على التكثير، وَيَجْعَلَ فَيَرْكُمَهُ عطف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٨]</span>\nقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)\nإِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ شرط ومجازاة، وكذا وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أي مضت سنة الأوّلين في عذاب المصرّين على معاصي الله جل وعز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٩]</span>\nوَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)\nحَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ اسم تكون وهي بمعنى تقع وكذا وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1004>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٠]</span>\nوَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)\nنِعْمَ الْمَوْلى رفع بنعم لأنها فعل. قال أبو عمر الجرمي والدليل على أنها فعل قول العرب: نعمت فأثبتوا التاء وكذا وَنِعْمَ النَّصِيرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)\nوَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ «ما» بمعنى الذي والهاء محذوفة، ودخلت الفاء لأنّ في الكلام معنى المجازاة وأنّ الثانية توكيد للأولى ويجوز كسرها. خُمُسَهُ اسم إنّ يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ظرفان، وكذا إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا والجمع عدّى ومن قال: عدوة قال: عدّى مثل لحية ولحّى، ويقال: «القصيا» والأصل الواو.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٧٦.","vol":"2","page":98},{"text":"وَالرَّكْبُ ابتداء قيل: يعني به الإبل التي كانت تحمل أمتعتهم وكانت في موضع يأمنون عليها توفيقا من الله جلّ وعزّ فذكرهم نعمه عليهم، وقيل: يعني عير قريش.\nأَسْفَلَ مِنْكُمْ ظرف في موضع الخبر أي موضعا أسفل منكم، وأجاز الأخفش والكسائي والفراء «١» والركب أسفل منكم. أي أشدّ تسفلا منكم. والركب جمع راكب ولا تقول العرب: ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل، وحكى ابن السكيت وأكثر أهل اللغة أنه لا يقال: راكب وركب إلّا للذين على الإبل خاصة، ولا يقال:\nلمن كان على فرس أو غيرها راكب. وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ أي لم يكن يقع الاتفاق فوفق الله جلّ وعزّ لكم، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا من نصر المؤمنين ولِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ لام كي والتقدير ولكن جمعكم هنا لك ليقضي أمرا، ليهلك هذه اللام مكررة على اللام في ليقضي، ومَنْ في موضع رفع. وَيَحْيى في موضع نصب مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ هذه قراءة أبي عمرو وابن كثير وحمزة وهي اختيار سيبويه «٢» وأبي عبيد، فأما احتجاج أبي عبيد فإنه في السواد بياء واحدة، قال أبو جعفر:\nهذا الاحتجاج لا يلزم لأن مثل هذا الحذف في السواد، ولكن اجتماع النحويين الحذّاق في هذا أنه لمّا اجتمع حرفان على لفظ واحد كان الأولى الإدغام كما يقال: جفّ، وقرأ نافع وعاصم من حيي عن بيّنة «٣» والحجّة لهما أنه لا يجوز الإدغام في المستقبل فأتبعوا المستقبل الماضي وقد أجاز الفراء «٤» الإدغام في المستقبل وأن يدغم يحيّى. وهذا عند جميع البصريين من الخطأ الكبير ومثله لا يجوز في شعر ولا كلام والعلّة في منعه إذا قلت: يحيى فالياء الثانية ساكنة فلم يجتمع حرفان متحركان فيدغم وقد كان الاختيار لم يجفف وإن كان يجوز لم يجفّ ولم يجفّ فيجوز الإدغام، فأما في يحيى فلا يجوز وأيضا فإنّ الياء تحذف في الجزم فهذا مخالف ليجفّ ولا يجوز أيضا الإدغام في أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [القيامة: ٤٠] لأن الحركة عارضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nإِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)\nإِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ ظرف، وكذا وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ وجاء متّصلا لأنك بدأت بالأقرب وأجاز يونس يريكمهم.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤١١.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٥٣٨.\n(٣) انظر تيسير الداني ٩٥.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٤١٢.","vol":"2","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1007>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٦]</span>\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)\nوَلا تَنازَعُوا نهي. فَتَفْشَلُوا نصب لأنه جواب النهي، ولا يجيز سيبويه حذف الفاء والجزم وأجازه الكسائي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٧]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا مصدر في موضع الحال. ومعنى البطر في اللغة التقوية وبنعم الله جلّ وعزّ ما ألبسه الله جلّ وعزّ من العافية على المعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٨]</span>\nوَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨)\nوَإِنِّي جارٌ لَكُمْ يجمع جار أجوارا وجيرانا وفي القليل جيرة. إِنِّي أَخافُ اللَّهَ قيل: خاف أن ينزل به بلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٩]</span>\nإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)\nإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قيل: المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، والذين في قلوبهم مرض الشّاكّون وهم دون المنافقين، وقيل: هما واحد وهذا أولى ألا ترى إلى قوله جلّ وعزّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣] ثم قال جلّ وعزّ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: ٤] وهما لواحد، وكذا إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الأحزاب: ٣٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٠]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠)\nيكون هذا عند الموت وقد يكون بيوم القيامة حين يصيرون بهم إلى النار، وجواب «لو» محذوف وتقديره لرأيت أمرا عظيما وأنشد سعيد الأخفش: [الخفيف] ١٧٢-\nإن يكن طبّك الدّلال فلو في ... سالف الدّهر والسّنين الخوالي «١»\n_________\n(١) الشاهد لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص ١١٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٣٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٦١، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ٧٤، ومغني اللبيب ٢/ ٦٤٩.","vol":"2","page":100},{"text":"وقرأ الأعرج تتوفّى «١» على تأنيث الجماعة. يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ في موضع الحال. قال الفراء «٢»: المعنى ويقولون وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>[سورة الأنفال (٨): آية ٥١]</span>\nذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)\nذلِكَ في موضع رفع أي الأمر ذلك. بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ خفض بالياء.\nوَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ في موضع خفض نسق على (ما)، وإن شئت نصبت بمعنى و«بأنّ» وحذفت الباء بمعنى وذلك أنّ الله، ويجوز أن يكون في موضع رفع نسقا على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1013>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٢]</span>\nكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢)\nكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ أي العادة في تعذيبهم عند قبض الأرواح وفي القبور كعادة آل فرعون، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الكفار وبعد هذا أيضا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وليس هذا بتكرير لأن الأول للعادة في التعذيب والثاني للعادة في التغيير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦)\nإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا اسم «إنّ» وخبرها، وهو مخصوص وقد بيّنه جلّ وعزّ بقوله الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٧]</span>\nفَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)\nفَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ شرط ودخلت النون توكيدا وصلح ذلك في الخبر لمّا دخلت (ما) هذا قول البصريين، وقال الكوفيون: تدخل النون الثقيلة والخفيفة مع إمّا في المجازاة للفرق بين المجازاة والتخيير. فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ قال الكسائي: (من) بمعنى الذي.\nقال أبو إسحاق: المعنى افعل بهم فعلا من القتل تفرّق به من خلفهم. لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي يتذكّرون توعّدك إياهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٨]</span>\nوَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨)\nوَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ قال الكسائي: السواء العدل، وقال الفراء «٣»: يقال: معناه افعل بهم كما يفعلون سواء. قال: ويقال: معنى فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٥٠٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٤١٣.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٤١٤.","vol":"2","page":101},{"text":"جهرا لا سرّا. قال أبو جعفر: هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه، والمعنى إمّا تخافنّ من قوم بينك وبينهم عهد- خيانة فانبذ إليهم العهد أي قل قد نبذت إليكم عهدكم وأنا مقاتلكم ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يتقون بك فيكون ذلك خيانة ثم بيّن هذا بقوله إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1017>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٩]</span>\nوَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)\nولا تحسبن الذين كفروا سبقوا اسم تحسبنّ وخبره، وقرأ حمزة. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا «١» فزعم جماعة من النحويين منهم أبو حاتم أن هذا لحن لا تحلّ القراء به ولا يسمع لمن عرف الإعراب أو عرّفه. قال أبو جعفر: وهذا تحامل شديد وقد قال أبو حاتم أكثر من هذا قال: لأنه لم يأت ليحسبنّ بمفعول وهو يحتاج إلى مفعولين. قال أبو جعفر: القراءة تجوز ويكون المعنى ولا يحسبنّ من خلفهم الذين كفروا سبقوا فيكون الضمير يعود على ما تقدّم إلّا أنّ القراءة بالتاء أبين. قال الفراء:\nوفي حرف عبد الله بن مسعود ولا يحسب الذين كفروا أنهم سبقوا أنهم لا يعجزون «٢» ويروى ولا تحسب الذين بفتح الباء، وهذا على إرادة النون الخفيفة كما قال الشاعر: [الطويل] ١٧٣-\nوسبّح على حين العشيّات والضّحى ... ولا تحمد المثرين والله فاحمدا «٣»\nوإن شئت كسرت الدال، وقرأ عبد الله بن عامر. إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ «٤» بفتح الهمزة، واستبعد أبو حاتم وأبو عبيد هذه القراءة قال أبو عبيد: وإنما تجوز على أن يكون المعنى ولا تحسبنّ الذين كفروا أنهم لا يعجزون. قال أبو جعفر: الذي ذكره أبو عبيد لا يجوز عند النحويين البصريين لا يجوز حسبت زيدا أنه خارج إلّا بكسر إن، وإنما لم يجز لأنه في موضع المبتدأ كما تقول: حسبت زيدا أبوه خارج، ولو فتحت لصار المعنى حسبت زيدا خروجه، وهذا محال، وفيه أيضا من البعد أنه لا وجه لما قاله يصحّ به معنى إلّا أن تجعل «إلّا» زائدة، ولا وجه لتوجيه حذف في كتاب الله جلّ وعزّ إلى التطول بغير حجة يجب التسليم لها، والقراءة جيدة على أن يكون المعنى لأنهم لا يعجزون، وزعم الفراء أنه تجوز قراءة حمزة على إضمار «أن» يكون المعنى\n_________\n(١) وهذه قراءة حفص وابن عامر أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٥٠٥، وتيسير الداني ٩٦. [.....]\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٥٠٦، ومعاني الفراء ١/ ٤١٤.\n(٣) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٨٧، ولسان العرب (آ)، وتهذيب اللغة ١٥/ ٦٦٤، وبلا نسبة في المخصص ١٣/ ٨٦، وفي الديوان (وصلّ) .\n(٤) انظر البحر المحيط ٤/ ٥٠٦.","vol":"2","page":102},{"text":"ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا قال أبو جعفر: لا يجوز إضمار «أن» إلا بعوض ومن أضمرها فقد أضمر بعض اسم وقد شبّه الفراء هذا بقولهم: عسى يقوم زيد، وهو لا يشبهه لأن «أن» لو كانت هاهنا مضمرة لنصبت يقوم، وقد ذكرنا أنه من قرأ لا يُعْجِزُونَ «١» بكسر النون فقد لحن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٠]</span>\nوَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠)\nوَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ كل ما تعدّه لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عددك. وقرأ الحسن (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ) «٢» على التكثير، وقرأ بو عبد الرحمن عَدُوًّا لِلَّهِ «٣» . وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ عطف على عدو ويجوز أن يكون عطفا على وأعدوا لهم بإضمار فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1019>[سورة الأنفال (٨): آية ٦١]</span>\nوَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)\nوَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها لأن السلم مؤنّثة ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة، وحكى أبو حاتم فَاجْنَحْ «٤» لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1020>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ابتداء وخبر أي كافيك الله، ويقال: أحسبه إذا كفاه وَمَنِ اتَّبَعَكَ في موضع نصب معطوف على الكاف في التأويل أي يكفيك الله ويكفي من اتّبعك كما قال: [الطويل] ١٧٤-\nإذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا ... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد «٥»\nويجوز أن يكون وَمَنِ اتَّبَعَكَ «٦» في موضع رفع، وللنحويين فيه على هذا ثلاثة\n_________\n(١) هذه قراءة ابن محيصن، انظر مختصر ابن خالويه ٥٠، والبحر المحيط ٤/ ٥٠٦.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٥٠.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٤١٦.\n(٤) انظر البحر المحيط ٤/ ٥٠٩.\n(٥) الشاهد لجرير في ذيل الأمالي ١٤٠، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٧/ ٥٨١، وسمط اللئالي ص ٨٩٩، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٤، وشرح شواهد الإيضاح ص ٣٧٤، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٠٠، وشرح عمدة الحافظ ٤٠٧، وشرح المفصل ٢/ ٥١، ولسان العرب (حسب) و(هيج)، و(عصا)، ومغني اللبيب ٢/ ٥٦٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٨٤.\n(٦) انظر البحر المحيط ٤/ ٥١١.","vol":"2","page":103},{"text":"أقوال: قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: يكون عطفا على اسم الله جلّ وعزّ أي حسبك الله ومن اتّبعك قال: ومثله قول النبي ﷺ «يكفينيه الله وأبناء قيلة» «١» والقول الثاني أن يكون التقدير: ومن اتّبعك من المؤمنين كذلك على الابتداء وأخبر كما قال الفرزدق: [الطويل] ١٧٥-\nوعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلّا مسحتا أو مجلّف «٢»\nوالقول الثالث: أحسنها أن يكون على إضمار بمعنى وحسبك من اتّبعك من المؤمنين وهكذا الحديث على إضمار ومن كفى. القول الأول لأنه قد صحّ عن النبي ﷺ أنه نهى أن يقال: ما شاء الله وشئت، والقول الثاني فالشاعر مضطرّ فيه إذا كانت القصيدة مرفوعة وإن كان فيه غير هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1021>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٥]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥)\nإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ اسم «يكن» فإن قال قائل: لم كسر أول العشرين وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى ثمانين إلّا ستين؟ فالجواب عند سيبويه «٣» أنّ عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد فكسر أول عشرين كما كسر اثنان والدليل على هذا قولهم ستّون وتسعون كما قيل: ستّة وتسعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٦]</span>\nالْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)\nوقرأ أبو جعفر وعلم أنّ فيكم ضعفاء كما يقال كريم وكرماء، وقراءة أهل المدينة وأبي عمرو ضعفا «٤» وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد. قال أبو عبيد: لكثرة من قرأ بها وأنها قراءة النبي ﷺ ومن اتّبعه عليها، وهذا الكلام وإن كان أبو عبيد ﵀ معلوما منه أنه لم يقصد إلا إلى خير وإنما يقال: ومن اتّبعه فيمن يجوز أن يخالف، وإسناد الحديث ليس بذاك. وقال أبو عمرو بن العلاء: الضّعف لغة أهل الحجاز، والضّعف لغة تميم فأمّا التفريق بينهما فلا يصحّ أعني في المعنى.\n_________\n(١) انظر تفسير القرطبي ٨/ ٤٣.\n(٢) الشاهد للفرزدق في ديوانه ٢٦، وجمهرة أشعار العرب ٨٨٠، وجمهرة اللغة ٣٨٦، وخزانة الأدب ١/ ٢٣٧، والخصائص ١/ ٩٩، ولسان العرب (سحت) و(جلف) و(ودع)، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ١٨٨، وجمهرة اللغة ٤٨٧، وشرح شواهد الإيضاح ٢٧٩، وشرح المفصل ١/ ٣١، والمحتسب ١/ ١٨٠.\n(٣) انظر الكتاب ١/ ٢٦٦.\n(٤) انظر البحر المحيط ٤/ ٥١٣.","vol":"2","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1023>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٧]</span>\nما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)\nأَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى وتكون على تأنيث الجماعة أسرى أسارى وأسارى. تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا أي المغانم والفداء، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أي يريد لكم ثواب الآخرة لأنه خير لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1024>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٨]</span>\nلَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨)\nفيه خمسة أجوبة: فمن أحسنها أنّ المعنى لولا كتاب من الله نزل وهو القرآن فآمنتم به فاستحققتم العفو والصفح لعذّبكم، وقيل: المعنى لولا كتاب من الله نزل وهو القرآن فآمنتم به فاستحققتم العفو والصفح لعذّبكم، وقيل: المعنى لولا أنّ الله جلّ وعزّ كتب أنه سيحل لكم المغانم لعذّبكم، والجواب الخامس أن المعنى لولا أنّ الله جلّ وعز كتب أنه يغفر لأهل بدر ما تقدّم من ذنوبهم وما تأخّر لعذّبكم. ومعنى لَوْلا في اللغة امتناع شيء لوقوع شيء. وكِتابٌ مرفوع بالابتداء وسَبَقَ في موضع النعت له ولا يكون خبرا لأنه لا يجوز أن يؤتى بخبر لما ارتفع بعد لولا بالابتداء. هذا قول سيبويه والتقدير لولا كتاب من الله سبق تدارككم لَمَسَّكُمْ والأصل فيها فعل ثم أدغمت ويجوز الإظهار كما قال: [البسيط] ١٧٦-\nمهلا أعاذل قد جرّبت من خلقي ... أنّى أجود لأقوام وإن ضننوا «١»\nفِيما أَخَذْتُمْ أدغمت الذال في التاء لأن المهموس أخفّ ويجوز الإظهار هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٩]</span>\nفَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)\nفَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ في الفاء معنى الشرط والمجازاة، وقال سيبويه «٢» فالكلم اسم وفعل وحرف، والتقدير في الآية قد أحللت لكم الفداء فكلوا ممّا غنمتم، حَلالًا طَيِّبًا منصوب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>[سورة الأنفال (٨): آية ٧٠]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى خاطب النبي ﷺ ثم قال لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ\n_________\n(١) الشاهد لقعنب بن أم صاحب في الخصائص ١/ ١٦٠، والكتاب ١/ ٥٨، وسمط اللآلي ٥٧٦، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣١٨، ولسان العرب (ظلل) و(ضنن)، والمنصف ١/ ٣٣٩، ونوادر أبي زيد ٤٤، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ١٥٠، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ٢٤١، وشرح المفصل ٣/ ١٢، ولسان العرب (حمم)، والمقتضب ١/ ١٤٢، والمنصف ٢/ ٦٩. [.....]\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٤٠.","vol":"2","page":105},{"text":"فيه ثلاثة أجوبة: يكون المعنى يا أيّها النبي قل لهم قولوا لمن في أيديكم من الأسرى، ويكون على أنّ المخاطبة له ﷺ، مخاطبة لأمته كما قال جلّ وعزّ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] ويكون على تحويل المخاطبة في إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ، فأمّا أن يكون على التعظيم فبعيد. إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا شرط وكسرت الميم لالتقاء الساكنين والجواب يُؤْتِكُمْ فلذلك حذفت منه الياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1027>[سورة الأنفال (٨): آية ٧١]</span>\nوَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)\nوَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ أي في نقض العهد لأنهم عاهدوه ألّا يحاربوه ﷺ أي إن فعلوا هذا فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي خانوا أولياءه المؤمنين بديئا. وجمع خيانة خيائن وكان يجب أن يقال: خوائن لأنه من ذوات الواو إلّا أنهم فرّقوا بينه وبين جمع خائنة، ويقال: خائن وخون وخونة وخانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1028>[سورة الأنفال (٨): آية ٧٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اسم إنّ. وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا معطوف عليه. أُولئِكَ رفع بالابتداء بَعْضُهُمْ ابتداء ثان. أَوْلِياءُ بَعْضٍ «١» خبره والجميع خبر إنّ، وَالَّذِينَ آمَنُوا ابتداء، والخبر ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة من ولايتهم «٢» . يقال: وليّ بيّن الولاية ووال بيّن الولاية. قال أبو جعفر: والفتح في هذا أبين وأحسن لأنه بمعنى النصر، وقال أبو إسحاق: ويجوز الكسر لأنه مشتمل فصار كالصناعة وكالخياطة. قال: ويجوز فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ بالنصب على الإغراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>[سورة الأنفال (٨): آية ٧٣]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣)\nوقال الكسائي: يجوز النصب في قوله: تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1030>[سورة الأنفال (٨): آية ٧٤]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)\nحَقًّا مصدر.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٤/ ٥١٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٥١٨، وتيسير الداني ٩٦.\n(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٥١٨.","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1031>[سورة الأنفال (٨): آية ٧٥]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)\nوَأُولُوا الْأَرْحامِ ابتداء والواحد «ذو» والرحم مؤنثة. بَعْضُهُمْ ابتداء. أَوْلى بِبَعْضٍ الخبر والجملة خبر الأول، وفي قوله فِي كِتابِ اللَّهِ جلّ وعزّل. أقوال: منها أن هذه الآية تدلّ على أنه لا يورّث إلّا من كان له في كتاب الله ذكر إلّا أن يجمع المسلمون على شيء أو يصحّ عن الرسول ﷺ، وقيل معنى فِي كِتابِ اللَّهِ في اللوح المحفوظ، وقيل فِي كِتابِ اللَّهِ في حكم الله كما قال النبي ﷺ: «لأقضينّ بينكما بكتاب الله» «١» جلّ وعزّ فقضى بالجلد وتغريب عام والرجم عليها إذا كانت محصّنة، وليس في القرآن الرجم فقيل: معنى «بكتاب الله» جلّ وعزّ بحكم الله، وقيل: لمّا قال جلّ وعزّ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] كان القبول من النبي ﷺ بكتاب الله جلّ وعزّ: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ اسم «إنّ» وخبرها.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه، الحدود، حديث ٤٤٤٥، والترمذي في سننه الحدود ٦/ ٢٠٦.","vol":"2","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>٩ شرح إعراب سورة براءة</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>[سورة التوبة (٩): آية ١]</span>\nبَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)\nمن ذلك قوله جلّ وعزّ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ.\nرفع بالابتداء، والخبر إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وحسن الابتداء بالنكرة لأنها قد وصلت، ويجوز أن ترفع براءة على أنها خبر ابتداء محذوف. يقال: برئت من العهد والدّين والرجل براءة، وبرأت من المرض أبرأ، ولا يعرف فعلت أفعل مما لامه همزة إلا هذا ويقال: برئت من المرض أبرأ برءا وبرءوا، وبريت القلم وأبريت الناقة جعلت في أنفها برة. وهي حلقة من حديد، فإن كانت من خشب فهي خشاش، وإن كانت من شعر فهي خزامة. والوقف براءه بالهاء. قال سيبويه: أرادوا أن يفرقوا بين هذه التاء والتاء التي هي من نفس الحرف نحو تاء القت. قال: وزعم أبو الخطاب أنّ ناسا من العرب يقولون: طلحت كما فعلوا بتاء الجميع. مِنَ اللَّهِ فتحت النون لالتقاء الساكنين هذه اللغة الفصيحة، وللنحويين فيها أقوال: قال الكسائي: أصل (من) منا حذفوا الألف وأبقوا الفتحة، وقيل: كرهوا الجمع بين كسرتين فحركوها في أكثر المواضع بالفتح.\nقال أبو جعفر: وأحسن ما قيل في هذا قول سيبويه «١» قال: لمّا كثر استعمالهم لها ولم يكن فعلا وكان الفتح أخفّ عليهم فتحوا وشبهوها بأين وكيف. قال سيبويه: وناس من العرب يكسرون فيقولون: من الله على القياس. قال أبو حاتم: زعم هارون أن أبا عمرو بن العلاء قرأ براءة من الله إلى الذين عاهدتم «٢» وإن شئت قلت: عاهدتمو على الأصل والحذف لأن الواو ثقيلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1034>[سورة التوبة (٩): آية ٢]</span>\nفَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢)\nفَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ قال الكسائي: المصدر سيوحا وسيحانا وسياحة. قال الفراء:\nوساح الماء سيحا. أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أثبت الهاء فرقا بين المذكر والمؤنث. قال أبو جعفر:\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٢٦٥.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٥١.","vol":"2","page":108},{"text":"وقد ذكرناه، وذكرنا ما هذه الشهور «١» . وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ في موضع نصب باعلموا وإن شئت قلت: أنّكمو كما تقدّم غير معجزي الله حذفت النون للإضافة. ويجوز على قول سيبويه أن تحذفها لالتقاء الساكنين وتنصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>[سورة التوبة (٩): آية ٣]</span>\nوَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣)\nوَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ عطف على براءة. يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ظرف وقد ذكرنا ما قيل فيه، والحجّ الأصغر العمرة. أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ في موضع نصب، والتقدير «بأن الله»، ومن قرأ إنّ الله قدّره بمعنى قال إنّ الله، بَرِيءٌ خبر. وَرَسُولِهِ عطف على الموضع، وإن شئت على المضمر كلاهما حسن لأنه قد طال الكلام، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ «٢» عطف على اللفظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1036>[سورة التوبة (٩): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)\nإِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ في موضع نصب بالاستثناء.\nقال الأخفش التقدير واقعدوا لهم على كل مرصد وحذفت «على» قال أبو جعفر:\nقد حكى سيبويه: ضرب الظهر والبطن، بحذف «على» إلّا أنّ كُلَّ مَرْصَدٍ نصبه على الظرف جيّد كما تقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1037>[سورة التوبة (٩): آية ٦]</span>\nوَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦)\nوَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ أي من القتل وأَحَدٌ مرفوع بإضمار فعل كالذي بعده وهذا حسن في «إن» وقبيح في أخواتها، ومذهب سيبويه في الفرق بين إن وأخواتها أنها لمّا كانت أمّ حروف الشرط لأنها لا تكون لغيره خصّت بهذا، وقال محمد بن يزيد: أما قوله لأنها لا تكون في غيره فغلط لأنها تكون بمعنى «ما»،\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٨٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٨.","vol":"2","page":109},{"text":"وزائدة، ومخففة من الثقيلة ولكنها مبهمة وليس كذا غيرها وأنشد سيبويه: [الكامل] ١٧٧-\nلا تجزعي إن منفسا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي «١»\nثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ مفعولان حذف من أحدهما الحرف والجمع مآمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>[سورة التوبة (٩): آية ٧]</span>\nكَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)\nكَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ اسم يكون إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ استثناء. قال محمد بن إسحاق: هم بنو بكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1039>[سورة التوبة (٩): آية ٨]</span>\nكَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًاّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨)\nكَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ قال الأخفش سعيد: أضمر، أي كيف لا تقتلونهم والله أعلم، وقال أبو إسحاق: المعنى كيف يكون لهم عهد ثم حذف كما قال:\n[الطويل] ١٧٨-\nوخبرتماني أنّما الموت بالقرى ... فكيف وهذا هضبة وكثيب «٢»\nقال: التقدير وكيف مات لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وبعده لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وليس هذا تكريرا ولكن الأول لجميع المشركين والثاني لليهود خاصة، والدليل على هذا قوله: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا يعني اليهود باعوا حجج الله جلّ وعزّ وبيانه بطلب الرئاسة وطمع في شيء وجمع إل آلال في القليل، والكثير ألال، وذمّة وذمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>[سورة التوبة (٩): آية ١١]</span>\nفَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)\nفَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ أي فهم إخوانكم.\n_________\n(١) الشاهد للنمر بن تولب في الكتاب ١/ ١٨٨، وديوانه ٧٢، وتخليص الشواهد ٤٩٩، وخزانة الأدب ١/ ٣١٤، وسمط اللآلي ٤٦٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٦٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٧٢، وشرح المفصّل ٢/ ٣٨، ولسان العرب (نفس) و(خلل)، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٣٥، وبلا نسبة في الأزهيّة ص ٢٤٨، والأشباه والنظائر ٢/ ١٥١، والجنى الداني ٧٢، وجواهر الأدب ٦٧، وخزانة الأدب ٣/ ٣٢، والردّ على النحاة ١١٤، وشرح الأشموني ١/ ١٨٨، وشرح ابن عقيل ٢٦٤، ومغني اللبيب ١/ ١٦٦، والمقتضب ٢/ ٧٦.\n(٢) الشاهد لكعب بن سعد الغنوي في اللسان (قول) و(هذا)، وبلا نسبة في شرح المفصل ٣/ ١٣٦، وتفسير الطبري ١٠/ ٨٣.","vol":"2","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1041>[سورة التوبة (٩): آية ١٢]</span>\nوَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)\nفَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ جمع إمام، والأصل أأممة كمثال وأمثلة ثم أدغمت الميم في الميم، وقلبت الحركة على الهمزة همزتان فأبدلت من الثانية ياء، وزعم الأخفش أنّك تقول: هذا أيمّ من هذا بالياء. قال المازني: أومّ بالواو. وقرأ حمزة فقاتلوا أامّة الكفر «١» . فأكثر النحويين يذهب إلى أنّ هذا لحن لا يجوز لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة، وزعم أبو إسحاق أنه جائز على بعد، قال: لأنه قد وقع في الكلمة علّتان الإدغام والتضعيف فلمّا ألقيت حركة الميم على الهمزة تركت الهمزة لتدلّ بحركتها على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1042>[سورة التوبة (٩): آية ١٣]</span>\nأَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)\nأَلا تُقاتِلُونَ توبيخ وفيه معنى التحضيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nقاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)\nقاتِلُوهُمْ أمر. يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ جوابه وهو جزم بمعنى المجازاة، والتقدير إن تقاتلوهم يعذّبهم الله. بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ.\nوَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ كلّه عطف، ويجوز فيه كله الرفع على القطع من الأول ويجوز النصب على إضمار أن وهو محمول على المعنى، والكوفيون يقولون على الصرف كما قال: «٢» [الوافر] ١٧٩-\nفإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع النّاس والشّهر الحرام\nونأخذ بعده بذناب عيش ... أجبّ الظّهر ليس له سنام\nوإن شئت رفعت ونأخذ وإن شئت نصبته. وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ القراءة بالرفع لأنه ليس من جنس الأول لأن القتال غير موجب لهم التوبة من الله جلّ وعزّ وهو\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٩٦، قراءة الكوفيين وابن عامر (أئمة) بهمزتين، وأدخل هشام بينهما ألفا، وقراءة الباقين بهمزة وياء مختلسة الكسرة من غير مدّ.\n(٢) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ص ١٠٦، والأغاني ١١/ ٢٦، وخزانة الأدب ٧/ ٥١١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٨، والكتاب ١/ ٢٥٨، وشرح المفصّل ٦/ ٨٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٧٩، وبلا نسبة في أسرار العربية ٢٠٠، والأشباه والنظائر ٦/ ١١، والاشتقاق ص ١٠٥، وأمالي ابن الحاجب ١/ ٤٥٨، والإنصاف ١/ ١٣٤، وشرح الأشموني ٣/ ٥٩١، وشرح عمدة الحافظ ٣٥٨، ولسان العرب (حبب)، و(ذنب)، والمقتضب ٢/ ١٧٩.","vol":"2","page":111},{"text":"موجب لهم العذاب والخزي وشفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم، ونظيره فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ تم الكلام ثم قال وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ [الشورى: ٢٤] وقرأ ابن أبي إسحاق ويتوب الله «١» بالنصب وكذا روي عن عيسى والأعرج. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>[سورة التوبة (٩): آية ١٦]</span>\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)\nأَمْ حَسِبْتُمْ خروج من شيء إلى شيء. أَنْ تُتْرَكُوا في موضع المفعولين على قول سيبويه، وعند أبي العباس أنه قد حذف الثاني، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ جزم بلمّا وإن كانت «ما» زائدة فإنّها عند سيبويه تكون جوابا لقولك قد فعلت وكسرت الميم لالتقاء الساكنين. قال الفراء وَلِيجَةً بطانة من المشركين يتخذونهم ويفشون إليهم أسرارهم ويعلمونهم أمورهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>[سورة التوبة (٩): آية ١٧]</span>\nما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧)\nأَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ اسم كان. شاهِدِينَ على الحال. وأُولئِكَ ابتداء.\nحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>[سورة التوبة (٩): آية ١٨]</span>\nإِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)\nإِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ (ما) كافة والفعل متقدّم لأنه لمن. وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ حذفت الألف للجزم. قال سيبويه: واعلم أنّ الآخر إذا كان يسكن في الرفع حذف في الجزم لئلّا يكون الجزم بمنزلة الرفع. فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ وعسى من الله جلّ وعزّ واجبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>[سورة التوبة (٩): آية ١٩]</span>\nأَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)\nأَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ التقدير في العربية أجعلتم أصحاب سقاية الحاجّ وقيل:\nالتقدير كإيمان من آمن بالله وجعل الاسم موضع المصدر إذ علم معناه مثل: إنّما\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ١٩. [.....]","vol":"2","page":112},{"text":"السخاء حاتم وإنّما الشعر زهير. وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:\n٨٢] وقرأ أبو وجزة أجعلتم سقاة الحاجّ وعمرة المسجد الحرام «١» سقاة جمع ساق والأصل فيه سقية على فعلة كذا الجمع المعتلّ من هذا نحو قاض وقضاة وناس ونساة فإن لم يكن معتلا جمع على فعلة نحو ناسئ ونسأة للذين كانوا ينسئون الشهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>[سورة التوبة (٩): آية ٢٠]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)\nالَّذِينَ آمَنُوا في موضع رفع بالابتداء، وخبره أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، ودَرَجَةً على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>[سورة التوبة (٩): آية ٢٢]</span>\nخالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)\nخالِدِينَ نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>[سورة التوبة (٩): آية ٢٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ مفعولان. إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ أي لا تطيعوهم ولا تختصّوهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1051>[سورة التوبة (٩): آية ٢٤]</span>\nقُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)\nقُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ اسم «كان» وما بعده معطوف عليه. أَحَبَّ إِلَيْكُمْ خبر كان ويجوز في غير القرآن رفع «أحبّ» على الابتداء والخبر واسم كان مضمر فيها، وأنشد سيبويه: [الطويل] ١٨٠-\nإذا متّ كان النّاس صنفان شامت ... وآخر مثن بالّذي كنت أصنع «٢»\nوأنشد سيبويه: [البسيط] ١٨١-\nهي الشّفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الدّاء مبذول «٣»\n_________\n(١) هذه قراءة ابن الزبير والباقر وأبي حيوة، انظر البحر المحيط ٥/ ٢٢.\n(٢) الشاهد للعجير السلولي في الكتاب ١/ ١١٨، والأزهيّة ص ١٩٠، وتخليص الشواهد ٢٤٦، وخزانة الأدب ٩/ ٧٢، والدرر ١/ ٢٢٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٤٤، والمقاصد النحوية ٢/ ٨٥، ونوادر أبي زيد ص ١٥٦، وبلا نسبة في أسرار العربية ١٣٦، واللمع في العربية ص ١٢٢، وهمع الهوامع ١/ ٦٧.\n(٣) الشاهد لهشام أخي ذي الرمة في الكتاب ١/ ١١٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٠٤، ولهشام بن عقبة في الأزهية ص ١٩١، والأشباه والنظائر ٥/ ٨٥، وتذكرة النحاة ١٤١، والدرر ٢/ ٤٢، ولذي الرمّة في شرح أبيات سيبويه ١/ ٤٢١، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ٢/ ٨٦٨، ورصف المباني ٣٠٢، وشرح المفصّل ٣/ ١١٦، والمقتضب ٤/ ١٠١، وهمع الهوامع ١/ ١١١.","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1052>[سورة التوبة (٩): آية ٢٥]</span>\nلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)\nلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ قال الفراء «١»: لم ينصرف مواطن لأنه جمع ليس لها نظير في المفرد وليس لها جماع، إلّا أن الشاعر ربما اضطرّ فجمع وليس يوجد في الكلام ما يجوز في الشعر، وأنشد: [الرجز] ١٨٢-\nفهنّ يعلكن حدائداتها «٢»\nقال أبو جعفر: رأيت أبا إسحاق يتعجّب من هذا قال: أخذ قول الخليل ﵀ وأخطأ فيه لأن الخليل يقول لم ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد ولا يجمع جمع التكسير فأما بالألف والتاء فلا يمتنع.\nوَيَوْمَ حُنَيْنٍ ظرف أي ونصركم يوم حنين. وانصرف حنين لأنه مذكر اسم واد ومن العرب من لا يجريه يجعله اسما للبقعة، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ حذفت الياء للجزم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1053>[سورة التوبة (٩): آية ٢٦]</span>\nثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦)\nثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي أنزل عليهم ما يسكّنهم ويذهب خوفهم حتى اجترءوا على قتال المشركين. وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وهم الملائكة يقوّون المؤمنين بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت ويضعفون الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال لأن الملائكة صلوات الله عليهم لم تقاتل إلا في يوم بدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>[سورة التوبة (٩): آية ٢٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)\nإِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ابتداء وخبر. فَلا يَقْرَبُوا نهي فلذلك حذفت منه النون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>[سورة التوبة (٩): آية ٣٠]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٢٨.\n(٢) الشاهد بلا نسبة في معاني الفراء ١/ ٤٢٨، وتاج العروس (حدد) وللسان العرب (حدد) .","vol":"2","page":114},{"text":"وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ للنحويين في هذا أقوال: فمن أحسنها أنه مرفوع على إضمار مبتدأ والتقدير صاحبنا عزير، وأنشد الأخفش: [الطويل] ١٨٣-\nلعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... شعيب بن سهم أم شعيب بن منقر «١»\nويجوز أن يكون عُزَيْرٌ رفع بالابتداء وابْنُ خبره، ويحذف التنوين لالتقاء الساكنين أجاز سيبويه مثل هذا بعينه، وقول ثالث لأبي حاتم قال: لو قال قائل إنّ عزيرا اسم عجمي فلذلك حذفت منه التنوين. قال أبو جعفر: هذا القول غلط لأن عزيرا اسم عربيّ مشتق قال الله جلّ وعزّ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩] ولو كان عجميا لانصرف لأنه على ثلاثة أحرف في الأصل ثم زيدت عليه ياء التصغير، وقد قرأ القراء من الأئمة في القراءة واللغة عُزَيْرٌ منوّنا. قرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبان بن تغلب وعاصم والكسائي وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وهذا بيّن على الابتداء والخبر وكذا وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وكذا ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ، وقرأ عاصم وطلحة يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا «٢» وجعل الهمزة من الأصل وقدّر ضهيئا فعيلا. وترك الهمز أجود لأنه لا نعلم أحدا من أهل اللغة حكى أنّ في الكلام فعيلا وإذا لم يهمز قدّر ظهياء فعلاء، الهمزة زائدة كما زيدت في شأمل وغرقئ إلا أنه يجوز أن يكون فعيلا لا نظير له كما أن كنهبلا فنعلل لا نظير له كما أن قرنفلا فعنلل لا نظير له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>[سورة التوبة (٩): آية ٣١]</span>\nاتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)\nاتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ مفعولان. وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ منصوب على إضمار فعل ويجوز أن يكون عطفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1057>[سورة التوبة (٩): آية ٣٢]</span>\nيُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢)\nيُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ جعل البراهين بمنزلة النور لما فيها من البيان.\n_________\n(١) الشاهد للأسود بن يعفر في ديوانه ٣٧، والكتاب ٣/ ١٩٧، وخزانة الأدب ١١/ ١٢٢، وشرح التصريح ٢/ ١١٣، وشرح شواهد المغني ص ١٣٨، والمقاصد النحوية ٤/ ١٣٨، ولأوس بن حجر في ديوانه ٤٩، وخزانة الأدب ١١/ ١٢٨، وللأسود أو للعين المنقري في الدرر ٦/ ٩٨، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٢/ ٤٢١، ولسان العرب (شعث)، والمحتسب ١/ ٥٠، ومغني اللبيب ١/ ٤٢، والمقتضب ٣/ ٢٩٤، وهمع الهوامع ٢/ ٢٣٢.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٣٢، وباقي السبعة بغير همز.","vol":"2","page":115},{"text":"بِأَفْواهِهِمْ جمع فوه على الأصل لأن الأصل في فم فوه مثل حوض وأحواض، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ يقال: كيف دخلت إلّا وليس في الكلام حرف نفي؟ ولا يجوز ضربت إلّا زيدا فزعم الفراء «١» أن «إلّا» إنما دخلت في الكلام طرفا من الجحد، قال أبو إسحاق: الجحد والتحقيق ليسا بذوي أطراف وأدوات الجحد «ما ولا ولم ولن وليس» وهذه لا أطراف لها ينطق بها، ولو كان الأمر كما أراد لجاز كرهت إلا زيدا ولكن الجواب أنّ العرب تحذف مع «أبى» والتقدير ويأبى الله كلّ شيء إلّا أن يتمّ نوره.\nقال علي بن سليمان: إنما أجاز هذا في يأبى لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي. قال أبو جعفر: وهذا قول حسن كما قال: [الطويل] ١٨٤-\nوهل لي أمّ غيرها إن تركتها ... أبى الله إلّا أن أكون لها ابنما «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>[سورة التوبة (٩): آية ٣٣]</span>\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)\nلِيُظْهِرَهُ لام كي أي ليظهره بالحجّة والبراهين وقد أظهره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>[سورة التوبة (٩): آية ٣٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤)\nإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ دخلت اللام على يفعل ولا تدخل على فعل بمضارعة يفعل الأسماء وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ رفع بالابتداء ويجوز أن يكون معطوفا على ما في يأكلون أي ويأكلها الذين يكنزون الذهب والفضة. وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولم يقل ينفقونهما ففيه أربعة أقوال يكون التقدير ولا ينفقون الكنوز، ويكون ولا ينفقون الأموال، ويكون ولا ينفقون الفضة وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه وأنشد سيبويه: [المنسرح] ١٨٥-\nنحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرّأي مختلف «٣»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٣٣.\n(٢) الشاهد للمتلمس في ديوانه ص ٣٠، والأصمعيات ص ٣٤٥، وخزانة الأدب ١٠/ ٥٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٦٨، والمقتضب ٢/ ٩٣، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ١٨٢، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ١١٥، وشرح الأشموني ٣/ ٨١٦، وشرح المفصّل ٩/ ١٣٣، والمنصف ١/ ٥٨.\n(٣) الشاهد لقيس بن الخطيم في ملحق ديوانه ٢٣٩، والكتاب ١/ ١٢٣، وتخليص الشواهد ص ٢٠٥، والدرر ٥/ ٣١٤، والمقاصد النحوية ١/ ٥٥٧، ولعمرو بن امرئ القيس الخزرجي في الدرر ١/ ١٤٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٧٩، وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ٤٥٣، والصاحبي في فقه اللغة ٢١٨، ومغني اللبيب ٢/ ٦٢٢، وهمع الهوامع ٢/ ١٠٩.","vol":"2","page":116},{"text":"والتقدير الرابع أن يكون ينفقونها للذهب والثاني معطوفا عليه. فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ في موضع خبر الابتداء أي اجعل لهم موضع البشارة عذابا أليما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>[سورة التوبة (٩): آية ٣٥]</span>\nيَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)\nيَوْمَ ظرف والتقدير يعذّبون. يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ. فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ اسم ما لم يسمّ فاعله. وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ عطف. هذا ما كَنَزْتُمْ أي يقال لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]</span>\nإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)\nإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا اسم «إنّ» وخبرها، وأعربت اثْنا عَشَرَ دون نظائرها لأن فيها حرف الإعراب أو دليله، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ابتداء وخبر وروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ذلِكَ الدِّينُ أي ذلك القضاء. فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ الأكثر أن يكون هذا للأربعة لأن أكثر ما تستعمل العرب فيما جاوز العشرة «فيها ومنها» . وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً مصدر في موضع الحال، قال أبو إسحاق: مثل هذا من المصادر عافاه الله عافية، وعاقبه عاقبة لا يثنّى ولا يجمع وكذا عامّة وخاصّة.\nقال: ومعنى كافة معنى محيطين بهم مشتقّ من كفّة الشيء وهي حرفه لأنك إذا بلغت إليه كففت عن الزيادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>[سورة التوبة (٩): آية ٣٧]</span>\nإِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)\nإِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ هكذا يقرأ أكثر الأئمة ولم يرو أحد عن نافع علمناه. إِنَّمَا النَّسِيءُ «١» بلا همز إلا ورش وحده، وهو مشتقّ من نسأه وأنسأه إذا أخره. حكى اللغتين الكسائي، فنسىء بمعنى منسؤ أو منسأ. قال أبو عبيد: وقرأها ابن\n_________\n(١) قرأ الزهري وحميد وأبو جعفر وورش عن نافع والحلواني (النسيّ) بتشديد الياء من غير همز.","vol":"2","page":117},{"text":"كثير بغير مدّ ولا همز قال أبو حاتم: قرأها ابن كثير بإسكان السين. قال أبو جعفر:\nالمعروف عن قراءة ابن كثير إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ على فعيل. قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» وقرأ الكوفيون يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وقرأ الحسن وأبو رجاء يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا «٢» بضم الياء وكسر الضاد. والقراءات الثلاث كلّ واحدة منها تؤدي عن معنى. وقال النبي ﷺ «أوتيت جوامع الكلم» «٣» فيضلّ به الذين كفروا، إلّا أنهم يحسبونه فيضلّون به، ويضلّ به الذين كفروا بمعنى المحسوب لهم، ويُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وقد حذف منه المفعول أي يضلّ به الذين كفروا من يقبل منهم. لِيُواطِؤُا نصب بلام كي فَيُحِلُّوا عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>[سورة التوبة (٩): آية ٣٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨)\nما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ الأصل تثاقلتم أدغمت التاء في الثاء لقربها منها فاحتجت إلى ألف الوصل لتصل إلى النطق بالساكن، والمعنى:\nاثّاقلتم إلى نعيم الأرض وإلى الإقامة بالأرض، والتقدير أرضيتم بنعيم الدنيا من نعيم الآخرة. فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>[سورة التوبة (٩): آية ٣٩]</span>\nإِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)\nإِلَّا تَنْفِرُوا شرط فلذلك حذفت منه النون والجواب يُعَذِّبْكُمْ. وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا عطف. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>[سورة التوبة (٩): آية ٤٠]</span>\nإِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)\nإِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ شرط ومجازاة. إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ظرف.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٤٢، ومعاني الفراء ١/ ٤٣٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٤٢، ومختصر ابن خالويه ٥٢.\n(٣) أخرجه مسلم في المساجد ٧، ٨، وأحمد في مسنده ٢/ ٢٥٠، ٣١٤، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٧٢، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٧/ ١١٣، وأبو نعيم في دلائل النبوة ١/ ١٤، والمتقي الهندي في كنز العمال ٣٢٠٦٨. [.....]","vol":"2","page":118},{"text":"ثانِيَ اثْنَيْنِ نصب على الحال أي أخرجوه منفردا من جميع الناس إلا من أبي بكر ﵁ أي أحد اثنين. قال علي بن سليمان: التقدير فخرج ثاني اثنين مثل وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا [نوح: ١٧] . إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فأشاد جلّ وعزّ بذكر أبي بكر ﵁، ورفع قدره بخروجه مع رسول الله ﷺ وبذله نفسه ولو أراد أن يهاجر آمنا لفعل، وقوله لا تَحْزَنْ فيه معنى أمنه كما قال لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [طه: ٦٨] وقال في قصة لوط ﵇ لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ [العنكبوت: ٣٣] وفي قصة إبراهيم ﷺ لا تَخَفْ [الذاريات: ٢٨] وقال إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أي ينصرنا ويمنع منا فأوجب لأبي بكر ﵁ بهذا التقى والإحسان كما قال جلّ وعزّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨] . فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ القول عند أكثر أهل التفسير وأهل اللغة أن المعنى فأنزل الله سكينته على أبي بكر لأن النبي ﷺ قد علم أنه معصوم والله جلّ وعزّ أمره بالخروج وأنه ينجيه والدليل على هذا أنه قال لأبي بكر لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فسكن أبو بكر ﵁، قال الله جلّ وعزّ فأنزل الله سكينته عليه ومعنى الفاء في العربية أن يكون الثاني يتبع الأول، فكما قال لرسول الله ﷺ لا تحزن إنّ الله معنا سكن واطمأن، وليس هذا مثل فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [الفتح: ٢٦] لأن هذا في يوم حنين لمّا اضطرب المسلمون خاف النبي ﷺ وقد علم أنه في نفسه معصوم، فلمّا أيّد الله المؤمنين ورجعوا سكن النبي ﷺ لذلك وزال خوفه الذي لحقه على المؤمنين، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها الهاء تعود على النبي ﷺ فالضميران مختلفان، وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب قال الله جلّ وعزّ أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [العلق: ١١، ١٢، ١٣] ثم قال أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى [العلق: ١٤] .\nوَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى أي وصفها بهذا، وَكَلِمَةُ اللَّهِ ابتداء.\nهِيَ الْعُلْيا ابتداء وخبر، والابتداء والخبر خبر الأول، ويجوز أن يكون «العليا» الخبر، و«وهي» فاصلة، وقرأ الحسن ويعقوب وَكَلِمَةُ اللَّهِ «١» بالنصب عطفا على الأول، وزعم الفراء أنّ هذا بعيد. قال: لأنك تقول: أعتق فلان غلام أبيه ولا تقول:\nغلام أبي فلان، وقال أبو حاتم نحوا من هذا، قال: كأن يكون وكلمته هي العليا. قال أبو جعفر: الذي ذكره الفقراء لا يشبه الآية ولكن يشبهها ما أنشده سيبويه: [الخفيف] ١٨٦-\nلا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا «٢»\nوهذا جيد حسن لأنه لا إشكال فيه بل يقول النحويون الحذّاق: إنّ في إعادة\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٥٢، والبحر المحيط ٥/ ٤٦.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٧٠) .","vol":"2","page":119},{"text":"الذّكر في مثل هذا فائدة وهي أنّ فيه معنى التعظيم. قال الله جلّ وعزّ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة: ١، ٢] فهذا لا إشكال فيه. وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1066>[سورة التوبة (٩): آية ٤١]</span>\nانْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)\nانْفِرُوا حكى الأخفش «انفروا»، خِفافًا وَثِقالًا نصب على الحال، وفيه قولان: أحدهما أنه منسوخ بقوله فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة:\n١٢٢]، والآخر أنه غير منسوخ لأن الجهاد فرض إلّا أنّ بعض المسلمين يحمله عن بعض فإذا وقع الاضطرار وجب الجهاد على كلّ أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>[سورة التوبة (٩): آية ٤٢]</span>\nلَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢)\nلَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا خبر كان. وَسَفَرًا قاصِدًا عطف عليه. لَاتَّبَعُوكَ وهذه الكناية للمنافقين لأنهم داخلون فيمن خوطب بالنفير. وهذا موجود في كلام العرب يذكرون الجملة ثم يأتون بالإضمار عائدا على بعضها كما قيل في قول الله جلّ وعزّ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] إنها القيامة ثم قال جلّ وعزّ: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [مريم: ٧٢] يعني جلّ وعزّ جهنم. حكى أبو عبيدة «١»:\nإنّ الشُّقَّةُ السفر، وحكى الكسائي: إنه يقال: شقّة وشقّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>[سورة التوبة (٩): آية ٤٣]</span>\nعَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣)\nعَفَا اللَّهُ عَنْكَ في معناه قولان: أحدهما أنه افتتاح الكلام كما تقول: أصلحك الله كان كذا وكذا، والقول الآخر وهو أولى لأن المعنى عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم ويدلّ على هذا لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ لأنه لا يقال: لم فعلت ما أمرتك به؟\nوالأصل «لما» حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر، وأنّ «ما» قد اتّصلت باللام ولا يوقف عليها إلّا بالهاء لمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nلا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)\nلا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا في موضع نصب. قال\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن ١/ ٢٦٠.","vol":"2","page":120},{"text":"أبو إسحاق: التقدير في أن يجاهدوا، وقال غيره: هذا غلط وإنما المعنى ضدّ هذا ولكن التقدير إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ في التّخلّف لئلّا يجاهدوا، وحقيقته في العربية كراهة أن لا يجاهدوا كما قال جلّ وعزّ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ٧٦] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٦ الى ٤٧]</span>\nوَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)\nوَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ لأنهم قالوا إن يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرّضنا على المسلمين ويدلّ على هذا أن بعده لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا، فَثَبَّطَهُمْ الله جلّ وعزّ. وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ يكون التقدير قال لهم النبي ﷺ ويكون هذا هو الإذن الذي تقدّم ذكره وقيل: المعنى وقال لهم أصحابهم هذا.\nيَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ مفعول ثان، والمعنى: يطلبون لكم الفتنة أي الإفساد والتحريض، ويقال: بغيته كذا أي أعنته على طلبه وبغيته كذا طلبته له.\nلَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ أي لقد طلبوا الإفساد من قبل أن يظهر أمرهم وينزل الوحي بما أسرّوه وبما سيفعلونه لأنه قال جلّ وعزّ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ [براءة: ٩٥] أخبر بعيبهم وقلّبوا لك الأمور أي دبّروا واحتالوا في التضريب والإفساد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1071>[سورة التوبة (٩): آية ٤٩]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩)\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي من أذن يأذن فإذا أمرت زدت همزة مكسورة وقبلها همزة هي فاء الفعل ولا يجتمع همزتان فأبدلت من الثانية ياء لكسرة ما قبلها فقلت:\nائذن لي، فإذا وصلت زالت العلّة في الجمع بين همزتين فهمزت فقلت: ومنهم من يقول أذن لي «١» وروى ورش عن نافع ومنهم من يقول اذن لي خفّف «٢» الهمزة.\nقال أبو جعفر: يقال: ائذن لفلان ثم ائذن لفلان وهجاء الأول والثاني واحد بألف وباء قبل الذال في الخطّ فإن قلت: ائذن لفلان وأذن لغيره كان الثاني بغير ياء، وكذلك الفاء\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٥٢.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٥٢.","vol":"2","page":121},{"text":"والفرق بين ثم والفاء والواو أنّ ثم يوقف عليها وينفصل والفاء والواو لا يوقف عليها ولا ينفصلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1072>[سورة التوبة (٩): آية ٥٠]</span>\nإِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)\nإِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ شرط ومجازاة وكذا وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا عطف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>[سورة التوبة (٩): آية ٥١]</span>\nقُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)\nقُلْ لَنْ يُصِيبَنا نصب بلن وحكى أبو عبيدة أن من العرب من يجزم بها. وقرأ طلحة بن مصرّف هل يصيبنا «١» وروي عن أعين قاضي الري أنه قرأ قل لن يصبّنا «٢» بنون مشدّدة وهذا لحن لا يؤكّد بالنون ما كان خبرا ولو كان هذا في قراءة طلحة لجاز، قال الله جلّ وعزّ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ [الحج: ١٥] . ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ما في موضع رفع. هُوَ مَوْلانا ابتداء وخبر، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ جزم لأنه أمر وكسرت اللام الثانية لالتقاء الساكنين، وإن شئت كسرت الأولى على الأصل والتسكين لثقل الكسرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>[سورة التوبة (٩): آية ٥٢]</span>\nقُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)\nقُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا والكوفيون يدغمون اللام في التاء، فأما لام المعرفة فلا يجوز معها إلّا الإدغام كما قال جلّ وعزّ التَّائِبُونَ [التوبة: ١١٢] لكثرة لام المعرفة في كلامهم، ولا يجوز الإدغام في قوله قُلْ تَعالَوْا [الانعام: ١٥١] لأن قل معتلّ يجمعوا عليه علتين. وواحد الْحُسْنَيَيْنِ الحسنى والجمع الحسن ولا يجوز أن ينطق به إلّا معرّفا، لا يقال: رأيت امرأة حسنى. وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ في موضع نصب بنتربّص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>[سورة التوبة (٩): آية ٥٣]</span>\nقُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٣)\nقُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا مصدر في موضع الحال ولفظ أنفقوا لفظ أمر، ومعناه الشرط والمجازاة. وهكذا تستعمل العرب في مثل هذا تأتي بأو كما: [الطويل]\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٥٢، وهي قراءة ابن مسعود أيضا.\n(٢) انظر المختصر لابن خالويه ٥٣، والمحتسب ١/ ٢٩٤.","vol":"2","page":122},{"text":"١٨٧-\nأسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت «١»\nوالمعنى: إن أسأت أو أحسنت فنحن لك على ما تعرفين، ومعنى الآية: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يقبل منكم ثم بيّن جلّ وعزّ لم لم يقبل منهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>[سورة التوبة (٩): آية ٥٤]</span>\nوَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤)\nأَنْ الأولى في موضع نصب والثانية في موضع رفع، والمعنى وما منعهم من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا كفرهم، وقرأ الكوفيون أن يقبل منهم نفقاتهم «٢» لأن النفقات والانفاق واحد. قال أبو إسحاق: ويجوز وما منعهم أن يقبل منهم نفقاتهم إِلَّا أَنَّهُمْ بمعنى وما منعهم من أن يقبل الله نفقاتهم إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا فإن الأولى والثانية في موضع نصب ويجوز عند سيبويه أن يكونا في موضع جر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>[سورة التوبة (٩): آية ٥٧]</span>\nلَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)\nلَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً كذا الوقف عليه وفي الخط بألفين الأولى همزة والثانية عوض من التنوين وكذا رأيت جزأا. أَوْ مَغاراتٍ من غار يغير. قال الأخفش: ويجوز مَغاراتٍ «٣» من أغار يغير كما قال: [البسيط] ١٨٨-\nالحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبّحنا ربّي ومسّانا «٤»\nأَوْ مُدَّخَلًا فيه خمس قراءات «٥»: هذه إحداها، وروي عن قتادة وعيسى والأعمش أَوْ مُدَّخَلًا بتشديد الدال والخاء، وفي حرف أبيّ أو متدخّلا «٦» وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن أو مدخلا بفتح الميم وإسكان الدال. قال أبو إسحاق: ويقرأ أو مدخلا بضم الميم وإسكان الدال. قال أبو جعفر: الأصل في مدّخل مدتخل، قلبت التاء دالا لأن الدال مجهورة والتاء مهموسة وهما من مخرج\n_________\n(١) الشاهد لكثير عزّة في ديوانه ص ١٠١، ولسان العرب (سوأ) و(حسن)، و(قلا)، والتنبيه والإيضاح ١/ ٢١، وتهذيب اللغة ٤/ ٣١٨، والأغاني ٩/ ٣٨، وأمالي القالي ٢/ ١٠٩، وتزيين الأسواق ١/ ١٢٤، وتاج العروس (سوأ)، و(قلي) .\n(٢) انظر تيسير الداني ٩٧.\n(٣) وهذه قراءة سعد بن عبد الرحمن بن عوف، انظر البحر المحيط ٥/ ٥٦، ومختصر ابن خالويه ٥٣.\n(٤) الشاهد لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص ٦٢، والكتاب ٤/ ٢١٠، وإصلاح المنطق ١٦٦، والأغاني ٤/ ١٣٢، وخزانة الأدب ١/ ٢٤٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٩٢، وشرح المفصل ٦/ ٥٣، ولسان العرب (مسا)، وبلا نسبة في شرح المفصل ٦/ ٥٠.\n(٥) انظر البحر المحيط ٥/ ٥٦، ومختصر ابن خالويه ٥٣.\n(٦) في البحر المحيط ٥/ ٥٦ «وقرأ أبيّ مندخلا» بالنون من (اندخل) .","vol":"2","page":123},{"text":"واحد، والأصل الأولى في مدّخّل مدتخّل، وقيل الأصل فيه متدخّل على متفعّل، كما في قراءة أبيّ. ومعناه دخول بعد دخول أي قوما يدخلون معهم، ومدخل من دخل، ومدخل من أدخل كذا المصدر والمكان والزمان كما أنشد سيبويه: [الطويل] ١٨٩-\nمغار ابن همّام على حيّ خثعما «١»\nوَهُمْ يَجْمَحُونَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>[سورة التوبة (٩): آية ٥٨]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)\nوقرأ الأعرج ومنهم من يلمزك «٢» بضم الميم والأكثر في المتعدي يفعل بكسر العين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]</span>\nإِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)\nفَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ مصدر. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ابتداء وخبر. قال الفراء «٣»:\nويجوز «فريضة من الله»، بمعنى ذلك فريضة من الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>[سورة التوبة (٩): آية ٦١]</span>\nوَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١)\nوَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ الَّذِينَ في موضع رفع. يُؤْذُونَ مهموز لأنه من آذى، وإن شئت خفّفت الهمزة فأبدلت منها واوا. وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ابتداء وخبر وكذا قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ على قراءة الحسن، وقرأ أهل الكوفة قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ وقرءوا وَرَحْمَةٌ خفضا عطف على خير، وهذا عند أهل العربية لأنه قد باعد بين الاسمين وهذا يقبح في المخفوض، والرفع عطفا على أذن، والتقدير قل هو أذن خير وهو رحمة أي هو مستمع خير لكم أي مستمع ما يجب استماعه وقابل ما يجب أن يقبله وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله جلّ وعزّ ويقولون هو أذن قال مستمع\n_________\n(١) الشاهد لحميد بن ثور في الكتاب ١/ ٢٩٢، والأشباه والنظائر ٢/ ٣٩٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٤٧، وليس في ديوانه، وللطماح بن عامر كما في حاشية الخصائص ٢/ ٢٠٨، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص ٣٥١، والخصائص ٢/ ٢٠٨، وشرح المفصل ٦/ ١٠٩، ولسان العرب (لحسن) و(علق)، والمحتسب ٢/ ١٢١، وصدره:\n«وما هي إلّا في إزار وعلقة» [.....]\n(٢) هذه قراءة يعقوب وحماد بن سلمة عن ابن كثير والحسن وأبي رجاء، انظر البحر المحيط ٥/ ٥٧.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٤٤٤.","vol":"2","page":124},{"text":"وقائل. قال: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ يصدّق بالله ويصدّق المؤمنين. قال أبو جعفر:\nفاللام على هذا زائدة عند الكوفيين ومثله هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف: ١٥] وعند محمد بن يزيد متعلّقة بمصدر دلّ عليه الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>[سورة التوبة (٩): آية ٦٢]</span>\nيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)\nوَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ابتداء وخبر، فيذهب سيبويه أن التقدير والله أحق أن يرضوه ورسوله أحقّ أن يرضوه ثم حذف، وقال محمد بن يزيد ليس في الكلام حذف. والتقدير والله أحق أن يرضوه ورسوله على التقديم والتأخير، وقال الفراء «١»:\nالمعنى أحقّ أن يرضوه والله افتتاح كلام كما تقول ما شاء الله وشئت. قال أبو جعفر:\nوقول سيبويه أولاها لأنه قد صحّ عن النبي ﷺ النهي عن أن يقال ما شاء الله وشئت ولا يقدّر في شيء تقديم ولا تأخير ومعناه صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>[سورة التوبة (٩): آية ٦٣]</span>\nأَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)\nأَلَمْ يَعْلَمُوا حذفت النون للجزم. أَنَّهُ في موضع نصب بيعلموا والهاء كناية عن الحديث، مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ في موضع رفع بالابتداء. فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ يقال:\nما بعد الفاء في الشرط مبتدأ فكان يجب أن يكون «فإنّ له» بكسر إنّ فللنحويين في هذا أربعة أقوال: مذهب الخليل وسيبويه «٢» أنّ «أن» الثانية مبدلة من الأولى، وزعم أبو العباس «٣» أنّ هذا القول مردود وأنّ الصحيح ما قال الجرمي قال: إنّ الثانية مكررة للتوكيد، ونظيره وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ [النمل: ٥]، وكذا فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها [الحشر: ١٧] . قال الأخفش «٤»: المعنى فوجوب النار له. قال أبو العباس: قول الأخفش هذا خطأ لأنه يبتدئ أنّ ويضمر الخبر. وقال علي بن سليمان: المعنى: فالواجب أنّ له نار جهنم، وأجاز الخليل وسيبويه فإنّ له نار جهنّم بالكسر. قال سيبويه: وهو جيد وأنشد «٥»: [الطويل] ١٩٠-\nوعلمي بأسدام المياه فلم تزل ... قلائص تخدي في طريق طلائح «٦»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٤٥.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ١٥٣.\n(٣) انظر المقتضب ٢/ ٣٥٦.\n(٤) انظر المقتضب ٢/ ٣٥٧.\n(٥) البيتان لتميم بن مقبل في ديوانه ٤٥، والكتاب ٣/ ١٥٥، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١١٦، وشرح الشواهد للشنتمري ١/ ٤٦٧.\n(٦) أسدام: جمع سدم: وهو الماء المتغيّر طعمه ولونه لقلّة الواردين. والقلائص: جمع القلوص: الناقة الفتيّة الشابة. والطلائح: جمع الطليحة: الناقة المعيية لطول السفر. وتخدي: تسرع.","vol":"2","page":125},{"text":"وأنّي إذا ملّت ركابي مناخها ... فإني على حظّي من الأمر جامح «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>[سورة التوبة (٩): آية ٦٤]</span>\nيَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤)\nيَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ خبر ويدلّ على أنه أنّ بعده إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ لأنهم كفروا عنادا وقيل: هو بمعنى الأمر كما يقال يفعل ذلك. أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ في موضع نصب أي من أن تنزل عليهم، ويجوز على قول سيبويه أن يكون في موضع خفض على حذف «من»، ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنها مفعولة لأنّ سيبويه أجاز حذرت زيدا وأنشد: [الكامل] ١٩١-\nحذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار «٢»\nوهذا عند أبي العباس مما غلط فيه سيبويه ولا يجوز عنده أنا حذر زيدا لأن حذرا شيء في الهيئة فلا يتعدّى. قال أبو جعفر: حدّثنا علي بن سليمان قال: سمعت محمد بن يزيد يقول: حدّثني أبو عثمان المازني قال: قال لي اللاحقي: لقيني سيبويه فقال لي: أتعرف في إعمال فعل شرا؟ ولم أكن أحفظ في ذلك: [الكامل]\nحذر أمورا لا تصير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1084>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فأعلم الله جلّ وعزّ أنهم قد كفروا فقال: لا تَعْتَذِرُوا أي لا تعتذروا بقولكم إنما كنّا نخوض ونلعب. قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ ثم قال جلّ وعزّ: قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ حذفت الألف للجزم. قال الكسائي: وقرأ زيد بن ثابت إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بالنون ونصب طائفة بنعذّب، وكذا قرأ أبو عبد الرحمن وعاصم، وقرأ الجحدري إن يعف عن طائفة بفتح الياء وضم الفاء يعذّب «٣» بضم الياء وكسر الذال طائِفَةٍ نصب بالفعل. والمعنى إن يعف عن طائفة قد تابت يعذّب طائفة لم تتب. وحكى أهل اللغة منهم الفراء «٤» أنه يقال للواحد: طائفة وأنه يقال: أكلت طائفة من الشّاة أي قطعة.\nقال أبو إسحاق: ويروى أن هاتين الطائفتين كانتا ثلاثة اثنان هزئا وواحد ضحك فجاء\n_________\n(١) الجامح: الماضي على وجهه.\n(٢) مرّ الشاهد رقم ١٢١.\n(٣) انظر البحر المحيط ٥/ ٦٨.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٤٤٥.","vol":"2","page":126},{"text":"واحد لطائفة، كما يقال: جاءتني طائفة أي رجل واحد، وتقديره في العربية: جاءتني نفس طائفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>[سورة التوبة (٩): آية ٦٧]</span>\nالْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧)\nالْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ ابتداء. بَعْضُهُمْ ابتداء ثان ويجوز أن يكون بدلا ويكون الخبر من بعض. قال أبو إسحاق: هذا متّصل بقوله: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ [التوبة: ٥٦] أي ليسوا من المؤمنين ولكن بعضهم من بعض أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وقبض أيديهم عن الجهاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1086>[سورة التوبة (٩): آية ٦٨]</span>\nوَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨)\nخالِدِينَ نصب على الحال. هِيَ حَسْبُهُمْ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>[سورة التوبة (٩): آية ٦٩]</span>\nكَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩)\nكَالَّذِينَ قال أبو إسحاق: الكاف في موضع نصب أي وعد الله الكفار نار جهنّم وعدا كما وعد الذين من قبلهم. كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً خبر كان ولم ينصرف لأنه أفعل صفة الأصل فيه أشدد أي كانوا أشدّ منكم قوة فلم يتهيأ لهم دفع عذاب الله جلّ وعزّ فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ أي انتفعوا بنصيبهم من الدنيا كما فعل الذين من قبلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>[سورة التوبة (٩): آية ٧٠]</span>\nأَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)\nأَلَمْ يَأْتِهِمْ حذف الياء للجزم. نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ رفع بيأتي. قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ بدل، ومن لم يصرف ثمود جعله اسما للقبيلة، وَالْمُؤْتَفِكاتِ قيل يراد به قوم لوط لأن أرضهم ايتفكت بهم أي انقلبت، وقيل: المؤتفكات كلّ من أهلك كما يقال: انقلبت عليه الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>[سورة التوبة (٩): آية ٧٢]</span>\nوَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)","vol":"2","page":127},{"text":"وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ابتداء وخبر أي أكبر من نعيمهم ويجوز في غير القرآن النصب لأن هذا مما وعدوا به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>[سورة التوبة (٩): آية ٧٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)\nجاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ كسرت الدال لالتقاء الساكنين والفعل غير معرب ولا يكون فعل الأمر إلا مستقبلا عند جميع النحويين، وكذا سيفعل وسوف يفعل فأما يفعل فقد اختلف فيه النحويون فالبصريون يقولون يكون مستقبلا وحالا. والكوفيون يقولون:\nيكون مستقبلا لأن هذه الزوائد إنما جيء بها علامة للاستقبال، وفاعل عند البصريين كيفعل، وهو عند الكوفيين للحال إلّا أن يكون مجازا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>[سورة التوبة (٩): آية ٧٤]</span>\nيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)\nوَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ يدلّ على أن المنافقين كفار وفي قوله:\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [المنافقون: ٣] دليل قاطع. وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ (أن) في موضع نصب. فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ شرط ومجازاة، وكذا وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>[سورة التوبة (٩): آية ٧٥]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)\nوَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ في موضع رفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1093>[سورة التوبة (٩): آية ٧٧]</span>\nفَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)\nفَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا مفعولان. إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ في موضع خفض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>[سورة التوبة (٩): آية ٧٩]</span>\nالَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)\nالَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ في موضع رفع بالابتداء والأصل المتطوّعين أدغمت التاء في الطاء. وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ في موضع خفض عطف على المؤمنين ولا يجوز أن يكون عطفا على المطّوّعين لأنك لو عطفت عليهم","vol":"2","page":128},{"text":"لعطفت على الاسم قبل أن يتمّ لأن فَيَسْخَرُونَ عطف على يلمزون. سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ خبر الابتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>[سورة التوبة (٩): آية ٨١]</span>\nفَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)\nفَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ مفعول من أجله وإن شئت كان مصدرا.\nقُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ ابتداء وخبر. حَرًّا على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>[سورة التوبة (٩): آية ٨٢]</span>\nفَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)\nفَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا أمر فيه معنى التهديد، والأصل أن تكون اللام مكسورة فحذفت الكسرة لثقلها، قَلِيلًا وكَثِيرًا نصب على أنهما نعت لظرف أو لمصدر جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ مفعول من أجله للجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>[سورة التوبة (٩): آية ٨٤]</span>\nوَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤)\nوَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ حذفت لأنه مجزوم بلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1098>[سورة التوبة (٩): آية ٨٦]</span>\nوَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦)\nوَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا في موضع نصب أي بأن آمنوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1099>[سورة التوبة (٩): آية ٨٧]</span>\nرَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧)\nرَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ جمع خالفة أي النساء وقد يقال للرجل: خالفة وخالف إذا كان غير نجيب، إلّا أنّ فواعل جمع فاعلة ولا يجمع فاعل صفة على فواعل إلا في الشعر إلّا في حرفين وهما فارس وهالك فأما هالك فعلى المثل وأما فارس فلا يشكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1100>[سورة التوبة (٩): آية ٨٨]</span>\nلكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)\nلكِنِ الرَّسُولُ ابتداء. وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ عطف عليه. جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في موضع الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1101>[سورة التوبة (٩): آية ٨٩]</span>\nأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)\nذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ابتداء وخبر.","vol":"2","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1102>[سورة التوبة (٩): آية ٩٠]</span>\nوَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠)\nوَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ قرأ الأعرج والضحاك الْمُعَذِّرُونَ «١» ورويت هذه القراءة عن ابن عباس رواها أصحاب القراءات إلّا أنّ مدارها على الكلبي. وهي من أعذر إذا بالغ في العذر. وأما المعذّرون بالتشديد ففيه قولان: قال الأخفش والفراء «٢» وأبو حاتم وأبو عبيد: الأصل المعتذرون ثم أدغمت فألقيت حركة التاء على العين ويجوز عندهم المعذّرون بضمّ العين لالتقاء الساكنين ولأن ما قبلها ضمّة ويجوز المعذّرون الذين يعتذرون ولا عذر لهم. قال أبو العباس محمد بن يزيد: ولا يجوز أن يكون فيه المعتذرين ولا يجوز الإدغام فيقع اللبس وذكر إسماعيل بن إسحاق أن الإدغام مجتنب على قول الخليل وسيبويه وأن سياق الكلام يدلّ أنّهم مذمومون لا عذر لهم. قال لأنهم جاءوا لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ولو كانوا من الضعفاء والمرضى أو الذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا أن يستأذنوا. قال أبو جعفر: أصل المعذرة والإعذار والتعذير من شيء واحد وهو مما يصعب ويتعذّر، وقول العرب «من عذير من فلان» معناه: قد أتى أمرا عظيما يستحقّ أن أعاقبه عليه ولم يعلم الناس به فمن يعذرني إن عاقبته. لِيُؤْذَنَ لَهُمْ نصب بلام كي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1103>[سورة التوبة (٩): آية ٩١]</span>\nلَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)\nوَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ اسم ليس. ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ في موضع رفع اسم (ما) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>[سورة التوبة (٩): آية ٩٢]</span>\nوَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢)\nوَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ الجملة في موضع نصب على الحال. حَزَنًا مصدر. أَلَّا يَجِدُوا نصب بأن. قال الفراء «٣» ويجوز «أن لا يجدون» يجعل «لا» بمعنى ليس، فهو عند البصريين بمعنى أنّهم لا يجدون.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٤٨، والبحر المحيط ٥/ ٨٦، وهذه قراءة زيد بن علي وأبي صالح وعيسى بن هلال ويعقوب والكسائي.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٤٤٨. [.....]\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٤٤٨.","vol":"2","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1105>[سورة التوبة (٩): آية ٩٣]</span>\nإِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣)\nرَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ أي النساء اللواتي يخلفن أزواجهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>[سورة التوبة (٩): آية ٩٧]</span>\nالْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)\nالْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا نصب على البيان. وَنِفاقًا عطف عليه. وَأَجْدَرُ عطف على أشدّ أَلَّا في موضع نصب بأن كما يقال: أنت خليق أن تفعل ولا يجوز أنت خليق الفعل. قال أبو إسحاق: لأن «ما» بعد أن يدلّ على أنّ الفعل مستقبل يجعل الحذف عوضا، وقال غيره: الحذف لطول الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1107>[سورة التوبة (٩): آية ٩٨]</span>\nوَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)\nوَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ في موضع رفع بالابتداء. ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا مفعولان، والتقدير: ينفقه حذفت الهاء لطول الاسم. عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ هذه قراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة إلّا أن مجاهدا وأبا عمرو وابن محيصن قرءوا دائِرَةُ السَّوْءِ «١» بضم السين وأجمعوا على فتح السين في قوله جلّ وعزّ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ [مريم: ٢٨] والفرق بينهما- وهو قول الأخفش والفراء: أن السّوء بالضم المكروه.\nقال الأخفش: أي عليهم دائرة الهزيمة والشرّ. قال الفراء: أي عليهم دائرة العذاب والبلاء قالا: ولا يجوز امرأ سوء بالضم كما لا يقال: هو امر عذاب ولا شرّ، وحكي عن محمد بن يزيد قال: السوء بالفتح الرداءة قال: وقال سيبويه: مررت برجل صدق.\nمعناه برجل صلاح، وليس من صدق اللسان ولو كان من صدق اللسان لما قلت:\nمررت بثوب صدق ومررت برجل سوء ليس هو من مصدر سؤته سوءا ومساءة وسوائية ومسائية «٢» سؤته، وإنما معناه مررت برجل فساد، وقال الفراء: السّوء بالفتح مصدر سؤته سوءا ومساءة وسوائية ومسائية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1108>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٩ الى ١٠٠]</span>\nوَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٩٧، ومعاني الفراء ١/ ٤٤٩، والبحر المحيط ٥/ ٩٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٤٥٠.","vol":"2","page":131},{"text":"قُرُباتٍ الواحدة قربة والجمع قرب وقربات وقربات وقد ذكرنا علله.\nقال أبو جعفر: قال الأخفش: ويقال: قربة. وحكى ابن سعدان أن يزيد بن القعقاع قرأ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ «١» .\nوروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ «٢» رفعا عطفا على السابقين. قال الأخفش: الخفض في الأنصار الوجه لأنه السابقين منهما. أَبَدًا ظرف زمان ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>[سورة التوبة (٩): آية ١٠١]</span>\nوَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١)\nوَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ ابتداء أي قوم منافقون. وقد ذكرنا أنّ المنافق مشتقّ من النافقاء، وفي الحديث «المنافق الذي إذا حدّث كذّب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان» «٣» . وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ يكون قولك مردوا نعتا للمنافقين، ويجوز أن يكون تقديره ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٣]</span>\nخُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)\nخُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وهي الزكاة المفروضة فيما روي وفيها خمسة أوجه: قال أبو إسحاق: الأجود أن تكون المخاطبة للنبي ﷺ أي فإنك تطهّرهم وتزكّيهم بها، ويجوز أن يكون في موضع الحال. قال الأخفش: ويجوز أن تكون للصدقة، ويكون اتَّبَعُوهُمْ توكيدا، ويجوز أن يكون تطهّرهم للصدقة وتزكّيهم للنبي ﷺ، والوجه الخامس أن تجزم على جواب الأمر كما قال امرؤ القيس: [الطويل] ١٩٢-\nقفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان «٤»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٩٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٩٦، وهذه قراءة الحسن وعيسى الكوفي وسلام وسعيد بن أبي سعيد وطلحة ويعقوب والأنصار جميعا.\n(٣) أخرجه الترمذي في سننه باب الإيمان ١٠/ ٩٧.\n(٤) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ١٧٣ (دار صادر) وعجزه:\n«ورسم عفت آياته منذ أزمان»","vol":"2","page":132},{"text":"وَصَلِّ عَلَيْهِمْ فيه جوابان: أحدهما أنه منسوخ بقوله جلّ وعزّ وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا [التوبة: ٨٤]، والآخر أنه غير منسوخ وأنّ المعنى وادع لهم إذا جاءوك بالصدقات، وكذا كان النبي ﷺ يفعل والعلماء على هذا ويدلّ عليه إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ أي إذا دعوت لهم حين يأتونك بصدقاتهم سكّن ذلك قلوبهم وفرحوا وبادروا رغبة في دعاء النبي ﷺ. وحكى أهل اللغة جميعا فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء، ومنه الصلاة على الجنازة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1111>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٤]</span>\nأَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)\nأَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ فتحت (أنّ) يعلموا، ولو كان في خبرها اللام لكسرتها وهي فاصلة وإن شئت مبتدأة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٥]</span>\nوَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)\nوَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ هذا من رؤية العين لا غير لأنه لم يتعدّ إلا إلى مفعول واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1113>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٦]</span>\nوَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)\nوَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ معطوف والتقدير ومنهم آخرون مرجئون لأمر الله من أرجأته أخّرته، ومنه قيل: المرجئة لأنهم أخّروا العمل، ومن قرأ مُرْجَوْنَ «١» فله تقديران: أحدهما أن يكون من أرجيته، وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: لا يقال: أرجيته بمعنى أخّرته ولكن يكون من الرجاء. إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ «إما» في العربية لأحد الأمرين، والله جلّ وعزّ عالم بمصير الأشياء ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون أي ليكن أمرهم عندكم على الرجاء لأنه ليس للعباد أكثر من هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٧]</span>\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧)\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا معطوف أي: ومنهم الذين اتخذوا مسجدا، ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء، ومن قرأ الَّذِينَ بلا واو وهي قراءة المدنيين فهو\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ١٠١، وتيسير الداني ٩٧.","vol":"2","page":133},{"text":"عنده رفع بالابتداء لا غير، وفي الخبر قولان: زعم الكسائي أن التقدير: الذين اتخذوا مسجدا لا تقم فيه أبدا أي لا تقم في مسجدهم كما قال: [السريع] ١٩٣-\nمن باب من يغلق من داخل «١»\nقال: يريد من باب من يغلق بابه من داخل. قال أبو جعفر: هذا خطأ عند البصريين ولا يجوز في شعر ولا غيره ولو جاز هذا لقلت: الذي اشتريت عمرو بمعنى الذي اشتريت داره عمرو. قال أبو جعفر: يكون خبر الابتداء لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم. ضِرارًا مصدر مفعول من أجله. وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا عطف كله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٨]</span>\nلا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)\nلَمَسْجِدٌ ابتداء. أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى نعت. أَحَقُّ خبر الابتداء. أَنْ تَقُومَ فِيهِ في موضع نصب أي بأن تقوم فيه. قال سعيد بن المسيب: المسجد الذي أسّس على التقوى مسجد المدينة الأعظم، وروي عن ابن عباس أنه مسجد قباء، وكذا قال الضحاك وقد ذكرنا الحديث عن النبي ﷺ أنه سئل عنه فقال: هو مسجدي هذا. فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا قال الشّعبي: هم أهل مسجد قباء أنزل الله جلّ وعزّ فيهم هذا.\nقال أبو جعفر: يكون على قول الشعبي فيه لمسجد قباء ويكون الضميران مختلفين، وقد يجوز أن يكونا متّفقين ويكونا لمسجد النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٩]</span>\nأَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)\nأَفَمَنْ أَسَّسَ «٢» بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ من بمعنى الذي وهو في موضع رفع بالابتداء وخبره خَيْرٌ، أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عطف على الأولى، وهذه قراءة زيد بن ثابت وبها قرأ نافع. وفيه أربع قراءات سوى هذه القراءة: قرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع وأبو عمرو وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ بفتح الهمزة ونصب البنيان وهو اختيار أبي عبيد لكثرة من قرأ به وأن الفاعل\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في الدرر ١/ ٢٩٨، وهمع الهوامع ١/ ٩٠، وشرح جمل الزجاجي لابن عصفور ١/ ٨٢، ويروى هكذا:\n«أعوذ بالله وآياته ... من باب من يغلق من خارج»\n(٢) هذه قراءة نافع وابن عامر، انظر البحر المحيط ٥/ ١٠٣، وتيسير الداني ٩٨.","vol":"2","page":134},{"text":"سمّي فيه، وقرأ نصر بن عاصم أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ «١» رفع أسسا بالابتداء وخفض بنيانه بالإضافة والخبر عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ والجملة في الصلة وأسس وأسّ بمعنى واحد مثل عرب وعرب. قال أبو حاتم: وقرأ بعض القرّاء افمن أساس بنيانه «٢» . قال أبو جعفر: أساس واحد وجمعه أسس، والقراءة الخامسة حكاها أبو حاتم أيضا وهي افمن أساس بنيانه «٣» وهذا جمع أسّ كما يقال: خفّ وأخفاف والكثير أساس مثل خفاف وقال الشاعر: [الخفيف] ١٩٤-\nأصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العبّاس «٤»\nخَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ مثل الأول. عَلى شَفا والتثنية شفوان والجمع أشفاء وشفيّ وشفيّ وجرف وجرفة هار، والأصل هائر، وزعم أبو حاتم أن الأصل فيه هاور ثم يقال: هائر مثل صائم ثم يقلب فيقال: هار، وزعم الكسائي أنه يكون من ذوات الواو ومن ذوات الياء وأنه يقال: تهوّر وتهيّر. وحكى أبو عبيد أنّ أبا عمرو بن العلا كان يحبّ أن يميل إذا كانت الراء مكسورة بعد ألف فإن كانت مفتوحة أو مضمومة لم يمل. قال أبو جعفر: هذا قول الخليل وسيبويه «٥» والعلّة عندهما في ذلك أنّ الراء إذا كانت مكسورة فكأنّ فيها كسرتين للتكرير الذي فيها فحسنت الإمالة فإذا كانت مفتوحة فكأنّ فيها فتحتين فلا تجوز الإمالة وكذا إذا كانت مضمومة نحو وَبِئْسَ الْقَرارُ [إبراهيم: ٢٩]، وأما «كافر» فإنما أميل لكسرة الفاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>[سورة التوبة (٩): آية ١١٠]</span>\nلا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)\nرِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ خبر لا يزال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>[سورة التوبة (٩): آية ١١١]</span>\nإِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)\nبِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ اسم أنّ. وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا مصدران مؤكّدان. وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ مِنَ في موضع رفع بالابتداء وخبره أَوْفى.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ١٠٣، ومختصر ابن خالويه ٥٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ١٠٣، ومختصر ابن خالويه ٥٥.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٤٥٢.\n(٤) الشاهد للحافظ ابن حجر في تاج العروس (بهل)، ولسديف بن ميمون في طبقات الشعراء لابن المعتز ٣٩. [.....]\n(٥) انظر الكتاب ٤/ ٢٤٨.","vol":"2","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1119>[سورة التوبة (٩): آية ١١٢]</span>\nالتَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)\nالتَّائِبُونَ رفع على إضمار مبتدأ عند أكثر النحويين أي هم التائبون وفيه قولان سوى هذا: قال أبو إسحاق يجوز أن يكون بدلا أي يقال التائبون، قال: ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء قال: وهو أحسن عندي، ويكون التقدير التائبون لهم الجنة وفي قراءة عبد الله التائبين العابدين الحامدين «١» وفيه تقديران يكون نعتا للمؤمنين في موضع خفض ويكون منصوبا على المدح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1120>[سورة التوبة (٩): آية ١١٤]</span>\nوَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)\nوَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ اسم كان، والخبر إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ والموعدة عند العلماء كانت من أبي إبراهيم لإبراهيم ﵇. قال أبو إسحاق: يروى أنّه وعده أنّه يسلم فاستغفر له، وقال غيره: لا يجوز أن يكون استغفر له إلّا وقد أسلم ولكنّه وعده أنّه يظهر إسلامه فاستغفر له فلمّا لم يظهره تبيّن له أنّه عدوّ لله فتبرّأ منه. قال أبو إسحاق: لما أقام على الكفر تبيّن له أنه عدو لله، وروى سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: فلمّا تبيّن له أنه عدوّ لله، قال مات كافرا. إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ اسم أنّ وخبرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1121>[سورة التوبة (٩): آية ١١٧]</span>\nلَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧)\nالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في موضع خفض على النعت للمهاجرين والأنصار، مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ سيبويه «٢» يجوز أن ترفع القلوب بتزيغ ويضمر في كاد الحديث، وإن شئت رفعتها بكاد، ويكون التقدير من بعد ما كان قلوب فريق منهم تزيغ، وزعم أبو حاتم أنّ من قرأ «يزيغ» «٣» بالياء فلا يجوز له أن يرفع القلوب بكاد.\nقال أبو جعفر: والذي لم يجزه جائز عند غيره على تذكير الجميع. حكى الفراء:\nرحبت البلاد وأرحبت، ورحبت لغة أهل الحجاز.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٥٣، والبحر المحيط ٥/ ١٠٦.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ١١٩.\n(٣) هذه قراءة حمزة وحفص، انظر البحر المحيط ٥/ ١١١، وتيسير الداني ٩٨.","vol":"2","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1122>[سورة التوبة (٩): آية ١١٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي مع النبي ﷺ ومن اتّبعه وروى شعبة عن عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: الكذب ليست فيه رخصة اقرءوا إن شئتم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أهل ترون في الكذب رخصة لأحد؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1123>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٠]</span>\nما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)\nأَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ اسم كان. ذلِكَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ رفع بيصيبهم أي عطش. وَلا نَصَبٌ عطف أي تعب و«لا» زائدة للتوكيد وكذا وَلا مَخْمَصَةٌ أي مجاعة. وَلا يَطَؤُنَ عطف على يصيبهم يَغِيظُ في موضع نصب لأنه نعت لموطئ أي غائظا. وَلا يَنالُونَ قال الكسائي: هو من قولهم أمر منيل وليس من التناول إنّما التناول من نلته بالعطيّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>[سورة التوبة (٩): آية ١٢١]</span>\nوَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)\nوَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا والعرب تقول: واد ووادية، ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة سواه، والقياس أن يجمع ووادي فاستثقلوا الجمع بين واوين وهم يستثقلون واحدة حتى قالوا: أقّتت في وقّتت، وقال الخليل وسيبويه: في تصغير واصل اسم رجل أو يصل ولا يقولون غيره، وحكى الفراء في جمع واد أوداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1125>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٢]</span>\nوَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)\nوَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً لفظ خبر ومعناه أمر. قال أبو إسحاق:\nويجوز والله أعلم أن تكون هذه الآية تدلّ على أن بعض المسلمين يجزي عن بعض في الجهاد. فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ قال الأخفش: أي فهلّا نفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1126>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)","vol":"2","page":137},{"text":"قرأ أبان بن تغلب وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً «١» وروى المفضل عن الأعمش وعاصم وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً «٢» بفتح الغين وإسكان اللام. قال الفراء: لغة أهل الحجاز وبني أسد «٣» غلظة بكسر الغين ولغة تميم غلظة بضم الغين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٧]</span>\nوَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧)\nيجوز أن يكون صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ دعاء عليهم أي قولوا لهم هذا ويجوز أن يكون خبرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٨]</span>\nلَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)\nلَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ رفع بجاءكم، عَزِيزٌ عَلَيْهِ نعت وكذا حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ وكذا رَؤُفٌ رَحِيمٌ قال الفراء»\n: فلو قرئ: عزيزا عليه ما عنتّم حريصا رؤوفا رحيما، نصبا جاز بمعنى لقد جاءكم كذلك. قال أبو جعفر: عنتّم من قوله: أكمة عنوت إذا كانت شاقّة مهلكة. وأحسن ما قيل في هذا المعنى مما هو موافق لكلام العرب ما حدّثنا به أحمد بن محمد الأزديّ قال: حدّثني عبد الله بن محمد الخزاعي قال: سمعت عمرو بن علي يقول: سمعت عبد الله بن داود الجريبيّ يقول في قول الله جلّ وعزّ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ قال:\nإن تدخلوا النار، حريص عليكم؟ قال: إن تدخلوا الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٩]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)\nفَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ابتداء وخبر وكذا وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ومن رفع العظيم جعله نعتا لربّ.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ١١٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ١١٨.\n(٣) انظر البحر المحيط ٥/ ١١٨.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٤٥٦.","vol":"2","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1130>١٠ شرح إعراب سورة يونس ع</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>[سورة يونس (١٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١)\nقال أبو جعفر: قرأ عليّ أحمد بن شعيب بن علي بن الحسين بن حريث قال:\nأخبرنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد أن عكرمة حدّثه عن ابن عباس: الر وحم ونون الرحمن مفرّقة فحدثت به الأعمش فقال: عندك أشباه هذا ولا تخبرني. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا في سورة البقرة أن ابن عباس رحمة الله عليه قال: معنى «الر» أنا الله أرى. ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب وأنشد: [الرجز] ١٩٥-\nبالخير خيرات وإن شرّا فا ... ولا أريد الشّرّ إلّا أن تا «١»\nقال سيبويه: يريد إن شرّا فشرّ ولا أريد الشر إلّا أن تشاء. وقال الحسن وعكرمة «الر» قسم، وقال سعيد «٢» عن قتادة «الر» اسم السورة، قال: وكذا كل هجاء في القرآن، وقال مجاهد: هي فواتح السور، وقال محمد بن يزيد: هي تنبيه وكذا حروف التهجّي. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ابتداء وخبر أي تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب الحكيم، وإن شئت كان التقدير هذه تلك آيات الكتاب الحكيم. قال أبو عبيدة «٣»:\nالحكيم المحكم.\nأَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا خبر كان، واسمها أَنْ أَوْحَيْنا وفي قراءة عبد الله أكان\n_________\n(١) الشاهد لنعيم بن أوس في الدرر ٦/ ٣٠٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٢٠، وللقيم بن أوس في نوادر أبي زيد ص ١٢٦، ولحكيم بن معيّة التميمي وللقمان بن أوس بن ربيعة في لسان العرب (معي)، وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ٣٥٥، وشرح شافية ابن الحاجب ٢٦٢، ولسان العرب (تا)، وما ينصرف وما لا ينصرف ص ١١٨، ونوادر أبي زيد ١٢٧، وهمع الهوامع ٢/ ٢١٠، اللغة: إن شرا فا: أي: إن أردت بي شرا فلك مني شرّ، وإلا أن تا: إلا أن تريده لي.\n(٢) انظر تفسير الطبري ١/ ٦٦.\n(٣) انظر مجاز القرآن ١/ ٢٧٢.","vol":"2","page":139},{"text":"للناس عجب «١» على أنه اسم كان، والخبر أَنْ أَوْحَيْنا، أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ في موضع نصب أي بأن أنذر الناس وكذا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ ويجوز أنّ لهم قدم صدق بمعنى قل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1132>[سورة يونس (١٠): آية ٣]</span>\nإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣)\nما مِنْ شَفِيعٍ في موضع رفع والمعنى ما شفيع إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>[سورة يونس (١٠): آية ٤]</span>\nإِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)\nإِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ رفع بالابتداء جَمِيعًا على الحال. وَعْدَ اللَّهِ مصدر لأنّ معنى مرجعكم وعدكم. حَقًّا مصدر نصبا وأجاز الفراء «٢» «وعد الله» بالرفع بمعنى مرجعكم إليه وعد الله. قال أحمد بن يحيى ثعلب يجعله خبر مرجعكم، وأجاز الفراء «وعد الله حقّ» وقرأ يزيد بن القعقاع إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ «٣» يكون «أنّ» في موضع نصب أي وعدكم أنه يبدأ الخلق، ويجوز أن يكون التقدير: لأنه يبدأ الخلق كما يقال: لبّيك أن الحمد والنّعمة لك، والكسر أجود، وأجاز الفراء «٤» أن يكون «أنّ» في موضع رفع.\nقال أحمد بن يحيى: يكون التقدير: حقا ابتداء الخلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1134>[سورة يونس (١٠): آية ٥]</span>\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً مفعولان. وَالْقَمَرَ نُورًا عطف. وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ بمعنى وقدّر له مثل وَإِذا كالُوهُمْ [المطففين: ٣] ويجوز أن يكون المعنى قدّره ذا منازل مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] وقدّره ولم يقل: وقدّرهما والشمس والقمر جميعا منازل، ففي هذا جوابان: أحدهما أنه خصّ القمر لأن العامة به تعرف الشّهور، والجواب الآخر أنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه وأنشد سيبويه والفراء: [الطويل] ١٩٦-\nرماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن جول الطّويّ رماني «٥»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ١٢٦.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٤٥٧، والبحر المحيط ٥/ ١٢٩.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٥٦. [.....]\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٤٥٧.\n(٥) الشاهد لعمرو بن أحمر في ديوانه ١٨٧، والكتاب ١/ ١٢٥، والدرر ٢/ ٦٢، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٤٩، وله أو للأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصي في لسان العرب (جول) . والطوي: البئر.","vol":"2","page":140},{"text":"لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ على أنها نون الجميع، وبعض العرب يقول: عدد السّنين والحساب، ومن العرب من يقول: سنوات ومنهم من يقول: سنهات والتصغير سنيهة وسنيّة وجاز جمعهما بالواو والنون عوضا مما حذف منها وكسر أولها دلالة على ما لحقها مما هو لغيرها. ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي ما أراد الله جلّ وعزّ بخلق ذلك إلّا الحكمة والصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1135>[سورة يونس (١٠): آية ٦]</span>\nإِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)\nلَآياتٍ اسم «إنّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1136>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨)\nإِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا اسم إنّ، والخبر أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>[سورة يونس (١٠): آية ١٠]</span>\nدَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)\nدَعْواهُمْ ابتداء أي دعاؤهم فِيها سُبْحانَكَ مصدر. وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ابتداء وخبر وكذا وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ولم يحك أبو عبيد إلّا تخفيف «أن» ورفع ما بعدها قال: وإنما نراهم اختاروا هذا وفرقوا بينها وبين قوله جلّ وعزّ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ وأَنَّ غَضَبَ اللَّهِ [النور: ٩] لأنهم أرادوا الحكاية حين يقال: «الحمد لله» . قال أبو جعفر: مذهب الخليل وسيبويه «١» أنّ «أن» هذه مخفّفة من الثقيلة والمعنى: أنه الحمد لله، قال محمد بن يزيد: ويجوز أن الحمد لله. يعملها خفيفة عملها ثقيلة والرفع أقيس لأنها إنما أشبهت الفعل باللفظ لا بالمعنى فإذا نقصت عن الفعل لم تعمل عمله ومن نصب شبّهها بالفعل إذا حذف منه. قال أبو جعفر: وحكى أبو حاتم أن بلال بن أبي بردة قرأ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>[سورة يونس (١٠): آية ١١]</span>\nوَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)\nوَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ قيل: معناه لو عجّل الله للناس من العقوبة كما يستعجلون الثواب والخير فعاقبهم لماتوا لأنهم خلقوا في\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ١٨٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ١٣٢، وهذه قراءة عكرمة ومجاهد وقتادة وابن يعمر وأبي مجلز وأبي حيوة وابن محيصن ويعقوب أيضا.","vol":"2","page":141},{"text":"الدنيا خلقا ضعيفا وليس هم كذا يوم القيامة لأنهم يوم القيامة يخلقون للبقاء. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا غير هذا القول، استعجالهم على قول الأخفش والفراء بمعنى كاستعجالهم ثم حذف الكاف ونصب قال الفراء «١»: كما تقول: ضربت زيدا ضربك أي كضربك فأما مذهب الخليل وسيبويه «٢» . وهو الحقّ فإنّ التقدير فيه ولو يعجّل الله للناس الشرّ تعجيلا مثل استعجالهم بالخير ثم حذف تعجيلا وأقام صفته مقامه ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه، مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ، وحكى سيبويه «٣»: زيد شرب الإبل، ولو جاز ما قال الأخفش والفراء لجاز: زيد الأسد أي كالأسد فهذا بيّن جدا.\nقال أبو إسحاق: ويقرأ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ «٤» وهي قراءة ابن عامر الشامي وهي قراءة حسنة لأنه متّصل بقوله جلّ وعزّ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ. قال الأخفش فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا مبتدأ قال ويَعْمَهُونَ أي يتحيّرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>[سورة يونس (١٠): آية ١٢]</span>\nوَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)\nوَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ في موضع نصب على الحال. أَوْ قاعِدًا عطف على الموضع، والتقدير دعانا مضطجعا أو قاعدا أو قائما. كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا قال الأخفش: هي «أنّ» الثقيلة خفّفت كما قال: [الخفيف] ١٩٧-\nوي كأن من يكن له نشب يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضرّ «٥»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>[سورة يونس (١٠): آية ١٤]</span>\nثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)\nثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ. مفعولان لِنَنْظُرَ نصب بلام كي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1141>[سورة يونس (١٠): آية ١٥]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا اسم ما لم يسمّ فاعله. قال أبو إسحاق بَيِّناتٍ نصب على الحال.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٥٨.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٢٧٢.\n(٣) انظر الكتاب ١/ ٤٠٠.\n(٤) انظر تيسير الداني ٩٩.\n(٥) الشاهد لزيد بن عمرو بن نفيل في الكتاب ٢/ ١٥٦، وخزانة الأدب ١/ ٤٠٤، والدرر ٥/ ٣٠٥، وذيل سمط اللآلي ص ١٠٣، ولنبيه بن الحجاج في الأغاني ١٧/ ٢٠٥، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١١، ولسان العرب (ويا) و(وا)، وبلا نسبة في الجنى الداني ص ٣٥٣، والخصائص ٣/ ٤١، وشرح المفصل ٤/ ٧٦، ومجالس ثعلب ١/ ٣٨٩، والمحتسب ٢/ ١٥٥، وهمع الهوامع ٢/ ١٠٦، وقبله في الكتاب:\n«سألتاني الطلاق أن رأتاني ... قلّ مالي، قد جئتماني بنكر»","vol":"2","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1142>[سورة يونس (١٠): آية ١٦]</span>\nقُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦)\nقُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ أي لو شاء الله ما أرسلني إليكم فتلوت عليكم القرآن ولا أعلمكم به أي القرآن. قال أبو حاتم: سمعت الأصمعي يقول: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قراءة الحسن ولا أدرأتكم به «١» أله وجه؟\nقال: لا قال أبو عبيد: لا وجه لقراءة الحسن «ولا أدرأتكم به» إلّا على الغلط. معنى قول أبي عبيد إن شاء الله على الغلط أنه يقال: دريت أي علمت وأدريت غيري، ويقال: درأت أي دفعت فيقع الغلط بين دريت وأدريت ودرأت، وقال أبو حاتم: يريد الحسن فما أحسب ولا أدريتكم به فأبدل من الياء ألفا على لغة بني الحارث بن كعب لأنهم يبدلون من الياء ألفا إذا انفتح ما قبلها مثل إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه: ٦٣] . قال أبو جعفر هذا غلط لأن الرواية عن الحسن ولا أدرأتكم به بالهمز وأبو حاتم تكلّم على أنه بغير همز ويجوز أن يكون من درأت إذا دفعت، أي: ولا أمرتكم أن تدفعوا وتتركوا الكفر بالقرآن. فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ في الكلام حذف والتقدير فقد لبثت فيكم عمرا من قبله تعرفوني بالصدق والأمانة لا أقرأ ولا أكتب ثم جئتكم بالمعجزات أَفَلا تَعْقِلُونَ أن هذا لا يكون إلّا من عند الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>[سورة يونس (١٠): آية ١٩]</span>\nوَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)\nوَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً اسم «كان» وخبرها. وَلَوْلا كَلِمَةٌ رفع بالابتداء سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ في موضع النعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1144>[سورة يونس (١٠): آية ٢٠]</span>\nوَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)\nفَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ والأصل «أنني» حذفت النون، والمعنى منتظر من المنتظرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>[سورة يونس (١٠): آية ٢١]</span>\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١)\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً جواب إذا على قول الخليل وسيبويه إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا\n_________\n(١) وهذه قراءة ابن عباس وابن سيرين وأبي رجاء أيضا، انظر البحر المحيط ٥/ ١٣٧، ومعاني الفراء ١/ ٤٥٩.","vol":"2","page":143},{"text":"والتقدير مكروا. قال مجاهد: إذا لهم مكر في آياتنا استهزاء وتكذيب. قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ ابتداء وخبر. مَكْرًا على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1146>[سورة يونس (١٠): آية ٢٢]</span>\nهُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)\nهُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ ابتداء وخبر، وفي يسيّركم معنى التكثير ويسيركم للقليل والكثير، وقرأ يزيد ابن القعقع هو الذي ينشركم «١» وهي المعروفة من قراءة الحسن، ويسيّركم أشبه بقوله جلّ وعزّ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ والْفُلْكِ يذكّر ويؤنّث ويكون واحدا وجمعا لفلك كما يقال: وثن ووثن. جاءَتْها الهاء تعود على الفلك ويجوز أن تعود على الريح الطيّبة رِيحٌ عاصِفٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1147>[سورة يونس (١٠): آية ٢٣]</span>\nفَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)\nإِنَّما بَغْيُكُمْ رفع بالابتداء وخبره مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا «٢» ويجوز أن يكون خبره عَلى أَنْفُسِكُمْ وتضمر مبتدأ أي ذلك متاع الحياة الدنيا أو هو متاع الحياة الدنيا وبين المعنيين فرق لطيف إذا رفعت متاعا على أنه خبر بغيكم فالمعنى إنما بغي بعضكم على بعض مثل فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: ٦١] وكذا لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة ١٢٨] وإذا كان الخبر على أنفسكم فالمعنى إنما فسادكم راجع عليكم مثل وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الإسراء: ٧] وقرأ ابن أبي إسحاق مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا بالنصب على أنه مصدر أي تمتّعون متاع الحياة الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1148>[سورة يونس (١٠): آية ٢٤]</span>\nإِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)\nإِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا ابتداء. كَماءٍ خبره والكاف في موضع رفع. أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ نعت لما. فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ عطف. حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ الأصل تزيّنت أدغمت التاء في الزاي وجيء بألف الوصل لأن الحرف المدغم مقام\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ١٤١، ومعاني الفراء ١/ ٤٦٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ١٤٣، وتيسير الداني ٩٩.","vol":"2","page":144},{"text":"حرفين الأول منهما ساكن، وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية وَازَّيَّنَتْ «١» أي جاءت بالزينة وجاء بالفعل على أصله ولو أعلّه لقال أزانت، قال عوف الأعرابي: قرأ أشياخنا وازيانّت ووزنه واسوادّت وفي رواية المقدّمي وازّاينت «٢» والأصل فيه تزاينت ووزنه تفاعلت ثم أدغم، وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها قال أبو إسحاق: المعنى قادرون على الانتفاع بها. أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا ظرفان. فَجَعَلْناها حَصِيدًا مفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1149>[سورة يونس (١٠): آية ٢٦]</span>\nلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦)\nلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى في موضع رفع بالابتداء. وَزِيادَةٌ عطف عليها. قال أبو جعفر وقد ذكرنا الحديث عن النبي ﷺ أنّ الزيادة النظر إلى الله تعالى وقيل: الزيادة أن تضاعف الحسنة عشر حسنات إلى أكثر من ذلك. قرأ الحسن وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ «٣»، والقتر والقتر والقترة بمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1150>[سورة يونس (١٠): آية ٢٧]</span>\nوَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧)\nقِطَعًا جمع قطعة. مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا حال من الليل ويبعد أن يكون نعتا لقطع لأنه لم يقل: مظلمة، وقرأ الكسائي قِطَعًا بإسكان الطاء فمظلما على هذا نعت ويجوز أن يكون حالا من الليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1151>[سورة يونس (١٠): آية ٢٨]</span>\nوَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨)\nقال الفراء «٤» وقرأ بعضهم (فزايلنا بينهم) .\nيقال: لا أزايل فلانا أي لا أفارقه، فإن قلت: لا أزاوله فهو بمعنى آخر معناه لا أخاتله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1152>[سورة يونس (١٠): آية ٢٩]</span>\nفَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩)\nشَهِيدًا نصب على التمييز. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون منصوبا على الحال.\n_________\n(١) انظر المحتسب ١/ ٣١١، والبحر المحيط ٥/ ١٤٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ١٤٥. [.....]\n(٣) انظر البحر المحيط ٥/ ١٤٩.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٤٦٢.","vol":"2","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1153>[سورة يونس (١٠): آية ٣٠]</span>\nهُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)\nهُنالِكَ في موضع نصب على الظرف أي في ذلك الوقت تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ واللام زائدة كسرت لالتقاء الساكنين والكاف للخطاب لا موضع لها وقال زهير:\n[الطويل] ١٩٨-\nهنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا «١»\nوَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ في موضع خفض على النعت، وكذا الحقّ، ويجوز نصب الحق من ثلاث جهات: يكون التقدير ردّوا حقّا ثم جيء بالألف واللام، ويجوز أن يكون التقدير مولاهم حقّا لا ما يعبدون من دونه، والوجه الثالث أن يكون مدحا أي أعني الحقّ. ويجوز أن ترفع الحقّ ويكون المعنى مولاهم الحقّ لا ما يشركون من دونه وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ في موضع رفع وهي بمعنى المصدر أي افتراؤهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1154>[سورة يونس (١٠): آية ٣٢]</span>\nفَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)\nفَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ويجوز نصب الحق على ما تقدّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1155>[سورة يونس (١٠): آية ٣٣]</span>\nكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)\nكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ.\nالمعنى بأنّهم ولأنهم فإنّ في موضع نصب. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون في موضع رفع على البدل من كلمات. قال الفراء «٢»: يجوز أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بكسر إنّ على الاستئناف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1156>[سورة يونس (١٠): آية ٣٥]</span>\nقُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)\nأَمَّنْ قال الأخفش: إن قال قائل: كيف دخلت أم على من؟ قيل: لأن أم والألف أصل الاستفهام، ألا ترى أنّ أم تدل على هل. قال أبو جعفر: في أَمَّنْ لا يَهِدِّي\n_________\n(١) الشاهد لزهير في ديوانه ص ١١٢، ولسان العرب (خبل)، و(خول)، وتهذيب اللغة ٧/ ٤٢٥، وجمهرة اللغة ٢٩٣، ومقاييس اللغة ٢/ ٢٣٤، والمخصص ٧/ ١٥٩، ومجمل اللغة ٢/ ٢٣٧، وتاج العروس (خبل) وديوان الأدب ٢/ ٣٢٣، وهو في الديوان:\n«هنالك إن يستخولوا المال يخولوا ... وإن يسألوا يعصوا وإن ييسروا يغلوا»\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٣٦٣.","vol":"2","page":146},{"text":"خمس قراءات «١»: قرأ أبو عمرو وابن كثير وعبد الله بن عامر أم من لا يهدّي بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، وكذا روى ورش عن نافع وحدّثني إبراهيم بن محمد بن عرفة «٢» قال: حدّثني إسماعيل بن إسحاق قال: حدّثني قالون عن نافع أنه قرأ أم من لا يهدّي بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال. قال أبو عبيد: وقرأ عاصم أَمَّنْ لا يَهِدِّي\nبفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، وقال الكسائي قرأ عاصم أم من لا يهدي بكسر الياء والهاء وتشديد الدال فهذه أربع قراءات، وقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش وحمزة والكسائي أم من لا يهدي بفتح الياء وتسكين الهاء وتخفيف الدال. قال أبو جعفر: القراءة الأولى بيّنة في العربية الأصل فيها يهتدي أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها على الهاء، والقراءة الثالثة هي المعروفة عن عاصم والحسن وأبي رجاء أدغمت الياء في الدال وكسرت الهاء لالتقاء الساكنين، والقراءة الثانية التي رواها قالون عن نافع يحكي فيها الجمع بين ساكنين وهذا لا يجوز ولا يقدر أحد أن ينطق به. قال محمد بن يزيد: لا بدّ لمن رام مثل هذا أن يحرّك حركة خفيفة إلى الكسر وسيبويه يسمّي هذا اختلاس الحركة، وأما كسر الياء مع الهاء الذي رواه الكسائي عن عاصم فلا يجوز عند سيبويه «٣»، وسيبويه يجيز تهدي ويهدي وأهدي ولا يجيز يهدي لأن الكسر في الياء ثقيل، وأما القراءة الخامسة أم من لا يهدي فلها وجهان في العربيّة وإن كانت بعيدة فأحد الوجهين أن الكسائي والفراء «٤» قالا: يهدي بمعنى يهتدي. قال أبو العباس: لا يعرف هذا ولكن التقدير أم من لا يهدي غيره تمّ الكلام، ثم قال: إِلَّا أَنْ يُهْدى استثناء ليس من الأول أي لكنه يحتاج إلى أن يهدى كما تقول:\nفلان لا يشبع غيره إلّا أن يشبع أي لكنه يحتاج أن يشبع. قال أبو إسحاق فَما لَكُمْ تمّ الكلام والمعنى أي شيء لكم في عبادة الأوثان. كَيْفَ تَحْكُمُونَ قال: كَيْفَ في موضع نصب والمعنى على أي حال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1157>[سورة يونس (١٠): آية ٣٧]</span>\nوَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧)\nوَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ قال الكسائي: المعنى وما كان هذا القرآن افتراء\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ١٥٧، وتيسير الداني ٩٩.\n(٢) إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي العتكي أبو عبد الله من أحفاد المهلب بن أبي صفرة إمام في النحو، وكان فقيها رأسا في مذهب داود، مسندا في الحديث ثقة. وكان يؤيّد مذهب سيبويه في النحو فلقبوه (نفطويه) (ت ٣٢٣ هـ) ترجمته في وفيات الأعيان ١/ ١١، ولسان الميزان ١/ ١٠٩ وتاريخ بغداد ٦/ ١٥٩.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٢٢٨.\n(٤) انظر معاني الفراء ١/ ٤٦٤.","vol":"2","page":147},{"text":"كما تقول: فلان يحبّ أن يركب ويحبّ الركوب وقال غيره: التقدير لأن يفترى وقال الفراء: المعنى وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى، وقال غيره: المعنى ما كان لأحد أن يأتي بمثل هذا القرآن من عند غير الله ثم ينسبه إلى الله لإعجازه لرصفه ومعانيه وتأليفه.\nوَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ قال الكسائي والفراء «١» ومحمد بن سعدان: التقدير: ولكن كان تصديق الذي بين يديه ويجوز عندهم الرفع بمعنى ولكن هو تصديق، وكذا وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1158>[سورة يونس (١٠): آية ٣٨]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بمعنى بل، وفيه معنى التقدير لإقامة الحجّة عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>[سورة يونس (١٠): آية ٣٩]</span>\nبَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)\nبَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أي كذّبوا به وهم جاهلون بمعانيه وتفسيره وعليهم أن يعملوا ذلك بالسؤال وَلَمَّا يَأْتِهِمْ أي كذّبوا به ولم يعرفوا تفسيره وقيل: ولم يأتهم ما يؤول إليه أمره: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كذا كانت سبيلهم والكاف في موضع نصب. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ «كيف» في موضع نصب خبر كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1160>[سورة يونس (١٠): آية ٤٠]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)\nوَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أي في المستقبل و«من» في موضع رفع بالابتداء وكذا وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ والمعنى ومنهم من يصرّ على كفره فأعلم الله جلّ وعزّ إنما أخّر عنهم العقوبة لأن منهم من سيؤمن وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ أي بمن يصرّ على الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>[سورة يونس (١٠): آية ٤١]</span>\nوَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)\nوَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي رفع بالابتداء والمعنى لي جزاء عملي وكذا وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>[سورة يونس (١٠): آية ٤٢]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢)\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ على المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>[سورة يونس (١٠): آية ٤٣]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣)\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ على اللفظ.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٦٥.","vol":"2","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1164>[سورة يونس (١٠): آية ٤٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)\nوَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ زعم جماعة من النحويين منهم الفراء أن العرب إذا قالت: ولكنّ بالواو آثروا التشديد وإذا حذفوا الواو آثروا التخفيف واعتلّ في ذلك الفراء «١» فقال: لأنها إذا كانت بغير واو أشبهت «بل» فخفّفوها ليكون ما بعدها كما بعد بل وإذا جاءوا بالواو خالفت «بل» فشدّدوها ونصبوا بها لأنها إن زيدت عليها لام وكاف وصيّرت حرفا واحدا وأنشد: [الطويل] ١٩٩-\nولكنّني من حبّها لكميد «٢»\nفجاء باللام لأنها إنّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>[سورة يونس (١٠): آية ٤٥]</span>\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)\nكَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا بمعنى كأنّهم لم يلبثوا. يَتَعارَفُونَ في موضع نصب على الحال.\nقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ يجوز أن يكون هذا إخبارا من الله جلّ وعزّ بعد أن دلّ على البعث والنشور، ويجوز أن يكون المعنى يتعارفون بينهم يقولون هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1166>[سورة يونس (١٠): آية ٤٦]</span>\nوَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦)\nوَإِمَّا نُرِيَنَّكَ شرط. أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ عطف عليه. فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ جواب. ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عطف جملة على جملة. قال الفراء «٣»: ولو قيل: «ثمّ الله شهيد» بمعنى هناك جاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>[سورة يونس (١٠): آية ٤٧]</span>\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧)\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ يكون المعنى ولكلّ أمة رسول شاهد عليهم فإذا جاء رسولهم يوم القيامة قضي بينهم مثل فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٦٥.\n(٢) الشاهد بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٣٨، والإنصاف ١/ ٢٠٩، وتخليص الشواهد ٣٥٧، والجنى الداني ١٣٢، ورصف المباني ٢٣٥، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٣٨٠، وشرح الأشموني ١/ ١٤١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٠٥، وشرح ابن عقيل ١٨٤، وشرح المفصّل ٨/ ٦٢، وكتاب اللامات ١٥٨، ولسان العرب (لكن)، ومغني اللبيب ١/ ٢٣٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٤٧، وهمع الهوامع ١/ ١٤٠، وهو بتمامه:\n«يلومونني في حبّ ليلى عواذلي ... ولكنني من حبّها لعميد»\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٤٦٦.","vol":"2","page":149},{"text":"[النساء: ٤١] ويجوز أن يكون المعنى أنهم لا يعذّبون حتّى نرسل إليهم مثل وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1168>[سورة يونس (١٠): آية ٥٠]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ظرفان. ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ إن جعلت الهاء في منه تعود على العذاب ففيه تقديران يكون «ما» في موضع رفع بالابتداء و«ذا» بمعنى الذي وهو خبر «ما»، والتقدير الآخر أن يكون «ماذا» شيئا واحدا في موضع رفع بالابتداء والخبر في الجملة وإن جعلت الهاء في منه تعود على اسم الله جلّ وعزّ وجعلت «ماذا» شيئا واحدا كانت «ما» في موضع نصب بيستعجل. والمعنى: أي شيء يستعجل المجرمون من الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>[سورة يونس (١٠): آية ٥١]</span>\nأَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)\nأَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ في الكلام حذف والتقدير: أتأمنون أن ينزل بكم العذاب ثم يقال بكم إذا حلّ بكم الآن آمنتم به. وفي فتح الآن ثلاثة أقوال: منها قولان للفراء «١» أحدهما أن يكون أصلها «أو ان» حذفت الهمزة منها وقلبت الواو ألفا ثم جيء بالألف واللام فبنيت معها وبقيت على نصبها، والقول الثاني أن يكون أصلها من (آن) أي حان ثم دخلتها الألف واللام وبقيت على فتحها مثل قيل وقال، وزعم أبو إسحاق أنّ هذا لو كان كذا ما جاز أن يكون بالألف واللام كما يقال: نهى عن القيل والقال، والقول الثالث مذهب الخليل وسيبويه أن سبيل الألف واللام أن يدخلا لمعهود (والآن) ليس بمعهود وإنّما معناه نحن في هذا الوقت نفعل كذا فلما تضمّنت معنى هذا وجب أن لا يعرب ففتحت لالتقاء الساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1170>[سورة يونس (١٠): آية ٥٣]</span>\nوَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)\nوَيَسْتَنْبِئُونَكَ أي عن كون العذاب أَحَقٌّ ابتداء هُوَ فاعل سد مسد الخبر.\nهذا قول سيبويه ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ و«حقّ» خبره. قُلْ إِي وَرَبِّي قسم، وجوابه إِنَّهُ لَحَقٌّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1171>[سورة يونس (١٠): آية ٥٥]</span>\nأَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥)\nأَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي له ملك السموات والأرض فلا مانع يمنعه من إنفاذ ما وعد.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٦٨.","vol":"2","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1172>[سورة يونس (١٠): آية ٥٦]</span>\nهُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)\nهُوَ يُحْيِ ولا يجوز الإدغام عند سيبويه لئلا يجتمع ساكنان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1173>[سورة يونس (١٠): آية ٥٨]</span>\nقُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)\nفَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا إشارة إلى الفضل والرحمة، والعرب تأتي بذلك للواحد والاثنين والجميع، وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ فبذلك فلتفرحوا «١» وهي قراءة يزيد ابن القعقاع. قال هارون في حرف أبيّ فافرحوا «٢» قال أبو جعفر: سبيل الأمر أن يكون باللام ليكون معه حرف جازم كما أنّ مع النهي حرفا إلّا أنّهم يحذفون من الأمر للمخاطب استغناء بمخاطبته وربّما جاءوا به على الأصل منه فبذلك فلتفرحوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1174>[سورة يونس (١٠): آية ٥٩]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)\nما في موضع نصب برأيتم، وقال أبو إسحاق: هي في موضع نصب بأنزل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1175>[سورة يونس (١٠): آية ٦١]</span>\nوَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)\nوَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ قال الفراء: الهاء في «منه» تعود على الشأن وهذا كلام يحتاج إلى شرح. يكون المعنى وما تتلو من الشأن أي من أجل الشأن أي يحدث شأن فيتلى من أجله القرآن ليعلم كيف حكمه، أو ينزل فيه قرآن فيتلى. يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا عطف على مثقال وإن شئت على ذرة، والرفع عطف على الموضع لأن «من» زائدة للتوكيد، ويجوز الرفع على الابتداء وخبره إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ زعم قوم من النحويين أنّ الّذي في «سبأ» «٣» لا يجوز فيه إلّا الرفع لأنه ليس معه من ذلك غلط وسنذكره في موضعه إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>[سورة يونس (١٠): آية ٦٢]</span>\nأَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)\nأَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ اسم إنّ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ في موضع الخبر أي من تولاه الله جلّ وعز وتولّى حفظه وحياطته ورضي عنه فلا يخاف يوم القيامة ولا يحزن ومثله لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء: ١٠٣] .\n_________\n(١) وهذه قراءة أبيّ وابن عامر والحسن أيضا، انظر البحر المحيط ٥/ ١٧٠، ومعاني الفراء ١/ ٤٦٩. [.....]\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ١٧٠.\n(٣) سبأ: الآية ٣.","vol":"2","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1177>[سورة يونس (١٠): آية ٦٣]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)\nالَّذِينَ آمَنُوا في موضع نصب على البدل من اسم «إنّ» وإن شئت على أعني والرفع على إضمار مبتدأ وعلى البدل من الموضع وعلى الابتداء، وخبره هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ\nوفيه قول رابع قال الكسائي: يكون النعت تابعا للمضمر في الفعل. قال الفراء «١»: هذا خطأ لأن المضمر لا ينعت بالمظهر. قال أبو جعفر: أما قوله المضمر لا ينعت بالمظهر فصواب ولكن يجوز أن يكون الكسائي أراد أن هذا الذي يكون نعتا تابعا للمضمر كما يقول البصريون بدل لأن الكوفيين لا يأتون بهذه اللفظة أعني البدل. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا معنى هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ\nوقد قيل في الحياة الدنيا عند الموت وفي الآخرة إذا خرجوا من قبورهم، وقبل: هو قوله جلّ وعزّ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ [التوبة: ٢١] الآية ويدلّ على هذا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>[سورة يونس (١٠): آية ٦٥]</span>\nوَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)\nوَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ تمّ الكلام ثم قال إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>[سورة يونس (١٠): آية ٧٠]</span>\nمَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)\nقال الكسائي: مَتاعٌ فِي الدُّنْيا أي ذلك متاع أو هو متاع في الدنيا. قال أبو إسحاق: ويجوز النصب في غير القرآن. ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ أي بكفرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1180>[سورة يونس (١٠): آية ٧١]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١)\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ حذفت الواو لأنه أمر. إِذْ في موضع نصب فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ بقطع ألف الوصل ونصب الشركاء هذه قراءة أكثر الأئمة. وقرأ عاصم الجحدريّ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ من جمع يجمع وَشُرَكاءَكُمْ نصب، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وعيسى ويعقوب فأجمعوا أمركم وشركاؤكم «٢» بقطع الألف ورفع الشركاء. القراءة الأولى من أجمع على الشيء يجمع إذا عزم عليه وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أقوال: قال الفراء «٣» أجمع الشيء أي عدّه، وقال الكسائي\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٧١.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٤٧٣، والبحر المحيط ٥/ ١٧٧.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٤٧٣.","vol":"2","page":152},{"text":"والفراء: هو بمعنى وادعوا شركاءكم فهو منصوب عندهما على إضمار هذا الفعل، وقال محمد بن يزيد: هو معطوف على المعنى كما قال: [مجزوء الكامل] ٢٠٠-\nيا ليت زوجك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا «١»\nوالرمح لا يتقلّد إلّا أنه محمول كالسيف، وقال أبو إسحاق: المعنى مع شركائكم كما يقال: التقى الماء والخشبة. والقراءة الثانية على العطف على أمركم وإن شئت بمعنى مع. قال أبو جعفر: وسمعت أبا إسحاق يجيز قام زيد وعمرا. والقراءة الثالثة على أن يعطف الشركاء على المضمر المرفوع وحسن العطف على المضمر المرفوع لأن الكلام قد طال، وهذه القراءة تبعد لأن لو كان مرفوعا لوجب أن يكتب بالواو وأيضا فإنّ شركاءكم الأصنام والأصنام لا تصنع شيئا. ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً اسم يكون وخبرها. ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ ألف وصل من قضى يقضي. قال الأخفش والكسائي: هو مثل وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ [الحجر: ٦٦] أي أنهيناه إليه وأبلغناه إيّاه وروي عن ابن عباس: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ قال: امضوا إليّ ولا تؤخّرون. قال أبو جعفر:\nهذا قول صحيح في اللغة ومنه: قضى الميّت أي مضى. وأعلمهم بهذا أنهم لا يصلون إليه وهذا من دلائل النبوّات، وزعم الفراء ثمّ أفضوا «٢» بقطع الألف والفاء «توجّهوا إليّ حتى تصلوا» ومنه: أفضت الخلافة إلى فلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1181>[سورة يونس (١٠): آية ٧٢]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)\nفَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي فإن تولّيتم عما جئتكم به فليس ذلك لأني سألتكم أجرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1182>[سورة يونس (١٠): آية ٧٤]</span>\nثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)\nفَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ. قيل: التقدير بما كذّب به قوم نوح من قبل، ومن حسن ما قيل في هذا أنّه لقوم بأعيانهم مثل أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٦] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>[سورة يونس (١٠): آية ٧٧]</span>\nقالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)\nقال الأخفش أَسِحْرٌ هذا حكاية لقولهم لأنهم قالوا: أسحر هذا فقيل لهم:\nأتقولون للحقّ لمّا جاءكم: أسحر هذا.\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (١٢٢) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ١٧٩، وهي قراءة السريّ بن ينعم بالفاء وقطع الألف، ومعاني الفراء ١/ ٤٧٤.","vol":"2","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1184>[سورة يونس (١٠): آية ٧٨]</span>\nقالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)\nوروي عن الحسن (ويكون لكما الكبرياء) بالياء لأنه تأنيث غير حقيقي وقد فصل بينهما. وحكى سيبويه: حضر القاضي اليوم امرأتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>[سورة يونس (١٠): آية ٨٠]</span>\nفَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)\nأَنْتُمْ رفع بالابتداء، وخبره مُلْقُونَ والجملة في الصلة والعائد على الذي محذوف أي ملقوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1186>[سورة يونس (١٠): آية ٨١]</span>\nفَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)\nفَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ فيه خمس قراءات وأكثر القراء على هذه القراءة. ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ابتداء وخبر، وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع وأبو عمرو بن العلاء ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ يكون «ما» في موضع رفع بالابتداء والخبر «جئتم به» . والتقدير: أيّ شيء جئتم به- على التوبيخ والتقصير لما جاءوا به.\nالسِّحْرُ على إضمار مبتدأ والتقدير هو السحر. قال هارون القارئ، وفي قراءة عبد الله ما جئتم به سحر «١» فهذا أيضا على الابتداء والخبر ودخول الألف واللام في هذا أكثر من كلام العرب لأنهم قالوا لموسى ﷺ: هذا سحر فقال لهم: بل ما جئتم به السحر وهكذا يقال في أول الكتب والرسائل: سلام على من اتّبع الهدى وفي آخرها:\nوالسلام. ولو قال لك قائل: وجدت درهما ثم سألته لكان الاختيار أن تقول: فأين الدرهم؟ ولا تقول: أين درهم؟ فيتوهّم أنك سألته عن غيره. قال هارون: وفي حرف أبيّ ما آتيتم به سحر «٢» وهذا كالذي قبله، وأجاز الفراء: «ما جئتم به السّحر إنّ الله سيبطله» بنصب السحر ويجعل «ما» للشرط و«جئتم» في موضع جزم بما والفاء محذوفة والتقدير فإنّ الله سيبطله كما قال: [البسيط] ٢٠١-\nمن يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشّر بالشرّ عند الله مثلان «٣»\nوالسحر عنده منصوب بجئتم ولم يشرحه شرحا يبيّن به حقيقة النصب. قال أبو جعفر: يكون السحر منصوبا على المصدر أي ما جئتم به سحرا ثم جاء بالألف واللام إلّا أنّ حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر بل\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ١٨١، ومعاني الفراء ١/ ٤٧٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ١٨١.\n(٣) مرّ الشاهد رقم ٣٤.","vol":"2","page":154},{"text":"ربّما دفع ذلك بعضهم أن يجوز النيّة. وسمعت علي بن سليمان يقول: حدّثني محمد بن يزيد قال: حدثني المازني قال: سمعت الأصمعي يقول: غيّر النحويون هذا البيت وإنما الرواية:\nمن يفعل الخير فالرحمن يشكره وسمعت علي بن سليمان يقول: حذف الفاء في المجازاة جائز قال: الدليل على ذلك القراءة وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم [الشورى: ١] وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى ٢] قراءتان مشهورتان معروفتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1187>[سورة يونس (١٠): آية ٨٢]</span>\nوَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)\nوَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ أي يبيّن الحق بكلامه وحججه وبراهينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>[سورة يونس (١٠): آية ٨٣]</span>\nفَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)\nفَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ رفع بفعلها ولا يجوز نصبها على الاستثناء لأن الكلام قبلها لم يتمّ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ ولم يقل: وملائه ففي هذا ستة أجوبة: منها أنّ فرعون لمّا كان جبارا خبّر عنه بفعل الجميع ومنها أنّ فرعون لمّا ذكر علم أنّ معه غيره فعاد الضمير عليه وعليهم وهذا أحد جوابي الفراء «١» ومنها أن تكون الجماعة سمّيت بفرعون مثل ثمود، وجواب الفراء الآخر أن يكون التقدير على خوف من آل فرعون مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ. وهذا الجواب على مذهب الخليل وسيبويه خطأ، لا يجوز عندهما: قامت هند وأنت تريد غلامها. والجواب الخامس مذهب الأخفش سعيد أن يكون الضمير يعود على الذريّة أي وملأ الذريّة. والجواب السادس كأنّه أبينها يكون الضمير يعود على قومه أَنْ يَفْتِنَهُمْ في موضع خفض على بدل الاشتمال ويجوز أن يكون في موضع نصب بخوف ولم ينصرف فرعون لأنه اسم عجميّ وهو معرفة.\nلَعالٍ في موضع رفع على خبر «إنّ» وقد ذكرنا نظيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1189>[سورة يونس (١٠): آية ٨٥]</span>\nفَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)\nفَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا أي سلّمنا أمورنا إليه ورضينا بقضائه وقدره وانتهينا إلى أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1190>[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٧ الى ٨٨]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٧٦.","vol":"2","page":155},{"text":"وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً مفعولان وكذا آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ لام كي وأصحّ ما قيل فيها وهو مذهب الخليل وسيبويه أنه لمّا آل أمرهم إلى هذا كان كأنّه لهذا وسمّي لام العاقبة أي لمّا كان عاقبة أمرهم قد آل إلى هذا كان بمنزلة ما كان الأول من أجله، وقد زعم قوم أن المعنى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا لأن لا يضلّوا عن سبيلك وحذف «لا» كما قال يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] . والمعنى أن لا تضلّوا. قال أبو جعفر:\nظاهر هذا الجواب حسن إلّا أنّ العرب لا تحذف «لا» مع «أن» فموّه صاحب هذا الجواب بقوله ﷿ أن تضلّوا. رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا وهذا أيضا من المشكل يقال: كيف دعا عليهم وحكم الرسل صلى الله عليهم وسلم استدعاء إيمان قومهم؟ فالجواب أنّ معنى اطمس على أموالهم عاقبهم على كفرهم بإهلاك أموالهم. قال أبو إسحاق: معنى تطميس الشيء إذهابه عن صورته. وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ قيل معناه غمّهم عقوبة لهم، وقيل معناه صبّرهم على ما لحقهم لا يخرجوا إلى موضع خصب لأن معنى شددت الشيء وربطته في اللغة ضيّقته، فَلا يُؤْمِنُوا ليس بدعاء على قول محمد بن يزيد قال: هو معطوف على قوله ليضلّوا، وقال الكسائي وأبو عبيدة هو دعاء فهو في موضع جزم عندهما، وأجاز الأخفش والفراء أن يكون جوابا وأنشد الفراء: [الرجز] ٢٠٢-\nيا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا «١»\nفعلى هذا حذفت النون لأنه منصوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1191>[سورة يونس (١٠): آية ٨٩]</span>\nقالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩)\nقالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: الدليل على أن الدعاء لهما جميعا قول موسى ﷺ ربّنا ولم يقل ربّ. فَاسْتَقِيما قال الفراء:\nأمرا بالاستقامة على أمرهما والثبات عليه إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة قال: ويقال كان\n_________\n(١) الرجز لأبي النجم في الكتاب ٣/ ٣٤، والدر ٣/ ٥٢، والردّ على النحاة ١٢٣، وشرح التصريح ٢/ ٢٣٩، ولسان العرب (نفخ)، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٠، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٨٢، ورصف المباني ٣٨١، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٢٧٠، وشرح الأشموني ٢/ ٣٠٢، وشرح ابن عقيل ص ٥٧٠، وشرح قطر الندى ٧١، وشرح المفصل ٧/ ٢٦، واللمع في العربية ٢١٠، والمقتضب ٢/ ١٤، وهمع الهوامع ١/ ١٨٢.","vol":"2","page":156},{"text":"بينهما أربعون سنة. قال أبو جعفر: وقد قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب والضحّاك كانت بينهما أربعون سنة وَلا تَتَّبِعانِّ في موضع جزم على النهي والنون للتوكيد وحرّكت لالتقاء الساكنين واختير لها الكسر لأنها أشبهت نون الاثنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1192>[سورة يونس (١٠): آية ٩٠]</span>\nوَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)\nقالَ آمَنْتُ أَنَّهُ في موضع نصب والمعنى «بأنه»، ومن قرأ «إنّه» بالكسر فالتقدير عنده قال صرت مؤمنا ثم استأنف «إنه»، وزعم أبو حاتم أنّ القول محذوف وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ابتداء وخبر، وقد ذكرنا الحديث عن النبي ﷺ عن جبرائيل ﷺ أنه جعل في فيه الطين، وتأويل هذا- والله أعلم- أنه عقوبة لعدوّ الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1193>[سورة يونس (١٠): آية ٩٢]</span>\nفَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢)\nفَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ قال عبد الله بن شداد والضحاك فأخرج لهم، قالا: لتكون لمن خلفك آية ليعلموا أنه ليس إلاها كما قال الأخفش سعيد: نُنَجِّيكَ من النّجاء والإنجاء وقال بعضهم: نرفعك على نجوة من الأرض، قال بِبَدَنِكَ أي لا روح فيك، قال: وليس قول من قال «ببدنك» بدرعك بشيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>[سورة يونس (١٠): آية ٩٤]</span>\nفَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤)\nفَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ في موضع جزم بالشرط، والجواب فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ وقد ذكرنا معناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>[سورة يونس (١٠): آية ٩٧]</span>\nوَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)\nوَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ فأنّث كلّا على المعنى لأن المعنى ولو جاءتهم الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>[سورة يونس (١٠): آية ٩٨]</span>\nفَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨)\nفَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ قال الأخفش والكسائي: أي فهلّا. قال الفراء «١»: وفي حرف أبيّ (فهلا) لأن معناه أنهم لم يؤمنوا وقال غيره: المعنى فلم تكن قرية آمنت بمن\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٨٩.","vol":"2","page":157},{"text":"حقّت عليهم كلمات ربّك أي أهل قرية إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ نصبت لأنه استثناء ليس من الأول أي لكن قوم يونس. هذا قول الكسائي والأخفش والفراء وأنشد سيبويه «١»:\n[الكامل] ٢٠٣-\nمن كان أسرع في تفرّق فالج ... فلبونه جربت معا وأغدّت «٢»\nإلّا كناشرة الّذي ضيّعتم ... كالغصن في غلوائه المتنبّت «٣»\nويجوز إلّا قوم يونس بالرفع وأنشد سيبويه: [الرجز] ٢٠٤-\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس «٤»\nورفعه عند سيبويه من جهتين: إحداهما أن يكون الأول توكيدا، والجهة الأخرى أن يجعل اليعافير والعيس أنيسها. ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قاله أبو إسحاق قال:\nيكون المعنى غير قوم يونس فلمّا جاء بإلّا أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غيركما قال: [الوافر] ٢٠٥-\nوكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان «٥»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1197>[سورة يونس (١٠): آية ٩٩]</span>\nوَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)\nوَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ توكيد لمن جَمِيعًا عند سيبويه نصب على الحال.\n_________\n(١) البيتان لعنز بن دجاجة في الكتاب ٢/ ٢٦٨، ولعنز أو لمعاوية بن كاسر المازني في شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٧٢، ولشهاب المازني في الأزهيّة ص ١٧٦، ولكابية بن حرقوص بن مازن في خزانة الأدب ٦/ ٣٦٢، وبلا نسبة في رصف المباني ٢٠٣، وسرّ صناعة الإعراب ٣٠٢، وشرح اختيارات المفضل ٥٣٧، ولسان العرب (نبت)، والمقتضب ٤/ ٤١٦، والثاني بلا نسبة في الحيوان ٦/ ٥٠٠. [.....]\n(٢) في الكتاب (أشرك) بدل أسرع.\nوفالج: هو فالج بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، أساء إليه بعض بني مازن فدعا الشاعر عليهم مستثنيا منهم رجلا يدعى (ناشرة) لأنه لم يرض عن إساءة بني مازن لفالج. واللبون: ذوات اللبن.\nوأغدّت: صارت فيها الغدة وهي كالذبحة تعتري البعير.\n(٣) الغلواء: النماء والارتفاع. والمتنبّت: المنمّى والمغذّى.\n(٤) مرّ الشاهد رقم ١١٠.\n(٥) الشاهد لعمرو بن معديكرب في ديوانه ١٧٨، والكتاب ٢/ ٣٥٠، ولسان العرب (ألا)، والممتع في التصريف ١/ ٥١، ولحضرمي بن عامر في تذكرة النحاة ص ٩٠، وحماسة البحتري ١٥١، والحماسة البصرية ٢/ ٤١٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٦، والمؤتلف والمختلف ٨٥، ولعمرو أو الحضرمي في خزانة الأدب ٣/ ١٤٢١، والدرر ٣/ ١٧٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٢١٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ١٨٠، وأمالي المرتضى ٢/ ٨٨، والجنى الداني ٥١٩، وخزانة الأدب ٩/ ٣٢١، ورصف المباني ٩٢، وشرح الأشموني ١/ ٢٣٤، وشرح المفصل ٢/ ٨٩، ومغني اللبيب ١/ ٧٢، والمقتضب ٤/ ٤٠٩.","vol":"2","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1198>[سورة يونس (١٠): آية ١٠٠]</span>\nوَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠)\nوَيَجْعَلُ الرِّجْسَ أي العذاب عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ أي لا يعقلون أمر الله جلّ وعزّ وهم الكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1199>[سورة يونس (١٠): آية ١٠١]</span>\nقُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١)\nوَما تُغْنِي في موضع رفع حذفت الضمة من الياء لثقلها وحذفت الياء من اللفظ لالتقاء الساكنين وكذا نُنَجِّيكَ في موضع رفع «وما» في موضع نصب بيعني وهو اسم تام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1200>[سورة يونس (١٠): آية ١٠٤]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)\nفَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مرفوع بالمضارعة، وكذا أَعْبُدُ اللَّهَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1201>[سورة يونس (١٠): آية ١٠٩]</span>\nوَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)\nوَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ابتداء وخبر لأنه جلّ وعزّ لا يحكم إلّا بالحقّ، وروي عن طلحة والأعمش وعاصم إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ [يونس: ٩٨] بكسر النون وكذا «يوسف» بكسر السين. قال أبو حاتم: يجب إذا كسروا أن يهمزوا لأنهم يتوهّمونه من آنس يؤنس وآسف يؤسف. قال: وقال أبو زيد: بعض العرب يقول يونس ويوسف.","vol":"2","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1202>١١ شرح إعراب سورة هود ع</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1203>[سورة هود (١١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)\nقال أبو جعفر: يقال: هذه هود فاعلم بغير تنوين على أنه اسم للسورة لأنك لو سمّيت امرأة بزيد لم تصرف هذا قول الخليل وسيبويه «١»، وعيسى يقول: هذه هود فاعلم بالتنوين على أنه اسم للسورة وكذلك لو سمّى امرأة بزيد لأنه لمّا سكن وسطه خفّ فصرف فإن أردت الحذف صرفت على قول الجميع فقلت: هذه هود فاعلم تريد هذه سورة هود. قال سيبويه: والدليل على هذا أنك تقول: هذه الرحمن فلولا أنك تريد سورة الرحمن ما قلت هذه. كِتابٌ بمعنى هذا كتاب أُحْكِمَتْ آياتُهُ في موضع رفع نعت لكتاب وأحسن ما قيل في معنى «أحكمت» جعلت محكمة كلّها لا خلل فيها ولا باطل وفي ثُمَّ فُصِّلَتْ آياته جعلت متفرّقة ليتدبّر مِنْ لَدُنْ في موضع خفض إلّا أنها مبنيّة على السكون لأنها غير متمكّنة وما بعدها مخفوض بالإضافة، وحكى سيبويه «٢»: لدن غدوة يا هذا لمّا كان يقال: لد، كما أنشد سيبويه: [الرجز] ٢٠٦-\nمن لد شول فإلى إتلائها «٣»\nصارت النون مثلها في عشرين فنصبت ما بعدها حَكِيمٍ أي في أفعاله خَبِيرٍ أي بمصالح خلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>[سورة هود (١١): آية ٢]</span>\nأَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)\nأَلَّا قال الكسائي والفراء «٤»: أي بأن لا وقال أبو إسحاق المعنى لئلا تَعْبُدُوا نصب بأن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>[سورة هود (١١): آية ٣]</span>\nوَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٢٦٥.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٩٢.\n(٣) مرّ الشاهد رقم ٧٢ «من لد شولا» .\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣.","vol":"2","page":160},{"text":"وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا عطف ثُمَّ تُوبُوا عطف أيضا يُمَتِّعْكُمْ جواب الأمر أي يمتعكم بالمنافع مَتاعًا اسم للمصدر حَسَنًا من نعته. وَيُؤْتِ عطف على يمتّعكم كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ مفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>[سورة هود (١١): آية ٥]</span>\nأَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥)\nوروى ابن جريج عن محمد بن عبّاد قال: سمعت ابن عباس يقول: (ألا إنهم تثنوني صدورهم ليستخفوا منه) «١» قال: كانوا لا يجامعون النساء ولا يأتون الغائط وهم يغضون إلى السماء فنزلت هذه الآية، وقيل: كان بعضهم ينحني على بعض ليسارّه وبلغ من جهلهم أن توهموا أن ذلك يخفى على الله جلّ وعزّ، وروى غير محمد بن عباد عن ابن عباس إلا إنهم تثنون صدورهم «٢» ومعنى تثنون والقراءتين الأخريين مقارب لأنها تثنوني حتى يثنوها، وحذف الياء لا يجوز إلا في ضرورة الشعر كما قال: [المتقارب] ٢٠٧-\nفهل يمنعني ارتيادي البلاد ... من حذر الموت أن يأتين «٣»\nأو في صلة نحو وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [الفجر: ٤] يَسْتَغْشُونَ في موضع خفض بالإضافة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>[سورة هود (١١): آية ٦]</span>\nوَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦)\nوَما مِنْ دَابَّةٍ في موضع رفع والمعنى وما دابة إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها رفع بالابتداء وعند الكوفيين بالصفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1208>[سورة هود (١١): آية ٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)\nوَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ كسرت إن لأنها بعد القول مبتدأة وحكى سيبويه الفتح لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بفتح اللام التي قبل النون لأنه فعل متقدّم لا ضمير فيه، وبعده لَيَقُولَنَّ لأن فيه ضميرا.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٠٣، ومعاني الفراء ٢/ ٣.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٠٣، ومختصر ابن خالويه ٥٩.\n(٣) الشاهد للأعشى في ديوانه ص ٩٥، والدرر ٥/ ١٥١، والكتاب ٣/ ٥٧٤، وشرح المفصل ٩/ ٤٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٢٤، والمحتسب ١/ ٣٤٩، وبلا نسبة في همع الهوامع ٢/ ٧٨.","vol":"2","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1209>[سورة هود (١١): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩)\nلَيَؤُسٌ من يئس ييأس وحكى سيبويه «١»: يئس ييئس على فعل يفعل، ونظيره حسب يحسب ونعم ينعم وبئس يبئس، وبعضهم يقول: يئس ييأس لا يعرف في كلام العرب إلّا هذه الأربعة الأحرف من السالم جاءت على فعل يفعل في واحد منها اختلاف، فهو يائس ويؤوس على التكثير وكذا فاخر وفخور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1210>[سورة هود (١١): آية ١٠]</span>\nوَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)\nقال يعقوب القارئ: وقرأ بعض أهل المدينة إنه لفرح فخور «٢» .\nقال أبو جعفر: هكذا كما تقول: فطن وحذر وندس ويجوز في كلتا اللغتين الإسكان لثقل الضمة والكسرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1211>[سورة هود (١١): آية ١١]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)\nإِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا في موضع نصب. قال الأخفش: هو استثناء ليس من الأول وقال الفراء «٣»: هو استثناء من الأول. وَلَئِنْ أَذَقْناهُ أي الإنسان قال: لأن الإنسان بمعنى الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>[سورة هود (١١): آية ١٢]</span>\nفَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)\nفَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ معطوف على تارك، وصدرك مرفوع به. أَنْ يَقُولُوا في موضع نصب أي كراهة أن يقولوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1213>[سورة هود (١١): آية ١٣]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣)\nقُلْ فَأْتُوا وبعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>[سورة هود (١١): آية ١٤]</span>\nفَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ١٦٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٠٧، ومختصر ابن خالويه ٥٩.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٤. [.....]","vol":"2","page":162},{"text":"فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ولم يقل: لك فهو على تحويل المخاطبة أو على أن تكون المخاطبة له كالمخاطبة للمؤمنين وعلى أن يخاطب مخاطبة الجميع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>[سورة هود (١١): آية ١٥]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥)\nمَنْ كانَ في موضع جزم بالشرط، وجوابه نُوَفِّ إِلَيْهِمْ فالأول من اللفظ ماض والثاني مستقبل كما قال زهير: [الطويل] ٢٠٨-\nومن هاب أسباب المنايا ينلنه «١»\nقال مجاهد: نوف إليه حسناته في الدنيا، وقال ميمون بن مهران: ليس أحد يعمل حسنة إلا وفّي ثوابها فإن كان مسلما وفي في الدنيا والآخرة وإن كان كافرا وفّي في الدنيا، وقيل: المعنى: من كان يريد بغزوة مع النبي ﷺ الغنيمة وفيها ولم ينقص منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1216>[سورة هود (١١): آية ١٦]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)\nوَباطِلٌ ابتداء ما كانُوا يَعْمَلُونَ خبره، وقال أبو حاتم: وحذف الهاء. قال أبو جعفر: وهذه لا يحتاج إلى حذف لأنه بمعنى المصدر أي وباطل عمله وفي حرف أبيّ وعبد الله وباطلا ما كانوا يعملون «٢» خبره تكون ما زائدة أي كانوا يعملون باطلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1217>[سورة هود (١١): آية ١٧]</span>\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧)\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ابتداء والخبر محذوف أي: أفمن كان على بيّنة من ربّه ومعه من الفضل ما يبين به ذلك لغيّه فهذا على قول علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن قالا: وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ لسانه، وقال عكرمة عن ابن عباس: ويتلوه شاهد منه «جبرائيل» ﵇ فيكون على هذا «ويتلو البيان والبرهان شاهد من الله عزّ\n_________\n(١) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٣٠، والخصائص ٣/ ٣٢٤، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٢٦٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٨٦، ولسان العرب (سبب) . وعجزه:\n«ولو نال أسباب الماء بسلّم»\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢١١، ومختصر ابن خالويه ٥٩.","vol":"2","page":163},{"text":"وجلّ»، وقال الفراء: قال بعضهم «ويتلوه شاهد منه» الإنجيل وإن كان قبله أي يتلوه في التصديق. وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى رفع بالابتداء. قال أبو إسحاق: المعنى: ويتلوه من قبله كتاب موسى لأن النبي ﷺ موصوف في كتاب موسى ﷺ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: ١٥٧]، وحكى أبو حاتم عن بعضهم أنه قرأ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى «١» بالنصب. قال أبو جعفر: النصب جائز يكون معطوفا على الهاء أي ويتلو كتاب موسى إِمامًا وَرَحْمَةً على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1218>[سورة هود (١١): آية ٢٠]</span>\nأُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)\nيُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ أي على قدر كفرهم ومعاصيهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ (ما) في موضع نصب على أن يكون المعنى بما كانوا كما تقول: جزيته ما فعل وبما فعل وأنشد سيبويه: [البسيط] ٢٠٩-\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به «٢»\nويجوز أن يكون المعنى: يضاعف لهم العذاب أبدا، والتقدير في العربية وقت ذلك ويجوز أن تكون «ما» نافية لا موضع لها. قال الفراء: ما كانوا يستطيعون السمع لأنّ الله جلّ وعزّ أضلّهم في اللّوح المحفوظ، والجواب الرابع عن أبي إسحاق قال:\nلبغضهم النبيّ ﷺ وعداوتهم له لا يستطيعون أن يستمعوا منه ولا يتفهموا الحجج. قال أبو جعفر: وهذا معروف في كلام العرب أن يقال: فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان إذا كان ذلك ثقيلا عليه. وَما كانُوا يُبْصِرُونَ عطف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1219>[سورة هود (١١): آية ٢١]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)\nأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ\nابتداء وخبر: ويقال: اللذون ولا يجوز أن يبنى كما يبنى الواحد وفي بنائه أربعة أقوال: قال الأخفش: ضمّت الّذي إلى النون فصار كخمسة عشر، وقيل: لأنه لا يتم إلّا بصلة، ولا يعرب الاسم من وسطه، وقال علي بن سليمان: لأنه يقع لكل غائب، وقال محمد بن يزيد: لأنه يحتاج إلى ما بعده كالحروف إلّا أنه أنّث وثنّي وجمع لأنه نعت ولم تحرّك ياؤه في موضع النصب لأنه ليس بمعرف ولهذا حذفت في التثنية.\n_________\n(١) وهذه قراءة محمد بن السائب الكلبي وغيره، انظر البحر المحيط ٥/ ٢١١، ومختصر ابن خالويه ٥٩.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٥١) .","vol":"2","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1220>[سورة هود (١١): آية ٢٢]</span>\nلا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)\nلا جَرَمَ قد تكلّم العلماء فيه، فقال الخليل وسيبويه «١»: جرم بمعنى حقّ، «فإنّ» عندهما في موضع رفع وهذا قول الفراء «٢» ومحمد بن يزيد وزعم الخليل أن «لا» هاهنا جيء بها ليعلم أنّ المخاطب لم يبتدئ كلامه وإنّما خاطب من خاطبه والكلام يجاء به ليدلّ على المعاني. وقال أبو إسحاق: «لا» هاهنا نفي لما ظنّوا أنه ينفعهم كان المعنى لا ينفعهم ذلك جَرَمَ أَنَّهُمْ أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران فإنّ عنده في موضع نصب، وقال الكسائي: في الإعراب لا صدّ ولا منع عن أنهم، وحكى الكسائي فيها أربع لغات «لا جرم»، «ولا عن ذا جرم» و«لا انّ ذا جرم» قال: وناس من فزارة يقولون: لا جر أنهم بغير ميم، وحكى الفراء «٣» فيه لغتين أخريين قال: بنو عامر يقولون: لا ذا جرم، قال: وناس من العرب يقولون: لا جرم بضم الجيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1221>[سورة هود (١١): آية ٢٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣)\nإِنَّ الَّذِينَ اسم إنّ آمَنُوا صلة وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ عطف على الصلة قال مجاهد «أخبتوا» اطمأنوا وقال الفراء: أخبتوا إلى ربهم ولربهم واحد وقد يكون المعنى وجّهوا أخباتهم إلى ربهم. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خبر «إنّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1222>[سورة هود (١١): آية ٢٤]</span>\nمَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)\nمَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ابتداء، والخبر كَالْأَعْمى وما بعده. قال الأخفش: أي كمثل الأعمى قال أبو جعفر: التقدير: مثل فريق الكافر كالأعمى والأصمّ ومثل فريق المؤمن كالسميع والبصير ولهذا هَلْ يَسْتَوِيانِ ولا يقع هاهنا من حروف العطف إلّا الواو لأنها للاجتماع، وحكى سيبويه: مررت بأخيك وصديقك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1223>[سورة هود (١١): آية ٢٥]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي أي فقال إنّي وأني أي بأنّي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1224>[سورة هود (١١): آية ٢٧]</span>\nفَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)\nفَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ قال إسحاق: «الملأ» الرؤساء أي هم مليئون بما\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ١٥٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٨.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٨.","vol":"2","page":165},{"text":"يقولون: ما نَراكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنا نصب على الحال ومثلنا مضاف إلى معرفة وهو نكرة يقدّر فيه التنوين كما قال: [الكامل] ٢١٠-\nيا ربّ مثلك في النّساء غريرة «١»\nوَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا وهم الفقراء والذين لا حسب لهم والخسيسو الصناعات، وفي الحديث أنّهم كانوا حاكة وحجّامين، وكان هذا جهلا منهم لأنهم عابوا نبي الله ﷺ بما لا عيب فيه لأن الأنبياء صلوات الله عليهم إنّما عليهم أن يأتوا بالبراهين والآيات وليس عليهم تغيير الصور والهيئات وهم يرسلون إلى النّاس جميعا فإذا أسلم منهم الذين لم يلحقهم من ذلك نقصان لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من أسلم منهم بادِيَ الرَّأْيِ بدأ يبدو إذا ظهر كما قال: [الكامل] ٢١١-\nفاليوم حين بدون للنّظّار «٢»\nويجوز أن يكون «بادي الرأي» من بدأ وخفّفت الهمزة، وحقّق أبو عمرو الهمزة فقرأ بادِيَ الرَّأْيِ «٣» . قال أبو إسحاق: نصبه بمعنى في بادئ الرأي. قال أبو جعفر: لم يشرح النحويون نصبه فيما علمت بأكثر من هذا فيجوز أن يكون «في» حذفت كما قال جلّ وعزّ وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الأعراف: ١٥٥] ويجوز أن يكون المعنى اتباعا ظاهرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1225>[سورة هود (١١): آية ٢٨]</span>\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨)\nوحكى الكسائي والفراء «٤» أَنُلْزِمُكُمُوها بإسكان الميم الأولى تخفيفا وقد أجاز سيبويه مثل هذا وأنشد: [السريع] ٢١٢-\nفاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل «٥»\n_________\n(١) الشاهد لأبي محجن الثقفي في الكتاب ١/ ٤٩٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٤٠، وشرح المفصّل ٢/ ١٢٦، وهو ليس في ديوانه، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص ٢٣٧، ورصف المباني ١٩٠، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٤٥٧، والمقتضب ٤/ ٢٨٩، وعجزه:\n«بيضاء قد متّعتها بطلاق»\n(٢) الشاهد من قصيدة للربيع بن زياد العبسي في مالك بن زهير العبسي في شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٢/ ٩٩٦، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ١٠١٩، وشرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ١١١، والخصائص ٣/ ٣٠٠، وصدره:\n«قد كنّ يخبأن الوجوه تستّرا»\n(٣) انظر تيسير الداني ١٠١.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ١٢.\n(٥) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ١٢٢، والكتاب ٤/ ٣١٩، وإصلاح المنطق ٢٤٥، والأصمعيات ١٣٠، وجمهرة اللغة ٩٦٢، وخزانة الأدب ٤/ ١٠٦، والدرر ١/ ١٧٥، ورصف المباني ٣٢٧، وشرح التصريح ١/ ٨٨، وشرح شواهد الإيضاح ٢٥٦، وشرح المفصل ١/ ٤٨، ولسان العرب (دلك) و(حقب)، و(وغل)، والمحتسب ١/ ١٥، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٦٦، والاشتقاق ٣٣٧، والخصائص ١/ ٧٤، وهمع الهوامع ١/ ٥٤.","vol":"2","page":166},{"text":"ويجوز على قول يونس في غير القرآن أنلزمكمها يجري المضمر مجرى المظهر كما تقول: أنلزمكم تلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1226>[سورة هود (١١): آية ٣٠]</span>\nوَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠)\nأَفَلا تَذَكَّرُونَ أدغمت التاء في الذال، ويجوز حذفها فتقول: تذكّرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1227>[سورة هود (١١): آية ٣١]</span>\nوَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)\nوَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ أخبر بتواضعه وتذلّله لله جلّ وعزّ وأنه لا يدّعي ما ليس له من خزائن الله جلّ وعزّ وهي أنعامه على من يشاء من عباده، وأنه لا يعلم الغيب لأن الغيب لا يعلمه إلا الله جلّ وعزّ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ أي ولا أقول إنّ منزلتي عند الله جلّ وعزّ منزلة الملائكة. وقد قالت العلماء: الفائدة في هذا الكلام الدلالة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلّم لدوامهم على الطاعة واتصال عبادتهم إلى يوم القيامة. وَلا أَقُولُ لكم ولا لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ والأصل تزدريهم حذفت الهاء والميم لطول الاسم والدال مبدلة من تاء لأن الزاي مجهورة والتاء مهموسة فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها. إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي إن قلت هذا وإذن ملغاة لأنها متوسطة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1228>[سورة هود (١١): آية ٣٢]</span>\nقالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)\nوعن ابن عباس فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا «١» والجدل في كلام العرب المبالغة في الخصومة والمناظرة مشتق من الجدل وهو شدّة الفتل. ويقال للصقر أجدل لشدّته في الطير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1229>[سورة هود (١١): آية ٣٤]</span>\nوَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)\nوَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ أي لأنكم لا تقبلون نصحا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1230>[سورة هود (١١): آية ٣٥]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)\nإِجْرامِي مصدر أجرم وأجرامي جمع جرم وقد أجرم وجرم.\n_________\n(١) انظر المحتسب ١/ ٣٢١، ومختصر ابن خالويه ٦٠، والبحر المحيط ٥/ ٢١٩.","vol":"2","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1231>[سورة هود (١١): آية ٣٦]</span>\nوَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)\nوَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ في صرف نوح قولان: أحدهما أنّه أعجميّ ولكنه خفّ لأنه على ثلاثة أحرف، والآخر أنّه عربيّ قال عكرمة: إنما سمّي نوحا لأنه كان يكثر النياحة على نفسه قال: وركب في السفينة لعشر خلون من رجب وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود: ٤٤] لعشر خلون من المحرّم فذلك ستة أشهر وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها ورفعها ثلاثون ذراعا. أَنَّهُ في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسمّ فاعله ويجوز أن يكون في موضع نصب ويكون التقدير بأنه، لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ في موضع رفع بيؤمن فَلا تَبْتَئِسْ أي فلا تغتمّ حتى تكون بائسا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1232>[سورة هود (١١): آية ٣٧]</span>\nوَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)\nوَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا قيل: معناه بحفظنا، وقيل: بعلمنا، وقيل: لأن الملائكة صلوات الله عليهم كانت تريد ذلك، وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي لا تسألني فيهم فإني مغرقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1233>[سورة هود (١١): آية ٣٨]</span>\nوَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨)\nوَكُلَّما ظرف مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قال الأخفش والكسائي يقال:\nسخرت به ومنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1234>[سورة هود (١١): آية ٣٩]</span>\nفَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)\nفَسَوْفَ تَعْلَمُونَ قال الكسائي: وناس من أهل الحجاز يقولون: سو تعلمون.\nقال: ومن قال: ستعلمون أسقط الواو والفاء جميعا، وحكى الكوفيون: سف تعلمون.\nولا يعرف البصريون إلّا سوف يفعل وسيفعل لغتان ليست إحداهما من الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1235>[سورة هود (١١): آية ٤٠]</span>\nحَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠)\nقُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ في موضع نصب باحمل. وَأَهْلَكَ عطف عليه إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ «من» في موضع نصب بالاستثناء. وَمَنْ آمَنَ في موضع نصب عطف على اثنين وإن شئت على أهلك، وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ رفع بآمن، ولا يجوز نصبه على الاستثناء لأن الكلام قبله لم يتم إلّا أنّ الفائدة في دخول «إلّا» و«ما» أنك لو قلت: آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد آمن فإذا جئت بما وإلا أوجبت لما بعد إنّ ونفيت عن غيرهم.","vol":"2","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1236>[سورة هود (١١): آية ٤١]</span>\nوَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)\nوَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها بضم ميميهما «١» قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة إلّا من شذّ منهم، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها بفتح الميم وَمُرْساها بضم الميم، وروي عن يحيى بن عيسى عن الأعمش عن يحيى بن وثاب باسم الله مجراها ومرساها «٢» بفتح الميم فيهما، وقرأ مجاهد ومسلم بن جندب وعاصم الجحدري باسم الله مجريها ومرسيها «٣» فالقراءة الأولى بمعنى باسم الله إجراؤها وإرساؤها مرفوع بالابتداء، ويجوز أن يكون في موضع نصب ويكون التقدير باسم الله وقت إجرائها كما تقول: أنا أجيئك مقدم الحاجّ، وقيل:\nالتقدير باسم الله موضع إجرائها ثم حذف موضع وأقيم مجراها مقامه، وقال الضحاك:\nكان إذا قال: باسم الله جرت، وإذا قال: باسم الله رست وتكون الباء متعلّقة باركبوا و«مجراها» بفتح الميم من جرت مجرى و«مرساها» بفتح الميم من رست رسوّا ومرسى إذا ثبتت، ومجريها نعت لله جلّ وعزّ في موضع جرّ، ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي هو مجريها ومرسيها ويجوز النصب على الحال بمعنى أعني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1237>[سورة هود (١١): آية ٤٢]</span>\nوَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢)\nوَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ ويجوز على قول سيبويه وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ مختلس وَكانَ فِي مَعْزِلٍ «٤» وأنشد سيبويه: [الوافر] ٢١٣-\nله زجل كأنه صوت حاد «٥»\nفأما وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ «٦» فقراءة شاذّة وزعم أبو حاتم أنها تجوز على أنه يريد ابنها ثم يحذف الألف كما تقول: ابنه فتحذف الواو. قال أبو جعفر: هذا الذي قاله أبو حاتم لا يجوز على مذهب سيبويه لأن الألف خفيفة فلا يجوز حذفها والواو ثقيلة يجوز حذفها. وَكانَ فِي مَعْزِلٍ اسم المكان والمصدر معزل يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٠١. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٤.\n(٣) انظر القراآت المختلفة في البحر المحيط ٥/ ٢٢٥، ومعاني الفراء ٢/ ١٤.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٦٠.\n(٥) مرّ الشاهد رقم (١٧) وعجزه:\n«إذا طلب الوسيقة أو زمير»\n(٦) انظر مختصر ابن خالويه ٦٠، وهذه قراءة هشام بن عروة.","vol":"2","page":169},{"text":"، وقرأ عاصم يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا بفتح الياء. قال أبو إسحاق: ويجوز في العربية يا بنيّ اركب معنا كما تقول: يا غلامي أقبل وكذا يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] «يا بني اركب معنا» على أن تحذف الياء وتبقي الكسرة دالّة عليها كما تقول: يا غلام أقبل. فأما قراءة عاصم فمشكلة، قال أبو حاتم: يريد يا بنيّاه ثم حذف. قال أبو جعفر، ورأيت عليّ بن سليمان يذهب إلى أنّ هذا لا يجوز لأن الألف خفيفة فلا يحذف.\nقال أبو جعفر: وما علمت أحدا من النحويين جوّز الكلام في هذا إلّا أبا إسحاق فإنّه زعم أنّ الفتح من جهتين والكسر من جهتين فالفتح على أن يبدل من الياء ألفا كما قال جلّ وعزّ أحيانا يا وَيْلَنا [هود: ٧٢] . وكما قال: [الطويل] ٢١٤-\nفيا عجبا من رحلها المتحمّل «١»\nفيريد بابنيّا ثم حذف الألف لالتقاء الساكنين كما تقول: جاءني عبد الله في التثنية، والجهة الأخرى أن تحذف الألف لأنّ النداء موضع حذف ولكن على أن تحذف الياء، والجهة الأخرى على أن يحذفها لالتقاء الساكنين. وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ يدلّ هذا- والله أعلم- على أنّ نوحا ﷺ لم يعلم أنه كافر وأنه ظنّ أنا مؤمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1238>[سورة هود (١١): آية ٤٣]</span>\nقالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)\nقالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ على التبرئة ويجوز «لا عاصم اليوم» تكون «لا» بمعنى ليس إِلَّا مَنْ رَحِمَ في موضع نصب استثناء ليس من الأول ويجوز أن تكون في موضع رفع على أنّ عاصما بمعنى معصوم مثل ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦] ومن أحسن ما قيل فيه أن يكون «من» في موضع رفع والمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلّا الراحم أي إلّا الله جلّ وعزّ ويحسن هذا لأنك لم تجعل عاصما بمعنى معصوم فتخرجه من بابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1239>[سورة هود (١١): آية ٤٤]</span>\nوَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)\nوَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ قيل: هذا مجاز لأنها موات وقيل: جعل فيها ما تميّز به، والذي قال إنّها مجاز، قال: لو فتّش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها وبلاغة وصفها واشتمال المعاني فيها، وحكى الكسائي\n_________\n(١) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ١١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٥٨، ولسان العرب (عقر)، وتهذيب اللغة ١/ ٢١٨، ومقاييس اللغة ٤/ ٩٠، وتاج العروس (عقر)، وبلا نسبة في رصف المباني ص ٣٤٩، ومغني اللبيب ١/ ٢٠٩، وصدره:\n«ويوم عقرت للعذارى مطيّتي»","vol":"2","page":170},{"text":"والفراء «١» بلعت وبلعت، وَغِيضَ الْماءُ يقال: غاض الماء وغضته، ويجوز غيض الماء، بضم الغين وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ فبيّن الإعراب فيه لأن الياء مشدّدة فقبلها ساكن، وحكى الفراء: واستوت على الجودي، بإسكان الياء لأن قبلها مكسورا وهي مخفّفة وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ والذي قال هذه فيما روي نوح ﷺ والمؤمنون، أي أبعد الله الظالمين فبعدوا بعدا على المصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1240>[سورة هود (١١): آية ٤٥]</span>\nوَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥)\nإِنَّ ابْنِي اسم إنّ مِنْ أَهْلِي في موضع الخبر. وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ اسم «إن» وخبرها، وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ابتداء وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1241>[سورة هود (١١): آية ٤٦]</span>\nقالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦)\nإِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ «٢» قد ذكرناه. فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي بي من لم يعلم أنه مؤمن، إِنِّي أَعِظُكَ أي أعظك بنهيي وزجري لئلّا تكون، والبصريون يقدرون كراهة أن يكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1242>[سورة هود (١١): آية ٤٧]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧)\nأي أسألك أن توفّقني وتلطف لي حتّى لا أسأل ذلك وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي يدلّ على أنّ الأنبياء صلوات الله عليهم يذنبون أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ أي رحمتك يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1243>[سورة هود (١١): آية ٤٨]</span>\nقِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨)\nقِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ أي من السفينة بِسَلامٍ أي بسلامة. وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ أي نعم ثابتة مشتقّ من بروك الجمل وهو ثباته وإقامته. مِمَّنْ مَعَكَ «من» للتبعيض وتكون لبيان الجنس. وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ أي وتكون أمم. قال الأخفش سعيد: كما تقول: كلّمت زيدا وعمرو جالس، وأجاز الفراء في غير القراءة وأمما «٣» وتقديره وسنمتّع أمما.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٢٩.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ١٨.","vol":"2","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1244>[سورة هود (١١): آية ٤٩]</span>\nتِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)\nتِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أي تلك الأنباء وفي موضع آخر ذلك أي ذلك النبأ فَاصْبِرْ أي فاصبر على أذى قومك كما صبر هؤلاء الرسل صلّى الله عليهم وسلّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1245>[سورة هود (١١): آية ٥٠]</span>\nوَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠)\nوَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا نصب بمعنى وأرسلنا. قال أبو إسحاق: قيل له أخوهم لأنه منهم أو لأنه من بني آدم ﵇ كما أنهم من بني آدم ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ على اللفظ وغيره على الموضع وغيره على الاستثناء. إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ أي ما أنتم في اتّخاذكم إلها غيره إلّا كاذبون عليه جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1246>[سورة هود (١١): آية ٥١]</span>\nيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١)\nيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا حذفت الياء لأن النداء موضع حذف لكثرته، ويجوز إثباتها لأنها اسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1247>[سورة هود (١١): آية ٥٢]</span>\nوَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)\nيُرْسِلِ السَّماءَ جزم لأنه جواب وفيه معنى المجازاة مِدْرارًا على الحال وفيه معنى التكثير، والعرب تحذف الهاء في مفعال على النسب. وَيَزِدْكُمْ عطفا على يرسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1248>[سورة هود (١١): آية ٥٤]</span>\nإِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤)\nإِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا على تذكير بعض ويجوز التأنيث على المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>[سورة هود (١١): آية ٥٦]</span>\nإِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)\nإِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ أي رضيت بحكمه ووثقت بنصره. وما مِنْ دَابَّةٍ في موضع رفع بالابتداء. إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها أي يصرّفها كيف يشاء ويمنعها مما شاء أي فلا يصلون إلى ضرري، وكلّ ما فيه الروح يقال: له دابّ ودابّة والهاء للمبالغة إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قيل: معناه لا خلل في تدبيره ولا تفاوت في خلقه.","vol":"2","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1250>[سورة هود (١١): آية ٥٧]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)\nفَإِنْ تَوَلَّوْا في موضع جزم فلذلك حذفت منه النون، والأصل تتولّوا فحذفت التاء لاجتماع تاءين وإنّ المعنى معروف فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ بمعنى قد بيّنت لكم وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ مستأنف، ويجوز أن يكون عطفا على ما يجب فيما بعد الفاء ويجوز الجزم في غير القرآن مثل وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ [الأنعام: ١١٠] وكذا وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1251>[سورة هود (١١): آية ٥٨]</span>\nوَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨)\nوَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا لأنّ أحدا لا ينجو إلا برحمة الله تعالى وإن كانت له أعمال صالحة، وعن النبي ﷺ مثل هذا، وقيل: معنى بِرَحْمَةٍ مِنَّا بأن بيّنا لهم الهدى الذي هو رحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1252>[سورة هود (١١): آية ٥٩]</span>\nوَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)\nوَتِلْكَ عادٌ ابتداء وخبر، وحكى الكسائي والفراء «١» إنّ من العرب من لا يصرف عادا أي يجعله اسما للقبيلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1253>[سورة هود (١١): آية ٦٠]</span>\nوَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)\nأَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ قال الفراء «٢»: أي كفروا نعمة ربّهم قال: ويقال: كفرته وكفرت به، وشكرت له وشكرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1254>[سورة هود (١١): آية ٦١]</span>\nوَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)\nوَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا وقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش وإلى ثمود أخاهم صالحا وصرفا ثمودا في سائر القرآن ولم يصرف حمزة ثمود في شيء من القرآن، وكذا روي عن الحسن واختلف سائر القراء فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع، وزعم أبو عبيد أنه لولا مخالفة السواد لكان الوجه ترك الصرف إذ كان الأغلب عليه التأنيث. قال أبو جعفر: الذي قاله أبو عبيد ﵀ من أن الغالب عليه التأنيث كلام مردود لأن ثمودا يقال له حيّ ويقال له قبيلة وليس الغالب عليه القبيلة بل الأمر\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠.","vol":"2","page":173},{"text":"على ضدّ ما قال عند سيبويه، والأجود عند سيبويه فيما لم يقل فيه بنو فلان الصرف نحو: قريش وثقيف وما أشبههما وكذا ثمود، والعلة في ذلك أنه لمّا كان التذكير الأصل وكان يقع له مذكّر ومؤنّث كان الأصل والأخفّ أولى والتأنيث جيّد بالغ حسن، وأنشد سيبويه في التأنيث: [الكامل] ٢١٥-\nغلب المساميح الوليد سماحة ... وكفى قريش المعضلات وسادها «١»\nغَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ ولا يجوز إدغام الهاء في الهاء إلّا على لغة من حذف الواو في الإدراج إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ أي قريب الإجابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1255>[سورة هود (١١): آية ٦٤]</span>\nوَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)\nهذِهِ ناقَةُ اللَّهِ ابتداء وخبر، وقيل: ناقة الله لأنه أخرجها لهم من جبل على ما طلبوا على أنهم يؤمنون. لَكُمْ آيَةً نصب على الحال. فَذَرُوها أمر فلذلك حذفت منه النون، ولا يقال: وذر ولا واذر إلّا شاذا، وللنحويين فيه قولان: قال سيبويه «٢»: استغنوا عنه بترك، وقال غيره: لما كانت الواو ثقيلة وكان في الكلام فعل بمعناه لا واو فيه ألغوه، تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ جزم لأنه جواب الأمر. قال أبو إسحاق:\nويجوز رفعه على الحال والاستئناف. وَلا تَمَسُّوها جزم بالنهي. قال الفراء. بِسُوءٍ أي بعقر فَيَأْخُذَكُمْ جواب النهي عَذابٌ قَرِيبٌ من عقرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1256>[سورة هود (١١): آية ٦٥]</span>\nفَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)\nفَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا أي بنعم الله جلّ وعزّ قبل العذاب. ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ظرف زمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1257>[سورة هود (١١): آية ٦٦]</span>\nفَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)\nقال أبو حاتم: حدّثنا أبو زيد عن أبي عمرو أنه قرأ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ أدغم الياء في الياء وأضاف وكسر الميم من يومئذ. قال أبو جعفر: الذي يرويه النحويون مثل سيبويه ومن قاربه عن أبي عمرو في مثل هذا الإخفاء فأما الإدغام فلا يجوز لأنه يلتقي\n_________\n(١) الشاهد لعديّ بن الرقاع في ديوانه ص ٤٠، وخزانة الأدب ٤٠، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٨٢، والطرائف الأدبية ٩٠، ولسان العرب (قرش) ولجرير في لسان العرب (سمح)، وليس في ديوانه، وهو بلا نسبة في الإنصاف ص ٥٠٦، وما ينصرف وما لا ينصرف ٥٩، والمقتضب ٣/ ٣٦٢، والكتاب ٣/ ٢٧٤.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٢٢٨.","vol":"2","page":174},{"text":"ساكنان ولا يجوز كسر الزاي. قال أبو جعفر: ومن قرأ من خزي يومئذ حذف التنوين وأضاف ومن نوّن نصب يومئذ على أنه ظرف ومن حذف التنوين ونصب فقال ومن خزي يومئذ فله تقديران عند النحويين: فتقدير سيبويه أنه مبنيّ لأن ظرف الزمان ليس الإعراب فيه متمكنا فلما أضيف إلى غير معرب بني وأنشد: [الطويل] ٢١٦-\nعلى حين ألهى الناس جلّ أمورهم «١»\nوقال أبو حاتم: جعل «يوم» و«إذ» بمنزلة خمسة عشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1258>[سورة هود (١١): آية ٦٧]</span>\nوَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧)\nوَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ صيح بهم فماتوا وذكّر لأن الصيحة والصياح واحد، فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ قيل: ساقطين على وجوههم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1259>[سورة هود (١١): آية ٦٩]</span>\nوَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)\nوَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قيل: بالولد، وقيل: بشروه بأنهم رسل الله جلّ وعزّ وأنّه لا خوف عليه. قالُوا سَلامًا في نصبه وجهان: يكون مصدرا، والوجه الآخر أن يكون منصوبا بقالوا كما يقال: قالوا خيرا والتفسير على هذا روى يحيى القطّان عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قالُوا سَلامًا أي سددا، قالَ سَلامٌ «٢» في رفعه وجهان: أحدهما على إضمار مبتدأ أي هو سلام وأمري سلام، والآخر بمعنى سلام عليكم. قال الفراء «٣»: ولو كانا جميعا منصوبين أو مرفوعين جاز، غير أن الفراء اعتلّ لأن كان الأول منصوبا والثاني مرفوعا فقال: قالوا سلاما فقال إبراهيم ﷺ هو سلام إن شاء الله. فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ سيبويه يذهب إلى أنّ «أن» في موضع نصب، قال: تقول: لا يلبث أن يأتيك أي عن إتيانك وأجاز الفراء: أن يكون موضعها بلبث أي فما أبطأ مجيئه.\n_________\n(١) الشاهد لأعشى همدان في الحماسة البصرية ٢/ ٢٦٢، ولشاعر من همدان في شرح أبيات سيبويه ١/ ٣٧١، ولأعشى همدان أو للأحوص أو لجرير في المقاصد النحوية ٣/ ٤٦، وهو مع آخر في ملحق ديوان الأحوص ص ٢١٥، وملحق ديوانه جرير ١٠٢١، وبلا نسبة في الكتاب ١/ ١٧١، والإنصاف ٢٩٣، وجمهرة اللغة ٦٨٢، والخصائص ١/ ١٢٠، وسرّ صناعة الإعراب ص ٥٠٧، وشرح الأشموني ١/ ٢٠٤، وشرح التصريح ١/ ٣٣١، وشرح ابن عقيل ٢٨٩، ولسان العرب (ندل) و(خشف) وعجزه:\n«فندلا زريق المال ندل الثعالب» [.....]\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٤١.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١.","vol":"2","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1260>[سورة هود (١١): آية ٧٠]</span>\nفَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)\nفَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ هذه لغة أهل الحجاز، ولغة أسد وتميم «أنكرهم» وقال امرؤ القيس: [الطويل] ٢١٧-\nلقد أنكرتني بعلبك وأهلها «١»\nويروى للأعشى: [البسيط] ٢١٨-\nوأنكرتني وما كان الّذي نكرت ... من الحوادث إلّا الشّيب والصّلعا «٢»\nوَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قال سيبويه: وناس من ربيعة يقولون: «منهم» أتبعوها الكسرة ولم يكن المسكّن عندهم حاجزا حصينا. قال أبو جعفر: وقيل: إنما أوجس منهم خيفة لأنه كان يقيم معتزلا في ناحية فخاف أن يكونوا عزموا له على شرّ، وكان الضّيفان إذا لم يأكلوا فإنما أرادوا شرّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1261>[سورة هود (١١): آية ٧١]</span>\nوَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١)\nوَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ ابتداء وخبر، فَضَحِكَتْ قد ذكرناه، وقيل: إنما ضحكت لأنهم أحيوا العجل بإذن الله ﷿ فلما لحق بأمه ضحكت فلما ضحكت بشروها بإسحاق وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ رفعه من جهتين: إحداهما بالابتداء ويكون في موضع الحال أي بشروها بإسحاق مقابلا له يعقوب، والوجه الآخر أن يكون التقدير ومن وراء إسحاق يحدث يعقوب، ولا يكون على هذا داخلا في البشارة، وقرأ حمزة وعبد الله بن عامر وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ والكسائي والأخفش وأبو حاتم يقدّرون يعقوب في موضع خفض، وعلى مذهب سيبويه والفراء «٣»، يكون في موضع نصب. قال الفراء: ولا يجوز الخفض إلّا بإعادة الخافض.\nقال سيبويه ولو قلت: مررت بزيد أوّل من أمس وأمس عمرو كان قبيحا خبيثا لأنك فرّقت بين المجرور وما يشركه وهو الواو كما تفرّق بين الجارّ\n_________\n(١) هذا الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ٦٨، وعجزه:\n«ولا ابن جريج في قربه حمص أنكرا»\n(٢) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٥١، ولسان العرب (نكر)، وتهذيب اللغة ١٠/ ١٩١، وديوان الأدب ٢/ ٢٣٥، وأساس البلاغة (نكر)، وتاج العروس (نكر) و(صلع)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٥/ ٤٧٦، والمحتسب ٢/ ٢٩٨، وتفسير الطبري ١٢/ ٧١.\n(٣) انظر الكتاب ١/ ١٤٧، ومعاني الفراء ٢/ ٢٢.","vol":"2","page":176},{"text":"والمجرور. قال أبو جعفر: يكون التقدير: من وراء إسحاق وهبنا له يعقوب كما قال «١»: [البسيط] ٢١٩-\nجئني بمثل بني بدر لقومهم ... أو مثل أسرة منظور بن سيّار\nأو عامر بن طفيل في مركّبه ... أو حادثا يوم نادى القوم يا حار\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1262>[سورة هود (١١): آية ٧٢]</span>\nقالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)\nقالَتْ يا وَيْلَتى بإمالة الألف وتفخيمها. قال أبو إسحاق: أصلها الياء فأبدل من الياء ألف. وَهذا بَعْلِي ابتداء وخبر شَيْخًا على الحال. قال أبو إسحاق: والحال هاهنا نصبها من لطيف النحو وغامضه لأنك إذا قلت: هذا زيد قائما، وكان المخاطب لا يعرف زيدا لم يجز لأنه لا يكون زيدا ما دام قائما فإذا زال ذلك لم يكن زيدا فإذا كان يعرف زيدا صحّت المسألة، والعامل في الحال التنبيه والإشارة. قال الأخفش:\nوفي قراءة أبيّ وابن مسعود وهذا بعلي شيخ قال الفراء «٢»: وفي قراءة ابن مسعود وهذا بعلي شيخ. قال أبو جعفر: الرفع من خمسة أوجه: تقول هذا زيد قائم، فزيد بدل من هذا وقائم خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون هذا مبتدأ وزيد قائم خبرين، وحكى سيبويه: هذا حلو حامض: ويجوز أن يكون «قائم» مرفوعا على إضمار هذا أو هو، ويجوز أن يكون مرفوعا على البدل من زيد، والوجه الخامس أن يكون هذا مبتدأ وزيد مبيّنا عنه وقائم خبرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1263>[سورة هود (١١): آية ٧٣]</span>\nقالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)\nرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ مبتدأ، والخبر في عَلَيْكُمْ وحكى سيبويه «عليكم» بكسر الكاف لمجاورتها الياء أَهْلَ الْبَيْتِ منصوب على النداء ويسمّيه سيبويه «٣» تخصيصا إِنَّهُ حَمِيدٌ أي محمود مَجِيدٌ أي ماجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1264>[سورة هود (١١): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nفَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)\nفَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ، مذهب الأخفش والكسائي أن يجادلنا في موضع جادلنا. قال أبو جعفر: لما كان جواب «لمّا» يجب أن يكون للماضي جعل المستقبل مكانه كما أنّ الشرط يجب أن يكون بالمستقبل فجعل الماضي مكانه، وفي جواب آخر يكون «يجادلنا» في موضع الحال أي أقبل يجادلنا\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم ١٣٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٣.\n(٣) انظر الكتاب ٢/ ٢٤٠.","vol":"2","page":177},{"text":"وهذا قول الفراء «١» . ويقال: أناب إذا رجع، فإبراهيم ﷺ كان راجعا إلى الله جلّ وعزّ في أموره كلّها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1265>[سورة هود (١١): آية ٧٧]</span>\nوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)\nوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وإن شئت ضممت السين لأن أصلها الضمّ. الأصل سوئ بهم من السوء، قلبت حركة الواو على السين فانقلبت ياء فإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت: سي بهم مخففا. ولغة شاذة التشديد. وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا على البيان وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ وعصبصب على التكثير أي مكروه مجتمع الشرّ، وقد عصب أي عصب بالشرّ عصابة، ومنهم قيل: عصابة وعصبة أي مجتمعو الكلمة ومجتمعون في أنفسهم، وعصبة الرجل المجتمعون معه في النسب، وتعصّبت لفلان صرت كعضبته، ورجل معصوب مجتمع الخلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1266>[سورة هود (١١): آية ٧٨]</span>\nوَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)\nوَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ في موضع الحال. قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي ابتداء وخبر، هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ وقرأ عيسى بن عمر هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ، وروى سيبويه: «احتبى ابن مروان «٢» في اللّحن، أي حين قرأ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ» «٣» قال أبو حاتم: ابن مروان قارئ أهل المدينة. قال الكسائي: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ «٤» صواب يجعل هنّ عمادا. قال أبو جعفر: قول الخليل وسيبويه والأخفش أن هذا لا يجوز ولا تكون «هنّ» هاهنا عمادا، قال: وإنما تكون عمادا فيما لا يتمّ الكلام إلا بما بعدها نحو: كان زيد هو أخاك، لتدلّ بها على أن الأخ ليس بنعت. قال أبو إسحاق: وتدلّ على أنّ كان تحتاج إلى خبر، وقال غيره: يدلّ بها على أن الخبر معرفة أو ما قاربها. وَلا تُخْزُونِ في ضيفي أي لا تهينوني ولا تذلوني، وضيف يقع للاثنين والجميع على لفظ الواحد لأنه في الأصل مصدر، ويجوز فيه التثنية والجمع. أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ أي يرشدكم وينهاكم.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٣.\n(٢) هو محمد بن مروان السديّ، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، انظر غاية النهاية ٢/ ٢٦١.\n(٣) انظر الكتاب ٢/ ٤١٧.\n(٤) هذه قراءة الحسن وزيد بن علي، وعيسى بن عمر، وسعيد بن جبير ومروان بن الحكم أيضا، انظر معجم القراءات القرآنية ٣/ ١٢٦، والبحر المحيط ٥/ ٢٤٧، وتفسير الطبري ١٢/ ٥٢، والكشاف ٢/ ٢٨٣، والمحتسب ١/ ٣٢٥.","vol":"2","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1267>[سورة هود (١١): آية ٧٩]</span>\nقالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩)\nقالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ أي لأنا لم نتزوّج بهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1268>[سورة هود (١١): آية ٨١]</span>\nقالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)\nقالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ أي لن يصلوا إليك بمكروه فيروى أنه لمّا قالوا له هذا خلّى بين قومه وبين الدخول فأمرّ جبرائيل ﷺ يده على أعينهم فعموا وعلى أيديهم فجفّت فرجعوا إلى منازلهم مسرعين. فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ يقال: سرى وأسرى إذا سار بالليل لغتان فصيحتان، وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ نصب بالاستثناء، وهي القراءة البيّنة.\nوالمعنى فأسر بأهلك إلّا امرأتك، وقد قال جلّ وعزّ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أي من الباقين لم يخرج بها، وإن كان قد قيل فيه غير هذا، ويدل أيضا على النصب أنه في قراءة عبد الله فأسر بأهلك إلا امرأتك «١» وقد قيل: المعنى لا يلتفت منكم أحد إلى ما خلّف وليخرج مع لوط ﷺ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير إلا امرأتك بالرفع على البدل، فأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد، قال أبو عبيد: ولو كان كذا لكان «ولا يلتفت» بالرفع، وقال غيره:\nكيف يجوز أن يأمرها بالالتفات؟ قال أبو جعفر: وهذا الحمل من أبي عبيد ومن غيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحلّه من العربية لا يجب أن يكون، والتأويل له على ما حكى محمد بن يزيد قال: هذا كما يقول الرجل لحاجبه لا يخرج فلان فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب أي لا تدعه يخرج، فكذا لا يلتفت منكم أحد إلّا امرأتك، ومثله لا يقم أحد إلّا زيد، يكون معناه انههم عن القيام إلّا زيدا، ووجه آخر يكون معناه مر زيدا وحده بالقيام.\nأَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ لأن لوطا ﷺ استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه، وقرأ عيسى بن عمر أَلَيْسَ الصُّبْحُ «٢» بضم الباء وهي لغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1269>[سورة هود (١١): آية ٨٢]</span>\nفَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢)\nجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها مفعولان، حكى أبو عبيد عن الفراء أنه قد يقال «٣» لحجارة الأرحاء سِجِّيلٍ وحكى عنه محمد بن الجهم أن سجّلا طين يطبخ حتى يصير بمنزلة الأرحاء، مَنْضُودٍ من نعت سجيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1270>[سورة هود (١١): آية ٨٣]</span>\nمُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)\nمُسَوَّمَةً من نعت حجارة. قال الفراء «٤»: زعموا أنها كانت مخطّطة بحمرة\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٤٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٤٩. [.....]\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٤.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٤.","vol":"2","page":179},{"text":"وسواد في بياض، فذلك تسويمها أي علاماتها. قال: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ يعني قوم لوط بِبَعِيدٍ قال: لم تكن تخطئهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1271>[سورة هود (١١): آية ٨٤]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا لم تنصرف مدين لأنها اسم مدينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1272>[سورة هود (١١): آية ٨٦]</span>\nبَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)\nبَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ابتداء وخبر. وقد ذكرنا معناه وقد قيل: المعنى: ما يبقيه الله جلّ وعزّ لكم من رزقه وحفظه. خَيْرٌ لَكُمْ ممّا تأخذونه بالبخس والظلم. وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أي لا يتهيّأ لي أن أحفظكم من إزالة نعم الله جلّ وعزّ عنكم بمعاصيكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1273>[سورة هود (١١): آية ٨٧]</span>\nقالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)\nقالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَنْ في موضع نصب، وقال الكسائي: موضعها خفض على إضمار الباء، أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا (أن) في موضع نصب لا غير عطف على (ما) والمعنى أو تأمرك أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، وزعم الفراء «١» أنّ التقدير: أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء، وقرأ الضحاك بن قيس أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء بالتاء فأن على هذه القراءة معطوفة على أن الأولى. إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ. قال أبو جعفر: قد ذكرناه وفيه زيادة هي أحسن ممّا تقدم ولأن ما قبلها يدلّ على صحّتها أي أنت الحليم الرشيد فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا ويدلّ عليها أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أنكروا لمّا رأوا من كثرة صلاته وعبادته وأنه حليم رشيد أن يكون يأمرك بترك ما كان يعبد آباؤهم، وهذا جهل شديد أو مكابرة وبعده أيضا ما يدلّ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1274>[سورة هود (١١): آية ٨٨]</span>\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)\nأي أفلا أنهاكم عن الضلال، وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ في موضع نصب بأريد.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٥.","vol":"2","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1275>[سورة هود (١١): آية ٨٩]</span>\nوَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)\nوقرأ يحيى بن وثاب لا يجرمنّكم بضم الياء شِقاقِي في موضع رفع أَنْ يُصِيبَكُمْ في موضع نصب. وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ قال الكسائي أي دورهم في دوركم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1276>[سورة هود (١١): الآيات ٩١ الى ٩٢]</span>\nقالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)\nقالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ يقال فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها، وحكى الكسائي فقهانا وفقه فقها إذا صار فقيها. وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا على الحال. وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ رفع بالابتداء، وكذا أَرَهْطِي والمعنى أرهطي في قلوبكم أعظم من الله ﷿ وهو يملككم. وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا مفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1277>[سورة هود (١١): آية ٩٣]</span>\nوَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)\nمَنْ في موضع نصب مثل يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة: ٢٢٠] وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ عطف عليها، وأجاز الفراء «١» أن يكون موضعهما رفعا بجعلهما استفهاما. ويدلّ على القول الأول أنّ من الثانية موصولة ومحال أن يوصل بالاستفهام، وقد زعم الفراء أنهم إنما جاءوا بهو في وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ لأنهم لا يقولون: من قائم إنما يقولون: من قام ومن يقوم ومن القائم، فزادوا هو ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل. قال أبو جعفر: ويدلّ على خلاف هذا قوله: [الخفيف] ٢٢٠-\nمن رسول إلى الثّريّا بأنّي ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1278>[سورة هود (١١): آية ٩٥]</span>\nكَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)\nوحكي أن أبا عبد الرحمن السلميّ قرأ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ «٣» بضم العين. قال أبو جعفر: المعروف في اللغة أنه يقال: بعد يبعد بعدا وبعدا إذا هلك.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٦.\n(٢) الشاهد لعمر بن أبي ربيعة ص ٤٣٠.\n(٣) وهي قراءة أبي حيوة أيضا، انظر البحر المحيط ٥/ ٢٥٧، ومختصر ابن خالويه ٦١.","vol":"2","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1279>[سورة هود (١١): الآيات ٩٨ الى ٩٩]</span>\nيَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)\nيَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ يقال: قدمهم يقدمهم قدما وقدوما إذا تقدّمهم وَبِئْسَ الْوِرْدُ رفع ببئس الْمَوْرُودُ رفع بالابتداء وإن شئت على إضمار مبتدأ، وكذا بئس الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ حكى الكسائي وأبو عبيدة «١»: رفدته أرفده رفدا أي أعنته وأعطيته، واسم العطيّة الرفد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1280>[سورة هود (١١): آية ١٠٠]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)\nذلِكَ رفع على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك وإن شئت بالابتداء، وكذا مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ أي منها موجود مبني ومنها مخسوف به وذاهب. قال الأخفش سعيد:\nحصيد أي محصود وجمعه حصدى وحصاد مثل مرضى ومراض، قال: ويجوز فيمن يعقل حصداء مثل قبيل وقبلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1281>[سورة هود (١١): آية ١٠١]</span>\nوَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)\nوَما ظَلَمْناهُمْ أصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه، وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وحكى سيبويه أنه يقال: ظلم إياه. وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ مفعولان وهو مجاز لمّا كانت عبادتهم إياها قد خسرتهم ثواب الآخرة، قيل: ما زادوهم غير تخسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1282>[سورة هود (١١): آية ١٠٢]</span>\nوَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)\nوَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ ابتداء وخبر، وقرأ عاصم الجحدريّ وكذلك أخذ ربّك إذ أخذ القرى «٢» فإذ لما مضى أي حين أخذ القرى، وإذا للمستقبل أي متى أخذ القرى وَهِيَ ظالِمَةٌ أي أهلها مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1283>[سورة هود (١١): آية ١٠٣]</span>\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)\nذلِكَ يَوْمٌ ابتداء وخبر مَجْمُوعٌ من نعته الناس اسم ما لم يسمّ فاعله ولهذا لم يقل: مجموعون، ويجوز أن يكون الناس رفعا بالابتداء، ومجموع له خبره ولم يقل:\nمجموعون لأن «له» يقوم مقام الفاعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1284>[سورة هود (١١): آية ١٠٥]</span>\nيَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)\nيوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه «٣» قراءة أهل المدينة وأبي عمرو والكسائي\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن ١/ ٢٩٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٦٠.\n(٣) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٦١.","vol":"2","page":182},{"text":"بإثبات الياء في الإدراج وحذفها في الوقف، وحكي أن أبيّا وابن مسعود ﵄ قرأ يوم يأتي «١» بإثبات الياء في الوقف والوصل، وقرأ الأعمش وحمزة يَوْمَ يَأْتِ «٢» بغير ياء في الوقف والوصل. قال أبو جعفر: الوجه في هذا أن لا يوقف عليه وأن يوصل بالياء لأن جماعة من النحويين قالوا لا وجه لحذف الياء، ولا يجزم الشيء بغير جازم فأما الوقف بغير ياء ففيه قول الكسائي قال: لأن الفعل السالم يوقف عليه كالمجزوم فحذف الياء كما يحذف الضمة، على أنّ أبا عبيد قد احتجّ بحذف الياء في الوقف والوصل بحجتين: إحداهما أنه زعم أنه رآه في الإمام الذي يقال له مصحف عثمان ﵁ بغير ياء، والحجة الأخرى أنه حكى أنها لغة هذيل يقولون: ما أدر. قال أبو جعفر: أما حجته بمصحف عثمان ﵁ فشيء يرده عليه أكثر العلماء. قال مالك بن أنس ﵀: سألت عن مصحف عثمان ﵁، فقيل لي قد ذهب وأما الحجة بقولهم: ما أدر فلا حجّة فيه لأن هذا الحرف قد حكاه النحويون القدماء وذكروا علته، وأنه لا يقاس عليه والعلّة فيه عند سيبويه، وإن كان سيبويه حكى: لا أدري، كثرة الاستعمال، ومعنى كثرة الاستعمال أنه نفي لكل ما جهل، وأنشد الفراء في حذف الياء: [الرجز] ٢٢١-\nكفّاك كفّ ما تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسّيف الدّما «٣»\nلا تَكَلَّمُ نَفْسٌ والأصل تتكلّم حذفت إحدى التاءين تخفيفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1285>[سورة هود (١١): آية ١٠٦]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)\nفَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا ابتداء فَفِي النَّارِ في موضع الخبر، وكذا لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ قال أبو العالية: الزفير من الصدر والشهيق من الحلق. قال أبو إسحاق: الزفير من شديد الأنين وقبيحه، والشهيق من الأنين المرتفع جدا. قال: وزعم أهل اللغة من البصريين والكوفيين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار في النهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوت الحمار في النهيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1286>[سورة هود (١١): آية ١٠٧]</span>\nخالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧)\nخالِدِينَ فِيها نصب على الحال ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ في موضع نصب أي دوام السموات والأرض والتقدير وقت ذلك، إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ في موضع نصب، لأنه استثناء ليس من الأول وقد ذكرنا معناه.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٦٢.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٦٢.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٧، والأضداد لابن الأنباري ٦٤.","vol":"2","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1287>[سورة هود (١١): آية ١٠٨]</span>\nوَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)\nوقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا بضم السين، وقال أبو عمرو:\nوالدليل على أنه سعدوا أن الأول شقوا ولم يقل: أشقوا قال أبو جعفر: رأيت علي بن سليمان يتعجّب من قراءة الكسائي سُعِدُوا مع علمه بالعربية إذ كان هذا لحنا لا يجوز لأنه إنما يقال: سعد فلان وأسعده الله جلّ وعزّ فأسعد مثل أمرض وإنما احتجّ الكسائي بقولهم: مسعود ولا حجّة له فيه لأنه يقال: مكان مسعود فيه ثم يحذف فيه ويسمّى به واحتجّ بقول العرب: فغرفاه وفغرفوه، وكذا شحاه «١» وسار الدابة وسرته ونزحت البئر ونزحتها وجبر العظم وجبرته، وذا لا يقاس عليه إنما ينطق منه بما نطقت به العرب.\nقال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: لو قال لنا قائل: كيف تنطقون بالمتعدّي من فغرفوه؟ ما قلنا إلّا أفغرت فاه، وهذا الذي قال حسن ويكون فغرفاه ليس بمتعدّي ذلك ولكنها لغة على حدة. عَطاءً اسم للمصدر غَيْرَ مَجْذُوذٍ من نعته يقال: جذّه وحذّه كما قال: [الطويل] ٢٢٢-\nتجذّ السّلوقيّ المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصّفّاح نار الحباحب «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1288>[سورة هود (١١): آية ١٠٩]</span>\nفَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)\nفَلا تَكُ في موضع جزم بالنهي وحذف النون لكثرة الاستعمال. وأحسن ما قيل في معناه: قل لكل من شكّ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ إنّ الله جلّ وعزّ ما أمرهم به وإنما يعبدونها كما كان آباؤهم يفعلون تقليدا لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1289>[سورة هود (١١): آية ١١٠]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)\nوَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ والكلمة أنّ الله جلّ وعزّ حكم أن يؤخّرهم إلى يوم القيامة لما علم من الصلاح في ذلك. ولولا ذلك لقضي بينهم\n_________\n(١) شحا يشحو الرجل: فتح فاه.\n(٢) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٤٦ «تقدّ السلوقيّ.. وتوقد»، ولسان العرب (حجب) و(صفح) و(سلق)، ومقاييس اللغة ٢/ ٢٨، والتنبيه والإيضاح ١/ ٥٨، ومجمل اللغة ٢/ ٢٨، وكتاب العين ٥/ ٧٧، وتهذيب اللغة ٤/ ٢٥٧، وجمهرة اللغة ١٧٤، وبلا نسبة في كتاب العين ٣/ ١٢٢، وجمهرة اللغة ٨٥١، وتاج العروس (حبب) و(صفح) و(سلق) . [.....]","vol":"2","page":184},{"text":"بأن يثاب المؤمن ويعاقب الكافر. وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ من نعت شكّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1290>[سورة هود (١١): آية ١١١]</span>\nوَإِنَّ كُلًاّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)\nوَإِنَّ كُلًّا لَمَّا فيها ثماني قراءات «١» خمس منها موافقة للسواد. قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بتشديد «إنّ» وتخفيف «لما»، وقرأ نافع بتخفيفهما جميعا. وقرأ أبو جعفر وشيبة وحمزة وهو المعروف من قراءة الأعمش بتشديدهما جميعا وقرأ عاصم بتخفيف «إن» وتشديد «لمّا»، وقرأ الزهري «٢» بتشديد «لمّا» والتنوين، فهذه خمس قراءات، وروي عن الأعمش وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا بتخفيف «إن» ورفع «كلّ» وتشديد «لمّا» .\nقال أبو حاتم: وفي حرف أبيّ وإن كلّ إلّا ليوفّينّ ربّك أعمالهم. وفي حرف ابن مسعود وإن كلّ إلّا ليوفّينّهم ربّك أعمالهم. قال أبو جعفر: القراءة الأولى أبينها ينصب «كلّا» بأنّ اللام للتوكيد وما صلة والخبر في ليوفّينّهم، والتقدير وإنّ كلّا ليوفّينّهم، وقراءة نافع على هذا التقدير إلّا أنه خفّف «إن» وأعملها عمل الثقيلة. وقد ذكر هذا الخليل وسيبويه وهو عندهما كما يحذف من الفعل ويعمل كما قال: [الطويل] ٢٢٣-\nكأن ظبية تعطو إلى ناضر السّلم «٣»\nوأنكر الكسائي أن تخفّف «إن» وتعمل وقال: ما أدري على أي شيء قرأ وإن كلّا، وقال الفراء: نصب كلّا بقوله: لنوفّينّهم. وهذا من كثير الغلط، لا يجوز عند أحد: زيدا لأضربنّه، والقراءة الثالثة بتشديدهما جميعا عند أكثر النحويين لحن، حكي عن محمد بن يزيد أن هذا لا يجوز، ولا يقال: إن زيدا إلا لأضربنّه، ولا لمّا لأضربنه، وقال الكسائي: الله جلّ وعزّ أعلم بهذه القراءة ما أعرف لها وجها. قال أبو جعفر: وللنحويين بعد هذا أربعة أقوال: قال الفراء «٤»: الأصل وإنّ كلّا لممّا فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت إحداهن قال أبو إسحاق هذا خطأ لأنه يحذف النون من «من»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨، والبحر المحيط ٥/ ٢٦٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٦٦.\n(٣) الشاهد لابن صريم اليشكري في الكتاب ٢/ ١٣٤، ولعلباء بن أرقم في الأصمعيات ١٥٧، والدرر ٢/ ٢٠٠، وشرح التصريح ١/ ٢٣٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٤، ولزيد بن أرقم في الإنصاف ١/ ٢٠٢، ولكعب بن أرقم في لسان العرب (قسم) ولباغت بن صريم اليشكري في تخليص الشواهد ٣٩٠، وشرح المفصل ٨/ ٨٣، وله أو لعلباء بن أرقم في المقاصد النحوية ٢/ ٣٠١، ولأحدهما أو لأرقم بن علباء في شرح شواهد المغني ١/ ١١١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٧٧، وجواهر الأدب ١٩٧، والجنى الداني ص ٢٢٢، ورصف المباني ١١٧، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٦٨٣، وسمط اللآلي ص ٧٢٩، وشرح الأشموني: ١/ ١٤٧، وشرح عمدة الحافظ ٢٤١، وشرح قطر الندى ١٥٧، والمحتسب ١/ ٣٠٨، ومغني اللبيب ١/ ٣٣.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٩.","vol":"2","page":185},{"text":"فيبقى حرف واحد. وقال أبو عثمان المازني: الأصل وإنّ كلّا لما بتخفيف ما ثم ثقلت. قال أبو إسحاق: هذا خطأ إنما يخفّف المثقّل ولا يثقّل المخفّف، وقال أبو عبيد القاسم بن سلّام: الأصل وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ بالتنوين من لممته لمّا أي جمعته ثم بنى منه فعلى كما قريء ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [المؤمنون: ٤٤] بغير تنوين وتنوين. قال أبو إسحاق: القول الذي لا يجوز عندي غيره أن «إن» تكون مخففة من الثقيلة وتكون بمعنى «ما» مثل إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ [الطارق: ٤] وكذا أيضا تشدّد على أصلها وتكون بمعنى «ما» ولمّا بمعنى «إلّا» حكى ذلك الخليل وسيبويه «١» . قال أبو جعفر: والقراءات الثلاث المخالفات للسواد تكون فيها «إن» بمعنى «ما» لا غير وتكون على التفسير لأنه لا يجوز أن يقرأ بما خالف السواد إلّا على هذه الجهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1291>[سورة هود (١١): آية ١١٣]</span>\nوَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣)\nقال أبو عمرو بن العلاء وَلا تَرْكَنُوا لغة أهل الحجاز، وقال الفراء: لغة تميم وقيس ركن يركن وروي عن قتادة أنه قرأ وَلا تَرْكَنُوا بضم الكاف. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ «٢» . وأنكر هذا أبو عبيد قال: لأنه ليس فيه حرف من حروف الحلق. قال أبو جعفر: لا معنى لقوله: ليس فيه حرف من حروف الحلق لأن حروف الحلق لا تجتلب الكسرة، وهذه اللغة ذكرها الخليل وسيبويه»\nعن غير أهل الحجاز إذا كان الفعل على فعل كسروا أول مستقبله ليدلّوا على الكسرة التي في ماضيه، وكان يجب أن يكسر ثانيه ليتفق مع الماضي فلم يجز ذلك للزوم الثاني الإسكان فكسروا الأول، فقالوا يحذر وهي مشهورة في بني فزارة وهذيل، كما قال:\n[الكامل] ٢٢٤-\nوإخال إنّي لاحق مستتبع «٤»\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ١٤٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٦٩، والمحتسب ١/ ٣٣٠.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٢٢٧.\n(٤) الشاهد لأبي ذؤيب الهذلي في تخليص الشواهد ص ٤٤٨، والدرر ٢/ ٢٥٩، وشرح أشعار الهذليين ١/ ٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٦٢، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٩٤، والمنصف ١/ ٣٢٢، ولسان العرب (نصب) وللهذلي في مغني اللبيب: ١/ ٢٣١، وبلا نسبة في شرح شواهد المغني ٢/ ٦٠٤، وهمع الهوامع ١/ ١٥٣، وصدره:\n«فلبثت بعدهم بعيش ناصب» .","vol":"2","page":186},{"text":"وكذا إذا كان في ماضيه ألف وصل مكسورة كسروا أول المستقبل نحو نستعين قال سيبويه: وكذا ما كان يجب أن تكون فيه ألف وصل مثل تفعّل وتفاعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1292>[سورة هود (١١): آية ١١٤]</span>\nوَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)\nوَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ نصب على الظرف، وحذفت النون للإضافة، وكسرت الياء لالتقاء الساكنين، ولم يحذفها لأن ما قبلها مفتوح (وزلفا) عطف. وقرأ أبو جعفر وَزُلَفًا بضمّ الزاي واللام وهو جمع زليف لأنه قد نطق بزليف ويجوز أن يكون واحدا، وقرأ ابن محيصن وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ بضم الزاي وإسكان اللام والتنوين وهو مسكن من زلف لأزلف الفتحة خفيفة. إِنَّ الْحَسَناتِ قد قيل: يعني به الصلوات ومما لا تنازع فيه أن التوبة تذهب السيئات. وإن اجتناب الكبائر يذهب السيئات الصغائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1293>[سورة هود (١١): آية ١١٥]</span>\nوَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)\nوَاصْبِرْ أي على أذاهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1294>[سورة هود (١١): آية ١١٦]</span>\nفَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)\nفَلَوْلا بمعنى هلّا، وهذا تستعمله العرب على التعجب من الشيء أي فهلّا كان من القرون من قبلكم قوم. يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ لما أعطاهم الله جلّ وعزّ من العقول وأراهم من الآيات. إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ استثناء ليس من الأول. وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ أي من الاشتغال بالمال واللذات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1295>[سورة هود (١١): آية ١١٨]</span>\nوَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)\nوَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ خبر يزال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1296>[سورة هود (١١): آية ١١٩]</span>\nإِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)\nإِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ استثناء. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ معنى تمّت ثبتت، ذلك كما أخبر به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>[سورة هود (١١): آية ١٢٠]</span>\nوَكُلًاّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)\nوَكُلًّا نصب بنقص. ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ أي على الصبر على أداء الرسالة","vol":"2","page":187},{"text":"وما بدل من كل، وقال الأخفش، «وكلّا» نصب على الحال فقدّم الحال كما تقول:\nكلّا ضربت القوم. وَمَوْعِظَةٌ أي ما يتّعظ به من إهلاك الأمم. وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي يتذكرون ما ترك بمن هلك فيتوفّون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1298>[سورة هود (١١): آية ١٢٣]</span>\nوَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)\nقال الأخفش: وما ربك بغافل عما يعملون إذا لم يخاطب النبي ﷺ معهم قال: وقال بعضهم: تَعْمَلُونَ «١» لأنه خاطب النبي ﷺ معهم أو قال قل لهم: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.\n_________\n(١) وهي قراءة حفص وقتادة والأعرج وشيبة وأبي جعفر والجحدري، انظر البحر المحيط ٥/ ٢٧٥.","vol":"2","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1299>١٢ شرح إعراب سورة يوسف ع</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1300>[سورة يوسف (١٢): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١)\nالتقدير: هذا، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ على الابتداء والخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1301>[سورة يوسف (١٢): آية ٢]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا نصب قرآن على الحال أي مجموعا، ويجوز أن يكون توطئة للحال كما تقول مررت بزيد رجلا صالحا، عَرَبِيًّا على الحال ومعنى أعرب بيّن ومنه «الثّيّب تعرب عن نفسها» «١» . لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لتكونوا على رجاء من هذا، وبعض العرب يأتي بأن مع لعل تشبيها بعسى واللام في لعلّ زائدة للتوكيد كما قال:\n[الرجز] ٢٢٥-\nيا أبتا علّك أو عساكا «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1302>[سورة يوسف (١٢): آية ٣]</span>\nنَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣)\nنَحْنُ ابتداء. نَقُصُّ عَلَيْكَ في موضع الخبر. أَحْسَنَ الْقَصَصِ بمعنى الصدر والتقدير قصصا أحسن القصص.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة في سننه- النكاح- الحديث رقم ١٨٧٢.\n(٢) الرجز لرؤبة في ملحقات ديوانه ١٨١، والكتاب ٢/ ٣٩٦، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٣٣، وشرح المفصل ٢/ ٩٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٥٢، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٣٦، والجنى الداني ٤٤٦، والخصائص ٢/ ٩٦، والدرر ٢/ ١٥٩، ورصف المباني ٢٩، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٤٠٦، وشرح الأشموني ١/ ١٣٣، وشرح المفصّل ٢/ ١٢، واللامات ص ١٣٥، ولسان العرب (روي) وما ينصرف وما لا ينصرف ص ١٣٠، ومغني اللبيب ١/ ١٥١، وهمع الهوامع ١/ ١٣٢.","vol":"2","page":189},{"text":"بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قال الأخفش: أي بوحينا إليك، هذَا الْقُرْآنَ نصب بأوحينا، وأجاز الفراء «١» الخفض قال: على التكرير وهو عند البصريين على البدل من «ما» وأجاز أبو إسحاق الرفع على إضمار مبتدأ. وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ أي من الغافلين مما عرّفناكه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1303>[سورة يوسف (١٢): آية ٤]</span>\nإِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)\nإِذْ في موضع نصب على الظرف. قالَ يُوسُفُ لم ينصرف لأنه عجميّ، وقرأ طلحة بن مصرّف إذ قال يؤسف بالهمز وكسر السين، وحكى أبو زيد «يوسف» بالهمز وفتح السين. لِأَبِيهِ خفض باللام وعلامة خفضه الياء والمحذوف منه واو يدلّ على ذلك أبوان. يا أَبَتِ «٢» بكسر التاء قراءة عاصم ونافع وحمزة والكسائي والأعمش، وقرأ أبو جعفر والأعرج وعبد الله بن عامر يا أَبَتِ بفتح التاء، وأجاز الفراء «يا أبت» بضم التاء. قال أبو جعفر: إذا قلت يا أبت بكسر التاء فالتاء عند سيبويه من ياء الإضافة ولا يجوز على قوله الوقف إلّا بالهاء، وله على قوله دلائل، منها أن قولك: «يا أبت» يؤدي عن معنى قولك: يا أبي، وأنه لا يقال: يا ابة إلّا في المعرفة، ولا يقال: جاءني أبة لا يستعمل العرب هذا إلا في النداء خاصة ولا يقال: يا أبتي لأن التاء بدل من الياء فلا يجمع بينهما، وزعم الفراء أنه إذا قال: يا أبت فكسر وقف على التاء لا غير لأن الياء في النية، وزعم أبو إسحاق أن هذا خطأ، والحق ما قال، كيف تكون في النية وليس يقال: يا أبتا فأما قولنا بكسر التاء ولم نقل بكسر الهاء فلأن الكسر إنما يقع في الإدراج ولو قلت: مررت بامرأة لقلت: علامة الخفض كسرة التاء ولا يقول كسرة الهاء إلا من لا يدري. ويا أبت بفتح التاء مشكل في النحو، وفيه أقوال:\nفمذهب سيبويه «٣» أنهم شبهوا هذه الهاء التي هي بدل من الياء بالهاء التي هي علامة التأنيث فقالوا يا أبت كما قال: [الطويل] ٢٢٦-\nكليني لهمّ يا أميمة ناصب «٤»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٢.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٠٣، ومعاني الفراء ٢/ ٣٢.\n(٣) انظر الكتاب ٢/ ٢١٥. [.....]\n(٤) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٤٠، والكتاب ٢/ ٢١١، والأزهيّة ٢٣٧، وخزانة الأدب ٢/ ٣٢١، والدرر ٣/ ٥٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٤٥، وكتاب اللامات ١٠٢، ولسان العرب (كوكب) و(نصب) و(أسس) و(شبع)، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٠٣، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص ١٢١، وجمهرة اللغة ص ٣٥٠، ورصف المباني ١٦١، وشرح المفصل ٢/ ١٠٧، وعجزه:\n«وليل أقاسيه بطيء الكواكب»","vol":"2","page":190},{"text":"وهذا أحد قولي «١» الفراء، وله قول آخر وهو قول قطرب وأبي عبيدة وأبي حاتم يكون الأصل يا أبتاه ثم حذف الألف، ويكون الوقوف عند الفراء على قول بالتاء لا غير، وعلى القول الذي وافق فيه سيبويه بالهاء عندهما جميعا لا غير وهذا القول خطأ لأن هذا ليس موضع ندبة والألف خفيفة لا تحذف، وقال قطرب أيضا في يا أبت بالفتح يكون الأصل يا أبتا ثم حذف التنوين، وقال أبو جعفر: وهذا الذي لا يجوز لأن التنوين لا يحذف لغير علة وأيضا فإنما يدخل التنوين في النكرة، ولا يقال في النكرة يا أبة، وفي الفتح قول رابع كأنه أحسنها: يكون الأصل الكسر ثم أبدل من الكسرة فتحة كما تبدل من الياء ألف فيقال في يا غلامي أقبل: يا غلاما أقبل، وزعم أبو إسحاق أنه لا يجوز يا أبة بالضم. قال أبو جعفر: ذلك عندي لا يمتنع كما أجاز سيبويه الفتح تشبيها بهاء التأنيث كما يجوز الضمّ تشبيها بها أيضا. إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ليس بين النحويين اختلاف لأنه يقال: جاءني أحد عشر ومررت بأحد عشر، وكذلك ثلاثة عشر وتسعة عشر وما بينهما، فذهب الفراء أنهم لما ضموا أحد الاسمين إلى الآخر كرهوا أن يعربوا الأول فيخرج عن باب العدد وكرهوا أن يعربوا الثاني فيشبه بعلبكّ فحركوهما حركة واحدة كما كانا قبل البناء، وقال الكسائي: النصب مغيض النحو كلما صرف شيء عن جهته نصب وقال البصريون: النصب أخفّ الحركات فلمّا ضمّ أحد الاسمين إلى الآخر حرّكا بأخفّ الحركات، وقال بعضهم: لمّا حذفت الواو وكانت مفتوحة حرّكوا الاسمين بحركتها ولا اختلاف بين البصريين أن تعريف هذا بإدخال الألف واللام في أوله فتقول:\nمضى الأحد عشر رجلا لا غير، وأجاز الكسائي والفراء: مضى الأحد العشر. قال الفراء «٢»: لتوهمهم انفصال أحدهما من الآخر، وأجاز إدخال الألف واللام في المميز.\nوذا محال عند البصريين، لأن المميز واحد يدلّ على جمع فإذا كان معروفا لم يكن فيه هذا المعنى. قال الفراء: فإن أضفت إلى نفسك أعربت الأول فقلت: هذه خمسة عشري، ومررت بخمسة عشري. قال لما لم يجز أن تضيفه إلى الأول لأن بينهما عشرا أعربت الأول، ولا يجوز المميّز هاهنا لاختلاف إعرابيهما. قال أبو جعفر: هذا يبطل كلّ ما مرّ، وسمعت محمد بن الوليد يقول: سمعت أبا العباس يقول: ربّما قرأ عليّ إسماعيل بن إسحاق الشّيء من كلام الفراء فاستحسنه فلا ينتهي إلى آخره حتّى يفسده.\nقال سيبويه «٣»: واعلم أن العرب تجعل خمسة عشر وما أشبهها في الألف واللام والإضافة على حال، والعلّة عند أصحابه في هذا إن الجهة التي بنيت من أجلها موجودة مع الألف واللام والإضافة، وقد حكى سيبويه: هذه خمسة عشرك برفع الثاني، وزعم الفراء أنه يقال: ما رأيت خمسة عشر قطّ خيرا منها بخفض عشر وتنوينها. قال: ولا\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٣.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٣٣١.","vol":"2","page":191},{"text":"يدخل المميز هاهنا. وقال أبو جعفر: وذا لا يجوز عند البصريين أيضا، وقرأ أبو جعفر والحسن إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ «١» بإسكان العين، فزعم الأخفش والفراء أنهم استثقلوا الحركات فحذفوا لما كثرت. قال أبو جعفر: لم يذكر هذا سيبويه بل يجب على نصّ كلامه أن لا يجوز لأنه قال «٢»: أحد عشر مثل أحد جمل ولا يجوز عنده حذف الفتحة لخفتها. وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ عطف عليه. رَأَيْتُهُمْ توكيد، وقال: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ فجاء مذكّرا، فالقول عند الخليل وسيبويه أنه لمّا خبّر عن هذه الأشياء بالطاعة والسجود وهما من أفعال من يعقل جعل فيهما يكون لما يعقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1304>[سورة يوسف (١٢): آية ٥]</span>\nقالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)\nيا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ نهي وظهر التضعيف لأنه قد سكن الثاني ويجوز الإدغام في غير القرآن والفتح والكسر والضم. رُؤْياكَ بالهمز والجمع رؤي. قال أبو حاتم: قال يعقوب قال أبو عمرو بن العلاء ﵀ أهل الحجاز لا يهمزون «رؤيا» وبكر وتميم تهمزها. قال أبو حاتم: ويقال «٣»: ريا بقلب الواو ياء والراء مضمومة ويقال: ريّا بكسر الراء. فَيَكِيدُوا جواب النبي بالفاء وقد ذكرناه. كَيْدًا مصدر إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ اسم «إنّ» وخبرها وجمع عدوّ اعداء، وكان سبيله أن يجمع على فعول فاستثقل ذلك فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1305>[سورة يوسف (١٢): آية ٦]</span>\nوَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)\nوَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ الكاف في موضع نصب لأنها نعت لمصدر محذوف وكذلك الكاف في كَما أَتَمَّها، و(ما) كافة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1306>[سورة يوسف (١٢): آية ٧]</span>\nلَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)\nقرأ أهل المدينة وأهل البصرة وأهل الكوفة لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ وقرأ أهل مكة آية للسائلين «٤» على واحدة، واختار أبي عبيد «آيات» قال: لأنها عبر كثيرة. قال أبو جعفر: «آية» هاهنا قراءة حسنة أي لقد كان في الذين سألوا عن خبر يوسف آية فيما خبّروا به لأنهم سألوا النبي ﷺ وهو بمكة فقالوا: خبّرنا\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٨٠، ومعاني الفراء ٢/ ٣٤، ومختصر ابن خالويه ٦٢.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٣٧.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٥.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٠٤.","vol":"2","page":192},{"text":"عن رجل من الأنبياء كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر فبكى عليه حتّى عمي ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب ولا ممن يعرف خبر الأنبياء وإنما وجّه اليهود إليه من المدينة يسألونه عن هذا فأنزل الله ﷿ سورة يوسف جملة واحدة فيها كل ما في التوراة من خبره وزيادة فكان ذلك آية للنبي ﷺ بمنزلة إحياء عيسى ﷺ الميّت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1307>[سورة يوسف (١٢): آية ٨]</span>\nإِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨)\nإِذْ قالُوا لَيُوسُفُ رفع بالابتداء وهذه لام التوكيد. وَأَخُوهُ عطف عليه. أَحَبُّ إِلى أَبِينا خبره، ولا يثنى ولا يجمع لأنه بمعنى الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1308>[سورة يوسف (١٢): آية ٩]</span>\nاقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ (٩)\nأَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا نصب «أرضا» على حذف «في» لا على الظرف لأنها غير مبهمة، وأنشد سيبويه فيما حذف منه في: [الكامل] ٢٢٧-\nلدن بهزّ الكفّ يعسل متنه ... فيه كما عسل الطّريق الثّعلب «١»\nإلّا أنه في الآية حسن كثير لأنه يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف فإذا حذفت الحرف تعدّى الفعل إلى الآخر. يَخْلُ لَكُمْ جزم لأنه جواب الأمر فلذلك حذفت منه الواو. وَتَكُونُوا عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1309>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠]</span>\nقالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠)\nقرأ أهل مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة فِي غَيابَتِ الْجُبِّ «٢» وقرأ أهل المدينة في غيابات الجبّ «٣» وأجاز أبو عبيد التوحيد لأنه على موضع واحد ألقوه فيه فأنكر الجمع لهذا. قال أبو جعفر: هذا تضييق في اللغة، وغيابات على الجمع، ويجوز من جهتين: حكى سيبويه: سير عليه عشيّانات وأصيلانات، يريد عشيّة وأصيلا فجعل كل وقت منها عشيّة وأصيلا، وكذا جعل كلّ موضع ما يغيب غيابة ثم جمع، والوجه الآخر أن يكون في الجبّ غيابات جماعة. ويقال: غاب يغيب غيبا وغيابة وغيابا كما قال:\n[الطويل] ٢٢٨-\nألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذا كما ما غيّبتني غيابيا «٤»\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (١٤٥) .\n(٢) انظر تيسير الداني ١٠٤.\n(٣) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٨٥.\n(٤) الشاهد لابن أحمر في ديوانه ص ١٧١، والأزهيّة ١١٥، وخزانة الأدب ٥/ ٩، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٨٣، والخصائص ٢/ ٤٦٠، والمحتسب ٢/ ٢٢٧.","vol":"2","page":193},{"text":"يَلْتَقِطْهُ جواب الأمر، وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن وقتادة تلتقطه «١» بعض السيارة، وهذا محمول على المعنى لأن بعض السيارة سيارة وحكى سيبويه: سقطت بعض أصابعه، وأنشد: [الطويل] ٢٢٩-\nوتشرق بالقول الّذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدّم «٢»\nإِنْ كُنْتُمْ في موضع جزم بالشرط. فاعِلِينَ خبر كنتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1310>[سورة يوسف (١٢): آية ١١]</span>\nقالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١)\nقرأ يزيد بن القعقاع وعمرو بن عبيد قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا بالإدغام بغير إشمام، وقرأ طلحة بن مصرف ما لك لا تأمننا «٣» بنونين ظاهرتين وقرأ يحيى بن وثاب وأبو رزين، ويروى عن الأعمش ما لك لا تيمنّا «٤» بكسر التاء، وقرأ سائر الناس فيما علمت بالإدغام والإشمام. قال أبو جعفر: القراءة الأولى بالإدغام وترك الإشمام هي القياس لأن سبيل ما يدغم أن يكون ساكنا، وقال أبو عبيدة: لا بد من الإشمام. وهذا القول مردود عند النحويين: وقال أبو حاتم: لو كان إدغاما صحيحا ما أشمّ شيئا، وهذا أيضا عند النحويين غلط لأن الإشمام إنما هو بعد الإدغام إنما يدلّ به على أن الفعل كان مرفوعا وتأمننّا على الأصل، «وتيمنّا» لغة تميم. يقولون: أنت تضرب، وقد ذكرناه «٥» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1311>[سورة يوسف (١٢): آية ١٢]</span>\nأَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢)\nأَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا منصوب على الظرف والأصل عند سيبويه «٦» «غدو» وقد نطق به. قال النضر بن شميل: ما بين الفجر وصلاة الصبح يقال له غدوة، وكذا بكرة نرتع ونلعب «٧» بالنون وإسكان العين قراءة أهل البصرة، والمعروف من قراءة أهل مكة نرتع بالنون وكسر العين، وقراءة أهل الكوفة يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ بالياء وإسكان العين، وقراءة أهل المدينة يرتع ويلعب بالياء وكسر العين. قال أبو جعفر: القراءة الأولى من قول العرب: رتع الإنسان والبعير إذا أكلا كيف شاءا إلّا أن معمرا روى عن قتادة قال: يرتع يسعى. قال أبو جعفر: أخذه من قوله: «إنا ذهبنا نستبق» لأن المعنى نستبق في العدو إلى غاية بعينها، وكذا «يرتع» بإسكان العين إلّا أنه ليوسف وحده ﷺ ونرتع بكسر العين من الرّعي وهو الكلأ، والرعي المصدر، وقال القتبيّ: نرتع\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٨٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٨٥، ومعاني الفراء ٢/ ٣٨. [.....]\n(٣) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٨٥، ومعاني الفراء ٢/ ٣٨.\n(٤) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٨٥، ومعاني الفراء ٢/ ٣٨.\n(٥) مرّ في إعراب الآية ٥- الفاتحة.\n(٦) انظر الكتاب ١/ ٩٢.\n(٧) انظر تيسير الداني ١٠٤، والبحر المحيط ٥/ ٢٨٦.","vol":"2","page":194},{"text":"نتحارس ونتحافظ من قولهم: رعاك الله أي حفظك. قال أبو جعفر: وعلامة الجزم في نرتع ويرتع الضمّة، وهو مجزوم لأنه جواب أرسله، وعلامة الجزم في نرتع ويرتع حذف الياء وَيَلْعَبْ عطف عليه. وَإِنَّا لَهُ تبيين. لَحافِظُونَ خبر «إنّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1312>[سورة يوسف (١٢): آية ١٣]</span>\nقالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣)\nقالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي اللغة الفصيحة، حكى ذلك يعقوب وغيره أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ في موضع رفع أي ذهابكم به وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ من تذاءبت الريح إذا جاءت من كلّ وجه كذا قال أحمد بن يحيى، قال: و«الذئب» مهموز لأنه يجيء من كلّ وجه، وروى ورش عن نافع «الذيب» «١» بغير همز لما كانت الهمزة ساكنة وقبلها كسرة فخففها صارت ياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1313>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧)\nعِشاءً ظرف يَبْكُونَ في موضع الحال. قال محمد بن يزيد وَلَوْ كُنَّا أي وإن كنّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1314>[سورة يوسف (١٢): آية ١٨]</span>\nوَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)\nوَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ مجاز أي ذي كذب مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:\n٨٢] . فَصَبْرٌ جَمِيلٌ قال أبو إسحاق: أي فشأني أو الّذي أعتقده صبر جميل. قال قطرب: أي فصبري صبر جميل. قال أبو حاتم: قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن يوسف فصبرا جميلا «٢» قال: وكذا الأشهب العقيلي، قال: وكذا في مصحف أنس وأبي صالح «٣» . قال محمد بن يزيد: «فصبر جميل» بالرفع أولى من النصب لأن المعنى: فالذي عندي صبر جميل، قال: وإنما النصب الاختيار في الأمر كما قال جلّ وعزّ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا [المعارج: ٥] . قال أبو جعفر: والنصب على المصدر وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ ابتداء وخبر. عَلى ما تَصِفُونَ مجاز والمعنى- والله أعلم- والله المستعان على احتمال ما تصفون.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٨٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٩٠، ومختصر ابن خالويه ٦٣.\n(٣) أبو صالح، محمد بن عمير بن الربيع الهمذاني الكوفي، عارف بحروف حمزة، انظر غاية النهاية ٢/ ٢٢٢.","vol":"2","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1315>[سورة يوسف (١٢): آية ١٩]</span>\nوَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩)\nوَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فأنّث على اللفظ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فذكّر على المعنى ولو كان فأرسلت واردها لكان على اللفظ. فَأَدْلى دَلْوَهُ من ذوات الواو إلّا أنه رجع إلى الياء لما جاوز ثلاثة أحرف اتباعا للمستقبل هذا قول الخليل وسيبويه، وقال الكوفيون لمّا ثقل ردّ إلى الياء لأنها أخفّ من الواو. وجمع دلو في أقلّ العدد أدل فإذا كثرت قلت:\nدليّ ودليّ، فقلبت الواو ياء لأن الجمع بابه التغيير وليفرّق بين الواحد والجميع، ودلاء قلبت الواو ألفا ثم أبدلت منها همزة لئلا يجتمع ساكنان. قال يا بشراي هذا غلام «١» هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة إلا أن ابن أبي إسحاق قرأ يا بشريّ هذا غلام «٢» فقلبت الألف ياء لأن هذا الياء يكسر ما قبلها فلمّا لم يجز كسر الألف كان قلبها عوضا، وقرأ أهل الكوفة يا بُشْرى هذا غُلامٌ في معناه قولان: أحدهما أنه اسم الغلام، والآخر أن المعنى يا أيتها البشرى. قال قتادة: لمّا أدلي الدلو تشبّث به يوسف ﷺ فلما أخرجه بشّرهم فقال: يا بشرى هذا غلام. قال أبو جعفر وهذا القول أولى لأنه لم يأت في القرآن تسمية أحد إلّا يسيرا وإنما يأتي بالكناية كما قال جلّ وعزّ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ [الفرقان: ٢٧] وهو عقبة بن أبي معيط وبعده يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان: ٢٧] وهو أميّة بن خلف فجاء على الكناية. وَأَسَرُّوهُ الهاء كناية عن يوسف، فأما الواو فكناية عن أخوته، وقيل عن التجار الذين اشتروه، بِضاعَةً نصب على الحال قال أبو إسحاق: المعنى واشتروه جاعليه بضاعة، وقال غيره: بضاعة بمعنى مبضوعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1316>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٠]</span>\nوَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)\nوَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ من نعت ثمن أي ذي بخس أي قليل. دَراهِمَ على البدل ويقال: دراهيم على أنه جمع دراهم، وقد يكون اسما للجمع عند سيبويه، ويكون أيضا عنده على أنه مدّ الكسرة فصارت ياء وليس هذا مثل مدّ المقصور لأن مد المقصور لا يجوز عند البصريين في شعر ولا غيره، وأنشد النحويون: [البسيط] ٢٣٠-\nتنفي يداها الحصى في كلّ هاجرة ... نفي الدّراهيم تنقاد الصّياريف «٣»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٠٤، والبحر المحيط ٥/ ٢٩١، ومعاني الفراء ٢/ ٣٩.\n(٢) وهي قراءة أبي الطفيل والحسن والجحدري، انظر البحر المحيط ٢٩١.\n(٣) الشاهد للفرزدق في الكتاب ١/ ٥٧، والإنصاف ١/ ٢٧، وخزانة الأدب ٤/ ٤٢٤، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٢٥، وشرح التصريح ٢/ ٣٧١، ولسان العرب (صرف)، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٢١، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في أسرار العربية ٤٥، والأشباه والنظائر ٢/ ٢٩، وأوضح المسالك ٤/ ٣٧٦، وتخليص الشواهد ١٦٩، وجمهرة اللغة ٧٤١، ورصف المباني ١٢، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٧٦٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣٧، ولسان العرب (قطرب) و(سحج) و(نقد) و(صنع)، والمقتضب ٢/ ٢٥٨، والممتع في التصريف ١/ ٢٠٥.","vol":"2","page":196},{"text":"مَعْدُودَةٍ نعت. وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ قال أبو إسحاق: ليست «فيه» داخلة في الصلة ولكنها تبيين أي زهادتهم فيه، وحكى سيبويه والكسائي زهدت فيه وزهدت بكسر الهاء وفتحها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1317>[سورة يوسف (١٢): آية ٢١]</span>\nوَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١)\nوَكَذلِكَ الكاف في موضع نصب. مَكَّنَّا لِيُوسُفَ أي بأن عطفنا قلب الملك الذي اشتراه عليه حتى تمكّن من الأمر والنهي في البلد الذي الملك مستول عليه. وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ نصب بلام كي، ولا بد من أن يتعلق بفعل فالتقدير: ولنعلمه من تأويل الأحاديث مكنّاه، والمعنى: مكناه لنوحي إليه بكلامنا ونعلّمه تأويله وتفسيره وتأويل الرؤيا.\nوتم الكلام. ثم قال الله ﷿: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ أي يفعل ما يشاء في خلقه لا يقدر أحد على منعه ولا غلبته، وليس هذا للمخلوقين فهذا معنى غالب على أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1318>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٢]</span>\nوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)\nوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ هو جمع عند سيبويه «١» واحده شدّة، وقال الكسائي: واحده شدّ كما قال: [الكامل] ٢٣٠ م-\nعهدي به شدّ النّهار كأنّما ... خضب البنان ورأسه بالعظلم «٢»\nوزعم أبو عبيدة «٣» أنه لا واحد له من لفظه عند العرب. ومعناه استكمال القوة ثم يكون النقصان بعد، وقال مجاهد وقتادة الأشدّ ثلاث وثلاثون سنة، وقال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس الأشدّ بلوغ الحلم. آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا قيل: معناه جعلناه المستولي على الحكم فكان يحكم في سلطان الملك، وآتيناه علما بالحكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٣]</span>\nوَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)\nوَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وهي امرأة الملك. وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ غلّق\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٦٠.\n(٢) الشاهد لعنترة في ديوانه ص ٢١٣، ولسان العرب (شدد)، وتاج العروس (شدد) .\n(٣) انظر مجاز القرآن ١/ ٣٠٥. [.....]","vol":"2","page":197},{"text":"للتكثير، ولا يقال: غلق الباب، وأغلق يقع للكثير والقليل، كما قال الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء ﵀: [البسيط] ٢٣١-\nما زلت أفتح أبوابا وأغلقها ... حتّى أتيت أبا عمرو بن عمّار «١»\nوَقالَتْ هَيْتَ لَكَ فيها سبع قراءات «٢»: فمن أجلّ ما قيل فيها وأصحّه إسنادا ما رواه الأعمش بن أبي وائل قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵀ يقرأ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قال فقلت: إن قوما يقرءونها هَيْتَ لَكَ قال: إنما أقرأ كما علّمت. قال أبو جعفر: وبعضهم يقول عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ ولا يبعد ذلك لأن قوله:\nإنما أقرأ كما علّمت يدلّ على أنه مرفوع، وهذه القراءة بفتح الهاء والتاء هي الصحيحة من قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وعكرمة، وبها قرأ أبو عمرو وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ ابن أبي إسحاق النحوي وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ بفتح الهاء وكسر التاء، وقرأ أبو عبد الرحمن وابن كثير وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ بفتح الهاء وضم التاء، فهذه ثلاث قراءات الهاء فيهنّ مفتوحة، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ بكسر الهاء وفتح التاء، وقرأ يحيى بن وثاب وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة والتاء مضمومة، وروي عن عليّ بن أبي طالب ﵁ وابن عباس ومجاهد وعكرمة وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة والتاء مضمومة، وعن ابن عامر وأهل الشام وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ بكسر الهاء وبالهمزة وفتح التاء. قال أبو جعفر: «هيت لك» بفتح التاء لالتقاء الساكنين لأنه صوت يجب أن لا يعرب، والفتح خفيف. فهذا كقولك: كيف وأين ومن كسر التاء فإنما كسرها لأن الأصل الكسر، ومن ضمّ فلالتقاء الساكنين أيضا وشبّهه بقولهم: «جوت» في زجر الجمل. يقال: بالضمّ والفتح والكسر «وجاه» بمعناه إلّا أنه لا يقال إلّا مكسورا، وكذا «عاج» في زجر الأنثى، وقراءة أهل المدينة فيها قولان: أحدهما أن يكون الفتح لالتقاء الساكنين كما مرّ، والآخر أن يكون من هاء يهيء مثل جاء يجيء فيكون المعنى في «هيت» أي حسنت هيئتك وخفّف الهمزة، ويكون «لك» من كلام آخر، كما تقول: لك أعني وأما «لك» في «هيت لك» فهي تبين، كما يقال «سقيا لك»، وقال عكرمة: «هيت» أي هلمّ أي إلى ما دعوتك له، و«هيت لك» بغير همز وبالهمز من هاء يهيئ. قالَ مَعاذَ اللَّهِ مصدر. يقال: عاذ معاذا ومعاذة وعياذا. إِنَّهُ رَبِّي في موضع نصب على\n_________\n(١) الشاهد للفرزدق في ديوانه ٣٨٢، والكتاب ٣/ ٥٦٣ «ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها»، وأدب الكتاب ص ٤٦١، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٤٥٦، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٦١، وشرح شافية ابن الحاجب ١/ ٩٣، ولسان العرب (غلق)، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ١١٨، وشرح المفصّل ١/ ٢٧.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٠٤، والبحر المحيط ٥/ ٢٩٤، ومعاني الفراء ٢/ ٤٠.","vol":"2","page":198},{"text":"البدل من الهاء، وقد يكون رفعا على الخبر. إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الهاء كناية عن الحديث والجملة خبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1320>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٤]</span>\nوَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)\nوَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ لام توكيد، وزعم الخليل أنّ «قد» للتوقع. وَهَمَّ بِها قد ذكرنا معناه. وأن قوما قالوا: هو على التقديم والتأخير. وهذا القول عندي محال ولا يجوز في اللغة ولا في كلام من كلام العرب. لا يقال: قام فلان إن شاء الله، ولا قام فلان لولا فلان، وقد قيل: همّه بها هو الشهوة وما يخطر على القلب، كما يقال: ما يهمّني ذلك أي ما أشتهيه. لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ (أن) في موضع رفع، وجواب لولا محذوف لعلم السامع. كَذلِكَ الكاف في موضع رفع أي أمر البراهين كذلك، ويجوز أن تكون في موضع نصب أي أريناه البراهين كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ لام كي والناصب للفعل «أن» .\nإِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ أي المخلصين لأداء الرسالة، والمخلصين لطاعة الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1321>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٥]</span>\nوَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥)\nوَاسْتَبَقَا الْبابَ حذفت الألف من «استبقا» في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها. كما يقال: جاءني عبد الله في التثنية، ومن العرب من يقول: جاءني عبد الله بإثبات الألف بغير همز ويجمع بين ساكنين لأن الثاني مدغم والأول حرف مدّ ولين، ومنهم من يقول: جاءني عبد الله بإثبات الألف والهمزة، كما تقول في الوقف. وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ قال أبو إسحاق: القد القطع أي جذبت فانقطع قال أبو جعفر: في هذا من اختصار القرآن المعجز الذي يجمع فيه المعاني، والمعنى: سابق يوسف ﷺ إلى الباب ممتنعا منها ليخرج، وسابقته إلى الباب لتقف عليه فتمنعه من الخروج فلما سبقها جذبته لئلا يخرج فقطعت قميصه. قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا (ما) ابتداء، وخبره أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ عطف عليه. قال الكسائي: ويجوز أو عذابا أليما بمعنى ويعذب عذابا أليما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1322>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nقالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)\nوَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها قد ذكرنا فيه اختلافا. والأشبه بالمعنى- والله أعلم- أن يكون رجلا عاقلا حكيما شاوره الملك فجاء بهذه الدلالة ولو كان طفلا لكان شهادته ليوسف ﷺ يغني أن يأتي بدليل من العادة لأن كلام الطفل آية معجزة فكانت أوضح من الاستدلال","vol":"2","page":199},{"text":"بالعادة، وليس هذا بمخالف للحديث تكلّم أربعة وهم صغار منهم صاحب يوسف يكون بمعنى صغير وليس بشيخ، وفي هذا دليل آخر بيّن وهو أن ابن عبّاس ﵀ هو الذي روى الحديث عن النبي ﷺ وقد تواترت الرواية عنه أن صاحب يوسف ليس بصبي. إِنْ كانَ قَمِيصُهُ في موضع جزم بالشرط، وفيه من النحو ما يشكل. يقال: حروف الشرط تردّ الماضي إلى المستقبل، وليس هذا في كان. فقال المازني: القول مضمر، وقال محمد بن يزيد هذا لقوّة كان فإنه يعبر بها عن جميع الأفعال. وقال أبو إسحاق:\nالمعنى: إن يكن أي إن يعلم فالعلم لم يقع وكذلك الكون لأنه يؤدي عن العلم قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فخبّر عن كان بالفعل الماضي، كما قال زهير: [الطويل] ٢٣٢-\nوكان طوى كشحا على مستكنّة ... فلا هو أبداها ولم يتقدّم «١»\nوقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ «٢» بضم القاف والباء واللام، وكذا «دبر» . قال أبو إسحاق: يجعله غاية أي من قبله ومن دبره قال: ويجوز «من قبل» «ومن دبر» بفتح اللام والراء، ويشبّهه بما لا ينصرف لأنه معرفة ومزال عن بابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٩]</span>\nيُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)\nيُوسُفُ نداء مفرد أي يا يوسف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1324>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٠]</span>\nوَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠)\nوَقالَ نِسْوَةٌ ويقال: نسوة، والجمع الكثير نساء، وحكي «قد شغفها» بكسر الغين. ولا يعرف في كلام العرب إلّا «شغفها» بفتح الغين، وكذا قَدْ شَغَفَها أي تركها مشغوفة. إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ\nأي في هذا الفعل. وهذه لام توكيد ولا تقع في الماضي هاهنا إلّا أن الأخفش أجاز: إنّ زيدا لنعم الرجل لأن نعم لا تتصرّف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1325>[سورة يوسف (١٢): آية ٣١]</span>\nفَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)\nفَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أي بعيبهن إياها واحتيالهنّ في ذمها أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ في الكلام حذف أي أرسلت إليهنّ تدعوهن إلى وليمة لتوقعهنّ فيما وقعت فيه. وَأَعْتَدَتْ من\n_________\n(١) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوان ص ٢٢، والأزهيّة ص ١٥٨، وخزانة الأدب ٤/ ٣، ولسان العرب (طوى)، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٧/ ٥٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٢٩٧، والمحتسب ١/ ٣٣٨.","vol":"2","page":200},{"text":"العتاد، وهو كل شيء جعلته عدّة لشيء. مُتَّكَأً أصحّ ما قيل فيه ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: مجلسا، وأما قول الجماعة من أهل التفسير إنه الطعام، فيجوز على تقدير طعام متّكئا، مثل «واسئل القرية»، ودلّ على هذا الحذف، وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا لأن حضور النساء ومعهنّ السكاكين إنّما هو الطعام يقطع بالسكاكين.\nوالأصل في متّكأ موتكأ، ومثله متّزن ومتّعد من وزنت ووعدت ووكأت، ويقال: تكئ يتكأ تكأة. وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا مفعولان وحكى الكسائي والفراء أن السكين يذكّر ويؤنّث، وأنشد الفراء: [الوافر] ٢٣٣-\nفعيّث في السّنام غداة قرّ ... بسكّين موثّقة النّصاب «١»\nوالأصمعي لا يعرف في السكين إلّا التذكير. وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ بضم التاء لالتقاء الساكنين لأن الكسرة تثقل إذا كانت بعدها ضمة وكسر التاء على الأصل وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ أي معاذ الله، وروى الأصمعي عن نافع أنه قرأ كما قرأ أبو عمرو بن العلاء وقلن حاشا لله «٢» بإثبات الألف، وهو الأصل، ومن حذفها جعل اللام التي بعدها عوضا منها، وفيها لغات أربع: «حاشاك» و«حاشا لك» و«حاش لك» و«حشا لك»، ويقال:\nحشا زيد وحاشا زيدا. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمّد بن يزيد يقول: النصب أولى لأنه قد صحّ أنها فعل بقولهم: حاش لزيد والحرف لا يحذف منه، وقد قال النابغة: [البسيط] ٢٣٤-\nوما أحاشي من الأقوام من أحد «٣»\nما هذا بَشَرًا شبّهت (ما) بليس عند الخليل وسيبويه إذا كان الكلام مرتّبا. قال سيبويه:\nوربّ حرف هكذا أي يشبّهه بغيره في بعض المواضع، ثم ذكر سيبويه «تالله» و«لدن غدوة» ثم قال الكوفيون «٤»: لما حذفت الباء نصبت وشرح هذا على ما قاله أحمد بن يحيى أنك إذا قلت: ما زيد بمنطلق، فموضع الباء موضع نصب، وهكذا سائر حروف الخفض. قال: فلما حذفت الباء نصبت لتدلّ على محلها. قال: وهذا قول الفراء «٥» وما تعمل «ما» شيئا، فألزمهم البصريون أن يقولوا: زيد القمر، لأن المعنى كالقمر، فرد هذا أحمد بن يحيى بأن قال: الباء\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (عيث) و(سكن)، والمذكر والمؤنث للأنباري ص ٣١٤، والمذكر والمؤنث للفراء ص ٩٦، والمخصّص ١٧/ ١٦، وتاج العروس (عيث) و(سكن) .\n(٢) انظر تيسير الداني ١٠٥، والبحر المحيط ٥/ ٣٠٣.\n(٣) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٢٠، وأسرار العربية ٢٠٨، والإنصاف ١/ ٢٧٨، والجنى الداني ص ٥٩٩، وخزانة الأدب ٣/ ٤٠٣، والدرر ٣/ ١٨١، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٦٨، وشرح المفصّل ٢/ ٨٥، ولسان العرب (حشا)، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص ٤٢٧، وشرح الأشموني ١/ ٣٤٠، وشرح المفصّل ٨/ ٤٩، ومغني اللبيب ١/ ١٢١، وهمع الهوامع ١/ ٢٣٣.\n(٤) انظر الإنصاف مسألة (١٩) .\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٢.","vol":"2","page":201},{"text":"أدخل في حروف الخفض من الكاف لأن الكاف تكون اسما. قال أبو جعفر: لا يصح إلا قول البصريين. وهذا القول يتناقض لأن الفراء أجاز نصا ما بمنطلق زيد، وأنشد: [الوافر] ٢٣٥-\nأما والله أن لو كنت حرّا ... وما بالحرّ أنت ولا العتيق «١»\nومنع نصا النصب، ولا نعلم بين النحويين اختلافا أنه جائز: ما فيك براغب زيد، وما إليك بقاصد عمرو ثم يحذفون الباء ويرفعون، وحكى البصريون والكوفيون: ما زيد منطلق بالرفع، وحكى البصريون أنها لغة بني تميم وأنشدوا: [الوافر] ٢٣٦-\nأتيما تجعلون إليّ ندّا ... وما تيم لذي حسب نديد «٢»\nوحكى الكسائي أنها لغة تهامة ونجد: وزعم الفراء أن الرفع أقوى الوجهين. قال أبو إسحاق: هذا غلط كتاب الله جلّ وعزّ، ولغة رسوله ﷺ أقوى وأولى. إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ لفضل الملائكة على البشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1326>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٣]</span>\nقالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣)\nقالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ ابتداء وخبر، والتقدير نزول السجن أحبّ إليّ أي أسهل عليّ، وحكى أبو حاتم أن عثمان بن عفان ﵁ قرأ السجن «٣» بفتح السين، وحكى أن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن الأعرج ويعقوب وهو مصدر سجنه سجنا وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ شرط ومجازاة أي إن لم تلطف لي في اجتناب المعصية وقعت فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1327>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٤]</span>\nفَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)\nفَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ أي فلطف له في ذلك. فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ قيل: لأنهنّ جمع قد راودنه عن نفسه، وقيل: يعني كيد النساء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1328>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٥]</span>\nثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)\nثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ فيه ثلاثة أقوال: فمذهب سيبويه «٤» أن\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في الإنصاف ١/ ١٢١، وخزانة الأدب ٤/ ١٤١، والجنى الداني ٢٢٢، وجواهر الأدب ١٩٧، والدرر ٤/ ٩٦، ورصف المباني ١١٦، وشرح التصريح ٢/ ٢٣٣، وشرح شواهد المغني ١/ ١١١، ومغني اللبيب ١/ ٣٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٩، والمقرب ١/ ٢٠٥، وهمع الهوامع ٢/ ١٨.\n(٢) الشاهد لجرير في ديوانه ص ١٦٤، والخزانة ١/ ٤٤٨.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٤، والبحر المحيط ٥/ ٣٠٦.\n(٤) انظر الكتاب ٤/ ١٢٥.","vol":"2","page":202},{"text":"«ليسجننّه» في موضع الفاعل أي ظهر لهم أن يسجنوه، وقال محمد بن يزيد: هذا غلط لا يكون الفاعل جملة ولكن الفاعل ما دلّ عليه بدا أي بدا لهم بداء فحذف الفاعل لأن الفعل يدلّ عليه كما قال: [الوافر] ٢٣٧-\nوحقّ لمن أبو موسى أبوه ... يوفّقه الّذي نصب الجبالا «١»\nوالقول الثالث أن معنى «بدا له» في اللغة ظهر له ما لم يكن يعرفه فالمعنى ثم بدا لهم أي لم يكونوا يعرفونه وحذف هذا لأن في الكلام عليه دليلا وحذف أيضا القول أي قالوا ليسجننّه، وهذه النون للتوكيد، وكذا الخفيفة يوقف عليها بالألف نحو وَلَيَكُونًا [يوسف: ٣٢] ليفرق بينهما، وقال أبو عبيد: يوقف عليها بالألف لأنها أشبهت التنوين في قولك: رأيت رجلا والتقدير فحسبوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1329>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٦]</span>\nوَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)\nوَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ تثنية فتى وهو من ذوات الياء وقولهم الفتوّة شاذّ. قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا والتقدير في النوم ثم حذف. نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ من ذوات الهمز فلذلك ثبتت الياء فيه ومن خفف: نبيّنا ومن أبدل منها قال نبِّنا فحذف الياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1330>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٠]</span>\nما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠)\nما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ حذف المفعول الثاني للدلالة والمعنى سمّيتموها آلهة من عند أنفسكم. ما أَنْزَلَ اللَّهُ ذلك في كتاب. قال سعيد بن جبير مِنْ سُلْطانٍ أي من حجّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1331>[سورة يوسف (١٢): آية ٤١]</span>\nيا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١)\nأَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا حكى بعض أهل اللغة أنّ سقاه وأسقاه لغتان بمعنى واحد كما قال: [الوافر] ٢٣٨-\nسقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال «٢»\n_________\n(١) الشاهد لذي الرّمّة في ديوانه ٤٤٦، وبلا نسبة في لسان العرب (حقق) . [.....]\n(٢) الشاهد للبيد في ديوانه ٩٣، وتهذيب اللغة ٩/ ٢٢٨، وتاج العروس (مجد) و(سقى)، والمخصّص ١٤/ ١٦٩، ونوادر أبي زيد ٢١٣، وبلا نسبة في رصف المباني ٥٠، ولسان العرب (مجد) .","vol":"2","page":203},{"text":"قال الأصمعي: أنا أتّهم هذا البيت من شعر لبيد وأتوهّم أنه مصنوع لأنّه جاء بلغتين في بيت. قال أبو جعفر: الذي عليه أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه ناوله فشرب أو صبّ الماء في حلقه، ومعنى أسقاه جعل له سقيا. قال جلّ وعزّ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا [المرسلات: ٢٧] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1332>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٢]</span>\nوَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)\nوَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا قال الكسائي: والمصدر نجوا ونجاء. اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ أي أذكر ما رأيته منّي وما أنا عليه من عبارة الرؤيا وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1333>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٣]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣)\nوَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ حذفت الهاء فرقا بين المذكّر والمؤنّث، ويجوز في غير القرآن: سبع بقرات سمانا نعت لسبع، وكذا خضرا. قال الفراء «١»:\nومثله سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا [نوح: ١٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1334>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٤]</span>\nقالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤)\nقالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي هي أضغاث. قال الفراء: ويجوز أضغاث أحلام، أي رأيت أضغاث أحلام. قال أبو جعفر: النصب بعيد لأن المعنى: لم ترى شيئا له تأويل، إنما هي أضغاث أحلام. وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ قال أبو إسحاق: المعنى بتأويل الأحلام المختلطة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1335>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٥]</span>\nوَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)\nقال أبو جعفر: الأصل في وَادَّكَرَ اذتكر، والذال قريبة المخرج من التاء، ولم يجز ادغامها فيها لأن الذال مجهورة والتاء مهموسة فلو أدغموا ذهب الجهر فأبدلوا من موضع التاء حرفا مجهورا وهو الدال وكان أولى من الطاء لأن الطاء مطبقة فصار إذ دكّر فأدغموا الذال في الدال فصار ادّكر، وحكى الخليل وسيبويه: إن من العرب من يقول اذّكر فيدغم الدال في الذال لرخاوة الذال ولينها ويقال: أمه يأمه إمها إذا نسي، فعلى هذا وادّكر بعد أمه.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٧.","vol":"2","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1336>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٦]</span>\nيُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)\nيُوسُفُ نداء مفرد وكذا أَيُّهَا الصِّدِّيقُ الكثير الصدق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1337>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٧]</span>\nقالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)\nدَأَبًا مصدر لأن معنى تزرعون تدأبون، وحكى أبو حاتم عن يعقوب دَأَبًا «١» بتحريك الهمزة، وروى حفص عن عاصم وفيه قولان: قول أبي حاتم أنه من دئب. قال أبو جعفر: ولا يعرف أهل اللغة إلا دأب. والقول الآخر أنه حرّك لأن فيه حرفا من حروف الحلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1338>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٨]</span>\nثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)\nثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ مجازا أي يأكل أهلهن. ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي ما ادخرتم من أجلهنّ. إِلَّا قَلِيلًا نصب على الاستثناء. مِمَّا تُحْصِنُونَ أي مما تحبسون لتزرعوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1339>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أي فذهب الرسول فأخبره فقال: ائتوني به فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ أي فأمره بالخروج. قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ أي ليعلم حال النسوة اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي ليعلم أني حبست بلا جرم. إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ فدلّ بهذا على أنهن قد كدنه كما كادته امرأة العزيز. المعنى فذهب الرسول فأخبره فاحضرهنّ فقال: ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ شدّدت النون لأنّها بمنزلة الميم والواو في المذكّرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1340>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٢]</span>\nذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢)\nذلِكَ في موضع رفع أي الأمر ذلك. لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ أي لم أذكره وهو غائب بسوء، وكذا الخيانة وقد قيل: هذا من كلام يوسف ﷺ.\n_________\n(١) انظر معاني الفرّاء ٢/ ٢٧، وتيسير الداني ١٠٥.","vol":"2","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1341>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٣]</span>\nوَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)\nوَما أُبَرِّئُ نَفْسِي على التكثير، وكذا إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ أي مشتهية له. إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي في موضع نصب على الاستثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1342>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٤]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)\nأَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي جزم لأنه جواب الأمر، والمعنى فذهبوا فجاؤوا به ودلّ على هذا. فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أي متمكّن من نريد نافذ القول. أَمِينٌ لا تخاف عذرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1343>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٥]</span>\nقالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)\nقالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ أي حفيظ لها عَلِيمٌ بما تستحق أن أجعلها فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1344>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٦]</span>\nوَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)\nيَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ أي ينزل. نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ أي بإحساننا. وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي ثوابهم، ودلّ بهذا على أنه ثواب له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٨]</span>\nوَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)\nوَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ أي فجاءت سنو القحط فجاء إخوة يوسف إلى مصر ليمتاروا، وهذا من اختصار القرآن المعجز فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون لأنهم خلفوه صبيا ولم يتوهموا أنه بعد العبوديّة بلغ إلى تلك الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1346>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٩]</span>\nوَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)\nوَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ وهو ابن يامين وهو أخو يوسف لأبيه وأمه أي سألهم وذاكرهم حتى جرى ذكر أخيه وهذا من الاختصار أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1347>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٠]</span>\nفَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠)\nفَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي أي فلا أبغيكم شيئا. وَلا تَقْرَبُونِ في موضع جزم بالنهي فلذلك حذفت منه النون، وحذفت الياء لأنه رأس آية، ولو كان خبرا لكان ولا تقربون بفتح النون.","vol":"2","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1348>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٢]</span>\nوَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)\nوقال لفتيته هذه قراءة «١» أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وقرأ سائر الكوفيين وَقالَ لِفِتْيانِهِ وهو اختيار أبي عبيد لأنه روى عن هشام عن مغيرة قال: في مصحف عبد الله «وقال لفتيانه» . قال أبو جعفر: وهذا مخالف للسواد الأعظم لأنه في السواد لا ألف فيه ولا نون فلا يترك السواد المجتمع عليه لهذا الإسناد المنقطع، وأيضا فإنّ فتية هاهنا أشبه من فتيان لأن فتية عند العرب لأقل العدد والقليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه. والأصل في فتية أفعلة وإن كان قد صغّر على لفظه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1349>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٣]</span>\nفَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣)\nفَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ لأنه قال لهم: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي. فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ جواب، والأصل نكتال فحذفت الضمة من اللام للجزم وحذفت الألف لالتقاء الساكنين وهذه قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو وعاصم، وقرأ الكوفيون يكتل «٢» بالياء، والأول اختيار أبي عبيد ليكونوا كلّهم داخلين فيمن يكتال، وزعم أنه إذا قال: يكتل بالياء كان للأخ خاصة. قال أبو جعفر: وهذا لا يلزم لأنه لا يخلو الكلام من إحدى جهتين أن يكون المعنى فأرسل أخانا يكتل معنا فيكون للجميع، أو يكون التقدير على غير التقديم والتأخير فيكون في الكلام دليل على الجمع بقوله فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1350>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٤]</span>\nقالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)\nفَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا على البيان، وهذه قراءة «٣» أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وقرأ سائر الكوفيين حفظا والقراءة الأولى أبين كما يقال: هو خير منه حسبا وحافِظًا منصوب على الحال، وقال أبو إسحاق: يجوز أن يكون منصوبا على البيان.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٠٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٣٢٠، وتيسير الداني ١٠٥.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٠٥.","vol":"2","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1351>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٥]</span>\nوَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)\nما نَبْغِي «ما» في موضع نصب، والمعنى- والله أعلم- أي شيء نبغي بتعريفنا إياك فإن الملك قد برنا وهذِهِ بِضاعَتُنا تدلّ على ذلك إذ رُدَّتْ إِلَيْنا، وروي عن علقمة رُدَّتْ إِلَيْنا «١» بكسر الراء لأن الأصل فيه رددت فلما أدغم قلب حركة الدال على الراء كما يقال: «بيع» في المعتلّ، وقد حكى قطرب في ضرب زيد «ضرب» .\nوَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ أي يخرج أخونا على بعير فيكال له عليه ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ في معناه قولان: أحدهما يسير على الملك أي سهل، والآخر ذلك الذي جئنا به كيل يسير لا يكفينا فنحن نحتاج أن يخرج أخونا معنا حتى يزداد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1352>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٦]</span>\nقالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)\nإِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ في موضع نصب. قال أبو إسحاق: المعنى إلّا لإحاطة بكم قال: وهذا يحقّق الجزاء كقولك: ما جئتني إلا لأخذ الدراهم وإلّا أن تأخذ الدراهم.\nقالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ أي حافظ للحلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1353>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٧]</span>\nوَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)\nوَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ أصحّ ما قيل فيه أنه خاف أن يدخلوا جميعا فيبلغ الملك الأعظم أمرهم فيلحقهم منه مكروه أو يحسدهم من رآهم مجتمعين، ولا معنى للعين هاهنا لأن بعده وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لأنه إن صحّ ما يكون يعقب العين فهو من الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1354>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٨]</span>\nوَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨)\nويدلّك على هذا وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ.\nإِلَّا حاجَةً استثناء ليس من الأول. وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ أي بأمر دينه\n_________\n(١) وهي قراءة يحيى بن وثاب والأعمش أيضا، انظر البحر المحيط ٥/ ٣٢١.","vol":"2","page":208},{"text":"وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ما يعلم يعقوب ﷺ من أمر دينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1355>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٠]</span>\nفَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠)\nقال الأخفش: جمع سقاية: سقايا. أَيَّتُهَا الْعِيرُ أي أصحاب العير يدلّ على ذلك. إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ وكان النداء عن غير أمر يوسف ﷺ لأنه كذب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1356>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٢]</span>\nقالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)\nقالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وروي عن أبي هريرة قالوا نفقد صاع الملك «١»، وروى أبو الأشهب عن أبي رجاء قالوا نفقد صوع الملك «٢» بغير ألف وبغين معجمة، وكذا روي عن يحيى بن يعمر. قال أبو جعفر: الألف في صواع زائدة وهو بمعنى صاع وصاع أكثر في كلام الناس كما قال:\n٢٣٩-\nلا نألم القتل ونجزي به ... الأعداء كيل الصّاع بالصّاع «٣»\nوجمع صواع صيعان، وجمع صاع على التذكير أصواع وعلى التأنيث أصوع، وجمع صوغ أصواغ كثوب أثواب. وصوغ مصدر بمعنى موغ كما تقول: درهم ضرب أي مضروب. وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ابتداء وخبر، وكذا وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ والزّعيم الكفيل وأصله من زعم ذاك أي قاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1357>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٣]</span>\nقالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣)\nقالُوا تَاللَّهِ التاء بدل من الواو لأنها أقرب الزوائد إليها، ولا يقاس على الإبدال فيقال: تالرحمن لأن العرب إذا أبدلت الشيء من الشيء فقد عرف، وكذا المجاز لا يقال عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1358>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٤]</span>\nقالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤)\nقالُوا فَما جَزاؤُهُ ابتداء وخبر. إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ أي في قولكم وما كنا سارقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1359>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٥]</span>\nقالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)\nقالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ وهذا مشكل من النحو وفيه ثلاثة أقوال: منها\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٣٢٦، مختصر ابن خالويه ٦٤.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٣٢٦، مختصر ابن خالويه ٦٤.\n(٣) الشاهد لأبي قيس بن الأسلت في ديوان المفضليات ٥٦٩، والخزانة ٢/ ٤٨.","vol":"2","page":209},{"text":"أن يكون «جزاؤه» مبتدأ وخبره محذوفا، والتقدير: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم أن يستعبد من يسرق، ويقال: إن هذا الحكم كان في شريعة يعقوب ﷺ، وكان هذا في أول الإسلام حتى نسخه الله جلّ وعزّ بالقطع، والقول الثاني أن يكون «جزاؤه» مبتدأ و«من وجد» مبتدأ ثانيا «فهو جزاؤه» خبر الثاني والجملة خبر الأول و«من» شرط، وإن شئت بمعنى الذي، والذي يعود على المبتدأ الأول جزاؤه الثاني، والتقدير (فهو) هو ثم أظهر الضمير، وأنشد سيبويه: [الطويل] ٢٤٠-\nلعمرك ما معن بتارك حقّه ... ولا منسئ معن ولا متيسّر «١»\nإلا أنه في الآية أحسن لأنه لو أضمر فيها لأشكل المعنى فكان الإظهار أحسن لهذا، والقول الثالث أن يكون «جزاؤه» مبتدأ و«من وجد في رحله» كناية عن رحله وخبره، والتقدير: جزاؤه استعباد من وجد في رحله فهو كناية عن الاستعباد، وهي في الجملة معنى التوكيد، كما تقول: جزاء من سرق القطع فهو جزاؤه وفهذا جزاؤه.\nكَذلِكَ الكاف في موضع نصب أي نجزي الظالمين جزاء كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1360>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٦]</span>\nفَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)\nثُمَّ اسْتَخْرَجَها فأنّث، ففيه ثلاثة أقوال: منها أن يكون الكناية للصواع على لغة من أنّث، ومنها أن يكون للسقاية، والجواب الثالث أن يكون للسرقة، وقرأ الحسن ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ «٢» بضمّ الواو، ويجوز في غير القرآن «إعاء» مثل «أقّت» و«وقتت»، ويجوز «إعاء أخيه»، وهي لغة هذيل، ومثله «إكاف» و«وكاف»، كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ الكاف في موضع نصب أي بأن فعل هذا حتى أخذ أخاه ولم يكن يتهيّأ له أخذه وحبسه مع الملك بغير حجّة قال جلّ وعزّ: ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ (أن) في موضع نصب، والتقدير إلّا بأن يشاء الله أن يلطف له بمثل هذا الكيد. نرفع درجات من نشاء «٣» هذه قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة، وقرأ أهل الكوفة نَرْفَعُ دَرَجاتٍ بالتنوين، وهو على قراءتهم مما يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف، والتقدير: نرفع من نشاء إلى درجات، إلّا أنّ أكثر كلام العرب على\n_________\n(١) الشاهد للفرزدق في ديوانه ١/ ٣١٠، والكتاب ١/ ١٠٧، وخزانة الأدب ١/ ٣٧٥، والدرر ٢/ ١٢٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٩٠، وبلا نسبة في همع الهوامع ١/ ١٢٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٣٢٨.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٠٥.","vol":"2","page":210},{"text":"القراءة الأولى يقولون: اللهمّ ارفع درجته ولا يكادون يقولون: اللهمّ ارفعه درجة. قال مالك بن أنس سمعت زيد بن أسلم يقول في قوله ﷿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بالعلم. وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ابتداء وفيه تقديران: أحدهما وفوق كلّ ذي علم من هو أعلم منه حتّى ينتهي ذلك إلى الله جلّ وعزّ، والتقدير الآخر وفوق كل ذي علم عالم بكل شيء وهو الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1361>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٧]</span>\nقالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧)\nقالُوا إِنْ يَسْرِقْ جزم بإن، والجواب فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ المعنى على حذف القول والتقدير: فقد قيل سرق أخ له. ومن أحسن ما قيل في معناه أنّ السّدّي قال: كانت عمة يوسف ﷺ تميل إليه وهي ربّته فلمّا ترعرع أرادوا أن يأخذوه منها فاحتالت في منعهم فأخذت منطقة إسحاق ﷺ فشدّتها في وسطه من تحت ثيابه وكان حكم السّارق إذا سرق أن يستخدم فاحتالت بهذا فأخذته عندها فلهذا قال إخوته: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ. فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ للعلماء في هذا أقوال:\nمنها أنه أسرّ في نفسه قوله شَرٌّ مَكانًا وَاللَّهُ وقيل: أسرّ في نفسه المجازاة لهم على ما قالوا فيه، وقيل: أسرّ في نفسه الحجّة على ما قالوا ولم يرد أن يبيّن عذره في ذلك، وقيل: أسرّ في نفسه قولهم «فقد سرق أخ له من قبل» ولم يرد أن يذيع هذا وينشره.\nقالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ابتداء وخبر. مَكانًا منصوب على البيان أي فعلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1362>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٨]</span>\nقالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)\nإِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1363>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٩]</span>\nقالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظالِمُونَ (٧٩)\nقالَ مَعاذَ اللَّهِ مصدر. أَنْ نَأْخُذَ في موضع نصب أي من أن نأخذ. إِلَّا مَنْ وَجَدْنا في موضع نصب بنأخذ. إِنَّا إِذًا لَظالِمُونَ أي إن أخذنا غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1364>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٠]</span>\nفَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠)\nفَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا أي انفردوا وليس هو معهم. نَجِيًّا نصب على الحال، وهو واحد يؤدي عن جمع وجمعه أنجية. وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ «ما» زائدة لا موضع لها من الإعراب، وقيل: هي في موضع رفع على الابتداء وبمعنى وقع","vol":"2","page":211},{"text":"تفريطكم في يوسف ﵇، وقيل موضعه نصب عطف على «أنّ»، والمعنى: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله وتعلموا تفريطكم في يوسف ﵇.\nفَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ أي من الأرض. حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي نصب بحتى وهي بدل من «أن» .\nأَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي عطف على «يأذن»، والمعنى- والله أعلم- أو يحكم الله لي بالممرّ مع أخي فأمضي معه إلى أبي. وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1365>[سورة يوسف (١٢): آية ٨١]</span>\nارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١)\nارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا له. يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما قال أبو حاتم: ذكر قوم إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ «١» قالوا معناه رمي بالسّرق كما يقال ظلم فلان وخوّن قال: ولم أسمع له إسنادا. قال أبو جعفر: ليس نفيه السماع بحجّة على من سمع، وقد روى هذا الحرف غير واحد منهم محمد بن سعدان النحوي في كتابه «كتاب القراءات» وهو ثقة مأمون وذكر أنها قراءة ابن عباس. قال أبو إسحاق: وقرئ (إنّ ابنك سرق) وهو يحتمل معنيين: أحدهما علم منه السّرق، والآخر اتّهم بالسرق. شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أي لم نعلم وقت أخذناه منك أنه يسرق فلا نأخذه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1366>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٢]</span>\nوَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢)\nوَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها أي أهل القرية. قال سيبويه: ولا يجوز: كلّم هندا وأنت تريد غلام هند لأن هذا يشكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1367>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٣]</span>\nقالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)\nقالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا أي زيّنته من غير أن تكون منه سرق. فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي أولى من الجزع. عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا لأنه كان عنده أنّ يوسف ﷺ لم يمت وإنما غاب عنه خبره لأن يوسف ﷺ حمل وهو عبد لا يملك لنفسه شيئا ثم اشتراه الملك فكان في داره لا يظهر للناس، ثم حبس فلما تمكّن احتال في أن يعلم أبوه خبره ولم يوجّه برسول لأنه كره من إخوته أن يعرفوا ذلك فلا يدعوا الرسول يصل إلى أبيه. وقال «بهم» لأنهم ثلاثة يوسف وأخوه والمتخلف مع أخيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1368>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٤]</span>\nوَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)\nوَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ قال أبو إسحاق: الأصل يا أسفي أبدل\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٥٣، والبحر المحيط ٥/ ٣٣٢. [.....]","vol":"2","page":212},{"text":"من الياء ألف لخفّة الألف والفتحة. عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ وقال: سأل قوم عن معنى شدّة حزن يعقوب ﷺ فللعلماء في هذه ثلاثة أجوبة: منها أنّ يعقوب ﷺ لمّا علم أنّ يوسف ﵇ حيّ فندم على ذلك، والجواب الثالث أبينها وهو أنّ الحزن ليس محظورا وإنما المحظور الولولة وشقّ الثياب والكلام بما لا ينبغي. قال النبي ﷺ:\n«تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب» «١» وقد بيّن الله جلّ وعزّ بقوله:\nفَهُوَ كَظِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1369>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٥]</span>\nقالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥)\nقالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ قال الكسائي: يقال: فتأت وفتئت أفعل ذلك أي ما زلت، وزعم الفراء أنّ «لا» مضمرة وأنشد: [الطويل] ٢٤١-\nفقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي «٢»\nوالذي قال حسن صحيح، وزعم الخليل وسيبويه أنّ «لا» تضمر في القسم لأنه ليس فيه إشكال، ولو كان موجبا لكان باللام والنون. حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا يقال: حرض وحرض حروضا وحروضة إذا بلي وسقم، ورجل حارض وحرض إلّا أن حرضا لا يثنّى ولا يجمع ومثله قمن وحري لا يثنيان ولا يجمعان، وحكى أهل اللغة: أحرضه الهمّ إذا أسقمه ورجل حارض أي أحمق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1370>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٦]</span>\nقالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦)\nلَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي\nحقيقة البثّ في اللغة ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة التي لا يتهيّأ له أن يخفيها وهو من بثثته أي فرّقته فسمّيت المصيبة بثّا مجازا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1371>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٧]</span>\nيا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧)\nيا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا أي اذهبوا إلى هذا الذي طلب منكم أخاكم واحتال عليكم في أخذه فسلوه عنه وعن مذهبه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل ٦٢، والبخاري في صحيحه ٢/ ١٠٥، والبيهقي في سننه ٤/ ٦٩، والمتقي في كنز العمال ٤٠٤٧٩، والقرطبي في تفسيره ٩/ ٤٢٩، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ١/ ٢٩٥.\n(٢) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ٣٢، والكتاب ٣/ ٥٦٠، وخزانة الأدب ٩/ ٢٣٨، والخصائص ٢/ ٢٨٤، والدرر ٤/ ٢١٢، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٢، وشرح التصريح ١/ ١٨٥، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤١، وشرح المفصّل ٧/ ١١٠، ولسان العرب (يمين)، واللمع ٢٥٩، والمقاصد النحوية ٢/ ١٣، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١٠/ ٩٣، وشرح الأشموني ١/ ١١٠، ومغني اللبيب ٢/ ٦٣٧، والمقتضب ٢/ ٣٦٢، وهمع الهوامع ٢/ ٣٨.","vol":"2","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1372>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٨ الى ٩٠]</span>\nفَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)\nفَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ أي الممتنع. مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ فخضعوا له وتواضعوا فرقّ ف قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ قيل: فدلّ بهذا أنهم كانوا صغارا في وقت أخذهم ليوسف ﵇ حتى تركوا أخاه منفردا منه لا يقاومهم فتنبّهوا ف قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ على تخفيف الهمزة الثانية، ويجوز تحقيقهما وأن يدخل بينهما ألفا، ويجوز «إنك» على الخبر. إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ الهاء كناية عن الحديث والجملة الخبر، وكذا الجملة الخبر في قوله جلّ وعزّ: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1373>[سورة يوسف (١٢): آية ٩١]</span>\nقالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١)\nقالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا الأصل همزتان خفّفت الثانية ولا يجوز تحقيقهما. واسم الفاعل مؤثر، والمصدر إيثار. ويقال: أثرت التراب إثارة فأنا مثير وهو أيضا على أفعل ثم أعلّ، والأصل أثير قلبت حركة الياء على الثاء فانقلبت الياء ألفا ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وأثرت الحديث على فعلت فأنا آثره. وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ من خطىء يخطأ إذا أتى الخطيئة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1374>[سورة يوسف (١٢): آية ٩٢]</span>\nقالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)\nقالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ تمّ الكلام ومعنى اليوم الوقت. يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فعل مستقبل فيه معنى الدعاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1375>[سورة يوسف (١٢): آية ٩٣]</span>\nاذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)\nاذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا هذا نعت للقميص والقميص مذكّر. فأما قول الشاعر:\n[الكامل] ٢٤٢-\nيدعو هوازن والقميص مفاضة ... فوق النّطاق تشدّ بالأزرار «١»\nفتقديره والقميص درع مفاضة، يَأْتِ بَصِيرًا جواب الأمر. وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ\n_________\n(١) الشاهد لجرير في ديوانه ٨٩٧، ولسان العرب (قمص)، وتهذيب اللغة ٨/ ٣٨٧، وتاج العروس (قمص)، وبلا نسبة في كتاب العين ٥/ ٧٠.","vol":"2","page":214},{"text":"توكيد في موضع خفض، ولا يجوز أن يكون نصبا على الحال لأنه تابع لما قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1376>[سورة يوسف (١٢): آية ٩٦]</span>\nفَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦)\nفَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ «أن» زائدة للتوكيد. فَارْتَدَّ بَصِيرًا نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1377>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٩ الى ١٠٠]</span>\nفَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)\nآوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ نصب بالفعل، وكذا وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ. سُجَّدًا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1378>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠١]</span>\nرَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)\nرَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ في موضع نصب لأنه نداء مضاف، والتقدير يا ربّ.\nفاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ نصب على النعت: وإن شئت كان نداء ثانيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1379>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٢]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)\nذلِكَ ابتداء. مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ خبره. نُوحِيهِ إِلَيْكَ خبر ثان. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون «ذلك» بمعنى الذي ونُوحِيهِ إِلَيْكَ خبره أي الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1380>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٣]</span>\nوَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)\nوَما أَكْثَرُ النَّاسِ اسم «ما» . وَلَوْ حَرَصْتَ أي على هدايتهم. بِمُؤْمِنِينَ خبر ما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1381>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)\nوَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ قال الخليل وسيبويه «١» هي «أي» دخلت عليها كاف التشبيه فصارت بمعنى «كم» . قال أبو جعفر: ولا يجوز الوقف عليها إلّا وكأيّ كما\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ١٧٢.","vol":"2","page":215},{"text":"تقول: أنت كزيد، ولا يقول أحد من العرب: أنت كزيدن، بنون، وقد اعتلّ النحويون لهذا فقالوا: لا يوقف على التنوين لئلّا يشبه النون التي يقع عليها الإعراب إلّا أنه يجوز الرّوم والإشمام في المرفوع، والرّوم في المخفوض، والإسكان في المخفوض أجود، وأكثر ما جاء في كلام العرب وأشعارها «كائن» من رجل قد رأيته على وزن كاع، وقرأ بهذه اللغة جماعة من أئمة المسلمين منهم أبي بن كعب وعبد الله بن عباس ومجاهد وابن كثير وأبو جعفر وشيبة والأعرج والأعمش، وروي عن ابن محيصن وكئن على وزن كعن، وفعل هذا بهذا الحرف لكثرته في كلامهم، وقد روي عن الحسن وكاين بغير همز. وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ابتداء وخبر أي لا يتفكرون وبيّن أنّهم لا يتفكّرون بقوله جلّ وعزّ وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) إذا قيل لهم: من خلقكم وخلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله جلّ وعزّ ثم يشركون معه غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1382>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٧]</span>\nأَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧)\nأَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً نصب على الحال وأصله المصدر وقال محمد بن يزيد:\nجاء عن العرب حال بعد نكرة وهو قولهم: وقع أمر بغتة وفجأة. قال أبو جعفر:\nومعنى بغتة أصابه من حيث لم يتوقّع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1383>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٨]</span>\nقُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)\nقُلْ هذِهِ سَبِيلِي ابتداء وخبر. أَنَا توكيد. وَمَنِ اتَّبَعَنِي عطف على المضمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1384>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٩]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩)\nوَلَدارُ الْآخِرَةِ ابتداء خَيْرٌ خبره وزعم الفراء «١» أن الدار هي الآخرة أي أضيف الشيء إلى نفسه، واحتجّ الكسائي بقولهم: صلاة الأولى: واحتجّ الأخفش بقولهم: مسجد الجامع. قال أبو جعفر: إضافة الشيء إلى نفسه محال لأنه إنما يضاف الشيء إلى غيره ليعرف به، والأجود الصلاة الأولى لأنها أول ما صلّي حين فرضت الصّلوات. وأول ما أظهر فلذلك قيل لها أيضا: ظهر والتقدير ولدار حال الآخرة خير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1385>[سورة يوسف (١٢): آية ١١٠]</span>\nحَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)\nحَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا هذه القراءة البينة عطف على استيأس\n_________\n(١) انظر معاني الفرّاء ٢/ ٥٥.","vol":"2","page":216},{"text":"وقرأ بها من الصحابة عائشة ﵂، وقرأ ابن مسعود وابن عباس رحمهما الله وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا «١» والتقدير وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذّبوا، وقرأ مجاهد وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا «٢» أي وظن قومهم أن الرسل قد كذّبوا لمّا رأوا من تفضّل الله جلّ وعزّ في تأخيره العذاب. وروي عن عاصم فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ بنون واحد و(من) في موضع رفع اسم ما لم يسمّ فاعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1386>[سورة البقرة (٢): آية ١١١]</span>\nوَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١)\nوَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي ولكن كان، ويجوز الرفع بمعنى ولكن هو تصديق الذي بين يديه وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٣٤٧، ومعاني الفراء ٢/ ٥٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٣٤٧، ومختصر ابن خالويه ٦٥.","vol":"2","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1387>١٣ شرح إعراب سورة الرعد</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ربّ يسّر:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1388>[سورة الرعد (١٣): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالمر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١)\nالمر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ ابتداء وخبر، ويجوز أن يكون التقدير: هذا الذي أنزل إليك تلك آيات الكتاب التي وعدت بها. وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ ابتداء وخبر، ويجوز أن يكون الذي عطفا على آيات في موضع رفع ويكون الحق مرفوعا نعتا للذي أو على إضمار مبتدأ. ويجوز أن يكون الذي في موضع خفض عطفا على الكتاب ويكون الحق رفعا على إضمار مبتدأ، ويجوز خفضه يكون نعتا للذي. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ أي بعد وضوح الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1389>[سورة الرعد (١٣): آية ٢]</span>\nاللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)\nاللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ ابتداء وخبر أي ولا بدّ لها من رافع فهذا من الآيات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها يكون «ترونها» في موضع نصب على الحال أي رفع السماوات مرئيّة بغير عمد، ويجوز أن يكون مستأنفا أي رفع السموات بغير عمد ثم قال أنتم ترونها، ويجوز أن يكون تَرَوْنَها في موضع خفض أي بغير عمد مرئية أي لو كانت بعمد لرأيتموها لكثافة العمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1390>[سورة الرعد (١٣): آية ٣]</span>\nوَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)\nوَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ابتداء وخبر فدلّ على قدرته جلّ وعزّ في الأرض بعد أن دلّ عليها في السماء. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ حرّكت الياء في موضع النصب لخفة الفتحة ولم تنصرف لأنها قد صارت بمنزلة السالم. أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [لقمان: ١٠] في موضع نصب أي كراهة أن تميد بكم.","vol":"2","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1391>[سورة الرعد (١٣): آية ٤]</span>\nوَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)\nوَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ابتداء وخبر، ودلّ بهذا على قدرته جلّ وعزّ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ عطف، ويجوز و«جنات» على «وجعل فيها جنات»، ويجوز أن يكون في موضع خفض عطفا على كلّ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ بالخفض «١» قراءة أهل المدينة وأهل الكوفة، وقرأ أبو عمرو وابن كثير (وزرع) بالرفع وما بعده مثله. قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو بن العلاء كيف لا تقرأ «وزرع» بالجر؟ فقال: الجنات لا تكون من الزرع. قال أبو جعفر: هذا الذي قاله أبو عمرو ﵀ لا يلزم من قرأ بالجر لأنّ بعده ذكر النخيل وإذا اجتمع مع النخيل الزرع قيل لهما: جنة، وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال «وزرع ونخيل» بالخفض أولى لأنه أقرب إليه واحتجّ بحكاية سيبويه «٢»: خشّنت بصدره وصدر زيد، وأنّ الجرّ أولى من النصب لقربه منه كذا «وزرع» أولى لقربه من أعناب، «صنوان» جمع صنو مثل نسوة ونسوان وقنو وقنوان، وحكى سيبويه قنوان، وقال الفراء: «صنوان» بالضمّ لغة تميم وقيس والكسر لغة أهل الحجاز، فإن جمعت صنوا في أقلّ العدد قلت: أصناء والكثيرة صنيّ وصنيّ. وقرأ الحسن وعاصم وحميد وابن محيصن يُسْقى بالياء على تذكير النبت أو الجمع، واحتجّ أبو عمرو للتأنيث بأن بعده وَنُفَضِّلُ بَعْضَها ولم يقل بعضه قال أبو جعفر: وهذا احتجاج حسن، وقرأ أهل الحرمين وأهل البصرة وَنُفَضِّلُ بالنون، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما ويفضّل بالياء قال أبو عبيد ونفضّل على الاستئناف، ويفضّل على أول السورة. وهذا شيء قد تقدّم وانفصل بقوله ﷿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ [الرعد: ٤] . قال أبو جعفر: وهذا احتجاج حسن إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في موضع خفض أي عقلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1392>[سورة الرعد (١٣): آية ٥]</span>\nوَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥)\nوَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أي فيجب أن يعجب من قولهم العقلاء لأنه جهل إذ كان الله جلّ وعزّ قد دلّهم على قدرته وأراهم من آياته ما هو أعظم من إحياء الموتى.\nو«عجب» مرفوع ينوى فيه التأخير على خبر المبتدأ. أَإِذا كُنَّا تُرابًا العامل في «إذا» كنا لأنه لا يجوز أن يعمل ما بعد إنّ فيما قبلها فإذا قرأ «أإنّا» فالعامل «إذا» فعل محذوف\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٣٥٦، وتيسير الداني ١٠٧.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ١٢٣.","vol":"2","page":219},{"text":"والتقدير أنبعث إذا. أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أي من سأل عن البعث سؤال منكر له بعد البراهين فقد كفر ونظير هذا ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: ٤] أي جدال منكر. وَأُولئِكَ مبتدأ. (والأغلال) مبتدأ ثان. فِي أَعْناقِهِمْ في موضع الخبر، والجملة خبر الأول. وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ مبتدأ وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1393>[سورة الرعد (١٣): آية ٦]</span>\nوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦)\nوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ قال قتادة: بالعقوبة قبل العافية قال أبو إسحاق:\nهو من قولهم: اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ قد ذكرنا ما فيه. قال الفراء «١»: بنو تميم يقولون: مثلات بسكون الثاء. وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ روي عن ابن عباس أنه قال: ليس في القرآن أرجأ من هذه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1394>[سورة الرعد (١٣): آية ٧]</span>\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧)\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ وإنما قالوا هذا بعد ظهور الآيات والبراهين على التعنّت والتّهزّء فقال الله جلّ وعزّ: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ أي تنذرهم العذاب لكفرهم بعد البراهين وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قد ذكرنا قول أهل التفسير فيه، وفيه تقديران في العربية: يكون هاد معطوفا على منذر، وهذا من أحسن ما قيل فيه لأن المنذر هو الهادي إلى الله جلّ وعزّ، والتقدير: إنما أنت منذر هاد، والتقدير الآخر أن يكون مرفوعا بالابتداء، والتقدير: ولكل قوم نبيّ هاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1395>[سورة الرعد (١٣): آية ٨]</span>\nاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨)\nاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ابتداء وخبر، وكذا وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1396>[سورة الرعد (١٣): آية ٩]</span>\nعالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩)\nعالِمُ الْغَيْبِ نعت، وإن شئت على إضمار مبتدأ، وإن شئت بالابتداء وما بعده خبره ويجوز في الإعراب النصب على المدح والخفض على البدل والْكَبِيرُ الملك المقتدر على كل شيء شيء والْمُتَعالِ المستعلي على كل شيء، وحذفت الياء لأنه رأس آية.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٥٩.","vol":"2","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1397>[سورة الرعد (١٣): آية ١٠]</span>\nسَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠)\nسَواءٌ مِنْكُمْ مرفوع ينوى به التأخير. قال أبو إسحاق: والتقدير: ذو سواء، كما يقال: رجل عدل، وقيل: سواء بمعنى مستو وهو مرفوع بالابتداء. قال أبو إسحاق:\nولا يجوز عند سيبويه هذا لأنه لا يبتدأ بنكرة. قال أبو جعفر: والمعنى أنه يستوي عند الله جلّ وعزّ هؤلاء وعلمه بهم واحد، وقال حسان: [الوافر] ٢٤٣-\nفمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء «١»\nأي بمنزلته عند الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1398>[سورة الرعد (١٣): آية ١١]</span>\nلَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)\nلَهُ مُعَقِّباتٌ جمع معقّبة والهاء للمبالغة ولهذا جاز يَحْفَظُونَهُ على التذكير مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي حفظهم إياه من أمر الله جلّ وعزّ أمرهم أن يحفظوه مما لم يقدر عليه وقيل المعنى أن المعقبات من أمر الله جلّ وعزّ وهذان الجوابان على قول من قال: أنّ المعقّبات الملائكة وأما من قال: أن المعقّبات الشّرط فالمعنى عنده: يحفظونه من أمر الله على قولهم. إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ فيه قولان: أحدهما أن المعنى: إن الله لا يغيّر ما بإنسان من نعمة وكرامة ابتدأ بها بأن يعاقبه أو يعذبه إلا أن يغيّر ما بنفسه، والقول الآخر: إن الله جلّ وعزّ لا يغيّر ما بقوم مؤمنين صالحين فيسميهم كافرين فاسقين إلا أن يفعلوا ما يوجب ذلك ولا يأمر بإذلالهم إلّا أن يغيّروا ما بأنفسهم: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ فحذّرهم الله جلّ وعزّ بعد أن أعلم أنّه يعلم سرائرهم وما يخفون. وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ أي من وليّ ينصرهم ويمنع منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1399>[سورة الرعد (١٣): آية ١٢]</span>\nهُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢)\nهُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ابتداء وخبر. خَوْفًا وَطَمَعًا على المصدر. وقول أهل التفسير خوفا للمسافر وطمعا للحاضر على الأكثر. وحقيقته على العموم لكلّ من خاف أو طمع وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ جمع سحابة فلهذا نعت بالثقال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1400>[سورة الرعد (١٣): آية ١٣]</span>\nوَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣)\nوَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ أهل التفسير يقولون: الرّعد اسم ملك فهذا حقيقة،\n_________\n(١) الشاهد لحسان بن ثابت في ديوانه ٧٦، وتذكرة النحاة ص ٧٠، والدرر ١/ ٢٩٦، ومغني اللبيب ٦٢٥، والمقتضب ٢/ ١٣٧، وبلا نسبة في شرح الأشموني ص ٨٢، وهمع الهوامع ١/ ٨٨.","vol":"2","page":221},{"text":"وقيل أنّه مجاز وأنه الصّوت فيكون معنى يسبح يدلّ على تنزيه الله جلّ وعزّ من الأشباه فنسب التسبيح إليه مجازا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1401>[سورة الرعد (١٣): آية ١٤]</span>\nلَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤)\nوَما دُعاءُ الْكافِرِينَ أي وما دعاء الكافرين الأوثان. إِلَّا فِي ضَلالٍ عن الصواب وعن الانتفاع بالإجابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1402>[سورة الرعد (١٣): آية ١٥]</span>\nوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥)\nوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قد تكلّم العلماء في معنى هذا، ومن أحسن ما قيل أنّ السجود هاهنا الخضوع لتدبير الله جلّ وعزّ وتصريفه من صحّة وسقم وغيرهما.\nطَوْعًا وَكَرْهًا أي ينقادون على ما أحبّوا أو كرهوا لا حيلة لهم في ذلك، وظلالهم أيضا منقادة لتدبير الله جلّ وعزّ وإجرائه الشمس بزيادة الظلّ ونقصانه وزواله بتصرّف الزمان وجري الشّمس على ما دبّره جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1403>[سورة الرعد (١٣): آية ١٦]</span>\nقُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)\nهَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي المؤمن والكافر. أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أي الكفر والإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>[سورة الرعد (١٣): آية ١٧]</span>\nأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧)\nفَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قال أهل التفسير: أي بقدر ملئها، وقيل: ما قدّر لها.\nفَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا تم الكلام ثم قال جلّ وعزّ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ رفع بالابتداء عند البصريين، وقال الكسائي: ارتفع لأن معناه مما توقدون عليه في النار زبد، قال: وهو الغثاء. وقد غثى يغثي غثيا وغثيانا وهو ما لا ينتفع به مثله أي مثل زبد البحر. كَذلِكَ في موضع نصب، فَأَمَّا الزَّبَدُ أي من هذه الأشياء. فَيَذْهَبُ جُفاءً على الحال من قولهم: انجفأت القدر إذا رمت بزبدها، وهو الغثاء أيضا.","vol":"2","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1405>[سورة الرعد (١٣): آية ١٨]</span>\nلِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)\nلِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى في موضع رفع يجوز أن يكون التقدير جزاء الحسنى، وقيل: هو اسم للجنة. أولئك لهم سوء الحساب والمناقشة والتوبيخ وإحباط الحسنات بالسيئات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1406>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nأَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠)\nالَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ في موضع رفع على البدل من قوله جلّ وعزّ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1407>[سورة الرعد (١٣): آية ٢١]</span>\nوَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١)\nوَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ أي يصلون أرحامهم ومن أمر الله جلّ وعزّ بإكرامه وإجلاله من أهل الطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1408>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٢]</span>\nوَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)\nوَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي يدفعون، إذا همّوا بالسّيئة فكّروا فارتدعوا ودفعوها بالاستغفار والإقلاع. وهذا حسن من الفعل، وينهون أيضا عن المنكر بالموعظة أو بالغلظة فهذا كلّه حسن. أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1409>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)\nجَنَّاتُ عَدْنٍ بدل من عقبى. يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ وهذا من مشكل النحو لأن أكثر النحويين يقولون: ضربته وزيد- قبيح حتى يؤكد المضمر، فتكلّم النحويون في هذا حتى قال جماعة منهم: قمت وزيد، جيد بألف لأن هذا ليس بمنزلة المجرور لأن المجرور لا ينفصل بحال، وكان أبو إسحاق يذهب إلى أن الأجود: قمت وزيدا بمعنى معا إلّا أن يطول الكلام فتقول: قمت في الدار وزيد، وضربتك أمس وزيد وإن شئت نصبت. وإنما ينظر في هذا إلى ما كان منفصلا فيشبّه بالتوكيد. قال أبو جعفر: يجوز عندي- والله أعلم- أن يكون «من» في موضع رفع ويكون التقدير أولئك ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم لهم عقبى الدار.\nوَالْمَلائِكَةُ ابتداء. يَدْخُلُونَ في موضع الخبر، والتقدير: يقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ.","vol":"2","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1410>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٧]</span>\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧)\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ هذا أيضا على التعنّت بعد أن رأوا الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1411>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٨]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)\nالَّذِينَ آمَنُوا في موضع نصب على البدل من (من) . وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أي بوعده. أَلا تنبيه. بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ أي قلوبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1412>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٩]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)\nالَّذِينَ آمَنُوا في موضع رفع بالابتداء وخبره طُوبى لَهُمْ ويجوز أن يكون الَّذِينَ في موضع نصب بدلا من «من» وبمعنى أعني، ويجوز أن يكون طُوبى في موضع نصب بمعنى جعل الله لهم طوبى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1413>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٠]</span>\nالَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠)\nكَذلِكَ أَرْسَلْناكَ الكاف في موضع نصب والأمة الجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1414>[سورة الرعد (١٣): آية ٣١]</span>\nوَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١)\nوَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ «أنّ» في موضع رفع أي لو وقع هذا وللعلماء في هذه الآية أقوال منها أن الجواب محذوف، والتقدير لكان هذا القرآن، وقيل: التقدير لما آمنوا. قال الكسائي: المعنى: وددنا أنّ قرآنا سيّرت به الجبال فهذا بغير حذف، وللفراء فيها قول حسن. قال: يكون الجواب فيما قبله أي وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنا سيّرت به الجبال. بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا على الحال. أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا وفيه لغات: يقال: يائس ويقال: ييئس على فعل يفعل، ويقال يئس يئس، المستقبل على لفظ الماضي. أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1415>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٣]</span>\nأَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)\nأَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رفع بالابتداء، والخبر، محذوف دلّ عليه","vol":"2","page":224},{"text":"وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قال الكسائي والفراء: التقدير كشركائهم قُلْ سَمُّوهُمْ أي سموهم بخلق خلقوه أو فعل فعلوه بقدرتهم أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ قيل: معناه ليس له حقيقة، وقيل: أو بظاهر من القول قد ذكر في الكتب. وقرأ يحيى ابن وثّاب وَصُدُّوا بكسر الصاد لأن الأصل صددوا فقلبت حركة الدال على الصاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1416>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٤]</span>\nلَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤)\nلَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\nلعنة الله جلّ وعزّ إياهم ومعاداة المؤمنين لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1417>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٥]</span>\nمَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥)\nمَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ رفع بالابتداء عند سيبويه، والتقدير عنده: فيما يقصّ عليكم مثل الجنّة أو مثل الجنّة فيما نقصّ عليكم، وقال الفراء «١»: الرافع له تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ والمعنى الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار كما يقال: حلية فلان أسمر. قال محمد بن يزيد: من قال: مثل بمعنى صفة فقد أخطأ لأنه إنما يقال:\nصفة فلان أنه ظريف وأنه كريم، ويقال: مثل زيد مثل عمرو «ومثل» مأخوذ من المثال والحذو، وصفة مأخوذة من التحلية والنعت، وإنما التقدير: فيما يقصّ عليكم مثل الجنة. أُكُلُها دائِمٌ وفيها كذا وفيها كذا. تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ابتداء وخبر، وكذا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1418>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٦]</span>\nوَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)\nوَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ قيل: يعني به المؤمنين والكتاب القرآن. وَمِنَ الْأَحْزابِ أي الذين تحزّبوا على عداوة رسول الله ﷺ والمؤمنون ينكرون ما لم يوافقهم، وقيل الذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى يفرحون بالقرآن لأنه مصدق بأنبيائهم وكتبهم وإن لم يؤمنوا بمحمد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1419>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)\nوَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي إلا بأن يأذن له أن يسأل الآية فيعلم أنّ في ذلك صلاحا. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ أي لكل أمة كتاب مكتوب وأمر مقدّر مقضيّ\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٦٥.","vol":"2","page":225},{"text":"تقف عليه الملائكة ليعلم بذلك قدرة الله جلّ وعزّ، وكذلك وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ وقد بيّنّا معنى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1420>[سورة الرعد (١٣): آية ٤٠]</span>\nوَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠)\nوَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ في موضع جزم بالشرط ودخلت النون توكيدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1421>[سورة الرعد (١٣): آية ٤١]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١)\nنَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها جمع طرف. وقد ذكرنا قول أهل التفسير فيه، وقال عبد الله بن عبد العزيز: الطرف الكريم من كل شيء وجمعه أطراف كما قال الأعشى: [الطويل] ٢٤٤-\nهم الطّرف النّاكي العدوّ وأنتم ... بقصوى ثلاث تأكلون الوقائصا «٢»\nقال: وقال علي بن أبي طالب ﵁ «العلم أودية في أيّ واد أخذت منه حسرت فخذ من كلّ شيء طرفا» أي خيارا وقال الله جلّ وعزّ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أي من علمائها، والعلماء هم الخيار الكرماء، ومنه «ما يدري أيّ طرفيه أطول» «٣» أي ما يدري الكرم يأتيه من ناحية أبيه أو من ناحية أمه لبلهه؟ والطّرف: الفرس الكريم، والطّارف ما استفيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1422>[سورة الرعد (١٣): آية ٤٢]</span>\nوَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)\nفَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا أي لله جلّ وعزّ المكر الثابت الذي يحيق بأهله. ومعنى المكر من الله جلّ وعزّ أن ينزل العقوبة بمن يستحقها من حيث لا يعلم. وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ والكافر بمعنى واحد يؤدّي عن جمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1423>[سورة الرعد (١٣): آية ٤٣]</span>\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)\nقُلْ كَفى بِاللَّهِ في موضع رفع. شَهِيدًا على البيان. وَمَنْ عِنْدَهُ في موضع خفض عطفا على اللفظ، ويجوز أن يكون في موضع رفع على المعنى. عِلْمُ الْكِتابِ رفع بالابتداء.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٣٨٧.\n(٢) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٩٩، ولسان العرب (طرف)، وتهذيب اللغة ١٣/ ٣٢١، وتاج العروس (طرف) وبلا نسبة في جمهرة اللغة ٨٩٥. «الباد والعدوّ» . [.....]\n(٣) انظر مجمع الأمثال رقم (٣٥٠٣) .","vol":"2","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1424>١٤ شرح إعراب سورة إبراهيم ع</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1425>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)\nالر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ أي هذا كتاب أنزلناه إليك في موضع رفع على النعت لكتاب. لِتُخْرِجَ النَّاسَ لام كي، والتقدير ليخرج الناس بِإِذْنِ رَبِّهِمْ والأذن يستعمل بمعنى الأمر مجازا إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1426>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢]</span>\nاللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢)\nاللَّهِ على البدل والرفع على الابتداء، وإن شئت على إضمار مبتدأ، وكذا وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1427>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣]</span>\nالَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣)\nقال أبو إسحاق: عوجا مصدر في موضع الحال. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: هو منصوب على أنه مفعول ثان وهذا مما يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف، والتقدير ويبغون بها عوجا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1428>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ نصب بلام كي. فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ مستأنف، وعند أكثر النحويين لا يجوز عطفه على ما قبله، ونظيره لِنُبَيِّنَ لَكُمْ","vol":"2","page":227},{"text":"وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ\n[الحج: ٥] وأنشد النحويون: [الرجز] ٢٤٥-\nيريد أن يعربه فيعجمه «١»\nقال أبو إسحاق: يجوز النصب فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ على أن يكون مثل لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨] أي صار أمرهم إلى هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1429>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)\nيجوز أن تكون «أن» في موضع نصب أي بأن أخرج قومك. وهذا مذهب سيبويه كما يقال: أمرته أن قم والمعنى أمرته أن يقوم ثم حمل على المعنى كما قال: [الكامل] ٢٤٦-\nوأنا الذي قتلت بكرا بالقنا «٢»\nويجوز أن تكون «أن» لا موضع لها من الإعراب مثل: أرسلت إليه أن قم، والمعنى أي قم، ومثله قوله سبحانه وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [ص: ٦] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1430>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٦]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)\nيَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ في موضع آخر بغير واو، إذا كان بالواو فهو عند الفراء «٣» بمعنى يعذّبونكم ويذبّحونكم فيكون التذبيح غير العذاب الأول ويجوز عند غيره أن يكون بعض الأول، وإذا كان بغير واو فهو تبيين للأول وبدل منه كما أنشد سيبويه: [الطويل] ٢٤٧-\nمتى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا «٤»\n_________\n(١) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ١٨٦، والكتاب ٣/ ٥٩، وللحطيئة في ديوانه ٢٣٩، والأزهية ٢٤٢، والدرر ٦/ ٨٦، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٦/ ١٤٩، والمقتضب ٢/ ٣٣، وهمع الهوامع ٢/ ١٣١، ولسان العرب (حضض) .\n(٢) الشاهد للمهلهل بن ربيعة في المقتضب ٤/ ١٣٢، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٦/ ٧٣، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٣٥٨، وشرح المفصّل ٤/ ٢٥ وعجزه:\n«وتركت تغلب غير ذات سنام»\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٦٨.\n(٤) الشاهد لعبيد بن الحرّ في خزانة الأدب ٩/ ٩٠، والدرر ٦/ ٦٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٦٦، وسرّ صناعة الإعراب ص ٦٧٨، وشرح المفصّل ٧/ ٥٣، وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ١٠٠، ورصف المباني ص ٣٢، وشرح الأشموني ٤٤٠، وشرح المفصّل ١٠/ ٢٠، ولسان العرب (نور) والمقتضب ٢/ ٦٣، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٨.","vol":"2","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1431>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٨]</span>\nوَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)\nفَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ كسرت إنّ لأن ما بعد الفاء في المجازاة مستأنف واللام للتوكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1432>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٩]</span>\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ على البدل ولم يخفض ثمود لأنه جعل اسما للقبيلة، ويجوز خفضه يجعل اسما للحيّ. وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ في موضع خفض معطوف. لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ رفع بالفعل. جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ.\nوإن شئت حذفت الضمّة من السين لثقلها. فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ فإذا أفردت قلت: فم والأصل فجمع على أصله مثل حوض وأحواض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1433>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١١]</span>\nقالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)\nوَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ في موضع رفع بكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1434>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٢]</span>\nوَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)\nوَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا واللازم أذي يأذى أذى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1435>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٤]</span>\nوَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤)\nذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ومن أمال أراد أن يدلّ على أنه من خفت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1436>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٥]</span>\nوَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)\nوَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ويجوز رفع عنيد نعتا لكلّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1437>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٧]</span>\nيَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)\nيَتَجَرَّعُهُ أي تكرهه الملائكة على ذلك ليعذّب به. وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أي ينزل من حلقه. وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي يأتيه ما يمات منه من كلّ مكان من جسده. وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ قيل: من وراء ما يعذّب به عذاب آخر غليظ.","vol":"2","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1438>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٨]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)\nمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ التقدير عند سيبويه «١» والأخفش: وفيما يقصّ عليكم، وقال الكسائي: إنما مثل أعمال الذين كفروا كرماد، وقال غيره مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ. أَعْمالُهُمْ بدل منه، والتقدير: مثل أعمالهم، ويجوز أن يكون مبتدأ ثانيا كما حكي صفة فلان أنّه أحمر. قال الفراء «٢» ولو قرأ قارئ بالخفض أعمالهم جاز، وأنشد: [الرجز] ٢٤٨-\nما للكمال مشيها وئيدا «٣»\nفِي يَوْمٍ عاصِفٍ على النسب عند البصريين بمعنى ذي عاصف، وأجاز الفراء أن يكون بمعنى في يوم عاصف الريح، وأجاز أيضا أن يكون عاصف للريح خاصّة ثم يتبعه يوما، قال: وحكى نحويون: هذا جحر ضبّ خرب «٤» . قال أبو جعفر: هذا مما لا ينبغي أن يحمل كتاب الله جلّ وعزّ عليه، وقد ذكر سيبويه أن هذا من العرب غلط واستدلّ بأنهم إذا ثنّوا قالوا: هذان جحرا ضبّ خربان لأنه قد استبان بالتثنية والتوحيد، ونظير هذا الغلط قول النابغة «٥»: [الكامل] ٢٤٩-\nأمن آل ميّة رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزوّد\nزعم البوارح أنّ رحلتنا غد ... وبذاك خبّرنا الغراب الأسود\nفلا يجوز مثل هذا في كلام ولا لشاعر نعرفه فكيف يجوز في كتاب الله جلّ وعزّ ثم أنشد الفراء بيتا: [البسيط] ٢٥٠-\nيا صاح بلّغ ذوي الزّوجات كلّهم ... أن ليس وصل إذا انحلّت عرى الذّنب «٦»\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ١٩٦.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٧٣.\n(٣) الرجز للزبّاء في لسان العرب (وأد)، و(صرف) و(زهق)، وأدب الكاتب ص ٢٠٠، والأغاني ١٥/ ٢٥٦، وأوضح المسالك ٢/ ٨٦، وجمهرة اللغة ص ٧٤٢، وخزانة الأدب ٧/ ٢٩٥، والدرر ٢/ ٢٨١، وشرح الأشموني ١/ ١٦٩، وشرح التصريح ١/ ٢٧١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩١٢، ومغني اللبيب رقم (٨١٧)، وللزباء أو للخنساء في المقاصد النحوية ٢/ ٤٤٨، وبلا نسبة في همع الهوامع ١/ ١٥٩، ومقاييس اللغة ٦/ ٧٨، وكتاب العين ٧/ ١١٦، وأساس البلاغة (وأد)، وبعده:\n«أجندلا يحملن أم صديدا»\n(٤) انظر الكتاب ١/ ١١٣.\n(٥) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٨٩، والبيت الأول في الأزهيّة ١١٩، وخزانة الأدب ٢/ ١٣٣، والخصائص ١/ ٣٤٠.\n(٦) الشاهد لأبي الغريب النصري في خزانة الأدب ٥/ ٩٠، والدرر ٥/ ٦٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١١، وتذكرة النحاة ص ٥٣٧، وشرح شواهد المغني ص ٩٦٢، وشرح شذور الذهب ص ٤٢٨، ولسان العرب (زوج)، ومغني اللبيب ص ٦٨٣، وهمع الهوامع ٢/ ٥٥.","vol":"2","page":230},{"text":"وزعم أن أبا الجراح أنشده إياه بخفض «كلّهم»، وهذا مما لا يعرج عليه لأن النصب لا يفسد الشعر، ومن قرأ «في يوم عاصف» بغير تنوين أقام الصفة مقام الموصوف أي في يوم ريح عاصف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1439>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢١]</span>\nوَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)\nوَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا أي من قبورهم ونصب جَمِيعًا على الحال. تَبَعًا بمعنى ذي تبع، ويجوز أن يكون جمع تابع. قال علي بن سليمان التقدير سواء علينا جزعنا وصبرنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1440>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٢]</span>\nوَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)\nإِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ في موضع نصب استثناء ليس من الأول. وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ بفتح الياء لأن ياء النفس فيها لغتان: الفتح والتسكين إذا لم يكن قبلها ساكن فإذا كان قبلها ساكن فالفتح لا غير، ويجب على من كسرها أن يقرأ هِيَ عَصايَ [طه: ١٨] بكسر الياء، وقد قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي «١» بكسر الياء- قال الأخفش سعيد: ما سمعت هذا من أحد من العرب ولا من النحويين، وقال الفراء:\nلعلّ الذي قرأ بهذا ظنّ أن الباء تخفض الكلمة كلّها. قال أبو جعفر: فقد صار هذا بإجماع لا يجوز وإن كان الفراء قد نقض هذا وأنشد: [الرجز] ٢٥١-\nقال لها هل لك يا تافيّ ... قالت له ما أنت بالمرضيّ «٢»\nولا ينبغي أن يحمل كتاب الله جلّ وعزّ على الشّذوذ. ومعنى بِما أَشْرَكْتُمُونِ من قبل أنه قد كان مشركا قبلهم، وقيل: من قبل الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1441>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٦]</span>\nوَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦)\nوَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ابتداء وخبر، وأجاز الكسائي والفراء: ومثل\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٤٠٨، ومعاني القرآن ٢/ ٧٥.\n(٢) الشاهد للأغلب العجلي في الخزانة ٢/ ٢٥٧، وبلا نسبة في معاني القرآن ٢/ ٧٦، والبحر المحيط ٥/ ٤٠٩، والمحتسب ٢/ ٤٩.","vol":"2","page":231},{"text":"كلمة خبيثة على النسق وحكيا أن في قراءة أبيّ وضرب مثل كلمة خبيثة «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1442>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨)\nوَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ مفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1443>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٩]</span>\nجَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩)\nجَهَنَّمَ منصوب على البدل من دار، ولم تنصرف لأنها مؤنّثة معرفة مشتقّة من قولهم: ركيّة جهنّام «٢» إذا كانت مقعّرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1444>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٠]</span>\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ نصب بلام كي وبعضهم يسميها لام العاقبة.\nوالمعنى أنه لما آل أمرهم إلى هذا كانوا بمنزلة من فعل ذلك ليكون هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1445>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣١]</span>\nقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)\nقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ في يُقِيمُوا للنحويين أقوال: قال الفراء:\nتأويله الأمر. قال أبو إسحاق بمثل هذا قال المعنى ليقيموا الصلاة ثم حذفت اللام لأنه قد تقدم الأمر قال: ويجوز أن يكون مبنيا لأن اللام حذفت وبني لأنه بمعنى الأمر. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: حدثنا محمد بن يزيد عن المازني قال:\nالتقدير: قل للذين آمنوا أقيموا الصلاة يقيموا، وهذا قول حسن لأن المؤمنين إذا أمروا بشيء قبلوا فهو جواب الأمر. وَيُنْفِقُوا عطف عليه. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ جعلت «لا» بمعنى ليس، وإن شئت رفعت ما بعدها بالابتداء، ويجوز رفع الأول ونصب الثاني بغير تنوين وبتنوين، ويجوز نصب الأول بغير تنوين ورفع الثاني بتنوين ونصبه بتنوين. قال الأخفش: خلال جمع خلّة وقال أبو عبيد: هو مصدر مثل القتال، وأنشد: [الطويل] ٢٥٢-\nولست بمقليّ الخلال ولا قال «٣»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1446>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٣]</span>\nوَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣)\nدائِبَيْنِ على الحال أي دائبين فيما يؤدّي إلى صلاح الناس.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٤١٠. [.....]\n(٢) جهنام: بعيدة القعر.\n(٣) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ٣٥، ولسان العرب (خلل)، وتهذيب اللغة ٦/ ٥٦٧، وصدره:\n«صرفت الهوى عنهنّ من خشية الرّدى»","vol":"2","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1447>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٤]</span>\nوَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)\nوَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ في معناه أقوال فمذهب الفراء من كل سؤالكم، كما تقول: أنا أعطيته سؤاله وإن لم يسأل شيئا أي ما لم يسأل لسأله، وقال الأخفش:\nوآتاكم من كل ما سألتموه شيئا، أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ٢٣] أي من كلّ شيء في زمانها شيئا. قال: ويكون على التكثير، وحكى سيبويه: ما بقي منهم مخبّر، وذلك معروف في كلام العرب، وفيه قول رابع وهو أنّ الناس قد سألوا على تفرّق أحوالهم الأشياء فخوطبوا على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1448>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٥]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥)\nرَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مفعولان. وَاجْنُبْنِي ويقال على التكثير: جنّبني، ويقال: أجنبني. أَنْ نَعْبُدَ في موضع نصب والمعنى من أن نعبد الأصنام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1449>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٦]</span>\nرَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)\nفَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي أي من أهل ديني ومن أصحابي، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي له إن تاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1450>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٧]</span>\nرَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)\nرَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ وحذف المفعول لأن «من» تدلّ عليه وكذا رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1451>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٢]</span>\nوَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢)\nوَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا مفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1452>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٣]</span>\nمُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣)\nوقال أبو إسحاق مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ نصب على الحال. والمعنى ليوم تشخص فيه أبصارهم مهطعين أي مسرعين لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ رفع بيرتد. وَأَفْئِدَتُهُمْ مبتدأ. هَواءٌ خبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1453>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٤]</span>\nوَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤)\nوَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ليس لجواب الأمر ولكنه معطوف","vol":"2","page":233},{"text":"على يأتيهم أو مستأنف. وقد أشكل هذا على بعض النحويين حتّى قال: لا ينصب جواب الأمر بالفاء، وهذا خلاف ما قال الخليل ﵀ وسيبويه، وقد أنشد النحويون: [الرجز] ٢٥٣-\nيا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا «١»\nوإنّما امتنع النصب في الآية لأن المعنى ليس عليه أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ أي من زوال عمّا أنتم عليه من الأمهال إلى الانتقام والمجازاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1454>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٦]</span>\nوَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦)\nوَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ «إن» بمعنى «ما» وهذا يروى عن الحسن كذا، وأنّ مثله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [يونس: ٩٤]، وكذا قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ [الزخرف: ٨١] وقد قيل في هاتين الآيتين غير ما قال وذلك في مواضعهما، وقرأ مجاهد وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال «٢» بفتح اللام ورفع الفعل، وبه قرأ الكسائي، وكان محمد بن يزيد فيما حكي عنه يختار فيه قول قتادة. قال: هذا لكفرهم مثل قوله جلّ وعزّ: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [مريم: ٩٠] . قال أبو جعفر:\nوكان أبو إسحاق يذهب إلى أن هذا جاء على كلام العرب لأنهم يقولون: لو أنك بلغت كذا ما وصلت إلى شيء وإن كان لا تبلغه وكذا في «إن»، وأنشد سيبويه: [الطويل] ٢٥٤-\nلئن كنت في جبّ ثمانين قامة ... ورقّيت أسباب السّماء بسلّم «٣»\nوروي عن عمر وعلي وعبد الله ﵃ أنهم قرءوا وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال «٤»، بالدال ورفع الفعل. والمعنى في هذا بين وإنما هو تفسير وليس بقراءة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1455>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٧]</span>\nفَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧)\nفَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ مجاز كما يقال: معطي درهم زيدا، وأنشد سيبويه: [الطويل] ٢٥٥-\nترى الثّور فيها مدخل الظّلّ رأسه ... وسائره باد إلى الشّمس أجمع «٥»\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٢٠٢) .\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٧٩، والبحر المحيط ٥/ ٤٢٦، ورويت هذه القراءة عن الإمام علي.\n(٣) الشاهد للأعشى في ديوانه ص ١٧٣، وشرح المفصّل ٢/ ٧٤، ولسان العرب (سبب) و(ثمن) و(رقا) .\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٦٩، والبحر المحيط ٥/ ٤٢٥، وهي قراءة علي وعمر وعبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبيّ وأبي إسحاق السبيعي وزيد بن علي.\n(٥) الشاهد بلا نسبة في الكتاب ١/ ٢٤٠، وأمالي المرتضى ١/ ٢١٦، وخزانة الأدب ٤/ ٢٣٥، والدرر ٦/ ٣٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٣.","vol":"2","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1456>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٨]</span>\nيَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)\nيَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ اسم ما لم يسمّ فاعله غَيْرَ الْأَرْضِ خبره. وفي معناه قولان: أحدهما أنها تبدّل أرضا غير هذه وفي هذا أحاديث، والقول الآخر أنّ تبديلها إذهاب جبالها وجعلها قاعا صفصفا، وتبديل السماء انفطارها وانتثار كواكبها وتكوير شمسها، كما يقال: بدّلت خاتمي أي غيّرته عمّا كان عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1457>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٩]</span>\nوَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩)\nمُقَرَّنِينَ نصب على الحال، مُقَرَّنِينَ معطوفة أيديهم وأرجلهم إلى أعناقهم بالسّلاسل والأغلال. والقرن بفتح الراء الحبل الذي يجمع به بين الشيئين. قال جرير:\n[البسيط] ٢٥٦-\nوابن اللّبون إذا ما لزّ في قرن «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1458>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٢]</span>\nهذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)\nهذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ابتداء وخبر أي هذا الوعظ قد بلغ لهم إن اتّعظوا وَلِيُنْذَرُوا بِهِ لام كي، والفعل محذوف لعلم السامع. وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ عطف عليه.\n_________\n(١) الشاهد لجرير في ديوانه ١٢٨، والكتاب ٢/ ٩٣، وجمهرة اللغة ١٣٠، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٥٩، وشرح شواهد المغني ١/ ١٦٧، وكتاب الصناعتين ٢٤، ولسان العرب (لزز) و(قعس) و(قنعس)، و(لين)، والمقتضى ٤/ ٤٦، وبلا نسبة في الردّ على النحاة ٧٤، وشرح المفصّل ١/ ٣٥.","vol":"2","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1459>١٥ شرح إعراب سورة الحجر</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1460>[سورة الحجر (١٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ التقدير هذا تلك آيات الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1461>[سورة الحجر (١٥): آية ٢]</span>\nرُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢)\nرُبَما فيه ثمانية أوجه: قرأ الأعمش وحمزة والكسائي رُبَما «١» مثقلة، وقرأ أهل المدينة وعاصم رُبَما «٢» مخفّفة. والأصل الثقيل، والعرب تخفف المثقّل ولا تثقل المخفف. وقال سيبويه «٣»: لو سميت رجلا رب مخفّفة ثم صغرته رددته إلى أصله فقلت: ربيب. قال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا نصر بن علي عن أبيه عن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقرأ «ربما» مخفّفة ومثقلة. قال: التخفيف لغة أهل الحجاز والثقيل لغة تميم وقيس وبكر. وحكى أبو زيد أنه يقال: ربّتما وربّتما، وهذا على تأنيث الكلمة. فهذه أربع لغات وحكى أبو حاتم: ربما وربّما وربتما وربتما. ولا موضع لها من الإعراب عند أكثر النحويين لأنها كافة جيء بها لأن ربّ لا يليها الفعل، فلما جئت بما وليها الفعل عند سيبويه لا غير إلّا في الشعر فإنه يليها الابتداء والخبر، وأنشد: [الطويل] ٢٥٧-\nصددت فأطولت الصّدود وقلّما ... وصال على طول الصّدود يدوم «٤»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١١٠.\n(٢) انظر تيسير الداني ١١٠.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٥٠٢ قال (ولو حقرت «ربّ» مخفّفة لقلت ربيب) .\n(٤) الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٥٠٢، والكتاب ١/ ٦٢، وللمرار الفقعسي في ديوانه ٤٨٠، والأزهيّة ٩١، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٢٦، والدرر ٥/ ١٩٠، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٠٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧١٧، ومغني اللبيب ١/ ٣٠٧، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ١٤٥، والخصائص ١/ ١٤٣، والدرر ٦/ ٣٢١، وشرح المفصّل ٧/ ١١٦، ولسان العرب (طول) و(قلل)، والمحتسب ١/ ٩٦، والمقتضب ١/ ٨٤، والممتع في التصريف ٢/ ٤٨٢، وهمع الهوامع ٢/ ٨٣.","vol":"2","page":236},{"text":"والجيد قوله:\n٢٥٨-\nوطال ما وطال ما وطالما ... سقى بكفّ خالد وأطعما «١»\nوالذي حكيناه قول الخليل وسيبويه، وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد أن هذا جائز في الكلام والشعر كما أن إنما يكون بعدها الفعل والابتداء والخبر، وسمعت محمد بن الوليد يقول: ليس في حروف الخفض نظير لربّ لأن سبيل حروف الخفض أن يضاف بها قبلها إلى ما بعدها وسبيل ربّ أن يضاف ما بعده من الفعل إلى ما قبله، وزعم الأخفش أنه يجوز أن تكون «ما» في موضع خفض على أنها نكرة أي ربّ شيء أو ربّ ودّ. يقال: وددت أنّ ذلك كان، إذا تمنيته ودّا لا غير، ووددت الرجل، إذا أحببته ودّا، بضم الواو ومودّة وودادة وودادا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1462>[سورة الحجر (١٥): آية ٣]</span>\nذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)\nذَرْهُمْ في موضع أمر فيه معنى التهديد، ولا يقال: وذر ولا واذر، والعلة فيه عند سيبويه أنهم استغنوا عنه بترك، وعند غيره ثقل الواو فلما وجدوا عنها مندوحة تركوها، يَأْكُلُوا جواب الأمر وَيَتَمَتَّعُوا عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1463>[سورة الحجر (١٥): آية ٤]</span>\nوَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤)\nفي موضع الحال، وفي غير القرآن يجوز حذف الواو. ودلّ بهذا على أن كل مهلك ومقتول فبأجله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1464>[سورة الحجر (١٥): آية ٨]</span>\nما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)\nما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ «٢» الأصل تتنزّل فحذفت إحدى التاءين تخفيفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1465>[سورة الحجر (١٥): آية ٩]</span>\nإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)\nوالأصل في إِنَّا إنّنا نَحْنُ في موضع نصب على التوكيد بإنّ ويجوز أن تكون في موضع رفع على الابتداء، ويجوز أن تكون لا موضع لها تكون فاصلة. وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ اللام الأولى لام خفض والثانية لام توكيد ولم يحتج إلى فرق في المضمر لاختلاف العلامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1466>[سورة الحجر (١٥): آية ١٢]</span>\nكَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)\nكَذلِكَ نَسْلُكُهُ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر، وقد تكلّم الناس في\n_________\n(١) ورد صدر الشاهد فقط في مجالس ثعلب ٣٢٦.\n(٢) انظر تيسير الداني ١١٠. [.....]","vol":"2","page":237},{"text":"المضمر هاهنا فقيل: هو كناية عن التكذيب، وقيل: عن الذكر، وقيل: هو مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أي عقوبته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1467>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)\nوَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) ولغة هذيل يعرجون، وفي المضمر قولان: أحدهما أن التقدير: فظل الملائكة، والآخر أن التقدير: ولو فتحنا على هؤلاء الكفار المعاندين بابا من السماء فأدخلناهم فيه ليعرجوا إلى السماء فيكون ذلك آية لتصديقك لدفعوا العيان، وقالوا إنما سكّرت أبصارنا وسحرنا حتى رأينا الشيء على غير ما هو عليه، ويقال: سكر وسكّر على التكثير أي غطّي على عقله، ومنه قيل:\nسكران، وهو مشتق من السّكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1468>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨)\nوَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ.\nمِنْ في موضع نصب. قال الأخفش: استثناء خارج، وقال أبو إسحاق: يجوز أن تكون «من» في موضع خفض، ويكون التقدير إلا ممّن استرق السمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1469>[سورة الحجر (١٥): آية ١٩]</span>\nوَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)\nوَالْأَرْضَ مَدَدْناها على إضمار فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1470>[سورة الحجر (١٥): آية ٢٠]</span>\nوَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)\nقال الفراء «١»: «من» في موضع نصب والمعنى وجعلنا لكم فيها المعايش والإماء والعبيد. قال: ويجوز أن يكون «من» في موضع خفض أي ولمن لستم له برازقين، والقول الثاني عند البصريين لحن لأنه عطف ظاهرا على مكنيّ مخفوض، ولأبي إسحاق فيه قول ثالث حسن غريب قال «من» معطوفة على تأويل لكم، والمعنى:\nأعشناكم أي رزقناكم ورزقنا من لستم له برازقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1471>[سورة الحجر (١٥): آية ٢١]</span>\nوَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)\nوَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ أي نحن مالكون له وقادرون عليه، وقيل: يعني به المطر.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٨٦.","vol":"2","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1472>[سورة الحجر (١٥): آية ٢٢]</span>\nوَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢)\nوَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ قد ذكرناه، وقرأ طلحة ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة وأرسلنا الريح لواقح «١» وهذا عند أبي حاتم لحن لأن الريح واحدة فلا تنعت بجمع.\nقال أبو حاتم: يقبح أن يقال: الريح لواقح. قال وأما قولهم: اليمين الفاجرة تدع الدار بلاقع. فإنّما يعنون بالدّار البلد كما قال عزّ وتعالى: فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ [الأعراف: ٧٨] . وقال أبو جعفر: هذا الذي قاله أبو حاتم في قبح هذا غلط بيّن، وقد قال الله جلّ وعزّ: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها [الحاقة: ١٧] يعني الملائكة لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك، وكذا الريح بمعنى الرياح، وقال سيبويه: وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وحكى الفراء في مثل هذا جاءت الريح من كلّ مكان يعني الرياح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1473>[سورة الحجر (١٥): آية ٢٥]</span>\nوَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)\nإِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ حكيم في تدبيره عليم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1474>[سورة الحجر (١٥): آية ٢٦]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)\nقد ذكرناه «٢» . ومن أحسن ما قيل فيه قول ابن عباس ﵀ قال: «مسنون» على الطريق، وتقديره على سنن الطريق وسننها، وسننها، وإذا كان كذلك أنتن وتغيّر لأنه ماء منفرد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1475>[سورة الحجر (١٥): آية ٢٧]</span>\nوَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧)\nوروي عن الحسن أنه قرأ والجانّ خلقنه «٣» بالهمز كأنه كره اجتماع الساكنين.\nوالأجود بغير همز ولا ينكر اجتماع ساكنين إذا كان الأول حرف مد ولين والثاني مدغما. وَالْجَانَّ نصب بإضمار فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1476>[سورة الحجر (١٥): آية ٢٩]</span>\nفَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩)\nفقوله ساجِدِينَ نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1477>[سورة الحجر (١٥): آية ٣٠]</span>\nفَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)\nمذهب الخليل وسيبويه «٤» أنه توكيد بعد توكيد، وقال محمد بن يزيد: أجمعون يفيد أنهم غير متفرّقين. قال أبو إسحاق: هذا خطأ ولو كان كما قال لكان نصبا على الحال.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١١٠.\n(٢) انظر معانيه في البحر المحيط ٥/ ٤٤٠.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٧١، والبحر المحيط ٥/ ٤٤٠.\n(٤) انظر الكتاب ٢/ ٤٠٧.","vol":"2","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1478>[سورة الحجر (١٥): آية ٣١]</span>\nإِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)\nإِلَّا إِبْلِيسَ قال أبو إسحاق: استثناء ليس من الأول يذهب إلى قول من قال: إن إبليس ليس من الملائكة ولا كان منهم. وهذا قول صحيح يدلّ عليه أن الله جلّ وعزّ أخبرنا أنه خلق الجانّ من نار والملائكة لم تخلق من نار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1479>[سورة الحجر (١٥): آية ٣٢]</span>\nقالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢)\nما لَكَ أَلَّا تَكُونَ في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1480>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nقالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)\nليس إجابة له إلى ما سأل وإنما هو على التهاون به إذ كان لا يصل إلى ضلال أحد إلّا من لا يفلح لو لم يوسوسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1481>[سورة الحجر (١٥): آية ٣٩]</span>\nقالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)\nقالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي فيه أقوال: فمن أحسنها أن المعنى: بما خيّبتني من الجنة يقال: غوى إذا خاب وأغواه خيّبه ومنه: [الطويل] ٢٥٩-\nومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1482>[سورة الحجر (١٥): آية ٤٠]</span>\nإِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)\nإِلَّا عِبادَكَ نصب على الاستثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1483>[سورة الحجر (١٥): آية ٤١]</span>\nقالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)\nقالَ هذا صِراطٌ. مبتدأ وخبر عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ من نعته. قال زياد بن أبي مريم:\n«عليّ» هي إليّ يذهب إلى أن المعنى واحد. قيل: فيه معنى التهديد أي إليّ مرجعه وعلى طريقه، وقيل: على بيانه أي ضمان ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1484>[سورة الحجر (١٥): آية ٤٢]</span>\nإِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢)\nإِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ الأصل في ليس عند سيبويه ليس قال سيبويه «٢»:\nوأما (ليس) فمسكّنة من نحو صيد كما قالوا: علم ذاك. قال أبو جعفر: كان يجب على أصول العربية أن يقال: لاس لتحرّك الياء وتحرّك ما قبلها. قال سيبويه «٣»: فجعلوا إعلاله إزالة الحركة لأنه لا يقال منه: يفعل ولا فاعل ولا مصدر ولا اشتقاق، وكثر في كلامهم\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم ٥٦.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٤٨٦.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٤٨٦.","vol":"2","page":240},{"text":"فلم يجعلوه كأخواته. يعني ما يعمل عمله. قال: فجعلوه كليت. قال أبو إسحاق: ولم يتصرّف ليس لأنه ينفى بها المستقبل والحال والماضي فلم يحتجّ فيها إلى تصرّف. قال أبو جعفر: وسمعت محمد بن الوليد يقول: لمّا ضارعت «ما» منعت من التصريف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1485>[سورة الحجر (١٥): آية ٤٧]</span>\nوَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧)\nوَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ قال الكسائي: غلّ يغلّ من الشحناء، وغلّ يغلّ من الغلول، وأغلّ يغلّ من الخيانة، وقال غيره: معنى وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أزلنا عنهم الجهل والغضب وشهوة ما لا ينبغي حتى زال التحاسد. إِخْوانًا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1486>[سورة الحجر (١٥): آية ٥١]</span>\nوَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١)\nوالتقدير: عن أصحاب ضيف إبراهيم ولهذا لم يكثّر ضيوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1487>[سورة الحجر (١٥): آية ٥٣]</span>\nقالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣)\nقالُوا لا تَوْجَلْ ومن قال تأجل أبدل من الواو ألفا لأنها أخفّ، ومن قال: تيجل أبدل منها ياء لأنها أخفّ من الواو، ولغة بني تميم تيجل ليدلّوا على أنه من فعل، ويقال: فلان ييجل، بكسر الياء، وهذا شاذّ لأن الكسرة في الياء مستقلة ولكن فعل هذا لتنقلب الواو ياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1488>[سورة الحجر (١٥): آية ٥٤]</span>\nقالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)\nفَبِمَ تُبَشِّرُونَ قراءة أكثر الناس، وقرأ نافع بكسر النون، وحكي عن أبي عمرو بن العلاء ﵀ أنه قال: كسر النون لحن، يذهب إلى أنه لا يقال: أنتم تقوموا فيحذف نون الإعراب. قال أبو جعفر: قد أجاز سيبويه «١» والخليل مثل هذا. قال سيبويه: وقرأ بعض الموثوق بهم قالَ أَتُحاجُّونِّي [الأنعام: ٨٠] وفَبِمَ تُبَشِّرُونَ وهي قراءة أهل المدينة «٢»، والأصل عند سيبويه: فبم تبشّرون بإدغام النون في النون ثم استثقل الإدغام فحذف إحدى النونين ولم يحذف نون الإعراب كما تأول أبو عمرو وإنما حذف النون الزائدة. وأنشد سيبويه: [الوافر] ٢٦٠-\nتراه كالثّغام يعلّ مسكا ... يسوء الفاليات إذا فليني «٣»\nوقال الآخر: [الوافر] ٢٦١-\nأبالموت الّذي لا بدّ أنّي ... ملاق لا أباك تخوّفيني «٤»\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٣.\n(٢) انظر تيسير الداني ١١١.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (١٣٤) .\n(٤) الشاهد لأبي حيّة النميري في ديوانه ١٧٧، وخزانة الأدب ٤/ ١٠٠، والدرر ٢/ ٢١٩، وشرح شواهد الإيضاح ٢١١، ولسان العرب (خعل) و(أبي)، و(فلا)، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٣٢، والخصائص ١/ ٣٤٥، وشرح التصريح ٢/ ٢٦، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٥٠١، وشرح شذور الذهب ٤٢٤، وشرح المفصّل ٢/ ١٠٥، واللامات ص ١٠٣، والمقتضب ٤/ ٣٧٥، والمقرّب ١/ ١٩٧، والمنصف ٢/ ٣٣٧، وهمع الهوامع ١/ ٣٣٧.","vol":"2","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1489>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nقالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦)\nوقرأ يحيى بن وثاب والأعمش قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ وقرأ وَمَنْ يَقْنِطُ «١» وقرأ مِنْ بَعْدِ ما قَنِطُوا [الشورى: ٢٨] جميعا بالكسر وقرأ أبو عمرو والكسائي قال ومن يقنط بكسر النون و«قنطوا» بفتح النون، وقرأ أهل الحرمين وعاصم وحمزة قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ بفتح النون، وقرءوا «قنطوا» بفتح النون، وقرأ الأشهب العقيلي قال ومن يقنط بضمّ النون. قال أبو جعفر: أبو عبيد القاسم بن سلام يختار قراءة أبي عمرو والكسائي في هذا، وزعم أنها أصحّ في العربية، وردّ قراءة أهل الحرمين وعاصم وحمزة لأنها على فعل يفعل عنده، وكذا أنكر قنط يقنط، ولو كان الأمر كما قال لكانت القراءتان لحنا، وهذا شيء لا يعلم أنه يوجد أن يجتمع أهل الحرمين على شيء ثم يكون لحنا ولا سيما ومعهم عاصم مع جلالته ومحلّه وعلمه وموضعه من اللغة، والقراءتان اللتان أنكرهما جائزتان حسنتان وتأويلهما على خلاف ما قال. يقال: قنط يقنط وقنط قنوطا فهو قانط، وقنط يقنط قنطا فهو قنط وقانط. فإذا قرأ «ومن يقنط» فهو على لغة من قال: قنط يقنط، وإذا قرأ «ومن يقنط» فهو على لغة من قال: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وإذا قرأ يقنطوا فهو على لغة من قال: قنط يقنط مثل حذر يحذر فله أن يستعمل اللغتين، وأبو عبيد ضيّق ما هو واسع من اللغة ومعنى ومن يقنط من ييأس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1490>[سورة الحجر (١٥): آية ٥٧]</span>\nقالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧)\nقالَ فَما خَطْبُكُمْ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1491>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nقالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩)\nإِلَّا آلَ لُوطٍ ... قال أبو إسحاق: استثناء ليس من الأول إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1492>[سورة الحجر (١٥): آية ٦٠]</span>\nإِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠)\nإِلَّا امْرَأَتَهُ قال: استثناء من الهاء والميم. وتأوّل أبو يوسف هذا على أنه استثناء ردّ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٤٤٧.","vol":"2","page":242},{"text":"على استثناء، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِلَّا آلَ لُوطٍ فاستثناهم من المجرمين إلا امرأته فاستثناها من قوم لوط فصارت مع المجرمين. قال كما تقول: له عليّ عشرة إلا أربعة إلّا واحدا، فيكون سبعة لأنك استثنيت من الأربعة واحدا فصار مع الستة فصارت سبعة. قال أبو عبيد: كما تقول: إذا قال رجل لامرأته: أنت طالق ثلاثا إلّا اثنتين إلّا واحدة فقد طلّق ثنتين. قال أبو جعفر: الذي قال أبو يوسف كما قال عند أهل العربية، والذي قاله أبو عبيد عند حذاق أهل العربية لا يجوز. يقولون إنّه لا يستثنى من الشّيء نصفه ولا أكثر من النصف ولا يتكلّم به أحد من العرب. والاستثناء عند الخليل وسيبويه «١» التوكيد، لأنك إذا قلت: جاءني القوم جاز أن يكون قد بقي منهم، فإذا قلت:\nكلّهم أحطت بهم، وكذا إذا قلت: جاءني القوم جاز أن يكون زيد داخلا فيهم فإذا قلت: إلا زيدا بيّنت كما بيّنت بالتوكيد. ومعنى قولك: له عندي عشرة إلا واحدا، له عندي عشرة ناقصة، ولا يجوز أن يقال لخمسة ولا أقل منها عشرة ناقصة. قَدَّرْنا إِنَّها وقرأ عاصم قَدَّرْنا وفي التشديد معنى المبالغة أي كتبنا ذلك وأخبرنا به وعلمنا أنّها لمن الغابرين قد ذكرناه.\nومن أحسن ما قيل فيه أن معنى الغابرين الباقون المتخلّفون عن الخروج معه من قولهم غبر إذا بقي، وهكذا قال أهل العربية في معنى وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ [هود: ٨١] إن المعنى فأسر بأهلك إلّا امرأتك، ومن أحسن ما قيل في معنى وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ أن المعنى:\nولا يلتفت إلى ما خلّف وليخرج، وقد قيل: إنه من الالتفات أي لا يكن منكم خروج فيلتفت.\nقالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) أي بالعذاب الذي كانوا يشكّون فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1493>[سورة الحجر (١٥): آية ٦٥]</span>\nفَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)\nفَأَسْرِ بِأَهْلِكَ من أسرى، ومن وصل جعله من سرّى، لغتان معروفتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1494>[سورة الحجر (١٥): آية ٦٦]</span>\nوَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)\nوَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ قال الأخفش: «أنّ» في موضع نصب على البدل من الأمر، وقال الفراء «٢»: هي في موضع نصب بسقوط الخافض أي قضينا إليه ذلك الأمر بهذا. قال: وفي قراءة عبد الله وقلنا إن دبر هؤلاء «٣» فلو قرأ قارئ على هذا بكسر إنّ لجاز. مُصْبِحِينَ نصب على الحال، والتقدير عند الفراء وأبي عبيد إذا كانوا مصبحين. قال أبو عبيد: كما تقول: أنت راكبا أحسن منك ماشيا. قال:\nوسمعت أعرابيا فصيحا من بني كلاب يقول: أنا لك صديقا خير منّي لك عدوا.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ٣٢٣. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٩٠.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٩٠.","vol":"2","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1495>[سورة الحجر (١٥): آية ٦٧]</span>\nوَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)\nفي موضع نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1496>[سورة الحجر (١٥): آية ٦٨]</span>\nقالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨)\nقالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي وحّد لأنه مصدر في الأصل ضفته ضيفا أي نزلت به، والتقدير: ذوو ضيفي. قال أبو إسحاق: المعنى أو لم ننهك عن ضيافة العالمين، وقال غيره: المعنى أو لم ننهك عن أن تجير أحدا علينا وتمنعنا منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1497>[سورة الحجر (١٥): آية ٧٢]</span>\nلَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)\nلَعَمْرُكَ مبتدأ، والخبر محذوف لأن القسم باب حذف، والتقدير لعمرك قسمي إِنَّهُمْ بالكسر لأنه جواب القسم وأجاز جماعة من النحويين فتحها. لَفِي سَكْرَتِهِمْ أي جهلهم شبّه بالسكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1498>[سورة الحجر (١٥): آية ٧٣]</span>\nفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣)\nنصب على الحال. وأشرقوا صادفوا شروق الشمس أي طلوعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1499>[سورة الحجر (١٥): آية ٧٥]</span>\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)\nأي لعظات عن المعاصي والكفر للمستدلّين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1500>[سورة الحجر (١٥): آية ٧٨]</span>\nوَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨)\nوَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لا اختلاف في صرف هذا والذي في «ق» «١»، واختلفوا في الذي في «الشعراء» «٢» والذي في «ص» «٣» فقرأهما أهل المدينة بغير صرف، وقرأهما أهل البصرة وأهل الكوفة كذينك، وهذا هو الحقّ لأنه لا فرق بينهنّ والقصة واحدة، وإنما هذا كتكرير القصص في القرآن. فأما قول من قال: إن أيكة اسم للقرية، وإن «الأيكة» اسم للبلد فغير معروف ولا مشهور، فأمّا احتجاج من احتجّ بالسواد وقال: لا أصرف اللتين في «الشعراء» و«ص» لأنهما في الخطّ بغير ألف فلا حجّة له في ذلك وإنما هذا على لغة من قال: جاءني صاحب زيد لسود، يريد الأسود، فألقى حركة الهمزة على اللام فتحرّكت اللام وسقطت ألف الوصل لتحرّكها وسقطت الهمزة لمّا ألقيت حركتها على ما قبلها، وكذا ليكة.\n_________\n(١) ق: ١٤، وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ.\n(٢) الشعراء: ١٧٦ كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ.\n(٣) ص: ١٣ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ.","vol":"2","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1501>[سورة الحجر (١٥): آية ٧٩]</span>\nفَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩)\nوَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ في معناه قولان: أحدهما أنّ الإمام الكتاب الذي كتبه الله جلّ وعزّ لأنه قبل الكتب كلّها، والآخر أنه الطريق لأنه يؤتمّ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1502>[سورة الحجر (١٥): آية ٨٠]</span>\nوَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)\nقيل: أصحاب الحجر قوم صالح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1503>[سورة الحجر (١٥): آية ٨٢]</span>\nوَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢)\nوقرأ الحسن وَكانُوا يَنْحِتُونَ لأن فيه حرفا من حروف الحلق والكسر أفصح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1504>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٧ الى ٨٨]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)\nوَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ في الحديث أن القرآن هاهنا هو الحمد لأن بعض القرآن قرآن لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ لا تتمنّينّ نعمهم ولا تحزن عليهم أي على نعمتي عليهم. قال أبو إسحاق: ومعنى وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ألن جناحك لمن آمن بك واتّبعك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1505>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٠ الى ٩١]</span>\nكَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)\nكَما أَنْزَلْنا الكاف في موضع نصب أي «وقل إنّي أنا النّذير المبين» عقابا أو عذابا مثل ما أنزلنا على المقتسمين الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أبو عبيدة «١» معمر بن المثنّى يذهب إلى أنّ «عضين» من عضّيت أي فرّقت، وهو مشتق من العضو، والمحذوف عنده واو، والتصغير عنده عضيّة، والكسائي يذهب إلى أنه من عضهت الرجل أي رميته بالبهتان، والتصغير عنده عضيهة. قال الفراء «٢»: العضون في كلام العرب السحر وإنما جمع بالواو والنون عند البصريين عوضا مما حذف منه وعند الكوفيين أنه كان يجب أن يجمع على فعول فطلبوا الواو التي في فعول فجاءوا بها فقالوا عضون. قال الفراء «٣»: ومن العرب من يقول: عضينك يجعله بالياء على كلّ حال ويعرب النون، كما تقول: مضت سنينك، وهي كثيرة في أسد وتميم وعامر، والعلّة عنده فيه أن الواو لمّا وقعت موقع حرف ناقص توهّموا أنها واو فعول فأعربوا ما\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن ١/ ٣٥٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٩٢.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٩٢.","vol":"2","page":245},{"text":"بعدها وقلبوها ياء كما قال بعض العرب في التاء حكاه عن أبي الجرّاح: سمعت لغاتهم، ولا تقول ذلك في الصّالحات، ولا فيما حذف من أوله نحو لدّات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1506>[سورة الحجر (١٥): آية ٩٢]</span>\nفَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)\nتوكيد للهاء والميم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1507>[سورة الحجر (١٥): آية ٩٤]</span>\nفَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)\nقال أبو إسحاق فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ أي أبنه وأظهره مشتقّ من الصّديع وهو الصبح، والصّدع في الزجاجة أن يبين بعضها من بعض بِما تُؤْمَرُ مصدر عند البصريين أي بأمرنا، وقال الكسائي: التقدير بما تؤمر به مثل أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ [هود: ٦] أي بربّهم ثم حذفت الباء. قال أبو جعفر: لا يجوز حذف الباء عند البصريين في كلام ولا شعر، وقد أنشد الكوفيون لجرير: [الوافر] ٢٦٢-\nتمرّون الدّيار ولم تعوجوا ... كلامكم عليّ إذا حرام «١»\nوسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ينشد لجدّه:\nمررتم بالدّيار ولم تعوجوا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1508>[سورة الحجر (١٥): آية ٩٦]</span>\nالَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)\nالَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ في موضع نصب على النعت للمستهزئين: ومعنى وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤] أي عن إجابتهم إذا تلقّوك بالقبيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1509>[سورة الحجر (١٥): آية ٩٩]</span>\nوَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)\nحَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ نصب بحتّى، ولا يجوز رفعه لأنه مستقبل، واليقين الموت لأن كلّ عاقل يوقن به.\n_________\n(١) الشاهد لجرير في ديوانه ٢٧٨، وتخليص الشواهد ٥٠٣، وخزانة الأدب ٩/ ١١٨، والدرر ٥/ ١٨٩، وشرح شواهد المغني ١/ ٣١١، ولسان العرب (مرر)، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٦٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٦/ ١٤٥، وخزانة الأدب ٧/ ١٥٨، ورصف المباني ص ٢٤٧، وشرح ابن عقيل ٢٧٢، وشرح المفصّل ٨/ ٨، ومغني اللبيب ١/ ١٠٠، والمقرّب ١/ ١١٥، وهمع الهوامع ٨٣٢.","vol":"2","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1510>١٦ شرح إعراب سورة النحل</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1511>[سورة النحل (١٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)\nأَتى أَمْرُ اللَّهِ من أحسن ما قيل في معناه قول الضحاك إنه القرآن، وقد قيل: إنه نصر النبي ﷺ. ومن قال: إنّه القيامة جعله مجازا على أحد أمرين يكون «أتى» بمعنى قرب، ويكون «أتى» بمعنى يأتي إلّا أن سيبويه «١» لا يجيز أن يكون فعل بمعنى يفعل ويجيز أن يكون يفعل بمعنى فعل لأنه يكون محكيّا. فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ نهي فيه معنى التهديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1512>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nيُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)\nأَنْ أَنْذِرُوا قال أبو إسحاق: «أن» في موضع جرّ على البدل من الروح، والتقدير: ينزل الملائكة بأن أنذروا أهل الكفر والمعاصي أي حذّروهم بأنه لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ثمّ دلّ جلّ وعزّ على توحيده فقال جل ثناؤه: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1513>[سورة النحل (١٦): آية ٥]</span>\nوَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥)\nوَالْأَنْعامَ نصب بإضمار فعل، ويجوز الرفع في غير القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1514>[سورة النحل (١٦): آية ٨]</span>\nوَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨)\nوَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ أي وجعل لكم، وقال الفراء «٢»: هي ردّ على خلق.\nقال: وإن شئت كانت بمعنى وسخّر. قال: ويجوز الرفع من وجهين: أحدهما أنه لم يكن معها فعل رفعت، والآخر أنه لمّا كان يجوز والأنعام بالرفع توهّمت أنه مرفوع رفعت. وَزِينَةً قال الأخفش والفراء «٣»: أي وجعلها زينة. قال الفراء: ويجوز أن\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٢٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٩٧.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٩٧.","vol":"2","page":247},{"text":"ينصبها بالفعل نفسه وتقديره بمعنى لتركبوها زينة. قال أبو حاتم: روى سعيد عن قتادة عن أبي عياض أنه قرأ لتركبوها زينة بغير واو. قال أبو إسحاق: «زينة» مفعول له أي خلقها من أجل الزينة.\nقال أبو إسحاق: ويقال لكلّ ما ينبت على الأرض شجر، وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس فِيهِ تُسِيمُونَ قال ترعون. قال أبو إسحاق: هو مشتقّ من السّومة أي العلامة لأنها إذا رعت أثرت في الأرض فصارت فيها علامات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1515>[سورة النحل (١٦): آية ١٣]</span>\nوَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)\nوَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ قال الأخفش: أي خلق وبثّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1516>[سورة النحل (١٦): آية ١٥]</span>\nوَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)\nوَأَنْهارًا وَسُبُلًا قال: أي وجعل. قال أبو إسحاق معنى وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ وجعل فلهذا أضمر في الثاني وجعل. أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ في موضع نصب، والتقدير عند البصريين كراهة أن تميد بكم، وعند الكوفيين لئلا تميد بكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1517>[سورة النحل (١٦): آية ٢٠]</span>\nوَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)\nوَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مبتدأ وخبره لا يخلقون شيئا. قال الأخفش: وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ [آية: ١٢] أي وخلق وسخّر، وحكى الفراء «١»: مخرت السفينة تمخر وتمخر إذا صوّتت في جريها. قال أبو إسحاق: النجم والنجوم واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1518>[سورة النحل (١٦): آية ٢١]</span>\nأَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)\nأَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ على إضمار مبتدأ أي هم أموات. قال الكسائي: ويجوز النصب على القطع «٢» والفعل. أَيَّانَ في موضع نصب. يُبْعَثُونَ ولكنه مبنيّ على الفتح لأن فيه معنى الاستفهام فوجب أن لا يعرب ففتحت نونه لالتقاء الساكنين، وإذا التقى ساكنان في كلمة واحدة فتح الثاني وإن كانا في كلمتين كسر الأول. هذا قول الكوفيين، فأما البصريون فسبيل الساكنين إذا التقيا عندهم أن يكسر أحدهما إلا أن تقع علّة والذي أوجب هذا أنّ الكسر أخو الجزم، وقال محمد بن يزيد: لأن ما كان معربا منصرفا لم يكسر إلا ومعه التنوين فإذا كان الساكن الأول ألفا فالفتح أولى عند الخليل وسيبويه لأن الفتحة من جنس الألف قالا: ولو سمّيت رجلا إسحارا ثم رخّمته لقلت:\n_________\n(١) معاني الفراء ٢/ ٩٨.\n(٢) القطع: الحال، انظر معاني الفراء ٢/ ٩٨. [.....]","vol":"2","page":248},{"text":"يا إسحار أقبل، ففتحت الراء لالتقاء الساكنين لأن قبلها ألفا وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي أَيَّانَ يُبْعَثُونَ «١» بكسر الهمزة. قال الفراء «٢»: وهي لغة سليم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1519>[سورة النحل (١٦): آية ٢٣]</span>\nلا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)\nوقد ذكرنا «٣» لا جَرَمَ أَنَّ في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1520>[سورة النحل (١٦): آية ٢٤]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ (ما) في موضع رفع بالابتداء و(ذا) بمعنى الذي وهو خبر «ما» . قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ على إضمار مبتدأ. قال الكسائي: أي هو أساطير الأولين، وقال الأخفش: الجواب يردّ على الكلام الأول فلما كانت «ما» في موضع رفع رفع. قال أبو إسحاق: المعنى «الذي أنزل» أي الذي ذكرتم أنتم أنه أنزل أساطير الأولين أي أكاذيب، وقال غيره: هذا على التّهزّء أي يقول بعضهم لبعض: ماذا أنزل ربكم فيقول المجيب: أساطير الأولين ولم يقرّوا أنه أنزل شيئا، فلهذا كان مرفوعا، وقد أجاز النحويون: ماذا تعلّمت أنحوا أم شعرا. بالنصب والرفع. فالرفع على ما تقدم والنصب على أن تكون «ذا» زائدة بمعنى أي شيء تعلّمت؟ فإن قلت: من ذا كلّمت أزيدا أم عمرا؟ لم يكن «من ذا» في موضع رفع لأن ذا لا يراد معها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1521>[سورة النحل (١٦): آية ٣٠]</span>\nوَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)\nوَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا قال الكسائي: ولو قيل خير لجاز. يعني على ما تقدّم. وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ رفع بنعم، والدار مؤنثة ولم يقل: نعمت لأنه فعل يشبه الأسماء وجرى على مثل هذا قول البصريين، وحذف علامة التأنيث عندهم أجود، وقال الكسائي: التذكير لأن المعنى ولنعم موضع دار المتقين ومثوى ومأوى.\nقال: والتأنيث جيّد حسن واسع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1522>[سورة النحل (١٦): آية ٣١]</span>\nجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)\nجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها قال الفراء «٤»: إن شئت رفعت جنات بالاستئناف، وإن شئت\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٩٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٩٩.\n(٣) مرّ في إعراب الآية ٢٢- هود.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٩٩، والبحر المحيط ٥/ ٤٧٤.","vol":"2","page":249},{"text":"بالعائد في يدخلونها. والرفع عند البصريين من جهتين: إحداهما بالابتداء والأخرى بإضمار مبتدأ، كما تقول: نعم الرجل زيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1523>[سورة النحل (١٦): آية ٣٢]</span>\nالَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)\nالَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ في موضع نصب نعت للمتقين وطَيِّبِينَ على الحال أي مؤمنين مجتنبين للمعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1524>[سورة النحل (١٦): آية ٣٣]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)\nْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ\n«أن» الملائكة بما وعدوا من العذاب. وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ\nبالعذاب، وحكى الكسائي: حرص يحرص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1525>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nإِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨)\nوقد ذكرنا «١» فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ. وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا مصدر. قال الكسائي والفراء «٢»: ولو قيل: وعد عليه حقّ لكان صوابا أي ذلك وعد عليه حقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1526>[سورة النحل (١٦): آية ٤٠]</span>\nإِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)\nقرأ ابن محيصن وعبد الله بن عامر والكسائي إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون «٣» بالنصب. قال أبو إسحاق: النصب من وجهين: أحدهما على العطف أي فأن يكون، والآخر أن يكون جوابا لكن. قال أبو جعفر: الوجه «فيكون» مرفوع، وتقديره عند سيبويه فهو يكون، والنصب على العطف جائز. فأما أن يكون جوابا فمحال لأنه إخبار لا يجوز فيه الجواب، كما تقول: أنا أقول لعمرو امض فيجلس أو فيمضي، ولا معنى للجواب هاهنا وإنما الجواب أن يقول: امض فأكرمك.\nومثل الأول فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ [البقرة: ١٠٢] وإنما الجواب لا تكفر فتدخل النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1527>[سورة النحل (١٦): آية ٤١]</span>\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا أي هجروا قومهم وديارهم ليتباعدوا من الكفر وَالَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء لَنُبَوِّئَنَّهُمْ في موضع الخبر.\n_________\n(١) راجع إعراب الآية ٣٥- يونس.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٠٠.\n(٣) انظر تيسير الداني ١١٢.","vol":"2","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1528>[سورة النحل (١٦): آية ٤٢]</span>\nالَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)\nالَّذِينَ صَبَرُوا في موضع رفع على البدل من الذين هاجروا، وفي موضع نصب على البدل من هم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1529>[سورة النحل (١٦): آية ٤٤]</span>\nبِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)\nوَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ أي من الفرائض والأحكام والحدود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1530>[سورة النحل (١٦): آية ٤٦]</span>\nأَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)\nأَوْ يَأْخُذَهُمْ عطف على الأول. فِي تَقَلُّبِهِمْ ما يتقلّبون فيه من الأسفار وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1531>[سورة النحل (١٦): آية ٤٧]</span>\nأَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)\nفَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ لأنه أمهلهم دعاهم إلى التوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1532>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ واحد في موضع جمع وَالشَّمائِلِ جمع على بابه سُجَّدًا على الحال أي منقادا ذليلا على ما دبّره الله جل وعز عليه. واصل السجود في اللغة: التذلل والانقياد وَهُمْ داخِرُونَ أي منقادون على ما أحبّوا أو كرهوا وكذا السجود في وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ أي منقادا لله جلّ وعزّ دالّ على حكمته كما روي عن ابن عباس:\nالكافر يسجد لغير الله جلّ وعزّ وظلّه يسجد لله ﵎ أي ينقاد لتدبيره، وقال أبو إسحاق: معنى ظلّه هاهنا جسمه الذي يكون منه الظلّ أي جسمه ولحمه وعظمه منقادات لله جلّ وعزّ دالّة عليها أثر الخضوع والذلّ، فعلى هذا هي ساجدة له تقدّس اسمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1533>[سورة النحل (١٦): آية ٥١]</span>\nوَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)\nوَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ قال أبو إسحاق: فذكر اثنين توكيدا لإلهين كما ذكر واحدا توكيدا في قوله إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وقال غيره: التقدير ولا تتّخذوا اثنين إلهين.\nفَإِيَّايَ في موضع نصب بإضمار فعل.","vol":"2","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1534>[سورة النحل (١٦): آية ٥٢]</span>\nوَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)\nوَلَهُ الدِّينُ واصِبًا نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1535>[سورة النحل (١٦): آية ٥٣]</span>\nوَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣)\nوَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ قال الفراء «١»: «ما» في موضع جزاء كأنه قال: وما تكن بكم من نعمة فمن الله، وقال أبو إسحاق: المعنى ومما حلّ بكم من نعمة فمن الله أي أعطاكم من صحّة في جسم أو رزق فكل ذلك من الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1536>[سورة النحل (١٦): آية ٥٦]</span>\nوَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)\nوَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا أي ويجعلون لما لا يعلمون أنه إله نصيبا مما رزقناهم.\nتَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ أي من قولكم إنهم آلهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1537>[سورة النحل (١٦): آية ٥٧]</span>\nوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧)\nوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وتمّ الكلام عند قوله سُبْحانَهُ ثم قال جلّ وعزّ: وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ أي الشيء الذي يشتهونه، و«ما» في موضع رفع، وأجاز الفراء «٢»: أن يكون في موضع نصب بمعنى ويجعلون لهم. قال أبو إسحاق: «ما» في موضع رفع لا غير لأن العرب لا تقول في مثل هذا: جعل فلان له كذا. وإنما تقول: جعل لنفسه، ومثله ضربت نفسي، ولا يقال ضربتني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1538>[سورة النحل (١٦): آية ٥٨]</span>\nوَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)\nوَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا خبر «ظلّ»، ويجوز عند سيبويه «٣» والفراء «٤»: ظلّ وجهه مسودّ يكون في «ظلّ» مضمر والجملة الخبر، وحكى سيبويه:\n«حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه أو ينصّرانه» «٥» . قال الفراء: مثل وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠] والأصل في ظلّ ظلل ثم أدغم.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٠٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٠٥.\n(٣) انظر الكتاب ٢/ ٤١٤.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ١٠٦.\n(٥) الحديث في الكتاب ٢/ ٤١٤، «كلّ مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصّرانه» . وأخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز، وأبو داود في سننه حديث رقم (٤٧١٤)، والترمذي في سننه- القدر ٨/ ٣٠٣.","vol":"2","page":252},{"text":"أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ قال الكسائي: المعنى لا يدري ينظر أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1539>[سورة النحل (١٦): آية ٦٠]</span>\nلِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)\nوَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي هو الواحد الصمد. الْحَكِيمُ القدير الذي لم يلد ولم يولد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1540>[سورة النحل (١٦): آية ٦١]</span>\nوَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)\nوَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ أي بعقوبة ظلمهم ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ لأنه إذا أفنى الآباء انقطع النسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1541>[سورة النحل (١٦): آية ٦٢]</span>\nوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)\nوَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ جمع لسان على لغة من ذكّر اللسان، ومن أنّث قال:\nألسن، ومن قال ألسن ثم سمّى بلسان رجلا لم يصرف، وإن قال ألسنة صرف والكذب منصوب بتصف وأَنَّ لَهُمُ بدل من الكذب. قال أبو حاتم: وقرأ أهل الشام أو بعضهم وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى نعت للألسنة قال قطرب «أنّ لهم النار» في موضع رفع أي وجب ذلك، وقال غيره: «أنّ» في موضع نصب أي كسبهم ذلك «أنّ لهم النار» . وقد ذكرنا «١» معنى لا جَرَمَ. قرأ عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس رحمهما الله وهذه القراءة قراءة أبي رجاء ونافع وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ «٢» بكسر الراء والتخفيف، وقرأ أبو جعفر وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ «٣» بكسر الراء والتشديد. قال أبو حاتم وروي عن أبي جعفر وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ بفتح الراء والتشديد، وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية وسعيد بن جبير ومجاهد وهي قراءة أبي عمرو بن العلاء والكوفيين وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ «٤» بفتح الراء والتخفيف. وأصل هذا كلّه من التجاوز والتقدّم. فمفرطون مبالغون متجاوزون في الشر، ومنه يقال: قد أفرط فلان على فلان و«مفرّطون» مضيّعون متجاوزون لما يجب، ومنه أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله، وفي التشديد معنى المبالغة والتكثير و«مفرطون» مقدّمون إلى النار.\n_________\n(١) مرّ في إعراب الآية ٢٢- هود.\n(٢) انظر تيسير الداني ١١٢، والبحر المحيط ٥/ ٤٩٠. [.....]\n(٣) انظر البحر المحيط ٥/ ٤٩١.\n(٤) انظر البحر المحيط ٥/ ٤٩٠، ومعاني الفراء ٢/ ١٠٨.","vol":"2","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1542>[سورة النحل (١٦): آية ٦٣]</span>\nتَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣)\nتَاللَّهِ التاء بدل من الواو وإنما يقال: تالله إذا كان في الكلام معنى التعجّب لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ وحذف المفعول أي رسلا فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ أي من الكفر والمعاصي فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ابتداء وخبر وتحذف الضمة لثقلها فيقال: فهو وليّهم أي هو معهم، وقيل: المعنى أنه يقال: لهم هذا الذي أطعتموه فاسألوه حتّى يخلّصكم تبكيتا لهم وتوبيخا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1543>[سورة النحل (١٦): آية ٦٤]</span>\nوَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)\nوَهُدىً وَرَحْمَةً مفعول من أجله. قال أبو إسحاق: ويجوز الرفع بمعنى وهو مع ذلك هدى ورحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1544>[سورة النحل (١٦): آية ٦٦]</span>\nوَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)\nوَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً أي لدلالة على قدرة الله جلّ وعزّ وحسن تدبيره.\nنُسْقِيكُمْ بفتح النون قراءة عاصم وشيبة ونافع، نُسْقِيكُمْ بضم النون قراءة ابن كثير وأبي جعفر وأبي عمرو بن العلاء والكوفيين إلا عاصما. قال الخليل وسيبويه «١» رحمهما الله: سقيته ناولته فشرب، وأسقيته جعلت له سقيا، وقال أبو عبيدة: هما لغتان، قال أبو جعفر: سقيته يكون بمعنى عرّضته لأن يشرب، وأسقيته دعوت له بالسقيا، وأسقيته جعلت له سقيا، وأسقيته بمعنى سقيته عند أبي عبيدة فنسقيكم بالضم إلّا أنه حكي عن محمد بن يزيد أنه قال: نسقيكم بالفتح هاهنا أشبه بالمعنى. مِمَّا فِي بُطُونِهِ فذكّر فللنحويين في هذا أربعة أقوال: فمن أحسنها مذهب سيبويه أن العرب تخبر عن الأنعام بخبر الواحد ثم ذكر الآية كأنه ذهب إلى أن الأنعام تذكّر وتؤنّث، وقال الكسائي: حكاه عنه الفراء «٢» المعنى نسقيكم مما في بطون ما ذكرنا، وقال الفراء «٣»: الأنعام والنعم واحد وهما جمعان فرجع إلى تذكير النعم وحكي عن العرب هذا نعم وارد، وحكى أبو عبيد عن الكسائي هذا القول وأنشد: [الرجز] ٢٦٣-\nأكلّ عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه «٤»\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ١٧٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٠٨ و١٠٩.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ١٠٨ و١٠٩.\n(٤) الشاهد لقيس بن حصين في خزانة الأدب ١/ ٤٠٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١١٩، ولصبي من بني سعد قيل إنه قيس بن الحصين في المقاصد النحوية ١/ ٥٢٩، ولرجل ضبيّ في الأغاني ١٦/ ٢٥٦، وبلا نسبة في الكتاب ١/ ١٨٤، والأشباه النظائر ٣/ ١٠٢، وتلخيص الشواهد ١٩١، والردّ على النحاة ١٢٠، ولسان العرب (نعم)، واللمع في العربية ١١٣.","vol":"2","page":254},{"text":"والقول الرابع حكاه أبو عبيد عن أبي عبيدة قال: المعنى نسقيكم مما في بطون أيّها كان له لبن لأنه ليست كلّها لها لبن. سائِغًا لِلشَّارِبِينَ نعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1545>[سورة النحل (١٦): آية ٦٧]</span>\nوَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)\nوَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ أي ولكم فيما رزقناكم من ثمرات النخيل والأعناب عبرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1546>[سورة النحل (١٦): آية ٦٨]</span>\nوَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)\nوَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي لأنها مؤنّثة والعرب تقول في تصغيرها: نحيل بغير هاء لئلا تشبه الواحدة، وحكى الأخفش أنها تذكّر بُيُوتًا كما تقول فلس وفلوس ومن كسر الباء أبدل من الضمة كسرة وهو وجه بعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1547>[سورة النحل (١٦): آية ٧٠]</span>\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي إلى الهرم لأنه يضعف قوته وعقله فإن قال قائل: فهو إذا كان صبيّا هكذا ولا يقال للصبيّ: هو في أرذل العمر، فالجواب أنّ الصبي يرجى له العقل والقوة وليس كذا الهرم لِكَيْ لا يَعْلَمَ تنصب بكي ولا تحول «لا» بين العامل والمعمول فيه لتصرّفها وأنّها تكون زائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1548>[سورة النحل (١٦): آية ٧١]</span>\nوَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)\nفَهُمْ فِيهِ سَواءٌ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1549>[سورة النحل (١٦): آية ٧٢]</span>\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)\nأَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ قيل: يعني الأوثان والأصنام لأنهم لا ينتفعون بعبادتها.\nوَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ الكفر بالنعمة في اللغة على ضربين: أحدهما أن يجحد النعمة، والآخر أن ينسبها إلى غير المنعم بها أو يجعل له فيها شريكا.","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1550>[سورة النحل (١٦): آية ٧٣]</span>\nوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)\nوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا في نصب شيء قولان: أحدهما أن يكون التقدير: لا يملكون أن يرزقوهم شيئا وهو قول الكوفيين «١»، ونصبه عند الأخفش وغيره من البصريين على البدل من رزق. قال الأخفش: والمعنى:\nلا يملكون لهم رزقا قليلا ولا كثيرا، وقال غيره: لا يجوز أن يكون منصوبا برزق لأنه اسم ليس بمصدر كما لا يجوز: عجبت من دهن زيد لحيته، حتّى يقول من دهن.\nوَلا يَسْتَطِيعُونَ على المعنى لأن «ما» في المعنى لجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1551>[سورة النحل (١٦): آية ٧٤]</span>\nفَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)\nفَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ فيه قولان: أحدهما لا تمثّلوا لله جلّ وعزّ بخلقه فتقولوا:\nهو محتاج إلى شريك ومشاور فإن هذا إنما هو لمن لا يعلم، ودلّ على هذا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، والقول الآخر لا تمثّلوا خلق الله جلّ وعزّ به فتجعلوا لهم من الأهبة مثل ما له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1552>[سورة النحل (١٦): آية ٧٥]</span>\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥)\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ أي من الرقّ. وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا أي فكما لا يستوي هذان عندكم فيجب أن لا يسوّوا بين الأصنام وهي لا تعقل ولا تنفع وبين الله جلّ وعزّ في العبادة. الْحَمْدُ لِلَّهِ أي على ما دلّنا من توحيده بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ فيه قولان: أحدهما أنّ فعلهم فعل من لا يعلم وإن كانوا يعلمون والآخر أنهم لا يعلمون وعليهم أن يعلموا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1553>[سورة النحل (١٦): آية ٧٦]</span>\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وإذا كان أبكم ضعيفا فهو ثقيل على وليّه أينما يوجّهه أي إن وجهه لشيء من منافع الدنيا لم يأت بخير. هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ معطوف على المضمر في يستوي وهو توكيد، وحسن العطف على المضمر المرفوع لمّا وكّدته لأنه التوكيد يعينه فكأنّه بارز من الفعل.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١١٠، والبحر المحيط ٥/ ٥٠٠.","vol":"2","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1554>[سورة النحل (١٦): آية ٧٨]</span>\nوَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)\nوَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ومن كسر الهمزة أتبع الكسرة الكسرة، وكسر الميم بعيد وأمّهات جمع أمّهة، وقيل: الهاء زائدة كما زيدت في أهرقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1555>[سورة النحل (١٦): آية ٧٩]</span>\nأَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)\nأَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ أي إلى خلقها كيف خلقت خلقا يتهيّأ لها معه الطيران والثبوت في الجو، وجعل ذلك تسخيرا منه لها مجازا فقال جلّ ثناؤه: مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ومُسَخَّراتٍ حال. ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ لأنه جلّ وعزّ يثبتهنّ بالهواء الذي خلقه تحتهنّ فجعل ذلك إمساكا منه لهن اتساعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1556>[سورة النحل (١٦): آية ٨١]</span>\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)\nوَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ أي خلق لكم ما تتّخذون منه سرابيل وأقدركم على عمله وروي عن ابن عباس ﵀ أنه قرأ كذلك تتمّ نعمه عليكم ورفع النعمة.\nلَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ «١» بفتح التاء واللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1557>[سورة النحل (١٦): آية ٨٣]</span>\nيَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)\nيَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وإنكارهم إياها إضافتهم إياها إلى غير الله جلّ وعزّ وإشراكهم معه فيها غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1558>[سورة النحل (١٦): آية ٨٤]</span>\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا والأمة القرن والجماعة فدلّ بهذا على أنّ في كلّ قرن من يطيعه جلّ وعزّ، ولا يكون الشهيد إلّا مطيعا. ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار. ومعنى لا يؤذن لهم في الاعتذار لا يقال لهم: اعتذروا بل يقال لهم: إن اعتذرتم لم يقبل منكم، ومثله وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٦] أي لا يعتذرون اعتذارا ينتفع به.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٥٠٨، ومعاني الفراء ٢/ ١١٢.","vol":"2","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1559>[سورة النحل (١٦): آية ٨٦]</span>\nوَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦)\nوَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أي أصنامهم التي كانوا يعبدونها تحشر معهم ليوبّخوا بها ويقرّعوا بها في النار. وسماها شركاءهم لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم وزرعهم وأنعامهم فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ أنطقوا فقالوا لهم: كذبتم ما كنا آلهة ولا نستحقّ العبادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1560>[سورة النحل (١٦): آية ٨٧]</span>\nوَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)\nوَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ استسلموا وانقادوا. وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ هلك وزال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1561>[سورة النحل (١٦): آية ٨٨]</span>\nالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)\nالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ أي فوق العذاب الذي كانوا يستحقونه بكفرهم. بِما كانُوا يُفْسِدُونَ بصدّهم الناس عن الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1562>[سورة النحل (١٦): آية ٨٩]</span>\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)\nتِبْيانًا أي بيانا مثل تلقاء، ويقال: تبيانا بفتح التاء أي تبيينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1563>[سورة النحل (١٦): آية ٩٠]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي بالإنصاف. وَالْإِحْسانِ أي التفضّل. وحقيقة الإحسان في اللغة أنه كلّ فعل حسن وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وهو صلة الأرحام. وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وهو كلّ فعل أو قول قبيح وَالْمُنْكَرِ كلّ ما تنكره العقول من أفعال أو أقوال وَالْبَغْيِ أشدّ الفساد. وحكى القاسم بن سلام أنه يقال: برأ جرحه على بغي إذا برأ وفيه شيء من نغل، ثم قال جلّ وعزّ: يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ والأصل تتذكّرون أدغمت التاء في الذال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1564>[سورة النحل (١٦): آية ٩١]</span>\nوَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١)\nوَأَوْفُوا على لغة من قال: أوفى، ويقال: وفى بعهد الله. إِذا عاهَدْتُمْ فيه","vol":"2","page":258},{"text":"قولان: أحدهما بما تقدّم إليكم به وقدّركم عليه، والآخر أوفوا بما حلفتم عليه، وهذا أولى وأشبه بالمعنى لأن بعده وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها قال الكسائي: وناس كثير من العرب يقولون: تأكيد وقد أكّدت. قال أبو إسحاق: الأصل الواو والهمزة بدل منها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا قولهم الله كفيل على هذا وشاهد، ويكون مجازا فيكون حلفهم كقولهم هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1565>[سورة النحل (١٦): آية ٩٢]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)\nوَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها أي فتنقضوا ما قد وكّدتموه وقويتموه. مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ والعرب تسمي الفتلة الوثيقة قوة. قال أبو إسحاق أَنْكاثًا يعني المصدر لأن معنى نقض ونكث واحد. قال ودَخَلًا منصوب لأنه مفعول له وأَنْ في موضع نصب والمعنى بأن تكون أمة هي أكثر من أمة. من ربا الشيء يربو إذا كثر، وقال الكسائي: المعنى لأن تكون لغة. قال الكسائي والفراء «١»: أَرْبى في موضع نصب، والمعنى مثل تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا [المزمّل: ٢٠] يجعلان «هو» عمادا. قال أبو جعفر: وهذا خطأ عند الخليل وسيبويه «٢» رحمهما الله، ولا يجوز، ولا يشبه تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا لأن الهاء في «تجدوه» معرفة وأمة نكرة، ولا يجوز عندهما: ما كان أحد هو جالس، وقال الخليل: لا تكون هو زائدة إلا مع المعرفة، وعنده أنّ كونها مع المعرفة زائدة عجب فكيف تزاد مع النكرة؟ فالقول إن «أربى» في موضع رفع لأنه خبر المبتدأ والجملة خبر تكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1566>[سورة النحل (١٦): آية ٩٤]</span>\nوَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤)\nوَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ جواب النهي، والمعنى: فتستحقّ العقوبة بعد أن كانت تستحقّ الثواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1567>[سورة النحل (١٦): آية ٩٦]</span>\nما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)\nما عِنْدَكُمْ في موضع رفع بالابتداء. يَنْفَدُ في موضع الخبر. وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ابتداء وخبر. وقد ذكرنا مثل باق.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١١٣.\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ٤١٢.","vol":"2","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1568>[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٨ الى ٩٩]</span>\nفَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)\nفَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ مجازه إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ فجاء على تذكير السلطان، وكثير من العرب يؤنّثه فتقول: قضت به عليك السلطان، فأعلم الله جلّ وعزّ أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين، وأعلم جلّ وعزّ في موضع آخر أنّه ليس له سلطان على واحد.\nفأما المعنى إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ أي إنه إذا وسوس إليهم قبلوا منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1569>[سورة النحل (١٦): آية ١٠١]</span>\nوَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)\nوَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وهو الناسخ والمنسوخ لما يعلم الله جلّ وعزّ في ذلك من الصلاح تلبّسوا به فقالوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ وهو ابتداء وخبر، وكذا بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1570>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٣]</span>\nوَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)\nوقرأ الحسن إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ «١» «بشر» بغير تنوين و«اللسان» بالألف واللام، واللسان مرفوع «بشر» مرفوع بفعله و«اللسان» مبتدأ وخبره «أعجميّ» وحذف التنوين من «بشر» لالتقاء الساكنين، وأنشد سيبويه:\n[المتقارب] ٢٦٤-\nولا ذاكر الله إلّا قليلا «٢»\nومثله قراءة من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: ٢]، وكذا وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ [يس: ٢٠] بنصب النهار. قرأ أقل المدينة وأهل البصرة يُلْحِدُونَ «٣» بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ الكوفيون يلحدون «٤» بفتح الياء والحاء، واللغة الفصيحة «يلحدون» ومنه يقال: رجل ملحد أي مائل عن الحق، ويبيّن هذا وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ [الحج: ٢٥] فهذا من ألحد يلحد لا غير، ويقال: لحدت\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٥/ ٥١٩، ومختصر ابن خالويه ٧٤.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٧٣) .\n(٣) انظر تيسير الداني ١١٣.\n(٤) انظر تيسير الداني ١١٣. [.....]","vol":"2","page":260},{"text":"القبر أي جعلت فيه لحدا وألحدت الميّت ألزمته اللحد. وَهذا لِسانٌ قيل: يعني القرآن، سمّاه لسانا اتّساعا، كما يقال: فلان يتكلّم بلسان العرب أي بلغتها وكذا اللسان الذي يلحدون إليه أي كلامه وعلى هذا تسمّى الرسالة لسانا، كما قال: [الوافر] ٢٦٥-\nلسان السّوء تهديها إلينا «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1571>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٦]</span>\nمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)\nمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ مَنْ في موضع رفع على البدل من «الكاذبين» .\nإِلَّا مَنْ أُكْرِهَ في موضع نصب على الاستثناء. والمعنى- والله أعلم- إلّا من أكره.\nفله أن يقول ما ظاهره الكذب والكفر ولا يعتقده، ولا يجوز له أن يكذب كذبا صراحا بوجه، وإنما يقول: فلان كذّاب على قولهم أو يعني به غير النبيّ ﷺ ممن هو كاذب لأن الكذب قبيح فلا يجوز أن يأذن الله فيه بحال، والدليل على قبحه أن قائله لا يوثق بخبره وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ابتداء وخبر، وهو تبيين ما تقدّم. مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ مبتدأ. فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ في موضع الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1572>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٧]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧)\nاسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ قال الخليل ﵀ لا جَرَمَ لا تكون إلّا جوابا. قال أبو جعفر: وقد ذكرناه «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1573>[سورة النحل (١٦): آية ١١٠]</span>\nثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)\nمِنْ بَعْدِها أي من بعد الفتنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1574>[سورة النحل (١٦): آية ١١١]</span>\nيَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)\nيَوْمَ تَأْتِي في موضع نصب أي غفور رحيم يوم تأتي كلّ نفس، ويجوز أن يكون بمعنى: واذكر يوم تأتي كلّ نفس.\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في جواهر الأدب ١٢٥، والجنى الداني ٩٤، والدرر ١/ ٢٤٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٥٠٦، ومغني اللبيب ١/ ١٨٢، وهمع الهوامع ١/ ٧٧، وعجزه:\n«وحنت وما حسبتك أن تحينا»\n(٢) مرّ في إعراب الآية ٢٢- هود.","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1575>[سورة النحل (١٦): آية ١١٢]</span>\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً أي مثل قرية. فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ جمع نعمة عند سيبويه، وقال قطرب: جمع نعم مثل ودّ وأدود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1576>[سورة النحل (١٦): آية ١١٦]</span>\nوَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦)\nوَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ نصب بمعنى لوصف ألسنتكم الكذب، وقال: الكذب يلقي حركة الدال على الكاف، وقرأ أهل الشام أو بعضهم وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ «١» على النعت للألسنة، وقرأ الحسن والأعرج وطلحة وأبو معمر لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ «٢» بالخفض على النعت لما أو البدل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1577>[سورة النحل (١٦): آية ١١٧]</span>\nمَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧)\nمَتاعٌ قَلِيلٌ على إضمار مبتدأ أي تمتّعهم في الدنيا متاع قليل أي مدّة بقائهم، ويجوز متاعا في غير القرآن على المصدر أي يمتعون متاعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1578>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٠]</span>\nإِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)\nكانَ أُمَّةً خبر كان. قانِتًا نعت أو خبر ثان. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا «٣» وَلَمْ يَكُ في غير موضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1579>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٤]</span>\nإِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)\nإِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ قال بعضهم: لا نريد الجمعة، وقال بعضهم: لا نريد السبت ففرض عليهم الفراغ في يوم السبت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1580>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٧]</span>\nوَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)\nوَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ قيل المعنى: لا تحزن على الكفار فإنّما عليك أن تدعوهم إلى الإيمان، وقيل: المعنى ولا تحزن على الشهداء فإن الله جلّ وعزّ قد أثابهم وفيهم حمزة بن عبد المطلب ﵁ وفيه نزلت وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ\n_________\n(١) انظر المحتسب ٢/ ١١.\n(٢) انظر البحر المحيط ٥/ ٥٢٧.\n(٣) مرّ في إعراب الآية ١٠٩- هود.","vol":"2","page":262},{"text":"[النحل: ١٢٦] وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ للكفّار لم يقل غيره، وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام أنّ نافعا قرأ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ «١» بكسر الضاد قال أبو جعفر:\nوهذا لا يعرف عن نافع. وقال الكوفيون: الفراء «٢» وغيره: «الضيق» بفتح الضاد في القلب والصدر، «والضيق» بكسر الضاد في الثوب والدار وما أشبهها مما يرى قال الفراء: فإذا رأيت الضيق بفتح الضاد قد وقع في موضع الضّيق فهو مخفّف من ضيّق أو جمع ضيقة، ولا يعرف البصريون من هذا التفريق شيئا، وقالوا إذا أردت المصدر قلت: الضيق، كما تقول: البيع، وإن أردت الاسم قلت: الضيق كما تقول: العلم، وأجازوا في ضيّق التخفيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1581>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)\nإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا الَّذِينَ خفض بإضافة مع إليه لأن مع عند الخليل اسم إذا فتحت العين وإن أسكنتها فهي حرف. وَالَّذِينَ عطف. هُمْ مُحْسِنُونَ مبتدأ وخبره في الصّلة.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١١٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١١٥.","vol":"2","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1582>١٧ شرح إعراب سورة الإسراء</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1583>[سورة الإسراء (١٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)\nروي عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن معنى:\nسُبْحانَ اللَّهِ، فقال: تنزيها لله من كل سوء. قال أبو جعفر: شرح هذا أنه بمعنى تبعيد الله جلّ وعز عن كلّ ما نسبه إليه المشركون من الأنداد والأضداد والشركاء والأولاد ونصبه عند الخليل وسيبويه «١» رحمهما الله على المصدر أي: سبّحت الله تسبيحا، إلّا أنه إذا أفرد كان معرفة منصوبا بغير تنوين لأن في آخره زائدتين وهو معرفة، وحكى سيبويه أنّ من العرب من ينكره فيصرفه، وحكى أبو عبيد في نصبه وجهين سوى هذا، إنه يكون نصبا على النداء أي يا سبحان الله، والوجه الآخر: أن يكون غير موصوف. الَّذِي في موضع خفض بالإضافة. وقال: سرى وأسرى لغتان معروفتان. بِعَبْدِهِ لَيْلًا على الظرف مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ نعت للمسجد. وأصل الحرام المنع فالمسجد الحرام ممنوع الصيد فيه. قال أبو إسحاق: ويقال للحرم كلّه: مسجد. إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى نعت له، وكذلك الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ قيل: معنى باركنا حوله أن الأنبياء ﵈ الذين كانوا بعد موسى ﷺ من بني إسرائيل كانوا ببيت المقدس وما حوله فبارك الله جلّ وعزّ في تلك المواضع بأن باعد الشرك منها، ولهذا سمّي ببيت المقدس لأنه قدّس أي طهّر من الشرك. لِنُرِيَهُ نصب بلام كي وهي بدل من أن وأصلها لام الخفض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1584>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nوَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)\nوَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مفعولان، وكذا وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ. أَلَّا تَتَّخِذُوا\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ٣٨٦.","vol":"2","page":264},{"text":"بالياء قراءة أبي عمرو بن العلاء، والتقدير لئلا يتخذوا، وقراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة أَلَّا تَتَّخِذُوا وزعم أبو عبيد أنه على الحذف أي قلنا لهم لا تتّخذوا. قال أبو جعفر: هذا لا يحتاج إلى حذف وتكون «أنّ» بمعنى أي، ويجوز أن تكون «أن» في موضع نصب، ويكون المعنى بأن لا تتخذوا، وجعل الكلام للمخاطبة لأن بعده ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا على المخاطبة، ونصب ذرية من أربعة أوجه: تكون نداء مضافا، وتكون بدلا من وكيل لأنه بمعنى جمع، وتكون هي ووكيل مفعولين كما تقول: لا تتخذ زيدا صاحبا، والوجه الرابع بمعنى أعني، ويجوز الرفع على قراءة من قرأ بالياء على البدل من الواو، ولا يجوز البدل من الواو على قراءة من قرأ بالتاء: ولا يقال: كلّمتك زيدا، ولا كلمتني زيدا، لأن المخاطب والمخاطب لا يحتاجان إلى تبيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1585>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤]</span>\nوَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)\nوَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ قد ذكرنا قول ابن عباس ﵀ أن معناه أعلمناهم.\nوأصل قضى في اللّغة عمل عملا محكما، والقاضي هو المحكم الأمر النافذة، والقضاء: الأمر النافذ المحكم الذي لا يدفع. وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ وروي عن ابن عباس وجابر بن زيد «١» ونصر بن عاصم أنهم قرءوا لَتُفْسِدُنَّ «٢» على ما لم يسمّ فاعله. وَلَتَعْلُنَّ أي ولتعظّمنّ، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين ولأن قبلها ما يدلّ عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1586>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥]</span>\nفَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)\nفَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قيل: أي خلّينا بينكم وبينهم، وقرأ الحسن فجاسوا خلل الديار «٣» . قال أبو إسحاق: أصل الجوس طلب الشيء باستقصاء أي طلبوا هل يجدون أحدا لم يقتلوه وخِلالَ ظرف أي في خلال الديار.\nوَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا خبر كان، واسمها فيها مضمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1587>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦]</span>\nثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)\nثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ أي نصرناكم عليهم حتّى كررتم. وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ مفعولان. نَفِيرًا على البيان.\n_________\n(١) جابر بن زيد أبو الشعثاء الأزدي البصري، وردت له حروف في القرآن، صاحب ابن عباس (ت ٩٣ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ١٨٩.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٨، ومختصر ابن خالويه ٧٥.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٩، والإتحاف ١٧١.","vol":"2","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1588>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧]</span>\nإِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)\nإِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أي الثواب لكم، وهو شرط وجوابه وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها أي يحصل العقاب لها، ولها بمعنى عليها لا يقوله النحويون الحذّاق، وهو قلب المعنى وليس احتجاجهم بالحديث «اشترطي الولاء لهم» «١» بشيء، وقد اختلف في هذا الحديث فرواه جماعة على هذا اللفظ من حديث مالك بن أنس وهو رواية الشافعي عنه «واشترطي الولاء لهم»، وهذا معنى صحيح بيّن. يقال: اشترط الشيء إذا بيّنه، كما قال: [الطويل] ٢٦٦-\nفأشرط فيها نفسه وهو معصم «٢»\nوعلى الرواية الأخرى يكون المعنى «واشترطي الولاء لهم» أي من أجلهم، كما تقول: أنا أكرم فلانا لك، وفيه قول آخر يكون بمعنى النهي على التهديد والوعيد:\nفَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي وعد المرة الآخرة، وأقيمت الصفة مقام الموصوف، قرأ أهل المدينة وأهل البصرة لِيَسُوؤُا «٣» على الجمع، وقرأ أهل الكوفة ليسوء وجوهكم «٤» على التوحيد إلّا الكسائي فإنّه قرأ لنسوء وجوهكم «٥»، وزعم أنها قراءة علي بن أبي طالب ﵁، وعن أبيّ بن كعب روايتان: إحداهما أنه قرأ (لنسوءن وجوهكم) «٦» اللام مفتوحة وهي لام قسم بالنون الخفيفة والوقف عليها بالألف فرقا بين الخفيفة والثقيلة، وروي عنه (ليسيء وجوهكم) بياءين وهمزة. قال أبو جعفر:\nالقراءة الأولى على الجمع يدلّ عليها وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا والقراءة الثانية فيها ثلاثة أقوال: يكون المعنى ليسوء الله جلّ وعزّ وقال الفراء «٧»: ليسوء العذاب. قال أبو إسحاق: ليسوء الوعد واللام فيهما لام كي، وكذا القراءة الثالثة وفي الكلام حذف، والمعنى: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم فهذا الفعل جواب (إذا)، ولام كي متعلّقة به. وفي معنى بعثناهم قولان: أحدهما خلّينا بينكم\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطّأ- باب ١٠ حديث رقم (١٧) .\n(٢) الشاهد لأوس بن حجر في ديوانه ٨٧، ولسان العرب (شرط) و(عصم)، وجمهرة اللغة ٧٢٦، وأساس البلاغة (شرط)، وكتاب العين ٦/ ٢٣٦، وتاج العروس (شرط) و(عصم)، وسمط اللآلي ٤٩٢، والفاخر ١٢٣، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٣/ ٢٦٠، وعجزه:\n«وألقى بأسباب له وتوكّلا»\n(٣) انظر تيسير الداني ١١٣. [.....]\n(٤) انظر تيسير الداني ١١٣.\n(٥) انظر تيسير الداني ١١٣.\n(٦) انظر معاني الفراء ٢/ ١١٧، والبحر المحيط ٦/ ١٠.\n(٧) انظر معاني الفراء ٢/ ١١٧.","vol":"2","page":266},{"text":"وبينهم ولم نخوّفهم منكم فكان هذا مجازا جعل التخلية وترك التخويف بعثا، ومثله أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ [مريم: ٨٣] والقول الآخر: معنى بعثنا عليكم أمرناهم بغزوكم لما عصيتم وأفسدتم، وهذا حقيقة لا مجاز. وزعم الفراء أن من قرأ ليسوآ وجوهكم فهو الجواب عنده بغير حذف، ولكنه أضمر فعلا في «وليتبّروا» قال قتادة: المعنى وليتبّروا ما علوا عليه، وقال غيره: وليتبّروا ما داموا عالين وحقيقته في العربية وليتبّروا وقت علوهم، كما تقول: فلان يؤذيك ما ولي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1589>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨]</span>\nعَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا (٨)\nعَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ قال الضحاك: الرحمة هاهنا بعث محمد ﷺ. وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا قيل: إن عدتم للمعصية عدنا لترك النصر وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا مفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1590>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩]</span>\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ نعت لهذا، والخبر في يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ. وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ في موضع نصب أي بأنّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1591>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠]</span>\nوَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٠)\nوَأَنَّ الَّذِينَ معطوف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1592>[سورة الإسراء (١٧): آية ١١]</span>\nوَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (١١)\nوَيَدْعُ الْإِنْسانُ حذفت الواو في الإدراج لالتقاء الساكنين ولا ينبغي أن يوقّف عليه لأنه في السواد بغير واو، ولو وقف عليه واقف في غير القرآن لم يجز أن يقف إلّا بالواو لأنها لام الفعل لا تحذف إلّا في الجزم أو في الإدراج ولا ألف بعدها، وكذا يدعو ويرجو وإنّما تكون الألف مع واو الجميع فرقا بينها وبين الواو التي تكون لام الفعل في الواحد، وقال الأخفش: تكون في الجميع فرقا بينها وبين الواو العطف، وقال أحمد بن يحيى: تكون فرقا بين المضمر المنصوب والمؤكّد. دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ قال الأخفش: هذا كما تقول: انطلقت انطلاقا، أي هو مصدر، وقال الفراء «١»: المعنى كدعائه. قال أبو جعفر: وليس حذف الكاف مما يوجب نصبا ولا غيره ولا اختلاف بين النحويين أنه يقال: عمرو كالأسد فإن حذفت الكاف قلت: عمرو الأسد، وحقيقة القول في الآية أن التقدير: يدعو الإنسان بالشرّ دعاء مثل دعائه بالخير ثم أقيمت الصفة مقام الموصوف والمضاف إليه مقام المضاف.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١١٨.","vol":"2","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1593>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا (١٣)\nوَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ مفعولان وكلّ واحد منهما يأتي في إثر صاحبه وينصرف عند مجيئه فهما آيتان دالتان على مدبر لهما. فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ أي لم نجعل لها ضياء ونورا كنور النهار، والشيء الممحو هو الذي لا يتبيّن. وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً وهي الشّمس وضوؤها لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وفي الكلام حذف أي ولتسكنوا في الليل وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا أي جعلنا بين الآية والآية فصلا لتستدلّوا بدلائل الله جلّ وعزّ ونصب (كل شيء) بإضمار فعل، وكذا وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا من نعت كتاب، وإن شئت على الحال، وقد ذكرنا الآية وما فيها من القراءات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1594>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٤]</span>\nاقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)\nاقْرَأْ كِتابَكَ علامة الجزم والبناء حذف الضمّة من الهمزة، وحكي عن العرب:\nأقر يا هذا، على إبدال الهمزة، ومنه وقول زهير: [الطويل] ٢٦٧-\nوإلّا يبد بالظّلم يظلم «١»\nكَفى بِنَفْسِكَ في موضع رفع والباء زائدة للتوكيد. حَسِيبًا على البيان، وإن شئت على الحال. قال أبو إسحاق: ويجوز في غير القرآن حسيبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1595>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٥]</span>\nمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)\nمَنِ اهْتَدى شرط، والجواب فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وكذا وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي عمله له، ويدلّ على هذا وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وفي معناه قولان: أحدهما لا يؤخذ أحد بذنب أحد، والآخر أنّ المعنى لا ينبغي لأحد أن يقتدي بأحد ويقلّده في الشر، كما قال جلّ وعزّ إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢] ويقال وزر يزر والأصل يوزر حذفت الواو عند البصريين لوقوعها بين ياء وكسرة، والمصدر وزر ووزر ووزرة وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فيه قولان: أحدهما أن المعنى وما كنا معذّبين العذاب الذي يكون عقوبة على مخالفة الشيء الذي لا يعرف إلا بالإخبار حتى نبعث رسولا، والآخر أنه عذاب الاستئصال.\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (١٦) .","vol":"2","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1596>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٦]</span>\nوَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦)\nوقد ذكرنا وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها\n«١» والقراءات التي فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1597>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٧]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)\nوَكَمْ في موضع نصب بأهلكنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1598>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٨]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ أي لا يريد ثوابا في الآخرة لم نمنعه ذلك لِمَنْ نُرِيدُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1599>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٠]</span>\nكُلًاّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)\nكُلًّا نصب بنمدّ. هؤُلاءِ بدل من كلّ. وَهَؤُلاءِ عطف عليه أي نرزق المؤمن والكافر وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا. قال سعيد عن قتادة أي منقوصا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1600>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢١]</span>\nانْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)\nكَيْفَ في موضع نصب بفضلنا إلا أنها مبنيّة غير معرّبة وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ ابتداء وخبر. دَرَجاتٍ في موضع نصب على البيان، وكذا تَفْضِيلًا قال الضحاك: من كان من أهل الجنة عاليا رأى فضله على من هو أسفل منه، ومن كان دونه لم ير أنّ أحدا فوقه أفضل منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1601>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٢]</span>\nلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)\nفَتَقْعُدَ منصوب على جواب النهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1602>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٣]</span>\nوَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)\nوَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا مصدر. إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ قراءة أهل المدينة وأهل البصرة وعاصم، وقراءة أهل الكوفة إلّا عاصما «٢» (إمّا يبلغانّ عندك الكبر) والقراءة الأولى أبين في العربية لأن أحدهما واحد، وتجوز الثانية كما تقول: جاءاني أحدهما أو كلاهما على البدل لأنك قد جئت بعد الفعل بثلاثة والوجه جاءني أحدهما أو كلاهما، وإن شئت قلت: جاءاني كلاهما أو أحدهما على أن يكون كلاهما توكيدا وأحدهما\n_________\n(١) انظر القراءات المختلفة في البحر المحيط ٦/ ١٥.\n(٢) انظر تيسير الداني ١١٣، والبحر المحيط ٦/ ٢٣.","vol":"2","page":269},{"text":"عطفا. فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ فيه سبع لغات: قرأ الحسن وأهل المدينة (ولا تقل لهما أفّ) «١» بالكسر والتنوين، وقال أبو عمرو وأهل الكوفة بالكسر بغير تنوين، وقرأ أهل مكة وأهل الشام بالفتح بغير تنوين، وحكى الكسائي والأخفش ثلاث لغات سوى هذه.\nحكيا النصب بالتنوين والضم بالتنوين والضم بغير تنوين، وحكى الأخفش اللغة السابعة. قال: يقال: أفّي بإثبات الياء كأنه قال هذا القول لك. قال أبو جعفر: القراءة الأولى يكون الكسر فيها لالتقاء الساكنين والتنوين لأنه نكرة فرقا بينه وبين المعرفة، وهي قراءة حسنة، وأصل الساكنين إذا التقيا الكسر، وزعم الأصمعي أنه لا يجوز إلّا التنوين في مثل هذه الأشياء وأن ذا الرمة لحن في قوله: [الطويل] ٢٦٨-\nوقفنا فقلنا إيه عن أمّ سالم ... وما بال تكليم الدّيار البلاقع «٢»\nوكان الأصمعي مولعا بردّ اللغات الشاذة التي لا تكثر في كلام الفصحاء. فأما النحويون الحذّاق فيقولون: حذف التنوين على أنه معرفة وعلى هذا القراءة الثانية والقراءة الثالثة لأن الفتح خفيف والتضعيف ثقيل والتنوين كما تقدّم والضمّ بغير تنوين على الاتباع، كما يقال: ردّ، والتنوين كما ذكرنا إلّا أنّ الأخفش قال: التنوين قبيح إذا رفعت لأنه ليس في الكلام معه لام كأنه يقدّر رفعه بالابتداء، كما يقال: ويل له، وزعم أنّ النصب بالتنوين كما يقال: تعسا له. وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا أي قولا تكرمهما به وتعظّمهما به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1603>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٨]</span>\nوَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)\nوَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أي عن ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مفعول من أجله أي طلب رزق تنتظره. فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا قيل: برفق ولين وعدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1604>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٩]</span>\nوَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)\nوَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ اليد مؤنّثة والعنق يذكّر ويؤنّث، والأكثر التذكير كما قال: [الرجز] ٢٦٩-\nفي سرطم هاد وعنق عرطل «٣»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٢، وتيسير الداني ١١٣.\n(٢) الشاهد لذي الرمة في ديوانه ٧٧٨، والأشباه والنظائر ٦/ ٢٠١، وإصلاح المنطق ص ٢٩١، وتذكرة النحاة ص ٦٥٨، وخزانة الأدب ٦/ ٢٠٨، ورصف المباني ص ٣٤٤، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٤٩٤، وشرح المفصّل ٤/ ٣١، ولسان العرب (أيه)، وتاج العروس (أيه)، وما ينصرف وما لا ينصرف ١٠٩، ومجالس ثعلب ص ٢٧٥، وكتاب العين ٤/ ١٠٤، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٦/ ٢٣٧، والمقتضب ٣/ ١٧٩، والمخصص ١٤/ ٨١.\n(٣) الشاهد لأبي النجم في الخصائص ١/ ٢٧٠، واللسان (عراحل) .","vol":"2","page":270},{"text":"حذف الضمة في عنق لثقلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1605>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٠]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)\nإِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي يضيّق ويفعل من ذلك ما فيه الصلاح ودلّ على هذا إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا أي يعلم ما يصلحهم. وفي معنى «فتقعد ملوما محسورا» قولان: أحدهما قول الفراء: «١» إنه بمنزلة المحسور أي الكالّ المتعب، وحكى: حسرت الدّابة فهي محسورة وحسير إذا سيّرتها حتى تنقطع، والقول الآخر «محسورا» بمعنى من قد لحقته الحسرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1606>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣١]</span>\nوَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا (٣١)\nإِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً خبر كان واسمها فيها مضمر والجملة خبر إنّ. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا ما فيه من القراءات «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1607>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٢]</span>\nوَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢)\nوَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ومن العرب من يمدّه يجعله مصدرا من زانى لأنه لا يكن إلّا من اثنين. إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا على البيان أي طريقه سيّئ وفعله قبيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1608>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٣]</span>\nوَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣)\nوَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ قد ذكرناه «٣» . وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ على الحال فَقَدْ جَعَلْنا الإدغام حسن، لأن الدال من طرف اللسان والجيم من وسطه فهما متقاربتان والإظهار جائز لِوَلِيِّهِ أي أقرب الناس إليه. سُلْطانًا قال سعيد بن جبير كلّ سلطان في القرآن فهو حجّة. قال أبو إسحاق: من قرأ فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ «٤» جعله خبرا أي فليس يسرف قاتل وليّه إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا في الضمير خمسة أقوال:\nيكون للوليّ، وهذا أولاها عند أهل النظر لأنه أقرب إليه. قال ابن كثير عن مجاهد: إن المقتول كان منصورا، وهذا قول حسن لأن المقتول قد نصر في الدنيا لمّا أمر بقتل قاتله وفي الآخرة بإجزال الثواب وتعذيب قاتله، وقيل: إنّ القتل كان منصورا. قال\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٢٢.\n(٢) القراءات المختلفة في البحر المحيط ٦/ ٢٩.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٠. [.....]\n(٤) انظر المحتسب ٢/ ٢٠، والبحر المحيط ٦/ ٣١.","vol":"2","page":271},{"text":"الفراء «١»: يجوز أن يكون المعنى إنّ القتل لأنه فعل، والقول الخامس قول أبي عبيد، قال: يكون إنّ القاتل الأول كان منصورا إذا قتل. وهذا أبعدها وأشدّها تعسفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1609>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٤]</span>\nوَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤)\nوَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا فدخل في هذا كلّ ما أمر الله به لأنه قد عهد إلينا فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1610>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٦]</span>\nوَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦)\nوَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فدخل في هذا النهي عن قذف المحصنات وعن القول في الناس بما لا يعلم وعن الكلام في الفقه والدين بالظنّ وأن لا يقول أحد ما لا يحقّه. إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا فدخل في هذا النهي عن الاستماع إلى ما لا يحلّ استماعه وعن الهمّ والعزم بما لا يحلّ النظر إليه، واعلم أن الإنسان مسؤول عن ذلك كلّه، وقال: أولئك في غير الناس لأن كلّ ما يشار إليه وهو متراخ فلك أن تقول فيه: أولئك، كما قال: [الكامل] ٢٧٠-\nذمّ المنازل غير منزلة اللّوى ... والعيش بعد أولئك الأيّام «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1611>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٧]</span>\nوَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧)\nوَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا أي ذا مرح، وحكى يعقوب القارئ مَرَحًا «٣» بكسر الراء على الحال. قال الأخفش: وكسر الراء أجود لأنه اسم الفاعل. قال أبو إسحاق:\nفتح الراء أجود لأنه فيه معنى التوكيد، كما يقال: جاء فلان ركضا، وجعله مصدرا في موضع الحال. والمرح في اللغة الأشر والبطر ويكون منه التختر والتكبّر. إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ أي لن تبلغ قوتك هذا. وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا فلا ينبغي أن تتكبّر وتترفّع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1612>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٨]</span>\nكُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)\nفاحتجّوا بأشياء قد تقدّمت حسان منها وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا ومنها وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا، واحتجّ أبو حاتم بقوله «مكروها» ولم يقل مكروهة. قال أبو جعفر: لا يلزم\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٢٣.\n(٢) الشاهد لجرير في ديوانه ٩٩٠، وتخليص الشواهد ١٢٣، وخزانة الأدب ٥/ ٤٣٠، وشرح التصريح ١/ ١٢٨، وشرح شواهد الشافية ١٦٧، وشرح المفصل ٩/ ١٢٩، ولسان العرب (أولى)، والمقاصد النحوية ١/ ٤٠٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٣٤، وشرح الأشموني ١/ ٦٣، وشرح ابن عقيل ص ٧٢، والمقتضب ١/ ١٨٥.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٤.","vol":"2","page":272},{"text":"من هذه الاحتجاجات شيء لأن الأشياء الحسان تقدّمت في باب الأمر ثم جاء النهي فجاء بعده كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا لما نهي عنه، وقال مكروها ولم يقل: مكروهة لأنه عائد على لفظ كلّ وهو خبر ثان عن المضمر الذي في كان والمضمر مذكّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1613>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٠]</span>\nأَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)\nإِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا مصدر فيه معنى التوكيد عَظِيمًا من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1614>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤١]</span>\nوَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤١)\nقال أبو إسحاق: وَلَقَدْ صَرَّفْنا أي ولقد بيّنا. قال: والمعنى وَما يَزِيدُهُمْ أي التبيين إِلَّا نُفُورًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1615>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٢]</span>\nقُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)\nلَابْتَغَوْا لطلبوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1616>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٣]</span>\nسُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)\nأي تعاليا، كما قال: [الوافر] ٢٧١-\nوليس بأن تتبّعه اتّباعا «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1617>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٤]</span>\nتُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)\nتُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ على تأنيث الجماعة ويسبح على تذكير الجميع. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ قد تكلّم العلماء في معناه فقال بعضهم: هو التسبيح الذي يعرف، وقال بعضهم: هو مخصوص، وقال بعضهم: تسبيحه دلالته على تنزيه الله جلّ وعزّ وتأوّل وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ على أن مخاطبة للكفار الذين لا يستدلّون، وقيل:\nولكن لا تفقهون مخاطبة للناس وإذا كان فيهم من لا يفقه ذلك فلم يفقهوا. إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا أي حليما عن هؤلاء الذين لا يستدلّون. غَفُورًا لمن تاب منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1618>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٥]</span>\nوَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥)\nقيل: هؤلاء قوم كانوا إذا سمعوا النبي ﷺ يقرأ بمكة ليستدعي الناس سبّوه\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٧٧) .","vol":"2","page":273},{"text":"فأعلمه الله جلّ وعزّ أنه يحول بينهم وبينه حتى لا يفهموا قراءته. قال الأخفش:\n«مستورا» أي ساترا ومفعول يكون بمعنى فاعل كما يقال: مشؤوم وميمون أي شائم ويا من لأن الحجاب هو الذي يستر، وقال غيره: الحجاب مستور على الحقيقة لأنه شيء مغطّى عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1619>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٦]</span>\nوَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)\nوَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا نصب على الحال على أنه جمع نافر، ويجوز أن يكون واحدا على أنه مصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1620>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٧]</span>\nنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)\nوَإِذْ هُمْ نَجْوى مبتدأ وخبره والتقدير: ذو نجوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1621>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٨]</span>\nانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)\nانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي قالوا مرة هو مخدوع ومرة هو ساحر ليلحقوا بك الكذب، فَضَلُّوا عن سبيل الحق فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1622>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٩]</span>\nوَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)\nخَلْقًا مصدر جَدِيدًا من نعته. وجديد في المذكّر والمؤنّث بمعنى واحد، وجديدة في المؤنث لغة رديئة عند سيبويه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1623>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nقُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)\nقُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ أي توهّموا ما شئتم فلا بدّ من أن تموتوا وتبعثوا. وكانت هذه الآيات من أعظم الدلائل على نبوّة النبي ﷺ. قال الله جلّ وعزّ: فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا فأخبر جلّ وعزّ بأنّهم سيقولون هذا، وأخبر أنهم يحرّكون رؤوسهم استبعادا لما قال لهم وأنهم يقولون مع تحريك رؤوسهم أو بعده. مَتى هُوَ وتلى عليهم فكان الأمر على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1624>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٢]</span>\nيَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا (٥٢)\nيَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ قال سعيد بن جبير: يخرج الناس من قبورهم وهم","vol":"2","page":274},{"text":"يقولون: سبحانك وبحمدك. وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا قيل: إنّهم إنما ظنّوا هذا بعد الحقيقة التي لا بدّ للخلق منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1625>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٣]</span>\nوَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)\nوَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي المقالة التي هي أحسن. قال المازني: المعنى:\nقل لعبادي قولوا يقولوا إنّ الشيطان ينزغ بينهم أي يحرّض الكافرين على المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1626>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٦]</span>\nقُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦)\nقُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ في الكلام حذف دلّ عليه ما بعده، والتقدير: قل ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهتكم من دون الله فليكشفوا عنكم الضّرّ وليحوّلوكم من الضيق والشدّة إلى السّعة ودلّ على هذا فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أي لن يحوّلوكم من الضيق والشدة إلى السعة والخصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1627>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٧]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا (٥٧)\nأُولئِكَ مبتدأ. الَّذِينَ يَدْعُونَ من نعته، والخبر يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ وفي قراءة ابن مسعود ﵀ أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ «١» لأن قبله قل ادعوا، والتقدير:\nيبتغون الوسيلة إلى ربهم ينظرون. أَيُّهُمْ أَقْرَبُ فيتوسّلون: والفرق بين هؤلاء وبين من توسّل بعبادة المسيح ﵇ وغيره أن هؤلاء توسلوا وهم موحّدون وأولئك توسلوا بعبادة غير الله جلّ وعزّ فكفروا وأَيُّهُمْ رفع بالابتداء وأَقْرَبُ خبره، ويجوز أن يكون «أيّهم» بدلا من الواو ويكون بمعنى الذي، والتقدير يبتغي الذي هو أقرب الوسيلة وأضمرت «هو» وسيبويه «٢» يجعل أيّا على هذا التقدير مبنيّة. وهو قول مردود وسنذكر ما فيه إن شاء الله «٣» . والذين يدعون من كان مطيعا لله جلّ وعزّ، والتقدير: يدعونهم آلهة، وفي الآية قول آخر يكون متصلا بقوله جلّ وعزّ ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض أولئك الذين يدعون أي أولئك النبيون الذين يدعون الله جلّ وعزّ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ قال عطاء: أي القربة. قال أبو إسحاق: الوسيلة والسؤال والطلبة واحد. وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ أي الذين يعبدونهم المطيعون يرجون رحمته ويخافون عذابه على الجواب الأول.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٥٠.\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ٤٢٠.\n(٣) انظر إعراب الآية ٦٩- سورة مريم.","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1628>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٨]</span>\nوَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٥٨)\nوَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ أي أهل قرية. إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها بالموت أَوْ مُعَذِّبُوها بالاستئصال لعصيانهم كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا أي في الكتاب الذي كتبه الله جلّ وعزّ للملائكة ﵈ فيه أخبار العباد ليستدلّوا بذلك على قدرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1629>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٩]</span>\nوَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا (٥٩)\nوَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ أن الثانية في موضع رفع بالمنع والأولى في موضع نصب به. وهذه آية مشكلة. حدّثنا علي بن الحسين عن الحسن بن محمد قال: حدّثنا علي بن عبد الله قال: حدّثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سأل النبي ﷺ أهل مكّة أن يجعل لهم الصفا ذهبا أو ينحي عنهم الجبال فيزرعوا فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم لعلنا أن نجتبي منهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت قبلهم الأمم.\nقال: لا بل أستأني بهم فأنزل الله تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً. قال أبو جعفر: التقدير في العربية: وما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحوها إلّا أن كذّب بمثلها الأولون فأهلكوا واستؤصلوا فجعل الله جلّ وعزّ ما فيه من الصلاح لهم، فإن قال قائل: فقد أعطي الأولون مثل هذا ولم يؤمنوا فما الفرق؟ فالجواب أنّ الفرق بينهم علم الله جلّ وعزّ بأنّ من هؤلاء من يؤمن ومن هؤلاء ومن أولادهم من يؤمن، وأنّ أولئك لا يؤمنون ولا يولد لهم من يؤمن.\nوَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مفعولان ولم ينصرف ثمود لأنه جعله اسما للقبيلة، ويجوز صرفه بجعله اسما للحيّ مُبْصِرَةً على الحال، وهو عند أكثر النحويين البصريين على النسب، وقال بعضهم: مبصرة: بمعنى مبصّرة أي مبيّنة مثل مكرم ومكرّم، وقال الفراء «١»: مبصرة أي مضيئة مثل وَالنَّهارَ مُبْصِرًا [يونس: ٦٧، والنمل: ٨٦، وغافر: ٦١] . قال الفراء: ومن قال (مبصرة) «٢» أراد مثل قول عنترة: [الكامل] ٢٧٢-\nوالكفر مخبثة لنفس المنعم «٣»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٢٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٥١.\n(٣) الشاهد لعنترة العبسي من معلّقته في ديوانه ٢٨، والتهذيب ١/ ٣١٦، ومعاني الفراء ٢/ ١٢٦، والخزانة ١/ ٣٣٦، وشرح القصائد العشر للتبريزي ٣٦٨، وصدره:\n«نبّئت عرا غير شاكي نعمتي»","vol":"2","page":276},{"text":"قال فإذا وضعت مفعلة مكان فاعل كفت من الجمع والتأنيث. قال أبو إسحاق:\nمن قرأ مبصرة فالمعنى مبيّنة فَظَلَمُوا بِها التقدير فظلموا بعقرها وكفرهم بخالقها. وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا قيل يعني به الآيات التي تتلى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1630>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٠]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا (٦٠)\nوَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ قال أبو جعفر: قد ذكرناه وقد قيل: إنّ ربك أحاط بالناس علما ومعرفة وتدبيرا فلهذا لم يعطهم الآيات التي اقترحوها لعلمه جلّ وعزّ بهم. وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ مفعولان أي محنة امتحنوا بها وتكليفا وقد تكلّم العلماء في هذه الرؤيا فمن أحسن ما قيل فيها وصحيحه أنها الرؤيا التي رآها محلّقين رؤوسهم ومقصّرين، فلما ردّ النبي ﷺ عام الحديبيّة عن البيت فافتتن جماعة من الناس حتى قال عمر ﵁ للنبي ﷺ: ألم تعدنا أنّا ندخل المسجد الحرام فقال له النبي ﷺ: أقلت لكم في هذا العام؟ قال: لا، قال: فإنكم ستدخلونه، فدخلوه في العام المقبل كما قال لهم النبي ﷺ. ومن أحسن ما قيل فيها أيضا ما رواه سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله جلّ وعزّ: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال: هي رؤيا عين رآها النبي ﷺ ليلة أسري به لا رؤيا نوم. قال وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ شجرة الزقوم. قال الفراء «١»: ويجوز وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ بالرفع يجعله نسقا على المضمر الذي في فتنة قال كما تقول: جعلتك عاملا وزيدا وزيد. وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا قال السّدّي: الطغيان المعصية، وقال مجاهد: هذا في أبي جهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1631>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦١]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)\nقالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ التقدير لمن خلقته وحذفت الهاء لطول الاسم. قال أبو إسحاق: طِينًا منصوب على الحال، والمعنى: أأسجد لمن أنشأته في حال كونه طينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1632>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٢]</span>\nقالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا (٦٢)\nقالَ أَرَأَيْتَكَ «٢» الكاف لا موضع لها من الإعراب وإنما هي لتوكيد المخاطبة، وحكى سيبويه: أريتك زيدا أبو من هو، وقد ذكرنا هذا باختلاف النحويين في سورة\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٢٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٥٤.","vol":"2","page":277},{"text":"الأنعام «١» . لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ روى علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس قال «لأحتنكنّ» لأستولينّ، وقال مجاهد: لأحتوينّ مثل زناق الناقة والدابة وهي حناكها، وقال غيره: إنما قال إبليس هذا لمّا قال الله جلّ وعزّ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [البقرة: ٣٠] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1633>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٣]</span>\nقالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا (٦٣)\nأي مكمّلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1634>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٤]</span>\nوَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا (٦٤)\nوَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ هذا على جهة التهاون به وبمن اتّبعه والتهديد له لأنّ من عصى فإنّما عصيانه على نفسه وليس ذلك بضارّ غيره. والعرب تفعل هذا على جهة التهديد ومثله اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] ولا يقع هذا إلّا بعد النهي فالله جلّ وعزّ قد نهى عن المعاصي، وكما تقول: يا غلام لا تكلّم فلانا، ثم تهدّده وتحذّره فتقول: كلّمه إن كنت صادقا، وكذا وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ قيل: إنّ هذا على التمثيل، وقيل: يجوز أن يكون له خيل ورجل، وقيل: هذا الخيل والرّجل الذين يسعون في المعاصي، وكذا وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ هو أن يزيّن لهم أن ينفقوا أموالهم ويستعملوا أولادهم في المعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1635>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٥]</span>\nإِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)\nإِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ قيل: معناه خلصائي ومن أحسن ما قيل فيه أنه لا سلطان له على أحد لأنّ العباد هاهنا جميع الخلق، والسلطان: الحجّة. كذا قال سعيد بن جبير لا حجة له على أحد توجب أن يقبل منه، وفيه قول ثالث يكون المعنى أنّ عبادي جميعا لا تسلّط لك عليهم إلّا الوسوسة، وصاحب هذا القول يستدلّ به على أنه لا يصل أحد من الجنّ إلى صرع أحد من الأنس وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1636>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٧]</span>\nوَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا (٦٧)\nوَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ أي عصوف الرياح والخوف من الغرق ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ لأنكم تعلمون أنهم لا يغنون عنكم شيئا إلّا إيّاه فترجعون فتدعونه. وهذا من\n_________\n(١) انظر إعراب الآية ٤٠- سورة الأنعام. [.....]","vol":"2","page":278},{"text":"الدلائل على البارئ تبارك اسمه أنّه ليس أحد يقع في شدة من مؤمن أو مشرك أو ملحد إلا وهو يستغيث به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1637>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٨]</span>\nأَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)\nأَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ على الظرف أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا أي رجما من فوقكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1638>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٩]</span>\nأَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)\nثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا تابعا يتبعنا في إنكار ذلك أو صرفه عنكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1639>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٠]</span>\nوَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠)\nوَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ولم يقل: على كلّ من خلقنا لأن الملائكة أفضل منهم لطاعتهم وأنّهم لا معصية لهم تَفْضِيلًا مصدر فيه معنى التوكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1640>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧١]</span>\nيَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)\nيَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ التقدير: أذكر يوم ندعوا، ويجوز أن يكون التقدير:\nيعيدكم الذي فطركم يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ وقد ذكرنا عن ابن عباس أنه قال:\nبإمامهم بنبيّهم، وروي عنه إمام هدى وإمام ضلالة، وقال أبو صالح وأبو العالية بإمامهم بأعمالهم، وقال مجاهد بكتابهم. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال متفقة والناس يدعون بهذا كلّه فيدعون بنبيّهم فيقال أين أصحاب الورع؟ وكذا ضدّ هذا فيقال أين أمة فرعون؟\nوأين أصحاب الزنا؟ فيكون في هذا توبيخ وهتكة على رؤوس الناس لمن ينادى به أو مدح وسرور لمن ينادى بضدّه. قال عكرمة عن ابن عباس: الفتيل ما في شقّ النواة، وتقديره في العربية لا يظلمون مقدار فتيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1641>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٢]</span>\nوَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)\nوَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أي في الدنيا أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وتقديره أعمى منه في الدنيا. قال محمد بن يزيد: وإنما جاز هذا، ولا يقال: فلان أعمى من فلان لأنه من عمى القلب، ويقال في عمى القلب: فلان أعمى من فلان، وفي عمى العين: فلان أبين عمىّ من فلان، ولا يقال: أعمى منه. قال أبو جعفر: وإنما لم يقل: أعمى منه","vol":"2","page":279},{"text":"في عمى العين عند الخليل وسيبويه «١»: لأن عمى العين شيء ثابت مرئيّ، كاليد والرجل، فكما لا تقول: ما أيداه لا تقول: ما أعماه، وفيه قولان آخران: قال الأخفش سعيد: إنّما لم يقل ما أعماه لأن الأصل في فعله اعميّ واعمايّ، ولا يتعجّب مما جاوز الثلاثة إلّا بزيادة. والقول الثاني أنهم فعلوا هذا للفرق بين عمى القلب، وكذا لم يقولوا في الألوان: ما أسوده ليفرقوا بينه وبين قولهم ما أسوده من السّؤدد وأتبعوا بعض الكلام بعضا. قال أبو جعفر: وسمعت أبا إسحاق يقول: إنما لم يقولوا: ما أقيله من القائلة لأنهم قد يقولون في البيع: قلته ففرّقوا بينهما.\nوحكى الفراء «٢» عن بعض النحويين ما أعماه وما أعشاه وما أزرقه وما أعوره. قال:\nلأنهم يقولون: عمي وعشي وعور، وأجاز الفراء: في الكلام والشعر ما أبيضه وسائر الألوان، وكذا عنده. وقال محمد بن يزيد في قوله جلّ وعزّ: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى أن يكون من قولك: «فلان أعمى» لا يريد أشدّ عمى من غيره. قال أبو جعفر: والقول الأول أولى ليكون المعنى عليه لأن بعده وَأَضَلُّ سَبِيلًا أي منه في الدنيا، ولهذا روي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: تجوز الإمالة في قوله جلّ وعزّ: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى، ولا تجوز الإمالة في قوله فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى. يذهب إلى أن الألف في الثاني متوسطة لأن تقديره أعمى منه في الدنيا ولو لم يرد هذه لجازت الإمالة. قال أبو إسحاق: وَأَضَلُّ سَبِيلًا أي طريقا إلى الهدى لأنه قد حصل على عمله لا سبيل له إلى التوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1642>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٣]</span>\nوَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)\nوَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ وزن كاد فعل على لغة أهل الحجاز وبني أسد، وبنو قيس يقولون: كدت، فهي عندهم فعلت، وقيل: إنهم فعلوا هذا ليفرقوا بينه وبين كدت من الكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1643>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٤]</span>\nوَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)\nقيل: ثبّته الله جلّ وعزّ بالعصمة، وقيل: ثبّته بالوحي وإعلامه أنه لا ينبغي أن يركن إليهم فإنهم أعداء. ويقال: ركن يركن، وركن يركن أفصح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1644>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٥]</span>\nإِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥)\nإِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ فكان في هذا أعظم العظة للناس إذ كان الله جلّ وعزّ أخبر بحكمه في الأنبياء المصطفين صلّى الله عليهم إذا عصوا.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٢١٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٢٨.","vol":"2","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1645>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٦]</span>\nوَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا (٧٦)\nوَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها تأول العلماء هذا على تأويلين:\nأحدهما أنهم لو أخرجوه من أرض الحجاز كلّها لهلكوا، والتأويل الآخر أنهم لو أخرجوه من مكة. وقال أصحاب هذا القول: لم يخرجوه وإنّما أمره الله ﷿ بالهجرة إلى المدينة، ولو أخرجوه لهلكوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1646>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٧ الى ٧٨]</span>\nسُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (٧٧) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨)\nسُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا مصدر أي سنّ الله ﷿ أنّ من أخرج نبيّا هلك سنّة، وقال الفراء «١»: أي كسنّة.\nقال الأخفش سعيد: نصب وَقُرْآنَ الْفَجْرِ بمعنى وآثر قرآن الفجر، وعليك قرآن الفجر. قال أبو إسحاق: التقدير: وأقم قرآن الفجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1647>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٠]</span>\nوَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠)\nوَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ المصدر من أفعل مفعل، وكذا الظرف من فعل مفعل، ومن قال في «مدخل صدق» إنه المدينة، وفي مخرج صدق إنه مكّة فله تقديران: أحدهما أن الله جل وعز وعده ذلك فهو مدخل صدق ومخرج صدق، والتقدير الآخر أن يكون المعنى مدخل سلامة، وحسن عاقبة فجعل الصدق موضع الأشياء الجميلة لأنه جميل، ومن قال مدخل صدق الرسالة ومخرج صدق من الدنيا، قدّره بما وعده الله جلّ وعزّ به من نصرته الرسالة، ومن إخراجه من الدنيا سليما من الكبائر، وقد قيل: أمره الله جلّ وعزّ بهذا عند دخوله إلى بلد أو غيره أو عند خروجه منه. وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا أي حجة ظاهرة بيّنة تنصرني بها على أعدائي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1648>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨١]</span>\nوَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (٨١)\nوَقُلْ جاءَ الْحَقُّ أي جاء أمر الله ووحيه وَزَهَقَ الْباطِلُ أي الباطل الكفر والفساد إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا والزاهق والزهوق في اللغة الذي لا ثبات له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1649>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٢]</span>\nوَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسارًا (٨٢)\nوَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ أي شفاء في الدين لما فيه من الدلائل الظاهرة\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٢٩، والبحر المحيط ٦/ ٦٤.","vol":"2","page":281},{"text":"والحجج الباهرة فهو شفاء للمؤمنين أن لا يلحقهم في قلوبهم مرض ولا ريب، وأجاز الكسائي وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ نسقا على «ما» أي وننزل رحمة للمؤمنين. وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا أي يكفرون فيزدادون خسارا. وهذا مجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1650>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٣]</span>\nوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا (٨٣)\nوقرأ أبو جعفر وناء بجانبه «١» . قال الكسائي هما لغتان. وقال الفراء: لغة أهل الحجاز نأى ولغة بعض هوازن وبني كنانة وكثير من الأنصار ناء يا هذا. قال أبو جعفر: الأصل نأى ثم قلب، وهذا من قول الكوفيين مما يتعجّب منه لأنهم يقولون فيما كانت فيه لغتان وليس بمقلوب: هو مقلوب، نحو جذب وجبذ، ولا يقولون في هذا، وهو مقلوب: شيئا من ذلك. والدليل على أنه مقلوب أنهم قد أجمعوا على أن يقولوا:\nنأيت نأيا، ورأيت رأيا ورؤية ورؤيا، فهذا كلّه من نأى ورأى، ولو كان من ناء وراء لقالوا: رئت ونئت مثل جئت. وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا وإن خففت الهمزة جعلتها بين بين وحكى الكسائي عن العرب الحذف «كان يوسا» «٢» وحكى وإذا المودة [التكوير:\n٨] قال: مثل الموزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1651>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٤]</span>\nقُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (٨٤)\nقُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ هذه الآية من أشكل ما في السورة. ومن أحسن ما قيل فيها أن المعنى قل كلّ يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب. فربكم أعلم بمن هو أولى بالصواب. وهذا تستعمله العرب بعد تبيين الشيء مثل وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤]، وكما يقول الرجل لخصمه: إنّ أحدنا لكاذب، فقد صار في الكلام معنى التوبيخ. فهذا قول، وقيل: معنى قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ في أوقات الشرائع المفترضة لا غير، وفيها قول ثالث يكون المعنى: قل كلّ يعمل على ناحيته وعلى طريقته فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا فلمّا علم بيّن الحقّ والسّبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1652>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٥]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا (٨٥)\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي قد تكلّم العلماء فيه فقيل: علم الله جلّ وعزّ أنّ الأصلح لهم أن لا يخبرهم ما الروح لأن اليهود قالت لهم: في كتابنا أنه إن فسّر لكم ما الروح فليس بنبيّ وإن لم يفسره فهو نبي، وقيل: إنهم سألوا عن عيسى ﷺ فقال لهم الروح من أمر ربّي أي شيء أمر الله جلّ وعزّ به وخلقه لا كما يقول النصارى.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٧٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٣٠.","vol":"2","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1653>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٧]</span>\nإِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)\nإِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ استثناء ليس من الأول أي إلّا أن يرحمك الله فيرد إليك ذلك. والرحمة من الله جل وعز التفضّل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1654>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٨]</span>\nقُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)\nفتحدّاهم النبي ﷺ بذلك فعجزوا عنه من جهات إحداها وصف القرآن الذي أعجزهم أن يأتوا بمثله، وذلك أن الرجل منهم كان يسمع السورة أو الآية الطويلة ثم يسمع بعدها سمرا أو حديثا فيتباين ما بين ذينك من إعجاز التأليف أنه لا يوجد في كلام أحد من المخلوقين أمر ونهي ووعظ وتنبيه وخبر وتوبيخ وغير ذلك ثم يكون كلّه متألفا. ومن إعجازه أنه لا يتغيّر، وليس كلام أحد من المخلوقين يطول إلا تغيّر بتناقض أو رداءة. ومن إعجازه الحذف والاختصار والإيجاز ودلالة اللفظ اليسير على المعنى الكثير، وإن كان في كلام العرب الحذف والاختصار والإيجاز فإنّ في القرآن من ذلك ما هو معجز، نحو قوله جلّ وعزّ: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال: ٥٨] أي إذا كان بينك وبين قوم عهد فخفت منهم وأردت أن تنقض العهد فانبذ إليهم عهدهم أو قل قد نبذت إليكم عهدكم أي قد رميت به لتكون أنت وهم على سواء في العلم فإنك إن لم تفعل ذلك ونقضت عهدهم كانت خيانة، والله لا يحبّ الخائنين. فمثل هذا لا يوجد في كلام العرب على دلالة هذه المعاني والفصاحة التي فيه، ومن إعجاز القرآن ما فيه من علم الغيوب بما لم يكن إذ كان النبي ﷺ كلّما سئل عن شيء من علم الغيب أجاب عنه حتى لقد سئل بمكة فقيل له: رجل أخذه إخوته فباعوه ثم صار ملكا بعد ذلك، وكانت اليهود أمرت قريشا بسؤاله عنه، ووجهوا بذلك إليهم من المدينة إلى مكة وليس بمكّة أحد قرأ الكتب، فأنزل الله جلّ وعزّ سورة يوسف ﵇ فيها أكثر ما في التوراة من خبر يوسف ﵇، فكانت هذه الآية للنبي ﷺ بمنزلة إحياء عيسى ﷺ الميت الذي أحياه بإذن الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1655>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٠ الى ٩١]</span>\nوَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا (٩١)\nوَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا هذه قراءة أهل المدينة، وقرأ أهل الكوفة حَتَّى تَفْجُرَ مختلفا، وقرءوا جميعا التي بعدها فَتُفَجِّرَ قال أبو عبيد لا أعلم بينهما فرقا. قال أبو جعفر: الفرق بينهما بيّن لأن الثاني جاء بعده (تفجيرا) فهذا مصدر فجّر والأول ليس بعده تفجير، وإن كان البيّن أن يقرأ الأول كالثاني يدلّ على","vol":"2","page":283},{"text":"ذلك أن ابن نجيح روى عن مجاهد حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا قال: عيونا، وكذا قال الحسن، وروى سعيد عن قتادة حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا قال: عيونا ببلدنا هذا. فهذا التفسير يدلّ على تفجّر لأن تفجّر على التكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1656>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٢]</span>\nأَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)\nوقرأ أهل المدينة وعاصم أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا «١» .\nوقرأ أهل الكوفة وأبو عمرو (كسفا) «٢» بإسكان السين. قال أبو جعفر: كسف جمع كسفة أي قطعا. وذكر السماء ليدلّ على الجمع. وحجة من قرأ كسفا أنه لمرة واحدة. أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1657>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٣]</span>\nأَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)\nأَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ من رقي يرقى رقيّا إذا صعد، ويقال: رقيت الصّبيّ أرقيه رقيا ورقية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1658>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٤]</span>\nوَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)\n(أن) في موضع نصب والمعنى من أن يؤمنوا إِلَّا أَنْ قالُوا في موضع رفع أي إلّا قولهم أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا فانقطعت حججهم لمّا ظهرت البراهين وجاءوا بالجهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1659>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٥]</span>\nقُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)\nقُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ على الحال، ويجوز في غير القرآن مطمئنّون نعت للملائكة. ومعنى هذا- والله أعلم- لو كان في الأرض ملائكة يمشون لا يعبدون الله ولا يخافونه. وهذا معنى المطمئنين لأن المتعبّد الخائف لا يكون مطمئنا. لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا حتى يعظهم، ويدعوهم إلى ما يجب عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1660>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٦]</span>\nقُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)\nقُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا على الحال، ويجوز أن يكون منصوبا على البيان.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١١٥، والبحر المحيط ٦/ ٧٨.\n(٢) انظر تيسير الداني ١١٥، والبحر المحيط ٦/ ٧٨.","vol":"2","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1661>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٧]</span>\nوَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا (٩٧)\nوَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ حذفت الياء من الخط لأنها كانت محذوفة قبل دخول الألف واللام، والألف واللام لا يغيّران شيئا عن حاله إلا أنّ الاختيار إثبات الياء لأن التنوين قد زال. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: لا يجوز مثل هذا إلا بإثبات الياء، والصواب عنده أن لا يقف عليه، وأن يصله بالياء حتّى يكون متابعا للقراء وأهل العربية. عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1662>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٠]</span>\nقُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا (١٠٠)\nقُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ رفع على إضمار فعل، ولا يجوز أن يلي «لو» إلا فعل إمّا يكون مضمرا وإما لأنها تشبه حروف المجازاة. وخبّر الله جل وعز بما يعلم منهم مما غيّب عنهم فقال: لو أنتم تملكون خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي أي نعمته. والرحمة من الله جلّ وعزّ هي النعمة. لَأَمْسَكْتُمْ أي عن النفقة خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وقيل: الإنفاق الفقر، المعنى خشية أن تنفقوا فينقص ما في أيديكم. وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا حكى الكسائي: قتر يقتر وأقتر يقتر، وحكى أبو عبيد: قتر وقتور على التكثير، كما يقال: ظلوم للكثير الظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1663>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠١]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (١٠١)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ مفعولان بَيِّناتٍ في موضع خفض على النعت لآيات، وقد يكون في موضع نصب على النعت لتسع. وقرأ الكسائي وابن كثير فسل بنى إسرائيل بغير همز يكون على التخفيف، وعلى لغة من قال: سال يسال. والتقدير:\nقل للشاكّ سل بني إسرائيل. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا ما قيل في التسع الآيات عن النبي ﷺ وعن ابن عباس، وما قاله ابن عباس فيجب أن يكون توقيفا لأنه ليس مما يقال بالرأي، والقولان ليسا بمتناقضين فإنّما الحديث عن النبي ﷺ فيحمل على أنه لآيات جاء بها موسى ﷺ تتلى إلّا أنها تفسير لهذه الآيات. والدليل على هذا قوله جلّ وعزّ:\nوَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل: ١٢] في تسع آيات إلى فرعون وقومه مَسْحُورًا أي مخدوعا مَثْبُورًا من الثبور أي الهلاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1664>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٢]</span>\nقالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)\nقالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأن فرعون مع توجيهه إلى","vol":"2","page":285},{"text":"السحرة ونظره إلى ما يصنعون قد علم أنّ ما أتى به موسى ﵇ لا يكون إلّا من عند الله جلّ وعزّ. بَصائِرَ أي حجبا تبصرها العقول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1665>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٤]</span>\nوَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)\nلَفِيفًا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1666>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٥]</span>\nوَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)\nوَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ لأن كلّ ما فيه حقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1667>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٦]</span>\nوَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)\nوَقُرْآنًا نصب على إضمار فعل فَرَقْناهُ بيناه، وقيل: أنزلناه متفرّقا وعيدا ووعدا وأمرا ونهيا وخبرا عمّا كان ويكون، وقيل: أنزلناه مفرّقا وقد اشتقّ مثل هذا أبو عمرو بن العلاء ﵀ فقال: «فرقناه» أنزلنا فرقانا أي فارقا بين الحق والباطل والمؤمن والكافر. وقرأ ابن عباس والشّعبي وعكرمة وقتادة وقرآن فرّقناه «١» بالتشديد. ويحتمل أن يكون معناه كمعنى فرقناه إلّا أن فيه معنى التأكيد والمبالغة والتكثير. لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ أي ليحفظوه ويفهموه يقال: مكث ومكث ومكث ومكث. وقال مجاهد أي على ترسّل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1668>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٧]</span>\nقُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا (١٠٧)\nإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا أي شكرا لله وتعظيما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1669>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٨]</span>\nوَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨)\nوَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا أي تنزيها لله جلّ وعزّ من أن يعد ببعث محمد ﷺ ثم لا يبعثه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1670>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٩]</span>\nوَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)\nوَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ قيل: في الصلاة. وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا مفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1671>[سورة الإسراء (١٧): آية ١١٠]</span>\nقُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠)\nقُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا قال الأخفش سعيد: أي أيّ الدعاءين تدعو.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٨٤.","vol":"2","page":286},{"text":"قال أبو جعفر: وهذا قول الحسن أي إن قلتم يا الله يا رحمن، وقال أبو إسحاق:\nالمعنى أيّ الأسماء تدعون فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى الرحمن الرحيم الغفور الودود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1672>[سورة الإسراء (١٧): آية ١١١]</span>\nوَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)\nقال مجاهد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ أي حليف ولا ناصر وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا مصدر فيه معنى التوكيد.","vol":"2","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1673>١٨ شرح إعراب سورة الكهف</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1674>[سورة الكهف (١٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)\nقال أبو جعفر: زعم الأخفش سعيد والكسائي والفراء «١» وأبو عبيد أن في أول هذه السورة تقديما وتأخيرا، وأن المعنى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا.\nقَيِّمًا نصب على الحال. وقول الضحّاك فيه حسن أنّ المعنى مستقيم أي مستقيم الحكمة لا خطأ فيه، ولا فساد ولا تناقض عِوَجًا مفعول به. يقال: في الدين، وفي الأمر، وفي الطريق عوج، وفي الخشبة والعصا عوج أي عيب أي ليس متناقضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1675>[سورة الكهف (١٨): آية ٢]</span>\nقَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)\nلِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ نصب بلام كي، والتقدير لينذركم بأسا أي عذابا من عنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1676>[سورة الكهف (١٨): آية ٤]</span>\nوَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)\nوَيُنْذِرَ عطف عليه الَّذِينَ مفعولون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1677>[سورة الكهف (١٨): آية ٥]</span>\nما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا (٥)\nكَبُرَتْ كَلِمَةً نصب على البيان أي كبرت مقالتهم اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا كلمة من الكلام. وقرأ الحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق كبرت كلمة «٢» بالرفع بفعلها أي عظمت كلمتهم، وهي قولهم: اتّخذ الله ولدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1678>[سورة الكهف (١٨): آية ٦]</span>\nفَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)\nفَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ جمع أثر، ويقال: أثر. إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٣٣.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٩٥.","vol":"2","page":288},{"text":"قال أبو إسحاق: «أسفا» منصوب لأنه مصدر في موضع الحال. وأسف إذا حزن، وإذا غضب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1679>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nإِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (٨)\nإِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها قيل «ما» و«زينة» مفعولان ويكون فيه تقديران:\nأحدهما أنه مخصوص للشجر والثمر والمال وما أشبههنّ، والآخر أنه عموم لأنه دالّ على بارئه، وقول آخر أنّ جعلنا هاهنا بمعنى خلقنا يتعدّى إلى «ما» و«زينة» مفعول من أجله، وهذا قول حسن لِنَبْلُوَهُمْ أي لنختبرهم فنأمرهم بالطاعة لننظر أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فالحسن العمل الذي يزهد في الزينة ثم أعلم الله ﷿ أنه مبيد ذلك كله فقال تعالى: وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (٨) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1680>[سورة الكهف (١٨): آية ٩]</span>\nأَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا (٩)\nأَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ أي أبل حسبت أنّهم كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا وفي آيات الله ﷿ مما ترى أعجب منهم. قال ابن عباس: وجّهت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط من مكة إلى المدينة ليسألا أحبار يهود عن النبي ﷺ، فسألاهم فقالوا: سله عن فتية ذهبوا في الدهر الأول كان لهم حديث عجب، وعن رجل طواف بلغ المشارق والمغارب، وعن الروح، فإن أخبركم بالاثنين فهو نبي، وإن أخبركم بالروح فليس بنبي، فنزلت سورة الكهف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1681>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠]</span>\nإِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (١٠)\nإِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ أي هاربين بدينهم فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً أي أعطنا من عندك رحمة تنجينا بها من هؤلاء الكفار وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا أي على ما ننجو به. ويقال: رشد ورشد إلّا أنّ رشدا هاهنا أولى لتتفق الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1682>[سورة الكهف (١٨): آية ١١]</span>\nفَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)\nفَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ الواحدة أذن مؤنّثة وتحذف الضمة لثقلها فتقول: أذن سِنِينَ ظرف ويقال: سنينا. يجعل الإعراب في النون. عَدَدًا نصب لأنه مصدر، ويجوز أن يكون نعتا لسنين يكون عند الفراء بمعنى معدودة، وعند البصريين بمعنى ذات عدد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1683>[سورة الكهف (١٨): آية ١٢]</span>\nثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)","vol":"2","page":289},{"text":"ثُمَّ بَعَثْناهُمْ أي أيقظناهم من نومهم لنعلم. أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى وقد علم الله ذلك فمن أحسن ما قيل فيه أن معناه التوقيف، كما تقول لمن أتى بباطل: هات برهانك وبينه حتّى أعلم أنك صادق، وقيل هذا علم الشهادة. والحزبان أصحاب الكهف، والقوم الذين كانوا أحياء في وقت بعث أصحاب الكهف وأَيُّ مبتدأ وأَحْصى خبره.\nأَمَدًا منصوب عند الفراء «١» من جهتين: إحداهما التفسير، والأخرى بلبثهم أي بلبثهم أمدا. قال أبو جعفر: والجهة الأولى أولى لأن المعنى: عليها، فإن قال قائل:\nكيف جاز التفريق بين أحصى وأمدا؟ وقولك: مرّ بنا عشرون اليوم رجلا قبيح، فالجواب أنّ هذا أقوى من عشرين لأن فيه معنى الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1684>[سورة الكهف (١٨): آية ١٣]</span>\nنَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣)\nالْفِتْيَةُ جمع فتى في أقل العدد، ولا يقاس عليه والكثير فتيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1685>[سورة الكهف (١٨): آية ١٤]</span>\nوَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا (١٤)\nوَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أي شددناها حتّى قالوا بين يدي الكفار رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا مصدر، وحقيقته قول شطط، ويجوز أن يكون مفعولا للقول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1686>[سورة الكهف (١٨): آية ١٦]</span>\nوَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (١٦)\nوَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ والتقدير: اذكروا إذا اعتزلتموهم. هذا قول بعض الفتية لبعض وَما يَعْبُدُونَ في موضع نصب أي واعتزلتم ما يعبدون فلم يعبدوه إِلَّا اللَّهَ استثناء فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ جواب الأمر وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا زعم الأصمعي أنه لا يعرف في كلام العرب إلّا مرفقا بكسر الميم في الأمر وفي اليد وفي كل شيء.\nوزعم الكسائي والفراء «٢» أن اللغة الفصيحة كسر الميم، وأن الفتح جائز. قال الفراء:\nوكأنّ الذين فتحوا أرادوا أن يفرقوا بينه وبين مرفق الإنسان، وقد يفتحان جميعا. فزعم الأخفش سعيد أنّ فيه ثلاث لغات جيدة مرفق ومرفق ومرفق. فمن قال: مرفق جعله مما ينتقل ويعمل به، مثل مقطع، ومن قال: مرفق جعله كمسجد لأنه من رفق يرفق كسجد يسجد، ومن قال: مرفق جعله بمعنى الرفق.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٣٦، والبحر المحيط ٦/ ١٠٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٣٦.","vol":"2","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1687>[سورة الكهف (١٨): آية ١٧]</span>\nوَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)\nقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ «١» أدغموا التاء في الزاي والأصل تتزاور، وقرأ أهل الكوفة (تزاور) «٢» حذفوا التاء، وقرأ قتادة وابن أبي إسحاق وابن عامر (تزور) «٣» مثل تحمرّ، وحكى الفراء: تزوار «٤» مثل تحمارّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1688>[سورة الكهف (١٨): آية ١٨]</span>\nوَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)\nذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ ظرفان فِرارًا ورُعْبًا منصوبان على التمييز، ولا يجوز عند سيبويه ولا عند الفراء تقديمهما، وأجاز ذلك محمد بن يزيد لأن العامل متصرّف، وروي عن يحيى بن وثاب والأعمش أنهما قرءا لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ بضم الواو.\nوهذا جائز لأن الضمة من جنس الواو إلّا أن الكسر أجود، وليس هذا مثل أَوِ انْقُصْ [المزمل: ٣] لأن بعد الواو هاهنا ضمة فِرارًا مصدر لأنّ معنى ولّيت فررت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1689>[سورة الكهف (١٨): آية ١٩]</span>\nوَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)\nوَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ أي أيقظناهم لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ أي ليسأل بعضهم بعضا قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ، ويجوز «لبتّم» على الإدغام لقرب المخرجين قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أحدهم: لبثنا يوما، وقال آخر: لبثنا نحوه فقال لهم كبيرهم لا تختلفوا فإنّ الاختلاف هلكة رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ وقرأ أهل المدينة فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ فأدغم، وأدغم ابن كثير القاف في الكاف لتقاربهما، وقرأ أهل الكوفة وأبو عمرو بِوَرِقِكُمْ حذفوا الكسرة لثقلها، وحكى الفراء: أنه يقال: «بورقكم» «٥» بكسر الواو، كما يقال: كبد وفخذ، وحكى غيره: أنه يقال للورق:\nرقّة مثل عدة، وهذا على لغة من قال: ورقة فحذف الواو فقال: رقة.\nفَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ التقدير: أيّ أهلها، وروى سعيد بن جبير عن ابن\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١١٦، والبحر المحيط ٦/ ١٠٤.\n(٢) انظر تيسير الداني ١١٦، والبحر المحيط ٦/ ١٠٤. [.....]\n(٣) انظر تيسير الداني ١١٦، والبحر المحيط ٦/ ١٠٤.\n(٤) انظر البحر المحيط ٦/ ١٠٤.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ١٣٧، والبحر المحيط ٦/ ١٠٧.","vol":"2","page":291},{"text":"عباس ﵀ قال: يعني أيّها أطهر طعاما لأنهم كانوا يذبحون الخنازير فليأتكم برزق منه، ويجوز كسر اللام وهو الأصل، وكذا وليتلطّف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1690>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٠]</span>\nإِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)\nإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ.\nشرط ومجازاة أَوْ يُعِيدُوكُمْ عطف على المجازاة وفي إِذًا معنى الشرط والمجازاة أَبَدًا ظرف زمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1691>[سورة الكهف (١٨): آية ٢١]</span>\nوَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)\nإِذْ يَتَنازَعُونَ ظرف زمان والعامل فيه ليعلموا إذ بعثناهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1692>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٢]</span>\nسَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)\nسَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ على إضمار مبتدأ أي هم ثلاثة رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ مبتدأ وخبر، وكذا سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ. وفي المجيء بالواو «وثامنهم» خاصة دون ما تقدّم قولان: أحدهما أن دخولها وخروجها واحد، والآخر أنّ دخولها يدلّ على تمام القصة وانقطاع الكلام. ذكر هذا القول إبراهيم بن السريّ فيكون المعنى عليه أنّ الله جلّ وعزّ خبر بما يقولون ثم أتى بحقيقة الأمر فقال: وثامنهم كلبهم. ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ رفع بفعله أي القليل يعلمونهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1693>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٣]</span>\nوَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣)\nغَدًا ظرف زمان والأصل فيه غدو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1694>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٤]</span>\nإِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا (٢٤)\nإِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نصب على الاستثناء المنقطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1695>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٥]</span>\nوَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)\nوَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ هذه قراءة «١» أهل المدينة وأبي عمرو\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١١٦، والبحر المحيط ٦/ ١١٢.","vol":"2","page":292},{"text":"وعاصم، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ بغير تنوين. القراءة الأولى على أن سنين في موضع نصب أو خفض فالنصب على البدل من ثلاث، وقال أبو إسحاق: سنين في موضع نصب على عطف البيان والتوكيد، وقال الكسائي والفراء»\nوأبو عبيدة: التقدير ولبثوا في كهفهم سنين ثلاث مائة. قال أبو جعفر: والخفض ردّ على مائة لأنها بمعنى مئين، كما أنشد النحويون: [الكامل] ٢٧٣-\nفيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم «٢»\nفنعت حلوبة بسود لأنها بمعنى الجمع. فأما ثلاث مائة سنين فبعيد في العربية.\nيجب أن تتوقّى القراءة به لأن كلام العرب ثلاث مائة سنة فسنة بمعنى سنين فجئت به على المعنى والأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1696>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٦]</span>\nقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)\nأَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ حذف منه الإعراب لأنه على لفظ الأمر، وهو بمعنى التعجب أي ما أسمعه وما أبصره.\nوقرأ نصر بن عاصم ومالك بن دينار وأبو عبد الرحمن وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: ٥٢] وحجّتهم أنها في السواد بالواو.\nقال أبو جعفر: وهذا لا يلزم لكتبهم الصلاة والحياة بالواو، ولا تكاد العرب تقول:\nالغدوة لأنها معرفة ولا تدخل الألف واللام على معرفة، وروي عن الحسن (لا تعد عينيك) «٣» نصب بوقوع الفعل عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1697>[سورة الكهف (١٨): آية ٣٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ في خبر إنّ ثلاثة أقوال: منها أن يكون التقدير إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم حذف منهم لأن الله جلّ وعزّ أخبرنا أنه يحبط أعمال الكفار، وقيل: التقدير: إنّا لا نضيع أجرهم لأن من أحسن عملا لهم، والجواب الثالث أن يكون التقدير: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم جنات عدن وعَمَلًا نصب على البيان.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٣٨.\n(٢) الشاهد لعنترة في ديوانه ١٩٣، والحيوان ٣/ ٤٢٥، وخزانة الأدب ٧/ ٣٩٠، وشرح شذور الذهب ٣٢٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٨٧، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٣/ ٦٢٥، وشرح المفصّل ٣/ ٥٥.\n(٣) انظر المحتسب ٢/ ٢٧.","vol":"2","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1698>[سورة الكهف (١٨): آية ٣١]</span>\nأُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)\nيُحَلَّوْنَ فِيها حكى الفراء «١» يُحَلَّوْنَ فِيها يقال: حليت المرأة تحلى فهي حالية إذا لبست الحلي، ويقال: حلي الشيء يحلى. مِنْ أَساوِرَ في موضع نصب لأنه خبر ما لم يسمّ فاعله مِنْ ذَهَبٍ في موضع نصب على التمييز إلا أن الأفصح في كلام العرب إذا كان الشيء مبهما أن يؤتى بمن والقرآن إنما يأتي بأفصح اللغات فيقال: عنده جبّة من خز وجبّتان خزّا، وأساور من ذهب وسواران ذهبا. وأساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، ويقال: سوار، وحكى قطرب إسوار. قال أبو جعفر: قطرب صاحب شذوذ.\nقد تركه يعقوب وغيره، فلم يذكروه. وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ ولو كان سندسا جاز ولكنه مبهم، والفصيح أن يؤتى معه بمن كما تقدم. قال الكسائي: واحد السندس سندسة، وواحد العبقريّ عبقريّة، وواحد الرّفرف رفرفة وواحد الأرائك أريكة نِعْمَ الثَّوابُ رفع بنعم ولو كان نعمت لجاز لأنه للجنّة وهي على هذا وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1699>[سورة الكهف (١٨): آية ٣٢]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢)\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ التقدير مثلا مثل الرجلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1700>[سورة الكهف (١٨): آية ٣٣]</span>\nكِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣)\nكِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها محمول على لفظ كلتا، وأجاز النحويون في غير القرآن الحمل على المعنى، وأن تقول كلتا الجنتين آتتا أكلهما لأن المعنى الجنتان كلتاهما آتتا أكلهما، وأجاز الفراء «٢» كلتا الجنتين آتى أكله قال: لأن المعنى أكل الجنتين، أو كلّ الجنتين. وفي قراءة عبد الله كلّ الجنتين أتى أكله «٣» . والمعنى عند الفراء على هذا كلّ شيء من ثمر الجنتين آتى أكله قال: ومن العرب من يفرد واحد كلتا، وهو يريد التثنية، وأنشد: [الرجز] ٢٧٤-\nفي كلت رجليها سلامي واحده «٤»\nقال أبو جعفر: يقول الخليل وسيبويه «٥» رحمهما الله: جاءني كلا الرجلين، ورأيت كلا الرجلين، ومررت بكلا الرجلين، كلّه بألف في اللفظ، وقال غيرهما: إلّا أنه يكتب\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٤١.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٤٢.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ١١٩.\n(٤) الرجز بغير نسبة في معاني الفراء ٢/ ١٤٢.\n(٥) انظر الكتاب ١/ ٢٦٦.","vol":"2","page":294},{"text":"في موضع الخفض والنصب لأنه يقال: رأيت كليهما، ومررت بكليهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1701>[سورة الكهف (١٨): آية ٣٤]</span>\nوَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)\nوَكانَ لَهُ ثَمَرٌ قال الأخفش: وكان لأحدهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1702>[سورة الكهف (١٨): آية ٣٦]</span>\nوَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا (٣٦)\nقرأ أهل المدينة لأجدنّ خيرا مّنهما منقلبا «١» بتثنية منهما وقرأ أهل الكوفة (مِنْها) والتثنية أولى لأن الضمير أقرب إلى الجنتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1703>[سورة الكهف (١٨): آية ٣٨]</span>\nلكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)\nلكِنَّا مذهب الكسائي والفراء «٢»، والمازني أن الأصل «لكن أنا» فألقيت حركة الهمزة على نون لكن، وحذفت الهمزة، وأدغمت النون في النون. والوقف عليها لكنّا وهي ألف أنا لبيان الحركة، ومن العرب من يقول: أنه. قال أبو حاتم فرووا عن عاصم لكنّنا هو الله ربّي «٣» وزعم أن هذا لحن يعني إثبات الألف في الإدراج. قال: ومثله قراءة من قرأ كِتابِيَهْ [الحاقة: ١٩] فأثبت الهاء في الإدراج. قال أبو إسحاق: إثبات الألف في لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي في الإدراج جيد لأنه قد حذفت الألف من أنا فجاؤوا بها عوضا. قال: وفي قراءة أبيّ بن كعب لكن أنا هو الله ربّي «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1704>[سورة الكهف (١٨): آية ٣٩]</span>\nوَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا (٣٩)\nوَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ في موضع رفع والتقدير إلّا من شاء، ويجوز أيضا عند النحويين أن تكون «ما» في موضع نصب وتكون للشرط، والتقدير أيّ شيء شاء الله كان فحذف الجواب، ومثله فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ [الأنعام: ٣٥] . لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ على التجربة، ويجوز لا قوّة إلّا بالله إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا أَنَا فاصلة لا موضع لها من الإعراب، ويجوز أن يكون في موضع نصب توكيدا للنون والياء، وقرأ عيسى بن عمر إن ترني أنا أقلّ منك مالا «٥» بالرفع يجعل أنا مبتدأ وأقل خبره والجملة في موضع المفعول الثاني والمفعول الأول والنون والياء إلّا أن الياء حذفت لأن الكسرة تدلّ عليها وإثباتها جيد بالغ وهو الأصل ولأنها الاسم على الحقيقة وإنما النون جيء بها لعلّة.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١١٧.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٤٤. [.....]\n(٣) انظر تيسير الداني ١١٧.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٨٠.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ١٤٥، والبحر المحيط ٦/ ١٢٣.","vol":"2","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1705>[سورة الكهف (١٨): آية ٤١]</span>\nأَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)\nأَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا التقدير ذا غور، مثل «واسأل القرية» قال الكسائي: يقال:\nمياه غور وقد غار الماء يغور غوورا، ويجوز الهمز لانضمام الواو وغورا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1706>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٢]</span>\nوَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)\nوَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ اسم ما لم يسمّ فاعله مضمر وهو المصدر، ويجوز أن يكون المخفوض في موضع رفع فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ في موضع نصب أي منقلبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1707>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٣]</span>\nوَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)\nوَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ اسم تكن والخبر لَهُ، ويجوز أن يكون يَنْصُرُونَهُ الخبر.\nوالوجه الأول عند سيبويه أولى لأنه قد تقدّم له، وأبو العباس يخالفه ويحتج بقول الله جلّ وعزّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]، وقد أجاز سيبويه الوجه الآخر وأنشد: [الرجز] ٢٧٥-\nلتقربنّ قربا جلذيّا ... ما دام فيهنّ فصيل حيّا «١»\nوينصرونه على معنى فئة لأن معناها أقوام ولو كان على اللفظ لكان ولم تكن له فئة تنصره كما قال الله جلّ وعزّ: فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [آل عمران: ١٣] . وَما كانَ مُنْتَصِرًا أي ولم يكن يصل أيضا إلى نصر نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1708>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٤]</span>\nهُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)\nهُنالِكَ قيل: إن هذا التمام فيكون العامل فيه منتصرا. وأحسن من هذا أن يكون «هنالك» مبتدأ أي في تلك الحال تتبيّن نصرة الله جلّ وعزّ وليّه. وقرأ الكوفيون (الولاية) «٢» أي السلطان وهو بعيد جدّا. وفي «الحقّ» ثلاثة أوجه: قرأ أبو عمرو والكسائي (الحقّ) بالرفع نعتا للولاية، وقرأ أهل المدينة وحمزة الْحَقِّ بالخفض نعتا لله جلّ وعز ذي الحق. قال أبو إسحاق: ويجوز النصب على المصدر والتوكيد كما يقال: هذا لك حقا. هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا على البيان. وفي عقب ثلاثة أوجه: ضم العين\n_________\n(١) الشاهد لابن ميادة في ديوانه ٢٣٧، والكتاب ١/ ١٠٠، وخزانة الأدب ٤/ ٥٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٦٦، وشرح المفصّل ٤/ ٣٣، ولسان العرب (جلذ) وبلا نسبة في سمط اللآلي ص ٥٠١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٧٧، وشرح المفصّل ٧/ ٩٦، ولسان العرب (دوم) و(هيا)، والمقتضب ٤/ ٩١، ونوادر أبي زيد ص ١٩٤.\n(٢) انظر تيسير الداني ١١٧.","vol":"2","page":296},{"text":"والقاف، وقرأ أهل الكوفة عُقْبًا بضم العين وإسكان القاف والتنوين. قال أبو إسحاق: ويجوز عقبى مثل بشرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1709>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٥]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)\nوفي تَذْرُوهُ ثلاثة أوجه: تَذْرُوهُ قراءة العامة. قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله تذريه «١» وحكى الكسائي أيضا «تذريه» وحكى الفراء «٢»: أذريت الرجل عن البعير أي قلبته، وأنشد سيبويه والمفضل: [الطويل] ٢٧٦-\nفقلت له: صوّب ولا تجهدنّه ... فتذرك من أخرى القطاة فتزلق «٣»\nوَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا وهذا من الشكل وقد تكلّم العلماء فيه، فقال قوم: كان بمعنى يكون، وقال آخرون: كان بمعنى ما زال. قال أبو جعفر: ورأيت أبا إسحاق ينكر أن يكون الماضي بمعنى المستقبل إلّا بحرف يدلّ على ذلك. قال: وإنما خوطبت العرب على ما تعرف ولا تعرف في كلامها هذا وأحسن ما قيل في هذا قول سيبويه.\nقال: عاين القوم قدرة الله جلّ وعزّ فقيل لهم هكذا كان أي لم يزل مقتدرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1710>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٧ الى ٤٩]</span>\nوَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)\nوَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ أي واذكر. قال بعض النحويين: التقدير: والباقيات الصالحات خير يوم نسيّر الجبال. قال أبو جعفر: وهو غلط من أجل الواو. وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً على الحال، وكذا عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا\nوكذا لا يُغادِرُ في موضع الحال، وكذا حاضِرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1711>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٠]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)\nفَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ استثناء، وزعم أبو إسحاق أنه استثناء ليس من الأول لأنّ\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٤٦، والبحر المحيط ٦/ ١٢٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٤٦، والبحر المحيط ٦/ ١٢٤.\n(٣) الشاهد لعمرو بن عمّار الطائي في الكتاب ٣/ ١١٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٦٢، (فيدنك)، ولامرئ القيس في ديوانه ١٧٤، ولسان العرب (ذرا)، والمحتسب ٢/ ١٨١، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٨/ ٥٢٦، ومجالس ثعلب ٢/ ٤٣٦، والمقتضب ٢/ ٢٣.","vol":"2","page":297},{"text":"إبليس لم يكن من الملائكة ولكنه أمر بالسجود معهم فاستثني منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1712>[سورة الكهف (١٨): آية ٥١]</span>\nما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)\nقال أبو جعفر: وقرأ أبو جعفر والجحدري وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا بفتح التاء. وفي عضد ستة أوجه: أفصحها «عضد» ولغة بني تميم «عضد» «١» وروي عن الحسن أنه قرأ (عضدا) «٢» بضم العين والضاد، وحكى هارون القارئ «عضد» . قال أبو إسحاق: ويجوز «عضد» واللغة السادسة «عضد» على لغة من قال: فخذ، وكتف، وقيل: إن الضمير الذي في ما أَشْهَدْتُهُمْ يعود على إبليس وذرّيته، والمعنى: ما أشهدت إبليس وذرّيته خلق السموات والأرض لأستعين بهم ولا أشهدتهم خلق أنفسهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1713>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٢]</span>\nوَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)\nوَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أي الذين جعلتموهم شركاء في الألوهة والعبادة فنادوهم ليخلّصوكم مما أنتم فيه من العذاب ويجازوكم على عبادتكم إياهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1714>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٣]</span>\nوَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا (٥٣)\nوَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ الأصل رأى قلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ولهذا زعم الكوفيون أن رأى يكتب بالياء واتّبعهم على هذا بعض البصريين، فأما البصريون الحذاق، منهم: محمد بن يزيد فإنّ هذا كلّه يكتب عندهم بالألف. قال أبو جعفر:\nوسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: لا يجوز أن يكتب مضى ورمى وكلّ ما كان من ذوات الياء إلّا بالألف، ولا فرق بين ذوات الياء وذوات الواو في الخطّ كما أنه لا فرق بينهما في اللفظ، وإنما الكتاب نقل ما في اللفظ كما أن ما في اللفظ نقل ما في القلب، ومن كتب ذوات شيئا من هذا بالياء فقد أشكل وجاء بما لا يجوز، ولو وجب أن تكتب ذوات الياء بالياء لوجب أن تكتب ذوات الواو بالواو، وهم مع هذا يناقضون فيكتبون، رمى بالياء ورماه بالألف فإن كانت العلّة أنه من ذوات الياء وجب أن يكتبوا رماه بالياء ثم يكتبون ضحا وكسا جمع كسوة وهما من ذوات الواو بالياء. وهذا لا يحصّل ولا يثبت على أصل. قال: فقلت لمحمد بن يزيد: فما بال الكتّاب وأكثر الناس قد اتّبعوهم على هذا الخطأ البيّن؟ قال: الأصل في هذا من الأخفش سعيد لأنه كان رجلا محتالا للتكسّب، فاحتال بهذا وهو الكسائي فهذا هو\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ١٣٠، ومختصر ابن خالويه ٨٠.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٨٠.","vol":"2","page":298},{"text":"الأصل فيه. وحكى سيبويه أنه يقال راء يا هذا، على القلب. وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا ويجوز مصرفا على أنه مصدر، وكسر الراء على أنه اسم للموضع، والمعنى ولم يجدوا موضعا يتهيّأ لهم الانصراف إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1715>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٥]</span>\nوَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥)\nأَنْ الأولى في موضع نصب والثانية في موضع رفع، وسنة الأولين الاستئصال. أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا «١» على الحال، ومذهب الفراء أن قبلا قبيل أي متفرقا يتلو بعضه بعضا، ويجوز عنده أن يكون المعنى عيانا، قال الأعرج: وكانت قراءته (قبلا) معناه جميعا. قال أبو عمرو: وكانت قراءته (قبلا) «٢» معناه عيانا. قال أبو جعفر: وهذا من المجاز لمّا كانوا قد جاءتهم البراهين وما ينبغي أن يؤمنوا به وما ينبغي أن يقبلوه كانوا بمنزلة من منعه أن يؤمن أحد هذين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1716>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٦]</span>\nوَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)\nوَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1717>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٧]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)\nوَمَنْ أَظْلَمُ أي لنفسه مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها أي عن قبولها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ترك كفره ومعاصيه فلم يتب منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1718>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٩]</span>\nوَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)\nوَتِلْكَ في موضع رفع بالابتداء والْقُرى نعت أو بدل أَهْلَكْناهُمْ في موضع الخبر محمول على المعنى لأن المعنى أهل القرى، ويجوز أن يكون تلك في موضع نصب على قول من قال: زيدا ضربته وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا «٣» قيل:\nالمعنى أنه قيل لهم: إن لم يؤمنوا أهلكتهم وقت كذا ومهلك من أهلكوا، وقرأ عاصم (مهلكا) «٤» بفتح الميم واللام، وهو مصدر هلك، وأجاز الكسائي والفراء لِمَهْلِكِهِمْ\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٤٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ١٣٢.\n(٣) انظر تيسير الداني ١١٧.\n(٤) انظر تيسير الداني ١١٧. [.....]","vol":"2","page":299},{"text":"بفتح الميم وكسر اللام. قال الكسائي: هو أحبّ إليّ لأنه من يهلك. قال أبو إسحاق:\nمهلك اسم للزمان، والتقدير لوقت مهلكهم كما يقال: أتت الناقة على مضربها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1719>[سورة الكهف (١٨): آية ٦٠]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ وهو يوشع بن نون. قال الفراء: كلّ من أخذ عن أحد وتعلّم منه فهو فتاه وإن كان شيخا شبّه بالعبد، أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ظرف. قال الفراء «١»:\nالحقب في لغة قيس سنة، وفي التفسير أنه ثمانون سنة. قال أبو جعفر: حقيقة الحقب وقت من الزمان مبهم يكون لتمييز سنة أو أقلّ أو أكثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1720>[سورة الكهف (١٨): آية ٦١]</span>\nفَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)\nفَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا مصدر دلّ عليه «اتّخذ» كما تقول: هو يدعه تركا.\nويجوز أن يكون مفعولا ثانيا، كما يقال: اتّخذت زيدا وكيلا، ومثله اتّخذت مكان كذا وكذا طريقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1721>[سورة الكهف (١٨): آية ٦٢]</span>\nفَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا (٦٢)\nفَلَمَّا جاوَزا التقدير فلمّا جاوزا مجمع البحرين، وحذف المفعول. قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا مفعولان. لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا أي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1722>[سورة الكهف (١٨): آية ٦٣]</span>\nقالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)\nفَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ قيل: المعنى نسيت أن أذكر لك خبر الحوت فإنّه حيي ثم انساب في البحر ونسي هذه الآية العظيمة لأن الآيات كانت كبيرة في ذلك الوقت.\nوَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ ويجوز ضم «٢» الهاء على الأصل، وإثبات الواو جائز، وكذا إثبات الياء إذا كسرت أَنْ أَذْكُرَهُ في موضع نصب على البدل من الهاء بدل الاشتمال، والتقدير وما أنساني أن أذكره إلّا الشيطان أي إن الشيطان وسوس إليه وشغل قلبه حتى نسي فنسب النسيان إلى الشيطان مجازا. وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا «٣» قال أبو إسحاق:\nفيه وجهان: يكون يوشع ﷺ قال: واتّخذ سبيله في البحر عجبا، والوجه الآخر أن يكون يوشع ﵇ قال: واتّخذ سبيله في البحر عجبا فقال موسى ﷺ عجبا أي أعجب عجبا. قال: وفيه وجه ثالث هو أولى مما قال أبو إسحاق، وهو أن أحمد بن\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٥٢، والبحر المحيط ٦/ ١٣٤.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ١٣٨.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ١٣٨.","vol":"2","page":300},{"text":"يحيى، قال: المعنى: واتّخذ موسى سبيل الحوت في البحر فعجب عجبا. قال أبو جعفر: وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: موسى ﷺ تتبّع أثر الحوت وتنظّر إلى دورانه في الماء وتعجّب من تغيّبه فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1723>[سورة الكهف (١٨): آية ٦٤]</span>\nقالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤)\nقالَ ذلِكَ مبتدأ ما كُنَّا نَبْغِ خبره وحذفت الياء لأنه تمام الكلام فأشبه رؤوس الآيات فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا أي رجعا في الطريق الذي جاءا منه يقصّان الأثر قصصا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1724>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nفَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)\nفَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ يكون نعتا، ويكون مستأنفا. وَعَلَّمْناهُ معطوف عليه. مِنْ لَدُنَّا مبنية لأنها لا تتمكن عِلْمًا مفعول ثان. وقرأ أهل المدينة وأهل الكوفة رُشْدًا «١» وقرأ أبو عمرو (رشدا) «٢» وهما لغتان بمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1725>[سورة الكهف (١٨): آية ٦٨]</span>\nوَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)\nمصدر لأن معنى أحطت به وخبرته واحد، ومثله: [الطويل] ٢٧٧-\nفسرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال «٣»\nلأن معنى رضت أذللت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1726>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٠]</span>\nقالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)\nقالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ أي إن رأيت شيئا تنكره فلا تعجلنّ بسؤالي عنه حتّى أذكره لك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1727>[سورة الكهف (١٨): آية ٧١]</span>\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)\nقالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما ليغرق أهلها «٤» والمعنى واحد. لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قيل: إنما قال له موسى ﷺ هذا لأنه لم يعلم أنه نبيّ وأنّ هذا بوحي. وقيل: لا يجوز أن يكون موسى ﷺ صحبه على أن يتعلم منه إلّا وهو نبيّ لأن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يتعلمون إلّا من الملائكة أو النبيين ﷺ، وإنما\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١١٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ١٤٠، وتيسير الداني ١١٧.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (٧٨) .\n(٤) انظر تيسير الداني ١١٨.","vol":"2","page":301},{"text":"قيل: لقد جئت شيئا إمرا ونكرا أي هو في الظاهر منكر حتّى نعلم الحكمة فيه.\nشَيْئًا منصوب على أنه مفعول به أي أتيت شيئا، ويجوز أن يكون التقدير: جئت بشيء إمر ثم حذفت الباء فتعدّى الفعل فنصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1728>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٣]</span>\nقالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)\nقالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ في معناه قولان: أحدهما روي عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: هذا من معاريض الكلام والآخر أنه نسي فاعتذر ولم ينس في الثانية ولو نسي لاعتذر وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا مفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1729>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٤]</span>\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو «١» وقرأ الكوفيون زَكِيَّةً فزعم أبو عمرو أن زاكية هاهنا أولى لأن الزاكية التي لا ذنب لها: وكان الذي قتله الخضر صلّى الله عليه طفلا، وخالفه في هذا أكثر الناس فقال الكسائي والفراء»\n: زاكية واحد، وقال غيرهما: لو كان الأمر على ما قال لكان زكيّة أولى لأن فعيلا أبلغ من فاعل، ولم يصحّ أنّ الذي قتله الخضر كان طفلا بل ظاهر القرآن يدلّ على أنه كان بالغا. يدلّ على ذلك «بغير نفس» فهذا يدلّ على أن قتله بنفسه جائز، وهذا لا يكون لطفل، ولا يقع القود إلا بعد البلوغ نُكْرًا الأصل ومن قال «نكرا» حذفت الضمة لثقلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1730>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٦]</span>\nقالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)\nقالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي بعد هذه المسألة قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا أي من قبلي قد عذرتك مدافعتي عن صحبتك، وهذه قراءة «٣» أبي عمرو والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ أهل المدينة (من لدني) «٤» بتخفيف النون. والقراءة الأولى أولى في العربية وأقيس لأن الأصل «لدن» بإسكان النون ثم تزيد عليها ياء لتضيفها إلى نفسك ثم تزيد نونا ليسلم سكون نون لدن، كما نقول: عنّي ومنّي فكما لا تقول عني يجب ألّا تقول: لدني، والحجّة في جوازه على ما حكي عن محمد بن يزيد أنّ النون حذفت كما قرأ أهل المدينة فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: ٥٤] بكسر النون. وأحسن من هذا القول ما\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١١٨، والبحر المحيط ٦/ ١٤٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٥٥.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ١٤٢، وتيسير الداني ١١٨.\n(٤) انظر البحر المحيط ٦/ ١٤٢، وتيسير الداني ١١٨.","vol":"2","page":302},{"text":"ذهب إليه أبو إسحاق قال: «لدن» اسم و«عن» حرف والحذف في الأسماء جائز كما قال: [الراجز] ٢٧٨-\nقدني من نصر الخبيبين قدي «١»\nفجاء باللغتين جميعا. قال: وأيضا فإن لدن أثقل من عن ومن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1731>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٧]</span>\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)\nوقرأ أبو رجاء العطاردي «٢» فأبوا أن يضيفوهما مخففا. يقال: أضفته وضيّفته أي أنزلته ضيفا وضفته أي مالت نزلت به. وهو مشتق من ضاف السّهم أي مال، وضافت الشمس أي مالت للغروب. وهو مخفوض بالإضافة أي بالإضافة الاسم إليه.\nوروي عن أبي عمرو ومجاهد لتخذت «٣» يقال: تخذ يتخذ واتّخذ افتعل منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1732>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٨]</span>\nقالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)\nقالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ تكرير «بين» عند سيبويه على التوكيد أي هذا فراق بيننا أي تواصلنا. قال سيبويه: ومثله أخزى الله الكاذب منّي ومنك أي منّا، وأجاز الفراء قال: هذا فراق بيني وبينك، على الظرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1733>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٩]</span>\nأَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)\nأَمَّا السَّفِينَةُ مبتدأ والخبر فَكانَتْ لِمَساكِينَ ولم ينصرف مساكين لأنه جمع لا نظير له في الواحد. وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ أكثر أهل التفسير يقول: وراء بمعنى أمام. قال أبو إسحاق: وهذا جائز لأن وراء مشتقّة من توارى، فما توارى عنك فهو وراءك كان أمامك أم خلفك فيجب على قول أبي إسحاق أن يكون وراء ليس من ذوات الهمزة وأن\n_________\n(١) الشاهد لحميد بن مالك الأرقط في خزانة الأدب ٥/ ٣٨٢، والدرر ١/ ٢٠٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٨٧، ولسان العرب (خبب)، والمقاصد النحوية ١/ ٣٥٧، ولحميد بن ثور في لسان العرب (لحد) وليس في ديوانه، ولأبي بحدلة في شرح المفصّل ٣/ ١٢٤، وبلا نسبة في الكتاب ٢/ ٣٩٣، والأشباه والنظائر ٤/ ٢٤١، وتخليص الشواهد ١٠٨، والجنى الداني ٢٥٣، وخزانة الأدب ٦/ ٢٤٦، ورصف المباني ٣٦٢، وشرح ابن عقيل ٦٤، ومغني اللبيب ١/ ١٧٠، ونوادر أبي زيد ٢٠٥، وبعده:\n«ليس الإمام بالشحيح الملحد»\n(٢) وهذه قراءة ابن الزبير والحسن وأبي رزين وابن محيصن وعاصم أيضا، انظر البحر المحيط ٦/ ١٤٣.\n(٣) انظر تيسير الداني ١١٨، وهي قراءة ابن كثير أيضا. [.....]","vol":"2","page":303},{"text":"يقال في تصغيره: وريئة وزعم الفراء «١» أنه لا يقال لرجل أمامك: هو وراءك، ولا لرجل خلفك: هو بين يديك، وإنما يقال ذلك في المواقيت من الليل والنهار والدهر.\nيقال: بين يديك برد، وإن كان لم يأتك، ووراءك برد، وإن كان بين يديك لأنه إذا لحقك صار وراءك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1734>[سورة الكهف (١٨): آية ٨٠]</span>\nوَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا (٨٠)\nوَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ويجوز عند سيبويه في غير القرآن مؤمنان على أن نضمر في كان و(أبواه مؤمنان) ابتداء وخبر في موضع خبر كان، وحكى سيبويه «كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصّرانه» «٢» فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا أي تجاوزا فيما لا يجب. وعلم الله ﷿ هذا منه إن أبقاه فأمر بفعل الأصلح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1735>[سورة الكهف (١٨): آية ٨١]</span>\nفَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)\nخَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا أكثر أهل التفسير يقول: الزكاة الدين، والرحم:\nالمودة. قال أبو جعفر: وليس هذا بخارج من اللغة لأن الزكاة مشتقة من الزكاء وهو النماء والزيادة، والرحم من الرّحمة كما قال: [الراجز] ٢٧٩-\nيا منزل الرّحم على إدريس ... ومنزل اللّعن على إبليس «٣»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1736>[سورة الكهف (١٨): آية ٨٢]</span>\nوَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)\nرَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ مفعول من أجله، ويجوز أن يكون مصدرا. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ نذكره في العشر الذي بعد هذا لأنه أولى به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1737>[سورة الكهف (١٨): آية ٨٥]</span>\nفَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)\nفَأَتْبَعَ سَبَبًا «٤» أي من الأسباب التي أوتيها، وهذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو.\nوقراءة الكوفيين (فأتبع) جعلوها ألف قطع، وهذه القراءة اختيار أبي عبيد لأنها من\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٥٧.\n(٢) مرّ تخريج الحديث في حواشي تفسير الآية ٥٨- سورة النحل.\n(٣) الشاهد لرؤبة بن العجاج في اللسان (رحم) .\n(٤) انظر البحر المحيط ٦/ ١٥١.","vol":"2","page":304},{"text":"السير. وحكى هو والأصمعي أنه يقال: تبعه واتّبعه إذا سار ولم يلحقه وأتبعه إذا لحقته. قال أبو عبيد: ومثله فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء: ٦٠] . قال أبو جعفر:\nوهذا التفريق، وإن كان الأصمعي قد حكاه، لا يقبل إلّا بعلّة أو دليل، وقوله ﷿ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ليس في الحديث أنه لحقوهم، وإنما الحديث لمّا خرج موسى ﷺ وأصحابه من البحر وحصل فرعون وأصحابه انطبق عليهم البحر، والحقّ في هذا أنّ تبع واتبع واتّبع لغات بمعنى واحد، وهي بمعنى السير، فقد يجوز أن يكون معه لحاق وأن لا يكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1738>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nحَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا (٨٧)\nوَجَدَها تَغْرُبُ في موضع الحال فِي عَيْنٍ والحمأة الطين المتغير اللون والرائحة. وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول أبي إسحاق أنّ المعنى أنّ الله جلّ وعزّ خيّره بين هذين الحكمين وردّ عليّ بن سليمان عليه قوله جلّ وعزّ خيّره لم يصح أن ذا القرنين نبيّ فيخاطب بهذا، وكيف يقول لربه جلّ وعزّ: ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ وكيف يقول: فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ فيخاطب بالنون. قال: والتقدير: قلنا يا محمد قالوا يا ذا القرنين. قال أبو جعفر: هذا الذي قاله أبو الحسن لا يلزم منه شيء أما قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ فيجوز أن يكون الله جلّ وعزّ خاطبه على لسان نبي في وقته، ويجوز أن يكون قال له هذا كما قال فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: ٤]، وأما إشكال فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فإن تقديره أن الله جلّ وعزّ لما خيّره بين القتل في قوله إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وبين الاستبقاء في قوله جلّ وعزّ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا\nقالَ لأولئك القوم. أَمَّا مَنْ ظَلَمَ أي أقام على الكفر منكم فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ أي بالقتل ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ أي يوم القيامة فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا أي شديدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1739>[سورة الكهف (١٨): آية ٨٨]</span>\nوَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا (٨٨)\nوَأَمَّا مَنْ آمَنَ أي تاب من الكفر. وَعَمِلَ صالِحًا قال أحمد بن يحيى: «أن» في موضع نصب في إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا قال ولو رفعه كان صوابا بمعنى فإمّا هو، كما قال: [الطويل] ٢٨٠-\nفسيرا فإمّا حاجة تقضيانها ... وإمّا مقيل صالح وصديق «١»\nفَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى «٢» قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وقرأ سائر\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في تفسير الطبري ١٦/ ١٨٥، ومعاني الفراء ٢/ ١٥٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ١٥٢، ومعاني الفراء ٢/ ١٥٩، وتيسير الداني ١١٨.","vol":"2","page":305},{"text":"الكوفيين فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وقرأ ابن أبي إسحاق فله جزاء حسنى وعن ابن عباس ومسروق فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى منصوبا غير منون. قال أبو جعفر: القراءة الأولى فيها تقديران: أحدهما أن يكون «جزاء» رفعا بالابتداء أو بالاستقرار و«الحسنى» في موضع خفض بالإضافة ويحذف التنوين للإضافة، والتقدير الآخر أن يحذف التنوين لالتقاء الساكنين ويكون «الحسنى» في موضع رفع على البدل عند البصريين والترجمة عند الكوفيين وعلى هذا الوجه القراءة الثانية إلا أنك لم تحذف التنوين، وهو أجود.\nوالقراءة الثالثة فيها ثلاثة أقوال: قال الفراء: جزاء منصوب على التمييز، والقول الثاني أن يكون مصدرا، وقال أبو إسحاق: هو مصدر في موضع الحال أي مجزيّا بها جزاء، والقراءة الرابعة عند أبي حاتم على حذف التنوين وهي كالثانية وهذا عند غيره خطأ لأنه ليس موضع حذف تنوين لالتقاء الساكنين، فيكون تقديره: فله الثواب جزاء الحسنى وعندها عند العين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1740>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٩ الى ٩٠]</span>\nثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا (٩٠)\nثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ويقال مطلع وهو القياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1741>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩١ الى ٩٢]</span>\nكَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)\nكَذلِكَ بمعنى الأمر كذلك ويجوز أن تكون الكاف في موضع نصب أي تطلع طلوعا كذلك. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ «١» قراءة أهل المدينة وعاصم، وقرأ أهل مكة وأبو عمرو بَيْنَ السَّدَّيْنِ والذي بعده كذلك، وقرأ الكوفيون إلّا عاصما بضمّ هذا وفتح الذي بعده، وتكلّم الناس في السّدّ والسّدّ. فقال عكرمة: كلّ ما كان من صنع الله جل وعز فهو سدّ بالضم، وما كان من صنعة بني آدم فهو سدّ بالفتح، وقال أبو عمرو بن العلاء: السدّ بالفتح هو الحاجز بينك وبين الشيء، والسدّ بالضم ما كان من غشاوة في العين، وقال عبد الله بن أبي إسحاق: السدّ بالفتح ما لم يره عيناك، والسدّ بالضّم ما رأته عيناك. قال أبو جعفر: هذه التفريقات لا تقبل إلا بحجّة ودليل، ولا سيما وقد قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد. ووقع هذا الاختلاف بلا دليل ولا حجّة. والحقّ في هذا ما حكي عن محمد بن يزيد قال: السدّ المصدر، وهذا قول الخليل وسيبويه، والسدّ الاسم. فإذا كان على هذا كانت القراءة بالضم أولى لأن المقصود الاسم لا المصدر. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وقرأ سائر الكوفيون يَفْقَهُونَ قَوْلًا «٢» بضم الياء، وهو\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١١٨.\n(٢) انظر تيسير الداني ١١٨، والبحر المحيط ٦/ ١٥٤.","vol":"2","page":306},{"text":"على حذف المفعول أي لا يكادون يفقهون أحدا قولا، والأول بغير حذف، وعلى القراءتين يكون المعنى أنهم لا يفقهون ولا يفقهون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1742>[سورة الكهف (١٨): آية ٩٤]</span>\nقالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)\nقالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ بلغتهم أو بإيماء إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ «١» وقرأ عاصم والأعرج إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ «٢» بالهمز جعلهما مشتقّين من أجيج النار عند الكسائي، ويكونان عربيّين ولم يصرفا جعلا اسمين لقبيلتين. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وقرأ سائر الكوفيين خراجا «٣» ومحمد بن يزيد يذهب إلى أن الخرج: المصدر، والخراج: الاسم، وأن معنى استخرجت الخراج أظهرته، ويوم الخروج يوم الظهور عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قد ذكرناه «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1743>[سورة الكهف (١٨): آية ٩٥]</span>\nقالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)\nقالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ مبتدأ وخبره أي الّذي مكّنّي فيه ربّي من الأسباب التي أوتيتها خير من الخراج الذي تجعلونه لي، وقرأ مجاهد وابن كثير قال ما مكّنني «٥» فلم يدغم لأن النون الأولى من الفعل والثانية ليست منه، والإدغام حسن لاجتماع حرفين من جنس واحد أَجْعَلْ جزم لأنه جواب الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1744>[سورة الكهف (١٨): آية ٩٦]</span>\nآتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)\nقال الفراء: ساوى وسوّى واحد. قال أبو إسحاق: الصّدفان والصّدفان ناحيتا الجبل. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو والكسائي قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا «٦» بمعنى أعطوني قطرا أفرغ، وقراءة الكوفيين «ايتوني» بمعنى جيئوني معينين. آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا نصب في هذه القراءة بأفرغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1745>[سورة الكهف (١٨): آية ٩٧]</span>\nفَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)\nفَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ حكى أبو عبيد أن حمزة كان يدغم التاء في الطاء ويشدد\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١١٨.\n(٢) انظر تيسير الداني ١١٨.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ١٥٤.\n(٤) مرّ في إعراب الآية ٩٣- الكهف.\n(٥) انظر البحر المحيط ٦/ ١٥٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٠٠.\n(٦) انظر البحر المحيط ٦/ ١٥٥. [.....]","vol":"2","page":307},{"text":"الطاء. قال أبو جعفر: وهذا الذي حكاه أبو عبيد لا يقدر أحد أن ينطق به لأن السين ساكنة والطاء المدغمة ساكنة قال سيبويه «١» هذا محال، إدغام التاء فيما بعدها، ولا يجوز تحريك السين لأنها مبنية على السكون. وفيه أربع لغات حكاها سيبويه والأصمعي والأخفش يقال: استطاع يستطيع، واسطاع يسطيع فيحذف التاء لأنها من مخرج الطاء، ويقال: استاع يستيع فتحذف الطاء، واللغة الرابعة أسطاع يسطيع بقطع وضم أول الفعل المستقبل، وأصله عند سيبويه «٢» أطاع يطيع فجاؤوا بالسين عوضا من ذهاب حركة العين، وحكى الكسائي: أنت تستطيع بكسر التاء الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1746>[سورة الكهف (١٨): آية ٩٨]</span>\nقالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)\nقالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي أي هذا الفعل نعمة من الله ﷿، والرحمة من الله جلّ وعزّ هي النعمة والإحسان. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي أي الوقت الذي وعد فيه أن يأجوج ومأجوج يخرجون جَعَلَهُ دَكَّاءَ بمعنى بقعة دكّاء وأرضا دكّاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1747>[سورة الكهف (١٨): آية ٩٩]</span>\nوَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا (٩٩)\nوَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ أي خلّيناهم ولم يمنعهم حتّى ماجوا مع الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1748>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٠]</span>\nوَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)\nوَعَرَضْنا جَهَنَّمَ أي أخرجناها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1749>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠١]</span>\nالَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)\nالَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ في موضع خفض على النعت للكافرين فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي أي هم بمنزلة من عينه مغطّاة فلا ينظر إلى دلائل الله جلّ وعزّ ولا يسمع وعظه. وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا أي ذلك ثقيل عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1750>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٢]</span>\nأَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)\nأَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ أبو إسحاق يقدره بمعنى أفحسبوا أن ينفعهم ذلك، وقال غيره: في الكلام حذف، والمعنى: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ولا أعاقبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1751>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٣]</span>\nقُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣)\nقُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ فخالف حمزة في هذا، وقراءة حمزة أصوب وأولى في هذا، وهذا\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٦٠٤.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٦١٣.","vol":"2","page":308},{"text":"قول سيبويه «١» لأنه يستبعد أن تدغم اللام في النون، واعتلّ في ذلك بما يستجاد ويستحسن، قال: لأنه لا تدغم في النون واللام فاستوحشوا من إدغامها فيها، وذلك جائز على بعد عنده لقرب المخرجين. بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا نصب على التمييز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1752>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٤]</span>\nالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)\nالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في موضع خفض على النعت للأخسرين، ويجوز أن يكون في موضع رفع بمعنى هم، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى أعني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1753>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٩]</span>\nقُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)\nقُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي قيل المعنى لما يقدر أن يتكلّم به والله ﷿ أعلم بما أراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1754>[سورة الكهف (١٨): آية ١١٠]</span>\nقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)\nقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي لست أقدر على أن أكرهكم ولا أن أجبركم على ما أدعوكم إليه، قال أبو إسحاق: يقال حال من المكان يحول حولا إذا تحوّل منه ومثله من المصادر عظم عظما وصغر صغرا. فَلْيَعْمَلْ والأصل فليعمل حذفت الكسرة لثقلها ولأن اللام قد اتصلت بالفاء وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا روي عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في المشركين خاصة. قال أبو جعفر: والتقدير على هذا القول: ولا يشرك بالله جلّ وعزّ أحدا فيعبده معه.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٥٩٠.","vol":"2","page":309},{"text":"الجزء الثالث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1755>١٩ شرح إعراب سورة مريم</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1756>[سورة مريم (١٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nكهيعص (١)\nقال أبو جعفر: لا اختلاف في إسكانها. قال أبو إسحاق: أسكنت لأنها حروف تهجّ النيّة فيها الوقف. قرأ أهل المدينة بين التفخيم والإمالة، وروى محمّد بن سعدان عن أبي محمد عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ كهيعص «١» الياء ممالة والهاء بين التفخيم والإمالة والصاد مدغمة، وحكى أبو عبيد أنّ حمزة كان يميل الياء ويفخم الهاء، وأن عاصما والكسائي كانا يكسران الهاء والياء، وحكى خارجة أن الحسن كان يضمّ كاف، وحكى غيره أنه كان يضم «ها»، وحكى إسماعيل بن إسحاق أن الحسن كان يضمّ يا، قال أبو حاتم لا يجوز ضم الكاف ولا الهاء ولا الياء. قال أبو جعفر:\nقراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا والإمالة جائزة في «ها» وفي «يا» وما أشبههما نحو با وتا وثا إذا قصرت، وهذا قول الخليل وسيبويه «٢» . قال: وحكى لي علي بن سليمان أنّ البصريين ينفردون بالكلام في الإمالة، وأن الكوفيين لم يذكروا ذلك كما ذكروا غيره من النحو وإنما جازت الإمالة عند سيبويه والخليل «٣» فيما ذكرناه لأنها أسماء ما يكتب ففرقوا بينها وبين الحروف، نحو «لا» و«ما»، ومن أمال منها شيئا فهو مخطئ، وكذلك «ما» التي بمعنى الذي، ولا يجيز أن تمال «حتّى» ولا «إلّا» التي للاستثناء لأنهما حرفان وإن سمّيت بهما جازت الإمالة، وأجازا «أنّى» لأنها اسم ظرف كأين وكيف، ولا يجوز إمالة كاف لأن الألف متوسطة. فأما قراءة الحسن فقد أشكلت على جماعة حتّى قالوا: لا تجوز، منهم أبو حاتم. والقول فيها ما بينه هارون القارئ.\nقال: كان الحسن يشمّ الرفع فمعنى هذا أنه كان يومئ، كما حكى سيبويه أن من العرب من يقول: الصلاة والزكاة يومئ إلى الواو، ولهذا كتبت في المصاحف بالواو.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٢٠.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٢٤٨.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٢٤٨.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1757>[سورة مريم (١٩): آية ٢]</span>\nذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)\nذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ في رفعه ثلاثة أقوال: قال الفراء «١»: وهو مرفوع بكهيعص. قال أبو إسحاق: هذا محال لأن «كهيعص» ليس هو مما أنبأنا الله جلّ وعزّ به عن زكرياء، وقد خبّر الله جلّ وعزّ عنه وعما بشّره به وليس «كهيعص» من قصّته. قال الأخفش:\nالتقدير: فيما نقص عليكم ذكر رحمة ربك، والقول الثالث أن المعنى: هذا الذي نتلوه عليكم ذكر رحمة ربك عبده، ورحمة بالهاء تكتب، ويوقف عليها، وكذلك كلّ ما كان مثلها. لا نعلم بين النحويين اختلافا في ذلك إذا لم يكن في شعر بل قد اعتلّوا في ذلك أن هذه الهاء لتأنيث الأسماء وفرقوا بينها وبين الأفعال.\nقال الأخفش: عَبْدَهُ منصوب برحمة. زَكَرِيَّا «٢» بدل منه ولم ينصرف لأن فيه ألف تأنيث. هذا فيمن جعله مشتقا عربيا، ولا يصرفه في معرفة ولا نكرة، ومن جعله عجميا صرفه في النكرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1758>[سورة مريم (١٩): آية ٣]</span>\nإِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣)\nإِذْ في موضع نصب على الظرف. نادى رَبَّهُ نِداءً مصدر مؤكّد خَفِيًّا من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1759>[سورة مريم (١٩): آية ٤]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)\nقالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي والمستقبل يهن أصله يوهن حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة. وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا في نصبه قولان: أحدهما أنه مصدر، لأن معنى اشتعل شاب، وهذا قول الأخفش سعيد. قال أبو إسحاق: هو منصوب على التمييز، وقول الأخفش أولى لأنه مشتقّ من فعل، والمصدر أولى به. وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا خبر أكن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1760>[سورة مريم (١٩): آية ٥]</span>\nوَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)\nوَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي نصب بخفت وحركت الياء في موضع النصب لخفته وأسكنتها في موضع الرفع والخفض لثقلهما، كما روي عن عثمان ﵁ أنه قرأ خفّت الموالي من ورائي «٣» وهذه قراءة شاذّة وإنما رواها كعب مولى سعيد بن العاص عن سعيد عن عثمان، وهي بعيدة جدا، وقد زعم بعض العلماء أنها لا تجوز.\nقال: كيف يقول: خفّت الموالي من بعد موتي وهو حيّ؟ والتأويل لها أن لا يعني بقوله\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٦١.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٢٠\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٨٣، والبحر المحيط ٦/ ١٦٥ وهي قراءة زيد بن ثابت وابن عباس، وسعيد ابن العاص وابن يعمر وابن جبير وعلي بن الحسين وغيرهم.","vol":"3","page":4},{"text":"من ورائي من بعد موتي ولكن من ورائي في ذلك الوقت، وهذا أيضا بعيد يحتاج إلى دليل أنّهم خفّوا في ذلك الوقت وقلّوا، وقد أخبر الله ﷿ عنهم بما يدلّ على الكثرة حين قالوا: أيّهم يكفل مريم؟ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا أي لا تلد كأنّ بها عقرا.\nوالفعل منه عقرت مسموع من العرب، والقياس عقرت. فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا والمستقبل يهب، والأصل يوهب بكسر الهاء، ومن قال: الأصل يوهب بفتح الهاء فقد أخطأ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو وكما لم تحذف في يوجل، وإنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ثم فتح بعد حذفها لأن فيه حرفا من حروف الحلق.\nوقرأ أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ «١» برفعهما، وقرأ يحيى بن يعمر وأبو عمرو ويحيى بن وثاب والأعمش والكسائي يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ «٢» بالجزم فيهما. قال أبو جعفر: القراءة الأولى بالرفع أولى في العربية وأحسن، والحجّة في ذلك ما قاله أبو عبيد فإن حجّته حسنة. قال: المعنى:\nفهب لي من لدنك الوليّ الذي هذه حاله وصفته لأن الأولياء منهم من لا يرث، فقال:\nهب الّذي يكون وارثي، وردّ الجزم لأن معناه إن وهبته لي ورثني، فكيف يخبر الله جلّ وعزّ بهذا وهو أعلم به منه؟ وهذه حجة مقتضاة لأن جواب الأمر عند النحويين فيه معنى الشرط والمجازاة. تقول: أطع الله جلّ وعزّ يدخلك الجنة والمعنى: إن تطعه يدخلك الجنة. فأما معنى يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة:\nقيل: هي وراثة نبوّة، وقيل: هي وراثة حكمة، وقيل: هي وراثة مال. فأما قولهم وراثة نبوة محال لأن النبوة لا تورث، ولو كانت تورث لقال قائل: الناس كلّهم ينسبون إلى نوح ﷺ، وهو نبيّ مرسل. ووراثة الحكمة والعلم مذهب حسن. وفي الحديث «العلماء ورثة الأنبياء» «٣» وأما وراثة المال فلا يمتنع وإن كان قوم قد أنكروه لقول النبيّ ﷺ: «لا نورث ما تركنا صدقة» «٤» فهذا لا حجّة فيه لأن الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجميع وقد يؤول هذا بمعنى لا نورث الذي تركناه صدقة لأن النبيّ ﷺ لم يخلف شيئا يورث عنه، وإنما كان الذي له أباحه الله ﷿ إياه في حياته بقوله جلّ وعزّ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال: ٤١] لأن معنى لله جلّ وعزّ لسبل الله جلّ ثناؤه، ومن سبل الله ﵎ ما يكون في مصلحة الرسول ﷺ ما دام حيّا فإن قيل: ففي بعض الروايات «إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» ففيه التأويلان جميعا أن يكون «ما» بمعنى الذي، والآخر لا يورث من\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ١٦٥.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٢٠.\n(٣) أخرجه ابن ماجة في سننه في المقدمة ١٧- حديث ٢٢٣، والدارمي في سننه ١/ ٩٨.\n(٤) أخرجه مالك في الموطأ باب ١٢ حديث ٢٧، والترمذي في سننه- السير ٧/ ١١٢، وأبو داود في سننه رقم (٢٩٧٧) .","vol":"3","page":5},{"text":"كانت هذه حاله. مِنْ آلِ يَعْقُوبَ لم ينصرف لأنه أعجمي وزعم عاصم الجحدري أنهم لو قالوا هو يعقوب آخر غير يعقوب بن إسحاق لصروفه، وقال: إنّهم قالوا: إنه غير يعقوب بن إسحاق ﵉.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1761>[سورة مريم (١٩): آية ٧]</span>\nيا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)\nيا زَكَرِيَّا منادى مفرد. اسْمُهُ يَحْيى مبتدأ وخبر ولم ينصرف يحيى لأنه في الأصل فعل مستقبل وكتب بالياء فرقا بينه وبين الفعل لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قد ذكرناه، وقد قيل: معناه لم نأمر أحدا أن يسمّي ابنه يحيى قبلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1762>[سورة مريم (١٩): آية ٨]</span>\nقالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)\nأَنَّى في موضع نصب على الظرف. وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا «١» قال قتادة:\nأي سنّا، والتقدير في العربية: سنّا عتيّا. والأصل عتوّا لأنه من ذوات الواو فأبدل من الواو ياء لأنها أختها، وهي أخفّ منها والآيات على الياء، ومن قرأ عِتِيًّا كره الضمة مع الكسرة والياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1763>[سورة مريم (١٩): آية ٩]</span>\nقالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)\nقالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ الكاف في موضع رفع أي الأمر كذلك. هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ قال الفراء «٢»: أي خلقه عليّ هين، قرأ أهل المدينة وأهل البصرة وعاصم وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، وقرأ سائر الكوفيين وقد خلقناك «٣» قال أبو جعفر: والقراءة الأولى أشبه بالسواد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1764>[سورة مريم (١٩): آية ١٠]</span>\nقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠)\nقالَ آيَتُكَ مبتدأ وخبره (أن) وصلتها تُكَلِّمَ نصب بأن لأن «لا» غير حائلة، وأجاز الكسائي والفراء «٤» «أن لا تكلّم الناس» بالرفع: بمعنى أنك لا تكلم الناس، وهذا كما قال: [الطويل] ٢٨٢-\nألا زعمت بسباسة اليوم أنّني ... كبرت وأن لا يشهد اللهو أمثالي «٥»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ١٦٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٠٧، وهي قراءة ابن أبي ليلى والأعمش وحمزة والكسائي، وباقي السبعة بالضم وعبد الله بفتح العين. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٦٢.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ١٦٧، وتيسير الداني ١٢٠.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ١٦٢.\n(٥) مرّ الشاهد رقم (١٢٤) .","vol":"3","page":6},{"text":"قال الأخفش: سَوِيًّا نصب على الحال. قال أبو جعفر: والمعنى: يكفّ عن الكلام في هذه الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1765>[سورة مريم (١٩): آية ١١]</span>\nفَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)\nفَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ظرفان، وزعم الفراء أنّ العشيّ يؤنّث ويجوز تذكيره إذا أبهمت. قال: وقد يكون العشيّ جمع عشيّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1766>[سورة مريم (١٩): آية ١٢]</span>\nيا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)\nيا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ ومن أخذ يأخذ. الأصل أوخذ، حذفت الهمزة الثانية لكثرة الاستعمال، وقيل لاجتماع حرفين من حروف الحلق، واستغني عن الهمزة وكسرت الذال لالتقاء الساكنين. وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1767>[سورة مريم (١٩): آية ١٣]</span>\nوَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣)\nوَحَنانًا عطف على الحكم. وفي معناه قولان عن ابن عباس أحدهما قال:\nتعطّف الله جلّ وعزّ عليه بالرحمة، والقول الآخر: ما أعطيه من رحمة الناس حتّى يخلّصهم من الكفر والشرّ. وَزَكاةً في معناه قولان: أحدهما أنه أعطي الزيادة في الخير والنماء فيه، والقول الآخر أنّ الله جلّ وعزّ زكّاه بأن وصفه أنه زكيّ تقيّ فقال جلّ وعزّ: وَكانَ تَقِيًّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1768>[سورة مريم (١٩): آية ١٤]</span>\nوَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)\nوَبَرًّا بِوالِدَيْهِ\nعطف على تقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1769>[سورة مريم (١٩): آية ١٥]</span>\nوَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)\nوَسَلامٌ عَلَيْهِ\nرفع بالابتداء، وحسن الابتداء بالنكرة لأن فيها معنى الدعاء.\nومعنى سلام عليك وسلام الله عليك واحد في اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1770>[سورة مريم (١٩): آية ١٧]</span>\nفَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)\nفَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا\nوهو جبرائيل ﵇. سمّي روحا لأنه يأتي بما يحيا به العباد من الوحى فلما كان ما يأتي به يحيا العباد به سمّي روحا ولهذا سمّي عيسى ﷺ روحا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا\nعلى الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1771>[سورة مريم (١٩): آية ١٩]</span>\nقالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (١٩)","vol":"3","page":7},{"text":"قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ\nابتداء وخبر. لِأَهَبَ لَكِ\n«١» قراءة أكثر الناس وهي الصحيحة عن نافع بن أبي نعيم. حكى ذلك أبو عبيد وإسماعيل بن إسحاق وغيرهما من أهل الضبط إلّا ورشا فإنه روى عنه ليهب «٢» وقراءة أبي عمرو ليهب «٣» بلا اختلاف عنه. قال أبو عبيد: وهذا مخالف لجميع المصاحف كل ها: قال: ولو جاز أن يغيّر حرف من المصحف للرأي لجاز في غيره. قال: وفي هذا تحويل القرآن حتى لا يعرف المنزل منه من غيره قال أبو جعفر: «ليهب» يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد لأهب ثم يخفف الهمزة، والآخر يكون على غير تخفيف الهمزة: ويكون معناه ارسلني ليهب، ومن يقرأ «لأهب» فتقديره: قال لأهب لأن في قوله: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ\nما يدلّ على هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1772>[سورة مريم (١٩): آية ٢٠]</span>\nقالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)\nوَلَمْ يَمْسَسْنِي ظهر التضعيف لما سكن الحرف الثاني. بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا الأصل أكن وقد ذكرناه «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1773>[سورة مريم (١٩): آية ٢١]</span>\nقالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)\nوَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا الأصل مقضويّ ثم أدغمت الواو في الياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1774>[سورة مريم (١٩): آية ٢٢]</span>\nفَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا (٢٢)\nظرف وإن شئت كان مفعولا أي قصدت به مكانا قصيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1775>[سورة مريم (١٩): آية ٢٣]</span>\nفَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)\nفَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قيل: لأنها طلبت الظلّ. قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ من قال متّ ففي تقديره قولان: أحدهما أنه من متّ أمات مثل خفت أخاف، والآخر هو قول سيبويه أنه من متّ أموت، وزعم سيبويه «٥» أنه جاء في كلام العرب على فعلت أفعل: فضل يفضل، ومتّ تموت، ولا يعرف غيرهما. وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا «٦» قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو وعاصم والكسائي، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة وَكُنْتُ نَسْيًا بفتح النون. قال أبو جعفر: كسر النون في هذا أولى في العربية لجهتين: إحداهما أن\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ١٧٠.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٢٠، ومعاني الفراء ٢/ ١٦٣، والبحر المحيط ٦/ ١٧٠.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٢٠، ومعاني الفراء ٢/ ١٦٣، والبحر المحيط ٦/ ١٧٠.\n(٤) مرّ في إعراب الآية ١٠٩- هود.\n(٥) انظر الكتاب ٤/ ٤٨٦.\n(٦) انظر تيسير الداني ١٢١.","vol":"3","page":8},{"text":"المفتوحة مصدر والمكسورة اسم، والاسم هاهنا أولى من المصدر، والجهة الأخرى أن المصدر إنما تستعمله العرب هاهنا على فعلان فيقولون: نسيت نسيانا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1776>[سورة مريم (١٩): آية ٢٤]</span>\nفَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)\nفَناداها مِنْ تَحْتِها فأما أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة إلّا الحسن وأبا عمرو النّخعي وعاصما فإنهم قرءوا من تحتها «١» بفتح الميم. فزعم أبو عبيد أن من قرأ «من تحتها» جاز في قراءته أن يكون لجبرائيل ﷺ ولعيسى ﵇، ومن قرأ «من تحتها» فهو لعيسى ﷺ خاصّة. قال أبو جعفر: «من» اسم و«تحتها» ظرف ولا يمتنع أن يكون معناه لجبرائيل ﷺ كما كان في الأول «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1777>[سورة مريم (١٩): آية ٢٥]</span>\nوَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)\nفيه ستّ قراءات: قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم والكسائي تُساقِطْ بالتاء وتشديد السين، وقرأ الأعمش وحمزة تساقط بالتاء وتخفيف السين، وقرأ البراء بن عازب يسّاقط بالياء وتشديد السين، وقرأ مسروق بن الأجدع تسقط والقراءتان الباقيتان تُساقِطْ ونساقط. قال أبو جعفر: فالقراءة الأولى أصلها تتساقط ثم أدغمت التاء في السين، والثانية على الحذف، والثالثة على الإدغام ولا يجوز معها الحذف. ونصب رطب في هذه القراءات الثلاث على البيان كما قال: [الطويل] ٢٨٣-\nفلو أنّها نفس تموت سويّة ... ولكنّها نفس تساقط أنفسا «٣»\nوحكى أبو إسحاق عن أبي العباس أنه منصوب بهزّي، والقراءة الرابعة على أن يكون منصوبا بتسقط أو بهزّي، وكذا الخامسة. قال أبو إسحاق: ومن قرأ نساقط أراد: نساقط نحن عليك رطبا جنيّا ليكون ذلك آية. قال أبو جعفر: والرطب يذكّر على معنى الجنس ويؤنث على معنى الجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1778>[سورة مريم (١٩): آية ٢٦]</span>\nفَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)\nفَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا قال أبو إسحاق: فكلي من الرطب واشربي من الماء.\nقال وعَيْنًا منصوب على التمييز. قال أبو جعفر: الأصل أأكلي بهمزتين فحذفت\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٢١.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ١٧٥، وتيسير الداني ١٢١، ومعاني الفراء ٢/ ١٦٦.\n(٣) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ١٠٧، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٦٤٨، وشرح المفصّل ٩/ ٨، ولسان العرب (جمع)، وتفسير الطبري ١٣/ ١٥٢، وشرح القصائد السبع لابن الأنباري ٤٢٣.","vol":"3","page":9},{"text":"إحداهما لاجتماعهما وكثرة الاستعمال، وكان القياس أن تخفّف الثانية فتكون واوا فيقال أوكل كما يقال: أوجر فلان من الأجر، فلمّا حذفت الهمزة الثانية استغني عن الأولى فقيل: كلي، وحذفت النون لأن الفعل غير معرب وللجزم عند الكوفيين وكذا واشربي وقرّي. قال الأصمعي: قررت به عينا، مشتقّ من القرّ أي بردت عيني فلم تدمع فتسخن، وقال أبو عمرو الشيباني: هو من قررت في المكان أي قرّت عيني فنامت ولم تسهر، وقيل: معناه قررت أي هدأت لمّا نلت ما كنت متطلعا إليه. فَإِمَّا تَرَيِنَّ في موضع جزم بالشرط. والأصل فإما تريي، زيدت النون توكيدا، وصلح ذلك في الخبر لدخول «ما»، وحكى سيبويه «١»، «بألم ما تختننّه» «٢» ولو نطق به بغير نون لكان «فإما ترى» فلمّا زدت النون رددته إلى أصله وكسرت الياء لالتقاء الساكنين، وكانت الكسرة أولى للفرق بين المذكّر والمؤنّث ثم خفّفت الهمزة فألقيت حركتها على الراء وحذفت فصار ترين. فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا مشتق من آنس إذا علم وأبصر، والانسيّ مبصر معلوم به والجمع «أناسي»، تزاد الألف ثالثة، كما يعمل في المجموع فتقول: بختيّ وبخاتيّ وذلك كثير معروف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1779>[سورة مريم (١٩): آية ٢٧]</span>\nفَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)\nفَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1780>[سورة مريم (١٩): آية ٢٨]</span>\nيا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)\nيا أُخْتَ هارُونَ نداء مضاف. والأصل أخوة يدلّ على ذلك أخوات وقال محمد بن يزيد: حذفت الواو فرقا بين المتشبّث وغير المتشبّث. ولا نعلم أحدا سبق أبا العباس إلى هذا القول مع حسنه وجودته. وزعم الفراء أنه إنما ضمّت الهمزة في قولهم أخت وكسرت الباء في قولهم: بنت للفرق بين ما حذفت منه الواو وبين ما حذفت منه الياء فالضمة علم الواو والكسرة علم الياء. وذكر محمد بن يزيد أن هذا القول خطأ.\nقال أبو جعفر: في قوله: «يا أخت هارون» قولان للعلماء: أحدهما أن هارون كان رجلا صالحا فقالوا يا أخت هارون أي يا شبيهته في الصّلاح، وإنما المؤمنون إخوة من هذا، وآخى رسول الله ﷺ بين أصحابه. وروى جعفر عن سعيد بن جبير أنه كان رجل فاسق يقال له هارون فقالوا لها: يا أخت هارون. قال أبو جعفر: والقول الأول أولى لأن فيه حديثا مسندا.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٥٨٠. [.....]\n(٢) ورد المثل في خزانة الأدب ١١/ ٤٠٣، ومجمع الأمثال ١/ ١٠٧، والمعنى: لا يكون الختان إلا بألم، أي إنّ الخير لا يدرك إلا باحتمال المشقّة.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1781>[سورة مريم (١٩): آية ٢٩]</span>\nفَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)\nقالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن تكون «كان» زائدة ونصب صَبِيًّا على الحال، والعامل فيه الاستقرار، وقيل: «كان» بمعنى وقع نصب صبيّ على الحال إلّا أن العامل فيه كان، والقول الثالث قول أبي إسحاق. قال:\nمن للشرط، والمعنى: من كان في المهد صبيا فكيف نكلّمه؟ قال: كما تقول: من كان لا يسمع ولا يبصر فكيف أخاطبه؟ قال أبو جعفر: وإنما احتاج النحويون إلى هذه التقديرات لأن الناس كلّهم كانوا في المهد صبيانا ولا بد من أن يبيّن عيسى ﷺ بشيء منهم وقد حكى سيبويه زيادة كان، وأنشد: [الوافر] ٢٨٤-\nفكيف إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام «١»\nوحكى النحويون: ما كان أحسن زيدا وقالوا على إلغاء كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1782>[سورة مريم (١٩): آية ٣٠]</span>\nقالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)\nقالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ في معناه قولان: أحدهما قدّر أن يؤتينيه، والآخر أنّ الله جلّ وعزّ أكمل عقله وآتاه الكتاب وجعله نبيا وهو في المهد. قال قتادة: في المهد أي في الحجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1783>[سورة مريم (١٩): آية ٣١]</span>\nوَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١)\nوَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما مشتقّ من البركة وهو الثبوت على الخير. وكان ثابتا على الخير مشبا، كما قال عمرو بن قيس: معنى «وجعلني مباركا» معلّما مؤدبا. وبيّن هذا ما رواه شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلميّ عن عثمان عن النبيّ ﷺ وروى عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «خيركم من علم القرآن وعلّمه» «٢» وروى شريك عن عاصم بن أبي النجود عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ ﷺ قال: «خيركم من علم القرآن وأقرأه» . وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ قال أبو إسحاق: «الزكاة» الطهارة، وقال غيره وأوصاني بالزكاة أن أؤدّيها إذا وجبت علي وآمر بها، ما دُمْتُ حَيًّا خبر دمت وعلى الحال عند الفراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1784>[سورة مريم (١٩): آية ٣٢]</span>\nوَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)\nوَبَرًّا بِوالِدَتِي قال الكسائي: هو نسق على مبارك أي وجعلني برا. وقرأ ابن\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٨١) .\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه- فضائل القرآن ١١/ ٣٢، وابن ماجة في سننه- المقدمة الحديث ٢١١، ٢١٢، وأبو داود في سننه حديث رقم (١٤٥٢) .","vol":"3","page":11},{"text":"نهيك وبرّ بوالدتي بمعنى وأوصاني بالصلاة والزكاة وبرّ بوالدتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1785>[سورة مريم (١٩): آية ٣٣]</span>\nوَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)\nوَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا آخر كلام عيسى ﵇ فلمّا تكلّم في حجر أمّه ظهرت لهم الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1786>[سورة مريم (١٩): آية ٣٤]</span>\nذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)\nذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ قال الكسائي: «قول الحقّ» نعت، وقال أبو حاتم: المعنى هو قول الحق، وقيل: التقدير هذا الكلام قول الحق. وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر قَوْلَ الْحَقِّ بالنصب. قال الفراء «١»: بمعنى حقّا. قال أبو إسحاق: هو مصدر أي أقول قول الحق لأن ما قبله يدلّ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1787>[سورة مريم (١٩): آية ٣٥]</span>\nما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)\nما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أَنْ في موضع رفع اسم كان مِنْ وَلَدٍ في موضع نصب و«من» زائدة للتوكيد، وحقيقة هذا أنك إذا قلت: ما اشتريت فرسا، جاز أن يكون المعنى أنك ما اشتريت شيئا البتة، وجاز أن يكون المعنى أنك اشتريت أفراسا.\nفإذا قلت: ما اشتريت فرسين، جاز فيه ثلاثة أوجه: منها أن يكون لم تشتر شيئا، وجاز أن تكون اشتريت واحدا، وجاز أن تكون اشتريت أكثر من اثنين. فإذا قلت: ما اشتريت من فرس صار المعنى أنك لم تشتر من هذا الجنس شيئا البتة. سُبْحانَهُ مصدر فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «٢» قراءة الجماعة، وقرأ ابن عامر الشامي فيكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1788>[سورة مريم (١٩): آية ٣٦]</span>\nوَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)\nوَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ قراءة أهل المدينة وقراءة أهل الكوفة و«إنّ» «٣» بكسر الهمزة على أنه مستأنف، وفي الفتح أقوال: فمذهب الخليل وسيبويه رحمهما الله أن المعنى ولأن «ربّي وربّكم»، وكذا عندهما وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا [الجنّ: ١٨] فإنّ في موضع نصب عندهما، وأجاز الفراء «٤» أن يكون في موضع خفض على حذف اللام، وأجاز أيضا أن يكون في موضع خفض بمعنى «وأوصاني بالصلاة والزكاة وبأن الله ربي وربكم»، وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى «والأمر أن الله ربي وربكم»،\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٦٨.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٢١.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٢١ وهي قراءة ابن عامر والكوفيين.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ١٦٨.","vol":"3","page":12},{"text":"وفيها قول خامس حكى أبو عبيد أن أبا عمرو بن العلاء قاله، وهو أن يكون المعنى:\nوقضى أنّ الله ربّي وربكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1789>[سورة مريم (١٩): آية ٣٨]</span>\nأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨)\nأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا مبني على السكون لأن لفظه لفظ الأمر ومعناه معنى التعجّب: ما أسمعهم وما أبصرهم!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1790>[سورة مريم (١٩): آية ٣٩]</span>\nوَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩)\nوَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ قد ذكرناه وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما من أحد يدخل النار إلّا وله بيت في الجنة فيتحسّر عليه، وقيل: تقع الحسرة إذا أعطي كتابه بشماله. وأن معنى: إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ عرّف كلّ إنسان ما له وما عليه، وقيل: التقدير:\nوأنذرهم خبر يوم الحسرة إذ قضي الأمر فخبّر أنّهم معذّبون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1791>[سورة مريم (١٩): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)\nإِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا خبر «كان» و«نبيّا» من نعته، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون حالا من المضمر.\nقال أبو إسحاق: الوقف إذ قال لأبيه يا أبه بالهاء لأنها هاء تأنيث، وقال أبو الحسن بن كيسان: الوقف بالتاء لأنه مضاف إلى ما لا ينفصل، كما تقول: هذه نعمتي. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا «١» هذا في سورة «يوسف» بأكثر من هذا. قال الكسائي: عصيّ وعاصي واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1792>[سورة مريم (١٩): آية ٤٦]</span>\nقالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)\nقالَ أَراغِبٌ رفع بالابتداء، و«أنت» فاعل سدّ مسدّ الخبر، كما تقول: أقائم أنت؟\nوحسن الابتداء بالنكرة لما تقدمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1793>[سورة مريم (١٩): آية ٤٧]</span>\nقالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)\nقالَ سَلامٌ عَلَيْكَ صلح الابتداء بالنكرة لأن فيها معنى المنصوب وفيها في هذا الموضع معنى التفرّق والترك، ومثله وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا [الفرقان: ٦٣] .\nسَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي أي إن أسلمت وتبت. إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا قال علي بن أبي\n_________\n(١) انظر إعراب الآية ٤: يوسف.","vol":"3","page":13},{"text":"طلحة عن ابن عباس ﵁: أي لطيفا. قال الكسائي: قال: حفي به حفاوة وحفوة. وقال الفراء «١»: «إنه كان بي حفيا» أي عالما يجيبني إذا دعوته. قال أبو إسحاق: ويقال: قد تحفّى فلان بفلان حفوة إذا ألطفه وبرّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1794>[سورة مريم (١٩): آية ٤٨]</span>\nوَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)\nوَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ «ما» في موضع نصب لأنها معطوفة أي واعتزل ما تدعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1795>[سورة مريم (١٩): آية ٥٠]</span>\nوَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)\nوَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ أي قول صدق، كما قال أعشى باهلة: [البسيط] ٢٨٥-\nإنّي أتتني لسان لا أسرّ بها ... من علو لا عجب فيها ولا سخر «٢»\nوأنّث اللسان في هذا البيت، وهي لغة معروفة، وإن كان القرآن قد جاء بالتذكير.\nقال جلّ وعزّ عَلِيًّا وهو نعت للسان، وقال الآخر: [الوافر] ٢٨٦-\nندمت على لسان فات منّي ... فليت بيانه في جوف عكم «٣»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1796>[سورة مريم (١٩): آية ٥٥]</span>\nوَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)\nوَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا مشتقّ من الرّضوان، والأصل مرضوّ عند سيبويه أبدل من الواو ياء لأنها أخفّ، وكذا مسنيّة وإنما أبدل من الواو ياء لأنها قبلها ضمة والساكن ليس بحاجز حصين، وقال الكسائي والفراء «٤» من قال: مرضي بناه على رضيت. قالا:\nوأهل الحجاز يقولون: مرضو، وفيه قول ثالث حكاه الكسائي والفراء «٥» قالا: من العرب من يقول: رضوان ورضيّان فرضوان على مرضو ورضيّان على مرضي، ولا يجيز البصريون أن يقال إلّا رضوان وربوان. قال أبو جعفر: سمعت أبا إسحاق يقول:\nيخطئون في الخطّ فيكتبون ربا بالياء ثم يخطئون فيما هو أشدّ من هذا فيكتبون ربيان، ولا يجوز إلّا ربوان ورضوان قال الله جلّ وعزّ وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ [الروم: ٣٩] .\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٦٩.\n(٢) الشاهد لأعشى باهلة في إصلاح المنطق ٢٦، والأصمعيات ٨٨، وجمهرة اللغة ٩٥٠، وخزانة الأدب ٦/ ٥١١، وسمط اللآلي ٧٥، وشرح المفصّل ٤/ ٩٠، ولسان العرب (سخر) و(لسن)، والمؤتلف والمختلف ١٤، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ١٩١، ولسان العرب (علا) .\n(٣) الشاهد للحطيئة في ديوانه ١٢٢، وتخليص الشواهد ٢٩٢، وخزانة الأدب ٤/ ١٥٢، وشرح شواهد الإيضاح ٥٠٣، ولسان العرب (عكم)، و(لسن)، ونوادر أبي زيد ٣٣، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١٠/ ٢٤٤.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ١٦٩.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ١٦٩.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1797>[سورة مريم (١٩): آية ٥٢]</span>\nوَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢)\nوَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا نصب على الحال. قال الفراء: نجيّ مثل جليس قال: ونجيّ ونجوى يكونان اسمين ومصدرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1798>[سورة مريم (١٩): آية ٥٣]</span>\nوَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)\nوَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ بدل من الأخ ولم ينصرف لأنه معرفة عجمي، وكذا إدريس ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1799>[سورة مريم (١٩): آية ٥٨]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)\nخَرُّوا سُجَّدًا على الحال. وَبُكِيًّا عطف عليه وقيل هو مصدر أي وبكوا بكيا.\nويقال: بكى يبكي بكاء وبكي وبكيّا إلّا أن الخليل ﵀ قال: إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن أي ليس معه صوت. قال: [الوافر] ٢٨٧-\nبكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1800>[سورة مريم (١٩): آية ٥٩]</span>\nفَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)\nفَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا الغيّ في اللغة الخيبة. قال أبو جعفر: وقد ذكرناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1801>[سورة مريم (١٩): آية ٦٠]</span>\nإِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)\nإِلَّا مَنْ تابَ في موضع نصب على الاستثناء. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون المعنى لكن من تاب. فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1802>[سورة مريم (١٩): آية ٦١]</span>\nجَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)\nجَنَّاتِ عَدْنٍ على البدل. قال أبو إسحاق: ويجوز جنّات عدن» على الابتداء.\nقال أبو حاتم: ولولا الخطّ لجاز جنّة عدن، لأن قبله يدخلون الجنة. إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا قال الكسائي: أي يؤتى إليه ويصار، وزعم القتبيّ «٢»: أنّ مأتيا بمعنى آت ومائتي مهموز لأنه من أتى يأتي ومن خفّف الهمزة جعلها ألفا.\n_________\n(١) الشاهد لحسان بن ثابت في جمهرة اللغة ١٠٢٧، وليس في ديوانه، ولعبد الله بن رواحة في ديوانه ص ٩٨، وتاج العروس (بكى)، ولكعب بن مالك في ديوانه ص ٢٥٢، ولسان العرب (بكا)، ولحسان أو لكعب أو لعبد الله في شرح شواهد الشافية ص ٦٦، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص ٣٠٤، ومجالس ثعلب ١٠٩، والمنصف ٣/ ٤٠. [.....]\n(٢) القتبيّ: هو ابن قتيبة، انظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ٢٧٤.","vol":"3","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1803>[سورة مريم (١٩): آية ٦٢]</span>\nلا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)\nلا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلَّا سَلامًا قال الأخفش سعيد: وهذا على الاستثناء الذي ليس من الأول، قال: وإن شئت كان بدلا أي لا يسمعون إلا سلاما. وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ظرفان. قال أبو إسحاق: أي يقسم لهم في هذين الوقتين ما يحتاجون إليه في كلّ ساعة. قال الأخفش: أي على مقادير الغداة والعشيّ مما في الدنيا لأنه ليس هناك ليل ولا نهار إنما هو نور العرش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1804>[سورة مريم (١٩): آية ٦٤]</span>\nوَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)\nقال الأخفش: لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا أي قبل أن نخلق وَما خَلْفَنا ما يكون بعد الموت. وَما بَيْنَ ذلِكَ مذ خلقنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1805>[سورة مريم (١٩): آية ٦٥]</span>\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)\nفَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ الأصل اصتبر فثقل الجمع بين التاء والصاد لاختلافهما فأبدل من التاء طاء، كما تقول من الصوم: اصطام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1806>[سورة مريم (١٩): آية ٦٧]</span>\nأَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)\nقرأ أهل الكوفة إلا عاصما وأهل مكة وأبو عمرو وأبو جعفر أولا يذكر الإنسان «١» وقرأ شعبة ونافع وعاصم أَوَلا يَذْكُرُ بالتخفيف، وفي حرف أبيّ أولا يتذكّر وهذه القراءة على التفسير لأنها مخالفة لخطّ المصحف لأن الأصل في يذّكّر يتذكر فأدغمت التاء في الذال. ومعنى يتذكّر: يتفكّر، ومعنى يذكر يتنبّه ويعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1807>[سورة مريم (١٩): آية ٦٨]</span>\nفَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)\nفَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ عطف على الهاء والميم والشياطين الذين أغووهم ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا «٢» نصب على الحال. والأصل جثوّ أبدل من الواو ياء لأنها ظرف، والجمع بابه التغيير. ومن قال: جثيّ أتبع الكسرة الكسرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1808>[سورة مريم (١٩): آية ٦٩]</span>\nثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩)\nوهذه آية مشكلة في الإعراب لأن القراء كلّهم يقرءون أَيُّهُمْ بالرفع إلّا\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤١٠، والبحر المحيط ٦/ ١٩٥، وهذه قراءة أبي بحرية والحسن وشيبة وابن أبي ليلى وابن مناذر وأبي حاتم.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٢١.","vol":"3","page":16},{"text":"هارون القارئ، فإن سيبويه حكى عنه ثمّ لننزعنّ من كلّ شيعة أيّهم «١» بالنصب أوقع على أيّهم لننزعنّ. قال أبو إسحاق: في رفع «أيّهم» ثلاثة أقوال: قال الخليل بن أحمد- حكاه عنه سيبويه «٢» - إنه مرفوع على الحكاية، والمعنى عنده: ثم لننزعنّ من كلّ شيعة الذي يقال من أجل عتوّه أيّهم أشدّ على الرحمن عتيّا، وأنشد الخليل: [الكامل] ٢٨٨-\nولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم «٣»\nأي فأبيت بمنزلة الذي يقال له: لا هو حرج ولا محروم. قال أبو جعفر: ورأيت أبا إسحاق يختار هذا القول ويستحسنه، قال: لأنه بمعنى قول أهل التفسير، وزعم أن معنى «ثم لننزعنّ من كلّ شيعة» ثم لننزعنّ من كلّ فرقة الأعتى فالأعتى، كأنه يبدأ بالتعذيب بأشدهم عتيا ثمّ الذي يليه. وهذا نص كلام أبي إسحاق في معنى الآية. وقال يونس: لننزعن بمنزلة الأفعال التي تلغى فرفع «أيّهم» بالابتداء. وقال سيبويه «٤»: «أيّهم» مبني على الضم لأنها خالفت أخواتها في الحذف لأنك لو قلت: رأيت الذي أفضل منك، ومن أفضل، كان قبيحا حتى تقول: من هو أفضل، والحذف في أيّهم جائز. قال أبو جعفر: وما علمت أن أحدا من النحويين إلّا وقد خطّأ سيبويه في هذا. سمعت أبا إسحاق يقول: ما يبين لي أنّ سيبويه غلط في كتابه إلّا في موضعين هذا أحدهما، قال:\nوقد علمنا سيبويه أنه أعرب «أيّا» وهي منفردة لأنها تضاف فكيف يبنيها وهي مضافة؟\nولم يذكر أبو إسحاق فيما علمت إلا هذه الثلاثة الأقوال. قال أبو جعفر: وفيه أربعة أقوال سوى هذه الثلاثة الأقوال التي ذكرها أبو إسحاق، قال الكسائي: لننزعنّ واقعة على المعنى كما تقول: لبست من الثياب، وأكلت من الطعام، ولم يقع لننزعن على أيّهم فينصبها. وقال الفراء: المعنى ثم لننزعن بالنداء. ومعنى لننزعن لننادين إذا كان معناه لننزعن بالنداء. قال أبو جعفر: وحكى أبو بكر بن شقير أنّ بعض الكوفيين يقول:\nفي أيّهم معنى الشرط والمجازاة، فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها، والمعنى ثم لننزعن من كلّ فرقة إن تشايعوا أو لم يتشايعوا كما تقول: ضربت القوم أيّهم غضب، والمعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا، فهذه ستة أقوال، وسمعت علي بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد قال: أيّهم متعلّق بشيعة فهو مرفوع لهذا، والمعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ١٩٦، ومختصر ابن خالويه ٨٦.\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ٤٢٠.\n(٣) الشاهد للأخطل في ديوانه ٦١٦، والكتاب ٢/ ٨١، وتذكرة النحاة ٤٤٧، وخزانة الأدب ٣/ ٢٥٤، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٤٨٨، وشرح المفصّل ٣/ ١٤٦، ولسان العرب (ضمر)، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٧١٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٨٠، وشرح المفصّل ٧/ ٨٧.\n(٤) انظر الكتاب ٢/ ٤٢٠.","vol":"3","page":17},{"text":"أيهم، أي من الذين تعاونوا فنظروا أيّهم أشدّ على الرحمن عتيا. وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي: إنّ التشايع التعاون، «عتيا» على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1809>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧١ الى ٧٢]</span>\nوَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)\nوَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قد ذكرنا فيه أقوالا: قال خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة قالوا: يا ربنا إنك وعدتنا أن نرد النار، فيقال لهم: إنكم وردتموها وهي خامدة.\nقال أبو جعفر: ومن أحسن ما قيل فيه، أعني في الآية- أن المعنى: وإن منكم إلّا وارد القيامة لأن الله جلّ وعزّ قال في المؤمنين: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها [الأنبياء: ١٠٨]، وقال جلّ ثناؤه: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [المائدة: ٦٩ والأنعام: ٤٨] ودلّ على أنّ المضمر للقيامة فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ فالحشر إنما هو في القيامة ثم قال جلّ وعزّ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا واسم كان فيها مضمر أي كان ورودها. فأما وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا فالإضمار للنار لأنها في القيامة فكنى عنها لمّا كانت فيها. وهذا من كلام العرب الفصيح الكثير. وقرأ عاصم الجحدري ومعاوية بن قرة ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا «١» بفتح الثاء، وقرأ ابن أبي ليلى ثمة «٢»:\n«ثم» ظرف إلّا أنه مبني لأنه غير محصّل فبني كما بني «ذا» والهاء يجوز أن تكون لبيان الحركة فتحذف لأن الحركة في الوصل بيّنة، ويجوز أن تكون لتأنيث البقعة فتثبت في الوصل تاءا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1810>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٣ الى ٧٤]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا (٧٤)\nخَيْرٌ مَقامًا منصوب على البيان، وكذا نَدِيًّا وكذا أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا فيه خمس قراءات «٣»: قرأ أهل المدينة وريّا بغير همز، وقرأ أهل الكوفة وأبو عمرو وَرِءْيًا بالهمز، وحكى يعقوب أنّ طلحة قرأ وريا بياء واحدة مخفّفة وروى سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس هم أحسن أثاثا وزيّا بالزاي فهذه أربع قراءات، قال أبو إسحاق ويجوز هم أحسن أثاثا وريئا بياء بعدها همزة. قال أبو جعفر: قراءة أهل المدينة في هذا حسنة، وفيها تقديران: أحدهما أن يكون «من رأيت» ثم خففت الهمزة فأبدل منها ياء وأدغمت الياء. وكذا هذا حسنا لتتّفق رؤوس الآيات\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ١٩٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ١٩٨.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ١٩٨، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤١١، ومعاني الفراء ٢/ ١٧١، والمحتسب ٢/ ٤٣.","vol":"3","page":18},{"text":"لأنها غير مهموزات وعلى هذا قال ابن عباس: الريّ المنظر. والمعنى: هم أحسن أثاثا ولباسا، والوجه الثاني أن يكون المعنى أنّ جلودهم مرتوية من النعمة فلا يجوز الهمز لأنه مصدر من رويت ريّا، وفي رواية ورش: وريّا، ومن رواه عنه ورئيا بالهمز فهو يكون على الوجه الأول. وقراءة أهل الكوفة وأبي عمرو من رأيت على الأصل وقراءة طلحة بن مصرف وريا بياء واحدة مخفّفة أحسبها غلطا، وقد زعم بعض النحويين أنه كان أصلها ورئيا ثم حذفت الهمزة والزيّ الهيأة: والقراءة الخامسة على قلب الهمزة.\nحكى سيبويه راء بمعنى رأى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1811>[سورة مريم (١٩): آية ٧٥]</span>\nقُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)\nقُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا قيل: المعنى: فليعش ما شاء فإنّ مصيره إلى الموت والعذاب. حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ. قال أبو إسحاق: هذا على البدل من «ما» والمعنى: حتّى إذا رأوا العذاب أو الساعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1812>[سورة مريم (١٩): آية ٧٨]</span>\nأَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨)\nأَطَّلَعَ الْغَيْبَ ألف الاستفهام وفيه معنى التوبيخ، وحذفت ألف الوصل لأنه قد استغني عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1813>[سورة مريم (١٩): آية ٨٠]</span>\nوَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا (٨٠)\nوَيَأْتِينا فَرْدًا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1814>[سورة مريم (١٩): آية ٨٧]</span>\nلا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٨٧)\nفيه تقديران: أحدهما أن يكون «من» في موضع رفع البدل من الواو أي لا يملك الشفاعة إلا من اتّخذ، والتقدير الآخر: أي يكون من في موضع نصب استثناء ليس من الأول. والمعنى: لكن من اتّخذ عند الرحمن عهدا بأنّه يشفع له، والمعنى عند الفراء «١» لا يملكون الشفاعة إلا لمن اتّخذ عند الرحمن عهدا، ليس أنّ اللام مضمرة ولكن المعنى عنده على هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1815>[سورة مريم (١٩): آية ٨٨]</span>\nوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا (٨٨)\nقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم وَلَدًا بفتح الواو واللام، وقرأ سائر\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٧٢.","vol":"3","page":19},{"text":"الكوفيين ولدا بضم الواو وإسكان اللام. وفرّق أبو عبيد بينهما: فزعم أن الولد يكون للأهل والولد جميعا. قال أبو جعفر: وهذا قول مردود عليه لا يعرفه أحد من أهل اللغة، ولا يكون الولد والولد إلّا لولد الرجل وولد ولده إلّا أن ولدا أكثر في كلام العرب، كما قال النابغة: [البسيط] ٢٨٩-\nمهلا فداء لك الأقوام كلّهم ... وما أثمّر من مال ومن ولد «١»\nقال أبو جعفر: وسمعت محمد بن الوليد يقول: يجوز أن يكون ولد جمع ولد، كما يقال: وثن ووثن وأسد وأسد، ويجوز أن يكون ولد وولد جمعا بمعنى واحد، كما يقال: عجمّ وعجم وعرب وعرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1816>[سورة مريم (١٩): آية ٨٩]</span>\nلَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)\nوقرأ أبو عبد الرحمن بفتح الهمزة، ويجوز شيئا أادّا كما تقول: رادّا، يقال أدّ يؤدّ أدّا فهو أادّ، والاسم الأدّ إذا جاء بشيء عظيم منكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1817>[سورة مريم (١٩): آية ٩٠]</span>\nتَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠)\nتَكادُ السَّماواتُ على تأنيث الجماعة ويكاد على تذكير الجمع ينفطرن «٢» بالياء والنون قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة، وقرأ الأعمش والحسن ونافع والكسائي يَتَفَطَّرْنَ «٣» بالياء والتاء والأولى اختيار أبي عبيد، واحتجّ بقوله جلّ وعزّ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] ولم يقل: تفطّرت. قال أبو جعفر: يتفطّرن بالياء والتاء في هذا الموضع أولى لأن فيه معنى التكثير فهو أولى لأنهم كفروا فكادت السموات تتشقّق فتسقط عليهم عقوبة بما فعلوه. وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا مصدر لأن معنى تخرّ تهدّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1818>[سورة مريم (١٩): آية ٩١]</span>\nأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا (٩١)\nأَنْ في موضع نصب عند الفراء «٤» بمعنى لأن دعوا ومن أن دعوا وزعم الفراء أن الكسائي قال: هي في موضع خفض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1819>[سورة مريم (١٩): آية ٩٢]</span>\nوَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)\nلأن الله جلّ وعزّ لا يشبهه شيء، وولد الرجل يشبهه.\n_________\n(١) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٢٦، والأشباه والنظائر ٧/ ٩٠، وخزانة الأدب ٦/ ١٨١، ولسان العرب (فدي)، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٦/ ٢٣٧، وشرح المفصّل ٤/ ٧٣.\n(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤١٢. والبحر المحيط ٦/ ٢٠٥.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٠٥. [.....]\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ١٧٣.","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1820>[سورة مريم (١٩): آية ٩٣]</span>\nإِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا (٩٣)\n«آتِي» بالياء في الخط والأصل التنوين فحذف تخفيفا وأضيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1821>[سورة مريم (١٩): آية ٩٥]</span>\nوَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (٩٥)\nوَكُلُّهُمْ آتِيهِ على لفظ كلّ، وعلى المعنى آتوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1822>[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٦ الى ٩٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)\nسَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا أي في قلوب المؤمنين. ولدّ جمع ألدّ، مثل أصمّ وصمّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1823>[سورة مريم (١٩): آية ٩٨]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)\nهَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ في موضع نصب أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا أي قد ماتوا وحصلوا على أعمالهم.","vol":"3","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1824>٢٠ شرح إعراب سورة طه</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1825>[سورة طه (٢٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطه (١)\nقراءة أهل المدينة وأبي عمرو بغير إمالة «١»، وقراءة الكوفيين بالإمالة إلا عاصما فإنه روي عنه اختلاف. قال أبو جعفر: لا وجه للإمالة في هذا عند أكثر أهل العربية لعلتين: إحداهما أنه ليس هاهنا ياء ولا كسرة فتكون الإمالة، والعلة الأخرى أن الطاء من الحروف الموانع للإمالة فهاتان علتان بينتان. وقد اختار بعض النحويين الإمالة، فقال أبو إسحاق إبراهيم بن السري: من كسر «طه» أمال إلى الكسر لأن المقصور الأغلب عليه الكسر إلى الإمالة، قال أبو جعفر: وهذا ليس بحجّة، ولا يجوز في كثير من المقصور الإمالة ولكن زعم سيبويه «٢» أن الإمالة تجوز في حروف المعجم فيقال: با تا ثا لأنها أسماء فيفرق بينها وبين الحروف نحو «لا» فإنها لا تمال لأنها حرف. قال أبو إسحاق: من قرأ طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى «٣» فالأصل عنده طأ، أي طإ الأرض بقدميك جميعا في الصلاة. فأبدل من الهمزة هاء، كما يقال: إيّاك وهيّاك وأرقت الماء وهرقت الماء. قال: ويجوز أن يكون على البدل الهمز فيكون الأصل: ط يا هذا، ثم جاء بالهاء لبيان الحركة في الوقف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1826>[سورة طه (٢٠): آية ٢]</span>\nما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢)\nبعض النحويين يقول هذه لام النفي، وبعضهم يقول لام الجحود. قال أبو جعفر: وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول في مثلها: إنها لام الخفض. والمعنى عنده: ما أنزلنا عليك القرآن للشقاء. والشقاء يمدّ ويقصر، وهو من ذوات الواو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1827>[سورة طه (٢٠): آية ٣]</span>\nإِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣)\nقال أبو إسحاق: هو بدل من يشقى أي ما أنزلناه إلّا تذكرة. قال أبو جعفر: وهذا\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٢٢.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٢٤٨.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٨٧.","vol":"3","page":22},{"text":"وجه بعيد، والقريب أنه منصوب على المصدر أو مفعول من أجله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1828>[سورة طه (٢٠): آية ٤]</span>\nتَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤)\nتَنْزِيلًا مصدر. مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى ولا يجوز عند الخليل وسيبويه أن يأتي مثل هذا إلّا بالألف واللام، وهو قول الكوفيين، وقال: محال: سقطت له ثنيّتان علييان لا سفليان، لأنه إنما يراد به المعرفة فإن أردت النكرة، وتفضيل شيء على شيء جئت بمن فقلت: سقطت له ثنية أعلى من كذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1829>[سورة طه (٢٠): آية ٥]</span>\nالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥)\nويجوز النصب على المدح. قال أبو إسحاق: ويجوز الخفض على البدل من من، وقال سعيد بن مسعدة: الرفع بمعنى هو الرحمن. قال أبو جعفر: ويجوز الرفع بالابتداء وعلى البدل من المضمر الذي في خلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1830>[سورة طه (٢٠): آية ٦]</span>\nلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦)\nلَهُ ما فِي السَّماواتِ في موضع رفع بالابتداء وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1831>[سورة طه (٢٠): آية ٧]</span>\nوَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧)\nوَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ مجزوم بالشرط، والجواب فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى أي وأخفى منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1832>[سورة طه (٢٠): آية ٨]</span>\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ مرفوع على البدل مما في «يعلم»، أو على إضمار مبتدأ، أو بالابتداء. لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى رفع بالابتداء الْحُسْنى من نعتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1833>[سورة طه (٢٠): آية ١٠]</span>\nإِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠)\nقرأ حمزة فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا «١» وكذا في القصص «٢» . قال أبو جعفر: وهذا على لغة من قال: مررت بهو يا هذا، فجاء به على الأصل، وهو جائز إلّا أن حمزة خالف أصله في هذين الموضعين خاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1834>[سورة طه (٢٠): آية ١١]</span>\nفَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١)\nلأن معنى نودي: قيل له. قرأ الحسن وأبو جعفر وأبو عمرو نودي يا موسى\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٢١٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤١٧، وقراءة حمزة وطلحة ونافع بضمّ الهاء.\n(٢) القصص: ٢٩.","vol":"3","page":23},{"text":"أنّي «١» بفتح الهمزة بمعنى نودي «بأنّي» و«أنّ» في موضع نصب، ومن كسر فالمعنى عنده: قال إني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1835>[سورة طه (٢٠): آية ١٢]</span>\nإِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢)\nوقرأ أهل المدينة وأهل البصرة بالواد المقدّس طوى «٢» بغير تنوين، وقرأ أهل الكوفة طُوىً بالتنوين. قال أبو جعفر: الوجه ترك التنوين لأنه مثل «عمر» معدول، وهو معرفة، ويجوز أن يكون اسما للبقعة فلا ينصرف أيضا، ومن نوّن فزعم أبو إسحاق أنه يقدّره اسما للمكان غير معدول، مثل حطم وصرد. قال: ومن قال: طوى فصرف جعله كضلع، ومعى على أنه اسم للمكان، ويجوز ترك صرفه على أنه اسم للبقعة. قال أبو جعفر: من جعل طوى بمعنى ثنى نوّن لا غير، يأخذه من ثنيت الشيء ثنى أي قدّس مرّتين. وفي الحديث «لا ثنى في الصّدقة» «٣» أي لا تثنى فتؤخذ مرّتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1836>[سورة طه (٢٠): آية ١٣]</span>\nوَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣)\nقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم والكسائي وَأَنَا اخْتَرْتُكَ وقرأ سائر الكوفيين وإنّا اخترناك «٤» والمعنى واحد إلّا أن «وأنا اخترتك» هاهنا أولى من جهتين: إحداهما أنه أشبه بالخطّ، والثانية أنه أولى بنسق الكلام لقوله جلّ وعزّ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وعلى هذا النسق جرت المخاطبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1837>[سورة طه (٢٠): آية ١٤]</span>\nإِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)\nوَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال أبو إسحاق: فيه قولان يكون المعنى: أقم الصلاة لأن تذكرني فيها لأن الصلاة لا تكون إلّا بذكر، والقول الآخر: أقم الصلاة متى ذكرتها كان ذلك في وقت صلاة. قال أبو جعفر: وفيها قول ثالث يكون المعنى: أقم الصّلاة لأن أذكرك بالمدح. وقرأ أبو عبد الرحمن وأبو رجاء والشعبي أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي «٥» وفي هذه القراءة وجهان: أحدهما أن تكون هذه ألف التأنيث، والوجه الآخر أن تكون هذه الألف أبدلت من الياء، كما يقال: يا غلاما أقبل، وفعل ذلك لتتّفق رؤوس الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1838>[سورة طه (٢٠): آية ١٥]</span>\nإِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥)\nإِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها آية مشكلة. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا شيئا مما قيل فيها. وعن سعيد بن جبير روايتان: إحداهما ما حدّثناه الحسن بن الفرج بغزّة قال:\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤١٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٢١٧.\n(٣) أخرجه الترمذي في سننه- الزكاة ٣/ ١٧٤.\n(٤) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤١٧.\n(٥) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٥، ومعاني الفراء ٢/ ١٧٦، ومختصر ابن خالويه ٨٧.","vol":"3","page":24},{"text":"حدّثنا يوسف بن عديّ قال: حدّثنا محمد بن سهل الكوفي عن ورقاء وهو ابن إياس عن سعيد بن جبير أنه قرأ أَكادُ أُخْفِيها «١» بفتح الهمزة قال: أظهرها وليس لهذه الرواية طريق غير هذا، وقد رواها أبو عبيد عن الكسائي عن محمد بن سهل هذا. وأجود من هذا الإسناد ما رواه يحيى القطّان عن الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير أنه قرأ أَكادُ أُخْفِيها «٢» بضم الهمزة. قال أبو جعفر: يقال: خفى الشيء يخفيه إذا أظهره، وقد حكي أنه يقال: أخفاه إذا أظهره، وليس بالمعروف. قال أبو جعفر: ورأيت علي ابن سليمان لما أشكل عليه معنى أخفيها عدل إلى هذا القول، وقد قال معناه كمعنى أخفيها أي أظهرها. قال أبو جعفر: ليس المعنى على أظهرها ولا سيّما وأخفيها قراءة شاذة. فكيف نردّ القراءة الصحيحة الشائعة إلى الشاذة؟ ومعنى الضم أولى ويكون التقدير أنّ الساعة آتية أكاد آتي بها، ودلّ آتيه على آتي بها ثم قال جلّ وعزّ: أُخْفِيها على الابتداء. وهذا معنى صحيح لأن الله جلّ وعزّ قد أخفى الساعة التي هي يوم القيامة: والساعة التي يموت فيها الإنسان ليكون الإنسان يعمل، والأمر عنده مبهم ولا يؤخّر التوبة. وقيل: المعنى: أكاد أخفيها أي أقارب ذلك لأنك إذا قلت: كاد زيد يقوم، يجوز أن يكون قام، وأن يكون لم يقم، ودل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه على هذا الجواب، وقيل: إن المعنى أنّ الساعة آتية لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى وقيل:\nالمعنى أقم الصلاة لذكري لتجزى كلّ نفس بما تسعى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1839>[سورة طه (٢٠): آية ١٦]</span>\nفَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦)\nفَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها أي عن الإيمان بها، وبما فيها، مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ أي في الكفر بها فَتَرْدى من ردي يردى إذا هلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1840>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨)\nوَما تِلْكَ ابتداء وخبر، وفيه معنى التنبيه. وزعم الفراء أن تلك هاهنا اسم ناقص وصلته: بيمينك. قال أبو جعفر: ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول ويقول به، والمعنى عندهما: وما التي بيمينك. وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت أبا العباس ينكر هذا القول، ويقول: لا يجوز أن توصل الأسماء المبهمة. ويقال:\nأَهُشُّ و«أهشّ» .\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٧٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٢١٩.","vol":"3","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1841>[سورة طه (٢٠): آية ٢٠]</span>\nفَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠)\nفَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ ابتداء وخبر، ويجوز النصب، يقال: خرجت فإذا زيد جالس، وجالسا، على الحال. قال أبو جعفر: وقد شرحناه فيما تقدم. والوقف حيه بالهاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1842>[سورة طه (٢٠): آية ٢١]</span>\nقالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١)\nسَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: التقدير إلى سيرتها، مثل وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الأعراف: ١٥٥] قال: ويجوز أن يكون مصدرا لأن معنى سنعيدها سنسيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1843>[سورة طه (٢٠): آية ٢٢]</span>\nوَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢)\nوَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ ويجوز في غير القرآن ضمّ بفتح الميم وكسرها وضمّها لالتقاء الساكنين، والفتح أجود لخفته، والكسر على الأصل، والضم اتباع. فإن جئت بالألف واللام كان الكسر أجود، فإن جئت بمضمر غائب كان الضمّ أكثر وإظهار التضعيف، لأن الثاني قد سكن. ويد أصلها يدي على فعل. يدلّ على ذلك أيد، وتصغيرها يديّة لأنها مؤنّثة. تَخْرُجْ بَيْضاءَ نصب على الحال، ولم تنصرف لأن فيها ألفي التأنيث لا يزايلانها فكأن لزومها علّة ثانية فلم تنصرف في النكرة وخالفتها الهاء لأن الهاء تفارق الاسم آيَةً أُخْرى قال الأخفش: على البدل من بيضاء: وهو قول حسن لأن المعنى في بيضاء: مبيّنة. قال أبو إسحاق: المعنى آتيناك آية أخرى، أو نؤتيك آية لأنه لما قال: تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ دلّ على أنه قد آتاه آية أخرى. قال:\nويجوز آية بالرفع بمعنى: هذه آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1844>[سورة طه (٢٠): آية ٢٤]</span>\nاذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤)\nأي تجاوز في الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1845>[سورة طه (٢٠): آية ٢٥]</span>\nقالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥)\nأي وسّعه وسهّل عليّ أداء ما أمرتني به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1846>[سورة طه (٢٠): آية ٢٧]</span>\nوَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧)\nولم يقل: احلل كلما بلساني، فلذلك قال فرعون: ولا يكاد يبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1847>[سورة طه (٢٠): آية ٢٨]</span>\nيَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)\nمجزوم لأنه جواب الطلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1848>[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nوَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠)\nيكون على التقديم والتأخير، ويكونان مفعولين، والأخ نعت، والتقدير واجعل","vol":"3","page":26},{"text":"هارون أخي وزيرا لي، ويجوز أن يكون هارون بدلا من وزير لأن المعرفة تبدل من النكرة، ويجوز الرفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1849>[سورة طه (٢٠): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nاشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)\nعلى الدعاء، وعن الحسن وابن أبي إسحاق أنهما قرءا اشْدُدْ «١» بفتح الهمزة وضم الدال الأولى وإسكان الثانية وَأَشْرِكْهُ «٢» بضم الهمزة وإسكان الكاف يجعلان الفعلين في موضع جزم جوابا لقوله: اجعل لي وزيرا من أهلي. وهذه القراءة شاذّة بعيدة لأن جواب مثل هذا إنما ينجزم بمعنى الشرط والمجازاة فيكون المعنى: إن تجعل لي وزيرا من أهلي أشدد به أزري وأشركه في أمري. وأمره النبوة والرسالة، وليس هذا إليه ﷺ فيخبر به، وإنما يسأل الله جلّ وعزّ أن يشركه معه في النبوة. وعن ابن عباس «أشدد به أزري» أي قوّني، وعنه أي ظهري. قال أبو جعفر: وهو مشتقّ من الإزار، لأنه يشدّ به. وقد يقال للظهر: أزر لما فيه من القوة. وآزره قواه وليس وزير من هذا، إنّما هو مشتقّ من الوزر، وهو الجبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1850>[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nكَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا (٣٥)\nكَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا نعت لمصدر أي تسبيحا كثيرا ويجوز أن يكون نعتا لوقت، والإدغام حسن، وكذا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا مدغم، وكذا إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا لأن الحرفين من كلمتين «بصيرا» أي عليما بما يصلحنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1851>[سورة طه (٢٠): آية ٣٩]</span>\nأَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩)\nأَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ الضمير للتابوت فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ أمر. قال الفراء «٣»: وفيه معنى المجازاة أي اقذفيه يلقه اليم. وكذا عنده اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [العنكبوت: ١٢] . وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي على علمي بك. والإدغام جائز ليس في حسن الأول لبعد حروف الحلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1852>[سورة طه (٢٠): آية ٤٠]</span>\nإِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠)\nثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى في الوقت الذي أراد الله جل وعزّ أن يرسله.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٧٨، والبحر المحيط ٦/ ٢٢٥. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٧٨.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ١٧٩.","vol":"3","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1853>[سورة طه (٢٠): آية ٤١]</span>\nوَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)\nأي قوّيتك وعلّمتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1854>[سورة طه (٢٠): آية ٤٢]</span>\nاذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢)\nاذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ عطف على المضمر، وحسن العطف عليه لمّا وكّدته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1855>[سورة طه (٢٠): آية ٤٣]</span>\nاذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣)\nإِنَّهُ طَغى أي تجاوز في الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1856>[سورة طه (٢٠): آية ٤٤]</span>\nفَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤)\nلَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى قال أبو جعفر: قد ذكرناه «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1857>[سورة طه (٢٠): آية ٤٥]</span>\nقالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥)\nقال الضحاك: يفرط يعجل، قال: ويطغى يعتدي. قال أبو جعفر: التقدير:\nنخاف أن يفرط علينا منه أمر أي يبدر أمر. قال الفراء: يقال فرط منه أمر، قال: وأفرط أسرف، قال: وفرّط ترك. قال أبو إسحاق: أصله كلّه من التقديم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1858>[سورة طه (٢٠): آية ٤٦]</span>\nقالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦)\nإِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى أي أسمع كلامه، وأرى فعله، ولا أخلّي بينه وبينكما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1859>[سورة طه (٢٠): آية ٤٧]</span>\nفَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧)\nوَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى قال أبو إسحاق: أي من اتّبع الهدى سلم من سخط الله جلّ وعزّ وعذابه. قال: وليس بتحية، قال: والدليل على ذلك إنه ليس بابتداء لقاء، ولا خطاب. وروى زائدة عن الأعمش أنه قرأ الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ «٢» بفتح اللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1860>[سورة طه (٢٠): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nقالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢)\nقالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى قال: كيف يحيون ويجارون أي إن هذا بعيد، فأجابه موسى ﷺ بأن الله جلّ وعزّ يعلمهما. قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ وفي معناه قولان:\nأحدهما أنه تمثيل مجاز، والآخر أنه حقيقة، وأنّ ذلك مكتوب تقرأه الملائكة فتستدلّ\n_________\n(١) ذكر في إعراب الآية ١٥٢: الأنعام.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٨٧، وهي قراءة أبي نهيك ونصير عن الكسائي أيضا.","vol":"3","page":28},{"text":"على قدرة الله جلّ وعزّ وعلى عظمته. لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى في معناه ثلاثة أقوال:\nذكر أبو إسحاق منها واحدا أنه نعت لكتاب أي لا يضلّه ربي ولا ينساه، والقول الثاني أنه قد تمّ الكلام ثم ابتدأ فقال: لا يضلّ ربي أي لا يهلك من قوله: أإذا ضللنا في الأرض، ولا ينسى شيئا، والقول الثالث أشبهها بالمعنى أخبر الله جلّ وعزّ أنه لا يحتاج إلى كتاب، فالمعنى لا يضلّ عنه علم شيء من الأشياء، ولا معرفتها، ولا ينسى علمه منها. وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي «١» أي لا يضيّعه ربّي ولا ينساه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1861>[سورة طه (٢٠): آية ٥٣]</span>\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣)\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وقرأ الكوفيون مَهْدًا «٢»، ومهادا هاهنا أولى لأن مهدا مصدر وليس هذا موضع مصدر إلّا على حذف: أي ذات مهد. وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا مجاز أي جعل لكم فيها السبل. وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً أي من نواحيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1862>[سورة طه (٢٠): آية ٥٥]</span>\nمِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥)\nمِنْها خَلَقْناكُمْ أي من الأرض. قال أبو إسحاق: لأن آدم ﷺ خلق من الأرض، وقال غير أبي إسحاق: النطفة مخلوقة من التراب. يدلّ على هذا ظاهر القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1863>[سورة طه (٢٠): آية ٥٦]</span>\nوَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦)\nوَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها المعنى: ولقد أرينا فرعون آياتنا التي أعطينا لموسى ﷺ كلها. والفائدة في هذا أن فرعون رأى الآيات كلّها عيانا لا خبرا فَكَذَّبَ وَأَبى أن يؤمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1864>[سورة طه (٢٠): آية ٥٨]</span>\nفَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً (٥٨)\nفَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً.\nوقرأ الكوفيون سُوىً بضم السين، والكسر أشهر وأعرف «٣» . قيل: معناه سوى ذلك المكان. وأهل التفسير على أن معنى سوى نصف وعدل، وهو قول حسن، وأصله من قولك: جلس في سواء الدار، أي في وسطها وفي سواها. ووسط كلّ شيء\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٣٣، ومختصر ابن خالويه ٨٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٣٤، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤١٨.\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤١٨، والبحر المحيط ٦/ ٢٣٦.","vol":"3","page":29},{"text":"أعدله. وفي الحديث عن النبي ﷺ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: ١٤٣] أي عدلا. قال زهير: [الوافر] ٢٩٠-\nأرونا خطّة لا ضيم فيها ... يسوّى بيننا فيها السّواء «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1865>[سورة طه (٢٠): آية ٥٩]</span>\nقالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)\nقالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ مبتدأ وخبره. قال أبو إسحاق: المعنى وقت موعدكم يوم الزينة. وقرأ الحسن مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ «٢» على الظرف. قال أبو إسحاق: أي يقع يوم الزينة وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (أن) في موضع رفع، يعني على قراءة من قرأ «يوم الزينة» ظرف وأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ بمعنى المصدر، فلا يعطف أحدهما على صاحبه إلا على حذف بمعنى ويوم أن يحشر الناس، وأولى من هذا أن تكون «أن» في موضع خفض عطفا على الزينة، والضُّحى مؤنثة تصغّرها العرب بغير هاء لئلّا يشبه تصغيرها تصغير ضحوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1866>[سورة طه (٢٠): آية ٦١]</span>\nقالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١)\nقالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ بمعنى المصدر. قال أبو إسحاق: أي الزمهم الله جلّ وعزّ ويلا، قال: ويجوز أن يكون نداء مضافا. فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ «٣» جواب النهي، وقرأ الكوفيون: فَيُسْحِتَكُمْ والأولى لغة أهل الحجاز، وهذه لغة بني تميم، قال الفرزدق: [الطويل] ٢٩١-\nوعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلّا مسحتا أو مجلّف «٤»\nومعنى لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لا تقولوا: إنّ الذي أجيء به من البراهين سحر وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى أي خاب من الرحمة والثواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1867>[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nفَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣)\nقالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ فيه ست قراءات «٥» قرأ المدنيون والكوفيون إنّ هذان\n_________\n(١) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ٨٤، ولسان العرب (سوا)، والمخصص ١٢/ ٦٠، وتهذيب اللغة ١٣/ ١٢٦، وتاج العروس (سوا) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٣٧.\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤١٩.\n(٤) مرّ الشاهد رقم (٤٣٢) .\n(٥) انظر القراآت في كتاب السبعة لابن مجاهد ٤١٩، والبحر المحيط ٦/ ٢٣٨، ومعاني الفراء ٢/ ١٨٣.","vol":"3","page":30},{"text":"لساحران وقرأ أبو عمرو إنّ هذين لساحران وهذه القراءة مروية عن الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعيسى بن عمر وعاصم الجحدري، وقرأ الزهري وإسماعيل بن قسطنطين والخليل بن أحمد وعاصم في إحدى الروايتين إِنْ هذانِ لَساحِرانِ بتخفيف إن.\nفهذه ثلاث قراءات، قد رواها الجماعة عن الأئمة. وروي عن عبد الله بن مسعود إن هذان إلّا ساحران وقال الكسائي: في قراءة عبد الله إن هذان ساحران بغير لام، وقال الفراء «١»: في حرف أبيّ إن ذان إلّا ساحران فهذه ثلاث قراءات أخرى، تحمل على التفسير، إلا أنها جائز أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف. قال أبو جعفر: القراءة الأولى للعلماء فيها ستة أقوال: منها أن يكون إنّ بمعنى نعم، كما حكى الكسائي عن عاصم قال العرب:\nتأتي بإنّ بمعنى نعم، وحكى سيبويه: أنّ «إنّ» تأتي بمعنى أجل. وإلى هذا القول كان محمد بن يزيد وإسماعيل بن إسحاق يذهبان. قال أبو جعفر: ورأيت أبا إسحاق وأبا الحسن علي بن سليمان يذهبان إليه. وحدّثنا علي بن سليمان قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السّلام النيسابوري، ثمّ لقيت عبد الله بن أحمد هذا فحدّثني قال: حدّثنا عمير بن المتوكل قال: حدّثنا محمد بن موسى النوفلي من ولد حارث بن عبد المطلب قال: حدّثنا عمرو بن جميع الكوفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي وهو علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁. قال: لا أحصي كم سمعت رسول الله ﷺ على منبره يقول: «إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ثم يقول: أنا أفصح قريش كلّها وأفصحها بعدي أبان بن سعيد بن العاص» «٢» قال أبو محمد: قال عمير: إعرابه عند أهل العربية في النحو إنّ الحمد لله بالنصب إلّا أن العرب تجعل «إنّ» في معنى نعم كأنه أراد: نعم الحمد لله، وذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح في خطبتها بنعم، وقال الشاعر في معنى نعم: [الكامل] ٢٩٢-\nقالوا: غدرت فقلت إنّ وربّما ... نال العلى وشفى الغليل الغادر «٣»\nوقال ابن قيس الرقيات «٤»: [مجزوء الكامل] ٢٩٣-\nبكر العواذل في الصّبوح ... يلمنني وألومهنّه\nويقلن شيب قد علاك ... وقد كبرت، فقلت: إنّه\nفعلى هذا جائز أن يكون قول الله ﷿: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ بمعنى نعم.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٨٤، والبحر المحيط ٦/ ٢٣٨.\n(٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ٢١٨. [.....]\n(٣) الشاهد بلا نسبة في تذكرة النحاة ٧٣٢، وجواهر الأدب ٣٤٨، وشرح المفصل ٣/ ١٣٠.\n(٤) البيتان في ديوانه ص ٦٦، وخزانة الأدب ١١/ ٢١٣، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٧٥، وشرح شواهد المغني ١/ ١٢٦، ولسان العرب (أنن)، وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ١٧٢، وأمالي ابن الحاجب ص ٣٥٤، وجمهرة اللغة ص ٦١، والجنى الداني ٣٩٩، وجواهر الأدب ٣٤٨، ورصف المباني ١١٩، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٤٩٢ وشرح المفصل ٨/ ٦، ولسان العرب (بيد) .","vol":"3","page":31},{"text":"قال أبو جعفر: أنشدني داود بن الهيثم قال: أنشدني ثعلب: [الخفيف] ٢٩٤-\nليت شعري هل للمحبّ شفاء ... من جوى حبّهنّ إنّ اللّقاء «١»\nأي: نعم، فهذا قول. وقال أبو زيد والكسائي والأخفش والفراء: هذا على لغة بني الحارث بن كعب. قال الفراء: يقولون: رأيت الزّيدان، ومررت بالزّيدان وأنشد: [الطويل] ٢٩٥-\nفأطرق إطراق الشّجاع ولو يرى ... مساغا لناباه الشّجاع لصمّما «٢»\nوحكى أبو الخطاب أنّ هذه لغة بني كنانة، وللفراء قول آخر قال: وجدت الألف دعامة ليست بلام الفعل فزدت عليها نونا ولم أغيرها، كما قلت: الذي، ثم زدت عليها نونا فقلت: جاءني الذين عندك، ورأيت الذين عندك. قال أبو جعفر: وقيل: شبّهت الألف في قولك: هذان بالألف في يفعلان، فلم تغير. قال أبو إسحاق: النحويون القدماء يقولون: الهاء هاهنا مضمرة، والمعنى: إنّه هذان لساحران. فهذه خمسة أقوال، قال أبو جعفر: وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية فقال: إن شئت أجبتك بجواب النحويين، وإن شئت أجبتك بقولي فقلت: بقولك، فقال: سألني إسماعيل بن إسحاق عنها فقلت: القول عندي أنه لما كان يقال: هذا في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة، وكانت التثنية يجب أن لا يغيّر لها الواحد أجريت التثنية مجرى الواحد، فقال: ما أحسن هذا لو تقدّمك بالقول به حتى يؤنس به، فقلت: فيقول القاضي «به» حتى يؤنس به فتبسّم. قال أبو جعفر: القول الأول أحسن إلّا أنّ فيه شيئا لأنه إنما قال: إنما يقال: نعم زيد خارج، ولا يكاد يقع اللام هاهنا، وإن كان النحويون قد تكلّموا في ذلك فقالوا: اللّام ينوى بها التقديم. وقال أبو إسحاق: المعنى إنّ هذان لهما ساحران، ثمّ حذف المبتدأ كما قال: [الرجز] ٢٩٦-\nأمّ الحليس لعجوز شهربه «٣»\nوالقول الثاني من أحسن ما حملت عليه الآية إذ كانت هذه اللّغة معروفة، وقد\n_________\n(١) لم أجده في المراجع اللغوية.\n(٢) الشاهد للمتلمّس في ديوانه ٣٤، والحيوان ٤/ ٢٦٣، وخزانة الأدب ٧/ ٤٨٧، والمؤتلف والمختلف ص ٧١، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ٧٥٧، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٧٠٤، وشرح الأشموني ١/ ٣٤، وشرح المفصّل ٣/ ١٢٨.\n(٣) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص ١٧٠، وشرح التصريح ١/ ١٧٤، وشرح المفصّل ٣/ ١٣٠، وله أو لعنترة بن عروس في خزانة الأدب ١٠/ ٣٢٣، والدرر ٢/ ١٨٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٠٤، والمقاصد النحوية ١/ ٥٣٥، وبلا نسبة في لسان العرب (شهرب)، وجمهرة اللغة ص ١١٢١، وتاج العروس (شهرب) و(لوم)، وأوضح المسالك ١/ ٢١٠، وتخليص الشواهد ٣٥٨، والجنى الداني ص ١٢٨، ورصف المباني ٣٣٦، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٣٧٨، وشرح الأشموني ١/ ١٤١، وشرح ابن عقيل ص ١٨٥، وشرح المفصل ٧/ ٥٧، ومغني اللبيب ١/ ٢٣٠، وهمع الهوامع ١/ ١٤٠.","vol":"3","page":32},{"text":"حكاها من يرتضى علمه وصدقه وأمانته، منهم أبو زيد الأنصاري، وهو الذي يقول إذا قال سيبويه: حدّثني من أثق به فإنما يعنيني. وأبو الخطاب الأخفش، وهو رئيس من رؤساء أهل اللغة، روى عنه سيبويه وغيره. ومن بين ما في هذا قول سيبويه: واعلم أنّك إذا ثنّيت الواحد زدت عليه زائدتين، الأولى منهما حرف مدّ ولين، وهو حرف الإعراب. قال أبو جعفر: فقول سيبويه: وهو حرف الإعراب، يوجب أنّ الأصل أن لا يتغير إنّ هذان، جاء على أصله ليعلم ذلك وقد قال الله جلّ وعزّ: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ [المجادلة: ١٩] ولم يقل: استحاذ، فجاء على هذا ليدل على الأصل إذ كان الأئمة قد رووها وتبيّن أنها الأصل، وهذا بيّن جدا. وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى تأنيث أمثل، كما يقال: الأفضل والفضلى، وأنّثت الطريقة على اللفظ، وإن كان يراد بها الرجال، ويجوز أن يكون التأنيث على معنى الجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1868>[سورة طه (٢٠): آية ٦٤]</span>\nفَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤)\nفَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ قراءة أهل الأمصار إلّا أبا عمرو فإنه قرأ فاجمعوا «١» بالوصل وفتح الميم، واحتج بقوله جلّ وعزّ: فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى [طه: ٦٠] وفيما حكى عن محمد بن يزيد أنه قال: يجب على أبي عمرو ومن بحجّته أن يقرأ بخلاف قراءته هذه، وهي القراءة التي عليها أكثر الناس، قال: لأنه احتجّ بجمع وقوله جلّ وعزّ: فَجَمَعَ كَيْدَهُ قد ثبت هذا فيبعد أن يكون بعده فاجمعوا، ويقرب أن يكون بعده فأجمعوا أي اعزموا وجدّوا لما تقدّم ذلك وجب أن يكون هذا بخلاف معناه.\nيقال: أمر مجمع عليه. وقال أبو جعفر: تصحيح قراءة أبي عمرو فأجمعوا كلّ كيد وكلّ حيلة فضمّوه مع أخيه. ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا منصوب بوقوع الفعل عليه. وقول أبي عبيدة قال: يقال: أتيت الصفّ أي المصلى، فالمعنى عنده: أتوا الموضع الذي تجتمعون فيه يوم العيد. وزعم أبو إسحاق أنه يجوز أن يكون منصوبا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1869>[سورة طه (٢٠): آية ٦٦]</span>\nقالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦)\nقال هارون القارئ: لغة بني تميم عصيهم «٢» وبها يأخذ الحسن. قال أبو جعفر: من كسر العين أتبع الكسرة الكسرة وقد ذكرناه «٣» . يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى قال أبو إسحاق: «أن» في موضع رفع أي يخيل إليه سعيها، وزعم الفراء: «أنّ» موضعها موضع نصب أي بأنها ثم حذف الباء. وقرأ الحسن تخيّل «٤» بالتاء. قال أبو عبيد:\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤١٩، والبحر المحيط ٦/ ٢٣٩.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٨٨، والبحر المحيط ٦/ ٢٤١ والإتحاف ١٨٦.\n(٣) انظر إعراب الآية ١١ من سورة النساء.\n(٤) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٤١، ومعاني الفراء ٢/ ١٨٢.","vol":"3","page":33},{"text":"أراد الحبال. قال أبو إسحاق: من قرأ بالتاء جعل «أنّ» في موضع نصب أي تخيل إليه ذات سعي. قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع على البدل، بدل الاشتمال، كما حكى سيبويه: ما لي بهم علم أمرهم. أي ما لي بأمرهم علم. قال: وأنشد: [الرجز] ٢٩٧-\nوذكرت تقتد برد مائها «١»\nأي ذكر برد ماء تقتد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1870>[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nفَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨)\nفَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى يقال: إنه خاف أن يفتن الناس لمّا ألقى السحرة حبالهم وعصيّهم، وكانوا بالبعد من الناس في ناحية، وفرعون وجنوده في ناحية، وموسى وهارون صلّى الله عليهما في ناحية. فخاف موسى ﷺ أن يشبّه على النّاس إذ كانوا يتخيّلون أنّ الحبال والعصيّ تسعى، وأنها حيات فيتوهمون أنهم قد ساووا موسى ﷺ فيما جاء به. ويقال: إن موسى ﷺ إنما خاف لأنه أبطأ عليه الأمر بإلقاء العصا فأوحى الله جلّ وعزّ إليه لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى أي لا تخف الشّبه فإنّا سنبيّن أمرك حتى تعلو عليهم بالبرهان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1871>[سورة طه (٢٠): آية ٦٩]</span>\nوَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩)\nوَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا فألقى العصا فتلقّفت حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاثمائة بعير، ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصيّ إلّا الله جل وعزّ. قال أبو إسحاق: الأصل في «خيفة» خوفة أبدل من الواو ياء لانكسار ما قبلها.\nقال: ويجوز تَلْقَفْ ما صَنَعُوا بالرفع يكون فعلا مستقبلا في موضع الحال المقدّرة.\nقال: ويجوز «أنّ ما صنعوا» بفتح الهمزة. أي لأن ما. كَيْدُ ساحِرٍ بالرفع على خبر إنّ و«ما» بمعنى الذي، والنصب على أن تكون ما كافة. وقرأ الكوفيون إلّا عاصما كيد سحر «٢» على إضافة النوع والجنس، كما تقول: ثوب خزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1872>[سورة طه (٢٠): آية ٧١]</span>\nقالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى (٧١)\nإِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ الضمير عائد على موسى ﷺ، احتال فرعون في\n_________\n(١) الرجز لجبر بن عبد الرحمن في شرح أبيات سيبويه ١/ ٢٨٥، ولأبي وجزة السعدي في معجم البلدان (تقتد)، ولأحد الاثنين في المقاصد النحوية ٤/ ١٨٣، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ٤٠٢، والكتاب ١/ ٢٠٤، وبعده:\n«وعتل البول على أنسائها»\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٤٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٢٠.","vol":"3","page":34},{"text":"التشبيه على الناس بهذا. فقال للسحرة: إن موسى كبيركم أي هو أحذق منكم بالسحر فواطأكم على هذا، وعلّمكم إيّاه. فقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلّبهم حتّى ماتوا. وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى قال أبو إسحاق: رفعت أيّا لأن لفظها لفظ الاستفهام فلم يعمل فيها ما قبلها لأنه خبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1873>[سورة طه (٢٠): آية ٧٢]</span>\nقالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢)\nقال أبو إسحاق: «الذي» في موضع خفض على العطف. والمعنى: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات وعلى الله جلّ وعزّ. قال: ويجوز أن يكون في موضع خفض على القسم.\nفَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ بحذف الياء في الوصل لسكونها وسكون التنوين، وتحذف في الوقف دلالة على أنها في الوصل بغير ياء واختار سيبويه إثباتها في الوقف لأنه قد زالت علّة التقاء الساكنين إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا منصوبة على الظرف. والمعنى: إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا. وأجاز الفراء «١» الرفع على أن يجعل «ما» بمعنى الذي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1874>[سورة طه (٢٠): آية ٧٣]</span>\nإِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣)\nما في موضع نصب معطوفة على الخطايا، وقيل: لا موضع لها وهي نافية أي ليغفر لنا خطايانا من السحر وما أكرهتنا عليه، والأولى أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1875>[سورة طه (٢٠): آية ٧٤]</span>\nإِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤)\nإِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا الهاء كناية عن الحديث والجملة خبر إنّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1876>[سورة طه (٢٠): آية ٧٧]</span>\nوَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى (٧٧)\nأَنْ أَسْرِ من أسرى، وأن أسر من سرى، لغتان فصيحتان. فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو وعاصم والكسائي وقرأ الأعمش وحمزة لا تخف دركا «٢» والقراءة الأولى أبين لأنه بعده وَلا تَخْشى مجمع عليه بلا جزم. فالقراءة الأولى فيها ثلاث تقديرات: يكون في موضع الحال، وفي موضع النعت لطريق على حذف فيه، ومقطوعة من الأول. والقراءة الثانية فيها تقديران: أحدهما الجزم على النهي، والآخر الجزم على جواب الأمر وهو فاضرب. فأما وَلا تَخْشى إذا جزمت لا تخف فللنحويين فيه تقديران: أحدهما وهو الذي لا يجوز غيره أن يكون\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٨٧.\n(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٢١، والبحر المحيط ٦/ ٢٤٥، وهي قراءة أبي حيوة وطلحة أيضا.","vol":"3","page":35},{"text":"مقطوعا من الأول، مثل يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ [آل عمران: ١١١]، والتقدير الآخر- ذكره الفراء «١»: أن يكون «ولا تخشى» ينوى به الجزم وتثبت فيه الياء- زعم كما قال الشاعر: [البسيط] ٢٩٨-\nهجوت زبّان ثمّ جئت معتذرا ... من سبّ زبّان لم تهجو ولم تدع «٢»\nوأنشد: [الوافر] ٢٩٩-\nألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بني زياد «٣»\nقال أبو جعفر: هذا من أقبح الغلط أن يحمل كتاب الله جلّ وعزّ على شذوذ من الشعر، وأيضا فإن الذي جاء به من الشعر لا يشبه من الآية شيئا لأن الواو والياء مخالفتان للألف لأنهما تتحركان والألف لا تتحرك، فللشاعر إذا اضطر أن يقدّرهما متحرّكتين ثم يحذف الحركة للجزم، وهذا محال في الألف. وأيضا فليس في البيتين اضطرار يوجب هذا لأنهما إذا رويا بحذف الواو والياء كانا وزنا صحيحا من البسيط والوافر، يسمي الخليل الأول مطويا والثاني منقوصا «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1877>[سورة طه (٢٠): آية ٧٨]</span>\nفَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨)\nعلى معنى التعظيم والمعرفة بالأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1878>[سورة طه (٢٠): آية ٧٩]</span>\nوَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩)\nأي أضلّهم عن الرشد، وما هداهم إلى خير ولا نجاة لأنه قدّر أنّ موسى ﷺ ومن تبعه لا يفوتونه لأن بين أيديهم البحر، فلما ضرب موسى ﷺ البحر بعصاه انفلق منه اثنا\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٨٧. [.....]\n(٢) الشاهد لزبّان بن العلاء في معجم الأدباء ١١/ ١٥٨، وبلا نسبة في تاج العروس (زبب)، و(زبن)، والإنصاف ١/ ٢٤، وخزانة الأدب ٨/ ٣٥٩، والدرر ١/ ١٦٢، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٦٣٠، وشرح التصريح ١/ ٨٧، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ١٨٤، وشرح شواهد الشافية ٤٠٦، وشرح المفصّل ١٠/ ١٠٤، ولسان العرب (يا)، والمقاصد النحوية ١/ ٢٣٤، والممتع في التصريف ٢/ ٥٣٧، والمنصف ٢/ ١١٥، وهمع الهوامع ١/ ٥٢.\n(٣) الشاهد لقيس بن زهير في الأغاني ١٧/ ١٣١، وخزانة الأدب ٨/ ٣٥٩، والدرر ١/ ١٦٢، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٤٠، وشرح شواهد الشافية ٤٠٨، وشرح شواهد المغني ٣٢٨، والمقاصد النحوية ١/ ٢٣٠، ولسان العرب (أتى)، وبلا نسبة في أسرار العربية ١٠٣، والأشباه والنظائر ٥/ ٢٨٠، والإنصاف ١/ ٣٠، وأوضح المسالك ١/ ٦، والجنى الداني ص ٥٠، وخزانة الأدب ٩/ ٥٢٤، والخصائص ١/ ٣٣٣، ورصف المباني ١٤٩، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٨٧، وشرح الأشموني ١/ ١٦٨، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ١٨٤، وشرح المفصل ٨/ ٢٤، ومغني اللبيب ١/ ١٠٨.\n(٤) الطيّ: هو حذف الرابع الساكن من تفعيلة (مستفعلن) .\nوالنقص: هو حذف السابع الساكن من تفعيلة الوافر (مفاعلتن) بعد تسكين الخامس.","vol":"3","page":36},{"text":"عشر طريقا، وبين الطرق الماء قائما كالجبال. فأخذ كلّ سبط طريقا، فلما أقبل فرعون ورأى الطرق في البحر والماء قائما أوهمهم أنّ البحر فعل ذلك لهيبته فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1879>[سورة طه (٢٠): آية ٨٠]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠)\nأي أمرنا موسى ﷺ أن يأمركم بالخروج معه ليكلّمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام.\nوَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى أي في البرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1880>[سورة طه (٢٠): آية ٨١]</span>\nكُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١)\nأي لا تحملكم السّعة والعافية أن تعصوا لأن الطغيان: التجاوز إلى ما لا يجب.\nفَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى وأكثر الكوفيين يقرأ يحلل «١» حكى أبو عبيد وغيره أنه يقال: حلّ يحلّ إذا وجب، وحلّ يحلّ إذا نزل. والمعنيان متقاربان إلّا أن الكسر أولى لأنهم قد أجمعوا على قوله: وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ [الزمر:\n٤٠] قال أبو إسحاق: فَقَدْ هَوى فقد هلك صار إلى الهاوية وهي قعر النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1881>[سورة طه (٢٠): آية ٨٢]</span>\nوَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى (٨٢)\nقال وكيع عن سفيان: كنّا نسمع في قوله ﷿: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ أي من الشرك وَآمَنَ أي بعد الشرك وَعَمِلَ صالِحًا صلى وصام ثُمَّ اهْتَدى مات على ذلك. وهذا أحسن ما قيل في الآية، وقال الفراء «٢»: ثُمَّ اهْتَدى علم أنّ لذلك ثوابا وعليه عقابا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1882>[سورة طه (٢٠): آية ٨٣]</span>\nوَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣)\n- الآية- أمر أن يأمر قومه بالخروج معه ليسمعوا كلام الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1883>[سورة طه (٢٠): آية ٨٤]</span>\nقالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)\nقالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي أي هم قريبا منّي. قال أبو حاتم: قال عيسى: بنو تميم يقولون هم أولى مرسلة مقصورة، وأهل الحجاز يقولون: أُولاءِ ممدودة، وحكى الفراء «٣» هم أولاء على أثري وزعم أبو إسحاق أن هذا لا وجه له، وهو كما قال: لأن هذا ليس مما يضاف فيكون مثل هداي، ولا يخلو من إحدى جهتين: إما أن\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٤٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٢٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٨٨.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ١٨٨.","vol":"3","page":37},{"text":"يكون اسما مبهما فإضافته محال، وإما أن يكون بمعنى الذي فلا يضاف أيضا لأن ما بعده من تمامه وهو معرفة. وقرأ عيسى هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي «١» وهو بمعنى أثر وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى أي عجلت بالمصير إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عنّي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1884>[سورة طه (٢٠): آية ٨٥]</span>\nقالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)\nقالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ أي اختبرناهم وامتحناهم بأن يستدلّوا على الله وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ أي دعاهم إلى الضلالة فاتّبعوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1885>[سورة طه (٢٠): آية ٨٦]</span>\nفَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)\nفَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا على الحال قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا وعدهم جل وعز الجنة إذا قاموا على طاعته، ووعدهم أنه يسمعهم كلامه.\nأَفَطالَ عَلَيْكُمُ أي أفطال عليكم الوقت الذي ينجز لكم فيه وعده فتوهمتم أنه لا ينجزه. حقيقته في النحو: أفطال عليكم إنجاز العهد فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي لأنهم وعدوه أنهم يقيمون على إطاعة الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1886>[سورة طه (٢٠): آية ٨٧]</span>\nقالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)\nقالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا أي قيل: هذا عامّ يراد به الخاصّ أي قال: الذين ثبتوا على طاعة الله ما أخلفنا موعدك بملكنا أي لم نملك ردّهم عن عبادة العجل.\nوَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها أي ثقل علينا حمل ما كان معنا من الحليّ فقذفناه في النار ليذوب. فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ الكاف في موضع نصب أي فألقى السامريّ إلقاء مثل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1887>[سورة طه (٢٠): آية ٨٨]</span>\nفَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨)\nفَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا قيل: معناه متجسّدا عظيما، وقيل: معناه جسد لا روح فيه. لَهُ خُوارٌ لأنه خرقه وثقبه ليحتال في إخراج الصوت منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1888>[سورة طه (٢٠): آية ٨٩]</span>\nأَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٨٩)\nأَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا بمعنى أنه لا يرجع إليهم. قال أبو إسحاق: ويجوز\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٤٨، ومختصر ابن خالويه ٨٨.","vol":"3","page":38},{"text":"أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا «١» بالنصب على أن تنصب بأن، والرفع أولى وقد ذكرناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1889>[سورة طه (٢٠): آية ٩٠]</span>\nوَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)\nوَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ اسم إنّ وخبرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1890>[سورة طه (٢٠): آية ٩١]</span>\nقالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١)\nلَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ خبر نبرح، وعلى الحال حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى نصب بحتى، ولا يجوز الرفع لأنه مستقبل لا غير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1891>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٢ الى ٩٣]</span>\nقالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)\nأَلَّا تَتَّبِعَنِ أي ألّا تلحق بي. أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي لأنه كان أمره أن يلحق به معهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1892>[سورة طه (٢٠): آية ٩٤]</span>\nقالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)\nلَ يَا بْنَ أُمَ\nبالفتح يجعل الاسمين اسما واحدا، وبالخفض على الإضافة. قال أبو إسحاق: ويجوز في غير القرآن «يا ابن أمّي» بالياء. تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي\nأي لا تفعل هذا فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة، وقد قيل: إنّ موسى ﵇ إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه، والله أعلم بما أراد نبيّه ﷺ. نِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ\nأي خشيت أن أخرج وأتركهم وقد أمرتني أن أخرج معهم، فتقول: فرّقت بينهم ولم ترقب قولي لأنك أمرتني بأن أكون معهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1893>[سورة طه (٢٠): آية ٩٥]</span>\nقالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥)\nقال أبو إسحاق أي ما أمرك الذي تخاطب به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1894>[سورة طه (٢٠): آية ٩٦]</span>\nقالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)\nقالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ وكان بصر بجبرائيل ﷺ حين نزل إلى موسى ﷺ\n_________\n(١) وهي قراءة أبي حيوة، انظر البحر المحيط ٦/ ٢٥٠.","vol":"3","page":39},{"text":"فظنّ أن له بذلك فضلا عليهم فأخذ قبضة من أثر دابّة جبرائيل ﵇ ونبذها في العجل، وإنما فعل هذا ليوهمهم أنه يجب أن يعظّم العجل لهذا قال أبو إسحاق:\nويجوز قبضة مثل غرفة. والقبضة مقدار ملء الكفّ، والقبضة بالفتح ملء الكفّ كلّها.\nوقرأ الحسن فَقَبَضْتُ قَبْضَةً «١» وفسّرها بأطراف الأصابع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1895>[سورة طه (٢٠): آية ٩٧]</span>\nقالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)\nعلى التبرية، قال هارون ولغة العرب «لا مساس» بكسر السين وفتح الميم. وقد تكلم النحويون في هذا. فأما سيبويه «٢» فيذهب إلى أنه مبني على الكسر، كما يقال:\nاضرب الرّجل، وشرح هذا أبو إسحاق فقال: لا مساس نفي وكسرت السين لأن الكسر من علامة المؤنّث. تقول: فعلت يا امرأة، وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: إذا اعتلّ الشيء من ثلاث جهات وجب أن يبنى وإذا اعتلّ من جهتين وجب أن لا يصرف لأنه ليس بعد ترك الصرف إلّا البناء فمساس ودراك اعتلّ من ثلاث جهات: منها أنه معدول، ومنها أنه مؤنث، وأنه معرفة. فلمّا وجب البناء فيها وكانت الألف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين، كما يقال: اضرب الرجل. قال أبو جعفر: ورأيت أبا إسحاق يذهب إلى أن هذا القول خطأ، وألزم أبا العباس إذا سمّى امرأة بفرعون أن يبينه ولا يقول هذا أحد. وقرأ البصريون وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ «٣» بكسر اللام فيحتمل معنيين: أحدهما لن تجده مخلفا، كما يقال:\nأحمدته أي وجدته محمودا، والمعنى الآخر على التهديد أي لا بدّ لك من أن تصير إليه، وفي قراءة ابن مسعود رحمة الله عليه الَّذِي ظَلْتَ «٤» بكسر الظاء. ويقال:\nظللت أفعل ذاك إذا فعلته نهارا، وظلت وظلت: فمن قال: ظلت حذف اللام تخفيفا، ومن قال: ظلت ألقى حركة اللام على الظاء. عاكِفًا خبر. يروى عن عليّ بن أبي طالب ﵁ (لنحرقنّه) «٥» وكذلك يروى عن أبي جعفر، وقرأ الحسن (لنحرقنّه) «٦»، وعن سائر الناس لَنُحَرِّقَنَّهُ «٧» . يقال: حرقه يحرقه، ويحرقه إذا نحته\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٨٩، والبحر المحيط ٦/ ٢٥٤ وقال: (وقرأ عبد الله وأبيّ وابن الزبير وحميد والحسن بالصاد، وهو الأخذ بأطراف الأصابع) .\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٣٠٧.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٥٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٢٤.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٨٩، والبحر المحيط ٦/ ٢٥٧.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ١٩١، والبحر المحيط ٦/ ٢٥٧.\n(٦) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٥٧. [.....]\n(٧) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٥٧.","vol":"3","page":40},{"text":"بمبرد أو غيره، وأحرقه يحرقه بالنار وحرقه يحرّقه يكون منهما جميعا على التكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1896>[سورة طه (٢٠): آية ٩٨]</span>\nإِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)\nويروى عن قتادة أنه قرأ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا «١» أي ملأه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1897>[سورة طه (٢٠): آية ٩٩]</span>\nكَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩)\nكَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ الكاف في موضع نصب والمعنى: نقصّ عليك كما قصصنا عليك قصة موسى ﵇ وفرعون والسامريّ. آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ الكاف في موضع نصب والمعنى: نقصّ عليك كما قصصنا عليك قصة موسى ﵇ وفرعون والسامريّ. آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا وهو القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1898>[سورة طه (٢٠): آية ١٠٠]</span>\nمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا (١٠٠)\nمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ أي فلم يتدبّره ولم يؤمن به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1899>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠١ الى ١٠٣]</span>\nخالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا (١٠٣)\nحِمْلًا على البيان وزُرْقًا على الحال، وكذا قاعًا صَفْصَفًا وعَشْرًا منصوب بلبثتم، والكوفيون يقولون في المعنى: ما لبثتم إلّا عشرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1900>[سورة طه (٢٠): آية ١٠٩]</span>\nيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)\nإِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ (من) في موضع نصب على الاستثناء الخارج من الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1901>[سورة طه (٢٠): آية ١١٠]</span>\nيَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)\nقال أبو إسحاق: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الآخرة وجميع ما يكون وَما خَلْفَهُمْ ما قد وقع من أعمالهم، وقال غيره: معنى وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ولا يحيطون بما ذكرنا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1902>[سورة طه (٢٠): آية ١١١]</span>\nوَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)\nوَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ في معناه قولان: أحدهما أنّ هذا في الآخرة، وروى عكرمة عن ابن عباس وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ قال: الركوع والسجود. ومعنى عنت في اللغة خضعت وأطاعت، ومنه فتحت البلاد عنوة أي غلبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1903>[سورة طه (٢٠): آية ١١٧]</span>\nفَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧)\nفَلا يُخْرِجَنَّكُما مجاز أي لا تقبلا منه فيكون سببا لخروجكما فَتَشْقى ولم يقل:\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ٨٩، والبحر المحيط ٦/ ٢٥٧، وهذه قراءة مجاهد أيضا.","vol":"3","page":41},{"text":"فتشقيا لأن المعنى معروف، وآدم ﷺ هو المخاطب والمقصود. قال الحسن: في قوله: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى قال: يعني شقاء الدنيا لا ترى ابن آدم إلّا ناصبا.\nقال الفراء: هو أن يأكل من كدّ يديه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1904>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٨ الى ١١٩]</span>\nإِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩)\nقراءة أبي عمرو وأبي جعفر والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ عاصم ونافع وإنك «١» بكسر الهمزة. فالفتح على أن تكون «أنّ» اسما في موضع نصب عطفا على «أن» والمعنى: وإنّ لك أنّك لا تظمأ فيها، ويجوز أن يكون في موضع رفع عطفا على الموضع، والمعنى: ذلك أنّك لا تظمأ فيها، والكسر على الاستئناف وعلى العطف على «إن لك» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1905>[سورة طه (٢٠): آية ١٢١]</span>\nفَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١)\nقال الفراء «٢»: وَطَفِقا.\nفي العربية أقبلا: وقيل: جعلا يلصقان عليهما الورق ورق التين.\nوَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى قلبت الياء ألفا لتحرّكها وتحرّك ما قبلها، ولهذا كتبه الكوفيون بالياء ليدلّوا على أصله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1906>[سورة طه (٢٠): آية ١٢٢]</span>\nثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢)\nثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ أي اختاره فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى أي وهداه للتوبة وروى حمّاد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ في قول الله جلّ وعزّ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا قال: عذاب القبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1907>[سورة طه (٢٠): آية ١٢٨]</span>\nأَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨)\nأَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ أي يبيّن لهم، وهذه قراءة أبي عبد الرحمن وقتادة بالياء. وقد تكلّم النحويون فيه لأنه مشكل من أجل الفاعل ليهد. فقال بعضهم: «كم» الفاعل، وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها، وقال أبو إسحاق: المعنى: أفلم يهد لهم الأمر بإهلاكنا من أهلكنا. قال: وحقيقة «أفلم يهد لهم» أفلم يبيّن لهم بيانا يهتدون به لأنهم كانوا يمرّون على منازل عاد وثمود فلذلك قال جلّ وعزّ: يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٢٤، والبحر المحيط ٦/ ٢٦٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٩٤.","vol":"3","page":42},{"text":"وفي مسكنهم على أنه مصدر. وقال محمد بن يزيد، فيما حكاه لنا عنه علي بن سليمان: وهذا معنى كلامه. قال: يهدي يدلّ على الهدى، فالفاعل هو الهدى. قال أبو إسحاق: «كم» في موضع نصب بأهلكنا. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى قال: لأولي التّقى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1908>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٩ الى ١٣٠]</span>\nوَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠)\nقال: لَكانَ لِزامًا أي موتا وَأَجَلٌ مُسَمًّى معطوف على «كلمة»، وواحد الإناء إني. لا يعرف البصريون غيره، وحكى الفراء في واحد الإناء إنّى- مقصورة واحد الآنية- إنا ممدود، وللفراء في هذا الباب في كتاب «المقصور والممدود» أشياء- قد جاء بها على أنها فيها مقصور وممدود، مثل الإناء والإنى، والوراء والورى- قد أنكرت عليه، ورواها الأصمعي وابن السكيت والمتقنون من أهل اللغة على خلاف ما روي، والذي يقال في هذا أنه مأمون على ما رواه غير أنّ سماع الكوفيين أكثره عن غير الفصحاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1909>[سورة طه (٢٠): آية ١٣١]</span>\nوَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١)\nوَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وهم الأغنياء، أي لا تنظر إلى ما أعطي الكفار في الدنيا. وقرأ عيسى بن عمر وعاصم الجحدري زَهْرَةَ «١» بفتح الهاء. قال أبو إسحاق «زهرة» منصوبة بمعنى متّعنا، لأن معناه جعلنا لهم الحياة الدّنيا زهرة لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي لنختبرهم، ونشدّد التعبّد عليهم لأن الأغنياء يشتد عليهم التواضع، والمحنة عليهم أشدّ. وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى قال الفراء «٢»: أي ثواب ربك. وحكى الكسائي أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى قال: ويجوز على هذا بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى قال أبو جعفر: إذا نوّنت بيّنة ورفعت جعلت «ما» بدلا منها، وإذا نصبتها على الحال. والمعنى: أو لم يأتهم ما في الصحف الأولى مبيّنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1910>[سورة طه (٢٠): آية ١٣٤]</span>\nوَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤)\nوَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ قيل: من قبل التنزيل، وقال الفراء: من قبل الرسول. فَنَتَّبِعَ آياتِكَ جواب لولا.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٦٩، ومختصر ابن خالويه ٩٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٩٦.","vol":"3","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1911>[سورة طه (٢٠): آية ١٣٥]</span>\nقُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥)\nقال أبو إسحاق: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ «من» في موضع رفع، وقال الفراء «١»:\nيجوز أن يكون في موضع نصب، مثل وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة:\n٢٢٠] . قال أبو إسحاق: وهذا خطأ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ومن هاهنا استفهام لأن المعنى: فستعلمون أأصحاب الصراط نحن أم أنتم، وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ «٢» على فعلى بغير همز، وتأنيث الصراط شاذ قليل. قال الله جلّ وعزّ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] فجاء مذكّرا في هذا وفي غيره. وقد ردّ هذا أبو حاتم فقال: إن كان من السّوء وجب أن يكون السوءى، وإن كان من السواء وجب أن يقول: السيّى بكسر السين، والأصل السويا، قال أبو جعفر: جواز قراءة يحيى بن يعمر والجحدري أن يكون الأصل السوءى، والساكن ليس بحاجز حصين فكأنه قلب الهمزة ضمة فأبدل منها، والساكن ليس بحاجز ألفا إذا انفتح ما قبلها. وَمَنِ اهْتَدى معطوف على «من» الأولى.\nوالفراء «٣» يذهب إلى أنّ معنى من أصحاب الصراط السّويّ: من لم يضلّ، وإلى أن معنى «ومن اهتدى» من ضلّ ثم اهتدى.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٩٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٢٧١.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ١٩٧.","vol":"3","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1912>٢١ شرح إعراب سورة الأنبياء</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1913>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)\nاقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ ولا يجوز في الكلام اقترب حسابهم للنّاس لئلا يتقدّم مضمر على المظهر لا يجوز أن ينوى به التأخير وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ابتداء وخبر، ويجوز النصب في غير القرآن على الحال. والمعنى: وهم في غفلة معرضون عن التأهب للحساب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1914>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢]</span>\nما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)\nما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ نعت لذكر، وأجاز الكسائي والفراء: محدثا بمعنى ما يأتيهم محدثا، وأجاز الفراء «١» رفع محدث على تأويل ذكر لأنك لو حذفت «من» رفعت ذكرا. إِلَّا اسْتَمَعُوهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1915>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣]</span>\nلاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)\nلاهِيَةً قُلُوبُهُمْ قال الكسائي: أي إلّا استمعوه لاهية قلوبهم، وأجاز الفراء «٢» أن يكون مخرّجا من المضمر الذي في يلعبون، وأجاز هو والكسائي لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ «٣» بالرفع بمعنى قلوبهم لاهية، وأجاز غيرهم الرفع على أن يكون خبرا بعد خبر أو على إضمار مبتدأ. وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ولم يقل: وأسرّ النجوى، والفعل متقدّم لأن الفعل إذا تقدّم الأسماء وحد، وإذا تأخّر ثنّي وجمع للضمير الذي فيه، فكيف جاء هذا\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٩٧ والبحر المحيط ٦/ ٢٧٥، وهي قراءة ابن أبي عبلة.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ١٩٧.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ١٩٧، والبحر المحيط ٦/ ٢٧٥، وهي قراءة ابن أبي عبلة وعيسى.","vol":"3","page":45},{"text":"متقدما مجموعا؟ ففيه ستة أقوال: يكون بدلا من الواو، وعلى إضمار مبتدأ، ونصبا بمعنى أعني، وأجاز الفراء أن يكون خفضا بمعنى اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم، وأجاز الأخفش أن يكون على لغة من قال: «أكلوني البراغيث»، والجواب السادس أحسنها وهو أن يكون التقدير: يقول الذين ظلموا، وحذف القول مثل وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: ٢٣] فالدليل على صحّة هذا الجواب أنّ بعده هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فهذا الذي قالوه والمعنى: هل هذا إلّا بشر مثلكم. وقد بين الله جلّ وعزّ أنه لا يجوز أن يرسل إليهم بشرا ليفهموا عنه ويعلّمهم، ثمّ قال أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ والسحر في اللغة كلّ مموّه لا حقيقة له ولا صحة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ قيل: معناه وأنتم تبصرون أنه إنسان مثلكم، وقيل: وأنتم تعقلون لأن العقل هو البصر بالأشياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1916>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤]</span>\nقالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)\nقل ربي وفي مصاحف أهل الكوفة قالَ رَبِّي «١» فقيل: إنّ القراءة الأولى أظهر وأولى لأنهم أسرّوا هذا القول فأظهر الله عليه نبيّه وأمره أن يقول لهم هذا. قال أبو جعفر: والقراءتان صحيحتان. وهما بمنزلة الآيتين، وفيهما من الفائدة أنه ﷺ أمر وأنه قال كما أمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1917>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥]</span>\nبَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)\nبَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ قال أبو إسحاق: أي بل قالوا الذي يأتي به أضغاث أحلام، وقال غيره: هو أحلام اختلاط. والمعنى كالأحلام المختلطة فلما رأوا أن الأمر ليس كما قالوا انتقلوا عن ذلك فقالوا: بَلِ افْتَراهُ ثم انتقلوا عن ذلك فقالوا: بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ أي كما أرسل موسى ﷺ بالعصا وغيرها من الآيات، وكان هذا منهم تعنّتا إذ كان الله جلّ وعزّ قد أعطاه من الآيات ما فيه كفاية، ويبيّن الله جلّ وعزّ أنّهم لو كانوا يؤمنون لأعطاهم ما سألوا كقوله: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: ٢٣] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1918>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦]</span>\nما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)\nما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أي من أهل قرية و«من» زائدة للتوكيد.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٢٥، والبحر المحيط ٦/ ٢٧٦.","vol":"3","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1919>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩]</span>\nثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)\nثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ أي بإنجائهم ونصرهم، وإهلاك مكذّبيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1920>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠]</span>\nلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠)\nفِيهِ ذِكْرُكُمْ رفع بالابتداء والجملة في موضع نصب لأنها نعت لكتاب ثم نبّههم بالاستفهام الذي معناه التوقيف فقال جلّ وعزّ: أَفَلا تَعْقِلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1921>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١]</span>\nوَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ (١١)\nوَكَمْ قَصَمْنا «كم» في موضع نصب بقصمنا مِنْ قَرْيَةٍ لو حذفت «من» لجاز الخفض لأن «كم» هاهنا للخبر، والعرب تقول: «كم قرية قد دخلتها» . فتخفض. وفيه تقديران: أحدهما أن تكون «كم» بمنزلة ثلاثة من العدد، والفراء «١» يقول بإضمار «من» فإذا فرقت جاز الخفض والنصب، وأنشد النحويون: [السريع] ٣٠٠-\nكم بجود مقرفا نال العلى ... وكريما بخله قد وضعه «٢»\nوأجود اللّغات فيه إذا فرقت أن تأتي بمن، وبها جاء القرآن في هذا الموضع وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1922>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٤]</span>\nقالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤)\nقالُوا يا وَيْلَنا نداء مضاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1923>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٥]</span>\nفَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ (١٥)\nفَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ «تلك» في موضع رفع إن جعلت دعواهم خبرا، وفي موضع نصب إن جعلت دعواهم الاسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1924>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٦]</span>\nوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦)\nأي: ما خلقنا السماء والأرض ليظلم الناس بعضا ويكفر بعضهم ويخالف بعضهم ما أمر به ثم يموتوا فلا يجازوا بأفعالهم، ولا يؤمروا في الدنيا بحسن، ولا ينهوا عن قبيح. وهذا اللعب المنفي عن الحكيم وضدّ الحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1925>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٧]</span>\nلَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧)\nلَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا لأنهم نسبوا إلى الله جلّ وعزّ الولد، والصاحبة. فالمعنى: لو أردنا أن نتّخذ ولدا أو صاحبة لما اتّخذناه من البشر الذين\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ١٢٥. [.....]\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٤٥) .","vol":"3","page":47},{"text":"تلحقهم الآفات، والحجارة التي لا تعقل فبيّن به الله ﷿ جهلهم بنسبهم إليه مثل هذا بلا حجّة ولا شبهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1926>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٨]</span>\nبَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)\nبَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ أي بالحجج والبراهين. عَلَى الْباطِلِ وهو قولهم فَإِذا هُوَ زاهِقٌ حكى أهل اللغة زهق يزهق زهقا وزهوقا إذا انكسر واضمحلّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1927>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٠]</span>\nيُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)\nيُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ظرفان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1928>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٢]</span>\nلَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)\nلَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا التقدير عند سيبويه والكسائي «غير الله» فلمّا جعلت إلّا في موضع غير أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير، كما قال: [الوافر] ٣٠١-\nوكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان «١»\nوحكى سيبويه لو كان معنا رجل إلّا زيد لهلكنا، وقال الفراء «٢»: إلا هاهنا في موضع سوى، والمعنى: لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسد أهلهما، وقال غيره: أي لو كان فيهما إلهان لفسد التدبير لأن أحدهما إذا أراد شيئا وأراد الآخر ضدّه كان أحدهما عاجزا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1929>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٤]</span>\nأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)\nوحكى أبو حاتم أنّ يحيى بن يعمر وطلحة قرأ: هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي «٣» فزعم أنه لا وجه لهذا. وقال أبو إسحاق في هذه القراءة: المعنى هذا ذكر مما أنزل إليّ ومما هو معي، وذكر ممّن قبلي، وقال غيره: التقدير فيها هذا ذكر ذكر من معي مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] . وروي عن الحسن أنه قرأ: الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ «٤» بالرفع بمعنى هو الحقّ وهذا الحقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1930>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٦]</span>\nوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٢٠٥) .\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠٠.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٩١.\n(٤) انظر المحتسب ٢/ ٦١، ومختصر ابن خالويه ٩١.","vol":"3","page":48},{"text":"سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ قال أبو إسحاق: المعنى: بل هم عباد مكرمون يعني الملائكة وعيسى ﵈. قال: ويجوز في غير القرآن بل عبادا مكرمين بمعنى بل اتخذ عبادا مكرمين، وأجازه الفراء «١» أيضا على أن تردّه على ولد أي لم نتّخذهم ولدا بل اتّخذناهم عبادا مكرمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1931>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٨]</span>\nيَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)\nأي لا يفعلون شيئا إلا بإذنه ثم خبّر بحكمه جلّ وعزّ في كلّ أحد فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1932>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٩]</span>\nوَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)\nالكاف في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1933>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٠]</span>\nأَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠)\nقال الأخفش: قال: كانَتا لأنهما صنفان كما تقول العرب: هما لقاحان أسودان، وكما قال جلّ وعزّ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر: ٤١] قال أبو إسحاق: كانتا لأنه يعبّر عن السموات بلفظ الواحد بسماء ولأن السموات كانت سماء واحدة، وكذا الأرضون. قال: وقال: رتقا ولم يقل رتقين لأنه مصدر والمعنى: كانتا ذواتي رتق. قال أبو جعفر: وروي عن الحسن أنه قرأ كانَتا رَتْقًا «٢» قال عيسى: هو صواب وهي لغة. وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ نعت لشيء، وأجاز الفراء «٣»: كلّ شيء حيا بمعنى: وجعلنا كلّ شيء حيّا من الماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1934>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٢]</span>\nوَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢)\nوَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا نعت لسقف، ولو كان محفوظة على أن يكون نعتا للسماء لجاز.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠١.\n(٢) انظر المحتسب ٢/ ٧٦٢ ومختصر ابن خالويه ٩١، والبحر المحيط ٦/ ٢٨٧، وهي قراءة أبي حيوة وعيسى وزيد بن علي أيضا.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠١.","vol":"3","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1935>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٣]</span>\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)\nفيه من النحو أنه لم يقل: يسبحن ولا يسبح. ومذهب سيبويه «١» أنه لما خبّر بفعل من يعقل، وجعلهنّ في الطاعة بمنزلة من يعقل خبّر عنهن بالواو والنون، وقال الفراء: «٢» لمّا خبّر عنهنّ بأفعال الآدميين قال: يسبحون، وقال الكسائي يسبحون لأنه رأس آية، كما قال: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [القمر: ٤٤]، ولم يقل منتصرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1936>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٤]</span>\nوَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤)\nأَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ جيء بالفاء التي في فهم عند الفراء «٣» لتدلّ على الشرط لأنه جواب قولهم: ستموت، ويجوز أن يكون جيء بها لأن التقدير فيها: أفهم الخالدون إن متّ. قال الفراء: ويجوز حذف الفاء واضمارها لأن هم لا يتبيّن فيها الإعراب، أو لأن المعنى أهم الخالدون إن مت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1937>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٥]</span>\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)\nوَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً قال الكسائي: والمصدر بلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1938>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٨]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)\n«متى» عند الكوفيين في موضع نصب وكذا الجواب عندهم في المعرفة إذا قيل:\nمتى وعدك قيل: يوم الجمعة فإن كان نكرة رفعت فقلت: موعدك يوم قريب، وكذا ظروف المكان، وحكى الفراء «٤»: اجتمع الجيشان فالمسلمون جانب والكفار جانب صاحبهم. الثاني منصوب لأنه معرفة والأول مرفوع لأنه نكرة فاعتل في النصب مع المعرفة لأن الخبر مسند إليها لأنها معرفة، فحسنت الصفة، وبنوا المسائل على هذا فتقول: عبد الله جانب المسجد، وزيد جانب منه. وأما البصريون فالرفع عندهم الوجه إذا كان الظرف متمكنا. قال سيبويه «٥» وتقول: موعدك غدوة وبكرة وموعدك بكرا لأن بكرا لا يتمكن. والدليل على صحة قول البصريين قراءة القراء، إلّا من شذّ منهم قال:\nمَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ [طه: ٥٩] . وحكى الفراء «٦» في النكرة: إنما البرد شهران، وإنما الصيف شهران، وزيد دون من الرجال، وهو دونك بالنصب في المعرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1939>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٠]</span>\nبَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)\nهُمْ في موضع رفع بالابتداء ولا تعمل إلا في معرفة. يُنْظَرُونَ في موضع الخبر.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ٤٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠١.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠٢.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠٣.\n(٥) انظر الكتاب ١/ ٢٧٩.\n(٦) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠٣. [.....]","vol":"3","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1940>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٢ الى ٤٥]</span>\nقُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥)\nقُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ فإن خفّفت الهمزة جعلتها بين الهمزة والواو، ولهذا كتبت واوا وحكى الكسائي والفراء «١» في التخفيف وجهين آخرين: «قل من يكلوكم» بفتح اللام وإسكان الواو، وحكيا «من يكلاكم» قال: فأما «يكلاكم» فخطأ من جهتين إحداهما: أنّ بدل الهمزة إنما يجوز في الشعر، والجهة الأخرى: أنهما يقولان في الماضي: كليته فينقلب المعنى لأن المعنى كليته أوجعت كليته، ومن قال لرجل: كلأك الله، فقد دعا عليه بأن يصيبه الله بوجع في كليته، والدليل على هذا أنه لا يقال: رجل مكليّ إلّا من هذا، هكذا السماع، ولا نلتفت إلى سماع لا يصحّ. وأما يَكْلَؤُكُمْ فقد حكى مثله سيبويه «٢» في آخر الكلمة إنّ من العرب من يقول: هو الوثو «٣» فيبدل من الهمزة واوا حرصا على تبيينها، وفي الخفض من الوثي، وهو الكلو، ومن الكلي، وأخذت الكلا.\nقال الفراء «٤»: ومن قال: يكلوهم قال في الماضي: كلات فيترك النبرة.\nقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ولا تسمع الصم الدعاء «٥» جعلهما مفعولين فردّ عليه بعض أهل اللغة وقال: كان يجب على قوله إذا ما تنذرهم. قال أبو جعفر: وذلك جائز لأنه قد عرف المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1941>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٧]</span>\nوَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)\nمِثْقالَ حَبَّةٍ «٦» اسم كان ولا خبر لها لأنها بمعنى وقع، ويجوز النصب على أن تضمر فيها اسمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1942>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٨]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)\nوروي عن ابن عباس وعكرمة ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء «٧» بغير واو، وزعم الفراء «٨» أنّ حذف الواو والمجيء بها واحد، كما قال جلّ وعزّ:\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠٤.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٢٩٠.\n(٣) الوثء: الوهن.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠٥.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠٥.\n(٦) انظر تيسير الداني ١٢٦.\n(٧) انظر المحتسب ٢/ ٦٤.\n(٨) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠٥.","vol":"3","page":51},{"text":"وَحِفْظًا [الصافات: ٦ و٧] وردّ عليه هذا القول أبو إسحاق لأن الواو تجيء لمعنى فلا تزاد. قال: وتفسير الفرقان: التوراة، لأنّ فيها الفرق بين الحلال والحرام. قال:\n«وضياء» مثل فِيهِ هُدىً وَنُورٌ [المائدة: ٤٦]، وأجاز الفراء «١» وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ بمعنى أنزلناه مباركا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1943>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥١]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١)\nوَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مفعولان. قال الفراء: «رشده» هداه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1944>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٢]</span>\nإِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢)\nإِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ قال أبو إسحاق «إذ» في موضع نصب أي آتيناه رشده في ذلك الوقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1945>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٥٨]</span>\nفَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)\nوَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ فجاء مذكّرا لأنهم جعلوا الأصنام بمنزلة ما يعقل في عبادتهم إياها إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ على الاستثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1946>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٠]</span>\nقالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠)\nقال أبو إسحاق: إبراهيم، يرتفع من جهتين على معنى: هو إبراهيم والمعروف به إبراهيم، وعلى النداء. قال أبو جعفر: واسم ما لم يسمّ فاعله على مذهب الخليل ﵀ وسيبويه له، كما تقول: سيريه. وعلى مذهب محمد بن يزيد اسم ما لم يسمّ فاعله مضمر أي يقال له القول واحتيج إلى الإضمار، لأن إبراهيم لا يجوز أن يكون اسم ما لم يسمّ فاعله بل ذلك محال على كل قول لأنه من قال: قلت زيدا منطلقا، على اللغة الشاذة لم يقل:\nكلّمته فقلت له إبراهيم ولم يقل هذا إلّا بالرفع، وإن كانت تلك اللغة شاذة لا يتكلّم بها في كتاب الله ﷿ لشذوذها وخروجها على القياس، ولولا أنّ هذا القول لم يقله أحد من العلماء علمناه لزدنا في الشرح ولكن غنينا عن ذلك بما تقدّم وبما وصفناه، وأنه يلزم من رفع هذا على أنه اسم ما لم يسمّ فاعله أن يقول: قلت زيدا، كما أنه إذا قال: يضرب زيد قال: ضربت زيدا، ولا يقول أحد: قلت زيدا، ولا له معنى، ويلزمه أن يقرأ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ [الكهف: ٥] بالنصب، فإذا لزمه ما لا يقوله أحد استغنى عن الزيادة. ولو لم يكن في هذا إلّا أنّ النحويين يعلّمون المتعلّم أنّ ما بعد القول محكيّ، فيقولون: قلت له زيد خارج، وكذا قيل له، لا فرق بين الفعلين في الحكاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1947>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٧]</span>\nأُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠٦.","vol":"3","page":52},{"text":"قال أبو إسحاق: أُفٍّ لَكُمْ «١» وأفّ وأفّ لكم. وينوّن في اللغات الثلاث، ويقال: أفّه ومن كسر لالتقاء الساكنين قال الأصوات أكثرها مبنيّ على الكسر والفتح لأنه خفيف والضمّ اتباع، والتنوين فرق بين المعرفة والنكرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1948>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧١]</span>\nوَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١)\nوَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا عطف على الهاء. إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لأن الأرض مؤنّثة، فأما قول الشاعر: [المتقارب] ٣٠٢-\nفلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها «٢»\nفرواه أبو حاتم\n«ولا أرض أبقلت إبقالها»\n. كره تذكير الأرض. قال أبو جعفر:\nوما في هذا ما ينكر لأنه تأنيث حقيقي. قال محمد بن يزيد: لو قلت: هدم دارك لجاز، والكوفيون يقولون: يجوز التذكير لأنه لا علاقة فيه للتأنيث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1949>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٣]</span>\nوَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣)\nالأصل أقوام فألقيت حركة الواو على القاف فانقلبت الواو ألفا وحذفت لالتقاء الساكنين، فإن أفردت ألحقت الهاء وقبح حذفها لأنها عوض مما حذف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1950>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٤]</span>\nوَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤)\nوَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا بمعنى: واذكر لوطا، أو معنى وآتينا لوطا وَنُوحًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1951>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٨]</span>\nوَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨)\nوَداوُدَ وَسُلَيْمانَ بمعنى واذكروا. ولم ينصرف «داود» لأنه اسم عجميّ لا يحسن فيه الألف واللام، ولم ينصرف «سليمان» لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1952>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٧٩]</span>\nفَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًاّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩)\nفَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ قال أبو إسحاق: أي ففهّمنا القصّة. وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ معطوف على الجبال، ويجوز أن يكون بمعنى مع الطير، كما تقول:\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٢٦.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (١٥٢) .","vol":"3","page":53},{"text":"التقى الماء والخشبة. قال أبو إسحاق: ويجوز «الطير» بالرفع بمعنى يسبّحن هنّ والطير. قال وَكُنَّا فاعِلِينَ أي نقدر على ما نريد، وقال غيره: المعنى وكنا فاعلين للأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذه الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1953>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨١]</span>\nوَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١)\nوَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً معطوف أي وسخّرنا لسليمان الريح، وقرأ عبد الرحمن الأعرج ولسليمان الريح «١» بالرفع قطعه من الأول، ورفع بالابتداء، كما تقول:\nأعطيت زيدا درهما ولعمر دينار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1954>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٢]</span>\nوَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)\nمِنَ في موضع نصب إن نصبت الريح، ويجوز الرفع بالابتداء وإن رفعت الريح فمن في موضع رفع عطف عليها، وإن شئت بالابتداء أيضا. ويَغُوصُونَ على معنى «من»، ولو كان في غير القرآن لجاز يغوص على اللفظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1955>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٤]</span>\nفَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)\nفَاسْتَجَبْنا لَهُ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ لأهل التفسير في معناه قولان عن مجاهد وعكرمة بإسنادين صحيحين قالا: قيل لأيوب ﷺ، قد آتيناك أهلك في الجنّة، فإن شئت تركناهم لك في الآخرة، وإن شئت آتيناك هم في الدنيا. قال مجاهد: فتركهم الله جلّ وعزّ له في الجنّة وأعطاه مثلهم في الدنيا، وقال عكرمة: فاختار أن يكونوا له في الجنّة ويؤتي مثلهم في الدنيا، وقال الضحاك: قال عبد الله بن مسعود: كان أهل أيوب ﵇ قد ماتوا إلّا امرأته فأحياهم الله جلّ وعزّ له وآتاه مثلهم معهم، وعن ابن عباس رحمة الله عليه قال: كان بنوه قد ماتوا، فأحيوا له وولد لهم مثلهم معهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1956>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٥]</span>\nوَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)\nوَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ بمعنى: واذكر كذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1957>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٧]</span>\nوَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)\nقال أبو جعفر: قد ذكرنا عن سعيد بن جبير أنه قال: مغاضبا لربه جلّ وعزّ.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٠٨، ومختصر ابن خالويه ٩٢.","vol":"3","page":54},{"text":"وربّما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهذا قول صحيح والمعنى مغاضبا من أجل ربه، كما تقول: غضبت لك أي من أجلك. والمؤمن يغضب لله جلّ وعزّ إذا عصي. وأكثر أهل اللغة يذهب إلى أن قول النبيّ ﷺ لعائشة ﵂: «اشترطي لهم الولاء» من هذا. وقال الضحاك: إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا أي لقومه فيكون معنى هذا أنه غاضبهم لعصيانهم. وقال الأخفش: إنّما غاضب بعض الملوك. وقرأ الحسن فظنّ أن لن يقدر عليه «١» وقرأ يعقوب القارئ فظنّ أن لن يقدر عليه «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1958>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٩]</span>\nوَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩)\nوَزَكَرِيَّا بمعنى واذكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1959>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٠]</span>\nفَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)\nوقد ذكرنا أنّ معنى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ أنها كانت سيئة الخلق، وقال سعيد بن جبير: إنها كانت لا تلد. قال أبو إسحاق: وَيَدْعُونَنا رَغَبًا على أنه مصدر ورغبا بخلاف، ورغبا مثل بخلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1960>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩١]</span>\nوَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١)\nوَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها في موضع نصب بمعنى واذكر وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ولم يقل: آيتين. قال أبو إسحاق: لأن الآية فيهما واحدة لأنها ولدته من غير فحل. وعلى مذهب سيبويه أنّ التقدير: وجعلناها آية للعالمين، وجعلنا ابنها آية للعالمين ثم حذف، وعلى مذهب محمد بن يزيد أن المعنى وجعلناها آية للعالمين وابنها مثل وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] . وفي قصة ذي النون حرف مشكل الإعراب على قراءة عاصم. وكذلك نجّي المؤمنين «٣» بنون واحدة لأنها في المصحف كذا. وتكلم النحويون في هذا فقال بعضهم: هو لحن لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله. وكان أبو إسحاق يذهب إلى هذا القول. وذهب الفراء «٤» وأبو عبيد إلى أنّ المعنى: وكذلك نجّي النجاء المؤمنين. قال أبو إسحاق: هذا خطأ لا يجوز ضرب زيدا. المعنى الضرب زيدا لأنه لا فائدة فيه إذ كان ضرب يدلّ على الضرب، ولأبي\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣١١.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣١١. [.....]\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٠، وكتاب السبعة لابن مجاهد.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٠.","vol":"3","page":55},{"text":"عبيد فيه قول آخر وهو أنه أدغم النون في الجيم. وهذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين علمناه لبعد النون من الجيم، فلا تدغم فيها، ولا يجوز في مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ [الأنعام: ١٦٠] مجّاء بالحسنة. قال أبو جعفر: ولم أسمع في هذا أحسن من شيء سمعته من علي بن سليمان قال: الأصل ننجّي فحذف إحدى النونين لاجتماعهما، كما يحذف إحدى التاءين لاجتماعهما نحو قول الله جلّ وعزّ وَلا تَفَرَّقُوا [الأنعام: ١٠٣] الأصل تتفرقوا. والدليل على صحة ما قال أن عاصما يقرأ (نجّي) بإسكان الياء، ولو كان على ما تأوله من ذكرناه لكان مفتوحا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1961>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٢]</span>\nإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)\nإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً على الحال. قال أبو إسحاق: أي إنّ هذه أمتكم في حال اجتماعها فإذا تفرّقت لم تدخل في ذلك. قال: ويجوز إنّ هذه أمتكم أمة واحدة، تجعل أمتكم بدلا من هذه، وفيه معنى التوكيد. قال أبو جعفر: وقرأ ابن أبي إسحاق وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً «١» «أمتكم» خبر إن «وأمة واحدة» خبر بعد خبر، وإن شئت على إضمار مبتدأ، وإن شئت على بدل النكرة من المعرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1962>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٤]</span>\nفَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤)\nقال الكسائي: وفي حرف ابن مسعود فلا كفر لسعيه «٢» وكفر وكفران وكفور بمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1963>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٥]</span>\nوَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥)\nوَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ قراءة زيد بن ثابت وأهل المدينة، وعن علي وابن مسعود وابن عباس وحرم على قرية «٣»، وقد روي عن ابن عباس أنه قرأ وحرم على قرية «٤» بفتح الحاء والميم وكسر الراء، وروي عنه بضمّ الراء وفتح الحاء والميم.\nوالآية مشكلة، وقد ذكرنا فيها أقوالا: فمن أحسن ما قيل فيه وأجلّه ما رواه ابن عيينة وابن عليّة وهشيم وابن إدريس ومحمد بن فضيل وسليمان بن حيّان ومعلّى عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس ﵀ في قوله جلّ وعزّ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها قال: وجب أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ قال: لا يتوبون. قال أبو جعفر: واشتقاق هذا بيّن من اللغة. وشرحه أنّ معنى حرم الشيء حظر ومنع منه، كما أن معنى أحلّ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣١٣، ومعاني الفراء ٢/ ١٠، ومختصر ابن خالويه ٩٣، وهي قراءة الحسن أيضا.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣١٣.\n(٣) انظر المحتسب ٢/ ٦٥، والبحر المحيط ٦/ ٣١٣.\n(٤) انظر المحتسب ٢/ ٦٥، والبحر المحيط ٦/ ٣١٣.","vol":"3","page":56},{"text":"أبيح ولم يمنع منه. فإذا كان حرام وحرم بمعنى واحد فمعناه أنه قد ضيّق الخروج منه ومنع فقد دخل في باب المحظور بهذا، فأما قول أبي عبيد: إنّ «لا» زائدة فقد ردّه عليه جماعة لأنها لا تزاد في مثل هذا الموضع، ولا فيما يقع فيه إشكال، ولو كانت زائدة لكان التأويل بعيدا أيضا، لأنه إن أراد وحرام على قرية أهلكناها أنهم يرجعون إلى الدنيا. فهذا ما لا فائدة فيه، وإن أراد التوبة فالتوبة لا تحرّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1964>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٦ الى ٩٧]</span>\nحَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧)\nحَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وقرأ عاصم والأعرج يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ «١» بالهمز. قال أبو إسحاق: هما مشتقّان من أجّة الحريق، ومن ملح أجاج. ولا يصرف، تجعلهما اسما للقبيلتين على فاعول ومفعول، ومن لم يهمز جعلهما أعجميين على قول أكثر النحويين. قال الأخفش: يأجوج: من يججت، ومأجوج:\nمن مججت. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ قال: من كل شرف يقبلون. والتقدير في العربية: حتّى إذا فتح سدّ يأجوج ومأجوج، مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] . فأما جواب إذا ففيه ثلاثة أقوال: قال الكسائي والفراء: حتّى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحقّ والواو عندهما زائدة، وأنشد الفراء: [الطويل] ٣٠٣-\nفلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى ... بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل «٢»\nالمعنى عنده انتحى. وأجاز الكسائي أن يكون جواب إذا فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا والقول الثالث أنّ المعنى قالوا يا وَيْلَنا ثم حذف قالوا. وهذا قول أبي إسحاق، وهو قول حسن. قال الله جلّ وعزّ: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ [الزمر: ٣] المعنى قالوا، وحذف القول كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1965>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٨]</span>\nإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨)\nالمعنى إنكم والأوثان التي تعبدونها من دون الله. ولا يدخل في هذا عيسى ﷺ، ولا عزير، ولا الملائكة لأن «ما» لغير الآدميين. والمعنى: لأن أوثانهم تدخل معهم\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣١٣، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٣١.\n(٢) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ١٥، وأدب الكاتب ٣٥٣، والأزهية ٢٣٤، وخزانة الأدب ١١/ ٤٣، ولسان العرب (جوز)، وتاج العروس (عقل)، والمنصف ٣/ ٤١، وبلا نسبة في رصف المباني ص ٤٢٥.","vol":"3","page":57},{"text":"النار ليعذّبوهم بها إمّا بأن تحمى وتلصق بهم، وإمّا يبكّتوا بعبادتها، و«ما» في موضع نصب عطفا على اسم إن والخبر حَصَبُ جَهَنَّمَ أي يرمى بالحصباء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1966>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٩]</span>\nلَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩)\nوَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ ابتداء وخبر، ويجوز نصب خالدين في غير القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1967>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٠]</span>\nلَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠)\nقيل: في الكلام حذف، والمعنى- والله أعلم- وهم فيها لا يسمعون شيئا يسرّهم لأنهم صمّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1968>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١)\nإِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى قيل: يعني بها الجنة، وقيل: يعني بها الوعد.\nأُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ابتداء وخبر في موضع خبر إن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1969>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٢]</span>\nلا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢)\nلا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها قال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيّات تلسع أهل النار فيقولون: حسّ حسّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1970>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٣]</span>\nلا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)\nلا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ على لغة من قال: حزن يحزن، وهي أفصح اللغتين، وبها قرأ الكوفيون في جميع القرآن وقرأ ابن محيصن بلغة من قال: أحزن يحزن في جميع القرآن، وبها قرأ نافع إلّا في هذا الحرف، وبها قرأ أبو جعفر في هذا الحرف خاصة، وقرأ كل ما في القرآن من نظائرها على لغة من قال حزن يحزن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1971>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٤]</span>\nيَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤)\nكَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ قال سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن عبد الله بن مسعود قال: يرسل الله ماءا من تحت العرش كمنيّ الرجال فتنبت منه لحما منهم وجسمانهم كما تنبت الأرض بالثرى، وقرأ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ. قال أبو جعفر: في قوله جلّ وعزّ: وَعْدًا عَلَيْنا حذف والمعنى- والله أعلم- علينا إنجازه والوفاء به ثم أكّد ذلك بقوله جلّ وعزّ إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ قال أبو إسحاق: معنى إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ إنّا كنا قادرين على فعل ما نشاء.","vol":"3","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1972>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٥]</span>\nوَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)\nوَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ والزبور والكتاب واحد، فلذلك جاز أن يقال للتوراة والإنجيل: زبور، من زبرت أي كتبت، وجمعه زبر، ومن قال: زبور جعله جمع زبر أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ أحسن ما قيل فيه أنه يراد بها أرض الجنة لأن الأرض التي في الدنيا قد ورثها الصالحون وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1973>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٦]</span>\nإِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦)\nقال سفيان: بلغني أنهم أهل الصلوات الخمس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1974>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٧]</span>\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧)\nقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان محمد ﵇ رحمة لجميع الناس فمن آمن به وصدّق به سعد ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1975>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٨]</span>\nقُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)\nيجوز أن يكون «إنّما» بالكسر لأن معنى يوحى إلىّ: يقال إليّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1976>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٩]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩)\nوَإِنْ أَدْرِي بمعنى ما أدري، وأدري في موضع رفع لأنه فعل مستقبل لم يقع عليه ناصب ولا جازم، وحذفت الضمة من الياء لثقل الضمة فيها. أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ قيل: يعني القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1977>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١١]</span>\nوَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١)\nوَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ قيل: يعني وما أدري لعلّ الإمهال فتنة لكم أي اختبار وتشديد في العبادة. وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ إلى انقضاء المدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1978>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١٢]</span>\nقالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢)\nقالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ «١» في موضع نصب لأنه نداء مضاف، ومن قرأ أحكم بالحقّ «٢» فهو ابتداء وخبر، وعن أبي جعفر أنه قرأ ربّ احكم بالحقّ «٣» وهذا عند النحويين لحن. لا يجوز عندهم: رجل أقبل، حتّى تقول: يا رجل، أو ما أشبهه:\nوَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ أي على ما تصفونه من الكفر.\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٣١، والبحر المحيط ٦/ ٣١٩.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣١٩، ومختصر ابن خالويه ٩٣.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣١٩، ومختصر ابن خالويه ٩٣.","vol":"3","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1979>٢٢ شرح إعراب سورة الحجّ</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1980>[سورة الحج (٢٢): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ النَّاسُ مرفوعون على النعت لأي، وأجاز المازني النصب على الموضع كما تقول: يا زيد الكريم أقبل. قال أبو إسحاق: هذا غلط من المازني، لأن زيدا يجوز الوقف والاقتصار عليه، ولا يجوز يا أيّها والنّاس هم المقصودون.\nوالمعنى: يا ناس اتّقوا ربّكم. إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ وهي شدائدها، ورجفة الأرض، والآيات الباهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1981>[سورة الحج (٢٢): آية ٢]</span>\nيَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)\nيَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ\nقال أبو إسحاق: تذهل تحيّر وتترك. مرضعة جارية على الفعل لأن بعدها أَرْضَعَتْ\nوالكوفيون يقولون «١»: ما كان مخصوصا به المؤنث لم تدخل الهاء فيه نحو حائض وطالق وما أشبههما. قال علي بن سليمان:\nالدليل على أنّ هذا القول غلط إثبات الهاء في موضعه. وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى\nأي هي لشدّة الهول وخفقان القلب. وقرأ أبو هريرة وَتَرَى النَّاسَ سُكارى\n«٢» يكونان مفعولين. قال سيبويه «٣» يقال: سكارى وسكارى قال: وقوم يقولون: سكرى شبّهوه بمرضى لأنه آفة تدخل على العقل كالمرض. قال أبو جعفر:\nقول سيبويه: وقوم يقولون: سكرى يدلّ على أنّ غير هذه اللغة أشهر منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1982>[سورة الحج (٢٢): آية ٣]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٤.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٢٥، ومختصر ابن خالويه ٩٤، ومعاني الفراء ٢/ ٢١٥.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ١١٨. [.....]","vol":"3","page":60},{"text":"مِنَ في موضع رفع بالابتداء، ويجادل على اللفظ، ويجوز في غير القرآن يجادلون على المعنى. وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ يقال: مريد ومارد للمتجاوز في الشرّ القويّ فيه، وصخرة مرداء أي ملساء، ومنه قيل: أمرد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1983>[سورة الحج (٢٢): آية ٤]</span>\nكُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤)\nكُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ (أن) في موضع رفع فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ عطف عليه ومذهب سيبويه أنّ «أنّ» الثانية مكررة للتوكيد، وأن المعنى: كتب عليه أنه من تولّاه يضلّه. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: التقدير: كتب عليه أنه من تولّاه فالواجب أن يضلّه بفتح الهمز، ومن زعم أنّ «أنّ» في موضع رفع بالابتداء فقد أخطأ، لأنّ سيبويه منع أن يبتدأ بأنّ المفتوحة، وأجاز سيبويه كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ بكسر الهمزة لأن الفاء جواب للشرط فسبيل ما بعدها أن يكون مبتدأ، والابتداء بأن يكون مكسورا. وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ مجاز لمّا كان يأمره بما يؤديه إلى النار قام ذلك مقام الهداية إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1984>[سورة الحج (٢٢): آية ٥]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ وحكى النحويون: من البعث، وأجاز الكوفيون في كلّ ما كان ثانية حرفا من حروف الحلق أن تسكّن وتفتح نحو نعل، ونعل وبخل وبخل. قال أبو إسحاق: هذا خطأ وإنما يرجع في هذا إلى اللغة فيقال: لفلان عليّ وعد ولا يقال: وعد، ولا فرق بين حروف الحلق وغيرها في هذا، وإنما هذا مثل قدر وقدر. قال أبو عبيد: العلقة الدمّ إذا اشتدّت حمرته. قال الكسائي: ويجوز مُخَلَّقَةٍ «١» بالنصب وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ على الفعل والقطع. لِنُبَيِّنَ لَكُمْ أي لنبيّن لكم قدرتنا على تصويرنا ما نشاء. وروى أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل عن عاصم لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ «٢» فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ بالنصب. إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا.\nقال أبو حاتم: النصب على العطف. قال أبو إسحاق: وَنُقِرُّ «٣» بالرفع لا غير لأنه\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٥، نصب على الحال.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٢٧.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٢٧.","vol":"3","page":61},{"text":"ليس المعنى فعلنا ذلك لنقرّ في الأرحام ما نشاء لأن الله جل وعز لم يخلق الأنام ليقرّ في الأرحام ما نشاء، وإنّما خلقهم ليدلّهم على الرشد والصلاح. قال: وطفل بمعنى أطفال قال: ودلّ على ذلك لفظ الجميع قال: وفيه معنى ويخرج كلّ واحد منكم طفلا.\nومن قرأ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى «١» فمعناه عنده يستوفي أجله. وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي إلى الكبر لأنه لا يرجو قوّة ولا طول عمر فهو في أرذل العمر لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا مذهب الفراء «٢» لكي لا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئا. مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ قال الكسائي: يقال: بهج بهجة وبهاجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1985>[سورة الحج (٢٢): آية ٦]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)\nموضع «ذلك» رفع بمعنى الأمر ذلك. قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى فعل الله ذلك لأنه الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1986>[سورة الحج (٢٢): آية ٨]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ في موضع رفع بالابتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1987>[سورة الحج (٢٢): آية ٩]</span>\nثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩)\nثانِيَ عِطْفِهِ نصب على الحال. ويتأوّل على معنيين: أحدهما أنه روي عن ابن عباس أنه قال: هو النّضر بن الحارث لوى عنقه مرحا وتعظّما، والمعنى الآخر، وهو قول الفراء «٣»: إن التقدير: ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ثاني عطفه أي معرضا عن الذكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1988>[سورة الحج (٢٢): آية ١٠]</span>\nذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)\nذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ قال أبو إسحاق: «ذلك» في موضع رفع بالابتداء وخبره بِما قَدَّمَتْ يَداكَ. وَأَنَّ اللَّهَ في موضع خفض عطفا على الأول، ويجوز أن يكون في موضع رفع على معنى «والأمر أنّ الله ليس بظلام للعبيد» . قال: ويجوز الكسر «وإنّ الله» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1989>[سورة الحج (٢٢): آية ١١]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ في موضع رفع بالابتداء، والتمام انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٢٨، ومختصر ابن خالويه ٩٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٦.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٦.","vol":"3","page":62},{"text":"على قراءة من قرأ خَسِرَ «١» وقرأ مجاهد وحميد خاسر الدنيا والآخرة «٢» نصبا على الحال خسر الدنيا بذمّ الله جل وعز إياه وأمره بلعنه وأن لا حظّ له في غنيمة ولا ثناء وخسر الآخرة بأن لا ثواب له فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1990>[سورة الحج (٢٢): آية ١٢]</span>\nيَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢)\nذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ قال الفراء: أي الطويل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1991>[سورة الحج (٢٢): آية ١٣]</span>\nيَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)\nيَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ قد ذكرنا فيه أقوالا: منها قول الكسائي إن اللام في غير موضعها، وإن التقدير يدعو من لضرّه أقرب من نفعه. قال أبو جعفر: وليس للام من التصرف ما يوجب أن يجوز فيها تقديم وتأخير. وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: في الكلام حذف، والمعنى: يدعو لمن ضرّه أقرب من نفعه إلها. قال: وأحسب هذا القول غلط على محمد بن يزيد لأنه لا معنى له لأنّ ما بعد اللام مبتدأ فلا يجوز نصب إله، وما أحسب مذهب محمد بن يزيد إلّا قول الأخفش سعيد، وهو أحسن ما قيل في الآية عندي، والله أعلم. قال: «يدعو» بمعنى يقول و«من» مبتدأ وخبره محذوف، والمعنى: يقول لمن ضرّه أقرب من نفعه إلهه، ولو كانت اللام مكسورة لكان المعنى يدعو إلى من ضرّه أقرب من نفعه. وقال الله جلّ وعزّ: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: ٥] أي إليها. لَبِئْسَ الْمَوْلى في موضع رفع ببئس. وقد شرحنا مثل هذا «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1992>[سورة الحج (٢٢): آية ١٥]</span>\nمَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥)\nقد تكلّم النحويون في معنى هذه الآية وفي بيان ما أشكل منها. فمن أحسن ما قيل فيها أنّ المعنى: من كان يظنّ أن لن ينصر الله جلّ وعزّ محمدا ﷺ، وأنه يتهيّأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه، فليمدد بسب إلى السماء أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء ثُمَّ لْيَقْطَعْ أي ثم ليقطع النصر إن تهيّأ له فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ وحيلته ما يغيظه من نصر النبيّ ﷺ والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيّأ له الكيد والحيلة بأن يفعل\n_________\n(١) هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ٦/ ٣٣٠.\n(٢) وهذه قراءة الأعرج وابن محيصن وقعنب والجحدري وابن مقسم أيضا، انظر البحر المحيط ٦/ ٣٣٠، والمحتسب ٢/ ٧٥.\n(٣) مرّ في إعراب الآية ١٥١، آل عمران.","vol":"3","page":63},{"text":"مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر. وقرأ أهل الكوفة بإسكان اللام. وهذا بعيد في العربية لأن ثمّ ليست مثل الواو والفاء لأنها يوقف عليها وتنفرد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1993>[سورة الحج (٢٢): آية ١٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا خبر «إن» . إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ قال الفراء «١» ولا يجوز في الكلام: إنّ زيدا إنّ أخاه منطلق، فزعم أنه إنما جاز في الآية لأن في الكلام معنى المجازاة أي من آمن، ومن تهوّد، أو تنصّر، أو صبأ، ففصل ما بينهم وحسابهم على الله ﷿، وردّ أبو إسحاق على الفراء هذا واستقبح قوله: إنّ زيدا إنّ أخاه منطلق. قال: لأنه لا فرق بين زيد وبين الذي، «وإنّ» تدخل على كل مبتدأ فتقول: إنّ زيدا هو منطلق، ثم تأتي بإنّ فتقول: إنّ زيدا إنّه منطلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1994>[سورة الحج (٢٢): آية ١٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)\nمعطوفة على «من» وكذا وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ثم قال جلّ وعزّ: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وهذا مشكل من الإعراب. فيقال: كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل مثل وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا [الإنسان: ٣١] فزعم الكسائي والفراء «٢» أنه لو نصب لكان حسنا. ولكن اختير الرفع لأنّ المعنى: وكثير أبى السجود، وفي رفعه قول آخر، يكون معطوفا على الأول داخلا في السجود لأن السجود هاهنا إنّما هو الانقياد لتدبير الله جل وعز من ضعف وقوّة وصحّة وسقم وحسن وقبح، وهذا يدخل فيه كل شيء. وحكى الكسائي والأخفش والفراء وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ «٣» أي من إكرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1995>[سورة الحج (٢٢): آية ١٩]</span>\nهذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)\nقرأ ابن كثير وشبل هذانِ خَصْمانِ بتشديد النون، وفي ذلك قولان: أحدهما أن تشديدها عوض مما حذف من هذين، والآخر على أنها غير ساقطة في الإضافة. وتأوّل\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٩.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٣٤.","vol":"3","page":64},{"text":"الفراء «١» «٢» الخصمين على أنهما فريقان أهل دينين، وزعم أنّ الخصم الواحد المسلمون، والآخر اليهود والنصارى، اختصموا في دين ربهم. قال: فقال: اختصموا لأنهم جميع.\nقال: ولو قال اختصما لجاز. قال أبو جعفر: وهذا تأويل من لا دربة له بالحديث، ولا بكتب أهل التفسير، لأن الحديث في هذه الآية مشهور رواه سفيان الثوري وغيره عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما إنّ هذه الآية نزلت في حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وهكذا روى أبو عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1996>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٠]</span>\nيُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)\nيُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ رفع بفعل ما لم يسمّ فاعله. وَالْجُلُودُ عطف على «ما» . قال الكسائي. يقال: صهرته أنضجته. والكوفيون يقولون: معنى والجلود:\nوجلودهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1997>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٣]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣)\nقال أبو إسحاق ويقرأ ويحلون «٤» فيها من أساور من ذهب على قولك: حلي يحلى إذا صار ذا حلي، قال: وَلُؤْلُؤًا بمعنى ويحلّون لؤلؤا، قال: و«لؤلؤ» بمعنى:\nومن لؤلؤ. قال: ويجوز أن يكون ذلك خلطا منهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1998>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٤]</span>\nوَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤)\nوَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ فيه ثلاثة أوجه: يكون في اللغة على العموم، وقيل: الطيب من القول البشارات الحسنة، وقيل: هو قولهم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: ٣٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1999>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اسم «إنّ» وكَفَرُوا صلته وَيَصُدُّونَ عطف على الذين كفروا. فإن قيل: كيف يعطف مستقبل على ماض؟ ففيه ثلاثة أوجه: منها أن يكون عطف جملة على جملة، ومنها أن يكون في موضع الحال، كما تقول: كلّمت زيدا\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٢٧.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٩. [.....]\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٣٤.\n(٤) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٣٥، ومختصر ابن خالويه ٩٤، والمحتسب ٢/ ٧٧.","vol":"3","page":65},{"text":"وهو جالس، وقال أبو إسحاق: هو معطوف على المعنى لأن المعنى إنّ الكافرين والصادين عن المسجد الحرام. وفي خبر «إنّ» ثلاثة أوجه: أصحّها أن يكون محذوفا، ويكون المعنى: إنّ الذين كفروا ويصدّون عن سبيل الله هلكوا، وقيل: المعنى: إنّ الذين كفروا يصدّون عن سبيل الله والواو مقحمة. قال أبو جعفر: في كتابي عن أبي إسحاق قال: وجائز أن يكون، وهو وجه الخبر نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. قال أبو جعفر: هذا غلط، ولست أعرف ما الوجه فيه لأنه جاء بخبر إنّ جزما، وأيضا فإنه جواب الشرط، ولو كان خبرا لبقي الشرط بلا جواب ولا سيما والفعل الذي للشرط مستقبل فلا بد له من جواب.\nالَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ «١» . فيه ثلاثة أوجه من القراءات: قراءة العامة برفع سواء والعاكف والبادي، وعن أبي الأسود الدؤلي أنه قرأ سواء العاكف فيه والبادي بنصب سواء ورفع العاكف والبادي، وتروى هذه القراءة عن الأعمش باختلاف عنه، والوجه الثالث الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً «٢» منصوبة منونة.\nالْعاكِفُ فيه بالخفض. فالقراءة الأولى فيها ثلاثة أوجه: يكون الذي جعلناه للناس من تمام الكلام ثم تقول سواء فترفعه بالابتداء، وخبره العاكف فيه والبادي، والوجه الثاني أن ترفع سواء على خبر العاكف، وتنوي به التأخير أي العاكف فيه والبادي سواء، والوجه الثالث أن تكون الهاء التي في جعلناه مفعولا أول، وسواء العاكف فيه والبادي في موضع المفعول الثاني، كما تقول: ظننت زيدا أبوه خارج، ومن هذا الوجه تخرج قراءة من قرأ بالنصب «سواء» يجعله مفعولا ثانيا، ويكون العاكف فيه رفعا إلّا أن الاختيار في مثل هذا عند سيبويه الرفع لأنه ليس جاريا على الفعل، والقراءة الثالثة على أن ينصب «سواء» لأنه مفعول ثان ويخفض «العاكف» لأنه نعت للناس، والتقدير:\nالذي جعلناه للناس العاكف فيه والبادي سواء وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ شرط وجوابه نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. وروى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ قال: الشرك. وقال عطاء: الشرك والقتل. وقد ذكرنا هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2000>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)\nوَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ في دخول اللام ثلاثة أوجه: لأنه يقال: بوّأت زيدا منزلا، فأخذ الثلاثة الأوجه أن تحمله على معنى جعلنا لإبراهيم مكان البيت\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٣٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٣٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٣٦، وهي قراءة الأعمش وحفص.","vol":"3","page":66},{"text":"مبوّءا، والوجه الثاني أن تكون اللام متعلقة بالمصدر مثل «ومن يرد فيه بإلحاد»، والوجه الثالث أن تكون اللام زائدة، وهذا قول الفراء «١» . قال: مثل رَدِفَ لَكُمْ [النمل: ٧٢] أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا في «أن» ثلاثة أوجه: قال الكسائي: في المعنى «بأنّ لا»، والوجه الثاني أن تكون «أن» بمعنى أي مثل وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [ص: ٦]، والوجه الثالث تكون «أن» زائدة لتوكيد مثل فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ [يوسف: ٦٩] وفي قوله: لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وفي وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ وما بينهما من المخاطبة ثلاثة أوجه كلّها عن العلماء: فأما قول المتقدّمين فإنّ هذا كلّه مخاطبة لإبراهيم ﵇. كما روى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال لإبراهيم ﵇: أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فجعل لا يمرّ بقوم إلّا قال: إنه قد بني لكم بيت فحجوه فأجابه كل شيء من صخرة وشجرة وغيرها بلبّيك اللهمّ لبّيك. وروى حماد بن سلمة عن أبي عاصم الغنويّ عن أبي الطفيل قال:\nقال ابن عباس: أتدري ما كان أصل التلبية؟ قلت: لا، قال: لمّا أمر إبراهيم ﵇ أن يؤذّن في الناس بالحجّ خفضت الجبال رؤوسها له، ورفعت له القرى، فنادى في الناس بالحجّ فأجابه كلّ شيء بلبيّك اللهمّ لبّيك، فهذا وجه. وقيل: أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ لإبراهيم ﵇. وتمّ الكلام. ثم خاطب الله جلّ وعزّ محمدا ﵇ فقال: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ أي أعلمهم أن عليهم الحجّ، والوجه الثالث أنّ هذا كله مخاطبة للنبي ﷺ وهذا قول أهل النظر لأن القرآن أنزل على النبيّ ﵇ فكلّ ما فيه من المخاطبة فهي له إلّا أن يدلّ دليل قاطع على غير ذلك، وهاهنا دليل آخر يدلّ على أنّ المخاطبة للنبيّ ﵇ وهو «أنّ لا تشرك» بالتاء، وهذا مخاطبة لمشاهد، وإبراهيم ﵇ غائب. فالمعنى على هذا وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت فجعلنا لك الدلائل على توحيد الله جلّ وعزّ، وعلى أن إبراهيم كان يعبد الله وحده فلا تشرك بي شيئا، وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحجّ. قيل: المعنى أعلمهم أنك تحجّ حجّة الوداع ليحجّوا يَأْتُوكَ رِجالًا نصب على الحال. وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ فيه ثلاثة أوجه: «يأتين» لأن معنى ضامر معنى ضوامر، فنعته بيأتين، وفي بعض القراءات يأتون «٢» يكون للناس.\nقال الفراء: ويجوز يأتي على اللفظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2001>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٩]</span>\nثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)\nثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وقرأ أهل الكوفة بإسكان باللام «٣»، وهو وجه بعيد في\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٢٣.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٩٥، وهي قراءة ابن مسعود.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٢٤.","vol":"3","page":67},{"text":"العربية لأن ثمّ يوقف عليها، ولا يجوز أن يبتدأ بساكن وجوازه على بعد «ثمّ» عاطفة كالواو والفاء وفتحت الميم من ثمّ لالتقاء الساكنين، ولا يجوز ضمّها ولا كسرها لأنها لا تنصرف. والتقدير في العربية: ثم ليقضوا أجل تفثهم، مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ فيه ثلاثة أوجه: كسر اللام على الأصل، وإسكانها لثقل الكسرة، والوجه الثالث أن عاصما قرأ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2002>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٠]</span>\nذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)\nذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ أي الأمر ذلك من الفروض والمعنى ومن يعظم عنده فعل الحرام تعظيما لله جلّ وعزّ وخوفا منه. فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ابتداء وخبر. إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ في موضع نصب على الاستثناء. فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ (من) عند النحويين لبيان الجنس إلّا أنّ الأخفش زعم أنها للتبعيض أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو من الأوثان أي عبادتها. وهو قول غريب حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2003>[سورة الحج (٢٢): آية ٣١]</span>\nحُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١)\nحُنَفاءَ نصب على الحال وكذا غَيْرَ مُشْرِكِينَ. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ أي هو يوم القيامة لا يملك لنفسه نفعا، ولا يدفع عن نفسه عذابا بمنزلة من خرّ من السماء فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه ما هو فيه فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أي تقطّعه بمخالبها، ولا يمكن دفعها عن نفسه. وفي «تخطفه» ثلاثة أوجه سوى هذا. قرأ الأعرج فَتَخْطَفُهُ «٢» بفتح التاء والخاء وتشديد الطاء، وقرأ أبو رجاء فَتَخْطَفُهُ «٣» بفتح التاء وكسر الخاء وتشديد الطاء، وتروى هذه القراءة عن الحسن، والوجه الثالث يروى عن الحسن فَتَخْطَفُهُ بكسر التاء والخاء وتشديد الطاء. فقراءة الأعرج الأصل فيها فتختطفه ثم أدغم التاء في الطاء وألقى حركة التاء على الخاء. وقراءة أبي رجاء على أنه كسر الخاء لالتقاء الساكنين، والقراءة الآخرة على هذا إلّا أنه كسر التاء على لغة من قال: أنت تضرب. والسحيق: البعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2004>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٢]</span>\nذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٣٩، وهي قراءة شعبة أيضا، والجمهور مخفّفا.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٤٠، وهي قراءة نافع أيضا.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٤٠، وهي قراءة الحسن والأعمش أيضا.","vol":"3","page":68},{"text":"ذلِكَ فيه ثلاثة أوجه: يكون في موضع رفع بالابتداء أي ذلك أمر الله جل وعزّ، ويجوز أن يكون في موضع رفع على خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون في موضع نصب أي اتّبعوا ذلك من أمر الله جلّ وعزّ في الحجّ. وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ أحسن ما قيل فيه أن المعنى ومن يعظّم ما أمر به في الحجّ. سمّي شعائر لأن الله جلّ وعزّ أشعر به أي أعلم به وتعظيمه إيّاه أن لا يعصي الله جلّ وعزّ فيه فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ أي من تقوى الإنسان ربّه بقلبه، وهو مجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2005>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٤]</span>\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم وقرأ الكوفيون إلّا عاصما مَنْسَكًا «١» بكسر السين. قال: وفي كتابي عن أبي إسحاق منسك بفتح السين مصدر بمعنى النّسك والنّسوك، ومنسك أي مكان نسك مثل مجلس. قال أبو جعفر: وهذا غلط قبيح إنما يكون هذا في فعل يفعل نحو جلس يجلس والمصدر مجلس والموضع مجلس فأما فعل يفعل فلا يكون منه مفعل اسما للمكان، ولا مصدرا إلّا أن يسمع شيء فيؤدّى على ما سمع، على أن الكثير من كلام العرب منسك، وهو القياس، والباب، ومنسك يقع في كلام العرب على ثلاثة أوجه: يكون مصدرا، ولظرف الزمان، ولظرف المكان. قال الفراء «٢» المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير أو شرّ. وقيل: مناسك الحج لترداد الناس إليها. فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أي لا تذكروا على ذبائحكم اسم غيره وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ عن أهل التفسير فيه ثلاثة أقوال:\nقال عمرو بن أوس: المخبت الذي لا يظلم وإذا أظلم لم ينتصر. وقال الوليد بن عبد الله: المخبتون: المخلصون لله جلّ وعزّ. وقال مجاهد: هم المطمئنّون بأمر الله جلّ وعزّ. قال أبو جعفر: الخبت من الأرض: المكان المطمئنّ المنخفض، فاشتقاقه من هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2006>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٥]</span>\nالَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)\nالَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أن يعصوه فيعاقبوا. وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ أي يصبرون على الشدائد في الطاعة والنهي عن المنكر وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ فيه ثلاثة أوجه:\nوَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ بالخفض على الإضافة وتحذف النون منها، ويجوز النصب مع\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٤١، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٣٦.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٣٠.","vol":"3","page":69},{"text":"حذف النون لأن الألف واللام بمعنى الذي، هذا قول سيبويه «١» . وقال أحمد بن يحيى: جاز النصب مع حذف النون يجريه مجرى الواحد لأنك في الواحد تنصبه فتقول: هو الآخذ درهما، والوجه الثالث في الكلام والمقيمين الصّلاة على الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2007>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]</span>\nوَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)\nوَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ منصوبة بإضمار فعل مثل الثاني، وقرأ ابن أبي إسحاق والبدن «٢» بضم الباء والدال، وكذا روي عن عيسى والحسن وأبي جعفر. وحكى الفراء أنه يقال للواحدة بدنة وبدن. قال أبو جعفر: فبدن وبدن مثل وثن ووثن، وبدن يقال: إنه جمع الجمع أي بدنة وبدان وبدن. فإن قال قائل: فلم صار بدنة وبدن أفصح، وخشبة وخشب أفصح، والوزن واحد؟ فالجواب أنّ بدنة في الأصل نعت من البدانة، وهي السمن، وخشية ليست بنعت والنعت أولى بالتسكين، وما ليس بنعت أولى بالحركة. ألا ترى إلى قولهم: خذلة وخذلات، وحلوة وحلوات، وجفنة وجفنات، وظلمة وظلمات. فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فيه ثلاثة أوجه قد قرئ بها:\nقراءة العامة صَوافَّ، وعن الحسن والأعرج صوافي فإذا «٣» جمع صافية، الخالصة. وعن عبد الله بن مسعود صوافن «٤» جمع صافنة. قال الفراء «٥»: الصافنة القائمة، وحكى غيره أنها القائمة على ثلاث، وحكى أبو عبيدة أن الصافنة التي قد جمعت رجليها ورفعت سنبكها، وقال أبو عمر الجرمي: الصافن عرق في مقدّم الرجل فإذا ضرب على الفرس رفع رجليه فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها قال مقسم عن ابن عباس قال:\nفإذا وقعت على جنوبها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2008>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٧]</span>\nلَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)\nلَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها على تذكير الجمع، ويقال على تأنيث الجماعة وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى لأن التّقوى والتّقى واحد، ويناله على لفظ التقوى. وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ أي الذين أحسنوا في أداء ما عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2009>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٩]</span>\nأُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ٢٤٣.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٩٥، والبحر المحيط ٦/ ٣٤٢. [.....]\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٤٢، ومعاني الفرّاء ٢/ ٢٢٦. ومختصر ابن خالويه ٩٥.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٢٦.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٢٦.","vol":"3","page":70},{"text":"أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ فيه ثلاثة أوجه من القراءات: هذه التي ذكرناها قراءة أهل المدينة، وقرأ أبو عمرو وعاصم أُذِنَ «١» كما قرأ أهل المدينة وقرأ يقاتلون بكسر التاء، وقرأ الكوفيون إلّا عاصما أذن «٢» بفتح الهمزة والذين يقاتلون بكسر التاء والمعاني في هذا متقاربة لأنهم قد قاتلوا وقوتلوا إلّا أن قراءة أهل المدينة في هذا أصحّ معنى، وأبين من وجهين: أحدهما أنه قد صحّ عن ابن عباس أنها أول آية نزلت في القتال. قال أبو جعفر: كما حدّثنا أبو الحسن محمد بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حمّاد الطهرانيّ قال: أخبرنا عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن مسلم عن سعيد عن ابن عباس أنه يقرأها أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ وقال: هي أول آية أنزلت في القتال.\nقال الطهراني: لا أدري كيف القراءة فإذا كانت أول آية أنزلت في القتال فهم لم يقاتلوا بعد. فيبعد أن يكون أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ وكان يقاتلون بيّنا، والجهة الأخرى أن بعده «بأنّهم ظلموا»، وبعده الَّذِينَ أُخْرِجُوا فوجب أيضا أن يكون «يقاتلون» بأنهم ظلموا ولأنهم ظلموا واحد، كما تقول: جزيته ببغيه ولبغيه. قال أبو إسحاق: ولا يجوز: وأنّ الله على نصرهم لقدير. بفتح الهمزة لأن إنّ إذا كانت معها اللام لم يجز فتحها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2010>[سورة الحج (٢٢): آية ٤٠]</span>\nالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)\nالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ في موضع خفض بدلا من الذين. إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ في موضع نصب على مذهب سيبويه استثناء ليس من الأول، وقال الفراء «٣»: يجوز أن تكون «أن» في موضع خفض يقدّرها مردودة على الباء، وهو قول أبي إسحاق، والمعنى عنده: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلّا بأن يقولوا: ربّنا الله أي أخرجوا بتوحيدهم. أخرجهم أهل الأوثان. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ روي عن أبي الدّرداء أنه قال: لولا أنّ الله جلّ وعزّ يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزو عمن لا يغزو لأراهم العذاب، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: لولا أن الله جلّ وعزّ يدفع بأخذ الحقوق بالشهادات لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ ولم ينصرف، صوامع ومساجد، لأنهما جمعان، وهما نهاية الجموع فثقلا فمنعا الصّرف. وكذلك كل جمع ثالث حروفه ألف وبعد الألف حرفان أو ثلاثة. وقوله جلّ وعزّ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا الذي يجب في كلام العرب على حقيقة النظر\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٤٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٤٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٣٧.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٢٧.","vol":"3","page":71},{"text":"أن يكون يذكر فيها اسم الله عائدا على المساجد لا على غيرها لأن الضمير يليها، ويجوز أن يكون يعود على صوامع وما بعدها. ويكون المعنى: في وقت شرائعهم وإقامتهم الحدود والحقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2011>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nالَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢)\nالَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ قال أبو إسحاق: الَّذِينَ في موضع نصب ردا على «من» يعني في «ولينصرنّ الله من ينصره»، وقال غيره: «الذين» في موضع خفض ردّا على قوله أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ، ويكون الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ لأربعة من أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يمكّن في الأرض غيرهم من الذين قيل فيهم: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. وبهذه الآية يحتجّ في إمامة أبي بكر وعمر وغيرها من الآي. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا «١» ما في وَثَمُودُ من الصّرف وتركه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2012>[سورة الحج (٢٢): آية ٤٥]</span>\nفَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)\nوَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ قال الضحاك: أي متروكة، وقرأ الجحدري وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ «٢» وإن المعنى واحد، وفي هذا أعظم الموعظة. وعظهم الله جلّ وعزّ بقوم قد أهلكوا وبقيت آثارهم يعرفونها. قال الأصمعي: سألت نافع بن أبي نعيم أتهمز البئر والذئب فقال: إذا كانت العرب تهمزها فأهمزها، وأكثر الروايات عن نافع بهمزهما إلّا ورشا فإنّ روايته عنه بغير همز فيهما، والأصل الهمز. قال أحمد بن يحيى: الذئب مشتقّ من تذاءبت الريح، إذا جاءت من وجوه كثيرة، وكذلك الذئب. قال أبو جعفر: فإذا حذفت الهمزة، وهي ساكنة لم يكن بعد السكون إلّا قلبها إلى ما أشبه ما قبلها. والفراء يذهب إلى أن «وبئر» معطوفة على عروضها، وأبو إسحاق يذهب إلى أنها معطوفة من «قرية» أي ومن بئر، ثم قال: «أخذتها وإلى المصير» . قال أبو إسحاق: أي بالعذاب، ثم حذف لأن قبله ما يدلّ عليه وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2013>[سورة الحج (٢٢): آية ٥٢]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)\nهذه آية مشكلة من جهتين: إحداهما أن قوما يرون أن الأنبياء فيهم مرسلون وغير\n_________\n(١) مرّ في إعراب الآية ٧٣ من سورة الأعراف.\n(٢) وهذه قراءة الحسن وجماعة أيضا، مخفّفة، انظر البحر المحيط ٦/ ٣٤٨، ومختصر ابن خالويه ٩٦.","vol":"3","page":72},{"text":"مرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين. وغيرهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال: نبيّ حتى يكون مرسلا. والدليل على صحة هذا قوله جلّ وعزّ: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ فأوجب للنبيّ الرسالة. وإنّ معنى نبيّ أنبأ عن الله جلّ وعزّ، ومعنى أنبأ عن الله جلّ وعزّ هو الإرسال بعينه. والجهة الأخرى التي فيها الإشكال الحديث المروي. قال أبو جعفر: وقد ذكرناه بإسناده وهو أنّ النبيّ ﷺ قرأ: «أفرأيتم اللات والعزّى فإنّ شفاعتهم ترتجى» «١» وسها كذا في رواية الزّهري، وفي رواية غيره «فإنهن الغرانيق العلى» . قال أبو جعفر: وهذا يجب أن يوقف على معناه من جهة الدين لطعن من طعن فيه من الملحدين. فأول ذلك أنّ الحديث ليس بمتصل الإسناد، ولو اتّصل إسناده وصحّ لكان المعنى فيه صحيحا. فأما معنى «وسها» فإنّ معناه وأسقط. ويكون تقديره أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وتمّ الكلام، ثمّ أسقط والغرانيق العلى، يعني الملائكة فإن شفاعتهم، يعود الضمير على الملائكة. فأمّا من روى «فإنّهنّ الغرانيق العلى» ففي روايته أجوبة عنها أن يكون القول محذوفا كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة، ويجوز أن يكون بغير حذف، ويكون توبيخا لأن قبله أفرأيتم فيكون هذا احتجاجا عليهم. فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحا في الصلاة، ويجوز أن يكون الضمير للملائكة كما يضمر ما يعرف معناه فينسخ الله جلّ وعزّ ذلك لما فيه من الصلاح. والذي فيه من الصلاح إزالة التمويه أن يموّه على قوم فيقال لهم: هذا الضمير للّات والعزّى، فأنزل الله جلّ وعزّ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ وفي الآية قولان آخران: أحدهما أن يكون المعنى لمّا تلا أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى قال رجل ألقى الشيطان على لسانه: فإنهنّ الغرانيق العلى، والقول الآخر أنّ علي بن أبي طلحة روى عن ابن عباس في قوله الله جلّ وعزّ:\nإِلَّا إِذا تَمَنَّى قال: إذا تحدّث ألقى الرداءة الشيطان في أمنيته، قال: في حديثه فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ قال: فيبطل الله ما يلقي الشيطان. وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجلّه. وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التّفسير رواها عليّ بن أبي طلحة لو رحل فيها رجل إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا.\nوالمعنى عليه أنّ النبيّ ﷺ إذا حدّث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة، فيقول له: لو سألت الله جلّ وعزّ أن يغنّمك كذا ليتّسع المسلمون، ويعلم الله جلّ وعزّ الصّلاح في غير ذلك فيبطل ما يلقي الشيطان، كما قال ابن عباس وحكى الكسائي والفراء «٢» جميعا تمنّى إذا حدّث نفسه. وهذا هو المعروف في اللغة. وقد حكيا أيضا تمنّى إذا تلا، وروي ذلك عن الضحاك.\n_________\n(١) انظر تفسير القرطبي ١٢/ ٨٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٢٩.","vol":"3","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2014>[سورة الحج (٢٢): آية ٥٥]</span>\nوَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)\nوحكى أبو عبد الرحمن السلمي فِي مِرْيَةٍ بضم الميم والكسر أعرف حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قال محمد بن يزيد: هو مصدر في موضع الحال أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ سمّي يوم القيامة عقيما لأنّه ليس يعقب بعده يوما مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2015>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٣]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)\nفتصبح ليس بجواب وإنما هو خبر عند الخليل ﵀. قال الخليل: المعنى انتبه أنزل من السماء ماءا فكان كذا وكذا كما قال: [الطويل] ٣٠٤-\nألم تسأل الرّبع القوّاء فينطق ... وهل تخيرنك اليوم بيداء سملق «١»\nوقال الفراء «٢»: «ألم تر» خبر، كما تقول في الكلام: اعلم أنّ الله ﵎ ينزل من السماء ماءا فتصبح الأرض مخضرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2016>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٥]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥)\nوَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وسخر الفلك، ويجوز أن يكون المعنى وأنّ الفلك، ويجوز الرفع على الابتداء وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ في موضع نصب أي ويمسك السماء كراهة أن تقع على الأرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2017>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٢]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)\nقُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ فيها ثلاثة أوجه: الرفع بمعنى هو النار أو هي\n_________\n(١) الشاهد لجميل بثينة في ديوانه ١٣٧، والأغاني ٨/ ١٤٦، وخزانة الأدب ٨/ ٥٢٤، والدرر ٤/ ٨١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٠١، وشرح التصريح ٢/ ٢٤٠، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٧٤، وشرح المفصّل ٧/ ٣٦، ولسان العرب (سملق)، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٣، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٤/ ١٨٥، والجنى الداني ص ٧٦، والدرر ٦/ ٨٦، والردّ على النحاة ص ١٢٧، والكتاب ٣/ ٣٧، ورصف المباني ص ٣٧٨، ولسان العرب (حدب) ومغني اللبيب ١/ ١٦٨، وهمع الهوامع ٢/ ١١.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٢٩.","vol":"3","page":74},{"text":"النار، والخفض على البدل، والنصب فيه ثلاثة أوجه: يكون بمعنى أعني، وعلى إضمار فعل مثل الثاني، ويكون محمولا على المعنى أي أعرّفكم بشرّ من ذلكم النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2018>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ أحسن ما قيل فيه أنّ المعنى ضرب لله جلّ وعزّ مما يعبد من دونه مثل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2019>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٨]</span>\nوَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)\nوَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ قال أبو إسحاق: قيل: إن هذا منسوخ. قال: وكذا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] قال أبو جعفر: وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ، لأنه واجب على الإنسان، كما روى حيوة بن شريح عن أبي هاني الخولاني عن عمرو بن مالك عن فضالة بن عبيد عن النبيّ ﷺ قال: «المجاهد من جاهد نفسه لله جلّ وعزّ» «١»، وكما روى أبو طالب عن أبي أسامة أنّ رجلا سأل النبيّ ﷺ أي الجهاد أفضل عند الجمرة الأولى؟ فلم يجبه ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه، ثم سأله عند جمرة العقبة فقال ﵇: أين السائل؟ فقال: أنا ذا فقال ﷺ: «كلمة عدل عند سلطان جائر» «٢» . هُوَ اجْتَباكُمْ فدلّ بهذا على فضل أصحاب رسول الله ﷺ، وعلى الردّ على من يتنقّصهم لأنه جلّ وعز اختارهم لنصرة نبيّه ﵇. وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ في موضع نصب و(من) زائدة للتوكيد. مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ قال الفراء «٣»: أي كملّة أبيكم، فإذا ألقيت الكاف نصبت أي وسّع عليكم كملّة أبيكم. قال:\nوإن شئت نصبت على الأمر. قال أبو إسحاق: المعنى اتّبعوا ملّة أبيكم. قال: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ يجوز أن يكون لإبراهيم ﵇ أي سماكم المسلمين فيما تقدّم\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة في سننه الحديث (٤٠١١)، وأبو داود في سننه الحديث (٤٣٤٤)، والترمذي في سننه ٩/ ١٩.\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه ٩/ ١٩، وابن ماجة في سننه حديث (٤٠١١) . [.....]\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٣١.","vol":"3","page":75},{"text":"وَفِي هذا أي وفي حكمه أنّ من اتّبع محمدا ﷺ موحد فقد سمّاكم المسلمين. قال أبو جعفر: هذا القول مخالف لقول العلماء الأئمة. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو سمّاكم المسلمين، قال: الله جلّ وعزّ، وكذا روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. وروى ابن نجيح عن مجاهد في قوله جلّ وعزّ: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ قال: سمّاكم المسلمين من قبل الكتب والذكر، وفي هذا القرآن. لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ أي بتبليغه إياكم.\nوبإجابتكم إياه وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ بتبليغكم إياهم وبما ترون منهم وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ قيل: أي امتنعوا بما أعطاكم من القوة وانبساط اليد من المعاصي.\nهُوَ مَوْلاكُمْ أي وليّ نعمكم، ووليّ ما تحتاجون إليه في حياتكم. ولهذا كره أن يقال للإنسان: يا مولاي من هذه الجهة، ويقول: هذا عبدي، أو أمتي. قال النبيّ ﷺ:\nولكن ليقل فتاي أو فتاتي. فَنِعْمَ الْمَوْلى أي فنعم الوليّ لكم لأنه يريد بكم الخير وَنِعْمَ النَّصِيرُ لمن أطاعه.","vol":"3","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2020>٢٣ شرح إعراب سورة المؤمنين</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2021>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)\nومن قرأ (قد أفلح) ألقى حركة الهمزة على الدال وحذف الهمزة لأن الدال كانت ساكنة، وإذا خفّفت الهمزة قربت من الساكنين، فحذفت الهمزة لهذا ثم ألقيت حركتها على الدال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2022>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢]</span>\nالَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢)\nالَّذِينَ في موضع رفعت نعت للمؤمنين هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ مبتدأ وخبره داخلون في الصلة، وكذلك ما بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2023>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)\nقال الضحاك: اللّغو الشرك. قال أبو جعفر: اللّغو في اللغة ما يجب أن يلغى أي يطرح. ومن أحسن ما قيل فيه قول الحسن: إنها المعاصي كلّها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال: هو الشرك. وقول من قال: هو الغناء. كما روى مالك بن أنس عن محمد بن المنذر أنّ الله جلّ وعزّ يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزّهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشياطين، أدخلوهم في رياض المسك ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي، وأخبرهم أن لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2024>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)\nفمدح الله جلّ وعزّ ومن أخرج من ماله الزكاة وإن لم يخرج منه غيرها. فكأن الذين يكنزون الذهب والفضة هم الذين لا يخرجون الزكاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2025>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)","vol":"3","page":77},{"text":"قال الفراء «١»: أي إلّا من أزواجهم اللاتي أحلّ الله جلّ وعزّ لهم الأربع لا تجاوز. أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ في موضع خفض معطوفة على أزواجهم و«ما» مصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2026>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧]</span>\nفَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧)\nوقد أخبر جلّ وعزّ أنه لا يحبّ المعتدين، وإذا لم يحبّهم أبغضهم وعاداهم لا واسطة في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2027>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٨]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨)\nوقرأ المكّيّون (لأمانتهم) «٢» على واحدة. قال أبو جعفر: أمانة مصدر يؤدي عن الواحد والجمع، فإذا أردت اختلاف الأنواع جاز الجمع والتوحيد إلّا أن الجمع هاهنا حسن لأن الله جل وعز قد ائتمن العباد على أشياء كثيرة منها الوضوء وغسل الجنابة والصلاة والصيام وغيرهن. فأما احتجاج أبي عبيد في اختياره لأماناتهم بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النساء: ٥٨] فمردود لا يشبهه هذا لأن الأمانات هاهنا هو الشيء بعينه بمنزلة الودائع، وليس مثل ذلك. ألا ترى أن بعده وَعَهْدِهِمْ ولم يقل وعهودهم فالجمع والتوحيد جائزان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2028>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠]</span>\nأُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠)\nأُولئِكَ مبتدأ «هم» مبتدأ ثان، وإن شئت كانت فاصلة. الْوارِثُونَ على أن قوله «هم» فاصلة خبر «أولئك»، وعلى القول الآخر خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر «أولئك» وروى الزّهري عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنّة ثم قرأ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ «٣» إلى عشر آيات. قال أبو جعفر: معنى «من أقامهنّ» من قام عليهنّ ولم يخالف ما فيهنّ، وأدّاه، كما تقول: فلان يقوم بعمله، ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الصوم والحجّ فدخل معهن.\nوالذين قرءوا «لأماناتهم» قرءوا فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا إلّا عاصما فإنه قرأ فخلقنا المضغة عظما «٤» فكسونا العظام لحما، وكذا قرأ الأعرج وقتادة وعبد الله بن عامر. والقراءة الأولى حسنة بيّنة لأن المضغة تفترق فتكون عظاما\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٣١.\n(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٤٤، والبحر المحيط ٦/ ٣٦٧.\n(٣) أخرجه الترمذي في سننه- التفسير ١٢/ ٣٥.\n(٤) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٤٤.","vol":"3","page":78},{"text":"فالجمع في هذا أبين والتوحيد جائز يكون يؤدي عن الجمع، وقال أبو إسحاق في العلة في جوازه لأنه قد علم أن الإنسان ذو عظام، واختار أبو عبيد الجمع واحتجّ بقول الله جلّ وعزّ: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة: ٢٥٩] أي لأنهم قد أجمعوا على هذا. وهذا التشبيه غلط لأن المضغة لمّا كانت تفترق عظاما كان كلّ جزء منها عظما فكل واحد منها يؤدي عن صاحبه فليس كذا «وانظر إلى العظام» لأن هذا إشارة إلى جمع، فإن ذكرت واحدا كانت الإشارة إلى واحد. ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ مجاز، وخَلْقًا مصدر لأنّ معنى أنشأناه خلقناه، واحد الطرائق طريقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2029>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٠]</span>\nوَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)\nوَشَجَرَةً معطوف على جَنَّاتٍ [آية: ١٩]، وأجاز الفراء الرفع «١» لأنه لم يظهر الفعل بمعنى «وثمّ شجرة» تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ بفتح السين قراءة الكوفيين على وزن فعلاء. وفعلاء في الكلام كثير يمتنع من الصرف في المعرفة والنكرة لأن في آخرها ألف التأنيث وألف التأنيث ملازمة لما هي فيه، وليس في الكلام فعلاء ولكن من قرأ (سيناء) «٢» بكسر السين جعله فعلالا، ومنعه من الصرف على أنه للبقعة وقال الأخفش: هو اسم عجمي. وقد ذكرنا «٣» تنبت وتنبت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2030>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٩]</span>\nوَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)\nمصدر، ومنزلا بفتح الميم بمعنى اجعل لي منزلا. قال أبو إسحاق: ومن قرأ مُنْزَلًا «٤» بفتح الميم والزاي جعله مصدرا من نزل نزولا منزلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2031>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٣]</span>\nوَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣)\nوزعم الفراء «٥» أن معنى وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ على حذف «منه» أي ويشرب مما تشربون منه. وذا لا يجوز عند البصريين فلا يحتاج إلى حذف البتّة لأن «ما» إذا كانت مصدرا لم تحتج إلى عائد فإن جعلتها بمعنى الّذي وحذفت المفعول، ولم يحتج إلى إضمار من. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ «٦» بما لا يحتاج إلى زيادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2032>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٣٦]</span>\nهَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٣٣.\n(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٤٤، والبحر المحيط ٦/ ٣٧١.\n(٣) انظر إعراب الآية ٣٧، آل عمران.\n(٤) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٢.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٣٤.\n(٦) مرّ في إعراب الآية ١٥٧- آل عمران.","vol":"3","page":79},{"text":"قرئت على ثلاثة أوجه. قرأ أهل الحرمين وأهل الكوفة هَيْهاتَ هَيْهاتَ مفتوحة غير منوّنة إلّا أبا جعفر فإنه قرأ هَيْهاتَ هَيْهاتَ «١» مكسورة غير منونة، وقرأ عيسى بن عمر هَيْهاتَ هَيْهاتَ «٢» مكسورة منونة. فهذه ثلاثة قراءات. قال أبو جعفر ويجوز هَيْهاتَ هَيْهاتَ «٣» مفتوحة منوّنة. قال الكسائي: وناس من العرب كثير يقولون: أيهات «٤» يعني أنهم يبدلون من الهاء همزة، ويجوز فيها ما جاز في هيهات من اللغات. قال أبو جعفر: من قال هيهات هيهات لما توعدون وقف بالهاء عند سيبويه والكسائي «٥» لا غير لأنها واحدة، وبنيت على الفتح وموضعها رفع لأن المعنى البعد لأنها لم يشتقّ منها فعل فهي بمنزلة الحروف فاختير لها الفتح لأنّ فيها هاء التأنيث فهي بمنزلة اسم ضمّ إلى اسم كخمسة عشر، وزعم الفراء أن الوقف عليها بالياء ومن كسر وقف بالتاء عند الجماعة نوّن أو لم ينوّن لأنها جمع كبيضات، واحدها هيهة كبيضة ونصب الجميع كخفضه. والتنوين فيه قولان: أحدهما أن التنوين في جمع المؤنّث لازم، والآخر أن فرق بين المعرفة والنكرة، ولهذا حذف من حذف على أنه جعلها معرفة، ويقال: هيهات لما قلت، وهيهات ما قلت أي البعد لما قلت، والبعيد ما قلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2033>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٠]</span>\nقالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠)\nقالَ عَمَّا قَلِيلٍ ما زائدة مؤكّدة عند البصريين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2034>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٤٤]</span>\nثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)\nثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا فيه ثلاثة أوجه: قرأ الكوفيون ونافع والحسن وابن محيصن تَتْرا «٦» بغير تنوين، وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر والأعرج تَتْرا «٧» منوّنة ويجوز تَتْرا «٨» بكسر التاء الأولى موضعها نصب على المصدر لأن معنى «ثم أرسلنا» ثم واترنا، ويجوز أن يكون موضع الحال أي مواترين. قال الأصمعي: واترت كتبي عليه أتبعت بعضها بعضا إلّا أن بين كلّ واحد منها وبين الآخر مهلة، وقال غيره من أهل اللغة: المواترة التتابع بلا مهلة. قال أبو جعفر: من قرأ تترى بلا تنوين وجعلها فعلى مثل سكرى، ومن نون جعل الألف للنصب كما تقول: رأيت زيدا يا هذا، والتاء في القراءتين جميعا مبدلة من واو كما يقال: تالله والله. وهو من واترت واشتقاقه من الوتر\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٤، ومعاني ٢/ ٢٣٥، مختصر ابن خالويه ٩٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٤، ومعاني ٢/ ٢٣٥، مختصر ابن خالويه ٩٧.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٤، ومعاني ٢/ ٢٣٥، مختصر ابن خالويه ٩٧. [.....]\n(٤) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٤، ومعاني ٢/ ٢٣٥، مختصر ابن خالويه ٩٧.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٣٦.\n(٦) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٤٦.\n(٧) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٤٦.\n(٨) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٤٦.","vol":"3","page":80},{"text":"والوتر. وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ يتحدّث بخبرهم ويتعجّب منه ويعتبر به فَبُعْدًا مصدر أي أبعدهم الله جلّ وعزّ من ثواب الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2035>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٠]</span>\nوَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)\nوَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ويقال: بالكسر والفتح، ويقال في معناها رباوة «١»، وقرأ بها ابن أبي إسحاق ويقال: رباوة «٢» ورباوة «٣» بالفتح والكسر. وأحسن ما قيل فيه ما قاله ابن عباس ﵀. قال: نبئت أنها دمشق لأن قوله نبئت يدلّ على أنه توقيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2036>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥١]</span>\nيا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)\nيا أَيُّهَا الرُّسُلُ نعت لأي. كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ قال الحسن: أي من الحلال ويدلّ على هذا ما رواه أبو حازم عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّبا وإنّ الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنين» فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢] وقال: «يا أيّها الرّسل كلوا من الطّيّبات» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2037>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٢]</span>\nوَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)\nوَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً في هذا ثلاثة أوجه من القراءات: قرأ المدنيون وأبو عمرو وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً «٤» بفتح الهمزة ونصب أمة واحدة، وقرأ الكوفيون بكسر الهمزة ونصب أمة واحدة أيضا، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً برفع كلّ شيء ففي فتح الهمزة ثلاثة أقوال: فقول البصريين أن المعنى:\nولأنّ وحذفت اللام، وأن في موضع نصب، وقول الكسائي وهو أحد قولي الفراء «٥» أنّ في موضع خفض نسقا على «ما تعملون» أي إني بما تعملون عليم وبأنّ هذه أمتكم، والقول الثالث قول الفراء «٦»: إنّها في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير:\nواعلموا أنّ هذه أمتكم وكسر الهمزة عنده على الاستئناف، وعند الكسائي أنها نسق على أني بما تعملون عليم. أُمَّةً واحِدَةً نصب على الحال. والرفع من ثلاثة أوجه:\nعلى إضمار مبتدأ، وعلى البدل، وعلى خبر بعد خبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2038>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٣]</span>\nفَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)\nفَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا نصب على الحال، والمعنى مثل زبر. كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي كلّ فريق يظنّ أنه على الحق، فهو فرح بما هو عليه وعليه أن يبيّن الحق لأنّه\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٧، ومختصر ابن خالويه ٩٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٧، ومختصر ابن خالويه ٩٨.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٧، ومختصر ابن خالويه ٩٨.\n(٤) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٤٦.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٣٧.\n(٦) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٣٧.","vol":"3","page":81},{"text":"ظاهر. وقيل: كلّ حزب بما لديهم فرحون أي بما هم فيه من اللذات وطلب الرئاسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2039>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٤]</span>\nفَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)\nفَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ أي فيما غطّى عليهم من حبّ الدنيا والتواني عن الموت وعن أمر الآخرة. وقيل: في غمرتهم أي فيما غمرهم من الجهل. قال أبو إسحاق: حَتَّى حِينٍ إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2040>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nأَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)\nأَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ «ما» بمعنى الذي، وفي خبر أن ثلاثة أقوال: منها أنه محذوف، وقال أبو إسحاق: المعنى نسارع لهم به، وحذفت به، وقال هشام قولا دقيقا قال: «ما» هي الخيرات، وليس في الكلام حذف لأن معنى في الخيرات فيه، وهذا قول بعيد ومثله: إنّ زيدا تكلّم عمرو في زيد، والأجود تكلّم عمرو فيه، وقد أجاز مثله سيبويه، وأنشد: [الخفيف] ٣٠٥-\nلا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا «١»\nومن قرأ يسارع لهم في الخيرات «٢» ففي قراءته ثلاثة أوجه: أحدها على حذف به، ويجوز أن يكون التقدير يسارع الأمداد، ويجوز أن يكون «لهم» اسم ما لم يسمّ فاعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2041>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)\nخبر أن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2042>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦١]</span>\nأُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١)\nأُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي في عمل الخيرات أي الطاعات. قال أبو إسحاق:\nيسارعون أبلغ من يسرعون. وَهُمْ لَها سابِقُونَ أحسن ما قيل فيه أنهم يسبقون إلى أوقاتها، ودلّ أنّ الصلاة في أول الوقت أفضل، وكلّ من تقدّم في شيء فقد سابق إليه، وكلّ من تأخر عنه فقد سبقه وفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2043>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٢]</span>\nوَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢)\nوَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ قيل: يعني به الكتاب الذي كتب فيه أعمال الخلق عند الملائكة محتفظ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2044>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٣]</span>\nبَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣)\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٧٠) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٧٩.","vol":"3","page":82},{"text":"بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا قال أبو إسحاق: أي بل قلوبهم في عماية من هذا وقيل: بل قلوبهم في غمرة من هذا الكتاب الذي ينطق بالحق وأعمالهم فيه محصاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2045>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٧]</span>\nمُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)\nوهذه قراءة حسنة مشاكلة لأول القصّة لأن في القصة ذكر نكوصهم على أعقابهم فيشبه هذا أنهم هجروا النبي ﷺ والكتاب. وقال الكسائي: تَهْجُرُونَ تهذون. قال أبو جعفر: يقال: هجر المحموم إذا غلب على عقله فهذي، فيكون معنى الآية- والله أعلم- أنكم تتكلّمون في النبيّ ﷺ بما لا يضرّه وبما ليس فيه فأنتم كمن يهذي.\nويقال: ما زال ذاك إهجيراه وهجيراه أي عادته كأنه يهذي به حتى صار له عادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2046>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٦٩]</span>\nأَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)\nأَمْ لَمْ يَعْرِفُوا هذا تستعمله العرب على معنى التوقيف والتقبيح، فيقولون الخير أحبّ إليك أم الشرّ، أي قد اخترت الشرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2047>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧١]</span>\nوَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)\nأهل التفسير مجاهد وأبو صالح وغيرهما يقولون: «الحقّ» هاهنا الله جلّ وعزّ. وتقديره في العربية: ولو اتّبع صاحب الحقّ، وقد قيل: هو مجاز أي لو وافق الحقّ أهواءهم فجعل موافقته اتّباعا مجازا أي لو كانوا يكفرون بالرسل ويعصون الله جلّ وعزّ ثم لا يعاقبون ولا يجازون على ذلك إمّا عجزا وإمّا جهلا لفسدت السموات والأرض. وقيل: المعنى لو كان الحقّ فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتنافست الآلهة وأراد بعضهم ما لا يريد بعض فاضطرب التدبير، وفسدت السموات والأرض، وإذا فسدتا فسد من فيهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2048>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٢]</span>\nأَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)\nقال الأخفش: الخرج واحد إلّا أنّ اختلاف الكلام أحسن. وقال أبو حاتم:\nالخرج الجعل والخراج العطاء، وقول محمد بن يزيد: الخرج المصدر، والخراج الاسم، والمعنى أم تسألهم رزقا، فرزق ربّك خير وهو خير الرازقين أي ليس أحد يرزق مثل رزقه ولا ينعم مثل إنعامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2049>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٣]</span>\nوَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)\nأي إلى دين مستقيم، والصراط في اللغة الطريق فسمّي الدين طريقا لأنه يؤدي إلى الجنة أي فهو طريق إليها.","vol":"3","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2050>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٤]</span>\nوَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤)\nقيل: هل مثل الأول أي عن الدين، وقيل: إنهم عن طريق الجنة لعادلون حتى يصيروا إلى النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2051>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٥]</span>\nوَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)\nوَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ أي لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحنّاهم. لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ قال السّدّي: أي في معصيتهم. يَعْمَهُونَ. قال الأخفش: يترددون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2052>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٦]</span>\nوَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)\nوَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ قال الضحاك: أي بالجوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2053>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧٧]</span>\nحَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)\nحَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ قال عكرمة: هو باب من أبواب جهنم عليه من الخزنة أربعمائة ألف، سود وجوههم كالحدأ أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم إذا بلغوه فتحه الله عليهم.\nقل ... لله وقل ... الله «١» قد ذكرناه بما لا يحتاج إلى زيادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2054>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩١ الى ٩٢]</span>\nمَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)\nعالِمِ الْغَيْبِ، قراءة أهل المدينة وأهل الكوفة على إضمار مبتدأ، وقراءة أبي عمرو عالِمِ الْغَيْبِ «٢» بالخفض على النعت لله جلّ وعزّ وأكثر النحويين الكوفيين والبصريين يذهبون إلى أن الرفع أولى. فحجّة البصريين أنّ قبله رأس آية وقد تمّ الكلام فالابتداء أحسن، وحجّة الكوفيين منهم الفراء «٣» أن الرفع أولى قال: لأنه لو كان مخفوضا لكان بالواو فكان يكون عالم الغيب وتعالى، فلما كان «فتعالى» كان الرفع أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2055>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٣ الى ٩٤]</span>\nقُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)\nقال أبو إسحاق: ويجوز «ربّ» بضم الباء، ويجوز «ربّي» بإسكان الياء وفتحها.\nو«إنّ» هاهنا للشرط و«ما» زائدة للتوكيد فلمّا زيدت «ما» حسن دخول النون للتوكيد،\n_________\n(١) يشير إلى الآيات ٨٥، و٨٧ و٨٩ من السورة. [.....]\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٨٦.\n(٣) انظر معاني الفراء ١٢١.","vol":"3","page":84},{"text":"وجواب الشرط فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2056>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٦]</span>\nادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦)\nادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال الحسن البصري: والله لا يصيبها أحد حتّى يكظم غيظا ويصبر على مكروه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2057>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٧]</span>\nوَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧)\nقال عبد الله بن مسعود: وبعضهم يرفعه همزه الموتة. والموتة: ضرب من الجنون. وجمعت همزة وهي ساكنة على همزات فرقا بين الاسم والنعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2058>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٩٩]</span>\nحَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)\nوقد يكون القول في النفس قال جلّ وعزّ: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ [المجادلة: ٨] فأمّا قوله: ارْجِعُونِ وهو يخاطب ربّه جلّ وعزّ ولم يقل: ارجعني ففيه قولان للنّحويّين: أحدهما أنّ العرب تتعارف أن الجبار إذا أخبر عن نفسه قال:\nلنفعلنّ ولنرجعنّ فإذا خوطب كانت مخاطبته مخاطبة الجميع فيقال له: برّونا وأرجعونا فجاءت هذه الآية بهذا، والقول الآخر: إن معنى ارجعون على جهة التكرير ارجعن ارجعن ارجعن، وهكذا قال المازني في قوله جلّ وعزّ: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ [ق: ٢٤] قال معناه ألق ألق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2059>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٠]</span>\nلَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)\nوَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ البرزخ في اللغة كل حاجز بين شيئين فالبرزخ بين الدنيا والآخرة كما روي أن رجلا قال بحضرة الشعبي: رحم الله فلانا قد صار من أهل الآخرة قال: لم يصر من أهل الآخرة ولكن صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة. وأضفت يوما إلى يبعثون لأنه ظرف زمان، والمراد بالإضافة المصدر، وقال أبو إسحاق: حقيقته الحكاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2060>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠١]</span>\nفَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١)\nفي معناه قولان: أحدهما قول ابن عباس: أنهم في وقت لا يتساءلون. ويوم في اللغة بمعنى وقت معروف. والقول الآخر أبين من هذا: يكون معنى فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ أنّهم لا يتفاخرون بالأنساب يوم القيامة، ولا يتساءلون بها كما كانوا في الدنيا يفعلون.","vol":"3","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2061>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٤]</span>\nتَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤)\nتَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ويقال: «تنفح» في معنا إلّا أن «تلفح» أبلغ بأسا. وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ابتداء وخبر، ويجوز النصب في غير القرآن على الحال. والكالح في كلام العرب الذي قد تشمّرت شفتاه وبدت أسنانه كما ترى رؤوس الغنم. وقد جاء عن النبي ﷺ التوقيف بمعنى هذا قال: «تحرق واحدهم النار فتقلص شفته العليا حتّى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتّى تبلغ سرّته» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2062>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٦ الى ١٠٧]</span>\nقالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧)\nقالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وقرأ الكوفيون إلا عاصما شقاوتنا «٢» وهذه القراءة مروية عن ابن مسعود والحسن. ويقال: شقا وشقاء بالقصر والمدّ. وأحسن ما قيل في معناه والأهواء شقوة لأنهما يؤديان إليها، كما قال جلّ وعزّ: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا [النساء: ١٠] لأن ذلك يؤديهم إلى النار وَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ أي كنا في فعلنا ضالين عن الهدى. وليس هذا اعتذارا منهم إنّما هو إقرار ويدل على ذلك رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2063>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٨]</span>\nقالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)\nقالَ اخْسَؤُا فِيها والمصدر خسء في اللازم والمتعدّي على فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2064>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٠٩]</span>\nإِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)\nإِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا قال مجاهد: هم بلال وخبّاب وصهيب وفلان وفلان من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزئون بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2065>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٠]</span>\nفَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)\nفَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا بالكسر والضم. وفرق أبو عمرو بينهما فجعل المكسورة من جهة التهزّؤ، والمضمومة من جهة السّخرة. ولا يعرف هذا التفريق الخليل وسيبويه رحمهما الله، ولا الكسائي ولا الفراء «٣» . قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد كما\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه، صفة الجنة ١٠/ ٥٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٨٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٤٨.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٤٣.","vol":"3","page":86},{"text":"يقال: عصيّ وعصيّ، وقال محمد بن يزيد: إنّما يؤخذ التفريق بين المعاني عن العرب، فأما التأويل فلا يكون. والكسر في «سخريّ» في المعنيين جميعا وفي عصيّ أكثر لأن الضمة تستثقل في مثل هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2066>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٢]</span>\nقالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)\nقالَ كَمْ لَبِثْتُمْ وقل كم لبثتم معنيان مختلفان لا يجوز أن يقال أحدهما أجود من الآخر عَدَدَ سِنِينَ بفتح النون على أنه جمع مسلم، ومن العرب من يخفضها وينوّنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2067>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٣]</span>\nقالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣)\nقالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وليس في هذا ما ينفي عذاب القبر لأنه لا بدّ من خمدة قبل البعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2068>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٦]</span>\nفَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)\nرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ كمن نعت العرش لارتفاعه وأنّ الأيدي لا تناله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2069>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٨]</span>\nوَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)\nوَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ مبتدأ وخبره. والاسم عند البصريين «أن» والتاء للخطاب.\nوالاحتجاج لأبي عمرو في تفريقه بين سخري وسخريّ أن يكون خبّر بمذهبه في القراءة فقط. فأمّا «لبتّم» بالإدغام فلقرب التاء من الثاء، وكذا فاتّختّموهم «١» مدغم لقرب الذال من التاء، ومن لم يدغم فيهما فلأن التاء اسم فكأنها منفصلة والمخرجان مختلفان. وقال مجاهد: العادّون «٢» الملائكة لأنهم يحصون ذلك. وقرأ الأعمش عددا سنين «٣» ونصب عددا على البيان في القراءتين جميعا «وكم» في موضع نصب بلبثتم.\n_________\n(١) انظر الآية ١١٠ من السورة.\n(٢) انظر الآية ١١٣ من السورة.\n(٣) انظر الآية ١١٢.","vol":"3","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2070>٢٤ شرح إعراب سورة النور</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2071>[سورة النور (٢٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)\nسُورَةٌ أَنْزَلْناها بمعنى هذه سورة، وقرأ عيسى بن عمر سُورَةٌ أَنْزَلْناها «١» بالنصب بمعنى أنزلنا سورة. ويجوز أن يكون المعنى: اتل سورة أنزلناها وَفَرَضْناها أي وفرضنا فيها من الحلال والحرام «وفرضناها» فيه ثلاثة أقوال: قال أبو عمرو فصلناها، وقيل: هو على التكثير لكثرة ما فيها من الفرائض، والقول الثالث قال الفراء «٢»: إنّه بمعنى فرضناها عليكم وعلى من بعدكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2072>[سورة النور (٢٤): آية ٢]</span>\nالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)\nالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وقرأ عيسى بن عمر الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي «٣» بالنصب. وهو اختيار الخليل وسيبويه «٤» رحمهما الله لأن الأمر بالفعل أولى، وسائر النحويين على خلافهما، واستدلّ محمد بن يزيد على خلافهما بقول الله جلّ وعزّ:\nوَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ [النساء: ١٦]، والحجة للرفع أنه ليس يقصد به اثنان- بأعيانهما- زنيا فينصب، فلما كان مبهما وجب الرفع فيه من ثلاثة أوجه: مذهب سيبويه أن المعنى: وفيما فرض عليكم الزانية والزاني، وقيل بما عاد عليه. وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ ورأفة لأن فعالة في الخصال كثير، نحو القباحة، وفعلة على الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2073>[سورة النور (٢٤): آية ٣]</span>\nالزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٩٢، ومختصر ابن خالويه ١٠٠، وهي قراءة ابن أبي عبلة وأبي حيوة ومحبوب عن أبي عمرو وأم الدرداء أيضا.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٤٤.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ١٠٠.\n(٤) انظر الكتاب ١/ ١٩٦.","vol":"3","page":88},{"text":"الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً قد ذكرنا معناه وأن الوجه فيه أن يكون منسوخا وحرّم ذلك أن ينكح الرجل زانية والمرأة زانيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2074>[سورة النور (٢٤): آية ٤]</span>\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤)\nوقرأ أبو زرعة «١» بن عمرو بن جرير ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ «٢» وفيه ثلاثة أوجه: يكون «شهداء» في موضع جرّ على النعت لأربعة، ويكون في موضع نصب بمعنى ثم لم يحضروا أربعة شهداء. والوجه الثالث أن يكون حالا من النكرة. وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2075>[سورة النور (٢٤): آية ٥]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا في موضع نصب على الاستثناء، ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل. والمعنى: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2076>[سورة النور (٢٤): آية ٦]</span>\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ على البدل والنصب على الاستثناء وعلى خبر يكون فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ «٣» بالنصب قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقراءة الكوفيين أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ «٤» بالرفع على الابتداء، والخبر: أي فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حدّ القاذف أربع شهادات، كما تقول: صلاة الظهر أربع ركعات، والنصب لأن معنى شهادة أن شهد، فالتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات، أو فالأمر أن يشهد أحدهم أربع شهادات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2077>[سورة النور (٢٤): آية ٧]</span>\nوَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧)\nوَالْخامِسَةُ رفع بالابتداء، والخبر «أنّ» وصلتها ومعنى المخفّفة كمعنى الثقيلة لأن معناها أنه. وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة (والخامسة أنّ) «٥» بالنصب بمعنى ويشهد الشهادة الخامسة.\n_________\n(١) أبو زرعة بن عمرو بن جرير البجلي الكوفي، روى عن أبي هريرة، وهو من التابعين الثقات ترجمته في:\nغاية النهاية ١/ ٦٠٢.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ١٠٠. [.....]\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٩٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٥٢.\n(٤) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٩٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٥٢.\n(٥) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٩٩، ومعاني الفراء ٢/ ٢٤٧.","vol":"3","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2078>[سورة النور (٢٤): آية ١٠]</span>\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ رفع بالابتداء عند سيبويه، والخبر محذوف ولا يظهره العرب وَرَحْمَتُهُ عطف عليه. وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ عطف عليه أيضا. وحذف جواب لولا لأنه قد ذكر مثله بعد. قال الله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2079>[سورة النور (٢٤): آية ١١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١)\nإِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ اسم إنّ. عُصْبَةٌ خبرها، ويجوز النصب في «عصبة» على الحال، ويكون الخبر لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وقرأ حميد الأعرج ويعقوب وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ «١» بضم الكاف. قال الفراء «٢»: وهو وجه جيد لأن العرب تقول:\nفلان أولى عظم كذا وكذا أي أكثره. قال أبو جعفر: والذي جاء به لا حجّة فيه لأنه قد يكون الشيء بمعنى الشيء، والحركة فيها مختلفة. والأشهر في كلام العرب في مثل هذا الكبر والكبر في النسب ويقال: الولاء للكبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2080>[سورة النور (٢٤): آية ١٢]</span>\nلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)\nلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا أي بإخوانهم. وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ فأوجب الله جلّ وعزّ على المسلمين إذا سمعوا رجلا يقذف أحدا أو يذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه، ويكذّبوه، وتواعد من ترك ذلك ومن نقله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2081>[سورة النور (٢٤): آية ١٥]</span>\nإِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)\nإِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ والأصل تتلقونه أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله بعضكم من بعض، ومثله فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة: ٣٧] وعن عائشة ﵂ أنها قرأت إِذْ تَلَقَّوْنَهُ «٣» وإسناده صحيح، ولا يعرف له مخرج إلّا من حديث ابن عمر الجمحي والمعنيان صحيحان لأنهم قد تلقّوه وو لقوه. والأصل: تولقونه فحذفت الواو اتباعا ليلق، يقال: ولق يلق إذا أسرع في الكذب، واشتقاقه من الولق، وهو الخفّة والسرعة.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٤٧، والبحر المحيط ٦/ ٤٠٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٤٧.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ١٠٠.","vol":"3","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2082>[سورة النور (٢٤): آية ١٧]</span>\nيَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)\nيَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2083>[سورة النور (٢٤): آية ١٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩)\nفتواعدهم الله جلّ وعزّ على إرادة الفسق أي إذاعة الفاحشة في الذين آمنوا وَاللَّهُ يَعْلَمُ أي يعلم مقدار عظم هذا الذنب والمجازاة عليه، ويعلم كل شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2084>[سورة النور (٢٤): آية ٢١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)\nهو من ذوات الواو وإن كان قد كتب بالياء. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵀ في قوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا قال: ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء ينفع به نفسه أو ينفي به ما يدفعه عن نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2085>[سورة النور (٢٤): آية ٢٢]</span>\nوَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)\nوَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ حذفت الياء للجزم، قرأ يزيد بن القعقاع وزيد بن أسلم. ولا يتألّ أولوا الفضل «١» حذفت الألف للجزم. والمعنى واحد، كما تقول:\nفلان يتكسّب ويكتسب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2086>[سورة النور (٢٤): آية ٢٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣)\nمن أحسن ما قيل في هذا أنه عام لجميع الناس القذفة من ذكر وأنثى، والتقدير:\nالذين يرمون الأنفس المحصنات فدخل في هذا المذكّر والمؤنّث. وكذا: في الذين يرمون، إلّا أنه غلّب المذكّر على المؤنّث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2087>[سورة النور (٢٤): آية ٢٥]</span>\nيَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)\nوقرأ مجاهد يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ «٢» يرفع الحقّ على أنه نعت لله جلّ وعزّ. قال أبو عبيد: ولولا كراهة خلاف الناس لكان الوجه الرفع، ليكون نعتا لله جلّ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٠٤، ومختصر ابن خالويه ١٠١.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٠٥.","vol":"3","page":91},{"text":"وعزّ، ويكون موافقا لقراءة أبيّ، وذلك أن جرير بن حازم قال: رأيت في مصحف أبيّ ليوفيهم الله الحقّ دينهم «١» وهذا الكلام من أبي عبيد غير مرضيّ لأنه احتجّ لما هو مخالف للسواد الأعظم، ولا حجة فيه أيضا لأنه لو صحّ هذا أنّ في مصحف أبيّ كذلك جاز أن تكون القراءة: يومئذ يوفّيهم الله الحقّ دينهم يكون دينهم بدلا من الحق على أن قراءة العامة دِينَهُمُ الْحَقَّ يكون «الحقّ» نعتا لدينهم والمعنى حسن لأنّ الله جل وعز قد ذكر المسيئين فاعلم أنه يجازيهم بالحق، كما قال جلّ وعزّ: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: ١٧] لأن مجازاة الله جلّ وعزّ للكافر والمسيء بالحقّ والعدل، ومجازاته للمحسنين بالفضل والإحسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2088>[سورة النور (٢٤): آية ٢٦]</span>\nالْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)\nالْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ قد ذكرنا فيه أقوالا: فمن أحسن ما قيل فيه:\nأنّ المعنى الزناة للزناة على ما كان التعبّد مبرئا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2089>[سورة النور (٢٤): آية ٢٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)\nلا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا قال عكرمة: أي حتى تستأذنوا وحقيقته في اللّغة تستعملوا مشتقّ من آنست الشيء أي استعملته. ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أي من الدخول بغير استئذان لما فيه من التّهمة لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي تنتبهون على ما لكم فيه الصّلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2090>[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)\nقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ «من» هاهنا لبيان الجنس وكذا يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٠٥، ومختصر ابن خالويه ١٠١.","vol":"3","page":92},{"text":"وظهر التضعيف في الثاني، لأن لام الفعل من الثاني ساكنة ومن الأول متحركة وهما في موضع جزم جوابا. والتقدير عند المازني: قل للمؤمنين غضّوا يغضّوا وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ قال أبو العالية: أي حتى لا يراها أحد، وقال غيره: فحرّم الله على المسلمين أيضا أن يدخلوا حمّاما بغير مئزر، وأجمع المسلمون على أن السوأتين عورة من الرجل، وأن المرأة كلّها عورة إلّا وجهها ويديها فإنّهم اختلفوا فيهما، وقال أكثر العلماء في الرجل: من سرته إلى ركبته عورة لا يجوز أن ترى. إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ\nاسم إن وخبرها. وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ويجوز وليضربن بكسر اللام وهو الأصل وحذفت الكسرة لثقلها. ويضربن في موضع جزم بالأمر إلّا أنه مبنيّ على حال وحدة اتباعا للماضي عند سيبويه. والمعنى: وليلصقن خمرهنّ وهنّ المقانع على جيوبهنّ لئلا تبدو صدورهنّ أو أعناقهنّ. والصحيح من قراءة الكوفيين عَلى جُيُوبِهِنَّ «١» كما يقرءون بُيُوتًا والنحويون القدماء لا يجيزون هذه القراءة، ويقولون: بيت وبيوت كفلس وفلوس. وقال أبو إسحاق: هي تجوز على أن تبدل من الضمة كسرة. فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضمّ والكسر فمحال لا يقدر أحد أن ينطق به إلّا على الإيماء إلى ما لا يجوز. أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ وقرأ يزيد بن القعقاع وعاصم وابن عامر أو التابعين غير «٢» بنصب غير على الاستثناء. قال أبو حاتم: على الحال والخفض على النعت، وإن كان الأول معرفة لأنه ليس بمقصود قصده، وإن شئت قلت: هو بدل ونظيره غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] في الخفض والنصب جميعا أَوِ الطِّفْلِ بمعنى الأطفال، والدليل على ذلك نعته بالذين الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ وحكى الفراء أنّ لغة قيس «عورات» بفتح الواو، وهذا هو القياس لأنه ليس بنعت، كما تقول: جفنة وجفنات إلّا أن التسكين أجود في عورات وما أشبهه لأن الواو إذا تحرّكت وتحرّك ما قبلها قلبت ألفا، ولو فعل هذا لذهب المعنى وحكى الكسائي أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ «٣» بضم الهاء وهذه لغة شاذّة لا وجه لها لأن ها للتنبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2091>[سورة النور (٢٤): آية ٣٢]</span>\nوَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)\nوَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ جمع أيّم والأيّم عند أهل اللغة من لا زوج لها كانت بكرا أم ثيّبا. حكى ذلك أبو عمرو بن العلاء والكسائي وغيرهما. وذلك بيّن في قوله جلّ وعزّ: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فلم يبح ثيّبا دون بكر. وحديث النبيّ ﷺ «الأيّم أحقّ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٣١، والبحر المحيط ٦/ ٤١٣.\n(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٥٥.\n(٣) وهذه قراءة ابن عامر، انظر البحر المحيط ٦/ ٤١٤، وتيسير الداني ١٣١.","vol":"3","page":93},{"text":"بنفسها» «١» من هذا بعينه. وجمع أيّم أيامى وأيايم وإيام مثل جيّد وجياد، وجمع أمة في التكسير إماء وآم، وفي النصب رأيت آميا وإموان مثل أخ وإخوان، لأن الأصل في أمة أموة وفي المسلّم أموات. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: حكى هشام أميات. قال: وهذا خطأ لأنها من ذوات الواو. وقرأ الحسن والصّالحين من عبيدكم «٢» و«عبيد» اسم للجمع، وليس بجمع مستتبّ، والجمع المستتبّ أعبد وعباد، ونظير عبيد في أنه اسم للجمع قولهم: معبوداء وعبدّى. قال الفراء «٣»: ويجوز والصالحين من عبادكم وإماءكم بالنصب يردّه على الصّالحين. إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ شرط وجوابه. قيل: يغنهم بالتزويج وهذا صحيح في اللغة لأن فقيرا إنما يعرف بالإضافة فيقال: فقير إلى الطّعام، وفقير إلى اللباس، وفقير إلى التزويج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2092>[سورة النور (٢٤): آية ٣٣]</span>\nوَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)\nوَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ في موضع رفع بالابتداء وفي موضع نصب عند الخليل وسيبويه على إضمار فعلا لأن بعده أمرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2093>[سورة النور (٢٤): آية ٣٥]</span>\nاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)\nاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبتدأ وخبره. وتقديره: الله ذو نور السّموات والأرض مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] . مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ مبتدأ وخبره أيضا.\nوقد ذكرنا معناه، وقد روى شمر بن عطية»\nعن كعب في قول الله جلّ وعزّ مَثَلُ نُورِهِ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه ٥/ ٢٥، وابن ماجة في سننه باب ١١ حديث ١٨٧٠، والدارمي في سننه ٢/ ١٣٨، ومالك في الموطّأ باب ٢ الحديث رقم ٤.\n(٢) وهذه قراءة مجاهد أيضا، بالياء مكان الألف وفتح العين، انظر البحر المحيط ٦/ ٤١٥، ومختصر ابن خالويه ١٠٢. [.....]\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٥١.\n(٤) شمر بن عطية: روى عن أبي وائل وزرّ، وعنه الأعمش وقيس بن الربيع، وكان عثمانيا غاليا، ترجمته في ميزان الاعتدال ٢/ ٢٨٠.","vol":"3","page":94},{"text":"قال: نوره محمد ﷺ. قال أبو جعفر: لأن محمدا ﷺ في تبيانه للناس بمنزلة النور الذي يضيء لهم. قال كعب: كَمِشْكاةٍ، ككوّة فيها مصباح قال: الْمِصْباحُ قلب محمد ﷺ فِي زُجاجَةٍ قال: الزُّجاجَةُ صدره كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ لصدره ثم رجع إلى المصباح الذي هو في القلب فقال: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ قال لم تصبها شمس المشرق ولا شمس المغرب. شَرْقِيَّةٍ نعت لزيتونة. وَلا ليست تحول بين النعت والمنعوت وَلا غَرْبِيَّةٍ عطف. يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ قال كعب:\nيكاد محمد ﷺ يستبين لمن يراه أنّه نبيّ وإن لم ينطق لما جعل عليه ﷺ من الدلائل، كما يكاد هذا الزيت يضيء ولو لم تمسّه نار. وقد قرئ دري «١» على أربعة أوجه:\nقرأ الحسن وأهل الحرمين كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ بضم الدال وتشديد الياء إلّا أن سعيد ابن المسيّب قرأ هو وأبو رجاء العطارديّ ونصر بن عاصم وقتادة كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ بفتح الدال وتشديد الياء وقرأ أبو عمرو والكسائي كأنّها كوكب درء بكسر الدال والهمز، وقرأ حمزة كأنّها كوكب درّيء بضم الدال والهمز. فهذه أربع قراءات، وحكى الفراء «٢» أنّه يقال: درّي بكسر الدال وتشديد الياء بغير همز. قال أبو جعفر:\nالقراءة الأولى بيّنة نسب الكوكب إلى الدّرّ. فإن قال قائل: فالكوكب نورا من الدّرّ قيل له: إنما المعنى أنّ هذا الكوكب فضله على الكواكب كفضل الدّرّ على سائر الحبّ.\nوالقراءة الثانية بهذا المعنى فأبدل من الضمّة فتحة لأن النسب باب تغيير. والقراءة الثالثة أبي عمرو والكسائي ضعّفها أبو عبيد تضعيفا شديدا لأنه تأولها من درأت أي دفعت أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق فإن كان التأويل على ما تأوّله لم يكن في الكلام فائدة ولا كان لهذا الكوكب مزيّة على أكثر الكواكب. ألا ترى أنّه لا يقال: جاءني إنسان من بني آدم، ولا ينبغي أن يتأوّل لمثل أبي عمرو والكسائي رحمهما الله مع محلّهما وجلالهما هذا التأويل البعيد، ولكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ذلك كوكب مندفع بالنور كما يقال: اندرأ الحريق، أي اندفع، وهذا تأويل صحيح لهذه القراءة. وحكى الأخفش سعيد بن مسعدة أنه يقال: درأ الكوكب بضوئه إذا امتدّ ضوءه وعلا. فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعا إلا أقلّهم يقولون: هي لحن لا يجوز لأنه ليس في كلام العرب اسم على فعّيل، وقد اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال: ليس هو فعّل إنما هو فعّول مثل سبّوح أبدل من الواو ياء كما قالوا: عتيّ. قال أبو جعفر وهذا الاعتراض والاحتجاج من أعظم الغلط وأشدّه\n_________\n(١) انظر القراءات جميعها في البحر المحيط ٦/ ٤١٩، ومعاني الفراء ٢/ ٢٥٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٥٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٥٢.","vol":"3","page":95},{"text":"لأن هذا لا يجوز البتّة، ولو جاز ما قال لقيل في سبّوح: سبّيح، وهذا لا يقوله أحد.\nوليس عتيّ من هذا، والفرق بينهما واضح بيّن لأنه ليس يخلو عتيّ من إحدى جهتين:\nإما أن يكون جمع عات فيكون البدل فيه لازما لأن الجمع باب تغيير والواو لا تكون ظرفا في الأسماء وقبلها ضمة، فلما كان قبل هذه ساكن وقبل الساكن ضمة والساكن ليس بحاجز حصين أبدل من الضم كسرة وقلبت الواو ياء، وإن كان عتى واحدا كان بالواو أولى وكان قبلها لأنها طرف والواو في فعول ليست طرفا ولا يجوز قلبها. ومن احتجّ لحمزة بشيء مشبه قال: قد جاء مرّيق وهو فعّيل، والحق في هذا أن مرّيقا عجميّ، والذي حكى الفراء- من كسر الدال جائز على أن تبدل من الضمة كسرة.\nيُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ قرئ على أربعة أوجه «١»: قرأ الحسن وأبو عبد الرحمن السلمي ومجاهد وأبو جعفر وأبو عمرو بن العلاء توقّد من شجرة بفتح الدال يجعله فعلا ماضيا، وقرأ شيبة ونافع يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ وهاتان القراءتان متقاربتان لأنهما جميعا للمصباح، وهو أشبه بهذا الوصف لأنه الذي يبين ويضيء، وإنما الزجاجة وعاء له، فتوقّد فعل ماض من توقّد يتوقّد ويوقد فعل مستقبل من أوقد يوقد، وقرأ نصر ابن عاصم توقّد والأصل على قراءته تتوقّد وحذف إحدى التاءين لأن الأخرى تدلّ عليها. وقرأ الكوفيون توقد «٢» وهاتان القراءتان على تأنيث الزجاجة وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ على تأنيث النار، وزعم أبو عبيد أنه لا يعرف إلّا هذه القراءة. وحكى أبو حاتم أنّ السّديّ روى عن أبي مالك عن ابن عباس أنه قرأ ولو لم يمسسه نار «٣» بالياء.\nقال محمد بن يزيد: التذكير على أنه تأنيث غير حقيقي، وكذا سبيل الموات عنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2094>[سورة النور (٢٤): آية ٣٦]</span>\nفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦)\nفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ قد ذكرناه «٤» . وقيل المعنى صلّوا في بيوت. وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ «٥»، وكذا يروى عن الحسن، وقد ذكر سيبويه مثل هذا، وأنشد: [الطويل] ٣٠٦-\nليبك يزيد ضارع لخصومة «٦»\nوالتقدير: يسبّح له فيها رجال على إضمار هذا الفعل لأنه لما قال: يسبّح دلّ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٢٠، ومعاني الفراء ٢/ ٢٥٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد.\n(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٢٠، ومختصر ابن خالويه ١٠٢.\n(٤) انظر إعراب الآية ٣٠ من هذه السورة.\n(٥) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٢١، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٥٦.\n(٦) مرّ الشاهد رقم (١٣٢) .","vol":"3","page":96},{"text":"على أن ثمّ مسبّحين وعلى هذا تقول: ضرب زيد عمرو. ولمّا أن قلت: ضرب زيد.\nدلّ على أنّ له ضاربا فذكرته وأضمرت له فعلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2095>[سورة النور (٢٤): آية ٣٧]</span>\nرِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧)\nوَإِقامِ الصَّلاةِ ويقال: أقام الصلاة إقامة، والأصل إقوامة فقلبت حركة الواو على القاف فانقلبت الواو ألفا وبعدها ألف وهما ساكنتان فحذفت إحداهما وأثبت الهاء لئلّا تحذفها فيجحف فلما أضفت قام المضاف إليه مقام الهاء فجاز حذفها، فإن لم تضف لم يجز حذفها، ألا ترى أنك تقول: وعد عدة، فلا يجوز حذف الهاء لأنك قد حذفت واوا لأن الأصل وعدة فإن أضفت جاز حذف الهاء، وأنشد الفراء: [البسيط] ٣٠٧-\nإنّ الخليط أجدّوا البين فانجردوا ... وأخلفوك عد الأمر الّذي وعدوا «١»\nيريد عدة فحذف الهاء لمّا أضاف. يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ قد ذكرناه. وقيل: معناه تتقلّب قلوب الفجّار على النار، وقيل تتقلّب أي تنضج مرّة وتلفحها النار مرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2096>[سورة النور (٢٤): آية ٣٩]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩)\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا ابتداء أَعْمالُهُمْ ابتداء ثان، ويجوز أن يكون بدلا من الذين ويكون الخبر كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً فإن خففت الهمزة قلت الظّمآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2097>[سورة النور (٢٤): آية ٤٠]</span>\nأَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)\nظُلُماتٌ على إضمار مبتدأ ومن قرأ ظلمات «٢» جعلها بدلا من ظلمات الأولى، ويقال: «ظلمات» لخفّة الفتحة و«ظلمات» لنقل الضمة.\nوَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ. تأوّله أبو إسحاق على أنه في الدّنيا أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام لم يهتد، وتأوله غيره على أنه في الآخرة أي من لم يجعل الله له نورا في القيامة لم يهتد إلى الجنّة.\n_________\n(١) الشاهد للفضل بن عباس في شرح التصريح ٢/ ٣٩٦، وشرح شواهد الشافية ٦٤، ولسان العرب (غلب)، و(خلط)، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٧٢، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٥/ ٢٤١، وأوضح المسالك ٤/ ٤٠٧، والخصائص ٣/ ١٧١، وشرح الأشموني ٢/ ٣٠٤، وشرح عمدة الحافظ ٤٨٦، ولسان العرب (وعد) و(خلط) .\n(٢) انظر تيسير الداني ١٣٤، والبحر المحيط ٦/ ٤٢٤.","vol":"3","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2098>[سورة النور (٢٤): آية ٤١]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١)\nعطفا على «من» . قال أبو إسحاق: ويجوز «والطير» بمعنى مع الطير، ولم يقرأ به. قال أبو جعفر: وسمعته يجيز قمت وزيدا، بمعنى مع زيد. قال: وهو أجود من الرفع. قال: فإن قلت: قمت أنا وزيد، كان الأجود الرفع، ويجوز النصب. كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ يجوز أن يكون المعنى: كلّ قد علم الله صلاته وتسبيحه. ومن هذه الجهة يجوز نصب كلّ عند البصريين والكوفيين. قال أبو إسحاق: والصلاة للناس والتسبيح لغيرهم ولهم، ويجوز أن يكون المعنى: كلّ قد علم صلاة نفسه وتسبيحه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2099>[سورة النور (٢٤): آية ٤٣]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣)\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ يقال: «بين» لا يقع إلّا لاثنين فصاعدا فكيف جاء بينه؟ فالجواب أن بينه هاهنا لجماعة السحاب، كما تقول: الشجر حسن، وقد جلست بينه. وفيه قول آخر: وهو، أن يكون السحاب واحدا فجاز أن يقال: بينه لأنه مشتمل على قطع كثيرة كما قال الشاعر: [الطويل] ٣٠٨-\nقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل «١»\nفأوقع بينا على الدخول وهو واحد لاشتماله على مواضع. هذا قول النحويين، إلا الأصمعي فإنه زعم أن هذا لا يجوز وكان يرويه «بين الدّخول وحومل»، قرأ ابن عباس والضحاك فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ «٢» وخلل: واحد خلال مثل جمل وجمال، وهو واحد يدلّ على جمع. وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ من قال: إنّ المعنى من جبال برد فيها، فبرد عنده في موضع خفض هكذا يقول الفراء «٣»، كما تقول: الإنسان من لحم ودم، والإنسان لحم ودم، ويجب أن يكون على قوله: المعنى من جبال برد فيها بتنوين الجبال، لأنه قال: الجبال هي البرد. فأما على قول البصريين\n_________\n(١) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ٨، والأزهيّة ٢٤٤، وجمهرة اللغة ٥٦٧، والجنى الداني ٦٣، وشرح شواهد الشافية ص ٢٤٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٦٣، ولسان العرب (آ)، ومجالس ثعلب ١٢٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٩، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٦٥٦، وأوضح المسالك ٣/ ٣٥٩، وجمهرة اللغة ٥٨٠، والدرر ٦/ ٨٢، ورصف المباني ٣٥٣، وشرح الأشموني ٢/ ٤١٧، وشرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٣١٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٢٦. [.....]\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٥٦.","vol":"3","page":98},{"text":"فيكون من برد في موضع نصب، ويجوز الخفض كما تقول: مررت بخاتم حديدا وبخاتم حديد، الخفض على البدل والنصب عند سيبويه على الحال، وعند أبي العبّاس على البيان.\nومن قال: المعنى من مقدار جبال فمن برد عنده في موضع نصب لا غير. قال الفراء «١»:\nكما تقول عندي بيتان تبنا، ومثله عنده أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا [المائدة: ٩٥] . ومن قال:\nإنّ «من» زائدة فيهما فهما عنده في موضع نصب لا غير. وقرأ أبو جعفر: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ «٢» بضم الياء، وزعم أبو حاتم أن هذا لحن، وهو قول أستاذه الأخفش يقول: دخل بالمدخل ولا يجيز هاهنا أدخل، ويزعم أن الباء تعاقب الألف، وهذا هو القول البين. فأما أن يكون خطأ لا يجوز ولا يحمل عليه فقد زعم جماعة أن الباء تزاد واحتجوا بقول الله جلّ وعزّ: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ [الحجّ: ٢٥] وإن كان غير هذا القول أولى منه، وهو ما حكاه لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد. قال: تكون الباء متعلقة بالمصدر إذ كان الفعل دالا عليه ومأخوذا منه فعلى هذا يكون التقدير ذهابه بالأبصار أو إذهابه وكذا: أدخل بالمدخل السّجن الدار، جائز على هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2100>[سورة النور (٢٤): آية ٤٤]</span>\nيُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)\nيُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ مجاز أي يقلب هذا إلى هذا وهذا إلى هذا فإذا زال أحدهما ودخل الآخر كان بمنزلة ما قلب إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2101>[سورة النور (٢٤): آية ٤٥]</span>\nوَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)\nوَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم وسائر الكوفيين يقرءون خالق كلّ دابّة «٣» والمعنيان صحيحان. أخبر الله جلّ وعزّ بخبرين ولا ينبغي أن يقال في هذا أحد القراءتين أصحّ من الأخرى لأنهما يدلّان على معنيين، ولكن إن قال قائل: «خلق» في هذا أكثر لأنه ليس بشيء مخصوص، وإنما يقال: خالق على العموم، كما قال جلّ وعزّ: الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر: ٢٤] وفي الخصوص الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام: ١]، وكذا هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [الأعراف: ١٨٩] فكذا يجب وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ. والدابّة كلّ ما دبّ على الأرض من الحيوان يقال: دبّ، وهو داب، والهاء للمبالغة. وقيل: يعني بالماء هاهنا المنيّ كما قال: مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦] وقيل: لمّا كان خلق الأرض\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٥٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٧٠، يذهب بضمّ الياء.\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٥٧.","vol":"3","page":99},{"text":"من ماء جاء هذا هكذا. وقيل: أصل خلق النار والنور من الماء. فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ ومن مشى على أكثر من أربع فهو يمشي على أربع، وغلب ما يعقل لمّا اجتمع مع ما لا يعقل لأنه المخاطب والمتعبّد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2102>[سورة النور (٢٤): آية ٤٩]</span>\nوَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)\nمُذْعِنِينَ في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2103>[سورة النور (٢٤): آية ٥٠]</span>\nأَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)\nأَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا فأنكر الله عليهم ذلك لما أظهر من البراهين فقال: بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2104>[سورة النور (٢٤): آية ٥١]</span>\nإِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)\nوقرأ الحسن إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ «١» جعله اسم كان والخبر أَنْ يَقُولُوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2105>[سورة النور (٢٤): آية ٥٣]</span>\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣)\nقُلْ لا تُقْسِمُوا\nنهاهم عن الحلف لأنّ عزمهم كان على غير ذلك فهم آثمون إذا حلفوا. طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ\nعلى إضمار لتكن طاعة، ويجوز أن يكون المعنى: طاعة أولى بكم.\nقال أبو إسحاق: يجوز طاعة بالنصب يعني على المصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2106>[سورة النور (٢٤): آية ٥٤]</span>\nقُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)\nفَإِنْ تَوَلَّوْا في موضع جزم بالشرط، والأصل تتولّوا فحذفت إحدى التاءين لدلالة الأخرى، وحذفت النون للجزم، والجواب في الفاء وما بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2107>[سورة النور (٢٤): آية ٥٥]</span>\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥)\nفكان في هذه الآية دلالة عن نبوّة رسول الله ﷺ لأن الله أنجز ذلك الوعد، وكان\n_________\n(١) قول: بالرفع، وهي قراءة عليّ وابن أبي إسحاق أيضا، انظر البحر المحيط ٦/ ٤٢٩.","vol":"3","page":100},{"text":"فيها دلالة على خلافة أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي ﵃ لأنه لم يستخلف أحدا ممّن خوطب بهذه الآية غيرهم لأن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة.\nوعن النبيّ ﷺ أنه قال: «الخلافة بعدي ثلاثون» «١» هذا للآية وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا وعاصم يقرأ: وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مخففا، وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال «٢»:\nقرأ عاصم والأعمش: وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مشددة، وهذا غلط على عاصم وقد ذكرنا بعده غلطا أشدّ منه، وهو أنه حكى عن سائر الناس التخفيف. قال أبو جعفر: زعم أحمد بن يحيى أن بين التخفيف والتثقيل فرقا وأنّه يقال: بدلته أي غيرته وأبدلته أنزلته، وجعلت غيره. قال أبو جعفر: وهذا القول صحيح، كما تقول: أبدل لي هذا الدرهم، أي أزله وأعطني غيره، وتقول: قد بدّلت بعدنا أي غيرت غير أنه قد يستعمل أحدهما في موضع الآخر، والذي ذكر أكثر يَعْبُدُونَنِي في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون مستأنفا في موضع رفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2108>[سورة النور (٢٤): آية ٥٧]</span>\nلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)\nلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ مفعولان، وقرأ حمزة لا يحسبنّ «٣» الذين كفروا معجزين في الأرض «٤» قال أبو جعفر: وما علمت أحدا من أهل العربيّة واللغة بصريا ولا كوفيّا وإلّا وهو يحظر أن تقرأ هذه القراءة. فمنهم من يقول هي لحن لأنه لم يأت إلّا بمفعول واحد ليحسبن، وممن قال هذا أبو حاتم. وقال الفراء «٥»: هو ضعيف وأجازه على ضعفه على أنه يحذف المفعول الأول. والمعنى عنده: لا يحسبنّ الذين كفروا إيّاهم معجزين في الأرض، ومعناه لا يحسبنّ أنفسهم معجزين في الأرض.\nورأيت أبا إسحاق يذهب إلى هذا القول أعني قول الفراء وسمعت علي بن سليمان يقول في هذه القراءة: ويكون «الذي» في موضع نصب قال: ويكون المعنى: لا يحسبنّ الكافر الذين كفروا معجزين في الأرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2109>[سورة النور (٢٤): آية ٥٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه ٩/ ٧٠، وأبو داود في سننه الحديث رقم (٦٤٦) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٣١، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٥٩.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٥٨.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٣٢، وهذه قراءة ابن عامر أيضا.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٥٩.","vol":"3","page":101},{"text":"وقرأ الحسن وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ «١» بإسكان اللام لثقل الضمة. وقرأ المدنيون وأبو عمرو ثَلاثُ عَوْراتٍ بالرفع، وقرأ الكوفيون (ثلاث عورات) «٢» بالنصب، والقول في هذا قريب من القول في يحسبنّ. قال أبو حاتم: النصب ضعيف مردود. قال الفراء «٣»: الرفع أحبّ إليّ. قال: وإنّما اخترت الرفع لأن المعنى هذه الخصال ثلاث عورات. والرفع عند الكسائي بالابتداء، والخبر عنده ما بعده. ولم يقل بالعائد، وقال نصا بالابتداء. قال: العورات الساعات التي تكون فيها العورة والخلوة إلا أنه قرأ بالنصب والنصب فيه قولان: أحدهما أنه مردود على قوله: ثَلاثَ مَرَّاتٍ ولهذا استبعده الفراء. قال أبو إسحاق: المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات طَوَّافُونَ بمعنى هم طوافون. قال الفراء: كقولك في الكلام: إنّما هم خدمكم وطوافون عليكم. وأجاز الفراء «٤» نصب طوافون لأنه نكرة والمضمر في عليكم معرفة، ولا يجيز البصريون أن يكون حالا من المضمر من الذين في «عليكم» وفي «بعضكم» لاختلاف العاملين. لا يجوز مررت بزيد، ونزلت على عمرو العاقلين، على النعت لهما. بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ لله بإضمار فعل أي يطوف بعضكم على بعض كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الكاف في موضع نصب أي يبيّن الله لكم آياته الدالّة على وحدانيته. تبيانا مثل ما بيّن لكم هذه الأشياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2110>[سورة النور (٢٤): آية ٥٩]</span>\nوَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)\nوقرأ الحسن الحلم «٥» حذف الضمة لثقلها. فَلْيَسْتَأْذِنُوا أي فليستأذنوا في كلّ الأوقات، ولم يقل: فليستأذنوكم، وقال في الأول: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ لأن الأطفال غير مخاطبين ولا متعبّدين ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2111>[سورة النور (٢٤): آية ٦٠]</span>\nوَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)\nوَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ جمع قاعد بحذف الهاء. وفيه ثلاثة أقوال: مذهب البصريين أنه على النسب، ومذهب الكوفيين أنه لمّا كان لا يقع إلّا للمؤنّث لم يحتج فيه إلى الهاء، والقول الثالث أنه جاء بغير هاء تفريقا بينه وبين القاعدة بمعنى الجالسة فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ على الحال، أي لا يردن أن يظهرن زينتهنّ للرجال.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٣٣، ومختصر ابن خالويه ١٠٣.\n(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٥٩.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٦٠.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٦٠. [.....]\n(٥) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٣٣.","vol":"3","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2112>[سورة النور (٢٤): آية ٦١]</span>\nلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)\nلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ اسم ليس وقد ذكرناه. ومن حسن ما قيل فيه أنه في الجهاد. فأما معنى وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ إلى آخر الآية. ففيه ثلاثة أقوال: منها أنه إنما يجوز ذلك بعد الإذن، ومنها أنه قد كان علم أنهم لا يبخلون عليهم بهذا. والقول الثالث أن الآية منسوخة وأنّ هذا كان أول، فلمّا قال رسول الله ﷺ: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام إلّا بإذن، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه» «١» فوجب من هذا أنّه لا يحلّ لأحد شيء من مال أحد إلّا بإذن أو ما أجمع عليه المسلمون عند خوفه على هلاك نفسه. وقد قيل: إنّ الآية منسوخة بقوله جلّ وعزّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [النور: ٢٧] فإذا كان لا يدخل إلّا بإذن فهو من الطعام أبعد، وقال جلّ وعزّ:\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الأحزاب: ٥٣] ولو لم يكن في نسخ الآية إلّا الحديث الذي رواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبيّ ﷺ قال: «لا يحتلبنّ أحدكم ماشية أخيه إلّا بإذنه أيحبّ أحدكم أن يؤتى إلى مشربته فتفتح خزانته فيوخذ طعامه لكان كافيا» «٢» . وقرأ قتادة مفتاحه «٣» وهي لغة ومفتح أكثر في كلام العرب يدلّك على ذلك جمعه على مفاتح. أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا نصب على الحال. تَحِيَّةً مصدر. قال أبو إسحاق: لأن معنى فَسَلِّمُوا\nفحيّوا، وأجاز الكسائي والفراء رفع تحيّة بمعنى هي تحيّة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لأن الله أمر بها مُبارَكَةً طَيِّبَةً لأن سامعها يستطيب سمعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2113>[سورة النور (٢٤): آية ٦٢]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه الحديث (٤٨٨٢)، وابن ماجة الحديث رقم (١٩٣١) .\n(٢) أخرجه مالك في الموطأ- الاستئذان باب ٦، الحديث رقم (١٧)، والترمذي في سننه- البيوع ٥/ ٢٩٥، وابن ماجة في سننه باب ٦٨ الحديث (٢٣٠٢) . والبخاري في صحيحه ٣/ ١٦٥، ومسلم في صحيحه كتاب اللقطة باب (٢) رقم (١٣) .\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ١٠٣.","vol":"3","page":103},{"text":"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مبتدأ وخبره وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ أي ما يحتاج فيه إلا الاجتماع من الحرب وغيرها لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ لأنه قد يحتاج إلى حضورهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2114>[سورة النور (٢٤): آية ٦٣]</span>\nلا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣)\nلا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ الكاف في موضع نصب مفعول ثان. قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا مصدر، ويجوز أن يكون في موضع الحال أي ملاوذين. قال أبو إسحاق: أي مخالفين وحقيقته أنّ بعضهم يلوذ ببعض أي يستتر به لئلا يرى. يقال: لاوذ يلاوذ ملاوذة ولواذا، ولاذ يلوذ لوذا ولياذا تقلب الواو ياء لانكسار ما قبلها اتباعا للاذ في الاعتلال، فإذا كان مصدر فاعل لم يعلّ لأن فاعل لا يجوز أن يعلّ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ «أن» في موضع نصب بيحذر، ولا يجوز عند أكثر النحويين: حذر زيدا، وهو في أن جائز لأن حروف الخفض تحذف معها عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ مبتدأ وخبره.","vol":"3","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2115>٢٥ شرح إعراب سورة الفرقان</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2116>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (١)\nتَبارَكَ قد تكلّم أهل اللغة في معناه، فقال الفراء «١»: هي في العربية وتقدس واحد، وهما للعظمة، وقال أبو إسحاق تفاعل من البركة. قال: ومعنى البركة الكثرة من كل ذي خير، وقيل: تبارك تعالى، وقيل: المعنى تعالى عطاؤه أي زاد وكثر، وقيل: المعنى دام وثبت أنعامه. وهذا أولاها في اللغة، والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت، ومنه برك الجمل. فأما القول الأول فمخلّط لأن التقدير إنما هو من الطهارة، وليس من ذا في شيء الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ في موضع رفع بفعله. والفرقان القرآن لأنه فرق بين الحقّ والباطل، والمؤمن والكافر عَلى عَبْدِهِ ليكون إليه، ويجوز أن يكون يعود على الفرقان. ويقال: أنذر إذا خوّف، ونذير على التكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2117>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢]</span>\nالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)\nالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في موضع رفع نعتا أو بدلا من الذي قبله.\nقال أبو إسحاق: فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا أي بظلم، وقال غيره فقد آتوا ظلما وزورا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2118>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥]</span>\nوَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)\nوَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ على إضمار مبتدأ أي وقالوا الذي أتيت به أساطير الأولين. قال أبو إسحاق واحدها اسطورة مثل أحدوثة وأحاديث، وقال غيره: أساطير جمع أسطار مثل أقوال وأقاويل. وروي عن ابن عباس ﵀ أن الذي قال هذا النّضر بن الحارث، وكذا كلّ ما كان في القرآن فيه ذكر الأساطير. قال محمد بن\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٦٢.","vol":"3","page":105},{"text":"إسحاق فكان مؤذيا للنبيّ ﷺ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ على لغة من قال: أملى، ومن قال: أملّ قال تملّ عليه بُكْرَةً وَأَصِيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2119>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧]</span>\nوَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)\nوَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ قال أبو إسحاق: «ما» منفصلة. والمعنى أيّ شيء لهذا الرسول في حال مشيه وأكله؟ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ أي هلّا فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا جواب الاستفهام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2120>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٨]</span>\nأَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)\nأَوْ يُلْقى في موضع رفع، والمعنى أو هلّا يلقى إليه كنز أو هلّا تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم، وقرأ الكوفيون نَأْكُلَ مِنْها»\nبالنون. والقراءتان حسنتان تؤدّيان عن معنيين، وإن كانت القراءة بالياء أبين لأنه قد تقدّم ذكر النبيّ ﷺ وحده فأن يعود الضمير إليه أبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2121>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٩]</span>\nانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)\nانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي ضربوا لك هذه الأمثال ليتوصلوا إلى تكذيبك فَضَلُّوا عن سبيل الحقّ وعن بلوغ ما أرادوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا أي إلى تصحيح ما قالوا فيك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2122>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٠]</span>\nتَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)\nتَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ شرط ومجازاة، ولم يدغم لأن الكلمتين منفصلتان، ويجوز الإدغام لاجتماع المثلين وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا يكون في موضع جزم عطفا على موضع «جعل»، ويجوز أن يكون في موضع رفع معطوفا على الأولين ثم يدغم، وأجاز الفراء «٢» النصب على الصرف. وقرأ أهل الشام ويروى عن عاصم أيضا وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا «٣» بالرفع أي وسيجعل لك في الآخرة قصورا.\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٦٢، والبحر المحيط ٦/ ٤٤٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٦٣.\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد، والبحر المحيط ٦/ ٤٤٤.","vol":"3","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2123>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٣]</span>\nوَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا (١٣)\nقال أبو إسحاق: ثُبُورًا نصبه على المصدر أي ثبرنا ثبورا، وقال غيره: هو مفعول به أي دعوا الثبور، كما يقال: يا عجباه أي هذا من أوقاتك فاحضر، وهذا أبلغ من تعجّبت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2124>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٤]</span>\nلا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)\nأي بلاؤكم أعظم من أن تدعوا الثبور مرة واحدة ولكن يدعونه مرارا كثيرة، ولم يجمع الثبور لأنه مصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2125>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٥]</span>\nقُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا (١٥)\nكما حكى سيبويه «١» عن العرب: الشّقاء أحبّ إليك أم السعادة؟ وقد علم أن السعادة أحبّ إليه، وقيل: هذا للتنبيه، وقيل: المعنى: أذلك خير على غير تأويل من، كما يقال: عنده خير. وهذا قول حسن، كما قال: [الوافر] ٣٠٩-\nفشرّكما لخيركما الفداء «٢»\nوفي الآية قول ثالث وهو أن الكوفيين يجيزون: العسل أحلى من الخل، وهذا قول مردود لأنّ معنى: فلان خير من فلان، أنّه أكثر خيرا منه، ولا حلاوة في الخلّ ولا يجوز أن تقول: النصرانيّ خير من اليهوديّ لأنه لا خير فيهما فيكون أحدهما أزيد في الخير من الآخر، ولكن يقال: اليهوديّ شرّ من النصرانيّ، فعلى هذا كلام العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2126>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٨]</span>\nقالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)\nوقرأ الحسن وأبو جعفر أن نتّخذ «٣» بضم النون. وقد تكلم في هذه القراءة النحويون، وأجمعوا على أن فتح النون أولى، فقال أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر لا يجوز (نتّخذ) قال أبو عمرو: لو كانت «نتّخذ» لحذفت (من) الثانية، فقلت: أن نتّخذ من دونك أولياء، ومثل أبي عمرو على جلالته ومحلّه يستحسن منه هذا القول: لأنه جاء بعلّة بيّنة. وشرح ما قال إنه يقال: ما اتّخذت رجلا وليّا، فيجوز أن يقع هذا لواحد\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ١٩٣.\n(٢) الشاهد لحسان بن ثابت في ديوانه ٧٦، وخزانة الأدب ٩/ ٢٣٢، وشرح الأشموني ٣/ ٣٨٨، ولسان العرب (ندد) و(عرش)، وتفسير الطبري ١/ ١٦٣.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٤٨، ومعاني الفراء ٢/ ٢٦٤.","vol":"3","page":107},{"text":"بعينه ثم يقال: ما اتخذت من رجل وليّا، فيكون نفيا عاما، وقولك: وليّا تابع لما قبله فلا يجوز أن يدخل فيه من لأنه لا فائدة في ذلك، وحكى الفراء «١» عن العرب أنهم لا يقولون: ما رأيت عبد الله من رجل، غير أنه أبطل هذا، وترك ما روى عن العرب، وأجاز ذلك من قبل نفسه فقال: ولو أرادوا ما رأيت من رجل عبد الله لجاز إدخال من تتأوّل القلب. قال أبو إسحاق: وهذا خطأ لا يجوز البتّة، وهو كما قال. ثم رجع الفراء فقال: والعرب إنما تدخل من في الأسماء وهذه مناقضة بيّنة وأجاز ذلك الكسائي أيضا، ثم قال: وهو قبيح. وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ أي طالت أعمارهم بعد موت الرسل صلوات الله عليهم فنسوا وهلكوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2127>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٩]</span>\nفَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا (١٩)\nفَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ تأوله أبو عبيد بمعنى فيما يقولون، وقال غيره: هذه مخاطبة للأنبياء صلّى الله عليهم وسلّم فما تستطيعون صرفا ولا نصرا. قيل: فما يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم العذاب ولا أن ينصر بعضهم بعضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2128>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٠]</span>\nوَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)\nإذا دخلت اللام لم يكن في «إن» إلا الكسر، ولو لم تكن اللام ما جاز أيضا إلا الكسر لأنها مستأنفة. وهذا قول جميع النحويين إلا أنّ علي بن سليمان حكى لنا عن محمد بن يزيد أنه قال: يجوز الفتح في إنّ هذه وإن كان بعدها اللام، وأحسبه وهما منه. قال أبو إسحاق: المعنى: وما أرسلنا قبلك رسلا إلّا أنهم ليأكلون الطعام ثم حذف من لأنّ من تدلّ على المحذوف. وقال الفراء «٢»: «من» محذوفة أي إلّا أن منهم من ليأكلون الطّعام، وشبّهه بقوله: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: ١٦٤] .\nقال أبو إسحاق: هذا خطأ لأنّ من موصولة فلا يجوز حذفها. وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً الفتنة في اللغة الاختبار، وفي الحديث «الغنيّ للفقير فتنة والفقير للغنيّ فتنة والقويّ للضعيف فتنة والضعيف للقويّ فتنة» . والمعنى في هذا أن كلّ واحد منهما مختبر بصاحبه فالغنيّ مختبر بالفقير عليه أن يواسيه ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغنيّ عليه أن لا يحسده وأن لا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كلّ واحد منهما على الحقّ، كما قال الضحاك: في معنى أَتَصْبِرُونَ أي على الحق. وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا أي بما تعملون أي فيما امتحنكم فيه.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٦٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٦٤.","vol":"3","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2129>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٢]</span>\nيَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)\nلا يجوز أن يكون يوم يرون منصوبا ببشرى لأن ما في خبر التعجّب أو في خبر النفي لا يعمل فيما قبله ولكن فيه تقديران: يكون المعنى: يمنعون البشارة يوم يرون الملائكة ودلّ على هذا الحذف ما بعده، ويجوز أن يكون التقدير لا بشرى تكون «يوم يرون الملائكة» و«يومئذ» مؤكد، ويجوز أن يكون المعنى اذكر يوم يرون الملائكة.\nوَيَقُولُونَ حِجْرًا مصدر أي منعا ومنه حجرت على فلان، ومنه قيل حجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2130>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٣]</span>\nوَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا (٢٣)\nأي لا ينتفع به أي أبطلناه. وليس هباء من ذوات الهمزة وإنما همزت لالتقاء الساكنين، والتصغير هبيّ في موضع الرفع، ومن النحويين من يقول: هبيّ في موضع الرفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2131>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٤]</span>\nأَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)\nأَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ابتداء وخبر، وقد ذكرنا مثله قبل هذا في أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ [الفرقان: ١٥] وحكينا قول الكوفيين أنهم يجيزون: العسل أحلى من الخلّ. وذكر الفراء «١» في هذه الآية ما هو أكثر من هذا، فزعم أنّ المعنى:\nأصحاب الجنة يومئذ خير مستقرّا من أهل النار، وليس في مستقرّ أهل النار خير، فكأنه ردّ على نفسه، وسمعت علي بن سليمان يقول في هذا ويحكيه إنّ المعنى: لمّا كنتم تعملون عمل أهل النار صرتم كأنكم تقولون: إنّ في ذلك خيرا، وقيل خير مستقرّا مما أنتم فيه، وقيل: خير على غير معنى أفعل، ويكون مستقرّ ظرفا، وعلى ما مرّ يكون منصوبا على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2132>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٥]</span>\nوَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)\nوَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ الأصل تتشقّق أدغمت التاء في الشين، وقرأ الكوفيون تَشَقَّقُ «٢» حذفوا التاء لأن التاء الباقية تدلّ عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2133>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٦]</span>\nالْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)\nالْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ مبتدأ وخبر. وأجاز أبو إسحاق نصب الحقّ بمعنى أحقّ الحقّ أو أعني الحقّ. وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا الفعل منه عسر يعسر وعسر يعسر.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٦٦. [.....]\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٥٣.","vol":"3","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2134>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٧]</span>\nوَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)\nوَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ الماضي عضضت وحكى الكسائي عضضت بفتح الضاد الأولى. وجاء التوقيف عن أهل التفسير منهم ابن عباس وسعيد بن المسيّب أنّ الظالم هاهنا عقبة بن أبي معيط، وأن خليله أميّة بن خلف. فعقبة قتله عليّ بن أبي طالب ﵁ وأميّة قتله النبيّ ﷺ فكان هذا من دلائل النبيّ ﷺ لأنه خبّر عنهما بهذا فقتلا على الكفر ولم يسميا في الآية لأنه أبلغ في الفائدة ليعلم أنّ هذه سبيل كل ظالم قبل من غيره في معصية الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2135>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٨]</span>\nيا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا (٢٨)\nيا وَيْلَتى وقرأ الحسن يا ويلتي «١» بالياء. والقراءة الأولى أكثر في كلام العرب لأنهم يحذفون إذا قالوا: يا غلام أقبل لأن النداء موضع حذف، وكان الأصمعي ينشد بيت زهير: [الطويل] ٣١٠-\nتبصّر خليل هل ترى من ظعائن ... تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم «٢»\nوينكر رواية من روى «تبصر خليلي» لأنه كان يقصد الروايات الصّحاح الفصيحة، ولا يعرّج على الشاذّ، وكذا روى أهل اللغة: [البسيط] ٣١١-\nقالت هريرة لمّا جئت زائرها ... ويلا عليك وويلا منك يا رجل «٣»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2136>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٠]</span>\nوَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)\nالْقُرْآنَ نعت لهذا لأن هذا ينعت بما فيه الألف واللام وإن لم يكن جاريا على الفعل مَهْجُورًا مفعول ثان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2137>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢)\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، وكذا الكاف في كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ المعنى تثبيتا كذلك التثبيت، هذا على أن يكون التمام عند قوله جلّ وعزّ: جُمْلَةً واحِدَةً وإن كان التمام عند «كذلك» كان التقدير ترتيلا\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ١٠٤، والبحر المحيط ٦/ ٤٥٤، وهي قراءة ابن قطيب أيضا.\n(٢) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٩، والدرر ١/ ١٠٣، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٨٤، ولسان العرب (علا)، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٢/ ٥٤٢، وهمع الهوامع ١/ ٣٧.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (١١٩) .","vol":"3","page":110},{"text":"كذلك. وهذا لما لم يجد المشركون سبيلا إلى تكذيب النبيّ ﷺ ببرهان ولا حجّة قالوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً فسألوا ما الصّلاح في غيره لأن القرآن كان ينزّل مفرّقا جوابا عما يسألون عنه، وكان ذلك من علامات النبوة لأنهم لا يسألون عن شيء إلّا أجيبوا عنه. وهذا لا يكون إلّا من نبيّ فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، ويدلّ على هذا الجواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2138>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٣]</span>\nوَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)\nولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي كانت ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم علم الله جلّ وعزّ. إنّ الصلاح في إنزاله متفرّقا لأنهم ينبّهون به مرّة بعد مرّة ولو نزل جملة لزال معنى التنبيه، وفيه ناسخ ومنسوخ فكانوا يعبّدون بالشيء إلى وقت بعينه قد علم الله جلّ وعزّ فيه الصلاح ثم ينزل النسخ بعد ذلك فمحال أن ينزل جملة افعلوا كذا وكذا، ولا تفعلوا، والأولى أن يكون التمام «جملة واحدة» لأنه إذا وقف على «كذلك» صار المعنى كالتوراة والإنجيل والزّبور، ولم يتقدّم لهما ذكر. قال أبو إسحاق: وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا أي أنزلناه. قيل:\nالترتيل وهو التمكّث وهو ضدّ العجلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2139>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٤]</span>\nالَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)\nالَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ في موضع رفع الابتداء وخبره في الجملة.\nوقد ذكرنا معناه المروي مرفوعا. وقد قيل: هو تمثيل، كما تقول: جاءني على وجهه، أي كارها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2140>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٥]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا (٣٥)\nوَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ على البدل. وَزِيرًا مفعول ثان. والوزير في اللغة المعاون الذي يلجأ إليه صاحبه مشتقّ من الوزر وهو الملجأ. قال الله جلّ وعزّ كَلَّا لا وَزَرَ [القيامة: ١١] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2141>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٦]</span>\nفَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)\nقال الفراء «١»: إنما أمر موسى ﷺ بالذهاب وحده في المعنى، وهذا بمنزلة قوله:\nنَسِيا حُوتَهُما [الكهف: ٦١]، وبمنزلة قوله يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من أحدهما. قال أبو جعفر: وهذا مما لا ينبغي أن يجترأ\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٦٨.","vol":"3","page":111},{"text":"به على كتاب الله جلّ وعزّ وقد قال جلّ ثناؤه فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى [طه: ٤٤، ٤٥] ونظير هذا في قوله:\nوَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ [الرحمن: ٦٢]، وقد قال جلّ ثناؤه ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا [المؤمنون: ٤٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2142>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٧]</span>\nوَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٣٧)\nوَقَوْمَ نُوحٍ في نصبه أقوال: يكون معطوفا على المضمر في فَدَمَّرْناهُمْ أو يكون بمعنى واذكر، ويكون على إضمار فعل يفسّره ما بعده، والتقدير وأغرقنا قوم نوح.\nفهذه ثلاثة أقوال، وزعم الفراء أنه منصوب بأغرقناهم، وهذا لا يحصل لأن أغرقنا ليس ممّا يتعدّى إلى مفعولين فيعمل في المضمر وفي قوم نوح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2143>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٨]</span>\nوَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا (٣٨)\nيكون هذا كلّه معطوفا على قوم نوح إذا كان قوم نوح منصوبا على العطف أو بمعنى واذكر، ويجوز أن يكون هذا كلّه منصوبا على أنه معطوف على المضمر في وَجَعَلْناهُمْ وهو أولى لأنه أقرب إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2144>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٩]</span>\nوَكُلًاّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًاّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا (٣٩)\nوَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ قال أبو إسحاق: وأنذر كلّا. قال: والتتبير التدمير، ومنه قيل: لمتكسّر الزجاج تبر، وكذلك تبر الذهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2145>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٠]</span>\nوَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)\nقيل: هذا للكفار الذين كفروا بالنبيّ ﷺ لأنهم قد أتوا على مدائن قوم لوط ﵇، وعلموا أنهم أهلكوا بكفرهم أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا من ينكر الأضداد يقول: يرجون على بابه لأنهم إنّما كفروا بالآخرة على دفع منهم للحقّ ليس على يقين فهم لا يرجونها، وكان أبو إسحاق أحد من ينكر الأضداد، وقال:\nالمعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب النشور فاجترؤوا على المعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2146>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤١]</span>\nوَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)\nوَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ جواب إِذا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا لأن معناه يتّخذونك وقيل: الجواب محذوف لأن المعنى قالوا: أهذا الذي بعث هو الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا","vol":"3","page":112},{"text":"ونصب رسول على الحال، ويجوز أن يكون مصدرا لأن معنى بعث أرسل. ومعنى رسول رسالة على هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2147>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٣]</span>\nأَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)\nأَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا قيل معناه أفأنت تجبره على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2148>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٤]</span>\nأَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)\nأَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ولم يقل: أنّهم لأن منهم من قد علم أنه يؤمن وذمّهم جلّ وعزّ بهذا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ سماع قبول أو يفكّرون فيما تقوله فيعقلونه أي هم بمنزلة من لا يعقل ولا يسمع. وقيل: المعنى أنهم لمّا ينتفعوا بما يسمعون فكأنّهم لم يسمعوا. إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ أي إنّهم لا يفهمون بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا لأنهم يكذّبون بما يسمعون من الصدق، وليس كذا الأنعام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2149>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٥]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥)\nأَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ حذفت الألف للجزم، والأصل الهمز، والتخفيف لازم للمضارع من هذا لكثرة الاستعمال. وقد ذكرنا معنى الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2150>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٧ الى ٤٩]</span>\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا مفعولان وَالنَّوْمَ سُباتًا عطف و«سبات» بمعنى الراحة، وأعاد «جعل» توكيدا ولو كان والنهار نشورا لجاز في غير القرآن. قال الأخفش سعيد: واحد الأناسيّ إنسيّ. وكذا قال محمد بن يزيد، وهو أحد قولي الفراء «١»، وله قول آخر وهو أن يكون واحد الأناسيّ إنسانا لم يبدل من النون ياء فيقول: أناسيّ ويجب على قوله أن يقول في جمع سرحان: سراحيّ. لا فرق بينهما، وحكى أيضا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا بالتخفيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2151>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٠]</span>\nوَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (٥٠)\nوَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ وهو المطر كما قال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس:\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٧٠.","vol":"3","page":113},{"text":"ليس عام بأكثر مطرا من عام، ولكنّ الله يصرفه حيث يشاء. فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا لا يعلم بين أهل التفسير اختلافا أنّ الكفر هاهنا قولهم: «مطرنا بنوء كذا وكذا» «١» وأن نظيره قول المنجّم: فعل النجم كذا وكذا، وأنّ كلّ من نسب إليها فعلا فهو كافر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2152>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٤]</span>\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا للعلماء في هذا ثلاثة أقوال: فمن أجلها ما روي عن ابن عباس، قال: النسب سبع حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ [النساء: ٢٣] والصّهر السبع وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: ٢٣] إلى آخر الآية. وشرح هذا أنّ السبع الأول من النسب فتقديره في العربية: فجعله ذا نسب وذا صهر. والسبع الذين من الصهر أي ممن يقع فيهم الصهر لولا ما حدث، وقال الضحاك: النسب الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع، والقول الثالث: أنّ النسب الذكر من الأولاد، والصهر الإناث من الأولاد لأنّ المصاهرة من جهتين تكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2153>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٥]</span>\nوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)\nوَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا روي عن ابن عباس الكافر هاهنا أبو جهل وشيعته لأنه يستظهر بعبدة الأوثان على أولياء ربه. وقال عكرمة: الكافر إبليس ظهير على عداوة ربه، وقال مطر: الكافر هاهنا الشيطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2154>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٧]</span>\nقُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)\nمِنْ في موضع ونصب استثناء ليس من الأول. والتقدير: لكن من شاء أن ينفق ابتغاء مرضاة الله ليتّخذ إلى ثواب ربّه طريقا فليفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2155>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٩]</span>\nالَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)\nثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ في رفعه ثلاثة أوجه يكون بدلا من المضمر الذي في استوى، ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هو الرحمن، ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا. ويجوز الخفض بمعنى وتوكّل على الحيّ الذي لا يموت الرّحمن، يكون نعتا، ويجوز النصب على المدح.\n_________\n(١) يشير إلى الحديث: «أصبح الناس بين مؤمن وكافر فمن قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب»، أخرجه مالك في الموطأ باب ٣، الحديث رقم (٦) .","vol":"3","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2156>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٠]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)\nهذه قراءة المدنيين والبصريين، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي لما يأمرنا «١» بالياء. والقراءة الأولى اختيار أبي عبيد، وتأوّل الثانية فيما نرى «أنسجد لما يأمرنا الرحمن»، قال: ولو أقرّوا بأنّ الرحمن أمرهم ما كانوا كفارا، وليس يجب أن يتأوّل عن الكوفيين في قراءتهم بهذا التأويل البعيد، ولكن الأولى أن يكون التأويل لهم أنسجد لما يأمرنا النبيّ ﷺ فتصح القراءة على هذا، وإن كانت الأولى أبين وأقرب متناولا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2157>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦١]</span>\nتَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)\nهذه قراءة المدنيين والبصريين وعاصم، وقرأ سائر الكوفيين سرجا «٢» والقراءة الأولى أولى عند أبي عبيد، لأنه تأول أن السرج النّجوم، وأنّ البروج النجوم، وليس يجب أن يتأوّل لهم هذا فيجيء المعنى نجوما ونجوما، ولكن التأويل لهم أن أبان بن تغلب قال: السّرج النجوم الدراريّ فعلى هذا تصحّ القراءة ويكون مثل قوله جلّ وعزّ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [البقرة: ٩٨] فأعيد ذكر النجوم النيّرة، وإن كانت القراءة الأولى أبين وأوضح تأويلا. قال ابن عباس: السراج الشمس وروى عصمة عن الأعمش وَقَمَرًا «٣» بضم القاف وإسكان الميم. وهذه قراءة شاذة.\nولو لم يكن فيها إلا أن أحمد بن حنبل وهو إمام المسلمين في وقته قال: لا تكتبوا ما يحكيه عصمة الذي يروي القراءات. وقد أولع أبو حاتم السجستاني بذكر ما يرويه عصمة هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2158>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٢]</span>\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا (٦٢)\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ هذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم على اختلاف عنه والكسائي، وقرأ الأعمش وحمزة لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ «٤» الأصل في «يذّكّر» يتذكّر ثم أدغمت التاء في الدال أي يتذكّر ويتفكّر في خلق الله، فإنّ الدلالة فيه بيّنة فهذه القراءة بيّنة ويذكر يجوز أن يتبيّن هذه الأشياء بذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2159>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٣]</span>\nوَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا (٦٣)\nوَعِبادُ الرَّحْمنِ رفع بالابتداء وقد أشكل على جماعة من النحويين هذا حتى قال\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٦٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٦٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٦٧.\n(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٦٨، وهي قراءة الحسن والنخعيّ.\n(٤) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٦٨، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٦٦.","vol":"3","page":115},{"text":"الأخفش: هو مبتدأ بلا خبر يذهب إلى أنه محذوف ورأيت أبا إسحاق قد جاء في هذا بما هو أولى من قول الأخفش هذا قال: «عباد» مرفوع بالابتداء والَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا من صفتهم «والذين» الذي بعده عطف عليه والخبر أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ [الفرقان: ٧٥] قال: ويجوز أن يكون الخبر الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ قالُوا سَلامًا مصدر. وقد ذكرنا معناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2160>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٦]</span>\nإِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٦٦)\nإِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا قال أبو إسحاق: «مستقرا» منصوب على التمييز أي في المستقر سبيل التمييز أن يكون فيه معنى «من» فالمعنى: ساءت من المستقرات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2161>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٧]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧)\nوَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا هذه قراءة الأعمش وحمزة والكسائي وعاصم ويحيى بن وثاب على اختلاف عنهما وهي قراءة حسنة من قتر يقتر وهذا القياس في اللازم مثل قعد يقعد. وقرأ أبو عمرو لَمْ يَقْتُرُوا «١» وهي لغة معروفة حسنة، وقرأ أهل المدينة وَلَمْ يَقْتُرُوا «٢» وتعجّب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذّ فانّما يقال: أقتر يقتر إذا افتقر، كما قال جلّ وعزّ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة: ٢٣٦] وتأوّل أبو حاتم لهم أنّ المسرف يفتقر سريعا، وهذا تأويل بعيد ولكن التأويل لهم أن أبا عمر الجرمي حكى عن الأصمعي أنه يقال للإنسان إذا ضيّق: قتر يقتر ويقتر وقتّر يقتّر وأقتر يقتر فعلى هذا تصحّ القراءة وإن كان فتح الياء أصحّ وأقرب متناولا وأشهر وأعرف. ومن أحسن ما قيل في معناه ما حدّثناه الحسن بن غليب قال: حدّثني عمران بن أبي عمران قال: حدّثنا خلّاد بن سليمان الحضرمي. قال: حدّثني عمرو بن أبي لبيد عن أبي عبد الرحمن الحبلي في قوله جلّ وعزّ وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا قال: من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله فهو القوام. قال أبو إسحاق: تفسر هذه الآية على الحقيقة ما أدّب الله جلّ وعزّ به نبيّه ﷺ فقال: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: ٢٩] وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا خبر كان واسم كان فيها مضمر دلّ عليه أنفقوا، والتقدير:\nكان الإنفاق بين الإسراف والقتور عدلا. وللفراء قول آخر يجعل «بين» اسم كان وينصبها. قال أبو جعفر: ما أدري ما وجه هذا لأن «بين» إذا كانت في موضع رفع رفعت كما يقال: بين عينيه أحمر فترفع بين.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٧١، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٦٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٧١، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٦٦.","vol":"3","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2162>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٨]</span>\nوَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨)\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا شرط ومجازاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2163>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٩]</span>\nيُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا (٦٩)\nيُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ بدل من يلق قال سيبويه: لأن مضاعفة العذاب لقيّ الأنام، وقرأ عاصم يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانا «١» بالرفع، والجزم أولى لما ذكرنا. وفي الرفع قولان: أحدهما أن يقطعه مما قبله، والآخر أن يكون محمولا على المعنى، كأنّ قائلا قال: ما لقيّ الآثام؟ فقيل: يضاعف له العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2164>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٠]</span>\nإِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)\nإِلَّا مَنْ تابَ في موضع نصب على الاستثناء. فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ مفعولان، وقد ذكرنا معناه. ومن حسن ما قيل فيه أنه يكتب موضع كافر مؤمن، وموضع عاص مطيع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2165>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧١]</span>\nوَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتابًا (٧١)\nفَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتابًا مصدر فيه معنى التوكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2166>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٣]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا (٧٣)\nصُمًّا وَعُمْيانًا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2167>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٤]</span>\nوَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤)\nقُرَّةَ أَعْيُنٍ لم يجمع لأنه مصدر، ولو جمع يراد به اختلاف الأجناس لجاز وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا واحد يدلّ على جمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2168>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٥]</span>\nأُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا (٧٥)\nوَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة وقرأ أهل الكوفة وَيُلَقَّوْنَ فِيها «٢» . قال الفراء «٣»: ويلقون أعجب إليّ لأن القراءة لو كانت\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٧٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٦٨. [.....]\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٧٤.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٧٥.","vol":"3","page":117},{"text":"«يلقّون» كانت في العربية بالباء. وهذا من الغلط أشدّ مما مرّ في السورة لأنه يزعم أنها لو كانت يلقّون كانت في العربية بتحية وسلام. وقال كما يقال: فلان يتلقّى بالسّلام وبالخير. فمن عجيب ما في هذا أنّه قال: يتلقّى، والآية يلقّون، والفرق بينهما بيّن لأنه يقال: فلان يتلقّى بالجنّة، ولا يجوز حذف الياء، فكيف يشبه هذا ذاك وأعجب من هذا أنّ في القرآن وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان: ١١] لا يجوز أن يقرأ بغيره وهذا يبيّن أن الأولى خلاف ما قال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2169>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٦]</span>\nخالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٧٦)\nخالِدِينَ فِيها على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2170>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٧]</span>\nقُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا (٧٧)\nفَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا وعن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قرأ: فقد كذّب الكافرون فسوف يكون لزاما «١» وكذا روى شعبة عن إبراهيم التيمي عن أبي الزبير قال شعبة: وكذا في قراءة عبد الله بن مسعود. وهذه القراءة مخالفة للمصحف وينبغي أن تحمل على التفسير لأن معنى فَقَدْ كَذَّبْتُمْ أنّه يخاطب به الكفار، وهذه القراءة مع موافقتها للسواد أولى بسياق الكلام لأن الله جلّ وعزّ قال: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فهذه مخاطبة، وكذا فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا فهذا أولى من فقد كذّب الكافرون فسوف يكون لزاما وقد تكلم النحويون فيه، فمن حسن ما قيل فيه أنّ التقدير فسوف يكون التكذيب لأن كذبتم يدلّ على التكذيب، وحقيقته في العربية فسوف يكون جزاء التكذيب عذابا لزاما أي ذا لزام. ولزام وملازمة واحد. وحكى أبو حاتم عن أبي زيد قال: سمعت قعنبا أبا السّمال ليقرأ: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا «٢» بفتح اللام. قال أبو جعفر: يكون مصدر لزم، والكسر أولى مثل قتال ومقاتلة كما أجمعوا على الكسر في قوله جلّ وعزّ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه: ١٢٩] وللفراء قول آخر «٣» في اسم يكون قال: يكون فيها مجهول. وهذا غلط لأن المجهول لا يكون خبره إلا جملة، كما قال جلّ وعزّ: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ [يوسف: ٩٠] وكما حكى النحويون: كان زيد منطلق. يكون في كان مجهول، ويكون المبتدأ وخبر مخبر المجهول، والتقدير كان الحديث. فأما أن يقال: كان منطلقا ويكون في كان مجهول فلا يجوز عند أحد علمناه.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٧٥، ومختصر ابن خالويه ١٠٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٦/ ٤٧٥.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٧٥.","vol":"3","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2171>٢٦ شرح إعراب سورة الشّعراء</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2172>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطسم (١)\nأبو جعفر: «١» حكى أبو عبيد أنّ أبا عمرو كان يفتح، وأنّ الكوفيين يكسرون، وأن المدنيين يقرءون بين الفتح والكسر. وهذا مشروع في سورة «طه» وقرأ المدنيّون وأبو عمرو وعاصم والكسائي طسم بإدغام النون في الميم، والقرّاء يقولون: بإخفاء النون، وقرأ الأعمش وحمزة طسين ميم بإظهار النون. قال أبو جعفر: للنون الساكنة والتنوين أربعة أقسام عند سيبويه «٢»: يبيّنان عند حروف الحلق، ويدغمان عند الراء واللام والميم والواو والياء، ويقلبان ميما عند الباء، ويكونان من الخياشيم أي لا يبينان، فعلى هذه الأربعة الأقسام التي نصّها سيبويه لا تجوز هذه القراءة لأنه ليس هاهنا حرف من حروف الحلق فتبيّن النون عنده ولكن في ذلك وجه وهو أن حروف المعجم حكمها أن يوقف عليها فإذا وقف عليها تبيّنت النون. وحكى أبو إسحاق في كتابه «فيما يجرى وما لا يجرى» «٣» أنه يجوز أن يقول «طسين ميم» بفتح النون وضم الميم، كما يقال: هذا معدي كرب يا هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2173>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢]</span>\nتِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢)\nتِلْكَ آياتُ رفع على إضمار مبتدأ أي: هذه تلك آيات الكتاب المبين أي التي كنتم وعدتم بها لأنهم وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2174>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣]</span>\nلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)\nلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ خبر لعلّ. أَلَّا يَكُونُوا قال الفراء «٤»: في موضع نصب لأنهما جزاء. قال أبو جعفر: وإنما يقال: إن مكسورة لأنها جزاء، كذا المتعارف. والقول في\n_________\n(١) انظر القراءات المختلفة في البحر المحيط ٧/ ٥.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٥٨٧.\n(٣) انظر كتاب ما ينصرف وما لا ينصرف ص ٦٣.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٧٥.","vol":"3","page":119},{"text":"هذا ما قاله أبو إسحاق في كتابه «في القرآن» قال: «أن» في موضع نصب مفعول له، والمعنى: لعلّك قاتل نفسك لتركهم الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2175>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤]</span>\nإِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤)\nإِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً شرط ومجازاة. فَظَلَّتْ معناه فتظلّ، لأن الماضي يأتي بمعنى المستقبل في المجازاة. وقد ذكرنا «خاضعين» ولم يقل: خاضعات بما يستغني عن الزيادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2176>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)\nأصل الكرم في اللغة الشرف والفضل، فنخلة كريمة أي فاضلة كثيرة الثمر، ورجل كريم فاضل شريف صفوح، قال الفراء: والزوج اللون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2177>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠]</span>\nوَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)\nإِذْ في موضع نصب، واتل عليهم إذ نادى ربك موسى، ويدل على هذا أن بعده وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ [الشعراء: ٦٩] أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2178>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١]</span>\nقَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١)\nقَوْمَ فِرْعَوْنَ بدل. أَلا يَتَّقُونَ لأنهم غيّب عن المخاطبة، ويجوز ألا تتّقون بمعنى قل لهم، ومثله قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [آل عمران: ١٢] بالتاء والياء..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2179>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣)\nوَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي. قال الكسائي: القراءة بالرفع يعني في وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي من وجهين: أحدهما: الابتداء، والآخر: بمعنى وإنّي يضيق صدري ولا ينطلق لساني يعني نسقا على «أخاف» . قال: ويقرأ بالنصب، وكلاهما وجه. قال أبو جعفر: الوجه الرفع لأن النصب عطف على «يكذّبون»، وهذا بعيد يدلّ على ذلك قوله: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه: ٢٧] فهذا يدلّ على أن هذا كذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2180>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧]</span>\nأَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧)\nقال أبو إسحاق: أَنْ أَرْسِلْ في موضع نصب، أي أرسلنا لأن ترسل معنا بني إسرائيل، فامتنّ عليه فرعون بالتربية.","vol":"3","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2181>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨]</span>\nقالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨)\nقالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا نصب على الحال. وَلَبِثْتَ فِينا وإن شئت أدغمت الثاء في التاء لقربها منها مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وتحذف الضمّة لثقلها فيقال من عمرك، وحكى سيبويه»\nفتح العين وإسكان الميم ومنه لعمرك ولا يستعمل في القسم عنده إلّا الفتح لخفّته. سِنِينَ على جمع التسليم، وقد يقال: لبثت سنينا يا هذا. يجعل الإعراب في النون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2182>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩]</span>\nوَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩)\nتكون الجملة في موضع الحال أي قتلت النفس وهذه حالك، ويجوز أن يكون المعنى: وأنت السّاعة من الكافرين لنعمتي لأنك تطالبني أن أرسل معك بني إسرائيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2183>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠]</span>\nقالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)\nقيل: معناه أي ضللت عن أن أعرف بأنّ تلك الضربة تقتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2184>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢]</span>\nوَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢)\nقال الأخفش: فقيل المعنى أو تلك نعمة وحذفت ألف الاستفهام. قال أبو جعفر: وهذا لا يجوز لأن ألف الاستفهام تحدث معنى وحذفها محال، إلّا أن يكون في الكلام «أم» فيجوز حذفها في الشعر ولا أعلم بين النحويين في هذا اختلافا إلّا شيئا قاله الفراء «٢» قال: يجوز حذف ألف الاستفهام في أفعال الشكّ وحكى: ترى زيدا منطلقا بمعنى أترى. وكان عليّ بن سليمان يقول في مثل هذا: إنّما أخذه من ألفاظ العامة وكذا عنده: نعم زيدا إذا تقدّم ذكره إنما أخذه من ألفاظ العامة. ومذهب الفراء «٣» في معنى وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنه على حذف. وأنّ المعنى هي لعمري نعمة إن مننت عليّ فلم تستعبدني واستعبدت بني إسرائيل أي: إنّما صارت لأنك استعبدت بني إسرائيل. وقول الضحاك: أنّ المعنى أنك تمنّ عليّ بما لا يجب أن تمنّ به أي يكون هذا على التّبكيت له والتبكيت يكون بغير استفهام وباستفهام، ويجوز أن يكون هذا مثل وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩] ويكون تبكيتا أيضا، وقول رابع في الآيتين جميعا: أن يكون القول محذوفا «إن عبّدت» في موضع رفع على البدل من نعمة، ويجوز أن يكون أن في موضع نصب بمعنى لأن عبّدت بني إسرائيل.\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ٣٨٦.\n(٢) انظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٩٤.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٧٩.","vol":"3","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2185>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nقالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)\nقالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ فأجابه موسى ﷺ ف قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي إذا نظرتم إلى السموات والأرض وما فيهما من الآيات والحوادث علمتم وأيقنتم أنّ لهما صانعا ومدبّرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2186>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٥]</span>\nقالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥)\nعليهم من الأول وأدنى إلى أفهامهم من الأول.\nفخاطب موسى ﷺ الجماعة بما هو أقرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2187>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٦]</span>\nقالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)\nفجاء بدليل يفهمونه عنه لأنهم يعلمون أنهم قد كان لهم آباء، وأنهم قد فنوا، وأنهم لا بدّ لهم من مفن، وأنهم قد كانوا بعد أن لم يكونوا وأنهم لا بد لهم من مكوّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2188>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nقالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)\nقالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ فأجابه موسى ﷺ عن هذا بأن قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ليس ملكه كملكك لأنك إنما تملك بلدا واحدا لا يجوز أمرك في غيره ويميت من لا تحبّ أن يموت، والذي أرسلني يملك المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون فستتبيّنون ما قلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2189>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nقالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠)\nقالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ فرفق به موسى ﷺ ف قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أي أتجعلني من المسجونين ولو جئتك بشيء تتبيّن به صدق ما جئت به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2190>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣١]</span>\nقالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)\nفلم يحتج الشرط إلى جواب عند سيبويه لأن ما تقدّم يكفي منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2191>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٣٦]</span>\nقالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦)\nقالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ قال أبو إسحاق: أي أخّره عن وقتك وأخّر استتمام مناظرته","vol":"3","page":122},{"text":"حتى تجتمع كل السحرة أرجئه بإثبات الهمزة في الإدراج، ويجوز حذفها وإثبات الكسرة، وفي الإدراج يجوز حذفها، وإثبات الضمة بالهمزة وضمّ الهاء بغير واو.\nويجوز إثبات الواو على بعد. وإنما بعد لأن الهمزة ساكنة والواو ساكنة والحاجز بينهما ضعيف والواو في الأصل والياء على البدل منه وحذفهما لأن قبلهما ما يدلّ عليهما، وأنهما زائدتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2192>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤١]</span>\nفَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١)\nومن قرأ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا بغير استفهام جعل معناه إنّك ممن يحبّنا ويبرّنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2193>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٦]</span>\nفَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦)\nأي الّذين كان يقال لهم سحرة وذكروا بهذا الاسم ليدلّ على أنهم المذكورون قبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2194>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٩]</span>\nقالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)\nإِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ تمويه من فرعون وطغيان وعدوان أظهر أنّ السحرة واطئوا موسى ﵇ على ما كان، وأنّ موسى هو الذين علّمهم السحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2195>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٠]</span>\nقالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)\nقالُوا لا ضَيْرَ من ضار يضير. ويقال: ضار يضور بمعنى ضرّ يضرّ ضرّا وضررا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2196>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥١]</span>\nإِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)\nأَنْ في موضع نصب والمعنى لأن كنا، وأجاز الفراء «١» كسرها على أن يكون مجازاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2197>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٢]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي من أسرى يسري ويجوز أن أسر من سرى يسري لغتان فصيحتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2198>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٤]</span>\nإِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)\nلام توكيد تدخل كثيرا في خبر إن إلّا أن الكوفيين لا يجيزون: إن زيدا لسوف يقوم. والدليل على أنه جائز فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الشعراء: ٤٩] فهذه لام التوكيد\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨٠.","vol":"3","page":123},{"text":"بعينها قد دخلت على سوف قَلِيلُونَ جمع مسلّم كما يقال: أحدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2199>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٥]</span>\nوَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥)\nمن غاظ يغيظ وهي اللغة الفصيحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2200>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٦]</span>\nوَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦)\nقراءة المدنيين وأبي عمرو، وقراءة الكوفيين حاذِرُونَ «١»، وهي معروفة عن عبد الله بن مسعود وابن عباس حادرون «٢» بالدال غير معجمة، قراءة ابن أبي عمار.\nقال أبو جعفر: أبو عبيدة يذهب إلى أن معنى حذرين وحاذرين واحد، وهو قول سيبويه. وأجاز: هو حذر زيدا، كما يقال: حاذر زيدا، وأنشد: [الكامل] ٣١٢-\nحذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار «٣»\nقال أبو جعفر: حدّثني علي بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال: سمعت أبا عثمان المازني يقول: قال أبو عثمان اللّاحقي: لقيني سيبويه فقال: أتعرف بيتا فيه فعل ناصبا؟ فلم أحفظ فيه شيئا وفكّرت فعملت له فيه هذا البيت، وزعم أبو عمر الجرمي أنه يجوز هو حذر زيدا، على حذف «من» . فأما أكثر النحويين فيفرقون بين حذر وحاذر منهم الكسائي والفراء ومحمد بن يزيد، ويذهبون إلى أنّ معنى حذر في خلقته الحذر أي منتبه متيقّظ فإذا كان هكذا لم يتعدّ، ومعنى حاذر مستعد وبهذا جاء التفسير عن المتقدّمين. قال عبد الله بن مسعود في قول الله جلّ وعزّ: حاذِرُونَ قال: مؤدّون في الكراع والسلاح مقوون فهذا ذاك بعينه، وقوله: مؤدّون معناه معهم أداة، وقيل: المعنى معنا سلاح وليس معهم سلاح يحرّضون على القتال. فأما «حادرون» فمعنا مشتقّ من قولهم: عين حدرة أي ممتلئة أي نحن ممتلئون غيظا عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2201>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٩]</span>\nكَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩)\nكَذلِكَ في موضع رفع والمعنى الأمر كذلك أي الأمر كما أخبرناكم من خبرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2202>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦١]</span>\nفَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)\nفَلَمَّا تَراءَا هكذا الوقف كما تقول: تجافى القوم، وتراخى إخوتك. لم تقف عليه فتقول: تجافى وتراخى، ومن وقف فقال: تراءى فقد حذف لام الفعل، وغلط من اعتلّ أنه فعل متقدّم غلطا قبيحا، وذلك أن العلّة في قولنا: تراءى أنه مثل تداعى\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٦/ ١٧. [.....]\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ١٠٦، والبحر المحيط ٦/ ١٨.\n(٣) مرّ: الشاهد رقم (١٢١) .","vol":"3","page":124},{"text":"وتجافى- كما قلنا، ولو كان متأخّرا لقيل: ترآيا فإن وصلت حذفت لالتقاء الساكنين فقلت: تراءى الجمعان. وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ «١» . قال الفراء «٢»: حفر واحتفر بمعنى واحد، وكذلك لمدركون ولمدّركون بمعنى واحد. قال أبو جعفر: وليس كذا يقول النحويون الحذاق، إنما يقولون مدركون ملحوقون، ومدّركون مجتهد في لحاقهم، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت، واكتسبت بمعنى اجتهدت وطلبت. وهذا معنى قول سيبويه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2203>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٦٩]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩)\nعلى تخفيف الهمزة الثانية، وهو أحسن الوجوه لأنهم قد أجمعوا جميعا على تخفيف الثانية إذا كانتا في كلمة واحدة، نحو آدم، وإن شئت حققتهما فقلت: «نبأ إبراهيم» وإن شئت خفّفتهما فقلت «نبأ إبراهيم»، وإن شئت خففت الأولى فقلت «نبأ إبراهيم» . وثمّ وجه خامس إلّا أنه بعيد في العربية، بعد لأنه جمع بين همزتين كأنهما في كلمة واحدة وحسن في فعال لأنه لا يأتي إلّا مدغما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2204>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧١ الى ٧٢]</span>\nقالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢)\nفَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ خبر نظل.\nقالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ قال الأخفش: فيه حذف، والمعنى: هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم فحذف كما قال: [البسط] ٣١٣-\nالقائد الخيل منكوبا دوابرها ... قد أحكمت حكمات القدّ والأبقا «٣»\nقال: والأبق الكتان فحذف. والمعنى: وقد أحكمت حكمات الأبق. وروي عن قتادة أنه قرأ قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ «٤» بضمّ الياء أي هل يسمعونكم أصواتهم. إِذْ تَدْعُونَ وإن شئت أدغمت الذال في التاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2205>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٣]</span>\nأَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)\nمعطوف على يسمعونكم.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ١٩، ومختصر ابن خالويه ١٠٧.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨٠.\n(٣) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٤٩، ولسان العرب (أبق) و(حكم)، وتهذيب اللغة ٤/ ١١٤، وجمهرة اللغة ١٠٢٦، وتاج العروس (حكم)، ومجمل اللغة ١/ ١٥٩، ومقاييس اللغة ١/ ٣٩، وديوان الأدب ٢/ ٣٢٩، وأساس البلاغة (حكم)، وبلا نسبة في لسان العرب (حكم)، والمخصّص ٤/ ٧١، وديوان الأدب ٢/ ١٣٣، وكتاب العين (حكم) .\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ١٠٧.","vol":"3","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2206>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٧٧]</span>\nفَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧)\nفَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي واحد يؤدّي عن جماعة، وكذلك يقال للمرأة: هي عدوّ الله وعدوّة الله، حكاهما الفراء. قال أبو جعفر: وسألت علي بن سليمان عن العلّة فيه، فقال من قال: عدوّة فأثبت الهاء قال: هي بمعنى معادية. ومن قال عدوّ للمؤنّث، والجمع جعله بمعنى النسب. إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ قال أبو إسحاق: قال النحويون: هو استثناء ليس من الأول، وأجاز أبو إسحاق أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله جلّ وعزّ ويعبدون معه الأصنام، وتأوله الفراء «١» على الأصنام وحدها، والمعنى عنده فإنّهم لو عبدتهم عدوّ لي إلّا ربّ العالمين أي عدوّ لي يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2207>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nالَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)\nيَهْدِينِ وَيَسْقِينِ: بغير ياء لأن الحذف في رؤوس الآيات حسن لتتّفق كلّها.\nوقد قرأ ابن أبي إسحاق على جلالته ومحلّه من العربية هذه كلّها بالياء لأن الياء اسم وإنما دخلت النون لعلّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2208>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٨٢]</span>\nوَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)\nوقرأ الحسن: الذي أطمع أن يغفر لي خطاياي يوم الدين وقال ليست خطيئة واحدة. قال أبو جعفر: وخطيئة بمعنى خطايا معروف في كلام العرب، وقد أجمعوا جميعا على التوحيد في قوّته جلّ وعزّ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ [الملك: ١١] ومعناه بذنوبهم، وكذا فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء: ١٠٣] ومعناه الصلوات فكذا خَطِيئَتِي إن كانت خطايا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2209>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٤]</span>\nفَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤)\nفَكُبْكِبُوا فِيها قيل الضمير يعود على الأصنام وقد جرى الإخبار عنهم بالتذكير، لأنهم أنزلوهم منزلة ما يعقل. هُمْ وَالْغاوُونَ الذين عبدوهم، «والغاوون» الخائبون من رحمة الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2210>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٥]</span>\nوَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)\nالذين دعوهم إلى عبادة الأصنام وساعدوا إبليس على ما يريد فهم جنوده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2211>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٩٩]</span>\nوَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨١.","vol":"3","page":126},{"text":"رفع بفعلهم، والمجرمون: الذين دعوهم إلى عبادة الأصنام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2212>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٠]</span>\nفَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠)\nفي موضع رفع لأن المعنى: فما لنا شافعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2213>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠١]</span>\nوَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)\nويجوز وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ بالرفع يكون عطفا على الموضع: لأن المعنى فما لنا شافعون ولا صديق حميم. وجمع صديق أصدقاء، وصدقاء وصداق. ولا يقال:\nصدق، للفرق بين النعت وبين غيره، وحكى الكوفيون أنه يقال في جمعه صدقان.\nوهذا بعيد لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان، وحكوا أيضا صديق وأ صادق، وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا، نحو أشجع وأشاجع. ويقال:\nصديق للجماعة وللمرأة، وجمع حميم أحمّاء وأحمّة، وكرهوا أفعلاء للتضعيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2214>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٢]</span>\nفَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)\nأنّ في موضع رفع والمعنى: فلو وقع لنا رجوع إلى الحياة لآمنّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2215>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٠٥]</span>\nكَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)\nكَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ على تأنيث الجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2216>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١١]</span>\nقالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)\nالْأَرْذَلُونَ جمع الأرذل والمكسر أراذل والأنثى الرّذلى والجمع رذل، ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه، ومنعوا جميعا سقطت له ثنّيتان علييان لا سفليان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2217>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١١٩]</span>\nفَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩)\nالْفُلْكِ زعم سيبويه أنه جمع فلك كأسد وأسد، وقيل: فلك وفلك بمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2218>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٨]</span>\nأَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨)\nقال محمد بن يزيد رِيعٍ جمع ريعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2219>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٩]</span>\nوَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)\nفذمّوا على أن اتّخذوا ما لا يحتاجون إليه ووبخوا بقوله: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ أي لستم تخلدون فلم تبنون ما تموتون وتتركونه؟","vol":"3","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2220>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٣٧]</span>\nإِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧)\nقراءة شيبة ونافع وعاصم والأعمش وحمزة، وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر والحسن إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ «١» بفتح الخاء. فالقراءة الأولى عند الفراء بمعنى عادة الأولين. قال أبو جعفر: وحكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد قال: خلق الأولين مذهبهم، وما جرى عليه أمرهم. والقولان متقاربان من هذا الحديث عن النبي ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» «٢» أي أحسنهم مذهبا وعادة وما يجري عليه الأمر في طاعة الله جلّ وعزّ، ولا يجوز أن يكون من كان حسن الخلق فاجرا فاضلا، ولا أن يكون أكمل إيمانا من السيئ الخلق الذي ليس بفاجر. قال أبو جعفر: وحكي لنا عن محمد بن يزيد أنّ معنى «خلق الأولين» تكذيبهم وتخرّصهم غير أنه كان يميل إلى القراءة الأولى لأن فيها مدح آبائهم، وأكثر ما جاء القرآن في صفتهم مدحهم لآبائهم وقولهم: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2221>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٨]</span>\nوَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨)\nوَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ الجملة في موضع خفض نعت لنخل. وأحسن ما قيل في معناه ما رواه الدّراوردي عن ابن أخي الزّهري عن عمه في قوله جلّ وعزّ: طَلْعُها هَضِيمٌ قال: الرّخص اللطيف أول ما يطلع، وهو الطلع النضيد لأن بعضه فوق بعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2222>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٤٩]</span>\nوَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ (١٤٩)\nوَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ ويقال: تنحتون لأنه فيه حرفا من حروف الحلق. بيوتا فرهين «٣» قراءة المدنيين والبصريين، وقرأ أبو صالح والكوفيون فارِهِينَ وقد اختلف العلماء في معناهما ففرق بينهما بعضهم وجعلهما بمعنى واحد. فقال أبو صالح ومعاوية بن قرّة ومنصور بن المعتمر والضحاك بن مزاحم فارهون حاذقون. قال مجاهد: «فرهون» أشرون بطرون. قال أبو جعفر: فهذا تفريق بين معنيين، يكون «فارهون» من فره إذا كان حاذقا نشيطا، و«فرهون» بمعنى فرحين فأبدل من الحاء هاء.\nوقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وينحتون من الجبال بيوتا فرهين قال:\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨١، والبحر المحيط ٧/ ٣٢، وهذه قراءة عبد الله وعلقمة وابن كثير والكسائي أيضا.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٢٥٠، وأبو داود في سننه (٤٦٨٢)، والدارمي في سننه ٢/ ٣٢٣، والحاكم في المستدرك ١/ ٣، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٩/ ٢٤٨ والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٥/ ٣٥٥.\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٧٢، والبحر المحيط ٧/ ٣٤.","vol":"3","page":128},{"text":"حاذقين. قال: فهذا بمعنى فارهين إن كان محفوظا عن ابن عباس وممن ذهب إلى أنّ فارهين وفرهين بمعنى واحد أبو عبيدة وقطرب. وحكى قطرب: فره يفره فهو فاره وفرع يفره فهو فره وفاره إذا كان نشيطا وهو منصوب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2223>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٥]</span>\nقالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)\nقالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ قال الفراء «١»: الشّرب الحظّ من الماء. قال أبو جعفر:\nفأمّا المصدر فيقال فيه شرب شربا وشربا وشربا: وأكثرها المضمومة لأنّ المفتوحة والمكسورة يشتركان مع شيء آخر، فيكون الشرب الحظّ من الماء، ويكون الشّرب جمع شارب، كما قال: [البسيط] ٣١٤-\nفقلت للشّرب في درنا وقد ثملوا ... شيموا وكيف يشيم الشّارب الثّمل «٢»\nإلّا أنّ أبا عمرو بن العلاء ﵀ والكسائي يختاران الشّرب بالفتح في المصدر، ويحتجّان برواية بعض العلماء أن النبيّ ﷺ قال: «أنّها أيام أكل وشرب» «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2224>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٦]</span>\nوَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)\nوَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ لا يجوز إظهار التضعيف هاهنا لأنهما حرفان متحرّكان من جنس واحد فَيَأْخُذَكُمْ جواب النهي، ولا يجوز حذف الفاء منه والجزم كما جاز في الأمر إلّا شيء روي عن الكسائي أنه يجيزه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2225>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٥٧]</span>\nفَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧)\nأي على عقرها لما أيقنوا بالعذاب، ولم ينفعهم الندم لأن المحنة قد زالت لمّا وقع الاستيقان بالعذاب. وقيل: لم ينفعهم الندم لأنهم لم يتوبوا بل طلبوا صالحا ﷺ ليقتلوه لمّا أيقنوا بالعذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2226>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧١]</span>\nإِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٧١)\nإِلَّا عَجُوزًا نصب على الاستثناء. فِي الْغابِرِينَ روى سعيد عن قتادة قال: غبرت في عذاب الله جلّ وعزّ أي بقيت، وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من الباقين في الهرم أي بقيت حتى هرمت.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٧٢.\n(٢) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٠٧، ولسان العرب (ثمل) و(درن)، وجمهرة اللغة ٦٤٠، ومقاييس اللغة ١/ ٣٩٠، وأساس البلاغة (ثمل)، وتاج العروس (ثفت) و(ثمل)، و(درن) .\n(٣) أخرجه مالك في الموطأ باب ٤٤ حديث (١٣٥)، وابن ماجة في سننه حديث (١٧١٩) وأبو داود في سننه حديث (٢٨١٣) .","vol":"3","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2227>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٧٦]</span>\nكَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)\nوقرأ أبو جعفر ونافع أصحاب لئيكة المرسلين «١» وكذا قرأ في «صاد» [آية:\n١٣]، وأجمع القراء على الخفض في التي في سورة «الحجر» [آية: ٧٨] والتي في سورة «ق» [آية: ١٤] فيجب أن يردّ ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه إذ كان المعنى واحدا. فأما ما حكاه أبو عبيدة من أنّ «ليكة» هي اسم القرية التي كانوا فيها وأنّ الأيكة اسم البلد كلّه فشيء لا يثبت ولا يعرف من قاله، وإنما قيل: وهذا لا تثبت به حجّة حتّى يعرف من قاله فيثبت علمه، ولو عرف من قاله لكان فيه نظر لأنّ أهل العلم جميعا من أهل التفسير والعلم بكلام العرب على خلافه. روى عبد الله بن وهب عن جرير بن حازم عن قتادة قال: أرسل شعيب ﷺ إلى أمّتين: أي قومه أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة. قال: والأيكة غيضة من شجر ملتفّ. وروى سعيد عن قتادة. قال: كان أصحاب الأيكة أهل غيضة وشجر، وكانت عامة شجرهم الدوم، وهو شجر المقل وروى جويبر عن الضحاك، قال: خرج أصحاب الأيكة يعني حين أصابهم الحر فانضموا إلى الغيضة والشجر فأرسل الله عليهم سحابة فاستظلّوا تحتها فلما تتامّوا تحتها أحرقوا، ولو لم يكن في هذا إلّا ما روي عن ابن عباس قال: تحتها الشجر. ولا نعلم بين أهل اللغة اختلافا أنّ الأيكة الشجر الملتفّ. فأمّا احتجاج بعض من احتجّ لقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح بأنه في السواد ليكة فلا حجّة له فيه، والقول فيه أنّ أصله الأيكة ثم خفّفت الهمزة فألقيت حركتها على اللّام وسقطت واستغنيت عن ألف الوصل، لأن اللام قد تحرّكت فلا يجوز على هذا إلّا الخفض، كما تقول: مررت بالأحمر، على تحقيق الهمزة ثم تخفّفها فتقول: مررت بلحمر. فإن شئت كتبته في الخطّ كما كتبته أولا، وإن شئت كتبته بالحذف، ولم يجز إلّا بالخفض فكذا لا يجوز في الأيكة إلّا الخفض. قال سيبويه: واعلم أنّ كلّ ما ينصرف إذا دخلته الألف واللام أو أضيف انصرف إذا دخلته، ولا نعلم أحدا خالف سيبويه في هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2228>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٨٤]</span>\nوَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)\nعطف على الكاف والميم ويقال: جبلّة» والجمع فيهما جبال، وتحذف الضمة والكسرة من الباء، وكذلك التشديد من اللام فيقال: جبلة وجبل وجبلة وجبل. ويقال:\nجبلة وجبال، وتحذف الهاء من هذا كلّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2229>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٢ الى ١٩٣]</span>\nوَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٧٣، وتيسير الداني ١٣٥، والبحر المحيط ٧/ ٣٦. [.....]","vol":"3","page":130},{"text":"نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ هذه قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة إلّا الحسن فإنه قرأ هو والكوفيون نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ «١» وبعض أهل اللغة يحتجّ لهذه القراءة بقوله جلّ وعزّ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ لأن تنزيلا يدلّ على نزّل، وهو احتجاج حسن، وقد ذكره أبو عبيد والحجّة لمن قرأ بالتخفيف أن يقول: ليس هذا المصدر لأنّ المعنى وإنّ القرآن لتنزيل ربّ العالمين نزل به جبرائيل ﷺ، كما قال جلّ وعزّ قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [البقرة: ٩٧] فإنه نزّله على قلبك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2230>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٦]</span>\nوَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)\nأي وإنّ الإنذار بمن أهلك لفي كتب الأولين. وفي قراءة الأعمش لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ «٢» حذف الضمة لثقلها كما يقال رسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2231>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٧]</span>\nأَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧)\nأي أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل الذين أسلموا صحّة نبوّة محمد ﷺ فما عندهم في التوراة والإنجيل آية واضحة. ومن قرأ (تكن) «٣» أنّث لأن أن يعلمه هو الآية كما قال: [الكامل] ٣١٥-\nفمضى وقدّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عرّدت إقدامها «٤»\nويبعد رفع آية لأن أن يعلمه هو الآية. وقرأ عاصم الجحدري أن تعلمه علماء بني إسرائيل «٥» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2232>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٩٨]</span>\nوَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨)\nوقرأ الحسن على بعض الأعجميّين «٦» . قال أبو جعفر: يقال رجل أعجم وأعجميّ إذا كان غير فصيح وإن كان عربيا، ورجل عجميّ أصله من العجم وإن كان فصيحا ينسب إلى أصله، إلّا أنّ الفراء أجاز أن يقال: رجل عجميّ.\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٧٣، ومعاني الفراء ٢/ ٢٨٤، وتيسير الداني ١٣٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٨.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٣٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٧٣، والبحر المحيط ٧/ ٣٩، وهذه قراءة ابن عامر والجحدري.\n(٤) الشاهد للبيد في ديوانه ٣٠٦، والأشباه والنظائر ٥/ ٢٥٥، والخصائص ٢/ ٤١٥، ولسان العرب (عرد) و(قدم)، وكتاب العين ٢/ ٣٢، وبلا نسبة في الخصائص ١/ ٧٠.\n(٥) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٩، ومختصر ابن خالويه ١٠٧.\n(٦) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٠ وهي قراءة ابن مقسم أيضا.","vol":"3","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2233>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٠ الى ٢٠١]</span>\nكَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)\nوأجاز الفراء «١» الجزم في «يؤمنون» لأن فيه معنى الشرط والمجازاة، زعم وحكي عن العرب: ربطت الفرس لا ينفلت بالرفع والجزم، قال: لأن معناه إن لم أربطه ينفلت. والرفع عنده بمعنى كيلا ينفلت وكيلا يؤمنوا فلما حذف «كي» رفع. وهذا الكلام كلّه في يؤمنون خطأ على مذهب البصريين لا يجوز الجزم لا جازم ولا يكون شيء يعمل عملا أقوى من عمله وهو موجود، فهذا احتجاج بيّن وإن شذّ قول لبعض البصريين لم يعرّج عليه إذ كان الأكثر يخالفه فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2234>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٥]</span>\nأَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥)\nقال الضحاك: يعني أهل مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2235>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٦]</span>\nثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦)\nقال: يعني من العذاب والهلاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2236>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٠٧]</span>\nما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)\nما الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع، ويجوز أن تكون الأولى نفيا لا موضع لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2237>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٨ الى ٢٠٩]</span>\nوَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩)\nقال الكسائي: ذِكْرى في موضع نصب على القطع، وهذا لا يحصّل، والقول فيه هو قول الفراء «٢» وأبي إسحاق أنّها في موضع نصب على المصدر. قال الفراء: أي يذّكّرون ذكرى وهذا قول صحيح لأنّ معنى إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ إلا لها مذكّرون. وذكرى لا يتبيّن فيه الإعراب لأن فيه ألفا مقصورة، ويجوز «ذكرى» بالتنوين، ويجوز أن يكون «ذكرى» في موضع رفع على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: أي إنذارنا ذكرى. وقال الفراء: أي ذلك ذكرى وتلك ذكرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2238>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٠]</span>\nوَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠)\nوقرأ الحسن الشياطون «٣» وهو غلط عند جميع النحويين. قال أبو جعفر:\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨٤.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٣، ومعاني الفراء ٢/ ٢٨٥، ومختصر ابن خالويه ١٠٨.","vol":"3","page":132},{"text":"وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: هكذا يكون غلط العلماء إنما يكون بدخول شبهة. لما رأى الحسن ﵀ في آخره ياء ونونا وهو في موضع اشتبه عليه بالجمع المسلّم فغلط. وفي الحديث «احذروا زلّة العالم» «١» وقد قرأ هو مع الناس وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [البقرة: ١٤] ولو كان هذا بالواو في موضع الرفع لوجب حذف النون للإضافة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2239>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١١ الى ٢١٢]</span>\nوَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)\nوَما يَنْبَغِي لَهُمْ أي وما يصلح للشياطين أن ينزلوا بالوحي والأمر بطاعة الله جلّ وعزّ وَما يَسْتَطِيعُونَ أن يتقوّلوا مثل القرآن، ولا أن يأخذوه من الملائكة استراقا لأنهم عن السمع لمعزولون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2240>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٣ الى ٢١٤]</span>\nفَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)\nقيل: قل لمن كفر هذا، وقيل: هو مخاطبة له ﷺ وإن كان لا يفعل هذا لأنه معصوم مختار ولكنه خوطب بهذا ليعلم الله جلّ وعزّ حكمه في من عبد غيره كائنا من كان وبعد هذا ما يدلّ عليه وهو وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ أي لئلا يتّكلوا على نسبهم وقرابتهم منك فيدعوا ما يجب عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2241>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٥]</span>\nوَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)\nيقال: خفض جناحه إذا لان ورفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2242>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢١٦]</span>\nفَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)\nأي إنّي بريء من معصيتكم إيّاي لأن عصيانهم إياه عصيانهم لله جلّ وعزّ لأنه لا يأمرهم إلّا بما يرضاه الله جلّ وعزّ، ومن تبرّأ الله جلّ وعزّ منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2243>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢١]</span>\nهَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١)\nقيل: الشياطين تنزّل لأنها أكثر ما تكون في الهواء لضئولة خلقها وأنها بمنزلة الريح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2244>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٢]</span>\nتَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)\nأي كذّاب يجترم الإثم تتنزّل عليه توسوس له بالمعصية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2245>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٣]</span>\nيُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣)\n_________\n(١) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال رقم (٢٨٨٣) .","vol":"3","page":133},{"text":"يُلْقُونَ السَّمْعَ قيل: الّذين يلقون السمع هم الذين تتنزّل عليهم أي يستمعون إلى الشياطين ويقبلون منهم، وقيل: هم الشياطين يسترقون السمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2246>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٤]</span>\nوَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤)\nويجوز النصب على إضمار فعل يفسره يتّبعهم. وقيل: «الغاوون» هاهنا الزائلون عن الحقّ، ودلّ: هذا على أن الشعراء أيضا غاوون لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2247>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٥]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)\nأي هم بمنزلة الهائم لأنهم يذهبون في كلّ وجه من الباطل ولا يتّبعون سنن الحقّ لأن من اتّبع الحقّ وعلم أنّه يكتب عليه قوله تثبّت ولم يكن هائما يذهب على وجهه لا يبالي ما قال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2248>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٧]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)\nإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ في موضع نصب على الاستثناء.\nوَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وإنما يكون الانتصار بالحقّ وبما حدّه الله جلّ وعزّ فإذا تجاوز ذلك فقد انتصر بالباطل. وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وفي هذا تهديد لمن انتصر بظلم و«أيّ» منصوب بينقلبون، وهو بمعنى المصدر، ولا يجوز أن يكون منصوبا بسيعلم. والنحويون يقولون: لا يعمل في الاستفهام ما قبله. قال أبو جعفر: وحقيقة العلّة في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر، فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعض المعاني في بعض.","vol":"3","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2249>٢٧ شرح إعراب سورة النّمل</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2250>[سورة النمل (٢٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١)\nطس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ بمعنى هذه تلك آيات القرآن، ويجوز في هذا ما جاز في أول «البقرة» في قوله جلّ وعزّ ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة: ٢] . وَكِتابٍ مُبِينٍ عطف على القرآن. قال أبو إسحاق: ويجوز «وكتاب مبين» «١» بمعنى وذلك كتاب مبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2251>[سورة النمل (٢٧): آية ٢]</span>\nهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)\nهُدىً في موضع نصب على الحال، ويجوز فيه ما جاز في غيره في أول سورة «البقرة» في قوله جلّ وعزّ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2252>[سورة النمل (٢٧): آية ٣]</span>\nالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)\nالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ويجوز فيه ما جاز في أول سورة «البقرة» في قوله جلّ وعزّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2253>[سورة النمل (٢٧): آية ٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)\nإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ اسم «إنّ» . زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ في موضع الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2254>[سورة النمل (٢٧): آية ٥]</span>\nأُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)\nأُوْلئِكَ في موضع رفع بالابتداء. وخبره الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ ويقال: «الّذون» في موضع الرفع. وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ. فِي الْآخِرَةِ تبيين وليس بمتعلق بالأخسرين.\n_________\n(١) وهي قراءة ابن أبي عبلة، انظر البحر المحيط ٧/ ٥١.","vol":"3","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2255>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)\nلَدُنْ بمعنى عند إلّا أنّها مبنية غير معربة لأنها لا تتمكّن.\nوقرأ المدنيون وأبو عمرو بشهاب قبس «١» وقرأ الكوفيون بِشِهابٍ قَبَسٍ فزعم الفراء «٢» في ترك التنوين أنه بمنزلة قولهم: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [يوسف: ١٠٩] يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلفت أسماؤه. قال أبو جعفر: إضافة الشيء إلى نفسه محال عند البصريين»\nلأن معنى الإضافة في اللغة ضمّ شيء ليبيّن به معنى الملك والنوع فمحال أن يبيّن أنه مالك نفسه أو من نوعها. و«بشهاب قبس» إضافة النوع إلى الجسم كما تقول: هذا ثوب خزّ. والشهاب كلّ ذي نور، نحو الكوكب والعود الموقد. والقبس اسم لما يقتبس من جمر وما أشبه، فالمعنى: بشهاب من قبس. يقال:\nقبست قبسا، والاسم قبس، كما تقول: قبض قبضا والاسم القبض، ومن قرأ «بشهاب قبس» جعله بدلا، ويجوز «بشهاب قبسا» في غير القرآن على أنه مصدر أو بيان أو حال. لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أصل الطاء تاء فأبدل منها طاء لأنّ الطاء مطبقة، والصاد مطبقة فكان الجمع بينهما حسنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2256>[سورة النمل (٢٧): آية ٨]</span>\nفَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨)\nقال أبو إسحاق «أن» في موضع نصب أي بأنه «قال» . ويجوز أن يكون في موضع رفع، جعلها اسم ما لم يسمّ فاعله. وحكى أبو حاتم: أن في قراءة أبيّ وابن عباس ومجاهد أن بوركت النار ومن حولها «٤» ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صحّ لكان على التفسير، وقد روى سعيد عن قتادة «أن بورك من في النّار ومن حولها» قال: الملائكة. وحكى الكسائي عن العرب: باركك الله، وبارك فيك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2257>[سورة النمل (٢٧): آية ١٠]</span>\nوَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠)\nفَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ في موضع نصب على الحال. كَأَنَّها جَانٌّ والجانّ عند العرب الثعبان، وهو الحيّة العظيمة وَلَّى مُدْبِرًا على الحال. وَلَمْ يُعَقِّبْ قال قتادة: أي لم\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٣٦، والبحر المحيط ٧/ ٥٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨٦.\n(٣) انظر الإنصاف مسألة (٦١) . [.....]\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨٦، والبحر المحيط ٧/ ٥٥.","vol":"3","page":136},{"text":"يلتفت. يا مُوسى لا تَخَفْ أي قيل له لا تخف من الحيّة وضررها. إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ هذا تمام الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2258>[سورة النمل (٢٧): آية ١١]</span>\nإِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)\nإِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ استثناء ليس من الأول في موضع نصب. وزعم الفراء «١» أن الاستثناء من محذوف، والمعنى عنده: إنّي لا يخاف لديّ المرسلون إنّما يخاف غيرهم إلّا من ظلم ثمّ بدّل حسنا بعد سوء فإنه لا يخاف، وزعم الفراء «٢»: أيضا أنّ بعض النحويين يجعل إلّا بمعنى الواو. قال أبو جعفر: استثناء من محذوف محال لأنه استثناء من شيء لم يذكر ولو جاز هذا لجاز: إنّي أضرب القوم إلّا زيدا، بمعنى لا أضرب القوم إنّما أضرب غيرهم إلّا زيدا، وهذا ضدّ البيان، والمجيء بما لا يعرف معناه. وأما كان إلّا بمعنى الواو فلا وجه له ولا يجوز في شيء من الكلام. ومعنى «إلّا» خلاف معنى الواو لأنك إذا قلت: جاءني إخوتك إلّا زيدا، أخرجت زيدا مما دخل فيه الإخوة. وإذا قلت: جاءني إخوتك وزيد، أدخلت زيدا فيما دخل فيه الإخوة فلا شبه بينهما ولا تقارب. وفي الآية قول ثالث: يكون المعنى أن موسى ﷺ لما خاف من الحية فقال له جلّ وعزّ: لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، علم جلّ وعزّ أنّ من عصى منهم يسرّ الخيفة فاستثناه فقال: إلّا من ظلم ثمّ بدّل حسنا بعد سوء أي فانه يخاف، وإن كنت قد غفرت له فإن قال قائل: فما معنى الخوف بعد التوبة والمغفرة؟ قيل له: هذه سبيل العلماء بالله جلّ وعزّ أن يكونوا خائفين من معاصيه، وجلين، وهم أيضا لا يأمنون أن يكون قد بقي من أشراط التوبة شيء لم يأتوا به، فهم يخافون من المطالبة به، وقرأ مجاهد ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ «٣» قال أبو جعفر:\nوهذا بعيد من غير جهة، منها أنه أقام الصفة مقام الموصوف في شيء مشترك، ومنها أن ازدواج الكلام بدّل حسنا بعد سيئ على أن بعضهم قد أنشد بيت زهير: [البسيط] ٣١٦-\nيطلب شأو امرأين قدّما حسنا ... فاقا الملوك وبذّا هذه السّوقا «٤»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2259>[سورة النمل (٢٧): آية ١٢]</span>\nوَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (١٢)\nتَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ جزم «تخرج» لأنه جواب الأمر، وفيه معنى المجازاة.\nفِي تِسْعِ آياتٍ أحسن ما قيل فيه أنّ المعنى هذه الآية داخلة في تسع آيات.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨٧.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨٧.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ٥٦، ومختصر ابن خالويه ١٠٨.\n(٤) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ٥١، ولسان العرب (سوق)، وتاج العروس (سوق) .","vol":"3","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2260>[سورة النمل (٢٧): آية ١٣]</span>\nفَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)\nفَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً نصب على الحال. قال أبو إسحاق: ويجوز «مبصرة» أي مبيّنة تبصر. قال الأخفش: ويجوز «مبصرة» مصدر، وكما يقال: «الولد مجبنة» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2261>[سورة النمل (٢٧): آية ١٦]</span>\nوَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)\nقال سعيد عن قتادة وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ قال: ورث منه النبوّة والملك ﷺ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ خبر ما لم يسم فاعله. والمنطق قد يقع لما يفهم بغير كلام، والله جلّ وعزّ أعلم بما أراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2262>[سورة النمل (٢٧): آية ١٧]</span>\nوَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)\nيقال: إنّ الجنّ سخّرت له لأنه ملك مضارّها ومنافعها، وسخّرت له الطير بأن جعل فيها ما يفهم عنه فكانت تستره من الشمس وغيرها. وقيل: لهذا تفقّد الهدهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2263>[سورة النمل (٢٧): آية ١٨]</span>\nحَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨)\nالكلام في القول كما مضى في المنطق. يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ فجاء على خطاب الآدميين لما خبر عنهن بأخبار الآدميين. لا يَحْطِمَنَّكُمْ يكون نهيا وجوابا، والنون للتوكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2264>[سورة النمل (٢٧): آية ٢٠]</span>\nوَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠)\nوَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ هذه قراءة المدنيين وأبي عمرو بإسكان الياء وقرءوا وما لي لا أعبد الذي فطرني [يس: ٢٢] بتحريك الياء، فزعم قوم أنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان مبتدأ وبين ما كان معطوفا على ما قبله، قال أبو جعفر:\nوهذا ليس بشيء وإنما هي ياء النفس، من العرب من يفتحها، ومنهم من يسكنها، فقرؤوا باللغتين والدليل على هذا أن جماعة من جلّة القراء قرءوها جميعا بالفتح، منهم عبد الله بن كثير وعاصم والكسائي، وأن حمزة قرأهما جميعا بالتسكين، واللغة الفصيحة من ياء النفس أن تكون مفتوحة لأنها اسم وهي على حرف واحد فكان الاختيار أن لا تسكّن فيجحف بالاسم. أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ بمعنى أبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2265>[سورة النمل (٢٧): آية ٢١]</span>\nلَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١)\nلَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ مؤكد بالنون الثقيلة، وهي لازمة هي","vol":"3","page":138},{"text":"والخفيفة. قال أبو حاتم: ولو قرئت لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ لجاز أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ويجوز أن يكون هذا النون الخفيفة ثمّ أدغمت في النون التي مع الياء، ويجوز أن تكون النون التي مع الياء حذفت، كما يقال: إنّي ذاهب ويكون مؤكّدا بالثقيلة، وأهل مكة يقرءون «أو ليأتينّني» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2266>[سورة النمل (٢٧): آية ٢٢]</span>\nفَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)\nفَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ قراء عاصم، وتروى عن الأعمش، وقراءة سائر القراء فَمَكَثَ «٢» قال سيبويه: مكث يمكث مكوثا، كما قالوا: قعد يقعد قعودا. قال:\nومكث مثل ظرف، وحجّة من ضمّ عند سيبويه أنه غير متعدّ كظرف. قال أبو جعفر:\nوسمعت علي بن سليمان يقول: الدليل على أن مكث أفصح قولهم ماكث، ولا يقولون: مكث فهذا مخالف لظرف. قال أبو جعفر: وهذا احتجاج بيّن لأن فعل فهو فاعل لا يعرف في كلام العرب إلّا في أشياء مختلف فيها، ومنها ما هو مردود. فأما اللواتي اختلف فيها فطلقت المرأة فهي طالق، وقد قيل: طلقت، وحمض الخلّ فهو حامض، وقد قيل: حمض. وزعم أبو حاتم: أنّ قولهم فره فهو فاره لا اختلاف فيه.\nكذا قال، وقد حكى غيره: فره يفره فهو فره وفاره مثل حذر، حكى هذا قطرب. غَيْرَ بَعِيدٍ قال أبو إسحاق: أي وقتا غير بعيد. فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ فكان في هذا ردّ على من قال: إنّ الأنبياء تعلم الغيب، وحكى الفراء «٣» (أحطّ) يدغم التاء في الطاء، وحكى أحتّ يقلب الطاء تاءا ويدغم «وجئتك من سبأ بنبإ يقين» قراءة المدنيين والكوفيين. وقرأ المكيون والبصريون مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ «٤» بغير صرف وزعم الفراء أن الرّؤاسي سأل أبا عمرو بن العلاء ﵀ عن سبأ فقال: ما أدري ما هو. وتأوّل الفراء على أبي عمرو أنه منعه من الصرف لأنه مجهول وأنه إذا لم يعرف الشيء لم ينصرف واحتجّ بقوله: [الطويل] ٣١٧-\nيكن ما أساء النّار في رأس كبكبا «٥»\nوأبو عمرو أجلّ من أن يقول مثل هذا، وليس في حكاية الرؤاسي عنه دليل أنه إنّما منعه من الصرف لأنه لم يعرفه وإنما قال: لا أعرفه، ولو سئل نحويّ عن اسم\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٦٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٧٩.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٦٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٧٩.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨٩.\n(٤) انظر البحر المحيط ٧/ ٦٣.\n(٥) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٦٣، والكتاب ٣/ ١٠٦، وجمهرة اللغة ١٧٧، وشرح شواهد الإيضاح ٤٩٢، ولسان العرب (زيب) و(كبب)، وبلا نسبة في المقتضب ٢/ ٢٢، وصدره:\n«وتدفن منه الصالحات وإن يسيء»","vol":"3","page":139},{"text":"فقال: لا أعرفه، لم يكن في هذا دليل على أنه يمنعه من الصرف بل الحقّ على غير هذا، والواجب إذا لم تعرفه أن تصرفه لأن أصل الأسماء الصرف، وإنما يمنع الشيء من الصرف لعلّة داخلة عليه فالأصل ثابت فلا يزول بما لا يعرف. واحتجاجه بكبكب لا معنى له لأن كبكب جبل معروف، منع من الصرف لأنه بقعة، وإن كان الصرف فيه حسنا. والدليل على ما قلنا إن أبا عمرو إنما احتجّ بكلام العرب ولم يحتجّ بأنه لا يعرفه، وأنشد للنابغة الجعدي: [المنسرح] ٣١٨-\nمن سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما «١»\nوإن كان أبو عمرو قد عورض من هذا فروي «من سبأ الحاضرين ...» حذف التنوين لالتقاء الساكنين. قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد ابن يزيد يقول: سمعت عمارة يقرأ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ [يس: ٤٠] بالنصب، حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقد تكلّم أبو عبيد القاسم بن سلام في هذا بكلام كثير التخليط ونمليه على نص ما قال، إذ كان كتابه أصلا من الأصول ليوقف على نصّ ما قال، ويعلم موضع الغلط منه. قال أبو عبيد: وهي قراءتنا التي نختار، يعني «من سبأ بنبإ يقين»، قال أبو عبيد: لأن سبأ اسم مؤنث لامرأة أو قبيلة، وليس بخفيف فيجري لخفّته والذي يجريه يذهب به إلى أنه اسم رجل، ومن ذهب إلى هذا لزمه أن يجري ثمود في كلّ القرآن فإنه وإن كان اليوم اسم قبيلة فإنه في الأصل اسم رجل وكذلك سبأ، فإن قيل: إن ثمود أكثر في العدد من سبأ بحرف، قيل: إن الحركة التي في الباء والهمزة قد زادتا في ثقله أكثر من ذلك الحرف أو مثله، إنما الزيادة في ثمود واو ساكنة. قال أبو جعفر: قوله: «لأن سبأ اسم مؤنّث لامرأة أو قبيلة» يوجب أنه ترك صرفه لأحد هذين الأمرين، وأحدهما لا يشبه صاحبه، لأن اسم المرأة تأنيث حقيقى واسم القبيلة تأنيث غير حقيقي، والاختيار عند سيبويه «٢» في أسماء القبائل إذ كان لا يستعمل فيها «بنو» الصرف نحو ثمود، وقوله: «ليس بخفيف فيجري لخفّته» ليس بحجّة على من صرفه لأنه لم يقل أحد علمناه: صرفته لأنه خفيف. وقوله: «والذي يجريه يذهب به إلى أنه اسم رجل» ليس هذا حجّة من أجراه، إنما حجته أنه اسم للحيّ وإن كان أصله على الحقيقة أنه اسم لرجل. روى فروة بن مسيك وعبد الله بن عباس عن النبي\n_________\n(١) الشاهد للنابغة الجعدي في ديوانه ١٣٤، وجمهرة اللغة ص ٧٧٣، وسمط اللآلي ص ١٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٤١، ولسان العرب (عرم)، ولأميّة بن أبي الصلت في ديوانه ص ٥٩، وللنابغة الجعدي أو لأميّة في خزانة الأدب ٩/ ١٣٩، وللأعشى في معجم ما استعجم ص ١٧٠، وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ٢٧٩، والاشتقاق ص ٤٨٩، وجمهرة اللغة ١١٠٧، ولسان العرب (سبأ)، وما ينصرف وما لا ينصرف ص (٥٩) .\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٢٧١.","vol":"3","page":140},{"text":"ﷺ وهو معروف في النسب «سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان» وإن كان أبو إسحاق قد زعم أنه من صرفه جعله اسما للبلد. وقوله «فإن قيل: إنّ ثمود أكثر في العدد من سبأ قيل: إن الحركتين اللتين في الباء والهمزة قد زادتا في ثقله أكثر من ذلك الحرف أو مثله» فهذا موضع التخليط لأن الحركة التي في الباء والهمزة في ثمود وسبأ بالحركة لا معنى له لأنهما جميعا متحركان. قال أبو جعفر: والقول في سبأ ما جاء التوقيف فيه أنه اسم رجل في الأصل، فإن صرفته فلأنه قد صار اسما للحيّ، وإن لم تصرفه جعلته اسما للقبيلة مثل ثمود إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف، وحجته في ذلك قاطعة لأن هذا الاسم لما كان يقع للتذكير والتأنيث كان التذكير أولى لأنه الأصل والأخف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2267>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nوَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥)\nوَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ هذه قراءة أبي عمرو وعاصم ونافع وحمزة، وقرأ الزهري وأبو جعفر وأبو عبد الرحمن وحميد وطلحة والكسائي ألا يا اسجدوا لله «١» القراءة الأولى هي أن دخلت عليها «وإن» في موضع نصب. قال الأخفش: المعنى: لئلا يسجدوا. وقال الكسائي:\nالمعنى: فصدّهم أن لا يسجدوا. وقال علي بن سليمان: أن بدل من أعمالهم في موضع نصب. وقيل: موضعها خفض على البدل من السبيل، والقراءة الثانية بمعنى ألا يا هؤلاء اسجدوا، كما قال: [الطويل] ٣١٩-\nألا يا اسلمي يا دارمي على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر «٢»\nوقال آخر: [البسيط] ٣٢٠-\nيا لعنة الله والأقوام كلّهم ... والصّالحين على سمعان من جار «٣»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٩٠، وتيسير الداني ١٣٦.\n(٢) الشاهد لذي الرمة في ديوانه ص ٥٥٩، والإنصاف ١/ ١٠٠، وتخليص الشواهد ص ٢٣١، والخصائص ٢/ ٢٧٨، والدرر ٢/ ٤٤، وشرح التصريح ١/ ١٨٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦١٧، والصاحبي في فقه اللغة ص ٢٣٢، واللامات ٣٧، ولسان العرب (يا)، ومجالس ثعلب ١/ ٤٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٣٥، وجواهر الأدب ص ٢٩٠، والدرر ٥/ ١١٧، وشرح الأشموني ١/ ١٧٨، وشرح ابن عقيل ص ١٣٦، وشرح عمدة الحافظ ١٩٩. [.....]\n(٣) الشاهد بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ٤٤٨، والجنى الداني ص ٣٥٦، والكتاب ٢/ ٢٢٤، وجواهر الأدب ص ٢٩٠، وخزانة الأدب ١١/ ١٩٧، والدرر ٣/ ٢٥، ورصف المباني ص ٣، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩٦، وشرح المفصّل ٢/ ٢٤، واللامات ص ٣٧، ومغني اللبيب ٢/ ٣٧٣، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٦١، وهمع الهوامع ١/ ١٧٤.","vol":"3","page":141},{"text":"والمعنى: يا هؤلاء لعنة الله. قال أبو جعفر: وهذا موجود في كلام العرب إلّا أنه غير معتاد أن يقال: يا قدم زيد، والقراءة به بعيدة لأن الكلام يكون معترضا. والقراءة الأولى يكون الكلام بها متّسقا، وأيضا السواد على غير هذه القراءة لأنه قد حذف منها ألفان وإنما يختصر مثل هذا بحذف ألف واحدة نحو يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ [المائدة:\n١١٠] . الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والوقف عليه بتسكين الهمزة، وإذا كان في موضع رفع جاز الرّوم «١» والإشمام ولا يجوز التضعيف، وحكى أبو حاتم أن عكرمة قرأ الّذي يخرج الخبا في السماوات والأرض «٢» بألف غير مهموزة، وزعم أن هذا لا يجوز في العربية واعتل بأنه أن خفّف الهمزة ألقى حركتها على الباء وحذفها فقال:\n«الخب في السّموات» وأنه إن حول الهمزة قال: «الخبي» بإسكان الباء وبعدها ياء. قال أبو جعفر: قوله لا يجوز «الخبا» وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: كان دون أصحابه في النحو، ولم يلحق بهم، يعني أبا حاتم، إلّا أنه إذا خرج من بلده لم يلق أعلم منه. حكى سيبويه «٣» عن العرب أنها تبدل من الهمزة ألفا إذا كان قبلها ساكن وكانت مفتوحة، وتبدل منها واوا إذ كان قبلها ساكن وكانت مضمومة، وتبدل منها ياء إذا كان قبلها ساكن وكانت مكسورة، وأنه يقال: هذا الوثو، وعجبت من الوثى، ورأيت الوثا، وهذا من وثئت يده، وكذلك هذا الخبو، وعجبت من الخبي، ورأيت الخبا. وإنما فعل هذا لأن الهمزة خفيفة فأبدلت منها هذه الحروف.\nوحكى سيبويه عن قوم من بني تميم وبني أسد أنهم يقولون: هذا الخبوء فيضمّون الساكن إذا كانت الهمزة مضمومة، ويثبتون الهمزة ويكسرون الساكن إذا كانت الهمزة مكسورة، ويفتحون الساكن إذا كانت الهمزة مفتوحة. وحكى سيبويه أيضا أنهم يكسرون وإن كانت الهمزة مضمومة إلّا أن هذا عن بني تميم، فيقولون: هذا الرّدي، وزعم أنهم لم يضمّوا الدال لأنهم كرهوا ضمة قبلها كسرة لأنه ليس في الكلام فعل.\nوهذا كلّه لغات داخلة على اللغة التي قرأ بها الجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2268>[سورة النمل (٢٧): آية ٢٨]</span>\nاذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨)\nاذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ قال أبو إسحاق: فيها خمسة أوجه «٤»: (فألقهي إليهم) بإثبات الياء في اللفظ، وبحذف الياء وإثبات الكسرة دالّة عليها (فألقه إليهم)،\n_________\n(١) الرّوم: هو تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك معظم صوتها فيسمع لها صوت خفيّ يدركه الأعمى بحاسة السمع.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ١٠٩، والبحر المحيط ٧/ ٦٧.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٢٥.\n(٤) انظر الوجوه الخمسة في كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٨١، والبحر المحيط ٧/ ٦٨.","vol":"3","page":142},{"text":"وبضم الهاء واثبات الواو على الأصل (فألقهو إليهم)، وبحذف الواو واثبات الضمة (فألقه إليهم)، واللغة الخامسة قرأ بها حمزة بإسكان الهاء (فألقه إليهم) وهذا عند النحويين لا يجوز إلا على حيلة بعيدة يكون يقدّر الوقف. وسمعت علي بن سليمان يقول: لا تلتفت إلى هذه اللغة، ولو جاز أن يصل وهو ينوي الوقف لجاز أن تحذف الإعراب من الأسماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2269>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٠]</span>\nإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠)\nأي وإنّ الكلام، أو أنّ مبتدأ الكلام «بسم الله الرّحمن الرّحيم»، وأجاز الفراء «١» إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بفتحهما جميعا على أن يكونا في موضع رفع بمعنى: ألقي إليّ أنه من سليمان، وأجاز أن يكونا في موضع نصب على حذف الخافض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2270>[سورة النمل (٢٧): آية ٣١]</span>\nأَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)\nأَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ ذكر أبو إسحاق في «أن» ثلاثة أوجه: تكون في موضع نصب على معنى بأن، وتكون في موضع رفع بمعنى ألقي إليّ أن، والوجه الثالث أن تكون بمعنى أي مثل وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [ص: ٦] المعنى أي امشوا وقالوا أن امشوا، وكذا «ألّا تعلو عليّ» أي قال: لا تعلوا عليّ، وعن وهب بن منبّه أنه قرأ ألّا تغلوا علي «٢» من غلا يغلو إذا تجاوز وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ يكتب بغير ياء لأن الواو لا تنفصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2271>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٢]</span>\nقالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)\nقالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي بتخفيف الهمزة الثانية اللغة الفصيحة، وإن شئت خففت الأولى وحدها، وإن شئت خففتهما جميعا، وإن شئت حققتهما جميعا، وهي أبعد اللغات لثقل الجمع بين همزتين. ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ حذفت النون للنصب، وحذفت الياء لأن الكسرة دالة عليها والنون مع الفعل وهي رأس آية، ولا يجوز فتح النون ولو كان كذلك لكان الفعل مرفوعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2272>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nقالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)\nأُولُوا هذا اسم للجمع والواحد ذو. وروى الأعمش عن مجاهد قال: كان\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٩١.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٦٩، وهي قراءة الأشهب العقيلي أيضا.","vol":"3","page":143},{"text":"تحت يديها اثنا عشر ألفا قيول تحت يدي كلّ قيل مائة ألف فأجابتهم عن هذا إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها أي عنوة أي على القهر والغلبة وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً قال الله جلّ وعزّ: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ وليس هذا من كلامها، كذا قال سعيد بن جبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2273>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٥]</span>\nوَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)\nوَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أرسلت إليهم بلبنة من ذهب أو بذهب، قرأت الرسل الحيطان من ذهب فصغر عندهم ما جاءوا به وقالت:\n«مرسلة إليهم» وإنما هو إلى سليمان ﷺ كما يخبر عن الملوك فيخاطبون ويخاطبون، وقد قيل: إنّ الهدية كانت غير هذا إلّا أن قوله: «أتمدّونني بمال» يدلّ على هذا فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ والأصل «بما»، حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر، وإنما يكون هذا إذا كان قبل «ما» حرف جر، تقول في الخبر: رغبت فيما عندك فتثبت فيما عندك الألف لا غير. وتقول في الاستفهام: فيم نظرت؟ فتحذف الألف، وأجاز الفراء «١» إثباتها في الاستفهام، وهذا من الشذوذ التي جاء القرآن بخلافها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2274>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٦]</span>\nفَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)\nفَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ وإن شئت أدغمت النون في النون فذلك جائز وإن كان فيه جمع بين ساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2275>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٧]</span>\nارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧)\nفَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها لام قسم والنون لها لازمة. قال أبو جعفر: وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول: هي لام توكيد، وكذا كان عنده أنّ اللامات كلّها ثلاث لا غير: لام توكيد ولام أمر ولام خفض، وهذا قول الحذّاق من النحويين لأنهم يردّون الشيء إلى أصله، وهذا لا يتهيّأ إلّا لمن درب بالعربية. أَذِلَّةً على الحال. وَهُمْ صاغِرُونَ في موضع الحال أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2276>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٨]</span>\nقالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)\nقيل: إنما أراد بهذا أنهم إذا أتوا مسلمين لم يجز أن يؤتى بعرشها إلّا بإذنها، وقيل: إنما أراد سليمان ﷺ أن يظهر آية معجزة.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٩٢.","vol":"3","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2277>[سورة النمل (٢٧): آية ٣٩]</span>\nقالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)\nقالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ قال أبو إسحاق: العفريت النافذ في الأمور المبالغ فيها الذي معه خبث ودهاء. ويقال: عفر وعفارية وعفرية، وعن أبي رجاء أنه قرأ قال عفرية «١» من الجنّ ويقال: عفرية نفرية إتباع، ومن قال: عفرية جمعه على عفار، ومن قال:\nعفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه: إن شاء قال: عفاريت وإن شاء قال: عفار لأن التاء زائدة، كما يقال: طواغ في جمع طاغوت، وإن شاء عوض من التاء فقال:\nعفاريّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2278>[سورة النمل (٢٧): آية ٤٠]</span>\nقالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)\nقال الأخفش: المعنى: لينظر أأشكر أم أكفر، وقال غيره: معنى ليبلوني ليتعبّدني وهو مجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2279>[سورة النمل (٢٧): آية ٤١]</span>\nقالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١)\nقالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها زعم الفراء أنه إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له: إن في عقلها شيئا فأراد أن يمتحنها نَنْظُرْ جزم لأنه جواب الأمر، ومن رفعه جعله مستأنفا أَتَهْتَدِي في معناه قولان: أحدهما أتهتدي بمعرفته، والآخر أتهتدي لهذه الآية العظيمة وتعلم أنّها لا يأتي بها إلّا نبيّ من عند الله جلّ وعزّ فتهتدي وتدع الضّلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2280>[سورة النمل (٢٧): آية ٤٢]</span>\nفَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)\nقالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ خبر كأنّ مكنيّ عنه لأنه قد تقدّم ذكره. وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها قيل:\nالعلم بالتوحيد وَكُنَّا مُسْلِمِينَ قيل: لأن قومها أسلموا قبلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2281>[سورة النمل (٢٧): آية ٤٣]</span>\nوَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣)\nتكون «ما» في موضع رفع أي صدّها عبادتها من دون الله وعبادتها إياها عن أن تعلم ما علمناه عن أن تسلم، ويجوز أن تكون «ما» في موضع نصب، ويكون التقدير وصدها الله جل وعز عن عبادتها أي وصدها سليمان ﷺ عن عبادتها فحذف «عن» وتعدّى الفعل، وأنشد سيبويه: [الطويل]\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ١٠٩، والبحر المحيط ٧/ ٧٢.","vol":"3","page":145},{"text":"٣٢١-\nونبئت عبد الله بالجوّ أصبحت ... كراما مواليها لئيما صميمها «١»\nوزعم أنّ المعنى عنده نبّئت عن عبد الله، ومن قرأ (أنّها) «٢» بفتح الهمزة كانت أنّ في موضع نصب بمعنى لأنها، ويجوز أن يكون بدلا من «ما» والكسر على الاستئناف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2282>[سورة النمل (٢٧): آية ٤٤]</span>\nقِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)\nلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ\nالتقدير على مذهب سيبويه «٣» ادخلي إلى الصرح فحذفت «إلى» وعدّي الفعل. وأبو العباس يغلّطه في هذا قال لأن «دخل» يدلّ على مفعول.\nلَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي\nكسرت إن لأنها مبتدأة بعد القول، ومن العرب من يفتحها فيعمل فيها القول أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ\nإذا سكنت عَ\nفهي حرف جاء لمعنى بلا اختلاف بين النحويين، وإذا فتحتها ففيها قولان: أحدهما أنها بمعنى الظرف اسم، والآخر أنها حرف خافض مبني على الفتح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2283>[سورة النمل (٢٧): آية ٤٥]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا جعل اسما للقبيلة فلم يصرف، وصرفه حسن على أنه اسم للحيّ. فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ على المعنى ويختصمان على اللفظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2284>[سورة النمل (٢٧): آية ٤٦]</span>\nقالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)\nقالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ قال أبو إسحاق: أي لم قلتم: إن كان ما أتيت به حقا فأتنا بالعذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2285>[سورة النمل (٢٧): آية ٤٧]</span>\nقالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)\nقالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قال مجاهد: أي تشاءمنا. قال أبو إسحاق: الأصل تطيّرنا فأدغمت التاء في الطاء لأنها من مخرجها واجتلبت ألف الوصل لئلا يبتدأ بساكن، فإذا وصلت حذفتها قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ قال الفراء «٤»: يقول في اللوح المحفوظ عند الله ﷿ تشاءمون بي وتتطيّرون، وذلك من عند الله تعالى مثل قوله\n_________\n(١) الشاهد للفرزدق في الكتاب ١/ ٧٥، وشرح التصريح ١/ ٢٩٣، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٢٢، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في شرح أبيات سيبويه ١/ ٤٢٦، وشرح الأشموني ١/ ١٨٦.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ١١٠، وهذه قراءة سعيد بن جبير.\n(٣) انظر الكتاب ١/ ٢١١.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٩٥.","vol":"3","page":146},{"text":"طائِرُكُمْ مَعَكُمْ [يس: ١٩] أي لازم لكم ما كان من خير أو شرّ لازم لكم وفي رقابكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2286>[سورة النمل (٢٧): آية ٤٨]</span>\nوَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨)\nوَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ اسم للجمع، وجمعه أرهط، وجمع الجمع أراهط.\nيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ قال الضحاك: كان هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة، وكانوا يفسدون ويأمرون بالفساد فجلسوا تحت صخرة عظيمة على نهر فقلبها الله جلّ وعزّ عليهم فقتلهم فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2287>[سورة النمل (٢٧): آية ٤٩]</span>\nقالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩)\nقالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ وهذا، من أحسن ما قرئ به هذا الحرف لأنه يدخل فيه المخاطبون في اللفظ والمعنى. وإذا قرأ لتبيّننّه «١» لم يدخل فيه المخاطبون في اللفظ ودخلوا في المعنى، وقراءة مجاهد ليبيّتنّه بالياء. قال أبو إسحاق: لَنُبَيِّتَنَّهُ أي قالوا لنبيتنه متقاسمين، أي متحالفين ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ «٢» «مهلك» بمعنى إهلاك، ويكون بمعنى الظرف وعن عاصم ما شهدنا مهتل بمعنى هلاك وعنه مَهْلِكَ «٣» وهو اسم موضع الهلاك كما تقول: مجلس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2288>[سورة النمل (٢٧): آية ٥٠]</span>\nوَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠)\nوَمَكَرُوا مَكْرًا إنما عملوه. وَمَكَرْنا مَكْرًا جازيناهم على ذلك، وقيل المكر من الله الإتيان بالعقوبة المستحقّة من حيث لا يدري العبد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2289>[سورة النمل (٢٧): آية ٥١]</span>\nفَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)\nفَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ وقرأ الكوفيون والحسن وابن أبي إسحاق وهي قراءة الكسائي أَنَّا دَمَّرْناهُمْ بفتح الهمزة، وزعم الفراء «٤» أن فتحهما من جهتين: إحداهما أن تردّها على كيف. قال أبو جعفر: وهذا لا يحصّل لأن كيف للاستفهام و«أنّا» غير داخل في الاستفهام، والجهة الأخرى عنده أن تكرّ عليها «كان» كأنك قلت: كان عاقبة أمرهم تدميرهم. قال أبو جعفر: وهذا متعسّف، وفي فتحها\n_________\n(١) انظر القراءات المختلفة في تيسير الداني ١٣٦، والبحر المحيط ٧/ ٨٠. [.....]\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٨٠، وتيسير الداني ١٣٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٨٣.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ٨٠، وتيسير الداني ١٣٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٨٣.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٩٦.","vol":"3","page":147},{"text":"خمسة أوجه: منها أن يكون التقدير: لأنّا دمّرناهم وتكون أن في موضع نصب، ويجوز أن تكون في موضع رفع بدلا من عاقبة، وليجوز أن تكون في موضع نصب على خبر كان ويجوز أن تنصب عاقبة على خبر كان وتكون أنّ في موضع رفع على أنّها اسم كان، ويجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ تبيينا للعاقبة، والتقدير: من أنّا دمرناهم، ومن قرأ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ جعلها مستأنفه قال أبو حاتم: وفي حرف أبيّ أن دمّرناهم «١» تصديقا لفتحها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2290>[سورة النمل (٢٧): آية ٥٢]</span>\nفَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)\nفَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا النصب على الحال، والرفع من خمسة أوجه تكون «بيوتهم» بدلا من تلك و«خاوية» خبر الابتداء، وتكون «بيوتهم» خبرا و«خاوية» خبرا ثانيا كما يقال: هذا حلو حامض، وتكون «خاوية» على إضمار مبتدأ أي هي خاوية، وتكون بدلا من بيوتهم لأن النكرة تبدل من المعرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2291>[سورة النمل (٢٧): آية ٥٤]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ بمعنى وأرسلنا لوطا أو واذكر لوطا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2292>[سورة النمل (٢٧): آية ٥٥]</span>\nأَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)\nأَإِنَّكُمْ بتخفيف الهمزة الثانية اختيار الخليل وسيبويه رحمهما الله فأما الخط فالسبيل فيه أن يكتب بألفين على الوجوه كلّها لأنها همزة مبتدأة دخلت عليها ألف الاستفهام. وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩] . قال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضا في المجالس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2293>[سورة النمل (٢٧): آية ٥٦]</span>\nفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)\nوقرأ الحسن وابن أبي إسحاق فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا جعلا «أن» خبر كان، فما كان جواب قومه إلّا قولهم. وقرأ عاصم قَدَّرْناها «٢» مخفّفا، والمعنى واحد يقال: قدرت الشيء قدرا وقدرا وقدّرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2294>[سورة النمل (٢٧): آية ٥٩]</span>\nقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)\nقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قال الفراء «٣»: المعنى قيل للوط ﷺ قل الحمد لله على هلكهم\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٣٦، والبحر المحيط ٧/ ٨٢.\n(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٨٤.\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٨٤.","vol":"3","page":148},{"text":"وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى وخالف جماعة من العلماء الفراء في هذا فقالوا: هو مخاطبة لنبيّنا ﷺ. قال أبو جعفر: وهذا أولى لأن القرآن منزل على النبيّ ﷺ وكلّ ما فيه فهو مخاطب به ﵇ إلّا ما لم يصحّ معناه إلّا بغيره. آللَّهُ خَيْرٌ وأجاز أبو حاتم أالله بهمزتين ولم نعلم أحدا تابعه على ذلك هذه المدّة إنما جيء بها فرقا بين الاستفهام والخبر، وهذه ألف التوقيف، «وخير» هاهنا ليس بمعنى أفعل منك إنما هو مثل قول الشاعر حسّان: [الوافر] ٣٢٢-\nفشرّكما لخيركما الفداء «١»\nفالمعنى فالذي فيه الشر منكما للذي فيه الخير الفداء، ولا يجوز أن يكون بمعنى من لأنك إذا قلت: فلان شرّ من فلان، ففي كلّ واحد منهما شرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2295>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٠]</span>\nأَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)\nقال عكرمة: الحدائق النخل ذاتَ بَهْجَةٍ قال أهل التفسير: البهجة الزينة والحسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2296>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٥]</span>\nقُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)\nقُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ قال أبو إسحاق: هذا بدل من «من» والمعنى لا يعلم أحد الغيب إلّا الله قال: ومن نصب نصب على الاستثناء يعني في الكلام. قال أبو جعفر: وسمعته يحتجّ بهذه الآية على من صدّق منجّما، وقال: أخاف أن يكفر لعموم هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2297>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٦]</span>\nبَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦)\nبَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ هذه قراءة «٢» أكثر النحويين منهم شيبة ونافع ويحيى بن وثاب وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو وابن كثير وحميد بل أدرك «٣»، وقرأ عطاء بن يسار بل أدرك «٤» بتخفيف الهمزة، وقرأ ابن محيصن بل أدرك علمهم في الآخرة وقرأ ابن عباس بلى ادّارك «٥» وإسناده إسناد صحيح هو من حديث شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس، وزعم هارون القارئ أن قراءة أبيّ بن كعب بل تدارك علمهم. القراءة الأولى والآخرة معناهما واحد لأن\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم ٣٠٩.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٣٧، ومعاني الفراء ٢/ ٢٩٩.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٣٧، ومعاني الفراء ٢/ ٢٩٩.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٣٧، ومعاني الفراء ٢/ ٢٩٩.\n(٥) انظر تيسير الداني ١٣٧، ومعاني الفراء ٢/ ٢٩٩.","vol":"3","page":149},{"text":"أصل ادّارك تدارك أدغمت التاء في الدال فجيء بألف الوصل لأنه لا يبتدأ بساكن فإذا وصلت سقطت ألف الوصل وكسرت اللام لالتقاء الساكنين. وفي معناه قولان: أحدهما أنّ المعنى بل تكامل علمهم في الآخرة لأنهم رأوا كلّما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم به، والقول الآخر أن المعنى بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة فقالوا تكون، وقالوا لا تكون. وفي معنى أدرك قولان: أحدهما معناه كمل في الآخرة، وهو مثل الأول، والآخر على معنى الإنكار وهذا مذهب أبي إسحاق، واستدلّ على معنى صحّة هذا القول بأن بعده بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ. فأما معنى أدرك فليس فيه إلّا وجه واحد، يكون فيه معنى الإنكار كما تقول: أأنا قاتلتك أي لم أقاتلك فيكون المعنى لم يدرك. بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ حذفت منه الياء لالتقاء الساكنين، ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2298>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٧]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧)\nهكذا يقرأ نافع «١» في هذه السورة وفي سورة «العنكبوت» «٢»، وقرأ أبو عمرو باستفهامين إلّا أنه خفّف الهمزة، وقرأ عاصم وحمزة باستفهامين أيضا إلّا أنهما حقّقا «٣» الهمزتين. وكل ما ذكرناه في السورتين جميعا واحد، وقرأ الكسائي أَإِذا بهمزتين (اننا) بنونين في هذه السورة وفي سورة «العنكبوت» «٤» باستفهامين. القراءة الأولى إذا كنا ترابا وآباؤنا أننا موافقة للخطّ حسنة، وقد عارض فيها أبو حاتم، فقال: وهذا معنى كلامه «إذ» ليس باستفهام و«أإنا» استفهام وفيه «أنّ» فكيف يجوز أن يعمل ما في حيّز الاستفهام فيما قبله، وكيف يجوز أن يعمل ما بعد أنّ فيما قبلها، وكيف يجوز غدا أنّ زيدا خارج، فإذا كان فيه استفهام كان أبعد، وهذا إذا سئل عنه كان مشكلا لما ذكره. قال أبو جعفر: وسمعت محمد بن الوليد يقول: سألنا أبو العباس محمد بن يزيد عن آية من القرآن صعبة الإعراب مشكلة وهي قوله جلّ وعزّ: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ: ٧] فقال: إنّ عمل في «إذا» ينبئكم كان محالا لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت، وإن عمل فيه ما بعد إن كان المعنى صحيحا، وكان خطأ في العربية أن يعمل ما بعد إنّ فيما قبلها.\nوهذا سؤال بيّن، ويجب أن يذكر في السورة التي هو فيها. فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع وردّ على من جمع بين استفهامين، واستدلّ بقول الله جلّ وعزّ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمران: ١٤٤]، وبقوله جلّ وعزّ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٣٧، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٨٥.\n(٢) انظر إعراب الآية ٢٩- سورة العنكبوت.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٠٠، وتيسير الداني ١٣٧. [.....]\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٠٠، وتيسير الداني ١٣٧.","vol":"3","page":150},{"text":"الْخالِدُونَ [الأنبياء: ٣٤] وهذا الرّد على أبي عمرو وعاصم وحمزة وطلحة والأعرج لا يلزم منه شيء، ولا يشبه ما جاء به من الآية شيئا، والفرق بينهما أن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد، ومعنى أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ أفإن مت خلدوا، ونظير هذا:\nأزيد منطلق، ولا يقال: أزيد أمنطلق، لأنهما بمنزلة شيء واحد، وليس كذا الآية، لأن الثاني جملة قائمة بنفسها فصلح فيها الاستفهام والأول كلام منفرد يصلح فيه الاستفهام فأما من حذف الاستفهام من الثاني الاستفهام لأن في الكلام دليلا عليه لمعنى الإنكار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2299>[سورة النمل (٢٧): آية ٨١]</span>\nوَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)\nوَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ هذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم والكسائي، وأجاز الفراء وأبو حاتم وما أنت بهاد العمى «١» وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم «٢» وفي حرف عبد الله وما أن تهدي العمي عن ضلالتهم. القراءة الأولى بحذف الياء في اللفظ لالتقاء الساكنين وإثباتها في الخط، والقراءة الثانية بحذف الياء في اللفظ والخطّ لسكونها وسكون التنوين بعدها، من العرب من يثبتها في الوقف فيقول: مررت بقاضي، لأن التنوين لا يثبت في الوقف، والقراءة الثالثة بحذف الياء منها في اللفظ وفي الوصل لالتقاء الساكنين وفي حرف عبد الله وما إن تهدي إن زائدة للتوكيد وهي كافّة لما عن العمل إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا قال أبو إسحاق: أي ما تسمع قال: والمعنى ما تسمع فيعي ويعمل إلا من يؤمن بآياتنا فأما من يسمع ولا يقبل فبمنزلة الأصم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2300>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٢]</span>\nوَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢)\nوَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ قالت حفصة ابنة سيرين: سألت أبا العالية عن قول الله جلّ وعزّ: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ فقال: أوحى الله جلّ وعزّ إلى نوح ﷺ: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود: ٣٦] فكأنما كان على وجهي غطاء فكشف. قال أبو جعفر: وهذا من حسن الجواب لأنّ الناس ممتحنون ومؤخّرون لأن فيهم مؤمنين وصالحين، ومن قد علم الله جلّ وعزّ أنه سيؤمن ويتوب، ولهذا أمرنا بأخذ الجزية فإذا زال هذا وجب القول عليهم فصاروا كقوم نوح ﷺ حين قال الله جلّ وعزّ فيهم أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ قال عبد الله بن عمر رحمة الله عليه: تخرج الدابة من صدع في الصفا، وقرأ ابن عباس\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٩٢، ومختصر ابن خالويه ١١٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٠٠.","vol":"3","page":151},{"text":"وعكرمة وعاصم الجحدري وطلحة وأبو زرعة: أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ «١» قال عكرمة: أي تسمهم. وفي معنى «تكلمهم» قولان: فأحسن ما قيل فيه ما روي عن ابن عباس قال: هي والله تكلّمهم وتكلمهم. تكلّم المؤمن، وتكلم الكافر أو الفاجر تجرحه. وقال أبو حاتم: تكلّمهم كما تقول: تجرّحهم يذهب إلى أنّه تكثير من تكلمهم. وقرأ الكوفيون وابن أبي إسحاق أَنَّ النَّاسَ «٢» بفتح الهمزة، وقرأ أهل الحرمين وأهل الشام وأهل البصرة إن الناس بكسر الهمزة. قال أبو جعفر: في المفتوحة قولان وكذا المكسورة، قال الأخفش: المعنى بأنّ الناس، وقال أبو عبيد:\nموضعها نصب بوقوع الفعل عليها أي تخبرهم أن الناس. وقال الكسائي: والفراء «٣»:\nإن الناس بالكسر على الاستئناف، وقال الأخفش: هو بمعنى تقول إنّ النّاس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2301>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٧]</span>\nوَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧)\nوَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ بمعنى واذكر، ومذهب الفراء «٤» أنّ المعنى وذلك يوم ينفخ في الصور، وأجاز فيه الحذف وجعله مثل وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ [سبأ: ٥١] .\nفَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ فهذا ماض «وينفخ» مستقبل، ويقال: كيف عطف ماض على مستقبل؟ وزعم الفراء أنه محمول على المعنى، لأن المعنى إذا نفخ في الصور ففزع. إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ في موضع نصب على الاستثناء. قرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي وكلّ آتوه داخرين «٥» جعلوه فعلا مستقبلا، وقرأ الأعمش وحمزة وَكُلٌّ أَتَوْهُ جعلاه فعلا ماضيا. قال أبو جعفر: وفي كتابي عن أبي إسحاق في القرآن من قرأ وَكُلٌّ أَتَوْهُ وحده على لفظ كلّ ومن قرأ آتَوْهُ جمع على معناها.\nوهذا القول غلط قبيح لأنه إذا قال: وكلّ أتوه فلم يوحد وإنما جمع فلو وحّد لقال:\nأتاه، ولكن من قال: أتوه جمع على المعنى وجاء به ماضيا لأنّه ردّه على «ففزع» ومن قرأ وكلّ آتوه حمله على المعنى، وقال: آتوه لأنها جملة منقطعة من الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2302>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٨]</span>\nوَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨)\nوَتَرَى الْجِبالَ من رؤية العين، ولو كان من رؤية القلب لتعدّت إلى مفعولين، والأصل ترأى فألقيت حركة الهمزة على الرّاء فتحرّكت الراء وحذفت الهمزة فهذه سبيل\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٠١.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ١١٠.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٣٧.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٠١.\n(٥) انظر البحر المحيط ٧/ ٩٤، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٨٧، وتيسير الداني ١٣٧.","vol":"3","page":152},{"text":"تخفيف الهمزة إذا كان قبلها ساكن إلّا أنّ التخفيف لازم لترى وأخواتها من المضارع لكثرته في الكلام، وأنه يقع لرؤية العين والقلب. تَحْسَبُها جامِدَةً لا بدّ لتحسب من مفعولين، وظننت قد يتعدّى إلى واحد فقط. وأهل الكوفة يقرءون تَحْسَبُها وهو القياس لأنه من حسب يحسب إلّا أنه قد روي عن النبيّ ﷺ خلافها أنه قرأ بالكسر في المستقبل فيكون على فعل يفعل، كما قالوا نعم ينعم ويئس ييئس، وحكى بئس يبئس من السالم، لا يعرف في كلام العرب غير هذه الأحرف. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ مصدر، وتقديره مرّا مثل مرّ السحاب فأقمت الصّفة مقام الموصوف والمضاف إليه. صُنْعَ اللَّهِ منصوب عند الخليل وسيبويه رحمهما الله على أنه مصدر لأنه لما قال ﷿ «وهي تمرّ مرّ السّحاب» دلّ على أنه صنع ذلك صنعا، ويجوز النصب على الإغراء أي انظروا صنع الله. قال أبو إسحاق: ويجوز الرفع على معنى ذلك صنع الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2303>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٩]</span>\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)\nوَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ تخفض «١» يوما على الإضافة وتحذف التنوين لها ومن نصب وأضاف فقرأ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ جعل يومئذ مبنيا على الفتح، مضاف إلى غير متمكّن، وأنشد سيبويه: [الطويل] ٣٢٣-\nعلى حين ألهى النّاس جلّ أمورهم «٢»\nفإن قال قائل: قد قال سيبويه «٣»: التنوين علامة الأمكن عندهم، وقال «٤»: وبعدت من المضارعة بعد «كم» و«إذ» من المتمكّنة، فكيف يكون التنوين علامة للأمكن ثمّ يدخل فيما لا يتمكّن بوجه من الوجوه فهذا ضرب من المناقضة؟ فالجواب عن هذا أن التنوين الذي على سيبويه ليس هو هذا التنوين وإنما يتوهّمه أنه كان ضعيفا في العربية والتنوين الذي أراده هو الذي يقول بعض النحويين فيه: أدخل فرقا بيّن ما ينصرف وما لا ينصرف، ويقول بعضهم: فرقا بين الاسم والفعل. وللتنوين قسمان آخران يكون فرقا بين المعرفة والنكرة، ويكون عوضا في قولك: جوار وفي قولك يومئذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2304>[سورة النمل (٢٧): آية ٩٠]</span>\nوَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)\nوالفعل من هذا كبيته واللازم منه أكبّ وقلّ ما يأتي هذا في كلام العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2305>[سورة النمل (٢٧): آية ٩١]</span>\nإِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٩٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٨٧.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٢١٦) .\n(٣) انظر الكتاب ١/ ٤٧.\n(٤) انظر الكتاب ١/ ٤٣.","vol":"3","page":153},{"text":"الَّذِي في موضع نصب نعت لرب، ولو كان بالألف واللام قلت: المحرّمها، فإن كان نعتا للبلدة المحرّمها هو، لا بدّ من إظهار المضمر مع الألف واللام لأن الفعل جرى على غير من هو له فإن قلت: الذي حرّمها لم تحتج أن تقول هو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2306>[سورة النمل (٢٧): آية ٩٢]</span>\nوَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)\nوَأَنْ أَتْلُوَا نصب بأن. قال الفراء «١»: وفي إحدى القراءتين وأن أتل القرآن «٢»، وزعم أنه في موضع جزم بالأمر فلذلك حذفت منه الواو. قال أبو جعفر:\nولا نعرف أحدا قرأ بهذه القراءة وهي مخالفة لجميع المصاحف، وقوله في موضع جزم خطأ عند البصريين لأنه لا يكون جزم بلا جازم، وتقديره اللام خطأ لم يكن بدّ من المجيء بحرف المضارعة فكيف تضمر اللام وهي إذا جيء بها كان الكلام على غير ذلك، وحروف الجزم لا تضمر، وهذا الفعل لا يجوز أن يكون معربا لأنه ليس بالمضارع. قال سيبويه: أسكنوها لأنها لا يوصف بها ولا تقع موقع المضارعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2307>[سورة النمل (٢٧): آية ٩٣]</span>\nوَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)\nوَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء ليكون الكلام على نسق واحد، وبالياء على أن يردّ إلى ما قبله أو على تحويل المخاطبة.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٠١.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٩٦، ومختصر ابن خالويه ١١١. [.....]","vol":"3","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2308>٢٨ شرح إعراب سورة القصص</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2309>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢)\nتِلْكَ في موضع رفع بمعنى هذه تلك وآياتُ بدل منها، ويجوز أن يكون «تلك» في موضع نصب بنتلو و«آيات» بدل منها أيضا وانتصابها كما تقول: زيدا ضربت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2310>[سورة القصص (٢٨): آية ٤]</span>\nإِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)\nعَلا هاهنا فعل، وقد يكون في غير هذا اسما إذا قلت: أخذته من على الحائط، وتكون حرفا، في قولك: على زيد مال. ويجوز كتابته بالياء إذا كان اسما أو حرفا، لأن ألفه ينقلب ياء مع المضمر وإنما انقلبت ياء فرقا بينها وبين المتمكن في قولك: رأيت عصاه يا هذا، ومن العرب من لا يقلب الألف ياء، كما قال: [الرجز] ٣٢٤-\nطاروا علاهنّ فطر علاها «١»\nوإذا كانت اسما خفض ما بعدها بالإضافة، وتخفض ما بعدها إذا كانت حرفا، وإذا كانت فعلا رفعت ما بعدها بفعله أو نصبته لتعدّيها إليه. وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا مفعولان، وواحد الشّيع شيعة وهي الفرقة التي يشيّع بعضها بعضا أي يعاونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2311>[سورة القصص (٢٨): آية ٥]</span>\nوَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥)\nقال سعيد عن قتادة قال: هم بنو إسرائيل. وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً قال: ولاة الأمر وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ قال: أي من بعد فرعون وقومه.\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٦) .","vol":"3","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2312>[سورة القصص (٢٨): آية ٦]</span>\nوَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)\nوَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ عطف على ما قبله. قال أبو إسحاق: ويجوز و«نمكّن» بالرفع على معنى ونحن نمكّن وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ هذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم، وهي على نسق الكلام لأن قبله و«نريد»، وقرأ سائر الكوفيين ويرى فرعون وهامان «١» وأجاز الفراء ويرى فرعون وهامان بمعنى ويري الله فرعون وهامان وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ تعدّى إلى مفعولين لأنه متعدّي يرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2313>[سورة القصص (٢٨): آية ٧]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)\nوَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على النون وحذفتها لقربها من الساكن، وأن النون كانت قبلها ساكنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2314>[سورة القصص (٢٨): آية ٨]</span>\nفَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨)\nنصب «ليكون» بلام كي، وربما أشكل هذا على من يجهل اللغة ويكون ضعيفا في العربية فقال: ليست بلام كي ولقبها بما لا يعرف الحذّاق من النحويين أصله، وهذا كثير في كلام العرب، يقال: جمع فلان المال ليهلكه، وجمعه لحتفه، وجمعه ليعاقب عليه، لمّا كان جمعه إيّاه قد أدّاه إلى ذلك كان بمنزلة من جمعه له كما قال:\n[المتقارب] ٣٢٥-\nفللموت ما تلد الوالدة «٢»\nوقرأ الكوفيون إلّا عاصما لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا «٣» فهذا الاسم للغمّ، والحزن مصدر حزن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2315>[سورة القصص (٢٨): آية ٩]</span>\nوَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩)\nوَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ قال الكسائي: المعنى هذا قرّة عين لي ولك. قال أبو جعفر: وفي رفعه وجه آخر بعيد ذكره أبو إسحاق: يكون رفعا بالابتداء\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٣٨، والبحر المحيط ٧/ ١٠٠.\n(٢) مرّ الشاهد (١٣٦) .\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٩٢، والبحر المحيط ٧/ ١٠١.","vol":"3","page":156},{"text":"والخبر لا تَقْتُلُوهُ وإنما بعد لأنه يصير المعنى: أنه معروف بأنه قرّة عين له، وجوازه أن يكون المعنى إذا كان قرّة عين لي ولك فلا تقتلوه، ويجوز النصب بمعنى: لا تقتلوا قرّة عين لي ولك. وقالت: لا تقتلوه ولم تقل: نقتله، وهي تخاطب فرعون كما يخاطب الجبّارون وكما يخبرون عن أنفسهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يكون لبني إسرائيل، ويجوز أن يكون لقوم فرعون أي لا يشعرون أنه يسلبهم ملكهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2316>[سورة القصص (٢٨): آية ١٠]</span>\nوَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)\nوَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا قد ذكرناه، وعن فضالة بن عبيد وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا «١» إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ من بدا يبدو إذا ظهر، وعن ابن مسعود قال:\nكانت تقول: أنا أمّة. قال الفراء «٢»: أي إن كادت لتبدي باسمه لضيق صدرها. لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها «أن» في موضع رفع وحذف الجواب لأنه قد تقدّم ما يدلّ عليه ولا سيما وبعده لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2317>[سورة القصص (٢٨): آية ١٢]</span>\nوَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢)\nالْمَراضِعَ جمع مرضع على جمع التكسير، ومن قال: مراضيع فهو جمع مرضاع ومفعال تكون للتكثير، ولا تدخل الهاء فيه فرقا بين المذكّر والمؤنث لأنه ليس بجار على الفعل ولكن من قال: مرضاعة جاء بالهاء للمبالغة، كما يقال: مطرابة. قال الفراء: تدخل الهاء فيما كان مدحا يراد به الداهية وفيما كان ذما يراد به البهيمة. وهذا القول خطأ عند البصريين، ولو كان كما قال لكانت الهاء للتأنيث. مِنْ قَبْلُ غاية ومعنى غاية أنه صار غاية الاسم لما حذف منه. قال محمد بن يزيد: فأعطي الضمّة لأنها غاية الحركات، وقال غيره: أعطي الضمّة لأنها لا تلحقه في حال السلامة. قال أبو إسحاق: التقدير من قبل أن نردّه إليها فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ «يكفلونه» ليس بجواب، ولكن يكون مقطوعا من الأول، أو في موضع نعت لأهل.\nوَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ليس «له» متعلقا بناصحين فلو كان ذلك لكان تفريقا بين الصلة والموصول. وقد ذكرناه في «سورة الأعراف» «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2318>[سورة القصص (٢٨): آية ١٤]</span>\nوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٠٣، والمحتسب ٢/ ١٤٧، والبحر المحيط ٧/ ١٠٢.\n(٢) معاني الفراء ٢/ ٣٠٣.\n(٣) انظر إعراب الآية ٢١- الأعراف.","vol":"3","page":157},{"text":"وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ عند سيبويه «١» جمع شدّة، وقال غيره: هو جمع شدّ، وقيل: هو واحد، وحكى أبو إسحاق في غير هذه السورة أنّه لا يعرف في كلام العرب اسم واحد على أفعل بغير هاء إلا أشدّ وهو وهم، وقد حكى أهل اللغة إصبع. قال أبو إسحاق:\nوتأويل بلغ أشدّه استكمل نهاية قوة الرجل. وَاسْتَوى أهل التفسير منهم ابن عباس على أنّ معنى واستوى بلغ أربعين سنة، وتأوّله أبو إسحاق: على أنه يجوز أن يكون حقيقة واستوى وصف بلوغ الأشدّ. آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا العالم والحكيم هو الذي يعمل بعلمه وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ قال أبو إسحاق: فجعل إتيان العلم والحكمة جزاء الإحسان لأنهما يؤدّيان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2319>[سورة القصص (٢٨): آية ١٥]</span>\nوَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)\nوَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها أكثر أهل التفسير منهم ابن عباس على أنه دخل نصف النهار، وقال الضحاك: طلب أن يدخل المدينة وقت غفلة أهلها فدخلها حين علم منهم ذلك فكان منه ما كان من قتل الرجل من قبل أن يؤمر بقتله فاستغفر ربه فغفر له. ويقال في الكلام: دخلت المدينة حين غفل أهلها، ولا يقال: على حين غفل أهلها، ودخلت «على» في هذه الآية لأنّ الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول:\nجئت على غفلة، وإن شئت قلت: جئت على حين غفلة فكذا الآية. فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ ابتداء وخبر. والمعنى: إذا نظر إليهما الناظر قال: هذا من شيعته أي من بني إسرائيل. وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ أي من قوم فرعون. وعدوّه بمعنى أعداء، وكذا يقال في المؤنّث: هي عدو لك. ومن العرب من يدخل الهاء في المؤنث لأنه بمعنى معادية عند البصريين وعند الكوفيين لأن الواو خفيّة، كذا يقولون. والواو ليست بخفيّة بل هي حرف جلد. إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ خبر بعد خبر، وإن شئت كان «مضلّ مبين» نعتا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2320>[سورة القصص (٢٨): آية ١٧]</span>\nقالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)\nفيه قولان: أحدهما أنه بمعنى الدعاء، وهذا قول الكسائي والفراء، وقدّره الفراء «٢» بمعنى اللهمّ فلن أكون ظهيرا للمجرمين، والقول الآخر أنه بمعنى الخبر، وزعم الفراء أن قوله «هو» قول ابن عباس. قال أبو جعفر: وأن يكون بمعنى الخبر أولى وأشبه بنسق الكلام، كما يقال: لا أعصيك لأنّك أنعمت عليّ، وهذا قول ابن عباس على الحقيقة لا ما حكاه الفراء «٣» لأن ابن عباس قال: لم يستثن فابتلي،\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٦٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ٥/ ٣٠٤.\n(٣) انظر معاني الفراء ٥/ ٣٠٤.","vol":"3","page":158},{"text":"والاستثناء لا يكون في الدعاء، لا تقول: اللهمّ اغفر لي إن شئت. وأعجب الأشياء أن الفراء روى أن ابن عباس قال هذا ثم حكى عنه قوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2321>[سورة القصص (٢٨): آية ١٨]</span>\nفَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)\nفَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ منصوب على خبر أصبح، وإن شئت على الحال ويكون الظرف في موضع الخبر، قال الضحاك: خاف أن يراه أحد أو يظهر عليه قال:\nويَتَرَقَّبُ يتلفّت. فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ «الذي» في موضع رفع بالابتداء يَسْتَصْرِخُهُ في موضع الخبر ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال «وأمس» إذا دخلت عليه الألف واللام تمكّن وأعرب عند أكثر النحويين، ومنهم من يبنيه وفيه الألف واللام، وإذا أضيف أو نكر تمكّن أيضا. والعلّة في بنائه عند محمد بن يزيد أنّ تعريفه ليس كتعريف المتمكّنات فوجب أن يبنى ولا يعرب فكسر آخره لالتقاء الساكنين، ومذهب الخليل ﵀ أن الياء محذوفة منه. وللكوفيين فيه قولان: أحدهما أنه منقول من قولهم: أمس بخير. والآخر أن خلقة السين الكسر، هذا قول الفراء، وحكى سيبويه «١» وغيره أنّ من العرب من يجري أمس مجرى ما لا ينصرف في موضع الرفع خاصة، وربّما اضطرّ الشاعر ففعل هذا في الخفض والنصب كما قال: [الرجز] ٣٢٦-\nلقد رأيت عجبا مذ أمسا «٢»\nفخفض بمذ فيما مضى واللغة الجيّدة الرفع وأجرى «أمس» في الخفض مجراه في الرفع على اللغة الثانية. قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ والغويّ الخائب أي لأنك تشار من لا تطيقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2322>[سورة القصص (٢٨): آية ١٩]</span>\nفَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)\nفَلَمَّا أَنْ أَرادَ «أن» زائدة للتوكيد. وقرأ يزيد بن القعقاع أَنْ يَبْطِشَ «٣» وهي لغة إلّا\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٣١٥.\n(٢) الشاهد بلا نسبة في الكتاب ٣/ ٣١٥، وأسرار العربية ٣٢، وأوضح المسالك ٤/ ١٣٢، وخزانة الأدب ٧/ ١٦٧، والدرر ٣/ ١٠٨، وشرح الأشموني ٢/ ٥٣٧، وشرح التصريح ٢/ ٢٢٦، وشرح قطر الندى ص ١٦، وشرح المفصّل ٤/ ١٠٦، ولسان العرب (أمس)، وما ينصرف وما لا ينصرف ص ٩٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٥٧، ونوادر أبي زيد ٥٧، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٩، وجمهرة اللغة ٨٤١. وبعده:\n«عجائزا مثل السعالى خمسا»\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ١٠٦، وهي قراءة الحسن وأبي جعفر.","vol":"3","page":159},{"text":"أنّ يَبْطِشَ «١» أعرف منها، وإن كان الضمّ أقيس، لأنه فعل لا يتعدّى. إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ قال عكرمة: لا يكون الإنسان جبّارا حتى يقتل نفسين. قال أبو إسحاق:\nالجبّار في اللغة المتعظّم الذي لا يخضع لأمر الله جلّ وعزّ وإنما تأول عكرمة في قتل النفسين- الآية كما تأول عطاء «فلن أكون ظهيرا للمجرمين» على أنه لا يحلّ لأحد أن يعين ظالما، ولا يكتب له، ولا يصحبه، وإنه إن فعل شيئا من ذلك فقد صار معينا للظالمين حتى قال لمن استفتاه: ارم قلمك واسترزق الله جلّ وعزّ ولا تكن ظهيرا للمجرمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2323>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٢]</span>\nوَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢)\nوَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قال أبو إسحاق: أي سلك الطريق الذي هو تلقاء مدين، قال: ولم ينصرف مدين لأنه اسم للبقعة. قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ قال أبو إسحاق: وسواء السبيل قصد السبيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2324>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٣]</span>\nوَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)\nوَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ فقد ذكرنا قول ابن عباس: إن معنى تذودان تحبسان، وذلك معروف في اللغة يقال: ذاده يذوده إذا حبسه، وإذا قاده، لأن معنى قاده حبسه على ما يريد، وإنما كانتا تحبسان غنمهما لأنهما لا طاقة لهما بالسّقي وكانت غنمهما تطرد عن الماء. قالَ ما خَطْبُكُما مبتدأ وخبره قال أبو إسحاق: والمعنى ما تريدان بذود غنمكما عن الماء. قالَتا لا نَسْقِي أي لا نقدر على السّقي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ قراءة أهل الكوفة وأهل الحرمين إلا أبا جعفر فإنه قرأ حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ «٢» وكذا قرأ أبو عمرو. فمعنى القراءة الأولى حتى يصدر الرعاة مواشيهم، ومعنى الثانية حتى ينصرف الرعاء فأفادت القراءتان معنيين وهما حسنان إلّا أنّ «يصدر» أشبه بالمعنى، وزعم أبو حاتم أنّ المعنى حتى يصدروا مواشيهم. قال: ولم يرد حتى ينصرفوا إن شاء الله و«الرعاء» جمع راع كما تقول: صاحب وصحاب. قال يعقوب:\nوذكر لي في لغة الرّعاء بضم الراء، وأنكر أبو حاتم هذه اللغة، وقال: إذا ضممت الراء لم تقل: إلّا الرّعاة بالهاء والذي أنكره لا يمتنع، كما يقال: غاز وغزّاء وغزّا بالمدّ والقصر. وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ قال أبو إسحاق: الفائدة في «وأبونا شيخ» أنه لا يمكنه أن يحضر فيسقي فاحتجنا ونحن نساء أن نخرج فنسقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2325>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٤]</span>\nفَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)\n_________\n(١) هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ٧/ ١٠٦. [.....]\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ١٠٨، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٩٢.","vol":"3","page":160},{"text":"فَسَقى لَهُما أي قبل الوقت الذي كانتا تسقيان فيه. ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ وهو في اللغة ما ليس عليه شمس، والفيء ما كانت عليه شمس ثم زالت. فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لقد قال موسى ﷺ ربّ إنّني لما أنزلت إليّ من خير فقير، وما أحد من الخلق أكرم على الله جلّ وعزّ منه ولقد افتقر إلى شقّ تمرة فمصّها فلزق بطنه بظهره من الجوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2326>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٥]</span>\nفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)\nفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قال عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب قال: جاءت وقد جعلت كم قميصها على وجهها أو كمّ درعها. قال أبو إسحاق: ويقال: جاءت تمشي مشي من لم يعتد الدخول والخروج مستحيية، قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وفي الكلام حذف أي: فأجابها ومضى معها. فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ حذفت الضمّة من الفاء للجزم، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2327>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٦]</span>\nقالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)\nإِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ أي من قوي على عملك وأدّى فيه الأمانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2328>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٨]</span>\nقالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)\nقالَ ذلِكَ في موضع رفع بالابتداء. بَيْنِي وَبَيْنَكَ في موضع الخبر، والتقدير عند سيبويه: بيننا، وأعيدت الثانية توكيدا. أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ نصب بقضيت و«ما» زائدة فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ تبرية، ويجوز فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ من جهتين: إحداهما أن تكون «لا» عاملة كليس، والأخرى أن يكون «عدوان» مرفوعا بالابتداء، و«عليّ» الخبر، كما تقول:\nلا زيد في الدار ولا عمرو. وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ابتداء وخبر. قال أبو إسحاق:\nوالمعنى: والله شهيدنا على ما عقد بعضنا على بعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2329>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٩]</span>\nفَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)\nوقرأ عاصم: أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ بفتح الجيم، وروي عن الأعمش أو جذوة «١» بضم الجيم.\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٩٣، والبحر المحيط ٧/ ١١١، وهذه قراءة مسلمة أيضا.","vol":"3","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2330>[سورة القصص (٢٨): آية ٣٠]</span>\nفَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠)\nوعن الأشهب العقيلي فِي الْبُقْعَةِ بفتح الباء، وهي لغات، وقولهم بقاع يدلّ على بقعة، كما يقال: جفنة وجفان، ومن قال: بقعة قال: في الجمع بقع مثل غرفة وغرف. قال أبو إسحاق: ويجوز بقعة وبقاع مثل جفرة وجفار. قال: وأَنْ في موضع نصب بمعنى أنّه يا مُوسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2331>[سورة القصص (٢٨): آية ٣١]</span>\nوَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)\nقال: وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ عليها. وَلَّى مُدْبِرًا على الحال. وَلَمْ يُعَقِّبْ أي لم يلتفت، والتقدير قيل له يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ قال وهب: قيل له: ارجع إلى حيث كنت فرجع فلفّ درّاعته على يده فقال له الملك: أرأيت إن أراد الله أن يصيبك بما تحاذر أينفعك لفّك يدك فقال: لا ولكنّي ضعيف خلقت من ضعف وكشف يده فأدخلها في فم الحيّة فعادت عصا. قال إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ مما تحاذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2332>[سورة القصص (٢٨): آية ٣٢]</span>\nاسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٣٢)\nوَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ يكون التقدير: ولّى مدبرا من الرّهب أو لفّ يده من الرّهب وعن ابن كثير والجحدريّ مِنَ الرَّهْبِ «١» بضم الراء والهاء، وعن قتادة مِنَ الرَّهْبِ «٢» بفتح الراء وإسكان الهاء على أصل المصدر. فَذانِكَ بُرْهانانِ ابتداء وخبر، ومن قرأ فذانّك «٣» فله تقديران: منها أنه ثنّى ذلك فقال: ذانّك ومن قال: ذانك وقيل: تشديد النون عوض من الألف التي حذفت من «ذا» وكذا وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ [النساء: ١٦]، وكذا هذانِ خَصْمانِ [الحج: ١٩]، وهذا القول الثاني قول أبي حاتم، وقيل: تشديد النون للفرق بين النون التي لا تقع معها إضافة فتحذف وبين النون المحذوفة في الإضافة، فأما فذاناك وفذانيك فلا وجه لهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2333>[سورة القصص (٢٨): آية ٣٤]</span>\nوَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ١١٢، والبحر المحيط ٧/ ١١٢ وتيسير الداني ١٣٩.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٣٩.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٣٩، والبحر المحيط ٧/ ١١٣.","vol":"3","page":162},{"text":"فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا نصب على الحال ومعنى «ردء» معين مشتق من أردأته أي أعنته، وقد حكي ردأته ردءا. وجمع ردء أرداء، ومن خفف الهمزة حذفها وألقى حركتها على الدال، فقال: فأرسله معي ردّا. يُصَدِّقُنِي «١» وقرأ عاصم وحمزة يُصَدِّقُنِي بالرفع يكون نعتا لردء ويكون حالا. قال أبو إسحاق: ومن جزم فعلى جواب السؤال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2334>[سورة القصص (٢٨): آية ٣٨]</span>\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨)\nقال الفراء: والصرح كلّ بناء متّسع وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ فالظنّ هاهنا شكّ فكفر على الشكّ لأنه قد رأى من البراهين ما لا يخيل على ذي فطنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2335>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٣]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)\nبَصائِرَ نصب على الحال، والتقدير ولقد آتينا موسى الكتاب بصائر أي مبيّنا وَهُدىً وَرَحْمَةً عطف على بصائر، ويجوز الرفع بمعنى فهو هدي ورحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2336>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٤]</span>\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ أقيمت الصّفة مقام الموصوف أي بجانب الجبل الغربي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2337>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٦]</span>\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)\nوَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ نصب على المصدر، كذا عند الأخفش قال: ولكن رحمك ربّك رحمة، وعند أبي إسحاق مفعول من أجله أي للرّحمة، وعند الكسائي على خبر كان. قال: ويجوز الرفع بمعنى ولكن هي رحمة. قال أبو إسحاق: الرفع بمعنى ولكن فعل ذلك رحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2338>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٧]</span>\nوَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)\nفَنَتَّبِعَ جواب لَوْلا أي هيلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2339>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٩]</span>\nقُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٣٩، والبحر المحيط ٧/ ١١٣.","vol":"3","page":163},{"text":"قال الفراء «١» بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ بالرفع لأنه صلة للكتاب وكتاب نكرة. قال: وإذا جزمت وهو الوجه فعلى الشرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2340>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nأُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)\nأُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ابتداء وخبر. قال أبو العالية: هؤلاء قوم من أهل الكتاب آمنوا بمحمد ﷺ قبل أن يبعث وقد أدركه بعضهم. قال محمد بن إسحاق: سألت الزّهري عن قوله جلّ وعزّ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ من هم، فقال: النجاشي وأصحابه، ووجّه باثني عشر رجلا فجلسوا مع النبيّ ﷺ وكان أبو جهل وأصحابه قريبا منهم فآمنوا بالنبيّ ﷺ فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه فقالوا لهم خيّبكم الله من ركب، وقبحكم من وفد لم تلبثوا أن صدقتموه، ما رأينا ركبا أحمق ولا أجهل منكم، فقالوا: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لم نأل أنفسنا رشدا لنا أعمالنا ولكن أعمالكم وَيَدْرَؤُنَ من درأت أي دفعت أي يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن الأذى، وقيل يدفعون بالتوبة والاستغفار الذنوب. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فأثنى عليهم بأنهم ينفقون من أموالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2341>[سورة القصص (٢٨): آية ٥٧]</span>\nوَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)\nشرط ومجازاة. تجبى إليه ثمرات كلّ شيء «٢» على تأنيث الجماعة ويُجْبى على تذكير الجمع، وثمرات جمع ثمرة، وثمر جمعه ثمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2342>[سورة القصص (٢٨): آية ٥٨]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨)\nوَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها منصوب عند المازني بمعنى في معيشتها فلما حذف «في» تعدّى الفعل، وهو عند الفراء «٣» منصوب على التفسير، قال: كما تقول: أبطرك مالك وبطرته، ونظيره عنده إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠]، وكذا عنده فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا [النساء: ٤] ونصب المعارف على التفسير محال عند البصريين لأن معنى التفسير والتمييز أن يكون واحدا نكرة يدلّ على الجنس.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٠٧.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٣٩، والبحر المحيط ٧/ ١٢١ وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٩٤.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٠٨.","vol":"3","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2343>[سورة القصص (٢٨): آية ٦١]</span>\nأَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)\nقال مجاهد: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ حمزة بن عبد المطلب كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا أبو جهل بن هشام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2344>[سورة القصص (٢٨): آية ٦٤]</span>\nوَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)\nوَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ. قال أبو إسحاق: جواب «لو» محذوف، والمعنى: لو أنّهم كانوا يهتدون لما اتّبعوهم، ولما رأوا العذاب، وقال غيره: التقدير:\nلو أنهم كانوا يهتدون لأنجاهم الهدى ولما صاروا إلى العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2345>[سورة القصص (٢٨): آية ٦٦]</span>\nفَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦)\nفَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ أي تحيّروا فلم يدروا ما يجيبون به لمّا سئلوا، فقيل لهم: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2346>[سورة القصص (٢٨): آية ٦٨]</span>\nوَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)\nوَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال علي بن سليمان: هذا وقف التمام ولا يجوز أن يكون «ما» في موضع نصب بيختار لأنها لو كانت في موضع نصب لم يعد عليها شيء قال: وفي هذا رد على القدرية، وقال أبو إسحاق: «ويختار» هذا وقف التمام المختار، قال: ويجوز أن يكون «ما» في موضع نصب بيختار، ويكون المعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2347>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧١ الى ٧٢]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢)\nأَفَلا تَسْمَعُونَ أي أفلا تقبلون، وبعده أَفَلا تُبْصِرُونَ أي أفلا تتبيّنون هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2348>[سورة القصص (٢٨): آية ٧٥]</span>\nوَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)\nوَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا قيل معناه من كلّ قرن وفي كل أمة قوم يكونون عدولا يشهدون على الناس يوم القيامة بأعمالهم. فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي حجّتكم بما كنتم تدينون به فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ أي أنّ الحق ما في الدنيا. وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي ما كانوا يدعون من دون الله، وقد قال جلّ وعزّ قبل هذا: وَقِيلَ ادْعُوا","vol":"3","page":165},{"text":"شُرَكاءَكُمْ\n[القصص: ٦٤] أي الذين جعلتموهم مع الله جلّ وعزّ شركاؤكم لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم، وهذا على جهة التوبيخ أي ادعوهم لينجوكم مما أنتم فيه، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم أي فلم ينجّوهم ولم يعينوهم، فهذا معنى وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2349>[سورة القصص (٢٨): آية ٧٦]</span>\nإِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)\nإن «قارون» لم ينصرف، لأنه اسم أعجميّ وما كان على فاعول أعجميا لا يحسن فيه الألف واللام لم ينصرف في المعرفة وانصرف في النكرة فإن حسنت فيه الألف واللام انصرف إن كان اسما لمذكر نحو طاوس وراقود. قال أبو إسحاق: ولو كان قارون من العربية من قرنت الشيء لانصرف. وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ إنّ واسمها في صلة «ما» قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: ما أقبح ما يقول الكوفيون في الصلاة أنه لا يجوز أن يكون صلة الذي وأخواته «أنّ» وما علمت فيه وفي القرآن «ما أن مفاتحه» . وهو جمع مفتح، ومن قال: مفتاح قال: مفاتيح لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أحسن ما قيل فيه أن المعنى لتنيء العصبة أي تميلهم من ثقلها. كما يقال:\nذهبت به وأذهبته، وجئت به وأجأته، وأنأته ونؤت به. فأما قولهم: له عندي ما ساءه وناءه فهو إتباع كان يجب أن يقال: وأناءه ومثله يقال: هنأني الشيء ومرأني وأخذه ما قدم وما حدث. إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ تأوله الفراء «١» على أن موسى ﷺ هو الذي قال له وحده فجمع، ومثله عنده الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ [آل عمران: ١٧٣] وإنما هو نعيم ابن مسعود رجل من أشجع وحده. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول:\nغير هذا، وينكر ما قال الفراء لأنه بطلان البيان. قال: وإنما هذا على أن نعيما قاله ومن يذهب مذهبه. لا تَفْرَحْ تأوله أبو إسحاق على أنّ المعنى لا تفرح بالمال لأنّ الفرح لا يؤدي فيه الحق. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ فرّق الفراء «٢» بين الفرحين والفارحين، وزعم أن الفرحين الذين هم في حال الفرح وأن الفارحين الذين يفرحون في المستقبل، وزعم أن مثله طمع وطامع وميّت ومائت، وبذلك على خلاف ما قال قول الله جلّ وعزّ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] ولم يقل: مائت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2350>[سورة القصص (٢٨): آية ٧٨]</span>\nقالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)\nقالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي تأوله الفراء «٣» على معنيين: أحدهما على فضل عندي، والآخر على علم فيما رأى، كما تقول: هذا كذا عندي، وقال أبو إسحاق:\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣١١.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣١١.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣١١.","vol":"3","page":166},{"text":"المعنى: إنما أوتيته على علم بالتوراة، لأنه كان عالما بها وأنكر قول من قاله إنه كان يعمل الكيمياء، قال: لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2351>[سورة القصص (٢٨): آية ٨٢]</span>\nوَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)\nأحسن ما قيل في هذا قول الخليل ﵀ ويونس وسيبويه والكسائي: إنّ القوم تنبّهوا أو نبّهوا فقالوا وي، والمتندّم من العرب يقول في حال تندّمه: وي، وحكى الفراء «١»: أن بعض النحويين قال: إنّها ويك أي ويلك ثم حذفت اللام. قال أبو جعفر: وما أعلم جهة من الجهات إلّا هذا القول خطأ منها فمن ذلك أن المعنى لا يصحّ عليه لأن القوم لم يخاطبوا أحدا فيقولوا له ويلك، وكان يجب على قوله أن يكون «إنّه» بكسر «إنّ» لأن جميع النحويين يكسرون أنّ بعد ويلك، وأيضا فإنّ حذف اللام من ويل لا يجوز، وأيضا فليس يكتب: هذا ويك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2352>[سورة القصص (٢٨): آية ٨٣]</span>\nتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)\nوَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قال الضحّاك: الجنّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2353>[سورة القصص (٢٨): آية ٨٤]</span>\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها قال عكرمة: ليس شيء خيرا من «لا إله إلّا الله»، وإنما المعنى: من جاء بلا إله إلا الله، فله خير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2354>[سورة القصص (٢٨): آية ٨٨]</span>\nوَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)\nكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ استثناء. قال أبو إسحاق: ولو كان في غير القرآن لجاز إلا وجهه بمعنى كلّ شيء غير وجهه هالك، كما قال: [الوافر] ٣٢٧-\nوكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان «٢»\nوالمعنى: وكلّ أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بمعنى وترجعون إليه.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣١٢.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٢٠٥) . [.....]","vol":"3","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2355>٢٩ شرح إعراب سورة العنكبوت</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2356>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢)\nأَنْ الأولى في موضع نصب بحسب وهي وصلتها مقام المفعولين على قول سيبويه وأَنْ الثانية في موضع نصب على إحدى جهتين بمعنى لأن يقولوا وبأن يقولوا وعلى أن يقولوا، والجهة الأخرى أن يكون التقدير أحسبوا أن يقولوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2357>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣]</span>\nوَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣)\nفَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ فيه قولان: أحدهما أن يكون صدقوا مشتقّا من الصدق، والكاذبين مشتقّا من الكذب الذي هو ضدّ الصدق، ويكون المعنى:\nفليبيننّ الله الذين صدقوا، فقالوا نحن مؤمنون واعتقدوا مثل ذلك، والذين كذبوا حين اعتقدوا غير ذلك وصدقوا في قولهم نحن نصبر ونثبت مع النبيّ ﷺ في الحرب ويعلم الذين كذبوا، والقول الآخر أن يكون صدقوا مشتقّا من الصدق، وهو الصلب، والكاذبين من كذب إذا انهزم، فيكون المعنى: فليعلمنّ الله الذين ثبتوا في الحرب والذين انهزموا، كما قال: [البسيط] ٣٢٨-\nليث بعثر يصطاد الرّجال إذا ... ما الّليث كذّب عن أقرانه صدقا «١»\nوجعلت فليعلمنّ في موضع ليبيّننّ مجازا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2358>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤]</span>\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤)\nساءَ ما يَحْكُمُونَ قدّر أبو إسحاق «ما» تقديرين أحدهما أن تكون في موضع\n_________\n(١) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ٥٤، ولسان العرب (كذب) و(عثر)، والتنبيه والإيضاح ٢/ ١٦١، وتهذيب اللغة ١٠/ ١٧٤، وجمهرة اللغة ٤٢١، وتاج العروس (كذب)، و(عثر)، وبلا نسبة في ديوان الأدب ١/ ٨٤.","vol":"3","page":168},{"text":"نصب بمعنى: ساء شيئا يحكمون، والتقدير الآخر أن يكون «ما» في موضع رفع بمعنى ساء الشيء حكمهم وقدرها أبو الحسن بن كيسان تقديرين آخرين سوى ذينك: أحدهما أن يكون «ما» مع يحكمون بمنزلة شيء واحد، كما تقول:\nأعجبني ما صنعت أي صنيعك، قال: وإن قلت ساء صنيعك لم يجز، والتقدير الآخر أن يكون «ما» لا موضع لها من الإعراب وقد قامت مقام الاسم لساء، وكذا نعم وبئس. قال أبو الحسن بن كيسان: وأنا أختار أن أجعل لما موضعا في كلّ ما أقدر عليه نحو قول الله جلّ وعزّ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١٥٩]، وكذا فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [النساء: ١٥٥]، وكذا: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ [القصص: ٢٨] «ما» في موضع خفض في هذا كلّه وما بعدها تابع لها، وكذا إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً [البقرة: ٢٦] «ما» في موضع نصب وبعوضة تابعة لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2359>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥]</span>\nمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)\nمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أهل التفسير على أنّ المعنى: من كان يخاف الموت فليفعل عملا صالحا فإنه لا بدّ أن يأتيه، و«من» في موضع رفع بالابتداء، و«كان» في موضع الخبر وفي موضع جزم بالشرط و«يرجو» في موضع خبر كان، والمجازاة فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2360>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٨]</span>\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا قال أبو إسحاق: مثل ووصينا الإنسان بوالديه ما يحسن، قال: رويت إحسانا، والمعنى: ووصّينا الإنسان بوالديه أن يحسن إليهما إحسانا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2361>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١١]</span>\nوَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١)\nقيل: معناه يبيّن أمرهم لأن المبيّن للأمر هو العالم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2362>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٢]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا قال أبو إسحاق: أي الطريق الذي نسلكه في ديننا. وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ قال: هو أمر في تأويل شرط وجزاء أي إن تتّبعوا سبيلنا حملنا خطاياكم، كما قال: [الوافر]","vol":"3","page":169},{"text":"٣٢٩-\nفقلت ادعي وأدعو إنّ أندى ... لصوت أن ينادي داعيان «١»\nأي: إن دعوت دعوت، ويجوز «وليحمل» بكسر اللام وهو الأصل إلّا أن الكسرة حذفت استخفافا، حقيقة المعنى: - والله أعلم- اتّبعوا سبيلنا ونحن لكم بمنزلة المأمورين في حمل خطاياكم إن كانت لكم خطايا كما تقول: قلّدني وزر هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2363>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٣]</span>\nوَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)\nوَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ جمع ثقل، والثقل في الأذن، وربما دخل أحدهما على الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2364>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٤]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤)\nفي الكلام حذف، والمعنى: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ليدعوهم إلى الإيمان فدعاهم إليه ألف سنة إلّا خمسين عاما، وأظهر البراهين فكذبوه، ودلّ على هذا الحذف فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ وإنّ هذه القصة قد ذكرت في غير موضع من القرآن أَلْفَ سَنَةٍ منصوب على الظرف إِلَّا خَمْسِينَ منصوب على الاستثناء من الموجب وهو عند سيبويه بمنزلة المفعول لأنه مستثنى عنه كالمفعول، وعند الفراء «٢» بإن لأنها عنده «إن» دخلت عليها «لا» فالنصب عنده بإن، والرفع عنده بلا إذا رفعت. فأما أبو العباس محمد بن يزيد فهو عنده مفعول محض كأنك قلت عنده: استثنيت زيدا. قال أبو جعفر: ورأيت أبا إسحاق يذهب إلى أن قول أبي العباس هذا خطأ، ولا يجوز عنده فيه إلّا ما قال سيبويه. ونملي كلام أبي إسحاق في الاستثناء الذي ذكره في الآية نصّا لحسنه، وأنه قد شرح فيه أشياء من هذا الباب. قال أبو إسحاق: «الاستثناء في كلام العرب توكيد العدد وتحصيله» لأنك قد تذكر الجملة ويكون الحاصل أكثرها فإذا أردت التوكيد في تمامها قلت كلّها وإذا أردت التوكيد في نقصانها أدخلت فيها الاستثناء تقول: جاءني إخوتك، تعني أنّ جميعهم جاءك، وجائز أن تعني أن أكثرهم قد جاءك\n_________\n(١) الشاهد للأعشى في الكتاب ٣/ ٤٧، والدرر ٤/ ٨٥ والرّد على النحاة ص ١٢٨، وليس في ديوانه، وللفرزدق في أمالي القالي ٢/ ٩٠، وليس في ديوانه، ولدثار بن شيبان النمري في الأغاني ٢/ ١٥٩، وسمط اللآلي ص ٧٢٦، ولسان العرب (ندى) وللأعشى أو للحطيئة أو لربيعة بن جشم في شرح المفصل ٧/ ٣٥، ولأحد هؤلاء الثلاثة أو لدثار بن شيبان في شرح التصريح ٢/ ٢٣٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٢٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٢، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ٢/ ٨٦٤، والإنصاف ٢/ ٥٣١، وأوضح المسالك ٤/ ١٨٢، ومغني اللبيب ١/ ٣٩٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٣.\n(٢) انظر الإنصاف المسألة (٣٤)، وهمع الهوامع ١/ ٢٢٤.","vol":"3","page":170},{"text":"وإذا قلت: جاءني إخوتك كلّهم أكّدت معنى الجماعة وأعلمت أنه لم يتخلّف منهم أحد وتقول: جاءني إخوتك إلّا زيدا فتؤكد أن الجماعة تنقص زيدا، وكذلك رؤوس الأعداد تشبّه بالجماعات، تقول: عندي عشرة فجائز أن تكون ناقصة وجائز أن تكون تامة فإذا قلت: عندي عشرة إلّا نصفا أو عشرة كاملة أعلمت تحقيقها، وكذلك إذا قلت: لبث ألفا إلّا خمسين فهو كقولك: عشرة إلّا نصفا لأنك استعملت الاستثناء فيما كان أملك بالعشرة من التّسعة لأن النصف قد دخل في باب العاشر ولو قلت: عشرة إلّا واحدا أو إلّا اثنين كان جائزا وفيه قبح لأن تسعة وثمانية يؤدّي عن ذلك العدد ولكنه جائز من جهة التوكيد إنّ هذه التسعة لا تزيد ولا تنقص لأن قولك: عشرة إلّا واحدا قد أخبرت بحقيقة العدد فيه. والاختيار في الاستثناء في الأعداد التي هي عقود الكسور والصّحاح أن يستثنى. فأمّا استثناء نصف الشيء فقبيح جدا لا تتكلّم به العرب فإذا قلت عندي عشرة إلّا خمسة فليس تكون الخمسة مستثناة من العشرة لأنها ليست تقرب منها، وإنما يتكلّم بالاستثناء كما يتكلّم بالنقصان فتقول: عندي درهم ينقص قيراطا فلو قلت:\nعندي درهم ينقص خمسة الدوانيق أو ينقص نصفه كان الأولى بذلك عندي نصف درهم لأن نصف درهم لا يقع عليه اسم درهم وإخوتك يقع على بعضهم اسم الأخوة.\nفَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ مشتق من طاف يطوف، وهو اسم موضع على ما أحاط بالأشياء من غرق أو قتل أو غيرهما وَهُمْ ظالِمُونَ ابتداء وخبر في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2365>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nفَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)\nفَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ معطوف على الهاء. قال الكسائي: وَإِبْراهِيمَ منصوب بأنجينا. يعني أنه معطوف على الهاء، وأجاز أن يكون معطوفا على نوح، والمعنى وأرسلنا إبراهيم، وقول ثالث أن يكون منصوبا بمعنى: واذكر إبراهيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2366>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ١٧]</span>\nإِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)\nإِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا نصب بتعبدون و«ما» كافّة، ولا يجوز أن يكون صلة لأن إنّ لا تقع على الفعل فإن كان بعد «ما» اسم فقلت: إنما زيد جالس، فما أيضا كافة، وأجاز بعض النحويين أن يكون صلة فتقول: إنما زيدا جالس. ويجوز في غير القرآن رفع أوثان على أن تجعل «ما» اسما لأن و«تعبدون» صلتها، وحذفت الهاء لطول الاسم، وجعلت أوثانا خبر إنّ. فأما وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا فهو منصوب بالفعل لا غير.","vol":"3","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2367>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٢]</span>\nوَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢)\nوَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ذكر أبو إسحاق فيه قولين: أحدهما أن المعنى: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا أهل السماء، والآخر ولا لو كنتم في السماء. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد قال:\nالمعنى وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا من في السماء على أن من ليست موصولة ولكن يكون نكرة ويكون في السماء من نعتها، ثم أقام النعت مقام المنعوت. قال أبو إسحاق: وهذا خطأ لأن من إذا كانت نكرة فلا بد من نعتها فقد صار بمنزلة الصلة لها فلا يجوز حذف الموصول وإبقاء الصلة وكذا نعتها إذا كان بمنزلة الصلة، ولكن الناس خوطبوا بما يعرفون، وعندهم أنه من كان في السماء فالوصول إليه أبعد، فالمعنى وما أنتم بمعجزين في الأرض ولو كنتم في السماء ما أعجزتم، ومثله أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: ٧٨] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2368>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٤]</span>\nفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)\nفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ خبر كان، واسمها إِلَّا أَنْ قالُوا ويجوز رفع «جواب» تجعله اسم كان والخبر أَنْ قالُوا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2369>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٥]</span>\nوَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)\nوَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ «١» بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا هذه قراءة الحسن ومجاهد وأبي عمرو والكسائي. قال أبو إسحاق: وقرئ مودّة بينكم «٢» وقرأ أهل المدينة وعاصم وابن عامر مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ «٣» وقرأ حمزة مودّة بينكم. القراءة الأولى برفع مودة فيها ثلاثة أوجه، ذكر أبو إسحاق منها وجهين: أحدهما أنها مرفوعة على خبر إنّ ويكون ما بمعنى الذي، والتقدير: إنّ الذي اتّخذتموه من دون الله أوثانا مودّة بينكم، والوجه الآخر أن يكون على إضمار مبتدأ أي هي مودّة أو تلك مودّة بينكم.\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٩٨، والبحر المحيط ٧/ ١٤٤.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٤٠.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٤٠.","vol":"3","page":172},{"text":"والمعنى: ألفتكم وجماعتكم مودّة بينكم، والوجه الثالث الذي لم يذكره أن يكون «مودّة» رفعا بالابتداء وفِي الْحَياةِ الدُّنْيا خبره، فأما إضافة مودّة إلى بينكم فإنه جعل بينكم اسما غير ظرف، والنحويون يقولون: جعله مفعولا على السعة، وحكى سيبويه: [الرجز] يا سارق الليلة أهل الدار «١» ولا يجوز أن يضاف إليه وهو ظرف لعلّة ليس هذا موضع ذكرها. والقراءة الثانية على أنه جعل بينكم ظرفا فنصبه. والقراءة الثالثة على أنه نصب مودّة لأنه جعلها مفعولا من أجلها، كما تقول: جئتك ابتغاء العلم وقصدت فلانا مودّة له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2370>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٧]</span>\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)\nوَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا مفعولان قال أبو جعفر: قد ذكرناه وبيّنا معناه وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ليس «في الآخرة» داخلا في الضلة وإنما هو تبيين وقد ذكرناه في غير هذا الموضع بأكثر من هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2371>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٨]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨)\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ قال الكسائي: المعنى: وأنجينا لوطا أو أرسلنا لوطا.\nقال: وهذا الوجه أحبّ إليّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2372>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٩]</span>\nأَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)\nقراءة الكوفيين أَإِنَّكُمْ «٢» في الأولى والثانية على الاستفهام، وكذا قراءة أبي عمرو إلّا أنه يخفّف، وقرأ نافع إنّكم «٣» بغير استفهام في الأولى واستفهم في الثانية. وهذه القراءة على اتّباع السواد، وهي على الإلزام لا على الاستفهام. وكذا قال محمد بن يزيد في قول الشاعر: [الخفيف]:\n٣٣٠-\nثمّ قالوا: تحبّها قلت: بهرا «٤»\n_________\n(١) الرجز بلا نسبة في الكتاب ١/ ٢٣٣، وخزانة الأدب ٣/ ١٠٨، والدرر ٣/ ٩٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٦٥٥، وشرح المفصل ٢/ ٤٥، والمحتسب ٢/ ٢٩٥، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٣.\n(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٩٩، والبحر المحيط ٧/ ١٤٥.\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٤٩٩، والبحر المحيط ٧/ ١٤٥.\n(٤) الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٤٣١، والأغاني ١/ ٨٧، والدرر ٣/ ٦٣، وجمهرة اللغة ٣٣١، والخصائص ٢/ ٢٨١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٦٧، وشرح شواهد المغني ص ٣٩، وشرح المفصل ١/ ١٢١، ولسان العرب (بهر)، وبلا نسبة في الكتاب ١/ ٣٧٢، وأمالي المرتضى ١/ ٣٤٥، وكتاب اللامات ١٢٤، وهمع الهوامع ١/ ١٨٨.","vol":"3","page":173},{"text":"والقراءة الأولى عند أبي عبيد بعيدة للجمع بين الاستفهامين. قال أبو جعفر:\nوليس الأمر كذلك لأن هذا استفهام بعد استفهام وليس ينكر في مثل هذا استفهامان وقد شبّهه بما لا يشبهه ممّا ذكره في هذه السورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2373>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٣]</span>\nوَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣)\nإِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ عطف على الكاف في التأويل، ولا يجوز العطف على موضعها بغير تأويل لئلا يعطف ظاهر مخفوض على مكنيّ. إِلَّا امْرَأَتَكَ استثناء من موجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2374>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٨]</span>\nوَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)\nوَعادًا وَثَمُودَ «١» قال الكسائي: قال بعضهم: هو راجع إلى أول السورة وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... وَعادًا وَثَمُودَ، قال: وأحبّ إليّ أن يكون على فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وأخذت عادا وثمودا. وزعم أبو إسحاق أن التقدير: وأهلكنا عادا وثمودا.\nوَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ فيه قولان: أحدهما أنّ المعنى: وكانوا مستبصرين في الضلالة، والقول الآخر وكانوا مستبصرين أي قد عرفوا الحقّ من الباطل بظهور البراهين. وهذا القول أشبه- والله أعلم- لأنه إنما يقال: فلان مستبصر إذا عرف الشيء على الحقيقة، ومن كفر فلم يعرف الشيء على حقيقته فلا يخلو أمره من إحدى جهتين إمّا أن يكون معاندا وإما أن يكون قد ترك ما يجب عليه من الاستدلال وتعرّف الحقّ، وهو على أحد هذين يعاقب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2375>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٩]</span>\nوَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩)\nوَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ قال الكسائي: إن شئت كان على عاد وكان فيه ما فيه وإن شئت كان على فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ [النمل: ٢٤] وصدّ قارون وفرعون وهامان.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤١.","vol":"3","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2376>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٠]</span>\nفَكُلًاّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)\nفَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ قال الكسائي: «فكلّا» منصوب بأخذنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2377>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤١]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)\nمَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ الكاف في موضع رفع على التأويل، لأنها خبر الابتداء في موضع نصب على الظرف. والعنكبوت مؤنّثة، وحكى الفراء «١» تذكيرها وأنشد: [الوافر] ٣٣١-\nعلى هطّالهم منهم بيوت ... كأنّ العنكبوت هو ابتناها «٢»\nقال أبو جعفر: وفي جمع العنكبوت وجوه يقال: عناكب وعناكيب وعكاب وعكب وأعكب، وقد حكي أنّه يقال: عنكب. وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ قال الضحاك: ضرب مثلا لضعف آلهتهم ووهنها فشبّهها ببيت العنكبوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2378>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٢]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)\nقال: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ.\nأي ما تعبدون من دونه من شيء. قال أبو جعفر: «من» هاهنا للتبعيض ولو كانت زائدة للتوكيد لا نقلب المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2379>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٥]</span>\nاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)\nمذهب أبي العالية أن المعنى إن مما يتلى في الصلاة، والتقدير على هذا إن تلاوة الصلاة مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] . قال أبو جعفر: وقد ذكرنا غير هذا.\nوَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ مذهب الضحّاك أن المعنى: ولذكر الله عند ما يحرم فيترك أجلّ الذكر، وقيل: المعنى: ولذكر الله النهي عن الفحشاء والمنكر أكبر أي كبير، وأكبر يكون بمعنى كبير.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣١٧.\n(٢) الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (عنكب) و(هطل)، وتهذيب اللغة ٣/ ٣٠٩، والمخصص ١٧/ ١٧، وديوان الأدب ١/ ٣٢٩، وتاج العروس (عنكب) و(هطل)، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٣١٧.","vol":"3","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2380>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٦]</span>\nوَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)\nوَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بدل من أهل، ويجوز أن يكون استثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2381>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٨]</span>\nوَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)\nفجعل الله جلّ وعزّ هذا دليلا على نبوته لأنه لا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكّة أهل الكتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك بهذه الأشياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2382>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٩]</span>\nبَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩)\nبَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ أي بل الكتاب، وزعم الفراء «١» أنّ في قراءة عبد الله بل هي آيات بينات بمعنى بل آيات القرآن آيات بينات، قال: ومثله هذا بَصائِرُ [الجاثية: ٢٠] ولو كانت هذه لجاز، ونظيره هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الكهف: ٨٩] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2383>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ وكان طلبهم لهذا تعنّتا وتهزّؤا لأنه قد ظهر من الآيات ما فيه كفاية فكان هذا مما لا نهاية له فأمر أن يقول لهم إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ أي يأتي منها بما فيه الصلاح. وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ قيل: معناه يبيّن لهم ما يجب عليهم وبيّن الأول بقوله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ «أنّا» في موضع رفع بيكفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2384>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٠]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)\nهذه «أيّ» دخلت عليها كاف التشبيه فصار فيها معنى «كم» والتقدير عند الخليل وسيبويه «٢» رحمهما الله كالعدد. وشرح هذا أبو الحسن بن كيسان فقال. أيّ شيء من الأشياء، فالمعنى على قول الخليل وسيبويه: كشيء كثير من العدد، قال: ولهذا قال\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣١٧. [.....]\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ١٧٣.","vol":"3","page":176},{"text":"الكسائي: الأصل في «كم» كما فإذا قلت: كم مالك؟ فالمعنى: كأي شيء من العدد مالك، قال: ومثل ذلك في الإبهام: له كذا وكذا درهما، أي له كالعدد المذكور أو المشار إليه ثم كثر استعمالهم لذلك حتى قالوا: له كذا وإن لم يتقدّم شي ولم يشر إلى شيء. فإذا قلت: له عندي كذا درهما، وجب له عند الكوفيين أحد عشر درهما، فإذا قلت: له عندي كذا وكذا درهما، وجب له أحد وعشرون درهما، وإذا قلت: له عندي كذا درهم كانت مائة، وإذا قلت: كذا دراهم كانت ثلاثة، ولا يجوز عند البصريين الخفض بوجه، وهي عندهم مبهمة يقع للقليل والكثير، وزعم أبو عبيدة أن الحيوان والحياة والحيّ واحد. وغيره يقول: إنّ الحيّ جمع على فعول مثل عصيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2385>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٦]</span>\nلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)\nوَلِيَتَمَتَّعُوا لام كي، ويجوز أن تكون لام أمر، لأن أصل لام الأمر الكسر إلّا أنه أمر فيه معنى التهديد. ومن قرأ وليتمتّعوا «١» بإسكان اللام لم يجعلها لام كي، لأن لام كي لا يجوز إسكانها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2386>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٩]</span>\nوَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)\nوَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ لام توكيد، ودخلت اللام في مع على أحد أمرين منهما أن تكون اسما ولام التوكيد إنما تدخل على الأسماء ومنها أن تكون حرفا فتدخل عليها لأن فيها معنى الاستقرار، كما تقول: إنّ زيدا لفي الدار و«مع» إذا سكنت فهي حرف لا غير، وإذا فتحت جاز أن تكون اسما وأن تكون حرفا، والأكثر أن تكون حرفا جاء لمعنى إلّا أنها فتحت لما وقع فيها مما ليس في أخواتها.\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٠٢، والبحر المحيط ٧/ ١٥٥.","vol":"3","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2387>٣٠ شرح إعراب سورة الرّوم</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2388>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)\nقال أبو جعفر:\nهذه قراءة أكثر الناس، وروي عن أبي عمرو وأبي سعيد الخدري أنهما قرءا الَم غَلبَتِ الرُّومُ «١» وقرءا سَتُغْلَبُونَ «٢»، وحكى أبو حاتم أن عصمة روى عن هارون أن هذه قراءة أهل الشام، وأحمد بن حنبل يقول: إن عصمة هذا ضعيف، وأبو حاتم كثير الرواية عنه والحديث يدلّ على أن القراءة غُلِبَتِ بضم الغين وكان في هذا الإخبار دليل على نبوّة محمد ﷺ، لأن الروم غلبتها فارس فأخبر الله جلّ وعزّ أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، وأن المؤمنين يفرحون بذلك لأن الروم أهل كتاب فكان هذا من علم الغيب الذي أخبر الله جلّ وعزّ به مما لم يكن وأمر أبا بكر ﵁ أن يراهنهم على ذلك، وأن يبالغ في الرهان ثم حرم الرهان ونسخ بتحريم القمار وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ زعم الفراء «٣» أن الأصل من بعد غلبتهم فحذفت التاء كما حذفت في قوله: وَأَقامَ الصَّلاةَ [النور: ٣٧]، وهذا غلط لا يخفى على كثير من أهل النحو لأن «أقام الصلاة» مصدر حذف منه لاعتلال فعله فجعلت التاء عوضا من المحذوف، و«غلب»، ليس بمعتل ولا حذف منه شيء وقد حكى الأصمعي: طرد طردا وحلب حلبا وغلب غلبا فأيّ حذف في هذا، وهل يجوز أن يقال: في أكل أكلا وما أشبهه حذف منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2389>[سورة الروم (٣٠): آية ٤]</span>\nفِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)\nفِي بِضْعِ سِنِينَ حذفت الهاء من بضع فرقا بين المذكّر والمؤنّث، وفتحت النون من سنين لأنه جمع مسلّم، ومن العرب من يقول في بضع سنين كما يقول: من غسلين\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣١٩.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ١٥٧.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣١٩.","vol":"3","page":178},{"text":"وإن جاز فجمع سنة بالواو والنون والياء والنون، لأنه قد حذف منها شيء فجعل هذا الجمع عوضا، وكسرت السين وكانت مفتوحة في سنة لأن الكسرة جعلت دليلا على أنه جمع على غير ما يجب له. هذا قول البصريين، ويلزم الفراء أن يضمّها إلّا أنّه يقول:\nالضمّة دليل على الواو، وقد حذف من سنة واو في أحد القولين ولا يضمها أحد علمناه. لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ويقال: من قبل ومن بعد، وحكى الكسائي عن بعض بني أسد. لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ «١» الأول مخفوض منون والثاني مضموم بلا تنوين. وحكى الفراء «٢»، «من قبل ومن بعد» مخفوضين بغير تنوين، وللفراء في هذا الفصل من كتابه في القرآن أشياء كثيرة، الغلط فيها بيّن فمنها أنه زعم أنه يجوز «من قبل ومن بعد» كما قال الشاعر: [مجزوء الكامل] ٣٣٢-\nإلّا علالة أو بداهة ... سابح نهد الجزاره «٣»\nوكما قال: [المنسرح] ٣٣٣-\nيا من رأى عارضا أكفكفه ... بين ذراعي وجبهة الأسد «٤»\nوالغلط في هذا بيّن لأنه ليس في القرآن لله الأمر من قبل ومن بعد ذلك، فيكون مثل قوله: «بين ذراعي وجبهة الأسد» ألا ترى أنك تقول: أخذته بنصف وربع الدرهم، ولا يجوز أخذته بنصف وربع، وتقول: قطع الله يد ورجل زيد.\nولا يجوز يد ورجل، على أنّ هذا أيضا ليس بكثير في كلام العرب وإنما يحمل كتاب الله على الكثير والفصيح، ولا يجوز أن يقاس عليه ما لا يشبهه، ولو قلت:\nاشتريت دار وغلام عمرو، لم يجز عند أحد علمناه ومن ذلك أنه زعم أنه يجوز من قبل ومن بعد وأنت تريد الإضافة وهذا نقض الباب كلّه لأن الضمّ إنما كان فيه لعدم الإضافة وإرادتها، فإذا خفضت وأنت تريدها تناقض الكلام وإنما يجوز «من قبل ومن بعد» على\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٢٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٢٠.\n(٣) الشاهد للأعشى في ديوانه ص ٢٠٩، والكتاب ١/ ٢٣٧، وخزانة الأدب ١/ ١٧٢، والخصائص ٢/ ٤٠٧، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٢٩٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١١٤، وشرح المفصل ٣/ ٢٢، والشعر والشعراء ١/ ١٦٣، ولسان العرب (جزر)، و(علل) و(بده)، والمقاصد النحوية ٣: ٤٥٣، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ٢/ ٦٢٦، ورصف المباني ٣٥٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١١٨، والمقتضب ٤/ ٢٢٨ والمقرب ١/ ١٨٠.\n(٤) الشاهد للفرزدق في ديوانه ٢١٥، والكتاب ١/ ٢٣٩، وخزانة الأدب ٢/ ٣١٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٩٩، وشرح المفصل ٣/ ٢١ والمقاصد النحوية ٣/ ٤٥١، والمقتضب ٤/ ٢٢٩، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ١٠٠، وتخليص الشواهد ٨٧، وخزانة الأدب ١٠/ ١٨٧، والخصائص ٢/ ٤٠٧، ورصف المباني ص ٣٤١، وسرّ صناعة الأعراب ٢٩٧، وشرح الأشموني ٢/ ٣٣٦، وشرح عمدة الحافظ ٥٠٢، ولسان العرب (بعد) و(يا) .","vol":"3","page":179},{"text":"أنهما نكرتان. قال أبو إسحاق: والمعنى من متقدّم ومن متأخّر، ومنها أنه شبّه من قبل ومن بعد بقولهم: من عل، وأنشد: [الرجز] ٣٣٤-\nإن تأت من تحت أجئها من عل «١»\nوليس من قبل ومن بعد من باب من عل. قال سيبويه «٢»: ولم يسكنوا من الأسماء ما ضارع المتمكّن ولا ما جعل في موضع بمنزلة غير المتمكّن. فالمضارع «من عل» حرّكوه لأنهم يقولون: من عل فأما التمكّن الذي جعل بمنزلة غير المتمكن فقولهم: أبدأ بهذا أول ويا حكم، أفلا ترى أن سيبويه لحذفه قد فصل بين «من عل» وبين «أول» ثم جاء الفراء فجمع بينهما، وأنشد الذي ذكرناه، وأنشد:\n[الطويل] ٣٣٥-\nفو الله ما أدري وإنّي لأوجل ... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل «٣»\nفخلط الجميع في الباب وجاء بهما في «قبل وبعد» وأحدهما مخالف لقبل وبعد.\nفأما الكلام في قبل وبعد على مذهب سيبويه وعلى مذهب البصريين إنّ سبيلهما أن لا يعربا لأنهما قد كانتا حذف منهما المضاف إليه والإضافة فصارتا معرفتين من غير جهة التعريف فزال تمكّنهما فلم يخليا من حركة لأنهما قد كانتا معربتين فاختير لهما الضم لأنه قد يلحقهما بحقّ الإعراب الجرّ والنصب فأعطيتا غير تينك الحركتين فضمّتا إلّا أن أبا العباس محمد بن يزيد قال: لمّا كانتا غايتين أعطيتاه ما هو غاية الحركات. وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ في معناه قولان: أحدهما أنهم فرحون بغلبة الروم فارس لأن الروم أهل كتاب فهم إلى المسلمين أقرب من الأوثان، والقول الآخر وهو أولى أنّ فرحهم إنما هو لإنجاز وعد الله جلّ وعزّ إذ كان فيه دليل على النبوة لأنه أخبر جلّ وعزّ بما يكون في بضع سنين فكان فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2390>[سورة الروم (٣٠): آية ٦]</span>\nوَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦)\nمصدر مؤكّد. قال أبو إسحاق: ويجوز وَعْدَ اللَّهِ بالرفع بمعنى ذلك وعد الله.\nوَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ وهم الكفار وهم أكثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2391>[سورة الروم (٣٠): آية ٧]</span>\nيَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧)\nيَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثم بيّن ما يجهلونه بقوله: وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ «هم» الأول ابتداء والثاني ابتداء ثان والجملة خبر الأول، وفي الكلام معنى التوكيد،\n_________\n(١) الرجز بلا نسبة في معاني الفراء ٢/ ٣١٩، وتهذيب اللغة ٢/ ٢٤٤، ولسان العرب (بعد) .\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٣١٩.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (١٤) .","vol":"3","page":180},{"text":"ويجوز أن يكون «هم» الثاني بدلا من الأول كما تقول: رأيته إياه، وفي الكلام أيضا معنى التوكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2392>[سورة الروم (٣٠): آية ٨]</span>\nأَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨)\nوَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ اللام للتوكيد، والتقدير: لكافرون بلقاء ربّهم على التقديم والتأخير وعلى هذا تقول: إنّ زيدا في الدار لجالس، ولو قلت: إنّ زيدا لفي الدار لجالس، لجاز، فإن قلت: إنّ زيدا جالس لفي الدار. لم يجز لأن اللام إنما يؤتى بها توكيدا لاسم إنّ وخبرها، فإذا جئت بهما لم يجز إن تأتي بها وكذا إن قلت: إنّ زيدا لجالس لفي الدار لم يجز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2393>[سورة الروم (٣٠): آية ٩]</span>\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)\nوَأَثارُوا الْأَرْضَ لأن أهل مكة لم يكونوا أصحاب حرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2394>[سورة الروم (٣٠): آية ١٠]</span>\nثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)\nثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ «١» اسم كان وذكرت لأن تأنيثها غير حقيقي. السُّواى خبر كان ومن نصب عاقِبَةَ جعل «السّوأى» اسم كان، وروي عن الأعمش أنه يقرأ ثمّ كان عاقبة الذين أساؤا السّوء «٢» برفع السوء. أَنْ كَذَّبُوا في موضع نصب، والمعنى: لأن كذّبوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2395>[سورة الروم (٣٠): آية ١٢]</span>\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)\nوقرأ أبو عبد الرحمن السلمي (يبلس) «٣» بفتح اللام والمعروف في اللغة أبلس الرجل. إذا سكت وانقطعت حجّته ولم يؤمّل أن تكون له حجة، وقريب منه تحيّر، كما قال الراجز:\n٣٣٦-\nقال: نعم أعرفه وأبلسا «٤»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤١، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٠٦.\n(٢) انظر البحر المحيط: ٧/ ١٦٠. [.....]\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ١٦٠، ومعاني الفراء ٢/ ٣٢٣.\n(٤) الرجز للعجاج في ديوانه ١/ ١٨٥، ولسان العرب (بلس) والتنبيه والإيضاح ٢/ ٢٦٢، وتهذيب اللغة ١٢/ ٤٤٢، وتاج العروس (بلس) و(عجنس) و(كرس) و(وكف)، وجمهرة اللغة ٧١٩، وأساس البلاغة (بجس)، وبلا نسبة في لسان العرب (صلب)، ومقاييس اللغة ٥/ ١٦٩، والمخصّص ١/ ١٢٦، وتاج العروس (صلب)، وتهذيب اللغة ١٠/ ٥٣. وقبله:\n«يا صاح هل تعرف رسما مكرسا»","vol":"3","page":181},{"text":"وقد زعم بعض النحويين أنّ «إبليس» مشتقّ من هذا وأنه أبلس أي انقطعت حجّته، ولو كان كما قال لوجب أن ينصرف وهو في القرآن غير منصرف فاحتجّ بعضهم بأنه اسم ثقل لأنه لم يسمّ به غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2396>[سورة الروم (٣٠): آية ١٣]</span>\nوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣)\nوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ قيل: يعني بشركائهم ما عبدوه من دون الله جلّ وعزّ. وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ قالوا: ليسوا بآلهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2397>[سورة الروم (٣٠): آية ١٥]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا سمعت أبا إسحاق يقول: معنى «أمّا» دع ما كنّا فيه وخذ في غيره، وكذا قال سيبويه: إنّ معناها مهما يكن من شيء أي مهما يكن من شيء فخذ في غير ما كنّا فيه. الَّذِينَ آمَنُوا في موضع رفع بالابتداء فَهُمْ ابتداء ثان وما بعده خبر عنه والجملة خبر «الذين» . قال الضحاك: فِي رَوْضَةٍ في جنة. والرياض الجنات. وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في تسفّل فإن كان مرتفعا فهو ترعة، وقال غيره:\nأحسن ما تكون الروضة إذا كانت في موضع مرتفع غليظ، كما قال الأعشى: [البسيط] ٣٣٧-\nما روضة من رياض الحزن معشبة «١»\nإلّا أنه لا يقال: لها روضة إلّا إذا كان فيها نبت فإن لم يكن فيها نبت وكانت مرتفعة فهي ترعة وقد قيل في الترعة غير هذا. قال الضحّاك: «يحبرون» يكرمون.\nحكى الكسائي حبرته أي أكرمته ونعمته. قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: هو مشتق من قولهم: على أسنانه حبرة أي أثر فيحبرون أي يتبيّن عليهم أثر النعيم، الحبر مشتقّ من هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2398>[سورة الروم (٣٠): آية ١٧]</span>\nفَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)\nأهل التفسير على أنّ هذا في الصلوات. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: حقيقته عندي فسبّحوا الله في الصلوات لأن التسبيح يكون في الصلاة، وعن\n_________\n(١) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٠٧، ولسان العرب (تدع)، و(هطل)، و(حزن)، وتهذيب اللغة ٢/ ٢٦٦، وتاج العروس (حزن)، وعجزه:\n«خضراء جاد عليها مسبل هطل»","vol":"3","page":182},{"text":"عكرمة أنه قرأ فسبحان الله حينا تمسون وحينا تصبحون «١» وهو منصوب على الظرف، والمعنى: حينا تمسون فيه وحينا تصبحون حتى يعود على حين من نعمته شيء، ومثله في القرآن يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا [البقرة: ٤٨] قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: حروف الخفض لا تحذف ولكن تقدّر فيه الهاء فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2399>[سورة الروم (٣٠): آية ١٨]</span>\nوَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)\nوَلَهُ الْحَمْدُ ويجوز النصب على المصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2400>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ أَنْ في موضع رفع بالابتداء، وكذا أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها. وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً روي عن ابن عباس المودّة حبّ الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها سوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2401>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٢]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢)\nبيّن جلّ وعزّ آياته الدالة عليه بخلق السّموات والأرض واختلاف اللسان في الفم واختلاف اللغات واختلاف الألوان والصور على كثرة الناس فما تكاد ترى أحدا إلا وأنت تفرق بينه وبين الآخر، فهذا من أدلّ دليل على المدبّر والباري لأن من صنع شيئا غيره لم يكن فيه هذا التفريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2402>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٥]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ أي تقوم بلا عمد بقدرته، وجعله أمرا مجازا كما يقال: هذا أمر عظيم.\nوفي معنى يَسْمَعُونَ قولان: يقبلون مثل قوله: سمع الله لمن حمده، والآخر\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ١٦٢، ومختصر ابن خالويه ١١٦.","vol":"3","page":183},{"text":"أنّ منهم من كان إذا تلي القرآن وهو حاضر سدّ أذنيه لئلّا يسمع فلمّا بيّن جلّ وعزّ الدلالة عليه قال: ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ أي الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم، وأجمع القراء على فتح التاء هاهنا في «تخرجون» واختلفوا في التي في «الأعراف» فقرأ أهل المدينة وَمِنْها تُخْرَجُونَ [الأعراف: ٢٥]، وقرأ أهل العراق بالفتح، وإليه يميل أبو عبيد والمعنيان متقاربان إلّا أن أهل المدينة فرقوا بينهما لنسق الكلام، فنسق الكلام في التي في «الأعراف» بالضم أشبه إذ كان الموت ليس من فعلهم، فكذا الإخراج والفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام أي إذا دعاكم خرجتم أي أطعتم فالفعل بهم أشبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2403>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٦]</span>\nوَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦)\nقال أبو الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة» «١» قال أبو جعفر: المعنى كلّ من في السّموات والأرض له مطيعون طاعة انقيادهم على ما شاء من صحّة وسقم وغنى وفقر، وليست هذه الطاعة التي يجازون عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2404>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)\nوَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وقد ذكرناه. وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي ما أراده جلّ وعزّ كان، وقال الخليل ﵀: المثل الصفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2405>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٨]</span>\nضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)\nشُرَكاءَ في موضع رفع ومِنْ زائدة للتوكيد. فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ مبتدأ وخبر وليست سواء هاهنا التي تكون ظرفا. تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ نصب بالفعل والكاف والميم في موضع خفض، وهي أيضا في موضع رفع في التأويل كما تقول: عجبت من ضربكم عمرا. ويجوز من ضربكم عمرو لأن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول به، وتقول: عجبت من وقع أنيابه بعضها على بعض، وإن شئت رفعت لأن أنيابه في موضع رفع في التأويل إلّا أن الرفع في الظاهر قبيح عند الكوفيين، فإن قلت: عجبت من وقعها بعضها على بعض، حسن الرفع عند الجميع كَذلِكَ الكاف في موضع نصب، والتقدير: نفصّل الآيات تفصيلا كذلك.\n_________\n(١) انظر تفسير القرطبي ١٤/ ٢٠، و١٥/ ٢٣٩.","vol":"3","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2406>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٩]</span>\nبَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)\nبَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ جمع هوى لأنّ أصله فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2407>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٠]</span>\nفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠)\nفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ أي اجعل جهتك للدين. حَنِيفًا على الحال. قال الضحاك: «حنيفا» مسلما حاجا. قال وفِطْرَتَ اللَّهِ دين الله. قال أبو إسحاق: «فطرة الله» نصب بمعنى اتّبع فطرة الله، قال: لأن معنى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ اتبع الدين واتبع فطرة الله. قال محمد بن جرير: «فطرة» مصدر من معنى فأقم وجهك لأن معنى ذلك فطر الله الناس على ذلك فطرة. وقد ذكرنا فطرة الله بأكثر من هذا في «المعاني»، والحديث «كل مولود يولد على الفطرة»، وقول الفقهاء فيه. وقد قيل: معناه يولد على الخلقة التي تعرفونها، وقيل: معنى فطرة الله التي فطر الناس عليها أي اتّبعوا دين الله الذي خلق الناس له. وسمّيت الفطرة دينا لأن الناس يخلقون له قال جلّ وعزّ وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] واحتجّ قائل بقوله جلّ وعزّ: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الإسراء: ٧] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2408>[سورة الروم (٣٠): آية ٣١]</span>\nمُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)\nمُنِيبِينَ إِلَيْهِ منصوب على الحال. قال محمد بن يزيد: لأن معنى «فأقم وجهك»: وفأقيموا وجوهكم. وهو قول أبي إسحاق واحتج بقوله جلّ وعزّ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١]، وقال الفراء «١»: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين ورد أبو العباس قول من قال: التقدير لا يعلمون منيبين لأن معنى منيبين راجعون فكيف لا يعلمون راجعين، وأيضا فإن بعده وَاتَّقُوهُ وإنما معناه فأقيموا وجوهكم واتّقوه وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2409>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٢]</span>\nمِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)\nمِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ تأولته عائشة ﵂ وأبو هريرة وأبو أمامة رحمهما الله على أنه لأهل القبلة، وقال الربيع بن أنس: الذين فرقوا دينهم أهل الكتاب. وفارقوا دينهم تركوا دينهم الذي يجب أن يتبعوه، وهو التوحيد. وَكانُوا شِيَعًا أي فرقا. كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ قيل: هم فرحون لأنهم لم يتبيّنوا الحق\n_________\n(١) مرّ في إعراب الآية ٩: مريم.","vol":"3","page":185},{"text":"وعليهم أن يتبيّنوه، وقيل: هذا قبل أن تظهر البراهين، وقول ثالث أنّ العاصي لله جلّ وعزّ قد يكون فرحا بمعصيته، وكذلك الشيطان، وقطّاع الطريق وغيرهم، والله أعلم.\nوزعم الفراء «١» أنه يجوز أن يكون التمام «ولا تكونوا من المشركين» ويكون المعنى «من الذين فارقوا دينهم» وَكانُوا شِيَعًا على الاستئناف، وأنه يجوز أن يكون متصلا بما قبله، قال أبو جعفر: إذا كان متصلا بما قبله فهو عند البصريين على البدل بإعادة الحرف كما قال جلّ وعزّ: لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: ٧٥] ولو كان بلا حرف لجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2410>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٣]</span>\nوَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)\nدَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ على الحال، وعن ابن عباس أي مقبلين إليه بكلّ قلوبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2411>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٤]</span>\nلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)\nلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ لام كي، وقيل: هي لام أمر فيه معنى التهديد، كما قال جلّ وعزّ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩] وكما تقول «٢»: كلّم فلانا حتى نرى ما يلحقك منّي وكذا فَتَمَتَّعُوا، ودلّ على ذلك فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2412>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٥]</span>\nأَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)\nأَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا استفهام فيه معنى التوقيف. قال الضحّاك: «سلطانا» أي كتابا، وزعم الفراء أن العرب تؤنّث السلطان، وتقول: قضت به عليك السلطان. فأما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث جائز عندهم لأنه بمعنى الحجّة. وقولنا سلطان معناه صاحب سلطان أي صاحب الحجّة إلّا أن محمد بن يزيد قال غير هذا فيما حكى لنا عنه علي بن سليمان قال: سلطان جمع سليط كما تقول:\nرغيف ورغفان، فتذكيره على معنى الجميع وتأنيثه على معنى الجماعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2413>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٦]</span>\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)\nوَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ التقدير عند سيبويه قنطوا فلهذا كان جواب الشرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2414>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٨]</span>\nفَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)\nفَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ تأوله مجاهد وقتادة على أنه قريب الرجل، وجعلا صلة\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٢٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٢٥.","vol":"3","page":186},{"text":"الرحم فرضا من الله جلّ وعزّ حتى قال مجاهد: لا يقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة، وقيل: ذو القربى القربى بالنبيّ ﷺ، وحقّه مبيّن في قوله جلّ وعزّ: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى [الأنفال: ٤١]، «وابن السبيل» الضيف فجعل الضيافة فرضا، فَأُولئِكَ مبتدأ وهُمُ مبتدأ ثان الْمُضْعِفُونَ خبر الثاني والجملة خبر الأول، وفي معنى المضعفين قولان: أحدهما تضاعف لهم الحسنات والآخر أنه قد أضعف لهم الخير والنعيم أي هم أصحاب أضعاف، كما يقال:\nفلان مقو أي له أصحاب أقوياء، ويقال: فلان رديء مردئ أي هو رديء في نفسه وأصحابه أردياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2415>[سورة الروم (٣٠): آية ٤١]</span>\nظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)\nظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ في معناه قولان: أحدهما ظهر الجدب في البر أي في البوادي وقرأها: وفي البحر أي في مدن البحر مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أي ظهر قلّة الغيث وغلاء السعر بما كسبت أيدي الناس من المعاصي لنذيقهم عقاب بعض الذي عملوا ثم حذف. والقول الآخر: أنّ معنى ظَهَرَ الْفَسادُ ظهرت المعاصي من قطع السبيل والظلم فهذا هو الفساد على الحقيقة. والأول مجاز إلّا أنه على الجواب الثاني يكون في الكلام حذف واختصار دلّ عليه ما بعده.\nويكون المعنى ظهرت المعاصي في البر والبحر فحبس الله عنهم الغيث وأغلى سعرهم ليذيقهم عقاب بعض ما عملوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وروى داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس «لعلهم يرجعون» لعلهم يتوبون.\nفأما قوله جلّ وعزّ: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ فقد ذكرنا قول العلماء فيه أنه أن يهدي الرجل إلى الرجل الهدية يريد عليها المكافأة ولا يريد الثواب فذلك مباح إلّا أنه لا يثاب عليه لأنه لم يقصد به ثواب الله جلّ وعزّ غير أنّ الضحاك قال: نهى النبي ﷺ عن ذلك خاصة بقوله جلّ وعزّ: لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر: ٦] وقد قيل: معنى وما آتيتم من ربا هو الربا الذي لا يحلّ، وقال قائل هذا القول: معنى فلا يربو عند الله فلا يحكم به لآخذه لأنه ليس له وإنما هو للمأخوذ منه. وتثنية الربا ربوان، كذا قول سيبويه «١»، ولا يجوز عند أصحابه غيره. وسمعت أبا إسحاق يقول: وذكر قول الكوفيين- لا يكفيهم في قولهم ربيان أن يخطئوا في الخطّ فيكتبوا الربا بالياء حتى يخطئوا في التثنية واستعظم هذا، وقد قال الله جلّ وعزّ: لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ، فهذا\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٤٢٨.","vol":"3","page":187},{"text":"أبين أنه من ذوات الواو، وأن القول كما قال أبو إسحاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2416>[سورة الروم (٣٠): آية ٤٣]</span>\nفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)\nمِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ أي لا يردّه الله جلّ وعزّ عنهم فإذا لم يردّه لم يتهيّأ لأحد دفعه، ويجوز عند غير سيبويه «١» «لا مردّ له» وذلك عند سيبويه بعيد إلّا أن يكون في الكلام عطف. يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ الأصل يتصدّعون أدغمت التاء في الصاد لقربها منها، ويقال: تصدّع القوم، إذا تفرقوا ومنه اشتق الصّداع لأنه يفرق شعب الرأس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2417>[سورة الروم (٣٠): آية ٤٧]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)\nكانَ حَقًّا عَلَيْنا\nخبر كان. صْرُ الْمُؤْمِنِينَ\nاسمها، ولو كان في غير القرآن لجاز رفع حقّ ونصب نصر، لأن حقّا، وإن كان نكرة، فبعده علينا، ولجاز رفعهما على أن تضمر في كان والخبر في الجملة. وفي الحديث: «من ردّ عن عرض صاحبه ردّ الله عنه نار جهنّم ثم تلا رسول الله ﷺ وانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ\n» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2418>[سورة الروم (٣٠): آية ٤٨]</span>\nاللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨)\nوَيَجْعَلُهُ كِسَفًا جمع كسفة وهي القطعة، وفي قراءة الحسن وأبي جعفر وعبد الرحمن الأعرج. كسفا «٣» بإسكان السين، وهو أيضا جمع كسفة كما يقال: سدرة وسدر، وعلى هذه القراءة يكون المضمر الذي بعده عائدا عليه أي فترى الودق يخرج من خلال الكسف لأن كلّ جمع بينه وبين واحده «الهاء» لا غير، التذكير فيه حسن، ومن قرأ كسفا فالمضمر عنده عائد على الحساب، وفي قراءة الضحاك فترى الودق يخرج من خلله «٤» ويجوز أن يكون خلال جمع خلل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2419>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nوَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ١٠٤.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٤٥٠، والترمذي في سننه رقم (١٩٣١)، والمنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٥١٧، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٦/ ٢٨٤.\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٠٨. وتيسير الداني ١٤٢.\n(٤) انظر إعراب الآية ١٢ من سورة الروم.","vol":"3","page":188},{"text":"وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ قد ذكرناه، وكان أبو إسحاق يذهب إلى أنه على التوكيد، ويقول: إنّ قول قطرب التقدير من قبل التنزيل خطأ لأن المطر لا ينفك من التنزيل، وأنشد: [الطويل] ٣٣٨-\nمشين كما اهتزّت رماح تسفّهت ... أغاليها مرّ الرّياح النّواسم «١»\nفأنّث المرّ، لأنّ الرياح لا تنفكّ منه، ولأن المعنى تسفّهت أعاليها الرياح، فكذا معنى: «من قبل أن ينزل عليهم المطر» من قبل المطر. ويقال: آثر وإثر. كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ لا يجوز فيه الإدغام لئلا يجمع فيه ساكنان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2420>[سورة الروم (٣٠): آية ٥١]</span>\nوَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)\nوَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا قيل: التقدير فرأوا الزرع مصفرّا، وقيل: فرأوا السحاب، وقيل فرأوا الريح، وذكّرت الريح لأنها للمرسل منها، وقال محمد بن يزيد لا يمتنع تذكير كلّ مؤنث غير حقيقي نحو أعجبني الدار، وما أشبهه لَظَلُّوا قال الخليل ﵀: معناه ليظلّنّ. قال أبو إسحاق: وجاز هذا لأن في الكلام معنى المجازاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2421>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nفَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)\nفَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ جعلوا بمنزلة الموتى والصمّ، لأنهم لا ينتفعون بما يسمعون. وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قال الفراء»\n: ويجوز من ضلالتهم بمعنى وما أنت بمانعهم من ضلالتهم، وعن بمعنى وما أنت بصارفهم عن ضلالتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2422>[سورة الروم (٣٠): آية ٥٤]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ قال عطية عن ابن عمر ﵀ قال: قرأت على رسول الله ﷺ: «من ضعف» فقال لي مِنْ ضَعْفٍ «٣» وقرأ عيسى بن عمر مِنْ ضَعْفٍ، وقرأ الكوفيون مِنْ ضَعْفٍ وهو المصدر، وأجاز النحويون منهم من ضعف، وكذا كلّ ما كان فيه حرف من حروف الحلق ثانيا أو ثالثا. قال أبو إسحاق:\nتأويله الله الذي خلقكم من النطفة التي حالكم معها الضعف ثم جعل من بعد الضعف الشبيبة.\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم ١٤١. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٢٦.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٤٢.","vol":"3","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2423>[سورة الروم (٣٠): آية ٥٥]</span>\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ وليس في هذا ردّ لعذاب القبر إذ كان قد صحّ عن النبيّ ﷺ من غير طريق أنه تعوّذ منه، وأمر أن يتعوّذ منه. من ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود قال: سمع ﷺ أمّ حبيبة تقول: اللهمّ أمتعني بزوجي رسول الله ﷺ وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية فقال لها النبيّ ﷺ: «سألت الله في آجال مضروبة وأرزاق مقسومة ولكن سليه أن يعيذك من عذاب جهنّم أو عذاب القبر» «١» في أحاديث مشهورة. وفي معنى ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ قولان: أولهما أنّه يريد لا بدّ من خمدة قبل يوم القيامة ولحق الفناء الذي كتب على الخلق من رحم ومن عذّب فعلى هذا قالوا ما لبثنا غير ساعة لأنهم لم يعملوا مقدار ذلك، والقول الآخر أنهم يعنون في الدنيا لزوالها وانقطاعها وإن كانوا قد أقسموا على غيب وعلى غير ما يدرون قال الله جلّ وعزّ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ أي كذلك كانوا يكذبون في الدنيا، وقد زعم جماعة من أهل النظر أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذب لما هم فيه، والقرآن يدل على غير ذلك. قال الله جلّ وعزّ: كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ وقال جلّ ثناؤه يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ [المجادلة: ١٨] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2424>[سورة الروم (٣٠): آية ٥٦]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦)\nوردّ عليهم المؤمنون فقالوا: لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ قال أبو إسحاق: أي في اللّوح المحفوظ وحكى يعقوب عن بعض القراء «إلى يوم البعث» «٢» فهذا ما فيه حرف من حروف الحلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2425>[سورة الروم (٣٠): آية ٥٧]</span>\nفَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)\nفَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ لمّا ردّ عليهم المؤمنون سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ولا حالهم حال من يستعتب فيرجع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2426>[سورة الروم (٣٠): آية ٥٨]</span>\nوَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه- القدر- ٣٢، ٣٣.\n(٢) انظر المحتسب ٢/ ١٦٦.","vol":"3","page":190},{"text":"وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يدلّهم على ما يحتاجون إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2427>[سورة الروم (٣٠): آية ٦٠]</span>\nفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)\nوَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ في موضع جزم بالنهي فأكّد بالنون الثقيلة فبني على الفتح، كما يبنى الشيئان إذا ضمّ أحدهما إلى الآخر الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ في موضع رفع، ومن العرب من يقول الذّون في موضع الرفع.","vol":"3","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2428>٣١ شرح إعراب سورة لقمان</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2429>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢)\nالم تِلْكَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي هذه تلك، ويقال: تيك.\nآياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ بدل من «تلك» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2430>[سورة لقمان (٣١): آية ٣]</span>\nهُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)\nهُدىً وَرَحْمَةً نصب على الحال، مثل هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [الأعراف: ٧٣، وهود: ٦٤] وهذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم والكسائي، وقرأ حمزة هدى ورحمة «١» بالرفع، وهو من جهتين: إحداهما على إضمار مبتدأ لأنه أول آية، والأخرى أن يكون خبر تلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2431>[سورة لقمان (٣١): آية ٤]</span>\nالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)\nالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ، لأنه أول آية أو في موضع نصب بمعنى أعني، أو في موضع خفض على أنه نعت للمحسنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2432>[سورة لقمان (٣١): آية ٦]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ مِنَ في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة.\nوعن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ابن مسعود وابن عباس ﵄ أن «لهو الحديث» هاهنا الغناء وأنه ممنوع بالكتاب والسنة فيكون التقدير ومن الناس من يشتري ذا لهو أو ذات لهو، مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أو يكون التقدير: لما\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٣، والبحر المحيط ٧/ ١٧٩.","vol":"3","page":192},{"text":"كان إنما يشتريها ويبالغ في ثمنها كأنه اشترى اللهو. لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي ليضلّ غيره ومن قرأ ليضل «١» فعلى اللازم له عنده، وَيَتَّخِذَها «٢» قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وَيَتَّخِذَها عطفا على ليضلّ. والرفع من وجهين: أحدهما أن يكون معطوفا على يشتري، والآخر أن يكون مستأنفا. والهاء كناية عن الآيات، ويجوز أن تكون كناية عن السبيل لأن السبيل يذكّر ويؤنّث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2433>[سورة لقمان (٣١): آية ٧]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧)\nكَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا اسم كأنّ وتحذف الضمة لثقلها فيقال: أذن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2434>[سورة لقمان (٣١): آية ١٠]</span>\nخَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)\nخَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها يكون تَرَوْنَها في موضع خفض على النعت لعمد أي بغير عمد مرئية، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال. قال أبو جعفر:\nوسمعت علي بن سليمان يقول: الأولى أن يكون مستأنفا ويكون بغير عمد التمام. أَنْ تَمِيدَ في موضع نصب أي كراهة أن تميد، والكوفيون يقدّرونه بمعنى لئلا تميد.\nفَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ عن ابن عباس: من كلّ نوع حسن، وتأوّله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، قال: فمن كان منهم يصير إلى الجنة فهو الكريم ومن كان يصير إلى النار فهو اللئيم، وقد تأول غيره أن النطفة مخلوقة من تراب وظاهر القرآن يدلّ على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2435>[سورة لقمان (٣١): آية ١١]</span>\nهذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)\nهذا خَلْقُ اللَّهِ مبتدأ وخبر. فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ «ما» في موضع رفع بالابتداء وخبره «ذا» وذا بمعنى الذي، وخلق واقع على هاء محذوفة على هذا، تقول: ماذا تعلّمت أنحو أم شعر، ويجوز أن يكون «ما» في موضع نصب بخلق و«ذا» زائدة، وعلى هذا تقول: ماذا تعلمت أنحوا أم شعرا. بَلِ الظَّالِمُونَ رفع بالابتداء.\nفِي ضَلالٍ مُبِينٍ في موضع الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2436>[سورة لقمان (٣١): آية ١٢]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٣، والبحر المحيط ٧/ ١٧٩، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٤٣، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥١٢.","vol":"3","page":193},{"text":"وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ مفعولان ولم ينصرف لقمان لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين فأشبه فعلان الذي أنثاه فعلى فلم يصرف في المعرفة لأن ذلك ثقل ثان وانصرف في النكرة لأن أحد الثقلين زال. وزعم عكرمة أن لقمان كان نبيا وفي الحديث أنه كان حبشيا «١» . أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ فيه تقديران: أحدهما أن تكون «أن» بمعنى أي مفسرة أي قلنا له اشكر، والقول الآخر أنها في موضع نصب والفعل داخل في صلتها، كما حكى سيبويه: كتبت إليه أن قم إلا أن هذا الوجه بعيد. وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ جزم بالشرط، ويجوز الرفع على أن من بمعنى الذي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2437>[سورة لقمان (٣١): آية ١٣]</span>\nوَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)\nوَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ «إذ» في موضع نصب، والمعنى واذكر، وحكى أبو إسحاق في كتابه في القرآن أن «إذ» في موضع نصب بآياتنا وأن المعنى ولقد آتينا لقمان الحكمة إذ قال. قال أبو جعفر: وأحسبه غلطا لأن في الكلام واوا تمنع من ذلك وأيضا فإن اسم لقمان مذكور بعد قال. يا بُنَيَّ «٢» بكسر الياء لأنها دالّة على الياء المحذوفة ومن فتحها فلخفّة الفتحة عنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2438>[سورة لقمان (٣١): آية ١٦]</span>\nيا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)\nإِنَّها الكتابة عن القصة أو عن الفعلة أو بمعنى: إنّ التي سألتني عنها لأنه يروى أنه سأله، والبصريون يجيزون إنّها زيد ضربته، بمعنى أن القصة، والكوفيون لا يجيزون هذا إلّا في المؤنث إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ خبر «تك» واسمها مضمر فيها، واستبعد أبو حاتم أن يقرأ إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ «٣» بالرفع. لأن مثقالا مذكّر فلا يجوز عنده إلا بالياء. قال أبو جعفر: وهذا جائز صحيح وهو محمول على المعنى لأن المعنى واحد، وهذا كثير في كلام العرب يقال: اجتمعت أهل القيامة لأن من كلامهم اجتمعت اليمامة، وزعم الفراء أن مثل الآية قول الشاعر:\n٣٣٩-\nوتشرق بالقول الّذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدّم «٤»\nفأما وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ فمعترض بين كلام لقمان كما روى شعبة عن سماك ابن حرب عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قالت أم سعد لسعد: أليس قد أمر الله جلّ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ١٨١.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٤٣، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥١٣.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٢٨، والبحر المحيط ٧/ ١٨٢.\n(٤) مرّ الشاهد رقم (١٣٠) .","vol":"3","page":194},{"text":"وعزّ ببرّ الوالدة؟ فو الله لا أطعم ولا أشرب حتى تكفر بمحمد ﷺ، وكانوا إذا أرادوا أن يطعموها أو جروها بالعصا وجعلوا في فيها الطعام والشراب، فنزلت وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إلى وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ الآية فأما نصب «وهنا على وهن» قال أبو جعفر: فما علمت أن أحدا من النحويين ذكره فيكون مفعولا ثانيا على حذف الحرف أي حملته بضعف على ضعف أو فازدادت ضعفا على ضعف، ومَعْرُوفًا نعت لمصدر محذوف. وزعم أبو إسحاق في كتابه أن «أن» في موضع نصب وأن المعنى ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي ولوالديك. وهذا القول على مذهب سيبويه بعيد ولم يذكر أبو إسحاق فيما علمت غيره. وأجود منه أن تكون «أن» مفسرة والمعنى: قلنا له اشكر لي ولوالديك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2439>[سورة لقمان (٣١): آية ١٧]</span>\nيا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)\nيا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ معنى إقامة الصّلاة إتمامها بجميع فروضها، كما يقال: فلان قيّم بعمله الذي وليه أي قد وفّى العمل جميع حقوقه، ومنه هذا قوام الأمر وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ وهو أن لا يخرج من الجزع إلى معصية الله وكذا الصبر عن المعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2440>[سورة لقمان (٣١): آية ١٨]</span>\nوَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨)\nوَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قد ذكرناه وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال: «تصاعر» من واحد مثل عافاه الله وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا أي متبخترا متكبرا. وهو مصدر في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2441>[سورة لقمان (٣١): آية ١٩]</span>\nوَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)\nوَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ أي توسّط والتوسط أحمد الأمور، وكذا وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ أدّبه الله جلّ وعزّ بالأمر بترك الصياح في وجوه الناس تهاونا بهم إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ قال أبو عبيدة «١»: أي أشدّ، وقال الضحاك: وهما جميعا على المجاز.\nوفي الحديث «ما صاح حمار ولا نبح كلب إلّا أن يرى شيطانا» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2442>[سورة لقمان (٣١): آية ٢٠]</span>\nأَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠)\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ١٢٧.\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه- الدعاء ١٣/ ١٣، بمعناه.","vol":"3","page":195},{"text":"أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وذلك من نعم الله جلّ وعزّ على بني آدم فالأشياء كلّها مسخرة لهم من شمس وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم، وتجرّ إليهم منافعهم، ومن سماء وما فيهما لا يحصى وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً على الحال ومن قرأ نعمة ظاهرة وباطنة «١» جعله نعتا، وهي قراءة ابن عباس من وجوه صحاح مروية وفسرها: الإسلام وشرح هذا أنّ سعيد بن جبير قال في قوله جلّ وعزّ:\nوَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [المائدة: ٦] قال: يدخلكم الجنة وتمام نعمة الله على العبد أن يدخله الجنة فكذا لمّا كان الإسلام يؤول أمره إلى الجنة سمّي نعمة، وعن ابن عباس قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال: هو النّضر بن الحارث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2443>[سورة لقمان (٣١): آية ٢١]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١)\nأَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ أي أولو كان كذا يتّبعونه على التوبيخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2444>[سورة لقمان (٣١): آية ٢٢]</span>\nوَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)\nوَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وقراءة أبي عبد الرحمن السلمي وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ. قال: «يسلم» في هذا أعرف، كما قال جلّ وعزّ: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ومعنى «أسلمت وجهي لله» قصدت بعبادتي إلى الله وأقررت أنه لا إله غيره، ويجوز أن يكون التقدير: ومن يسلم نفسه إلى الله مثل كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:\n٨٨] معناه إلّا إياه. ويكون يسلّم على التكثير إلّا أنّ المستعمل في سلّمت أنه بمعنى دفعت يقال: سلّمت في الحنطة وقد يقال: أسلمت. وروى جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله جلّ وعزّ: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى قال: لا إله إلا الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2445>[سورة لقمان (٣١): آية ٢٧]</span>\nوَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)\nوَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ «أنّ» في موضع رفع، والتقدير ولو وقع هذا و«أقلام» خبر أن. وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مرفوع من جهتين: إحداهما العطف على الموضع،\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٣، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥١٣. [.....]","vol":"3","page":196},{"text":"والأخرى أن يكون في موضع الحال. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ «١» بالنصب على اللفظ. وحكى يونس عن ابن أبي عمرو بن العلاء قال: ما أعرف للرفع وجها إلّا أن يجعل البحر أقلاما وأبو عبيد يختار الرفع لكثرة من قرأ به إلا أنه قال: يلزم من قرأ بالرفع أن يقرأ وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة: ٤٥] . قال أبو جعفر:\nهذا مخالف لذاك عند سيبويه، قال سيبويه «٢»: أي والبحر هذا أمره يجعل الواو تؤدّي عن الحال، وليس هذا في وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ (يمدّه)، وحكي «يمدّه» على أنهما لغتان بمعنى واحد، وحكي التفريق بين اللغتين وأنّه يقال فيما كان يزيد في الشيء مدّة يمدّه كما تقول: مدّ النيل الخليج، أي زاد فيه، وأمدّ الله جلّ وعزّ الخليج بالنيل. وهذا أحسن القولين، وهو مذهب الفراء «٣»، ويجوز تمدّه. مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ على تأنيث السبعة. ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ قال قتادة: قالوا: إنّ ما جاء به محمد ﷺ سينفد فأنزل الله جلّ وعزّ يعني هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2446>[سورة لقمان (٣١): آية ٢٨]</span>\nما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)\nما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ قال الضحاك: أي ما ابتداء خلقكم جميعا إلّا كخلق نفس واحدة، وما بعثكم يوم القيامة إلّا كبعث نفس واحدة. قال أبو جعفر:\nوهكذا قدّره النحويون بمعنى إلّا كخلق نفس واحدة مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2447>[سورة لقمان (٣١): آية ٢٩]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)\nيُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ عن ابن مسعود أنه قال: قصر نهار الشتاء في طول ليله، وقصر ليل الصيف في طول نهاره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2448>[سورة لقمان (٣١): آية ٣٢]</span>\nوَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)\nوَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ لأن سبيل الموج إذا اشتدّ أن يرتفع. قال الفراء: يعني بالظّلل السحاب. قال الخليل وسيبويه رحمهما الله في قاض وجاز: يوقف عليهما بغير تاء، وعلتهما في ذلك أن يعرف أنه في الوصل كذلك وكان القياس أن يوقف عليهما بالياء لأن التنوين يزول في الوقف، وحكى يونس أن بعض العرب الموثوق بلغتهم يقف بالياء فيقول: جاءني قاضي وجازي.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٣، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥١٣.\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ١٤٥.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٢٩.","vol":"3","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2449>[سورة لقمان (٣١): آية ٣٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)\nإِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ «١» الْغَيْثَ زعم الفراء «٢» أن في هذا معنى النفي أي ما لم يعلمه أحد إلّا الله جل وعز. قال أبو جعفر: إنما صار فيه معنى النفي والإيجاب بتوقيف الرسول ﷺ على ذلك لأنه ﷺ في قول الله جلّ وعزّ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام: ٥٩] لا يعلمها إلّا هو أنها هذه. قال أبو إسحاق: فمن زعم أنه يعلم شيئا من هذا فقد كفر إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ومن العرب من يقول: بأيّة أرض. فمن قال:\nبأيّ أرض قال: تأنيث الأرض يكفي من تأنيث أي، ومن قال: بأيّة أرض قال: أي تنفرد تأتي بغير إضافة لو قال: جاءتني امرأة، قلت أيّة إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ نعت لعليم أو خبر بعد خبر.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٣٠.","vol":"3","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2450>٣٢ شرح إعراب سورة السجدة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2451>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)\nالم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ الاجتماع على رفع تنزيل، ورفعه من ثلاثة أوجه:\nأحدها بالابتداء والخبر لا رَيْبَ فِيهِ، والثاني على إضمار مبتدأ أي هذا المتلو تنزيل، والثالث بمعنى هذه الحروف تنزيل و«ألم» تدل على الحروف كلها كما تدل عليها أب ت ث. ولو كان تنزيل منصوبا على المصدر لجاز كما قرأ الكوفيون إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [يس: ٣- ٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2452>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤)\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ «أم» تدلّ على خروج من حديث إلى حديث بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ مبتدأ وخبره، وكذا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ أي للكافرين من مولى يمنع من عذابهم وَلا شَفِيعٍ، ويجوز بالرفع على الموضع أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ هذه الموعظة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2453>[سورة السجده (٣٢): آية ٧]</span>\nالَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧)\nالَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو وابن كثير خَلَقَهُ «١» بإسكان اللام ونصبه في هذه القراءة على المصدر عند سيبويه مثل صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨]، وعند غيره على البدل من «كلّ» أي الّذي أحسن خلق كلّ شيء وهما مفعولان على مذهب بعض النحويين بمعنى أفهم كلّ شيء خلقه وخَلَقَهُ على أنه فعل\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٤، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥١٦.","vol":"3","page":199},{"text":"ماض في موضع خفض نعت لشيء والمعنى على ما يروى عن ابن عباس: أحكم كلّ شيء خلقه أي جاء به ما أراد لم يتغيّر عن إرادته، وقول آخر أن كلّ شيء يخلقه حسن لأنه لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، وهو دالّ على خالقه. قال أبو إسحاق: ويجوز الذي أحسن كل شيء خلقه بالرفع بمعنى ذلك خلقه. وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ يعني آدم ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2454>[سورة السجده (٣٢): آية ٨]</span>\nثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨)\nثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مشتقّ من سللت الشيء وفعالة للقليل. مِنْ ماءٍ مَهِينٍ قال أبو إسحاق: أي ضعيف، وقال غيره: أي لا خطر له عند الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2455>[سورة السجده (٣٢): آية ٩]</span>\nثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٩)\nثُمَّ سَوَّاهُ يعني الماء. وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ أي الّذي يحيا به. وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ فوحّد السمع وجمع الأبصار، لأنّ السمع في الأصل مصدر، ويجوز أن يكون واحدا يدلّ على جمع وَالْأَفْئِدَةَ جمع فؤاد وهو القلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2456>[سورة السجده (٣٢): آية ١٠]</span>\nوَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠)\nوقالوا أأذا ضللنا في الأرض أأنا «١» لفي خلق جديد ويقرأ أَإِنَّا في هذا سؤال صعب من العربية يقال: ما العامل في «إذ» و«إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؟ والسؤال في الاستفهام أشدّ لأن ما بعد الاستفهام أجدر أن لا يعمل فيما قبله من «أنّ» كيف وقد اجتمعا؟ فالجواب على قراءة من قرأ أنا أنّ العامل ضللنا، وعلى قراءة من قرأ أَإِنَّا أن العامل مضمر، والتقدير: أنبعث إذا متنا، وفيه أيضا سؤال يقال: أين جواب إذا على القراءة الأولى لأن فيها معنى الشرط؟ فالقول في ذلك أن بعدها فعلا ماضيا فلذلك جاز هذا، وعن أبي رجاء وطلحة أنهما قرءا أَإِذا ضَلَلْنا «٢» وهي لغة شاذة، وعن الحسن اإذا صللنا بالصاد، وهكذا رواها الفراء «٣»، وزعم أنها تروى عن علي ابن أبي طالب ﵁ ولا يعرف في اللغة صللنا ولكن يعرف صللنا، يقال: صل اللحم وأصل، وخمّ وأخمّ إذ أنتن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2457>[سورة السجده (٣٢): آية ١١]</span>\nقُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)\nقُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ قال أبو إسحاق: هو من توفية العدد أي يستوفي عددكم أجمعين.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ١٩٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٢٨٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ١٩٥.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣١١.","vol":"3","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2458>[سورة السجده (٣٢): آية ١٢]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)\nوَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ مبتدأ وخبر. قال أبو إسحاق: المخاطبة للنبيّ ﷺ مخاطبة لأمته، والمعنى: ولو ترون، ومذهب أبي العباس غير هذا، وأن يكون المعنى: يا محمد قل للمجرم ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك وحذف جواب «لو» والقول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2459>[سورة السجده (٣٢): آية ١٣]</span>\nوَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)\nوَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها مفعولان قيل: في معناه قولان: أحدهما أن سياق الكلام يدلّ على أنه في الآخرة أي لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا والمحنة كما سألوا وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي حقّ القول منّي لأعذبنّ من عصاني بعذاب جهنّم وعلم الله جلّ وعزّ أنّه لو ردّهم لعادوا كما قال وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2460>[سورة السجده (٣٢): آية ١٤]</span>\nفَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)\nفَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا في معناه قولان: أحدهما أنه من النسيان الذي لا ذكر معه أي لم تعملوا لهذا اليوم فكنتم بمنزلة الناسين، والآخر أن نسيتم بمعنى تركتم، وكذا إِنَّا نَسِيناكُمْ واحتجّ محمد بن يزيد بقوله: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [طه: ١١٥] قال: والدليل على أنه بمعنى ترك أنّ الله جلّ وعزّ أخبر عن إبليس أنه قال له: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ [الأعراف:\n٢٠] فلو كان آدم ﷺ ناسيا لكان قد ذكّره: وأنشد: [البسيط] ٣٤٠-\nكأنّه خارجا من جنب صفحته ... سفّود شرب نسوه عند مفتأد «١»\nأي تركوه ولو كان من النسيان لكانوا قد عملوا به مرّة.\n_________\n(١) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ص ١٩، والأشباه والنظائر ٦/ ٢٤٣، وخزانة الأدب ٣/ ١٨٥، والخصائص ٢/ ٢٧٥، ولسان العرب (فأد)، وتهذيب اللغة ١٤/ ١٩٦، وبلا نسبة في رصف المباني ص ٢١١، وكتاب العين ٨/ ٨.","vol":"3","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2461>[سورة السجده (٣٢): آية ١٥]</span>\nإِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)\nإِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا أي إنما يؤمن بالعلامات والبراهين والحجج الذين إذا ذكّروا بها خضعوا لله وسبّحوا بحمده. وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عبادته ولا الانقياد لما أبانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2462>[سورة السجده (٣٢): آية ١٦]</span>\nتَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)\nتَتَجافى جُنُوبُهُمْ في موضع نصب على الحال أو رفع لأنه فعل مستقبل ولم يتبيّن فيه الإعراب لأنه فعل مقصور. ومعنى مقصور أنه قصر منه الإعراب ومعنى منقوص أنه نقص منه الإعراب. يَدْعُونَ في موضع نصب على الحال خَوْفًا مفعول من أجله، ويجوز أن يكون مصدرا. وَطَمَعًا مثله أي خوفا من العذاب وطمعا في الثواب. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ تكون «ما» بمعنى الذي وتكون مصدرا، وفي كلا الوجهين يجب أن تكون منفصلة من «من» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2463>[سورة السجده (٣٢): آية ١٧]</span>\nفَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)\nفَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ويقرأ ما أخفي لهم «١» بإسكان الياء على أنه فعل مستقبل. وفي قراءة عبد الله ما نخفي «٢» بالنون، قال أبو إسحاق: ويقرأ ما أخفي لهم بمعنى ما أخفى الله لهم فإن جعلت «ما» بمعنى الذي كانت في موضع نصب على الوجوه كلّها، وإن جعلتها بمعنى أي وقرأت بقراءة المدنيين كانت في موضع رفع وإن قرأت بغيرها كانت في موضع نصب.\nجَزاءً مفعول من أجله أو مصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2464>[سورة السجده (٣٢): آية ١٨]</span>\nأَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨)\nلأن لفظ «من» تؤدّي عن الجماعة فلهذا قال: لا يستوون. هذا قول كثير من النحويين، وقال بعضهم: يستوون لاثنين إلّا أنّ الاثنين جمع، لأنه واحد جمع مع آخر. والحديث يدلّ على هذا القول لأنه عن ابن عباس ﵀ وغيره قال: نزلت أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا في علي بن أبي طالب ﵁، كَمَنْ كانَ فاسِقًا في الوليد بن عقبة بن أبي معيط «٣» .\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٤، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥١٦.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٣٢، والبحر المحيط ٧/ ١٩٧.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ١٩٨.","vol":"3","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2465>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)\nأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ في موضع رفع بالابتداء فوصفه الله جلّ وعزّ بالإيمان، وخبر الابتداء فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى والمعنى: فله ولنظرائه فعلى هذا جاء الجمع، وكذا وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما ظرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2466>[سورة السجده (٣٢): آية ٢١]</span>\nوَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)\nوَلَنُذِيقَنَّهُمْ لام قسم. مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى أي الأقرب، وأكثر أهل التفسير على أنها المصيبات في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2467>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٢]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)\nوَمَنْ أَظْلَمُ أي لنفسه. مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ أي بحججه وعلاماته. ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها بترك القبول فاعلم أنه ينتقم منه، فقال جلّ وعزّ: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2468>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٣]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مفعولان. فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ قد ذكرناه، وقد قيل: إن معناه فلا تكن في شكّ من تلقي موسى ﷺ الكتاب بالقبول، وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب فأوذي وكذّب فلا تكن في شكّ من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب والأذى. وهو قول غريب إلّا أنه من رواية عمرو بن عبيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2469>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٤]</span>\nوَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤)\nوَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً والكوفيون يقرءون أمّة وهو لحن عند جميع النحويين، لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة وهو من دقيق النحو، وشرحه أن الأصل أأممة ثم ألقيت حركة الميم الأولى على الهمزة، وأدغمت الميم في الميم وخفّفت الهمزة الثانية لئلا تجتمع همزتان، والجمع بين همزتين في حرفين بعيد فأما في حرف واحد فلا يجوز البتة إلّا بتخفيف آدم وآخر وهذا آدم من هذا لَمَّا صَبَرُوا «١» لصبرهم ولَمَّا صَبَرُوا أي حين صبروا جعلناهم أئمة.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٤ ومعاني الفراء ٢/ ٣٣٢، والبحر المحيط ٧/ ٢٠٠، وهذه قراءة عبد الله وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي، والجمهور بفتح الميم وشدّ الميم. [.....]","vol":"3","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2470>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٦]</span>\nأَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦)\nأَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وقتادة أو لمن نهد لهم «١» بالنون فهذه قراءة بيّنة. والقراءة الأولى بالياء فيها إشكال لأنه يقال: الفعل لا يخلو من فاعل فأين الفاعل ليهد فتكلّم النحويون في هذا فقال الفراء «٢»: «كم» في موضع رفع بيهد.\nوهذا نقض لأصول النحويين في قولهم: إنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا في كم بوجه أعني ما قبلها. ومذهب أبي العباس أنّ يهد يدلّ على الهدى فالمعنى أو لم يهد لهم الهدى، وقيل: المعنى أو لم يهد الله لهم فيكون معنى الياء ومعنى النون واحدا، وقال أبو إسحاق: كم في موضع نصب بأهلكنا. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ في موضع نصب بأنّ. أَفَلا يَسْمَعُونَ بمعنى أفلا يقبلون مثل: سمع الله لمن حمده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2471>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٧]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: هي أرض اليمن، وقال سفيان وحدّثني معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هي أبين «٣»، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة «إلى الأرض الجرز» قال:\nهي الظّمأى، وقال جويبر عن الضحاك إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ قال: الميتة العطشى، وقال الفراء «٤»: هي التي لا نبات فيها، وقال الأصمعي: الأرض الجرز التي لا تنبت شيئا. قال محمد بن يزيد: يبعد أن تكون إلّا أرضا بعينها لدخول الألف واللام إلّا أنه يجوز على قول ما قال ابن عباس والضحاك. قال أبو جعفر: الإسناد عن ابن عباس صحيح لا مطعن فيه، وهذا إنما هو نعت، والنعت للمعرفة يكون بالألف واللام. وهو مشتق من قولهم: رجل جروز إذا كان لا يبقي شيئا إلّا أكله. وحكى الفراء»\nوغيره أنه يقال: أرض جرز وجرز وجرز، وكذلك بخل ورعب ورهب في الأربعة أربع لغات فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا يكون معطوفا على نسوق، أو منقطعا مما قبله تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ في موضع نصب على النعت. وَأَنْفُسُهُمْ أي ويأكلون منه. والنفس في كلام العرب\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٠٠، ومختصر ابن خالويه ١١٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٣٣.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٠٠ (وقال ابن عباس: هي أرض أبين من اليمن، وهي أرض تشرب بسيول لا تمطر) .\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٣٣.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٣٣.","vol":"3","page":204},{"text":"على ضربين: أحدهما أنه يراد بها الانفصال، والآخر أنه يراد بها جملة الشيء وحقيقته قال جلّ وعزّ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [المائدة: ١١٦] أي تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. أَفَلا يُبْصِرُونَ يكون (ألا) للتنبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2472>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٨]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨)\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ «متى» في موضع رفع ويجوز أن تكون في موضع نصب على الظرف. قال الفراء «١»: يعني فتح مكة، وأولى من هذا ما قاله مجاهد قال:\nيعني يوم القيامة. قال أبو جعفر: ويوم فتح مكة قد نفع من آمن إيمانه. ويروى أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله جلّ وعزّ بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، فقال الكفار على التهزي: متى هذا الفتح أي هذا الحكم؟ ويقال: للحاكم فاتح وفتّاح لأن الأشياء تتفتح على يديه وتنفصل، وفي القرآن رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٨٩] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2473>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٩]</span>\nقُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩)\nقُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ على الظرف وأجاز الفراء الرفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2474>[سورة السجده (٣٢): آية ٣٠]</span>\nفَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)\nفَأَعْرِضْ عَنْهُمْ قيل: معناه أعرض عن سفههم ولا تجبهم إلا بما أمرت به.\nوَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ أي انتظر يوم الفتح يوم يحكم الله لك عليهم، فإن قال قائل: فكيف ينظرون يوم القيامة وهم لا يؤمنون به ففي هذا جوابان: أحدهما أن يكون المعنى أنهم ينتظرون الموت، وهو من أسباب القيامة فيكون هذا مجازا، والآخر أن فيهم من يشكّ ومنهم من يوقن بالقيامة فيكون هذا لهذين الصنفين والله جلّ وعزّ أعلم.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٣٣.","vol":"3","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2475>٣٣ شرح إعراب سورة الأحزاب</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2476>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ ضممت أيا لأنه نداء مفرد والتنبيه لازم لها والنبي نعت لأيّ عند النحويين إلّا الأخفش فإنه يقول: إنه صلة لأي، وهو خطأ عند أكثر النحويين لأن الصلة لا تكون إلّا جملة والاحتيال له فيما قال: إنه لما كان نعتا لازما سماه صلة فهكذا الكوفيون يسمون نعت النكرة صلة لها، وأجاز بعض النحويين «١» النصب، اتَّقِ اللَّهَ حذفت الياء لأنه أمر. وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ أي لا تطعهم فيما نهيت عنه ولا تمل إليهم، ودلّ بقوله جلّ وعزّ: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا على أنه إنما كان يميل إليهم استدعاء لهم إلى الإسلام أي لو علم الله جلّ وعزّ أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنه لأنه حكيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2477>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢]</span>\nوَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)\nوَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ أي من اجتنابهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2478>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣]</span>\nوَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)\nوَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي في الخوف من ضررهم. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي كافيا لك مما تخافه منهم «وكيلا» نصب على البيان أو على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2479>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤]</span>\nما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)\nما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «من» زائدة للتوكيد، وشبه هذا بالأول أنّه لم\n_________\n(١) انظر أسرار العربية ص ٢٢٩.","vol":"3","page":206},{"text":"يجعل للإنسان قلبين قلبا يخلص به لله جلّ وعزّ وقلبا يميل به إلى أعدائه. وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ «١» مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ مفعولان وهو مشتق من الظهر لأن الظهر موضع الركوب. وكانت العرب تطلق بالظّهار. وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ أهل التفسير على أن هذا نزل في زيد بن حارثة. وفي الحديث أن خديجة ﵂ وهبته لرسول الله ﷺ، فجاء أبوه حارثة إلى رسول الله ﷺ فقال: خذ مني فداه فقال له: أنا أخيّره فإن أراد أن يقيم عندي أقام، وإن اختارك فخذه فاختار المقام فأعتقه النبيّ ﷺ، وقال: «هو ابني يرثني وأرثه» «٢»، ثم أنزل الله جلّ وعزّ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ أي ادعوهم لآبائهم. قال ابن عمر: ما كنا ندعوه إلّا زيد بن محمد فنسب كلّ دعيّ إلى أبيه.\nذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ ابتداء وخبره أي هو قول بلا حقيقة. وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ أي القول الحقّ نعت لمصدر، ويجوز أن يكون مفعولا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2480>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥]</span>\nادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)\nفَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ أي فهم إخوانكم وَمَوالِيكُمْ عطف عليه.\nوَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ قول قتادة هو أن ينسب الرجل إلى غير أبيه، وهو يرى أنه أبوه. قال أبو جعفر: وقد قيل: إنّ هذا مجمل أي وليس عليكم جناح في شيء أخطأتم به، وكانت فتيا عطاء على هذا إذا حلف رجل ألّا يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقّه فأخذ منه ما يرى أنه جيد من دنانير فوجدها زجاجا أنه لا شيء عليه، وكذا عنده إذا حلف أنه لا يسلّم على فلان فسلّم عليه وهو لا يعرفه أنه لا يحنث لأنه لم يعمد لذلك. وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ «ما» في موضع خفض ردّا على «ما» التي مع أخطأتم، ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، والتقدير: ولكن الذي تؤاخذون به ما تعمدت قلوبكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2481>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦]</span>\nالنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٦)\nالنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ في معناه قولان: أحدهما النبي أولى بالمؤمنين من بعضهم لبعض مثل فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٥٤]، والآخر أنه إذا أمر النبيّ ﷺ\n_________\n(١) انظر القراءات التسعة في البحر المحيط ٧/ ٢٠٧، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥١٩.\n(٢) انظر زاد المسير ٦/ ٣٥١، وابن كثير ٣/ ٤٦٨، والقرطبي ١٤/ ٧٩.","vol":"3","page":207},{"text":"بشيء ودعت النفس إلى غيره كان أمر النبي ﷺ أولى. وفي الحديث «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أو ضياعا فعليّ» «١» .\nوَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ أي في الحرمة ولا يحلّ لهم تزوّجهنّ. وَأُولُوا الْأَرْحامِ مبتدأ وبَعْضُهُمْ مبتدأ ثان أو بدل أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ يكون التقدير وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين، ويجوز أن يكون المعنى: أولى من المؤمنين والمهاجرين. إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا في موضع نصب استثناء ليس من الأول. قال محمد ابن الحنفية رحمة الله عليه: نزلت في إجازة الوصية لليهودي والنصراني. كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا أي مكتوبا في نسق كالسطر. ويقال:\nسطر والجمع أسطار، ومن قال سطر قال: أسطر وسطور يصلح لهما جميعا إلّا أنه بالمسكّن أولى وأكثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2482>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٧)\nوَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ قال الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم قال: على قومهم وعن أبيّ بن كعب قال: هو مثل وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف: ١٧٢] الآية، قال: فأخذ ميثاقهم وعلى الأنبياء- صلوات الله عليهم- منهم النور كأنه السّرج ثم أخذ ميثاق النبيين خاصة للرسالة قال: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ الآية قال:\n«ومن نوح» ولم يقل: ونوح لأن المظهر إذا عطف على المضمر المخفوض أعيد الحرف تقول: مررت به وبزيد وَإِبْراهِيمَ عطف مظهر على مظهر فلم يعد الحرف وكذا وَمُوسى وَعِيسَى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2483>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٨]</span>\nلِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٨)\nلِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ قد ذكرناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2484>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)\nفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وفي الحديث «نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور» «٢» وكان في هذه الريح أعظم الآيات والدلالات للنبيّ ﷺ لأن الله جلّ وعزّ أرسل على أعدائه ريحا\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة في سننه- الصدقات- باب ٣ الحديث رقم (٢٤١٧)، والترمذي في سننه- الجنائز ٤/ ٢٩١.\n(٢) انظر المعجم لونسنك ٦/ ٤٦٠.","vol":"3","page":208},{"text":"شديدة البرد فقطعت خيامهم وشغلتهم ببردها، والمؤمنون حذاءهم لم يلحقهم منها شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2485>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٠]</span>\nإِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)\nوَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا والكوفيون يقرءونها بغير ألف، وذلك مخالف للمصحف وإن كان حسنا في العربية. وأولى الأشياء في هذا أن يوقف عليه بالألف ولا يوصل لأنه إن وصل بالألف كان لاحنا، وإن وصل بغير ألف كان مخالفا للمصحف، وإذا وقف بالألف كان متّبعا للسواد موافقا للإعراب لأن العرب تثبت هذه الألف في القوافي وتثبتها في الفواصل ليتّفق الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2486>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١١]</span>\nهُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا (١١)\nهُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ أي في ذلك الوقت اختبر المؤمنون. واللام زائدة للتوكيد، وإن كانت مكسورة والكاف للخطاب. وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا، ويقال: زلزال في المضاعف خاصة وغير المضاعف لا يجوز فيه الفتح. ويقال: دحرجته دحراجا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2487>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرارًا (١٣)\nوَإِذْ في موضع نصب بمعنى واذكر، وكذا وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ قال أبو عبيدة «١»: يثرب اسم أرض والمدينة منها. لا مُقامَ لَكُمْ «٢» أي مكان يقيمون فيه، وأنشد: [الوافر] ٣٤١-\nفأيّي ما وأيّك كان شرّا ... فسيق إلى المقامة لا يراها «٣»\nوقرأ أبو عبد الرحمن والأعرج لا مُقامَ لَكُمْ يكون مصدرا من قام يقيم أو موضعا يقيمون فيه أو يقامون وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ وقراءة أبي رجاء وتروى عن ابن عباس إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ «٤» وهذا اسم الفاعل من عور يعور عورة ويجوز أن يكون مصدرا أي ذات عورة ويجوز أن يكون في موضع اسم الفاعل على السعة كما تقول: رجل عدل، أي عادل ويقال: أعور\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن ١/ ١٣٤.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٤٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٠، وقراءة حفص بضمّ الميم والباقون بفتحها.\n(٣) مرّ الشاهد رقم ١٢٠. [.....]\n(٤) انظر البحر المحيط ٧/ ٢١٢.","vol":"3","page":209},{"text":"المكان إذا تبيّنت فيه عورة وأعور الفارس إذا تبيّن منه موضع خلل. إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا أي ليس قصدهم ما قالوا وإنما قصدهم للفرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2488>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (١٥)\nوَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها وهي البيوت أو المدينة. ثمّ سئلوا الفتنة لأتوها هذه قراءة أهل الحرمين، وقراءة أهل البصرة وأهل الكوفة لَآتَوْها «١» وهو اختيار أبي عبيد، واحتجّ بحديث «٢» الجماعة الذين فيهم بلال أنهم أعطوا الفتنة من أنفسهم غير بلال. قال أبو جعفر: الحديث في أمر بلال لا يشبه الآية، لأن الله جلّ وعزّ خبّر عن هؤلاء بهذا الخبر وبلال وأصحابه إنما أكرهوا، وفي هذه الآية: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها أي لو دخل عليهم الكفار لجاءوهم، وهذا خلاف ما عاهدوا الله عليه وفي القصّة وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ فهذا يدلّ على «لأتوها» مقصورا.\nوَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيرًا أي كان العذاب يأخذهم أو يهلكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2489>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٦]</span>\nقُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٦)\nوَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا وفي بعض الروايات وإذا لا تمتّعوا تنصب بإذن، والرفع بمعنى لا تمتّعون إذن فتكون إذن ملغاة، ويجوز إعمالها فهذا حكمها إذا كان قبلها الواو أو الفاء، فإن كانت مبتدأة نصبت بها فقلت: إذن أكرمكم. وروى سيبويه «٣» عن بعض أصحاب الخليل عن الخليل ﵀ أنّ «أن» معها مضمرة وسماعه منه النصب بها فإن توسّطت لم يجز أن تنصب عند البصريين تقول: أنا إذن أكرمك، وكنت إذن أكرمك، وإنّي إذن أكرمك. الفراء «٤» ينصب هنا أعني في «إنّ» خاصة، وأنشد: [الرجز] ٣٤٢-\nإنّي إذا أهلك أو أطيرا «٥»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٥.\n(٢) انظر تفسير الطبري ١٤/ ١٤٩.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ١٤.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٣٨.\n(٥) الرجز بلا نسبة في لسان العرب (شطر) وتهذيب اللغة ١١/ ٣٠٨، وتاج العروس (شطر)، ومقاييس اللغة ٣/ ١٨٧، ومجمل اللغة ٣/ ١٨٥، وأساس البلاغة (شطر)، والإنصاف ١/ ١٧٧، وأوضح المسالك ٤/ ١٦٦، والجنى الداني ٣٦٢، وخزانة الأدب ٨/ ٤٥٦، والدرر ٤: ٧٢، ورصف المباني ٦٦، وشرح الأشموني ٣/ ٥٥٤، وشرح التصريح ٢/ ٢٣٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٧٠، وشرح المفصل ٧/ ١٧، ومغني اللبيب ١/ ٢٢، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٨٣، والمقرّب ١/ ٢٦١، وهمع الهوامع ٢/ ٧.\nوقبله:\n«لا تدعني فيهم شطيرا»","vol":"3","page":210},{"text":"والشعر منصوب وعلته في «إنّ» أنها لا تنصرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2490>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٨]</span>\nقَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٨)\nقَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ أي المتعرّضين لأن يصدّوا الناس عن النبي. مشتقّ من عاقني عن كذا أي صرفني عنه، وعوّق على التكثير. وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا على لغة أهل الحجاز وغيرهم يقول: هلمّوا للجماعة وهلمّي للمرأة لأن الأصل ها التي للتنبيه ضمّت إليها «لمّ» ثم حذفت الألف استخفافا، وبنيت على الفتح ولم يجز فيها الكسر ولا الضم لأنها لا تتصرّف. ومعنى «هلمّ» أقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2491>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٩]</span>\nأَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)\nأَشِحَّةً نصب على الحال. قال أبو إسحاق: ونصبه عند الفراء «١» من أربع جهات: إحداهما أن يكون على الذمّ، ويجوز عنده أن يكون نصبا يعوّقون أشحّة، ويجوز عنده أن يكون التقدير: والقائلين أشحّة، ويجوز عنده ولا يأتون البأس إلّا قليلا يأتونه أشحّة أي أشحّة على الفقراء بالغنيمة جبناء. قال أبو جعفر: لا يجوز أن يكون العامل فيه المعوّقين ولا القائلين لئلّا يفرّق بين الصلة والموصول فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ وصفهم بالجبن، وكذا سبيل الجبان ينظر يمينا وشمالا محدّدا بصره وربّما غشي عليه فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ وحكى الفراء صلقوكم «٢» بالصاد. وخطيب مسلاق ومصلاق إذا كان بليغا. أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا أي وإن كان ظاهرهم الإيمان فليسوا بمؤمنين لأن المنافق كافر على الحقيقة وصفهم الله جلّ وعزّ بالكفر. وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا أي يقول الحقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2492>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٠]</span>\nيَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلًا (٢٠)\nيَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا أي لجبنهم. وقرأ طلحة وإن يأت الأحزاب يودّوا لو أنهم بدّا «٣» في الأعراب يقال: باد وبدّا بالقصر مثل غاز وغزّى ويمدّ مثل صائم وصوّام. وقرأ الحسن وعاصم الجحدري يسّاءلون عن أنبائكم «٤» والأصل يتساءلون\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٣٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٣٩، والبحر المحيط ٧/ ٢١٥.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ١١٩.\n(٤) انظر البحر المحيط ٧/ ٢١٥، ومعاني الفراء ٢/ ٣٣٩.","vol":"3","page":211},{"text":"ثم أدغم. وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا نعت لمصدر أو لظرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2493>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢١]</span>\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ «١» حَسَنَةٌ أي في خروجه إلى الخندق وصبره، وقرأ عاصم أُسْوَةٌ بضم الهمزة. والكسر أكثر في كلام العرب والجمع فيهما جميعا واحد عند الفراء، والعلّة عنده في الضمّ على لغة من كسر في الواحد الفرق من ذوات الواو وذوات الياء فيقولون: كسوة وكسى، ولحية ولحي. لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ لا يجوز عند النحويين الحذّاق أن يكتب «يرجو» إلّا بغير ألف إذا كان لواحد لأن العلّة التي في الجمع ليست في الواحد. وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا أي ذكرا كثيرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2494>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٢]</span>\nوَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)\nوَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ ومن العرب من يقول: راء على القلب. قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إن جعلت «ما» بمعنى الذي فالهاء محذوفة، وإن جعلتها «٢» مصدرا لم يحتج إلى عائد. وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا قال الفراء: وما زادهم النظر إلى الأحزاب. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: رأى يدلّ على الرؤية، وتأنيث الرؤية غير حقيقي. والمعنى: وما زادهم الرؤية، مثل من كذب كان شرّا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2495>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٣]</span>\nمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)\nمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ رفع بالابتداء، وصلح الابتداء بالنكرة لأن «صدقوا» في موضع النعت. قال أبو إسحاق: «ما» في موضع نصب. قال أبو جعفر: يقال: صدقت العهد أي وفيت به. فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ «من» في موضع رفع بالابتداء، وقد ذكرنا معناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2496>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)\nوَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا قال محمد بن عمرو عن أبيه عن جدّه عن\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٥.\n(٢) انظر تفسير الطبري ٢١/ ١٤٩.","vol":"3","page":212},{"text":"عائشة ﵂ قالت في قوله: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ أبو سفيان وعيينة ابن برد، رجع أبو سفيان إلى تهامة وعيينة إلى نجد. وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ بأن أرسل عليهم الريح حتى رجعوا فرجعت بنو قريظة إلى صياصيهم. قال أبو جعفر:\nفكفي أمر بني قريظة بالرعب حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ رحمة الله عليه فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم. وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا أي لا يردّ أمره عَزِيزًا لا يغلب.\nوبيّن هذا في بني قريظة قال جلّ ثناؤه وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ قال محمد بن يزيد: أصل الصيصية ما يمتنع به فالحصن صيصية ويقال لقرون البقر: صياص لامتناعها. وكذا يقال في شوكة الديك قال: ويقال الشوكة الحائك صيصية تشبيها بها، وأنشد: [الطويل] ٣٤٣-\nكوقع الصّياصي في النّسيج الممدّد «١»\nفَرِيقًا نصب بتقتلون. وفَرِيقًا نصب بتأسرون، وحكى الفراء «٢» «تأسرون» بضم السين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2497>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٧]</span>\nوَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)\nوَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لأن المهاجرين لم تكن لهم بالمدينة دور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2498>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٨]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٢٨)\nفَتَعالَيْنَ نون المؤنّث فيه وهي لا تحذف لأنه مبنيّ ولو حذفت لأشكل. قال الخليل ﵀: الأصل في تعال: ارتفع ثم كثر استعمالهم حتى قيل للمتعالي: تعال أي أنزل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2499>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣١]</span>\nوَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)\nوَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا قراءة أهل الحرمين والحسن وأبي عمرو\n_________\n(١) الشاهد لدريد بن الصمة في ديوانه ٦٣، ولسان العرب (نوش) و(صيص)، و(شيق) و(صيا)، وكتاب العين ٧/ ١٧٦، وتهذيب اللغة ١٢/ ٢٦٦، وتاج العروس (صيص)، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٢٤٢، والمخصص ١٢/ ٢٦٠.\nوصدره:\n«غداة دعاني والمرماح ينشنه»\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٤١. [.....]","vol":"3","page":213},{"text":"وعاصم، وقرأ سائر الكوفيين ويعمل صالحا «١» وأبو عبيد يميل إلى هذه القراءة لأنه عطف على الأول. وقد أجمعوا على الأول بالياء فقرؤوا «ومن يقنت» . قال أبو جعفر:\nالثاني مخالف للأول لأن الأول محمول على اللفظ وليس قبله ما يتبعه، والثاني قبله منكن وهذه النون للتأنيث فتعمل بالتاء أولى لأنه يلي مؤنثا وإن كان بالياء جائزا حسنا، وبعده نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ بالتأنيث في السواد وكذا وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا أهل التفسير على أن الرزق الكريم هاهنا الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2500>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٢]</span>\nيا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)\nيا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ولم يقل: كواحدة لأنّ «أحدا» نفي عام يقع للمذكّر والمؤنّث، والجميع على لفظ واحد. فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ في موضع جزم بالنهي إلّا أنه مبني كما بني الماضي، هذا مذهب سيبويه «٢»، وقال أبو العباس محمد بن يزيد حكاه لنا علي بن سليمان عنه، ولا أعلمه في شيء من كتبه، قال: إذا اعتلّ الشيء من جهتين وهو اسم منع الصرف فإذا اعتلّ من ثلاث جهات بني لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء فهذا الفعل معتلّ من ثلاث جهات: منها أن الفعل أثقل من الاسم وهو جمع، والجمع أثقل من الواحد وهو للمؤنّث، والمؤنّث أثقل من المذكر، وهذا القول عند أبي إسحاق خطأ، وقال: يلزمه ألّا يصرف فرعون إذا سمّي به امرأة لأن فيه ثلاث علل. فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ منصوب لأنه جواب النهي، وقد بيّنّاه بأكثر من هذا، وحكى أبو حاتم أن الأعرج قرأ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ «٣» بفتح الياء وكسر الميم. قال أبو جعفر: أحسب هذا غلطا وأن يكون قرأ فَيَطْمَعَ الَّذِي «٤» بفتح الميم وكسر العين يعطفه على «يخضعن» وهذا وجه جيد حسن، ويجوز «فيطمع» الذي بمعنى فيطمع الخضوع أو القول وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2501>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nوَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)\nوَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ هذه قراءة أبي عمرو والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ أهل\n_________\n(١) انظر تفسير الداني ١٤٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢١.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٤٥.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ١١٩، والبحر المحيط ٧/ ٢٢٢.\n(٤) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٢٢.","vol":"3","page":214},{"text":"المدينة وعاصم وَقَرْنَ «١» بفتح القاف. و«قرن» بكسر القاف فيه تقديران: أما مذهب الفراء «٢» وأبي عبيد فإنه من الوقار ويقال: وقر يقر وقورا إذا ثبت في منزله، والقول الآخر أن يكون من قرّ في المكان يقرّ بكسر القاف، فيكون الأصل وقررن حذفت الراء الأولى استثقالا للتضعيف وألقيت حركتها على القاف فصار وقرن كما يقال: ظلت أفعل بكسر الظاء. فأما و«قرن» فقد تكلم فيه جماعة من أهل العربية فزعم أبو حاتم أنه لا مذهب له في كلام العرب، وزعم أبو عبيد أن أشياخه كانوا ينكرونه من كلام العرب.\nقال أبو جعفر: أما في قول أبي عبيد إنّ أشياخه أنكروه، ذكر هذا في «كتاب القراءات» فإنه قد حكى في «الغريب المصنّف» «٣» نقض هذا. حكي عن الكسائي أنّ أهل الحجاز يقولون: قررت في المكان أقرّ. والكسائي من أجلّ مشايخه، ولغة أهل الحجاز هي اللغة القديمة الفصيحة. وأما قول أبي حاتم: أنه لا مذهب له فقد خولف فيه، وفيه مذهبان أحدهما ما حكاه الكسائي، والآخر ما سمعت علي بن سليمان يقوله، قال: هو من قررت به عينا أقرّ. فالمعنى: واقررن به عينا في بيوتكن، وهذا وجه حسن إلّا أن الحديث يدلّ على أنه من الأول كما روي أن عمار قال لعائشة ﵄: إنّ الله جلّ وعزّ أمرك أن تقرّي في منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان ما زلت قوّالا بالحقّ، فقال:\nالحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. وَلا تَبَرَّجْنَ قال أبو العباس: حقيقة التبرّج إظهار الزينة وإظهار ما ستره أحسن، وهو مأخوذ من السعة يقال: في أسنانه تبرّج إذا كانت متفرّقة. قال: و«الجاهلية الأولى» كما تقول: الجاهلية الجهلاء، قال:\nوكانت النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرون ما يقبح إظهاره حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخلمها فينفرد خلمها بما فوق الإزار إلى الأعلى. وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى الأسفل، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل. إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ قال أبو إسحاق: قيل: يراد به نساء النبيّ ﷺ، وقيل يراد به نساؤه وأهله الذين هم أهل بيته. قال أبو جعفر: والحديث في هذا مشهور عن أم سلمة وأبي سعيد الخدري أن هذا نزل في عليّ وفاطمة والحسن والحسين»\n﵃، وكان عليهم كساء، وقوله «عنكم» يدلّ على أنه ليس للنساء خاصة. قال أبو إسحاق: أَهْلَ الْبَيْتِ نصب على المدح، قال: وإن شئت على النداء. قال: ويجوز الرفع والخفض.\nقال أبو جعفر: إن خفضت على أنه بدل من الكاف والميم لم يجز عند محمد بن يزيد، قال: لا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب، لأنهما لا يحتاجان إلى تبيين. وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا مصدر فيه معنى التوكيد حوّلت المخاطبة على الحديث المروي إلى أزواج النبيّ ﷺ فقال جلّ وعزّ: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط: ٧/ ٢٢٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٤٢.\n(٣) انظر الغريب المصنّف ص ٢٦١.\n(٤) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٢٤، وتفسير الطبري ٢٢/ ٦.","vol":"3","page":215},{"text":"خفّفت النون الأولى لأنها بمنزلة واو المذكر، تقول في المذكر واذكروا، وثقّلت في الثاني لأنهما بمنزلة الميم والواو في قولك: في بيوتكم إلّا أن الواو يجوز حذفها لثقلها، وأنّ قبلها ميما يدلّ عليها. مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ أكثر أهل التفسير على أنّ الحكمة هاهنا السّنة وبعضهم يقول: هي من الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2502>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]</span>\nإِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)\nإِنَّ الْمُسْلِمِينَ اسم إن. وَالْمُسْلِماتِ عطف عليه، ويجوز رفعهن عند البصريين. فأما الفراء فلا يجيزه إلّا فيما لا يتبيّن فيه الإعراب. وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ التقدير والحافظاتها ثم حذف، ويجوز على هذا: ضربني وضربت زيد، فإن لم تحذف قلت: وضربته ومثله: ونخلع ونترك من يفجرك، وإن لم تحذف قلت:\nوتتركه. وحكى سيبويه «١»: متى ظننت أو قلت زيدا منطلقا، فإن لم تحذف قلت: متى ظننت أو قلت هو زيدا منطلقا، وإن شئت قلت متى ظننت أو قلته زيدا منطلقا. فهذا كلّه على إعمال الأول، فإن أعملت الثاني قلت: متى ظننت أو قلت زيد منطلق. هذه اللغة الجيدة، وإن شئت قلت: متى ظننت أو قلت زيدا منطلقا، على إعمال الثاني وتكون قلت عاملة كظننت. وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ مثله قال مجاهد: لا يكون ذاكرا الله كثيرا جلّ وعزّ قائما وجالسا ومضطجعا. وقال أبو سعيد الخدري: من أيقظ أهله بالليل فصلّيا أربع ركعات كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2503>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]</span>\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا (٣٦)\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا قال الحسن: ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا أمر الله بأمر ورسوله بأمر أن يعصياه، وقرأ الكوفيون «٢» أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ وهو اختيار أبي عبيد لأنه قد فرق بين المؤنّث وبين فعله. قال أبو جعفر: القراءة بالياء جائزة فأما أن تكون مقدّمة على التاء فلأن اللفظ مؤنث فتأنيث فعله حسن، والتذكير على أنّ الْخِيَرَةُ بمعنى التخيّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2504>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]</span>\nوَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ١٧٨.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٤٥.","vol":"3","page":216},{"text":"وَإِذْ تَقُولُ في موضع نصب وهي غير معربة لأنها لا تتمكّن. لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ قال بعض العلماء: لم يكن هذا من النبيّ ﷺ ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالاستغفار منه، وقد يكون الشيء ليس بخطيئة إلّا أن غيره أحسن منه وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يفتن الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2505>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٨]</span>\nما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)\nما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ «من» زائدة للتوكيد سُنَّةَ اللَّهِ مصدر لأن قبله ما هو بمعنى سنّ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2506>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٩]</span>\nالَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)\nالَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ قال أبو إسحاق: الَّذِينَ في موضع جرّ على النعت لقوله: الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ قال: ويجوز أن يكون في موضع رفع، قال:\nويجوز أن يكون في موضع نصب على المدح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2507>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٠]</span>\nما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)\nما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وقد كان لرسول الله ﷺ أولاد منهم إبراهيم والقاسم والطّيب، والحسن والحسين ﵃ ولدا رسول الله ﷺ كما أن عيسى ﵇ من ولد آدم ﷺ، ففي هذا جوابان: أحدهما، وهو قول أبي إسحاق، أن المعنى ما كان محمد أبا أحد ممن تبنّاه ولكنه أبو أمته في التبجيل والتعظيم، وإنّ نساءه ﵅ عليهم حرام، وجواب آخر يكون هذا على الحقيقة أنّ النبيّ ﷺ في وقت نزلت فيه هذه الآية لم يكن أبا أحد من الرجال، ومن ذكرنا من إبراهيم والقاسم والطيّب ماتوا صبيانا. وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ قال الأخفش والفراء «١»: أي ولكن كان رسول الله وأجاز وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ بالرفع على إضمار مبتدأ، وزعم الفراء «٢» أنه قد قرئ به، وقرأ الحسن والشعبي وعاصم وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ «٣» بفتح التاء أي آخر النبيين، كما قرأ علقمة بن قيس خاتمه مسك [المطففين: ٢٦] أي آخره، وخاتم من ختم فهو خاتم وفي قراءة عبد الله «٤» ولكنّ نبيا ختم النّبيّين ويقال للذي يلبس خاتم\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٤٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٤٤.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٤٥.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ٢٢٠، والبحر المحيط ٧/ ٢٢٨. [.....]","vol":"3","page":217},{"text":"وخاتم وخيتام وخاتام. وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا خبر كان والتقدير: عليم بكلّ شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2508>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٢]</span>\nوَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)\nقال محمد بن يزيد: الأصيل العشيّ وجمعه أصائل والأصل بمعنى الأصيل وجمعه آصال، وقال غيره: أصل جمع أصيل كرغيف ورغف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2509>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٣]</span>\nهُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)\nهُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ الأصل في الصلاة عند أهل اللغة الدعاء كما قال الأعشى: [البسيط] ٣٤٤-\nعليك مثل الّذي صلّيت فاغتمضي ... يوما فإنّ لجنب المرء مضطجعا «١»\nأي الزمي مثل الدعاء الذي دعوت لي به لأن قبله:\n٣٤٥-\nتقول بنتي وقد قرّبت مرتحلا ... يا ربّ جنّب أبي الأوصاب والوجعا «٢»\nويروى: عليك مثل الذي صلّيت، أي عليك مثل دعائك. وسمّيت الصلاة صلاة لما فيها من الدعاء ولهذا وغيره يقول فقهاء أهل المدينة يدعو في صلاته بما أراد، إلّا أن محمد بن يزيد زعم أن أصل الصلاة: الترحّم، وأخرجها كلّها من باب واحد، والصلاة من الله رحمته عباده، ومن الملائكة رقّة لهم واستدعاء الرحمة من الله جلّ وعزّ إيّاهم، والصلاة من الناس لطلب الرحمة من الله جلّ وعزّ بأداء الفرض أو النفل. إلا أن في الحديث أن بني إسرائيل سألوا ﷺ أن يصلي ربّك جلّ وعزّ فأعظم ذلك فأوحى جلّ وعزّ إليه أنّ صلاتي أي رحمتي سبقت غضبي. لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ قال الضحاك: «الظلمات» الكفر و«النور» الإيمان، ويجوز «الظّلمات» تبدل من الضمة فتحة لخفّة الفتحة إلا أن الكسائي كان يقول: ظلمات جمع ظلم، وظلم جمع ظلمة، ومن قال: ظلمات حذف الضمة لثقلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2510>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٤]</span>\nتَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)\nتَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ مبتدأ وخبر. وأجل ما روي فيه أن البراء بن عازب قال:\nتحيّتهم يوم يلقونه سلام يسلّم ملك الموت على المؤمنين عند قبض روحه لا يقبض روحه حتى يسلم عليه، وتأوله أبو إسحاق على أن هذا في الجنّة، واستشهد بقوله:\n_________\n(١) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٥١، ولسان العرب (ضجع)، و(صلا)، وتهذيب اللغة ١٢/ ٢٣٦، وتاج العروس (ضجع) .\n(٢) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٥١، ومقاييس اللغة ٣/ ٣٠٠، وتاج العروس (شفع) .","vol":"3","page":218},{"text":"تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وفرق محمد بن يزيد بين التحية والسّلام، فقال: التحيّة تكون لكلّ دعاء والسلام فخصوص، ومنه يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا [الفرقان: ٧٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2511>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٥]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)\nنصب على الحال. قال سعيد عن قتادة: شاهِدًا على أمته بالبلاغ وَمُبَشِّرًا بالجنة وَنَذِيرًا من النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2512>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٦]</span>\nوَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا (٤٦)\nوَداعِيًا إِلَى اللَّهِ أي إلى شهادة أن لا إله إلّا الله، بِإِذْنِهِ قال: بأمره. وَسِراجًا مُنِيرًا قال: كتاب الله جلّ وعزّ. قال أبو جعفر: التقدير على قوله وداعيا إلى توحيد الله جلّ وعزّ وذا سراج أي ذا كتاب بين، وأجاز أبو إسحاق أن يكون بمعنى وتاليا كتابا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2513>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٧]</span>\nوَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)\nوَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ والباء تحذف من مثل هذا، ولا يجوز دخول اللام في الخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2514>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٨]</span>\nوَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)\nوَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ تأوّله أبو إسحاق بمعنى: دع الأذى الذي يؤذونك به أي لإنجازهم عليه حتى تؤمر فيهم بشيء. وتأوّله غيره لا تؤذهم وكان هذا عنده من قبل أن يؤمر بالقتال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2515>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٤٩) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)\nفَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ «من» زائدة للتوكيد. وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً عطف أي وأحللنا لك امرأة مؤمنة. إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ قال أبو إسحاق: إن وهبت نفسها للنبيّ حلّت له.\nوقرأ الحسن أن وهبت بفتح الهمزة، و«إن» في موضع نصب. قال أبو إسحاق: فهي لأن وهبت، وقال غيره: إنّ وهبت بدل الاشتمال من امرأة خالِصَةً نصب على الحال.\nقَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ قال قتادة الذي فرض جلّ","vol":"3","page":219},{"text":"وعزّ عليهم في أزواجهم أنه لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين وصداق، وأن لا يتزوج الرجل أكثر من أربع، وقال غيره: يدلّ على هذا وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور:\n٣٢]، وَلا تَعْضُلُوهُنَّ [النساء: ١٩] وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٣٢] مع ما يقوّي ذلك الحديث عن النبيّ ﷺ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فالذي فرض فيه ألّا يحلّ من النساء إلّا سبي من لا ذمة له لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ أي لا تتعدّ هذا، وقيل: هو راجع على قوله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ وما بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2516>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥١]</span>\nتُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)\nترجئ من تشاء منهنّ بالهمزة من أرجأت الأمر إذا أخّرته. ويقرأ تُرْجِي «١» بغير همز. وقد تكلم النحويون في الحيلة له فقال بعضهم: هي لغة وإن كانت ليست بالفصيحة، ومنهم من قال: على بدل الهمزة على لغة من قال: قريت. قال أبو جعفر:\nوسمعت علي بن سليمان يقول: الصحيح من قول سيبويه أنه لا يجيز بدل الهمزة لأن أبا زيد قال له: من العرب من يقول في قرأت قريت مثل رميت فقال سيبويه: كيف يقولون في المستقبل؟ قال: يقولون يقرأه قال له سيبويه: كان يجب أن يقولوا: يقرى مثل رميت أرمي. قال أبو الحسن: وهذا من كلام سيبويه يدلّ على أنه لا يجوز عنده، قال: وسمعت محمد بن يزيد يقول: هو من رجا يرجو مشتق، يقال: رجا وأرجيته أي جعلته يرجو. ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ قد ذكرناه «٢» . وقيل فيه: ذلك أقرب ألّا يحزن إذا لم تجتمع أحداهن مع الأخرى، وتعاين الأثرة والميل. وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ على توكيد المضمر أي ويرضين كلّهن، وأجاز أبو حاتم وأبو إسحاق وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ على التوكيد للمضمر الذي في «آتيتهنّ»، والفراء «٣» لا يجيزه لأن المعنى ليس عليه إذ كان المعنى وترضى كلّ واحدة منهن، وليس المعنى بما أتيتهن كلّهن. قال أبو جعفر: والذي قال حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2517>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٢]</span>\nلا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)\nلا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال الفراء «٤»: اجتمعت القراء على القراءة بالياء\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ١٢٠، والبحر المحيط ٧/ ٢٣٤.\n(٢) انظر إعراب الآية ٣٣- الأحزاب.\nوالبحر المحيط ٧/ ٢٣٥.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٣٦.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٤٦.","vol":"3","page":220},{"text":"لا يَحِلُّ لَكَ وزعم أنه لو كان لجميع النساء لكان بالتاء أجود. وقال أبو جعفر: وهذا غلط بين وكيف يقال: اجتمعت القراء على الياء، وقد قرأ أبو عمرو بالتاء «١» بلا اختلاف عنه وإذا كان لجماعة النساء كان بالياء جائزا حسنا. وسمعت علي بن سليمان يقول:\nسمعت محمد بن يزيد يقول: من قرأ لا تحل لك النساء قدره بمعنى جماعة النساء، ومن قرأ بالياء قدّره بمعنى جميع النساء. والفراء يقدره إذا كان بالياء لا يحلّ لك شيء من النساء فحمل التذكير على هذا إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ في موضع رفع على البدل من النساء، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الاستثناء. وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ في موضع رفع عطفا على النساء أي لا يحلّ لك النساء التبدل بهن، ومن قال: إن الآية لا يجوز فإنما أجاز ذلك لأنها في معنى النهي، وإن كان لفظهما لفظ الأخبار لا يجوز أن تنسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2518>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ «إن» في موضع نصب على معنى إلّا بأن يؤذن لكم، ويكون استثناء ليس من الأول إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ نصب على الحال أي لا تدخلوا في هذه الحال، ولا يجوز في غير الخفض على النعت للطعام لأنه لو كان نعتا لم يكن بد من إظهار الفاعلين وكان يكون غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ أنتم، ونظير هذا من النحو: هذا رجل مع رجل ملازم له، وإن شئت قلت: هذا رجل ملازم له هو، ومررت برجل معه صقر صائد به، وإن شئت قلت: صائد به هو.\nوَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا الفاء في جواب إذا لازمة لما فيها من معنى المجازاة. وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ في موضع نصب عطفا على غير. ويجوز أن يكون خفضا عطفا على ما بعد غير فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ قال أبو إسحاق: ويقال: يستحي بياء واحدة تحذف الياء تخفيفا. قال أبو جعفر: وقد ذكرت هذا في السورة التي تذكر فيها البقرة «٢» . وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ في موضع رفع اسم كان. وَلا أَنْ تَنْكِحُوا معطوف عليه.\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٣، وتيسير الداني ١٤٥.\n(٢) انظر آية ٢٦ من سورة البقرة.","vol":"3","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2519>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٦]</span>\nإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)\nإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ عطف وحكي «وملائكته» بالرفع وأجاز الكسائي على هذا: إنّ زيدا وعمرو منطلقان. ومنع هذا جميع النحويين غيره. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: الآية لا تشبه ما أجازه لأنك لو قلت: إنّ زيدا وعمرو منطلقان، أعملت في منطلقين شيئين وهذا محال، والتقدير في الآية: إنّ الله جلّ وعزّ يصلّي على النبي وملائكته يصلّون على النبي ﷺ ثم حذفت من الأول لدلالة الثاني. والذي قال حسن. ولقد قال بعض أهل النظر في قراءة من قرأ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ بالنصب مثال ما قال علي بن سليمان في الرفع قال: لأن يصلون إنما هو للملائكة خاصة لأنه لا يجوز أن يجتمع ضمير لغير الله جلّ وعزّ مع الله إجلالا له وتعظيما، ولقد قال رجل للنبيّ ﷺ: ما شاء الله وشئت، وأنكر ذلك وعلمه النبيّ ﷺ فقال له: قل ما شاء الله ثم شئت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2520>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا (٥٧)\nإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الَّذِينَ في موضع نصب وما بعده صلته، وهو يقع لكل غائب مذكر وأخواته «من» و«ما» و«أي» ومؤنثه «التي» فإذا قلت: رأيت من في الدار، كان للآدميّين خاصة، وإذا قلت: رأيت الذي في الدار، كان مبهما للآدميين وغيرهم، وإذا قلت: رأيت ما في الدار، كان لما لا يعقل خاصة ولنعت ما يعقل لو قال قائل: ما عندك؟ فقلت: كريم، كان حسنا. قال محمد بن يزيد: ولو قلت: رجل، كان جائزا لأنه داخل في الأجناس، ولا يجوز أن تقول: زيد ولا عمرو إلّا أن من وما يكونان في الاستفهام والجزاء بغير صلة لأنك لو وصلتهما في الاستفهام كنت مستفهما عما تعرفه، والجزاء مبهم لا يختص شيئا دون شيء فلهذا لم تجز فيه الصلة، و«يؤذون» مهموز لأنه من آذى والأصل بين مهموز مثل آمن فإن خففت الهمزة أبدلت منها واوا فقلت: يوذون لأنه لا سبيل إلى أن يجعلها بين بين لأنها ساكنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2521>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٨]</span>\nوَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)\nوَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ في موضع رفع بالابتداء، ويجوز أن يكون في موضع نصب على العطف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2522>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٩]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ واحدها زوج. يقال للمرأة: زوج وزوجة، والفصيح","vol":"3","page":222},{"text":"الكثير بغير هاء وبها جاء كل ما في القرآن ولا يجوز أن تجمع زوجة على أزواج، إنما أزواج جمع زوج مثل حوض وأحواض والأصل زوج مثل فلس وأفلس واستثقلوا الحركة في الواو، وقد جاء في فعل أفعال فردّوه إليه فقالوا أزواج وأحواض وللكثير حياض وزياج، وفي قولهم: زوج بغير هاء قولان: أحدهما أن تأنيثه تأنيث صيغة مثل عقرب وعناق، وليس بجار على الفعل فيلزمه الهاء، والجاري على الفعل متزوّجة، والقول الآخر أن العرب تقول لكل مقترنين: زوجان. يقال للخفّين: زوجان، وكذا النعلان والمقرضان «١» والمقصان. قال الله جلّ وعزّ احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود: ٤٠] وقال جلّ وعزّ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ [ص: ٥٨] . وَبَناتِكَ جمع مسلم، وهو جمع بنة مثل هنة وهنات والمحذوف منه ياء، وقد قال بعض النحويين:\nالمحذوف منه واو واستدلّ بقولهم البنوّة. قال أبو جعفر: وهذا لعمري مما تقع فيه المغالطة لأنه ليس فيه دليل لأنهم قد قالوا: الفتوّة وهو من ذوات الياء يدلك على ذلك قوله جلّ وعزّ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ [يوسف: ٣٦] . قال أبو جعفر: وأحسن ما سمعت فيه قول أبي إسحاق قال: هو عندي مشتقّ من بنى يبني. وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ قيل:\nنساء جمع جواب للأمر، والأمر محذوف والتقدير عند المازني: قل لهنّ أدنين يدنين مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ عن ابن مسعود وابن عباس الجلباب: الرداء. قال محمد بن يزيد:\nالجلباب كل ما ستر من ثوب أو ملحفة أي يرخين على وجوههن منه. ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ أي يعرفن بالستر والصيانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2523>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nلَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)\nلَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد، كما روى سفيان بن سعيد بن منصور عن أبي رزين قال:\nالمنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة هم شيء واحد يعني أنهم قد جمعوا هذه الأشياء، وعن ابن عباس وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال فجور وشك، قال: لئن لم ينتهوا عن أذى النبي وعن أذى النساء وفي هذه الآية للعلماء غير قول فمنها أنه لم ينتهوا وأن الله جل وعز قد أغراه بهم لأنه قد قال جلّ وعزّ وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ [التوبة: ٨٤] وأنه أمره بلعنهم فهذا هو الإغراء فهذا قول، وقال أبو العباس محمد بن يزيد: قد أغراه بهم في الآية التي تلي هذه مع\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه- المناسك، الحديث رقم (١٨٤٧)، ومسلم في صحيحه ب ٩ رقم ٧٩، والطبراني في المعجم الكبير ١٧/ ٣٢٩.","vol":"3","page":223},{"text":"اتصال الكلام بها، وهو قوله جلّ وعزّ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا فهذا فيه معنى الأمر بقتلهم وأخذهم أي هذا حكمهم وهذا أمرهم أن يؤخذوا ويقتلوا إذ كانوا مقيمين على النفاق والإرجاف. وفي الحديث عن النبي ﷺ «خمس يقتلن في الحرم» «١» فهذا فيه معنى الأمر كالآية سواء. وهذا من أحسن ما قيل وفي الحديث عن النبي ﷺ «خمس يقتلن في الحرم» . لَنُغْرِيَنَّكَ لام القسم واليمين واقعة عليها وأدخلت اللام في إن توطئة لها ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا فكان الأمر كما قال جلّ وعزّ لأنهم لم يكونوا إلا أقلاء فهذا أحد جوابي الفراء «٢»، وهو الأولى عنده أي إلا في حال قتلهم، والجواب الآخر أن يكون المعنى: إلّا وقتا قليلا.\nمَلْعُونِينَ هذا تمام الكلام عند محمد بن يزيد، وهو منصوب على الحال أي ثم لا يجاورونك إلا أقلاء. عن بعض النحويين أنه قال يكون المعنى أينما أخذوا ملعونين، وهذا خطأ لا يعمل ما كان مع المجازاة فيما قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2524>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٢]</span>\nسُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)\nسُنَّةَ اللَّهِ نصب على المصدر أي سنّ الله جلّ وعزّ فيمن أرجف بالأنبياء وأظهر نفاقه أن يؤخذ ويقتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2525>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٤ الى ٦٥]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٦٥)\nإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا فأنّث لأن السعير بمعنى النار. خالِدِينَ فِيها أَبَدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2526>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٦]</span>\nيَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦)\nيَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ وحكى الفراء «٣» «يوم تقلّب» بمعنى تتقلّب. ويوم نقلّب وجوههم في النار يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا هذه الألف تقع في الفواصل لتتفق فيوقف عليها ولا يوصل بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2527>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nوَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)\nوقرأ الحسن إنّا أطعنا ساداتنا بكسر التاء لأنه جمع مسلّم لسادة، وكان في هذا زجر عن التقليد.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٥٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٥٠.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٤٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٣ والبحر المحيط ٧/ ٢٤٢.","vol":"3","page":224},{"text":"وقرأ عاصم وابن عامر وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا و(كثيرا) «١» في هذا أشبه كما قال جلّ وعزّ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة: ١٥٩] وهذا اللعن كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2528>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)\nوَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا خبر كان. ولو قلت: كان عبد الله عندنا جالسا، كان في نصبه وجهان: يكون خبر كان ويكون على الحال. والوجيه عند العرب العظيم القدر، الرفيع المنزلة، ويروى أنه كان إذا سأل الله شيئا أعطاه إياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2529>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)\nقال الحكم بن أبان عن عكرمة «قولوا قولا سديدا» قال: لا إله إلا الله وما أشبهها من الصدق والصواب. قال أبو جعفر: الاسم من هذا السّداد بفتح السين وقد استدّ فلان، القياس من فعله سدّ والأصل سدد. فأما السّداد بكسر السين فما غطّي به الشيء، وهو سداد من عوز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2530>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٢]</span>\nإِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)\nإِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها قد ذكرناه. ومن حسن ما قيل في معناه أنّ معنى عرضنا أظهرنا كما تقول: عرضت الجارية على البيع، والمعنى: أنّا عرضنا الأمانة وتضييعها على أهل السموات وأهل الأرض من الملائكة والجنّ والإنسان فأبين أن يحملنها أي أن يحملن وزرها، كما قال جلّ وعزّ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: ١٣] «وحملها الإنسان» قال الحسن يراد به الكافر والمنافق، قال: إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا لنفسه جَهُولًا بربّه فيكون على هذا الجواب مجازا، مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ، وفيه جواب آخر على أن يكون حقيقة أنه عرض على السموات والأرض والجبال الأمانة وتضييعها وهي الثواب والعقاب أي أظهر لهن ذلك فلم يحملن وزرها وأطعن فيما أمرن به وما سخّرن له، وحملها الإنسان على ما مر من الجواب الذي تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2531>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٣]</span>\nلِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٣.","vol":"3","page":225},{"text":"لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ أي بالحجج القائمة عليهم من عرض الأمانة عليهم، وهي إظهار ما أظهر لهم من الوعيد. قال عبد الله بن مسعود:\nالأمانة: الصلاة والصيام وغسل الجناية، وعن أبيّ بن كعب قال: من الأمانة أنّ المرأة اؤتمنت على فرجها. وفي حديث مرفوع «الأمانة الصلاة» «١» إن شئت قلت صليت، وإن شئت قلت لم أصلّ وكذا الصيام وغسل الجنابة. وقرأ الحسن ويتوب الله «٢» بالرفع يقطعه من الأول أي يتوب عليهم بكل حال. وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا خبر بعد خبر لكان، ويجوز أن يكون نعتا لغفور، ويجوز أن يكون حالا من المضمر.\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري ٢٢/ ٢٣. [.....]\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٤٤، مختصر ابن خالويه ١٢١.","vol":"3","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2532>٣٤ شرح إعراب سورة سبأ</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2533>[سورة سبإ (٣٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)\nالَّذِي في موضع خفض على النعت أو البدل، ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، وأن يكون في موضع نصب بمعنى أعني. وحكى سيبويه: الحمد لله أهل الحمد بالنصب والرفع والخفض. وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2534>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢]</span>\nيَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)\nيَعْلَمُ في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون مستأنفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2535>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي قسم، والجواب لَتَأْتِيَنَّكُمْ وقرأ أهل المدينة عالم الغيب «١» بالرفع لأن جواب القسم قد تقدّم فحسن الرفع بالابتداء والخبر ما بعده، ويجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ، ويجوز النصب بمعنى أعني، وقرأ أبو عمرو وعاصم عالِمِ الْغَيْبِ على النعت، وقرأ سائر الكوفيين علّام الغيب «٢» بالخفض على النعت أيضا، فعالم يكون للقليل والكثير وعلّام للكثير لا غير، والمستعمل والأشبه في مثل هذا: عالم الغيب فإن قلت: علام الغيوب كان علّام أشبه. وقرأ يحيى بن وثاب والكسائي لا يعزب «٣» بكسر الزاي، يقال: عزب يعزب\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٦.\n(٢) وهذه قراءة ابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي، انظر البحر المحيط ٧/ ٢٤٨.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٤٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٦.","vol":"3","page":227},{"text":"ويعزب. قال الفراء «١»: والكسر أحبّ إليّ، وهي قراءة الأعمش. وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ بالفتح تعطفهما على «ذرّة»، وقراءة العامة بالرفع على العطف على مثقال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2536>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nلِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)\nلِيَجْزِيَ منصوب بلام كي، والتقدير لتأتينّكم ليجزي.\nوقرأ طلحة وعيسى أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ «٢» بالرفع على النعت لعذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2537>[سورة سبإ (٣٤): آية ٦]</span>\nوَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)\nوَيَرَى في موضع نصب معطوف على ليجزي، ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه مستأنف الَّذِينَ في موضع رفع بيرى. أُوتُوا الْعِلْمَ خبر ما لم يسمّى فاعله، الَّذِي في موضع نصب على أنه مفعول أول ليرى هُوَ الْحَقَّ مفعول ثان «وهو» فاصلة والكوفيون يقولون: عماد، ويجوز الرفع على أن يكون «هو» مبتدأ و«الحقّ» خبره والنصب أكثر فيما كانت فيه الألف واللام عند جميع النحويين، وكذا ما كان نكرة لا تدخله الألف واللام فيشبه المعرفة فإن كان الخبر اسما معروفا نحو قولك: كان أخوك هو زيد. وزعم الفراء «٣» أن الاختيار فيه الرفع وكذا: كان أبو محمد هو عمرو.\nوعلّه في اختياره الرفع أنه لما لم يكن فيه ألف ولام أشبه النكرة في قوله: كان زيد هو جالس، لأن هذا لا يجوز فيه إلا الرفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2538>[سورة سبإ (٣٤): آية ٧]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ وإن شئت أدغمت اللام في النون لقربها منها يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ والمعنى: يقول لكم «وإذا» في موضع نصب، والعامل فيها مزّقتم، ولا يجوز أن يكون العامل فيها ينبئكم لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت، ولا يجوز أن يكون العامل فيها ما بعد أنّ لأنه لا يعمل فيما قبله، وأجاز أبو إسحاق أن يكون العامل فيها محذوفا، والتقدير: إذا مزّقتم كلّ ممزّق بعثتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2539>[سورة سبإ (٣٤): آية ٨]</span>\nأَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٥١.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٤٦.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٥٢.","vol":"3","page":228},{"text":"أَفْتَرى لمّا دخلت ألف الاستفهام واستغنيت عن ألف الوصل فحذفتها وكان فتح ألف الاستفهام فرقا بينها وبين ألف الوصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2540>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٠]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)\nوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا مفعولان: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ أي رجّعي الحنين فكانت الجبال تجيبه إذا تلا الزبور، وهو من آب يؤوب إذا رجع. وَالطَّيْرَ «١» بالرفع قراءة الأعرج وأبي عبد الرحمن، والرفع من جهتين: إحداهما على العطف على جبال، والأخرى على العطف على المضمر الذي في أوّبي، وحسن ذلك، لأن بعده «معه»، والنصب عند أبي عمرو بن العلاء بمعنى وسخّرنا له الطير، وقال الكسائي: هو معطوف على فضلا أي آتيناه الطير، وعند سيبويه «٢» معطوف على الموضع أي: نادينا الجبال والطير، ويجوز أن يكون مفعولا معه، كما تقول: استوى الماء والخشبة: أي مع الخشبة. قال أبو جعفر: سمعت أبا إسحاق يجيز قمت وزيدا. وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ قيل:\nإنه أول من سخّر له الحديد، وقيل أعطي من القوة أنه كان يثني الحديد- والله جلّ وعزّ أعلم بذلك- وقال الحسن: وكان داود ﷺ يأخذ الحديد فيكون في يده مثل العجين فيعمل منه الدروع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2541>[سورة سبإ (٣٤): آية ١١]</span>\nأَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)\nأَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ لأبي إسحاق فيه جوابان: أحدهما أن تكون «أن» بمعنى أي مفسّرة تؤدّي عن معنى: قلنا له اعمل، والجواب الآخر أن يكون في موضع نصب أي وألنّا له الحديد لها ووصلت أن بلفظ الأمر سابِغاتٍ في موضع نصب وأقيمت الصفة مقام الموصوف أي: اعمل دروعا سابغات والدروع مؤنثة إذا كانت للحرب، ودرع المرأة مذكر. وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ قال ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: قدر المسمار لا يكون دقيقا فيسلس ولا غليظا فيفصمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2542>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٢]</span>\nوَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢)\nوَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ جعله الكسائي نسقا على وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ وقال: المعنى:\nوألنّا لسليمان الرّيح، وقال أبو إسحاق: التقدير: وسخّرنا لسليمان الريح: وقرأ عاصم وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ «٣» بالرفع بالابتداء أو بالاستقرار أي لسليمان الريح ثابتة وفيه ذلك\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٥٣.\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ١٨٨.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٤٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٧.","vol":"3","page":229},{"text":"المعنى، فإن قال قائل: إذا قلت: أعطيت زيدا دينارا ولعمرو درهم، فرفعت لم يكن فيه كمعنى الأول، وجاز أن يكون لم تعطه الدرهم قيل: الأمر كذا الآية على خلاف هذا من المعنى قد علم أنه لم يسخّرها أحد غير الله جلّ وعزّ غُدُوُّها شَهْرٌ أي مسيرة شهر، وكذا وَرَواحُها شَهْرٌ وروى الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان سليمان ﷺ إذا جلس نصبت حواليه أربعمائة ألف كرسيّ ثم جلس رؤساء الإنس مما يليه، وجلس سفلة الإنس مما يليهم، وجلس رؤساء الجنّ مما يلي سفلة الإنس وجلس سفلة الجن مما يليهم، وموكل بكلّ كرسي طائر يعمل بعينه ثم تقلّهم الريح والطير تظلّهم من الشمس، فيغدو من بيت المقدس إلى إصطخر فيقيل بها ثم يروح من إصطخر فيبيت في بيت المقدس ثمّ قرأ ابن عباس غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ. وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ «من» في وضع نصب بمعنى وسخرنا، ويجوز أن يكون في موضع رفع كما تقدّم في الريح. وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ شرط وجوابه. ومِنَ في موضع رفع بالابتداء وهو تام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2543>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٣]</span>\nيَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)\nيَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ لم ينصرفا لأن هذا الجمع ليس له نظير في الواحد، ولا يجمع كما يجمع غيره من الجموع. والمحراب في اللغة كلّ موضع مرتفع وقيل للذي يصلّي إليه: محراب، لأنه يجب أن يرفّع ويعظّم، وقال الضحاك: «من محاريب» أي من مساجد وتماثيل، قال: صور فقال قوم: عمل الصور جائز لهذه الآية ولما أخبر الله جلّ وعزّ عن المسيح ﷺ، وقال قوم: قد صحّ النهي عن النبي ﷺ عنها والتوعّد لمن عملها أو اتخذها فنسخ ﷺ هذا ما كان مباحا قبله، وكانت في ذلك الحكمة لأنه بعث ﷺ والصّور تعبد، وكان الأصلح إزالتها. وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ الأولى أن يكون بالياء، ومن حذف الياء قال: سبيل الألف واللام أن يدخلا في النكرة فلا يغيّرها عن حالها فلما كان يقال: «جواب» ودخلت الألف واللام أقرّ على حاله بحذف الياء وواحد الجوابي جابية وهي القدر العظيمة والحوض الكبير الذي يجبى إليه الشيء أن يجمع، ومنه جبيت الخراج وجبيت الجراد أي جعلت كساء فجمعته فيه، إلا أنّ ليثا روى عن مجاهد قال:\nالجوابي جمع جوبة. قال أبو جعفر: الجوبة الحفرة الكبيرة تكون في الجبل يجتمع فيها ماء المطر وَقُدُورٍ راسِياتٍ قال سعيد بن جبير: هي قدور النحاس تكون بفارس. قال الضحاك: هي قدور كانت تعمل من حجارة الجبال. اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا أي يقال لهم.\nآلَ داوُدَ نداء مضاف ونصب شكر عند أبي إسحاق من جهتين: إحداهما اعملوا للشكر أي لتشكروا الله جلّ وعزّ، والأخرى أن يكون التقدير: اشكروا شكرا. وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ","vol":"3","page":230},{"text":"الشَّكُورُ مبتدأ وخبره. والشكور على التكثير لا غير، وشاكر يقع للقليل والكثير، والشكر لا يكون إلا في شيء بعينه، والحمد أعمّ منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2544>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٤]</span>\nفَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)\nمِنْسَأَتَهُ «١» قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقرأها الكوفيون بالهمز واشتقاقها يدلّ على أنها مهموزة لأنها مشتقة من نسأته أي أخّرته ودفعته فقيل لها: منسأة لأنه يدفع بها الشيء ويؤخّر. قال مجاهد وعكرمة: هي العصا فمن قرأ (منساته) أبدل من الهمزة ألفا، فإن قال قائل: الإبدال من الهمزة قبيح إنما يجوز في الشعر على بعد وشذوذ وأبو عمرو بن العلاء لا يغيب عنه مثل هذا ولا سيما وأهل المدينة على هذه القراءة فالجواب عن هذا أن العرب استعملت في هذه الكلمة البدل ونطقوا بها هكذا كما يقع البدل في غير هذا ولا يقاس عليه حتى قال أبو عمرو: ولست أدري ممّ هي؟\nإلّا أنها غير مهموزة. وهذا كلام العلماء لأن ما كان مهموزا قد يترك همزة وما لم يكن مهموزا لم يجز همزه بوجه. فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ موته وقال غيره: المعنى: تبيّن أمر الجن مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] وقيل: المعنى تبيّنت الجن للإنس: وفي التفسير بالأسانيد الصحاح تفسير المعنى، وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: أقام سليمان بن داود صلّى الله عليهما حولا لا يعلم بموته وهو متّكئ على عصاه والجنّ متصرّفة فيما كان أمرها به ثم سقط بعد حول. وقرأ ابن عباس فلما خرّ تبيّنت الإنس أن لو كان الجنّ يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين «٢» قال أبو جعفر: وهذه القراءة عن ابن عباس على سبيل التفسير. فأما. أَنْ فموضعها موضع رفع على البدل من الجن أي تبيّن أن لو كان الجنّ يعلمون الغيب، وهذا بدل الاشتمال، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى اللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2545>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٥]</span>\nلَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)\nلَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ بالصرف والتنوين على أنه اسم للحيّ، وهو في الأصل اسم رجل جاء بذلك التوقيف عن النبيّ ﷺ، وقرأ أبو عمرو لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ «٣» بغير صرف\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٧، نافع وأبو عمرو بألف ساكنة بدلا من الهمزة، وابن ذكوان بهمزة ساكنة، والباقون بهمزة مفتوحة.\n(٢) انظر المحتسب ٢/ ١٨٨، والبحر المحيط ٧/ ٢٥٧.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٤٦.","vol":"3","page":231},{"text":"جعله اسما للقبيلة، وهو اختيار أبي عبيد واستدلّ على أنه اسم قبيلة أن بعده فِي مَسْكَنِهِمْ ولو كان كما كان لكان في مساكنها. آيَةٌ اسم كان أي علامة دالّة على قدرة الله جل وعزّ وانعامه على عباده أنه جعل لأهل سبأ جنتين عن يمين وشمال ومما اجتمع من مطر بين جبلين في وجهه مسنّاة قال يحيى بن سليمان الجعفي: المسنّاة هي التي يسمّيها أهل مصر الجسر فكانوا يفتحونها إذا شاؤوا فإذا رويت جنّتهم سدّوها جَنَّتانِ بدل من الآية ويجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ، ويجوز أن تنصب «آية» على أنها خبر كان، ويجوز أن تنصب جنتين على الخبر أيضا في غير القرآن.\nوالتقدير: قيل لهم: كلوا من رزق ربّكم واشكروا له. قال الفراء: تمّ الكلام. بَلْدَةٌ بالرفع على إضمار مبتدأ أي هذه بلدة وَرَبٌّ على إضمار مبتدأ أيضا. غَفُورٌ من نعته. فأما في مساكنهم «١» فهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة ونافع وعاصم وأبي عمرو. وقرأ إبراهيم النخعي وحمزة فِي مَسْكَنِهِمْ وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي فِي مَسْكَنِهِمْ «٢» بكسر الكاف. قال أبو جعفر: «مساكن» في هذا أبين لأنه يجمع اللفظ والمعنى فإذا قلت: مسكنهم كان فيه تقديران: أحدهما أن يكون واحدا يؤدّي عن جميع، والآخر أن يكون مصدرا لا يثنّى ولا يجمع، كما قال جلّ وعزّ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ [البقرة: ٧] فجاء السمع مفردا، وكذا فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ [القمر: ٥٥] ومن قال: مسكن بكسر الكاف جعله مثل مسجد، وهو خارج عن القياس لا يوجد مثله إلّا سماعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2546>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٦]</span>\nفَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)\nفَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ قال عمرو بن شرحبيل: «العرم» المسنّاة، وقال محمد بن يزيد: العرم كلّ حاجز بين شيئين، وهو الذي يسمّى السّكر وهو جمع عرمة وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وقرأ أبو عمرو ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ «٣» بغير تنوين مضافا. قال أهل التفسير والخليل ﵀: «الخمط»: الأراك وقال محمد بن يزيد: الخمط: كلّ ما تغيّر إلى ما لا يشتهى واللبن خمط إذا حمض. والأولى عنده في القراءة ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ بالتنوين على أنه نعت لأكل أو بدل منه لأن الأكل هو الخمط بعينه عنده فأما الإضافة فباب جوازها أن يكون تقديرها ذواتي أكل حموضة أو أكل مرارة وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ قال الفراء: هو السّمر.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٨، ومعاني الفراء ٢/ ٣٥٧. [.....]\n(٢) انظر تيسير الداني ١٤٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٨، ومعاني الفراء ٢/ ٣٥٧.\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٨، وتيسير الداني ١٤٦.","vol":"3","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2547>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٧]</span>\nذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧)\nذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا قال أبو إسحاق: «ذلك» في موضع نصب أي جزيناهم ذلك. وهل يجازى إلا الكفور «١» قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو وعاصم، وقرأ الكوفيون إلا عاصما وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ «٢» وهذا عند أبي عبيد أولى لأن قبله «جزيناهم» ولم يقل جوزوا. قال أبو جعفر: الأمر في هذا واسع، والمعنى فيه بين لو قال قائل: خلق الله جلّ وعزّ آدم من طين، وقال آخر: خلق آدم من طين لكان المعنى واحدا. وفي الآية سؤال لا أعلم في السورة أشدّ منه يقال: ما معنى وهل يجازى إلّا الكفور ولم يذكر أصحاب المعاصي غير الكفار؟ وقد تكلم العلماء في هذا فقال قوم:\nليس يجازى بمثل هذا الجزاء الذي هو الاصطلام والهلاك إلّا من كفر. فأما قطرب فجوابه على هذه الآية على خلاف لأنه جعلها في أهل المعاصي غير الكفار وجرى على مذهبه وقوله من كفر بالنعم فعمل الكبائر. وأولى ما قيل في هذه الآية وأجل ما روي فيه أنّ الحسن قال: مثلا بمثل. وروى أيوب عن أبي مليكة عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حوسب هلك» فقلت يا نبيّ الله: فأين قوله جلّ وعزّ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قال: «إنما ذلك العرض ومن نوقش الحساب هلك» «٣» . قال أبو جعفر: وهذا إسناد صحيح، وشرحه أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها ويحبط ما عمل من خير، ويبين لك هذا قوله جلّ وعزّ في الأولى ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وفي الثاني «وهل يجازى» فمعنى «يجازى» يكافأ بما عمل، ومعنى «جزيناهم» وفيناهم فهذا حقيقة اللغة وإن كان جازى يقع بمعنى جزى مجازا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2548>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٨]</span>\nوَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)\nوَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً قال أبو العباس: الظاهرة المرتفعة. وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي جعلناه بمقدار يسيرون ويبيتون في قرية. قال الفراء: «٤» وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم فهذا التقدير.\nسِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا ظرفان آمِنِينَ على الحال.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٧، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٩، حفص وحمزة والكسائي بالنون وكسر الزاي، والباقون بالياء وفتح الزاي والرفع.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٤٧، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٩، حفص وحمزة والكسائي بالنون وكسر الزاي، والباقون بالياء وفتح الزاي والرفع.\n(٣) أخرجه الترمذي في سننه- صفة القيامة ٩/ ٢٥٨.\n(٤) انظر معاني الفراء ٣٤١.","vol":"3","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2549>[سورة سبإ (٣٤): آية ١٩]</span>\nفَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)\nفَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا فيه ستة أوجه من القراءات «١» قرأ الحسن وأبو رجاء وأبو مالك وأبو جعفر وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا، وقرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو ربّنا بعد بين أسفارنا وقرأ محمد ابن الحنفية ويروى عن ابن عباس وأبي صالح ربّنا باعد بين أسفارنا، وقرأ يحيى بن يعمر وعيسى بن عمر وتروى عن ابن عباس ربّنا بعّد بين أسفارنا، وقرأ سعيد بن أبي الحسن وهو أخو الحسن البصري فقالوا ربّنا بعد بين أسفارنا. فهذه خمس قراءات. وروى الفراء وأبو إسحاق السادسة ربّنا بعد بين أسفارنا قال أبو جعفر: القراءة الأولى ربّنا نصب على أنه نداء مضاف وهو منصوب على أنه مفعول به لأن معناه ناديت ودعوت، وكذلك القراءة الثانية و«باعد» و«بعّد» واحد في المعنى، كما تقول: قارب وقرّب، والمعنى على ما روى محمد بن ثور عن معمر عن قتادة قال: كانوا آمنين يخرجون إلى أسفارهم ولا يتزوّدون يبيتون في قرية ويقيلون في قرية فبطروا النعمة فقالوا: ربّنا بعد بين أسفارنا فعاقبهم الله جلّ وعزّ.\nوالقراءة الثالثة «ربّنا» رفع بالابتداء و«باعد» فعل ماض في موضع الخبر، وكذا الرابعة، وقد فسّرها ابن عباس قال: شكوا أن ربّهم باعد بين أسفارهم. القراءة الخامسة ربّنا بعد بين أسفارنا. «ربّنا» نداء مضاف ثم أخبروا بعد ذلك فقالوا «بعد بين أسفارنا» ورفع «بين» بالفعل أي بعد ما يتصل بأسفارنا. والقراءة السادسة مثل هذه إلا أنها تنصب «بين» على أنه ظرف، وتقديره في العربية: بعد سيرنا بين أسفارنا. وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال: إحداها أجود من الأخرى، لا يقال ذلك في الأخبار إذا اختلفت معانيها ولكن خبّر عنهم أنهم دعوا أن يبعّد بين أسفارهم بطر وأشرا، وخبّر أنهم لمّا فعل بهم ذلك خبّروا به وشكوا، كما قال ابن عباس وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أي بكفرهم فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي يتحدّث بهم بأخبارهم، وتقديره في العربية ذوي أحاديث. وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي لمّا لحقهم ما لحقهم تفرّقوا وتمزّقوا. قال الشعبي:\nفلحقت الأنصار بيثرب. وغسان بالشام، وأسد بعمان، وخزاعة بتهامة. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ «صبّار» تكثير صابر، والصابر الذي يصبر عن المعاصي يمدح بهذا الاسم وإن أردت أنه صبر على المعصية لم يستعمل فيه إلا صابر عن كذا قال جلّ وعزّ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠] .\n_________\n(١) انظر القراءات المختلفة في تيسير الداني ١٤٧، والبحر المحيط ٧/ ٢٦٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٩، والمحتسب ٢/ ١٨٩.","vol":"3","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2550>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٠]</span>\nوَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)\nوَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فيه أربع أوجه من القراءات: قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر يروى عن مجاهد وَلَقَدْ صَدَّقَ «١» بالتخفيف. عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ بالرفع. ظَنَّهُ بالنصب. وقرأ ابن عباس ويحيى بن وثاب والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي صَدَّقَ بالتشديد، وقرأ أبو الهجهاج: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه «٢» بنصب إبليس ورفع ظنه، قال أبو حاتم: لا وجه لهذه القراءة عندي والله جلّ وعزّ أعلم. قال أبو جعفر: وقد أجاز هذه القراءة الفراء وذكرها أبو إسحاق، وقال:\nالمعنى: صدّق ظنّ إبليس إبليس بما اتّبعوه، والقراءة الرابعة وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ «٣» برفع إبليس وظنّه. والقراءة الأولى وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ معناها في ظنّه. قال أبو إسحاق: هو منصوب على المصدر، والقراءة الثانية وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ بنصب «ظنه» بوقوع الفعل عليه. قال مجاهد: ظنّ ظنّا فكان كما ظن فصدّق ظنّه، وعن ابن عباس قال: إبليس خلق آدم من طين فهو ضعيف وأنا من نار فلأحتنكنّ ذرّيّته إلّا قليلا فكان كما قال. وقال الحسن: ما ضربهم بسوط ولا بعصا، وإنما ظنّ ظنّا فكان كما ظنّ بوسوسته. إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نصب بالاستثناء، وفيه قولان: أحدهما أنه يراد به بعض المؤمنين فأما ابن عباس فعنه أنه قال: هم المؤمنون كلّهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2551>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢١]</span>\nوَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)\nمِنْ زائدة للتوكيد. وأهل التفسير يقولون السلطان الحجّة. إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ وقد علم الله جلّ وعزّ ذلك غيبا، وهذا علم الشهادة الذي تجب به الحجّة هذا قول أكثر أهل اللغة، وهو عند بعضهم مجاز أي ليكون هذا علمه جازى عليه، وقول ثالث، وهو مذهب الفراء يكون المعنى: إلّا لنعلم ذلك عندكم، كما قال: أَيْنَ شُرَكائِيَ [النحل: ٢٧] . أي على قولكم وعندكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2552>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٢]</span>\nقُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)\nقُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ في الكلام حذف، والمعنى: قل ادعوا الّذين زعمتم أنّهم آلهة لكم من دون الله لينفعوكم أو ليدفعوا عنكم ما قضاه الله جلّ وعزّ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٧، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٢٩.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٦٣.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ١٢١.","vol":"3","page":235},{"text":"عليكم فإنّهم لا يملكون ذلك ولا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ قال الضحاك والسدي أي من معين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2553>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٣]</span>\nوَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)\nأَذِنَ «١» وأذن بمعنى واحد كما مرّ في وهل يجازى [سبأ: ١٧] و«من» هاهنا للشافعين، ويجوز أن تكون للمشفوع لهم، وزعم أبو إسحاق أنها للشافعين أشبه بالمعنى، قال: لأن بعده حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فيكون هذا للملائكة صلوات الله عليهم. وفي هذا خمس قراءات قراءة العامة حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ «٢»، وعن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ «٣» بفتح الفاء والزاي فهاتان القراءتان بمعنى واحد أي فزّع الله جلّ وعزّ عن قلوبهم أي كشف عنها الفزع أي تعدّاها الفزع، وكذا يقول سيبويه «٤» في قول العرب: رميت عن القوس أي تعدّى رميي القوس، وقد ذكرنا معناه. وروى هيثم عن عوف عن الحسن أنه قرأ حتى إذا فرّغ عن قلوبهم «٥» بضم الفاء وبراء غير معجمة وبعدها غين معجمة وكذا قرأ أبو مجلز. وروى مطر الوراق عن الحسن حتى إذا فزّع عن قلوبهم «٦» وهاتان القراءتان يؤول معناهما إلى معنى الأولين لأن المعنى: حتّى إذا فرّغ عن قلوبهم الفزع أزيل عن قلوبهم إلّا أن مجاهدا قال في تفسير هذه الآية على ما رواه عنه ورقاء عن أبي نجيح:\nإنها في يوم القيامة. قال: إذا كشف الغطاء. وروى أيّوب وحميد الطويل عن الحسن حتّى إذا فرغ عن قلوبهم بضمّ الفاء وبراء مخففة غير معجمة وبعدها غين معجمة فهذه الروايات عن الحسن مستقيمات الطرق لا مطعن في واحد رواها، وكلّها صحاح عنه قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ «ماذا» في موضع نصب بقال ويجوز أن يكون «ما» في موضع رفع بالابتداء و«ذا» في موضع الخبر، ومعناه معنى الذي قالُوا الْحَقَّ على أن «ماذا» في موضع نصب أي قال الحق، ويجوز رفع «الحقّ» على أن ما في موضع رفع. وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ابتداء وخبر. و«العليّ» الجبار المتعالي، و«الكبير» السيّد المقصود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2554>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٤]</span>\nقُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٧، وأذن بضم الهمزة قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي والباقين بفتحها.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٤٧، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٣٠.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٣٤٨.\n(٤) انظر الكتاب ٤/ ٣٤٨. [.....]\n(٥) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٦٦، ومعاني الفراء ٢/ ٣٦١.\n(٦) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٦٦، ومعاني الفراء ٢/ ٣٦١.","vol":"3","page":236},{"text":"قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ مَنْ في موضع رفع بالابتداء، وهي اسم تام لأنها للاستفهام ويَرْزُقُكُمْ في موضع الخبر ويجوز إدغام القاف في الكاف فتقلب القاف كافا وَإِنَّا والأصل وإنّنا فحذفت النون تخفيفا أَوْ إِيَّاكُمْ معطوف على اسم «إنّ» ولو عطف على الموضع لكان أو أنتم ويكون لَعَلى هُدىً للأول لا غير لو قلت: أو أنتم فإذا قلت: أو إيّاكم كان للثاني أولى وحذفت من الأول، ويجوز أن يكون للأول وهو اختيار أبي العباس، قال: ومعناه معنى قول المستنصر بصاحبه على صحّة الوعيد واستظهار بالحجّة الواضحة أحدنا كاذب وقد عرف المعنى، وكما تقول: أنا أفعل كذا وتفعل أنت كذا وأحدنا مخطئ وقد عرف أنه هو المخطئ، وهكذا وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2555>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٧]</span>\nقُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)\nقُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ تكون أَرُونِيَ هاهنا من رؤية القلب أي عرّفوني هذه الأصنام والأوثان التي جعلتموها شركاء لله جلّ وعزّ هل شاركته في خلق شيء فبيّنوا ما هو وإلّا فلم تعبدونها؟ ويجوز أن يكون من رؤية البصر فيكون «شركاء» حالا. قال أبو إسحاق: والمعنى: أروني الذين ألحقتموهم به شركاء ثم حذف لأنه في الصلة. قال: ثم قال جلّ وعزّ كَلَّا ردع وتنبيه أي ارتدعوا عن هذا القول، وتنبهوا على ضلالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2556>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٨]</span>\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨)\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً نصب على الحال. قال أبو إسحاق: والمعنى:\nأرسلناك جامعا للناس لأنه ﷺ أرسل إلى العرب والعجم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2557>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٠]</span>\nقُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)\nوأجاز النحويون لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ «١» على أنه بدل من ميعاد، وأجازوا ميعاد يوما لا تستأخرون عنه «٢» على أن يكون ظرفا وتكون الهاء تعود على يوم ولا يجوز الإضافة كما تقول: إنّ يوما زيد فيه أمير عبد الله فيه وزير، بتنوين يوم لا غير فإن حذفت فيه جار حذف التنوين ونصبت عبد الله على أنه اسم إنّ، ويجوز مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ «٣» بغير تنوين في يوم على أن يكون الهاء التي في «عنه» تعود على ميعاد لا على يوم.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٧٠، ومعاني الفراء ٢/ ٣٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٧٠، ومعاني الفراء ٢/ ٣٦.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ١٢٢.","vol":"3","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2558>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣١]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)\nقال سعيد عن قتادة: وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب والأنبياء ﵈.\nوَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ الظَّالِمُونَ بالابتداء مرفوعون، ومَوْقُوفُونَ خبره، والجملة في موضع خفض بالإضافة، ولا يجوز أن تنصب «موقوفون» على الحال لأن إذ ظرف زمان فلا تكون خبرا عن الجثث، وجواب «لو» محذوف لعلم السامع. يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ أي يجاوبه واللغة الفصيحة هذه يقال: رجعت زيدا. يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ هذه اللغة الفصيحة ومن العرب من يقول: لولاكم حكاها سيبويه «١» ويكون «لولا» تخفض المضمر وترفع المظهر بعدها بالابتداء وتحذف خبره، ومحمد بن زيد يقول: لا يجوز «لولاكم» لأن المضمر عقب المظهر فلما كان المظهر مرفوعا بإجماع وجب أن يكون المضمر أيضا مرفوعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2559>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٢]</span>\nقالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)\nبَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ أي أنتم اخترتم الكفر ولم يكن لنا عليكم سبيل إلّا أن دعوناكم فاستجبتم لنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2560>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٣]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)\nبَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ قال الأخفش: أي هذا مكر الليل والنهار. قال أبو جعفر:\nوالمعنى والله جلّ وعزّ أعلم، مكركم في اللّيل والنهار أي مشارتكم إيانا ودعاؤكم لنا إلى الكفر الذي حملنا على هذا. قال محمد بن يزيد: أي بل مكركم الليل والنهار كما تقول العرب: نهاره صائم، وليله قائم، وأنشد: [الطويل] ٣٤٦-\nلقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى ... ونمت وما ليل المطيّ بنائم «٢»\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ٣٩٥.\n(٢) الشاهد لجرير في ديوانه ٩٩٣، وخزانة الأدب ١/ ٤٦٥، ولسان العرب (ريح)، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ٦٠، والصاحبي في فقه اللغة ٢٢٢، والمحتسب ٢/ ١٨٤، والمقتضب ٣/ ١٠٥.","vol":"3","page":238},{"text":"وأنشد سيبويه: [الرجز] ٣٤٧-\nفنام ليلي وتجلّى همّي «١»\nأي نمت فيه، وروى جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ قال ممرّ اللّيل والنّهار عليهم فغفلوا، وقرأ راشد بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ «٢» بالنصب كما يقال: رأيته مقدم الحاج، وإنما يجوز هذا فيما يعرف، ولو قلت: رأيته مقدم زيد لم يجز إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا قال: ويقال: نديد وأنشد:\n[الوافر] ٣٤٨-\nأتيما تجعلون إليّ ندّا ... وما تيم لذي حسب نديد «٣»\nوَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ في معناه قولان: أحدهما أن معنى أسروا أظهروا وأنه من الأضداد، كما قال: [الطويل] ٣٤٩-\nتجاوزت أحراسا إليها ومعشرا ... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي «٤»\nوقد روي يشرّون. وقيل وأسرّوا الندامة تبيّنت الندامة في أسرار وجوههم.\nوقيل: الندامة لا تظهر وإنما تكون في القلب وإنما يظهر ما يتولّد عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2561>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٤]</span>\nوَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤)\nإِلَّا قالَ مُتْرَفُوها قال سعيد عن قتادة: مترفوها جبابرتها ورؤوسها وقادة الشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2562>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٦]</span>\nقُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦)\nأحسن ما قيل في هذا قاله الحسن، قال: يخير له والمعنى على قوله وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أن الله جلّ وعزّ إنما يبسط الرزق لمن يشاء، ويقدر على المحنة ويفعل بهم الذي هو خير لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2563>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٧]</span>\nوَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧)\n_________\n(١) الرجز لرؤبة في ديوانه ١٤٢، والمحتسب ٢/ ١٨٤ وبلا نسبة في خزانة الأدب ٨/ ٢٠٢، والمقتضب ٣/ ١٠٥.\n(٢) وهذه قراءة ابن جبير وطلحة أيضا، انظر البحر المحيط ٧/ ٢٧١، ومختصر ابن خالويه ١٢٢.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (٢٣٧) .\n(٤) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ١٣، وجمهرة اللغة ٧٣٦، وخزانة الأدب ١١/ ٢٣٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٥١، ولسان العرب (شرر)، ومغني اللبيب ١/ ٢٦٥، وبلا نسبة في رصف المباني ٢٩٢.","vol":"3","page":239},{"text":"وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى قال الأخفش: أي أزلافا. وهو اسم المصدر وزعم الفراء «١» أن التي تكون للأموال والأولاد جميعا، وله قول آخر، وهو مذهب أبي إسحاق، يكون المعنى وما أموالكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ثم حذف، وأنشد الفراء: [الخفيف] ٣٥٠-\nنحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرّأي مختلف «٢»\nوأنشد: [الكامل] ٣٥١-\nإنّي ضمنت بما أتاني ما جنى ... وأبي وكان وكنت غير غدور «٣»\nويجوز في غير القرآن باللتين وباللاتي وباللواتي وبالذين للأولاد خاصة. إِلَّا مَنْ آمَنَ في موضع نصب بالاستثناء. وزعم أبو إسحاق أنه في موضع نصب على البدل من الكاف والميم التي في «تقربكم» وهذا القول كأنه غلط لأن الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل، ولو جاز هذا لجاز: رأيتك زيدا. وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء «٤» إلّا أن الفراء لا يقول: بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين ولكن قوله يؤول إلى ذلك وزعم أن مثله إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٩] يكون منصوبا عنده بينفع وأجاز الفراء «٥» أن يكون «من» في قوله جلّ وعزّ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ في موضع رفع بمعنى ما هو إلّا من آمن كذا قال، ولست أحصل معناه.\nفَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وأجاز النحويون أولئك لهم جزاء الضعف «٦» يكون بدلا من جزاء أو على إضمار مبتدأ، وأجازوا «أولئك لهم جزاء الضّعف» بمعنى أولئك لهم أن نجزيهم الضعف، وأجازوا أولئك لهم جزاء الضعف «٧» . قال أبو إسحاق:\nوالمعنى: أولئك لهم الضعف جزاء أي في حال مجازاتهم. وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ «٨» وعن الحسن في الغرفات «٩» إسكان الراء، وعن الأعمش وحمزة في الغرفة «١٠» . قال أبو جعفر: «الغرفات» جمع غرفة على جمع التسليم إلّا أن الراء ضمت فرقا بين الاسم والنعت، ومن قال: غرفات حذف الضمة لثقلها، ومن قال:\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٣٦.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (١٨٥) .\n(٣) الشاهد للفرزدق في الكتاب ١/ ١٢٦، والردّ على النحاة ١٠٠، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٢٦، ولسان العرب (قعد) وتفسير الطبري ٢٦/ ١٥٨، وبلا نسبة في معاني الفراء ١/ ٤٣٤، وهو غير موجود في ديوان الفرزدق. [.....]\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٦٣.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٦٣.\n(٦) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٧٣.\n(٧) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٦٤.\n(٨) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٧٣.\n(٩) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٧٣، ومختصر ابن خالويه ١٢٢، وتيسير الداني ١٤٧.\n(١٠) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٣٠.","vol":"3","page":240},{"text":"غرفات أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف، ويجوز أن يكون «غرفات» جمع غرف ومن قرأ الْغُرْفَةَ أتى بواحدة تدل على جماعة والجمع أشبه لأن الإخبار عن جمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2564>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٩]</span>\nقُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)\nوَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وهذا فيما أنفق في طاعة الله جلّ وعزّ فهو مخلف لا محالة إما في الدنيا وإما في الآخرة. وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي رزق العباد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2565>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٠]</span>\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا على الحال ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قال سعيد عن قتادة هذا استفهام مثل قوله جلّ وعزّ لعيسى ﵇: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ [المائدة: ١١٦] . قال أبو جعفر: والمعنى أن الملائكة صلوات الله عليهم إذا أكذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2566>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤١]</span>\nقالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)\nقالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ أي أنت المتولّي لنا دونهم. بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أي يطيعونهم. أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ بقبولهم منهم وهو مجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2567>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٦]</span>\nقُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦)\nقُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ قال سفيان عن ليث عن مجاهد: «بواحدة» قال: لا إله إلا الله، وقال غيره: تقديره بخصلة واحدة ثم بينها بقوله جلّ وعزّ: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى وتكون «أن» في موضع خفض على البدل من واحدة أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ومذهب أبي إسحاق أنها في موضع نصب بمعنى لأن تقوموا مَثْنى وَفُرادى على الحال وهو لا ينصرف لعلّتين قد ذكرناهما «١»، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا معطوف على تقوموا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2568>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٨]</span>\nقُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٤٨)\nوقرأ عيسى بن عمر علام الغيوب «٢» على أنه بدل أي: قل إنّ ربّي علّام\n_________\n(١) انظر إعراب الآية ٣/ من سورة النساء.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٧٨، وهذه قراءة ابن أبي إسحاق وزيد بن علي وابن أبي عبلة وأبي حيوة وحرب أيضا.","vol":"3","page":241},{"text":"الغيوب يقذف بالحقّ. قال أبو إسحاق: والرفع من جهتين: على الموضع لأن الموضع رفع وعلى البدل مما في «يقذف» . قال أبو جعفر: وفي الرفع وجهان آخران: يكون خبرا بعد خبر، ويكون على إضمار مبتدأ. وزعم الفراء أن الرفع في مثل هذا أكثر في كلام العرب إذا أتى بعد خبر «إنّ» ومثله إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: ٦٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2569>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٩]</span>\nقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩)\nقُلْ جاءَ الْحَقُّ قال سعيد عن قتادة، قال: القرآن. قال أبو جعفر: والتقدير: جاء صاحب الحقّ أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج الحق. وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ قال سعيد عن قتادة، قال: الباطل إبليس. والتقدير في العربية صاحب الباطل. وقال الضحاك: الباطل الآلهة، وقال: وما يبدئ وما يعيد أي ما يحيى وما يميت وقال قتادة ما يُبْدِئُ وما يُعِيدُ ما يخلق وما يبعث، وقال غيره: «ما يُبْدِئُ الْباطِلُ» أي ما يبتدي بحجة و«ما يُعِيدُ» ما يحكي عن غيره حجة «ما» الأولى في موضع نصب يبدئ، و«ما» الثانية في موضع نصب بيعيد. قال أبو إسحاق: والأجود أن تكون «ما» نافية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2570>[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٠]</span>\nقُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)\nقُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي شرط وجوابه، وكذا وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي فإن جعلت «ما» بمعنى الذي كانت الهاء محذوفة، وإن جعلتها مصدرا لم يحتج إلى عائد إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ أي يسمع ممن دعاه قريب الإجابة له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2571>[سورة سبإ (٣٤): آية ٥١]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١)\nوَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ حذف جواب «لو» قال أبو إسحاق: المعنى: ولو ترى إذ فزعوا لرأيت ما يعتبر به عبرة شديدة أي فلا فوت لهم أي فلا يمكنهم الفوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2572>[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٢]</span>\nوَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢)\nوقرأ أبو عمرو والكسائي والأعمش وحمزة وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ «١» بالهمز وأبو عبيد يستبعد هذه القراءة، لأن «التناؤش» البعد فيكون فكيف يكون وأنّى لهم البعد من مكان بعيد. قال أبو جعفر: والقراءة جائزة حسنة ولها وجهان في كلام العرب ولا يتناول بها هذا المتناول البعيد، فأحد الوجهين أن يكون الأصل غير مهموز ثم همزت الواو لأن الحركة فيها خفية وذلك كثير في كلام العرب، وفي المصحف الذي نقلته\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٧، والبحر المحيط ٧/ ٢٨٠.","vol":"3","page":242},{"text":"الجماعة عن الجماعة وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ [المرسلات: ١١] والأصل «وقّتت» لأنه مشتق من الوقت. ويقال في جمع دار: أدؤر. والوجه الآخر قد ذكره أبو إسحاق:\nقال: يكون مشتقا من «النئيش» وهو الحركة في إبطاء أي من أين لهم الحركة فيما قد بعد وقد كفروا به من قبل؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2573>[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٣]</span>\nوَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣)\nوَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ والعرب تقول لكلّ من يتكلّم بما لا يحقه: هو يقذف ويرجم بالغيب. مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ على التمثيل بمن يرجم ولا يصيب برجمه.\nومن قرأ وَيَقْذِفُونَ «١» فمعناه عنده يقذف به إليهم من يغويهم ويضلّهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2574>[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٤]</span>\nوَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)\nوَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ قيل: حيل بينهم وبين النجاة من العذاب، وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهونه في الدنيا من أموالهم وأهليهم. ومذهب قتادة أن المعنى أنهم كانوا يشتهون أن يقبل منهم أن يطيعوا الله جلّ وعزّ وينتهوا إلى ما يأمرهم به فحيل بينهم وبين ذلك، لأن ذلك إنما كان في الدنيا، وقد زالت في ذلك الوقت. والأصل في حيل «حول» فقلبت حركة الواو على الحاء فانقلبت ياء فحذفت حركتها لثقلها. إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ أي في الدنيا والتوحيد مُرِيبٍ أي يستراب به.\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ١٢٢.","vol":"3","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2575>٣٥ شرح إعراب سورة فاطر</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2576>[سورة فاطر (٣٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)\nالْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيه ثلاثة أوجه: الخفض على النعت، والرفع على إضمار مبتدأ، أو النصب على المدح، وحكى سيبويه «١»: الحمد لله أهل الحمد، مثله، وكذا جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا ولا يجوز فيه التنوين لأنه لما مضى رُسُلًا مفعول ثان، ويقال: على إضمار فاعل لأن «فاعلا» إذا كان لما مضى مضافا لم يعمل شيئا أُولِي أَجْنِحَةٍ نعت، قال أبو إسحاق: أي أصحاب أجنحة مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ لم ينصرف لأن فيها علّتين: إحداهما أنها معدولة فهذا اتّفاق، واختلف في الثانية لأن النحويين القدماء لم يذكروها. قال أبو إسحاق: العلّة الثانية أنّه عدل في حال نكرة وقال غيره: العلّة الثانية أنه صفة، وقول ثالث إنه معدول عن اثنين اثنين فهذه علّة ثانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2577>[سورة فاطر (٣٥): آية ٢]</span>\nما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)\nوأجاز النحويون «٢» في غير القرآن: فلا ممسك له، على لفظ «ما» «ولها» على المعنى وأجازوا: وَما يُمْسِكْ فلا مرسل لها على معنى «ما»، وأجازوا: فلا ممسك لها، يكون بمعنى ليس وكذا «فلا مرسل له» وأجازوا: «ما يفتح الله للناس من رحمة» تكون «ما» بمعنى الذي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2578>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ٥٧.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٦٦.","vol":"3","page":244},{"text":"يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ هذه قراءة شيبة ونافع وأبي عمرو وعاصم، وقرأ شقيق بن سلمة ويزيد بن القعقاع ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي هل من خالق غير الله «١» ويجوز نصب غير على الاستثناء. والرفع من جهتين:\nإحداهما بمعنى: هل من خالق إلّا الله بمعنى ما خالق إلّا الله، والوجه الثاني أن يكون نعتا على الموضع، لأن المعنى هو خالق غير الله. والخفض على اللفظ، وقال حماد ابن سلمة: حدّثنا حميد الطويل قال: قلت للحسن: من خلق الشرّ؟ فقال: سبحان الله، هل من خالق غير الله جلّ وعزّ الله خلق الخير والشرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2579>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤]</span>\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ تأسيا له ﷺ. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ قال أبو إسحاق: أي الأمور مرجعها إلى الله جلّ وعزّ فيجازي من كذّب وينصر من كذّب من رسله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2580>[سورة فاطر (٣٥): آية ٥]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا قال سعيد بن جبير: غرور الحياة الدنيا أن يشغل الإنسان بنعيمها وفتنتها عن عمل الآخرة حتى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي [الفجر: ٢٤] وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. وقال شعبة عن سماك وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ «٢» بضم الغين. وفيه ثلاثة أقوال: منها أن يكون مع غار، كما تقول جالس وجلوس، وهذا أحسن ما قيل فيه، ويكون معناه كمعنى «الغرور»، قال أبو حاتم:\nالغرور جمع غر، وغر مصدر، والقول الثالث يكون الغرور مصدرا، وهذا بعيد عند أبي إسحاق لأن غررته متعد، والمصدر من المتعدّي إنّما هو على فعل نحو ضربته ضربا إلّا أشياء يسيرة سمعت لا يقاس عليها قالوا: لزمته لزما، ونهكه المرض نهوكا. فأما معنى هذا الحرف فأحسن ما قيل فيه ما قاله سعيد بن جبير، قال: الغرور بالله جلّ وعزّ أن يكون الإنسان يعمل المعاصي ثم يتمنّى على الله جلّ وعزّ المغفرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2581>[سورة فاطر (٣٥): آية ٦]</span>\nإِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦)\nإِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ويكون عدوّ بمعنى معاد فيثنّى ويجمع ويؤنث، ويكون بمعنى النسب فيكون موحّدا بكلّ حال كما قال جلّ وعزّ: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء:\n٧٧] وفي المؤنث على هذا عدوّ أيضا. فأما قول بعض النحويين: إن الواو خفيّة فجاؤوا بالهاء فخطأ بل الواو حرف جلد. فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا مفعولان. إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٨، وفيه (غير الله) بخفض الراء قراءة حمزة والكسائي والباقون برفعها. [.....]\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ١٢٢.","vol":"3","page":245},{"text":"كفّت «ما» «إنّ» عن العمل فوقع بعدها الفعل لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2582>[سورة فاطر (٣٥): آية ٧]</span>\nالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)\nالَّذِينَ كَفَرُوا يكون بدلا من «أصحاب» ويكون في موضع خفض، ويكون بدلا من حزبه فيكون في موضع نصب، أو يكون بدلا من الواو فيكون في موضع رفع، وقول رابع، وهو أحسنها، يكون في موضع رفع بالابتداء ويكون خبره لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ. فأما وَالَّذِينَ آمَنُوا ففي موضع رفع بالابتداء وخبره لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2583>[سورة فاطر (٣٥): آية ٨]</span>\nأَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨)\nأَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ «من» في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف لما دلّ عليه. قال الكسائي: والذي دلّ عليه. فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ والمعنى: أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا ذهبت نفسك عليهم حسرات، قال: وهذا كلام عربي حسن ظريف لا يعرفه إلّا قليل. والذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في الآية لما ذكره فمن الدلالة على المحذوف، والمعنى أنّ الله جلّ وعزّ نهى النبيّ ﷺ عن شدّة الاغتمام بهم والحزن عليهم كما قال جلّ وعزّ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [الشعراء: ٣] قال أهل التفسير: أي: قاتل نفسك، وقرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا نصر بن علي قال: سألت الأصمعي عن قول النبي ﷺ في أهل اليمن «هم أرقّ قلوبا وأبخع طاعة» «١» ما معنى أبخع طاعة، قال أنصح طاعة قال: فقلت له: إنّ أهل التفسير مجاهدا وغيره يقولون: في قول الله جلّ وعزّ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ معناه قاتل نفسك فقال: هو من ذلك بعينه كأنه من شدّة النصح لهم قاتل نفسه، وقراءة أبي جعفر فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ «٢» والمعنيان متقاربان و«حسرات» منصوب على أنه مفعول من أجله أو مصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2584>[سورة فاطر (٣٥): آية ٩]</span>\nوَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩)\nوبَلَدٍ مَيِّتٍ وميّت «٣» واحد، وكذا ميتة وميتة واحد. هذا قول الحذّاق من النحويين، وقال محمد بن يزيد: هذا قول البصريين ولم يستثن أحدا واستدلّ على ذلك بدلائل قاطعة من كلام العرب.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في المناقب ١٠/ ٢٨٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٨٨، ومعاني الفراء ٢/ ٣٦٧.\n(٣) انظر تيسير الداني ٧٣.","vol":"3","page":246},{"text":"وأنشد «١»: [الخفيف] ٣٥٢-\nليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء\nإنّما الميت من يعيش كئيبا ... كاسفا باله قليل الرّخاء\nويروى «قليل الرّجاء» قال: فهل ترى بين ميت وميت من فرق؟ وأنشد: [البسيط] ٣٥٣-\nهينون لينون أيسار بنو يسر ... سوّاس مكرمة أبناء أيسار «٢»\nقال: قد أجمعوا على أنّ قوله: هينون وهيّنون واحد، فكذا ميت وميّت وسيد وسيّد، قال: وزعم سيبويه أن قولهم كان كينونة وصار صيرورة الأصل فيه كينونة وصيرورة، وكذا قيدودة، وردّ محمد بن يزيد «٣» على الكوفيين قولهم: إنه فعلول من جهتين: إحداهما لأنه ليس في كلام العرب فعلول والثانية أنه لو كان كما قالوا لكان بالواو. قال أبو جعفر: هذا كلام بيّن حسن في كينونة لأنها من الكون وفي القيدودة لأنها من الأقود. كَذلِكَ النُّشُورُ أي كذلك تحيون بعد ما متّم. من نشر الإنسان نشورا إذا حيي وأنشره الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2585>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٠]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ التقدير عند الفراء: من كان يريد علم العزّة، وكذا قال غيره من أهل العلم من كان يريد علم العزّة التي لا ذلة معها لأن العزّة إذا كانت تؤدّي إلى ذلّة فإنها هي تعرّض للذلة، والعزّة التي لا ذلّة معها لله جلّ وعزّ. جَمِيعًا على الحال. وقدر أبو إسحاق معناه: من كان يريد بعبادة الله جلّ وعزّ العزّة به فإن الله يعزّه في الآخرة والدنيا. إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ تمّ الكلام وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي إليه يصعد الكلام «٤» والكلم جمع كلمة. وأهل التفسير ابن عباس ومجاهد والربيع ابن أنس وشهر بن حوشب وغيرهم قالوا: والمعنى العمل الصالح يرفع الكلم الطيّب.\nوهذا رد على المرجئة. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ رفع بالابتداء أو على إضمار فعل. فأما أن يكون مرفوعا بمعنى ويرفعه العمل الصالح فخطأ لأن الفاعل إذا كان قبل الفعل لم يرتفع بالفعل. هذا قول جميع النحويين إلّا شيئا حكاه لنا علي بن سليمان عن أحمد بن\n_________\n(١) الشعر لعدي بن الرعلاء في تاج العروس (موت)، ولسان العرب (موت)، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ١٤/ ٣٤٣ وتاج العروس (حيي)، والتنبيه والإيضاح ١/ ١٧٣.\n(٢) الشاهد لعبيد بن العرندس الكلابي في الكامل ٧٢، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٢٦٥، والخصائص ٢/ ٢٨٩، والمنصف ٣/ ٦١.\n(٣) انظر المقتضب ٣/ ١٣٥.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٦٧، والبحر المحيط ٧/ ٢٩٠.","vol":"3","page":247},{"text":"يحيى أنه أجاز: زيد قام بمعنى قام زيد. قال أبو جعفر: ويبيّن لك فساد هذا قول العرب: الزيدان قاما، ولو كان كما قال لقيل: الزيدان قام. وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ بمعنى والذين يعملون السيئات فتكون السيئات مفعولة، ويجوز أن يكون التقدير والذين يسيئون فيكون السيئات مصدرا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ خبر «الذين. وَمَكْرُ أُولئِكَ مبتدأ، وهو ابتداء ثان ويَبُورُ خبر الثاني، ويجوز أن يكون خبرا عن الأول، ويكون هذا زائدة. وتقول: بار يبور إذا هلك ومنه بارت السوق، ونعوذ بالله جلّ وعزّ بوار الأيّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2586>[سورة فاطر (٣٥): آية ١١]</span>\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ قال سعيد عن قتادة قال: يعني آدم ﷺ والتقدير على هذا خلق أصلكم من تراب. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ قال: أي التي أخرجها من ظهور آبائكم. ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا قال: أي زوّج بعضكم بعضا. وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ. حدّثنا علي بن الحسين عن الحسن بن حمد قال: حدّثنا ابن عوانة عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: وما يعمّر من معمّر إلّا كتب عمره كم هو سنة؟ كم هو شهرا؟ كم هو يوما؟ وكم هو ساعة؟ ثم يكتب عند عمره نقص كذا نقص كذا حتى يوافق النقصان العمر. ومذهب الفراء في معنى وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ أي ما يطوّل من عمره وما ينقص من عمره يعني آخر أي ولا ينقص الآخر من عمر ذاك إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ والفعل منه يسر، ولو سمّيت به إنسانا انصرف لأنه فعيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2587>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)\nوَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ روى ابن عباس قال: فرات حلو، وأجاج:\nمالح مرّ. وقرأ طلحة وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ «١» بفتح الميم وكسر اللام بغير ألف، وأما المالح فهو الذي يجعل الملح لإصلاح الشيء. وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا لا اختلاف في هذا أنّه منهما جميعا. وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها مذهب أبي إسحاق أن الحلية إنما تستخرج من الملح فقيل: منهما لأنهما مختلطان، وقال غيره: إنما تستخرج\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٩١، والمحتسب ٢/ ١٩٩.","vol":"3","page":248},{"text":"الأصداف التي قال فيها الحلية من الدرّ وغيره، ومن المواضع التي فيها العذب والملح نحو العيون وقال محمد بن يزيد قولا ثالثا هو أحسنها قال: إنما تستخرج الحلية من الملح خاصة، وليس هذا عنده لأنهما مختلطان ولكن جمعا ثم خبّر عن أحدهما كما قال جلّ وعزّ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [يونس: ٦٧] وكما تقول: لو رأيت الحسن والحجّاج لرأيت خيرا وشرا، وكما تقول:\nلو رأيت الأصمعيّ وسيبويه لملأت يدك لغة ونحوا، فقد عرف معنى هذا، وهو كلام فيصيح كثير فكذا. وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها فاجتمع في الأول وانفرد الملح بالثاني فصارا مجتمعين في كل هذا. قال: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ أي في الملح خاصة، ولولا ذلك لقال: فيهما وقد مخرت السفينة تمخر وتمخر إذا شقّت الماء، كما قال طرفة: [الطويل] ٣٥٤-\nيشقّ حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم التّرب المفايل باليد «١»\nوقيل: الأجل المسمّى هاهنا القيامة لأنها عند الله جلّ وعزّ مسمّاة لوقت معلوم وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: القطمير جلد النواة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2588>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٤]</span>\nإِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)\nإِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ شرط ومجازاة. وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ فيه معنى الأول وإن كانت لولا يجازى بها. قال قتادة مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ ما تبعوكم ولا قبلوا منكم. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ. قال أبو إسحاق: أي يقولون: ما كانوا إيّانا يعبدون. وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ قال قتادة: الله جلّ وعزّ أخبر أنه يكون هذا منكم يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2589>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٥]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ بتخفيف الهمزة الثانية أجود الوجوه عند الخليل ﵀ ويجوز تخفيف الأولى وحذفها وتخفيفها جميعا وتحقيقهما جميعا. وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ تكون «هو» زائدة فلا يكون لها موضع من الإعراب، وتكون مبتدأة فيكون موضعها رفعا.\n_________\n(١) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ٢٠، ولسان العرب (حبب) و(فيل)، وكتاب العين ٣/ ٣٢، ومقاييس اللغة ٢/ ٢٨، والمخصّص ٩/ ١٤٩، وتهذيب اللغة ٤/ ١٠، وتاج العروس (فأل)، و(حبب) و(فيل) .","vol":"3","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2590>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٦]</span>\nإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦)\nإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ شرط ومجازاة وفيه حذف تستعمله العرب كثيرا. والتقدير:\nإن يشأ أن يذهبكم يذهبكم وحذفت من «يشأ» الضمة التي كانت على الهمزة فلما سكنت حذفت الألف التي قبلها. وَيَأْتِ معطوف على يذهبكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2591>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٨]</span>\nوَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)\nوَلا تَزِرُ مقطوع مما قبله والأصل توزر حذفت الواو اتباعا ليزر. وازِرَةٌ نعت لمحذوف أي نفس وازرة، وكذا وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ قال الفراء «١»: أي نفس مثقلة أو دابة قال: وهذا يقع للمذكّر والمؤنث. قال الأخفش: أي وإن تدع مثقلة إنسانا إِلى حِمْلِها والحمل ما كان على الظهر، وحمل المرأة وحمل النخلة حكاهما الكسائي بالفتح لا غير، وحكى ابن السكيت: إنّ حمل النخلة يفتح ويكسر وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى التقدير على قول الأخفش ولو كان الإنسان المدعو ذا قربى، وأجاز الفراء «٢»: ولو كان ذو قربى قال أبو جعفر: وهذا جائز عند سيبويه، ومثله وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] وتكون «كان» بمعنى وقع أو يكون الخبر محذوفا أي وإن كان فيمن تطلبون ذو عسرة، وحكى سيبويه: الناس مجزيّون بأعمالهم إن خير فخير، على هذا، وإن خيرا فخيرا، على الأول وحكى الحكم بن أبان عن عكرمة أنه قال: بلغني أنّ اليهوديّ والنصراني يرى الرجل المسلم يوم القيامة فيقول له: ألم أكن قد أسديت إليك يدا ألم أكن قد أحسنت إليك فيقول: بلى فيقول: انفعني فلا يزال المسلم ينقص من عذابه، وأن الرجل ليأتي إلى أبيه يوم القيامة فيقول: ألم أكن بك بارا وعليك مشفقا وإليك محسنا، وأنت ترى ما أنا فيه فهب لي حسنة من حسناتك أو تحمل عني سيئة فيقول: إن الذي سألتني يسير ولكني أخاف مثل ما تخاف، وإن الأب ليقول لابنه مثل ذلك فيردّ عليه نحوا من هذا، وإن الرجل ليقول لزوجته: ألم أكن حسن العشرة لك فتحملي عني خطيئة لعلي أنجو فتقول: إنّ ذلك ليسير ولكنّي أخاف مما تخاف منه ثم تلا عكرمة وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى. إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وهو ينذر الخلق كلهم فخصّ الذين يخشون ربّهم لأنهم الذين ينتفعون بالنذارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2592>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nوَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٦٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٦٨.","vol":"3","page":250},{"text":"وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ روي عن ابن عباس قال: المؤمن والكافر، قال:\nوالظُّلُماتُ الضلالة والنُّورُ الهدى والظِّلُّ الجنّة والْحَرُورُ النار. قال الأخفش سعيد: «لا» زائدة والمعنى: ولا الظلمات والنور ولا الظل والحرور. وقيل: الحرور لا يكون إلّا بالليل، والسموم يكون بالنهار. وقيل: الحرور يكون فيهما. وهذا أصحّ القولين، لأن الحرور فعول من الحرّ، وفيه معنى التكثير أي الحرّ المؤذي.\nوقرأ الحسن وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ «١» تحذف التنوين تخفيفا أي هم بمنزلة أهل القبول في أنّهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا يقبلونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2593>[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٥]</span>\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥)\nبِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وفي موضع آخر الزُّبُرِ [آل عمران: ١٨٤] بغير باء والمعنى واحد، غير أنّ الكثير في كلام العرب بغير باء وما بعده بالباء أيضا فتكون الباء إذا دخلت توكيدا أو عطف جملة على جملة وحذف الفعل لدلالة الأول عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2594>[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٧]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧)\nنصبت مُخْتَلِفًا لأنه نعت لثمرات وأَلْوانُها مرفوع بمختلف وصلح أن يكون نعتا لثمرات لما عاد عليه من ذكره، ويجوز رفعه في غير القرآن ومثله: رأيت رجلا خارجا أبوه. وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ جمع جدّة. قال الأخفش: ولو كان جمع جديد لقيل جدد مثل رغيف ورغف. بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها رفع «مختلف» هاهنا ونصب ثمّ لأن ما قبله هاهنا مرفوع فهو نعت له، ويجوز أن يكون رفعه على الابتداء والخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2595>[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٨]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)\nفقيل هاهنا أَلْوانُهُ وثمّ «أَلْوانُها» لأن تقديره وخلق مختلف ألوانه. ومختلف نعت أقيم مقام المنعوت. والكاف في موضع نعت لأنها نعت لمصدر محذوف. إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ قال مجاهد: إنما العالم من يخشى الله جلّ وعزّ وعن عبد الله ابن مسعود ﵁: كفى بخشية الله جلّ وعزّ علما وبالاغترار به جهلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2596>[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٩٥، ومختصر ابن خالويه ١٢٣.","vol":"3","page":251},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ قال أحمد بن يحيى خبر «إنّ» . يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2597>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣)\nثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا هذه الآية مشكلة لأنه قال جلّ وعزّ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ثم قال جلّ وعزّ فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وقد كنا ذكرناها إلّا أنا نبيّنها هاهنا بغاية البيان وقد تكلم جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فمن أصحّ ما روي في ذلك ما قرئ على أبي بكر محمد بن جعفر ابن الإمام عن يوسف بن موسى عن وكيع بن الجراح قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ» قال: الكافر، وقرئ على أحمد بن شعيب عن الحسين بن حبيب عن الفضل بن موسى عن حسين عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس «١» في قول الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ قال: نجت فرقتان. فهذا قول: ويكون التقدير في العربية «فمنهم» فمن عبادنا «ظالم لنفسه» أي كافر، وقال الحسن: أي فاسق، ويكون الضمير الذي في يدخلونها يعود على المقتصد والسابق لا على الظالم. فأما معنى «الذين اصطفينا من عبادنا» ففيه قولان: أحدهما أن الذين اصطفوا هم الأنبياء صلوات الله عليهم أي اختيروا للرسالة، وقيل: المعنى الذين اصطفوا لإنزال الكتاب عليهم فهذا عام، وقيل الضمير في يَدْخُلُونَها يعود على الثلاثة الأصناف على أن لا يكون الظالم هاهنا كافرا ولا فاسقا، فمن روى عنه هذا القول أعني أنّ الذين يدخلونها هذه الثلاثة الأصناف عمر وعثمان وأبو الدرداء وابن مسعود وعقبة بن عمرو وعائشة ﵃. ولولا كراهة الإطالة لذكرنا ذلك بأسانيده وإن كانت ليست مثل الأسانيد الأولى في الصحة وهذا القول أيضا صحيح عن عبيد بن عمرو وكعب الأحبار وغيرهما من التابعين والتقدير على هذا القول: أن يكون الظالم لنفسه الذي عمل الصغائر، والمقتصد: قال محمد بن يزيد: هو الذي يعطي الدّنيا حقّها، والآخرة حقّها فيكون «جنّات عدن يدخلونها» عائدا على الجميع على هذا الشرح والتبيين. وفي الآية قول ثالث يكون «الظالم» صاحب الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته. فيكون «جنّات عدن يدخلونها» الذين سبقونا بالخيرات لا غير. وهذا قول\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري ٢٢/ ١٣٥. [.....]","vol":"3","page":252},{"text":"جماعة من أهل النظر قالوا: لأن الضمير في حقيقة النظر لما يليه أولى. وقد ذكرنا «١» قول العلماء المتقدمين قبل هذا يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ جمع أسورة، وأسورة جمع سوار وسوار، وقد حكي أنه يقال: أسوار وجمع إسوار أساوير «٢»، وقد حكي أن في حرف أبي «أساوير» وحذف الياء من مفاعل هذا جائز غير أن المعروف أن الأسوار هو الرجل الجيّد الرمي من الفرس. وَلُؤْلُؤًا «٣» قراءة أهل المدينة. قال أبو إسحاق:\nلأن معنى من أساور ومعنى أساور واحد، والخفض قراءة أهل الكوفة، وهو أبين في العربية لأنه مخفوض معطوف على مخفوض. وقرأ عاصم الجحدري جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها «٤» بكسر التاء تكون في موضع جرّ على البدل من الخيرات، ويجوز أن يكون في موضع نصب على لغة من قال: زيدا ضربته وزعم بعض أهل النظر أن قوله جلّ وعزّ: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ للنساء لأن قوله جلّ وعزّ: مِنْ عِبادِنا مشتمل على الذكور والإناث. وهذا خطأ بيّن، لأنه لو كان للنساء لكان يحلّين ولكن هو للرجال لا غير إلّا أنه يجوز أن يحلّى به النساء فإذا حلّي به النساء فهو لأزواجهنّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2598>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٤]</span>\nوَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)\nوَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ عن ابن عباس قال: النار. وقال سعيد عن قتادة قال: كانوا يعملون في الدّنيا وينصبون ويلحقهم الحزن وقال شمر بن عطيّة في قول الله جلّ وعزّ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ قال: همّ الطّعام. قال:\nإِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ غفر لهم الذّنوب التي عملوها، وشكر لهم الخير الذي دلّهم عليه فعملوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2599>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٥]</span>\nالَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)\nالَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ يكون «الذي» في موضع نصب نعت لاسم «إنّ» ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أو على خبر بعد خبر إن، وعلى البدل من غفور، أو على البدل من المضمر الذي في «شكور» ويجوز أن يكون في موضع خفض على النعت لاسم الله جلّ وعزّ قال الكسائي والفراء: الْمُقامَةِ: الإمامة والمقامة: المجلس الذي يقام فيه. لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ أي تعب والنّصب الشرّ والنصب ما ينصب لذبح أو غيره وقرأ أبو عبد الرحمن وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ «٥» بفتح اللام يكون مصدرا كالوقود والطّهور وقيل هو ما يلغب منه.\n_________\n(١) انظر إعراب الآية ٢٣ سورة الرعد.\n(٢) انظر إعراب الآية ٣١ سورة الكهف.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٢٧.\n(٤) انظر البحر المحيط ٧/ ٢٩٩، ومختصر ابن خالويه ١٢٣.\n(٥) انظر مختصر ابن خالويه ١٢٤، والبحر المحيط ٧/ ٣٠٠.","vol":"3","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2600>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٦]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ والخبر لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ ويجوز أن يكون الخبر لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا «١» وحذفت النون لأنه جواب النفي. وقرأ الحسن يقضى عليهم فيموتون على العطف قال الكسائي وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٦] بالنون في المصحف لأنه رأس آية، ولا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا بغير نون لأنه ليس برأس آية ويجوز في كلّ واحد منهما ما جاز في صاحبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2601>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٧]</span>\nوَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)\nوَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها الطاء مبدلة من تاء لأن الطاء بالصاد أشبه لأنهما مطبقتان، ويقال: اصطرخ إذا استغاث رَبَّنا أَخْرِجْنا أي يقولون نَعْمَلْ صالِحًا جواب المسألة أي إن أخرجتنا عملنا صالحا غير الذي كنا نعمل أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ أي فيقال لهم، وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ: «من عمّر ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر» «٢»، وكذلك روى سهل بن سعد عن النبيّ ﷺ مثل معناه وقال ابن عباس في قوله جلّ وعزّ: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ قال ستين سنة. وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ أي المنذر وفي فعيل معنى المبالغة. قيل: يعني به النبي ﷺ، وقيل: هو من أنذرهم، وقيل: يعني به الشيب والله جلّ وعزّ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2602>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨)\nإذا كان بغير تنوين صلح أن يكون للماضي والمستقبل والحال، وإذا كان منونا لم يجز أن يكون للماضي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2603>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٩]</span>\nهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسارًا (٣٩)\nهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ جمع خليفة أي تخلفون من كان قبلكم وفي هذا معنى التنبيه والاعتبار أي فتحذرون أن تنزل بكم العقوبة، كما نزلت بمن كان قبلكم فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أي عقوبة كفره.\n_________\n(١) وهذه قراءة عيسى أيضا، انظر البحر المحيط ٧: ٣٠١، والمحتسب ٢/ ٢٠١.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٤٠٥ والمتقي في كنز العمال (٤٢٦٦٨)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٥٨.","vol":"3","page":254},{"text":"وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا مفعولان، وكذا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسارًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2604>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٠]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا (٤٠)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ منصوب بالرؤية، ولا يجوز رفعه وقد يجوز الرفع عند سيبويه في قولهم: قد علمت زيد أبو من هو لأن زيدا في المعنى يستفهم عنه، ولو قلت:\nأرأيت زيدا أبو من هو؟ لم يجز الرفع والفرق بينهما أن معنى هذا أخبرني عنه، وكذا معنى هذا أخبروني عن شركائكم الذين تدعون من دون الله أعبدتموهم لأن لهم شركة في خلق السّموات أم خلقوا من الأرض شيئا أم آتيناهم كتابا بهذا أي أم عندهم كتاب أنزلناه إليهم بالشّركة أو بأنا أمرناهم بعبادتهم فكان في هذا ردّ على كل من عبد غير الله جلّ وعزّ لأنهم لا يجدون في كتاب من الكتب أنّ الله جلّ وعزّ أمر أن يعبد غيره.\nعلى بيّنات منه «١» قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وعاصم والكسائي، وقرأ أبو عمرو وابن كثير والأعمش وحمزة عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ «٢» قال أبو جعفر: والمعنيان متقاربان إلّا أن القراءة «بيّنات» أولى لأنه لا يخلو من قرأ «على بيّنة» أن يكون خالف السواد الأعظم أو يكون جاء به على لغة من قال: جاءني طلحة، فوقف بالتاء. وهذه لغة شاذّة قليلة.\nبَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا «إن» بمعنى «ما» فلذلك رفعت الفعل. بَعْضُهُمْ بَعْضًا «بعضهم» إِلَّا غُرُورًا أي إلّا غرورا بالباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2605>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤١]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)\nإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا «أن» في موضع نصب بمعنى كراهة أو يحمل على المعنى لأن المعنى إنّ الله يمنع السّموات والأرض من أن تزولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ قال الفراء: «٣» أي ولو زالتا ما أمسكهما من أحد من بعده و«أان» بمعنى «ما» قال: وهو مثل قوله تعالى: وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ [الروم: ٥١] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2606>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٢]</span>\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤٢)\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ قال أبو إسحاق: كانوا حلفوا واجتهدوا. قال أبو\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٨.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٤٨.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٠.","vol":"3","page":255},{"text":"جعفر: فاليمين وقعت على لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ قال الأخفش: فأنّث إحدى لتأنيث أمة فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا أي عن الحقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2607>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٣]</span>\nاسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)\nاسْتِكْبارًا مفعول من أجله أي تكبّرا عن الحقّ. وَمَكْرَ السَّيِّئِ معطوف عليه.\nقال سعيد عن قتادة: أي ومكر الشرك. قال أبو جعفر: أصل المكر السّيّئ في اللغة الكذب والخديعة بالباطل. وقرأ الأعمش وحمزة ومكر السّيئ ولا يحق المكر السيّئ إلا بأهله «١» فحذف الإعراب من الأول وأثبته في الثاني. قال أبو إسحاق: وهو لحن لا يجوز. قال أبو جعفر: وإنما صار لحنا لأنه حذف الإعراب منه، وزعم محمد بن يزيد: أن هذا لا يجوز في كلام ولا شعر، لأن حركات الإعراب لا يجوز حذفها لأنها دخلت للفروق بين المعاني. وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش على جلالته ومحلّه يقرأ بهذا، وقال: إنما كان يقف عليه فغلط من ادّعى عنه قال: والدليل على هذا أنه تمام الكلام، وإن الثاني لمّا لم يكن تمام الكلام أعربه، والحركة في الثاني أثقل منها في الأول لأنها ضمة بين كسرتين. وقد احتجّ بعض النحويين لحمزة في هذا بقول سيبويه، وأنه أنشد هو وغيره: [الرجز] ٣٥٥-\nإذا اعوججن قلت صاحب قوّم ... بالدوّ أمثال السّفين العوّم «٢»\nوقال الآخر: [السريع] ٣٥٦-\nفاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل «٣»\nوهذا لا حجّة فيه لأن سيبويه لم يجزه وإنما حكاه بعض النحويين، والحديث إذا قيل فيه عن بعض العلماء لم يكن فيه حجّة فكيف وإنما جاء به على الشذوذ، وضرورة الشعر، قد خولف فيه. وزعم أبو إسحاق أن أبا العباس أنشده: [الرجز] ٣٥٧-\nإذا اعوججن قلت صاح قوّم «٤»\nوأنه أنشده «فاليوم فاشرب» بالفاء. فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ أي إنما ينظرون العقاب الذي نزل بالكفار الأولين فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا أي أجرى الله جلّ وعزّ العذاب على الكفار، وجعل ذلك سنّة فيهم فهو يعذب بمثله من\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٨، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٣٥، والبحر المحيط ٧/ ٣٠٥.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٢٢) .\n(٣) مرّ الشاهد رقم (٢١٢) .\n(٤) مرّ الشاهد رقم (٢٢) . [.....]","vol":"3","page":256},{"text":"استحقّه لا يقدر أحد أن يبدّل ذلك، ولا يحوّله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2608>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٤]</span>\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)\nقال أبو إسحاق: لِيُعْجِزَهُ لتفوته ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2609>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٥]</span>\nوَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا (٤٥)\nوَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا مهموز لأن العرب تقول: أخذت فلانا بكذا وكذا، ولا يقال: وأخذت، ولكن إن خفّفت الهمزة في يؤاخذ جاز فقلت يؤاخذ تقلبها واوا. فإن قال قائل: فلم لا يقلبها ألفا وهي مفتوحة؟ قلت: هذا محال لأن الألف لا يكون ما قبلها أبدا إلا مفتوحا. عَلى ظَهْرِها يعود على الأرض وقد تقدّم ذكرها.\nفَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا لا يجوز أن يكون العامل في إذا بصيرا، كما لا يجوز: اليوم أنّ زيدا خارج، ولكن العامل فيها جاء لشبهها بحروف المجازاة، وقد يجازى بها، كما قال: [الطويل] ٣٥٨-\nإذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب «١»\n_________\n(١) الشاهد لقيس بن الخطيم الأنصاري في ديوانه ٨٨، وخزانة الأدب ٧/ ٢٥، والكتاب ٣/ ٦٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٣٧، وشرح المفصّل ٧/ ٤٧، وللأخنس بن شهاب في خزانة الأدب ٥/ ٢٨، وشرح اختيارات المفضّل ص ٩٣٧، ولكعب بن مالك في فصل المقال ٤٤٢، وليس في ديوانه، ولشهم بن مرّة في الحماسة الشجرية ١/ ١٨٦، ولعمران بن حطان في شعر الخوارج ص ٤٠٦، وبلا نسبة في شرح المفصل ٤/ ٩٧، والمقتضب ٢/ ٥٧.","vol":"3","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2610>٣٦ شرح إعراب سورة يس</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2611>[سورة يس (٣٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيس (١)\nقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لكلّ شيء قلب، وقلب القرآن «يس» من قرأها نهارا كفي همّه، ومن قرأها ليلا غفر ذنبه. قال شهر بن حوشب: يقرأ أهل الجنة «طه» و«يس» فقط. قال أبو جعفر: في يس «١» أوجه من القراءات. قرأ أهل المدينة والكسائي يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ بإدغام النون في الواو، وقرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ بإظهار النون، وقرأ عيسى بن عمر يسين والقرآن الحكيم، وذكر الفراء قراءة رابعة ياسين والقرآن. قال أبو جعفر: القراءة الأولى بالإدغام على ما يجب في العربية لأنّ النون تدغم في الواو لشبهها بها، ومن بيّن قال:\nسبيل حروف التهجي أن يوقف عليها، وإنما يكون الإدغام في الإدراج، وذكر سيبويه «٢» النصب وجعله من جهتين: إحداهما أن يكون مفعولا لا يصرفه، لأنه عنده اسم أعجمي بمنزلة هابيل. والتقدير: اذكر ياسين، وجعله سيبويه اسما للسورة. وقوله الآخر أن يكون مبنيا على الفتح مثل «كيف» و«أين»، وأما الكسر فزعم الفراء أنه مشبه بقول العرب جير لأفعلن وجير لا أفعل «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2612>[سورة يس (٣٦): آية ٢]</span>\nوَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)\nوَالْقُرْآنِ قسم والواو مبدلة من ياء لشبهها بها، كما أبدلوها من ربّ، الْحَكِيمِ من نعت القرآن. قال أبو إسحاق: لأنه أحكم بالأمر والنهي والأمثال وأقصيص الأمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2613>[سورة يس (٣٦): آية ٣]</span>\nإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)\nجواب القسم، وإن مكسورة لأن في خبرها اللام ولو حذفت اللام لكانت أيضا\n_________\n(١) انظر القراءات المختلفة في تيسير الداني ١٤٨، والبحر المحيط ٧/ ٣١٠، ومعاني الفراء ٢/ ٣٧١.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٢٨٦.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧١.","vol":"3","page":258},{"text":"مكسورة إلّا في قول الكسائي فإنّه يجيز فتحها لأن في الكلام معنى: أقسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2614>[سورة يس (٣٦): آية ٤]</span>\nعَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)\nقال الضحاك: أي على طريقة مستقيمة. قال قتادة: أي على دين مستقيم. قال أبو إسحاق: عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ خبر بعد خبر، قال: ويجوز أن يكون من صلة المرسلين أي الذين أرسلوا على صراط مستقيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2615>[سورة يس (٣٦): آية ٥]</span>\nتَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)\nهذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقرأ الكوفيون وعبد الله بن عامر اليحصبي تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ «١» بالنصب وحكي الخفض. قال أبو جعفر: فالرفع على إضمار مبتدأ أي الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم، والنصب على المصدر، والخفض على البدل من القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2616>[سورة يس (٣٦): آية ٦]</span>\nلِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦)\nلِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ما لا موضع لها من الإعراب عند أكثر أهل التفسير لأنها نافية، وعلى قول عكرمة موضعها النصب لأنه قال: أي قد أنذر آباؤهم فتكون على هذا مثل قوله: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً [فصلت: ١٣] أي بصاعقة. فَهُمْ غافِلُونَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2617>[سورة يس (٣٦): آية ٧]</span>\nلَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧)\nلَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ أي حقّ القول عليهم بالعذاب لكفرهم، ومثله وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ [الزمر: ٧١] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2618>[سورة يس (٣٦): آية ٨]</span>\nإِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)\nإِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا عن ابن عباس أنه قال: إن أبا جهل أقسم لئن رأيت محمدا ﷺ يصلّي لأدمغنّه فأخذ حجرا والنبي ﷺ يصلّي ليرميه به. فلما أومأ به إليه جفّت يده على عنقه، والتصق الحجر بيده فهو على هذا تمثيل أي بمنزلة من غلّت يده إلى عنقه. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قرأ ابن عباس إنّا جعلنا في أيمانهم «٢» أغلالا فهي إلى الأذقان قال أبو إسحاق وقرئ إنّا جعلنا في أيديهم أغلالا قال أبو جعفر: هذه القراءة على التفسير، ولا يقرأ بما خالف المصحف، وفي\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٩، ومختصر ابن خالويه ١٢٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٣.","vol":"3","page":259},{"text":"الكلام حذف على قراءة الجماعة فالتقدير: إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان، فهي كناية عن الأيدي لا عن الأعناق، والعرب تحذف مثل هذا، ونظيره سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] فتقديره: وسرابيل تقيكم البرد فحذف لأن ما وقى الحرّ وقى البرد، ولأنّ الغل إذا كان في العنق فلا بد من أن يكون في اليد ولا سيما وقد قال جلّ وعزّ: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فقد أعلم الله جلّ وعزّ أنها يراد بها الأيدي. فَهُمْ مُقْمَحُونَ أجلّ ما روي فيه ما حكاه عبد الله بن يحيى أن علي بن أبي طالب ﵁ أراهم الأقماح فجعل يديه تحت لحيته وألصقهما ورفع رأسه. قال أبو جعفر: وكان هذا مأخوذا مما حكاه الأصمعي قال: يقال أكمحت الدّابّة إذا جذبت لجامها لترف رأسها. قال أبو جعفر: والقاف مبدلة من الكاف لقربها منها، كما يقال:\nقهرته وكهرته. قال الأصمعي: ويقال: أكفحت الدابة إذا تلقّيت فاها باللجام لتضربه به. مشتقّ من قولهم: لقيته كفاحا أي وجها لوجه، وكفحت الدابّة بغير ألف إذا جذبت عنانها لتقف ولا تجري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2619>[سورة يس (٣٦): آية ٩]</span>\nوَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)\nقال محمد بن إسحاق في روايته: جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأميّة بن خلف يراصدون النبي ﷺ ليبلغوا من أذاه فخرج عليهم يقرأ أول «يس» وفي يده تراب فرماهم به، وقرأ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا إلى رأس العشر، فأطرقوا حتى مرّ النبي ﷺ وقد قيل إن هذا تمثيل كما يقال: فلان حمار أي لا يبصر الهدى، كما يقال: [البسيط] ٣٥٩-\nلهم عن الرشد أغلال وأقياد «١»\nوقراءة ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر وعمر بن عبد العزيز فَأَغْشَيْناهُمْ «٢» قال أبو جعفر: القراءة بالغين أشبه بنسق الكلام، ويقال: غشيه الأمر وأغشيته إياه فأما فأغشيناهم فإنّما يقال لمن ضعف بصره حتى لا يبصر بالليل، أو لمن فعل فعله، كما قال: [الطويل] ٣٦٠-\nمتى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد «٣»\nقال قتادة: فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ الهدى.\n_________\n(١) الشاهد للأفوه الأودي في ديوانه ص ١٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٣١٢.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (٦٩) .","vol":"3","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2620>[سورة يس (٣٦): آية ١٠]</span>\nوَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠)\nوَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ قيل: المعنى لا يكترثون بذلك ولا يعبئون به ولا يؤمنون.\nقال ابن عباس: فما آمن منهم أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2621>[سورة يس (٣٦): آية ١١]</span>\nإِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)\nإِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ أي إنّما ينتفع بالإنذار. قال أبو إسحاق: ومعنى وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ خاف الله جلّ وعزّ من حيث لا يراه أحد إلّا الله ﷿.\nفَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ قال الضحاك عن ابن عباس في معنى كريم: أي حسن، وقيل: يراد به الجنة والله جلّ وعزّ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2622>[سورة يس (٣٦): آية ١٢]</span>\nإِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)\nالأصل في إِنَّا إنّنا حذفت النون لاجتماع النونات نُحْيِ حذفت منه الضمة لثقلها، ولا يجوز إدغام الياء في الياء هاهنا لئلّا يلتقي ساكنان. وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ أي ذكر ما قدّموا، وأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وتأوله ابن عباس بمعنى خطاهم إلى المساجد. وهو أولى ما قيل فيه لأنه قال: إنّ الآية نزلت في ذلك لأن الأنصار كانت منازلهم بعيدة من المسجد. وفي حديث عمرو بن الحارث عن أبي عشانة عن عقبة بن عامر عن النبيّ ﷺ قال: «يكتب له برجل حسنة، ويحطّ عنه برجل سيئة ذاهبا وراجعا إذا خرج إلى المسجد» «١» وتأوّله غير ابن عباس «ونكتب ما قدّموا وآثارهم» يعني نكتب ما قدّموا من خير وما سنّوا من سنة حسنة يعمل بها بعدهم. وواحد الآثار:\nأثر، ويقال: إثر. وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ منصوب على إضمار فعل، ويجوز رفعه بالابتداء إلّا أنّ نصبه أولى ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل. وهذا قول الخليل وسيبويه رحمهما الله. قال مجاهد: فِي إِمامٍ مُبِينٍ في اللوح المحفوظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2623>[سورة يس (٣٦): آية ١٣]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ قال أبو إسحاق: أي اذكر لهم مثلا، والضرب هو المثال والجنس، يقال: هذا من ضرب هذا، أي من مثال هذا وجنسه والمعنى: ومثّل لهم مثلا. أَصْحابَ الْقَرْيَةِ بدل من مثل فالمعنى مثل أصحاب القرية. إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ أي جاء أهلها المرسلون.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة في سننه- المساجد ١/ ٢٥٤، والترمذي في سننه ٣/ ٨٣، وأحمد في مسنده ٤/ ١٥٦.","vol":"3","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2624>[سورة يس (٣٦): آية ١٤]</span>\nإِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)\nإِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ وقرأ عاصم فَعَزَّزْنا «١» وربما غلط في هذا بعض الناس فتوهّم أنه من عز يعزّ، وليس منه إنما هو من قول العرب: عازّني فلان فعززته أعزّه أي غلبته وقهرته وله نظائر في كلامهم، وتأول الفراء «٢» فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ أنّ الثالث أرسل قبل الاثنين وأنه شمعون وإنّ معنى فعزّزنا به أنّه غلبهم.\nوالظاهر يدلّ على خلاف ما قال، ولو كان كما قال لكان الأولى في كلام العرب أن يقال: بالثالث إذ كان قد أرسل قبل، كما يقال: في أول الكتاب سلام عليك وفي آخره والسلام، وكما يقال: مررت برجل من قصّته كذا فقلت للرّجل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2625>[سورة يس (٣٦): آية ١٥]</span>\nقالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥)\nقالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2626>[سورة يس (٣٦): آية ١٨]</span>\nقالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨)\nقال الفراء: لَنَرْجُمَنَّكُمْ أي لنقتلنّكم قال: وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2627>[سورة يس (٣٦): آية ١٩]</span>\nقالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)\nقالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ فيه سبعة أوجه من القراءات «٣»: قرأ أهل المدينة أين ذكرتم بتخفيف الهمزة الثانية، وقرأ أهل الكوفة أَإِنْ بتحقيق الهمزتين، والوجه الثالث أاإن بهمزتين بينهما ألف، أدخلت الألف كراهة للجمع بين الهمزتين، والوجه الرابع أاإن بهمزة بعدها ألف وبعد الألف همزة مخففة، والقراءة الخامسة أان ذكرتم بهمزتين إلا أنّ الثانية همزة مخففة، والوجه السادس أأن بهمزتين محققتين مفتوحتين. حكى الفراء «٤»: أنّ هذه قراءة أبي رزين. وقرأ عيسى بن عمر والحسن البصري قالوا طائركم معكم أين ذكّرتم بمعنى حيث والمعنى: أين ذكّرتم تطيّركم معكم. ومعنى أأن ألأن، وقرأ يزيد بن القعقاع والحسن وطلحة ذكرتم «٥»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٣٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٣.\n(٣) انظر القراءات في البحر المحيط ٧/ ٣١٤، ومختصر ابن خالويه ١٢٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٤٠.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٤. [.....]\n(٥) انظر المحتسب ٢/ ٢٠٥، والبحر المحيط ٧/ ٣١٤.","vol":"3","page":262},{"text":"بالتخفيف وزعم الفراء أن معنى طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أي رزقكم وعملكم وبَلْ لخروج من كلام إلى كلام أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ابتداء وخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2628>[سورة يس (٣٦): آية ٢٠]</span>\nوَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)\nوَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى وفي موضع آخر رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى [القصص: ٢٠] والمعنى واحد إلّا أن حقّ الظروف أن تكون في آخر الكلام، وتقديمها مجاز. ألا ترى أن معنى: إنّ في الدار زيدا، إن زيدا في الدار، قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2629>[سورة يس (٣٦): آية ٢١]</span>\nاتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)\nاتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا هذا يدلّ على إعادة الفعل وَهُمْ مُهْتَدُونَ محمول على معنى «من» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2630>[سورة يس (٣٦): آية ٢٢]</span>\nوَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)\nوقرأ الأعمش وحمزة وَما لِيَ لا أَعْبُدُ بإسكان الياء وهذه ياء النفس تفتح وتسكّن، إذا كان ما قبلها متحرّكا فالفتح لأنها اسم فكره أن يكون اسم على حرف واحد ساكنا، والإسكان لاتصالها بما قبلها، وموضع لا أَعْبُدُ موضع نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2631>[سورة يس (٣٦): آية ٢٣]</span>\nأَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣)\nإِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ شرط ومجازاة، وعلامة الجزم فيه حذف الضمة من الدال وحذفت الياء التي قبل الدال لالتقاء الساكنين. والقول في الياء التي بعد النون كما تقدّم من الفتح والإسكان إلّا أنك إذا أسكنتها حذفتها في الإدراج لالتقاء الساكنين وجواب الشرط لا تُغْنِ عَنِّي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2632>[سورة يس (٣٦): آية ٢٥]</span>\nإِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)\nفأما ما روي عن عاصم أنه قرأ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ بفتح النون فلحن لأنه في موضع جزم فإذا كسرت النون جاز لأنها النون التي تكون مع الياء لا نون الإعراب. قال أبو إسحاق: أشهد الرسل على إيمانه فقال: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2633>[سورة يس (٣٦): آية ٢٦]</span>\nقِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)","vol":"3","page":263},{"text":"قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ في الكلام حذف لعلم السامع والتقدير: فقتلوه فقيل: ادخل الجنة فلمّا رأى ما هو فيه من النعيم. قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2634>[سورة يس (٣٦): آية ٢٧]</span>\nبِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)\nبِما غَفَرَ لِي رَبِّي فيه ثلاثة أوجه: تكون «ما» مصدرا، وتكون بمعنى «الذي»، والثالث استفهاما، وهذا ضعيف لأن الأكثر في الاستفهام: بم غفر لي ربّي؟ بغير ألف وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ قال أبو مجلز: أي بإيماني وتصديقي الرسل. قال أبو إسحاق:\nمِنَ الْمُكْرَمِينَ أي أدخلني الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2635>[سورة يس (٣٦): آية ٢٨]</span>\nوَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)\nوَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ أي لم ينزل جندا من السماء ينتصرون له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2636>[سورة يس (٣٦): آية ٢٩]</span>\nإِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩)\nإِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً في «كانت» مضمر أي أن كانت عقوبتهم أو بليتهم إلّا صيحة. قرأ أبو جعفر إن كانت إلّا صيحة واحدة بالرفع. قال أبو حاتم: ينبغي ألا يجوز لأنه إنما يقال: ما جاءني إلّا جاريتك، ولا يقال: ما جاءتني إلّا جاريتك، لأن المعنى ما جاءني أحد إلا جاريتك أي فلو كان كما قرأ أبو جعفر لقال: إن كان إلا صيحة واحدة. قال أبو جعفر: لا يمتنع من هذا شيء، يقال: ما جاءتني إلّا جاريتك، بمعنى ما جاءتني امرأة أو جارية. والتقدير: بالرفع في القراءة ما قاله أبو إسحاق، قال:\nالمعنى إن كانت عليهم صيحة إلّا صيحة واحدة وقدّره غيره بمعنى: ما وقعت إلّا صيحة واحدة «وكان» بمعنى: وقع كثير في كلام العرب. وقرأ عبد الرحمن بن الأسود، ويقال: إنه في حرف عبد الله كذلك: إن كانت إلّا زقية واحدة «١» . قال أبو جعفر: هذا مخالف للمصحف، وأيضا فإن اللغة المعروفة: زقا يزقو إذا صاح فكان يجب على هذا أن يكون إلّا زقوة. قال قتادة: فَإِذا هُمْ خامِدُونَ أي هالكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2637>[سورة يس (٣٦): آية ٣٠]</span>\nيا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠)\nيا حَسْرَةً منصوب لأنه نداء نكرة لا يجوز فيه إلا النصب عند البصريين، وزعم الفراء أنّ الاختيار النصب وأنها لو رفعت النكرة الموصولة بالصفة لكان صوابا، واستشهد بأشياء منها أنه سمع من العرب: يا مهمّ بأمرنا لا تهتمّ. وأنشد: [الكامل]\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٥، ومختصر ابن خالويه ١٢٥.","vol":"3","page":264},{"text":"٣٦١-\nيا دار غيّرها البلى تغييرا «١»\nقال أبو جعفر: في هذا بطلان باب النداء أو أكثره لأنه يرفع النكرة المحضة ويرفع ما هو منزلة المضاف في طوله ويحذف التنوين متوسطا ويرفع ما هو في المعنى مفعول بغير علة أوجبت ذلك. فأما ما حكاه عن العرب فلا يشبه ما أجازه، لأن تقدير:\nيا مهتمّ بأمرنا لا تهتمّ، على التقديم والتأخير، والمعنى: يا أيّها المهتم لا تهتمّ بأمرنا.\nوتقدير البيت: يا أيّها الدار، ثم حوّل المخاطبة أي يا هؤلاء غير هذه الدار البلى، كما قال جلّ وعزّ: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: ٢٢] . وكان أبو إسحاق يقول: بأن قوله جلّ وعزّ: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ من أصعب ما في القرآن من المسائل، وإنما قال هذا لأن السؤال فيه أن يقال: ما الفائدة في نداء الحسرة؟ قال أبو جعفر: وقد شرح هذا سيبويه بأحسن شرح، ومذهبه أن المعنى إذا قيل: يا عجباه فمعناه يا عجب هذا من أبانك، ومن أوقاتك التي يجب أن تحضرها والمعنى على قوله إنه يجب أن تحضر الحسرة لهم على أنفسهم لاستهزائهم بالرسل، وفي معنى الآية قول غريب إسناده جيد رواه الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: لمّا رأى الكفار العذاب قالوا: يا حسرة على العباد، يعنون بالعباد الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إليهم تحسروا على فواتهم إن لم يحضروا حتى يؤمنوا. قال الله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الحجر: ١١] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2638>[سورة يس (٣٦): آية ٣١]</span>\nأَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١)\nأَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ قال الفراء «٢»: «كم» في موضع نصب من وجهين: أحدهما بيروا، واستشهد على هذا القول بأنه في قراءة عبد الله بن مسعود الم يروا من أهلكنا، والوجه الآخر أن تكون «كم» في موضع نصب بأهلكنا. قال أبو جعفر: القول الأول محال لأن «كم» لا يعمل فيها ما قبلها لأنها استفهام، ومحال أن يدخل الاستفهام في حيّز ما قبله، وكذا حكمها إذا كانت خبرا، وإن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا فجعل «أنّهم» بدلا من «كم»، وقد ردّ عليه محمد بن يزيد هذا أشدّ ردّ، وقال: «كم» في موضع نصب بأهلكنا «وأنّهم» في موضع نصب. والمعنى عنده:\nبأنهم أي ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون بالاستئصال.\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في معاني الفراء ٢/ ٣٧٦، وقد ذكر سيبويه في الكتاب ٢/ ٢٠٣ البيت للأحوص الأنصاري باختلاف بسيط:\n«\nيا دار حسّرها البلى تحسيرا ... وسفت عليها الريح بعدك مورا\n»\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٦.","vol":"3","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2639>[سورة يس (٣٦): آية ٣٢]</span>\nوَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)\nهذه إن الثقيلة في الأصل خفّفت فزال عملها في أكثر اللغات، ولزمتها اللام فرقا بينها وبين «إن» التي بمعنى «ما» . وقرأ الكوفيون «١» وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا وفيه قولان:\nأحدهما أنّ «لمّا» بمعنى إلا و«إن» بمعنى «ما» . حكى ذلك سيبويه «٢» في قولهم:\nسألتك بالله لمّا فعلت، وزعم الكسائي أنه لا يعرف هذا. والقول الآخر أن المعنى:\nوإن كلّ لمن ما، وهذا قول الفراء «٣» . قال وحذفت ما، كما يقال علماء بنو فلان، أراد به: على الماء بنو فلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2640>[سورة يس (٣٦): آية ٣٣]</span>\nوَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)\nوَآيَةٌ رفع بالابتداء، والخبر «لَهُمُ»، ويجوز أن يكون الخبر الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ.\nقال أبو إسحاق: ويقال: الميتة، والتخفيف أكثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2641>[سورة يس (٣٦): آية ٣٥]</span>\nلِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥)\nلِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ «ما» في موضع خفض على العطف أي ومما عملته أيديهم، ويجوز أن تكون «ما» نافية لا موضع لها أي ولم تعمله أيديهم فإذا كان بحذف الهاء كانت «ما» في موضع خفض، وحذف الهاء لطول الاسم، ويبعد أن تكون نافية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2642>[سورة يس (٣٦): آية ٣٦]</span>\nسُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦)\nقال أبو إسحاق: أي الأجناس من الحيوان والنبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2643>[سورة يس (٣٦): آية ٣٧]</span>\nوَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)\nوَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ وعلامة دالّة على توحيد الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2644>[سورة يس (٣٦): آية ٣٨]</span>\nوَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)\nوَالشَّمْسُ تَجْرِي ويكون تقديره وآية لهم الشمس، ويجوز أن تكون الشمس مرفوعة بإضمار فعل يفسّره الثاني، ويجوز أن تكون مرفوعة بالابتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2645>[سورة يس (٣٦): آية ٣٩]</span>\nوَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣١٩، ومعاني الفراء ٢/ ٣٧٦.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ١٢٣.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٦.","vol":"3","page":266},{"text":"وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ يكون تقديره: وآية لهم القمر، ويجوز أن يكون القمر مرفوعا بالابتداء. وقرأ الكوفيون وَالْقَمَرَ بالنصب على إضمار فعل. وهو اختيار أبي عبيد، قال: لأن قبله فعلا وبعده فعلا مثله قبله «نسلخ» وبعده «قدّرناه» قال أبو جعفر:\nأهل العربية جميعا فيما علمت على خلاف ما قال، منهم الفراء «١»، قال: الرفع أعجب إليّ، وإنما كان الرفع عندهما أولى لأنه معطوف على ما قبله فمعناه: وآية القمر والذي قاله: من أنّ قبله «نسلخ» فقبله ما أقرب إليه منه وهو يجري وقبله: والشمس بالرفع، والذي ذكره بعده وهو «قدّرناه» قد عمل في الهاء. ووجه ثان في الرفع يكون مرفوعا بالابتداء، ويقال: القمر ليس هو المنازل فكيف قال: قدّرنا منازل؟ ففي هذا جوابان:\nأحدهما أن تقديره: قدرناه ذا منازل مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] . والتقدير الآخر: قدّرنا له منازل ثمّ حذف اللام، وكان حذفها حسنا لتعدّي الفعل إلى مفعولين مثل وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الأعراف: ١٥٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2646>[سورة يس (٣٦): آية ٤٠]</span>\nلا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)\nرفعت الشمس بالابتداء، «٢» ولا يجوز أن تعمل «لا» في معرفة. وقد تكلّم العلماء في معنى هذه الآية فقال: بعضهم معناها أن الشّمس لا تدرك القمر فيبطل معناه، وقيل: القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة فهي لا تدركه. وأحسن ما قيل في معناه وأبينه مما لا يدفع أن سير القمر سير سريع فالشمس لا تدركه في السير.\nوَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ مما قد تكلموا فيه أيضا، وقال بعضهم: هذا يدلّ على أن النهار مخلوق قبل الليل وأن الليل لم يسبقه بالخلق، وقيل: لا يجوز أن يتقدّم أحدهما صاحبه لأن وجود هذا عدم هذا ولا يقع فيهما القبل والبعد. وهذا قول أهل النظر، وقيل: كل واحد منهما يجيء في وقته لا يسبق أحدهما صاحبه. قال أبو جعفر: حدّثنا محمد بن الوليد وعلي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقرأ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ فقلت ما هذا؟ قال: أردت سابق النهار فحذفت التنوين لأنه أخفّ. قال أبو جعفر: يجوز أن يكون النهار منصوبا بغير تنوين ويكون التنوين حذف لالتقاء الساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2647>[سورة يس (٣٦): آية ٤١]</span>\nوَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)\nهذه الآية من أشكل ما في السورة لقوله جلّ وعزّ حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ لأنهم هم المحمولون. فسمعت علي بن سليمان يقول: الضميران مختلفان والمعنى: وآية لأهل\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٨.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٤٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٤٠.","vol":"3","page":267},{"text":"مكة أنّا حملنا ذريات قوم نوح في الفلك. وفيها قول آخر حسن، وهو أن يكون المعنى أن الله جلّ وعزّ خبّر بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذريات والصغار، ويكون الضميران على هذا متفقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2648>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)\nوَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ والأصل: يركبونه حذفت الهاء لطول الاسم، وأنه رأس آية. وفي معناه ثلاثة أقوال: مذهب مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير أنّ معنى «من مثله» للإبل، والقول الثاني أنه للإبل والدواب وكل ما يركب، والقول الثالث أنه للسفن، وهذا أصحّها لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس رواه محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ قال: خلق لهم سفنا أمثالها يركبون فيها. وبغير هذا الإسناد أن ابن عباس احتجّ في أن هذا ليس للإبل بأن بعده وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وهو حسن لأن بعده ما لا يجوز فيه إلا الرفع لأنّه معرفة وهو وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ والنحويون يختارون: لا رجل في الدار ولا زيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2649>[سورة يس (٣٦): آية ٤٤]</span>\nإِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٤٤)\nإِلَّا رَحْمَةً مِنَّا قال الكسائي: هو نصب على الاستثناء، وقال أبو إسحاق: نصب لأنه مفعول له أي للرحمة وَمَتاعًا معطوف عليه. قال قتادة: إِلى حِينٍ أي إلى الموت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2650>[سورة يس (٣٦): آية ٤٩]</span>\nما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)\nوفي قوله جلّ وعزّ ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ خمس قراءات «١»: قرأ أبو عمرو وابن كثير وهم يخصّمون بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد، وكذا روى ورش عن نافع. فأما أصحاب القراءات وأصحاب نافع سوى ورش فإنهم رووا عنه وهم يخصّمون بإسكان الخاء وتشديد الصاد على الجمع بين ساكنين وقرأ عاصم والكسائي وَهُمْ يَخِصِّمُونَ بكسر الخاء وتشديد الصاد، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة وهم يخصمون بإسكان الخاء وتخفيف الصاد، وفي حرف أبيّ وهم يختصمون. قال أبو جعفر: القراءة الأولى وهم يخصّمون أبينها والأصل: يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فقلبت حركتها إلى الهاء، وإسكان الخاء\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٩، ومعاني الفراء ٢/ ٣٧٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٤١.","vol":"3","page":268},{"text":"لا يجوز لأنه جمع بين ساكنين وليس أحدهما حرف مدّ ولين وإنما يجوز في مثل هذا إخفاء الحركة فلم يضبط كما لم يضبط عن أبي عمرو فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [البقرة:\n٥٤] إلّا من رواية من يضبط اللغة، كما روى سيبويه عنه أنه كان يختلس الحركة. فأما «يخصّمون» فالأصل فيه أيضا يختصمون فأدغمت التاء في الصاد ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وزعم الفراء «١»: أن هذه القراءة أجود وأكثر، فترك ما هو أولى من إلقاء حركة التاء على الخاء واجتلب لها حركة أخرى وجمع بين ياء وكسرة، وزعم أنه أجود وأكثر وكيف يكون أكثر وبالفتح قراءة أهل مكة وأهل البصرة وأهل المدينة. قال عكرمة في قوله جلّ وعزّ إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [يس: ٢٩] قال: هي النفخة الأولى في الصّور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2651>[سورة يس (٣٦): آية ٥٠]</span>\nفَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)\nفَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: ينفخ في الصور والناس في أسواقهم فمن جالب لقحة، ومن ذارع ثوبا، ومن مار في حاجة فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ وذكر الفراء «٢» فيه قولين أحدهما لا يرجعون إلى أهليهم قولا، والقول الآخر لا يرجعون من أسواقهم إلى أهليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2652>[سورة يس (٣٦): آية ٥١]</span>\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ في معناه قولان: قال قتادة: «الصّور» جمع صورة أي نفخ في الصّور الأرواح، وصورة وصور مثل سورة البناء وسور. قال العجاج: [الرجز] ٣٦٢-\nفربّ ذي سرادق محجور ... سرت إليه في أعالي السّور «٣»\nوقد روي عن ابن هرمز أنه قرأ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ «٤» فهذا لا إشكال فيه. فأما «الصّور» بإسكان الواو فالصحيح فيه أنه القرن جاء بذلك الحديث والتوقيف عن رسول الله ﷺ وذلك معروف في كلام العرب. أنشد أهل اللغة «٥»: [الرجز] ٣٦٣-\nنحن نطحناهم غداة الغورين ... بالضّابخات في غبار النقعين\nنطحا شديدا لا كنطح الصّورين\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٨٠.\n(٣) الشاهد للعجاج في ديوانه ٣٤١، والكتاب ٤/ ١٦٢، وشرح الشواهد للشنتمري ٢/ ٢٣٢.\n(٤) انظر المحتسب ٢/ ٢١٢. [.....]\n(٥) البيت الأول والثالث بلا نسبة في لسان العرب (صور)، وديوان الأدب ٣/ ٣١٥، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة ٢٦.","vol":"3","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2653>[سورة يس (٣٦): آية ٥٢]</span>\nقالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)\nقالُوا يا وَيْلَنا منصوب على أنه نداء مضاف أي من أيّامك ومن ابّانك، ويجوز أن يكون منصوبا على معنى المصدر، ويكون المنادى محذوفا على أن الكوفيين يقدّرونه «وي لنا» منفصلة فإذا قيل لهم فلم قلتم: ويل زيد؟ ففتحتم اللام وهي لام خفض ولم قلتم ويل له؟ فضممتم اللام ونونتموها ثم حكيتم: ويل زيد بالضم غير منوّن اعتلّوا بعلل لا تصحّ. قال أبو جعفر: وسنذكرها إن شاء الله فيما يستقبل. مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا يقال: كيف قالوا هذا وهم من المعذّبين في قولكم في قبورهم؟ فالجواب أن أبيّ بن كعب قال: ناموا نومة. وقال أبو صالح: إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور، وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة فذلك قولهم: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا. قال مجاهد: أي فيقول لهم المؤمنون هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وقال قتادة: فقال لهم من هدى الله هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وقال الفراء: أي فقال لهم الملائكة هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال متفقة لأن الملائكة من المؤمنين وممن هدى الله وقرأ مجاهد ويروى عن ابن عباس يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا. قال أبو جعفر: وعلى هذا يتأوّل قول الله جلّ وعزّ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٧] وكذا الحديث «المؤمن عند الله خير من كلّ ما خلق» «١» ويجوز أن يكون الملائكة صلّى الله عليهم وغيرهم من المؤمنين قالوا «هذا ما وعد الرحمن»، والتمام على هذا «من مرقدنا» «وهذا» في موضع رفع بالابتداء وخبره «ما وعد الرحمن» ويجوز أن يكون «هذا» في موضع خفض على النعت لمرقدنا فيكون التمام «من مرقدنا هذا» ويكون «ما وعد الرحمن» في موضع رفع من ثلاث جهات ذكر أبو إسحاق منها اثنتين، قال: يكون بإضمار «هذا»، والثانية: أن يكون بمعنى حق ما وعد الرحمن، وقال أبو جعفر: والثالثة: أن يكون بمعنى بعثكم ما وعد الرحمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2654>[سورة يس (٣٦): آية ٥٣]</span>\nإِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣)\nفَإِذا هُمْ جَمِيعٌ مبتدأ وخبره وجميع نكرة ومُحْضَرُونَ من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2655>[سورة يس (٣٦): آية ٥٥]</span>\nإِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥)\nقال عبد الله بن مسعود وابن عباس: شغلهم بافتضاض العذارى، وقال أبو قلابة:\nبينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له تحول إلى أهلك فيقول: أنا مع أهلي مشغول فيقال له: تحوّل أيضا إلى أهلك، وقيل: أصحاب الجنة في شغل بما هم فيه\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة في سننه باب ٦- الحديث رقم (٣٩٤٧) .","vol":"3","page":270},{"text":"من اللذات والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي ومصيرهم إلى النار وما هم فيه من أليم العذاب وإن كانوا أقوياء هم وأهليهم. وقرأ الكوفيون فِي شُغُلٍ «١» بضم الشين والغين، وعن مجاهد فِي شُغُلٍ وحكى أبو حاتم: أنّ هذا يروى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ به وهي لغات بمعنى واحد ويقال: شغل بفتح الشين وإسكان الغين فاكِهُونَ خبر إنّ، وعن طلحة بن مصرف أنه قرأ فاكهين «٢» نصبه على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2656>[سورة يس (٣٦): آية ٥٦]</span>\nهُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦)\nمبتدأ وخبره، ويجوز أن يكون هم توكيدا وَأَزْواجُهُمْ عطفا على المضمر ومُتَّكِؤُنَ نعتا لقوله فاكهون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2657>[سورة يس (٣٦): آية ٥٧]</span>\nلَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧)\nالدال الثانية مبدلة من تاء لأنه يفتعلون من دعاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2658>[سورة يس (٣٦): آية ٥٨]</span>\nسَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)\nسَلامٌ مرفوع عن البدل من «ما»، ويجوز أن يكون «ما» نكرة و«سلام» نعتا لها أي ولهم ما يدّعون مسلّم ويجوز أن يكون «ما» رفعا بالابتداء سَلامٌ خبرا عنها. وفي قراءة عبد الله بن مسعود سلاما «٣» يكون مصدرا. وإن شئت في موضع الحال أي ولهم الذي يدّعون مسلّما وقَوْلًا مصدر أي نقوله قولا يوم القيامة، ويجوز أن يكون معناه قال الله جلّ وعزّ هذا قولا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2659>[سورة يس (٣٦): آية ٥٩]</span>\nوَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)\nويقال: تميّزوا وانمازوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2660>[سورة يس (٣٦): آية ٦٠]</span>\nأَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)\nأَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ ويقال: أعهد بكسر الهاء يكون من عهد يعهد. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون عهد يعهد مثل حسب يحسب. أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ قال الكسائي: «لا» للنهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2661>[سورة يس (٣٦): آية ٦١]</span>\nوَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٤٩، والبحر المحيط ٧/ ٣٢٧.\n(٢) وهذه قراءة الأعمش أيضا، انظر البحر المحيط ٧/ ٣٢٧.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٢٧.","vol":"3","page":271},{"text":"وَأَنِ اعْبُدُونِي من كسر النون فعلى الأصل، من ضم كره كسرة بعدها ضمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2662>[سورة يس (٣٦): آية ٦٢]</span>\nوَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًاّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)\nوَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا هذه قراءة أهل المدينة والعاصمين، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وعيسى وعبد الله بن عبيد بن عمير والنضر بن أنس وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا «١» بضم الجيم والباء وتشديد اللام، قرأ ابن كثير والكوفيون إلا عاصما جِبِلًّا «٢» بضم الجيم والباء وتخفيف اللام، وقرأ أبو عمرو جِبِلًّا «٣» بضم الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام وقرأ أبو يحيى والأشهب العقيلي جِبِلًّا بكسر الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام. قال أبو جعفر: فهذه خمس قراءات أبينها القراءة الأولى الدليل على ذلك أنهم قد أجمعوا على أن قرءوا وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٨٤] ويكون جبل جمع جبلّة. والاشتقاق فيه كلّه واحد، وإنما هو من: جبل الله الخلق أي خلقهم وقد ذكرت قراءة سادسة وهي وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا «٤» بالياء. أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ أي قد كنتم تعقلون، وهذا على جهة التوبيخ، وكذا «ألم أعهد» أي قد عهدت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2663>[سورة يس (٣٦): آية ٦٦]</span>\nوَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦)\nوَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ أي لو شئنا لأعميناهم في الدنيا عقوبة على عصيان الله جلّ وعزّ، ولكنا أخّرنا عقوبتهم إلى يوم القيامة. فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ أي فبادروا الطريق إلى منازلهم في أول ما يعمون ليلحقوا بأهليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2664>[سورة يس (٣٦): آية ٦٧]</span>\nوَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧)\nوَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ أي لو نشاء لمسخناهم في الموضع الذي اجترءوا فيه على معصية الله ﷿. فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا أي فلم يستطيعوا أن يهربوا. وَلا يَرْجِعُونَ إلى أهليهم، وحكى الكسائي: طمس يطمس ويطمس. وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ على مكانتهم يقال: مكان ومكانة ودار ودارة. وحكى ابن الأعرابي أنّ العرب تقول: في جمع مكان أمكنة ومكنات وأنّ منه حديث النبيّ ﷺ: «أقرّوا الطير على مكناتها» «٥» . قال أبو جعفر: مكنات جمع مكنة، ومكنة ومكان بمعنى واحد. وقد تكلّم الناس في معنى هذا الحديث فقال: بعض الناس لا تنفروها بالليل ولا تصطادوها إلّا أن الشافعي ﵀ فسّره لسفيان بن عيينة على غير هذا، قال: كانت العرب تزجر\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٢٨، وتيسير الداني ١٥٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٢٨، وتيسير الداني ١٥٠.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٢٨، وتيسير الداني ١٥٠.\n(٤) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٢٨، وقال هي قراءة علي بن أبي طالب وبعض الخراسانيين.\n(٥) انظر اللسان (مكن) .","vol":"3","page":272},{"text":"الطير في مكناتها إذا أرادوا الحاجة يتفاءلون بها ويتطيّرون فنهاهم النبيّ ﷺ عن ذلك فقال: «أقروا الطّير على مكناتها» أي لا تزجروها فإن الأمور تجري على ما قضى الله جلّ وعزّ. وقد روي عن عبد الله بن سلام غير هذا في تأويل هذه الآية وتأولها على أنها يوم القيامة. قال: إذا كان يوم القيامة ومدّ الصراط نادى مناد ليقم محمد ﷺ وأمته فيقومون برّهم وفاجرهم فيتبعونه ليجاوزوا الصراط فإذا صاروا عليه طمس الله جلّ وعزّ أعين فجارهم فاستبقوا الصراط فمن أين يبصرونه حتى يجاوزوه ثم ينادي ليقم عيسى ﷺ وأمته فيقومون برهم وفاجرهم فتكون سبيلهم تلك السبيل، وكذلك سائر الأنبياء صلوات الله عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2665>[سورة يس (٣٦): آية ٦٨]</span>\nوَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨)\nوَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ «١» قال أبو إسحاق: يبدل من القوة ضعفا، ومن الشباب هرما. وعاصم والأعمش وحمزة يقرءون نُنَكِّسْهُ «٢» على التكثير والتخفيف يقع للقليل والكثير بمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2666>[سورة يس (٣٦): آية ٦٩]</span>\nوَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)\nوَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وقد صحّ عنه ﷺ أنه قال: [الرجز] ٣٦٤-\nأنا النّبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب\nفتكلّم العلماء في هذا فقال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب فإن كانت بالإعراب لم تكن شعرا لأنه إذا فتح الباء من البيت الأول أو ضمّها أو نوّنها وكسر الباء من البيت الثاني خرج عن وزن الشعر، وقال بعضهم: ليس هذا الوزن من الشعر. قال أبو جعفر:\nوهذا مكابرة العيان لأن أشعار العرب على هذا قد رواها الخليل وغيره. ومن حسن ما قيل في هذا قول أبي إسحاق: إنّ معنى وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ أي وما علّمناه أن يشعر أي ما جعلناه شاعرا، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئا من الشعر، وقد قيل إنما خبر الله ﷿ ما علّمه الشعر، ولم يخبر أنّه لا ينشد شعرا، وهذا ظاهر الكلام. وقد قيل فيه قول بين زعم صاحبه أنه إجماع من أهل اللغة، وذلك أنهم قالوا: كل من قال قولا موزونا لا يقصد به إلى شعر فليس بشعر وإنما وافق الشعر، وهذا قول بيّن. وَما يَنْبَغِي لَهُ قال أبو إسحاق: أي وما يتسهّل له، وتأويله على معنى وما يتسهّل قول الشعر لا الإنشاد إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ أي ما الذي أنزلنا إليك إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2667>[سورة يس (٣٦): آية ٧٠]</span>\nلِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٠.\n(٢) انظر تفسير الطبري ١٠/ ١٠٢.","vol":"3","page":273},{"text":"لتنذر من كان حيّا ... هذه قراءة أهل المدينة «١»، ومال إليها أبو عبيد، قال:\nوالشاهد لها «إنّما أنت منذر» وقراءة أبي عمرو وأهل الكوفة لِيُنْذِرَ يكون معناها لينذر الله جلّ وعزّ، أو لينذر القرآن، أو لينذر محمد ﷺ. وقرأ محمد بن السميفع اليماني لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا قال جويبر عن الضحاك: «من كان حيّا» أي من كان مؤمنا أي لأن المؤمن بمنزلة الحيّ في قبوله ما ينفعه وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ أي يحقّ عليهم أن الله جلّ وعزّ يعذّبهم وإنما يحقّ عليهم هذا بعد كفرهم. وحكى بعض النحويين:\n«لتنذر من كان حيّا» أي لتعلم من قولهم: نذرت بالقوم أنذر إذا علمت بهم فاستعددت لهم وحكي: ويحق القول على الكافرين بمعنى يوجب الحجة عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2668>[سورة يس (٣٦): آية ٧١]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١)\nإن جعلت «ما» بمعنى الذي حذفت الهاء لطول الاسم، وإن جعلت «ما» مصدرا لم يحتج إلى إضمار الهاء. وواحد الأنعام نعم والنّعم مذكّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2669>[سورة يس (٣٦): آية ٧٢]</span>\nوَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢)\nفَمِنْها رَكُوبُهُمْ روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قرأت فمنها ركوبتهم «٢» قال أبو جعفر: حكى النحويون الكوفيون أنّ العرب تقول: امرأة صبور وشكور بغير هاء، ويقولون: شاة حلوبة، وناقة ركوبة لأنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان له الفعل وبين ما كان الفعل واقعا عليه فحذفوا الهاء مما كان فاعلا، وأثبتوها فيما كان مفعولا، كما قال عنترة: [الكامل] ٣٦٥-\nفيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم «٣»\nفيجب على هذا أن يكون «ركوبتهم» فأما أهل البصرة فيقولون:\nحذفت الهاء على النسب والحجة للقول الأول ما رواه الجرمي عن أبي عبيدة قال: الركوبة تكون للواحدة والجماعة، والركوب لا يكون إلّا للجماعة. فعلى هذا يكون على تذكير الجمع. وزعم أبو حاتم أنه لا يجوز «فمنها ركوبهم» بضم الراء لأنه مصدر والرّكوب ما يركب وأجاز الفراء «٤»: «فمنها ركوبهم» بضم الراء، كما تقول:\nفمنها أكلهم، ومنها شربهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2670>[سورة يس (٣٦): آية ٧٣]</span>\nوَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣)\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٤٤، وتيسير الداني ١٥٠.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٢٧٤) . [.....]\n(٣) انظر مجاز القرآن ٢/ ١٦٥.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٨١.","vol":"3","page":274},{"text":"وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ لم ينصرفا، لأنهما من الجموع التي لا نظير لها في الواحد ولا يجمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2671>[سورة يس (٣٦): آية ٧٤]</span>\nوَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)\nهذه اللغة الفصيحة ومن العرب من يأتي بأن فيقول: لعلّه أن ينصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2672>[سورة يس (٣٦): آية ٧٥]</span>\nلا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)\nلا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ يعني الآلهة، وجمعوا على جمع الآدميين لأنه أخبر عنهم بخبرهم وَهُمْ يعني الكفار لَهُمْ الآلهة جُنْدٌ مُحْضَرُونَ قال الحسن: يمنعون منهم ويدفعون عنهم، وقال قتادة: يغضبون لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2673>[سورة يس (٣٦): آية ٧٦]</span>\nفَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)\nفَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ هذه هي اللغة الفصيحة. ومن العرب من يقول: يحزنك إِنَّا بكسر الهمزة فيما بعد القول لأنه مستأنف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2674>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nوَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)\nقالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ حذفت الضمة من الياء لثقلها، ولا يجوز الإدغام لئلا يلتقي ساكنان وكذا قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2675>[سورة يس (٣٦): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١)\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فذكّر الشجر ومن العرب من يقول:\nالشجر الخضراء كما قال جلّ وعزّ: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ [الواقعة: ٥٢، ٥٣] .\nوحكي أن سلاما أبا المنذر قرأ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى «١» أي إن خلق السموات والأرض أعظم من خلقهم، فالذي خلق السموات والأرض يقدر على أن يبعثهم «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2676>[سورة يس (٣٦): آية ٨٢]</span>\nإِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٣٣.\n(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٤٤.","vol":"3","page":275},{"text":"وقرأ الكسائي إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون بالنصب عطفا على يقول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2677>[سورة يس (٣٦): آية ٨٣]</span>\nفَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)\nقال سعيد عن قتادة: مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ مفاتح كل شيء. قال أبو جعفر: ملكوتي وملكوت في كلام العرب بمعنى ملك. والعرب تقول: «جبروتي خير من رحموتي» .","vol":"3","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2678>٣٧ شرح إعراب سورة الصّافات</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2679>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا (٣)\nهذه قراءة أكثر القراء، وقرأ حمزة «١» بالإدغام فيهن. وهذه القراءة التي نفر منها أحمد بن حنبل لمّا سمعها. قال أبو جعفر: هي بعيدة في العربية من ثلاث جهات:\nإحداهنّ أن التاء ليست من مخرج الصاد ولا من مخرج الزاي ولا من مخرج الذال، ولا هي من أخواتهن، وإنما أختاها الطاء والدال، وأخت الزاي الصاد والسين، وأخت الذال الظاء والثاء، والجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى، والجهة الثالثة أنك إذا أدغمت فقلت: والصافات صفّا فجمعت بين ساكنين من كلمتين فإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة نحو دابّة. ومجاز قراءة حمزة أن التاء قريبة المخرج من هذه الحروف «والصافات» خفض بواو القسم والواو بدل من الباء والتقدير: أحلف بالصّافات، وحقيقته بربّ الصافات فالزاجرات عطف، وكذا «فالتاليات» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2680>[سورة الصافات (٣٧): آية ٤]</span>\nإِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤)\nجواب القسم وأجاز الكسائي فتح أن في القسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2681>[سورة الصافات (٣٧): آية ٥]</span>\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥)\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون بدلا من واحد، ويجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ، وحكى الأخفش: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ بالنصب على النعت لاسم «إنّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2682>[سورة الصافات (٣٧): آية ٦]</span>\nإِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٠.","vol":"3","page":277},{"text":"هذه قراءة الحسن وأهل المدينة ويحيى بن وثاب وهي المعروفة من قراءة أبي عمرو، وحكى يعقوب القارئ أن أبا عمرو والأعمش قرءا بزينة الكواكب «١» بتنوين زينة ونصب الكواكب. وهي المعروفة من قراءة عاصم، وأما حمزة فقرأ بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ «٢» بتنوين زينة وخفض الكواكب، وقراءة رابعة تجوز وهي بزينة الكواكب «٣» بتنوين زينة ورفع الكواكب فالقراءة الأولى بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ بحذف التنوين من زينة للإضافة، وهي قراءة بيّنة حسنة أي إنّا زيّنّا السماء الدنيا بتزيين الكواكب أي بحسنها، وقرأه عاصم بتنوين زينة ونصب الكواكب فيها ثلاثة أقوال: أحداهنّ أن تكون الكواكب منصوبة بوقوع الفعل عليها أي بأنا زينا الكواكب، كما تقول: عجبت من ضرب زيدا. وقال الله ﷿: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا [البلد: ١٤] إلّا أن هذا أحسن للتفريق، والقول الثاني أن يكون التقدير: أعني الكواكب، والقول الثالث ذكره أبو إسحاق أن يكون الكواكب بدلا من زينة على الموضع لأن موضعها نصب وقراءة حمزة بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ على بدل المعرفة من النكرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2683>[سورة الصافات (٣٧): آية ٧]</span>\nوَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧)\nوَحِفْظًا نصب على المصدر والفعل محذوف، وهو معطوف على «زينا» . مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ نعت لشيطان. وكلّ عات من الجنّ والإنس فهو شيطان، فالعرب تسميه شيطانا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2684>[سورة الصافات (٣٧): آية ٨]</span>\nلا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨)\nلا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وقرأ سائر الكوفيين لا يسمعون «٤» على أن الأصل: يتسمّعون فأدغمت التاء في السين لقربها منها. ومال أبو عبيد إلى هذه القراءة واحتجّ في ذلك أنّ العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه، ولكن تسمعت إليه، قال: فلو كان «يسّمّعون الملأ» بغير «إلى» لكان مخفّفا. قال أبو جعفر: يقال: سمعت منه كلاما وسمعت إليه يقول كذا ومعنى سمعت إليه: أملت سمعي إليه. فأما قوله: لو كان يسمعون الملأ، فكأنه غلط، لأنه لا يقال: سمعت زيدا، وتسكت إنما تقول: سمعت زيدا يقول كذا وكذا فيسمعون إلى الملأ على هذا أبين. وقد روى الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس: لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى قال: هم لا يسمعون وهم يتسمّعون. وهذا قول بيّن وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٨٢، وتيسير الداني ١٥٠، والبحر المحيط ٧/ ٣٣٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٨٢، وتيسير الداني ١٥٠، والبحر المحيط ٧/ ٣٣٨.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٨٢، وتيسير الداني ١٥٠، والبحر المحيط ٧/ ٣٣٨.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٥١.","vol":"3","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2685>[سورة الصافات (٣٧): آية ٩]</span>\nدُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩)\nدُحُورًا مصدر، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي دُحُورًا «١» بفتح الدال يجعله مصدرا على فعول بمنزلة القبول وأما الفراء فقدّره على أنه اسم الفاعل أي ويقذفون بما يدحرهم أي بدحور ثم حذف الباء والكوفيون يستعملون هذا كثيرا، كما أنشدوا لجرير:\n[الوافر] ٣٦٦-\nتمرّون الدّيار ولم تعوجوا ... كلامكم عليّ إذا حرام «٢»\nقال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول: قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير «مررتم بالديار» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2686>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠]</span>\nإِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)\nإِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فيه لغات قد قرئ ببعضها، وهي غير مخالفة للخطّ يقال:\nإذا أخذ الشيء بسرعة خطف وخطف وخطّف وخطّف وخطّف والأصل المشدّدات اختطف فأدغمت التاء في الطاء لأنها أختها وفتحت الخاء، لأن حركة التاء ألقيت عليها ومن كسرها فلالتقاء الساكنين، ومن كسر الطاء أتبع الكسر الكسر. فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ نعت لشهاب. قال أبو إسحاق: يقال: تبعه وأتبعه إذا مضى في أثره وشهاب وشهب، والقياس في القليل أشهبة وإن لم يسمع من العرب، وحكى الأخفش سعيد: في الجمع شهب ثقب وثواقب وثقاب، وحكى الكسائي: ثقب يثقب ثقابة وثقوبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2687>[سورة الصافات (٣٧): آية ١١]</span>\nفَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١)\nفَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا «من» بمعنى الذين والمعنى: أم الذين خلقناهم وقد تقدّم ذكر الملائكة وغيرهم إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ. وحكى الفراء عن العرب طين لاتب «٣» بمعناه أي لازق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2688>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢]</span>\nبَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)\nهذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وقرأ الكوفيون إلّا عاصما بَلْ عَجِبْتَ «٤» بضم التاء وإليها يذهب أبو عبيد، واحتجّ بقول الله جلّ وعزّ وَإِنْ تَعْجَبْ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٣٩، ومعاني الفراء ٢/ ٨٣٣.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٢٦٣) .\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٨٤.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٥١، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٤٧.","vol":"3","page":279},{"text":"فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد: ٥] ولا حجة فيه. ومعناه على ما قاله أبو حاتم: وإن تعجب فلك في قولهم عجب ولمن سمعه وفيه عجب. والقراءة بضم التاء مروية عن علي بن أبي طالب ﵁ وعن ابن مسعود ﵀ رواها شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ بَلْ عَجِبْتَ بضم التاء ويروى عن ابن عباس قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: معنى القراءتين واحد، والتقدير: قل: يا محمد بل عجبت لأن النبيّ ﷺ مخاطب بالقرآن، وهذا قول حسن. وَيَسْخَرُونَ بالسين في السواد، ويجوز في غير القرآن عند الخليل ﵀ أن يقال: «صخرت منه» بالصاد، ولغة شاذة «سخرت به» بالياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2689>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤]</span>\nوَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)\nأي يستدعون السّخريّ و«إذا» في موضع نصب بإضمار فعل قبلها، ولا يعمل فيها ما بعدها. وحكى الكسائي: دخر يدخر دخورا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2690>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٩]</span>\nفَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)\nفَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ والجمع زجرات بتحريك الجيم فرقا بين الاسم والنعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2691>[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٠]</span>\nوَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)\nوَقالُوا يا وَيْلَنا منصوب على أنه مصدر عند البصريين، وزعم الفراء أن تقديره يا وي لنا. ووي بمعنى: حزن ولو كان كما قال لكان منفصلا وهو في المصحف متصل، ولا نعلم أحدا يكتبه إلّا متصلا فزاد الكوفيون على هذا، فحكى بعضهم لغات شتّى أنه يقال: ويل للشيطان، وويلا للشيطان، وويل للشيطان، وويل الشيطان، وويل الشيطان، وويل الشيطان. فأما ويل للشيطان فبيّن لا نظر فيه، وويلا للشيطان جائز بمعنى: ألزمه الله ويلا، وأما ويل للشيطان فشاذّ وهو مشبّه بالأصوات. فأما ويل الشيطان فهو عند البصريين منصوب على معنى ألزمه الله ويلا أيضا، وقال الفراء: لمّا كثر استعمالهم إيّاه جعلوه بمنزلة اسم ضمّ إلى اسم، كما قالوا: يا لبكر، وهي لام الخفض، ومن قال: ويل الشيطان جاء به على الأصل، ومن قال: ويل الشيطان فالأصل عنده ويل للشيطان ثم حذف لكثرة اللامات كما قرئ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ [الأعراف: ١٩٦] بمعنى إنّ وليّي الله فحذف لكثرة الياءات. قال أبو جعفر:\nلا تعرف هذه القراءة ولكن قرأ عاصم الجحدري إنّ وليّ الله الذي نزّل الكتاب بمعنى إنّ وليّ الله الذي نزّل الكتاب جبريل ﷺ الذي نزّل الكتاب ثمّ أقيم النعت مقام المنعوت. هذا يَوْمُ الدِّينِ ابتداء وخبر. قال أبو جعفر: قال الضحاك وعطية العوفي: أي هذا يوم الحساب.","vol":"3","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2692>[سورة الصافات (٣٧): آية ٢١]</span>\nهذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)\n«الذي» في موضع رفع على النعت لليوم ويجوز أن يكون في موضع خفض على النعت للفصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2693>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nاحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣)\nاحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ معطوف على «الذين» . وواحدهم زوج قال سفيان عن سماك عن النعمان عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: وَأَزْواجَهُمْ قرناؤهم وهو مبيّن في حديث شريك عن سماك عن النعمان قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول في قول الله جلّ وعزّ: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ قال: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. وقال سفيان عن أبيه عن المسيب بن رافع عن ابن عباس «احشروا الذين ظلموا وأزواجهم» قال:\nأشباههم. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال لا تدفع لجلالة قائلها وأنها معروفة في اللغة يقال: هذا زوج هذا أي قرينه وشبهه، ومن هذا قيل للرجل: زوج المرأة وللمرأة زوج الرجل وقيل للخفّين: زوجان لأن كل واحد منهما زوج لصاحبه، ولا يقال للاثنين إلا زوجان. وقال سعيد عن قتادة احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ، قال: الكفار مع الكفار. وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قال الأصنام فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ يقال: هديته إلى الطريق وهديته الطريق أي دللته عليه، وأهديت الهديّة وهديت العروس ويقال أهديتها أي جعلتها بمنزلة الهدية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2694>[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٤]</span>\nوَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤)\nوحكى عيسى بن عمر أنهم بفتح الهمزة. قال الكسائي: أي لأنهم وبأنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2695>[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٥]</span>\nما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥)\nفي موضع نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2696>[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٦]</span>\nبَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)\nقال قتادة مستسلمون في عذاب الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2697>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ فربما توهم الجاهل أن هذا من قول جلّ وعزّ: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [المؤمنون: ١٠١] وليس منه في شيء لأن قوله جلّ وعزّ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ إنما هو لا يتساءلون بالأرحام فيقول أحدهم:","vol":"3","page":281},{"text":"أسألك بالرحم التي بيني وبينك إمّا نفعتني أسقطت حقّا لك عليّ أو وهبت لي حسنة لأن قبله: فلا أنساب بينهم أي ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم كما جاء بالحديث «إنّ الرجل يوم القيامة ليسرّ بأن يصحّ له على أبيه أو على ابنه حقّ فيأخذه منه لأنها الحسنات والسيئات» «١»، وفي حديث آخر «رحم الله امرأ كانت لأخيه عنده مظلمة في مال أو عرض فأتاه فاستحلّه قبل أن يطلبه به فيأخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات زيد عليه من سيئات المطالب» «٢» و«يتساءلون» هاهنا إنما هو أن يسأل بعضهم بعضا ويوبّخه في أنه أضلّه أو فتح له بابا من المعصية يبيّن ذلك أنّ بعده إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ قال سعيد عن قتادة: أي تأتونا عن طريق الخير وتصدّوننا، وعن ابن عباس نحو منه، وقيل: تأتوننا عن اليمين من الجهة التي نحبّها وننقاد إليها وتغرّونا بذاك. والعرب تتفاءل لما كان على اليمين، وتسميه السانح وقيل: تأتوننا مجيء من إذا حلف لنا صدّقناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2698>[سورة الصافات (٣٧): آية ٢٩]</span>\nقالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)\nقال قتادة: هذا قول للشياطين لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2699>[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٠]</span>\nوَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ (٣٠)\nسُلْطانٍ في موضع رفع لأن «من» زائدة للتوكيد. بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ أي متزايدين في الكفر، وطغى الماء إذا زاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2700>[سورة الصافات (٣٧): آية ٣١]</span>\nفَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١)\nفَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا أي فحقّ علينا ما كتبه الله جلّ وعزّ، وما أعلم به ملائكته صلوات الله عليهم أجمعين. وهذا موافق للحديث «إنّ الله جلّ وعزّ كتب للنار أهلا وللجنّة أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم» «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2701>[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٢]</span>\nفَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢)\nأي كنا سببا لغيّكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2702>[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٣]</span>\nفَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)\nأي الضالّ والمضلّ، ولو كان في غير القرآن لجاز نصب مشتركين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2703>[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٤]</span>\nإِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)\nالكاف من كذلك في موضع نصب نعت لمصدر.\n_________\n(١) انظر تفسير القرطبي ١٥/ ٧٤. [.....]\n(٢) أخرجه الترمذي في صفة القيامة ٩/ ٢٥٤.\n(٣) أخرجه الترمذي في سننه في التفسير ١١/ ١٩٥، وابن ماجة في سننه في المقدمة الحديث رقم (٨٢) .","vol":"3","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2704>[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٥]</span>\nإِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)\nيكون يستكبرون في موضع نصب على خبر كان، ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر «إنّ» وكان ملغاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2705>[سورة الصافات (٣٧): آية ٣٨]</span>\nإِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨)\nالأصل لذائقون حذفت النون استخفافا، وخفضت للإضافة، ويجوز النصب، كما أنشد سيبويه: [المتقارب] ٣٦٧-\nفألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلّا قليلا «١»\nوأجاز سيبويه وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ [الحج: ٣٥] على هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2706>[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٠]</span>\nإِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)\nنصب على الاستثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2707>[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٢]</span>\nفَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)\nفَواكِهُ بدل من رزق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2708>[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٤]</span>\nعَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤)\nقال عكرمة: لا ينظر بعضهم في قفا بعض، ويجوز سرر لثقل الضمة مع التضعيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2709>[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٥]</span>\nيُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)\nروي عن ابن عباس قال: الخمر، وعن مجاهد قال: هي خمر بيضاء، وقال الضحاك: كل كأس في القرآن فهي خمر، وحكي من يوثق به من أهل اللغة أنّ العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر: كأس فإن لم يكن فيه خمر فهو قدح، كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة فإن لم يكن عليه طعام لم يقل له مائدة. قال أبو الحسن بن كيسان: ومثله ظعينة للهودج إذا كانت فيه امرأة. قال أبو إسحاق: بكأس من معين:\nخمر تجري العيون على وجه الأرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2710>[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٦]</span>\nبَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)\nقال: ولَذَّةٍ بمعنى ذات لذّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2711>[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٧]</span>\nلا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧)\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٧٣) .","vol":"3","page":283},{"text":"لا فِيها غَوْلٌ ويقال بمعناه: غيلة وغائلة، وهو ما يؤذي الإنسان من الصداع أو غيره وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ قراءة أهل المدينة وأهل البصرة وعاصم، وقرأ سائر الكوفيين إلّا عاصما يُنْزَفُونَ «١» بكسر الزاي. قال أبو جعفر: والقراءة الأولى أبين وأصحّ في المعنى لأن معنى «ينزفون» عند جلّة أهل التفسير منهم مجاهد لا تذهب عقولهم فنفى الله جلّ وعزّ عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع والسكر. فأما معنى «ينزفون» فالصحيح فيه أنه يقال: أنزف الرجل إذا نفد شرابه، وهذا يبعد أن يوصف به شراب أهل الجنة، ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفذ أبدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2712>[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٨]</span>\nوَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)\nعن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب قالوا: قصرن طرفهنّ على أزواجهن فلا يبغين غيرهم، وقال عكرمة: قاصرات الطرف أي محبوسات على أزواجهن والتفسير الأول أبين لأنه ليس في الآية مقصورات موضع آخر حُورٌ مَقْصُوراتٌ [الرحمن:\n٧٢] من قول العرب امرأة قصيرة ومقصورة إذا حبست على زوجها. عِينٌ جمع عيناء والأصل فيه فعل فكسرت العين لئلا تنقلب الياء واوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2713>[سورة الصافات (٣٧): آية ٤٩]</span>\nكَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)\nقال مطر الوراق: أي بيض محضون أي لم توسّخه الأيدي. قال أبو جعفر:\nهكذا تقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن والنظافة كأنه بيض النّعام المغطّى بالريش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2714>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٠ الى ٥٢]</span>\nفَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)\nفَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ وإدغام التاء في السين جائز في العربية. قال الأخفش: إنما سأل عن صاحبه ثم أخبر فقال إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قال سعد بن مسعود:\nوشريكه قرينه، وهما رجلان من بني إسرائيل اشتركا في تجارة فربحا ستة آلاف دينار، فأخذ كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، فافترقا فلقي أحدهما صاحبه فقال له: هل علمت أني تزوجت امرأة من أفضل نساء بني إسرائيل بألف دينار؟ فمضى صاحبه فأخذ ألف دينار تصدّق بها على المساكين والفقراء وقال: اللهمّ إنّ صاحبي تزوّج امرأة يموت عنها، ويكبر وتفارقه، وأني أسألك أن تنكحني امرأة من نساء أهل الجنّة بهذه الألف،\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥١، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٤٧.","vol":"3","page":284},{"text":"ثم إنّ صاحبه لقيه فقال له: هل علمت أني اشتريت مسكنا من أفضل مساكن بني إسرائيل بألف دينار؟ فمضى صاحبه فتصدّق بألف دينار على الفقراء والمساكين وقال:\nاللهم إني اشتريت منك مسكنا من مساكن أهل الجنّة بهذه الألف دينار، ثمّ لقي صاحبه فقال: هل علمت أني اشتريت جنة من أفضل جنة بني إسرائيل بألف دينار فصرت من أفضلهم بزوجتي ومسكني وجنتي؟ فمضى صاحبه فتصدّق بالألف الباقي على الفقراء والمساكين وقال: اللهم إنّي قد اشتريت منك جنة الخلد بهذا الألف، ثمّ إنّ صاحبه الذي اكترى أجراء لجنّته فإذا هو بصاحبه فيهم فعرفه فدعا به فقال له أشحّ هذا أم أفسدت ملكك فحدّثه بالقصة، فقال له: أتتوهّم أنك ستبعث ثم تدان بما علمت أنك لمغرور وإنّ هذا لباطل، ففيهما أنزل الله جلّ وعزّ «قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ» إلى مِنَ الْمُحْضَرِينَ.\nقال أبو جعفر: التقدير أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ بأنّا مدينون أي محاسبون مجاوزون بأعمالنا ثم حذفت الياء وكسرت «إنّ»، لأن في خبرها اللام، ولا يجوز أنك لمن المصدّقين لأنه لا معنى للصدقة هاهنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2715>[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٤]</span>\nقالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)\nوحكي هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ «١» . قال أبو إسحاق: يقال: طلع، وأطلع بمعنى واحد، وقد حكي: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ بكسر النون وهي لحن لا يجوز لأنه جمع بين النون والإضافة، ولو كان مضافا لكان هل أنتم مطلعيّ، وإن كان سيبويه والفراء حكيا مثله، وأنشدا: [الطويل] ٣٦٨-\nهم القائلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما «٢»\nوإنشاد الفراء «والفاعلونه» وأنشد سيبويه وحده: [الطويل] ٣٦٩-\nولم يرتفق والنّاس محتضرونه ... جميعا وأيدي المعتفين رواهقه «٣»\nوأنشد الفراء وحده: [الوافر] ٣٧٠-\nوما أدري وظنّي كلّ ظنّ ... أمسلمني إلى قومي شراح «٤»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٤٤، والمحتسب ٢/ ٢١٩.\n(٢) البيت بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣٩٢، والكتاب ١/ ٢٤٧، وخزانة الأدب ٤/ ٢٦٦، والدرر ٦/ ٢٣٥، وشرح المفصّل ٢/ ١٢٥، ولسان العرب (طلع)، و(حين)، و(ها)، ومجالس ثعلب ١/ ١٥٠، وهمع الهوامع ٢/ ١٥٧.\n(٣) البيت بلا نسبة في الكتاب ١/ ٢٤٨، وخزانة الأدب ٤/ ٢٦٦، وشرح المفصّل ٢/ ١٢٥، والمقرّب ١/ ١٢٥، والكامل ٣٧١.\n(٤) الشاهد ليزيد بن محرم الحارثي في شرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٠، والدرر ١/ ٢١٢، والمقاصد النحوية ١/ ٣٨٥، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ٢٤٣، وتذكرة النحاة ٤٢٢، ورصف المباني ٣٦٣، ولسان العرب (شرحل)، والمحتسب ٢/ ٢٢٠، ومغني اللبيب ٢/ ٣٤٥، والمقرّب ١/ ١٢٥، وهمع الهوامع ١/ ٦٥.","vol":"3","page":285},{"text":"أما البيتان اللذان أنشدهما سيبويه وشركه الفراء في أحدهما فلا يعرف من قالهما ولا تثبت بهما حجّة، ولو عرف من قالهما لكانا شاذين خارجين عن كلام العرب وما كان هكذا لم يحتجّ به في كتاب الله جلّ وعزّ، ولا يدخل في الفصيح.\nوأما البيت الذي أنشده الفراء فالقول فيه ما حكاه أبو إسحاق قال: أنشدنا محمد بن يزيد «أأسلمني» وزعم الفراء أنه يريد بشراح شراحيل. وهذا من أقبح الضرورات أن يرخّم في غير النداء وإنما لم يجز «هل أنتم مطلعون» بكسر النون لأنه جاء إلى ما لا ينفصل مما قبله بالنون وهذا ما لا وجه له، وهذا قول من يوثق به من النحويين منهم محمد بن يزيد، وهو أيضا قول الفراء غير أنه أفسده بعد ذلك فقال: ضاربني مشبّه بيضربني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2716>[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٥]</span>\nفَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥)\nوحكي فَاطَّلَعَ فَرَآهُ «١» وفيه قولان: أحدهما أن يكون فعلا مستقبلا أي فأطلع أنا، ويكون منصوبا على أنه جواب الاستفهام، والقول الثاني على أن يكون فعلا ماضيا ويكون أطلع واطلع واحدا فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ عن عبد الله بن مسعود قال: في وسطها والحسك حواليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2717>[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٦]</span>\nقالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)\nقال الكسائي: أي لثهّلكني، وقال محمد بن يزيد: لو قيل: لتردين لتوقعني في النار لكان جائزا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2718>[سورة الصافات (٣٧): آية ٥٧]</span>\nوَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)\nما بعد لولا مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف. قال الفراء: أي لكنت معك في النار محضرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2719>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nأَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)\nإِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى يكون استثناء ليس من الأول، ويكون مصدرا لأنه منعوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2720>[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٠]</span>\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)\nيكون هو مبتدأ، وما بعده خبرا عنه، والجملة خبر «إنّ» ويجوز أن يكون هو فاصلا.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٤٥، ومعاني الفراء ٢/ ٣٨٦.","vol":"3","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2721>[سورة الصافات (٣٧): آية ٦١]</span>\nلِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)\nوالأصل ليعمل بكسر اللام، فحذفت الكسرة لثقلها. والتقدير- والله جلّ وعزّ أعلم- فليعمل العاملون لمثل هذا فإن قال قائل: فالفاء في العربية تدلّ على أن الثاني بعد الأول فكيف صار ما بعدها ينوى به التقديم؟ فالجواب أنّ التقديم كمثل التأخير لأنّ حقّ حروف الخفض وما معها أن تكون متأخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2722>[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٢]</span>\nأَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)\nأَذلِكَ خَيْرٌ مبتدأ وخبره نُزُلًا على البيان والمعنى أنعيم أهل الجنة خير نزلا أم شجرة الزقوم خير نزلا والنزل في اللغة الرزق الذي له سعة وكذا النّزل والنزل إلّا أنه يجوز أن يكون النزل بإسكان الزاي لغة، ويجوز أن يكون أصله النّزل فحذفت الضمة لثقلها، ومنه: أقيم للقوم نزلهم. واشتقاقه أنه الغذاء الذي يصلح أن ينزلوا معه، ويقيموا فيه. وشجرة الزقوم مشتقّة من التزقّم، وهو البلع على الجهد والشدّة، فقيل لها شجرة الزقوم لأنهم يبتلعونها على جهد وتقف في حلوقهم لكراهيتها ونتنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2723>[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٣]</span>\nإِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)\nمفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2724>[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٤]</span>\nإِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)\nإِنَّها شَجَرَةٌ خبر «إن» ولا يجوز حذف الألف من «إنها» كما حذفت الواو من إنه لثقل الواو وخفة الألف. تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ خبر بعد خبر مثل كَلَّا إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى [المعارج: ١٦] ويجوز أن يكون تخرج نعتا للشجرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2725>[سورة الصافات (٣٧): آية ٦٥]</span>\nطَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥)\nطَلْعُها مبتدأ، وخبره في الجملة أو تجعل الكاف بمعنى مثل فتكون خبرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2726>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٦ الى ٦٨]</span>\nفَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)\nفَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها دخلت اللام للتوكيد، وكذا لَشَوْبًا حكى الفراء شاب طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء سواهما يشوبهما شوبا وشابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2727>[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٠]</span>\nفَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)\nقال الفراء «١»: الإهراع الإسراع فيه شبيه بالرعدة، وقال محمد بن يزيد: المهرع\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٨٧.","vol":"3","page":287},{"text":"المستحب يقال: جاء فلان يهرع إلى النار إذا استحثّه البرد إليها، وحكى أبو إسحاق:\nهرع وأهرع جميعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2728>[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٥]</span>\nوَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)\nوَلَقَدْ نادانا نُوحٌ من النداء الذي هو استغاثة ودعاء. فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ قال الكسائي: فلنعم المجيبون له كنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2729>[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٦]</span>\nوَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)\nوَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ عطف على الهاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2730>[سورة الصافات (٣٧): آية ٧٧]</span>\nوَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧)\nوَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ مفعول أول وهُمُ زائدة تسمّى فاصلة الْباقِينَ مفعول ثان. فأما معنى وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ فمن أحسن ما روي فيه ما ذكر عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيّب في قوله جلّ وعزّ وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ أنّ الناس كلّهم من ولد نوح ﷺ، وأنهم كلّهم من ثلاثة أولاد لنوح سام وحام ويافث فالعرب يعني يمنيها ونزارها والروم والفرس من ولد سام، والسودان يعني أجناسهم من السند والهند والزغاوة وغيرهم والبربر والقبط من ولد حام، والصقالب والترك ويأجوج ومأجوج من ولد يافث. والخير في ولد سام. قال أبو جعفر: صرفت نوحا وساما وإن كانت أسماء أعجمية لأنها على ثلاثة أحرف فخفّت. هذا الصحيح، وقد قيل إنها عربية مشتقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2731>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nوَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)\nزعم الكسائي أن فيه تقديرين: أحدهما وتركنا عليه في الآخرين يقال: سلام على نوح أي تركنا عليه هذا الثناء، وهذا مذهب أبي العباس، قال: والعرب تحذف القول كثيرا. والقول الآخر أن يكون المعنى: وألقينا عليه وتمّ الكلام ثم ابتدأ فقال: سلام على نوح. قال الكسائي: وفي قراءة ابن مسعود سلاما «١» منصوب بتركنا أي تركنا عليه ثناء حسنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2732>[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٠]</span>\nإِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)\nأي يبقى عليهم الثناء الحسن، والكاف في موضع نصب أي جزاء كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2733>[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٢]</span>\nثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٤٩.","vol":"3","page":288},{"text":"الواحد: آخر والأصل فيه أن يكون معه «من» إلا أنها حذفت لأن المعنى معروف لا يكون آخر ومعه شيء من جنسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2734>[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٣]</span>\nوَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣)\nنصب بإنّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2735>[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٤]</span>\nإِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)\nقال عوف الأعرابي: سألت محمد بن سيرين: ما القلب السليم؟ فقال: الناصح لله في خلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2736>[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٥]</span>\nإِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥)\nتكون «ما» في موضع رفع بالابتداء و«ذا» خبره، ويجوز أن تكون «ما» و«ذا» في موضع نصب بتعبدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2737>[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٦]</span>\nأَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)\nأَإِفْكًا نصب بتعبدون. قال أبو العباس محمد بن يزيد: والإفك أسوأ الكذب وهو الذي لا يثبت ويضطرب، ومنه ائتفكت بهم الأرض، آلِهَةً بدل من إفك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2738>[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٧]</span>\nفَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧)\nفَما ظَنُّكُمْ مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2739>[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٨]</span>\nفَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)\nيكون جمع نجم، ويكون واحدا مصدرا، وهذا قول الخليل أي فيما نجم له من الرأي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2740>[سورة الصافات (٣٧): آية ٨٩]</span>\nفَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)\nعن ابن عباس قال: مريض، وقال الضحاك: أي مطعون فينحّوا عنه لئلا يعديهم. وصدق إبراهيم في هذا لأن كلّ أحد سيسقم بالموت، كما قال جلّ وعزّ إِنَّكَ مَيِّتٌ [الزمر: ٣٠] فالمعنى إني سقيم فيما استقبل فتوهّموا أنه سقيم الساعة.\nقال أبو جعفر: وهذا من معاريض الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2741>[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٠]</span>\nفَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)\nنصب على الحال.","vol":"3","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2742>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩١ الى ٩٤]</span>\nفَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)\nفَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ فخاطبها كما يخاطب من يعقل، لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة في عبادتهم إياها، وكذا «قال ألا تأكلون» متعجبا منها، وكذا ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ وكذا فَراغَ عَلَيْهِمْ ولم يقل: عليها ولا عليهنّ ضَرْبًا مصدر، وقرأ مجاهد ويحيى بن وثاب والأعمش فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ «١» بضم الياء وزعم أبو حاتم أنه لا يعرف هذه اللغة وقد عرفها جماعة من العلماء منهم الفراء وشبّهها بقولهم: أطردت الرجل، أي صيّرته إلى ذلك وطردته نحّيته. وأنشد هو وغيره: [الطويل] ٣٧١-\nتمنّى حصين أن يسود جذاعه ... فأضحى حصين قد أذلّ وأقهرا «٢»\nأي صيّر إلى ذلك فكذا «يزفّون» يصيرون إلى الزفيف. قال محمد بن يزيد:\nالزفيف: الإسراع، وقال أبو إسحاق: الزفيق: أول عدو النعام. قال أبو حاتم: وزعم الكسائي أنّ قوما قرءوا فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ «٣» من وزف يزف مثل وزن يزن فهذه حكاية أبي حاتم، وأبو حاتم لم يسمع من الكسائي شيئا. وروى الفراء «٤» وهو صاحب الكسائي عن الكسائي أنه لا يعرف «يزفون» مخفّفة. قال الفراء: وأنا لا أعرفها. قال أبو إسحاق:\nوقد عرفها غيرهما أنه يقال: وزف يزف إذا أسرع، ولا أعلم أحدا قرأ «يزفون» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2743>[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٥]</span>\nقالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥)\nويقال: نحت ينحت وينحت لأنه فيه حرف من حروف الحلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2744>[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٦]</span>\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦)\n«ما» في موضع نصب أي: وخلق ما تعلمون، ويجوز أن يكون في موضع نصب بيعملون أي: وأيّ شيء تعملون.\nقال عبد الله بن عمرو بن العاص: فلمّا صار في البنيان قال: حسبي الله ونعم الوكيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2745>[سورة الصافات (٣٧): آية ٩٩]</span>\nوَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)\nوالأصل إنّني حذفت لاجتماع النونات.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٥١.\n(٢) الشاهد للمخبل السعدي في ديوانه ٢٩٤، ولسان العرب (قهر) و(جذع)، وتهذيب اللغة ٥/ ٣٩٥، وتاج العروس (قهر) و(جذع)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٥/ ٣٥، ومجمل اللغة ٤/ ١٢٨، وديوان الأدب ٢/ ٢٩٩، والمخصّص ٣/ ١٣٠.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٨٩. [.....]\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٨٩.","vol":"3","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2746>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٠]</span>\nرَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)\nأي صالحا من الصالحين وحذف مثل هذا كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2747>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠١]</span>\nفَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)\nأي إنه يكون حليما في كبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2748>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٢]</span>\nفَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)\nقال أبو جعفر: فاختلف العلماء في المأمور بذبحه، فقال أكثرهم: الذبيح إسحاق فممن قال ذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله ذلك الصحيح عنه ورواه الثوري عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: المفديّ إسحاق. وروى الثوري وابن جريج عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:\nالذبيح إسحاق، وهذا هو الصحيح عن عبد الله بن مسعود رواه شعبة عن أبي إسحاق عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود: أن رجلا قال: أنا ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، وقد روى حمّاد ابن زيد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «إنّ الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين» «١» . وروى أبو الزبير عن جابر قال: الذّبيح إسحاق، وذلك مرويّ أيضا عن علي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله بن عمر أنّ الذبيح إسحاق ﵇، فهؤلاء ستة من الصحابة ومن التابعين وغيرهم منهم علقمة والشّعبي ومجاهد وسعيد بن جبير وعبد الله بن أبي الهذيل ومالك بن أنس وكعب الأحبار قالوا: الذبيح إسحاق ﷺ.\nقال أبو جعفر: أما من قال: هو إسماعيل ﷺ فأبو هريرة، وهو يروي عن ابن عمر ثم تكلّم العلماء بعد ذلك فمنهم من قال: نصّ التأويل يدلّ على أنه إسماعيل ﵇ لأن الله جلّ وعزّ قال: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا [الصافات: ١١٢] فكيف يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيا فهذا قد قيل، وليس بقاطع والله جلّ وعزّ أعلم لأن البشارة بنبوته في ما روي بشارة ثابتة بعد الأمر بذبحه ثوابا على ما كان منه. فأمّا وعده بأن يكون من إسحاق ابن، فكيف يأمره بذبحه فقد يجوز أن يكون ولد لإسحاق غير ولد لأنه قد بلغ السعي، فظاهر التنزيل يدلّ على أن الذبيح إسحاق لأنه أخبر جلّ وعزّ أنه فدى الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم حين قال: هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فإذا كان\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده ٨/ ٨٦.","vol":"3","page":291},{"text":"المفدّى هو المبشّر به وقد بيّن أن الذي بشر به هو إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وأن كلّ موضع من القرآن ذكر بتبشيره إياه بولد فهو إسحاق نبيا أي بتبشيره إياه بقوله فبشرناه بغلام حليم إنما هو إسحاق، فأما اعتلال من اعتلّ بأن قرني الكبش كانا معلّقين في الكعبة فليس يمتنع أن يكون حمل من الشام إلى مكّة على أن جماعة من العلماء قد قالوا كان الأمر بالذبح. فأما قوله: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى فمن المشكل وقد تكلّم العلماء في معناه فقال بعضهم: كان إبراهيم ﷺ أمر إذا رأى رؤيا فيها كذا وكذا أن يذبح ابنه واستدلّ صاحب هذا القول بأنها في قراءة ابن مسعود إنّي أرى في المنام أفعل ما أمرت به فهذه قراءة على التفسير دالّة على أنه أمر بهذا قبل إذ كان مما لا يؤتى مثله برؤيا، وقال صاحب هذا القول: وقد ذبحه إبراهيم ﷺ لأن معنى ذبحت الشيء قطعته، وليس هذا مما يجوز أن ينسخ بوجه. واستدلّ عليه بقول مجاهد: قال إسحاق لإبراهيم ﵉: لا تنظر إلى وجهي وترحمني، ولكن اجعل وجهي إلى الأرض فأخذ إبراهيم السكين فأمرّها على خلفة فانقلبت فقال له: ما لك؟ فقال: انقلبت السكين، قال: اطعنّي بها طعنة ففعل، ثم فداه الله جلّ وعزّ. قال ابن عباس: فداه الله بكبش قد رعى في الجنّة أربعين سنة. وقال الحسن: ما فدى الله إسماعيل إلّا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير. قال أبو إسحاق: يقال إنه فدي بوعل، والوعل: التيس الجبليّ وأهل التفسير على أنه فدي بكبش. فَانْظُرْ ماذا تَرى أي ماذا تأتي به من رأيك. وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما فَانْظُرْ ماذا تَرى «١» .\nقال الفراء «٢»: المعنى: فانظر ماذا تري من صبرك أو جزعك، وأما غيره فقال: معناه ماذا تشير وأنكر أبو عبيد «تري»، وقال: إنما يكون هذا من رؤية العين خاصّة، وكذا قال أبو حاتم. قال أبو جعفر: وهذا غلط هذا يكون من رؤية العين وغيرها وهو مشهور يقال: أريت فلانا الصواب، وأريته رشده، وهذا ليس من رؤية العين. قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ والقول الآخر في رؤيا إبراهيم ﷺ أنه لم يعزم على ذبحه من أجل الرّؤيا، وإنما أضجعه ينظر الأمر ألا ترى أنه قال: يا أبت افعل ما تؤمر أي إن أمرت بشيء فافعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2749>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٣ الى ١٠٥]</span>\nفَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)\nفَلَمَّا أَسْلَما قال قتادة: أسلم أحدهما لله جلّ وعزّ نفسه وأسلم الآخر ابنه. وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يقال: كبه وحوّل وجهه إلى القبلة، وجواب لمّا محذوف عند البصريين أي فلمّا أسلما سعدا وأجزل لهما الثواب. وقال الكوفيون: الجواب نادَيْناهُ والواو زائدة.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥١، والبحر المحيط ٧/ ٣٥٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٩٠.","vol":"3","page":292},{"text":"قال أبو جعفر: والواو من حروف المعاني فلا يجوز أن تزاد. وفي قراءة ابن مسعود فلما سلّما وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا «١» أي فعلت ما أمرت به، وما رأيته في النوم.\nإِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي نجزيهم بالخلاص من الشدائد في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2750>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٦]</span>\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)\nأي النعمة الظاهرة يقال: أبلاه الله بلاء وإبلاء إذا نعم عليه، وقد يقال: بلاه قال زهير: [الطويل] ٣٧٢-\nجزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو «٢»\nفزعم قوم أنه جاء باللغتين، وقال آخرون: بل الثاني من بلاه يبلوه إذا اختبره ولا يقال في الاختبار إلّا بلاه يبلوه، ولا يقال من الابتلاء بلاه. وأصل هذا كلّه من الاختبار لأن الاختبار يكون بالخير والشرّ. قال جلّ وعزّ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥] وقال ابن زيد: هذا في البلاء الذي نزل به في أن يذبح ابنه، قال: وهذا من البلاء المكروه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2751>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٠٧]</span>\nوَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)\nالذبح اسم المذبوح وجمعه ذبوح، والذبح بالفتح المصدر.\nوروى الثوري عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله جلّ وعزّ وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ قال: بشّر بنبوّته، وذهب إلى أنّ البشارة به كانت مرتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2752>[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٣]</span>\nوَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)\nوَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ أي ثبتنا عليهما النعمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2753>[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٥]</span>\nوَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥)\nقال أبو إسحاق: في معنى وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ من الغرق الذي لحق آل فرعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2754>[سورة الصافات (٣٧): آية ١١٦]</span>\nوَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦)\nوَنَصَرْناهُمْ موسى وهارون وقومهما، وذهب الفراء «٣» إلى أنه لموسى وهارون وحدهما واعتلّ بأن الاثنين جمع.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٥٥، والمحتسب ٢/ ٢٢٢.\n(٢) انظر ديوانه ص ١٠٩، واللسان (بلا) .\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٩٠.","vol":"3","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2755>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٣]</span>\nوَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)\nروى أبو إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود قال: إسرائيل هو يعقوب وإلياس: هو إدريس، وقيل: هو الخضر قال الفراء: إن أخذت إلياس من الأليس صرفته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2756>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٥]</span>\nأَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥)\nروى الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أَتَدْعُونَ بَعْلًا.\nقال صنما، وروى عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس «أَتَدْعُونَ بَعْلًا» قال: ربّا. قال أبو جعفر: القولان صحيحان أي تدعون صنما عملتموه ربّا. «أَتَدْعُونَ» بمعنى أتسمّون، حكى ذلك سيبويه وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2757>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٢٦]</span>\nاللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)\nبالنصب قراءة الربيع بن خثيم والحسن وابن أبي إسحاق ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وإليها يذهب أبو عبيد وأبو حاتم، وحكى أبو عبيد: أنها على النعت. قال أبو جعفر: وهذا غلط وإنما هو البدل ولا يجوز النعت هاهنا لأنه ليس بتحلية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر وشيبة ونافع الله ربكم بالرفع.\nقال أبو حاتم: بمعنى هو الله ربّكم. قال أبو جعفر: وأولى مما قال إنه مبتدأ وخبر بغير إضمار ولا حذف، ورأيت علي بن سليمان يذهب إلى أن الرفع أولى وأحسن لأن قلبه رأس آية فالاستئناف أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2758>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٠]</span>\nسَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠)\nقراءة الأعرج وشيبة ونافع وفيها قراءتان أخريان: قرأ عكرمة وأبو عمرو وحمزة والكسائي سلام على إلياسين «١» وقرأ الحسن سلام على الياسين «٢» بوصل الألف كأنها «ياسين» دخلت عليها الألف واللام للتعريف. فمن قرأ سلام على آل ياسين كأنه والله أعلم جعل اسمه «الياس» و«ياسين» ثم سلّم على آله أي أهل دينه ومن كان على مذهبه وعلم أنه إذا سلم على آله من أجله فهو داخل في السلام، كما قال النبي ﷺ «صلّ على آل أبي أوفى» «٣» وقال جلّ وعزّ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر: ٤٦] فأما «الياسين» فللعلماء فيها غير قول روى هارون عن ابن أبي إسحاق\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٥٨، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٤٩، وتيسير الداني ١٥١.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٥٨، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٤٩، وتيسير الداني ١٥١.\n(٣) أخرجه أبو داود في سننه- الزكاة رقم الحديث (١٥٩٠)، وابن ماجة في سننه الزكاة رقم الحديث (١٧٩٦) .","vol":"3","page":294},{"text":"قال: إلياسين مثل إبراهيم يذهب إلى أنه اسم له وأبو عبيد «١» يذهب إلى أنه جمع جمع التسليم على أنه وأهل مذهبه يسلّم عليهم، وأنشد: [الرجز] ٣٧٣-\nقدني من نصر الخبيبين قدي «٢»\nوإنما يريد أبا خبيب عبد الله بن الزبير فجمعه على أن من كان على مذهبه داخل معه، وغير أبي عبيدة يرويه «الخبيبين» على التثنية يريد عبد الله ومصعبا. قال أبو جعفر: ورأيت علي بن سليمان يشرحه بأكثر من هذا الشرح، قال: العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم فيقولون: المهالبة على أنهم سمّوا كلّ واحد بالمهلّب، قال: فعلى هذا «سلام على الياسين» سمّى كل رجل منهم الياس. وقد ذكر سيبويه «في كتابه» «٣» شيئا من هذا إلّا أنه ذكر أن العرب تفعل هذا على وجه النسبة فيقولون: الأشعرون يريدون به النسب، واحتجّ أبو عبيدة في قراءته «سلام على الياسين» وأن اسمه كما أن اسمه الياس لأنه ليس في السورة «سلام على آل» لغيره من الأنبياء صلّى الله عليه، وكما سمّي الأنبياء، كذا سمي هو. وهذا الاحتجاج أصله لأبي عمرو بن العلاء وهو غير لازم لأنّا قد بيّنا قول أهل اللغة أنّه إذا سلم على آله من أجله فهو مسلم عليه والقول بأنّ اسمه الياس والياسين يحتاج إلى دليل ورواية فقد وقع في الأمر إشكال كان الأولى اتباع الخط الذي في المصحف وفي المصحف «سلام على آل ياسين» بالانفصال فهذا ما لا إشكال فيه. وللفراء «٤» في هذا قول حسن ليس بالمشروع سنذكره ونشرحه إن شاء الله، وذلك أنه شبهه بقول الله جلّ وعزّ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ [المؤمنون: ٢٠] وقال جلّ وعزّ: وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] . قال وهما بمعنى واحد وموضوع واحد وشرح هذا أن الياس اسم أعجمي والأسماء الأعجمية إذا وقعت إلى العرب غيّرتها بضروب من التغيير فيقولون إبراهيم وإبراهيم وإبرهام هكذا أيضا سيناء وسنين والياس والياسين ويس في قراءة «سلام على آل ياسين» بمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2759>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٥ الى ١٣٧]</span>\nإِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)\nإِلَّا عَجُوزًا نصب على الاستثناء ومُصْبِحِينَ\nنصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2760>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٨]</span>\nوَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)\nوَبِاللَّيْلِ\nعطف على المعنى أي في الصبح وفي الليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2761>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٣٩]</span>\nوَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)\nلم ينصرف لأنه اسم أعجميّ ولو كان عربيا لانصرف، وإن كانت في أوله الياء لأنه\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن ٢/ ١٧٢.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٢٧٩) .\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٤٥٤.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٩١. [.....]","vol":"3","page":295},{"text":"ليس في الأفعال يفعل، كما أنك إذا سمّيت بيعفر صرفته وإن سمّيته بيعفر لم تصرفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2762>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٠]</span>\nإِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)\nإِذْ أَبَقَ\nقال محمد بن يزيد: أصل أبق تباعد ومنه: غلام آبق وأبق وقال غيره:\nإنما قيل يونس أبق لأنه خرج لغير أمر الله جلّ وعزّ مستترا من الناس. إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ\nقال الفراء: «١» الفلك يذكّر ويؤنّث ويذهب به إلى معنى الجميع، وقال غيره:\nإذا ذهب به إلى معنى الجمع فهو جمع فلك مثل: وثن ووثن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2763>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤١]</span>\nفَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)\nفَساهَمَ\nقال محمد بن يزيد: فقارع قال: وأصله من السّهام التي تجال فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ\nأي من المغلوبين به. قال الفراء «٢»: يقال: دحضت حجّته وأدحضها الله وأصله من الزلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2764>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٢]</span>\nفَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)\nمن ألام إذا أتى بما يجب أن يلام عليه مثل: أحمق فهو محمق، فأما الملوم فهو الذي يلام استحق ذلك أو لم يستحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2765>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٣ الى ١٤٤]</span>\nفَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)\nقال الكسائي: لم يكسر «أنّ» لدخول اللام لأن اللام ليست لها. قال أبو جعفر:\nوالأمر كما قال إنما اللام في جواب لولا وعن ابن مسعود وابن عباس «فلولا أنه كان من المسبحين» قالا أي من المصلين. قال قتادة: كان يصلّي قبل ذلك فحفظ الله جل وعز له ذلك فنجاه. قال الربيع بن أنس: لولا أنه كان قبل ذلك له عمل صالح لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قال: ومكتوب في الحكمة أن العمل الصالح يرفع ربّه إذا عشر.\nقال سعيد بن جبير: لما قال لا إله إلا أنت سبحانك أنّي كنت من الظالمين قذفه الحوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2766>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٥]</span>\nفَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥)\nمما يسأل عنه يقال: خبّر الله جلّ وعزّ هاهنا أنه نبذ بالعراء وقال جلّ وعزّ لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ [القلم: ٤٩] فالجواب أن الله جلّ وعزّ خبّر هاهنا أنه نبذه بالعراء وهو غير مذموم ولولا نعمة الله جلّ وعزّ عليه لنبذه بالعراء وهو مذموم. وحكى الأخفش في جمع سقيم: سقمي وسقامى وسقام.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٩٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٩٣.","vol":"3","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2767>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٦]</span>\nوَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)\nجمع يقطينة قال محمد بن يزيد: يقال لكلّ شجرة ليس لها ساق يفترش ورقها على الأرض: يقطينة نحو الدبّاء والبطيخ والحنظل فإن كان لها ساق يقلّها فهي شجرة فقط، وإن كانت قائمة أي بغير ورق مفترش فهي نجمة وجمعها نجم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2768>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٤٧]</span>\nوَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)\nقال أبو جعفر: قد ذكرت حديث ابن عباس أنه قال: كانت الرسالة بعد ما نبذه الحوت وليس له طريق إلّا عن شهر بن حوشب، وأجود منه إسنادا، وأصحّ ما حدّثناه علي بن الحسين قال: حدّثنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا عمرو العنقريّ قال: حدّثنا إسرائيل عن ابن إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: حدّثنا عبد الله في بيت المال عن يونس النبي ﷺ قال: إنّ يونس ﷺ وعد قومه العذاب، وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا وجأروا إلى الله جلّ وعزّ، واستغفروا فكفّ الله جلّ وعزّ عنهم العذاب، وهذا يونس ﷺ ينتظر العذاب فلم ير شيئا. وكان من كذب ولم تكن له بيّنة قتل، فخرج يونس ﷺ مغاضبا فأتى قوما في سفينة فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ركدت السفينة، والسفن تسير يمينا وشمالا، فقالوا: ما لسفينتكم؟\nقالوا: لا ندري، فقال يونس صلّى الله عليه: إنّ فيها عبدا آبقا من ربّه جلّ وعزّ وإنها لن تسير حتى تلقوه، قالوا: أما أنت يا نبيّ الله فإنّا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع فليقع فاقترعوا فقرعهم يونس صلّى الله عليه فأبوا أن يدعوه قالوا: فاقترعوا ثلاثا فمن قرع فليقع فاقترعوا فقرعهم يونس صلّى الله عليه ثلاث مرات أو قال ثلاثا فوقع. وقد وكل الله جلّ وعزّ به حوتا فابتلعه فمرّ يهوي به إلى قرار الأرض فسمع يونس صلّى الله عليه تسبيح الحصى فنادى في الظلمات أن لا إله إلّا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال: ظلمة اللّيل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت قال: فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ قال: كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش قال: وأنبت الله جلّ وعزّ عليه شجرة من يقطين فنبتت، فكان يستظلّ بها، فيبست، فبكى عليها، فأوحى الله جلّ وعزّ إليه أتبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم؟ قال: وخرج يونس ﷺ فإذا هو بغلام يرعى فقال: يا غلام من أنت؟ قال: من قوم يونس، قال: فإذا جئت إليهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس. قال له: إن كنت يونس فقد علمت أنه من كذب قتل إذا لم يكن له بيّنة فمن يشهد لي قال: هذه الشجرة وهذه البقعة، قال: فمرهما فقال لهما يونس صلّى الله عليه: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم. فرجع الغلام إلى قومه، وكان في منعة، وكان له إخوة فأتى الملك، فقال: إنّي قد لقيت يونس، وهو يقرأ عليكم السلام قال: فأمر به أن يقتل،","vol":"3","page":297},{"text":"فقالوا: إنّ له بينة فأرسلوا معه فأتى الشجرة والبقعة فقال لهما: نشدتكما بالله جلّ وعزّ أشهدكما يونس ﷺ قالتا: نعم، قال: فرجع القوم مذعورين. يقولون: شهدت له الشجرة والأرض فأتوا الملك فأخبروه بما رأوا، قال عبد الله: فتناول الملك بيد الغلام فأجلسه في مجلسه فقال: أنت أحقّ بهذا المكان منّي، قال عبد الله: فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. فقد تبيّن في هذا الحديث أن يونس صلّى الله عليه كان قد أرسل قبل أن يلتقمه الحوت بهذا الإسناد الذي لا يؤخذ بالقياس. وفيه أيضا من الفائدة أن قوم يونس صلّى الله عليه آمنوا وندموا قبل أن يروا العذاب لأن فيه أنه أخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كلّ والدة وولدها، والفاء في اللغة تدلّ على أن الثاني يلي الأول فكان حكم الله جلّ وعزّ فيهم كحكمه في غيرهم في قوله جلّ وعزّ: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر: ٨٥]، وقال جلّ ثناؤه وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: ١٨] الآية وقد قال بعض العلماء: إنهم رأوا مخايل العذاب فتابوا. قال أبو جعفر: وهذا لا يمتنع فأما قوله ﷿: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ [يونس: ٩٨] فهو استثناء ليس من الأول. وقد ذكرنا معنى أَوْ يَزِيدُونَ وقول الفراء «١» أنها بمعنى «بل»، وقول غيره أنها بمعنى الواو. وأنه لا يصحّ هذان القولان، لأن «بل» ليس هذا من مواضعها، لأنها للإضراب عن الأول والإيجاب لما بعده. وتعالى الله ﷿ عن ذلك أو الخروج من شيء إلى شيء، وليس هذا موضع ذلك. والواو معناها خلاف معنى «أو» فلو كانت إحداهما بمعنى الأخرى لبطلت المعاني، ولو جاز ذلك لكان وأرسلناه إلى أكثر من مائة ألف أخصر، وفي الآية قولان سوى هذين: أحدهما أنّ المعنى وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو أكثر، وإنّما خوطب العباد على ما تعرفون، والقول الآخر أنه كما تقول: جاءني زيد أو عمرو، وأنت تعرف من جاءك منهما إلّا أنك أبهمت على المخاطب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2769>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٨ الى ١٤٩]</span>\nفَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)\nوفي قراءة ابن مسعود فآمنوا فمتعناهم حتى حين «٢» والمعنى واحد.\nفَاسْتَفْتِهِمْ قال أبو إسحاق: أي فاسألهم سؤال توبيخ وتقرير أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ لأن معنى «فاستفتهم» فقل لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2770>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٥٠]</span>\nأَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠)\nإِناثًا جمع أنثى. قال أبو إسحاق: «أم» بمعنى: أبل. وَهُمْ شاهِدُونَ ابتداء وخبر في موضع الحال.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٩٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٩٣.","vol":"3","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2771>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٥١]</span>\nأَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١)\nأَلا إِنَّهُمْ «إنّ» بعد «ألا» مكسورة لأنها مبتدأة، وحكى سيبويه أنّها تكون بعد «أما» تكون مفتوحة ومكسورة فالفتح على أن تكون أما بمعنى حقا، والكسر على أن يكون أما بمعنى ألا. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: يجوز فتحها بعد «ألا» تشبيها بأما، فأمّا في الآية فلا يجوز إلّا كسرها لأن بعدها اللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2772>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٥٣ الى ١٥٤]</span>\nأَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)\nأَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ استفهام فيه معنى التوبيخ. فأما ما روي «١» عن أبي جعفر وشيبة ونافع أنّهم قرءوا وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَناتِ بوصل الألف فلا يصحّ عنهم، وزعم أبو حاتم أنه لا وجه له لأن بعده ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ فالكلام جار على التوبيخ. قال أبو جعفر: هذه القراءة وإن كانت شاذة فهي تجوز من وجهتين إحداهما أن تكون تبيينا لما قالوا ويكون ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ منقطعا مما قبله، والجهة الأخرى أنه قد حكى النحويون منهم الفراء أنّ التوبيخ يكون استفهاما وبغير استفهام، كما قال جلّ وعزّ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [الأحقاف: ٢٠] وجعلوا بينه وبين الجنّة نسبا أكثر أهل التفسير على أن الجنّة هاهنا الملائكة وقال أهل الاشتقاق: قيل لهم: جنّة لأنهم لا يرون، وثم قول آخر غريب رواه إسرائيل عن السّدّي عن أبي مالك قال: إنما قيل للملائكة جنّة لأنهم على الجنان، والملائكة كلهم جنّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2773>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٥٨]</span>\nوَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)\nكسرت إنّ لدخول اللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2774>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٠]</span>\nإِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)\nإِلَّا عِبادَ اللَّهِ نصب على الاستثناء. الْمُخْلَصِينَ من نعتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2775>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦١ الى ١٦٢]</span>\nفَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢)\nأهل التفسير مجمعون فيما علمته على أن المعنى: ما أنتم بمضلّين أحدا إلّا من قدّر الله جلّ وعزّ عليه أن يضلّ، فروى فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم قال:\nليس بتابعكم على عبادة آلهتكم وعبادتكم إلّا من كتب الله جلّ وعزّ عليه أن يصلى الجحيم. وروى عمر بن ذر عن عمر بن عبد العزيز ﵀ ما أنتم بمضلّين إِلَّا مَنْ\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٦١، ومعاني الفراء ٢/ ٣٩٤.","vol":"3","page":299},{"text":"هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. وعن ابن عباس: ما أنتم بمضلّين إلّا من قدّر عليه أن يضلّ.\nوروى أبو الأشهب جعفر بن حيان عن الحسن قال: يا بني إبليس ما أنتم بمضلّين أحدا من الناس إلّا من قدّر الله عليه أن يضلّ. قال أبو جعفر: ففي هذه الآية ردّ على القدرية من كتاب الله جلّ وعزّ، وفيها من المعاني أنّ الشياطين لا يصلون إلى إضلال أحد إلّا من كتب الله جلّ وعزّ عليه أنه لا يهتدي، ولو علم الله جلّ وعزّ أنّه يهتدي لحال بينه وبينهم. وعلى هذا قوله جلّ وعزّ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [الإسراء: ٦٤] أي لست تصل منهم إلى شيء إلّا إلى ما في علمي. قال الفراء «١»: أهل الحجاز يقولون: فتنته، وأهل نجد يقولون: أفتنته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2776>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٣]</span>\nإِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)\nوعن الحسن أنه قرأ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ «٢» بضم اللام فجماعة من أهل العربية يقولون: لحن لأنه لا يجوز: هذا قاض فاعلم. قال أبو جعفر: ومن أحسن ما قيل فيه ما سمعت من عليّ بن سليمان يقول. هو محمول على المعنى لأن معنى «من» جماعة فالتقدير: فيه صالون، فحذفت النون للإضافة وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وفيهما قول آخر: أن يكون على القلب فإذا قلب قيل: صايل ثم يحذف الياء فيقال:\nصال كما يقال: شاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2777>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٤]</span>\nوَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)\nفيه تقديران عند أهل العربية: أحدهما وما منا إلّا من له وحذفت من وهذا مذهب الكوفيين، وفيه ما لا خفاء فيه من حذف الموصول، والقول الآخر أنّ المعنى: وما منّا ملك إلّا لهم مقام معلوم، وهذا قول البصريين. فأما اتصال هذا بما قبله فإنه فيما يروى أن الملائكة تبرّأت ممّن يعبدها، وتعجبت من ذلك لاجتهادها فقال: وما منا إلّا له مقام معلوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2778>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦٥ الى ١٦٦]</span>\nوَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)\nوفي الحديث عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد فقال: «ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربهم. فقلنا يا رسول الله كيف تصفّ الملائكة عند ربهم؟ قال: يتمّمون الصفوف ويتراصون في الصفّ» «٣» .\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٩٤.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٦٢، ومعاني الفراء ٢/ ٣٩٤.\n(٣) أخرجه أبو داود في سننه، الصلاة رقم (٦٦١) وابن ماجة في سننه رقم (٩٩٢) .","vol":"3","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2779>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٦٧]</span>\nوَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧)\nلمّا خففت «إن» دخلت على الفعل ولزمتها اللام فرقا بين النفي والإيجاب.\nوالكوفيون يقولون «إن» بمعنى «ما» واللام بمعنى إلّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2780>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦٨ الى ١٦٩]</span>\nلَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)\nأي لو جاءنا ذكر كما جاء الأولين لأخلصنا العبادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2781>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٠]</span>\nفَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)\nفَكَفَرُوا أي بالذكر، والفراء «١» يقدره على حذف أي فجاءهم محمد ﷺ بالقرآن فكفروا به. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ قال أبو إسحاق: أي فسوف يعلمون مغبّة كفرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2782>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧١]</span>\nوَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)\nقال الفراء: بالسعادة، وقال غيره: التقدير: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2783>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٢]</span>\nإِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)\nفلمّا دخلت اللام كسرت «إن» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2784>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٣]</span>\nوَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)\nعلى المعنى، ولو كان على اللفظ لكان هو الغالب مثل قوله: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ [ص: ١١] . وقال الكسائي: جاء هاهنا على الجمع من أجل أنه رأس آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2785>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٤]</span>\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤)\nقال قتادة: أي إلى الموت، وقال أبو إسحاق: أي الوقت الذي أمهلوا إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2786>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٧٧]</span>\nفَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)\nفَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ أي العذاب، قال أبو إسحاق: وكان عذاب هؤلاء بالقتل.\nوساء بمعنى: بئس، ورفع صَباحُ بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2787>[سورة الصافات (٣٧): آية ١٨٠]</span>\nسُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)\nسُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ على البدل قال أبو إسحاق: ويجوز النصب على المدح والرفع بمعنى: هو رب العزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2788>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٨١ الى ١٨٢]</span>\nوَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)\nولو كان في غير القرآن لجاز النصب على المصدر.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٩٥.","vol":"3","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2789>٣٨ شرح إعراب سورة ص</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2790>[سورة ص (٣٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)\nبإسكان الدال لأنها حروف تهجّ، والأجود عند سيبويه «١» فيها الإسكان. ولا تعرب لأن حكمها الوقوف عليها وقراءة الحسن صاد «٢» بكسر الدال بغير تنوين ولقراءته مذهبان: أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارض، ومنه فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى [عبس: ٦] فالمعنى صادي القرآن بعملك أي قابلة به. وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسّر به قراءته رواية صحيحة عنه أنّ المعنى: اتله وتعرّض لقراءته. والمذهب الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين. وقراءة عيسى بن عمر (صاد) بفتح الدال، له فيها ثلاثة مذاهب:\nأحداهنّ أن يكون بمعنى اتل صاد. والثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين، واختار الفتح للإتباع، الثالث أن يكون منصوبا على القسم بغير حروف. وقراءة ابن أبي إسحاق (صاد) بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضا على حذف حرف القسم. قال أبو جعفر:\nوهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله، ويجوز أن يكون مشبّها بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها. وصاد إذا جعلته اسما للسورة لم ينصرف كما أنك إذا سمّيت مؤنثا بمذكّر لم ينصرف وإن قلّت حروفه. وَالْقُرْآنِ خفض بواو القسم بدل من الباء. ذِي الذِّكْرِ نعت وعلامة الخفض الياء، وهو اسم معتل والأصل فيه ذوي على فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2791>[سورة ص (٣٨): آية ٢]</span>\nبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)\nبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في موضع رفع بالابتداء. فِي عِزَّةٍ خبره أي في تكبّر وامتناع من قبول الحقّ، كما قال جلّ وعزّ: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [البقرة:\n٢٠٦] . وَشِقاقٍ من شاقّ يشاقّ إذا خالف، واشتقاقه أنه صار في شقّ غير الشقّ الآخر.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٢٩٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٩٦.","vol":"3","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2792>[سورة ص (٣٨): آية ٣]</span>\nكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣)\nكَمْ في موضع نصب بأهلكنا. فَنادَوْا قال قتادة: فنادوا في غير نداء. قال أبو جعفر: ومعناه على قوله في غير نداء ينجي، كما قال الحسن: نادوا بالتوبة وليس حين توبة ولا ينفع العمل. وهذا تفسير من الحسن لقوله جلّ وعزّ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ، قال ليس حين. فأما إسرائيل فيروى عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس وَلاتَ حِينَ مَناصٍ قال: ليس بحين نزو ولا فرار، قال ضبط القوم جميعا. قال أبو جعفر:\nوأصله من ناص ينوص إذا تأخّر، ويقال: ناص ينوص إذا تقدّم. وأما «ولات حين» فقد تكلّم النحويون فيه وفي الوقوف عليه، وكثّر فيه أبو عبيد القاسم بن سلام في «كتاب القراءات»، وكلّ ما جاء به فيه إلّا يسيرا مردود. قال سيبويه «١»: لات مشبّهة بليس، والاسم فيها مضمر أي ليست أحياننا حين مناص، وحكي أنّ من العرب من يرفع بها فيقول وَلاتَ حِينَ مَناصٍ «٢»، وحكي أنّ الرفع قليل، ويكون الخبر محذوفا كما كان الاسم محذوفا في النصب أي ولات حين مناص لنا. والوقوف عليها عند سيبويه والفراء «٣»، وهو قول أبي الحسن بن كيسان وأبي إسحاق، ولات بالتاء ثم تبتدئ حين مناص. قال أبو الحسن بن كيسان: والقول كما قال سيبويه لأنه شبّهها بليس فكما تقول ليست تقول: لات. والوقوف عليها عند الكسائي بالهاء ولاه، وهو قول محمد ابن يزيد، كما حكى لنا عنه علي بن سليمان، وحكي عنه أنّ الحجّة في ذلك أنها «لا» دخلت عليها الهاء لتأنيث الكلمة، كما يقال: ثمّة وربّة. وأما أبو عبيد فقال: اختلف العلماء فيها فقال بعضهم: لات ثم تبتدئ فتقول: حين. ثم لم يذكر عن العلماء غير هذا القول وكلامه يوجب غير هذا ثم ذكر احتجاجهم بأنها في المصاحف كلّها كذا ثم قال: وهذه حجّة لولا أنّ ثمّ حججا تردّها ثم ذكر حججا لا يصحّ منها شيء، وسنذكرها إن شاء الله تعالى، ونبين ما يردّها. قال: والوقوف عندي بغير تاء ثم تبتدئ بحين مناص ثم ذكر الحجج فقال: إحداهنّ أنّا لم نجد في كلام العرب لات إنما هي «لا» . قال أبو جعفر: لو لم يكن في هذا من الردّ إلا اجتماع المصاحف على ما أنكره فكيف وقد روي خلاف ما قال جميع النحويين المذكورين من البصريين والكوفيين، فقال سيبويه: «لات» مشبهة بليس، وقال الفراء عن الكسائي أحسبه أنه سأل أبا السمّال فقال: كيف تقف على ولات؟ فوقف عليها بالهاء. قال أبو عبيد: والحجة الثانية أنّ تفسير ابن عباس يدلّ على ذلك لأن ابن عباس قال: ليس حين نزو ولا فرار. قال أبو جعفر: تفسير ابن عباس يدلّ على أن الصحيح غير قوله، ولو كان على قوله لقال ابن عباس ليس تحين مناص، ولم يرو هذا أحد. قال أبو عبيد: والحجة الثالثة أنّا لم نجد\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ١٠١.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٦٨.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٩٨. [.....]","vol":"3","page":303},{"text":"العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن، وأنشد لأبي وجزة السعدي: [الكامل] ٣٧٤-\nالعاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان أين المطعم «١»\nوأنشد لأبي زبيد الطائي: [الخفيف] ٣٧٥-\nطلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء «٢»\nوأنشد: [الخفيف] ٣٧٦-\nنولّي قبل يوم بيني جمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا «٣»\nقال أبو جعفر: وإنشاد أهل اللغة جميعا على غير ما قال. قال الفراء: أنشدني المفضل:\n٣٧٧-\nتذكّر حبّ ليلى لات حينا ... وأضحى الشّيب قد قطع القرينا «٤»\nقال أبو جعفر: فأما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فقرأه العلماء باللغة على أربعة أوجه كلّها على خلاف ما أنشده، وفي أحدها تقديران. رواه أبو العباس محمد بن يزيد «العاطفون ولات ما من عاطف»، والرواية الثانية «العاطفون ولات حين تعاطف»، والرواية الثالثة رواها أبو الحسن بن كيسان «العاطفونه حين ما من عاطف» جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج، وزعم أنها لبيان الحركة شبّهت بهاء التأنيث، والرواية الرابعة هي «العاطفونه حين ما من عاطف» . وفي هذه الرواية تقديران: أحدهما، وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق، أن الهاء في موضع نصب كما تقول: الضاربون زيدا، فإذا كنّيت قلت: الضاربوه، وأجاز سيبويه «٥» الضاربونه في الشعر، فجاء إسماعيل بالبيت\n_________\n(١) الشاهد لأبي وجزة السعدي في الأزهية ٢٦٤، والإنصاف ١/ ١٠٨، وخزانة الأدب ٤/ ١٧٥، والدرر ٢/ ١١٥، ولسان العرب (ليت) و(عطف) و(أين) و(حين) و(ما)، وبلا نسبة في الجنى الداني ٤٨٧، وخزانة الأدب ٩/ ٣٨٣، والدرر ٢/ ١٢٢، ورصف المباني ص ١٦٣، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ١٦٣، وشرح الأشموني ٣/ ٨٨٢، ومجالس ثعلب ١/ ٢٧٠، والممتع في التصريف ١/ ٢٧٣، وهمع الهوامع ١/ ١٢٦.\n(٢) الشاهد لأبي زبيد الطائي في ديوانه ٣٠، والإنصاف ١٠٩، وتخليص الشواهد ٢٩٥، وتذكرة النحاة ٧٣٤، وخزانة الأدب ٤/ ١٨٣، والدرر ٢/ ١١٩، وشرح شواهد المغني ص ٦٤٠، والمقاصد النحوية ٢/ ١٥٦، وبلا نسبة في جواهر الأدب ٢٤٩، وخزانة الأدب ٤/ ١٦٩، والخصائص ٢/ ٣٧٠، ورصف المباني ١٦٩، وسرّ صناعة الإعراب ٥٠٩، وشرح الأشموني ١/ ١٢٦، وشرح المفصّل ٩/ ٣٢، ولسان العرب (أون) و(لات)، ومغني اللبيب ٢٥٥، وهمع الهوامع ١/ ١٢٦.\n(٣) الشاهد لجميل بثينة في ديوانه ١٩٦، ولسان العرب (تلن)، وبلا نسبة في الإنصاف ١١٠، وتذكرة النحاة ٧٣٥، والجنى الداني ٤٨٧، ورصف المباني ١٧٣، وسرّ صناعة الإعراب ١٦٦، ولسان العرب (أين) و(حين)، والممتع في التصريف ١/ ٢٧٣.\n(٤) الشاهد بلا نسبة في معاني الفراء ٢/ ٣٩٧، وتفسير الطبري ٢/ ١٤٤.\n(٥) انظر الشاهد رقم ٣٦٨.","vol":"3","page":304},{"text":"على مذهب سيبويه في إجازته مثله. والتقدير الآخر «العاطفونه» على أن الهاء لبيان الحركة، كما تقول: مر بنا المسلمونه، في الوقف ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف. كما قرأ أهل المدينة ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ [الحاقة: ٢٩] .\nوأما البيت الثاني فلا حجّة له فيه لأنه يوقف عليه ولات أوان غير أنّ فيه شيئا مشكلا لأنه روي «ولات أوان» بالخفض، وإنما يقع ما بعد لات مرفوعا ومنصوبا، وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ ولات حين مناص «١» بكسر التاء من «لات» والنون من «حين» فإن الثّبت عنه أنه قرأ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ فبنى لات على الكسر ونصب حين فأما «ولات أوان» ففيه تقديران: قال الأخفش: فيه مضمر أي ولات حين أوان.\nقال أبو جعفر: وهذا القول بيّن الخطأ، والتقدير الآخر عن أبي إسحاق، قال تقديره:\nولات حين أواننا فحذف المضاف إليه فوجب ألّا يعرب فكسره لالتقاء الساكنين، وأنشد محمد بن يزيد «ولات أوان» بالرفع.\nوأما البيت فبيت مولّد لا يعرف قائله، ولا يصح به حجّة على أن محمد بن يزيد رواه «كما زعمت الآن» وقال غيره: المعنى كما زعمت أنت الآن، فأسقط الهمزة من أنت والنون. وأما احتجاجه بحديث عبد الله بن عمر لما ذكر للرجل مناقب عثمان ﵁. قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك، فلا حجّة فيه لأن المحدّث إنما يروي هذا على المعنى، والدليل على هذا أنّ مجاهدا روى عن عمرو بن عمر هذا الحديث، وقال فيه: اذهب فاجهد جهدك، ورواه آخر اذهب بها الآن معك فأمّا احتجاجه بأنه وجدها في الإمام «تحين» فلا حجة فيه لأن معنى الإمام أنه إمام للمصاحف فإن كان مخالفا لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلّها ولات. فلو لم يكن في هذا إلّا هذا الاحتجاج لكان مقنعا. وجمع مناص مناوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2793>[سورة ص (٣٨): آية ٥]</span>\nأَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥)\nوَعَجِبُوا أَنْ في موضع نصب، والمعنى من أن جاءهم.\nأَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا مفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2794>[سورة ص (٣٨): آية ٦]</span>\nوَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦)\nوَانْطَلَقَ في موضع نصب، والمعنى: بأن امشوا. والْمَلَأُ الأشراف، وقد سمّوا، في رواية محمد بن إسحاق، أنهم أبو جهل بن هشام وشيبة وعتبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وأميّة بن خلف والعاصي بن وائل وأبو معيط جاءوا إلى أبي طالب، فقالوا\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٦٨.","vol":"3","page":305},{"text":"له: أنت سيدنا فانصفنا في قومنا وأنفسنا فاكفنا أمر ابن أخيك وسفهاء معه قد تركوا آلهتنا وطعنوا في ديننا، فأرسل أبو طالب إلى النبي ﷺ فقال له: إنّ قومك يدعونك إلى السواء والنصفة، فقال ﷺ: إني أدعوهم إلى كلمة واحدة، فقال أبو جهل: وعشرا، فقال: يقولون: لا إله إلّا الله فقاموا، وقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا الآيات. قال أبو جعفر: وقيل المعنى: وانطلق الأشراف منهم فقالوا للعوام امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ أي على عبادة آلهتكم إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي إن هذا الذي جاء به محمد ﵇ لشيء يراد به زوال نعم قوم وغير تنزل بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2795>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨)\nأي تكذيب وابتداع. يقال: خلق واختلق أي ابتدع، وخلق الله الخلق من هذا أي ابتدعهم على غير مثال، ثم بيّن أنهم حساد لقولهم أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي وهو القرآن بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ والأصل إثبات الياء، وجاز الحذف لأنه رأس آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2796>[سورة ص (٣٨): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nأَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠)\nقيل: أم لهم هذا فيمنعوا محمدا ﷺ مما أنعم الله به عليه، وكذا أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فإن ادعوا ذلك فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي في أسباب السموات، وقيل: في الأسباب التي ذكرت التي لا تكون إلّا لله جلّ وعزّ. والأصل فليرتقوا، حذفت الكسرة لثقلها، يقال: رقي يرقى، وارتقى يرتقي، إذا صعد، ورقّى يرقي رقيا رمى يرمي رميا، من الرقية ثم وعد الله نبيه النصر فقال جلّ ذكره: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ فهزم الله جلّ وعزّ الأحزاب كما وعده. و«ما» زائدة للتوكيد، وتأول الفراء معنى مهزوم أنه مغلوب على أن يصعد إلى السماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2797>[سورة ص (٣٨): آية ١٢]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢)\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ أنّث «قوم» على معنى الجماعة، ولو جاء مذكّرا لجاز على معنى الجميع. وصرف نوح وإن كان أعجميا، لأنه على ثلاثة أحرف فخفّ، ومنع فِرْعَوْنُ من الصرف لأنه قد جاوز ثلاثة أحرف فلم يصرف لعجمته وأنّه معرفة وزعم محمد بن إسحاق اسم فرعون الوليد بن مصعب، قال: وقد قيل: إن اسمه مصعب بن الربان، وقال غيره: كان يسمّى من ملك مصر فرعون، كما يسمّى من ملك","vol":"3","page":306},{"text":"اليمن تبّعا، وهم التبابعة، ومن ملك فارس كسرى، وقال محمد بن يزيد: كسرى بفتح الكاف، ومن ملك الروم قيصر وهرقل وذُو الْأَوْتادِ نعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2798>[سورة ص (٣٨): آية ١٤]</span>\nإِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤)\nإِنْ كُلٌّ بمعنى ما كلّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ الأصل إثبات الياء، وحذفت لأنه رأس آية والكسرة دالّة عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2799>[سورة ص (٣٨): آية ١٥]</span>\nوَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥)\nوَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ بمعنى ما ينتظر ومنه انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:\n١٣] إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً قال عبد الله بن عمر: لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من الله جلّ وعزّ على أهل الأرض. ما لَها مِنْ فَواقٍ «١» قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وأبي عمرو وعاصم، ومن فواق بضم القاف قراءة يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي. وأصحّ ما قيل فيهما أنهما لغتان بمعنى واحد، وحكى ذلك الكسائي والفراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2800>[سورة ص (٣٨): آية ١٦]</span>\nوَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)\nوَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا من أحسن ما قيل في معناه ما قاله سعيد بن جبير قال:\nقالوا: ربّنا عجّل لنا نصيبنا في الآخرة قبل يوم الحساب. وهو مشتقّ من قططت الشيء أي قطعته. فالنصيب قطعة تقطع للإنسان، وذلك معروف في كلام العرب أن يقال في النصيب: قطّ ويقال للكتاب المكتوب بالجائزة قطّ كما قال الأعشى: [الطويل] ٣٧٨-\nولا الملك النّعمان يوم لقيته ... بإمّته يعطي القطوط ويأفق «٢»\n«بإمّته» أي بنعمته وحاله الجليلة، و«يافق» يصلح «القطوط» جمع قطّ وهو الكتاب بالجائزة، ويقال في جمعه: قططة، وفي القليل أقطّ وأقطاط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2801>[سورة ص (٣٨): آية ١٧]</span>\nاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)\nوَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ نعت. والأيد والآد كما يقال: العيب والعاب، ومنه رجل أيّد. إِنَّهُ أَوَّابٌ قال الضحاك: أي ثواب، وعن غيره أنه كان كلّما ذكر ذنبه أو خطر على باله استغفر منه كما قال النبيّ ﷺ: «إنّي لاستغفر في اليوم والليلة مائة\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥، والبحر المحيط ٧/ ٣٧٣.\n(٢) الشاهد للأعشى في ديوانه ٢٦٩، ولسان العرب (قطط) و(أفق)، وتهذيب اللغة ٨/ ٢٦٤، وكتاب الجيم ٣/ ٦٦، ومقاييس اللغة ١/ ١١٦، وجمهرة اللغة ١٥٠، وكتاب العين ٥/ ٢٢٧، ومجمل اللغة ٤/ ١١٥، وتاج العروس (قطط) و(أفق)، وبلا نسبة في المخصص ٤/ ١٠٢.","vol":"3","page":307},{"text":"مرّة» «١» ويقال: آب يؤوب إذا رجع، كما قال: [مخلع البسيط] ٣٧٩-\nوكلّ ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2802>[سورة ص (٣٨): آية ١٨]</span>\nإِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨)\nإِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ في موضع نصب على الحال. ويروى أنها كانت تجيبه بالتسبيح، وقيل: سخّرها الله جلّ وعزّ لتسير معه فذلك تسبيحها لأنها دالّة على تنزيه الله جلّ وعزّ عن شبه المخلوقين. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ من أشرقت الشمس إذا أضاءت وصفت. وعن ابن عباس قال: صلاة الضحى مذكورة في كتاب الله جلّ وعزّ، وقرأ «يسبّحن بالعشيّ والإشراق» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2803>[سورة ص (٣٨): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠)\nإِنَّا سَخَّرْنَا معطوف على الجبال. قال الفراء «٣»: ولو قرئ (والطّير محشورة) لجاز لأنه لم يظهر الفعل، وكذا لو قرئ (وشددنا ملكه) وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ فعولان وَفَصْلَ الْخِطابِ معطوف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2804>[سورة ص (٣٨): آية ٢١]</span>\nوَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١)\nوَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ وبعده إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ لأنّ الخصم يؤدّي عن الجمع وهو مصدر في الأصل من خصمته خصما. وحقيقته في العربية إذا قلت: القوم خصم له، معناه ذوو خصم ثم أقمت المضاف إليه مقام المضاف، وقد يقال: خصوم كما يقال: عدول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2805>[سورة ص (٣٨): آية ٢٢]</span>\nإِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢)\nإِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فجاءت إذ مرتين لأنهما فعلان، وزعم الفراء «٤» إحداهما بمعنى «لمّا» . وقول آخر أن تكون الثانية وما بعدها تبيينا لما قبلها. قالُوا لا تَخَفْ حذفت الضمة من الفاء للجزم، وحذفت الألف المنقلبة من الواو لئلا يلتقي ساكنان خَصْمانِ وقبل هذا إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ لأن اثنين جمع. قال الخليل ﵀:\nكما تقول: نحن فعلنا، إذا كنتما اثنين، وقال الكسائي: جمع لما كان خبرا فلما انقضى\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه- الصلاة رقم الحديث (١٥١٥)، وابن ماجة في سننه الحديث رقم (٣٨١٥) .\n(٢) الشاهد لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص ١٦، ولسان العرب (أوب)، وتهذيب اللغة ١٥/ ٦٠٨، ومقاييس اللغة ١/ ١٥٣.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٠١.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٠١.","vol":"3","page":308},{"text":"الخبر وجاءت المخاطبة خبّر الاثنان عن أنفسهما فقالا «خصمان» . قال أبو إسحاق: أي نحن خصمان، وقال غيره: القول محذوف أي يقول خصمان. قال أبو إسحاق: ولو كان بالنصب خصمين لجاز أي أتيناك خصمين. بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ قال الكسائي: ولو كان بغى بعضهما على بعض لجاز، وقال غيره: بغى بعضنا يجوز أن يراد به داود ﷺ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وقرأ الحسن وأبو رجاء وَلا تُشْطِطْ «١» بفتح التاء وضم الطاء الأولى، وقال أبو حاتم لا يعرف هذا في اللغة. قال أبو جعفر: يقال أشطّ يشطّ إذا جار في الحكم أو القول، وشطّ يشطّ ويشطّ إذا بعد فيشطط في الآية أبين ويشطط يجوز أي لا تبعد عن الحق، كما قال: [المتقارب] ٣٨٠-\nتشطّ غدا دار جيراننا ... وللدّار بعد غد أبعد «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2806>[سورة ص (٣٨): آية ٢٣]</span>\nإِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣)\nوقرأ الحسن تسع وتسعون نعجة «٣» بفتح التاء فيها، وهي لغة شاذة وهي الصحيحة من قراءة الحسن. والعرب تكني عن المرأة بالنعجة والشاة. وعن عبد الله بن مسعود ﵀ أنه قرأ وعازّني في الخطاب «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2807>[سورة ص (٣٨): آية ٢٤]</span>\nقالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ (٢٤)\nقالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ فيقال: إن هذه خطيّة داود ﷺ لأنه قال: لقد ظلمك من غير تثبيت بيّنة، ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه هل كان هذا كذا أم لم يكن؟ هذا قول، فأما قول العلماء المتقدّمين الذين لا يدفع قولهم، منهم عبد الله بن مسعود وابن عباس رحمهما الله فإنهم قالوا: ما زاد داود ﷺ على أن قال للرجل: انزل عن امرأتك. قال أبو جعفر: فعاتبه الله جلّ وعزّ على هذا، ونبهه عليه. وليس هذا بكبير من المعاصي، ومن يخطئ إلى غير هذا، فإنما يأتي بما لا يصح عن عالم ويلحقه فيه الإثم العظيم. بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إضافة على المجاز أي بسؤال نعجتك. وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ جمع خليط، وهو الشريك فهذا جمع ما لم يكن في واو، ولا يجوز في طويل طولاء لثقل الحركة في الواو وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ قال أبو عمر والفراء «٥»: ظنّ بمعنى\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٧٦.\n(٢) الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٣٠٠، وبلا نسبة في لسان العرب (شطط) وتهذيب اللغة ١١: ٢٦٤، وتاج العروس (شطط) . [.....]\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٧٦.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٠٤.\n(٥) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٠٤.","vol":"3","page":309},{"text":"أيقن إلّا أن الفراء شرحه بأنه لا يجوز في المعاني أن يكون الظنّ بمعنى اليقين. وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ أَنَّما فَتَنَّاهُ «١» بتشديد التاء والنون على التكثير، وعن قتادة أنه قرأه. إنما فتناه بتخفيفهما. فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2808>[سورة ص (٣٨): آية ٢٥]</span>\nفَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)\nفَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ في موضع نصب بغفرنا، ويجوز أن يكون في موضع رفع أي الأمر ذلك وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى. قال مجاهد عن عبيد بن عمر قال: الزلفى الدنو من الله جلّ وعزّ يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2809>[سورة ص (٣٨): آية ٢٦]</span>\nيا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)\nيا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ أي مكّنّاك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين. إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بفتح الياء بلا اختلاف فيها، وهو فعل لازم ولو ضممت الياء كان متعدّيا بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ أي تركوا العمل. يقال: نسي الشيء إذا تركه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2810>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)\nوشرح هذا أنهم كانوا يقولون: ليست ثمّ عقوبة ولا نار فالكافر والعاصي يسعدان باللذات وغصب الأموال، والمظلوم يشقى، لأنهما يصيران إلى شيء واحد، فرد الله جل وعز هذا عليهم بأنه ما خلق السّماء والأرض وما بينهما باطلا لأن الذين ادعوه باطل وذلك منهم ظنّ وبيّن ذلك جلّ وعزّ بقوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ فكان في هذا ردّ على المرجئة لأنهم يقولون: يجوز أن يكون المفسد كالمصلح أو أرفع درجة منه، وبعده أيضا أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2811>[سورة ص (٣٨): آية ٢٩]</span>\nكِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)\nكِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ بمعنى هذا كتاب. مُبارَكٌ من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2812>[سورة ص (٣٨): آية ٣٠]</span>\nوَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)\nنِعْمَ الْعَبْدُ مرفوع بنعم.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٧٧.","vol":"3","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2813>[سورة ص (٣٨): آية ٣١]</span>\nإِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١)\nالْجِيادُ جمع جواد للفرس إذا كان شديد الحضر، كما يقال للإنسان: جواد إذا كان سريع العطيّة غزيرها غير أنه يقال: قوم أجواد وخيل جياد وقد قيل: جياد جمع جائد. وقائل هذا يحتجّ بأنه لو كان جمع جواد لقيل جواد، كطويل وطوال. ويقال في جمع جواد: جوداء وأجوداء وجود بإسكان الواو وجوود بضمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2814>[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nفَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)\nفَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ الفراء «١» يقدّره مفعولا أي آثرت حبّ الخيل، وغيره يقدره مصدرا وهو يقدّر الخيل بمعنى الخير، وغيره يقول: معنى أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غنمت فأشار إليها بيده لأنه يصلّي حتّى توارت الخيل، وسترها جدر الإصطبلات فلمّا فرغ من صلاته قال: رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا «٢» أي فأقبل يمسحها مسحا. وفي معناه قولان: أحدهما أنه أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها، وليري أن الجليل لا يقبح به أن يفعل مثل هذا بخيله.\nوقال قائل هذا القول: كيف يقتلها وفي ذلك إفساد المال ومعاقبة من لا ذنب له؟ وقيل المسح هاهنا القطع أذن له في قتلها. والسّوق جمع ساق مثل دار ودور، وفي أقلّ العدد أسوق. والساق مؤنّثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2815>[سورة ص (٣٨): آية ٣٤]</span>\nوَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ (٣٤)\nوَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ أي اختبرناه بما يثقل عليه وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا قيل يعني به ولدا له ميّتا. وذلك أنه طاف على جواريه، وقال: أرجو أن تلد كلّ واحدة منهم ذكرا، وفي الحديث أنه لم يقل إن شاء الله فلم تحمل إلّا واحدة منهن، ومات الولد وألقي على كرسيّه فتنة على محبّة الدّنيا، والرغبة فيها، واستدعاء الولد، وأنه لا ينبغي أن يكون كذا ثُمَّ أَنابَ أي رجع عما كان عليه. وقد قيل: جسد شيطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2816>[سورة ص (٣٨): آية ٣٥]</span>\nقالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)\nقالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي قيل: ليس في هذا دليل على أنّ ذلك الفعل منه ذنب، لأنه قد يكون له أن يستغفر مما عمله قبل النبوة أو يستغفر مما يعرض له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2817>[سورة ص (٣٨): آية ٤٠]</span>\nوَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٠٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٨٠.","vol":"3","page":311},{"text":"وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى أي قرين. وَحُسْنَ مَآبٍ أي مرجع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2818>[سورة ص (٣٨): آية ٤١]</span>\nوَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١)\nوَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ على البدل. إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ وقرأ عيسى ابن عمر (إنّي) «١» بكسر الهمزة. قال الفراء «٢»: واجتمعت القراء على أن قرءوا «بنصب» بضم النون والتخفيف. وهذا غلط ويعدّ مناقضة أيضا، لأنه قال: اجتمعت القراء على هذا، وحكي بعده أنهم ذكروا عن يزيد بن القعقاع أنه قرأ (بنصب) «٣» بفتح النون والصاد فغلط على أبي جعفر، وإنّما قرأ أبو جعفر (بنصب) بضم النون والصاد، كذا حكاه أبو عبيد وغيره، وهو يروى عن الحسن فأما (بنصب) فهو قراءة عاصم الجحدري ويعقوب الحضرمي وقد رويت هذه القراءة أيضا عن الحسن، وقد حكي (بنصب) . وهذا كلّه عند أكثر النحويين بمعنى النّصب. فنصب ونصب كحزن وحزن، وقد يجوز أن يكون نصّب جمع نصب كوثن ووثن، ويجوز أن يكون نصب بمعنى نصب حذفت منه الضمة فأما وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: ٣] فقيل: إنه جمع نصاب ونصب على أصل المصدر. وقد قيل في معنى مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ: أنه ما يلحقه من وسوسته لا غير، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2819>[سورة ص (٣٨): آية ٤٢]</span>\nارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢)\nارْكُضْ بِرِجْلِكَ قال الكسائي: أي قلنا، وقال محمد بن يزيد: الرّكض التحريك ولهذا قال الأصمعي: يقال ركضت الدابة ولا يقال: ركضت هي، لأن الركض إنما هو تحريك راكبها برجليه ولا فعل لها في ذلك، وحكى سيبويه: ركضت الدابة فركضت هي مثل جبرت العظم فجبر وحزنته فحزن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2820>[سورة ص (٣٨): آية ٤٣]</span>\nوَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣)\nوَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ تأوّل هذا مجاهد على أن الله جلّ وعزّ ردّ عليه أهله فأعطاه مثلهم في الآخرة فصار له أهله في الدنيا ومثلهم معهم في الآخرة. فأما ما يروى عن عبد الله بن مسعود لمّا بلغه أن مروان قال: إنّما أعطي عوضا من أهله ولم يعطهم بأعيانهم فقال: ليس كما قال بل أعطي أهله ومثلهم معهم، فتأول هذا القول بعض العلماء على أن الله جلّ وعزّ ردّ عليه من غاب من أهله، وولد له مثل من مات وأعطي من نسلهم مثلهم رَحْمَةً بالنصب على المصدر. قال أبو إسحاق: هو مفعول له\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٨٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٠٥.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٠٥، البحر المحيط ٧/ ٣٨٤.","vol":"3","page":312},{"text":"وَذِكْرى معطوف على الرحمة. قال أبو إسحاق: معنى وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ أنّ ذا العقل إذا ابتلي ذكر بلاء أيّوب ﷺ صبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2821>[سورة ص (٣٨): آية ٤٤]</span>\nوَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)\nوَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا أي وقلنا له وخذ بيدك ضغثا. قال: وهي الحزمة من الحشيش وما أشبه ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2822>[سورة ص (٣٨): آية ٤٥]</span>\nوَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥)\nوَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ على البدل، وقراءة ابن عباس واذكر عبدنا «١» بإسناد صحيح، رواها ابن عيينة عن عمر عن عطاء عنه، وهي قراءة ابن كثير. فعلى هذه القراءة يكون إِبْراهِيمَ بدلا من عبدنا، وإسحاق ويعقوب على العطف. والقراءة بالجمع أبين، وشرح هذا من العربية أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيدا أبين، وشرح هذا من العربية أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيدا وعمرا وخالدا، فزيد وعمرو وخالد بدل منهم، فزيد وحده بدل، وهو الصاحب، وعمرو وخالد عطف على صاحبنا وليسا بداخلين في المصاحبة إلّا بدليل غير هذا غير أنه قد علم أن قوله جلّ وعزّ «وإسحاق ويعقوب» داخل في العبودية أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ فأما وَالْأَبْصارِ فمتّفق على تأويلها أنها البصائر في الدين، وأما الْأَيْدِي «٢» فمختلف في تأويلها فأهل التفسير يقولون:\nإنها القوة في الدين، وقوم يقولون: الأيدي جمع يد، وهي النعمة أي هم أصحاب النعم أي الذين أنعم الله عليهم، وقيل: هم أصحاب النعم والإحسان لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2823>[سورة ص (٣٨): آية ٤٦]</span>\nإِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)\nذِكْرَى في موضع خفض إلّا أن فيها ألف التأنيث وخفضها بالإضافة وقراءة الكوفيين بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ «٣» على البدل. وهذا بدل المعرفة من النكرة أَخْلَصْناهُمْ جعلناهم مخلصين ومخلصين من الأدناس قد أخلصوا العمل لله جلّ وعزّ يذكرون الدار، وهي الآخرة، ويذكرونها لا يريدون بذلك الدنيا ولا التعمّل لأهلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2824>[سورة ص (٣٨): آية ٤٧]</span>\nوَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧)\nأي من الذين اصطفيناهم من الأدناس ومصطفين جمع مصطفى زدت على\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٠٦، والبحر المحيط ٧/ ٣٨٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٨٥.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧: ٣٨٥، وتيسير الداني ١٥٢.","vol":"3","page":313},{"text":"مصطفى ياء ساكنة ونونا، والألف من مصطفى ساكنة حذفت الألف لالتقاء الساكنين وكانت أولى بالحذف لأن قبلها فتحة. والأخيار جمع خيّر وكأنه جمع على حذف الزائد كأنك جمعت خيّرا، كما تقول: ميّت وأموات. ويقال: رجل خيّر وخير كما يقال:\nهيّن وهين وليّن ولين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2825>[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nهذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠)\nهذا ذِكْرٌ مبتدأ وخبره. والمعنى هذا ذكر جميل في الدنيا. وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ أي مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع يوم القيامة ثم بيّن بقوله جلّ وعزّ: جَنَّاتِ عَدْنٍ والعدن في اللغة الإقامة يقال: عدن بالمكان إذا أقام به غير أن عبد الله بن عمر قال: جنّة عدن: قصر في الجنّة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خيّرة لا يدخله إلّا نبيّ أو صديق أو شهيد مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ رفعت الأبواب لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله، وأجاز الفراء «مفتحة لهم الأبواب» على أن مفتّحة للجنات، وأنشد هو وسيبويه: [الوافر] ٣٨١-\nوما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشّعر الرّقابا «١»\nقال الفراء: أي مفتحة الأبواب ثم جئت بالتنوين ونصبت وأنشد سيبويه: [الوافر] ٣٨٢-\nونأخذ بعده بذناب عيش ... أجبّ الظهر ليس له سنام «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2826>[سورة ص (٣٨): آية ٥١]</span>\nمُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١)\nمُتَّكِئِينَ فِيها نصب لأنه نعت للجنات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2827>[سورة ص (٣٨): آية ٥٢]</span>\nوَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢)\nنعت لقاصرات لأن قاصرات نكرة وإن كان مضافا إلى معرفة، والدليل على ذلك أن الألف واللام يدخلانه، كما قال الشاعر: [الطويل] ٣٨٣-\nمن القاصرات الطّرف لو دبّ محول ... من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا «٣»\nوزعم الفراء «٤» أن المعنى مفتّحة لهم أبوابها وأنّ الألف واللام بدل من الهاء\n_________\n(١) الشاهد للحارث بن ظالم في الأغاني ١١/ ١١٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٥٩، والكتاب ١/ ٢٦٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٠٩، والمقتضب ٤/ ١٦١، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٧/ ٤٩٢، وشرح المفصل ٦/ ٧٩.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (١٧٩) . [.....]\n(٣) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ٦٨، ولسان العرب (قصر) و(حول)، ومقاييس اللغة ١/ ٥٣، وتاج العروس (قصر) و(حول)، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ٨/ ٣٥٩.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٠٨.","vol":"3","page":314},{"text":"والألف، وأجاز: مررت برجل حسنة العين المعنى حسنة عينه. قال أبو إسحاق: ولا يجوز أن تكون الألف واللام بدلا من الهاء واللام لأن الألف واللام محرف جاء لمعنى والهاء والألف اسم ومحال أن يقوم أحدهما مقام صاحبه. وإنما المعنى: مفتّحة لهم الأبواب منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2828>[سورة ص (٣٨): آية ٥٥]</span>\nهذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥)\nهذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ والتقدير الأمر هذا لَشَرَّ مَآبٍ اسم إن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2829>[سورة ص (٣٨): آية ٥٦]</span>\nجَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦)\nجَهَنَّمَ بدل من شرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2830>[سورة ص (٣٨): آية ٥٧]</span>\nهذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)\nهذا في موضع رفع بالابتداء وخبره حميم على التقديم والتأخير أي هذا حميم وغسّاق فليذوقوه. ويجوز أن يكون «هذا» في موضع رفع بالابتداء وفليذوقوه في موضع الخبر. ويجوز أن يكون المعنى الأمر هذا وحميم وغساق إذا لم تجعلهما خبرا فرفعهما على معنى: هو حميم وغساق. والفراء يرفعهما بمعنى هو حميم وغساق، وأنشد:\n[البسيط] ٣٨٤-\nحتّى إذا ما أضاء الصّبح في غلس ... وغودر البقل ملويّ ومحصود «١»\nويجوز أن يكون هذا في موضع نصب بإضمار فعل، كما تقول: زيدا أضربه، والنصب في هذا أولى. وَغَسَّاقٌ بالتخفيف قراءة أهل المدينة وأهل البصرة وبعض الكوفيين. فأما يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي فقرؤوا وَغَسَّاقٌ بالتشديد. فأما معناه فقال عبد الله بن عمر: وفيه هو قيح غليظ لو وقع شيء منه بالمشرق لأنتنّ ممن في المغرب، ولو وقع منه شيء بالمغرب لأنتن من في المشرق.\nقال مجاهد: غسّاق بارد، وعن غير مجاهد أنه يحرق ببرده كما يحرق الحميم بحره.\nوقال قتادة: هو ما يسيل من بين جلودهم ولحمهم. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: يقال: غسقت عينه إذا سالت، فغسّاق بالتشديد أولى، كما تقول:\nسيّال. قال أبو جعفر: وقد خالف في هذا غيره من رؤساء النحويين لأنه إذا قال:\nغسّاق جعله نعتا لغير معروف بعينه، وهذا بعيد في العربية فإذا قال: غسّاق فهو اسم، وهو أولى من أن يقام النعت مقام المنعوت ويحذف المنعوت.\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في معاني القرآن للفراء ١/ ١٩٣، وتفسير الطبري ٢٣/ ١٧٦.","vol":"3","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2831>[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٩ الى ٦٠]</span>\nهذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠)\nهذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ابتداء وخبره أي مقتحم معكم النار. والتقدير: يقال لهم:\nهذا فوج يدخل معكم النار فيقول الذين في النار لا مَرْحَبًا بِهِمْ و«مرحبا» منصوب على المصدر وبمعنى لا أصبت رحبا أي سعة. قال الفوج: بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا أي دعوتمونا إلى العصيان. فَبِئْسَ الْقَرارُ أي استقرارنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2832>[سورة ص (٣٨): آية ٦١]</span>\nقالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)\nقالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا «١» قال الفراء «٢»: أي من شرّع لنا هذا وسنّه، وقال غيره:\nأي من قدّم لنا هذا العذاب بدعائه إيّانا إلى المعاصي. فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ أي عذابا بكفره وعذابا بدعائه إيّانا فصار ذلك ضعفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2833>[سورة ص (٣٨): آية ٦٢]</span>\nوَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢)\nوَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا (ما) في موضع رفع ولا نَرى في موضع نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2834>[سورة ص (٣٨): آية ٦٣]</span>\nأَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣)\nأَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا بضم السين قراءة الحسن ومجاهد وأبي جعفر وشيبة ونافع وعاصم وابن عامر على الاستفهام وسقطت ألف الوصل لأنه قد استغني عنها، وقرأ ابن كثير والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي اتّخذناهم على أنها ألف وصل في اتّخذناهم، يكون «اتخذناهم» نعتا للرجال، وأبو عبيد وأبو حاتم يميلان إلى هذه القراءة واحتجّا جميعا بأن الذين قالوا هذا قد علموا أنهم اتّخذوهم سخريّا فكيف يستفهمون فالا وقد تقدم الاستفهام. قال أبو جعفر: هذا الاحتجاج لا يلزم، ولو كان واجبا لوجب في مالنا، ولكن الاستفهام هاهنا على ما قاله الفراء «٣» «٤» فيه. قال: هو بمعنى التوبيخ والتعجب الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ إذا قرأت بالاستفهام كانت أم للتسوية، وإذا كانت بغير استفهام فهي بمعنى أبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2835>[سورة ص (٣٨): آية ٦٤]</span>\nإِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)\nبمعنى هو تخاصم، ويجوز أن يكون بدلا من الحقّ، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر، ويجوز أن يكون بدلا من ذلك على الموضع.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٤١١.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٥٢.\n(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٤١١.","vol":"3","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2836>[سورة ص (٣٨): آية ٦٥]</span>\nقُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)\nقُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ مبتدأ وخبره وكفّت «ما» «أن» عن العمل وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ «من» زائدة للتوكيد. قال أبو إسحاق: ولو قرئ بالنصب إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ جاز على الاستثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2837>[سورة ص (٣٨): آية ٦٦]</span>\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)\nعلى النعت، وأن نصبت الأول نصبت، ويجوز رفع الأول ونصب ما بعده على المدح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2838>[سورة ص (٣٨): آية ٦٧]</span>\nقُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)\nأي القرآن خبر جليل، وقيل: المعنى عظيم المنفعة، وقال أبو إسحاق: هذا الخبر نبأ عظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2839>[سورة ص (٣٨): آية ٦٨]</span>\nأَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)\nأي لا تقبلونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2840>[سورة ص (٣٨): آية ٦٩]</span>\nما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)\nقال أبو جعفر: قد بينا معناه «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2841>[سورة ص (٣٨): آية ٧٠]</span>\nإِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)\n«أنّ» في موضع رفع لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى إلّا لأنما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2842>[سورة ص (٣٨): آية ٧٢]</span>\nفَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢)\nفَإِذا سَوَّيْتُهُ إذا تردّ الماضي إلى المستقبل لأنها تشبه حروف الشرط وجوابها كجوابه ساجِدِينَ على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2843>[سورة ص (٣٨): آية ٧٥]</span>\nقالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥)\nأَسْتَكْبَرْتَ على التوبيخ، ومن وصل الألف جعله خبرا أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ. قال ابن عباس: كان في علم الله من الكافرين.\n_________\n(١) انظر إعراب الآية السادسة من السورة.","vol":"3","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2844>[سورة ص (٣٨): آية ٧٦]</span>\nقالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)\nقالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ مبتدأ وخبره. قال الفراء: ومن العرب من يقول: أنا أخير منه وأشرّ منه. وهذا هو الأصل إلّا أنه حذفت الألف منه لكثرة الاستعمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2845>[سورة ص (٣٨): آية ٧٧]</span>\nقالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧)\nقالَ فَاخْرُجْ مِنْها قيل: يعني من الجنة. فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي مرجوم بالكواكب والشهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2846>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٩ الى ٨١]</span>\nقالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)\nقالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وهو يوم القيامة فلم يجب إلى ذلك وأخّر إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو يوم يموت الخلق فيه فأخّر إليه تهاونا به وأنه لا يصل إلّا لي الوسوسة، ولا يفسد إلّا من كان لا يصلح لو لم يوسوسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2847>[سورة ص (٣٨): آية ٨٢]</span>\nقالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)\nأي لاستدعينّهم إلى المعاصي التي يغوون من أجلها أي يخيبون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2848>[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٤ الى ٨٧]</span>\nقالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧)\nقال الحقّ «١» والحقّ أقول هذه قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة والكسائي، وقرأ ابن عباس ومجاهد وعاصم والأعمش وحمزة قالَ فَالْحَقُّ «٢» وَالْحَقَّ أَقُولُ برفع الأول وفتح الثاني، وأجاز الفراء «٣» «قال فالحقّ والحقّ أقول» بخفض الأول ولا اختلاف في الثاني أنه منصوب بأقول ونصب الأول على الإغراء أي فاتّبعوا الحق واستمعوا الحق. وقيل بمعنى أحقّ أي أفعله، وأجاز الفراء وأبو عبيد أن يكون الحقّ منصوبا بمعنى حقّا لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ وذلك عند جماعة من النحويين خطأ لا يجوز: زيدا لأضربنّ لأن ما بعد اللام مقطوع مما قبلها. ومن رفع الحق رفعه بالابتداء أي فأنا الحقّ أو والحقّ منّي ورويا جميعا عن مجاهد يجوز أن يكون التقدير: هذا الحق. وفي الخفض قولان: أحدهما أنه على حذف حرف القسم، هذا قول الفراء، قال كما تقول:\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٢، والبحر المحيط ٧/ ٣٩٣.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٥٢، والبحر المحيط ٧/ ٣٩٣.\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٤١٣.","vol":"3","page":318},{"text":"الله لأفعلنّ، وقد أجاز مثل هذا سيبويه وغلّطه في أبو العباس، ولم يجز إلّا النصب لأن حروف الخفض لا تضمر، والقول الآخر: أن تكون الفاء بدلا من القسم، كما أنشدوا:\n[الطويل] ٣٨٥-\nفمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فالهيتها عن ذي تمائم محول «١»\nوروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: من سئل عمّا لا يعلم فليقل لا أعلم ولا يتكلّف فإنّ قوله لا أعلم علم. وقد قال الله جلّ وعزّ لنبيه ﷺ: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2849>[سورة ص (٣٨): آية ٨٨]</span>\nوَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)\nوَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ أي نبأ القرآن حق بعد حين. قال أبو إسحاق: أي بعد الموت.\nوقال الفراء: بعد الموت وقبله أي سيتبيّن ذلك.\n_________\n(١) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ١٢، والأزهيّة ٢٤٤، والجنى الداني ص ٧٥، وجواهر الأدب ٦٣، وخزانة الأدب ١/ ٣٣٤، والدرر ٤/ ١٩٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٥٠، والكتاب ٢/ ١٦٤، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٠٢، ولسان العرب (رضع) و(غيل)، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٣٦، وتاج العروس (غيل)، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٧٣، ورصف المباني ٣٨٧، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٩، وشرح ابن عقيل ص ٣٧٢، ومغني اللبيب ١/ ١٣٦، وهمع الهوامع ٢/ ٣٦.","vol":"3","page":319},{"text":"الجزء الرابع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2850>٣٩ شرح إعراب سورة الزّمر</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2851>[سورة الزمر (٣٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ رفع بالابتداء، وخبره مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ أي أنزل من عند الله جلّ وعزّ، ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى: هذا تنزيل الكتاب. وأجاز الكسائي والفراء تَنْزِيلُ «١» الْكِتابِ بالنصب على أنه مفعول. قال الكسائي: أي اتّبعوا واقرءوا تنزيل الكتاب. وقال الفراء: على الإغراء مثل كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٤] أي الزموا كتاب الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2852>[سورة الزمر (٣٩): آية ٣]</span>\nأَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)\nأَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ أي الذي لا يشوبه شيء، وفي حديث الحسن عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله إنّي أتصدّق بالشّيء وأصنع الشيء أريد به وجه الله جلّ وعزّ وثناء الناس. فقال النبيّ ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لا يقبل الله جلّ ثناؤه شيئا شورك فيه ثم تلا رسول الله ﷺ: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ» «٢» . وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ في موضع رفع بالابتداء، والتقدير: والذين اتّخذوا من دونه أولياء قالوا: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ويجوز أن يكون «الذين» في موضع رفع بفعلهم أي وقال «زلفى» في موضع نصب بمعنى المصدر أي تقريبا.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٤١٤.\n(٢) انظر تفسير الطبري ٢٣/ ١٩٠. [.....]","vol":"4","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2853>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤]</span>\nلَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤)\nلَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ أي لو أراد ذلك أن يسمي أحدا من خلقه بهذا ما جعله إليهم. سُبْحانَهُ مصدر أي تنزيها له من الولد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2854>[سورة الزمر (٣٩): آية ٥]</span>\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)\nقال الضحاك: أي يلقي هذا على هذا وهذا على هذا. قال أبو جعفر: وهذا معنى التكوير في اللغة. وقد روي عن ابن عباس غير هذا في معنى الآية، قال: ما نقص من الليل دخل في النهار وما نقص من النهار دخل في الليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2855>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦]</span>\nخَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)\nأي لا تمنعه الظلمة كما تمنع المخلوقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2856>[سورة الزمر (٣٩): آية ٧]</span>\nإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)\nوَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ أي يرض الشكر لكم أن تشكروا يدلّ على الشكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2857>[سورة الزمر (٣٩): آية ٨]</span>\nوَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨)\nدَعا رَبَّهُ مُنِيبًا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2858>[سورة الزمر (٣٩): آية ٩]</span>\nأَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)\nأَمَّنْ «١» هُوَ قانِتٌ قراءة الحسن وأبي عمرو وأبي جعفر وعاصم والكسائي. وقرأ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٣.","vol":"4","page":4},{"text":"نافع وابن كثير ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة أَمَّنْ هُوَ «١» وحكى أبو حاتم عن الأخفش قال: من قرأ في الزمر أَمَّنْ هُوَ بالتخفيف فقراءته ضعيفة لأنه استفهام ليس معه خبر. قال أبو جعفر: هذا لا يلزم وقد أجمعوا جميعا على أن قرءوا «أفمن شرح الله صدره للإسلام» وهو مثله. وفي القراءة بالتخفيف وجهان حسنان في العربية، وليس في القراءة الأخرى إلا وجه واحد. فأحد الوجهين أن يكون نداء، كما يقال: يا زيد أقبل، ويقال: أزيد أقبل. حكى ذلك سيبويه وجميع النحويين كما قال: [الكامل] ٣٨٦-\nأبني لبينى لستم بيد ... إلّا يدا ليست لها عضد\n«٢» وكما يقال: فلان لا يصلّي ولا يصوم أمن يصلّي ويصوم أبشر، والوجه الآخر أن يكون في موضع رفع بالابتداء والمعنى معروف أي: أمن هو قانت اناء الليل أفضل أم من جعل لله أندادا؟ والتقدير: الّذي هو قانت. ومن قرأ أَمَّنْ هُوَ فتقديره أم الذي هو قانت أفضل ممّن ذكر و«أم» بمعنى «أبل» . فأما معنى قانت فيما رواه عمرو بن الحارث عن درّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ عن النبيّ ﷺ قال: «كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة لله جلّ وعزّ» «٣» .. وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أنه قال:\n«سئل النبيّ ﷺ أي الصلاة أفضل، قال: طول القنوت» «٤» فتأوّله جماعة من أهل العلم على أنه طول القيام. وروى عبد الله عن نافع عن ابن عمر سئل عن القنوت قال: ما أعرف القنوت إلّا طول القيام وقراءة القرآن، وقال مجاهد: من القنوت طول الركوع، وغضّ البصر. وكان العلماء إذا وقفوا في الصلاة غضّوا أبصارهم وخضعوا، ولم يلتفتوا في صلاتهم، ولم يعبثوا، ولم يذكروا شيئا من أمر الدنيا إلّا ناسين. قال أبو جعفر:\nأصل هذا أن القنوت الطاعة، وكل ما قيل فيه فهو طاعة الله جلّ وعزّ وهذه الأشياء كلّها داخلة في الطاعة وما هو أكثر منها، كما قال نافع وقال لي ابن عمر: قم فصلّ فقمت أصلّي وكان عليّ ثوب حلق فدعاني فقال لي: أرأيت لو وجّهتك في حاجة وراء الجدار أكنت تمضي هكذا، فقلت: لا كنت أتزيّن، قال: فالله أحقّ أن يتزيّن له.\nقال الحسن: آناءَ اللَّيْلِ ساعاته أوّله وأوسطه واخره.\nوعن ابن عباس قال: آناءَ اللَّيْلِ جوف الليل. قال سعيد بن جبير: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ أي عذاب الآخرة. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قال أبو إسحاق: أي\n_________\n(١) البحر المحيط ٧/ ٤٠٢.\n(٢) الشاهد لأوس بن حجر في ديوانه ص ٢١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٦٨، ولطرفة بن العبد في ديوانه ص ٤٥، وشرح المفصّل ٢/ ٩٠، وبلا نسبة في الكتاب ٢/ ٣٢٨، وأمالي ابن الحاجب ص ٤٤١، والمقتضب ٤/ ٤٢١، ومعاني الفراء ١/ ٣١٧.\n(٣) مرّ الحديث في إعراب الآية ٢٦- الروم.\n(٤) أخرجه الترمذي في سننه- الصلاة ٢/ ١٧٨، وابن ماجة في إقامة الصلاة حديث رقم (١٤٢١) .","vol":"4","page":5},{"text":"كما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون كذا لا يستوي الطائع والعاصي. وقال غيره: الذين يعلمون هم الذي ينتفعون بعلمهم ويعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه ولم يعمل به فبمنزلة من لم يعلم. إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أي إنما ينتفع بذكره وينتفع به ويعتبر أولو العقول الذين ينتفعون بعقولهم فهؤلاء ينتفعون ويمدحون بعقولهم لأنهم انتفعوا بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2859>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٠ الى ١٣]</span>\nقُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)\nقُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ قيل معناه اتّقوا معاصيه والتاء مبدلة من واو.\nلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ يجوز أن يكون في الدنيا داخلا في الصلة أي لهم حسنة في الآخرة وإن لم يكن داخلا في الصلة فالمعنى للذين أحسنوا حسنة في الدنيا.\nفالحسنة التي لهم في هذه الدنيا موالاة الله جلّ وعزّ إيّاهم وثناؤه عليهم وتسميته إياهم بالأسماء الحسنة. وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ في معناه قولان: أحدهما أنه يراد بها أرض الجنة، والآخر أن معناه أن أرض الله واسعة فهاجروا فيها ولا تقيموا مع من يعمل بالمعاصي.\nإِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ صابر يمدح به، إنّما هو لمن صبر عن المعاصي، فإن أردت أنه صابر على المعصية قلت صابر على كذا. بِغَيْرِ حِسابٍ قيل: بغير تقدير، وقيل: يراد على الثواب، لأنه لو أعطي بقدر ما عمل لكان بحساب، وقيل معنى «بغير حساب» بغير متابعة ولا مطالبة كما تقع المطالبة بنعم الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2860>[سورة الزمر (٣٩): آية ١٤]</span>\nقُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)\nقُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ نصب بأعبد، وسيبويه يجيز الرفع على حذف الهاء، ولا نعلم أحدا من النحويين وافقه على ذلك في الاسم العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2861>[سورة الزمر (٣٩): آية ١٥]</span>\nفَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥)\nالَّذِينَ في موضع رفع على خبر إِنَّ وأَهْلِيهِمْ في موضع نصب معطوفون على أنفسهم وعلامة النصب الياء. وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس: ليس من أحد إلّا وقد خلق الله جلّ وعزّ له زوجة في الجنة فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2862>[سورة الزمر (٣٩): آية ١٦]</span>\nلَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦)\nلَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ الواحدة ظلّة وهو ما ارتفع فوقهم من النار وثبت.\nوَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ مجاز أي مثل ذلك من تحتهم، وقيل: هو حقيقة أي من تحتهم ظلل","vol":"4","page":6},{"text":"لمن هو أسفل منهم من أهل النار. ذلِكَ في موضع رفع بالابتداء أي ذلك الذي ذكرناه من العذاب يخوّف الله به عباده يا عِبادِ فَاتَّقُونِ بحذف الياء من عبادي لأن النداء موضع حذف، ويجوز إثباتها على الأصل، ويجوز فتحها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2863>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٧ الى ١٩]</span>\nوَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)\nوَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها قال الأخفش: الطاغوت جمع، ويجوز أن يكون واحدة مؤنّثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2864>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٠]</span>\nلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠)\nوَعْدَ اللَّهِ نصب على المصدر لأن معنى لَهُمْ غُرَفٌ وعدهم الله جلّ وعزّ ذلك وعدا، ويجوز الرفع بمعنى ذلك وعد الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2865>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢١]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١)\nفَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ واحدها ينبوع، ويقال: ينبع وجمعه ينابيع وقد نبع الماء ينبع وينبع. وحكى لنا ابن كيسان في قول الشاعر: [الكامل] ٣٨٧-\nينباع من ذفرى غضوب جسرة\n«١» إنّ معناه ينبع فأشبع الفتحة فصارت ألفا. ثُمَّ يَهِيجُ قال محمد بن يزيد: قال الأصمعي يقال: هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولى. قال: وكذلك قال غير الأصمعي. ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا قال: من تحطيم العود إذا تفتّت من اليبس. إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ واحدها ذو، وهو اسم للجمع، وزيد في كتابها واو عند بعض أهل اللغة فرقا بينها وبين إلى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2866>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٢]</span>\nأَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢)\nأَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قال أبو إسحاق: هذه الفاء فاء المجازاة. فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ\n_________\n(١) الشاهد لعنترة في ديوانه ٢٠٤، والإنصاف ١/ ٢٦، وخزانة الأدب ١/ ١٢٢، والخصائص ٣/ ١٢١، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٣٣٨، وشرح شواهد الشافية ص ٢٤، ولسان العرب (غضب) و(نع) و(زيف)، والمحتسب ١/ ٢٥٨، وبلا نسبة في الخصائص ٣/ ١٩٣، ورصف المباني ١١، وشرح شافية ابن الحاجب ١/ ٧٠، ولسان العرب (بوع)، و(تنف)، و(دوم)، (خظا)، ومجالس ثعلب ٢/ ٥٣٩، والمحتسب ١/ ٧٨.","vol":"4","page":7},{"text":"قال محمد بن يزيد: يقال: قسا إذا صلب، قال: وكذلك عتا وعسا مقاربة لها، وقلب قاس أي صلب لا يرقّ ولا يلين. أُولئِكَ في موضع رفع بالابتداء أي أولئك الذين قست قلوبهم فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2867>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٣]</span>\nاللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣)\nاللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا على البدل من أحسن. مَثانِيَ نعت لكتاب.\nولم ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد تَقْشَعِرُّ مِنْهُ في موضع نصب على أنه نعت لكتاب ذلِكَ في موضع رفع بالابتداء أي ذلك الخوف والرجاء ولين القلوب هُدَى اللَّهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2868>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nأَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥)\nأَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ حذف الجواب. قال الأخفش سعيد: أي أفمن يتّقي بوجهه سوء العذاب أفضل أم من سعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2869>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٦]</span>\nفَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)\nفَأَذاقَهُمُ اللَّهُ قال محمد بن يزيد: يقال لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته أي قد وصل إليها كما تصل الحلاوة والمرارة إلى ذائقهما، قال: والخزي المكروه والخزاء إفراط الاستحياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2870>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)\nقُرْآنًا عَرَبِيًّا نصب على الحال. قال الأخفش: لأن قوله جلّ وعزّ في هذا القرآن معرفة. وقال علي بن سليمان: «عربيا» نصب على الحال وقرانا توطئة الحال، كما تقول: مررت بزيد رجلا صالحا، فقولك صالحا هو المنصوب على الحال. قال أبو إسحاق: «قرانا عربيا» على حال، وقال: «قرانا» توكيد. غَيْرَ ذِي عِوَجٍ نعت. أحسن ما قيل فيه ما قاله الضحاك قال مختلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2871>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٩]</span>\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩)\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ قال الفراء: أي مختلفون. قال محمد بن","vol":"4","page":8},{"text":"يزيد: أي متعاسرون، من شكس يشكس فهو شكس مثل عسر يعسر عسرا فهو عسر.\nوَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هذه قراءة أهل المدينة وأهل الكوفة، وقرأ ابن عباس والحسن ومجاهد والجحدري وأبو عمرو وابن كثير. وَرَجُلًا سَلَمًا فسّرها ابن عباس قال:\nخالصا. قال أبو جعفر: ومال أبو عبيد إلى هذه القراءة قال: لأن السالم ضد المشرك، والسلم ضد الحرب ولا معنى للمحارب هاهنا. قال أبو جعفر: وهذا الاحتجاج لا يلزم لأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلّا على أولاهما فهذا وإن كان السلم ضد الحرب فله موضع أخر، كما يقال: كان لك في هذا المنزل شركاء فصار سلما لك ويلزمه أيضا في سالم ما لزمه في غيره لأنه يقال: شيء سالم لا عاهة به. والقراءتان حسنتان قد قرأ بهما الأئمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2872>[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٠]</span>\nإِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)\nوقراءة ابن محيصن وابن أبي إسحاق وعيسى إنّك مائت وإنّهم مائتون. قال أبو جعفر: وهي قراءة حسنة ومثل هذه الألف تحذف في السواد. ومائت في المستقبل كثير في كلام العرب، ومثله: ما كان مريضا وإنّه لمارض من هذا الطعام. وميّت جائز أيضا وتخفيفه جائز عند غير أبي عمرو بن العلاء فإنه كان لا يجيز التخفيف في المستقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2873>[سورة الزمر (٣٩): آية ٣١]</span>\nثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)\nقيل: يعني في المظالم، وفي الحديث المسند «أول ما تقع فيه الخصومات الدماء» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2874>[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٢]</span>\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢)\nأَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ مَثْوىً في موضع رفع ولم يتبيّن فيه الإعراب لأنه مقصور. وهو مشتق من ثوى يثوي، ولو كان من أثوى لكان مثوى، وهذا يدلّ على أنّ ثوى هو اللغة الفصيحة. وقد حكى أبو عبيدة أثوى، وأنشد: [الكامل] ٣٨٨-\nأثوى وقصّر ليلة ليزوّدا\n«٢»\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في الديات ٦/ ١٧٣.\n(٢) الشاهد للأعشى في ديوانه ٢٧٧، ولسان العرب (خلف) و(ثوا)، وجمهرة اللغة ص ٦١٥، ومقاييس اللغة ١/ ٣٩٣، ومجمل اللغة ٢/ ٢١٣، وديوان الأدب ٤/ ١٠٩، وتهذيب اللغة ١٥/ ١٦٧، وتاج العروس (خلف)، و(ثوى)، وبلا نسبة في المخصّص ١٣/ ٢٦٢. وعجزه:\n«فمضت وأخلف من قتيله مواعدا»","vol":"4","page":9},{"text":"والأصمعي لا يعرف إلّا ثوى ويرويه أثوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2875>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nوَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)\nوَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ في موضع رفع بالابتداء، وخبره أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وتأوّله إبراهيم النخعي على أنه للجماعة، وقال: الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة فيقولون هذا الذي أعطيتمونا قد اتّبعنا ما فيه، فيكون الذي على هذا بمعنى جمع كما يكون «من» بمعنى جمع. وقيل بل حذفت النون لطول الاسم. وتأوله الشّعبي على أنه واحد، وقال: الذي جاء بالصدق محمد ﷺ، وصدق به أبو بكر الصديق ﵁، والصحابة فيكون على هذا خبره جماعة كما يقال لمن يعظّم: هم فعلوا كذا وكذا. وجواب أخر أن يكون له ولمن اتّبعه ﷺ وفي قراءة ابن مسعود والذين جاءوا بالصدق وصدّقوا به فهذه قراءة على التفسير، وفي قراءة أبي صالح الكوفي وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ «١» «٢» مخفّفا يكون معناه- والله أعلم- وصدق فيه كما يقال: فلان بمكّة وفي مكّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2876>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nأَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧)\nأَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ حذفت الياء لسكونها وسكون التنوين بعدها، وكان الأصل ألّا تحذف في الوقف لزوال التنوين إلّا أنها حذفت ليعلم أنها كذلك في الوصل، ومن العرب من يثبتها في الوقف على الأصل فيقول: كافي عبده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2877>[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٨]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)\nهَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ «٣» بغير تنوين قراءة أبي جعفر ونافع وابن كثير ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ أبو عمرو وشيبة وهي المعروفة من قراءة الحسن وعاصم هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ ومُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ بالتنوين على الأصل لأنه لما لم يقع بعد ولو كان ماضيا لم يجز فيه التنوين. وحذف التنوين على التخفيف فإذا حذف التنوين لم يبق بين الاسمين حاجز فخفضت الثاني بالإضافة. وحذف التنوين\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٤١٩.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٤١٢.\n(٣) انظر تفسير الداني ١٥٤.","vol":"4","page":10},{"text":"كثير في كلام العرب موجود حسن. قال الله جلّ وعزّ: هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ، [المائدة:\n٩٥] وكذا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا [الأحقاف: ٢٤]، وكذا إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ [القمر: ٢٧] .\nقال سيبويه: مثل ذلك كثير مثله غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ [المائدة: ١] لأن معناه كمعنى وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ [المائدة: ٢]، وأنشد سيبويه: [البسيط] .\n٣٨٩-\nهل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد ربّ أخا عون بن مخراق\n«١» وقال النابغة: [البسيط] ٣٩٠-\nواحكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد\n«٢» معناه وارد الثّمد فحذف التنوين مثل «كاشفات ضرّه» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2878>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nقُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)\nقُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ على مكانتي أي على جهتي التي تمكّنت عندي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2879>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤١]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)\nقيل: معناه لنبيّنه للناس بالحقّ الذي أمروا به فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2880>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nاللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣)\nفَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وقراءة يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ «٣» على ما لم يسمّ فاعله، والمعنى واحد غير أن القراءة الأولى أبين وأشبه بنسق الكلام لأنهم قد جمعوا على «ويرسل» ولم\n_________\n(١) الشاهد لجابر بن رألان أو لجرير أو لتأبط شرا، أو هو مصنوع في خزانة الأدب ٨/ ٢١٥، ولجرير بن الخطفى أو لمجهول أو هو مصنوع في المقاصد النحوية ٣/ ٥١٣، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٢٥٦، والدرر ٦/ ١٩٢، والكتاب ١/ ٢٢٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٩٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣٤٤، والمقتضب ٤/ ١٥١، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٥.\n(٢) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٢٣، والكتاب ١/ ٢٢٣، وأدب الكاتب ص ٢٥، والحيوان ٣/ ٢٢١، والدرر ١/ ٢١٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٣، ولسان العرب (حكم) و(حمم)، وبلا نسبة في شرح التصريح ١/ ٢٢٥.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٥٤. [.....]","vol":"4","page":11},{"text":"يقرءوا ويرسل وقد مرّ في الكتاب الذي قبل هذا العلّة في فتح الواو في قوله جلّ وعزّ:\nأَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2881>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٤]</span>\nقُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)\nنصب على الحال، فإن قيل: جميع إنّما يكون للاثنين فصاعدا والشفاعة واحدة.\nفالجواب أن الشفاعة مصدر، والمصدر يؤدّي عن الاثنين والجميع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2882>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٥]</span>\nوَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)\nوَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ نصب على المصدر عند الخليل وسيبويه «١»، وعلى الحال عند يونس قال محمد بن يزيد: اشْمَأَزَّتْ أي انقبضت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2883>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٦]</span>\nقُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)\nقُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ نصب لأنه نداء مضاف، وكذا عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ولا يجوز عند سيبويه أن يكون نعتا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2884>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٧]</span>\nوَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)\nمن أجلّ ما روي فيه ما رواه منصور عن مجاهد قال: عملوا أعمالا توهّموا أنها حسنات فإذا هي سيئات، وقيل: عملوا أعمالا سيئة وتوهّموا أنهم يتوبون قبل الموت فأدركهم الموت، وقد كانوا ظنوا أنّهم ينجون بالتوبة فبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون، ويجوز أن يكونوا توهّموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون، من دخول النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2885>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٨]</span>\nوَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨)\nوَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ أي عقاب سيّئات أو ذكر سيئات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2886>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٩]</span>\nفَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩)\nقالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ قال أبو إسحاق: أي على شرف وفضل يجب لي به هذا\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ٤٤٢.","vol":"4","page":12},{"text":"الذي أعطيته فقد علمت أنّي سأعطى هذا بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ قال الفراء: أنّث لتأنيث الفتنة ولو كان بل هو فتنة لجاز. قال أبو جعفر: التقدير: بل أعطيته فتنة. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي لا يعلمون أنّ إعطاءهم المال اختبار، وقيل: عملهم عمل من لا يعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2887>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٠ الى ٥٢]</span>\nقَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)\nقَدْ قالَهَا الَّذِينَ على تأنيث الكلمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2888>[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٣]</span>\nقُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)\nقُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وإن شئت حذفت الياء لأن النداء موضع حذف. ومن أجلّ ما روي فيه ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال:\nلما اجتمعنا على الهجرة اتّعدت أنا وهشام بن العاصي بن وائل السّهمي وعيّاش بن عتبة فقلنا الموعد أضاة غفر، وقلنا من تأخر منّا فقد حبس فأصبحت أنا وعيّاش بن عتبة بها، ولم يواف هشام وإذا به قد فتن ففتن. وكنا نقول بالمدينة هؤلاء قوم قد عرفوا الله جلّ وعزّ وآمنوا به وبرسوله ﷺ ثم افتتنوا ببلاء لحقهم لا نرى لهم توبة وكانوا هم أيضا يقولون هذا فأنزل الله جلّ وعزّ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إلى أخر القصة. وروى عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان قوم من المشركين قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فقالوا للنبيّ ﷺ أو بعثوا إليه إنّ ما تدعونا إليه لحسن لو تخبرنا أنّ لنا توبة فأنزل الله جلّ وعزّ: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ إلى أخر الآيات، قال عبد الله بن عمر: هذه أرجى آية في القرآن فردّ عليه ابن عباس فقال:\nبل أرجى آية في القرآن وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦] . وروى حمّاد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء أنها سمعت النبيّ ﷺ يقرأ:\nقُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يبالي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وفي مصحف ابن مسعود «١» إنّ الله يغفر الذّنوب جميعا لمن يشاء وهاتان القراءتان على التفسير أي يغفر لمن يشاء، وقد عرّف الله جلّ وعزّ من يشاء أن يغفر له، وهو التائب أو من عمل صغيرة ولم يكن له كبيرة ودلّ على أنه يريد التائب ما بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2889>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nوَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥)\nوَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ فالتائب مغفور له ذنوبه جميعا. يدل على ذلك وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [طه: ٨٢] . فهذا الإشكال فيه وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ قال الضحاك:\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٢١.","vol":"4","page":13},{"text":"أي «أنيبوا» ارجعوا إلى طاعته جلّ وعزّ وأمره. قال أبو جعفر: ثم تواعد ما لم يثب فقال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ أي فلا يدفعه أحد عنكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2890>[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٦]</span>\nأَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)\nأَنْ تَقُولَ نَفْسٌ في موضع نصب أي كراهة أن تقول، وعند الكوفيين بمعنى لئلا تقول نفس يا حَسْرَتى والأصل: يا حسرتي أي يا ندمي، فأبدل من الياء ألفا لأنها أخفّ فالفائدة في نداء الحسرة أنّ في ذلك معنى أنّها لازمة موجودة فهذا أبلغ من الخبر. وأجاز الفراء «١» في الوصل: يا حسرتاه على كذا: ويا حسرتاه على كذا، وذكر هذا القول في الآية وشبّهه بالندبة. وإثبات الهاء في الوصل خطأ عند جميع النحويين غيره، وليس هذا موضع ندبة ولا في السّواد هاء ولا قرأ به أحد عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ قال الضحاك: أي في ذكر الله قال: يعني القرآن والعمل به. وفي حديث ابن عجلان عن سعيد المقبريّ عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «ما جلس رجل مجلسا ولا مشى مشيا ولا اضطجع مضطجعا لم يذكر الله جلّ وعزّ فيه إلّا كانت عليه ترة يوم القيامة» «٢» أي حسرة. قال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي أتاه الله إيّاه يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه فعمل فيه بالحقّ، وكان له أجره، وعلى الآخر وزره. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوّله الله إياه جلّ وعزّ في الدنيا أقرب منزلة من الله جلّ وعزّ، أو يرى رجلا يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ قال أبو إسحاق: أي ما كنت إلّا من المستهزئين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2891>[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٧]</span>\nأَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)\nقيل: معناه لو هداني إلى النجاة من النار، وردّني إلى التكليف. لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ المعاصي. وقيل: لو أن الله هداني في الدنيا، فردّ عليه فقيل بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي أي قد هديتك بالبيّنات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2892>[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٨]</span>\nأَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)\nأَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ نصب على جواب التمني، فإن شئت كان معطوفا على كرة لأن معناه أن أكون كما قال: [الوافر] ٣٩١-\nللبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف\n«٣»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٢٢.\n(٢) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال (٢٥٤٦١) .\n(٣) مرّ الشاهد رقم (١٢٣) .","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2893>[سورة الزمر (٣٩): آية ٥٩]</span>\nبَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)\nبَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي بفتح الكاف، والنفس مؤنّثة لأن المعنى للمذكر، وقرأ «١» عاصم الجحدري بالكسر على تأنيث النفس والقراءة بالكسر تروى عن النبيّ ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2894>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٠]</span>\nوَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)\nوَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ مبتدأ وخبره في موضع نصب، ويجوز النصب على أن تكون وجوههم بدلا من الذين. أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ وبيّن رسول الله ﷺ معنى الكبر فقال: الكبر سفه الحقّ وغمس الناس أي احتقارهم. وفي حديث عبد الله بن عمر عن النبيّ ﷺ: «يحشر المتكبّرون يوم القيامة كهيئة الذّرّ يلحقهم الصّغار حتّى يؤتى بهم إلى سجن في جهنّم» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2895>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦١]</span>\nوَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)\nوَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ هذه قراءة أكثر الناس على التوحيد لأنها مصدر.\nوقرأ الكوفيون (بمفازاتهم) «٣» وهو جائز كما تقول: بسعاداتهم وعن النبيّ ﷺ تفسير هذه الآية من حديث أبي هريرة قال: «يحشر الله جلّ وعزّ مع كلّ امرئ عمله فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة فكلّما كان رعب أو خوف قال له: لا ترع فما أنت بالمراد به، ولا أنت بالمعنيّ به فإذا كثر ذلك عليه قال له: ما أحسنك فمن أنت؟\nفيقول، أما تعرفني أنا عملك الصالح حملتني على ثقلي فو الله لأحملنّك اليوم ولأدفعنّ عنك فهي التي قال: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2896>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٢]</span>\nاللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)\nأي هو حافظه والقائم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2897>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٣]</span>\nلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣)\nلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ واحدها مقليد وأكثر ما يستعمل فيه إقليد وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ مبتدأ أُولئِكَ هُمُ مبتدأ ثان: الْخاسِرُونَ خبر الثاني «وهم» فاصلة، ويجوز أن يكون «أولئك» بدلا من الذين و«هم» مبتدأ و«الخاسرون» خبره والجملة خبر الذين.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٤١٩.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ١٧٨، والترمذي رقم الحديث (٢٤٩٢)، والمنذري في الترغيب والترهيب ٤/ ٣٨٨ انظر رقم ١٩ والزبيدي في إتحاف السادة المتّقين ١/ ٣٠٩.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٢٠.\n(٤) ذكره القرطبي في تفسيره ١٥/ ٢٧٤.","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2898>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٤]</span>\nقُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤)\nغير نصب بأعبد، والكسائي يذهب إلى أن التقدير: أن أعبد ثم حذف أن فرفع الفعل، وهو أحد قولي سيبويه «١» في أَعْبُدُ هذا، وقوله الآخر أنّ التقدير «أفغير الله أعبد فيما تأمروني» وهذا قول بيّن أي أفغير الله أعبد أنتم تأمرونّي، وفي هذا معنى في أمركم. والأخفش سعيد يقول: تأمرونني ملغى كما تقول: قال ذلك زيد بلغني. وهذا هو قول سيبويه بعينه فأما أن يكون الشيء يعمل نصبا فإذا حذف كان عمله أقوى فعمل رفعا فبين الخطأ، ولو أظهرت «أن» هاهنا لم يجز وكان تفريقا بين الصلة والموصول، والأصل: تأمرونني أدغمت النون في النون فأما «تأمروني» بنون واحدة مخفّفة فإنما يجيء مثله شاذّا في الشعر، وأبو عمرو بن العلاء ﵀ يقول لحن، وقد أنشد سيبويه في مثله: [الوافر] ٣٩٢-\nترعاه كالثّغام يعلّ مسكا ... يسوء الفاليات إذا فليني\n«٢» وسمعت علي بن سليمان يقول: كان النحويون من قبل يتعجّبون من فصاحة جرير وقوله على البديه إنهم يبدؤوني. فأما حذف الياء من «تأمروني» فسهل لأنّ النون كأنها عوض منها والكسرة دالّة عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2899>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٥]</span>\nوَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥)\nوَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ قال محمد بن يزيد:\nليفسدنّ وذهب إلى أنّه من قولهم حبط بطنه يحبط وحبج يحبج إذا فسد من داء بعينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2900>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٦]</span>\nبَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)\nبَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ قال أبو جعفر: في كتابي عن أبي إسحاق لفظ اسم الله جلّ وعزّ منصوب بأعبد، قال: ولا اختلاف في هذا عند البصريين والكوفيين. قال أبو جعفر:\nوقد قال الفراء «٣»: يكون نصبا بإضمار فعل لأنه أمر. فأمال الفاء فقال أبو إسحاق: إنها للمجازاة، وغيره يقول بأنها زائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2901>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٧]</span>\nوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)\nوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ قال محمد بن يزيد: أي عظّموه من قولك فلان عظيم\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ١١٦.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (١٣٤) .\n(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٤٢.","vol":"4","page":16},{"text":"القدر. قال أبو جعفر: فالمعنى على هذا: وما عظّموا الله حقّ عظمته إذ عبدوا معه غيره، وهو خالق الأشياء ومالكها وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مبتدأ وخبره، وأجاز الفراء «١»: «قبضته» بالنصب بمعنى في قبضته. قال أبو إسحاق: لم يقرأ به، وهو خطأ عند البصريين لا يجوز لا يقولون: زيد قبضتك ولا المال قبضتك أي في قبضتك، قال: ولو جاز هذا لجاز: زيد دارك، أي في دارك. وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ مبتدأ وخبره، وأجاز الكسائي والفراء «٢» وأبو إسحاق: «مطويّات» بكسر التاء، قال أبو إسحاق: على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2902>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٨ الى ٧٠]</span>\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠)\nثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ وأجاز الكسائي: قياما بالنصب، كما تقول:\nخرجت فإذا زيد جالسا. قال زيد بن أسلم في قوله جلّ وعزّ: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ الشهداء الحفظة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2903>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧١ الى ٧٣]</span>\nوَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣)\nوَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا نصب على الحال. حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها «٣» جواب إذا. وفي قصّة أهل الجنة. وَفُتِحَتْ بالواو. فالكوفيون يقولون:\nالواو زائدة، وهذا خطأ عند البصريين لأنها تفيد معنى وهي العطف هاهنا والجواب محذوف قال محمد بن يزيد: أي سعدوا. وحذف الجواب بليغ في كلام العرب وأنشد: [الطويل] ٣٩٣-\nفلو أنّها نفس تموت سويّة ... ولكنّها نفس تساقط أنفسا\n«٤» فحذف جواب «لو»، والتقدير: لكان أروح. فأما الحكمة في إثبات الواو في الثاني وحذفها من الأول فقد تكلّم فيه بعض أهل العلم، يقول: لا أعلم أنه سبقه إليه\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٢٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٢٥. [.....]\n(٣) انظر تيسير الداني ١٥٤.\n(٤) مرّ الشاهد رقم (٢٨٤) .","vol":"4","page":17},{"text":"أحد، وهو أنه قال: لمّا قال الله جلّ وعزّ في أهل النار حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها دلّ بهذا على أنها كانت مغلقة، ولما قال في أهل الجنة حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها دلّ بهذا على أنها كانت مفتّحة قبل أن يجيئوها. والله جلّ وعزّ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2904>[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٤]</span>\nوَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤)\nوَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ قد ذكرنا قول قتادة إنها أرض الجنة، وقد قيل: إنها أرض الدنيا على التقديم والتأخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2905>[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٥]</span>\nوَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)\nحَافِّينَ قال الأخفش: واحدهم حافّ، وقال الفراء: لا يفرد لهم واحد لأن هذا الاسم لا يقع لهم إلّا مجتمعين وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي يقول المؤمنون: الحمد لله الذي أثابنا فله الحمد على ما أثابنا من نعمه وإحسانه ونصرنا على من ظلمنا.","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2906>٤٠ شرح إعراب سورة الطول (غافر)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2907>[سورة غافر (٤٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١)\nبإسكان الميم الآخرة لأنها حروف هجاء فحكمها السكون لأنها يوقف عليها.\nوأما قراءة عيسى بن عمر حاميم تنزيل «١» فمفتوحة لالتقاء الساكنين، ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار فعل ولم ينصرف لأنها اسم المؤنث، أو لأنها أعجمية مثل هابيل وقابيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2908>[سورة غافر (٤٠): آية ٢]</span>\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ على إضمار مبتدأ و«تنزيل» في موضع منزّل على المجاز، ويجوز أن يكون تنزيل رفعا بالابتداء والخبر مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2909>[سورة غافر (٤٠): آية ٣]</span>\nغافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)\nغافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ قال الفراء «٢»: جعلتها كالنعت للمعرفة وهي نكرة. وقال أبو إسحاق: هي خفض على البدل. قال أبو جعفر: وتحقيق الكلام في هذا وتلخيصه أن غافر الذنب وقابل التوب يجوز أن يكونا معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا نعتين، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال فيكونا نكرتين، ولا يجوز نعتين على هذا ولكن يكون خفضهما على البدل، ويجوز النصب على الحال. فأما شَدِيدِ الْعِقابِ فهو نكرة فيكون خفضه على البدل. والتواب: جمع توبة أو مصدر. وقال أبو العباس: الذي يسبق إلى القلب أن يكون مصدرا أي يقبل هذا الفعل، كما تقول: قال يقول قولا. وإذا كان جمعا فمعناه يقبل التوبات. ذِي الطَّوْلِ على البدل لأنه نكرة وعلى النعت لأنه معرفة.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٥.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2910>[سورة غافر (٤٠): آية ٤]</span>\nما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤)\nما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا مجاز أي في دفع آيات الله جلّ وعزّ. فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ قال أبو العباس: أي تصرّفهم، كما يقال: فلان يتقلب في ماله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2911>[سورة غافر (٤٠): آية ٥]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥)\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ على تأنيث الجماعة أي كذّبت الرسل. قال أبو العباس: لِيُدْحِضُوا ليزيلوا. ومنه مكان دحض أي مزلقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2912>[سورة غافر (٤٠): آية ٦]</span>\nوَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦)\nقال وَكَذلِكَ حَقَّتْ وجبت ولزمت لأنه مأخوذ من الحقّ لأنه اللازم. أَنَّهُمْ قال الأخفش: أي لأنهم وبأنهم. قال أبو إسحاق: ويجوز «إنّهم» بكسر الهمزة أَصْحابُ النَّارِ المعذبون بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2913>[سورة غافر (٤٠): آية ٧]</span>\nالَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧)\nاتّصل هذا بذكر الكفار لأن المعنى- والله أعلم- الذين يحملون العرش ومن حوله ينزّهون الله جلّ وعزّ عمّا يقوله الكفار. وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وقد غفر لهم لأن الله جلّ وعزّ يحبّ ذلك فهم مطيعون لله جلّ وعزّ بذلك رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا منصوبان على البيان. فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ولا يجوز إدغام الراء في اللام لأن في الراء تكريرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2914>[سورة غافر (٤٠): آية ٨]</span>\nرَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)\nمَنْ في موضع نصب معطوف على الهاء والميم التي في وَعَدْتَهُمْ، أو على الهاء والميم في أَدْخِلْهُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2915>[سورة غافر (٤٠): آية ٩]</span>\nوَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)\nسمّى العقاب سيئات مجازا لأنه عقاب على السيئات.","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2916>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)\nقال الأخفش: لَمَقْتُ هذه لام الابتداء ووقعت بعد يُنادَوْنَ لأن معناه يقال لهم والنداء قول. وقال غيره المعنى يقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقت بعضكم بعضا يوم القيامة لأن بعضهم عادى بعضا ومقته يوم القيامة فأذعنوا عند ذلك وخضعوا، وطلبوا الخروج من النار فقالوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ و«من» زائدة للتوكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2917>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (١٣)\nذلِكُمْ في موضع رفع أي الأمر ذلكم أي ذلكم العذاب بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ أي لأنه إذا وحّد الله كفرتم وأنكرتم، وإن أشرك به مشرك صدّقتموه وامنتم به والهاء كناية عن الحديث فَالْحُكْمُ لِلَّهِ أي لله جلّ وعزّ وحده لا لما تعبدونه من الأصنام الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2918>[سورة غافر (٤٠): آية ١٤]</span>\nفَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤)\nفادعوه أي من أجل ذلك ادعوه مُخْلِصِينَ على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2919>[سورة غافر (٤٠): آية ١٥]</span>\nرَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥)\nرَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ على إضمار مبتدأ. قال الأخفش: يجوز نصبه على المدح، وقرأ الحسن لتنذر يوم التلاق «١» وهي مخاطبة للنبيّ ﷺ، وتأوّل أبو عبيد قراءة من قرأ لينذر بالياء أنّ المعنى: لينذر الله. وقال أبو إسحاق: الأجود أن يكون للنبيّ ﷺ لأنه أقرب وحذفت الياء من «التلاق» لأنه رأس آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2920>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nيَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧)\nيَوْمَ هُمْ بارِزُونَ هُمْ في موضع رفع بالابتداء وبارِزُونَ خبره، والجملة في موضع خفض بالإضافة فلذلك حذفت التنوين من يوم وإنما يكون في هذا عند سيبويه «٢» إذا كان كان الظرف بمعنى «إذ» تقول: لقيتك يوم زيد أمير، فإذا كان بمعنى إذا لم يجز نحو: أنا ألقاك يوم زيد أمير لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ أصحّ ما\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٣٧.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ١٣٨.","vol":"4","page":21},{"text":"قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود، قال: يحشر النّاس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله جلّ وعزّ عليها فيؤمر مناد أن ينادي لمن الملك اليوم؟ فهذا قول بيّن. فأما أن يكون هذا والخلق غير موجودين فبعيد لأنه لا فائدة فيه. والقول الأول صحيح عن ابن مسعود، وليس هو مما يؤخذ بالقياس، ولا بالتأويل والمعنى على قوله فينادي مناد يوم القيامة ليقرّر الناس لمن الملك اليوم فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: لله الواحد القهّار فيقول المؤمنون هذا سرورا وتلذاذا، ويقول الكافرون هذا رغما وانقيادا وخضوعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2921>[سورة غافر (٤٠): آية ١٨]</span>\nوَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨)\nإِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ نصبت كاظمين على الحال وهو محمول على المعنى. قال أبو إسحاق: المعنى: إذ قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم، وأجاز الفراء «١» أن يكون التقدير: وأنذرهم كاظمين على أنه خبر القلوب، وقال: لأن المعنى إذ هم كاظمين. وقال الكسائي: يجوز رفع كاظمين على الابتداء ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ أي قريب وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ من نعت شفيع أي ولا شفيع يسأل فيجاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2922>[سورة غافر (٤٠): آية ١٩]</span>\nيَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)\nيَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ. قال أبو إسحاق: أي من نظر ونيّته الخيانة، وقال الفراء: يعلم خائنة الأعين النظرة الثانية وَما تُخْفِي الصُّدُورُ النظرة الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2923>[سورة غافر (٤٠): آية ٢٠]</span>\nوَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)\nإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «هو» زائدة فاصلة، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبر عنها والجملة خبر «إنّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2924>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢)\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا عطف على يسيروا في موضع جزم، ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنه جواب، والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد. كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ اسم كان والخبر في كيف. واقٍ في موضع خفض معطوف على اللفظ، ويجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد لأن الياء تحذف وتبقى الكسرة دالّة عليها.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٦.","vol":"4","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2925>[سورة غافر (٤٠): آية ٢٣]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣)\nفي قوله جلّ وعزّ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [الإسراء: ١٠١] «وسلطان مبين» «السلطان» الحجّة وهو يذكّر ويؤنّث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2926>[سورة غافر (٤٠): آية ٢٤]</span>\nإِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)\nإِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ أسماء أعجمية لا تنصرف وهي معارف، فإن نكّرتها انصرفت. فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ مرفوع على إضمار مبتدأ أي هو ساحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2927>[سورة غافر (٤٠): آية ٢٥]</span>\nفَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٢٥)\nقالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جمع ابن على الأصل والأصل فيه بني. وقال قتادة: هذا القتل الثاني فهذا على قوله إنه معاقبة لهم، والقتل الأول كان لأنه قيل لفرعون: إنّه يولد في بني إسرائيل ولد يكون زوال ملكك على يده فأمر بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم ثم كان القتل الثاني عقوبة لهم ليمتنع الناس من الإيمان. قال الله جلّ وعزّ ما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي إنّه لا يمتنع النّاس من الإيمان، وإن فعل بهم مثل هذا فكيف يذهب باطلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2928>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧)\nأَقْتُلْ جزم لأنه جواب الأمر وَلْيَدْعُ جزم لأنه أمر وذَرُونِي ليس بمجزوم وإن كان أمرا، ولكن لفظه لفظ المجزوم وهو مبني، وقيل: هذا يدلّ على أنّه قيل لفرعون: إنّا نخاف أن ندعو عليك فيجاب، فقال وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ «١» هذه قراءة المدنيين وأبي عبد الرحمن وابن عامر وأبي عمرو، وقراءة الكوفيين أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ «٢» وكذا في مصاحف الكوفيين «أو» بألف وإليه يذهب أبو عبيد، قال: لأن «أو» قد تكون بمعنى الواو لأن في ذلك بطلان المعاني، ولو جاز أن يكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا هاهنا لأن معنى الواو إني أخاف الأمرين جميعا، ومعنى «أو» لأحد الأمرين أي إنّي أخاف أن يبدّل دينكم فإن أعوزه ذلك أفسد في الأرض.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٥، والبحر المحيط ٧/ ٤٤١.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٥٥، والبحر المحيط ٧/ ٤٤١.","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2929>[سورة غافر (٤٠): آية ٢٨]</span>\nوَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)\nأَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ في موضع نصب أي لأن يقول. وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ولو كان «يكن» جاز ولكن حذفت النون لكثرة الاستعمال على قول سيبويه، ولأنها نون الإعراب على قول أبي العباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2930>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nيا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠)\nظاهِرِينَ نصب على الحال. وقد ذكرنا ما بعده مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ يعني به من أهلك والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2931>[سورة غافر (٤٠): آية ٣١]</span>\nمِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ (٣١)\nمِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ على البدل. وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لم ينصرف ثمود لأنه اسم للقبيلة وصرفه جائز على أنه اسم للحيّ. وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ في موضع خفض على النسق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2932>[سورة غافر (٤٠): آية ٣٢]</span>\nوَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢)\nوقراءة الضحاك يَوْمَ التَّنادِ «١» بالتشديد، وقد رويت عن ابن عباس إلّا أنها من رواية الكلبي عن أبي صالح. قال أبو جعفر: يقال: ندّ البعير يندّ إذا نفر من شيء يراه ثم يستعار ذلك لغير البعير. وفي القراءة جمع بين ساكنين إلا أنه جائز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2933>[سورة غافر (٤٠): آية ٣٣]</span>\nيَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)\nيَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ على البدل من يَوْمَ التَّنادِ. مُدْبِرِينَ على الحال. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ في موضع خفض بمن ومن وما بعدها في موضع رفع، ورفع هاد وخفضه واحد.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٤٤، والمحتسب ٢/ ٢٤٣.","vol":"4","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2934>[سورة غافر (٤٠): آية ٣٤]</span>\nوَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤)\nوَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ من قبل موسى صلّى الله عليهما فذكر وهب بن منبّه أن فرعون موسى هو فرعون يوسف ﷺ عمّر، وغيره يقول: هو أخر وليس في هذه الآية دليل على أنه هو لأنه إذا أتى بالبيّنات فهي لمن معه، ولمن بعده، وقد جاءهم جميعا بها وعليهم أن يصدقوه بها. كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2935>[سورة غافر (٤٠): آية ٣٥]</span>\nالَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)\nالَّذِينَ يُجادِلُونَ في موضع نصب على البدل من «من»، ويجوز أن يكون في موضع رفع على معنى هم الذين يجادلون في آيات الله أو على الابتداء. مَقْتًا على البيان أي كبر جدالهم مقتا. كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ وقراءة أبي عمرو عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ «١» بالتنوين. قال أبو جعفر: قال أبو إسحاق:\nالإضافة أولى لأن المتكبّر هو الإنسان وقد يقال: قلب متكبر يراد به الإنسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2936>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (٣٧)\nأَسْبابَ السَّماواتِ بدل من «الأسباب» . فَأَطَّلِعَ عطف على أَبْلُغُ وقرأ الأعرج فأطلع «٢» بالنصب. قال أبو عبيد: على الجواب. قال أبو جعفر: معنى النصب خلاف معنى الرفع لأن معنى النصب متى بلغت الأسباب اطّلعت ومعنى الرفع لعليّ أبلغ الأسباب ثم لعليّ أطّلع بعد ذلك إلا أنّ ثم أشدّ تراخيا من الفاء. وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ «٣» عَنِ السَّبِيلِ وقراءة الكوفيين وصدّ «٤» ويجوز على هذه القراءة وصدّ «٥» تقلب كسرة الدال على الصاد، وقراءة ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن أبي بكرة وصدّ عن السبيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2937>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٨ الى ٤٢]</span>\nوَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)\nوقراءة معاذ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ «٦» . قال أبو جعفر: وقد ذكرناه.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٥.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٥٥، والبحر المحيط ٧/ ٤٤٦.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٥٥.\n(٤) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٤٦، وهذه قراءة الجمهور. [.....]\n(٥) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٤٦، وهذه قراءة الجمهور.\n(٦) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٤٦.","vol":"4","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2938>[سورة غافر (٤٠): آية ٤٣]</span>\nلا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣)\nلَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ قال أبو إسحاق: أي ليس له استجابة دعوة تنفع، وقال غيره:\nليس له دعوة توجب له الألوهة في الدنيا وفي الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2939>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nفَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥)\nفَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ أي في الآخرة. وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ قيل: هذا يدلّ على أنهم أرادوا قتله. قال الكسائي: يقال: حاق يحيق حيقا وحيوقا إذا نزل ولزم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2940>[سورة غافر (٤٠): آية ٤٦]</span>\nالنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦)\nالنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها فيه ستة أوجه تكون النار بدلا من سوء، ويكون بمعنى هو النار، وتكون بالابتداء، وقال الفرّاء «١»: تكون مرفوعة بالعائد فهذه أربعة أوجه وأجاز الفرّاء النصب لأن بعدها عائدا وقبلها ما تتّصل به وأجاز الأخفش: الخفض على البدل من العذاب، واحتجّ بعض أهل اللغة في تثبيت عذاب القبر بقوله جلّ وعزّ: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا قال فهذا في الدنيا، وفي الحديث عن ابن مسعود قال: «إن أرواح ال فرعون ومن كان مثلهم من الكفار يعرضون على النار بالغداة والعشيّ فيقال هذه داركم» «٢» وفي حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ الكافر إذا مات عرض على النار بالغداة والعشيّ ثم تلا النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وإن المؤمن إذا مات عرضت روحه على الجنة بالغداة والعشي» «٣» . قال الفرّاء «٤»: في الغداة والعشيّ أي بمقادير ذلك في الدنيا. قال أبو جعفر: غدوّ مصدر جعل ظرفا على السعة وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ نصبت يوما بقوله أَدْخِلُوا «٥» وقراءة الحسن وأبي الحسن وأبي عمرو وعاصم ادخلوا آل فرعون أشد العذاب تنصب ال فرعون في هذه القراءة على النداء المضاف ومن قرأ أدخلوا ال فرعون نصبهم بوقوع الفعل عليهم وآلَ فِرْعَوْنَ من كان على دينه وعلى مذهبه وإذا كان من كان على دينه\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٩.\n(٢) انظر الطبري ٢٤/ ٤٦، وتفسير عبد الرزاق ٣/ ١٩٢، والبغوي ٤/ ٩٩، وابن كثير ٤/ ٨٢، والدر المنثور ٥/ ٣٥٢.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٢٤٣، ومسلم في صحيحه ٤/ ٢١٩٩.\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٩.\n(٥) انظر تيسير الداني ١٥٥.","vol":"4","page":26},{"text":"وعلى مذهبه في أشدّ العذاب كان هو أقرب إلى ذلك. وروى قتادة عن أبي حسّان الأعرج عن ناجية بن كعب عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ ﷺ: «إنّ العبد يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا، منهم يحيى بن زكريا صلّى الله عليهما وسلّم ولد مؤمنا وحيي مؤمنا ومات مؤمنا. وإن العبد يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا، منهم فرعون ولد كافرا وحيي كافرا ومات كافرا» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2941>[سورة غافر (٤٠): آية ٤٧]</span>\nوَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧)\nفَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا مصدر فلذلك لم يجمع، ولو جمع لقيل: أتباع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2942>[سورة غافر (٤٠): آية ٤٨]</span>\nقالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨)\nقالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها قال الأخفش: كل مرفوع بالابتداء، وأجاز الفرّاء «١» والكسائي إنّا كلا فيها بالنصب على النعت. قال أبو جعفر: وهذا من عظيم الخطأ أن ينعت المضمر، وأيضا فإنّ «كلّا» لا تنعت ولا ينعت بها. هذا قول سيبويه نصا. وأكثر من هذا أنّه لا يجوز أن يبدل من المضمر هاهنا لأنه مخاطب، ولا يبدل من المخاطب ولا المخاطب لأنهما لا يشكلان فيبدل منهما. هذا قول محمد بن يزيد نصا. إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ أي حكم بينهم ألا يؤاخذ أحدا بذنب غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2943>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٥٠)\nالَّذِينَ في موضع رفع، ومن العرب من يقول: اللذون على أنه جمع مسلّم معرب ومن قال: الذين في موضع الرفع بناه، كما كان في الواحد مبنيا. وقال سعيد الأخفش: ضمّت النون إلى الذي فأشبه خمسة عشر فبني على الفتح. وخزنة جمع خازن، ويقال: خزّان وخزّن. ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ جواب مجزوم، وإذا كان بالفاء كان منصوبا إلّا أن الأكثر في كلام العرب في الأمر وما أشبهه أن يكون بغير فاء، على هذا جاء القرآن بأفصح اللغات، كما قال: [الطويل] ٣٩٤- قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «٢»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٠.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٣٠٨) .","vol":"4","page":27},{"text":"وفي الحديث عن أبي الدرداء قال: «يلقى على أهل النار الجوع حتّى يعدل ما هم فيه من العذاب فيستغيثون منه فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع فيأكلون فلا يغني عنهم شيئا فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصّة فيغصّون به فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء فيستغيثون بالشراب فيرفع لهم الحميم بالكلاليب فإذا دنا من وجوههم شواها فإذا وقع في بطونهم قطّع أمعاءهم وما في بطونهم فيستغيثون بالملائكة فيقولون «ادعوا ربكم يخفّف عنا يوما من العذاب» «١» فيجيبونهم أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2944>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥١ الى ٥٣]</span>\nإِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣)\nإِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا ويجوز حذف الضمة لثقلها فيقال: رسلنا. وَالَّذِينَ آمَنُوا في موضع نصب عطفا على الرسل. وفي الحديث عن أبي الدرداء وبعض المحدثين يقول عن النبيّ ﷺ قال: «من ردّ عن عرض أخيه المسلم كان حقّا على الله جلّ وعزّ أن يردّ عنه نار جهنّم» «٢» ثم تلا إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا وروى سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله جلّ وعزّ ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من النار، ومن ذكر مسلما بشيء ليشينه به وقفه الله جلّ وعزّ على جسر جهنّم حتّى يخرج مما قال» «٣» . وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ قال سفيان الثوري: سألت الأعمش عن الأشهاد فقال: الملائكة ﷺ، وقال زيد بن أسلم «٤»: الأشهاد: الملائكة والنبيون والمؤمنون والأجساد. قال أبو إسحاق:\nالأشهاد: جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب، قال أبو جعفر: ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال ولا يقاس عليه، ولكن ما جاء منه مسموعا أدّى كما سمع وكان على حذف الزائد. وأجاز الأخفش والفرّاء «٥»: ويوم تقوم الأشهاد بالتاء على تأنيث الجماعة.\nوقرأ أبو عمرو وابن كثير لا تنفع الظالمين معذرتهم «٦» قال بعض أهل اللغة: كان الأولى به أن يقرأ ويوم تقوم الأشهاد لأن الفعل يلي الأسماء، وأن يقرأ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه في صفة جهنم ١٠/ ٥٤.\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه- البرّ والصلة ٨/ ١١٨.\n(٣) أخرجه أبو داود في سننه- الأدب- الحديث رقم (٤٨٨٣) .\n(٤) زيد بن أسلم أبو أسامة، مولى عمر بن الخطاب، وردت عنه ال في حروف القرآن، أخذ عنه شيبة ابن نصاح (١٣٦ هـ)، ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٩٦.\n(٥) انظر معاني الفراء ٣/ ١٠. [.....]\n(٦) انظر تيسير الداني ١٥٥.","vol":"4","page":28},{"text":"لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ بالياء لأنه قد حال بين الفعل وبين الاسم. قال أبو جعفر: هذا لا يلزم لأن الأشهاد واحدهم شاهد مذكّر فتذكير الجميع فيهم حسن، ومعذرة مؤنّثة في اللفظ فتأنيثها حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2945>[سورة غافر (٤٠): آية ٥٤]</span>\nهُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤)\nهُدىً في موضع نصب إلّا أنه يتبيّن فيه الإعراب لأنه مقصور. وَذِكْرى معطوف عليه ونصبهما على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2946>[سورة غافر (٤٠): آية ٥٥]</span>\nفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥)\nوَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ مصدر جعل ظرفا على السعة، والأبكار جمع بكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2947>[سورة غافر (٤٠): آية ٥٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)\nقال أبو إسحاق: المعنى أنّ الذين يجادلون في دفع آيات الله وقدره مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] وقال سعيد بن جبير بِغَيْرِ سُلْطانٍ بغير حجة. والسلطان يذكّر ويؤنّث ولو كان بغير سلطان أتتهم، لكان جائزا. أَتاهُمْ من نعت سلطان وهو في موضع خفض. إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ قال أبو إسحاق: المعنى:\nما في صدورهم إلّا كبر ما هم ببالغي إرادتهم فيه فقدره على الحذف. وقال غيره:\nالمعنى ببالغي الكبر على غير حذف لأنّ هؤلاء قوم رأوا أنهم إن اتّبعوا النبيّ ﷺ قلّ ارتفاعهم ونقصت أحوالهم وأنهم يرتفعون إذا لم يكونوا تبعا فأعلم الله جلّ وعزّ أنهم لا يبلغون الارتفاع الذي أمّلوه بالتكذيب فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي من شرّهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2948>[سورة غافر (٤٠): آية ٥٧]</span>\nلَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)\nلَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبتدأ وخبره وهذه لام التوكيد، وسبيلها أن تكون في أول الكلام لأنها تؤكّد الجملة إلّا أنها تزحلف عن موضعها. كذا قال سيبويه: تقول:\nإن عمرا لخارج وإنما أخّرت عن موضعها لئلّا يجمع بينها وبين «إنّ» لأنهما يؤديان عن معنى واحد، كذلك لا يجمع بين إنّ وأنّ عند البصريين. وأجاز هشام: إنّ أنّ زيدا منطلق حقّ، فإن حذفت حقّا لم يجز عند أحد من النحويين علمته ومما دخلت اللام في خبره قوله جلّ وعزّ بعد هذا إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها.","vol":"4","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2949>[سورة غافر (٤٠): آية ٦٠]</span>\nوَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠)\nادْعُونِي أمر غير معرب ولا مجزوم عند البصريين إلّا أن تكون معه اللام، وعند الفراء مجزوم على حذف اللام «أستجب» مجزوم عند الجماعة لأنه بمعنى جواب الشرط وهذه الهمزة مقطوعة لأنها بمنزلة النون في نفعل، وسقطت ألف الوصل لأنه قد استغني عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2950>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦١ الى ٦٣]</span>\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)\nجَعَلَ هاهنا بمعنى خلق والعرب تفرق بين «جعل» إذا كانت بمعنى خلق وبين «جعل» إذا لم تكن بمعنى خلق، فلا تعديها إلّا إلى مفعول واحد، وإذا لم تكن بمعنى خلق عديتها إلى مفعولين نحو قوله جلّ وعزّ: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] وَالنَّهارَ عطف عليه مُبْصِرًا على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2951>[سورة غافر (٤٠): آية ٦٤]</span>\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤)\nوَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وتروى عن ابن رزين فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ بكسر الصاد وقد بيّن هذا سيبويه «١»، وذكر أن الكسرة مجاورة للضمة لأن العرب تقول: ركبة وركبات ويحذفون الضمة فيقولون: ركبات وكذلك هند وهندات ويحذفون الكسرة فيقولون: هندات، فتجاورت الضمة والكسرة فجمعوا فعلة على فعل رشوة ورشى، فكذا عنده صورة وصور وهذا من أحسن كلام في النحو وأبينه، ونظيره أنهم يقولون «٢»: فخذ وفخذ وعضد وعضد، فيحذفون الكسرة والضمة ولا يقولون: في جمل جمل فيحذفون الفتحة لخفتها، ويقولون: سورة وسورة ولا يقولون: في فعلة مفتوحة اللام إلا فعال نحو: جفنة وجفان وفعلة مثل: فعلة يقولون: فيها فعل. ألا ترى إلى تجانس فعلة وفعلة ومباينة فعلة لهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2952>[سورة غافر (٤٠): آية ٦٥]</span>\nهُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥)\nمُخْلِصِينَ على الحال. لَهُ الدِّينَ بوقوع الفعل عليه، والتقدير: قولوا الحمد لله ربّ العالمين.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٤٤٠.\n(٢) انظر ٤/ ٢٢٨.","vol":"4","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2953>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٧ الى ٧٠]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠)\nثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وهذا جمع الكثير، ويقال: شيوخا، وفي العدد القليل أشياخ والأصل: أشيخ مثل فلس وأفلس إلّا أن الحركة في الياء ثقيلة وقد كان فعل يجمع على أفعال وليست فيه ياء تشبيها بفعل، قالوا: زند وأزناد، فلما استثقلت الحركة في الياء شبّهوا فعلا بفعل فقالوا: شيخ أشياخ، وإن اضطرّ شاعر جاز أن يقول: أشيخ مثل: عين أعين إلّا أنه حسن في عين لأنها مؤنثة، والشيخ من جاوز أربعين سنة.\nوَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ قال مجاهد: أي من قبل أن يكون شيخا. قال أبو جعفر:\nولهذا الحذف ضمّت قبل، وقد ذكرنا العلة في اختيارهم الضمّ لها. قال مجاهد:\nوَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى الموت للكلّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2954>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧١ الى ٧٤]</span>\nإِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤)\nإِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ عطف على الأغلال. قال أبو حاتم يُسْحَبُونَ مستأنف على هذه القراءة، وقال غيره: هو في موضع نصب على الحال والتقدير: إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل مسحوبين. وروى أبو الجوزاء «١» عن ابن عباس أنه قرأ وَالسَّلاسِلُ «٢» بالنصب يُسْحَبُونَ والتقدير في قراءته: ويسحبون السلاسل. قال أبو إسحاق: من قرأ وَالسَّلاسِلُ «٣» بالخفض فالمعنى عنده وفي السلاسل يسحبون وفي الحميم والسلاسل. وهذا في كتاب أبي إسحاق «في القرآن» كذا، والذي يبين لي أنه غلط لأن البيّن أنه يقدّره يسحبون في الحميم والسلاسل تكون السلاسل معطوفة على الحميم، وهذا خطأ لا نعلم أحدا يجيز: مررت وزيد بعمرو، وكذا المخفوض كلّه وإنما أجازوا ذلك في المرفوع أجازوا: قام وزيد عمرو، وهو بعيد في المنصوب نحو:\nرأيت وزيدا عمرا، وفي المخفوض لا يجوز لأن الفعل غير دال عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2955>[سورة غافر (٤٠): آية ٧٥]</span>\nذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)\nأي ذلكم العذاب بما كنتم تفرحون بالمعاصي. وفي بعض الحديث لو لم يعذّب الله جلّ وعزّ إلّا على فرحنا بالمعاصي واستقامتها لنا. فهذا تأويل، وقيل: إن فرحهم\n_________\n(١) أبو الجوزاء: أوس بن عبد الله الربعي البصري، أخذ عن عائشة وابن عباس (ت ٨٣ هـ) . ترجمته في (خلاصته تذهيب الكمال ٣٥) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٥٤.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٥٤.","vol":"4","page":31},{"text":"بما عندهم أنهم قالوا للرسل ﵈: نحن نعلم أنا لا نبعث ولا نعذّب. وكذا قال مجاهد في قوله جلّ وعزّ: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قال بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي بما كنتم تأشرون وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ أي تبطرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2956>[سورة غافر (٤٠): آية ٧٦]</span>\nادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)\nفَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ في موضع رفع أي قبحت مثوى المتكبرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2957>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٧ الى ٧٨]</span>\nفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)\nفَإِمَّا نُرِيَنَّكَ في موضع جزم بالشرط و«ما» زائدة للتوكيد وكذا النون وزال الجزم وبني الفعل على الفتح لأنه بمنزلة الشيئين الذي يضمّ أحدهما، إلى الآخر أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ عطف عليه. فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ الجواب مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ «من» في موضع رفع بالابتداء، وكذا وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2958>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٩ الى ٨٠]</span>\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠)\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ قال أبو إسحاق: الأنعام هاهنا الإبل. لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ فاحتجّ من منع أكل الخيل وأباح أكل الجمال بأنّ الله تعالى قال في الأنعام وَمِنْها تَأْكُلُونَ، وقال في الخيل والبغال والحمير. وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها [النحل: ٨] ولم يذكر إباحة أكلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2959>[سورة غافر (٤٠): آية ٨١]</span>\nوَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)\nَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ\nنصبت أيّا بتنكرون لأن الاستفهام يعمل فيه ما بعده، ولو كان مع الفعل هاء لكان الاختيار الرفع في أيّ، ولو كان الاستفهام بالألف أو بهل وكان بعدها اسم بعده فعل معه هاء لكان الاختيار النصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2960>[سورة غافر (٤٠): آية ٨٢]</span>\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)\nكانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ خبر كان ولم ينصرف لأنه على أفعل وزعم الكوفيون أن كل ما لا ينصرف يجوز أن ينصرف إلّا أفعل من كذا لا يجوز صرفه بوجه في شعر ولا غيره إذا كانت معه «من» . قال أبو العباس: ولو كانت «من» المانعة لصرفه لوجب أن لا","vol":"4","page":32},{"text":"تقول: مررت بخير منك وشر من عمرو، وكيف يجوز صرف ما لا ينصرف وفيه العلل المانعة من الصرف، وإذا كان ينصرف فما معنى قولنا لا ينصرف لعلة كذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2961>[سورة غافر (٤٠): آية ٨٣]</span>\nفَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣)\nفي معناه ثلاثة أقوال: قول مجاهد: إنّ الكفار الذين فرحوا بما عندهم من العلم، وقالوا: نحن أعلم منهم لن نعذّب ولن نبعث وقيل: فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا نحو يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الروم: ٧] . وقيل: الذين فرحوا الرّسل لمّا كذبهم قومهم أعلمهم الله جلّ وعزّ أنه مهلك الكافرين ومنجيهم والمؤمنين ففرحوا بما عندهم من العلم بنجاء المؤمنين، وحاق بالكفار ما كانوا يستهزئون أي عقاب استهزائهم بما جاءت به الرسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2962>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨٤ الى ٨٥]</span>\nفَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)\nفَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ سُنَّتَ اللَّهِ مصدر أي سنّ الله ﷿ في الكافرين أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب. وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ قال أبو إسحاق: وقد كانوا خاسرين قبل ذلك إلا أنه تبين لهم الخسران لمّا رأوا العذاب.","vol":"4","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2963>٤١ شرح إعراب سورة السجدة (فصّلت)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2964>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)\nقال أبو إسحاق: تَنْزِيلٌ رفع بالابتداء وخبره كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قال: وهذا قول البصريين. قال الفراء «١» يجوز أن يكون رفعه على إضمار هذا قُرْآنًا عَرَبِيًّا قال الكسائي والفراء «٢»: يكون منصوبا بالفعل أي فصّلت كذلك قال: ويجوز أن يكون منصوبا على القطع. وقال أبو إسحاق يكون منصوبا على الحال أي فصّلت آياته في حال جمعه. وقول أخر: يكون منصوبا على المدح أي أعني قرانا عربيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2965>[سورة فصلت (٤١): آية ٤]</span>\nبَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤)\nبَشِيرًا وَنَذِيرًا قال الكسائي والفراء «٣»: ويجوز قرآن عربي بالرفع يجعلانه نعتا لكتاب، قالا مثل وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ [الأنعام: ٩٢، ١٥٥] وقال غيرهما: دلّ قوله جلّ وعزّ: قُرْآنًا عَرَبِيًّا على أنه لا يجوز أن يقال فيه شيء بالسريانية والنبطية، ودل أيضا على أنه يجب أن يطلب معانيه وغريبه من لغة العرب وكلامها، ودلّ أيضا على بطلان قول من زعم أن ثمّ معنيين معنى ظاهرا ومعنى باطنا لا يعرفه العرب في كلامها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فدلّ بهذا على أنه إنما يخاطب العقلاء البالغين، وإن من أشكل عليه شيء من القرآن فيجب أن يسأل من يعلم. فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ في معناه قولان: أحدهما لا يقبلون وكلّهم كذا إلّا من آمن والآخر يجتنبون سماع القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2966>[سورة فصلت (٤١): آية ٥]</span>\nوَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥)\nوَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ جمع كنان أي عليها حاجز لا يصل إليها ما يقوله، وكذا\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١١.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٦٥.","vol":"4","page":34},{"text":"وَفِي آذانِنا وَقْرٌ أي صمم والوقر الحمل. وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ قال أبو إسحاق: أي حاجز لا يجامعك على شيء مما تقوله فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ على الأصل، ومن قال: إنّا حذف النون تخفيفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2967>[سورة فصلت (٤١): آية ٦]</span>\nقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)\nيُوحى إِلَيَّ أَنَّما في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسمّ فاعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2968>[سورة فصلت (٤١): آية ٧]</span>\nالَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧)\nالَّذِينَ في موضع خفض نعت «للمشركين» . لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ في معناه أقوال: فمن أصحّ ما روي فيه وأحسنه استقامة إسناد ما رواه عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: التوحيد لله جلّ وعزّ. وروى الحكم بن أبان عن عكرمة لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ قال لا يقولون لا إله إلا الله. وقال الربيع بن أنس: لا يزكّون أعمالهم فينتفعون بها.\nوروى إسماعيل بن مسلم عن الحسن الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ. قال: عظم الله جلّ وعزّ شأن الزكاة فذكرها فالمسلمون يزكون والكفار لا يزكون والمسلمون يصلّون والكفار لا يصلّون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2969>[سورة فصلت (٤١): آية ٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)\nقال محمد بن يزيد: في معناه قولان يكون غَيْرُ مَمْنُونٍ غير مقطوع من قولهم مننت الحبل أي قطعته، وقد منّه السفر، أي قطعه ويكون معناه لا يمنّ عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2970>[سورة فصلت (٤١): آية ٩]</span>\nقُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩)\nقُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ قال عبد الله بن سلام وكعب: هما يوم الأحد ويوم الاثنين. وقال مجاهد: كلّ يوم بألف سنة مما تعدون. وقال غيره: لو أراد ﷿ أن يخلقها في وقت واحد لفعل، ولكنه أراد ما فيه الصلاح ليتبين ملائكته أثر صنعته شيئا بعد شيء فيزداد في بصائرها. الأصل: أإنّكم، فإن خفّفت الهمزة الثانية جعلتها بين بين، وكتابه بألفين لا غير لأن الهمزة الثانية مبتدأة، والمبتدأة لا تكون إلا ألفا، ودخلت عليها ألف الاستفهام. فقولك أإنّكم كقولك هل إنّكم وأم إنّكم لا تكتب إلّا بألف.\nوَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا قال الضحاك: تتّخذون معه أربابا والهة. قال أبو جعفر: واحد الأنداد ندّ وهو المثل أي تجعلون له أمثالا لاستحقاق. ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ أي ذلك الذي خلق الأرض في يومين والذي جعلتم له أندادا ربّ العالمين. قال الضحاك: العالمون","vol":"4","page":35},{"text":"الجنّ والإنس والملائكة، وهذا من أحسن ما قيل في معناه لأن سبيل ما يجمع بالواو والنون والياء والنون أن يكون لما يعقل فهذا للملائكة والإنس والجن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2971>[سورة فصلت (٤١): آية ١٠]</span>\nوَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)\nوَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها قال كعب: مادت الأرض فخلق الله فيها الجبال يوم الثلاثاء، وخلق الرياح والماء الملح، وخلق من الملح العذب، وخلق الوحش والطير والهوام وغير ذلك يوم الأربعاء. قال أبو جعفر: واحد الرواسي راسية، ويقال: واحد الرواسي راس. وقيل للجبال: رواس لثباتها على الأرض. وَبارَكَ فِيها أي زاد فيها من صنوف ما خلق من الأرزاق وثبتها فيها والبركة: الخير الثابت وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قال عكرمة: جعل في كلّ بلد ما يقوم به معيشة أهله فالسابري بسابور، والهروي بهراة، والقراطيس بمصر. فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قال محمد بن يزيد: أي ذا وذاك في أربعة أيام. وقال أبو إسحاق: أي في تمام أربعة أيام. سَواءً مصدر عند سيبويه أي استوت استواء. قال سيبويه: وقد قرئ سَواءً لِلسَّائِلِينَ جعل سواء في موضع مستويات، كما تقول: في أربعة أيام تمام أي تامة، ومثله: رجل عدل أي عادل وسواء من نعت أيام، وإن شئت من نعت أربعة. والقراءة بالخفض مرويّة عن الحسن، وبالرفع عن أبي جعفر أي هي سواء. لِلسَّائِلِينَ فيه قولان: قال الضحاك: أي لمن سأل عن خلق هذا في كم كان هذا؟ والقول الآخر وقدّر فيها أقواتها للسائلين أي لجميع الخلق لأنّهم يسألون القوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2972>[سورة فصلت (٤١): آية ١١]</span>\nثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١)\nثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ قالوا: في يوم الخميس فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا وعن سعيد بن جبير أنه قرأ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا أي أعطيا الطاعة. وقرأ قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ «١» ولم يقل: طائعات ففي هذا ثلاثة أجوبة للكسائي قال: يكون أتينا بمن فينا طائعين يكون لما خبّر عنهن بالإتيان أجرى عليهن ما يجري على من يعقل من الذكور، والجواب الثالث أنه رأس آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2973>[سورة فصلت (٤١): آية ١٢]</span>\nفَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)\nفَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ على قول من أنّث السماء، ومن ذكّر قال: سبعة سموات فأما قول بعض أهل اللغة أنه ما جمع بالتاء فهو بغير هاء، وإن كان الواحد\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٦٦، ومختصر ابن خالويه ١٣٣.","vol":"4","page":36},{"text":"مذكرا، وحكى أخذت منه أربع سجلّات، بغير هاء فخطأ لا يعرفه أهل الإتقان من أهل العربية وقد حكوا: هذه أربعة حمّامات لأن الواحد حمّام مذكر، هكذا قال الأخفش سعيد وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها قيل: أمرها ملائكتها، وقيل: ما صنع فيها وعن حذيفة ما يدلّ على الجوابين، قال: وأوحى في كل سماء أمرها قال للسماء الدنيا:\nكوني زمردة خضراء، وجعل فيها ملائكة يسبّحون. وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا قال الأخفش: أي وحفظناها حفظا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2974>[سورة فصلت (٤١): آية ١٣]</span>\nفَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣)\nوقرأ أبو عبد الرحمن والنخعي صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ ولم تأتهم الصاعقة لأنهم لم يعرضوا كلهم وأعرضوا للكل، وكل من خوطب بهذا أسلم إلّا من قتل منهم.\nوقراءة رسول الله ﷺ على عتبة بن الوليد كما قرئ على أحمد بن الحجاج عن يحيى بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا الأجلح بن عبد الله عن الذيّال بن حرملة عن جابر بن عبد الله قال: قال أبو جهل يوما، والملأ من قريش: إنه قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشعر فأتاه فكلّمه ثم أتانا ببيان من أمره فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت السحر والكهانة والشعر وعلمت من ذلك علما وما يخفى عليّ إن كان كذلك فأتاه عتبة فخرج رسول الله ﷺ إليه، فقال له عتبة: يا محمّد أأنت خير أم هاشم؟ أأنت خير أم عبد المطلب؟ أأنت خير أم عبد الله؟ لم يأتوا بمثل ما أتيت به فبم تشتم الهتنا وتضلّل آباءنا؟ فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا لك اللواء بيننا بالرئاسة فكنت ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوّجناك عشر نسوة تختار هن من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك ورسول الله ﷺ ساكت لا يتكلّم فلما فرغ عتبة من كلامه قال رسول الله ﷺ: «بسم الله الرّحمن الرّحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصّلت آياته قرانا عربيا» ثمّ قرأ إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكفّ ثم رجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فاحتبس عنهم فقال أبو جهل: يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلّا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك إلّا من حاجة أصابته فانطلقوا بنا إليه فأتوا عتبة فخرج إليهم فقال له أبو جهل والله يا عتبة ما نظنّك إلّا قد صبأت إلى محمد وأعجبك أمره، وما نرى ذلك إلّا من حاجة أصابتك فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم ألّا يكلّم محمدا أبدا، وقال لهم: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكنّي أتيته فقصّ عليهم ما قال له: وما قال لرسول الله، ثم قال: جاءني والله بشيء ما هو بسحر ولا كهانة قرأ علي «بسم الله الرّحمن الرّحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصّلت آياته قرانا عربيا» إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ","vol":"4","page":37},{"text":"أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ\n(١٣) فأمسكت على فيه، وناشدته الرحم أن يكفّ، وقد علمتم أنّ محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب فناشدته الرحم أن يكفّ. قال الضحاك: صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ أي عذابا- وقال محمد بن يزيد: الصاعقة معناها في كلام العرب المبيدة المهلكة المخمدة فربّما استعملت للإخماد من غير إهلاك ومنه سمّي الصّعق بن حرب لأنه ضرب ضربة فخمد ثم أفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2975>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nإِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥)\nإِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ في معناه ثلاثة أقوال: مذهب الضحاك: أن الرسل الذين بين أيديهم من قبلهم، والذين من خلفهم الذين بحضرتهم.\nقال أبو جعفر: فيكون الضمير الذي في خلفهم يعود على الرسل، هذا قول وهو مذهب الفراء. وقيل: من بين أيديهم الذين بحضرتهم، ومن خلفهم الذين من قبلهم. وقيل:\nهما على التكثير أي جاءتهم الرسل من كلّ مكان بشيء واحد، وهو ألا يعبدوا إلّا الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2976>[سورة فصلت (٤١): آية ١٦]</span>\nفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦)\nقرأ أبو عمرو ونافع فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ «١» بإسكان الحاء، وأكثر القراء بكسرها فيقول: نَحِساتٍ واحتجّ أبو عمرو في التسكين على إجماعهم بتسكين الحاء في قولهم: نحس وفي قوله جلّ وعزّ: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ [القمر: ١٩] وردّ عليه أبو عبيد هذا الاحتجاج لأن معنى فِي يَوْمِ نَحْسٍ في يوم شؤم وأن معنى فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ في أيام مشؤومات، والقول كما قال أبو عبيد.\nروى جويبر عن الضحّاك «في أيام نحسات» قال: مشؤومات عليهم، ويحتمل قراءة من قرأ فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ بإسكان الحاء أن يكون الأصل عنده نحسات ثم حذف الكسرة فيكون كمعنى نحسات، ويحتمل أن يكون وصفها بما هو فيها مجازا واتساعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2977>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨)\nوَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ رفعت ثمود بالابتداء ولم تصرفه على أنه اسم للقبيلة\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٦.","vol":"4","page":38},{"text":"والمعروف من قراءة الأعمش وَأَمَّا ثَمُودُ «١» بالصرف على أنه اسم للحيّ إلّا أن أبا حاتم روى عن أبي زيد عن المفضّل عن الأعمش وعاصم أنهما قرا وأمّا ثمودا بالنصب. وهذه القراءة معروفة عن عبد الله بن أبي إسحاق، والنصب بإضمار فعل على قول يونس قال: زيدا ضربته، وذلك بعيد عند سيبويه. وعلى ذلك أنشد: [المتقارب] ٣٩٥-\nفأمّا تميم تميم بن مر ... فألفاهم القوم روبى نياما\n«٢» قال الضحاك: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ أخرجنا لهم الناقة تبيانا وتصديقا لصالح ﷺ. فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى قال: أي استحبّوا الكفر على الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2978>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٩ الى ٢٢]</span>\nوَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)\nويوم نحشر أعداء الله إلى النّار هذه قراءة نافع، وأما سائر القراء أبو عمرو وأبو جعفر والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي فقرؤوا وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ «٣» على ما لم يسمّ فاعله. وهذا اختيار أبي عبيد وعارض نافعا في قراءته منكرا فقال بعده فَهُمْ يُوزَعُونَ ولم يقل نزعهم أي يحشر أولى. قال أبو جعفر: وهذه المعارضة لا تلزم، والقراءتان حسنتان، والمعنى فيهما واحد غير أن قائلا لو قال قراءة نافع أولى بما عليها من الشواهد لأنه قد أجمع القراء على النون في قوله جلّ وعزّ: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم: ٨٥] ومن الدليل على أن معارضته لا تلزم قول الله جلّ وعزّ: وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف: ٤٧] ولم يقل: وحشروا، وبعده عُرِضُوا\nلما لم يسمّ فاعله. فهذا مثل قراءة نافع ويوم نحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون والإمالة في قوله جلّ وعزّ:\nإِلَى النَّارِ حسنة لأن الراء مكسورة وكسرتها بمنزلة كسرتين لأن فيها تكريرا. هذا قول الخليل وسيبويه «٤» فحسن معها إمالة الألف للمجانسة. فأما قول من يقول: تمال الراء وتمال الدال فلا تخلو من إحدى جهتين من الخطأ والتساهل: لأن الإمالة إنما تقع على الألف لأنها حرف هوائي فيتهيأ فيه ما لا يتهيأ في غيره. ويقال: وزعته أزعه والأصل أوزعه فحذفت الواو وفتحت لأن فيه حرفا من حروف الحلق. قال الضحاك:\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٤، والبحر المحيط ٧/ ٤٧.\n(٢) الشاهد لبشر بن أبي خازم في ديوانه ص ١٩٠، والأزهيّة ص ١٤٦، وجمهرة اللغة ١٠٢١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٨٠، والكتاب ١/ ١٣٤، ولسان العرب (روب)، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص ٧، وأمالي ابن الحاجب ١/ ٣٣٤، ومجالس ثعلب ص ٢٣٠، والمحتسب ١/ ١٨٩، والمعاني الكبير ٩٣٧.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٧١. [.....]\n(٤) انظر الكتاب ٤/ ٥٧٥.","vol":"4","page":39},{"text":"يُوزَعُونَ يدفعون. وقال مجاهد وأبو رزين: يُوزَعُونَ يحبس أولهم على اخرهم.\nويروى عن ابن عباس يُوزَعُونَ، قال: يحبس أولهم على اخرهم حتّى يتتامّوا فيرمى بهم في النار. قال أبو جعفر: والدليل على هذا الجواب أنّ بعده حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ وهذا من معجز القرآن لأن فيه حذفا واختصارا قد دلّ عليه المعنى، والمعنى حتّى إذا جاءوا النار وصاروا بحضرتها سئلوا عن كفرهم ومعاصيهم فأنكروها بعد أن شهد عليهم النبيون والمؤمنون. شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قال الفرّاء «١»: الجلد هاهنا الذكر كنّى الله جلّ وعزّ عنه كما كنّى في قوله جلّ وعزّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا [البقرة: ٢٣٥] أي نكاحا، وقال غيره: هي جلودهم بعينها جعل الله ﷿ فيها ما ينطق فشهدت عليهم، قال جلّ وعزّ: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ أي ما كنتم تقدرون على أن تستروا معاصيكم عن سمعكم وأبصاركم وجلودكم لأنكم بهن تعملون المعاصي و«أن» في موضع نصب أي من أن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2979>[سورة فصلت (٤١): آية ٢٣]</span>\nوَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)\nوَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ ابتداء وخبر، ويجوز أن يكون ظنكم بدلا من ذلكم وأَرْداكُمْ خبر ذلكم، وعلى الجواب الأول أرداكم خبر ثان فأما قول الفرّاء: يكون أرداكم في موضع نصب مثل: هذا زيد قائما، فغلط لأن الفعل الماضي لا يكون حالا. قال أبو العباس: أرداكم من الردى وهو الهلاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2980>[سورة فصلت (٤١): آية ٢٤]</span>\nفَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)\nفَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً في موضع جزم بالشرط، وجوابه الجملة الفاء وما بعدها، وكذا وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2981>[سورة فصلت (٤١): آية ٢٥]</span>\nوَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)\nوَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ عن ابن عباس أن القرناء الشياطين. وهي آية مشكلة فمن الناس من يقول: معنى هذا التحلية للمحنة وقيل: قيضنا لهم قرناء من الشياطين في النار فَزَيَّنُوا لَهُمْ أعمالهم في الدنيا. فإن قيل: فكيف يصحّ هذا والفاء تدلّ على أن الثاني بعد الأول؟ قيل: يكون المعنى: قدّرنا عليهم هذا وحكمنا به. ومن أحسن ما قيل في الآية أن المعنى أحوجناهم إلى الإقرار والاقتران فأحوجنا الغنيّ إلى الفقير\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٦.","vol":"4","page":40},{"text":"ليستعين به وأحوجنا الفقير إلى الغني لينال منه، وكذا الزوجان كل واحد منهما محتاج إلى صاحبه فهذا معنى الاقتران وحاجة بعضهم إلى بعض. قيض الله جلّ وعزّ لهم ذلك ليتعاونوا على طاعته فزيّن بعضهم لبعض المعاصي قال جلّ وعزّ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ فيه أقوال: يروى عن ابن عباس ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ التكذيب بالآخرة والبعث والجنة والنار، وَما خَلْفَهُمْ الترغيب في الدنيا والتسويف بالمعاصي، وقيل فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي ما تقدّمهم من المعاصي وَما خَلْفَهُمْ ما يعمل بعدهم أو بحضرتهم، وقيل: ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ما هم فيه وَما خَلْفَهُمْ ما عزموا أن يعملوه، وهذا من أبينها. وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وهو أن الله جلّ وعزّ يعذّب من عمل مثل عملهم فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ أي هم داخلون في أمم قد حقّ عليهم هذا القول. فهذا قول بين، وقد قيل: «في» بمعنى مع كما قال: [الطويل] ٣٩٦-\nوهل ينعمن من كان أخر عهده ... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال\n«١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2982>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ وهذا من لغي يلغى، وهي اللغة الفصيحة، ويقال: لغى يلغى لأن فيه حرفا من حروف الحلق، ولغا يلغو، وعلى هذه اللغة قرأ ابن أبي إسحاق وعيسى وَالْغَوْا فِيهِ بضم الغين. قال محمد بن يزيد: اللغو في كلام العرب ما كان على غير وجهه، ومنه وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: ٥٥] إنما هو ما يصدّ عن الخير ويدعو إلى الشر أي هو مما ينبغي أن يطّرح، ولا يعرّج عليه كما أن اللغو في الكلام ما لا يفيد معنى. ويروى عن عبد الله بن عباس في معنى وَالْغَوْا فِيهِ أن أبا جهل هو الذي قال هذا، قال: فإذا رأيتم محمدا يصلّي فصيحوا في وجهه، وشدّوا أصواتكم بما لا يفهم حتّى لا يدري ما يقول، ويروى أنهم إنّما فعلوا هذا لما أعجزهم القرآن، ورأوا من تدبّره آمن به لإعجازه بفصاحته وكثرة معانيه وحسنه ونظمه ورصفه فقالوا: إذا سمعتموه يقرأ فخلّطوا عليه القراءة بالهزء وما لا يحصل، وذلك اللغو لعلكم تغلبونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2983>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)\nذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ قال أبو إسحاق: النار بدل من جزاء قال: ويجوز أن يكون رفعها بإضمار مبتدأ أيضا تبيينا عن الجزاء.\n_________\n(١) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ٢٧، وأدب الكاتب ص ٥١٨، وجمهرة اللغة ١٣١٥، وخزانة الأدب ١/ ٦٢، والجنى الداني ٢٥٢، وجواهر الأدب ص ٢٣٠، وتاج العروس (حول) و(في)، والدرر ٤/ ١٤٩، وشرح شواهد المغني ١/ ٤٨٦، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ٣١٣، ورصف المباني ص ٣٩١، وشرح الأشموني ٢/ ٢٩٢، ولسان العرب (فيا) ومغني اللبيب ١/ ١٦٩، وهمع الهوامع ٢/ ٣٠.","vol":"4","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2984>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ويجوز في غير القرآن حذف إحدى التاءين ولا يجوز الإدغام للبعد. و«أن» في موضع نصب أي بأن لا تخافوا ولا تحزنوا. ويروى عن ابن عباس أن هذا في يوم القيامة. قال زيد بن أسلم: هذا عند الموت قال: والبشارة في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2985>[سورة فصلت (٤١): آية ٣١]</span>\nنَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١)\nنَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ\nأي نحوطكم ونحفظكم بأمر الله ﷿، وفي الآخرة نطامنكم ونرشدكم. وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ\n. قال عكرمة عن ابن عباس قال: إذا أراد أحدهم الشيء واشتهاه في نفسه وجده حيث تناله يده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2986>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٢]</span>\nنُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)\nنُزُلًا قال الأخفش: هو منصوب من جهتين: إحداهما أن يكون مصدرا أي أنزلهم الله ذاك نزلا، والأخرى أن يكون في موضع الحال أي منزلين نزلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2987>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٣]</span>\nوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)\nوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا منصوب على البيان. وقد ذكرنا فيه أقوالا فمن أجمعها ما قاله الضحاك قال: هو النبيّ ﷺ وأصحابه ومن اتّبعهم إلى يوم القيامة إلّا أن الحديث عن عائشة ﵂ فيه توقيف أنّ هذه الآية نزلت في المؤذنين، وهي لا تقول إلّا ما تعلم أنّه كما قالت لأن مثل هذا لا يؤخذ بالتأويل إذا قيل نزل في كذا، كما قرئ على أبي بكر محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف القطّان قال: حدّثنا عبيد الله بن الوليد عن محمد بن نافع عن عائشة قالت: نزلت في المؤذنين يعني قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ. وقرئ على أحمد بن محمد الحجاج عن يحيى بن سليمان عن وكيع قال: حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصّافي عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي ومحمد بن نافع عن عائشة في هذه الآية قالت: نزلت في المؤذّنين وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ قال يحيى بن سليمان:\nوحدّثنا حفص بن عمر قال: حدّثنا الحكم بن أبان عن عكرمة يرفعه قال: أول من يقضى له بالرحمة يوم القيامة المؤذّنون وأول المؤذّنين مؤذّنو مكّة، قال: والمؤذّنون أطول الناس","vol":"4","page":42},{"text":"أعناقا يوم القيامة والمؤذّنون إذا خرجوا من قبورهم أذّنوا فنادوا بالأذان، والمؤذنون لا يدوّدون في قبورهم. قال عكرمة: وقال عمر بن الخطاب ﵀ قال: ما أبالي لو كنت مؤذّنا أن لا أحجّ ولا أعتمر ولا أجاهد في سبيل الله ﷿، قال: وقالت الملائكة ﵈ لو كنّا نزولا في الأرض ما سبقنا إلى الأذان أحد، وبإسناده عن عكرمة في قوله جلّ وعزّ: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ يعني المؤذنين وَعَمِلَ صالِحًا قال: صلّى وصام. قال يحيى بن سليمان: وحدّثنا جرير عن فضيل بن أبي رفيدة قال: قال لي عاصم بن هبيرة وكان من أصحاب ابن مسعود، وكنت مؤذنا: إذا فرغت من الأذان وقلت لا إله إلّا الله فقل وأنا من المسلمين ثم قرأ هذه الآية: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. إنّني على الأصل، ومن قال: «إنّي» حذف لاجتماع النونات، والتقدير عند جماعة من أهل العربية: وقال إنني مسلم من المسلمين، وكذا قال هشام في وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ أي ناصح من الناصحين. وقال بعض أهل النظر: دلّ هذا من قوله جلّ وعزّ أنه حسن أن يقول أنا مسلم بلا استثناء أي قد استسلمت لله جلّ وعزّ وقبلت أمره فحكم لي بأنّي مسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2988>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٤]</span>\nوَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)\nوَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ قال عطاء: الحسنة لا إله إلّا الله، والسيئة الشّرك ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي بالحال التي هي أحسن كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. قال أبو زيد:\n«الحميم» عند العرب: القريب. وقال محمد بن يزيد: «الحميم» الخاص ومنه قول العرب عنده: الخاصة والعامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2989>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٥]</span>\nوَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)\nوَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا الكناية عن الحال وعن هذه الكلمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2990>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nوَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨)\nوَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ في موضع جزم بالشرط ودخلت النون توكيدا. وقد ذكرنا خَلَقَهُنَّ وعلى أي شيء يعود الضمير.\nقال محمد بن يزيد: يَسْأَمُونَ يملّون، وأنشد بيت زهير: [الطويل]","vol":"4","page":43},{"text":"٣٩٧-\nومن لا يزل يستحمل النّاس أمره ... ولا يعفها يوما من الدّهر يسأم\n«١» أي يملّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2991>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٩]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)\nإِنَّ في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه: «٢» وإن كان لا يجيز أن يكون «أن» في أول الكلام ولكن لمّا كان قبلها شيء صلح الابتداء بها والرفع عند المازني بإضمار فعل فيما لا يجوز أن يبتدأ به كما تقول: كيف زيد؟ والتقدير عنده: كيف استقرّ زيد.\n«خاشعة» منصوبة على الحال: فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ من ربا يربو فحذفت الألف لسكونها وسكون التاء بعدها، ويقال: في تثنية ربا ربوان كذا قال سيبويه «٣» نصا، والكوفيون يقولون: ربيان بالياء، ويكتبون ربا بالياء. قال أبو جعفر: وسمعت أبا إسحاق يقول: ليس يكفيهم أن يغلطوا في الخطّ حتّى يتجاوزوا ذلك إلى التثنية. قال أبو جعفر: والقرآن يدلّ على ما قال البصريون قال الله جلّ وعزّ: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ [الروم: ٣٩] وقراءة أبي جعفر اهتزّت وربأت وهو مأخوذ من الربيئة، يقال: ربأ يربأ فهو رابئ وربؤ يربؤ فهو ربيء وربيئة على المبالغة إذا ارتفع إلى موضع عال يرقب، فمعنى وربأت ارتفعت. إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى حذفت الضمة من الياء لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2992>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)\nويُلْحِدُونَ من ألحد وهي بالألف أكثر وأشهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2993>[سورة فصلت (٤١): آية ٤١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ في خبر «إنّ» هاهنا أقوال فمن مذاهب الكسائي أنه قد يقدم قبلها ما يدلّ على الخبر من قوله جلّ وعزّ: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ وغيره، وقيل الخبر أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وقيل المعنى: إنّ الّذين كفروا بالذكر لما جاءهم قد كفروا بمعجز ودلّ على هذا أنّ بعده وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ وهذا مذهب الفراء «٤» على معنى قوله، وقيل الخبر محذوف فمعناه أهلكوا.\n_________\n(١) الشاهد لزهير في ديوانه ٣٢، والكتاب ٣/ ٩٩، وخزانة الأدب ٩/ ٩٠، والدرر ٥/ ٩١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٦٤، ولسان العرب (حمل)، وهمع الهوامع ٢/ ٦٣، وبلا نسبة في المقتضب ٢/ ٦٥.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ١٤١.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٤٢٨.\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ١٩.","vol":"4","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2994>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٢]</span>\nلا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)\nلا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ مذهب الضحاك وسعيد بن جبير أن معناه لا يأتيه كتاب من قبله فيبطله ولا من بعده. قال أبو جعفر: والتقدير على هذا لا يأتيه الأمر بالباطل من هاتين الجهتين أو لا يأتيه البطول، ويكون فاعل بمعنى المصدر مثل عافاه الله جلّ وعزّ عافية، وقيل: الباطل هاهنا الشيطان وقد ذكرنا هذا القول تَنْزِيلٌ نعت لكتاب أو بإضمار مبتدأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2995>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٣]</span>\nما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣)\nما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ قال أبو صالح أي من الأذى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2996>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٤]</span>\nوَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤)\nوَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا جعلنا هاهنا متعدّية إلى مفعولين وقد ذكرنا هذه الآية قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ «هدى» في موضع رفع على أنه خبر هو «وشفاء» معطوف عليه وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى. حدّثنا محمد بن الوليد عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد عن حجاج عن شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قتّة عن ابن عباس ﵀ ومعاوية وعمرو بن العاص ﵏ أنّهم قرءوا وهو عليهم عم «١» وقرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل بن أبي إسحاق قال: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: سمعت عمرو بن دينار يحدث عن ابن عباس أنه قرأ وهو عليهم عم «٢» هذه القراءة مخالفة للمصحف فإن قال قائل: الإسناد صحيح، قيل له: الإجماع أولى على أنّ الإسناد فيه شيء وذلك أنّ عمرو بن دينار لم يقل: سمعت ابن عباس فيخاف أن يكون مرسلا، وسليمان بن قتّة ليس بنظير عمرو بن دينار على أن يعقوب القارئ على محله من الضبط قد قال في هذا الحديث: ما أدري أقرءوا وهو عليهم عم أو وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى على أنه فعل ماض. ومع إجماع الجمع سوى من ذكرناه. والذي في المصحف أنّ المعنى بعمى أشبه لأنه قال جلّ وعزّ: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ فالأشبه بهذا أعمى، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ «الذين» في موضع رفع بالابتداء وخبره في الجملة. ومن العرب من يقول: اللذون في موضع الرفع. والذين أكثر وقد ذكرنا\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٨١، ومعاني الفراء ٣/ ٢٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٨١، ومعاني الفراء ٣/ ٢٠.","vol":"4","page":45},{"text":"العلة «١» فيه. وَشِفاءٌ في موضع رفع بالابتداء، والجملة خبره يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ على التمثيل أي لا يتفهّمون ما يقال لهم والعرب تقول لمن يتّفهم: هو يخاطب من قريب. قال مجاهد: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أي بعيد من قلوبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2997>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٥]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مفعولان. فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ «كلمة» مرفوعة بالابتداء عند سيبويه «٢»، والخبر محذوف لا يظهر. وبعض الكوفيين يقول: لولا من الحروف الرافعة. فأما معنى كلمة: فقيل: إنّها تأخير عقوبتهم إلى يوم القيامة وترك أخذهم على المعصية لمّا علم الله ﷿ في ذلك من الصلاح لأنهم لو أخذوا بمعاصيهم في وقت العصيان لانتهوا ولم يكونوا مثابين ولا ممتحنين على ذلك وفي الحديث المسند «لولا أنكم تذنبون لأتى الله بقوم يذنبون فيغفر لهم» «٣» أي أنتم تمتحنون وتؤخّر عقوبتكم لتتوبوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2998>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٦]</span>\nمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)\nمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ شرط وجوابه الفاء وما بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2999>[سورة فصلت (٤١): آية ٤٧]</span>\nإِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)\nوَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ هذه قراءة أهل المدينة «٤»، وقراءة أهل الكوفة من ثمرة «٥» وهو اختيار أبي عبيد لأنّ ثمرة تؤدّي عن ثمرات هذا احتجاجه فحمل ذلك على المجاز، والحقيقة أولى وأمضى. فإنه في المصاحف بالتاء. فالقراءة بثمرات أولى.\nمِنْ أَكْمامِها قال محمد بن يزيد: وهو ما يغطيها، قال: والواحد كمّ ومن قال في الجمع: أكمّة قال في الواحد: كمام. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي أي على قولكم قالُوا آذَنَّاكَ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس «آذنّاك» يقول أعلمناك. ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ «من» زائدة للتوكيد أي ما منا شاهد يشهد أنّ معك إلها.\n_________\n(١) مرّ في إعراب الآية ٤٩- غافر.\n(٢) انظر الإنصاف مسألة (١٠) .\n(٣) أخرجه الترمذي في سننه- صفة الجنة ١٠/ ٤.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٥٧، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٧٧.\n(٥) انظر تيسير الداني ١٥٧، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٧٧. [.....]","vol":"4","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3000>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٨ الى ٥١]</span>\nوَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١)\nوَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ قال الأخفش: ظنّوا استيقنوا. قال: و«ما» حرف فلذلك لا تعمل فيه ظنوا فلذلك ألغي. قال أبو عبيدة «١»: حاص يحيص إذا حاد، وقال غيره:\nالمحيص المذهب الذي ترجى فيه النجاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3001>[سورة فصلت (٤١): آية ٥٢]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ في الكلام حذف أي إن كان من عند الله ثم كفرتم به أمصيبون أنتم في ذلك؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3002>[سورة فصلت (٤١): آية ٥٣]</span>\nسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)\nسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ في معناه ثلاثة أقوال: منها سنريهم ما خبّرهم به النبيّ ﷺ أنه سيكون من فتن وفساد وغلبة الروم وفارس وغير ذلك من إخباره حتّى يتبيّن لهم أن كل ما أخبر به هو الحق، فذا قول، وقيل: المعنى: سنريهم اثار صنعتنا في الآفاق الدالة على أنّ لها صانعا حكيما وَفِي أَنْفُسِهِمْ من أنهم كانوا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى أن بلغوا وعقلوا وميّزوا حتّى يتبين لهم أن الله هو الحق لا ما يعبدونه من دونه. والقول الثالث رواه الثوري عن عمرو بن قيس عن المنهال وبعض المحدثين يقول عن المنهال عن سعيد بن جبير أو غيره في قول الله جلّ وعزّ:\nسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ قال: ظهور النبيّ ﷺ على الناس «وفي أنفسهم» قال: ظهوره عليهم. قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب هذا، ونسق الكلام يدلّ عليه، والقول الأول لا يصح لأنه لم يتقدم للأخبار ذكر فيكنّى عنها أعني أَنَّهُ الْحَقُّ. وفي المضمر ثلاثة أقوال سوى من قال: إنه للخبر: أحدها: أن يكون يعود على اسم الله جلّ وعزّ، والثاني: أن يكون يعود على القرآن فقد تقدّم ذكره في قوله جلّ وعز: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ والثالث: أن يعود على النبيّ ﷺ، وهذا أشبهها بنسق الكلام. أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ فيه ثلاثة أقوال: منها أن يكون المعنى: أو لم يكف بربك بما دلّ به من حكمته وخلقه ففي ذلك كفاية، والثاني: أو لم يكف بربك في معاقبته هؤلاء الكفّار المعاندين ففي الله جلّ وعزّ كفاية منهم، والثالث: أن المعنى: أو لم يكفك يا محمّد ربك أنه شاهد على أعمال هؤلاء عالم بما يخفون فهذا يكفيك وهذا أشبه الأقوال بنسق الآية، والله جلّ وعزّ أعلم. وفي موضع «أنه» من الإعراب ثلاثة أقوال: يجوز أن يكون في موضعها رفعا\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن ٢/ ١٩٨.","vol":"4","page":47},{"text":"بمعنى أو لم يكف أنه على كلّ شيء شهيد على البدل من ربك على الموضع، والموضع موضع رفع بإجماع النحويين، ويجوز أن يكون موضعها خفضا على اللفظ، ويجوز أن يكون موضعها نصبا بمعنى لأنه على كل شيء شهيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3003>[سورة فصلت (٤١): آية ٥٤]</span>\nأَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)\nأَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أي هم في شكّ من لقاء ما وعدوا به من العقاب «وألا» كلمة تنبيه يؤكد بها صحة ما بعدها أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ أي قد أحاط به علما مما يشاهد ويغيب. والتقدير محيط بكلّ شيء جلّ وعزّ.\nقال في الأصل تمّ الجزء الحادي عشر من أجزاء إعراب القرآن الذي عني بجمعه وتبيينه وشرحه أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس ﵀ والحمد لله رب العالمين.","vol":"4","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3004>٤٢ شرح إعراب سورة حم عسق (الشورى)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3005>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)\nحم عسق كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الكاف من «كذلك» في موضع نصب نعت لمصدر، واسم الله ﷿ مرفوع بيوحي. وأصح ما قيل في المعنى أنه كوحينا إليك وإلى الذين من قبلك يوحى إليك، وأبو عبيدة «١» يجيز أن يجعل ذلك بمعنى هذا ومن قرأ يُوحِي إِلَيْكَ «٢» جعل الكاف في موضع رفع بالابتداء، والجملة الخبر، واسم ما لم يسمّ فاعله مضمر في يوحى، واسم الله ﷿ مرفوع بالابتداء أو بإضمار فعل أي يوحيه إليك الله جلّ وعزّ. ومن قرأ نوحي «٣» بالنون رفع اسم الله جلّ وعزّ بالابتداء و«العزيز الحكيم» خبره، ويجوز أن يكون العزيز الحكيم نعتا والخبر لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3006>[سورة الشورى (٤٢): آية ٥]</span>\nتَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)\nتَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ «٤» أصحّ ما قيل فيه أن المعنى من أعلاهن، وقيل: من فوق الأرضين. وسمعت علي بن سليمان يقول: الضمير للكفار أي يتفطرن من فوق الكفار لكفرهن. قال أبو جعفر: ولا نعلم أحدا من النحويين أجاز في بني أدم رأيتهنّ إلّا أن يكون للمؤنث خاصة. فهذا يدلّ على فساد هذا القول، وأيضا فلم\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن ١/ ٢٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٨٦، وهذه قراءة مجاهد وابن كثير وعباس ومحبوب كلّهم عن أبي عمرو.\n(٣) انظر البحر المحيط ٧/ ٤٨٦.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٥٧، والبحر المحيط ٧/ ٤٨٦.","vol":"4","page":49},{"text":"يتقدّم للكفار ذكر يكنى عنهم. وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ يراد به خاصّ، ولفظه عامّ أي للمؤمنين، ودلّ عليه إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3007>[سورة الشورى (٤٢): آية ٦]</span>\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ رفع بالابتداء اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ مبتدأ وخبره في موضع خبر «الذين» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3008>[سورة الشورى (٤٢): آية ٧]</span>\nوَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)\nلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها «من» في موضع نصب والمعنى لتنذر أهل أم القرى ومن حولها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ أي يوم يجمع فيه الناس لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ على الابتداء. وأجاز الكسائي والفراء «١» نصب فريق بمعنى وتنذر فريقا في الجنة وفريقا في السعير يوم الجمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3009>[سورة الشورى (٤٢): آية ٨]</span>\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨)\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي مؤمنين قيل: المعنى لو شاء الله لألجأهم إلى الإيمان فلم يكن لهم ثواب فيه فامتحنهم بأن رفع عنهم الإلجاء وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وهم المؤمنون وَالظَّالِمُونَ مرفوعون بالابتداء، وفي موضع أخر وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا [الإنسان: ٣١] والفرق بينهما أنّ ذاك بعده أعدّ وليس بعد هذا فعل أي لما أضمر لذاك فعل وواعد الظالمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3010>[سورة الشورى (٤٢): آية ٩]</span>\nأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)\nفَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ تكون هُوَ زائدة لا موضع لها من الإعراب، ويجوز أن تكون اسما مرفوعا بالابتداء والْوَلِيُّ خبرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3011>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٠]</span>\nوَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)\nوَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ أي مردود إلى الله إمّا بنصّ وإمّا بدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3012>[سورة الشورى (٤٢): آية ١١]</span>\nفاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)\nفاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يكون مرفوعا بإضمار مبتدأ ويكون نعتا. قال الكسائي:\nويجوز فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بالنصب على النداء، وقال غيره: على المدح. ويجوز\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٢٢.","vol":"4","page":50},{"text":"الخفض على البدل من الهاء الّتي في عليه يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ قال شعبة عن منصور: «يذرؤكم» يخلقكم، وقال أبو إسحاق: يذرؤكم يكثركم، وجعل «فيه» بمعنى به أي يكثركم بأن جعلكم أزواجا، وقال علي بن سليمان: «يذرؤكم» ينبتكم من حال إلى حال أي ينبتكم في الجعل. قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب الذي رواه شعبة عن منصور لأن أهل اللغة المتقدمين منهم أبو زيد وغيره رووا عن العرب: ذرأ الله ﷿ الخلق يذرؤهم أي خلقهم، وقول أبي إسحاق وأبي الحسن على المجاز، والحقيقة أولى ولا سيّما مع جلالة من قال به، وإنه معروف في اللغة. ويكون فيه على بابها أولى من أن تجعل بمعنى به، وإن كان يقال: فلان بمكة فيكون المعنى فالله جعل لكم من أنفسكم أزواجا يخلقكم في الأزواج، وذكر على معنى الجمع. ويكون التقدير: وجعل لكم من الأنعام أزواجا أي ذكرانا وإناثا. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أي لا يقدر أحد على هذا غيره والكاف في كَمِثْلِهِ زائدة للتوكيد لا موضع لها من الإعراب لأنها حرف، ولكن موضع كَمِثْلِهِ موضع نصب. والتقدير: ليس مثله شيء. وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3013>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٢]</span>\nلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)\nلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لَهُ مَقالِيدُ يقول مفاتيح. إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ خبر «إنّ» والتقدير: إنه عليم بكلّ شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3014>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٣]</span>\nشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)\nشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا «ما» في موضع نصب بشرع. وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ عطف عليها. وَما وَصَّيْنا في موضع نصب أيضا أي وشرع لكم. وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ «أن» في موضع نصب على البدل من «ما» أي شرع لكم أن أقيموا الدّين ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي هو وأن أقيموا الدّين ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من الهاء أي شرع لكم أن تقيموا لله الدّين الّذي ارتضاه ولا تتفرّقوا فتؤمنوا ببعض الرسل وتكفروا ببعض فهذا الذي شرع لكم لجميع الأنبياء صلوات الله عليهم أن يقيموا الدّين الذي ارتضاه، وهو الإسلام وأمة محمّد ﷺ مقتدون بهم. وفي الحديث عن النبيّ ﷺ «اقتدوا بالّذين من بعدي أبي بكر وعمر» «١» أي اعملوا كما يعملان من اتباع أمر الله جلّ وعزّ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه- المناقب رقم الحديث ٣٦٦٢، والبيهقي في السنن الكبرى (٩٧)، وأحمد في مسنده ٥/ ٣٨٢، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ١٠٩، والهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٥٣، والمتقي في كنز العمال (٣٦٥٦) .","vol":"4","page":51},{"text":"وترك خلاف ما أمروا به، وليس معناه في كلّ مسألة. أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ جاز أن يكون أقيموا وهو أمر داخلا في الصلة لأن معناه كمعنى الفعل المضارع. معناه أن تقيموا الدّين فلا تتفرّقوا فيه. ومذهب جماعة من أهل التفسير أنّ نوحا ﷺ أول من جاء بالشريعة من تحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات، وهذا القول داخل في معنى الأول. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أي من إقامة الدّين لله جلّ وعزّ وحده.\nاللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ أي من يشاء أن يجتبيه ثم حذف هذا. وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ حذفت الضمّة من يهدي لثقلها، وأناب رجع أي تاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3015>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٤]</span>\nوَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)\nوَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي من بعد ما جاءهم القرآن. بَغْيًا مفعول من أجله، وهو في الحقيقة مصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3016>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٥]</span>\nفَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)\nفَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ الفراء «١» يذهب إلى أنّ معنى اللام معنى «إلى» وإلى أن معنى «ذلك» هذا أي فإلى هذا فادع أي إلى أن تقيموا الدّين ولا تتفرقوا فيه.\nقال أبو جعفر: واللام بمعنى إلى مثل قوله جلّ وعزّ: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: ٥] قال العجاج: [الرجز] ٣٩٨-\nوحى لها القرار فاستقرّت\n«٢» قال أبو جعفر: وهو مجاز، وقد خولف الفراء فيه، وقيل: اللام على بابها.\nوالمعنى: للذي أوحى إليك من إقامة الدّين وترك التفرّق فيه من أجل ذلك فادع فأما أن يكون ذلك بمعنى هذا فلا يجوز عند النحويين الحذّاق. قال محمد بن يزيد: هذا لمن\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٢.\n(٢) الرجز للعجاج في ديوانه ٢/ ٤٠٨، ولسان العرب (وحى) وتهذيب اللغة ٥/ ٢٩٦، وجمهرة اللغة ص ٥٧٦، وكتاب العين ٣/ ٣٢٠، وتاج العروس (وحى)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٦/ ٩٣، ومجمل اللغة ٤/ ٥١٢. وعجزه:\n«وشدّها بالرّاسيات الثّبّت»","vol":"4","page":52},{"text":"كان بالحضرة وذلك لمن تراخى ففي دخول أحدهما على الآخر بطلان البيان وذلك على بابه أي فإلى ذلك الذي تقدّم فادع، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ جمع هوى مبني على فعل إلّا أنه اعتلّ لأن الياء قلبت ألفا لتحركها وتحرّك ما قبلها فجمع على أصله كما يقال:\nجمل وأجمال لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ نصب على التبرئة وقد ذكرنا العلّة فيه. وأجاز سيبويه الرفع فجعل «لا» بمعنى ليس. والمعنى أنه قد تبين الحقّ وأنتم معاندون وإنما تثبت الحجّة على من لم يكن هكذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3017>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٦]</span>\nوَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦)\nوَالَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء وحُجَّتُهُمْ ابتداء ثان، داحِضَةٌ خبر حجتهم والجملة خبر «الذين»، ويجوز أن تكون حجّتهم بدلا من الذين على بدل الاشتمال وفي المعنى قولان: أحدهما أن المعنى: والذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب للنبيّ ﷺ فتكون الهاء مكنيّة للنبيّ ﷺ أي من بعد ما دعا على أهل بدر فاستجيب له ودعا على أهل مكة ومصر بالقحط فاستجيب له ودعا للمستضعفين أن ينجيهم الله ﷿ من قريش فاستجيب له في أشياء غير هذه، والقول الآخر قول مجاهد، قال: الّذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب له قوم من الكفار يجادلون المؤمنين في الله جلّ وعزّ أي في وحدانيته من بعد ما استجاب له المؤمنون فيجادلون، وهم مقيمون على الكفر ينتظرون أن تجيء جاهليته. وهذا القول أولى من الذي قبله بالصواب، وأشبه بنسق الآية لأنه لم يتقدم للنبيّ ﷺ ذكر فيكنى عنه ولا لدعائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3018>[سورة الشورى (٤٢): آية ١٧]</span>\nاللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)\nاللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ اسم الله جلّ وعزّ مرفوع بالابتداء والَّذِي خبره وليس نعت لأن الخبر لا بدّ منه والنعت يستغنى عنه أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي ذكر فيه ما يحقّ على الناس أن يعملوه: وَالْمِيزانَ عطف على الكتاب أي وأنزل الميزان بالحق وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ تهديد لهم لأنهم حاجّوا في الله ﷿ من بعد ما استجيب له. وقال قريب والساعة مؤنّثة على النسب، وقيل فرقا بينه وبين القرابة، فأما أبو إسحاق فيقول: لأن التأنيث ليس بحقيقي. والمعنى: لعلّ البعث قريب، وذكر وجها أخر قال: يكون لعلّ مجيء الساعة قريب.","vol":"4","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3019>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nيَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)\nيَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وذلك نحو قولهم: مَتى هذَا الْوَعْدُ [يونس:\n٤٨] وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وهكذا وصف أهل الإيمان يخافون من التفريط لئلا يعاقبوا عليه. أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي لفي ضلال عن الحقّ وإنما صار بعيدا لأنهم كفروا معاندة ودفعا للحقّ، ولو كان كفرهم جهلا لم يكن بعيدا لأنه كان يتبين لهم ويرون البراهين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3020>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١)\nمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ شرط ومجازاة. قال أبو جعفر: قد ذكرنا في معناه أقوالا، ونذكر ما لم نذكره. وهو أن يكون المعنى: من كان يريد بجهاده الآخرة وثوابها نعطه ذلك ونزده، ومن كان يريد بغزوه الغنيمة، وهو حرث الدّنيا على التمثيل، نؤته منها لأن النبيّ ﷺ لم يكن يمنع المنافقين من الغنيمة. وهذا قول بيّن إلّا أنه مخصوص وقول عامّ قاله طاوس قال: من كان همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ولم ينل من الدنيا إلّا ما كتب له، ومن كان يريد الآخرة جعل الله جلّ وعزّ غناه بين عينيه ونور قلبه، وأتاه من الدنيا ما كتب له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3021>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٢]</span>\nتَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)\nتَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا الظَّالِمِينَ نصب بترى ومُشْفِقِينَ نصب على الحال، والتقدير: من عقاب ما كسبوا. قال جلّ وعزّ: وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ أي العقاب وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ\nقال مجاهد: الروضة المكان المونق الحسن. وحكى بعض أهل اللغة أنها لا تكون إلّا في موضع مرتفع، كان أحسن لها وأشدّ، وإذا كانت خشنة ولم تكن رخوة كان ثمرها أحسن وألذّ، كما قال جلّ وعزّ: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [البقرة: ٢٦٥] أي مرتفعة. قال الأعشى: [البسيط] ٣٩٩-\nما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل\n«١» فوصف أنها من رياض الحزن، والحزن: ما غلظ من الأرض، ويقال: الحزم بالميم، لما ذكرناه. ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ أي ذلك الذي تقدّم ذكره للذين آمنوا.\nو«ذلك» في موضع رفع بالابتداء و«هو» ابتداء ثان، ويجوز أن يكون زائدا بمعنى التوكيد «الفضل» الخبر و«الكبير» من نعته.\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٣٣٧) .","vol":"4","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3022>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٣]</span>\nذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)\nذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ مبتدأ وخبره وقراءة الكوفيين يُبَشِّرُ «١» وقد ذكرنا نظيره «٢» غير أن أبا عمرو بن العلاء قرأ هذا وحده يُبَشِّرُ «٣» وقرأ غيره «يبشّر» «٤» وأنكر هذا عليه قوم، وقالوا: ليس بين هذا وبين غيره فرق، والحجّة له ذلك أنه لم يقرأ بشيء شاذ ولا بعيد في العربية ولكن لما كانتا لغتين فصيحتين لم يقتصر على أحدهما فيتوهم السامع أنه لا يجوز غيرها فجاء بهما جميعا، وهكذا يفعل الحذّاق. وفي القرآن نظيره مما قد اجتمع عليه، وهو قوله جلّ وعزّ: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ [البقرة: ٢٨٢] من أملّ يمل وفي موضع أخر فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: ٥] من أملى يملي. قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناه مستقصى.\nفأما الإعراب فهذا موضع ذكره «المودّة» في موضع نصب لأنه استثناء ليس من الأول، وسيبويه «٥» يمثله بمعنى «لكن»، وكذا قال أبو إسحاق، قال: «أجرا» تمام الكلام كما قال جلّ وعزّ: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الفرقان: ٥٧] ولو لم يكن استثناء ليس من الأول كانت المودة بدلا من أجر وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً شرط يقال: اقترف وقرف إذا كسب، وجواب الشرط. نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3023>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥)\nاختلف العلماء في تفسير هذا فقال أبو إسحاق: معنى يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يربط على قلبك بالصبر على أذاهم. قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله لا يشبه ظاهر الآية.\nوقال غيره: فإن يشأ الله يختم على قلبك لو اقترفت واختلفوا في معنى يَخْتِمْ فقال بعضهم: أي يمنعك من التمييز. وقال بعضهم: معنى: ختم الله على قلبه جعل عليه علامة من سواد أو غيره تعرف الملائكة بها أنه معاقب، كما قال جلّ وعزّ: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ [المطففين: ١٤] قال أبو جعفر: وفي التفسير أنه إذا عمل العبد خطيئة رين على قلبه فغطي منه شيء فإن زاد زيد في الرّين حتّى يسود قلبه فلا ينتفع بموعظة. وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ منقطع من الأول في موضع رفع. ويجب أن يكتب بالواو\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٧، والبحر المحيط ٧/ ٤٩٣.\n(٢) انظر الآية ٩- الإسراء والكهف ٢.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٥٧، والبحر المحيط ٧/ ٤٩٣.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٥٧، والبحر المحيط ٧/ ٤٩٣. [.....]\n(٥) انظر الكتاب ٢/ ٣٤٦.","vol":"4","page":55},{"text":"إلّا أنه وقع في السواد بغير واو كتب على اللفظ في الإدراج وإنما حذفت الواو في الإدراج لسكونها وسكون اللام بعدها فإذا وقفت زالت العلّة في حذفها فعلى هذا لا ينبغي الوقوف عليه لأنه إن أثبت الواو خالف السواد وإن حذفها لحن ونظيره وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ [الإسراء: ١١]، وكذا سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: ١٨] فأما معنى و«يمح الله الباطل» ففيه احتجاج عليهم لنبوة محمد ﷺ لأن معناه أنّ الله جلّ وعزّ يزيل الباطل ولا يثبته، فلو كان ما جاء به محمد ﷺ باطلا لمحاه الله جلّ وعزّ وأنزل كتابا على غيره، وهكذا جرت العادة في جميع المفترين أنّ الله سبحانه يمحو باطلهم بالحقّ والبراهين والحجج وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ أي يبيّن الحقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3024>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٦]</span>\nوَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦)\nيجوز أن يكون الَّذِينَ في موضع رفع بفعلهم أي ويجيب الذين آمنوا ربّهم فيما دعاهم إليه. ويجوز أن يكون الذين في موضع نصب أي ويستجيب الله الذين آمنوا، وحذف اللام من هذا جائز كثير، ومثله وَإِذا كالُوهُمْ [المطففين: ٣] أي كالوا لهم.\nقال أبو جعفر: هذا أشبه بنسق الكلام لأن الفعل الذي قبله والذي بعده لله جلّ وعزّ، وثمّ حديث عن معاذ بن جبل يدل على هذا قال: إنكم تدعون لهؤلاء الصناع غفر الله لك رحمك وبارك عليك، والله جلّ وعزّ يقول: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. يكون على هذا «يزيدهم» على ما دعوا، وتمّ الكلام. وَالْكافِرُونَ مبتدأ والجملة خبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3025>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٧ الى ٢٩]</span>\nوَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩)\nوَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وأجاز الخليل ﵀ في السين إذا كانت بعدها طاء أن تقلب صادا لقربها منها، وزعم الفراء «١»: أن قوله جلّ وعزّ: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ أنه أراد جلّ وعزّ وما بثّ في الأرض دون السماء وأنّ مثله يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح، وزعم أن هكذا جاء في التفسير. قال أبو جعفر: والذي قاله لا يعرف في تفسير ولا لغة ولا معقول أي يخبر عن اثنين بخبر واحد، وهذا بطلان البيان والتجاوز إلى ما يحظره الدّين. والعرب تقول: لكل ما تحرّك من شيء دبّ فهو دابّ ثم تدخل الهاء للمبالغة فتقول: دابّة. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: في دابّة لتأنيث الصيغة.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤.","vol":"4","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3026>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٠]</span>\nوَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)\nوَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ هذه قراءة الكوفيين والبصريين، وكذا في مصاحفهم، وقرأ المدنيون بما بغير فاء، وكذا في مصاحفهم فالقراءة بالفاء بيّنة لأنه شرط وجوابه. والقراءة بغير فاء فيها للنحويين ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون «ما» بمعنى «الذي» فلا تحتاج إلى جواب بالفاء، وهذا مذهب أبي إسحاق. والقول الثاني:\nأن يكون ما للشرط وتكون الفاء محذوفة كما قال: [البسيط] ٤٠٠\n- من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان\n«١» وهذا قول أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش، وزعم أن هذا يدلّ على أن حذف الفاء في الشرط جائز حسن لجلال من قرأ به. والقول الثالث: أن «ما» هاهنا للشرط إلّا أنه جاز حذف الفاء لأنها لا تعمل في اللفظ شيئا وإنما وقعت على الماضي، وهذا أولى الأقوال بالصواب. فأما أن يكون «ما» بمعنى الذي فبعيد لأنّه يقع مخصوصا للماضي، وأما أن يشبّه هذا بالبيت الذي ذكرناه فبعيد أيضا لأن حذف الفاء مع الفعل المستقبل لا يجوز عند سيبويه إلّا في ضرورة الشعر، ولا يحمل كتاب الله ﷿ إلّا على الأغلب الأشهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3027>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣١]</span>\nوَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١)\nوَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ قال محمد بن يزيد: أي بسابقين يقال: أعجز إذا عدا فسبق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3028>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٢]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢)\n«الجواري» جمع جارية، والجواري في موضع رفع حذفت الضمة من يائها لثقلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3029>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nإِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)\nإِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ شرط ومجازاة. فَيَظْلَلْنَ عطف، وكذا أَوْ يُوبِقْهُنَّ وكذا وَيَعْفُ وكذا عند سيبويه «٢» وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا هذا الاختيار عنده لأنه كلام معطوف بعضه على بعض، ومثله يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٨٤]، وكذا قول النابغة «٣»: [الوافر] ٤٠١-\nفإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع النّاس والبلد الحرام\nونمسك بعده بذناب عيس ... أجبّ الظّهر ليس له سنام\nفجزم «ونمسك» على العطف. ويجوز رفعه ونصبه إلّا أن الرفع عند سيبويه\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٣٤) .\n(٢) انظر إعراب الآية ٢٨٤- البقرة.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (١٧٩) .","vol":"4","page":57},{"text":"أجود، وهي قراءة المدنيين وَيَعْلَمَ الَّذِينَ «١» على أنه مقطوع مما قبله مرفوع، والنصب عنده بعيد، وهي قراءة الكوفيين، والصحيحة من قراءة أبي عمرو، وشبّهه سيبويه في البعد بقول الشاعر: [الوافر] ٤٠٢-\nسأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا\n«٢» إلّا أن النصب في الآية أمثل لأنه شرط وهو غير واجب، وأنشد «٣»: [الطويل] ٤٠٣-\nومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع أقوام مجرّا ومسحبا\nوتدفن منه الصّالحات وإن يسيء ... يكن ما أساء النّار في رأس كبكبا\nفنصب «وتدفن» ولو رفع لكان أحسن. واختار أبو عبيد النصب وشبّهه بقوله جلّ وعزّ: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [ال عمران: ١٤٢] .\nوهما لا يتجانسان ولا يشتبهان لأن «ويعلم» جواب لما فيه النفي فالأولى به النصب وقوله جلّ وعزّ: وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ ليس بجواب فيجب نصبه، وموضع الذين في قوله «ويعلم النّاس» موضع رفع بعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3030>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٦]</span>\nفَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)\nوَما عِنْدَ اللَّهِ مبتدأ وخَيْرٌ خبره وَأَبْقى معطوف على خير لِلَّذِينَ آمَنُوا خفض باللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3031>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٧]</span>\nوَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)\nوَالَّذِينَ في موضع خفض معطوف على «للذين آمنوا» يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ هذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي كَبائِرَ الْإِثْمِ»\nوالقراءة الأولى أبين لأنه إذا قرأ كبير توهّم أنه واحد أكبرها، وليس المعنى على ذلك عند أحد من أهل التفسير إلّا شيئا قاله الفراء «٥» فعكس فيه قول\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٨، ومعاني الفراء ٣/ ٢٤.\n(٢) الشاهد للمغيرة بن حبناء في خزانة الأدب ٨/ ٥٢٢، والدرر ١/ ٢٤٠، وشرح شواهد الإيضاح ص ٢٥١، وشرح شواهد المغني ٤٩٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٩٠، وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ٣٩، والدرر ٥/ ١٣٠، والردّ على النحاة ص ١٢٥، ورصف المباني ص ٣٧٩، وشرح الأشموني ٣/ ٥٦٥، وشرح المفصّل ٧/ ٥٥، والمحتسب ١/ ١٩٧، ومغني اللبيب ١/ ١٧٥، والمقتضب ٢/ ٢٤، والمقرب ١/ ٢٦٣.\n(٣) مرّ الشاهد رقم ٣١٧.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٥٨، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨١.\n(٥) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٥.","vol":"4","page":58},{"text":"أهل التفسير، قال: «كبير الإثم» الشرك قال: وكبائر يراد بها كبير، وهذا معكوس إنما يقال: كبير يراد به كبائر. يكون واحدا يدلّ على جمع، وزعم أنه يستحبّ لمن قرأ «كبائر الإثم» أن يقرأ «والفواحش» فيخفض، والقراءة بهذا مخالفة بحجّة الإجماع وأعجب من هذا أنه زعم أنه يستحبّ القراءة به ثم قال: ولم أسمع أحدا قرأ به.\nوالأحاديث عن النبيّ ﷺ في الكبائر معروفة كثيرة وعن الصحابة وعن التابعين. ونحن نذكر من ذلك ما فيه كفاية لتبيين هذا. ونبيّن معنى الكبائر والاختلاف فيه إذا كان مما لا يسع أحدا جهله. ونبدأ بما صحّ فيها عن الرسول ﷺ مما لا مطعن في إسناده وتوليه من قول الصحابة والتابعين وأهل النظر بما فيه كفاية إن شاء الله. فمن ذلك ما حدّثناه محمد بن إدريس بن أسود عن إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثنا وهب بن جرير قال:\nحدّثنا شعبة عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس عن النبيّ ﷺ قال: «أكبر الكبائر الإشراك بالله جلّ وعزّ وعقوق الوالدين المسلمين وقتل النفس وشهادة الزّور أو قول الزور» «١» وقرئ على أحمد بن شعيب عن عبدة بن عبد الرحيم قال أخبرنا ابن شميل قال: حدّثنا شعبة قال: حدّثنا فراس قال: سمعت الشّعبي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيّ ﷺ قال: «الكبائر الإشراك بالله جلّ وعزّ وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس» «٢» قال أحمد: وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم ثنا بقيّة حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معد أن أبا رهم السّماعي حدّثه عن أبي أيوب وهو خالد بن زيد الأنصاري بدريّ عقبيّ عن رسول الله ﷺ قال: «من جاء لا يشرك بالله شيئا ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان واجتنب الكبائر فإنه في الجنة» «٣» فسئل رسول الله ﷺ عن الكبائر قال: فقال: «الإشراك بالله جلّ وعزّ وقتل النفس المسلمة والفرار يوم الزحف» قال أحمد: أخبرنا عمرو بن علي قال: حدّثنا يحيى قال: حدّثنا سفيان عن الأعمش ومنصور عن أبي وائل عن أبي ميسرة عن عبد الله قال: قلت يا رسول الله أيّ الذنوب أعظم قال: «أن تجعل لله جلّ وعزّ ندّا وهو خلقك» . قلت: ثمّ أيّ. قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك» . قلت: ثمّ أيّ. قال: «أن تزني بحليلة جارك» «٤» قال أبو جعفر: فهذه أسانيد مستقيمة وفي حديث أبي أمامة زيادة على ما فيها من الكبائر فيه: أكل مال اليتيم وقذف المحصنة والغلول والسحر وأكل الربا فهذا جميع ما نعلمه، روي عن النبيّ ﷺ في الكبائر مفصلا مبينا فأما الحديث المجمل فالذي رواه أبو سعيد\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٤٩٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٢٠، وابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٤١، والطبري في تفسيره ٥/ ٢٨.\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه- البر والصلة ٨/ ٩٧، والدارمي في سننه- الديات ٢/ ١٩١.\n(٣) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٤١٣، والمتقي في كنز العمال ٢٧٦.\n(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٢١٧، وابن ماجة في سننه- الديات- الحديث رقم (٢٦١٨) . [.....]","vol":"4","page":59},{"text":"وأبو هريرة عن النبيّ ﷺ أنها سبع فليس بناقض لهذا لأن قذف المحصنة واليمين الغموس والسحر داخلان في قول الزور وحديث ابن مسعود الذي فيه «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك» داخل في قتل النفس المحرمة ولم يقل رسول الله ﷺ: لا تكون الكبائر إلا هذه فيجب التسليم. وقد روى مسروق عن عبد الله بن مسعود أنه قال:\nالكبائر من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية. إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء: ٣١] فأولى ما قيل في الكبائر وأجمعه ما حدثناه علي بن الحسين قال: قال الحسين بن محمد الزعفراني قال: حدّثنا أبو قطن عن يزيد بن إبراهيم عن محمد بن سيرين قال: سئل ابن عباس عن الكبائر فقال: كلّ ما نهى الله جلّ وعزّ عنه- فهو من الكبائر حتّى ذكر الطرفة، وحدّثناه بكر بن سهل قال: حدّثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال:\nالكبائر كل ما ختمه الله جلّ وعزّ بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. قال أبو جعفر: فهذا قول حسن بيّن لأن الله جلّ وعزّ قال: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء: ٣١] فعقل بهذا أن الصغائر لا يعذّب عليها من اجتنب الكبائر: فإذا أعلم الله جلّ وعزّ أنه يدخل على ذنب النار علم أنه كبيرة وكذا إذا أمر أن يعذّب صاحبه في الدنيا بالحد، وكذا قال الضحاك: كل موجبة أوجب الله تعالى لأهلها العذاب فهي كبيرة وكلّ ما يقام عليه الحدّ فهو كبيرة. فهذا المعنى الذي بيّنا بعد ذكر الأحاديث المسندة فهو شرح أيضا قول الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ وكل ما كان مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3032>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٨]</span>\nوَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)\nوَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ في موضع خفض والمعنى وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا والذين استجابوا لربهم وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي أتمّوها بحدودها بركوعها وسجودها وخشوعها. وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3033>[سورة الشورى (٤٢): آية ٣٩]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)\nوَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ في موضع خفض كالأول. هُمْ يَنْتَصِرُونَ وهذا مدح لهم وصفوا أنهم إذا بغى عليهم باغ أو ظلمهم ظالم لم يستسلموا له لأنهم لو استسلموا له لم ينهوا عن المنكر وفعله ذلك بهم منكر. وفي حديث حذيفة عن النبيّ ﷺ «لا يحلّ للمسلم أن يذلّ نفسه» . قيل: كيف يذلّ نفسه؟ قال: «يتكلّف من البلاء ما لا يطيقه» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3034>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٠]</span>\nوَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)\nوَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها مبتدأ وخبره. والسيّئة الأولى سيّئة على الحقيقة والثانية\n_________\n(١) الحديث في تنزيه الشرائع لابن عراق ٢/ ٣٦٣، والفوائد المجموعة للشوكاني ٣٧٨.","vol":"4","page":60},{"text":"على المجاز سمّيت سيّئة لأنها مجازاة على الأولى ليعلم أنه يقتصّ بمثل ما نيل منه فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي فلم يقتصّ فثوابه على الله جلّ وعزّ، كما روى الحسن ومحمد بن المنكدر وعطاء ومحمد يقول: أن رسول الله ﷺ قال: «ينادي مناد يوم القيامة أين من له وعد على الله ﷿؟ فليقم، فيقوم من عفا» «١» وقرأ عطاء فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3035>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤١]</span>\nوَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)\nوَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ مبتدأ فَأُولئِكَ مبتدأ أيضا، والجملة خبر الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3036>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٢]</span>\nإِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢)\nإِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ أي سبيل العقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3037>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٣]</span>\nوَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)\nأي من أعاليها وأجلّها أن يعفو ويصفح ويتوقّى الشبهات وإن لم تكن محظورة ورعا وطلبا لرضاء الله ﷿ فهذه معالي الأمور، وهي من عزم الأمور أي التي يعزم عليها الورعون المتّقون. قال أبو جعفر: وفي إشكال من جهة العربية وهو أنّ «لمن صبر وغفر» مبتدأ ولا خبر له في اللفظ فالقول فيه: إن فيه حذفا، والتقدير: ولمن صبر وعفا أنّ ذلك منه لمن عزم الأمور، ومثل هذا في كلام العرب كثير موجود، حكاه سيبويه وغيره:\nمررت ببرّ قفيز بدرهم أي قفيز منه، ويقال: السّمن منوان بدرهم بمعنى منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3038>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٤]</span>\nوَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)\nوَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ أي من يضلّه عن الثواب فما له وليّ ولا ناصر يسأله الثواب. وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ في موضع نصب على الحال.\nهَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ «من» زائدة للتوكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3039>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٥]</span>\nوَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥)\nوَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ على الحال وكذا يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ قال محمد بن كعب: يسارقون النظر إلى النار وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه ١٠/ ١٨.","vol":"4","page":61},{"text":"روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هم الذين خلقوا للنّار وخلقت النار لهم خلّفوا أموالهم وأهاليهم في الدنيا وحرموا الجنة وصاروا إلى النار فخسروا الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3040>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٦]</span>\nوَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)\nمِنْ أَوْلِياءَ في موضع رفع اسم كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3041>[سورة الشورى (٤٢): آية ٤٧]</span>\nاسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)\nما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ أي من مخلص ولا تنكرون ما وقفتم عليه من أعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3042>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nفَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩)\nوَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثم قال بعد وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ فجاء الضمير لجماعة لأنّ الإنسان اسم للجنس بمعنى الجميع، كما قال جلّ وعزّ: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر: ٢، ٣] فوقع الاستثناء لأن الإنسان بمعنى جمع.\nيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أي من الأولاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3043>[سورة الشورى (٤٢): آية ٥٠]</span>\nأَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)\nأَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا أي يجمع لهم هذا، كما قال محمد بن الحنفية: يعني به التوأم. وقال أبو إسحاق: يزوّجهم يقرن لهم. وكلّ قرينين زوجان. وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا\nأي لا يولد له. وعقيم بمعنى معقوم. وقد عقمت المرأة إذا لم تحمل فهي امرأة عقيم ومعقومة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3044>[سورة الشورى (٤٢): آية ٥١]</span>\nوَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)\nأَنْ في موضع رفع اسم كان ووَحْيًا يكون مصدرا في موضع الحال، كما تقول: جاء فلان مشيا، ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مصدر أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ هذه قراءة أكثر الناس، وقرأ نافع أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا «١»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٨، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨٢.","vol":"4","page":62},{"text":"بالرفع فَيُوحِيَ بإسكان الياء، ولا نعلمه يروى إلّا عن نافع إلّا أنه قال: لم أقرأ حرفا يجتمع عليه رجلان من الأئمة فلهذا قال عبد الله بن وهب: قراءة نافع سنّة. قال أبو جعفر: فأما القول في نصب «يرسل» و«يوحي» ورفعهما فقد جاء به سيبويه عن الخليل بما فيه كفاية لمن تدبّره ونمليه نصا كما قال ليكون أشفى. قال سيبويه «١»: سألت الخليل عن قول الله جلّ وعزّ: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ فزعم أن النصب محمول على «أن» سوى هذه ولو كانت هذه الكلمة على «أن» هذه لم يكن للكلام وجه، ولكنه لما قال: إِلَّا وَحْيًا كان في معنى إلّا أن يوحي وكان «أو يرسل» فعلا لا يجري على «إلّا» فأجري على «أن» هذه كأنه قال: إلّا أن يوحي أو يرسل لأنه لو قال: إلّا وحيا وإلا أن يرسل كان حسنا: وكان أن يرسل بمنزلة الإرسال فحملوه على «أن» إذ لم يجز أن يقولوا: أو إلا يرسل فكأنه قال: إلّا وحيا أو أن يرسل. وقال الحصين بن حمام المرّي: [الطويل] ٤٠٤-\nولولا رجال من رزام أعزّة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما\n«٢» يضمر «أن» وذلك لأنه امتنع أن يجعل الفعل على لولا فأضمر «أن» كأنه قال:\nلولا ذاك أو لولا أن أسؤك. وبلغنا أن أهل المدينة يرفعون هذه الآية وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ فكأنه- والله أعلم- قال الله لا يكلّم البشر إلّا وحيا أو يرسل رسولا أي في هذه الحال. وهذا كلامه إياهم، كما تقول العرب: تحيّتك الضرب، وعتابك السيف، وكلامك القتل، قال عمرو بن معدي كرب: [الوافر] ٤٠٥-\nوخيل قد دلفت لها بخيل ... تحيّة بينهم ضرب وجيع\n«٣» وسألت الخليل ﵀ عن قول الأعشى: [البسيط] ٤٠٦-\nإن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل\n«٤» فقال: الكلام هاهنا على قولك يكون كذا أو يكون كذا ما كان موضعها لو قال\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٥٥.\n(٢) الشاهد للحصين في خزانة الأدب ٣/ ٣٢٤، والكتاب ٣/ ٥٥، والدرر ٤/ ٧٨، وشرح اختيارات المفضّل ٣٣٤، وشرح التصريح ٢/ ٢٤٤، وشرح المفصّل ٣/ ٥٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٤١١، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب ١/ ٢٧٢، والمحتسب ١/ ٣٢٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٠.\n(٣) الشاهد لعمرو بن معد يكرب في ديوانه ١٤٩، وخزانة الأدب ٩/ ٢٥٢، والكتاب ٢/ ٣٣٥، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٠٠، ونوادر أبي زيد ١٥٠، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ٣٤٥، والخصائص ١/ ٣٦٨، وشرح المفصل ٢/ ٨٠، والمقتضب ٢/ ٢٠.\n(٤) مرّ الشاهد رقم (١٥٦) .","vol":"4","page":63},{"text":"فيه: أتركبون، لم ينتقض المعنى صار بمنزلة «ولا سابق شيئا» «١» وأما يونس فقال:\nأرفعه على الابتداء كأنه قال: أو أنتم نازلون، وعلى هذا الوجه فسر الرفع في الآية كأنه قال: أو هو يرسل رسولا، كما قال طرفة: [الطويل] ٤٠٧-\nأو أنا مفتدى\n«٢» وقول يونس أسهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3045>[سورة الشورى (٤٢): آية ٥٢]</span>\nوَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)\nوَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا الكاف في موضع نصب أي: أوحينا إليك وحيا كذلك الذي قصصنا عليك ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ «ما» في موضع رفع بالابتداء و«الكتاب» خبره والجملة في موضع نصب بتدري. ويجوز في الكلام أن تنصب الكتاب وتجعل «ما» زائدة كما روي: هذا «باب علم ما الكلم من العربية» «٣» فنصب «الكلم» وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا ولم يقل: جعلناهما فيكون الضمير للكتاب أو للتنزيل أو الإيمان. وأولاهما أن يكون للكتاب ويعطف الإيمان عليه ويكون بغير حذف وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال الضحاك: الصراط الطريق والهدى. ويقرأ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي «٤» وفي حرف أبيّ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «٥» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3046>[سورة الشورى (٤٢): آية ٥٣]</span>\nصِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)\nصِراطِ اللَّهِ على البدل. قال أبو إسحاق: ويجوز الرفع والنصب. أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ وهي أبدا إليه تعالى. قال الأخفش: يتولّى الله الأمور يوم القيامة دون خلقه، وقد كان بعضها إلى خلقه في الدنيا من الفقهاء والسلاطين وغيرهم.\n_________\n(١) يشير إلى قول زهير:\nتبيّنت أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيا إذا كان جاثيا\n(٢) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ٣٦، والكتاب ٣/ ٥٤، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٨:\n«ولكن مولاي امرؤ هو خالقي ... على الشكر والتساؤل أو أنا مفتدى»\n(٣) انظر الكتاب ١/ ٤٠.\n(٤) انظر البحر المحيط ٧/ ٥٠٥، ومختصر ابن خالويه ١٣٤.\n(٥) انظر البحر المحيط ٧/ ٥٠٥، ومختصر ابن خالويه ١٣٤.","vol":"4","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3047>٤٣ شرح إعراب سورة الزخرف</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3048>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)\nالْكِتابِ مخفوض بواو القسم، وهي بدل من الباء لقربها منها ولشبهها بها الْمُبِينِ نعت. وجواب القسم إِنَّا جَعَلْناهُ الهاء التي في جعلناه مفعول أول وقرآنا مفعول ثان فهذه جعلنا التي تتعدى إلى مفعولين بمعنى صيّرنا وليست وجعلنا التي بمعنى خلقنا لأن تلك لا تتعدى إلّا إلى مفعول واحد، نحو قوله جلّ وعزّ: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١] وفرقت العرب بينهما بما ذكرنا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي تعقلون أمر الله جلّ وعزّ ونهيه إذ أنزل القرآن بلسانكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3049>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤]</span>\nوَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)\nوَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ أي القرآن في اللوح المحفوظ. لَعَلِيٌّ أي عال رفيع.\nوقيل: علي أي قاهر معجز لا يؤتى بمثله حَكِيمٌ محكم في أحكامه ورصفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3050>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥]</span>\nأَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)\nأَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا قال الفرّاء «١» يقال: أضربت عنك وضربت عنك أي أعرضت عنك وتركتك. وفي نصب صفح أقوال منها أن يكون معنى أَفَنَضْرِبُ أفنصفح، كما يقال: هو يدعه تركا لأن معنى يدعه يتركه، ويجوز أن يكون صفحا بمعنى صافحين، كما تقول: جاء زيد مشيا أي ماشيا، ويجوز أن يكون صفحا بمعنى ذوي صفح، كما يقال: رجل عدل أي عادل وكذا رضى. وهذا جواب حسن واختلف العلماء في معنى الذِّكْرَ هاهنا فروى جويبر عن الضحّاك أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ، قال: القرآن. وقال أبو صالح: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ فقال: أفنذر عنكم الذكر\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٨.","vol":"4","page":65},{"text":"فنجعلكم سدى كما كنتم. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال، وإن كانت مختلفة الألفاظ فإنّ معانيها متقاربة فمن قال: الذّكر العذاب قدّره بمعنى ذكر العذاب وذكر العذاب إذا أنزل قرآن. ومن قال: معناه أفنذر عنكم الذّكر فنجعلكم سدى قدّره أفنترك أن ينزل عليكم الذكر الذي فيه الأمر والنهي فنجعلكم مهملين، قال أبو جعفر: وهذا قول حسن صحيح بيّن أي أفنهملكم فلا نأمركم ولا ننهاكم ولا نعاقبكم على كفركم بعد أن ظهرت لكم البراهين لأن كنتم قوما مسرفين. وهذا على قراءة من فتح «أن» «١» وهي قراءة الحسن وأبي عمرو وابن كثير وعاصم، وسائر القراء على كسر «إن» أي متى أسرفتم فعلنا بكم هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3051>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧)\nكَمْ في موضع نصب وهي عقيبة ربّ في الخبر، فمن العرب من يحذف «من» وينصب، ومنهم من يخفض وإن حذف «من» كما قال: [السريع] ٤٠٨\n- كم بجود مقرف نال العلى ... وكريم بخله قد وضعه\n«٢» وأفصح اللّغات إذا فصلت أن تأتي بمن، وهي اللغة الّتي جاء بها القرآن، وكذا كلّ ما جاء به القرآن وربما وقع الغلط من بعض أهل اللغة فيما يذكرون من فصيح الكلام.\nفأما المحققون فلا يفعلون ذلك فمما ذكر بعضهم في الفصيح من الكلام من زعم أنه يقال: أضربت عن الشّيء بالألف، وزعم أنها اللغة الفصيحة. سمعت علي بن سليمان يقول: هذا غلط والفصيح. ضربت عن الشيء، لأن إجماع الحجة في قراءة الفرّاء أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا بفتح النون، وذكر بعضهم أنّ الفصيح: عظّم الله أجرك، وإجماع الحجّة في قراءة القراء وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق: ٢] في حروف كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3052>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨]</span>\nفَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)\nفَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا منصوب على البيان. وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ قال قتادة:\nأي عقوبة يجوز أن تكون «مثل» هاهنا بمعنى صفة أي صفتهم بأنهم أهلكوا لمّا كذّبوا، ويجوز أن يكون مثل على بابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3053>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٠]</span>\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا «٣» «الذي» في موضع رفع على النعت للعزيز أو على إضمار مبتدأ لأنه أول آية.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٨. [.....]\n(٢) مرّ الشاهد رقم ٤٥.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٥١.","vol":"4","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3054>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١١]</span>\nوَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)\nالكاف في موضع نصب أي تخرجون خروجا مثل ذلك. وبيّن معنى هذا عبد الله بن مسعود، وهو مما لا يؤخذ به إلا بالتوقيف، قال: يرسل الله جلّ وعزّ ماء مثل منيّ الرجال وليس شيء خلق من الأرض إلّا وقد بقي منه شيء فتنبت بذلك الجسمان واللحوم تنبت من الثرى والمطر ثم تلا عبد الله وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3055>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٢]</span>\nوَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢)\nوَالَّذِي في موضع رفع على العطف. خَلَقَ الْأَزْواجَ جمع زوج جمع على أفعال. وسبيل فعل من غير هذا الجنس أن يجمع على أفعل فكرهوا أن يقولوا: أزوج لأن الحركة في الواو ثقيلة فحوّل إلى جمع فعل لأنّ عدد الحروف واحد فشبّهوا فعلا بفعل كما شبّهوا فعلا بفعل فقالوا: زمن وأزمن كُلَّها توكيد ويسميه بعض النحويين صفة. وباب كلّها الجمع الكثير، والجمع القليل كلهن. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ إن جعلت «ما» بمعنى الذي فالضمير محذوف لطول الموسم ولو ظهر الضمير لجاز مما تركبونه على لفظ «ما» ومما تركبونها على تأنيث الجماعة، وإن جعلت «ما» مصدرا لم تحتج إلى حذف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3056>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٣]</span>\nلِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)\nلِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ قال الفرّاء «١»: ولم يقل ظهورها لأنه بمعنى: كثر الدرهم أي هو بمعنى الجنس. قال أبو جعفر: وأولى من هذا أن يكون يعود على لفظ «ما» لأن لفظها مذكر موحد، وكذا ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ جاء على التذكير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3057>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٤]</span>\nوَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)\nمعطوف على ما قبله من القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3058>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٥]</span>\nوَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)\nوَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا ذكر معناه في ثلاثة أقوال روى ابن أبي نجيح عن\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٨.","vol":"4","page":67},{"text":"مجاهد «جزءا» قال: ولدا وبنات وقال عطاء: يعني نصيبا شركا. وقال زيد بن أسلم:\nإنّها الأصنام، فهذان قولان. وذكر أبو إسحاق قولا ثالثا وهو أن جزءا للبنات خاصة وأنشد بيتا في ذلك أنشده زعم وهو: [البسيط] ٤٠٩-\nإن أجزأت حرّة يوما فلا عجب ... قد تجزئ الحرّة المذكار أحيانا\n«١» أي تلد إناثا. قال أبو جعفر: الذي عليه جماع الحجّة من أهل التفسير واللغة أنّ الجزء النصيب وهذا مذهب عطاء الذي ذكرناه ومجاهد والربيع بن أنس والضحّاك وهو معنى قول ابن عباس، وقال محمد بن يزيد: الجزء النصيب. وقول زيد بن أسلم جماع الحجّة على غيره أيضا، والرواية تدل على خلافه ونسق الكلام لأن بعده وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا وقيل: هذا أيضا يلي ذاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3059>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٦]</span>\nأَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)\nأَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ فهذا يدلّ على أنّ هذا ليس للأصنام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3060>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٧]</span>\nوَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)\nظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا اسم ظلّ وخبرها، ويجوز في الكلام ظلّ وجهه مسودّ على أن يكون في ظلّ ضمير مرفوع يعود على أحد، ووجهه مرفوع بالابتداء ومسودّ خبره والمبتدأ وخبره خبر الأول، ومثله مما حكاه سيبويه «كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه أو ينصّرانه» «٢» وحكى سيبويه الرفع في اللّذين والنصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3061>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٨]</span>\nأَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)\nأَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ «٣» قال أبو إسحاق: «من» في موضع نصب والمعنى أو جعلتم من ينشأ، وقال الفرّاء «٤»: «من» في موضع رفع على الاستئناف، وأجاز النصب، قال: واذن رددته على أول الكلام على قوله جلّ وعزّ: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا واختلف القراء في قراءة هذا الحرف فقرأ ابن عباس والكوفيون غير عاصم أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا واحتجّ أبو عبيد للقراءة الأولى بقوله جلّ وعزّ: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً [الواقعة: ٣٥]\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (جزأ) وتهذيب اللغة ١١/ ١٤٥، وتاج العروس (جزأ) والبحر المحيط ٨/ ١٠، وغريب القرآن ٣٩٦، وروح المعاني ٢٥/ ٦٩، والكشاف ٤/ ٢٤١.\n(٢) مرّ تخريج الحديث في إعراب الآية ٥٨- النحل.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٥٨، ينشّأ: قراءة حفص وحمزة والكسائي، والباقون بفتح الياء وسكون النون وتخفيف الشين.\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٩.","vol":"4","page":68},{"text":"قال أبو جعفر: وهما قراءتان مشهورتان قد روتهما الجماعة، وليس فيما جاء به حجّة لأنّا نعلم أنّه لا ينشأ حتّى ولو لزم ما قال لما قيل: مات فلان لقوله جلّ وعزّ: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [البقرة: ٢٨، والحج: ٦٦، والروم: ٤٠] فكان يجب أن يقال: أميت وكذا حيي، والفرق على خلاف ما قال عند النحويين وذلك أنّ معنى ينشّأ لمرّة بعد مرّة على التكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3062>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nوَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)\nوَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا مفعولان أي وصفوا أنه هكذا، وحكموا أنه كذا. واختلف في قراءة هذا أيضا فقرأ عبد الله بن عباس والكوفيون وأبو عمرو عِبادُ الرَّحْمنِ «١» وقرأ أهل الحرمين والحسن وأبو رجاء عند الرحمن «٢» واحتجّ أبو عبيد لقراءة من قرأ عِبادُ الرَّحْمنِ بأن الإسناد فيها أعلى وأنها ردّ لقولهم:\nالملائكة بنات الله فقال: ليسوا بنات هم عباد. قال أبو جعفر: وهما قراءتان مشهورتان معروفتان إلّا أن أولاهما «عند» من غير جهة والذي احتجّ به أبو عبيد لا يلزم لأنه احتجّ بأن الإسناد في القراءة بعباد أعلى. ولعمري أنّها صحيحة عن ابن عباس ولكن إذا تدبرت ما في الحديث رأيت الحديث نفسه قد أوجب أن يقرأ (عند) لأن سعيد بن جبير احتجّ على ابن عباس بالمصحف، فقال: في مصحفي «عند» . وهذه حجّة قاطعة لأن جماع الحجّة من كتب المصاحف مما نقلته الجماعة على أنه «عند» . ولو كان «عباد» لوجب أن يكتب بالألف، كما كتب بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء: ٢٦] . واحتجاجه بأنه ردّ لقولهم بنات لا يلزم لأن عبادا إنما هو نفي لمن قال: ولد لأنه يقع للمذكّر والمؤنّث. والأشبه بنسق الآية قراءة من قرأ (عند) لأن المعنى فيه وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن أي لم يروهم إناثا فكيف قالوا هذا وهم عند الرحمن وليسوا عندهم؟ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ «٣» قراءة نافع وأما سائر القراء فيما علمنا فإنهم قرءوا أشهدوا وهما قراءتان حسنتان قد نقلتهما الجماعة. والمعنى فيهما متقارب لأنهم إذا شهدوا فقد أشهدوا، وقوله جلّ وعزّ: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ [الصافات: ١٥٠] يدلّ على قراءة من قرأ أشهدوا والأخرى جائزة حسنة قال جلّ وعزّ ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الكهف: ٥١] .\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨٥.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٥٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨٥.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ١١.","vol":"4","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3063>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٢ الى ٢٦]</span>\nبَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦)\nبَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ هذه القراءة التي عليها اجتماع الحجّة واللغة المعروفة. والأمّة: الدّين، ومنه كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [البقرة: ٢١٣] أي على دين واحد. وقراءة مجاهد وعمر بن عبد العزيز ﵀ عَلى أُمَّةٍ «١» بكسر الهمزة.\nوَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ والأصل إننا حذفت النون تخفيفا ومُهْتَدُونَ خبر «إنّ» ويجوز النصب في غير القرآن على الحال، وكذا مُقْتَدُونَ وروى معمر عن قتادة إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها قال: رؤوسهم وأشرافهم. وقرأ يزيد بن القعقاع قل اولو جئناكم «٢» واستبعد أبو عبيد هذه القراءة، واحتجّ بأن قبله «قل» ولم يقل: قلنا والحجّة لهذه القراءة أنّ قبله إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فخاطبهم النبيّ ﷺ بجئنا لهم عنه وعن الرسل ﵈ فقال: أو لو جئناكم. بَراءٌ القراءة التي عليها حجّة الجماعة والسواد، وعن ابن مسعود أنه قرأ إِنَّنِي بَرِيءٌ إلّا أن الفرّاء «٣» قال: إنّ مثل هذا يكتب بالألف، وأجاز في كل همزة أن تكتب ألفا. قال أبو جعفر: هذا شاذّ بعيد يلزم قائله أن يكتب يستهزئ بالألف، وهذا فيه من الأشكال ومخالفة الجماعة أغلظ وأقبح من قرأ برآء قال: في الاثنين والجميع أيضا برآء، والتقدير: إنّني ذو برآء مثل لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [البقرة: ١٧٧] ومن قال: بريء قال في جمعه برءاء أو برآء على وزن كرماء وكرام. وحكى الكوفيون جمعا ثالثا انفردوا به حكوا: برآء على وزن براع وزعموا أنه محذوف من برءاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3064>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٧]</span>\nإِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)\nإِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي في موضع نصب على الاستثناء من قول «ما تعبدون» ويجوز أن يكون استثناء منقطعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3065>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٢٨]</span>\nوَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)\nوَجَعَلَها الهاء والألف كناية عن قوله: «إنّني برآء» وما بعده أي وجعل تبرّؤه من كلّ ما يعبدون من دون الله جلّ وعزّ وإخلاصه التوحيد لله ﷿.\nكَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ والفاعل المضمر في «جعلها» يجوز أن يكون عائدا على قوله: الَّذِي فَطَرَنِي أي وجعلها الله تعالى كلمة باقية في عقبه وأهل التفسير على هذا\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٢.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٥٩.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٣٠.","vol":"4","page":70},{"text":"أنّه لا يزال من ولد إبراهيم ﷺ موحدون. وقيل: الضمير عائد على إبراهيم أي وجعلها كلمة باقية في عقبه أي عرفهم التوحيد والتبرّؤ من كل معبود دون الله جلّ وعزّ فتوارثوه فصار كلمة باقية في عقبه ويقال: «في عقبه» بحذف الكسرة لأنها ثقيلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3066>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣١]</span>\nوَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)\nوَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ على عطف البيان الذي يقوم مقام النعت لهذا، هذا قول سيبويه. وغيره يقول: نعت عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ نعت لرجل وليس الرجل يكون من القريتين، ولكن حقيقته في العربية على رجل من رجلي القريتين ثم حذف مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] . فأما قوله جلّ وعزّ: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ فمعناه لم أهلكهم كما أهلك غيرهم من الكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3067>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٢]</span>\nأَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)\nأَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ «هم» رفع على إضمار فعل لأن الاستفهام عن الفعل، ويجوز أن يكون موضعه مرفوعا بالابتداء. نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ أي فكذلك فضلنا بعضهم على بعض بالاصطفاء والاختيار. ودَرَجاتٍ في موضع نصب مفعول ثان حذف منه «إلى»، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا أي فضّلنا بعضهم على بعض في الرزق ليسخّر بعضهم لبعض. وكلّ من عمل لرجل عملا فقد سخّر له بأجرة كان أو بغير أجرة. وعن ابن عباس والضّحاك لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا «١» قال: العبيد، قال الفرّاء «٢»: يقال سخريّ وسخريّ بمعنى واحد هاهنا وفي قَدْ أَفْلَحَ [المؤمنون: ١] وفي «صاد» «٣» . قال أبو جعفر:\nوالأمر كما قال الفرّاء عند جميع أهل اللغة إلّا شيئا ذكره أبو عمرو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3068>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nوَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤)\nوَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال الفرّاء: «أن» في موضع رفع، لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ «بيوتهم» فيه غير قول، منه أن المعنى أي على بيوتهم، وقيل: إنه بدل بإعادة الحرف مثل: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: ٧٥] . قال أبو جعفر: وهذا القول أولى\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٤. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٣١.\n(٣) الآية ٦٣.","vol":"4","page":71},{"text":"بالصواب لأن الحروف لا تنقل عن بابها إلّا بحجة يجب التسليم لها وسقف «١» على الجمع قراءة الحسن ومجاهد وأبي رجاء الأعرج وشيبة ونافع وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي، وأما قراءة أبي عمرو وأبي جعفر وابن كثير وشبل وحميد فسقف «٢» على التوحيد. قال أبو جعفر: سقف فيما ذكر أبو عبيد جمع سقف مثل: رهن ورهن، ورأيت علي بن سليمان ينكر هذا لأنه ليس بجمع فعل مطرد. قال: ورهن جمع رهان مثل حمار وحمر، ورهان جمع رهن مثل عبد وعباد، وكذا «سقفا» . وحكى الفرّاء: أن سقفا جمع سقيفة فأما قراءة من قرأ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ فتأوّلها إسماعيل بن إسحاق على أنّ «من» لواحد، قال: والمعنى: لجعلنا لكل من كفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة إلا أنه استبعد هذه القراءة، وحكي أنّ هذا متناول بعيد، واستدلّ على أن القراءة بالجمع أولى لأن بعده ومعارج وسررا وأبوابا فكذا سقف بالجمع أولى. قال أبو جعفر: الذي تأوله بعيد وأولى منه أن يكون سقف بمعنى سقف كما قال جلّ وعزّ:\nثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: ٥] وكما قال الشاعر: [الوافر] ٤١٠-\nكلوا في بعض بطنكم تعفّوا ... فإنّ زمانكم زمن خميص\n«٣» والأحاديث تدلّ على أن القراءة سقف، وكذا نسق الكلام كما حدّثنا بكر بن سهل قال: حدّثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله جلّ وعزّ: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً الآية والتي بعدها قال:\nيقول سبحانه لولا أن جعل الناس كلّهم كفارا لجعلت للكفار لبيوتهم سقفا من فضّة ومعارج عليها من فضة وزخرفا قال: ذهبا، قال سعيد بن جبير والشعبي: لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا أي جذوعا فهذا كلّه يدل على الجمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3069>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٥]</span>\nوَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)\nوَزُخْرُفًا معطوف على سقف. وزعم الفرّاء: أنه يجوز أن يكون معناه سقفا من فضة ومن زخرف ثم حذفت من فنصب. والقول الأول أولى بالصواب. وزعم ابن زيد أن الزخرف متاع البيت فأما أكثر أهل التفسير منهم ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة فقالوا:\nالزخرف الذهب، وقال الشعبي: الزخرف الذهب والفضة. قال أبو جعفر: والزخرف في اللغة، على ما حكاه محمد بن يزيد، الزينة قال: يقال: بنى داره فزخرفها أي زيّنها وحسّنها. وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فاللام للتوكيد عند البصريين، وعند الكوفيين\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ١٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨٥.\n(٣) الشاهد بلا نسبة في الكتاب ١/ ٢٧١، وأسرار العربية ص ٣٢٣، وتخليص الشواهد ١٥٧، وخزانة الأدب ٧/ ٥٣٧، والدرر ١/ ١٥٢، وشرح المفصّل ٥/ ٨، والمقتضب ٢/ ١٧٢، وهمع الهوامع ١/ ٥٠.","vol":"4","page":72},{"text":"بمعنى إلّا و«ما» زائدة للتوكيد، وعند بعض النحويين نكرة بمعنى شيء. وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ رفع بالابتداء والتقدير ثواب الآخرة عند ربّك للمتقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3070>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٦]</span>\nوَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)\nوَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ قال محمد بن يزيد: يعش يتعامى، وأصله من الأعشى، وهو الذي قد ركب بصره ضعف وظلمة. ومنه جاء فلان يعشو، إذا جاءه ليلا لما يركب بصره من الظلمة. وقال غيره: عشي عن ذكر الرحمن لم ينتفع بالذكر كما أن الأعشى الذي لا يبصر في الضوء فهو لا ينتفع ببصره كما ينتفع غيره ويَعْشُ في موضع جزم بالشرط وعلامة الجزم فيه حذف الواو وهو مشتق من العشي إلّا أنه يقال:\nعشي يعشى إذا صار أعشى، وعشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى. وهو من ذوات الواو، والياء في عشي منقلبة من واو، وكذا الألف في عشا الذي هو مصدر. ولهذا قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف والدليل على ذلك أنه يقال: امرأة عشواء. نُقَيِّضْ لَهُ جواب الشرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3071>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٧]</span>\nوَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)\nوَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ محمول على المعنى لأن شيطانا يؤدّي عن معنى شياطين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3072>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٣٨]</span>\nحَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)\nحَتَّى إِذا جاءَنا قراءة نافع وعاصم وعبد الله بن عامر وهي البينة لأن الضمير يعود على «من» و«القرين»، وقراءة أبي عمرو والكوفيين غير عاصم حَتَّى إِذا جاءَنا «١» وهو بمعنى ذلك أي حتّى إذا جاءنا هو وقرينه والعرب تحذف مثل هذا، كما يقال:\nكحلت عيني، يراد العينان. قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ اسم «ليت» وهي ظرف، كما يقال: يا ليت بيني وبينك بعدا. ويجوز بعد بمعنى ليت مقدار ذلك، فإن قلت:\nليت بيني وبينك متباعد رفعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3073>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nوَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠)\n«أنّ» في موضع رفع أي لن ينفعكم اشتراككم لأنّ الإنسان في الدنيا إذا أصيب بمصيبة هو وغيره سهلت عليه بعض السهولة وتأسّى به فحرم الله جلّ وعزّ ذلك أهل النار.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨٦.","vol":"4","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3074>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤١ الى ٤٣]</span>\nفَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)\nفَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ في موضع جزم بالشرط، والنون للتوكيد ولولا هي لكانت الباء ساكنة وكذا أَوْ نُرِيَنَّكَ في موضع جزم، ولولا النون لحذفت الياء ولكنها بنيت معها على الفتح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3075>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٤]</span>\nوَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤)\nوَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: إن القرآن لشرف لك ولقومك، وتأوّل هذا مجاهد على أنه شرف لقريش، قال يقال: ممّن الرجل؟ فيقال: من العرب فيقال: من أيّ العرب؟ فيقول: من قريش. وقال غيره:\nقومه هاهنا من آمن به وكان على منهاجه. وقيل: معنى وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ وإنّ الذي أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لذكر أي أنزل لتذكروا به وتعرفوا أمر دينكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3076>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٥ الى ٤٨]</span>\nوَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)\nقال أبو جعفر: في هذه الآية إشكال لأن النبيّ ﷺ لا يحتاج مسألة. وقد ذكرنا قول جماعة من العلماء فيها فمنهم من قال: في الكلام حذف، والتقدير: واسأل من أرسلنا إليه من قبلك رسلا من رسلنا، قال: والخطاب للنبيّ ﷺ والمراد المشركون به. قال أبو جعفر:\nأما حذف رسل هاهنا فجائز لأن من رسلنا يدلّ عليه، كما قال الشاعر: [الوافر] ٤١١-\nكأنّك من جمال بني أقيش\n«١» والتقدير: كأنك جمل من جمال بني أقيش، وأمّا حذف إليه فلا يجوز لو قلت:\nمررت بالذي ضربت أو بالذي قام وأنت تقدّر حذف حرف الخفض والمضمر لم يجز وإنما يجوز حذف المضمر الذي في الصلة وقوله: المخاطب النبيّ ﷺ والمراد به المشركون، كلام فيه نظر. والقول في الآية- والله جلّ وعزّ أعلم- ما قاله قتادة قال:\nسل أهل الكتاب أأمر الله جلّ وعزّ إلّا بالتوحيد والإخلاص. وشرح هذا من العربية قل: يا محمد لمن عبد الأوثان سل أمم من قد أرسلنا من رسلنا أي من آمن منهم هل أمر الله جلّ وعزّ أن يعبد وثن أو يعبد معه غيره؟ فإنهم لا يجدون هذا في شيء من الكتب، ثم حذفت أمم وأقيمت «من» مقامها، مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3077>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nوَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)\nوَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ وقرأ ابن عامر يا أَيُّهَا «٢» السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ «الساحر» نعت لأيّ على اللفظ، ولا يجوز النصب إلا في قول المازني على الموضع لأن موضع أي نصب. قال أبو إسحاق: إن قال قائل: كيف قالوا يا أيّها الساحر وقد زعموا أنهم\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٩٠) .\n(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨٣.","vol":"4","page":74},{"text":"مهتدون؟ فإنما وقع الخطاب على أنه كان عندهم مسمّى بهذا فقالوا: يا أيّها الساحر على ذلك. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا غير هذا الجواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3078>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥١]</span>\nوَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١)\nوَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قيل: كان نداؤه كراهة أن يتّبع قومه موسى ﷺ لأنه لمّا دعا كشف عنهم العذاب فتبيّن عجز فرعون عن كشفه فكره أن يتّبعوه فقال: أنا أولى بالاتّباع منه. قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ في موضع خفض، ولم ينصرف عند البصريين «١» لأنها مؤنثة سميت بمذكر، وكذا لو سميت امرأة بزيد لم ينصرف وأجازوا صرف مصر على أن يكون اسما للبلد، وترك الصرف أولى لأن المستعمل في مثلها بلدة فأما الكوفيون فيذهبون إلى أن مصر بمنزلة امرأة سمّيت بهند فكان يجب أن ينصرف إلا أنها منعت من ذلك لقلتها في الكلام. وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي «تجري» في موضع نصب على الحال. ويجوز أن يكون في موضع رفع على خبر هذه أَفَلا تُبْصِرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3079>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٢]</span>\nأَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢)\nأَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ قال الفرّاء: هو من الاستفهام الذي جاء بأم لاتصاله بكلام قبله قال: ويجوز أن تردّه على قوله «أليس لي ملك مصر» . وقد شرحناه بأكثر من هذا. وزعم الفرّاء «٢»: أنه أخبره بعض المشيخة أنه يقرأ افلا تبصرون أما أنا خير «٣» قال أبو جعفر: يقدّره «أما» التي بمعنى «ألا» وحقا، ويكون على هذا أَفَلا تُبْصِرُونَ تمام الكلام. فهذه القراءة خارجة من حجّة الإجماع وكان يجب على هذا أن يكون «أما» بالألف «أنا» مبتدأ وخَيْرٌ خبره وكذا هُوَ مَهِينٌ. وفي معنى «مهين» قولان: قيل معناه الذي يمتهن نفسه في حاجاته ومعاشه ليس له من يكفيه. وقال الكسائي: المهين الضعيف الذليل، وقد مهن مهانة. وهذا أولى بالصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3080>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٣]</span>\nفَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)\nفلولا ألقي عليه أساورة من ذهب هذه قراءة «٤» أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل البصرة إلا الحسن وقتادة وشيئا يروى عن عبد الله وأبيّ فأما الحسن وقتادة فقرأ لولا ألقي عليه أسورة «٥» والذي روي عن عبد الله وأبيّ فلولا ألقي عليه أساوير قال أبو جعفر: أساورة جمع إسوار. وحكى الكسائي: أسوار وسوار وسوار بمعنى\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٢٦٦.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٣٥.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٣.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٥٩، والبحر المحيط ٨/ ٢٤.\n(٥) انظر تيسير الداني ١٥٩، والبحر المحيط ٨/ ٢٤.","vol":"4","page":75},{"text":"واحد، وأساوير وأساورة واحد مثل زنادقة وزناديق إلّا أنه إذا كان بالهاء انصرف لأن الإعراب يقع عليها، وهي بمنزلة اسم ضم إلى اسم. وقال أبو إسحاق: إنما انصرف لأنه له في الواحد نظيرا نحو علانية وعباقية ويجوز أن يكون أساور جمع أسورة أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3081>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nفَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)\nفَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ أي استخفّهم بذلك القول إلى الكفر بموسى ﷺ. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فَلَمَّا آسَفُونا قال: يقول أسخطونا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3082>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٦]</span>\nفَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)\nفَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا «١» قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي سَلَفًا وهو جمع سليف، وقد سمع عن العرب سليف.\nوروي عن حميد الأعرج أنه قرأ سَلَفًا بضم السين وفتح اللام جمع سلفة وأبو حاتم لا يعرف معناه لشذوذه. وقال أبو إسحاق: سلفة أي فرقة متقدمة ومع إنكار أبي حاتم إياه فإن فيه مطعنا لأن الكسائي رواه عن ابن حميد فذكر إسماعيل بن إسحاق القاضي عن علي بن المديني «٢» قال: سألت ابن عيينة عن قراءة حميد سَلَفًا فلم يعرفه فقلت له: إنّ الكسائي رواه عنك فقال: لم نحفظه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3083>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٧]</span>\nوَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)\nوَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا لم ينصرف مريم ﵍ لأنها معرفة واسم مؤنث، ويجوز أن يكون اسما أعجميا فيكون ذلك علّة، ويجوز أن يكون عربيا مبنيا على مفعل جاء على الأصل من رام يريم. إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ «٣» قراءة مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وأبي عمرو وعاصم وحمزة، ويروى عن ابن عباس بكسر الصاد.\nويَصِدُّونَ «٤» بالضم قراءة الحسن وإبراهيم وأبي جعفر وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والكسائي، وتروى عن علي بن طالب ﵁ وأبي عبد الرحمن السلمي وعبيد بن عمير الليثي. قال أبو جعفر: حكى الكسائي والفراء «٥» إنّ يصدّون ويصدّون لغتان بمعنى واحد، كما يقال: نمّ ينمّ وينمّ وشدّ يشدّ ويشدّ، وفرّق أبو عبيد القاسم بن\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨٧، وتيسير الداني ١٥٩. [.....]\n(٢) علي بن المديني، محدّث، (ت ٢٣٤ هـ) ترجمته في الأعلام ٥/ ١١٨.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٥٩.\n(٤) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٥.\n(٥) انظر معاني الفراء ٣/ ٣٦.","vol":"4","page":76},{"text":"سلام بينهما فزعم أن معنى يصدّ يضجّ ومعنى يصدّ من الصدود عن الحق، وزعم أنها لو كانت يصدّ بالضم لكانت إذا قومك عنه يصدّون. قال أبو جعفر: وفي هذا ردّ على الجماعة الذين قراءتهم حجّة وقد خالف بقوله هذا الكسائي والفراء، والذي ذكره من الحجة ليس بواجب لأنه يقال: صددت من قوله أي لأجل قوله وعلى هذا معنى الآية- والله جلّ وعزّ أعلم- إنّما هو «يصدّون» من أجل ذلك القول، وقد يجوز أن يكون مع ذلك الصدود ضجيج فيقول المفسّر: معناه يضجّون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3084>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٨]</span>\nوَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)\nوَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ ابتداء وخبر «أم هو» معطوف على الهتنا ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا مفعول من أجله أي لم يقولوا هذا على جهة المناظرة ولا على جهة التثبت فهذا فرق بين الجدل والمناظرة لأن المتناظرين يجوز أن يكون كل واحد منهما يطلب الصواب والجدل الذي جادلوا به النبيّ ﷺ فيما روي عن ابن عباس أنه لمّا أنزل الله جلّ وعزّ: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء:\n٩٨] قالوا: أليس قد عبد عيسى ﷺ وهو عندك رجل صالح فقد جعلته في النار معنا فهذا هو الجدل الذي كان منهم لأن الكلام لا يوجب هذا لأنه قال جلّ وعزّ: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ولم يقل من تعبدون و«ما» فإنما هي لغير بني أدم. بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ أي كثير والخصومة فيما يدفعون به الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3085>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥٩]</span>\nإِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩)\nإِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ أي أنعمنا عليه بظهور الآيات على يديه. وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ قال أبو إسحاق: يعني عيسى ﷺ أي يدلّهم على نبوته، وقال غيره وصفناه لبني إسرائيل بأنه مثل لآدم ﵇. وقيل: مثل ومثل واحد أي هو بشر مثلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3086>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٠]</span>\nوَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يقول يخلف بعضهم بعضا. وفي أبي صالح عنه قال: لو نشاء لجعلناهم خلائف وأهلكناهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3087>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nوَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)\nوَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قراءة أكثر الناس، ويروى عن ابن عباس وأبي هريرة أنّهما قرا وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ «١» وزعم الفراء «٢» أنهما متقاربتا المعنى. وحكي عن محمد بن\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٦.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٣٧.","vol":"4","page":77},{"text":"يزيد أنه قال: معنى «لعلم» لذكر وتنبيه وتعريف، ومعنى «لعلم» لدلالة وعلامة. قال أبو جعفر: فأما الضمير الذي في وَإِنَّهُ ففي معناه قولان: مذهب ابن عباس وأبي هريرة وأبي مالك ومجاهد والضحاك أنّ الضمير لعيسى ﷺ، والمعنى: لنزوله، والقول الآخر، وهو قول الحسن، أن الضمير للقرآن أي وإن القرآن لعلم للساعة لأنه لا ينزل كتاب بعده، والقول الأول أبين وعليه أكثر الناس، وقد قيل: في هذا دليل على أنه إذا نزل عيسى ﷺ رفعت المحنة ولم تقبل من أحد توبة. وفي الحديث عن النبيّ ﷺ ما يدلّ على ذلك وهو قوله «فليكسرنّ الصليب وليقتلنّ الخنزير وتلقي الأرض أفلاذ كبدها» «١» ففي هذا دليل أنه لا أحد يأخذ من أحد زكاة، وأنّ المحنة قد ارتفعت وقربت الساعة فَلا تَمْتَرُنَّ بِها قال أبو إسحاق: أي فلا تشكّوا وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ «مستقيم» نعت لصراط، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3088>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nوَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)\nوَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قال أبو إسحاق: أي بالآيات المعجزات قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ قال: أي بالإنجيل وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ قال أبو عبيدة: بعض بمعنى كل وأنشد: [الكامل] ٤١٢-\nأو يخترم بعض النّفوس حمامها\n«٢» قال أبو جعفر: وهذا القول مردود عند جميع النحويين، ولا حاجة عليه من معقول أو خبر لأن بعضا معناها خلاف معنى «كلّ» في كل المواضع. قال أبو إسحاق: المعنى ولأبيّن لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه، وقال غيره: إنما بيّن لهم بعض الذي اختلفوا فيه على الحقيقة وذلك ما سألوه عنه أو كانت لهم في إخباره إياهم منفعة، وقد يجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك. والبيت الذي أنشده أبو عبيدة لا حجة فيه لأن معنى «أو يخترم بعض النفوس» أنه يعني نفسه وبعض النفوس.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه ب ٧١ رقم ٢٤٣، وذكره الطحاوي في مشكل الآثار ١/ ٢٨، والآجري في الشريعة ٣٨٠، والمتقي الهندي في كنز العمال ٣٩٧٢٢، والقرطبي في تفسيره ١٠/ ٣١٥،\n«لينزلن ابن مريم حكما ... عادلا فليكسرن الصليب ...»\n(٢) الشاهد للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٣١٣، والخصائص ١/ ٧٤، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٧٧٢، وشرح شواهد الشافية ٤١٥، والصاحبي في فقه اللغة ص ٢٥١، ومجالس ثعلب ص ٦٣، والمحتسب ١/ ١١١، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٧/ ٣٤٩، والخصائص ٢/ ٣١٧. وصدره:\n«تراك أمكنة إذا لم أرضها»","vol":"4","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3089>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nفَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦)\nفَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ قال أبو إسحاق: الأحزاب اليهود والنصارى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3090>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٧]</span>\nالْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧)\nالْأَخِلَّاءُ جمع خليل ولم يقل فيه فعلاء كراهة التضعيف بَعْضُهُمْ على البدل من الأخلاء، ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء لِبَعْضٍ عَدُوٌّ الخبر. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) قال: فكلّ خلّة فهي عداوة يوم القيامة إلّا خلّة المتقين إِلَّا الْمُتَّقِينَ نصب على الاستثناء من موجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3091>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٨]</span>\nيا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)\nمن حذف الياء، وهو أكثر في كلام العرب قال: النداء موضع حذف ومن أثبتها قال: هي اسم في موضع خفض فأثبتّها كما أثبت المظهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3092>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٦٩]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)\nالَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا في موضع نصب على النعت لعبادي، ويدلّك على أنه نعت له. وتبيين ما رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: بينما الناس في الموقف إذ خرج مناد من الحجب فنادى يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ففرحت الأمم كلّها، وقالت نحن عباد الله كلنا فخرج ثانية فنادى الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ فيئست الأمم كلّها إلا أمة محمد ﷺ ومن كان مسلما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3093>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٠]</span>\nادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)\nادْخُلُوا الْجَنَّةَ أي يقال لهم ذلك أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ عطف على المضمر في ادخلوا «وأنتم» توكيد تُحْبَرُونَ في موضع نصب على الحال. وعن ابن عباس «تحبرون» تكرمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3094>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧١]</span>\nيُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١)\nيُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وحكي في الجمع كوبة وكيبان ويجوز كياب وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ «١» هذه قراءة أهل المدينة وأهل الشام، وكذا في\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٠، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨٨.","vol":"4","page":79},{"text":"مصاحفهم. وقراءة أهل العراق تَشْتَهِي\nبغير هاء، والقراءتان حسنتان فإثبات الهاء على الأصل وحذفها لطول الاسم غير أنه حكي عن محمّد بن يزيد أنه يختار إثبات الهاء ويقدمه على حذفها في مثل هذا، وعلته في ذلك أنّ الهاء إنما حذفت في الذي لطول الاسم، «وما» أنقص من الذي، وأيضا فإنك إذا حذفت الياء في «الذي» وفي «التي» فقد عرف المذكر من المؤنث، وليس هذا في «ما» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3095>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nوَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣)\nوَتِلْكَ الْجَنَّةُ نعت لتلك التي خبر الابتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3096>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ خبر «إنّ» ويجوز النصب في غير القرآن على الحال، وكذا وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ قال الفراء: وفي قراءة عبد الله وهم فيها يريد جهنم.\nومن قال «فيه» أراد العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3097>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٦]</span>\nوَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)\nخبر كان. و«هم» عند سيبويه فاصلة لا موضع لها من الإعراب بمنزلة «ما» في قوله جلّ وعزّ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [النساء: ١٥٥ والمائدة: ١٣] والكوفيون يقولون هم عماد. قال الفراء «١»: وفي حرف عبد الله بن مسعود ولكن كانوا هم الظالمون «٢» . قال أبو جعفر: وعلى هذا يكون «هم» في موضع رفع بالابتداء و«الظالمون» خبر الابتداء وخبره خبر كان، كما تقول: كان زيد أبوه خارج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3098>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٧٧]</span>\nوَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧)\nوَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قال مجاهد: ما كنا ندري معنى «يا مالك» حتّى سمعنا في قراءة عبد الله ونادوا يا مال «٣» . قال أبو جعفر: هذا على الترخيم، والعرب ترخّم مالكا وعامرا كثيرا إلّا أن هذا مخالف للسواد، وفيه لغتان يقال: يا مال أقبل، هذا أفصح اللغتين، كما قال: [البسيط] ٤١٣-\nيا حار لا أرمين منكم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك\n«٤» ومن العرب من يقول: يا مال أقبل، فيجعلون ما بقي اسما على حاله.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٣٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٧، ومعاني الفراء ٣/ ٣٧.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٧.\n(٤) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ١٨٠.","vol":"4","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3099>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨٠]</span>\nأَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)\nأَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى والكوفيون يقرءون يَحْسَبُونَ يقال:\nحسب يحسب وتحسب، لغتان، والقياس الفتح مثل حذر يحذر إلّا أن الكسر أكثر في كلام العرب. ويقال: إنّ لغة النبيّ ﷺ الكسر، وفتحت «أن» لأنها في موضع اسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3100>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨١ الى ٨٣]</span>\nقُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)\nإن جعلت «إن» للشرط فكان في موضع جزم وإن جعلتها بمعنى «ما» فلا موضع لكان. وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ قال: يقول: لم يكن للرحمن ولد. قال أبو جعفر: جعل «إن» بمعنى «ما» كما قال جلّ وعزّ: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ [الملك: ٢٠] أي ما الكافرون إلّا في غرور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3101>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٤ الى ٨٥]</span>\nوَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)\nوَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ قال أبو إسحاق: أي معبود في السماء ومعبود في الأرض. وفي حرف عبد الله وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3102>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nوَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)\nإِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ في موضع نصب على الاستثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3103>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nوَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)\nوَقِيلِهِ يا رَبِّ هذه قراءة «١» المدنيين وأبي عمرو والكسائي، وقرأ الكوفيون غير الكسائي وَقِيلِهِ بالخفض، وزعم هارون القارئ أنّ الأعرج قرأ وَقِيلِهِ بالرفع.\nقال أبو جعفر: وَقِيلِهِ بالنصب من خمسة أوجه: قال الأخفش سعيد: «وقيله» بالنصب من وجهين يكون بمعنى أم يحسبون أنا لا نسمع سرّهم ونجواهم وقيله، الوجه الثاني: أن يكون مصدرا. وقال أبو إسحاق: المعنى وعنده علم الساعة ويعلم قيله لأن معنى وعنده علم الساعة ويعلم الساعة أي يعلم وقت الساعة وهو الغيب ويعلم قيله وهو الشهادة. والقول الرابع أن يكون المعنى إلّا من شهد بالحق وهم يعلمون الحقّ وقيله. والقول الخامس ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله. قال أبو إسحاق:\nوالخفض بمعنى وعنده علم الساعة وعلم قيله. قال أبو جعفر: والرفع بالابتداء. قال\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٠، والبحر المحيط ٨/ ٣٠. [.....]","vol":"4","page":81},{"text":"الفراء «١»: كما تقول نداؤه هذه الكلمة وقدّره غيره بمعنى وقيله يا ربّ ويقال: قال قولا وقيلا وقالا بمعنى واحد. والقراءة البينة بالنصب من جهتين: إحداهما: أن المعطوف على المنصوب يحسن أن يفرق بينهما وإن تباعد ذلك لانفصال العامل من المعمول فيه مع المنصوب وذلك في المخفوض إذا فرّقت بينهما قبيح، والجهة الأخرى أنّ أهل التأويل يفسرون الآية على معنى النصب، كما روى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ قال: فأخبر الله جلّ وعزّ عن محمد ﷺ، وروى معمر عن قتادة و«قيله يا رب» قال: قول النبيّ ﷺ إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون، فالهاء في «وقيله» على هذا عائدة على النبيّ ﷺ، وقد قيل: إن الهاء راجعة إلى قوله: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا [الزخرف: ٥٧] أي ويسمع قول عيسى ابن مريم ﷺ لمّا يئس من صلاح قومه وإيمانهم إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ والأولى بالصواب القول الأول أن تكون الهاء عائدة على نبينا ﷺ لجهتين: إحداهما أنّ ذكره أقرب إلى المضمر لأن المعنى: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين. والجهة الأخرى أن الذي بعده مخاطبة للنبيّ ﷺ بإجماع وهو فَاصْفَحْ عَنْهُمْ أي أعرض عنهم وَقُلْ سَلامٌ أي مسالمة ومتاركة. والتقدير في العربية أمري سلام. زعم الفراء «٢» أنّ التقدير سلام عليكم ثم حذف. وهذا خلاف ما قال المتقدمون، وقد ذكر مثل هذا سيبويه، وقال: نزل بمكة من قبل أن يؤمروا بالسلام، وأيضا فإنّ رسول الله ﷺ قد نهى أن يبدأ اليهود والنصارى بالسلام، وحظر على المسلمين فصحّ أن معنى وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا [الفرقان: ٦٣] أنه ليس من التسليم في شيء، وإنما هو من المتاركة والتسليم. وكذا فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فسوف تعلمون قراءة المدنيين «٣»، وهو على هذا من كلام واحد وقراءة ابن كثير والكوفيين والبصريين فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ بالياء على أنه قد تمّ الكلام عند وَقُلْ سَلامٌ. والمعنى فسوف يعلمون العقوبة على التهديد.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٣٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٣٨.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٠، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨٩.","vol":"4","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3104>٤٤ شرح إعراب سورة حم (الدخان)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى عن مهدي بن ميمون قال: حدّثنا عمران القصير عن الحسن قال: من قرأ سورة «الدخان» ليلة الجمعة غفر له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3105>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢)\nحم (١) وَالْكِتابِ مخفوض بالقسم. الْمُبِينِ من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3106>[سورة الدخان (٤٤): آية ٣]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ قال أبو جعفر: وقد ذكرنا عن العلماء أنها ليلة القدر.\nفأما البركة التي فيها فهي نزول القرآن، وقال أبو العالية: هي رحمة كلّها لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحسانا إلّا غفر له ما مضى من ذنوبه. وقال عكرمة: يكتب فيها الحاجّ حاجّ بيت الله جلّ وعزّ فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم أحد فقيل لها: مباركة لثبات الخير فيها ودوامه. والبركة في اللغة. الثبات والدوام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3107>[سورة الدخان (٤٤): آية ٤]</span>\nفِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)\nأي فيه الحكمة من فعل الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3108>[سورة الدخان (٤٤): آية ٥]</span>\nأَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)\nأَمْرًا مِنْ عِنْدِنا في نصبه «١» خمسة أقوال: قال سعيد الأخفش: نصبه على الحال بمعنى أمرين. وقال محمد بن يزيد: نصبه نصب المصادر أي إنّا أنزلناه إنزالا، والأمر مشتمل على الأخبار. قال أبو عمر الجرميّ: هو حال من نكرة، وأجاز على هذا: هذا رجل مقبلا. وقال أبو إسحاق: «أمرا» مصدر، والمعنى فيها يفرق فرقا و«أمرا» بمعنى:\nفرق، والقول الخامس أن معنى يفرق يؤمر ويؤتمر فصار مثل: هو يدعه تركا.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٤.","vol":"4","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3109>[سورة الدخان (٤٤): آية ٦]</span>\nرَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)\nرَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ في نصبه خمسة أقوال: قال الأخفش: هو نصب على الحال. وقدّره الفراء «١» مفعولا على أنه منصوب بمرسلين، وجعل الرحمة للنبيّ ﷺ. وقال أبو إسحاق:\nيجوز أن يكون رحمة مفعولا من أجله. وهذا أحسن ما قيل في نصبها. وقيل: هي بدل من أمر، والقول الخامس: أنها منصوبة على المصدر. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يكون «هو» زائدا فاصلا، ويجوز أن يكون مبتدأ و«السميع» خبره والْعَلِيمُ من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3110>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nرَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)\nرَبِّ السَّماواتِ نعت للسميع، ويجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ. وهذه قراءة المدنيين والبصريين سوى الحسن فإنه والكوفيين قرءوا رب السماوات «٢» على البدل بمعنى رحمة من ربّك ربّ السّموات، وكذا ربكم ورب آبائكم الأولين بالرفع والخفض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3111>[سورة الدخان (٤٤): آية ١٠]</span>\nفَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠)\nوسمع من العرب في جمع دخان دواخن. وزعم القتبيّ أنه لم يأت على هذا إلّا دخان وعثان. قال أبو جعفر: وهذا القول ليس بشيء عند النحويين الحذاق وإنما دواخن جمع داخنة وهذا قول الفراء نصا وكلّ من يوثق بعلمه، وحكى الفراء: دخنت النار فهي داخنة إذا أتت بالدخان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3112>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nيَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)\nقال أبو إسحاق: أي يقول الناس الذين أصابهم الجدب «هذا عذاب أليم» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3113>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nأَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)\nأَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى في موضع رفع بالابتداء على قول سيبويه، وعلى قول غيره بإضمار فعل. قال أبو الحسن بن كيسان: «أنّى» تجتذب معنى «أين» «وكيف» أي من أي المذاهب وعلى أي حال، ومنه قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا [ال عمران: ٣٧] أي من أي المذاهب وعلى أي حال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3114>[سورة الدخان (٤٤): آية ١٥]</span>\nإِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥)\nإِنَّا أصله إنّنا فحذفت النون تخفيفا. كاشِفُوا الْعَذابِ الأصل كاشفون حذفت\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٣٩.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٠، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٩٢.","vol":"4","page":84},{"text":"النون تخفيفا، ومن يحذف النون لالتقاء الساكنين نصب العذاب قَلِيلًا نصب لأنه نعت لظرف أو لمصدر. قال أحمد بن يحيى: إنكم عائدون إلى الشرك. وقيل إلى عذاب الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3115>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nيَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧)\nيَوْمَ نَبْطِشُ منصوب بمعنى اذكروا، ولا يجوز أن يكون منصوبا بمنتقمين لأن «أنّ» لا يجوز فيها مثل هذا. وقرأ أبو جعفر وطلحة يَوْمَ نَبْطِشُ «١» وهي لغة معروفة وقراءة أبي رجاء يَوْمَ نَبْطِشُ «٢» بضم النون وكسر الطاء على حذف المفعول. يقال:\nبطش وأبطشه. قال أحمد بن يحيى: وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ أي عند ربه جلّ وعزّ، قال: وقال «كريم» من قومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3116>[سورة الدخان (٤٤): آية ١٨]</span>\nأَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)\nأَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ «أن» في موضع نصب والمعنى بأن ونصبت «عباد الله» بوقوع الفعل عليهم أي سلّموا إلى عباد الله أي اطلقوهم من العذاب ويجوز أن تنصب عباد الله على النداء المضاف، ويكون المعنى: أن أدّوا إليّ ما أمركم الله ﷿ به يا عباد الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3117>[سورة الدخان (٤٤): آية ١٩]</span>\nوَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩)\nوَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ معطوفة على «أن» الأولى إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ قال أبو إسحاق: أي بحجّة واضحة بيّنة أني نبيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3118>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)\nوَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ ويجوز إدغام الذال في التاء لقربها منها وأن التاء مهموسة أَنْ تَرْجُمُونِ قال الضحاك: أي أن تشتموني وحذفت الياء لأنها رأس آية، وكذا فَاعْتَزِلُونِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3119>[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٢]</span>\nفَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)\nمن قال: إنّ هؤلاء فالمعنى عنده قال: إنّ هؤلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3120>[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٣]</span>\nفَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)\nفَأَسْرِ بِعِبادِي من سرى، ومن قال: أسرى قال: فأسر لَيْلًا ظرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3121>[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٤]</span>\nوَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)\nوَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا على الحال. قال محمد بن يزيد: يقال: عيش راه خفض وادع\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٥.","vol":"4","page":85},{"text":"فمعنى «رهوا» أي ساكنا حتّى يحصلوا فيه وهو ساكن ولا ينفروا منه. وقيل: الرهو المتفرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3122>[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٥]</span>\nكَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥)\n«كم» في كلام العرب للتكثير و«ربّ» للتقليل وزعم الكسائي أنّ أصل «كم» كما فإذا قلت: كم مالك؟ فالمعنى كأيّ شيء من العدد مالك، وحذفت الألف من «ما» كما تحذف مع حروف الخفض مثل لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣] قيل له: فلم أسكنت الميم؟ قال: لكثرة الاستعمال كما تسكّن في الشعر، وأنشد: [البسيط] ٤١٤-\nفلم دفنتم عبيد الله في جدث ... ولم تعجّلتم ولم تروحونا\n«١» وذكر أبو الحسن بن كيسان: هذا القول فاسد، واستدلّ على ذلك إنما تستعمله العرب في جواب «كم» لأنهم يقولون في جواب كم مالك؟ ثلاثون وما أشبهه، ولو كان كما قال لكان الجواب بالكاف لأن قائلا لو قال: كمن أخوك؟ لقلت: كمحمد، ولو قال: مثل ما مالك؟ لقلت: مثل الثياب، ولو قال: كأيّ شيء مالك؟ لقلت: كمال زيد. وهذا لا يقال في «كم» فصحّ أنها ليست «ما» دخلت عليها كاف التشبيه، وأنها مثل «من» و«ما» يستفهم بها عن العدد لأنك لو قلت: أمالك ثلاثون أم أربعون؟ لم ينتظم معنى «كم» لاشتماله على ذلك كله. وهي اسم غير معرب لأن فيها معنى الحروف. قال سيبويه: فبعدت عن المضارعة بعد «كم» و«إذ» من المتمكّنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3123>[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٦]</span>\nوَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦)\nفي أبي صالح عن ابن عباس: أنّ المقام الكريم المنازل الحسنة. قال أبو جعفر وهذا معروف في اللغة أن يقال للموضع الذي يقام فيه: مقام كريم، وفي الضحاك عن ابن عباس: أن المقام المنابر، وكذا قال سعيد بن جبير، وهو مروي عن عبد الله بن عمر، وقد ذكرناه بإسناده في سورة «الشعراء» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3124>[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٧]</span>\nوَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧)\nقال يعقوب بن السكّيت: النعمة التنعّم. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: «فكهين» معجبين، وعنه فاكهين فرحين. وحكى أبو عبيد عن أبي زيد الأنصاري أنه يقال: رجل فكه إذا كان طيّب النفس ضحوكا، وزعم الفراء «٣» أنّ فكها وفاكها بمعنى واحد، كما يقال: حذر وحاذر. فأما محمد بن يزيد ففرق بين فعل وفاعل في مثل هذا تفريقا لطيفا فقال: الحذر الّذي في خلقته الحذر، والحاذر المستعدّ. قال أبو\n_________\n(١) لم أجده في كتب الشواهد.\n(٢) انظر كتاب معاني القرآن للنحاس في تفسير الآية ٥٨- الشعراء.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٩.","vol":"4","page":86},{"text":"جعفر: وهذا قول صحيح بيّن يدلّ عليه أن حذرا لا يتعدّى عند النحويين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3125>[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٨]</span>\nكَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)\nالكاف في موضع رفع أي الأمر ذلك، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى كذلك يفعل بمن يهلكه وينتقم منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3126>[سورة الدخان (٤٤): آية ٢٩]</span>\nفَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)\nفَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ أكثر أهل التفسير على أنه حقيقة وأنها تبكي على المؤمن موضع مصلّاه من الأرض وموضع مصعده من السماء. وقيل: هو مجاز والمعنى: وما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض وقول ثالث نظير قول العرب: ما بكاه شيء، وجاء بكت على تأنيث السماء. وزعم الفراء «١»: أنّ من العرب من يذكّرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3127>[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٠]</span>\nوَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠)\nنعت للعذاب، وزعم الفراء أن في قراءة عبد الله مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ «٢» وذهب إلى إضافة الشيء إلى نفسه مثل: وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥] . قال أبو جعفر: وإضافة الشيء إلى نفسه عند البصريين «٣» محال، والقراءة مخالفة للسواد، ولو صحّت كان تقديرها: من عذاب فرعون المهين ثم أقيم النعت مقام المنعوت ويكون الدليل على الحذف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3128>[سورة الدخان (٤٤): آية ٣١]</span>\nمِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)\nروي عن ابن عباس قال: من المشركين وعن الضحاك قال: من الفتّاكين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3129>[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٢]</span>\nوَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢)\nوَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ الضمير يعود على بني إسرائيل أي اخترناهم للرسالة والتشريف عَلى عِلْمٍ لأن من اخترناه منهم للرسالة يقوم بأدائها عَلَى الْعالَمِينَ لكثرة الرسل فيهم وقيل: عالم أهل زمانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3130>[سورة الدخان (٤٤): آية ٣٣]</span>\nوَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)\nأصحّ ما قيل فيه أن البلاء هاهنا النعمة مثل وجميل بلائه لديك. قال الفراء «٤»:\nوقد يكون البلاء هاهنا العذاب.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٤١.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٤١، والبحر المحيط ٨/ ٣٧.\n(٣) انظر الإنصاف المسألة رقم (٦١) . [.....]\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٤٢.","vol":"4","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3131>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٤ الى ٣٩]</span>\nإِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨)\nما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩)\nإِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى أي يقولون هذا على العادة بغير حجّة وقد تبيّنت لهم البراهين وظهرت الحجج لهم، ولهذا لم يحتجّ عليهم هاهنا وخوّفوا وهدّدوا فقيل أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ أي فقد علموا أنّهم كانوا أعزّ منهم. وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ عطف على قوم، ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء وما بعده خبره، ويجوز أن يكون في موضع نصب بإضمار فعل دلّ عليه أهلكناهم إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3132>[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٠]</span>\nإِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)\nوأجاز الكسائي والفرّاء إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ بالنصب. قال أبو إسحاق:\nيكون يوما منصوب على الظرف، ويكون التقدير: أنّ ميقاتهم في يوم الفصل. قال أبو جعفر: يفرّق بين إنّ واسمها بالظرف فتقول: إنّ حذاءك زيدا، وإنّ اليوم القتال لأن الظرف معناه في الكلام وإن لم تلفظ به فهذا لا اختلاف بين النحويين فيه، واختلفوا في الحال فأجاز الأخفش: تقديمها ومنعه محمد بن يزيد. وأجاز الأخفش: إنّ قائمين فيها إخوتك تنصب قائمين على الحال. «أجمعين» في موضع خفض توكيد للهاء والميم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3133>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nيَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)\nيَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا نصبت يوما على البدل من يوم الأول. قال الضحّاك مَوْلًى عَنْ مَوْلًى أي عن وليّ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ في إعراب «١» من أربعة أوجه: قال الأخفش سعيد: «من» في موضع رفع على البدل، تقديره بمعنى ولا ينصر إلا من رحم الله. ويجوز أن يكون في موضع رفع على الابتداء أي إلّا من رحم الله فيعفى عنه.\nوقال غيره «من» في موضع رفع بمعنى لا يغني إلّا من رحم الله أي لا يشفع إلّا من رحم الله. وهذا قول حسن لأنه قد صحّ عن النبيّ ﷺ أنه يشفع لأمته حتّى يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من الإيمان، وصح عنه أن المؤمنين يشفعون. والقول الرابع في «من» أنها في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، وهذا قول الكسائي والفراء «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3134>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nإِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤)\nوعن أبي الدرداء قال: طعام الفاجر، وهذا تفسير وليس بقراءة لأنه مخالف للمصحف.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٤٢.","vol":"4","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3135>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nكَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)\nكالمهل تغلي في البطون قراءة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، وقراءة ابن كثير كَالْمُهْلِ يَغْلِي «١» وهو اختيار أبي عبيد. وهو مخالف لحجّة الجماعة من أهل الأمصار. والمعنى فيه أيضا بعيد على ما تأوله أبو عبيد لأنه جعل يغلي للمهل لأنه أقرب إليه، وليس المهل الذي يغلي في البطون إنما المهل يغلي في القدور، كما روي عن عبد الله بن مسعود أنه أخذ فضة من بيت المال فأذابها ثم وجّه إلى أهل المسجد فقال: هذا المهل. وعن ابن عباس قال: المهل: درديّ الزيت. قال أبو جعفر: إلّا أنه لا يكون لدرديّ الزيت إلّا أن يغلي بذلك على ظاهر الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3136>[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٧]</span>\nخُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧)\nخُذُوهُ فَاعْتُلُوهُ قراءة أهل المدينة. وقرأ أهل الكوفة فَاعْتِلُوهُ «٢» وهما لغتان إلا أنّ القياس الكسر لأنه مثل ضربه يضربه. وأجاز الخليل وسيبويه: «خذوهو فاعتلوهو» بإثبات الواو في الإدراج إلّا أنّ الاختيار حذفها، واختلف النحويون في ذلك فمذهب سيبويه أن الأصل: «خذوهو» بإثبات الواو إلّا أنها حذفت لاجتماع حرفين من حروف المدّ واللين. ومذهب غيره أنّها حذفت من أجل الساكنين. وقال جويبر عن الضحّاك: إنه نزل في أبي جهل «خذوه فاعتلوه» إذا أمر به يوم القيامة. قال الضحّاك:\nفَاعْتِلُوهُ فادفعوه، إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ أي إلى وسط الجحيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3137>[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٨]</span>\nثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨)\nروي عن ابن عباس: الحميم الحارّ الذي قد انتهى حرّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3138>[سورة الدخان (٤٤): آية ٤٩]</span>\nذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)\nكسرت «إن» لأنها مبتدأة، ومن قرأ ذُقْ إِنَّكَ «٣» جعله بمعنى لأنك وبأنك.\nوالقراءة بالكسر عليها حجّة الجماعة، وأيضا فإن الكفر أكثر من قوله: أنا العزيز الكريم لأن تأويل من قرأها بالفتح ذق لأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3139>[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٠]</span>\nإِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)\nقيل: دلّ بهذا على أنهم يعذبون على الشك وقيل: بل كانوا مع شكّهم يجحدون\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٠، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٩٢، والبحر المحيط ٨/ ٤٠.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٠، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٩٣.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٠.","vol":"4","page":89},{"text":"ما شكّوا فيه. ومن شك في شيء فجحده فهو عاص لله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3140>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥١ الى ٥٣]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣)\n«١» قراءة الكوفيين وأبي عمرو، وقرأ المدنيون فِي مَقامٍ بضم الميم. قال الفرّاء «٢» مقام أجود في العربية لأنه للمكان. قال أبو جعفر: وهذا ما ينكر على الفراء أن يقال للقراءات التي قد روتها الجماعة عن الجماعة: هذه أجود من هذه لأنها إذا روتها الجماعة عن الجماعة قيل: هكذا أنزل لأنهم لا يجتمعون على ضلالة فكيف تكون إحداهما أجود من الأخرى؟ ومقام بالضم معناه صحيح يكون بمعنى الإقامة كما قال: [الكامل] ٤١٥-\nعفت الدّيار محلّها فمقامها\n«٣» والمقام أيضا الموضع إذا أخذته من أقام، والمقام بالفتح الموضع أيضا إذا أخذته من قام. أَمِينٍ قال الضحّاك: أمنوا فيه الجوع والسقم والهرم والموت وأمنوا الخروج منه.\nقال مجاهد: عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [الصافات: ٤٤] لا يرى بعضهم قفا بعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3141>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nكَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)\nكَذلِكَ الكاف في موضع رفع أي الأمر كذلك، ويجوز أن يكون في موضع نصب أي كذلك يفعل بالمتقين. وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ قال الضحّاك: الحور البيض والعين الكبار الأعين. قال الأخفش: ومن العرب من يقول: بحير عين. قال أبو جعفر: هذا على إتباع الأول للثاني، ونظيره من روى «ارجعن مأزورات غير مأجورات» «٤» والفصيح البيّن ارجعن «موزورات» و«بحور» فأما «عين» فهو جمع عيناء وهو فعل كسرت منه فاء الفعل لأن بعدها ياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3142>[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٦]</span>\nلا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦)\nلا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى نصب لأنه استثناء ليس من الأول.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٠، قراءة نافع وابن عامر بضم الميم والباقين بفتحها.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٤٤.\n(٣) الشاهد للبيد في ديوانه ٢٩٧، ولسان العرب (خرج)، و(أبد)، و(غول)، (وصل)، وجمهرة اللغة ٩٦١، وتاج العروس (خرج) و(غول) و(رجم) و(مني) و(قوم)، ومقاييس اللغة ١/ ٣٤، والمخصّص ١٥/ ١٧٦، وبلا نسبة في لسان العرب (رجم)، وجمهرة اللغة ٤٦٦، وديوان الأدب ١/ ١٨٩. وعجزه:\n«بمنى تأبد غولها فرجامها»\n(٤) أخرجه أبو داود في سننه في الجنائز- الحديث رقم (٣١٦٧)، وابن ماجة في سننه- باب ٥٠- الحديث رقم (١٥٧٨) .","vol":"4","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3143>[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٧]</span>\nفَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)\nفَضْلًا منصوب على المصدر، والعامل فيه المعنى، واختلف في ذلك المعنى، فقال أبو إسحاق فيه إنه يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ قال: ويجوز أن يكون العامل فيه إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ، وقال غيره العامل فيه وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ، وجواب رابع أن يكون هذا كلّه عاملا فيه لأن معناه كلّه تفضّل من الله جلّ وعزّ. وكلّه يحتاج إلى شرح. وذلك أن يقال: قد قال جلّ وعزّ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:\n١٢٧، ويوسف: ١٢] وبِما كانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: ١٢٩] فما معنى التفضل هاهنا ففي هذا غير جواب منها أن تكليف الله جلّ وعزّ الأعمال ليس لحاجة منه إليها، وإنّما كلّفهم ذلك ليعملوا فيدخلوا الجنة فالتكليف وإدخالهم الجنة تفضّل منه جلّ وعزّ.\nفأصحّ الأجوبة في هذا أنّ للمؤمنين ذنوبا لا يخلون منها، وإن كانت لكثير منهم صغائر فلو أخذهم الله جلّ وعزّ بها لعذّبهم غير ظالم لهم، فلما غفرها لهم وأدخلهم الجنة كان ذلك تفضلا منه جلّ وعزّ، وأيضا فإنّ لله جلّ وعزّ على عباده كلّهم نعما في الدنيا فلو قوبل بتلك النعم أعمالهم لاستغرقها فقد صار دخولهم الجنة تفضلا، كما قال ﷺ «ما أحد يدخل الجنّة بعمله» قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلّا أنا يتغمّدني الله منه برحمة» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3144>[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٨]</span>\nفَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)\nفَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ قيل: معنى يسّرناه علمناكه وحفّظناكه وأوحينا إليك لتتذكّروا به وتعتبروا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3145>[سورة الدخان (٤٤): آية ٥٩]</span>\nفَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)\nفَارْتَقِبْ أي فارتقب أن يحكم الله جلّ وعزّ بينك وبينهم إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ فيه قولان: أحدهما أنه مجاز، وأن المعنى أنهم بمنزلة المرتقبين لأن الأمر حال بهم لا محالة، وقيل هو حقيقة أي أنهم مرتقبون ما يؤمّلونه.","vol":"4","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3146>٤٥ شرح إعراب سورة الجاثية</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3147>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)\nتَنْزِيلُ مرفوع بالابتداء وخبره مِنَ اللَّهِ، ويجوز أن يكون مرفوعا على أنه خبر ابتداء محذوف أي هذا تنزيل الكتاب، ويجوز أن يكون مرفوعا على أنه خبر عن «حم»، الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ نعت وفيه معنى المدح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3148>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣]</span>\nإِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)\nلَآياتٍ في موضع نصب، وكسرت التاء لأنه جمع مسلّم ليوافق المؤنّث المذكّر في استواء النصب والخفض. والتاء عند سيبويه «١» بمنزلة الياء والواو، وعند غيره الكسرة بمنزلة الياء، وقيل: التاء والكسرة بمنزلة الياء فأما الألف فزائدة للفرق بين الواحد والجمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3149>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)\nوَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ هذه قراءة المدنيين أبي عمرو، وكذا التي بعدها. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي آيات «٢» مخفوضة في موضع نصب، وكذا التي بعدها. واحتج الكسائي لهذه القراءة بأنه في حرف أبيّ لآيات «٣» فيهن كلّهنّ باللام فاستدلّ بهذا على أنه معطوف على ما قبله.\nقال الفرّاء «٤»: وفي قراءة عبد الله وفي اختلاف اللّيل والنّهار على أن فيها\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ٤٥.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦١.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٤٥، والبحر المحيط ٨/ ٤٣.\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٤٥. [.....]","vol":"4","page":92},{"text":"«في» واختيار أبي عبيد ما اختاره الكسائي. قال أبو جعفر: أما قوله جلّ وعزّ: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ فلا اختلاف بين النحويين فيه أنّ النصب والرفع جيدان فالنصب على العطف أي وإنّ في خلقكم. والرفع من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معطوفا على الموضع مثل وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها. والوجه الثاني: الرفع بالابتداء وخبره وعطفت جملة على جملة منقطعة من الأول كما تقول: إنّ زيدا خارج وأنا أجيئك غدا. والوجه الثالث: أن تكون الجملة في موضع الحال مثل يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ [ال عمران: ١٥٤] فأما قوله جلّ وعزّ: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ فقد اختلف النحويون فيه فقال بعضهم: النصب فيه جائز وأجاز العطف على عاملين فممن قال هذا سيبويه والأخفش والكسائي والفرّاء، وأنشد سيبويه:\n[المتقارب] ٤١٦-\nأكلّ امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقّد باللّيل نارا\n«١» وردّ هذا بعضهم ولم يجز العطف على عاملين وقال: من عطف على عاملين أجاز: في الدار زيد والحجرة عمرو. وقائل هذا القول ينشد «ونارا» بالنصب. ويقول من قرأ الثالثة «آيات» فقد لحن. وممن قال هذا محمد بن يزيد. وكان أبو إسحاق يحتجّ لسيبويه في العطف على عاملين بأن من قرأ «آيات» بالرفع فقد عطف أيضا على عاملين لأنه عطف «واختلاف» على «وفي خلقكم» وعطف «آيات» على الموضع فقد صار العطف على عاملين إجماعا. والقراءة بالرفع بيّنة لا تحتاج إلى احتجاج ولا احتيال. وقد حكى الفرّاء «٢» في الآية غير ما ذكرناه، وذلك أنه أجاز «واختلاف الليل والنهار» بالرفع فيه وفي «آيات» يجعل الاختلاف هو الآيات. وقد كفي المؤونة فيه بأن قال: ولم أسمع أحدا قرأ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3150>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٦]</span>\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ مبتدأ وخبره، ويجوز أن يكون آيات الله بدلا من تلك ويكون\n_________\n(١) الشاهد لأبي دؤاد في ديوانه ص ٣٥٣، والكتاب ١/ ١١٠، والأصمعيات ١٩١، وأمالي ابن الحاجب ١/ ١٣٤، وخزانة الأدب ٩/ ٥٩٢، والدرر ٥/ ٣٩، وشرح التصريح ٢/ ٥٦، وشرح شواهد الإيضاح ص ٢٩٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٠٠، وشرح عمدة الحافظ ٥٠٠، وشرح المفصل ٣/ ٢٦، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٤٥، ولعدي بن زيد في ملحق ديوانه ١٩٩، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٨/ ٤٩، والإنصاف ٢/ ٤٧٣، وخزانة الأدب ٤/ ٤١٧، ورصف المباني ص/ ٣٤٨، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٥، وشرح ابن عقيل ٣٩٩، وشرح المفصل ٣/ ٧٩، والمحتسب ١/ ٢٨١، ومغني اللبيب ١/ ٢٩٠، والمقرب ١/ ٢٣٧، وهمع الهوامع ٢/ ٥٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٤٥.","vol":"4","page":93},{"text":"الخبر نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ قراءة المدنيين وأبي عمرو، وقرأ الكوفيون تؤمنون بالتاء ورد أبو عبيد قولهم بأن قبله إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، وكذا «لقوم يوقنون» و«لقوم يعقلون» فوجب على هذا عنده أن يكون فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ وردّ عليهم أيضا بأن قبله تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ فكيف يكون بعده «فبأيّ حديث بعد الله تؤمنون» قال أبو جعفر:\nوهذا الردّ لا يلزم لأن قوله جلّ وعزّ: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وإن كان مخاطبة للنبيّ ﷺ فإنه مبلّغ عن الله ﷿ كل ما أنزل إليه، فلما كان ذلك كذلك كان المعنى قل لهم «فبأيّ حديث بعد الله وآياته تؤمنون»، فهذا المعنى صحيح قال الله جلّ وعزّ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: ٢٣] أي يقولون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3151>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٧ الى ١٠]</span>\nوَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠)\nروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت في النّضر بن كلدة «ويل» مرفوع بالابتداء.\nوقد شرحناه فيما تقدم «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3152>[سورة الجاثية (٤٥): آية ١١]</span>\nهذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)\nوقرأ أهل مكة وعيسى بن عمر عذاب من رجز أليم «٢» بالرفع على أنه نعت لعذاب. قال محمد بن يزيد: الرّجز أغلظ العذاب وأشده وأنشد لرؤبة: [الرجز] ٤١٧-\nكم رامنا من ذي عديد مبزي ... حتّى وقمنا كيده بالرّجز\n«٣»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3153>[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٢]</span>\nاللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)\nاللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3154>[سورة الجاثية (٤٥): آية ١٣]</span>\nوَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)\nجَمِيعًا نصب على الحال وروي عن ابن عباس أنه قرأ جَمِيعًا مِنْهُ «٤» نصب على المصدر. وأجاز أبو حاتم جَمِيعًا مِنْهُ «٥» بفتح الميم والإضافة على المصدر\n_________\n(١) تقدّم في إعراب الآية ٧٩ من سورة البقرة.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٥، وفيه: (قرأ طلحة وابن محيصن وأهل مكة وابن كثير وحفص أليم بالرفع نعتا لعذاب، والحسن وأبو جعفر وشيبة وعيسى والأعمش وباقي السبعة بالجر نعتا لرجز) .\n(٣) الرجز لرؤية بن العجاج في ديوانه ٦٤، وتهذيب اللغة ١٠/ ٦٠٨، وتفسير الطبري ٨/ ٢٢٣، وبعده:\n«والصّقع من قاذفة وجرز»\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ١٣٨، والبحر المحيط ٨/ ٤٥.\n(٥) انظر المحتسب ٢/ ٢٦٢.","vol":"4","page":94},{"text":"أيضا بمعنى منّا منّه. ويروى عن مسلمة أنه قرأ جَمِيعًا مِنْهُ بالرفع على إضمار مبتدأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3155>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nقُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)\nيَغْفِرُوا في موضع جزم. قال الفرّاء «١»: هذا مجزوم بالتشبيه بالجزم والشرط كأنه كقولك: قم تصب خيرا. وليس كذلك. قال أبو جعفر: يذهب إلى أنه لما وقع في جواب الأمر كان مجزوما وإن لم يكن جوابا. وهذا غير محصّل والأولى فيه ما سمعت عليّ بن سليمان يحكيه عن محمد بن يزيد عن أبي عثمان المازني قال: التقدير قل للّذين آمنوا اغفروا يغفروا. وهذا قول محصّل لا إشكال فيه، وهو جواب كما تقول:\nأكرم زيدا يكرمك. وتقديره: إن تكرمه يكرمك. وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم لِيَجْزِيَ قَوْمًا «٢» وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي لنجزي قوما بالنون.\nوقرأ أبو جعفر القارئ لِيَجْزِيَ قَوْمًا. قال أبو جعفر: القراءة الأولى والثانية حسنتان معناهما واحد، وإن كان أبو عبيد يختار الأولى ويحتجّ بأن قبله قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ فيختار «ليجزي قوما» ليعود الضمير على اسم الله جلّ وعزّ.\nوهذا لا يوجب اختيارا لأنه كلام الله جلّ وعزّ ووحيه فقوله جلّ ثناؤه لنجزي إخبارا عنه جلّ وعزّ فأما لِيَجْزِيَ قَوْمًا فقال أبو إسحاق: هو لحن عند الخليل وسيبويه وجميع البصريين وقال الفرّاء «٣»: هو لحن في الظاهر، وهو عند البصريين لحن في الظاهر والباطن، وإنما أجازه الكسائي على شذوذ بمعنى: ليجزي الجزاء قوما فأضمر الجزاء ولو أظهره ما جاز فكيف وقد أضمره؟ وقد أجمع النحويون على أنه لا يجوز.\nضرب الضرب زيدا، حتّى أنه قال بعضهم: لا يجوز: ضرب زيدا سوطا لأن سوطا مصدر، وإنما يقام المصدر مقام الفاعل مع حروف الخفض «٤» «٥» إذا نعت فإذا لم يكن منعوتا لم يجز. وهذا أعجب أن يقام المصدر مقام الفاعل غير منعوت مع اسم غير مصدر، وفيه أيضا علة أخرى أنه أضمر الجزاء ولم يتقدم له ذكر على أن «يجزي» يدلّ عليه. وهذا، وإن كان يجوز فإنه مجاز فأما إنشادهم: [الوافر] ٤١٨-\nولو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسبّ بذلك الجرو الكلابا\nفلا حجة فيه، ورأيت أبا إسحاق يذهب إلى أن تقديره: ولو ولدت قفيرة الكلاب، و«جرو كلب» منصوب على النداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3156>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٦ الى ١٨]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٤٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٥.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٥.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٦٠، قال: (حمزة وحفص والكسائي بالنصب والباقون بالرفع) .\n(٥) انظر معاني الفراء ٣/ ٤٧.","vol":"4","page":95},{"text":"وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ قال مالك بن دينار: سألت مجاهدا عن الحكم فقال: اللبّ. قال محمد بن يزيد: الشريعة المنهاج والقصد. ومنه شريعة النهر، وطريق شارع أي واضح بيّن. وشرائع الدّين التي شرّعها الله جلّ وعزّ لعباده ليعرفوها. وجمع شريعة شرائع، وحكي أنه يقال: شرع، وحقيقته أن شرعا جمع شرعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3157>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nإِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)\nبَعْضُهُمْ مرفوع بالابتداء وأولياء خبره والجملة خبر «إنّ» ويجوز نصب بعضهم على البدل من الظالمين وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ مبتدأ وخبره، ويجوز النصب بعطفه على «إنّ» قال الكسائي: قال هذا بَصائِرُ ولم يقل: هذه بصائر لأنه أراد القرآن والوعظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3158>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢١]</span>\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١)\nالَّذِينَ\nفي موضع رفع بحسب. أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ\nأن وصلتها بمعنى المفعولين، والهاء والميم في موضع نصب مفعول أول لنجعلهم، كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ\nفي موضع المفعول الثاني. سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ\nمبتدأ وخبره. هذه قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو وعاصم، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ\nبنصب سواء. قال أبو عبيد: وكذلك يقرؤها نصبا بوقوع «نجعلهم» عليها. قال أبو إسحاق: وأجاز بعض النحويين سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ\n«١» وقد قرئ به. قال أبو جعفر: القراءة الأولى سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ\nهي التي اجتمعت عليها الحجّة من الصحابة والتابعين والنحويين، كما قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل بن إسحاق عن مسدّد عن يحيى عن عبد الملك عن قيس عن مجاهد في قوله جلّ وعزّ: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ\nقال: المؤمن يموت على إيمانه ويبعث عليه، والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. وعن أبي الدرداء قال:\nيبعث النّاس على ما ماتوا عليه ونحو هذا عن تميم وحذيفة فاجتمعت الحجة على أنه لا\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٧، وتيسير الداني ١٦١.","vol":"4","page":96},{"text":"يجوز القراءة إلا بالرفع، وأنّ من نصب فقد خرج من هذه التأويلات وسَواءً\nمرفوع بالابتداء على هذا لا وجه لنصبه لأن المعنى أنّ المؤمنين مستوون في محياهم ومماتهم، والكافرون مستوون في محياهم ومماتهم، ثم يرجع إلى النصب فهو يكون من غير هذه الجهة وذلك من جهة ذكرها الأخفش سعيد، قال: يكون المعنى: أم حسب الذين اجترحوا السيّئات أن نجعل محياهم ومماتهم مستويا كمحيا المؤمنين ومماتهم. فعلى هذا الوجه يجوز النصب، وعلى هذا الوجه الاختيار عند الخليل وسيبويه رحمهما الله الرفع أيضا، ومسائل النحويين جميعا على الرفع كلهم. تقول ظننت زيدا سواء أبوه وأمّه، ويجيزون النصب ومسائلهم على الرفع. وأعجب ما في هذا إذا كانت مسائل النحويين كذا فكيف قرأ به الكسائي واختاره أبو عبيد؟ فأما القراءة بالنصب «سواء محياهم ومماتهم» ففيها وجهان. قال الفرّاء «١»: المعنى في محياهم وفي مماتهم ثم حذفت «في» يذهب إلى أنه منصوب على الوقت، والوجه الآخر أن يكون «محياهم ومماتهم» بدلا من الهاء والميم التي في «نجعلهم» بمعنى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء كالذين آمنوا وعملوا الصّالحات أي كمحيا الذين آمنوا وعملوا الصّالحات ومماتهم. ساءَ ما يَحْكُمُونَ\nإن جعلت «ما» معرفة فموضعها رفع وإن جعلتها نكرة فموضعها نصب على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3159>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٢]</span>\nوَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢)\nلام كي لا بدّ من أن تكون متعلّقة بفعل إما مضمر وإما مظهر، وهو هاهنا مضمر أي ولتجزى كلّ نفس بما كسبت فعل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3160>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٣]</span>\nأَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)\nمَنِ في موضع نصب. وللعلماء في معناها ثلاثة أقوال فمن أجلها ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ قال: الكافر اتّخذ دينه بغير هدى من الله جلّ وعزّ ولا برهان. وقال الحسن: هو الذي كلما اشتهى شيئا لم يمتنع منه. وقال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الشيء فإذا رأى غيره أحسن منه عبده وترك الآخر. قال أبو جعفر: قول الحسن على التشبيه كما قال جلّ وعزّ اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١] والأشبه بنسق الآية أن يكون\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٤٧. [.....]","vol":"4","page":97},{"text":"للكفار. وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ فيه ثلاثة أقوال: منها أن المعنى أضلّه عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه، والقول الثاني أن المعنى على علم منه بأنّ عبادته لا تنفعه. وهذان القولان لم يقلهما متقدّم وأولى ما قيل في الآية ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ قال: في سابق علمه. قال سعيد بن جبير: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ أي على علم قد علمه منه وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ قال أبو جعفر: قد ذكرناه «١» في سورة «البقرة» . وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً «٢» وفي قراءة عبد الله وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً مروية بفتح الغين، وهي لغة ربيعة فيما يظنّ الفرّاء. وقراءة عكرمة: غشاوة بضم الغين، وهي لغة عكل. قال أبو الحسن بن كيسان: ويحذف الألف منها فيكون فيها إذا حذفت الألف ثلاث لغات: غشوة وغشوة وغشوة. وأما المعنى فمتقارب، إنما هو تمثيل أي لا يبصر الحقّ فهو بمنزلة من على بصره غشاوة إلّا أن الأكثر في كلام العرب في مثل هذا أن يكون على فعالة وذلك في كل ما كان مشتملا على الشيء نحو عمامة وكذا ولاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3161>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٤]</span>\nوَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤)\nوَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا قد ذكرناه إلّا أن علي بن سليمان قال: المعنى ما هي إلّا حياتنا الدنيا نموت ونحيا على قولكم، واستبعد أن يكون المعنى نحيا ونموت على التقديم والتأخير، وقال: إنما يجوز هذا فيما يعرف معناه نحو وَاسْجُدِي وَارْكَعِي [ال عمران: ٤٣] . قال أبو جعفر: وأهل العربية يخالفونه في هذا، ويجيزون في الواو التقديم والتأخير في كل موضع. قال الفرّاء «٣»: معنى وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ أي طول الدهر ومرّ الأيام والليالي والشهور والسنين وتكلّم جماعة في معنى الآية فقال بعضهم: هؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله جلّ وعزّ ولو عرفوه لعلموا أنه يهلكهم ويميتهم. وقال قوم: يجوز أن يكونوا يعرفون الله جلّ وعزّ وعندهم أنّ هذه الآفات التي تلحقهم إنّما هي بعلل ودوران فلك، يقولون هذا بغير حجّة ولا علم. وقال قوم:\nهؤلاء جماعة من العرب يعرفون الله جلّ وعزّ يدلّ على قولهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] وفيهم من يؤمن بالبعث. قال زهير: [الطويل] ٤١٩-\nيؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم\n«٤»\n_________\n(١) مرّ في إعراب الآية ٧- البقرة.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٩، وتيسير الداني ١٦١، ومختصر ابن خالويه ١٣٨.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٤٨.\n(٤) الشاهد لزهير في ديوانه ص ١٨.","vol":"4","page":98},{"text":"غير أنهم كانوا جهلة لا يعلمون أن الآفات مقدّرة من الله ﷿. وهذا أصحّ ما روي في الآية وأشبه بنسقها، وقد قامت به الحجة بالظاهر ولأنه مرويّ عن ابن عباس أنّه قال في قوله جلّ وعزّ: وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ قال: قالوا: لا نبعث، بغير علم فقال الله جلّ وعزّ: وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3162>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦)\nما كانَ حُجَّتَهُمْ خبر كان. إِلَّا أَنْ قالُوا اسمها، ويجوز «ما كان حجّتهم» بالرفع على أنه اسم كان لأن الحجّة والاحتجاج واحد، ويكون الخبر إِلَّا أَنْ قالُوا أي إلّا مقالتهم.\nقُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ حذفت الضمة من الياء لثقلها. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عطف عليه وكذا ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ قيل: أي بمنزلة من لا يعلم، وقيل: عليهم أن يعلموا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3163>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٧]</span>\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي فهو قادر على أن يحييكم. وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ظرف منصوب بيخسر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3164>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٨]</span>\nوَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)\nوَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ على الابتداء، وأجاز الكسائي «كلّ أمة» على التكرير على كلّ الأولى. وقد ذكرنا معنى تُدْعى إِلى كِتابِهَا وإنّ أولى ما قيل فيه أنه إلى ما كتب عليها من خير وشر، كما روي عن ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة ﵈ على بني أدم فينسخ منه ما يجزى عليه من الخير والشر ويلغى سائره. فالمعنى على هذا كلّ أمة تدعى إلى ما كتب عليها وحصّل فتلزمه من طاعة أو معصية، وإن كان كفرا أوقف عليه وأتبع ما كان يعبد، كما قرئ على إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن سفيان بن عيينة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى ربّنا جلّ وعزّ يوم القيامة فقال:\n«هل تضارّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب» قالوا: لا. قال: «فهل تضارّون في الظّهيرة ليس دونها سحاب» قالوا: لا. قال: «فو الذي نفس محمّد بيده لترونّه كما ترونها»، قال: «ويلقى العبد ربّه يوم القيامة، فيقول: أي قل ألم أكرمك وأسودك وأزوّجك وأسخّر لك الخيل والإبل وأدرك ترأس وتربع فيقول: بل أي ربّ، قال: فيقول هل كنت تعلم أنك ملاقيّ فيقول: لا يا ربّ فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يقول للثاني مثل ذلك فيقول له مثل ذلك ويردّ عليه مثل ذلك، ثم يقول للثالث مثل ذلك فيقول: أي ربّ أمنت بك","vol":"4","page":99},{"text":"وبكتابك وصمت وصلّيت وتصدّقت. قال: فيقول: أفلا تبعث شاهدنا عليك قال: فيكفر في نفسه فيقول: من ذا الذي يشهد عليّ؟ فيختم الله جلّ وعزّ على فيه ويقول لفخذه: انطقي فتنطق فخذه وعظامه ولحمه بما كان، وذلك ليعذر من نفسه وذلك الذي يسخط عليه وذلك المنافق. قال: ثم ينادي مناد ألا اتّبعت كلّ أمّة ما كانت تعبد فيتبع الشياطين والصّلب أولياؤهما، وبقينا أيّها المؤمنون. قال: فيأتينا ربّنا جلّ وعزّ فيقول: من هؤلاء؟ فيقولون:\nعبادك المؤمنون آمنّا بك ولم نشرك بك شيئا، وهذا مقامنا حتّى يأتينا ربنا جلّ وعزّ فيثيبنا.\nقال: فينطلقون حتّى يأتوا الجسر وعليه كلاليب من نار تخطف الناس فهناك حلّت الشفاعة أي اللهمّ سلّم فإذا جاوزوا الجسر فكلّ من أنفق زوجا مما يملك من المال في سبيل الله فكلّ خزنة الجنّة تدعوه يا عبد الله يا مسلم. هذا خير، فتعال. قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله إنّ هذا العبد لا ترى عليه يدع بابا ويلج من أخر قال: فضرب كتفه وقال: «والذي نفسي بيده إنّي لأرجو أن تكون منهم» «١» وقرئ على أحمد بن شعيب بن عيسى بن حماد قال: أخبرنا الليث بن سعد عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة قال:\n«قال الناس يا رسول الله هل نرى ربنا جلّ وعزّ يوم القيامة قال رسول الله ﷺ: هل تضارّون في الشّمس ليس دونها سحاب؟ وهل تضارّون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا. قال:\nفكذلك ترونه» قال: يجمع الله جلّ وعزّ النّاس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتّبعه فيتبع من يعبد الشمس الشمس، ويتبع من يعبد القمر القمر، ويتبع من يعبد الطّواغيت الطّواغيت وتبقى هذه الأمة بمنافقيها فيأتيهم الله جلّ وعزّ في الصور التي يعرفون فيقول: أنا ربّكم فيقولون: أنت ربّنا فيتّبعونه ويضرب الصراط بين ظهراني جهنّم فأكون أنا وأمّتي أول من يجيز ولا يتكلّم إلّا الرسل ﵈. ودعوة الرسل يومئذ اللهمّ سلّم سلّم، وفي جهنم كلاليب كشوك السّعدان هل رأيتم السعدان؟ فإنه مثل شوك السعدان غير أنه لا يدري ما قدر عظمها إلا الله ﷿، فيخطف الناس بأعمالهم، فإذا أراد الله جلّ وعزّ أن يخرج من النار برحمته من شاء أمر الملائكة أن يخرجوا من كان لا يشرك بالله شيئا. فمن يقول لا إله إلّا الله ممن أراد أن يرحمه فيعرفونهم في النار بآثار السجود حرّم الله ﷿ النار على ابن أدم أن تأكل اثار السجود، فيخرجونهم من النار، وقد امتحشوا فيصبّ عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبّة في حميل السّيل» قال أبو جعفر: فأمّا تفسير «تضارّون» فنمليه مما أخذناه عن أبي إسحاق بشرح كل فيه مما لا يحتاج إلى زيادة. قال: والذي جاء في الحديث مخفّف «تضارون وتضامون» وله وجه حسن في العربية. وهذا موضع يحتاج أن يستقصى تفسيره فإنه أصل في السّنّة والجماعة. ومعناه لا ينالكم ضير ولا ضيم في رؤيته أي ترونه حتّى تستووا في الرؤية فلا يضير بعضكم بعضا. قال: وقال أهل اللغة قولين\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٢٧٥، ٢٩٣، ٥٣٤، وذكره ابن حجر في فتح الباري ١١/ ٤٤٥.","vol":"4","page":100},{"text":"آخرين قالوا: لا تضارّون بتشديد الراء ولا تضامّون بتشديد الميم مع ضم التاء. قال: وقال بعضهم بفتح التاء وبتشديد الراء والميم على معنى تتضارّون وتتضامّون. وتفسير هذا أنّه لا يضارّ بعضكم بعضا أي لا يخالف بعضكم بعضا في ذلك. يقال: ضاررت الرجل أضارّه مضارّة وضرارا إذا خالفته. ومعنى لا تضامّون في رؤيته، لا ينضمّ بعضكم إلى بعض فيقول واحد للآخر أرينه، كما يفعلون عند النظر إلى الهلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3165>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٩]</span>\nهذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)\nهذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ «ينطق» في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون في موضع رفع على خبر هذا و«كتابنا» بدل من هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3166>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٠]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠)\nالَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء وخبره فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3167>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣١]</span>\nوَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)\nوَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ في موضع رفع أيضا، وحذف القول كما يحذف في كلام العرب كثيرا، فلما حذف حذفت الفاء معه لأنها تابعة له فَاسْتَكْبَرْتُمْ الاستكبار في اللغة الأنفة من اتّباع الحقّ وقد بيّن الله جلّ وعزّ على لسان رسوله ﷺ حين سئل ما الكبر؟ كما قرئ على إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب عن هشام عن محمد عن أبي هريرة «أنّ رجلا أتى النبيّ ﷺ وكان رجلا جميلا فقال: يا رسول الله حبّب إليّ الجمال وأعطيت منه ما ترى حتّى ما أحبّ أن يفوقني أحد. إما قال: بشراك نعل وإمّا قال:\nبشسع أفمن الكبر ذلك؟ قال: لا ولكن الكبر من بطر الحقّ وغمص الناس» «١» قال إسحاق:\nوحدّثنا الوليد بن شجاع قال: حدّثنا عطاء بن مسلم الخفّاف عن محمد عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «يحشر المتكبّرون- أحسبه قال- في صور الذرّ»؟ «٢» قال إسحاق: وحدّثنا محمد بن بكار قال: حدّثنا إسماعيل- يعني ابن عليّة- عن عطاء بن السائب عن الأغرّ عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: «قال جلّ وعزّ: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنّم» «٣» .\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه الحديث رقم ٤٠٩٢، وذكره الحاكم في المستدرك ٤/ ١٨١، ١٨٢.\n(٢) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ١/ ٣٠٩، و١٠/ ٤٥٣، والتبريزي في مشكاة المصابيح ٥١١٢، والعجلوني في كشف الخفاء ٢/ ٥٥١.\n(٣) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٣٧٦، وذكره الحاكم في المستدرك ١/ ٦١، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٨/ ٣٣٦، والبخاري في الأدب المفرد ٢٥٣، والألباني في السلسلة الصحيحة ٤٥٠، وأبو حنيفة في جامع المسانيد ١/ ٨٨، والعجلوني في كشف الخفاء ٢/ ١٥١.","vol":"4","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3168>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٢]</span>\nوَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)\nوَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها وقرأ الأعمش وحمزة السَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها «١» عطفا بمعنى وأنّ الساعة لا ريب فيها. والرفع بالابتداء، ويجوز أن يكون معطوفا على الموضع أي وقيل السَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها، ويجوز أن تكون الجملة في موضع الحال. وزعم أبو عبيد أنه يلزم من قرأ بالرفع هاهنا أن يقرأ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة: ٤٥] وفي هذا طعن على جماع الحجّة لأنه قد قرأها هنا بالرفع وثم بالنصب من يقوم بقراءتهم الحجّة منهم نافع وعاصم قرا وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها وقرا «والعين بالعين» بالنصب، وكذا ما بعده. وفيه أيضا طعن على عبد الله بن كثير وأبي عمرو بن العلاء وأبي جعفر القارئ وعبد الله بن عامر لأنهم قرءوا «والساعة لا ريب فيها» وقرءوا وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ بالنصب، وكذا ما بعده إلّا «والجروح قصاص» والحديث المرويّ عن النبيّ ﷺ أنه قرأ «والعين بالعين» لا يجوز أن يكون في موضع الحال. وقد ذكر أبو عبيد أنّ مثله وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ [لقمان: ٢٧] وهو مخالف له لأنّ والبحر أولى الأشياء به عند النحويين أن يكون في موضع الحال وأبعد الأشياء في «الساعة لا ريب فيها» أن يكون في موضع الحال. قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وهذا من مشكل الإعراب وغامضه لأنه لا يقال: ما ضربت إلّا ضربا، وما ظننت إلّا ظنّا، لأنه لا فائدة فيه أن يقع بعد حرف الإيجاب لأنّ معنى المصدر كمعنى الفعل. فالجواب عن الآية عن محمد بن يزيد على معنيين: أحدهما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي إن نحن إلّا نظنّ ظنّا، وزعم أنّ نظيره من كلام العرب حكاه أبو عمرو بن العلاء وسيبويه «٢»: ليس الطّيب إلّا المسك أي ليس إلّا الطّيب المسك، والجواب الآخر أن يكون التقدير: إن نظنّ إلّا أنّكم تظنّون ظنّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3169>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nوَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)\nقال أبو العباس وَحاقَ بِهِمْ نزل بهم.\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الْيَوْمَ نَنْساكُمْ قال: نترككم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يكون من النسيان أي تشاغلتم عن يوم القيامة بلذاتكم وأمور دنياكم فوبّخهم\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦١، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٩٥.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٢٠١.","vol":"4","page":102},{"text":"الله ﷿ على ذلك. ويجوز أن يكون المعنى كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا.\nوحقيقته في العربية كما تركتم عمل لقاء يومكم مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3170>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٦]</span>\nفَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦)\nعلى البدل، ويجوز أن يكون نعتا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3171>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٣٧]</span>\nوَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)\nوَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال محمد بن يزيد: الكبرياء الجلال والعظمة وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مبتدأ وخبر.","vol":"4","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3172>٤٦ شرح إعراب سورة الأحقاف</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3173>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)\nالَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء ومن العرب من يقول: اللّذون في غير القرآن إذا كان موضع رفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3174>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٤]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قال الفراء «١»: وفي قراءة عبد الله قل أريتم من تدعون من دون الله يعني بالنون، «أريتم» لغة معروفة للعرب كثيرة، وأرأيتم الأصل، ولغة ثالثة أن يخفف الهمزة التي بعد الراء فتجعل بين بين. ومن قرأ «ما تدعون» جاء به على بابه لأنه للأصنام. ومن قرأ من فلأنهم قد عبدوها فأنزلوها منزلة ما يعقل.\nوعلى هذا أجمعت القراء على أن قرءوا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ ولم يقرءوا خلقن ولا خلقت ولا لهنّ ولا لها. ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ وقرأ أبو عبد الرحمن السّلميّ أو أثرة «٢» وحكى الفراء «٣» لغة ثالثة وهي (أثرة) بفتح الهمزة وحكى الكسائي لغة رابعة وهي «أو أثرة» بضم الهمزة والمعنى في اللغات الثلاث عند الفراء واحد، والمعنى عند بقيّة من علم. ويجوز أن يكون المعنى عنده شيئا مأثورا من كتب الأولين. فأثارة عنده مصدر كالسّماحة والشّجاعة، وأثرة عنده بمعنى أثر كقولهم: قترة وقتر، وأثرة كخطفة. فأما الكسائي فإنه قال: أثارة وأثرة وأثرة كلّ ذلك تقول العرب،\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٤٩.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٥٦، والمحتسب ٢/ ٢٦٤.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٥٠.","vol":"4","page":104},{"text":"والمعنى فيهن كلّهن عنده معنى واحد. بمعنى الشيء المأثور. قال أبو جعفر: ومعنى الشيء المأثور المتحدّث به. ومما صحّ سنده عن النبيّ ﷺ أنه سمع عمر وهو يقول: وأبي، فقال:\n«إنّ الله جلّ وعزّ ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله جلّ وعزّ أو ليسكت» «١» قال عمر: فما حلفت بها بعد ذاكرا ولا أثرا. وفي بعض الحديث «من حلف بغير الله جلّ وعزّ فقد أشرك» «٢» وفي أخر «فقد كفر» فقوله «ذاكرا» معناه متكلّما بها، وقائلا بها، كما يقال: ذكرت لفلان كذا ومعنى «ولا أثرا» ولا مخبرا بها عن غيري أنه حلف بها. ومن هذا حديث مأثور، يقال: أثر الحديث يأثره، وأثر يفعل ذلك واثر فلان فلانا، إذا فضّله، وأثار التراب يثيره، ووثر الشيء ويؤثر إذا صار وطيئا ومنه قيل: ميثرة انقلبت الواو فيها ياء.\nوفي معنى قول النبيّ ﷺ: «من حلف بغير الله جلّ وعزّ فقد أشرك» . أقوال:\nأصحّها أنّ المعنى فقد أشرك في تعظيم الله جلّ وعزّ غير الله لأنه إنما يحلف الإنسان بما يعظّمه أكبر العظمة، وهذا لا ينبغي أن يكون إلّا لله جلّ وعزّ. وفي قوله ﷺ: «فقد كفر» أقوال: فمن أصحّها أنّ الكفر هو التغطية. والمعنى: فقد غطّى وستر ما يجب أن يظهر من تعظيم الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3175>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٥]</span>\nوَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥)\nوَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي ومن أضلّ عن الحقّ ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة. قال الفراء «٣»: وفي قراءة عبد الله ما لا يستجيب له والقول فيه مثل ما تقدّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3176>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٦]</span>\nوَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦)\nوَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً أي يتبرؤون منهم ومن عبادتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3177>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٧]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ نصب على الحال.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٣٣، ١٦٤، ومسلم في صحيحه الإيمان ١، ٣، والترمذي في سننه (١٥٣٤)، والنسائي في سننه ٧، ٤، ٥، وأبو داود في سننه (٣٢٤٩)، وابن ماجة في سننه (٢٠٩٤)، وأحمد في مسنده ١/ ١٨، و٢/ ٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ٢٨. [.....]\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٦٧، ٨٧، وذكره الطحاوي في مشكل الآثار ٣٥٨، والتبريزي في مشكاة المصابيح ٣٤١٩، وابن حجر في فتح الباري ١٠/ ٥١٦، والمتقي الهندي في كنز العمال (٤٦٣٢٨)، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٣٤٢.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٥٠.","vol":"4","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3178>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٨]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)\nهُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ قال محمد بن يزيد: أي بما تمضون فيه قال: ومنه حديث مستفيض ومستفاض فيه إذا شاع حتّى يتكلم النّاس فيه كَفى بِهِ شَهِيدًا نصب على الحال، ويجوز أن يكون نصبا على البيان والباء زائدة جيء بها للتوكيد لأن المعنى: اكتفوا به، قال: فإذا قلت: كفى بزيد، فمعناه كفى زيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3179>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٩]</span>\nقُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)\nقُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ قال محمد بن يزيد: البدع والبديع الأول. يقال: ابتدع فلان كذا، إذا أتى بما لم يكن قبله، وفلان مبتدع من البدعة وهي التي لم يتقدّم لها شبه، وقال ﷿ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١١٧] أي مبتدئهما. وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ حذفت الضمّة من الياء لثقلها، وكذا وإن أدري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3180>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٠]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)\nوَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ قيل: شاهد بمعنى شهود تشهد جماعة من بني إسرائيل ممن أسلم على أنهم قد قرءوا التوراة. وفيها تعريف نزول القرآن من عند الله جلّ وعزّ ومن أجّل ما روي في ذلك ما رواه مالك بن أنس عن أبي النّضر عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يشهد لأحد يمشي على الأرض أنه من أهل الجنة إلا عبد الله بن سلام ففيه نزلت وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ قال أبو جعفر: ومع هذا فقد عارض هذا الحديث علماء جلّة منهم مسروق والشّعبي فقالا: لم تنزل في عبد الله بن سلام لأن السورة مكّية وعبد الله بن سلام بالمدينة، وإنما نزلت في غيره. والحديث صحيح السند وقد احتجّ على من أنكر ذلك بأن السورة وإن كانت مكّية فإنه قد يجوز أن يضمّ إليها بعض ما أنزل بالمدينة لأن التأليف من عند الله جلّ وعزّ يأمر به رسول الله ﷺ كما أحبّ وأراد. فهذا قول بيّن، وقد قيل: إنّ قريشا وجّهت من مكّة إلى المدينة لأنه كان بها علماء اليهود يسألون عن أمر النبيّ ﷺ فشهد عبد الله بن سلام بنبوته ﷺ فأنزل الله جلّ وعزّ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ الآية ومع هذا كلّه فإنّ الحديث، وإن كان صحيح السند فقد قيل: إنّ الذي في الحديث من قوله وفيه نزلت ليس من كلام سعد وإنما هو من كلام بعض المحدّثين خلط بالحديث ولم يفصل.","vol":"4","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3181>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١١]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ روى ابن المبارك عن معمر عن قتادة قال: قال قوم من المشركين: نحن ونحن يفتخرون لو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان يعنون عمّارا وبلالا وصهيبا وضروبهم فأنزل الله جلّ وعزّ: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [البقرة: ١٠٥] . وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ زعم سيبويه «١» أن «إذ» لا يجازى بها حتّى يضمّ إليها «ما»، وكذا «حيث» . قال أبو جعفر: والعلّة في ذلك أن «ما» يفصلها من الفعل الذي بعدها فتعمل فيه، وإذا لم تأت بما كان متّصلا بها وهي مضافة إليه فلم تعمل فيه فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ أي تقدّم مثله في سالف الدهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3182>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٢]</span>\nوَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)\nإِمامًا منصوب على الحال أي يؤتمّ به وَرَحْمَةً عطف على إمام أي ونعمة.\nوَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا منصوب على الحال والضعيف في العربية يتوهّم أنه حال من نكرة لأن الذي قبله نكرة والحال من النكرة ليس بجيد ولا يقال في كتاب الله جلّ وعزّ ما غيره أجود منه فلسانا منصوب على الحال من المضمر الذي في مصدّق، والمضمر معرفة وجاز نصب لسان على الحال لأنه بمعنى مبين وكان علي بن سليمان يقول: في هذا هو توطئة للحال و«عربيا» منصوب على الحال، كما تقول: هذا زيد رجلا صالحا لتنذر الّذين ظلموا بالتاء، هذه قراءة المدنيين، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا «٢» واختيار أبي عبيد لتنذر «٣» بالتاء، واحتج بقوله جلّ وعزّ: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ [الرعد: ٧] . قال أبو جعفر: والمعنى في القراءتين واحد، ولا اختيار فيهما من قرأ «لينذر» جعله للقرآن أو لله جلّ وعزّ، وإذا كان للقرآن فالنبيّ ﷺ هو المنذر به وكذا إذا كان لله جلّ وعزّ فإذا عرف المعنى لم يقع في ذلك اختيار كما قال جلّ وعزّ: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال:\n٣٨] فقد علم أن الغافر هو الله جلّ وعزّ والقراءة نغفر ويغفر واحد، وكذا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ [البقرة: ٥٨] و«يغفر» واحد ليس أحدهما أولى من الآخر. وَبُشْرى في موضع رفع عطفا على «كتاب»، ويجوز أن يكون في موضع نصب على المصدر لِلْمُحْسِنِينَ قال ابن عيينة: الإحسان التفضّل والعدل والإنصاف.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٦٤.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦١.\n(٣) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٩٦.","vol":"4","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3183>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا أي على طاعة الله جلّ وعزّ ثم أخبر جلّ ثناؤه بما لهم فقال: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي في الآخرة. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا في الدنيا. كذا قال أهل التفسير، وبعده خبر أخر وهو أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها نصب على الحال. جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ مصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3184>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٥]</span>\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا هذه قراءة «١» المدنيين والبصريين، وكذا في مصاحفهم، وقرأ حمزة والكسائي إِحْسانًا «٢» وروي عن عيسى بن عمر أنه قرأ حسنا بفتح الحاء والسين فأما «حسنى» بغير تنوين فلا يجوز في العربية لأن مثل هذا لا تنطق به العرب إلّا بالألف واللام الفضلى والأفضل والحسنى والأحسن. وإحسان مصدر أحسن وحسنا بمعناه، وحسن على إقامة النعت مقام المنعوت أي فعلا حسنا وينشد بيت زهير: [البسيط] ٤٢٠-\nيطلب شأو امرأين قدّما حسنا ... فاقا الملوك وبذّا هذه السّوقا\n«٣» أي فعلا حسنا. وهذا مثل هذه القراءة. حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا هذه قراءة حمزة والكسائي «٤»، وهي مروية عن الحسن، وقرأ أبو عبد الرحمن السلميّ وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة ونافع كرها «٥» بفتح الكاف. وعارض أبو حاتم السجستاني هذه القراءة بما لو صحّ لوجب اجتنابها لأنه زعم أنّ الكره الغضب والقهر، وأنّ الكره المكروه، واحتجّ بأنّ الجميع قرءوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا [النساء: ١٩]، وذكر أنّ بعض العلماء سمع رجلا يقرأ «حملته أمه كرها ووضعته كرها» فقال: لو حملته كرها لرمت به يذهب إلى أنّ الكره القهر والغضب. قال أبو جعفر: في هذا طعن على من تثبت الحجّة بقراءته، وحكايته عن بعض العلماء لا حجّة فيها لأنه لم يسمه ولا\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦١.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦١.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (٣١٦) .\n(٤) انظر تيسير الداني ١٦١، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٩٦.\n(٥) انظر البحر المحيط ٨/ ٦٠.","vol":"4","page":108},{"text":"يعرف، ولو عرف لما كان قوله حجّة، إلّا بدليل وبرهان. والحجّة في هذا قول من يعرف ويقتدى به. إن الكره والكره لغتان بمعنى واحد بل قد روي عن محمد بن يزيد أنه قال: الكره أولى لأنه المصدر بعينه. وقد حكى الخليل وسيبويه رحمهما الله أنّ كلّ فعل ثلاثي فمصدره فعل، واستدلّا على ذلك أنك إذا رددته إلى المرة الواحدة جاء مفتوحا نحو قام قومة، وذهب ذهبة، فإذا قلت: ذهب ذهابا فإنما هو عندهما اسم للمصدر لا مصدر، وكذلك الكره اسم للمصدر والكره المصدر. وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا التقدير: وقت حمله مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] وقرأ أبو رجاء وعاصم الجحدريّ وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ «١» فرويت عن الحسن بن أبي الحسن واحتجّ أبو عبيد للقراءة الأولى بالحديث «لا رضاع بعد فصال» «٢» وأبين من هذه الحجّة أنّ فصالا مصدر مثل قتال. وهذا الفعل من اثنين لأن المرأة والصّبيّ كل واحد منهما ينفصل من صاحبه فهذا مثل القتال، وإن كان قد يقال: فصله فصلا وفصالا. حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ جمع شدّة عند سيبويه مثل نعمة. وقد ذكرناه «٣» بأكثر من هذا.\nإِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ الأصل إنّني حذفت النون لاجتماع النونات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3185>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٦]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦)\nأولئك الّذين يتقبّل عنهم أحسن ما عملوا قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ بالنون وكذا «نتجاوز» بالنون أنها أخبار من الله جلّ وعزّ عن نفسه وإنما اختار هذه القراءة لقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ وقرأ الباقون يتقبّل بالياء، وكذا يتجاوز على ما لم يسمّ فاعله وأَحْسَنَ ما عَمِلُوا ومن قرأ بالنون نصب أحسن لأنه مفعول به. وَعْدَ الصِّدْقِ منصوب على المصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3186>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٧]</span>\nوَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)\nوَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما قال الفراء «٤»: أي قذرا لكما. وقد ذكرنا «٥» ما في\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٦١.\n(٢) ذكره البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣١٩، والطبراني في المعجم الصغير ٢/ ٦٨، والزيلعي في نصب الرآية ٣/ ٢١٩، وابن حجر في المطالب العالية (١٧٠٧)، والسيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٢٨.\n(٣) ذكره في إعراب الآية ٣٢ سورة يوسف.\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٥٣. [.....]\n(٥) انظر إعراب الآية ٢٣- الإسراء.","vol":"4","page":109},{"text":"أفّ من اللغات. أَتَعِدانِنِي وذكر بعض الرواة أنّ نافع بن أبي نعيم قرأ أَتَعِدانِنِي «١» بفتح النون الأولى، وذلك غلط غير معروف عن نافع وإنّما فتح نافع الياء فغلط عليه.\nوفتح هذه النون لحن ولا يلتفت إلى ما أنشد وهو: [الرجز] .\n٤٢١-\nأعرف منها الأنف والعينانا\n«٢» وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: إن كان مثل هذا يجوز فليس بين الحق والباطل فرق. يتركون كتاب الله جلّ وعزّ ولغات العرب الفصيحة ويستشهدون بأعرابي بوال. أَنْ أُخْرَجَ وقرأ الحسن أن أخرج «٣» وتقديره أن أخرج من قبري. وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ أي يسألانه ويطلبان إليه أن يلطف لهما بما يؤمن به.\nوَيْلَكَ آمِنْ يدلّك على أنهما احتجّا عليه ووعظاه، ونصب ويلك على المصدر.\nوتوهّم القائل لهذا القول أن الأمم لمّا لم تخرج من قبورها أحياء في الدنيا أنّها لا تبعث فذلك قوله: وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3187>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٠]</span>\nوَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)\nأَذْهَبْتُمْ هذه القراءة مروية عن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه، وهي قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وابن أبي إسحاق وحمزة والكسائي. وقرأ يزيد بن القعقاع أذهبتم «٤» وهذه القراءة مروية عن الحسن والقراءتان عند الفراء «٥» بمعنى واحد.\nقال الفراء: العرب تستفهم في التوبيخ ولا نستفهم، فيقولون: ذهبت ففعلت وفعلت، ويقولون: أذهبت ففعلت وفعلت، وكلّ صواب. قال أبو جعفر: فأما ما روي عن محمد بن يزيد فتحقيق هذا، وهو أن الصواب عنده ترك الاستفهام فيقرأ «أذهبتم» وفيه معنى التوبيخ، وإن كان خبرا. والمعنى عنده: أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا فذوقوا العذاب. والاستفهام إذا قرأ «أذهبتم» فهو على التوبيخ والتقرير، وإنما اختار أذهبتم\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٢.\n(٢) الرجز لرؤبة بن العجاج في ملحق ديوانه ١٨٧، ولرؤبة أو لرجل من ضبة في الدرر ١/ ١٣٩، والمقاصد النحوية ١/ ١٨٤، ولرجل في نوادر أبي زيد ص ١٥، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٦٤، وتخليص الشواهد ٨٠، وخزانة الأدب ٧/ ٤٥٢، ورصف المباني ص ٢٤، وسرّ صناعة الإعراب ص ٤٨٩، وشرح الأشموني ١/ ٣٩، وشرح التصريح ١/ ٧٨، وشرح ابن عقيل ص ٤٢، وشرح المفصل ٣/ ١٢٩، وهمع الهوامع ١/ ٤٩، وبعده:\n«ومنخرين أشبها ظبيانا»\n(٣) وهذه قراءة ابن يعمر وابن مصرف والضحاك أيضا، انظر البحر المحيط ٨/ ٦٢.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٦٢.\n(٥) انظر معاني الفراء ٣/ ٥٤.","vol":"4","page":110},{"text":"بغير استفهام لأن الاستفهام إذا كان فيه معنى التقرير صار نفيا إذا كان موجبا، كما قال جلّ وعزّ: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ [الواقعة: ٥٨، ٥٩] وإن كان نفيا صار موجبا لأن نفي النفي إيجاب كما قال: [الوافر] .\n٤٢٢-\nألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\n«١» إلا أنّه من قرأ «أذهبتم» فليس يحمل معناه عنده على هذا، ولكنّ تقديره: أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدّنيا وتطلبون النّجاة في الآخرة. فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ العامل في اليوم تجزون ينوى به التأخير. بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ أي استكباركم وفسقكم وإذا كانت «ما» هكذا مصدرا لم تحتج إلى عائد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3188>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢١ الى ٢٤]</span>\nوَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤)\nوَاذْكُرْ أَخا عادٍ صرف عاد لأنه اسم للحيّ ولو جعل اسما للقبيلة لم ينصرف وإن كان على ثلاثة أحرف، وكذا لو سمّيت امرأة بزيد لم ينصرف وإن سمّيتها بهند جاز الصرف عند الخليل وسيبويه «٢» والكسائي والفراء إلّا أنّ الاختيار عند الخليل وسيبويه ترك الصرف، وعند الكسائي والفراء الأجود الصّرف. فأما أبو إسحاق فكان يقول: إذا سمّيت امرأة بهند لم يجز الصّرف البتّة. وهذا هو القياس لأنها مؤنّثة وهي معرفة.\nفأما قول بعض النحويين: إنّك إذا سمّيت بفعل ماض لم ينصرف فقد ردّه عليه سيبويه بالسّماع من العرب خلاف ما قال، وأنّ له نصيرا من الأسماء، وكذا يقال: كتبت أبا جاد بالصرف لا غير إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ قال مجاهد: الأحقاف أرض. وقال ابن أبين نعيم: الأحقاف: اسم أرض. وقال وهب بن منبّه: الأحقاف باليمن الأصنام والأوثان وقد قهروا الناس بكثرتهم وقوتهم. وقال محمد بن يزيد: واحد الأحقاف حقف وهو رمل مكتنز ليس بالعظيم وفيه اعوجاج، قال: ويقال: احقوقف الشيء إذا اعوجّ حتّى كاد يلتقي طرفاه، كما قال: [الرجز] ٤٢٣-\nسماوة الهلال حتّى احقوقفا\n«٣» وانصرف الأحقاف وإن كان اسم أرض لأن فيه ألفا ولاما. قال سيبويه: واعلم أن كلّ ما لا ينصرف إذا دخلته ألف ولام أو أضيف انصرف. وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ جمع نذير، وهو الرسول. ويجوز أن تكون النذر اسما للمصدر. قال الفراء: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم ١٦٢.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٢٦٥.\n(٣) الشاهد للعجاج في ديوانه ٢/ ٢٣٢، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣١٩، ولسان العرب (حقف) و(زلف) و(وجف)، و(سما) بلا نسبة في الكتاب ١/ ٤٢٥، وجمهرة اللغة ٥٥٣.","vol":"4","page":111},{"text":"من قبله وَمِنْ خَلْفِهِ من بعده أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ «أن» في موضع نصب أي بأن إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ نعت لليوم ولو كان نعتا لعذاب لنصب. ولا يجوز الجوار في كتاب الله تعالى وإنما يقع في الغلط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3189>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٤]</span>\nفَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤)\nقال محمد بن يزيد: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا فيه جوابان: يكون التقدير فلمّا رأوا السحاب، وإن كان لم يتقدّم للسّحاب ذكر لأنّ الضمير قد عرف ودل عليه «عارضا»، والجواب الآخر أن يكون جوابا لقولهم فَأْتِنا بِما تَعِدُنا أي فلمّا رأوا ما يوعدون عارضا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ يقدّر فيه التنوين، وكذا قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا أو ممطر لنا، كما قال: [البسيط] ٤٢٤-\nيا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم\n«١» أي غابط لنا. بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ قال الفراء «٢»: وفي حرف عبد الله: قل بل ما استعجلتم به هي ريح فيها عذاب أليم. قال: وهي وهو مثل مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى [القيامة: ٣٧] ويمنى. من قال: هو، ذهب إلى العذاب، ومن قال هي، ذهب إلى الريح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3190>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٥]</span>\nتُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)\nفأصبحوا لا ترى إلّا مساكنهم هذه قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو والكسائي «٣»، وهي المعروفة من قراءة علي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس.\nوقرأ الأعمش وحمزة وعاصم فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ وهي المعروفة من قراءة ابن مسعود ومجاهد، وقرأ الحسن وعاصم الجحدريّ فأصبحوا لا ترى إلّا مساكنهم «٤» بالتاء ورفع المساكن على اسم ما لم يسمّ فاعله. وهذه القراءة عند الفراء\n_________\n(١) الشاهد لجرير في ديوانه ١٦٣، والكتاب ١/ ٤٩٢، والدرر ٥/ ٩، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٤٥٧، وشرح التصريح ٢/ ٢٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧١٢، ولسان العرب (عرض)، ومغني اللبيب ١/ ٥١١، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٦٤، والمقتضب ٤/ ١٥٠، وهمع الهوامع ٣/ ٤٧، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٢/ ٣٠٥، والمقتضب ٣/ ٢٢٧. وعجزه:\n«لاقى مباعدة منكم وحرمانا»\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٥٥.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٦٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٩٨.\n(٤) انظر البحر المحيط ٨/ ٦٥.","vol":"4","page":112},{"text":"بعيدة لأنّ فعل المؤنّث إذا تقدّم وكان بعده إيجاب ذكّرته العرب فيما زعم، وحكى:\nلم يقم إلّا هند لأن المعنى عنده: لم يقم أحد إلّا هند.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3191>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٦]</span>\nوَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦)\nوَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ قال محمد بن يزيد: «ما» بمعنى الذي و«إن» بمعنى «ما» أي ولقد مكّنّاهم في الذي مكّنّاكم فيه. وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فجاء السمع مفردا وما بعده مجموعا ففيه غير جواب منها أنّه مصدر فلم يجمع لذلك، ومنها أن يكون فيه محذوف أي وجعلنا لهم ذوات سمع، ومنها أن يكون واحدا يدلّ على جمع فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ تكون «ما» نعتا لا موضع لها من الإعراب، وإن جعلتها استفهاما كان موضعها نصبا. قال الفراء «١»: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي عاد، قال: وأهل التفسير يقولون: أحاط ونزل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3192>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٧]</span>\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى هذه لام توكيد. و«قد» عند الخليل وسيبويه بمعنى التوقّع مع الماضي فإذا كانت مع المستقبل أدّت معنى التقليل، تقول: قد يقوم أي يقلّ ذلك منه.\nفَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ لولا وهلّا واحد، كما قال: [الطويل] ٤٢٥-\nبني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا\n«٢»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٥٦. [.....]\n(٢) الشاهد لجرير في ديوانه ٩٠٧، وتخليص الشواهد ص ٤٣١، وجواهر الأدب ص ٣٩٤، وخزانة الأدب ٣/ ٥٥، والخصائص ٢/ ٤٥، والدرر ٢/ ٢٤٠، وشرح شواهد الإيضاح ٧٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٦٩، وشرح المفصل ٢/ ٣٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٧٥، ولسان العرب (أمالا)، وتاج العروس (لو)، وللفرزدق في الأزهيّة ١٦٨، ولسان العرب (ضطر)، ولجرير أو للأشهب بن رميلة في شرح المفصّل ٨/ ١٤٥، وبلا نسبة في الأزهية ص ١٧٠، والأشباه والنظائر ١/ ٢٤٠، والجنى الداني ص ٦٠٦، وخزانة الأدب ١١/ ٢٤٥، ورصف المباني ٢٩٣، وشرح الأشموني ٣/ ٦١٠، وصدره:\n«تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم»","vol":"4","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3193>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٨]</span>\nفَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)\nأي هلّا: قُرْبانًا آلِهَةً يكون «قربانا» مصدرا، ويكون مفعولا من أجله، ويكون مفعولا و«الهة» بدل منه بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وإن شئت أدغمت اللّام في الضاد. وزعم الخليل وسيبويه «١» أن الضاد تخرج من الشقّ اليمين ولبعض النّاس من الشقّ الشمال.\nوَذلِكَ إِفْكُهُمْ «ذلك» في موضع رفع بالابتداء «إفكهم» خبره والهاء والميم في موضع خفض بالإضافة ومثله سواء في الإعراب والمعنى. قال الفراء «٢»: إفك وأفك مثل حذر وحذر أي هما بمعنى واحد. ويروى عن ابن عباس أنه قرأ أفكهم «٣» على أنه فعل ماض والهاء والميم على هذه القراءة في موضع نصب، وفي إسنادها عن ابن عباس نظر ولكن قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل بن إسحاق عن سليمان بن حرب عن حمّاد بن سلمة قال: حدّثنا عطاء بن السائب قال: سمعت أبا عياض يقرأ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ فعلى هذه القراءة يكون وَما كانُوا يَفْتَرُونَ في موضع رفع على أحد أمرين إما أن يكون معطوفا على المضمر الذي في «أفكهم» ويكون المعنى وذلك أرداهم وأهلكهم هو وافتراؤهم إلّا أنّ العطف على المضمر المرفوع بعيد في العربية إلّا أن يؤكّد ويطول الكلام لو قلت: قمت وعمرو، كان قبيحا حتّى تقول: قمت أنا وعمرو أو قمت في الدار وعمرو. والوجه الثاني أن يكون «وما كانوا يفترون» معطوفا على ذلك أي وذلك أهلكهم وأضلّهم وافتراؤهم أيضا أهلكهم وأضلّهم. والقراءة البيّنة التي عليها حجّة الجماعة «وذلك إفكهم» أي وذلك كذبهم وما كانوا يفترون على هذه القراءة معطوف على إفكهم أي وذلك إفكهم وافتراؤهم تكون ما والفعل مصدرا فلا تحتاج إلى عائد لأنها حرف فإن جعلتها بمعنى الذي لم يكن بدّ من عائد مضمر أو مظهر. فيكون التقدير والذي كانوا يفترونه ثم تحذف الهاء ويكون حذفها حسنا لعلل منها طول الاسم وأنه لا يشكل مذكّر بمؤنّث وأنه رأس آية وأنه ضمير متّصل، ولو كان منفصلا لبعد الحذف، وإن كان بعضهم قد قرأ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام: ١٥٤] بمعنى على الذي هو أحسن، وتأوّل بعضهم قول سيبويه «٤» «هذا باب علم ما الكلم» بمعنى الّذي هو الكلم، وروى بعضهم «هذا باب علم ما الكلم» بغير تنوين على أنه حذف أيضا هو وفيه من البعد ما ذكرنا فإذا كان متصلا حسن الحذف كما قرئ وفيها ما تشتهي الأنفس [الزخرف: ٧١] وتشتهيه، وحكى أبو إسحاق «وذلك أأفكهم» أي أكذبهم.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٥٧٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٥٦.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٦٦، والمحتسب ٢/ ٢٦٧.\n(٤) انظر الكتاب ١/ ٤٠.","vol":"4","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3194>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٩]</span>\nوَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)\nوَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ «إذ» في موضع نصب قيل: مضى «صرفنا» وقفناهم لذلك فسمّي صرفا مجازا فَلَمَّا قُضِيَ أي فرغ من تلاوته وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ أي مخوّفين من ترك قبول الحق ونصب «منذرين» على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3195>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٠]</span>\nقالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)\nقالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا وأجاز سيبويه «١» في بعض اللغات فتح «أنّ» بعد القول. أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ «يهدي» في موضع نصب لأنه نعت لكتاب، ويجوز أن يكون منصوبا على الحال، وهو مرفوع لأنه فعل مستقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3196>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nيا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢)\nيا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ جواب الأمر، وكذا وَيُجِرْكُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3197>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٣]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ليس من التعب وإنما يقال في التعب: أعيا يعيي وعيي بالأمر يعي وعيّ به إذا لم يتّجه له. بقدر «٢» هذه قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وابن كثير وأبي عمرو والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ عبد الرحمن الأعرج وابن أبي إسحاق وعاصم الجحدري يقدر «٣» وقد زعم بعض النحويين أن القراءة بيقدر أولى لأن الباء إنما تدخل في النفي وهذا إيجاب وتعجّب من أبي عمرو والكسائي كيف جاز عليهما مثل هذا حتّى غلطا فيه مع محلّهما من العربية قال أبو جعفر: وفي هذا طعن على من تقوم الحجّة بقراءته ومع ذلك فقد أجمعت الأئمة على أن قرءوا أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ [يس:\n٨١] ولا نعلم بينهما فرقا ولا تجتمع الجماعة على ما لا يجوز. وقد تكلّم النحويون في الآية التي أشكلت على قائل هذا فقال الكسائي: إنما دخلت الباء من أجل «لم» وهذا\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ١٧٨، و٣/ ١٦٣.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٦٧.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٦٨.","vol":"4","page":115},{"text":"قول صحيح وسمعت علي بن سليمان يشرحه شرحا بيّنا، قال الباء تدخل في النفي فتقول: ما زيد بقائم، فإذا دخل الاستفهام على النفي لم يغيره عمّا كان عليه فتقول: أما زيد بقائم، فكذا «بقادر» لأن قبله حرف نفي وهو «لم» وقال أبو إسحاق: الباء تدخل في النفي ولا تدخل في الإيجاب تقول: ظننت زيدا منطلقا، ولا يجوز: ظننت زيدا بمنطلق فإن جئت بالنفي قلت: ما ظننت زيدا بمنطلق، فكذا قوله جلّ وعزّ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ والمعنى: أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر في رويّتهم وفي علمهم. قال أبو جعفر: فإن قال قائل: لم صارت الباء في النفي ولا تكون في الإيجاب؟ فالجواب عند البصريين أنها دخلت توكيدا للنفي لأنه قد يجوز ألّا يسمع المخاطب «ما» أو يتوهّم الغلط فإذا جئت بالباء علم أنه نفي. وأما قول الكوفيين الباء في النفي حذاء اللام في الإيجاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3198>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٤]</span>\nوَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)\nوَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ بمعنى واذكر يوما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3199>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٥]</span>\nفَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)\nبَلاغٌ في معناه قولان: أحدهما أنه بمعنى قليل. يقال: ما معه من الزاد إلّا بلاغ أي قليل، والقول الآخر: أن المعنى فيما وعظوا به بلاغ، كما قال الأخفش. قال بعضهم: البلاغ القرآن. وهو مرفوع على إضمار مبتدأ أي ذلك بلاغ، ومن نصبه جعله مصدرا أو نعتا لساعة. فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ أي من فسق في الدنيا. ويقال: إنّ هذه الآية من أرجى آية في القرآن إلّا أن ابن عباس قال: أرجى آية في القرآن وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦] .","vol":"4","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3200>٤٧ شرح إعراب سورة محمد ﷺ</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3201>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢)\nالَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء وهو اسم ناقص. كَفَرُوا من صلته «وصدّوا» معطوف عليه وَصَدُّوا بزيادة ألف بعد الواو وللنحويين في ذلك ثلاثة أقوال: فمذهب الخليل ﵀ أنّ هذه الألف زيدت في الخط فرقا بين واو والإضمار والواو الأصلية نحو «لو» فاختيرت الألف لأنها عند أخر مخرج الواو. وقال الأخفش:\nلو كتب بغير ألف لقرئ «كفر وصدّ» ففرق بين هذه الواو وبين واو العطف. وقال أحمد بن يحيى: كتب بألف ليفرّق بين المضمر المتصل والمنفصل فيكتب صدّوهم عن المسجد الحرام بغير ألف ويكتب صدوا هم بألف، كما تقول: قاموا هم. قال أبو جعفر: فهذه ثلاثة أقوال أصحّها القول الأول لأن قول الأخفش يعارض بأنه قد يقال:\nكفر وأفعل فيقع الأشكال أيضا وقول أحمد بن يحيى في الفرق إنما جعله بين المضمرين وليس يقع في قاموا مضمر منصوب فيجب على قوله أن يكتبه بغير ألف وهو لا يفعل هذا ولا أحد غيره. ومذهب الخليل ﵀ مذهب صحيح. وهذا في واو الجمع خاصة فأما التي في الواحد نحو قولك: هو يرجو فبغير ألف لأنها ليست واو الإضمار وهي لام الفعل بمنزلة الواو من «لو» فكتابتها بالألف خطأ، وإن كان بعض المتأخرين قد ذكر ذلك بغير تحصيل ورأيت أبا إسحاق قد ذكره بالنقصان في النحو وذكر أنه خاطبه فيه. ومن العرب من يقول: اللّذون فيجعله جمعا مسلّما. فأما ما رواه مجاهد عن ابن عباس في قوله جلّ وعزّ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أنّهم كفار أهل مكة فجعل الآية فيهم خصوصا، والظاهر يدلّ على العموم فيجوز أن تكون نزلت في قوم بأعيانهم ثم صارت عامة لكل من فعل فعلهم، وكذا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فقول ابن عباس أنّ هذا نزل في الأنصار خاصة وهو بمنزلة ما تقدّم «والذين» في موضع","vol":"4","page":117},{"text":"رفع بالابتداء، والخبر كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ قال مجاهد عن ابن عباس: أي أمرهم. وروى الضحاك عنه: أي شأنهم. قال أبو جعفر: والبال في اللغة يعبّر عنه بالأمر والشأن والحال. قال محمد بن يزيد: وقد يكون للبال موضع أخر يكون بمعنى القلب. يقال: ما يخطر هذا على بالي أي على قلبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3202>[سورة محمد (٤٧): آية ٣]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)\nذلِكَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء وما بعده خبره. ويكون ذلك إشارة إلى الإضلال والهدى. والعرب قد تشير إلى شيئين بذلك فمنهم من يقول ذانك. وسمعت أبا إسحاق يقول في قول سيبويه: ظننت، ولم يعدها إلى مفعول أخر: إنّ ذلك إشارة إلى شيئين، كأن قائلا قال: ظننت زيدا منطلقا، فقال له أخر: قد ظننت ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3203>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nفَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦)\nفَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ مصدر. أي فاضربوا الرقاب ضربا، وقيل: هو على الإغراء «١»، هذا قول الفراء. حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي لئلا يهربوا أو يلحقكم منهم مكروه. والإثخان المبالغة بالضرب مشتق من قولهم: شيء ثخين أي متكاثف.\nفَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً مصدران وحذف الفعل لدلالة المصدر عليه ولأنه أمر. والفداء يمدّ ويقصر عند البصريين. وأما الفراء فحكى «٢» أنه ممدود إذا كسر أوله ومقصور إذا فتح أوله وحكي: قم فدى لك. حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها أهل التفسير على أن المعنى حتّى يزول الشرك والضمير عند الفراء يحتمل معنيين: أحدهما حتّى تضع الحرب أوزارها أي آثامهم، والمعنى الآخر أن يعود على الحرب نفسها. قال أبو جعفر: الحرب في كلام العرب مؤنّثة، ويصغّرونها بغير هاء فيقولون: حريب، ومثلها قوس وذود يصغّران بغير هاء سماعا من العرب ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ «ذلك» في موضع رفع أي الأمر ذلك أنه لو شاء الله لانتصر منهم، ولكنه أراد أن يثيب المؤمنين، وكانت الحكمة في ذلك ليقع الثواب والعقاب. وقد بيّن ذلك جلّ وعزّ بقوله:\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٥٧.\n(٢) انظر المنقوص والممدود ٢٥، ٢٦.","vol":"4","page":118},{"text":"وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ «١» هذه قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وابن كثير وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ عاصم الجحدري وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «٢» وقرأ أبو عمرو والأعرج قُتِلُوا وعن الحسن أنه قرأ قتلوا»\nمشددة. قال أبو جعفر: والقراءة الأولى عليها حجّة الجماعة، وهي أبين في المعنى وقد زعم بعض أهل اللغة أنه يختار أن يقرأ «قاتلوا» لأنه إذا قرأ «قتلوا» لم يكن الثواب إلا لمن قتل، وإذا قرأ قتلوا لم يكن الثواب إلا لمن قتل وإذا قرأ قاتلوا عم الجماعة بالثواب وهذه لعمري احتجاج حسن، غير أن أهل النظر يقولون: إذا قرئ الحرف على وجوه فهو بمنزلة آيات كل واحدة تفيد معنى، وقد قال النبيّ ﷺ «أوتيت جوامع الكلم» «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3204>[سورة محمد (٤٧): آية ٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ قيل: المعنى: إن تنصروا دين الله وأولياءه فجعل ذلك نصرة له مجازا ينصركم في الآخرة أي يدفع الشدائد عنكم. وروى الضحاك عن ابن عباس: ينصركم على عدوكم. وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ قيل: في موضع الحساب بأن يجعل الحجّة لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3205>[سورة محمد (٤٧): آية ٨]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨)\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا في موضع رفع بالابتداء، ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار فعل يفسّره فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ معطوف على الفعل المحذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3206>[سورة محمد (٤٧): آية ٩]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)\nقال أبو إسحاق: كرهوا نزول القرآن ونبوّة محمد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3207>[سورة محمد (٤٧): آية ١٠]</span>\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠)\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا في موضع نصب على أنه جواب، ويجوز أن يكون في موضع جزم على أنه معطوف، والجزم والنصب علامتهما حذف النون. كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ اسم كان ولم يقل: كانت لأنه تأنيث غير حقيقي وخبر «كان» في «كيف» وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها روى الضحاك عن ابن عباس قال: عذاب ينزل من السّماء ولم يكن\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٠٠.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٠٠.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٦٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٠٠.\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، المساجد ٧، ٨، وأحمد في مسنده ٢/ ٢٥٠، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ٧٢، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٧/ ١١٣، وأبو نعيم في دلائل النبوة ١/ ١٤، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٢٠٦٨) . [.....]","vol":"4","page":119},{"text":"بعد. وقال أبو إسحاق في الضمير الذي في أمثالها أنه يعود على العاقبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3208>[سورة محمد (٤٧): آية ١١]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١)\nروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا قال: ناصرهم. قال الفراء «١» وفي قراءة عبد الله ذلك بأنّ الله وليّ الذين آمنوا وهذه قراءة على التفسير. وقال أبو إسحاق: في معنى ذلك بأن الله يتولّى الذين آمنوا في جميع أمورهم وهدايتهم والنصر على عدوهم. وهذه الأقوال متقاربة ومعروف في اللغة أنّ المولى الوليّ. وهو معنى ما قال ابن عباس: إنّ المولى الناصر، وعلى هذا تؤوّل قول النبيّ ﷺ «من كنت مولاه فعليّ مولاه» «٢» أي من كنت أتولاه وأنصره فعليّ يتولاه وينصره، وقيل: المعنى من كان يتولاني وينصرني فهو يتولّى عليّا وينصره.\nويبيّن ذلك ما حدّثناه علي بن سليمان عن أبي سعيد السكّري عن يونس، عن محمد بن المستنير قال: إن سأل سائل عن قول الله جلّ وعزّ: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) فقال الله جلّ وعزّ: مولى كلّ أحد فكيف قال جلّ وعزّ وأن الكافرين لا مولى لهم؟ فالجواب أن المولى هاهنا الولي وليس الله جلّ وعزّ وليّ الكافرين، وأنشد:\n[الكامل] ٤٢٦-\nفغدت كلا الفرجين تحسب أنّه ... مولى المخافة خلفها وأمامها\n«٣» أي وليّ المخافة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3209>[سورة محمد (٤٧): آية ١٢]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢)\nوَالنَّارُ مرفوعة بالابتداء، و«مثوى» في موضع رفع على أنه الخبر، وأجاز الفراء أن يكون مَثْوىً في موضع نصب ويكون الخبر لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3210>[سورة محمد (٤٧): آية ١٣]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣)\nالتقدير وكم من أهل قرية. وهي أيّ دخلت عليها كاف التشبيه. قال الفراء «٤»:\nفي معنى «التي أخرجتك» التي أخرجك أهلها إلى المدينة أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ قال\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٥٩.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٤١٩، وذكره ابن أبي عاصم في السنة ٢/ ٦٠٥، وابن كثير في البداية والنهاية ٧/ ٣٣٩، والترمذي في سننه (٣٧١٣) .\n(٣) مرّ الشاهد رقم (١٥١) .\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٥٩.","vol":"4","page":120},{"text":"الفراء: جاء في التفسير فلم يكن لهم ناصر حتّى أهلكناهم، قال: فيكون «فلا ناصر لهم» اليوم من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3211>[سورة محمد (٤٧): آية ١٤]</span>\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤)\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ على اللفظ ولو كان على المعنى لقيل: كانوا على بيّنة من ربهم، وكذا كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ولم يقل: لهم سوء أعمالهم، وبعده وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ على المعنى، ولو كان على اللفظ لكان واتّبع هواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3212>[سورة محمد (٤٧): آية ١٥]</span>\nمَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)\nمَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ وفي معناه أربعة أقوال: قال محمد بن يزيد: قال سيبويه «١»: أي فيما يتلى عليكم ويقصّ عليكم مثل الجنة، وقال يونس: مثل بمعنى صفة ومثله فيما ذكرناه مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ [إبراهيم: ١٨] قال محمد بن يزيد: وكلا القولين حسن جميل وقال الكسائي: مثل الجنّة كذا وفيها كذا ولهم فيها كذا كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ أي مثل هؤلاء في الخير كمثل هؤلاء في الشرّ أي هؤلاء كهؤلاء.\nوالقول الرابع عن أبي إسحاق قال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تفسير لقوله جلّ وعزّ:\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الحج: ١٤] ثم فسّر تلك الأنهار فالمعنى مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ مما قد عرفتموه في الدنيا من الجنات والأنهار جنّة فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وفي قراءة أهل مكة فيما ذكره أبو حاتم غَيْرِ آسِنٍ «٢» على فعل يقال: أسن الماء يأسن ويأسن أسنا وأسونا فهو آسن وأسن يأسن أسنا فهو أسن، وتحذف الكسرة لثقلها، فيقال: أسن، إذا أنتن. فإن تغيّر قالوا أجن الماء يأجن ويأجن وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ نعت خمر بمعنى ذات لذة ويجوز لذّة نعت لأنهار، ويجوز النصب على المصدر، كما تقول: هو لك هبة. كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ الكاف في موضع رفع وهي مرافعة كمثل عند الكسائي كما بيّنّا، وأما الفراء «٣» فالتقدير عنده: أمن هو في هذه الجنات كمن هو خالد في النار وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ جمع معى وهو يذكّر ويؤنّث. وروى أبو أمامة الباهلي عن النبيّ ﷺ في قول الله جلّ وعزّ: وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ قال: «إذا قرّب منه تكرّهه، وإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ولحم وجهه فيه، فإذا شربه قطّع أمعاءه وخرج من دبره» «٤» .\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ١٩٦.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٢.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٦٠.\n(٤) انظر البحر المحيط ٨/ ٧٩.","vol":"4","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3213>[سورة محمد (٤٧): آية ١٦]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦)\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ على لفظ «من» حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ على المعنى. قال عبد الله بن بريدة: قالوا ذلك لعبد الله بن مسعود أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ على المعنى أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3214>[سورة محمد (٤٧): آية ١٧]</span>\nوَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧)\nوَالَّذِينَ اهْتَدَوْا أي قبلوا الهدى وعملوا به. زادَهُمْ هُدىً قال أبو جعفر: قد ذكرناه. ومن حسن ما قيل في الضمير أن المعنى زادهم الله جلّ وعزّ هدى بما ينزل من الآيات والبراهين والدلائل والحجج على رسوله ﷺ فيزداد المؤمنون بها بصيرة ومعرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3215>[سورة محمد (٤٧): آية ١٨]</span>\nفَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨)\nفَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً هذه القراءة التي عليها حجّة الجماعة. وقد حكى أبو عبيد: أنّ في بعض مصاحف الكوفيين أن تأتيهم وقرئ على إبراهيم بن محمد بن عرفة عن محمد بن الجهم قال: حدّثنا الفراء قال: حدّثني أبو جعفر الرؤاسي قال: قلت لأبي عمرو بن العلاء ما هذه الفاء في قوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها قال: هي جواب للجزاء. قلت إنما هي أَنْ تَأْتِيَهُمْ فقال: معاذ الله إنما هي «إن تأتهم» «١» . قال الفراء: فظننته أخذها عن أهل مكة لأنه عليهم قرأ. قال: وهي في بعض مصاحف الكوفيين «إن تأتهم» بسنة واحدة ولم يقرأ بها أحد منهم. قال أبو جعفر: ولا يعرف هذا عن أبي عمرو إلّا من هذه الطريق. والمعروف عنه أنه قرأ «أن تأتيهم» وتلك ال مع شذوذها مخالفة للسواد، والخروج عن حجّة الجماعة. ومن جهة المعنى ما هو أكثر، وذلك أنه لو كان «إن تأتهم بغتة» لكان المعنى يمكن أن تأتي بغتة وغير بغتة، وقد قال الله جلّ وعزّ: لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الأعراف: ١٨٧] . فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها جمع شرط أي علاماتها. قال الحسن: موت النبيّ ﷺ من علاماتها، وقال غيره: بعث النبيّ ﷺ من علاماتها لأنه لا نبيّ بعده إلى قيام الساعة. وقال قال ﵇ «أنا والسّاعة كهاتين» «٢» قال محمد بن يزيد: وإنما قيل: شرط لأن لهم علامات وهيئات ليست للعامة. فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ قال الأخفش: أي فإنّى لهم ذكراهم إذا جاءتهم\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٨٠، قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين وكفرسي رهان» .\n(٢) انظر تيسير الداني ٦٩، والبحر المحيط ٨/ ٨١.","vol":"4","page":122},{"text":"الساعة «ذكراهم» في موضع رفع بالابتداء على مذهب سيبويه، وبالصفة على قول الكوفيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3216>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nفَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠)\nفَاعْلَمْ قال أبو إسحاق: الفاء جواب للمجازاة أي قد بيّنّا أن الله جلّ وعزّ واحد فاعلم ذلك. فأما مخاطبة النبيّ ﷺ بهذا، وهو عالم به ففي ذلك غير جواب. قال أبو إسحاق: مخاطبة النبيّ ﷺ مخاطبة لأمته، وعلى مذهب بعض النحويين أنّ النبيّ ﷺ مأمور أن يخاطب بهذا غيره مثل فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [يونس: ٩٤] وقيل: فاعلم علما زائدا على علمك لأن الإنسان قد يعلم الشيء من جهات وجواب رابع أنّ المعنى تحذير له من المعاصي أي فاعلم أنه لا إله إلّا الله وحده لا يعاقب على العصيان غيره. ويدلّ على هذا أنّ بعده واستغفر لذنبك كما تقول للرجل تحذّره من المعصية: اعلم أنّك ميّت فلست تأمره أن يفعل العلم وإنما تحذّره من المعاصي. قال أبو إسحاق: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ أي متصرّفكم. وَمَثْواكُمْ أي مقامكم في الدنيا والآخرة. قال: وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ أي فرض فَأَوْلى لَهُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3217>[سورة محمد (٤٧): آية ٢١]</span>\nطاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)\nطاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فيه أجوبة فقال الخليل وسيبويه جوابان: أحدهما أن تكون طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ مرفوعين بالابتداء أي طاعة وقول معروف أمثل والثاني على خبر المبتدأ أي أمرنا طاعة وقول معروف. وقال غيرهما: التقدير منّا طاعة. وقول رابع أن يكون «طاعة» نعتا لسورة بمعنى ذات طاعة فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أي جدّ الأمر. وقيل:\nهو مجاز أي أصحاب الأمر أي فإذا عزم النبيّ ﷺ على الحرب. فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ في القتال. لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ من التعلّل والهرب، وقال أبو إسحاق: أي لكان صدقهم الله وإيمانهم به خيرا لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3218>[سورة محمد (٤٧): آية ٢٢]</span>\nفَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢)\nفَهَلْ عَسَيْتُمْ «١» إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ هذه القراءة التي عليها الجماعة. قال أبو إسحاق: ولو جاز عسيتم لجاز عسى ربّكم فهي عنده لا تجوز البتة. ويروى عن علي بن أبي طالب ﵁ عنه أنه قرأ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي تولّاكم النّاس على ما لم\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ١٤٠، والبحر المحيط ٨/ ٨٢.","vol":"4","page":123},{"text":"يسمّ فاعله. أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (أن) في موضع نصب خبر عسيتم. وهذه اللغة الفصيحة، ومن العرب من يحذف «أن» من الخبر، كما قال: [الوافر] ٤٢٧-\nعسى الهمّ الّذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب\n«١» ومن العرب من يأتي بالاسم في خبرها فينصبه فيقول: عسى زيد قائما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3219>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤)\nأُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) ثم قال جلّ وعزّ بعد أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وقد تقدّم وصفهم بالصّمم والعمى، فمن أصحّ ما قيل في هذا وأحسنه أن المعنى: أولئك الذين لعنهم الله فلم ينلهم ثوابا فهم بمنزلة الصمّ لا يسمعون ثناء حسنا عليهم ولا يبصرون ما يسرّون به من الثواب، فهذا جواب بيّن. وقد قيل: إنه دعاء، وقد قيل: إنهم لا يسمعون أي لا يعلمون. وقد تأوّل بعض العلماء حديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ «إنّ الميّت ليسمع خفق نعالهم» «٢» أي ليعلم. وتأويل حديث النبيّ ﷺ في أهل القليب الذين قتلوا يوم بدر حين خاطبهم فقال: «هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا» «٣» ثمّ أخبر أنّهم يسمعون ذلك فتأول صاحب ذلك التأويل على أنّهم يعلمونه، واحتج بقول الله ﷿: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [النمل: ٨٠] وهذا التأويل قد ردّه جماعة من العلماء على متأوليه لأن النبيّ ﷺ هو المبين عن الله ﷿، وهو القائل «إنّ الميّت ليسمع خفق نعالهم» والمخبر بعذاب القبر ومساءلة الميّت وكذا أكثر أصحابه على ذلك يخبرون بتأدية الأعمال إلى الموتى فالصواب من ذلك أن يقال: إنّ الله جلّ وعزّ يؤدّي إلى الموتى من بني أدم ما شاء على ما شاء ويعذب من شاء ممن يستحقّ بما يشاء فأما قوله جلّ وعزّ: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: ٢٢] وإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [النمل: ٨٠] .\n_________\n(١) الشاهد لهدبة بن خشرم في الكتاب ٣/ ١٨١، وخزانة الأدب ٩/ ٣٢٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٤٢، والدرر ٢/ ١٤٥، وشرح التصريح ١/ ٢٠٦، وشرح شواهد الإيضاح ٩٧، وشرح شواهد المغني ٤٤٣، واللمع ٢٢٥، والمقاصد النحوية ٢/ ١٨٤، وبلا نسبة في أسرار العربية ١٢٨، وتخليص الشواهد ٣٢٦، وخزانة الأدب ٩/ ٣١٦، والجنى الداني ص ٤٦٢، وشرح ابن عقيل ١٦٥، وشرح عمدة الحافظ ٨١٦، والمقرب ١/ ٩٨، وشرح المفصل ٧/ ١١٧، ومغني اللبيب ص ١٥٢، والمقتضب ٣/ ٧٠، وهمع الهوامع ١/ ١٣٠.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٤٤٥، وذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٢/ ٤٦، والسيوطي في الدر المنثور ٤/ ٨٢، والقرطبي في تفسيره ٧/ ٣٧٧، والهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٥٤.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٩٧، ٩٨، ومسلم في صحيحه، الجنة ٧٦، والنسائي في سننه ٤/ ١٠١، وأحمد في مسنده ٢/ ٣٨، ١٣٠، و٣/ ١٠٤، ١٤٥، و٤/ ٩، وذكره ابن أبي شيبة في مصنّفه ١٤/ ٣٧٧، والبيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٤٨، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٥/ ٢٣. [.....]","vol":"4","page":124},{"text":"فليس فيه مخالفة لهذا: وإنما المعنى- والله أعلم- إنك لا تسمع الموتى بقدرتك ولا بقوتك، ولكن الله جلّ وعزّ يسمعهم كيف يشاء ويدلّ على هذا أنّ بعده وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ [النمل: ٨١] أي لست تهديهم أنت بقدرتك ولكن الله جلّ وعزّ يهدي من يشاء بلطفه وتوفيقه.\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أي فيعملون بما فيه ويقفون على دلائله أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها أي أقفال تمنعها من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3220>[سورة محمد (٤٧): آية ٢٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥)\nقال أبو إسحاق: أي رجعوا بعد سماع الهدى وتبيينه إلى الكفر الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ هذه قراءة أكثر الأئمة، وقرأ أبو عمرو والأعرج وشيبة وعاصم الجحدري وأملي لهم «١» على ما لم يسمّ فاعله، وقرأ مجاهد وسلام ويعقوب وأملي لهم «٢» بإسكان الياء فالقراءة الأولى بمعنى وأملى الله جلّ وعزّ لهم، والقراءة الثانية تؤول إلى هذا المعنى لأنه قد علم أنّ الله ﵎ هو الذي أملى لهم، والقراءة الثالثة بيّنة أخبر الله جلّ وعزّ أنه يملي لهم. والكوفيون يميلون وَأَمْلى لَهُمْ لأن الألف منقلبة من الياء ومعنى أملى له مدّ له في العمر ولم يعاجله بالعقوبة وهو مشتق من الملاوة، وهي القطعة من الدهر ومنه ملاك الله جلّ وعزّ نعمته وتملّ حبيبك والملوان: الليل والنهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3221>[سورة محمد (٤٧): آية ٢٦]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦)\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ قال أبو إسحاق: أي الأمر ذلك الإضلال فإنهم قالوا لليهود سنطيعكم في بعض الأمر أي في التضافر على عداوة محمد ﷺ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ «٣» هذه قراءة أكثر الأئمة، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي والله يعلم إسرارهم وهذا مصدر من أسرّ، والأول جمع سرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3222>[سورة محمد (٤٧): آية ٢٧]</span>\nفَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧)\nفَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ فيه حذف أي فكيف تكون حالهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٣، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٠٠.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٣، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٠٠.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٨٣، وتيسير الداني ١٦٣.","vol":"4","page":125},{"text":"قال مجاهد: أي وأستاههم ولكن الله جلّ وعزّ كريم يكنّى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3223>[سورة محمد (٤٧): آية ٢٨]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨)\nذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ أي ذلك جزاؤهم بأنّهم اتّبعوا الشيء أسخط الله من ترك متابعة النبيّ ﷺ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ أي اتّباع شريعته والإيمان به فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ أي فأحبط ذلك، ويجوز أن يكون المعنى: فأحبط الله جلّ وعزّ ما عملوا من خير بكفرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3224>[سورة محمد (٤٧): آية ٢٩]</span>\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩)\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ عن ابن عباس قال: هم المنافقون قال:\nوالمرض الشكّ والتكذيب أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ قال: عداوتهم للمؤمنين قال محمد بن يزيد: الضغن ما تضمره من المكروه وقد ضغنت عليه واضطغنت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3225>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٠]</span>\nوَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠)\nوَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ويقال في معناه سيمياء وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ عن ابن عباس قال: فما رأى النبيّ ﷺ منافقا فخاطبه إلا عرفه قال محمد بن يزيد: في لحن القول في فحواه وفي قصده من غير تصريح، قال: وقريب من معناه التعريض. وفي الحديث عن النبيّ ﷺ «إنكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم يكون ألحن بحجّته من صاحبه فأقضي له على قدر ما أسمع. فمن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار» «١» قال محمد بن يزيد: معنى «ألحن بحجّته» أقصد وأمضى فيها. قال: ومنه قول النبيّ ﷺ للسّعدين «٢» حين وجّههما إلى بني قريظة «إن أصبتماهم على العهد فأعلنا ذلك وإن أصبتماهم على غير ذلك فالحنا لي لحنا أعرفه ولا تفتّا في أعضاد المسلمين» «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3226>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣١ الى ٣٣]</span>\nوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣)\nالابتلاء في اللغة الاختبار فقيل: المعنى: لنشدّدنّ عليكم في التعبّد، وذلك في الأمر بالجهاد، والنهي عن المعاصي. يدلّ على ذلك حتّى نعلم المجاهدين منكم\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٢٣٥، و٩/ ٣٢، ومسلم في الأقضية ٤، وأحمد في مسنده ٦/ ٢٠٣، وذكره السيوطي في جمع الجوامع (٧٥٣٤)، والشافعي في مسنده ١٥٠، والمتقي الهندي في كنز العمال ١٤٥٣٦.\n(٢) السعدان: هما سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.\n(٣) انظر السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٢٢١.","vol":"4","page":126},{"text":"والصابرين. وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ أي ما عملتم فيما تعبّدتم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3227>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)\nدخلت الفاء في خبر «إنّ» لأن اسمها الذين وصلته فعل فأشبه المجازاة فدخلت فيه الفاء، ولو قلت: إنّ زيدا فمنطلق، لم يجز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3228>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٥]</span>\nفَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥)\nفَلا تَهِنُوا الأصل توهنوا حذفت الواو تباعا وَتَدْعُوا عطف عليه، ويجوز أن يكون جوابا. قال محمد بن يزيد: السلم والسّلم والمسالمة واحد وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ قال مجاهد: الغالبون. وَاللَّهُ مَعَكُمْ أي ينصركم وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ قال الضّحاك: أي لن يظلمكم وقدّره أبو إسحاق على حذف أي لن ينقصكم ثواب أعمالكم. وروى يونس عن الزهري عن سالم عن أبيه وعنبسة يقول: عن عمر عن النبيّ ﷺ وقال: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» «١» أي نقص وسلب. قال أبو جعفر: وفي اشتقاقه قولان: مذهب الفراء «٢» أنه مشتقّ من الوتر، وهو الذّحل وهو قتل الرجل وأخذ ماله فالذي تفوته صلاة العصر لما فاته من الأجر والثواب بمنزلة من أخذ أهله وماله أي هو بمنزلة الذي وتر. والاشتقاق الآخر أن يكون من الوتر وهو الفرد كأنّه بمنزلة من قد بقي منفردا وخصّت بهذا، لأنها في وقت أشغالهم ومعائشهم والأصل في يتركم يوتركم حذفت إلى مفعولين مثل وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الأعراف: ١٥٥] والتقدير عند الأخفش ولن يتركم في أعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3229>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٦]</span>\nإِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦)\nإِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ مبتدأ وخبره وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا. قال أبو إسحاق:\nوقد عرّفهم أنّ أجورهم الجنة، قال: ويجوز وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ يريد على أن يجعله خبرا والجزم على العطف. قيل: المعنى: ولا يأمركم أن تنفقوا أموالكم كلّها في الجهاد ومواساة الفقراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3230>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٧]</span>\nإِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧)\nفَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا أي تمتنعوا مما يجب عليكم. قال أبو جعفر: وكذا البخل في اللغة وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ قيل: أي ويخرج ذلك البخل أضغانكم أي ما تضمرونه من امتناع النفقة خوف الفقر.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ١٠٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٦٤.","vol":"4","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3231>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٨]</span>\nها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)\nوَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما شرط وجوابه فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ أي إنما يعود الضرر عليه والعقوبة وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ أي فلم يكلّفكم ذلك لمّا علمه منكم وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ قيل: إن تتولّوا عن نصرة النبيّ ﷺ يأتي بقوم آخرين بدلا منكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ فيما فعلتموه.","vol":"4","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3232>٤٨ شرح إعراب سورة الفتح</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3233>[سورة الفتح (٤٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)\nالأصل إنّنا حذفت النون لاجتماع النونات. والنون والألف في «إنّا» في موضع نصب، وفي «فتحنا» في موضع رفع وعلامات المضمر تتّفق كثيرا إذا كانت متصلة، والفتح هاهنا فتح الحديبيّة. وقد توهّم قوم أنه فتح مكّة ممّن لا علم لهم بالآثار. وقد صحّ عن ابن عباس والبرآء وسهل بن حنيف أنّهم قالوا: هو فتح الحديبيّة وهو صحيح عن أنس بن مالك كما قرئ على أحمد بن شعيب عن عمرو بن علي قال: حدّثنا يحيى قال: حدّثنا شعبة قال: حدّثنا قتادة عن أنس بن مالك إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قال: الحديبية. وصحّ عن النبيّ ﷺ أنه قال عند منصرفه من الحديبيّة «لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها» ثمّ تلا إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) «١» الآية فإن قيل:\nلم يكن النبيّ ﷺ يحب الدنيا، فكيف قال في هذا الفضل العظيم الخطير أحبّ إليّ من الدنيا؟ وإنما تقول العرب: هذا في الشيء الجليل فيقولون: هو أسخى من حاتم طيّئ، والدنيا لا مقدار لها. وقد قال النبيّ ﷺ حين مرّ بشاة ميّتة «والله للدّنيا أهون على الله جلّ وعزّ من هذه على أهلها» «٢» ففي ذلك غير جواب منها أنّ المعنى لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها لو كانت لي فأنفقتها في سبيل الله جلّ وعزّ. وقيل: خوطبوا بما يعرفون «فتحا» مصدر «مبينا» من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3234>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢]</span>\nلِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢)\nلِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لام كي، والمعنى لأن. قال مجاهد ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قبل النّبوة. وَما تَأَخَّرَ بعد النبوة، وقال الشعبي مثله إلّا أنه قال: إلى أن مات. وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، الجهاد ب ٣٤ رقم ٩٧، والقرطبي في تفسيره ١٦/ ٢٥٩.\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه- الزهد ٩/ ١٩٨، وابن ماجة في سننه رقم الحديث (٤١١٠) .","vol":"4","page":129},{"text":"عطف قيل: يتم نعمته عليه في الدنيا بالنصر وفي الآخرة بالثواب وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا قيل: طريق الجنة. قال محمد بن يزيد: الصراط المنهاج الواضح. قال أبو جعفر: التقدير: إلى صراط ثم حذفت إلى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3235>[سورة الفتح (٤٨): آية ٣]</span>\nوَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)\nوَيَنْصُرَكَ اللَّهُ عطف. نَصْرًا عَزِيزًا مصدر «عزيزا» من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3236>[سورة الفتح (٤٨): آية ٤]</span>\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال:\nالسكينة الرحمة، قال محمد بن يزيد: السكينة فعيلة من السكون، ومن السكينة الحلم والوقار وترك ما لا يعني. وروى مالك بن أنس عن الزهري عن علي بن الحسين وبعضهم يقول عن الحسين ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» «١»، ومن الرحمة الحديث أنّ النبيّ ﷺ قبّل الحسن بن علي ﵄ فقال له الأقرع بن حابس: إنّ لي لعشرة أولاد ما قبّلت واحدا منهم قطّ فقال النبيّ ﷺ «من لا يرحم لا يرحم» «٢» . وفي بعض الحديث «أرأيت إن كان الله سبحانه قلع الرحمة من قلبك فما ذنبي» «٣» . وفي ابن أبي طلحة عن ابن عباس لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ قال: بعث النبيّ ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله ثم زاد الصلاة ثمّ زاد الصيام ثم أكمل لهم دينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3237>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nلِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (٦)\nلِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ مفعولان خالِدِينَ على الحال وَيُكَفِّرَ عطف، كذا وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ نعت.\nوقرأ مجاهد وأبو عمرو دائرة السوء «٤» بضم السين، وفتح السين، وإن كانت القراءة به أكثر فإنّ ضمّها فيما زعم الفراء في هذا أكثر. والسّوء اسم الفعل، والسّوء الشيء بعينه.\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطّأ- الحديث (٣)، والترمذي في سننه- الزهد ٩/ ١٩٦.\n(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ١٧٠.\n(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ١٧٠.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٦٣، ومعاني الفراء ٣/ ٦٥. [.....]","vol":"4","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3238>[سورة الفتح (٤٨): آية ٨]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)\nحال مقدّرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3239>[سورة الفتح (٤٨): آية ٩]</span>\nلِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)\nقرأ ابن كثير وأبو عمرو ليؤمنوا «١» مردودة على هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ليؤمنوا. والقراءة بالتاء على معنى قل لهم، وقيل إنّ المخاطبة للنبيّ ﷺ مخاطبة لأمته، وَتُعَزِّرُوهُ على التكثير، ويقال عزره يعزره. قال الحسن والضحاك:\n«وتعزّروه» أي تنصروه وتعظّموه. وَتُسَبِّحُوهُ أي تسبّحوا الله ﷿. وقال قتادة:\n«تعزّروه» تعظّموه وَتُوَقِّرُوهُ تسوّدوه وتشرّفوه، وتأوّله محمد بن يزيد على أنه للمبالغة قال: ومنه عزّر السلطان الإنسان أي بالغ في أدبه فيما دون الحدّ. قال أبو جعفر:\nورأيت علي بن سليمان يتأوّله بمعنى المنع، قال: فعزّرت الرجل الجليل منعت منه ونصرته، وعزّرت الرجل ضربته دون الحدّ. واشتقاقه منعته من أن يعود إلى ما ضربته من أجله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3240>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)\nإِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ اسم «إنّ» ويجوز أن يكون الخبر إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ويجوز أن يكون الخبر يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وقرأ ابن أبي إسحاق وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ «٢» جاء به على الأصل ويجوز فسنؤتيه أجرا عظيما كالأول، فسنؤتيه بإثبات الواو في الإدراج، ويجوز فسنؤتيهي بإثبات الياء في الإدراج تبدل من الواو ياء. حكى هذا كلّه سيبويه وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3241>[سورة الفتح (٤٨): آية ١١]</span>\nسَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)\nسَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ ويجوز إدغام اللام وإن كان فيه جمع بين ساكنين لأن الأول منهما حرف مدّ ولين، ولا يجوز الإدغام في فَاسْتَغْفِرْ لَنا عند الخليل وسيبويه لأن في الراء تكريرا فإن أدغمتها في اللام ذهب التكرير. يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ جمع على أنّ اللسان مذكّر ومن أنّثه قال: ألسن. قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا هذه قراءة أكثر القراء، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٣، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٠٣.\n(٢) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٦٠٣.","vol":"4","page":131},{"text":"ضرا»\nففرّق بينهما جماعة من أصحاب الغريب منهم أبو عبيد فقال: الضّرّ: ضدّ النفع والضرّ: البؤس كما قال: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ [الأنبياء: ٨٣] فعلى هذا يجب أن يكون الضرّ هنا أولى ولكن حكى النحويّون أنّ ضرّه ضرّا وضرّا جائز مثل شرب شربا وشربا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3242>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nبَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)\nوَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا يقال: إنّ البور في لغة أزد عمان الفاسد، وحكى الفراء: أن البور في كلام العرب لا شيء، وأنه يقال: أصبحت أعمالهم بورا أي لا شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3243>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nسَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦)\nسَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي كلم الله «٢» جمع كلمة، وقول سيبويه «هذا باب علم ما الكلم من العربيّة» يريد به جمع كلمة يريد ثلاثة أنحاء من الكلام اسما وفعلا وحرفا. والكلام اسم للجنس، وقد أجاز بعض النحويين أن يكون الكلام بمعنى التكليم، وأجاز: سمعت كلام زيد عمرا. قال أبو جعفر: وحقيقة الفرق بين الكلام والتكليم أن الكلام قد يسمع بغير متكلّم به، والتكليم لا يسمع إلّا من متكلّم به. قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ وهو قوله جلّ وعزّ: وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا [التوبة: ٨٣] ثم قال جلّ ثناؤه بعد هذا قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يقال: كيف تدعون إلى القتال، وقد قال وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا وردّ عليهم قولهم ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ؟ فالجواب عن هذا أنه إنما قال: لَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا وهؤلاء لم يدعوا في وقت النبيّ ﷺ يدلك على ذلك أنّ بعده. وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ ويعضد هذا الجواب جماعة الحجّة أن أبا بكر وعمر رحمهما الله هما اللذان دعيا الأعراب إلى القتال، كما قال ابن عباس في قوله جلّ وعزّ: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال: إلى بني حنيفة أصحاب مسيلمة، قال: ويقال إلى فارس\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٣، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٠٤.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٣.","vol":"4","page":132},{"text":"والروم. قال مجاهد وعطية العوفي: إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال: فارس. قال أبو جعفر: فكانت في هذه الآية دلالة على إمامة أبي بكر وعمر وفضلهما ﵄ وأنهما أخذا الإمامة باستحقاق لقول الله جلّ وعزّ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ولا يجوز أن يعطى الله جلّ وعزّ أجرا حسنا إلّا لمن قاتل على حقّ مع إمام عادل. قال الكسائي: تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ على النسق. وقال أبو إسحاق: «أو يسلمون» مستأنف، والمعنى أو هم يسلمون. قال الكسائي: وفي قراءة أبيّ بن كعب أو يسلموا «١» بمعنى حتّى يسلموا، والبصريون يقولون: بمعنى إلى أن كما قال: [الطويل] ٤٢٨-\nأو نموت فنعذرا\n«٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3244>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٧]</span>\nلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا (١٧)\nلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ أصل الحرج في اللغة الضيق. وعن ابن عباس: أن هذا في الجهاد، وأنه كان في وقعة الحديبية فيمن تخلّف عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3245>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nلَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)\nلَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قال جابر كنا ألفا وأربع مائة بايعنا على أن لا نفرّ. وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا أكثر أهل التفسير على أنه خيبر كانت لأهل الحديبية، وقيل: هو فتح الحديبية. قال الزهري: وكان فتحا عظيما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3246>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٠]</span>\nوَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)\nفَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ فأهل التفسير على أنها خيبر وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ عن ابن عباس والحسن قال: هو عيينة بن حصن الفزاري وقومه وعوف بن مالك النضري ومن معه جاءوا لينصروا أهل خيبر، ورسول الله ﷺ محاصر لهم فألقى في قلوبهم الرعب قال جلّ وعزّ: وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وقيل: المعنى: ولتكون المغانم آية أي دلالة على صدق النبيّ ﷺ وإخباره بالغيب.\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ١٤٢، والبحر المحيط ٨/ ٩٤.\n(٢) مرّ الشاهد رقم ١٤٨.","vol":"4","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3247>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢١]</span>\nوَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)\nوَأُخْرى في موضع نصب أي وعدكم أخرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها أي علم أنها ستكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3248>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٢]</span>\nوَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٢٢)\nوَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ عن ابن عباس والحسن أيضا أنه في عيينة وعوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3249>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٣]</span>\nسُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)\nسُنَّةَ اللَّهِ مصدر لأن معنى لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ سنّ الله ﷿ ذلك. قال أبو إسحاق: ويجوز «سنّة الله» بالرفع أي تلك سنة الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3250>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nوَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٢٥)\nوَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ رويت فيه روايات فمن أحسنها أنه في يوم فتح مكّة كفّ الله جلّ وعزّ أيدي الكفار بالرعب الذي ألقاه في قلوبهم وكفّ أيدي المؤمنين بأنه لم يأمرهم بقتالهم يدلّ على هذا قوله ﷿: بِبَطْنِ مَكَّةَ ولم تنصرف مكة لأنها معرفة اسم للمؤنث ثم بيّن جلّ وعزّ أنه لم يترك أمرهم بقتالهم لأنهم مؤمنون وأخبر أنّهم كفار فقال: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ معطوف على الكاف والميم وصدّوا الهدي مَعْكُوفًا على الحال. أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ «أن» في موضع نصب أي عن أن يبلغ محلّه ثم بيّن جلّ وعزّ لم لم يأمرهم بقتالهم فقال: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ «أن» في موضع رفع بدل والمعنى ولولا أن تطئوهم أي تقتلوهم بالوطء، وقيل: لأذن لكم في دخول مكة ولكنه حال بينكم وبين ذلك لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ من أهل مكة بالوطء، وقيل: المعنى أنّ الله سبحانه علم أنّ هؤلاء الكفّار من يسلم ومن يولد له من يسلم فلم يأمر بقتلهم ويقال: إنّ على هذا نهى الله جلّ وعزّ عن قتل أهل الكتاب إذا أدّوا الجزية قال الله جلّ وعزّ: لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ. فأما معنى فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ فقيل لئلا يقتل المسلمون خطأ فتؤخذ الديات وقيل: معرّة أي عيب فيقال: لم يتقوا إذ قتلوا أهل دينهم قال الله سبحانه: لَوْ تَزَيَّلُوا","vol":"4","page":134},{"text":"لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا\nأي لو انمازوا لأمرناكم أن تعذبوهم بالقتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3251>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٦]</span>\nإِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)\nإِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ روي عن ابن عباس قال: هم المشركون صدّوا عن المسجد الحرام ومنعوا الهدي أن يبلغ محلّه فأما حقيقة الحميّة في اللغة فهي الأنفة والإنكار فإن كانت لما يجب فهي حسنة ويقال فاعلها حامي الذمار، كما قال: [الكامل] ٤٢٩-\nحامي الذّمار على محافظة ... الجليّ أمين مغيّب الصّدر\n«١» وإن كانت لما لا يجب فهي ضلال وغلوّ كما قال جلّ وعزّ: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فأما وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى فللعلماء فيه قولان: روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى «لا إله إلّا الله» وهي رأس كلّ تقوى وكذلك يروى عن علي وابن عمر وأبي هريرة وسلمة بن الأكوع ﵏ قالوا: كلمة التقوى «لا إله إلا الله» وروى محمد بن إسحاق عن الزهري عن المسور ومروان وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال: يعني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الزهري: لمّا كتب الكتاب بالمقاضاة وأملاه رسول الله ﷺ (بسم الله الرحمن الرحيم) أنكروا ذلك، وقالوا: ما نعرف إلا «باسمك اللهمّ» فأمر النّبي ﷺ أن يكتب كما قالوا. وهذان القولان ليسا بمتناقضين، لأن الله جلّ وعزّ قد ألزم المؤمنين التوحيد وبسم الله الرحمن الرّحيم. وقد كانوا أنكروا في هذا الكتاب «من محمد رسول الله» وقالوا من محمد عبد الله. وَكانُوا أَحَقَّ بِها خبر كان أي أحقّ بها من غيرهم لأنهم أصحاب رسول الله ﷺ الذين اختارهم الله جلّ وعزّ له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3252>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٧]</span>\nلَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)\nلَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ثم بيّن الرؤيا بقوله ﷿: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وتكلّم العلماء في معنى «إن شاء الله» هنا لأن الاستثناء لا يكون في البشارة فيكون فيه فائدة إنما الاستثناء من المخلوقين لأنهم لا يعرفون عواقب الأمور فقيل الاستثناء من امنين.\nوقيل: إنما حكي ما كان من الرؤيا وقيل خوطب الناس بما يعرفون ومن حسن ما فيه\n_________\n(١) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ٩٠.","vol":"4","page":135},{"text":"أن يكون الاستثناء لمن قتل منهم أو مات، وقد زعم بعض أهل اللغة أنّ المعنى لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله. وزعم أنه مثل قوله: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨] وأنّ مثله: وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون. وهذا قول لا يعرّج عليه، ولا يعرف أحد من النحويين «إن» بمعنى «إذ» وإنّما تلك «أن» فغلط وبينهما فصل في اللغة والأحكام عند الفقهاء والنحويين مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ نصب على الحال، وهي حال مقدرة. وزعم الفراء «١» أنه يجوز «محلّقون رؤوسكم ومقصّرون» بمعنى بعضكم كذا وبعضكم كذا وأنشد: [البسيط] ٤٣٠-\nوغودر البقل ملويّ ومحصود\n«٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3253>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٨]</span>\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ قيل: بالحجج والبراهين، وقيل: لا بد أن يكون هذا، وقيل: وقد كان لأن النبيّ ﷺ بعث والأديان أربعة فقهرت كلّها في وقته، وفي خلافة أبي بكر وعمر ﵄. وفي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن المعنى ليظهره على أمر الدّين كلّه أي ليبينه له.\nقال أبو جعفر: هذا من أحسن ما قيل في الآية لأنه لا معارضة فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3254>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩]</span>\nمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)\nمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مبتدأ وخبره وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ مثله. وروى قرّة عن الحسن أنه قرأ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ «٣» بالنصب على الحال وخبر «الذين» «تراهم»، ويجوز أن يكون الذين في موضع نصب بإضمار فعل يفسّره تراهم. رُكَّعًا سُجَّدًا على الحال. سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ أي علامتهم.\nوأصحّ ما قيل فيه أنّهم يوم القيامة يعرفون بالنور الّذي في وجوههم. وفي الحديث «تأتي أمتي غرّا محجّلين» «٤» ذلِكَ مَثَلُهُمْ مبتدأ وخبره فِي التَّوْراةِ تمام الكلام على\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٦٨.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٣٨٤) .\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ١٠٠، ومختصر ابن خالويه ١٤٢.\n(٤) أخرجه مالك في الموطأ باب- الحديث ٢٨، وابن ماجة في سننه- الطهارة باب ٦ الحديث (٢٨٣) .","vol":"4","page":136},{"text":"قول الضّحاك وقتادة، ويكون مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ مبتدأ، وخبره كَزَرْعٍ، وعلى قول مجاهد التمام وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ تعطف مثلا على مثل ثم تبتدئ «كزرع» أي هم كزرع. أَخْرَجَ شَطْأَهُ عن ابن عباس قال: السنبلة بعد أن كانت وحدها تخرج معها سبع سنابل وأكثر وروى حميد عن أنس أَخْرَجَ شَطْأَهُ «١» قال: نباته وفراخه. قال أبو جعفر: إن خفّفت الهمزة قلت شطه فألقيت حركتها على الطاء وحذفتها فَآزَرَهُ «٢» قال أهل اللغة: أي لحق بالأمهات. وأصل أزره قوّاه فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ جمع ساق على فعول حذف منه يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ قيل: الكفار هاهنا الزراع لأنهم يغطون الزّرع، وقيل: هم الذين كفروا بمحمد ﷺ. وهذا أولى لأنه لا يجوز يعجب الزراع ليغيظ بهم الزراع. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا تكون «منهم» لبيان الجنس أولى لأنها إذا جعلت للتبعيض كان معنى آمنوا ثبتوا، وذلك مجاز ولا يحمل الشيء على المجاز ومعناه صحيح على الحقيقة.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٤، والبحر المحيط ٨/ ١٠١.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٤.","vol":"4","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3255>٤٩ شرح إعراب سورة الحجرات</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3256>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يا حرف ينادى به، وأي مضمومة لأنها نداء مفرد، وها للتنبيه، الَّذِينَ في موضع رفع نعت لأيّ. ومن العرب من يقول: اللّذون آمَنُوا صلة «الذين» . لا تُقَدِّمُوا\nجزم بالنهي، وبعض النحويين يقول: جزم بلا لشبهها بلم، وبعضهم يقول: لقوتها في قلب الفعل إلى المستقبل لا غيره.\nوروي في نزول هذه الآية أقوال فمن أصحّها سندا وأبينهما ما حدّثناه علي بن الحسين عن الحسن بن محمد قال: حدّثنا حجّاج عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بني تميم على النبيّ ﷺ فقال أبو بكر ﵁: أمّر القعقاع بن معبد، وقال عمر ﵁ بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إليّ أو إلى خلافي؟\nفقال: ما أردت خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) .\nقال الحسن: وحدّثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سفيان بن حسين عن الحسن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قال: لا تذبحوا قبل الإمام. وروى الضحاك عن ابن عباس لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قال: هذا في القتال والشرائع لا تقضوا حتّى يأمر رسول الله ﷺ. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة بل بعضها يشدّ بعضا، لأن هذه الأشياء إذا كانت ونزلت الآية تأولها القوم على ظاهرها في كراهة تقديم القول بين يدي الرسول ﷺ من قبل أن يتشاوروا، وتأولها قوم على منع الذبح قبل الإمام، ودلّ على هذا أنّ فعل الطاعات قبل وقتها لا يجوز تقديم الصلاة ولا الزكاة. وقراءة ابن عباس","vol":"4","page":138},{"text":"والضحاك لا تُقَدِّمُوا «١» وزعم الفراء «٢» أن المعنى فيهما واحد. قال أبو جعفر: وإن كان المعنى واحدا على التساهل فثمّ فرق بينهما من اللغة قدّمت يتعدّى فتقديره لا تقدّموا القول والفعل بين يدي رسول الله ﷺ، وتقدّموا ليس كذا، لأن تقديره لا تقدموا بالقول والفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3257>[سورة الحجرات (٤٩): آية ٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ قال إبراهيم التيمي: فقال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله لا أكلمك إلا أخا السّرار. قال ابن أبي مليكة قال عبد الله بن الزبير: فكان عمر بعد نزول هذه الآية لا يسمّع النبيّ ﷺ كلامه حتّى يستفهمه. وقال أنس: تأخّر ثابت بن قيس في منزله، وقال: أخاف أن أكون من أهل النار حتّى أرسل إليه النبيّ ﷺ: «لست من أهل النار» «٣» وعمل جماعة من العلماء على أن كرهوا رفع الصوت عند قبر النبيّ ﷺ وبحضرة العلماء وفي المساجد، وقالوا: هذا أدب الله جلّ وعزّ ورسوله ﵇، واحتجّوا في ذلك بحديث البراء وغيره، كما قرئ على بكر بن سهل عن عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن زاذان أبي عمرو عن البرآء قال: خرجنا مع النبيّ ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد فجلس النبيّ ﷺ وجلسنا حوله كأنّ رؤوسنا الطير، والنبيّ ﷺ مكبّ في الأرض فرفع رأسه وقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» «٤» مرّتين أو ثلاثا، وذكر الحديث. فكان فيما ذكرناه فوائد: منها خروج النبيّ ﷺ فدلّ هذا على أنه لا ينبغي لإمام ولا لأمير ولا قاض أن يتأخر عن الحقوق من أجل ما هو فيه، وفيه مجلس النبيّ ﷺ وجلسنا حوله كأنّ على رؤوسنا الطير، أي ساكنين إجلالا له فدلّ هذا على أنه كذا ينبغي لمن جالس عالما أو واليا يجب أن يجلّ، كما روى عبادة بن الصامت عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ليس منّا من لم يجلّ كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا» «٥» . وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ الكاف في وضع\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٠٥، والمحتسب ٢/ ٢٧٨. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٦٩.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ١٠٦.\n(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٨٧ و٦/ ٣٦٢، وأبو داود في سننه (٤٧٥٣)، والترمذي في سننه (٣٦٠٤)، وذكره التبريزي في مشكاة المصابيح (١٦٣٠)، والهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٤٩، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ١٠/ ٤٠٠، وأبو نعيم الحلية ٨/ ١١٨.\n(٥) ذكره الحاكم في المستدرك ١/ ١٢٢، والطبراني في المعجم الكبير ٨/ ١٩٦، والهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ١٤، والمتقي الهندي في كنز العمال (٥٩٨٠)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٦/ ٢٥٩، والطحاوي في مشكل الآثار ٢/ ١٣٣.","vol":"4","page":139},{"text":"نصب أي جهرا كجهر بعضكم لبعض. أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ «أن» في موضع نصب فقال بعض أهل اللغة: أي لئلا تحبط أعمالكم، وهذا قول ضعيف إذا تدبّر علم أنه خطأ، والقول ما قاله أبو إسحاق هو غامض في العربية قال: المعنى لأن تحبط وهو عنده مثل: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨] . وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ قيل: أي لا تشعرون أنّ أعمالكم قد حبطت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3258>[سورة الحجرات (٤٩): آية ٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)\nإِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ اسم إنّ، ويجوز أن يكون الخبر أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ويكون «أولئك» مبتدأ، و«الذين» خبره، ويجوز أن يكون الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى خبر إنّ و«أولئك» نعتا للذين، ويجوز أن يكون خبر إنّ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3259>[سورة الحجرات (٤٩): آية ٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤)\nإِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ اسم «إنّ» والخبر أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ويجوز أن تنصب أكثرهم على البدل من الذين وقرأ يزيد بن القعقاع الْحُجُراتِ بفتح الجيم. وقد ردّه أبو عبيد على أنه جمع الجمع على التكثير. جمع حجرة على حجر ثمّ جمع حجرا على حجرات. قال أبو جعفر: وهذا خلاف قول الخليل وسيبويه، ومذهبهما أنه يقال: حجرة وحجرات وغرفة وغرفات فتزاد منها فتحة فيقال: حجرات وركبات وتحذف فيقال: حجرات وركبات، كما يقال: عضد عضد. وروى الضحاك عن ابن عباس: إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات إعراب من بني تميم منهم عيينة ابن حصن صاحوا ألا تخرج إلينا يا محمد، اخرج إلينا يا محمد. أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ما في هذا من القبح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3260>[سورة الحجرات (٤٩): آية ٥]</span>\nوَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)\nوَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا أي عند النداء حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا أي لكان الصبر خيرا لهم، ودلّ صبروا على المضمر. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفر لهم ورحمهم لأنهم لم يقصدوا بهذا استخفافا، وإنما كان منهم سوء أدب.","vol":"4","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3261>[سورة الحجرات (٤٩): آية ٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦)\nيقرأ فتثبّتوا وهما قراءتان «١» معروفتان إلّا أن «فتبيّنوا» أبلغ لأن الإنسان قد يثبّت ولا يتبيّن. أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عطفا على تصيبوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3262>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)\nالعلماء من أهل السنّة يقولون: معنى حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وفّقكم له، وفعل أفاعيل تحبّون معها الإيمان وتستحسنونه فلما أحبّوه واستحسنوه نسب الفعل إليه، وكذا فعل أفاعيل كرهوا معها الكفر والفسق والعصيان. فأما أن يكون معنى «حبّب» أمركم أن تحبّوه فخطأ من كل جهة منها أنه إنما يقال: حبّب فلان إليك نفسه أي أنه فعل أفعالا أحببته من أجلها، ومنها أنه قول مبتدع مخالف صاحبه لنصّ القرآن قال جلّ وعزّ:\nوَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ [هود: ٨٨] ومنه قوله: اهْدِنَا [الفاتحة: ٦] من هذا بعينه، ومنها أنّ نص الآية يدلّ على خلاف ما قال جلّ وعزّ: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فلا اختلاف في هذا أنه يرجع إلى الذين حبّب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان. فلو كان معنى حبّب أمرهم أن يحبوه كان الكفار وأهل المعاصي داخلين في هذا. وهذا خارج من الملّة و«الراشدون» الذين رشدوا للإيمان وتركوا المعاصي ثم بيّن جلّ وعزّ أنّ ذلك فضل منه ونعمة فقال جلّ وعزّ: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً قال أبو إسحاق: «فضلا» مفعول من أجله أي للفضل. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي عليم بمصالح عباده ومنافعهم، حكيم في أفعاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3263>[سورة الحجرات (٤٩): آية ٩]</span>\nوَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)\nطائِفَتانِ مرفوعتان بإضمار فعل أي وإن اقتتلت طائفتان، ويجوز أن يكون المضمر كان ولا بدّ من إضمار لأن «إن» لا يليها إلا الفعل لأنها للشرط، وجوابه فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى شرط أيضا، والجواب فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ أي ترجع فإن قلت: تفي بغير همز فمعناه تكثر. وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ص ٨٠.","vol":"4","page":141},{"text":"قال محمد بن يزيد: قسط إذا جار وأقسط إذا عدل، مأخوذ منه أي أزال القسوط وفي الحديث عن النبيّ ﷺ: «كثيرا المقسطون الذين يعدلون في حكمهم وما ولّوا على منابر من نور على يمين الرحمن جلّ وعزّ» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3264>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٠]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ مبتدأ وخبره لمّا اتّفقوا في الدّين رجعوا إلى أصلهم لأنهم جميعا من بني آدم. وقراءة عبد الرحمن بن أبي بكرة وابن سيرين فأصلحوا بين إخوانكم «٢»\n، وقراءة يعقوب فأصلحوا بين إخوتكم «٣» وأخ وإخوة لأقلّ العدد وإخوان للكثير وبَيْنَ أَخَوَيْكُمْ «٤» بين كلّ مسلمين اقتتلا فقد صار عامّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3265>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ جزم بالنهي. وروى الضّحاك عن ابن عباس أن بعضهم كان يقول لبعض: أنّك لغير رشيد، وما أشبه ذلك، يستهزئ به فنزل هذا، وهو من بني تميم وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ نهي أيضا. قال عكرمة عن ابن عباس: أي لا يعب بعضكم بعضا. وسمعت علي بن سليمان يقول: اللّمز في اللغة أن يعيب بالحضرة، والهمز في الغيبة. وقال أبو العباس محمد بن يزيد: اللّمز يكون باللسان والعين يعيبه ويحدّد إليه النظر وتشير إليه بالاستنقاص، والهمز لا يكون إلّا باللسان في الحضرة والغيبة، وأكثر ما يكون في الغيبة، فهذا شرح بيّن، وقد أنشد أبو العباس لزياد الأعجم: [البسيط] ٤٣١-\nإذا لقيتك تبدي لي مكاشرة ... وإن تغيّبت كنت الهامز اللّمزه\n«٥» قال محمد بن يزيد: واللّمز كالغيبة قال: والنبز اللّقب الثابت: قال: والمنابزة الإشاعة والإذاعة به. قال أبو جعفر: فأما اللّقب فقد جاء التوقيف فيه عمّن حضر التنزيل وعرف نزول الآية فيم نزلت، كما قرئ على أحمد بن شعيب عن حميد بن مسعدة قال: أخبرنا بشر عن داود عن الشعبي قال: قال أبو جبيرة فينا نزلت هذه الآية\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ١٥٩، ١٦٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ١١١.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ١١١.\n(٤) انظر البحر المحيط ٨/ ١١١.\n(٥) الشاهد لزياد الأعجم في ديوانه ٧٨، وبهجة المجالس ١/ ٤٠٤، وبلا نسبة في لسان العرب (همز)، وجمهرة اللغة ص ٧٢٧، ومقاييس اللغة ٦/ ٦٦، ومجمل اللغة ٤/ ٤٨٨، وديوان الأدب ١/ ٢٥٦، وأساس البلاغة (لمز)، وإصلاح المنطق ٤٢٨، وتاج العروس (همز)، وكتاب العين ٤/ ١٧.","vol":"4","page":142},{"text":"في بني سلمة، قدم رسول الله ﷺ المدينة وللرجل منا اسمان وثلاثة فكان يدعى باسم منها فيقال: يا رسول الله إنه يغضب منه فنزلت وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ فأما حديث الضّحاك عن ابن عباس كان الرجل يقول للآخر: يا كافر يا فاسق، فنزلت: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ فإسناد الأول أصحّ منه، ولو صحّ هذا لم يكن ناقضا للأول، لأن المعنى في اللّقب على ما قال محمد بن يزيد وغيره: أنه كلّما كان ذائعا يغضب الإنسان منه ويكره قائله أن يلقى صاحبه به ويكرهه المقول له به فمحظور التنابز به. بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ رفع بالابتداء والتقدير الفسوق بعد أن امنتم بئس الاسم وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قال الضّحاك عن ابن عباس: من لم يتب من هذا القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3266>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ فسّر ابن عباس الإثم فيم هو؟ قال: إن تقول بعد أن تظنّ، فإن أمسكت فلا إثم والبيّن في هذا أنّ الظنّ الذي هو إثم، وهو حرام على فاعله، أن يظنّ بالمسلم المستور شرا، وأما الظن المندوب إليه فأن تظنّ به خيرا وجميلا، كما قال جلّ وعزّ: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا [النور: ١٢] قال: وَلا تَجَسَّسُوا أي لا تبحث عن عيب أخيك بعد أن ستره الله جلّ وعزّ عنه: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بيّن الله جلّ وعزّ الغيبة على لسان نبيّه ﷺ، كما قرئ على أحمد بن شعيب عن علي بن حجر قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله جلّ وعزّ ورسوله أعلم قال: أن تذكر أخاك بما يكره، قيل: أرأيت إن كان ذلك في أخي؟ قال: إن كان فيه فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهتّه» «١» فهذا حديث لا مطعن في سنده ثم جرت العلماء عليه، فقال محمد بن سيرين: إن علمت أن أخاك يكره أن تقول ما أشدّ سواد شعره، ثم قلته من ورائه فقد اغتبته. فقالت عائشة ﵂: قلت بحضرة النبيّ ﷺ في امرأة ما أطول درعها فقال النبيّ ﷺ: «قد اغتبتها فاستحلّي منها» «٢» . وقال أبو نضرة عن جابر عن النبيّ ﷺ قال: «الغيبة أشدّ من الزنا، لأن الرجل يزني فيتوب فيتوب الله عليه والرجل يغتاب الرجل فيتوب فلا يتاب عليه حتّى يستحلّه» «٣» . قال أبو جعفر: وفي الغيبة ما لا يقع فيه\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطّأ باب ٤ الحديث رقم (١٠)، والترمذي في سننه- البر والصلة ٨/ ١٢٠، والدارمي في سننه ٢/ ٢٩٩، وأبو داود في سننه الحديث رقم (٤٨٧٤) .\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه- الأدب- الحديث رقم (٤٨٧٥) .\n(٣) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٩١، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٧/ ٥٣٣، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٤٨٧٤)، والسيوطي في الحاوي للفتاوى ١/ ١٧٢، والمنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٥١١، وابن أبي حاتم الرازي في علل الحديث (٢٤٧٤) .","vol":"4","page":143},{"text":"استحلال، وهو أعظم، كما روي أن رجلا قال لمحمد بن سيرين: إنّي قد اغتبتك فحلّلني فقال: إنّي لا أحلّ ما حرّم الله تعالى. وروى عقيل عن ابن شهاب أنّ النبيّ ﷺ قال: «كلّما كرهت أن تقوله لأخيك في وجهه ثم قلته من ورائه فقد اغتبته» «١» . أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا هذا الأصل ثم من خفّف قال: ميتا فَكَرِهْتُمُوهُ قال الكسائي: المعنى فكرهتموه فينبغي أن تكرهوا الغيبة. وقال محمد بن يزيد: أي فكرهتم أن تأكلوه فحمل على المعنى مثل: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ١] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3267>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى عامّ والذي بعده خاص لأن الشعوب والقبائل في العرب خاصّة إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ روى عبد الرحمن في العرب خاصة قيل:\nيا رسول الله من خير الناس؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله»؟ «٢» وقالت درّة: سئل النبيّ ﷺ: من خير الناس؟ قال: «أمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرّحم وأتقاهم» «٣» قال ابن عباس: ترك الناس هذه الآية: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وقالوا: بالنسب. وقال أبو هريرة: ينادي مناد يوم القيامة إني جعلت نسبا وجعلهم نسبا. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ليقم المتّقون فلا يقوم إلّا من كان كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3268>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nقالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)\nقالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قال محمد بن يزيد: هذا على تأنيث الجماعة أي قالت جماعة الأعراب قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا والإسلام في اللغة الخضوع والتذلّل لأمر الله جلّ وعزّ والتسليم له والإيمان والتصديق بكلّ ما جاء من عند الله جلّ وعزّ فإذا خضع لأمر الله سبحانه وتذلّل له فهو مصدّق، وإذا كان مصدّقا فهو مؤمن، ومن كان على هذه الصفة فهو مسلم مؤمن إلّا أن للإسلام موضعا أخر وهو الاستسلام خوف\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطأ باب ٤- الحديث (١٠) . [.....]\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٢٣٢٩)، وأحمد في مسنده ٤/ ١٨٨، و٥/ ٤٠، والدارمي في سننه ٢/ ٣٠٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٣٧١.\n(٣) أخرجه القرطبي في تفسيره ٤/ ٤٧.","vol":"4","page":144},{"text":"القتل وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا هذه قراءة أكثر الناس، وبها قامت الحجّة وقرأ أبو عمرو والأعرج لا يألتكم «١» وهي مخالفة للسواد إلا أن من قرأ بها يحتجّ بإجماع الجميع على وَما أَلَتْناهُمْ [الطور: ٢١] والقول في هذا: إنّهما لغتان معروفتان مشهورتان، فإذا كان الأمر كذلك فاتباع السواد أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3269>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٦]</span>\nقُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)\nقُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ على التكثير من تعلمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3270>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٧]</span>\nيَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧)\nيَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا «أن» في موضع نصب بمعنى يمنون عليك إسلامهم، ويجوز أن يكون التقدير بأن ثم حذفت الباء. بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ أي بأن ولأن ثمّ حذف الحرف فتعدّى الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3271>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)\nوَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ مبتدأ وخبر أي عالم به، وإذا علمه جازى عليه.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٤، والبحر المحيط ٨/ ١١٦.","vol":"4","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3272>٥٠ شرح إعراب سورة ق</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3273>[سورة ق (٥٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)\nق غير معربة لأنها حرف تهجّ. قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناها. وَالْقُرْآنِ خفض بواو القسم. الْمَجِيدِ من نعته. قال سعيد بن جبير: «المجيد» الكريم، فأما جواب القسم ففيه أربعة أجوبة: قال الأخفش سعيد: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ [ق: ٤] وقال أبو إسحاق: الجواب محذوف أي والقرآن المجيد لتبعثنّ، وقيل:\nبل المحذوف ما ذلّ عليه سياق الكلام لأنهم قالوا: إنّ هذا النبيّ عجيب تعجّبوا من أن يبعث إليهم رجل من بني أدم فوقع الوعيد على ذلك أي والقرآن المجيد لتعلمنّ عاقبة تكذيبكم يوم القيامة فقالوا: أَإِذا مِتْنا. قال أبو جعفر: فهذان جوابان، ومن قال:\nمعنى قضي الأمر والله فليس يحتاج إلى جواب، لأن القسم متوسّط، كما تقول: قد كلّمتك والله اليوم. والجواب الرابع أن يكون «ق» اسما للجبل المحيط بالأرض. قال ذلك وهب بن منبّه. فيكون التقدير: هو قاف والله، فقاف على هذا في موضع رفع.\nقال أبو جعفر: وأصحّ الأجوبة أن يكون الجواب محذوفا للدلالة لأن إذا متنا جواب فلا بدّ من أن يكون «إذا» متعلّقة بفعل أي أنبعث إذا، فأما أن يكون الجواب قد علمنا فخطأ لأن «قد» ليست من جواب الأقسام، وقاف إذا كان اسما للجبل فالوجه فيها الإعراب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3274>[سورة ق (٥٠): آية ٢]</span>\nبَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)\nبَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ أي لم يكذّبوك لأنّهم لا يعرفونك بالصدق بل عجبوا أن جاءهم برسالة رب العالمين. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3275>[سورة ق (٥٠): آية ٣]</span>\nأَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)\nأَإِذا مِتْنا أي أنبعث إذا متنا. وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ومعنى بعيد عند الفراء لا يكون. وذلك معروف في اللغة.","vol":"4","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3276>[سورة ق (٥٠): آية ٤]</span>\nقَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤)\nقَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ أي من لحومهم وأبدانهم وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ بمعنى حافظ لأنه لا يندرس ولا يتغير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3277>[سورة ق (٥٠): آية ٥]</span>\nبَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)\nبَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ أي لم يكذّبوك لشيء ظهر عندهم. فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ روي عن ابن عباس: «مريج» منكر. وعنه: مريج في ضلالة، وعنه: مريج مختلف، وقال مجاهد وقتادة: مريج ملتبس، وقال الضّحاك وابن زيد: مريج مختلط. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال، وإن كانت ألفاظها مختلفة فمعانيها متقاربة لأن الأمر إذا كان مختلفا فهو ملتبس منكر في ضلالة لأن الحقّ بيّن واضح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3278>[سورة ق (٥٠): آية ٦]</span>\nأَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦)\nأي أفلم ينظر هؤلاء المشركون الذين أنكروا البعث وجحدوا قدرتنا على إحيائهم بعد البلى إلى قدرتنا على خلق السماء حتّى جعلناها سقفا محفوظا. وَزَيَّنَّاها أي بالكواكب. وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ يكون جمعا ويكون واحدا أي من فتوق وشقوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3279>[سورة ق (٥٠): آية ٧]</span>\nوَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)\nوَالْأَرْضَ مَدَدْناها أي بسطناها ونصبت الأرض بإضمار فعل أي وبسطنا الأرض، والرفع جائز إلّا أن النصب أحسن لتعطف الفعل على الفعل. وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ أي جبالا رست في الأرض أي ثبتت. وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي نوع. قال ابن عباس:\nبَهِيجٍ حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3280>[سورة ق (٥٠): آية ٨]</span>\nتَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)\nتَبْصِرَةً مصدرا، ومفعول له أي فعلنا ذلك لنبصّركم قدرة الله سبحانه وَذِكْرى أي ولتذكروا عظمة الله وسلطانه فيعلموا أنه قادر على أن يحيي الموتى ويفعل ما يريد.\nلِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ أي راجع إلى الإيمان وطاعة الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3281>[سورة ق (٥٠): آية ٩]</span>\nوَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)\nوَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا وهو المطر. فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ زعم الفراء «١»: أنّ الشيء أضيف إلى نفسه لأن الحب هو الحصيد عنده. قال أبو جعفر:\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٧٦.","vol":"4","page":147},{"text":"سمعت علي بن سليمان يحكي عن البصريين منهم محمد بن يزيد أن إضافة الشيء إلى نفسه محال، ولكن التقدير حبّ النبت الحصيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3282>[سورة ق (٥٠): آية ١٠]</span>\nوَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)\nوَالنَّخْلَ باسِقاتٍ أي وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة «باسقات» على الحال لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رفعت طلعا بالابتداء وإنه كان نكرة لما فيه من الفائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3283>[سورة ق (٥٠): آية ١١]</span>\nرِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١)\nرِزْقًا لِلْعِبادِ قال أبو إسحاق: رزقا مصدر، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله.\nوَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا أي مجدبة، ليس فيها زرع ولا نبات كَذلِكَ الْخُرُوجُ مبتدأ وخبره أي الخروج من قبوركم كذا يبعث الله جلّ وعزّ ماء فينبت به الناس كما ينبت الزّرع «١»، وقال أبو إسحاق: المعنى كما خلقنا هذه الأشياء نبعثكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3284>[سورة ق (٥٠): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ أي كذّبت قبل هؤلاء المشركين الذين كذّبوا محمدا ﷺ قوم نوح، والتاء لتأنيث الجماعة وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) . وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ قال مجاهد: الرّسّ: بئر. وقال قتادة: الأيكة الشجر الملتفّ وَقَوْمُ تُبَّعٍ عطف كلّه. قال أبو مجلز سأل عبد الله بن عباس كعبا عن تبّع فقال: كان رجلا صالحا أخذ فتية من الأحبار فاستبطنهم فأسلم فأنكر ذلك قومه عليه. وفي حديث سهل بن سعد عن النبيّ ﷺ قال: «لا تلعنوا تبّعا فإنه كان أسلم» كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ التقدير عند سيبويه: كلّهم ثم حذف لدلالة كلّ، وأجاز النحويون جميعا: كلّ منطلق، بمعنى كلّهم. قال أبو جعفر سمعت محمد بن الوليد يجيز حذف التنوين فيقول: كلّ منطلق بمعنى كلّهم. يجعله غاية مثل قبل وبعد. قال علي بن سليمان: هذا كلام من لم يعرف لم بني قبل وبعد، ونظير هذا من الألفاظ لأن النحويين قد خصّوا الظروف للعلّة التي فيها ليست في غيرها. قال أبو جعفر: وهذا كلام بين عند أهل العربية صحيح.\nوحذفت الياء من وَعِيدِ لأنه رأس آية لئلا يختلف الآيات، فأما من أثبتها في الإدراج وحذفها في الوقف فحجّته أنّ الوقف موضع حذف، الدليل على ذلك أنك تقول: لم يمض، فإذا وصلت كسرت الضاد لا غير ومعنى فَحَقَّ وَعِيدِ فوجب الوعيد من الله جلّ وعزّ للكفار بالعذاب في الآخرة والنقمة.\n_________\n(١) مرّ الحديث في الآية ١٠- الزخرف.","vol":"4","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3285>[سورة ق (٥٠): آية ١٥]</span>\nأَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)\nأَفَعَيِينا «١» بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ يقال: عيينا بالأمر وعييّ به إذا لم يتجه، ولم يحسنه، وإذا قلت: عيينا لم يجز الإدغام لأن الحرف الثاني ساكن فلو أدغمته في الأول التقى ساكنان. فأما المعنى فإنه قيل لهؤلاء الذين أنكروا البعث فقالوا (ذلك رجع بعيد) أفعيينا بالابتداء الخلق فنعيا بإحيائكم بعد البلى. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:\nأفعيينا بالخلق الأول، قال: يقول لم نعي به. قال أبو جعفر: وهكذا الاستفهام الذي فيه معنى التقرير والتوبيخ يدخله معنى النفي أي لم يعي بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ أي من البعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3286>[سورة ق (٥٠): آية ١٦]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ الضمير الذي في به يعود على «ما»، وأجاز الفراء»\nأن يعود على الإنسان أي ويعلم ما توسوس إليه نفسه. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ قال ابن عباس: الوريد حبل العنق، وللنحويين فيه تقديران: قال الأخفش سعيد: ونحن أقرب إليه بالمقدرة من حبل الوريد، وقال غيره: أي ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3287>[سورة ق (٥٠): آية ١٧]</span>\nإِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧)\nولم يقل: قعيدان ففيه أجوبة: فمذهب سيبويه والكسائي أن المعنى عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد ثم حذف. ومذهب الأخفش والفراء أن «قعيد» واحد يؤدي عن اثنين، وأكثر منهما، كما قال جلّ وعزّ: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غافر: ٦٧] . وقال محمد بن يزيد: إنّ التقدير في قَعِيدٌ أن يكون ينوى به التقديم أي عن اليمين قعيد ثم عطف عليه وعن الشمال. قال أبو جعفر: وهذا بيّن حسن ومثله وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] . وقول رابع أن يكون قعيد بمعنى الجماعة، كما يستعمل العرب في فعيل، قال جلّ وعزّ: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: ٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3288>[سورة ق (٥٠): آية ١٨]</span>\nما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)\nما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الضمير الذي فيه يعود على الإنسان أي ما يلفظ الإنسان من قول فيتكلّم به إلّا عند لفظ به. رَقِيبٌ أي حافظ يحفظ عليه. عَتِيدٌ معدّ. يكون هذا من متصرّفات فعيل يكون بمعنى الجمع وبمعنى مفعل وبمعنى مفعول مثل قتيل، وبمعنى فاعل، مثل قدير بمعنى قادر.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٢٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٧٧.","vol":"4","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3289>[سورة ق (٥٠): آية ١٩]</span>\nوَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)\nوَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ أي شدّته وغلبته على فهم الإنسان حتّى يكون كالسكران من الشراب أو النوم. بِالْحَقِّ أي بأمر الآخرة الذي هو حقّ حتّى يتبيّنه عيانا، وقول أخر أن يكون الحقّ هو الموت أي وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت. وصحّ عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قرأ وجاءت سكرة الحقّ بالموت «١» وكذا عن عبد الله بن مسعود رحمة الله عليه. قال: وهذه قراءة على التفسير. وفي معناها قولان: يكون الحقّ هو الله جلّ وعزّ أي وجاءت سكرة الله بالموت، والقول الآخر قول الفراء تكون السّكرة هي الحق، وجاءت السكرة الحقّ أضيف الشّيء إلى نفسه. ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تلك السكرة ما كنت منه تهرب. فأما التذكير فبمعنى ذلك السّكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3290>[سورة ق (٥٠): آية ٢٠]</span>\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)\nأي ما وعد الله ﷿ الكفار وأصحاب المعاصي بالنار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3291>[سورة ق (٥٠): آية ٢١]</span>\nوَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)\nمحمول على المعنى، ولو كان على اللفظ لكان وجاء كلّ نفس معه والتقدير ومعها حذفت الواو للعائد والجملة في موضع نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3292>[سورة ق (٥٠): آية ٢٢]</span>\nلَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)\nلَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا اختلف أهل العلم في هذه المخاطبة لمن هي فقالوا فيها ثلاثة أقوال: قال زيد بن أسلم وعبد الرحمن بأنّ هذه المخاطبة للنبيّ ﷺ، وحكى عبد الله بن وهب عن يعقوب عن عبد الرحمن قال: قلت لزيد بن أسلم وهذه المخاطبة للنبيّ ﷺ فقال: ما أنكرت من هذا وقد قال الله سبحانه: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [الضحى: ٦، ٧] . قال: فهذا قول، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا قال: هذا مخاطبة للكفار، وكذا قال مجاهد، وقال الضحاك: مخاطبة للمشركين وقال صالح بن كيسان بعد أن أنكر على زيد بن أسلم ما قاله، وقال: ليس عالما بكلام العرب ولا له وإنما هذه مخاطبة للكفار.\nفهذان قولان، والقول الثالث ما قاله الحسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال:\nهذا مخاطبة للبرّ والفاجر، وهو قول قتادة. قال أبو جعفر: أما قول زيد بن أسلم فتأويله على أن الكلام تم عنده عند قوله جلّ وعزّ: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٧٨، والمحتسب ٢/ ٢٨٣.","vol":"4","page":150},{"text":"ثم ابتدأ يا محمد لقد كنت في غفلة من هذا الدّين ومما أوحي إليك من قبل أن تبعث إذ كنت في الجاهلية فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ أي فبصّرناك فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي فعلمك نافذ.\nوالبصر هاهنا بمعنى العلم. وأولى ما قيل في الآية أنها على العموم للبرّ والفاجر يدلّ على ذلك وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ فهذا عامّ لجميع الناس برّهم وفاجرهم، فقد علم أنّ معنى وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ وجاءتك أيّها الإنسان سكرة الموت ثم جرى الخطاب على هذا في لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا أي لقد كنت أيّها الإنسان في غفلة مما عاينت فإن كان محسنا ندم إذ لم يزدد، وإن كان مسيئا ندم إذ لم يقلع هذا لما كشف عنهما الغطاء، فبصرك اليوم نافذ لما عاينت. وقال الضحاك: فبصرك لسان الميزان:\nقيل: فتأوّل بعض العلماء هذا على التمثيل بالعدل أي أنت أعرف خلق الله جلّ وعزّ بعملك، فبصرك به كلسان الميزان الذي يعرف به الزيادة والنقصان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3293>[سورة ق (٥٠): آية ٢٣]</span>\nوَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)\nوَقالَ قَرِينُهُ قال عبد الرحمن بن زيد: «قرينه» سائقه الذي وكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ قال: هذا ما أخذه وجاء به، هذا في موضع رفع بالابتداء وما خبر الابتداء وعَتِيدٌ خبر ثان، ويجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ، ويجوز أن يكون بدلا من «ما»، ويجوز أن يكون نعتا لما على أن تجعل «ما» نكرة، ويجوز النصب في غير القرآن مثل وَهذا بَعْلِي شَيْخًا [هود: ٧٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3294>[سورة ق (٥٠): آية ٢٤]</span>\nأَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)\nاختلف النحويون في قوله ألقيا، فقال قوم: هو مخاطبة للقرين أي يقال للقرين:\nألقيا. فهذا قول الكسائي والفراء، وزعم «١»: أنّ العرب تخاطب الواحد بمخاطبة الاثنين فيقول: يا رجل قوما، وأنشد: [الطويل] .\n٤٣٢-\nخليليّ مرّا بي على أمّ جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذّب\n«٢» وإنّما خاطب واحدا واستدلّ على ذلك قوله: [الطويل] ٤٣٣-\nألم تر أنّي كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب\nوقال قوم: «قرين» للجماعة والواحد والاثنين مثل وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: ٤] . قال أبو جعفر: وحدّثنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد عن بكر بن محمد المازني، قال: العرب تقول للواحد: قوما على شرط إذا أرادت تكرير الفعل أي\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٧٨.\n(٢) هذا الشاهد والذي بعده لامرئ القيس في ديوانه ص ٤١، والأشباه والنظائر ٨/ ٨٥، ولسان العرب (ندل) و(محل) .","vol":"4","page":151},{"text":"قم قم، فجاؤوا بالألف لتدلّ على هذا المعنى، وكذا «ألقيا» وقول أخر: يكون مخاطبة لاثنين. قال عبد الرحمن بن زيد: معه السائق والحافظ جميعا. قال مجاهد وعكرمة:\nالعنيد المجانب للحقّ والمعاند لله جلّ وعزّ. قال محمد بن يزيد: عنيد بمعنى معاند مثل ضجيع وجليس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3295>[سورة ق (٥٠): آية ٢٥]</span>\nمَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)\nمَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي لما يجب عليه من زكاة وغيرها. والخير المال. ومُعْتَدٍ على الناس بلسانه ويده. قال قتادة: مُرِيبٍ شاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3296>[سورة ق (٥٠): آية ٢٦]</span>\nالَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦)\nالَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ يكون «الذي» في موضع نصب بدلا من كلّ وبمعنى أعني، ويكون رفعا بإضمار مبتدأ، وبالابتداء وخبره فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3297>[سورة ق (٥٠): آية ٢٧]</span>\nقالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧)\nقالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ أي ما جعلته طاغيا أي متعدّيا إلى الكفر. وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي في طريق جائر عن الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3298>[سورة ق (٥٠): آية ٢٨]</span>\nقالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)\nقالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: اعتذروا بغير عذر فأبطل عليهم حجّتهم وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ أي بالوعيد الذي لا حيف فيه، ولا خلف له فلا تختصموا لديّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3299>[سورة ق (٥٠): آية ٢٩]</span>\nما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)\nما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ قال مجاهد: أي قد قضيت ما أنا قاض. وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي لا أخذ أحدا بجرم أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3300>[سورة ق (٥٠): آية ٣٠]</span>\nيَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)\nيَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ والعامل في يوم ظلام وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ في معناه قولان: أحدهما أنّ المعنى: ما في مزيد، ويحتج صاحب هذا القول بقوله جلّ وعزّ:\nلَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [السجدة: ١٣، ص: ٨٥] . وهذا قول عكرمة، ونظيره الحديث حين قيل للنبيّ ﷺ: ألا تنزل دارا من دورك؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من دار» «١» أي ما\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٣٤، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٠٤٢٩) و(٣٠٦٨٥) .","vol":"4","page":152},{"text":"ترك لنا دارا حتّى باعها وقت الهجرة فهذا قول، والقول الآخر فهل من مزيد على الاستدعاء للزيادة. وهذا قول أنس بن مالك، ويدلّ عليه الحديث الصحيح عن النبيّ ﷺ: «لا تزال جهنّم تقول هل من مزيد فيقول ربّ العالمين ﷾ فيجعل قدمه فيها فيقول قط قط» «١» . قال أبو جعفر: فهذا الحديث صحيح الإسناد، ويدلّ على خلاف القول الأول. والله جلّ وعزّ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3301>[سورة ق (٥٠): آية ٣١]</span>\nوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)\nأي قريب للمتقين، أي للمتقين معاصي الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3302>[سورة ق (٥٠): آية ٣٢]</span>\nهذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢)\nهذا ما تُوعَدُونَ أي: هذا الذي وصفناه للمتّقين الذي توعدون لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ قال ابن زيد لكل تائب راجع إلى الله لطاعته: وعن ابن عباس أَوَّابٍ مسبّح، وعنه حَفِيظٍ حفظ ذنوبه حتّى تاب منها. وقال قتادة: «حفيظ» حافظ لما ائتمنه الله جلّ وعزّ عليه، ومعنى هذا أنه حفظ جوارحه عن معاصي الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3303>[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nمَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)\nمَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ في موضع خفض على البدل من «كلّ» ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء وخَشِيَ في موضع جزم بالشرط، والتقدير: خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ فيقال لهم: ادْخُلُوها على معنى من، وما قبله على لفظها ومُنِيبٍ تائب راجع إلى الله جلّ وعزّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ أي ذلك الذي وصفناه للمتقين يوم لا يزولون عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3304>[سورة ق (٥٠): آية ٣٥]</span>\nلَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥)\nلَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها أي لهم ما يريدون وزيادة في الكرامة وفسّر أنس بن مالك معنى وَلَدَيْنا مَزِيدٌ فلما لا يجوز أن يؤخذ باقتراح ولا يؤخذ إلّا عن النبيّ ﵇ في وَلَدَيْنا مَزِيدٌ قال: قال: «يتجلّى لهم ربّ العالمين فيقول وعزّتي لأتجلّينّ لكم حتّى تنظروا إليّ فيقول: مرحبا بعبادي وجيراني وزواري ووفدي انظروا إليّ» «٢» فذلك نهاية العطاء وفضل المزيد.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه (٣٢٧٢)، وأحمد في مسنده ٣/ ١٣٤، وذكره ابن حجر في فتح الباري ١١/ ٥٤٥، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٧/ ٢٠٤.\n(٢) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٤٦١٥)، وابن الجوزي في زاد المسير ٨/ ٢١.","vol":"4","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3305>[سورة ق (٥٠): آية ٣٦]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي قبل مشركي قريش الذين كذّبوك. هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا المهلكون أشد من الذين كذّبوك. منصوب على البيان فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ أثّروا وحقيقته في اللغة طوّفوا وتوغّلوا.\nهَلْ مِنْ مَحِيصٍ قال الفراء: أي فهل كان لهم من الموت من محيص، وحذف كان للدلالة وقراءة يحيى بن يعمر فَنَقَّبُوا شاذّة خارجة عن الجماعة وهي على التهديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3306>[سورة ق (٥٠): آية ٣٧]</span>\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى أي إن في إهلاكنا القرون التي أهلكناها وقصصنا خبرها.\nلَذِكْرى يتذكّر بها من كان له قلب يعقل به أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ أي أصغى. وَهُوَ شَهِيدٌ متفهّم غير ساه، والجملة في موضع نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3307>[سورة ق (٥٠): آية ٣٨]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)\nأثبت الهاء في ستة لأنه عدد لمذكر، وفرقت بينه وبين المؤنث. ومعنى يوم:\nوقت فلذلك ذكر قبل خلق النهار وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ من لغب يلغب ويلغب إذا تعب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3308>[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nفَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)\nفَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ فأنا لهم بالمرصاد وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ قال أهل التفسير: يعني به اليهود لأنهم قالوا استراح يوم السبت، قال جلّ وعزّ: فاصبر على ما يقولون فأنا لهم بالمرصاد وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ حمله أهل التفسير على معنى الصلاة، وكذا وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال ابن زيد: العتمة. وقال مجاهد: الليل كلّه. قيل: يعني المغرب والعشاء الآخرة. قال:\nوهذا أولى لعموم الليل في ظاهر الآية وَأَدْبارَ السُّجُودِ «١» فيه قولان: قال ابن زيد:\nالنوافل. قال: وهذا قول بيّن لأن الآية عامة فهي على العموم إلّا أن يقع دليل غير أن حجّة الجماعة جاءت لأن معنى وَأَدْبارَ السُّجُودِ ركعتان بعد المغرب. قال ذلك عمر وعلي والحسن بن عليّ وابن عباس وابن مسعود ﵃، ومن التابعين الحسن ومجاهد والشّعبيّ وقتادة والضحاك، وبعض المحدثين يرفع حديث علي عن النبيّ ﷺ (وإدبار السجود) قال: «ركعتان بعد المغرب» . وقرأ أبو عمرو وعاصم والكسائي\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٤، والبحر المحيط ٨/ ١٢٨. [.....]","vol":"4","page":154},{"text":"وَأَدْبارَ السُّجُودِ بفتح الهمزة جعلوه جمع دبر، ومن قال: إدبار جعله مصدرا من أدبر وأجمعوا جميعا على الكسر في وَإِدْبارَ النُّجُومِ [الطور: ٤٩] فذكر أبو عبيد أنّ السجود لا ادبار له. وهذا مما أخذ عليه، لأن معنى وأَدْبارَ السُّجُودِ وما بعده وما يعقبه فهذا للسجود، والنجوم والإنسان واحد. وقد روى المحدّثون الجلّة تفسير وَأَدْبارَ السُّجُودِ وَإِدْبارَ النُّجُومِ فلا نعلم أحدا منهم فرّق ما بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3309>[سورة ق (٥٠): آية ٤١]</span>\nوَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١)\nوقرأ عاصم والأعمش وحمزة والكسائي يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ «١» بغير ياء في الوصل والوقف، وهو اختيار أبي عبيد اتباعا للخط. وقد عارضه قوم فقالوا: ليس في هذا تغيير للخط لأن الياء لام الفعل فقد علم أن حقّها الثبات. قال سيبويه: والجيّد في مثل هذا إثبات الياء في الوقف والوصل قال: ويجوز حذفها في الوقف. قال أبو جعفر: ذلك أنك تقول مناد ثم تأتي بالألف واللام فلا تغيّر الاسم عن حاله، فأما معنى وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) .\nفقيل فيه: أي حين يوم. قال كعب: المنادي ملك ينادي من مكان قريب، من صخرة بيت المقدس بصوت عال يا أيّتها العظام البالية والأوصال المتقطعة اجتمعي لفصل القضاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3310>[سورة ق (٥٠): آية ٤٢]</span>\nيَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)\nيَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ أي بالاجتماع للحساب ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ من قبورهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3311>[سورة ق (٥٠): آية ٤٣]</span>\nإِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)\nإِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ حذف المفعول أي نحيي الموتى ونميت الأحياء وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ أي المرجع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3312>[سورة ق (٥٠): آية ٤٤]</span>\nيَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤)\nيَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا العامل في «يوم» المصير أي وإلينا مصيرهم يوم تتشقّق وتَشَقَّقُ أدغمت التاء في الشين، ومن قال: تشقّق حذف التاء، سِراعًا على الحال، قيل: من الهاء والميم، وقيل لا يجوز الحال من الهاء والميم لأنه لا عامل فيها، ولكن التقدير فيخرجون سراعا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ أي سهل.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٢٩.","vol":"4","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3313>[سورة ق (٥٠): آية ٤٥]</span>\nنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)\nنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ أي من الافتراء والتكذيب بالبعث وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ أي بمسلّط. قال الفراء: جعل جبّار في موضع سلطان، ومن قال بجبّار معناه لست تجبرهم على ما تريد فمخطئ لأن فعّالا لا يكون من أفعل، وإن كان الفراء «١» قد حكى أنه يقال: درّاك من أدرك فهذا شاذّ لا يعرف، وحكى أيضا جبرت الرجل، وهذا من الشذوذ، وإن كان بعض الفقهاء مولعا بجبرت. فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ أي وعيدي لمن عصاني وخالف أمري.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٨١.","vol":"4","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3314>٥١ شرح إعراب سورة الذاريات</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3315>[سورة الذاريات (٥١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالذَّارِياتِ ذَرْوًا (١)\nوَالذَّارِياتِ خفض بواو القسم والواو بدل من الباء. ذَرْوًا مصدر، والتقدير والرّياح الذاريات. يقال: ذرت الريح الشيء: إذا فرّقته فهي ذارية وأذرت، فهي مذريّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3316>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢]</span>\nفَالْحامِلاتِ وِقْرًا (٢)\nفَالْحامِلاتِ عطف على الذّاريات، والتقدير: فالسحاب الحاملات المطر هذا التفسير صحيح عن علي بن أبي طالب ﵁، وقيل الحاملات السفن، وقيل الرياح لأنها تحمل السحاب وِقْرًا كلّ ما حمل على الظهر فهو وقر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3317>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣]</span>\nفَالْجارِياتِ يُسْرًا (٣)\nفَالْجارِياتِ عطف أي فالسفن الجاريات. يُسْرًا نعت لمصدر أي جريا يسرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3318>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤]</span>\nفَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا (٤)\nفَالْمُقَسِّماتِ عطف أيضا أي فالملئكة المقسّمات ما أمروا به أمرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3319>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥]</span>\nإِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥)\nأي من الحساب والثواب والعقاب. وهذا جواب القسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3320>[سورة الذاريات (٥١): آية ٦]</span>\nوَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦)\nعطف. قال ابن زيد: «لواقع» لكائن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3321>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)\nوَالسَّماءِ خفض بالقسم. وقيل التقدير: وربّ السّماء، وكذا لكلّ ما تقدّم ذاتِ","vol":"4","page":157},{"text":"الْحُبُكِ\n«١» نعت. قال الأخفش: الواحد حباك. وقال الكسائي والفراء «٢»: حباك وحبيكة. وجواب القسم إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) قال قتادة: في معنى مختلف منكم مصدّق بالقرآن ومكذب به. وقال ابن زيد: يقول بعضهم: هذا سحر، ويقول بعضهم:\nشيئا أخر قولا مختلفا ففي أي شيء الحقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3322>[سورة الذاريات (٥١): آية ٩]</span>\nيُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)\nقال «٣» الحسن يصرف عن الإيمان والقرآن من صرف، وقيل: يصرف عن القول أي من أجله لأنهم كانوا يتلقّون الرجل إذا أراد الإيمان فيقولون له: سحر وكهانة فيصرف عن الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3323>[سورة الذاريات (٥١): آية ١٠]</span>\nقُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله جلّ وعزّ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) قال:\nيقول: لعن المرتابون، وقال ابن زيد: يخترصون الكذب يقولون: شاعر وساحر وجاء بسحر، وكاهن وكهانة وأساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا فيخترصون الكذب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3324>[سورة الذاريات (٥١): آية ١١]</span>\nالَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١)\nالَّذِينَ في موضع رفع نعت للخراصين، وهي مبتدأ، وساهُونَ خبره والجملة في الصلة وفي غير القرآن يجوز نصب ساهين على الحال. وفِي غَمْرَةٍ أي في تغطية الباطل والجهل: ومنه: فلان غمر وماء غمر يغطّي من دخله، ومنه الغمرة. قال ابن زيد: ساهون عن ما أنزله الله وعن أمره ونهيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3325>[سورة الذاريات (٥١): آية ١٢]</span>\nيَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)\nعن ابن عباس: يقولون: متى يوم الحساب. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي إيان «٤» بكسر الهمزة وهي لغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3326>[سورة الذاريات (٥١): آية ١٣]</span>\nيَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)\nاختلف النحويون في نصب «يوم» فقال أبو إسحاق: موضعه نصب، والمعنى يقع الجزاء يوم هم على النار يفتنون، والنحويون غيره يقولون: يوم في موضع رفع على\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٣٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٨٢.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ١٣٤.\n(٤) انظر مختصر ابن خالويه ١٤٥.","vol":"4","page":158},{"text":"البدل من قوله: أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ وتكلّموا في نصبه فقال الفراء «١»: لأنه أضيف إلى شيئين، وأجاز الرفع فيه على أصله. وقال غيره: لأنها إضافة غير محضة. ومذهب الخليل وسيبويه أنّ ظروف الزمان غير متمكنة فإذا أضيف إلى غير معرب أو إلى جملة مثل هذه بنيت على الفتح، وأجازا: مضى يوم قام، وأنشد النحويون وأصحاب الغريب لامرئ القيس: [الطويل] ٤٣٤-\nويوم عقرت للعذارى مطيتي\n«٢» بنصب «يوم» وموضعه رفع على من روى «ولا سيّما يوم» «٣» وخفض على من روى «ولا سيّما يوم» . قال أبو جعفر: ولا نعلم أحدا رفعه ولا خفضه، والقياس يوجب إجازة هذين. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) قال: يعذّبون. وقال محمد بن يزيد: هو من قولهم: فتنت الذهب والفضة إذا أحرقتهما لتختبرهما وتخلصهما. وقال بعض المتأخرين: لما كانت الفتنة في اللغة هي الاختبار لم تخرج عن بابها والمعنى عليها صحيح، والتقدير: يوم هم على النار يختبرون فيقال: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: ٤٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3327>[سورة الذاريات (٥١): آية ١٤]</span>\nذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)\nالذين هم قال مجاهد وعكرمة وقتادة: أي عذابكم هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ مبتدأ وخبر لأنهم كانوا يستعجلون في الدنيا بالعذاب تهزّؤا وإنكارا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3328>[سورة الذاريات (٥١): آية ١٥]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)\nأي إن الذين اتقوا الله تعالى بترك معاصيه وأداء طاعته في بساتين وأنهار فكذا المتّقي إذا كان مطلقا، فإن كان متقيا للسّرق غير متّق للزنا لم يقل له متّق، ولكن يقال له: متّق للسّرق فكذا هذا الباب كلّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3329>[سورة الذاريات (٥١): آية ١٦]</span>\nآخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)\nآخِذِينَ نصب على الحال، ويجوز رفعه في غير القرآن على خبر «إن» . فأما معنى ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ففيه قولان: أحدهما في الجنّة، والآخر أنّهم عاملون في الدنيا بطاعة الله سبحانه وبما افترضه عليهم فهم آخذون به غير متجاوزين له كما روي عن ابن\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٨٣.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٢١٤) .\n(٣) إشارة إلى قول امرئ القيس في معلقته:\n«ولا سيّما بدارة جلجل»","vol":"4","page":159},{"text":"عباس في قوله جلّ وعزّ: آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ قال: الفرائض، وعنه إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ قال: قبل أن يفرض عليهم الفرائض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3330>[سورة الذاريات (٥١): آية ١٧]</span>\nكانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧)\nتكون «ما» زائدة للتوكيد، ويكون المعنى كانوا يهجعون قليلا أي هجوعا قليلا ويجوز أن يكون «ما» مع الفعل مصدرا ويكون «ما» في موضع رفع وينصب «قليلا» على أنه خبر «كان» أي كانوا قليلا من الليل هجوعهم قال محمد بن يزيد: إن جعلت «ما» اسما رفعت «قليلا» . وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس يهجعون ينامون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3331>[سورة الذاريات (٥١): آية ١٨]</span>\nوَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)\nتأوله جماعة على معنى يصلّون لأن الصلاة مسألة استغفار، وتأوله بعضهم على أنهم يصلون من أول الليل ويستغفرون اخره واستحبّ هذا لأن الله سبحانه أنثى عليهم به. وقال عبد الرحمن بن زيد: السّحر: السدس الآخر من الليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3332>[سورة الذاريات (٥١): آية ١٩]</span>\nوَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)\nحَقٌّ رفع بالابتداء لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أقوال جماعة من العلماء في المحروم ثمّ. وحدثنا الزهري محمد بن مسلم أنّه قال: المحروم الذي لا يسأل، وأكثر الصحابة على أنه المحارف. وليس هذا بمتناقض، لأن المحروم في اللغة الممنوع من الشيء فهو مشتمل على كل ما قيل فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3333>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٠]</span>\nوَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)\nأي عبر وعظات للموقنين تدلّ على بارئها ووحدانيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3334>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢١]</span>\nوَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١)\nوَفِي أَنْفُسِكُمْ قال ابن زيد: وفي خلقه إياكم، قال: وفيها أيضا آيات للسان والعين والكلام، والقلب فيه العقل هل يدري أحد ما العقل وما كيفيته؟ ففي ذلك كلّه آيات أَفَلا تُبْصِرُونَ أي أفلا تتفكّرون فتستدلّوا على عظمة الله جلّ وعزّ وقدرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3335>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٢]</span>\nوَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢)\nوَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ رفع بالابتداء. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: رِزْقُكُمْ وفي الرزق ما هو هل هو الحلال والحرام أم الحلال خاصة؟ فقال الضحاك: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ\nأي المطر، وقال سعيد بن جبير: الثلج وكلّ عين ذائبة، وتأويل ذلك واصل","vol":"4","page":160},{"text":"الأحدب على أن المعنى: ومن عند الله الذي في السّماء صاحب رزقكم. وقال قول:\nكلّ ما كسبه الإنسان سمّي رزقا. وقال قوم: لا يقال رزقه الله جلّ وعزّ إلا كما كان حلالا، واستدلوا على هذا في القرآن فقال الله ﷿: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ [المنافقون: ١٠] ولا يأمر بالنفقة إلّا من الحلال. واختلف أهل التأويل في وَما تُوعَدُونَ فقال الضحاك: الجنّة والنار، وقال غيره: توعدون من وعد، ووعد إنما يكون للخير فما توعدون للخير فأما في الشّرّ فيقال: أوعد، وقال آخرون: هو من أوعد لأن توعدون في العربية يجوز أن يكون من أوعد ومن وعد. والأحسن فيه ما قال مجاهد، قال: ما توعدون من خير وشرّ لأن الآية عامة فلا يخصّ بها شيء إلا بدليل قاطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3336>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٣]</span>\nفَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)\nفَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ خفض على القسم. إِنَّهُ لَحَقٌّ أي إن قولنا. وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ برفع «مثل» قراءة الكوفيين وابن أبي إسحاق «١» على النعت لحق، وقرأ المدنيون وأبو عمرو مثل ما بالنصب. وفي نصبه أقوال أصحّها ما قال سيبويه أنه مبني لما أضيف إلى غير متمكّن فبني ونظيره وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ [هود: ٦٦] . وقال الكسائي: «مثل ما» منصوب على القطع، وقال بعض البصريين هو منصوب على أنه حال من نكرة، وأجاز الفراء «٢» أن يكون التقدير حقّا مثل ما، وأجاز أن يكون «مثل» منصوبة بمعنى كمثل ثم حذف الكاف ونصب، وأجاز: زيد مثلك، ومثل من أنت؟ ينصب «مثل» على المعنى على معنى كمثل فألزم على هذا أن يقول: عبد الله الأسد شدّة، بمعنى كالأسد فامتنع منه، وزعم أنه إنما أجازه في مثل لأن الكاف تقوم مقامها، وأنشد: [الوافر] ٤٣٥-\nوزعت بكالهراوة اعوجّي ... إذا ونت الرّكاب جرى وثابا\n«٣» قال أبو جعفر: وهذه أقوال مختلفة إلّا قول سيبويه. وفي الآية سؤال أيضا وهو أن يقال: جمع ما بين «ما» و«إنّ» ومعناهما واحد. قال أبو جعفر: ففي هذا جوابان للنحويين الكوفيين أحدهما أنه لما اختلف اللفظان جاز ذلك كما قال: [الوافر] ٤٣٦-\nفما إن طبّنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا\n«٤»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٤، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٠٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٨٥.\n(٣) الشاهد لابن غادية السلميّ في الاقتضاب ص ٤٢٩، وبلا نسبة في أدب الكاتب ٥٠٥، وجمهرة اللغة ١٣١٨، ورصف المباني ١٩٦، وسرّ صناعة الإعراب ٢٨٦، ولسان العرب (ثوب) و(وثب) والمقرّب ١/ ١٩٦، والمخصص ١٤/ ٨٦.\n(٤) الشاهد لفروة بن مسيك في الأزهيّة ٥١، والجنى الداني ٣٢٧، وخزانة الأدب ٤/ ١١٢، والدرر ٢/ ١٠٠، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٠٦، وشرح شواهد المغني ١/ ٨١، ولسان العرب (طبب)، ومعجم ما استعجم ٦٥٠، والكميت في شرح المفصل ٨/ ١٢٩، وللكميت أو لفروة في تلخيص الشواهد ص ٢٧٨، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص ٢٠٧، وخزانة الأدب ١١/ ١٤١، والخصائص ٣/ ١٠٨، ورصف المباني ١١٠، وشرح المفصل ٥/ ١٢٠، والمحتسب ١/ ٩٢، والمقتضب ١/ ٥١، والمنصف ٣/ ١٢٨، وهمع الهوامع ١/ ١٢٣.","vol":"4","page":161},{"text":"فجمع ما بين «ما» و«إن» ومعناهما واحد. قال الله جلّ وعزّ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ [فاطر: ٤٠] بمعنى ما يعد الظالمون. والجواب الآخر أنّ زيادة «ما» تفيد معنى لأنه لو لم تدخل «ما» كان المعنى أنه لحقّ لا كذب فإذا جئت بما صار المعنى أنه لحقّ، مثل ما إنّ الآدميّ ناطق، كما تقول: الحقّ نطقك، بمعنى أحقّ أم كذب؟\nوتقول: أحقّ إنّك تنطق؟ فتفيد معنى آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3337>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٤]</span>\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)\nولم يقل أضياف لأنّ ضيفا مصدر، وحقيقته في العربية حديث ذوي ضيف، مثل: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3338>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٥]</span>\nإِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)\nإِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ أي حين دخلوا. فَقالُوا سَلامًا منصوب على المصدر، ويجوز أن يكون منصوبا بوقوع الفعل عليه. ويدلّ على صحّة هذا الجواب أنّ سفيان روى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. فَقالُوا سَلامًا قال سدادا. قالَ سَلامٌ «١» مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف أي سلام عليكم، ويجوز أن يكون مرفوعا على خبر الابتداء والابتداء محذوف أي أمري سلام، وقرأ حمزة والكسائي قالَ سَلامٌ «٢» وفيه تقديران: أحدهما أن يكون سلام وسلّم بمعنى واحد مثل حلّ وحلال، ويجوز أن يكون التقدير نحن سلم. قَوْمٌ مُنْكَرُونَ على إضمار مبتدأ وإنما أنكرهم فيما قبل لأنه لم يعرف في الأضياف مثلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3339>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٦]</span>\nفَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)\nفَراغَ إِلى أَهْلِهِ أي رجع، وحقيقته رجع في خفية. فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ التقدير:\nفجاء أضيافه ثم حذف المفعول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3340>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٧]</span>\nفَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧)\nالفاء تدلّ على أنّ الثاني يلي الأول و«ألا» تنبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3341>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٨]</span>\nفَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)\nفَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أي ستر ذلك وأضمره قالُوا لا تَخَفْ حذفت الضمة للجزم\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٣٧. [.....]\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ١٣٧.","vol":"4","page":162},{"text":"والألف لالتقاء الساكنين وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ أي يكون عالما وحكى الكوفيون أنّ عليما إذا كان للمستقبل قيل عالم، وكذا نظائره يقال: ما هو كريم وإنه لكارم غدا، وما مات وإنه لمائت وهذا وإن كان يقال فالقرآن قد جاء بغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3342>[سورة الذاريات (٥١): آية ٢٩]</span>\nفَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)\nفَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: في صيحة، وكذا قال مجاهد والضحاك وابن زيد وابن سابط، وقيل «في صرّة» في جماعة نسوة يتبادرن لينظرن إلى الملائكة. فَصَكَّتْ وَجْهَها قال مجاهد: ضربت جبهتها تعجبا وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ زعم بعض العلماء أنّ عجوزا بإضمار فعل أي أتلد عجوز. قال أبو جعفر: وهذا خطأ لأن حرف الاستفهام لا يحذف والتقدير على قول أبي إسحاق: قالت أنا عجوز عقيم أي فكيف ألد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3343>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٠]</span>\nقالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)\nقالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ أي كما قلنا لك، وليس هذا من عندنا. إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ في تدبيره الْعَلِيمُ أي مصالح خلقه وبما كان وبما هو كائن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3344>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣١]</span>\nقالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)\nقال إبراهيم لضيفه ما شأنكم يا أيها، وحذفت يا، كما يقال: زيد أقبل و«أي» نداء مفرد، وهو اسم تام، والْمُرْسَلُونَ من نعمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3345>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٢]</span>\nقالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)\nأي قد أجرموا بالكفر، ويقال: جرموا، إلّا أنّ أجرموا بالألف أكثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3346>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٣]</span>\nلِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)\nأي لنمطر عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3347>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٤]</span>\nمُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)\nمُسَوَّمَةً في معناه قولان: أهل التأويل على أنّ معناه معلّمة. قال ابن عباس: يكون الحجر أبيض وفيه نقطة سوداء ويكون الحجر أسود وفيه نقطة بيضاء. والقول الآخر أن يكون معنى مسومة مرسلة من سوّمت الإبل لِلْمُسْرِفِينَ أي للمتعدين لأمر الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3348>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٥]</span>\nفَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)\nفَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) كناية عن القرية، ولم يتقدّم لها ذكر لأنه قد عرف المعنى، ويجوز أن يكون كناية عن الجماعة.","vol":"4","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3349>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٦]</span>\nفَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)\nقال مجاهد لوط ﷺ وابنتاه لا غير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3350>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٧]</span>\nوَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧)\nقول الفراء «١» إنّ «في» زائدة. والمعنى ولقد تركناها آية ومثله عنده لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ [يوسف: ٧] وهذا المتناول البعيد مستغنى عنه قال أبو إسحاق ولقد تركنا في مدينة قوم لوط ﵇ آية للخائفين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3351>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٨]</span>\nوَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨)\nوَفِي مُوسى أي وفي موسى آية واعتبار إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ بحجة بيّنة يتبين من رآها أنّها من عند الله سبحانه. قال قتادة: بسلطان مبين أي بعذر مبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3352>[سورة الذاريات (٥١): آية ٣٩]</span>\nفَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩)\nفَتَوَلَّى فأعرض عن ذكر الله وأدبر بِرُكْنِهِ فيه قولان قال أهل التأويل: المعنى بقومه قال ذلك مجاهد وقتادة، وقال ابن زيد: بجماعته. والقول الآخر حكاه الفراء «٢» (بركنه) بنفسه، قال وحقيقة ركنه في اللغة بجانبه الذي يتقوى به وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ على إضمار مبتدأ. وأبو عبيدة «٣» يذهب إلى أن «أو» بمعنى الواو، قال: وهذا تأويل عند النحويين الحذّاق خطأ وعكس المعاني، وهو مستغنى عنه ولأو معناها، وقد أنشد أبو عبيدة لجرير: [الوافر] ٤٣٧-\nأثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهيّة والخشابا\n«٤» فهذا أيضا على ذاك محمول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3353>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٠]</span>\nفَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)\nَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ\nعطف على الهاء. نَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ\nأي فألقيناهم في البحر.\nهُوَ مُلِيمٌ\nوالأصل مليم ألقيت حركة الياء على اللام اتباعا.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٨٧.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٨٧.\n(٣) انظر مجاز القرآن ٢/ ٢٢٧.\n(٤) الشاهد لجرير في ديوانه ٨١٤، والكتاب ١/ ١٥٦، والأزهيّة ٢١٤، وأمالي المرتضى ٢/ ٥٧، وجمهرة اللغة ٢٩٠، وخزانة الأدب ١١/ ٦٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٨٨، وشرح التصريح ١/ ٣٠٠، ولسان العرب (خشب)، و(طها) والمقاصد النحوية ٢/ ٥٣٣، وبلا نسبة في الرد على النحاة ١٠٥، وشرح الأشموني ١/ ١٩٠.","vol":"4","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3354>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤١]</span>\nوَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)\nأي وفي عاد آية والمعنى معقومه فلذلك حذفت الهاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3355>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٢]</span>\nما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)\nما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ حذفت الواو من تذر لأنها بمعنى تدع، وحذفت من يدع لأن الأصل فيها يودع فوقعت بين ياء وكسرة فحذفت إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ قال الفراء «١»: الرميم النّبت إذا يبس وديس. وقال محمد بن يزيد: أصل الرميم العظم البالي المتقادم، ويقال له: رمّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3356>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٣]</span>\nوَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)\nوَفِي ثَمُودَ أي آية إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ زعم الفراء أن الحين هاهنا ثلاثة أيام، وذهب إلى هذا لأنه قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3357>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٤]</span>\nفَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)\nفَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي غلوا وتركوا أمر ربّهم فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ويروى عن عمر بن الخطاب ﵀ أنه قرأ فأخذتهم الصاعقة «٢» وإسناده ضعيف لأنه لا يعرف إلا من حديث السّدّي ويدلّك على أن الصاعقة أولى قوله جلّ وعزّ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ [الرعد: ١٣] فهذا جمع صاعقة. وجمع صعقة صعقات وصعاق. وَهُمْ يَنْظُرُونَ قيل: المعنى: ينتظرون ذلك لأنهم كانوا ينتظرون العذاب لمّا تغيّرت ألوانهم في الأيام الثلاثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3358>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٥]</span>\nفَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)\nفَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ أي نهوض بالعقوبة. قال الفراء: مِنْ قِيامٍ أي ما قاموا بها وأجاز في الكلام من إقامة كأنه تأوله بمعنى ما استطاعوا أن يقوموا بها. وزعم أن مِنْ قِيامٍ مثل وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا [نوح: ١٧] وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ أي ما كانوا يقدرون على أن يستفيدوا ممن عاقبهم. وقال قتادة في معنى وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ وما كانت لهم قوة يمتنعون بها من العقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3359>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٦]</span>\nوَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٤٦)\nوَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ قراءة أهل المدينة وعاصم، وقرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٨٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ١٣٩.","vol":"4","page":165},{"text":"والكسائي وقوم نوح «١» بالخفض معطوفا على وفي ثمود، والمعنى في الخفض وفي قوم نوح آية وعبرة. والنصب من غير جهة فللفراء «٢» فيه قولان، وبعدهما ثالث عنه أيضا وهما أن يكون التقدير فأخذتهم الصاعقة وأخذت قوم نوح، والتقدير الثاني أن يكون التقدير: وأهلكنا قوم نوح، والثالث الذي بعدهما أن يكون التقدير واذكروا قوم نوح. قال أبو جعفر: ورأيت أبا إسحاق قد أخرج قوله هذا الثالث وفيه من كلامه، وليس هذا بأبغض إليّ من الجوابين، وهو يتعجّب من هذا ويقول: دلّ بهذا الكلام على أن الأجوبة الثلاثة بغيضة إليه. قال: وفي هذه الآية قول رابع حسن يكون وقوم نوح معطوفا على أَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ\nلأن معناه فأغرقناهم وأغرقنا قوم نوح. فأمّا القراءة بالنصب فهي البيّنة عند النحويين سوى من ذكرنا ممن قرأ بغيرها، فاحتجّ أبو عبيد للنصب بأن قبله فيما كان مخفوضا من القصص كلها بيان ما نزل بهم نحو وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ وليس هذا في قوم نوح فدلّ هذا على أنه ليس معطوفا على الخفض لأنه مخالف له. قال: فكيف يكون وفي قوم نوح ولا يذكر ما نزل بهم، وقال غيره: أيضا العرب إذا تباعد ما بين المخفوض وما بعده لم يعطفوه عليه ونصبوه قال الله جلّ وعزّ: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ [هود: ٦٠] ولا نعلم أحدا خفض، وقال جلّ وعزّ:\nفَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١] فرفع أكثر القراء ولم يعطفوه على ما قبله وحجة ثالثة ذكرها سيبويه وهو أن المعطوف إلى ما هو أقرب إليه أولى وحكي: خشنت بصدره وصدر زيد، وأن الخفض أولى لقربه فكذا هذا فأخذتهم الصاعقة وأخذت قوم نوح أقرب من أن تردّه إلى ثمود إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ نعت لقوم أي خارجين عن الطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3360>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٧]</span>\nوَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)\nوَالسَّماءَ نصب بإضمار فعل أي وبنينا السماء. بَنَيْناها بِأَيْدٍ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس (بأيد) بقوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3361>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٨]</span>\nوَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨)\nوَالْأَرْضَ فَرَشْناها بإضمار أيضا. فَنِعْمَ الْماهِدُونَ رفع بنعم. والمعنى: فنعم الماهدون نحن ثم حذف.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٠٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٨٨.","vol":"4","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3362>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٩]</span>\nوَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)\nوَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ قيل: التقدير ومن كلّ شيء خلقنا خلقنا زوجين. قال مجاهد: في الزوجين: الشقاء والسعادة والهدى والضلالة والإيمان والكفر. وقال ابن زيد: الزوجان: الذكر والأنثى. وجمعهما الفراء «١» فقال: الزوجان والحيوان الذكر والأنثى ومن غيرهم الحلو والحامض وما أشبه ذلك. لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي فتعتبرون وتعلمون أنّ العبادة لا تصلح إلا لمن خلق هذه الأشياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3363>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٠]</span>\nفَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)\nفَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أي إلى طاعته ورحمته من معصيته وعقابه إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ أي مخوف عقابه من عصاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3364>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥١]</span>\nوَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)\nوَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ أي معبودا آخر إذا كانت العبادة لا تصلح إلّا له إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ أي أخوف من عبد غيره عذابه وجاء إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ مرتين، وليس بتكرير لأنه خوّف في الثاني من عبد غير الله جلّ وعزّ وفي الأول من لم يفرّ إلى طاعة الله ورحمته فهذا قد يكون للموحدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3365>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٢]</span>\nكَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)\nتكون الكاف في موضع رفع أي الأمر كذلك، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى كذلك فعل الذين من قبل قريش ما أتاهم من رسول إلّا قالوا له هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3366>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٣]</span>\nأَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣)\nأَتَواصَوْا بِهِ أي هل أوصى بعضهم بعضا بهذا بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ المعنى: لم يتواصوا به بل هم قوم طغوا واعتدوا فخالفوا أمر الله جلّ وعزّ ونهيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3367>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٤]</span>\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ قال مجاهد: أي أعرض والتقدير: أعرض عنهم حتّى يأتيك أمرنا فيهم فأتاه الأمر بقتالهم. فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ أي لا تلحقك لائمة من ربّك جلّ وعزّ في تفريط كان منك في إنذارهم فقد أنذرتهم وبلّغتهم.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٨٩.","vol":"4","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3368>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٥]</span>\nوَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)\nوَذَكِّرْ أي عظهم. فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ويجوز ينفع لأن الذكرى والذكر واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3369>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٦]</span>\nوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)\nقيل: يراد هاهنا المؤمنون خاصة. واحتجّ صاحب هذا القول بأنه يلي المؤمنين فأن يكون الضمير يليهم أولى. ومعنى هذا يروى عن زيد بن أسلم قال: وهذا مذهب أكثر أصحاب الحديث، وقال القتبي: هو مخصوص فهذا هو ذلك القول إلا أن العبارة عنه ليست بحسنة. وقيل في الآية: ما روي عن ابن عباس أن العبادة هنا الخضوع والانقياد، وليس مسلم ولا كافر إلا وهو خاضع لله جلّ وعزّ منقاد لأمره طائعا أو كارها فيما جبله عليه من الصحّة والسقم والحسن والقبح والضيق والسعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3370>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٧]</span>\nما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)\nما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ «ما» في موضع نصب و«من» زائدة للتوكيد. وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ حذفت النون علامة النصب، وحذفت الياء لأن الكسرة دالة عليها، وهو رأس آية فحسن الحذف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3371>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)\nإِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ أي الرّزاق خلقه المتكفل بأقواتهم. ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ بالرفع قرأ به من تقوم بقراءته الحجّة على أنه نعت للرزاق ولذي القوة أو على أنه خبر بعد خبر أو على إضمار مبتدأ أو نعت لاسم «إنّ» على الموضع. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس الْمَتِينُ الشديد. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ «١» بالخفض على النعت للقوة. وزعم أبو حاتم أن الخفض على قرب الجوار. قال أبو جعفر والجوار لا يقع في القرآن ولا في كلام فصيح، وهو عند رؤساء النحويين غلط ممن قاله من العرب. ولكن القول في قراءة من خفض أنه تأنيث غير حقيقي. والتقدير فيه عند أبي إسحاق: ذو الاقتدار المتين لأن الاقتدار والقوة واحد، وعند غيره بمعنى ذو الإبرام المتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3372>[سورة الذاريات (٥١): آية ٥٩]</span>\nفَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٤١، ومعاني الفراء ٣/ ٩٠.","vol":"4","page":168},{"text":"فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا اسم «إنّ» . مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ نعت. فَلا يَسْتَعْجِلُونِ أي به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3373>[سورة الذاريات (٥١): آية ٦٠]</span>\nفَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)\nفَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا رفع بالابتداء، ويجوز النصب أي ألزمهم الله ويلا. مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ أي يوعدون فيه بنزول العذاب ...","vol":"4","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3374>٥٢ شرح إعراب سورة الطور</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3375>[سورة الطور (٥٢): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالطُّورِ (١)\nخفض بواو القسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3376>[سورة الطور (٥٢): آية ٢]</span>\nوَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢)\nواو عطف، وليست واو قسم. قال الضّحاك وقتادة: مَسْطُورٍ مكتوب. وأجاز النحويون: مصطور تقلب السين صادا تقريبا إلى الطاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3377>[سورة الطور (٥٢): آية ٣]</span>\nفِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)\nمن صلة مسطور أي كتب في رق به وقال الراجز:\n٤٣٨-\nإنّي وأسطار سطرن سطرا\n«١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3378>[سورة الطور (٥٢): آية ٤]</span>\nوَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)\nعطف أي المعمور بمن يدخله. يقال: عمر المنزل فهو عامر، وعمرته فهو معمور، وإن أردت متعدي عمر المنزل قلت: أعمرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3379>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٥ الى ٨]</span>\nوَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨)\nوَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) معطوف، وكذا وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) . وجواب القسم إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) قال قتادة: أي يوم القيامة أي حالّ بالكافرين.\n_________\n(١) الشاهد لرؤبة في ديوانه ١٧٤، وخزانة الأدب ٢/ ٢١٩، والخصائص ١/ ٣٤٠، والدرر ٤/ ٢٢، وشرح شواهد الإيضاح ٢٤٣، وشرح المفصّل ٢/ ٣، ولسان العرب (نصر)، وبلا نسبة في أسرار العربية ٢٩٧، والأشباه والنظائر ٤/ ٨٦، والدرر ٦/ ٢٦، ولسان العرب (سطر)، ومغني اللبيب ٢/ ٣٨٨، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٠٩، والمقتضب ٤/ ٢٠٩، وهمع الهوامع ٢٤٧.","vol":"4","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3380>[سورة الطور (٥٢): آية ٩]</span>\nيَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا (٩)\nوروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: تحرّكا. قال أبو جعفر: يقال: مار الشيء إذا دار، وينشد بيت الأعشى: [البسيط] ٤٣٩-\nكأنّ مشيتها من بيت جارتها ... مور السّحابة لا ريث ولا عجل\n«١» ويروى عن ابن عباس: تمور تشقّق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3381>[سورة الطور (٥٢): آية ١٠]</span>\nوَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا (١٠)\nوَتَسِيرُ الْجِبالُ أي من أمكنتها سَيْرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3382>[سورة الطور (٥٢): آية ١١]</span>\nفَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)\nدخلت هذه الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة، ومثله فالكلم اسم وفعل وحرف جاء لمعنى فالتقدير إذا انتبهت له فهو كذا وكذا الآية التقدير فيها إذا كان هذا فويل يومئذ للمكذّبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3383>[سورة الطور (٥٢): آية ١٢]</span>\nالَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)\nأي في فتنة واختلاط يلعبون أي غافلين عما يراد بهم، والَّذِينَ في موضع خفض نعته للمكذبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3384>[سورة الطور (٥٢): آية ١٣]</span>\nيَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)\nنصب يوم على البدل من يومئذ. وروى قابوس عن أبيه عن ابن عباس يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا «٢» قال: يدفع في أعناقهم حتّى يردّوا إلى النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3385>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nهذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥)\nأي يقال لهم فحذف هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3386>[سورة الطور (٥٢): آية ١٦]</span>\nاصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)\nاصْلَوْها أي قاسوا حرّها وشدّتها. فَاصْبِرُوا أَوْ لا أي على ألمها وشدّتها.\nتَصْبِرُوا سَواءٌ مبتدأ أي سواء عليكم الصبر والجزع. عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.\n_________\n(١) الشاهد للأعشى في ديوانه ص ١٠٥، ولسان العرب (مور)، وتهذيب اللغة ١/ ٣٧٢، و٢/ ٢٥٦، وتاج العروس (مور) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ١٤٥. [.....]","vol":"4","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3387>[سورة الطور (٥٢): آية ١٧]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ أي الّذين اتقوا الله جلّ وعزّ في اجتناب معاصيه وأداء فرائضه. فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ في موضع خبر «إنّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3388>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nفاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)\nفَكِهِينَ على الحال. ويجوز الرفع في غير القرآن على أنه خبر «إنّ» بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ بما أعطاهم ورزقهم وَوَقاهُمْ والمستقبل منه معتلّ من جهتين من فائه ولامه. قال أبو جعفر: فأمّا اعتلاله من فائه فإن الأصل فيه: يوقيه حذفت الواو لأنها بين ياء وكسرة واعتلاله من لامه لأنها سكنت في موضع الرفع ولثقل الضمة فيها، والتقدير: يقال لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) ونصب هَنِيئًا على المصدر. ومعناه بلا أذى ولا غمّ ولا غائلة يلحقكم في أكلكم ولا شربكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3389>[سورة الطور (٥٢): آية ٢٠]</span>\nمُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)\nمُتَّكِئِينَ نصب على الحال. عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ جمع سرير، ويجوز سرر «١» لثقل الضمّة. مَصْفُوفَةٍ نعت. وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ أي قرنّاهم بهنّ. قال أبو عبيدة: الحور شدّة سواد العين وشدّة بياض بياض العين. قال أبو جعفر:\nالحور في اللغة البياض، ومنه الخبز الحوّاريّ، وعِينٍ جمع عيناء وهو على فعل أبدل من الضمة كسرة لمجاورتها الياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3390>[سورة الطور (٥٢): آية ٢١]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)\nوَالَّذِينَ مبتدأ. آمَنُوا صلته. وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ داخل معه في الصلة أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ خبر الابتداء. وهذه القراءة مأثورة عن عبد الله بن مسعود، وهي متّصلة الإسناد من حديث المفضّل الضبّي عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه رد على رجل وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ بالتوحيد فيهما جميعا مقدار عشرين مرة وهذه قراءة الكوفيين وقرأ الحسن وأبو عمرو ذرياتهم «٢» بالجمع فيها جميعا. وقرأ المدنيون وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ «٣» والمعاني في هذا متقاربة وإن كان التوحيد القلب إليه أميل لما روي عن عبد الله بن مسعود، وعن ابن عباس وقد احتج أبو عبيد للتوحيد بقوله جلّ وعزّ: مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ [مريم: ٥٨]\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٤٦، وهذه قراءة أبي السمال.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ١٤٧، وتيسير الداني ١٦٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦١٢.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ١٤٧، وتيسير الداني ١٦٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦١٢.","vol":"4","page":172},{"text":"ولا يكون أكثر من ذرية أدم ﵇ قال: وهذا إجماع فسبيل المختلف فيه أن يردّ إليه وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يقال: ألته يألته ولاته يليته إذا نقصه و«من» في عَمَلِهِمْ للتبعيض وفي مِنْ شَيْءٍ بمعنى التوكيد. كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ مبتدأ وخبره أي كل إنسان مرتهن بما عمل لا يؤخذ أحد بذنب أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3391>[سورة الطور (٥٢): آية ٢٢]</span>\nوَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)\nوَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وهم هؤلاء المذكورون. وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ أي يشتهونه، وحذفت الهاء لطول الاسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3392>[سورة الطور (٥٢): آية ٢٣]</span>\nيَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣)\nيَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) هذه قراءة أهل الحرمين وأهل المصرين إلّا أبا عمرو ويروى عن الحسن لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ «١» . فالرفع من جهتين: أحداهما أن يكون «لا» بمنزلة «ليس» . والأخرى أن ترفع بالابتداء وشبّهه أبو عبيد بقوله جلّ وعزّ: لا فِيها غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] واختار الرفع. قال أبو جعفر: وليس يشبهه عند أحد من النحويين علمته لأنك إذا فصلت لم يجز إلّا الرفع، وكذا لا فِيها غَوْلٌ وإذا لم تفصل جاز الرفع والنصب بغير تنوين فكذلك لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ ولو كانا كما قال واحدا لم يجز. لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ وقد قرأ به أبو عمرو بن العلاء وهو جائز حسن عند الخليل وسيبويه وعيسى بن عمر والكسائي والفراء ونصبه على التبرية عند الكوفيين. فأما البصريون فإنهم جعلوا الشيئين شيئا واحدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3393>[سورة الطور (٥٢): آية ٢٤]</span>\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ أي في الصفاء. مَكْنُونٌ فهو أصفى له وأخلص بياضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3394>[سورة الطور (٥٢): آية ٢٥]</span>\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥)\nروى ابن طلحة عن ابن عباس قال: هذا عند النفخة الثانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3395>[سورة الطور (٥٢): آية ٢٦]</span>\nقالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦)\nخبر كان أي قبل هذا وجعلت «قبل» غاية ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3396>[سورة الطور (٥٢): آية ٢٧]</span>\nفَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧)\nمنّ الله عليهم بغفران الصغائر وترك المحاسبة لهم بالنعم المستغرقة للأعمال،\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٤٧، وتيسير الداني ٦٩، قال (بالنصب من غير تنوين في الكلّ والباقون بالرفع والتنوين) .","vol":"4","page":173},{"text":"كما روي عن النبيّ ﷺ: «لا يدخل أحد الجنّة بعمله» قيل: ولا أنت يا رسول الله قال:\n«ولا أنا إلّا أن يتغمّدني الله منه برحمته» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3397>[سورة الطور (٥٢): آية ٢٨]</span>\nإِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)\nهذه قراءة أبي عمرو وعاصم والأعمش وحمزة، وقرأ أبو جعفر ونافع والكسائي إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ «٢» قال أبو جعفر: والكسر أبين لأنه إخبار بهذا فالأبلغ أن يبتدأ، والفتح جائز ومعناه ندعوه لأنه أو بأنه. وقد عارض أبو عبيد هذه القراءة لأنه اختار الكسر ولأن معناها ندعوه لهذا، وهذه المعارضة لا توجب منع القراءة بالفتح لأنهم يدعونه لأنه هكذا. وهذا له جلّ وعزّ دائم لا ينقطع. فنظير هذا لبّيك أنّ الحمد والنعمة لك، بفتح إن وكسرها. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ قال: اللطيف بعباده، وقال غيره: الرحيم بخلقه ولا يعذّبهم بعد التوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3398>[سورة الطور (٥٢): آية ٢٩]</span>\nفَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩)\nفَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ قال أبو إسحاق: أي لست تقول قول الكهان.\nوَلا مَجْنُونٍ عطف على بكاهن، ويجوز النصب على الموضع في لغة أهل الحجاز، ويجوز الرفع في لغة بني تميم على إضمار مبتدأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3399>[سورة الطور (٥٢): آية ٣٠]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)\nأَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ على إضمار مبتدأ. نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قال أبو جعفر: قد ذكرناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3400>[سورة الطور (٥٢): آية ٣١]</span>\nقُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)\nقُلْ تَرَبَّصُوا أي تمهّلوا وانتظروا. فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ حتّى يأتي أمر الله جلّ وعزّ فيكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3401>[سورة الطور (٥٢): آية ٣٢]</span>\nأَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢)\nأَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا قال ابن زيد: كانوا في الجاهلية يسمّون أهل الأحلام فالمعنى أم تأمرهم أحلامهم بأن يعبدوا أوثانا صمّا بكما، وقيل: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ أن يقولوا لمن جاءهم بالحق والبراهين والنهي عن المنكر والأمر بالمعروف شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ. وزعم الفراء أن الأحلام هاهنا العقول والألباب أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٢٥٦، وذكره ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٣٣٢.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ١٤٧، وهذه قراءة الحسن أيضا، وتيسير الداني ١٦٥.","vol":"4","page":174},{"text":"أي لم تأمرهم أحلامهم بهذا بل جاوزوا الإيمان إلى الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3402>[سورة الطور (٥٢): آية ٣٣]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)\nأي ليس يأتون ببرهان أنه تقوّل واختلقه بل لا يصدّقون والكوفيون يقولون إنّ «بل» لا تكون إلا بعد نفي فهم يحملون الكلام على هذه المعاني فإن لم يجدوا ذلك لم يجيزوا أن يأتي بعد الإيجاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3403>[سورة الطور (٥٢): آية ٣٤]</span>\nفَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤)\nأي إن كانوا صادقين في أنه تقوّله فهم أهل اللسان واللغة فليأتوا بقرآن مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3404>[سورة الطور (٥٢): آية ٣٥]</span>\nأَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥)\nأَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ فيه أجوبة فمن أحسنها أم خلقوا من غير أب ولا أم فيكونوا حجارة لا عقول لهم يفهمون بها. وقيل المعنى: أم خلقوا من غير صانع صنعهم فهم لا يقبلون من أحد. أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ أي هم الأرباب فللربّ الأمر والنهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3405>[سورة الطور (٥٢): آية ٣٦]</span>\nأَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦)\nأَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي هل هم الذين خلقوا السموات والأرض فلا يقرّوا بمن لا يشبهه شيء بَلْ لا يُوقِنُونَ قيل المعنى لا يعلمون ولا يستدلّون، وقيل: فعلهم فعل من لا يعلم. ومن أحسن ما قيل فيه أنّ المعنى: لا يوقنون بالوعيد وما أعدّ الله جلّ وعزّ من العذاب للكفّار يوم القيامة فهم يكفرون ويعصون لأنهم لا يوقنون بعذاب ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3406>[سورة الطور (٥٢): آية ٣٧]</span>\nأَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)\nأَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أي فيستغنوا بها. أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المسيطرون المسلّطون. والمسيطر «١» في كلام العرب المتجبّر المتسلط المستكبر على الله جلّ وعزّ، مشتقّ من السطر كأنه الذي يخطر على الناس منعه مما يريد. وأصله السين ويجوز قلب السين صادا لأن بعدها طاء، وعلى هذا السواد في هذا الحرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3407>[سورة الطور (٥٢): آية ٣٨]</span>\nأَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٥، والبحر المحيط ٨/ ١٤٩ (قراءة الجمهور بالصاد وهشام وقنبل وحفص بالسين) .","vol":"4","page":175},{"text":"أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ أي يستمعون فيه الوحي من السماء فيدّعون أنّ الذي هم عليه قد أوحى به فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بحجّة بيّنة كما أتى بها النبيّ ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3408>[سورة الطور (٥٢): آية ٣٩]</span>\nأَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)\nكما تقولون فتلك قسمة جائرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3409>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٠]</span>\nأَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)\nمَغْرَمٍ مصدر أي أم تسألهم مالا فهم من أن يغرموا شيئا مثقلون أي يثقل ذلك عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3410>[سورة الطور (٥٢): آية ٤١]</span>\nأَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)\nأَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ أي هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون: لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ويقولون شاعر نتربّص به ريب المنون؟ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أي يكتبون للناس من الغيب ما أرادوا، ويخبرونهم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3411>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٢]</span>\nأَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)\nأَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا أي احتيالا على إذلال النبيّ ﷺ وإهلاكه وعلى المؤمنين. فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أي المذلّون المهلكون الصابرون إلى عذاب الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3412>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٣]</span>\nأَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)\nأَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ أي معبود يستحقّ العبادة. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تنزيها لله جلّ وعزّ مما يعبدونه من دونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3413>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٤]</span>\nوَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)\nوَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا جمع كسفة مثل سدرة وسدر. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس كسفا قال: يقول: قطعا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ على إضمار مبتدأ أي يقولوا: هذا الكسف سحاب مركوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3414>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٥]</span>\nفَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)\nفَذَرْهُمْ من يذر حذفت منه الواو وإنما تحذف من يفعل لوقوعها بين ياء وكسرة أو من يفعل إذا كان فيه حرف من حروف الحلق وليس في «يذر» من هذا شيء يوجب حذف الواو، وقال أبو الحسن بن كيسان: حذفت منه الواو لأنه بمعنى يدع فأتبعه.\nحَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ وقرأ الحسن وعاصم يُصْعَقُونَ «١» قال الحسن أي\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٥، والبحر المحيط ٨/ ١٥٠، (عاصم وابن عامر بضمّ الياء والباقون بفتحهما) .","vol":"4","page":176},{"text":"يماتون، وحكى الفراء «١» عن عاصم يُصْعَقُونَ وهذا لا يعرف عنه قال: يقال: صعق يصعق، وهي لغة معروفة كما قرأ الجميع فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الزمر: ٦٨] ولم يقرءوا فصعق، ويقال: صعق يصعق وأصعق متعدّي صعق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3415>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٦]</span>\nيَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦)\nيَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا بدل من اليوم الأول. وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي ولا يستقيد لهم أحد ممن عاقبهم ولا يمنع منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3416>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٧]</span>\nوَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧)\nوَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ أجلّ ما قيل فيه إسنادا ما رواه أبو إسحاق عن البرآء وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ قال: عذاب القبر. وقال ابن زيد: المصائب في الدنيا، ومعنى دُونَ ذلِكَ دون يوم يصعقون وهو يوم القيامة. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي لا يعلمون أنّهم ذائقوا ذلك العذاب، وقيل: فعلهم فعل من لا يعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3417>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٨]</span>\nوَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)\nوَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أي لحكمه الذي قضى عليك وامض لأمره ونهيه وبلّغ رسالته فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أي نراك ونرى عملك ونحوطك ونحفظك، وجمعت عين على أعين، وهي مثل بيت، ولا يقال: أبيت لثقل الضمة في الياء إلّا أن هذا جاء في عين لأنّها مؤنثة. وأفعل في جمع المؤنث كثير. قالوا شمال أشمل وعناق أعنق. وقد قيل: أعيان كأبيات وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ في معناه أقوال فقول الضّحاك إنّ معناه حين تقوم إلى الصلاة بعد تكبيرة الإحرام، تقول: سبحانك اللهمّ وبحمدك تبارك واسمك وتعالى جدّك، وقيل التسبيح هاهنا تكبيرة الإحرام التي لا تتمّ الصلاة إلا بها، لأن معنى التسبيح في اللغة تنزيه الله جلّ وعزّ من كل سوء نسبه إليه المشركون وتعظيمه، ومن قال: الله أكبر فقد فعل هذا، وقول ثالث يكون المعنى حين تقوم من نومك، ويكون هذا يوم القائلة يعني صلاة الظهر لأن المعروف من قيام الناس من نومهم إلى الصلاة إنما هو من صلاة الفجر، وصلاة الظهر وصلاة الفجر مذكورة بعد هذا. فأما قول الضّحاك إنه في افتتاح الصلاة فبعيد لاجتماع الحجة لأن الافتتاح في الصلاة غير واجب ولو أمر الله جلّ وعزّ به لكان واجبا إلّا أن تقوم الحجة أنّه على الندب والإرشاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3418>[سورة الطور (٥٢): آية ٤٩]</span>\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال ابن زيد: صلاة العشاء، وقال غيره: صلاة المغرب والعشاء\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٦١٣.","vol":"4","page":177},{"text":"وَإِدْبارَ النُّجُومِ فيه قولان: أحدهما أنه لركعتي الفجر، وقال الضّحاك وابن زيد: صلاة الصبح. قال وهذا أولى لأنه فرض من الله تعالى. ونصب وَإِدْبارَ النُّجُومِ على الظرف أي وسبّحه وقت إدبار النجوم، كما: أنا أتيك مقدم الحاجّ، ولا يجوز أنا أتيك مقدم زيد، إنما يجوز هذا فيما عرف. وهذا قول الخليل وسيبويه.","vol":"4","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3419>٥٣ شرح إعراب سورة النجم</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3420>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢)\nوَالنَّجْمِ خفض بواو القسم، والتقدير وربّ النجم. إِذا هَوى في موضع نصب أي حين هوى، وجواب القسم ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ أي ما زال عن القصد وَما غَوى قيل:\nأي وما خاب فيما طلبه من الرحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3421>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)\nوَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى قيل: المعنى وما ينطق فيما يخبر به من الوحي، ودلّ على هذا إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى أي ما الذي يخبر به إلا وحي يوحى. ويوحى يرجع إلى الياء، ولو كان من ذوات الواو لتبع المستقبل الماضي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3422>[سورة النجم (٥٣): آية ٥]</span>\nعَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥)\nأي الأسباب، وحكى الفراء أنه يقرأ شَدِيدُ الْقُوى بكسر القاف لأن فعلة وفعلة يتضارعان. قال قتادة: شديد القوى جبريل ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3423>[سورة النجم (٥٣): آية ٦]</span>\nذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦)\nذُو مِرَّةٍ قال مجاهد: جبرائيل ﵇ ذو قوة. وقال ابن زيد: المرّة القوة. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ذُو مِرَّةٍ أي منظر حسن. قال أبو جعفر:\nحقيقة المرّة في اللغة اعتدال الخلق والسلامة من الآفات والعاهات، فإذا كان كذا كان قويا. فَاسْتَوى قيل: فاعتدل بعد أن كان ينزل مسرعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3424>[سورة النجم (٥٣): آية ٧]</span>\nوَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧)\nفي موضع الحال أي فاستوى عاليا، هذا قول من تجب به الحجّة من العلماء،","vol":"4","page":179},{"text":"والمعنى عليه، والإعراب يقويه. وزعم الفراء «١» أن المعنى فاستوى محمد ﷺ وجبريل ﵇ فجعل «وهو» كناية عن جبرائيل ﵇ وعطف به على المضمر. قال أبو جعفر: في هذا من الخطأ ما لاحقا به عطف على مضمر مرفوع لا علامة له ومثله مررت بزيد جالسا وعمرو، ويعطف به على المضمر المرفوع. وهذا ممنوع من الكلام حتّى يؤكّد المضمر أو يطول الكلام ثم شبّهه بقوله: أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا [النمل:\n٦٧] وهذا التشبيه غلط من جهتين، إحداهما أنه قد طال الكلام هاهنا وقام المفعول به مقام التوكيد. والجهة الأخرى أنّ النون والألف قد عطف عليهما هاهنا، وقولك: قمنا وزيد أسهل من قولك: قام وزيد، وأيضا فليس المعنى على ما ذكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3425>[سورة النجم (٥٣): آية ٨]</span>\nثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨)\nشبّهه الفراء «٢» بقوله جلّ وعزّ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١] لأن المعنى: انشقّ القمر واقتربت الساعة. قال أبو جعفر: وهذا التشبيه غلط بيّن لأن حكم الفاء خلاف حكم الواو لأنها تدلّ على أن الثاني بعد الأول، فالتقدير ثم دنا فزاد في القرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3426>[سورة النجم (٥٣): آية ٩]</span>\nفَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)\nقال أبو جعفر: وهذا أيضا مما يشكل في العربية لأن «أو» لا يجوز أن تكون بمعنى الواو لاختلاف ما بينهما، ولا بمعنى «بل» لما ذكرنا. وأن الاختصار يوجب غير ذلك فالتقدير فكان بمقدار ذلك عندكم لو رأيتموه قدر قوسين أو أدنى، كما روي عن ابن مسعود قال: فكان قدر ذراع أو ذراعين. قال أبو جعفر: القاد والقيد والقاب والقيب والقدر والقدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3427>[سورة النجم (٥٣): آية ١٠]</span>\nفَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠)\nفي معناه قولان: روى هشام الدستوائي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال:\nعبده محمد ﷺ فتأوّل هذا على المعنى فأوحى إلى عبده محمد ﷺ. والقول الأخر أن المعنى فأوحى جبرائيل إلى محمد ﷺ عبد الله وهو قول جماعة من أهل التفسير منهم ابن زيد قال: وهذا أشبه بسياق الكلام لأن ما قبله وما بعده أخبار عن جبرائيل ﷺ ومحمد ﷺ فلا يخرج ذلك عنهما إلى أحد إلّا بحجة يجب التسليم بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3428>[سورة النجم (٥٣): آية ١١]</span>\nما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١)\n«٣»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٩٥.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٩٦.\n(٣) انظر القراءات في البحر المحيط ٨/ ١٥٦، وتيسير الداني ١٦٦.","vol":"4","page":180},{"text":"هذه قراءة أكثر القراء، وقرأ الحسن وقتادة ويزيد بن القعقاع وعاصم الجحدري ما كَذَبَ الْفُؤادُ «١» مشدّدا. التقدير في التخفيف ما كذب فؤاد محمد محمدا فيما راه وحذفت في كما حذفت «من» في قوله جلّ وعزّ من: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الأعراف: ١٥٥] . لأنه مما يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف. قال أبو جعفر: وهذا شرح بيّن ولا نعلم أحدا من النحويين بيّنه، ومن قرأ كذّب فزعم الفراء أنه يجوز أن يكون أراد صاحب الفؤاد. وأجاز أن يكون معنى «ما كذب» صدّق. والقراءة بالتخفيف أبين معنى، وبالتشديد يبعد لأن معناها قبله وإذا قبله الفؤاد أي علمه فلا معنى للتكذيب. والقراءة بالتخفيف بيّنة أي صدقه. واختلف أهل التأويل في معنى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى فقال ابن عباس وجماعة معه: رأى ربه جلّ وعزّ قال: وخصّ الله إبراهيم ﷺ بالخلّة وموسى بالتكليم ومحمدا ﷺ بالرؤية كما جاء في الحديث عنه ﷺ:\n«رأيت ربّي جلّ وعزّ فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى» «٢» . والقول الأخر قول ابن مسعود وعائشة ﵄ أنه رأى جبرائيل على صورته وقد رفعه زرّ عن عبد الله أنّ النبيّ ﷺ قال: «رأيت جبرائيل على صورته له ستمائة جناح عند سدرة المنتهى» «٣» ورفعته عائشة أيضا عن النبيّ ﷺ وردّت على ابن عباس ما قاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3429>[سورة النجم (٥٣): آية ١٢]</span>\nأَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢)\n«٤» صحيحه عن النبيّ ﷺ وابن مسعود وابن عباس ومرويّه عن علي بن أبي طالب ﵁، وهي قراءة مسروق وأبي العالية ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وبها قرأ النخعي غير أن أبا حاتم حكى أنه قال: لم يماروه وإنما جحدوه قال: وفي هذا طعن على جماعة من القراء تقوم بقراءتهم الحجة منهم الحسن وشريح وأبو جعفر والأعرج وشيبة ونافع وأبو عمرو وابن كثير والعاصمان. والقول في هذا أنهما قراءتان مستفيضتان قد قرأ بهما الجامعة غير أن الأولى من ذكرناه من الصحابة.\nفأما أن يقال: لم يماروه فعظيم لأن الله جلّ وعزّ قد أخبر أنّهم قد جادلوا، والجدال هو المراء ولا سيما في هذه القصة، وقد ماروه فيها حتّى قالوا له: سرت في ليلة واحدة إلى بيت المقدس فصفه لنا، وقالوا: لنا عير بالشام فأخبرنا خبرها، قال محمد بن يزيد: يقال مراه بحقّه يمريه إذا دفعه به ومنعه منه، قال و«على» بمعنى «عن» . قال أبو\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٩٦.\n(٢) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٧/ ١٥٥، وذكر في مناهل الصفا (٣٢)، ومختصر العلو للعلي الغفار- تحقيق الألباني ١١٩. [.....]\n(٣) أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٤٠٧، وابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٤٤.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٦٦، والبحر المحيط ٨/ ١٥٦.","vol":"4","page":181},{"text":"جعفر: وذلك معروف في اللغة، وقد ذكرنا أن لغة بني كعب بن ربيعة رضي الله عليك أي عنك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3430>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤)\nوَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) أحسن ما قيل فيه وأصحّه أن الضمير يعود على شديد القوى، كما حدّثنا الحسن بن غليب قال: حدثنا محمد بن سوّار الكوفي قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن سعيد عن أبي معشر عن إبراهيم عن مسروق قال: قالت عائشة ﵂: ثلاث من قال واحدة منهن فقد أعظم على الله جلّ وعزّ الفرية: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم الفرية على الله وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان: ٣٤] . ومن زعم أن محمدا ﷺ كتم شيئا من أمر الوحي فقد أعظم على الله الفرية والله جلّ وعزّ يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: ٦٧]، ومن زعم أنّ محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله جل وعز الفرية والله جلّ ثناؤه يقول: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١] والله يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] قلت: يا أمّ المؤمنين ألم يقل: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣] قالت: أنا سألت عن ذلك نبيّ الله ﷺ فقال: «رأيت جبرائيل ﵇ نزل سادّا الأفق على خلقه وهيبته أو خلقه وصورته» «١» . وقال الفراء «٢»: «نزلة أخرى» مرّة أخرى. قال أبو جعفر: «نزلة» مصدر في موضع الحال، كما تقول: جاء فلان مشيا أي ماشيا، والتقدير ولقد راه نازلا نزلة أخرى أي في نزوله عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) متّصل براه. قال عكرمة عن ابن عباس: سألت كعبا عن سدرة المنتهى فقال: إليها ينتهي علم العلماء لا يعلم أحد ما وراءها إلّا الله جلّ وعزّ، وقال الربيع بن أنس: سمّيت سدرة المنتهى لأنه تنتهي إليه أرواح المؤمنين ومذهب الضّحاك أنه ينتهي إليها ما كان من أمر الله من فوقها أو من تحتها. قال أبو جعفر: وليس قول من هذه إلّا وهو محتمل لذلك، ولا خبر يقطع العذر في ذلك، والله جلّ وعزّ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3431>[سورة النجم (٥٣): آية ١٥]</span>\nعِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥)\nقال كعب: مأوى أرواح الشهداء، وقال قتادة: مأوى أرواح المؤمنين. ويقال:\nإنها الجنة التي أوى إليها أدم ﵇، وإنها في السماء السابعة. فأعلم الله جلّ وعزّ أن محمدا ﷺ قد أسري به إلى السماء السابعة على هذا. فأما من قرأ\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه- التفسير ١١/ ١٨٨، وفي البحر المحيط ٨/ ١٥٧.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٩٦.","vol":"4","page":182},{"text":"جَنَّةُ الْمَأْوى «١» فتقديره جنّة سواد الليل. وهي قراءة شاذة قد أنكرها الصحابة سعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن عمر. وقال ابن عباس: هي مثل جَنَّاتُ الْمَأْوى [السجدة:\n١٩] حجّة بيّنة مع إجماع الجماعة الذين تقوم بهم الحجة، وأيضا فإنه يقال: أجنّة الليل، وجنّ عليه، ولغة شاذة جنّة الليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3432>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nإِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧)\nإِذْ متصلة براه. قال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة واقعة على الأشجار كالغربان، وكذا قال أبو العالية ويقال: إنه عن أبي هريرة مثله وزاد فيه.\nفهنالك كلّمه ربه جلّ وعزّ قال له سل: ما زاغَ الْبَصَرُ أي ما حاد يمينا وشمالا متحيّرا.\nوَما طَغى أي وما تجاوز ذلك من غير أن يتبيّنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3433>[سورة النجم (٥٣): آية ١٨]</span>\nلَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)\nقال ابن زيد: رأى جبرائيل ﷺ على صورته في السماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3434>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nأَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠)\nقال الكسائي: الوقوف عليه اللّاه، وقال غيره: الوقوف عليه اللّات. اشتقّوه من اسم الله جلّ وعزّ. وهو مكتوب في الصحف بالتاء. واشتقّوا العزّى من العزيز وَمَناةَ «٢» من منى الله ﷿ عليه الشيء أي قدّره الثَّالِثَةَ الْأُخْرى نعت لمناة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3435>[سورة النجم (٥٣): آية ٢١]</span>\nأَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١)\nيجوز أن يكون مقدّما ما ينوى به التأخير، ويكون المعنى إن الّذين لا يؤمنون بالاخرة ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى. أي يقولون هم بنات الله ﷿ ألكم الذكر الذي ترضوانه وله الأنثى التي لا ترضونها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3436>[سورة النجم (٥٣): آية ٢٢]</span>\nتِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢)\nيقال: ضازه يضيزه ويضوزه إذا جار عليه.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٥٧ (وقرأ علي وأبو الدرداء وأبو هريرة وابن الزبير وأنس وزرّ ومحمد بن كعب وقتادة (جنّه) بها الضمير، وجنّ فعل ماض، والهاء ضمير يعود إلى النبيّ، أي: عندها ستره إيواء الله تعالى وجميل صنعه) .\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٦ (ابن كثير «ومناءة» بالمدج والهمز والباقون بغير مدّ ولا همز) .","vol":"4","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3437>[سورة النجم (٥٣): آية ٢٣]</span>\nإِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)\nإِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ قولهم الأوثان الهة والملائكة بنات الله. ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ أي من حجّة ولا وحي، وإنما هو شيء اخترفتموه. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ أي ما يتّبعون في هذه التسمية إلّا الظنّ وهواهم. وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى أي البيان بأن لا معبود سواه وأن عبادة هذه الأشياء شرك وكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3438>[سورة النجم (٥٣): آية ٢٤]</span>\nأَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤)\nقيل: أي ليس له ذلك، وقال ابن زيد: أي إن كان محمد ﷺ تمنّى شيئا فهو له.\nوشرح هذا القول إن كان محمد ﷺ تمنّى الرسالة فقد أعطاه الله جلّ وعزّ فلا تنكروه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3439>[سورة النجم (٥٣): آية ٢٥]</span>\nفَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥)\nيعطي من شاء ما يشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3440>[سورة النجم (٥٣): آية ٢٦]</span>\nوَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦)\nوَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لو حذفت «من» لخفضت أيضا لأنه خبر و«كم» تخفض ما بعدها في الخبر مثل «ربّ» إلا أنّ «كم» للكثير وربّ للقليل. لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى في هذا تنبيه لهم وتوبيخ لأنهم قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] فأخبر الله جلّ وعزّ أنّ الملائكة صلوات الله عليهم وسلّم الذين هم أفضل الخلق عند الله جلّ وعزّ وأكثرهم عملا بالطاعة لا تغني شفاعتهم شيئا إلّا من بعد إذن الله ﷿ ورضاه فكيف تشفع الأصنام لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3441>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)\nهو قولهم هم بنات الله ﷿. ما لهم بذلك من علم مِنْ زائدة للتوكيد والموضع موضع رفع إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا أي لا ينفع من الحقّ ولا يقوم مقامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3442>[سورة النجم (٥٣): آية ٢٩]</span>\nفَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩)\nأي فدع من تولّى عن ذكرنا ولم يؤمن ولم يوحّد ولم يرد ثواب الآخرة ولم يرد إلا زينة الحياة الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3443>[سورة النجم (٥٣): آية ٣٠]</span>\nذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠)\nذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قال ابن زيد: ليس لهم علم إلّا الّذي هم فيه من الشرك","vol":"4","page":184},{"text":"والكفر ومكابرتهم ما جاء من عند الله جلّ وعزّ، وقال غيره: ذلك مبلغهم من العلم أنّهم اثروا ما يفنى من زينة الدنيا ورئاستها على ما يبقى من ثواب الآخرة إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يكون أعلم بمعنى عالم ويجوز أن يكون على بابه بالحذف وسبيل الإسلام. وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى أي إلى طريق الحق وهو الإسلام وذلك في سابق علمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3444>[سورة النجم (٥٣): آية ٣١]</span>\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)\nتكون لام كي متعلقة بالمعنى أي ولله ما في السّموات وما في الأرض من شيء يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا أي كفروا وعصوا بِما عَمِلُوا، ويجوز أن يكون اللام متعلّقة بقوله جلّ وعزّ: لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسئوُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى عطف. قيل: الحسنى الجنة. وقال زيد بن أسلم. الَّذِينَ أَساؤُا الكفار والَّذِينَ أَحْسَنُوا المؤمنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3445>[سورة النجم (٥٣): آية ٣٢]</span>\nالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)\nالَّذِينَ بدل من الذين قبله يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ «١» الْإِثْمِ قال أبو جعفر: قد ذكرناه في سورة «حم عسق» . وَالْفَواحِشَ عطف على الكبائر إِلَّا اللَّمَمَ قد ذكرنا ما فيه من قول أهل التفسير. وهو منصوب على أنه استثناء ليس من الأول. ومن أصحّ ما قيل فيه وأجمعه لأقوال العلماء أنّه الصغائر ويكون مأخوذا من لممت بالشيء إذا قلّلت نيله.\nإِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ أي لأصحاب الصغائر، ونظيره إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء: ٣١] هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ أي هو أعلم بما تعملون وما أنتم صائرون إليه حين ابتدأ خلق أبيكم من تراب، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم منكم لما أن كبرتم، ويجوز أن يكون اعلم بمعنى عالم فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ قال زيد بن أسلم: أي لا تبرئوها من المعاصي. قال:\nوشرح هذا لا تقولوا إنّا أزكياء. هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى المعاصي وخاف وأدى الفرائض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3446>[سورة النجم (٥٣): آية ٣٣]</span>\nأَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣)\nأي عن الإيمان. قال ابن زيد: نزلت في رجل أسلم فلقيه صاحبه فغيره وقال له:\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٥٨ (حمزة والكسائي بكسر الباء من غير ألف ولا همزة، والباقون بفتح الباء وبألف وهمزة بعدها) .","vol":"4","page":185},{"text":"أضللت أباك ونسبته إلى الكفر وأنت بتنصيرهم أولى فقال: خفت عذاب الله، فقال:\nأعطني شيئا وأنا أتحمّل عنك العذاب فأعطاه شيئا قليلا فتعاسر وأكدى، وكتب له كتابا وأشهد له على نفسه أنه يتحمّل عنه العذاب فنزلت أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3447>[سورة النجم (٥٣): آية ٣٤]</span>\nوَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤)\nأي عاسره، وعن ابن عباس «أكدى» منع، وقال مجاهد: قطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3448>[سورة النجم (٥٣): آية ٣٥]</span>\nأَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥)\nأي أعلم أن هذا يتحمّل عنه العذاب، كما قال ويرى بمعنى يعلم حكاه سيبويه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3449>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nأَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)\nأَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ أنه لا يعذّب أحد من أحد. وروى عكرمة عن ابن عباس وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى «١» قال: كان قبل إبراهيم ﵇ فيؤخذ موضع رفع أي ذلك أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، والتقدير عند مجاهد: وفّى بما افترض عليه. قال محمد بن كعب: وفّى بذبح ابنه. وأولى ما قيل في معنى الآية بالصواب ما دلّ عليه عمومها أي وفّى بكل ما افترض عليه بشرائع الإسلام، ووفّى في العربية للتكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3450>[سورة النجم (٥٣): آية ٣٨]</span>\nأَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨)\n«أن» في موضع نصب على البدل من «ما»، ويجوز أن يكون في موضع رفع أي ذلك أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى والتقدير عند سيبويه أنه لا تزر وازرة. يقال: وزر يزر حمل الوزر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3451>[سورة النجم (٥٣): آية ٣٩]</span>\nوَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩)\nبمعنى وأنه أيضا أي يجازى إنسان إلا بما عمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3452>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٠]</span>\nوَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠)\nأن يظهر الناس يوم القيامة على ما عمله من خير أو شرّ لأنه يجازى عليه. قال أبو إسحاق: ويجوز وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) قال: وهذا عند الكوفيين لا يجوز منعوا أنّ زيدا ضربت، واعتلوا في ذلك بأنه خطأ لأنه لا يعمل في زيد عاملان وهما «أنّ»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٦٤ (قرأ الجمهور وفّى بتشديد الفاء، وقرأ أبو أمامة الباهلي وسعيد بن جبير وأبو مالك الغفاري وابن السميفع وزيد بن علي بتخفيفها) .","vol":"4","page":186},{"text":"و«ضربت» وأجاز ذلك الخليل وسيبويه وأصحابهما ومحمد بن يزيد. قال أبو جعفر:\nوسمعت علي بن سليمان يقول: سألت محمد بن يزيد فقلت له: أنت لا تجيز زيد ضربت وتخالف سيبويه فيه فكيف أجزت أنّ زيدا ضربت «وأنّ» تدخل على المبتدأ، فقال: هذا مخالف لذاك لأن «إنّ» لمّا دخلت اضطررت إلى إضمار الهاء لأن في الكلام عاملين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3453>[سورة النجم (٥٣): آية ٤١]</span>\nثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)\nثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ مصدر، والهاء كناية عن السعي الأوفى لأن الله ﷿ أوفى لهم بما وعد وأوعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3454>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٢]</span>\nوَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢)\nفي موضع نصب اسم «أنّ» ألّا أنه مقصور لا يتبيّن فيه الإعراب، والمعنى: وأنّ إلى ربّك انتهاء جميع خلقه ومصيرهم فيجازيهم بأعمالهم الحسنة والسيّئة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3455>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٣]</span>\nوَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣)\n«هو» زائدة للتوكيد، ويجوز أن تكون صفة للهاء. فأما معنى أضحك وأبكى فقيل فيه: أضحك أهل الجنة بدخولهم الجنّة وأبكى أهل النار بدخولهم النار، وقيل:\nأضحك من شاء من الدنيا بأن سرّه وأبكى من شاء بأن غمّه والآية عامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3456>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٤]</span>\nوَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤)\nأي أمات من مات وأحيا من حيي بأن جعل فيه الروح بعد أن كان نطفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3457>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٥]</span>\nوَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥)\nكلّ واحد منهما زوج لصاحبه، والذكر والأنثى بدل من الزوجين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3458>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٦]</span>\nمِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦)\nأي إذا أمناها الرجل والمرأة. وقيل: هو من منى الله عليه الشيء إذا قدّره له.\nفالأول من «أمنى»، وهذا من «منى» ويفعل في الثلاثي والرباعي واحد، لأن الرباعي يحذف منه حرف فتقول هو يكرم والأصل يؤكرم فحذفت الهمزة اتباعا لقولك: أنا أكرم وحذفت من أكرم لأنه لا يجتمع همزتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3459>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٧]</span>\nوَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧)\nأي عليه أن ينشئ الزوجين بعد الموت.","vol":"4","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3460>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٨]</span>\nوَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أقنى أرضى، وقال ابن زيد: أغنى بعض خلقه وأفقر بعضهم. قال أبو جعفر: يقال: أقنيت الشيء أي اتخذته عندي وجعلته مقيما فأقنى جعل له مالا مقيما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3461>[سورة النجم (٥٣): آية ٤٩]</span>\nوَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩)\nقال مجاهد: هي الشّعرى التي خلف الجوزاء، وقال غيره: هما شعريان فالتي عبرت هي الشّعرى العبور الخارجة عن المجرة التي عبدها أبو كبشة في الجاهلية، وقال: رأيتها قد عبرت عن المنازل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3462>[سورة النجم (٥٣): آية ٥٠]</span>\nوَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى (٥٠)\nقراءة الكوفيين وبعض المكيين، وهي القراءة البيّنة في العربية حرّك التنوين لالتقاء الساكنين. وقراءة أبي عمرو وأهل المدينة وأنه أهلك عدا الولي «١» بإدغام التنوين في اللام. وتكلّم النحويون في هذا فقال محمد بن يزيد: هو لحن وقال غيره: لا يخلو من إحدى جهتين أن يصرف عادا فيقول: عادا الأولى، أو يمنعه الصرف يجعله اسما للقبيلة فيقول عاد الأولى. فأما عادا الأولى فمتوسط، فأما الاحتجاج بقراءة أهل المدينة وأبي عمرو فنذكره عن أبي إسحاق، قال: فيه ثلاثة لغات يقال: الأولى بتحقيق الهمزة ثم تخفّف الهمزة فتلقى حركتها على اللام فتقول: «الولي» ولا تحذف ألف الوصل لأنها تثبت مع ألف الاستفهام نحو آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس: ٥٩] فخالفت ألفات الوصل فلم تحذف أيضا هاهنا. واللغة الثالثة أن يقال: «لولى» فتحذف ألف الوصل لأنها إنما اجتلبت لسكون اللام فلما تحركت اللام حذفت فعلى هذا قراءته عادا الولي أدغم التنوين في اللام. قال: وسمعت محمد بن الوليد يقول: لا يجوز إدغام التنوين في هذه اللام لأن هذه اللام أصلها السكون والتنوين ساكن فكأنه جمع بين ساكنين قال: وسمعته يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: ما علمت أن أبا عمرو بن العلاء لحن في صميم العربية في شيء من القرآن إلّا في يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [ال عمران:\n٧٥] وفي وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى قال: وأبى هذا أبو إسحاق واحتجّ بما قدّمنا. فأما الأولى فيقال: لا يكون أولى إلّا وثمّ أخرى فهل كان ثمّ عاد آخرة؟ فتكلّم في هذا جماعة من العلماء. فمن أحسن ما قيل فيه ما ذكره محمد بن إسحاق قال: عاد الأولى عاد بن إرم بن عوض بن سام بن نوح ﷺ، وعاد الثانية بنو لقيم بن هزّال بن هزيل\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦١٥، والبحر المحيط ٨/ ١٦٦.","vol":"4","page":188},{"text":"من ولد عاد الأكبر وكانوا بمكة في وقت أهلكت عاد الأولى مع بني عملاق. قال أبو إسحاق: فبقوا بعد عاد الأولى حتّى بغى بعضهم على بعض وقتل بعضهم بعضا. قال:\nوسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: عاد الآخرة ثمود، واستشهد على ذلك بقول زهير: [الطويل] ٤٤٠-\nكأحمر عاد ثمّ ترضع فتفطم\n«١» يريد عاقر الناقة، وجواب ثالث أنه قد يكون شيء له أول ولا أخر له من ذلك نعيم أهل الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3463>[سورة النجم (٥٣): آية ٥١]</span>\nوَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١)\nقال بعض العلماء: أي فلم يبقهم على كفرهم وعصيانهم حتّى أفناهم وأهلكم وهذا القول خطأ لأن الفاء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها فلا يجوز أن تنصب ثمودا بأبقى، وأيضا فإن بعد الفاء «ما» وأكثر النحويين لا يجيز أن يعمل ما بعد ما فيما قبلها، والصواب أن ثمودا منصوب على العطف على عاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3464>[سورة النجم (٥٣): آية ٥٢]</span>\nوَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢)\nوَقَوْمَ نُوحٍ عطف أيضا. مِنْ قَبْلُ أي من قبل هؤلاء. إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى أي أظلم لأنفسهم من هؤلاء وأطغى وأشدّ تجاوزا للظلم وقد بين ذلك قتادة وقال: كان الرجل منهم يمشي بابنه إلى نوح ﵇ فيقول: يا بنيّ لا تقبل من هذا، فإنّ أبي مشى بي إليه وأوصاني بما أوصيتك به فوصفهم الله جلّ وعزّ بالظلم والطغيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3465>[سورة النجم (٥٣): آية ٥٣]</span>\nوَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣)\nوَالْمُؤْتَفِكَةَ منصوبة بأهوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3466>[سورة النجم (٥٣): آية ٥٤]</span>\nفَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤)\nالفائدة هي هذا معنى التعظيم أي ما غشّى مما قد ذكر لكم. قال قتادة: غشّاها الصخور أي بعد ما رفعها وقلبها.\n_________\n(١) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٢٠، ولسان العرب (سكف)، و(شأم)، وجمهرة اللغة (١٣٢٨)، وأساس البلاغة (شأم)، وتاج العروس (كشف)، و(شأم)، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ١١/ ٤٣٦، وصدره:\n«فتنتج لكم غلمان أشأم كلّهم»","vol":"4","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3467>[سورة النجم (٥٣): آية ٥٥]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥)\nأي قل يا محمد لمن يشك ويجادل بأيّ نعم ربّك تمتري أي تشكّ، وواحد الالاء إلى، ويقال: ألى وإلي وأليّ، أربع لغات قال قتادة: أي فبأي نعم ربك تتمارى المعنى يا أيها الإنسان فبأيّ نعم ربّك تتشكّك لأن المريّة الشكّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3468>[سورة النجم (٥٣): آية ٥٦]</span>\nهذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦)\nهذا نَذِيرٌ مبتدأ وخبره. ومذهب قتادة أن المعنى هذا محمد نذير، وشرحه أنّ المعنى: هذا محمد من المنذرين أي منهم في الجنس والصدق والمشاكلة وإذا كان مثلهم فهو منهم. ومذهب أبي مالك أن المعنى: هذا الذي أنذرتكم به من هلاك الأمم نذير. مِنَ النُّذُرِ الْأُولى قال أبو جعفر: وهذا أولى بنسق الآية لأن قبله أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [الآية: ٣] فالتقدير هذا الذي أنذرتكم به من النذر المتقدّمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3469>[سورة النجم (٥٣): آية ٥٧]</span>\nأَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: «الآزفة» من أسماء القيامة. قال: يقال أزف الشيء إذا قرب، كما قال: [الكامل] ٤٤١-\nأزف التّرحّل غير أنّ ركابنا ... لمّا نزل برحالنا وكأن قد\n«١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3470>[سورة النجم (٥٣): آية ٥٨]</span>\nلَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨)\nقيل: معنى «كاشفة» المصدر أي كشفت مثل لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ [الواقعة: ٢] وقال أبو إسحاق: «كاشفة» من يتبيّن متى هي، وقيل «كاشفة» من يكشف ما فيها من الجهد أي لوقعتها كاشف إلّا الله ﷿ ولا يكشفه إلّا عن المؤمنين، وتكون الهاء للمبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3471>[سورة النجم (٥٣): آية ٥٩]</span>\nأَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩)\nأي من أن أوحى إلى محمد ﷺ تعجبون.\n_________\n(١) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٨٩، والأزهيّة ٢١١، والأغاني ١١/ ٨، والجنى الداني ١٤٦، وخزانة الأدب ٧/ ١٩٧، والدرر اللوامع ٢/ ٢٠٢، وشرح التصريح ١/ ٣٦، وشرح شواهد المغني ٤٩٠، وشرح المفصل ٨/ ١٤٨، ولسان العرب (قدد)، ومغني اللبيب ١٧١، والمقاصد النحوية ١/ ٨٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٥٦، وأمالي ابن الحاجب ١/ ٤٥٥، وخزانة الأدب ٩/ ٨، ورصف المباني ٧٢، وسرّ صناعة الإعراب ٣٣٤، وشرح الأشموني ١/ ١٢، وشرح ابن عقيل ١٨، وشرح قطر الندى ١٦٠، وشرح المفصّل ١٠/ ١١٠، ومغني اللبيب ٣٤٢، والمقتضب ١/ ٤٢، وهمع الهوامع ١/ ١٤٣.","vol":"4","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3472>[سورة النجم (٥٣): آية ٦٠]</span>\nوَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠)\nوَتَضْحَكُونَ استهزاء. وَلا لما فيه من الوعيد وذكر العقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3473>[سورة النجم (٥٣): آية ٦١]</span>\nوَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١)\nأي لاهون معرضون عن آياته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3474>[سورة النجم (٥٣): آية ٦٢]</span>\nفَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)\nقال أبو إسحاق: المعنى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ ولا تسجدوا للات والعزّى ومناة وَاعْبُدُوا أي واعبدوا الله جلّ وعزّ وحده.","vol":"4","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3475>٥٤ شرح إعراب سورة القمر</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3476>[سورة القمر (٥٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)\nاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ كسرت التاء لالتقاء الساكنين، ووجب أن تكون التاء ساكنة لأنها حرف جاء لمعنى، هذا قول البصريين. فأما قول الكوفيين فإنه لما كانت التاءات أربعا فضمّت تاء المخاطب وفتحت تاء المخاطب المذكّر وكسرت تاء المخاطبة المؤنثة فلم تبق حركة فسكّنت تاء المؤنثة الغائبة. والمعنى: اقتربت الساعة التي تقوم فيها القيامة فاحذروا منها لئلا تأتيكم فجأة وأنتم مقيمون على المعاصي وَانْشَقَّ الْقَمَرُ معطوف على اقتربت معناه المضيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3477>[سورة القمر (٥٤): آية ٢]</span>\nوَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)\nوَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا شرط وجوابه. والمعنى أنّهم سألوا آية فأروا القمر منشقّا فرأوا آية تدل على حقيقة أمر النبيّ ﷺ، وأن ما جاء به صدق فأعرضوا عن التصديق وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ على إضمار مبتدأ أي هذا سحر مستمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3478>[سورة القمر (٥٤): آية ٣]</span>\nوَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)\nوَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ أي كذّبوا بحقيقة ما رأوه وتيقّنوه واثروا اتباع أهوائهم في عبادة الأوثان وترك ما أمرهم الله به أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ مبتدأ وخبر. والمعنى: وكلّ أمر من خير أو شرّ مستقرّ قراره ومتناه منتهاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3479>[سورة القمر (٥٤): آية ٤]</span>\nوَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)\nأي ولقد جاء هؤلاء المشركين من أخبار الأمم الذين فعلوا كفعلهم فأهلكوا ما فيه منتهى عمّا هم عليه، كما قال مجاهد: مزدجر منتهى. والأصل عند سيبويه «١» مزتجر\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٦٠٠.","vol":"4","page":192},{"text":"بالتاء إلّا أن التاء مهموسة والزاي مجهورة فثقل الجمع بينهما فأبدل من التاء ما هو من مخرجها وهو الدال. قال أبو جعفر: وهذا من أوجز قوله ولطيفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3480>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nحِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)\nحِكْمَةٌ بدل من «ما» والتقدير ولقد جاءهم حكمة بالِغَةٌ أي ليس فيها تقصير، ويجوز أن تكون حكمة مرفوعة على إضمار مبتدأ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ويجوز أن تكون «ما» في موضع نصب بتغني. والتقدير: فأيّ شيء تغني النذر عمّن اتّبع هواه وخالف الحقّ، ويجوز أن تكون ما نافية لا موضع لها. وزعم قوم أن الياء حذفت من تغن في السواد لأن «ما» جعلت بمنزلة «لم» . قال أبو جعفر: هذا خطأ قبيح لأن «ما» ليست من حروف الجزم، وهي تقع على الأسماء والأفعال فمحال أن تجزم ومعناهما أيضا مختلف: لأنّ «لم» تجعل المستقبل ماضيا و«ما» تنفي الحال. فأما حذف الياء من «تغن» في السواد فإنه على اللفظ في الإدراج ومثله يوم يدع الداعي إلى شيء نكر «١» تكتب بغير واو على اللفظ في الإدراج. فأما الداعي إذا حذفت منه الياء فالقول فيه أنه بني على نكرته. فأما البيّن فأن يكون هذا كله مكتوبا بغير حذف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3481>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nخُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)\nخُشَّعًا «٢» منصوب على الحال. أَبْصارُهُمْ مرفوع بفعله هذه قراءة أهل الحرمين، وقرأ أهل الكوفة وأهل البصرة خاشعا أبصارهم وعن ابن مسعود خاشعة أبصارهم فمن قال خاشعا وحّد، لأنه بمنزلة الفعل المتقدم، ومن قال: خاشعة أنّث كتأنيث الجماعة، ومن قال خشّعا جمع لأنه جمع مكسّر فقد خالف الفعل، ولو كان في غير القرآن جاز الرفع على التقديم والتأخير. يَخْرُجُونَ في موضع نصب على الحال أيضا مِنَ الْأَجْداثِ واحدها جدث، ويقال: جدف للقبر، مثل فوم وثوم كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ في موضع نصب على الحال وكذا قوله: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3482>[سورة القمر (٥٤): آية ٩]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ على تأنيث الجماعة. فَكَذَّبُوا عَبْدَنا يعني نوحا. وَقالُوا مَجْنُونٌ على إضمار مبتدأ وَازْدُجِرَ أي زجر وتهدّد بقولهم: لئن لم تنته لنرجمنّك «٣» .\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٦ (قرأ ابن كثير «نكر» بإسكان الكاف والباقون بضمّها) ...\n(٢) انظر القراءات المختلفة في البحر المحيط ٨/ ١٧٣، وتيسير الداني ١٦٧، ومعاني الفراء ٣/ ١٠٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦١٨. [.....]\n(٣) يشير إلى الآية ١١٦، من سورة الشعراء: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ.","vol":"4","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3483>[سورة القمر (٥٤): آية ١٠]</span>\nفَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)\nفَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ أي بأني قد غلبت وقهرت، وقرأ عيسى بن عمر فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ «١» بكسر الهمزة. قال سيبويه أي قال: إني مغلوب فَانْتَصِرْ أي لي بعقابك إياهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3484>[سورة القمر (٥٤): آية ١١]</span>\nفَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)\nفَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ التقدير: فنصرناه ففتحنا أبواب السماء: لأن ما ظهر من الكلام يدلّ على ما حذف. بِماءٍ مُنْهَمِرٍ أي مندفق. قال سفيان منهمر ينصبّ انصبابا، وقال الشاعر: [الرمل] ٤٤٢-\nراح تمريه الصّبا ثم انتحى ... فيه شؤبوب جنوب منهمر\n«٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3485>[سورة القمر (٥٤): آية ١٢]</span>\nوَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)\nوَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا جمع عين في العدد، وقراءة الكوفيين عُيُونًا بكسر العين، والأصل الضمّ فأبدل من الضمة كسرة استثقالا للجمع بين ضمة وياء فَالْتَقَى الْماءُ «٣» والتقى لا يكون إلّا الاثنين. المعنى: فالتقى ماء الأرض وماء السماء، وهما جميعا يقال لهما ماء لأنّ ماء اسم للجنس. قال أبو الحسن بن كيسان: الأصل في ماء ماه فأبدلوا من الهاء همزة فإذا جمعوا ردّوه إلى أصله فقالوا: أمواه ومياه، ومويه في التصغير عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ «٤» قيل:\nأي قدّره الله جلّ وعزّ في اللوح المحفوظ، وقيل: قدر ماء الأرض كماء السّماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3486>[سورة القمر (٥٤): آية ١٣]</span>\nوَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)\nوَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ أي على سفينة ذات ألواح وَدُسُرٍ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الدّسر المسامير، وكذا قال محمد بن كعب وقتادة وابن زيد، وقال الحسن: الدّسر صدر السفينة، وقال الضحاك: الدّسر طرف السفينة. قال: وأصل هذا من دسره يدسره ويدسره دسرا إذا شدّه ودفعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3487>[سورة القمر (٥٤): آية ١٤]</span>\nتَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤)\nتَجْرِي بِأَعْيُنِنا أي بمرأى منّا ومسمع، وقيل بأمرنا. وأعين جمع في القليل،\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ١٤٧، والبحر المحيط ٨/ ١٧٥.\n(٢) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص ١٤٥.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ١٧٥ (وقرأ علي والحسن ومحمد بن كعب والجحدري «الماءان»، وقرأ الحسن «الماوان») .\n(٤) انظر البحر المحيط ٨/ ١٧٦ (وقرأ أبو حيوة «قدّر» بشدّ الدال، والمجهور بتخفيفها) .","vol":"4","page":194},{"text":"ويقال: أعيان، مثل بيت وأبيات. جَزاءً مصدر. لِمَنْ كانَ كُفِرَ في معناه أقوال. قال ابن زيد: «من» بمعنى «ما»، وتقديره عنده للذي كفر من النعم وجحد. قال: وهذا يمنعه أهل العربية جميعا، ومذهب مجاهد. أن المعنى جزاء لله. قال أبو جعفر: وهذا قول حسن أي عاقبناهم وعرفناهم جزاء لله جلّ وعزّ حين كفروا به وجحدوا وحدانيته فقالوا لا تذرنّ الهتكم ولا تذرنّ ودّا ولا سواعا، وقيل: جزاء لمن كان كفر على لفظ «من»، ولو كان في غير القرآن لجاز على هذا القول كفروا على المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3488>[سورة القمر (٥٤): آية ١٥]</span>\nوَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)\nوَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً قيل: المعنى: ولقد تركنا هذه العقوبة لمن كفر وجحد الأنبياء ﷺ عظة وعبرة، ومذهب قتادة ولقد تركنا السفينة آية. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ هذه قراءة الجماعة وهي صحيحة عن النبيّ ﷺ كما رواه شعبة وغيره عن ابن إسحاق عن الأسود عن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ بالدال غير معجمة، وقال يعقوب القارئ: قرأ قتادة فهل من مذّكر «١» بالذال معجمة. قال أبو جعفر:\nمدّكر أولى لما ذكرنا من الاجتماع في العربية والأصل عند سيبويه «٢» مذتكر فاجتمعت الذال وهي مجهورة أصلية والتاء وهي مهموسة زائدة فأبدلوا من التاء حرفا مجهورا من مخرجها فصار مذدكر، فأدغمت الذال في الدال فصار مدّكر، ممن قال مذّكر أدغم الدال في الذال، وليس على هذا كلام العرب إنما يدغمون الأول في الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3489>[سورة القمر (٥٤): آية ١٦]</span>\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦)\nأي فكيف كان عقابي لمن كفر بي وعصاني وبإنذاري وتحذيري من الوقوع في مثل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3490>[سورة القمر (٥٤): آية ١٧]</span>\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ قال ابن زيد: أي بيّنا، وقال مجاهد: هوّنّا، وقيل:\nالتقدير: ولقد سهّلنا القرآن بتبييننا إياه وتفصيلنا لمن أراد أن يتذكّره فيعتبر به. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ يتذكّر ما فيه، وقيل هل من طالب خيرا أو علما فيعان عليه، فهذا قريب من الأول لأن الأول أبين على ظاهر الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3491>[سورة القمر (٥٤): آية ١٨]</span>\nكَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨)\nكَذَّبَتْ عادٌ قال أبو جعفر: في هذا حذف قد عرف معناه أي كذّبت عاد هودا\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٧٦.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٦٠١.","vol":"4","page":195},{"text":"كما كذّبت قريش محمدا ﷺ فليحذروا مثل ما نزل بهم فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ «فكيف» في موضع نصب على خبر كان إلّا أنها مبنية لأن فيها معنى الاستفهام وفتحت لالتقاء الساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3492>[سورة القمر (٥٤): آية ١٩]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)\nإِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا أهل التفسير يقولون: الصّرصر الباردة، وقال بعض أهل اللغة: إنما يقال لها صرصر إذا كان لها صوت شديد من قولهم صرّ الشيء إذا صوّت، والأصل صرر فأبدل من إحدى الراءات صاد. فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ قال بعض أهل التفسير: النحس الشديد، ولو كان كما قال لكان يوم منونا ولقيل: نحس ولم يضف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3493>[سورة القمر (٥٤): آية ٢٠]</span>\nتَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)\nتَنْزِعُ النَّاسَ قيل: تنزعهم من الحفر التي كانوا حفروها كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ النخل تذكّر وتؤنّث لغتان جاء بها القرآن وزعم محمد بن جرير «١» أنّ في الكلام حذفا، وأن المعنى تنزع النّاس فتتركهم كأعجاز نخل. قال: فتكون الكاف على هذا في موضع نصب بالفعل المحذوف، وهذا لا يحتاج إلى ما قاله من الحذف. والقول فيه ما قاله أبو إسحاق قال: هو في موضع نصب على الحال أي تنزع الناس أمثال نخل منقعر أي في هذه الحال. قال أبو جعفر: وهذا القول حقيقة الإعراب فإن كان على تساهل المعنى فالمعنى يؤول إلى ما قاله محمد بن جرير. وقد روى محمد بن إسحاق قال: لمّا هاجت الريح قام نفر سبعة من عاد فاصطفوا على باب الشّعب فسدّوا الريح عمّن في الشّعب من العيال، فأقبلت الريح تجيء من تحت واحد واحد ثم تقلعه فتقلبه على رأس فتدقّ عنقه حتّى أهلكت ستّة وبقي واحد يقال له: الخلجان فجاء إلى هود ﷺ، فقال:\nما هؤلاء الذين أراهم كالبخاتي «٢» تحت السحاب قال: هؤلاء الملائكة ﵈ قال: إن أسلمت فما لي قال: تسلم قال: أيقيدني ربّك من هؤلاء الذين في السحاب؟\nقال: ويلك هل رأيت ملكا يقيد من جنده؟ قال: لو فعل ما رضيت قال: فرجع إلى موضعه، وأنشأ يقول: [الراجز] ٤٤٣-\nلم يبق إلّا الخلجان نفسه ... يا شرّ يوم قد دهاني أمسه\n«٣» ثم لحقه ما لحق أصحابه فصاروا كما قال جلّ وعزّ: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ.\nوقال مجاهد في تشبيههم بأعجاز نخل منقعر: لأنه قد بانت أجسادهم من رؤوسهم\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري ٢٧/ ٩٩.\n(٢) البخاتي: جمع البختيّة، وهي جمال طوال الأعناق (تاج العروس «بخت») .\n(٣) الشاهد بلا نسبة في تفسير الطبري ٢٧/ ٩٩.","vol":"4","page":196},{"text":"فصاروا أجساما بلا رؤوس، وقال بعض أهل النظر: التشبيه للحفر التي كانوا فيها قياما صارت الحفر كأنها أعجاز نخل. قال أبو جعفر: وهذا القول قول خطأ، ولو كان كما قال كان كأنّها أو كأنّهن، وأيضا فإنّ الحفر لم يتقدّم لها ذكر فيكنى عنها. وأيضا فالتشبيه بالقوم أولى ولا سيما وهو قول من يحتجّ بقوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3494>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) أي فكيف كان عذابي إيّاهم على الكفر وإنذاري إيّاكم أن ينزل بكم ما نزل بهم. قال أبو إسحاق: نذر جمع نذير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3495>[سورة القمر (٥٤): آية ٢٣]</span>\nكَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣)\nكَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) لم يصرف ثمود: لأنه اسم للقبيلة ويجوز صرفه على أنه اسم للحيّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3496>[سورة القمر (٥٤): آية ٢٤]</span>\nفَقالُوا أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)\nفَقالُوا أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ نصبت بشرا بإضمار فعل والمعنى: أنتّبع بشرا منّا واحدا ونحن جماعة؟ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ أي في حيرة عن الطريق المستقيم وأخذ على العوج، ولا تعمل إذن إذا لم يكن الكلام معتمدا عليها. وَسُعُرٍ يكون جمع سعير، ويكون مصدرا من قولهم سعر الرجل إذا طاش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3497>[سورة القمر (٥٤): آية ٢٥]</span>\nأَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)\nأَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا استفهام فيه معنى التوقيف. بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ الكوفيون يقولون: «بل» لا تكون إلّا بعد نفي فيحملون مثل هذا على المعنى لأن معنى ألقي عليه الذكر لم يلق عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3498>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nسَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧)\nسَيَعْلَمُونَ غَدًا الأصل عند سيبويه غدو حذفت منه الواو. مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ مبتدأ وخبره في موضع نصب بسيعلمون، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة ستعلمون غدا «١» وأبو عبيد يميل إلى القراءة بالياء لأن بعده إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ ولم يقل: لكم. قال أبو جعفر: التقدير لمن قرأ بالياء قال الله جلّ وعزّ: سَيَعْلَمُونَ غَدًا، والقول يحذف كثيرا. والأصل إنّا مرسلون حذفت النون تخفيفا وأضيف فتنة\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٧، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦١٨، والبحر المحيط ٨/ ١٧٩.","vol":"4","page":197},{"text":"لهم. قال أبو إسحاق: فتنة مفعول له، وقال غيره: هو مصدر أي فتناهم بذلك وابتليناهم. وكان ابتلاؤهم في ذلك أنّ الناقة خرجت لهم من صخرة صماء ناقة عظيمة فآمن بعضهم وكانت لعظمها كثيرة الأكل فشكوا ذلك إلى صالح ﷺ فقالوا: قد أفنت الحشائش والأعشاب ومنعتنا من الماء، فقال: ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسّوها بسوء، ترد الماء يوما، وتردون يوما فكانت هذه الفتنة. فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ أي فاصبر على ارتقابك إيّاهم، والأصل واصتبر أبدل من التاء طاء لأن الطاء أشبه بالصاد لأنهما مطبقتان. قال أبو إسحاق: ينطبق الحنك على اللسان بهما، قال أيضا: وهما أيضا مطبقتان في الخطّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3499>[سورة القمر (٥٤): آية ٢٨]</span>\nوَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)\nوَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ أي ذو قسمة مثل قولك: رجل عدل. كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ مبتدأ وخبر. أي تحضر الناقة يوما وهم يوما، وغلّب المذكّر على المؤنّث فقيل بينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3500>[سورة القمر (٥٤): آية ٢٩]</span>\nفَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩)\nفَنادَوْا صاحِبَهُمْ وهم التسعة الذين انفردوا لعقر الناقة فنادى ثمانية منهم قدارا، فقالوا: هذه الناقة قد أقبلت فَتَعاطى فَعَقَرَ قيل: أي فتعاطى قتلها وحقيقته في اللغة فتناول الناقة فقتلها، من قولهم عطوت إذا تناولت، كما قال: [الطويل] ٤٤٤-\nوتعطو برخص غير شثن كأنّه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل\n«١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3501>[سورة القمر (٥٤): آية ٣٠]</span>\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠)\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي أي عقابي إيّاهم على عصيانهم أي فاحذروا المعاصي. وَنُذُرِ أي إنذاري إياكم أن ينزل بكم ما نزل بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3502>[سورة القمر (٥٤): آية ٣١]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)\nوهذا من التمثيل العجيب لأن الهشم ما يبس من الشجر وتهشّم فصار يحظر به بعد أن كان أخضر ناضرا أي صاروا بعد النعمة رفاتا، وبعد البهجة حطاما كهيئة الشجر. وروي عن ابن عباس «كهشيم المحتظر» أي كالعظام المحترقة. قال أبو جعفر:\nوحقيقة هذا القول في اللغة كهشيم قد حظر به وأحرق: وقال ابن زيد: هو الشوك\n_________\n(١) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ١٧، وجمهرة اللغة ٣٦٣، وشرح المفصّل ٦/ ٩٢، و٧/ ١٤٤، ولسان العرب (سرع) و(سحل) و(ششن)، و(ظبا)، والمنصف ٣/ ٥٨، وتاج العروس (سحل)، و(ششن)، و(ظبا) .","vol":"4","page":198},{"text":"تجعله العرب حوالى الغنم مخافة السبع. والتقدير في العربية كهشيم الرجل المحتظر، ومن قرأ كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ «١» فتقديره كهشيم الشيء الذي قد احتظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3503>[سورة القمر (٥٤): آية ٣٣]</span>\nكَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣)\nأي بالآيات التي أنذروا بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3504>[سورة القمر (٥٤): آية ٣٤]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)\nإِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا أي حجارة تحصبهم. إِلَّا آلَ لُوطٍ نصب على الاستثناء، وال الرجل كلّ من كان على دينه ومذهبه كما قال جلّ وعزّ لنوح ﷺ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: ٤٦] وهو ابنه وال بمعنى واحد، إلّا أن النحويين يقولون: الأصل في ال أهل، والدليل على ذلك أنّ العرب إذا صغّرت الا قالت: أهيل. نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ قال الفراء «٢»: سحر هاهنا يجري لأنه نكرة كقولك: نجّيناهم بليل. قال أبو جعفر: وهذا القول قول جميع النحويين لا نعلم فيه اختلافا إلّا أنه قال بعده شيئا يخالف فيه قال:\nفإذا ألقت العرب من سحر الباء لم يجروه فقالوا: فعلت هذا سمر يا هذا. قال أبو جعفر: وقول البصريين أنّ سحر إذا كان نكرة انصرف وإذا كان معرفة لم ينصرف، ودخول الباء وخروجها واحد. والعلّة فيه عند سيبويه «٣» أنه معدول عن الألف واللام لأنه يقال: أتيتك أعلى السّحر فلما حذفت الألف واللام وفيه نيتهما اعتلّ فلم ينصرف تقول: سير بزيد سحر يا هذا، غير مصروف. ولا يجوز رفعه لعلّة ليس هذا موضع ذكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3505>[سورة القمر (٥٤): آية ٣٥]</span>\nنِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)\nنِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا قال أبو إسحاق: نصبت نعمة لأنها مفعول لها، قال: ويجوز الرفع بمعنى تلك نعمة من عندنا. كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ الكاف في موضع نصب أي نجزي من شكر جزاء كذلك النجاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3506>[سورة القمر (٥٤): آية ٣٦]</span>\nوَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦)\nوَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا أي التي بطشنا بهم. فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ أي كذّبوا بها شكّا، كما قال قتادة في فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ أي لم يصدّقوا بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3507>[سورة القمر (٥٤): آية ٣٧]</span>\nوَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧)\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٨٠، ومعاني الفراء ٣/ ١٠٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٠٩. [.....]\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٣١٤.","vol":"4","page":199},{"text":"وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ «وضيف» بمعنى أضياف لأنه مصدر فلذلك لا تكاد العرب تثنيه ولا تجمعه، وحقيقته في العربية عن ذوي ضيفه. فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ يقال: طمس عينه وعلى عينه إذا فعل بها فعلا يصير بها مثل وجهه لا شقّ فيها ويقال طمست الريح الأعلام إذا سفت عليها التراب فغطّتها به، كما قال: [البسيط] ٤٤٥-\nمن كلّ نضّاخة الذّفرى إذا عرقت ... عارضها طامس الأعلام مجهول\n«١» فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ أي فقالت لهم الملائكة ﵉: فذوقوا عذاب الله وعقابه ما أنذركم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3508>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nوَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)\nقال سفيان: كان مع الفجر صرفت بكرة هاهنا لأنها نكرة، وزعم الفراء «٢» أن غدوة وبكرة يجريان ولا يجريان، وزعم أنّ الأكثر في غدوة ترك الصرف، وفي بكرة الصرف. قال أبو جعفر: قول البصريين أنهما لا ينصرفان في المعرفة وينصرفان في النكرة فإن زعم زاعم أنّ الأولى ما قال الفراء لأن بكرة هاهنا مصروف قيل له: هذا لا يلزم لأن بكرة هاهنا نكرة وكذا سحر، والدليل على ذلك أنه لم يقل: أهلكوا في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا بكرة فتكون معرفة فلما وجب أن تكون نكرة لم يكن فيها ذكر حجّة ولا سيما وفيه الهاء قيل: عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ أي يستقرّ عليهم حتّى أهلكهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3509>[سورة القمر (٥٤): آية ٤١]</span>\nوَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)\nأي أهل دينه والقائلين بقوله كما مرّ. «قد» إذا وقعت مع الماضي دلّت على التوقّع وإذا كانت مع المستقبل دلّت على التقليل نقول: قد يكرمنا فلان أي ذلك يقلّ منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3510>[سورة القمر (٥٤): آية ٤٢]</span>\nكَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)\nكَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها في معناه قولان: أحدهما أن المعنى: كذّبوا بآياتنا التي أريناهم إيّاها كلّها والآخر أنه على التكثير، كما حكى سيبويه ما بقي منهم مخبّر. فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ قال قتادة: عزيز في انتقامه، وقال لي غيره: عزيز لا يغلب مقتدر على ما يشاء.\n_________\n(١) الشاهد لكعب بن زهير في ديوانه ص ٩، ولسان العرب (نضخ)، و(عرض)، وتاج العروس (نضخ) و(عرض) .\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٠٩.","vol":"4","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3511>[سورة القمر (٥٤): آية ٤٣]</span>\nأَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣)\nأَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ مبتدأ وخبره قال: وهذا على التوقيف كما حكى سيبويه:\nالشّقاء أحبّ إليك أم السعادة؟ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ أي أكتب لكم أنكم لا تعذّبون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3512>[سورة القمر (٥٤): آية ٤٤]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)\nعلى اللفظ ولو كان على المعنى قيل: منتصرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3513>[سورة القمر (٥٤): آية ٤٥]</span>\nسَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)\nسَيُهْزَمُ الْجَمْعُ قال أهل التفسير: ذلك يوم بدر. وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ واحد بمعنى الجمع: كما يقال: كثر الدّرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3514>[سورة القمر (٥٤): آية ٤٦]</span>\nبَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)\nبَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ من قال: «بل» لا يكون إلا بعد نفي قال: المعنى: ليس الأمر كما يقولون إنهم لا يبعثون بل الساعة موعدهم. وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ أي من هزيمتهم وتولّيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3515>[سورة القمر (٥٤): آية ٤٧]</span>\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ أي ذهب عن الحق. وَسُعُرٍ أي نار تسعّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3516>[سورة القمر (٥٤): آية ٤٨]</span>\nيَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)\nيَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ وفي قراءة ابن مسعود إلى النار «١» وهذه القراءة على التفسير، كما روى أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه «يحضر المقتول بين يدي الله جلّ وعزّ فيقول له: فيم قتلت؟ فيقول: فيك، فيقول: كذبت أردت أن يقال: فلان شجاع فقد قيل: فيؤمر به فيسحب على وجهه إلى النار» «٢» . ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ أي يقال لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3517>[سورة القمر (٥٤): آية ٤٩]</span>\nإِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩)\n«٣» فدلّ بهذا على أنّهم يعذّبون على كفرهم بالقدر. وزعم سيبويه أن نصب «كلّ»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١١٠، والبحر المحيط ٨/ ١٨١.\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه- الزهد ٩/ ٢٢٥.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ١٨١ (قراءة الجمهور بالنصب، وقرأ أبو السمال وقوم من أهل السنة بالرفع) .","vol":"4","page":201},{"text":"على لغة من قال: زيدا ضربته. وفي نصبه قولان آخران: أما الكوفيون فقالوا: «إنّا» تطلب الفعل والفعل بها أولى من الاسم، والمعنى إنا خلقنا كلّ شيء، قالوا: وليس هذا مثل قولنا: زيدا ضربته: لأنه ليس هاهنا حرف هو بالفعل أولى. ألا ترى أنك تقول: أزيدا ضربته فيكون النصب أولى: لأن هاهنا حرف هو بالفعل أولى والقول الثالث أنه إنما جاز هذا بالنصب وخالف زيد ضربته ليدل ذلك على خلق الأشياء فيكون فيه ردّ على من أنكر خلق الأفعال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3518>[سورة القمر (٥٤): آية ٥٠]</span>\nوَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)\nوَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ مبتدأ وخبره. وقال علي بن سليمان: المعنى إلّا أمرة واحدة. وزعم الفراء: أنه روي وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ «١» بالنصب كما يقال: ما فلان إلّا ثيابه ودابّته أي إلّا يتعهّد ثيابه ودابته وكما حكى الكسائي: ما فلان إلّا عمّته أي يتعهّد عمّته. كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ أي في سرعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3519>[سورة القمر (٥٤): آية ٥١]</span>\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)\nفيه قولان: أحدهما أن أشياعهم هم الذين أهلكوا من قبلهم لأنهم كفروا كما كفروا فهل من متّعظ بذلك، وسمّوا أشياعهم لأنهم كذّبوا كما كذّبوا. والقول الآخر أن أشياعهم هم الذين كانوا يعاونونهم على عداوة النبيّ ﷺ والمؤمنين فأهلكوا فهل من متّعظ منكم بذلك. والقول الأول عليه أهل التأويل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3520>[سورة القمر (٥٤): آية ٥٢]</span>\nوَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)\nالهاء في فعلوه تعود على الأشياع في الزبر مكتوب عليهم قد كتبته الحفظة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3521>[سورة القمر (٥٤): آية ٥٣]</span>\nوَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)\nيقال: سطر واستطر إذا كتب سطرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3522>[سورة القمر (٥٤): آية ٥٤]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ أي الذين اتقوا عقاب الله جلّ وعزّ باجتناب محارمه وأداء فرائضه فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ قال أبو إسحاق: «نهر» بمعنى أنهار. قال أبو جعفر: وأنشد الخليل وسيبويه: [الرجز] ٤٤٦-\nفي حلقكم عظم وقد شجينا\n«٢»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١١١.\n(٢) الرجز بلا نسبة في الكتاب ١/ ٢٧٠، ولطفيل في جمهرة اللغة ص (١٠٤١)، والمحتسب ٢/ ٨٧، وللمسيب بن زيد مناة في شرح أبيات سيبويه ١/ ٢١٢، ولسان العرب (شجا)، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٧/ ٥٥٩، وشرح المفصّل ٦/ ٣٢، ولسان العرب (نهر) وسمع و(أمم) و(مأى) والمقتضب ٢/ ١٧٢. وقبله:\n«لا تنكروا لقتل وقد سبينا» .","vol":"4","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3523>[سورة القمر (٥٤): آية ٥٥]</span>\nفِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)\nفِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي في مجلس حقّ لا لغو فيها ولا باطل. عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ أي يقدر على ما يشاء.","vol":"4","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3524>٥٥ شرح إعراب سورة الرحمن</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3525>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)\nالرَّحْمنُ (١) رفع بالابتداء وخبره عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) أي من رحمته علّم القرآن فبصّر به رضاه الذي يقرّب منه وسخطه الذي يباعد منه ومن رحمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3526>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nخَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)\nفهو خبر بعد خبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3527>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٥]</span>\nالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥)\nالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مبتدأ، وقيل: الخبر محذوف أي يجريان بِحُسْبانٍ وقيل:\nالخبر بِحُسْبانٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3528>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٦]</span>\nوَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦)\nروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: النجم ما تبسّط على الأرض من الزرع يعني البقل ونحوه، قال: والشجر ما كان على ساق. قال أبو جعفر: وهذا أحسن ما قيل في معناه أي يسجد له كل شيء أي ينقاد لله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3529>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧]</span>\nوَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧)\nوَالسَّماءَ رَفَعَها نصبت بإضمار فعل يعطف ما عمل فيه لفعل على مثله وَوَضَعَ الْمِيزانَ قال الفراء «١»: أي العدل، وقال غيره: هو الميزان الذي يوزن به.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١١٣.","vol":"4","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3530>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nأَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩)\nأَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) «أن» في موضع نصب، والمعنى: بأن لا تطغوا، وتَطْغَوْا في موضع نصب بأن، ويجوز أن يكون «أن» بمعنى أي فلا يكون لها موضع من الإعراب، ويكون تطغوا في موضع جزم بالنهي. قال أبو جعفر: وهذا أولى لأن بعده وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وقرأ بلال بن أبي بردة وَلا تُخْسِرُوا «١» بفتح التاء. وهي لغة معروفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3531>[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٠]</span>\nوَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠)\nنصب الأرض بإضمار فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3532>[سورة الرحمن (٥٥): آية ١١]</span>\nفِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١)\nفِيها فاكِهَةٌ مبتدأ. وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ عطف عليه. الواحد كمّ وهو ما أحاط بها من ليف وسعف وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3533>[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٢]</span>\nوَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢)\nوَالْحَبُّ مرفوع على أنه عطف على فاكهة أي وفيها الحبّ. ذُو الْعَصْفِ نعت له. وَالرَّيْحانُ عطف أيضا. وقراءة الأعمش وحمزة والكسائي. ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ «٢» بالخفض بمعنى وذو الريحان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3534>[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٣]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: فبأيّ نعم ربّكما. قال أبو جعفر: فإن قيل: إنما تقدّم ذكر الإنسان فكيف وقعت المخاطبة لشيئين؟ ففي هذا غير جواب منها أن الأنام يدخل فيه الجنّ والإنس فخوطبوا على ذلك، وقيل: لمّا قال جلّ وعزّ:\nوَالْجَانَّ خَلَقْناهُ [الحجر: ٢٧] وقد تقدم ذكر الإنسان خوطب الجميع وأجاز الفراء «٣» .\nأن يكون على مخاطبة الواحد بفعل الاثنين، وحكى ذلك عن العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3535>[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٤]</span>\nخَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الصّلصال الطين اليابس. فالمعنى على هذا خلق الإنسان من طين يابس يصوّت كما يصوّت الطين الذين قد مسّته النار. وهو الفخار. وقيل: الصلصال المنتن فعلان، من صلّ اللحم إذا أنتن، ويقال أصلّ.\n_________\n(١) انظر مختصر ابن خالويه ١٤٩، والبحر المحيط ٨/ ١٨٨، وهذه قراءة زيد بن علي أيضا.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ١٨٩، وهذه قراءة حمزة والكسائي والأصمعي عن أبي عمرو.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ١١٤.","vol":"4","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3536>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nوَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦)\nقيل: المارج مشتقّ من مرج الشيء إذا اختلط، والمارج من بين أصفر وأخضر وأحمر، وكذا لسان النار. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ قال: هو من خالص النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3537>[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٧]</span>\nرَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)\nرفع على إضمار مبتدأ يجوز أن يكون بدلا من المضمر الذي في «خلق»، ويجوز الخفض «١» بمعنى: فبأيّ آلاء ربّكما ربّ المشرقين وربّ المغربين، ويجوز النصب بمعنى أعني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3538>[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٨]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨)\nليس بتكرير لأنه إنما أتى بعد نعم أخرى سوى التي تقدّمت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3539>[سورة الرحمن (٥٥): آية ١٩]</span>\nمَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩)\nروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: مرج أرسل. واختلف العلماء في معنى البحرين هاهنا فقال الحسن وقتادة: هما بحر الروم وبحر فارس، وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: هما بحر السماء وبحر الأرض، وكذا يروى عن ابن عباس إلّا أنه قال: يلتقيان كلّ عام. وقول سعيد بن جبير وابن أبزى يذهب إليه محمد بن جرير لعلّة أوجبت ذلك عنده نذكرها بعد هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3540>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nبَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١)\nقال بعض أهل التفسير: لا يبغيان على الناس، وقال بعضهم: لا يبغي أحدهما على الآخر. وظاهر الآية يدل على العموم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3541>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nيَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣)\nوقراءة يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة يَخْرُجُ «٢» والضمّ أبين لأنه إنما يخرج إذا أخرج. وتكلّم العلماء في معنى يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ فمذهب الفراء «٣» أنه إنما\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ١٨٩ (قرأ الجمهور بالرفع، وأبو حيوة وابن أبي عبلة بالخفض بدلا من «ربّكما») .\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ١٩٠ (قرأ الجمهور «الخرج» مبنيا للفاعل، ونافع وأبو عمرو وأهل المدينة مبنيا للمفعول، والجعفي عن أبي عمرو بالياء مضمومة وكسر الراء) . [.....]\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ١١٥.","vol":"4","page":206},{"text":"يخرج من أحدهما وجعله مجازا. وفي هذا من البعد ما لا خفاء به على ذي فهم أن يكون «منهما» من أحدهما. وقيل: يخرج إنما هو للمستقبل فيقول: إنه يخرج منهما بعد هذا. وقيل: يخرج منهما حقيقة لا مجازا لأنه إنما يخرج من المواضع التي يلتقي فيها الماء الملح والماء العذب. وقول رابع هو الذي اختاره محمد بن جرير وحمله على ذلك التفسير لما كان من تقوم الحجّة بقوله قد قال في قوله جلّ وعزّ: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ أنهما بحر السماء وبحر الأرض، وكان اللؤلؤ والمرجان إنما يوجد في الصّدف إذا وقع المطر عليه، ويدلّك على هذا الحديث عن ابن عباس قال: «إذا مطرت السماء فتحت الصدف أفواهها» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3542>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nوَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥)\nالجواري في موضع رفع، حذفت الضمة من الياء لثقلها، وحذفه الياء بعيد، ومن حذف الياء قال الكسرة تدلّ عليها، وقد كانت تحذف قبل دخول الألف واللام.\nوقراءة الكوفيين غير الكسائي وله الجواري المنشئات «١» يجعلونها فاعلة و«المنشأات» قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وهي أبين. فأما ما روي عن عاصم الجحدري أنه قرأ المنشيّات فغير محفوظ لأنه إن أبدل الهمزة قال: المنشيات وإن خفّفها جعلها بين الألف والهمزة فقال: المنشاءات وهذا المحفوظ من قراءته. كالأعلم في موضع نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3543>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٢٦]</span>\nكُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦)\nالضمير يعود على الأرض وضعها أي كلّ من على الأرض يفنى ويهلك.\nوالأصل: فاني استثقلت الحركة في الياء فسكّنت ثم حذفت لسكونها وسكون التنوين بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3544>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨)\nذُو من نعت وجه لأن المعنى ويبقى ربّك، كما تقول: هذا وجه الأرض.\nوفي قراءة ابن مسعود ويبقى وجه ربك ذي «٢» الجلال والإكرام من نعت ربّك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3545>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٢٩]</span>\nيَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)\nيَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مذهب قتادة وليس بنصّ قوله يفزع إليه أهل السموات\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٦٢٠، والبحر المحيط ٨/ ١٩١، وتيسير الداني ١٦٧ (قرأ حمزة وأبو بكر المنشئات بكسر الشين، والباقون بفتحها) .\n(٢) وهي قراءة أبيّ أيضا، انظر البحر المحيط ٨/ ١٩١.","vol":"4","page":207},{"text":"وأهل الأرض في حاجاتهم لا غناء بهم عنه. كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أي في شأنهم وصلاحهم وتدبير أمورهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3546>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nسَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢)\nفيه خمس قراءات «١» ذكر أبو عبيد منها اثنتين قد قرأ بكل واحدة منهما خمسة قراء وهما (سنفرغ) و(سيفرغ) فقرأ بالأولى أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو وعاصم، وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي (سيفرغ) ولم يذكر أبو عبيد طلحة، وقرأ عبد الرحمن الأعرج وقتادة (سنفرغ لكم) بفتح النون والراء. وقرأ عيسى بن عمر (سنفرغ) بكسر النون وفتح الراء، وذكر الفراء أنه يقرأ (سيفرغ) بضم الياء وفتح الراء. قال أبو جعفر: القراءتان الأوليان بمعنى واحد. وحكى أبو عبيد أن لغة أهل الحجاز وتهامة فرغ يفرغ وأنّ لغة أهل نجد فرغ يفرغ وأنه لا يعرف أحدا من القراء قرأ بها. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا من قرأ بها. فمن قال: فرغ يفرغ جاء به على الأصل لأن فيها حرفا من حروف الحلق وحروف الحلق الهمزة والعين والغين والحاء والخاء والهاء، وحروف الحلق يأتي منها فعل يفعل كثيرا نحو ذهب يذهب وصنع يصنع، ويأتي ما فيه لغتان نحو صبغ يصبغ ويصبغ ورعف يرعف ويرعف، ويأتي منهما ما لا يكاد يفتح نحو نحت ينحت وإنما يرجع في هذا إلى اللغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3547>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nيا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤)\nيا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نداء مضاف. إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا على مذهب الضّحاك أن المعنى «سنفرغ لكم أيّها الثقلان» فيقال لكم: يا معشر الجن والإنس وذكر أنّ هذا يوم القيامة تنزل ملائكة سبع السموات فيحيطون بأقطار الأرض فيأتي الملك الأعلى جلّ وعزّ. وقرأ الضحاك: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] ثم يؤتى بجهنّم فإذا راها الناس هربوا وقد اصطفّت الملائكة على أقطار الأرض سبعة صفوف. وقرأ الضحاك: يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ [غافر: ٣٢، ٣٣]، وقرأ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا، وروي عنه أنه قال: إن استطعتم أن تهربوا من الموت وروي عن ابن عباس أن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ\n_________\n(١) انظر القراآت المختلفة في البحر المحيط ٨/ ١٩٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٢٠، ومختصر ابن خالويه ١٤٩، وتيسير الداني ١٦٧، ومعاني الفراء ٣/ ١١٦.","vol":"4","page":208},{"text":"قال عكرمة: أي بحجة قال: وكل سلطان في القرآن فهو حجة، وقال قتادة:\nبسلطان أي بملكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3548>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣٥]</span>\nيُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥)\nيُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ هذه قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وأبي عمرو وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير وابن أبي إسحاق وهي مروية عن الحسن (شواظ) «١» بكسر الشين. والفراء يذهب إلى أنهما لغتان بمعنى واحد، كما يقال: صوار وصوار. (ونحاس) «٢» قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع والكوفيين بالرفع، وقرأ ابن كثير وابن أبي إسحاق وأبو عمرو (ونحاس) «٣» بالخفض، وقرأ مجاهد (ونحاس) بكسر النون والسين، وقرأ مسلم بن جندب (ونحس) بغير ألف وبالرفع. قال أبو جعفر: الرفع في و«نحاس» أبين في العربية لأنه لا اشكال فيه يكون معطوفا على «شواظ»، وإن خفضت عطفته على نار، واحتجت إلى الاحتيال، وذلك أن أكثر أهل التفسير منهم ابن عباس يقولون: الشّواظ اللهب، والنحاس الدخان فإذا خفضت فالتقدير شواظ من نار ومن نحاس. والشواظ لا يكون من النحاس كما أن اللهب لا يكون من الدخان إلا على حيلة واعتذار والذي في ذلك من الحيلة، وهو قول أبي العباس محمد بن يزيد، أنه لمّا كان اللهب والدخان جميعا من النار كان كلّ واحد منهما مشتملا على الآخر، وأنشد للفرزدق: [الطويل] ٤٤٧-\nفبتّ أقدّ الزاد بيني وبينه ... على ضوء نار مرّة ودخان\n«٤» فعطف ودخان على نار، وليس للدخان ضوء لأن الضوء والدخان من النار وإن عطفت ودخان على ضوء لم تحتج إلى الاحتيال، وأنشد غيره في هذا بعينه: [الرجز] ٤٤٨-\nشراب ألبان وتمر وأقط\n«٥» وإنما الشروب الألبان ولكنّ الحلق يشتمل على هذه الأشياء، وقال أخر في مثله.\n[مجزوء الكامل] ٤٤٩-\nيا ليت زوجك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا\n«٦»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١١٧، والبحر المحيط ٨/ ١٩٣، وتيسير الداني ١٦٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ١٩٣.\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ١٤٩.\n(٤) الشاهد للفرزدق في ديوانه ٣٢٩، وفي الحماسة لابن الشجري ٢٠٨، والمقاصد النحوية ١/ ٤٦٢.\n(٥) الرجز بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٦١٣، ولسان العرب (زجج)، و(طفل)، والمقتضب ٢/ ٥١، والكامل للمبرد ٢٨٩.\n(٦) مرّ الشاهد رقم (١٢٢) .","vol":"4","page":209},{"text":"لأنهما محمولان وقد قال الحسن ومجاهد وقتادة في قوله جلّ وعزّ: وَنُحاسٌ قالوا يذاب النحاس فيصبّ على رؤوسهم. فَلا تَنْتَصِرانِ أي ممن عاقبكما بذلك ولا تستفيدان منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3549>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٣٦]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦)\nأي: فبأيّ نعم ربّكما الذي جعل الحكم واحدا في المنع من النقود، ولم يخصص بذلك أحدا دون أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3550>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nفَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨)\nفَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ وهو يوم القيامة. فَكانَتْ وَرْدَةً قال قتادة: هي اليوم خضراء ويوم القيامة حمراء، وزاد غيره وهي من حديد. كَالدِّهانِ أصح ما قيل فيه، وهو قول مجاهد والضحاك، أنه جمع دهن أي صافية ملساء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3551>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٩ الى ٤٢]</span>\nفَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢)\nفَيَوْمَئِذٍ جواب إذا. لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ قول ابن عباس لا يسألون سؤال اختبار، لأنّ الله جلّ وعزّ قد حفظ عليهم أعمالهم، وقول قتادة أنّهم يعرفون بسواد الوجوه وزرق الأعين، ويدلّ على هذا أن بعده يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ والسيما والسيمياء العلامة. فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ يكون بالنواصي في موضع رفع اسم لم يسمّ فاعله ويجوز أن يكون مضمرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3552>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٤٣]</span>\nهذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣)\nأي يقال لهم: هذه جهنم التي كانوا يكذبون بها في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3553>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٤٤]</span>\nيَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)\nيَطُوفُونَ بَيْنَها أي بين أطباقها. وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ حكى عبد الله بن وهب عن ابن زيد قال: الاني الحاضر. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ قال يقول: قد انتهى حرّه. قال أبو جعفر: وكذا هو في كلام العرب قال النابغة: [الوافر] ٤٥٠-\nوتخضب لحية غدرت وخانت ... بأحمر من نجيع الجوف ان\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3554>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٤٥]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥)\nأي: فبأيّ نعم ربكما التي أنعم بها عليكم فلم يعاقب منكم إلّا المجرمين،","vol":"4","page":210},{"text":"وجعل لهم سيمياء يعرفون بها حتّى لا يختلط بهم غيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3555>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٦ الى ٤٧]</span>\nوَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧)\nرفع بالابتداء وبإضمار فعل بمعنى تجب أو تستقرّ، والتقدير: ولمن خاف مقام ربّه فأدّى فرائضه واجتنب معاصيه خوف المقام الذي يقفه الله تعالى للحساب، ويبيّن هذا قوله: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [النازعات: ٤٠] ولا يقال لمن اقتحم على المعاصي: خائف، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ قال: وعد الله المؤمنين الذين أدّوا فرائضه الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3556>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩)\nنعت للجنتين، والجنة عند العرب البستان. قال أبو جعفر: واحد الأفنان فنن على قول من قال: هي الأغصان، ومن قال: هي الألوان ألوان الفاكهة فواحدها وعندهم فن والأول أولى بالصواب لأن أكثر ما يجمع فنّ فنون فيستغنى بجمعه الكثير، كما يقال: شسع وشسوع. ومنه أخذ فلان في فنون من الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3557>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nفِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١)\nأي في خلالهما نهران يجريان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3558>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nفِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣)\nأي من كل نوع من الفاكهة صنفان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3559>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nمُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥)\nنصب مُتَّكِئِينَ على الحال، والعالم فيه من غامض النحو. قال أبو جعفر: ولا أعلم أحدا من النحويين ذكره إلّا شيئا ذكره محمد بن جرير قال: هو محمول على المعنى أي: يتنعمون متكئين، وجعل ما قبله يدلّ على المحذوف. قال أبو جعفر:\nويجوز أن يكون بغير حذف، ويكون راجعا إلى قوله جلّ وعزّ: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ كما تقول: لفلان تجارة حاضرا، أي في هذه الحال. ومُتَّكِئِينَ على معنى «من» ولو كان على اللفظ لكان متّكئا. وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ في موضع رفع بالابتداء. دانٍ خبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3560>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nفِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧)\nفِيهِنَّ قال أبو جعفر: قد ذكرنا هذا الضمير وعلى من يعود. وفيه إشكال قد","vol":"4","page":211},{"text":"بيّناه والتقدير: فيهن حور. قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ، وقراءة طلحة لَمْ يَطْمِثْهُنَّ «١» وهما لغتان معروفتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3561>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nكَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩)\nأن في موضع خفض بالكاف، والكاف في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف «وهنّ» في موضع نصب اسم «أنّ»، وشددت لأنها بمنزلة حرفين في المذكّر، الْياقُوتُ خبر، وَالْمَرْجانُ عطل عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3562>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nهَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١)\nمبتدأ وخبره أي على جزاء من أحسن في الدنيا إلّا أن يحسن إليه في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3563>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nوَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣)\nفي معناه قولان: أحدهما ومن دونهما في الدرج. وهذا مذهب ابن عباس، وتأوّل أنّ هاتين الجنتين هما اللتان قال الله جلّ وعزّ فيهما: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧]، والقول الآخر ومن دونهما في الفضل وهذا مذهب ابن زيد، قال: وهم لأصحاب اليمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3564>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٤ الى ٦٥]</span>\nمُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥)\nقال أبو حاتم: ويجوز في الكلام مدهمّتان لأنه يقال: ادهمّ وادهامّ، ومدهامتان من نعت الجنتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3565>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nفِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ضَّاخَتانِ\nقال: فيّاضتان وقال الضحاك:\nممتلئتان، وقال سعيد بن جبير: نضّاختان بالماء والفاكهة، قال أبو جعفر: والمعروف في اللغة أنهما بالماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3566>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٨ الى ٦٩]</span>\nفِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩)\nفيها ثلاثة أقوال: منها أنه قيل: إنّ النخل والرمان ليسا من الفاكهة لخروجهما منها في هذه الآية، وقيل هما منها ولكن أعيد إشادة بذكرهما لفضلهما. وقيل: العرب تعيد الشيء بواو العطف اتّساعا لا لتفضيل، والقرآن نزل بلغتهم والدليل على ذلك أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الحج: ١٨] ثم قال جلّ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٧، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٢١، والبحر المحيط ٨/ ١٩٦.","vol":"4","page":212},{"text":"وعزّ: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وقال جلّ ثناؤه: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: ٢٣٨] قال أبو جعفر: وهذا بيّن لا لبس فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3567>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nفِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١)\nوحكى الفراء «١»: خيّرات وخيرات. فأما البصريون فقالوا: خيرة بمعنى خيّرة فخفّف، كما قيل: ميّت وميت «وفيهن» يعود على الأربع الأجنّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3568>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nحُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣)\nحُورٌ بدل وإن شئت كان نعتا. مَقْصُوراتٌ قال مجاهد: قصرن طرفهنّ وأنفسهنّ على أزواجهن فلا يردن غيرهم، وقال أبو العالية: «مقصورات» محبوسات، وقال الحسن: مقصورات محبوسات لا يطفن في الطرق. قال أبو جعفر: والصواب في هذا أن يقال: إن الله جل وعز وصفهنّ بأنهنّ مقصورات فعمّ فنعمّ كما عمّ جلّ وعزّ فيقول: قصرن طرفهنّ وأنفسهن على أزواجهن فلا يرين غيرهم وهن محبوسات في الخيام ومصونات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3569>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nلَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥)\nفدلّ بهذا على أن الجنّ يطئون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3570>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٦ الى ٧٧]</span>\nمُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧)\nمُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ فخضر جمع أخضر، ورفرف لفظه لفظ واحد، وقد نعت بجمع لأنه اسم للجمع كما قال: مررت برهط كرام وقوم لئام وكذا: هذه إبل حسان وغنم صغار. وَعَبْقَرِيٍّ مثله غير أنه يجوز أن يكون جمع عبقرية، وقد قرأ عاصم الجحدري متكئين على رفارف خضر وعباقريّ حسان «٢» وقد روى بعضهم هذه القراءة عن عاصم الجحدري عن أبي بكرة عن النبيّ ﷺ، وإسنادها ليس بالصحيح، وزعم أبو عبيد أنها لو صحّت لكانت وعباقريّ بغير إجراء، وزعم أنه هكذا يجب في العربية. قال أبو جعفر: وهذا غلط بين عند جميع النحويين لأنهم قد أجمعوا جميعا أنه يقال: رجل مدائني بالصرف، وإنما توهّم أنه جمع، وليس في كلام العرب جمع بعد ألفه أربعة أحرف لا اختلاف بينهم أنك لو جمعت عبقرا لقلت عباقر، ويجوز على بعد عباقير، ويجوز عباقرة. فأما عباقريّ في الجمع فمحال والعلّة في امتناع جواز عباقريّ أنه لا يخلو من أن يكون منسوبا إلى عبقر فيقال: عبقريّ أو يكون منسوبا إلى\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ١٩٨، ومختصر ابن خالويه ١٥.","vol":"4","page":213},{"text":"عباقر فيردّ إلى الواحد فيقال أيضا. عبقريّ كما شرط النحويون جميعا في النسب إلى الجمع أنك تنسب إلى واحدة فتقول في النسب إلى المساجد: مسجديّ وإلى العلوم علميّ وإلى الفرائض فرضيّ فإن قال قائل فما يمنع من أن يكون عباقرا اسم موضع ثم ينسب إليها كما يقال: معافريّ؟ قيل له: إن كتاب الله جلّ وعزّ لا يحمل على ما لا يعرف وتترك حجّة الإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3571>[سورة الرحمن (٥٥): آية ٧٨]</span>\nتَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)\nتَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ أي البركة في اسمه جلّ وعزّ والبركة في اللغة بقاء النعمة وثباتها.\nفحضهم بهذا على أن يكثروا ذكر اسمه جلّ وعزّ ودعاءه، وأن يذكروه بالإجلال والتعظيم له فقال: ذي الجلل والإكرام «١» أي الجليل الكريم وفي الحديث «ألظّوا بيا ذا الجلال والإكرام» «٢» .\n_________\n(١) قرأ ابن عامر (ذو الجلال) بالواو والباقون بالياء، انظر تيسير الداني ١٦٨، والبحر المحيط ٨/ ١٩٨. [.....]\n(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤)، وأحمد في المسند ٤/ ١٧٧، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٩٨، والطبراني في الكبير ٥/ ٦٠، والبخاري في التاريخ ٣/ ٢٨٠، وذكره السيوطي في الدرر ٦/ ١٥٣، والهيثمي في المجمع ١٠/ ١٥٨.","vol":"4","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3572>٥٦ شرح إعراب سورة الواقعة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3573>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١)\nإِذا في موضع نصب لأنها ظرف زمان، والعامل فيها وقعت لأنها تشبه حروف الشرط، وإنما يعمل فيها ما بعدها. وقد حكى سيبويه «١»: أن من العرب من يجزم بها، قال: وشبهها بحروف الشرط متمكن قوي، وذلك أنها تقلب الماضي إلى المستقبل وتحتاج إلى جواب غير أنه لا يجازى بها إلّا في الشعر. فأما مخالفتها حروف المجازاة فإن ما بعدها يكون محدّدا تقول: أجيئك إذا احمرّ البسر ولا يجوز هاهنا «أن» وكسرت التاء من «وقعت» لالتقاء الساكنين، لأنها حرف فحكمها أن تكون ساكنة، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الواقعة والطامّة والصاخّة «٢» ونحو ذلك من أسماء القيامة عظمها الله جلّ وعزّ وحذّرها عباده، وقال غيره: هي الصيحة وهي النفخة الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3574>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢]</span>\nلَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢)\nاسم ليس وذكّرت كاذبة عند أكثر النحويين لأنها بمعنى الكذب أي ليس لوقعتها كذب. قال الفرّاء «٣»: مثل عاقبة وعافية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3575>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣]</span>\nخافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣)\nخافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) على إضمار مبتدأ، والتقدير الواقعة خافضة رافعة، وقرأ اليزيدي خافِضَةٌ رافِعَةٌ «٤» بالنصب. وهذه القراءة شاذة متروكة من غير جهة منها أنّ\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٦٧.\n(٢) انظر الطبري ٢٧/ ٩٦، وزاد المسير ٨/ ١٣٠.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢١.\n(٤) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٠٣ (وهي قراءة زيد بن علي وعيسى وأبي حيوة وابن أبي عبلة وابن مقسم والزعفراني أيضا) .","vol":"4","page":215},{"text":"الجماعة الذين تقوم بهم الحجّة على خلافها، ومنها أنّ المعنى على الرفع في قول أهل التفسير والمحقّقين من أهل العربية. فأما أهل التفسير فإن ابن عباس قال: خفضت أناسا ورفعت آخرين فعلى هذا لا يجوز إلّا الرفع: لأن المعنى خفضت قوما كانوا أعزاء في الدنيا إلى النار ورفعت قوما كانوا أذلّاء في الدنيا إلى الجنة، فإذا نصب على الحال اقتضت الحال جواز أن يكون الأمر على غير ذلك كما أنك إذا قلت: جاء زيد مسرعا، فقد كان يجوز أن يجيء على خلاف هذه الحال، وقال عكرمة والضحّاك: خافِضَةٌ رافِعَةٌ خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى فصار الناس سواء. قال أبو جعفر: وأما أهل العربية فقد تكلّم منهم جماعة في النصب. فقال محمد بن يزيد:\nلا يجوز، وقال الفرّاء «١»: يجوز بمعنى إذا وقعت الواقعة وقعت خافضة رافعة فأضمر وقعت وهو عند غيره من النحويين بعيد قبيح، ولو قلت: إذا جئتك زائرا، تريد إذا جئتك جئتك زائرا. لم يجز هذا الإضمار لأنه لا يعرف معناه، وقد يتوهّم السامع أنه قد بقي من الكلام شيء. وأجاز أبو إسحاق النصب على أن يعمل في الحال «وقعت»، قد بيّنا فساده على أن كل من أجازه فإنه يحمله على الشذوذ فهذا يكفي في تركه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3576>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nإِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥)\nإِذا في موضع نصب. قال أبو إسحاق: المعنى إذا وقعت الواقعة في هذا الوقت، رَجًّا مصدر، وكذا وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا. (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3577>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦]</span>\nفَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦)\nهَباءً خبر كان. مُنْبَثًّا من نعته. وأصحّ ما قيل في معناه ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: الهباء المنبثّ رهج الدواب، وعن ابن عباس هو الغبار، وعنه هو الشرر الذي يطير من النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3578>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧]</span>\nوَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً (٧)\nعن ابن عباس قال: أصنافا ثلاثة. قال أبو إسحاق: يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أزواج واحدها زوج، كما يقال: زوج من الخفاف لأحد الخفّين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3579>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nفَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩)\nفَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ رفع الابتداء. ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مبتدأ وخبره في موضع خبر الأول، وقيل: التقدير ما هم فلذلك صلح أن يكون خبرا عن الأول لمّا عاد عليه ذكره وكذا الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ [القارعة: ١، ٢] يظهر الاسم على سبيل التعظيم\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢١.","vol":"4","page":216},{"text":"والتشديد. وهذا قول حسن لأن إعادة الاسم فيه معنى التعظيم، وكذا فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) قيل: إنما قيل لهم: أصحاب الميمنة لأنّهم أعطوا كتبهم بإيمانهم، وقيل: لأنهم أخذ بهم ذات اليمين. وهذه علامة في القيامة لمن نجا، وقيل:\nإن الجنة على يمين الناس يوم القيامة، وعلى هذا وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) لأن اليد اليسرى يقال لها الشّومى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3580>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)\nقال محمد بن سيرين: السابقون الذين صلّوا القبلتين، وأبو إسحاق يذهب إلى أنّ فيه تقديرين في العربية: أحدهما أن يكون السابقون الأول مرفوعا بالابتداء والثاني من صفته، وخبر الابتداء أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)، ويجوز عنده أن يكون السابقون الأول مرفوعا بالابتداء والسابقون خبره وتقديره والسابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله، قال: أولئك المقربون صفة. قال أبو جعفر: قوله: أولئك صفة غلط عندي لأن ما فيه الألف واللام لا يوصف بالمبهم. لا يجوز عند سيبويه: مررت بالرجل ذلك، ولا مررت بالرجل هذا، على النعت، والعلّة فيه أن المبهم أعرف مما فيه الألف واللام، وإنما ينعت الشيء عند الخليل وسيبويه بما هو دونه في التعريف، ولكن يكون أولئك المقربون بدلا أو خبرا بعد خبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3581>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٢]</span>\nفِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)\nمن صلة المقرّبين، أو خبر أخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3582>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٣]</span>\nثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣)\nقال أبو إسحاق: المعنى: هم ثلّة من الأولين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3583>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٤]</span>\nوَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)\nعطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3584>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٥]</span>\nعَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)\nعَلى سُرُرٍ من العرب من يقول: سرر لثقل الضمّة وتكرير الحرف وفي الراء أيضا تكرير. مَوْضُونَةٍ نعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3585>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٦]</span>\nمُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦)\nقال أبو إسحاق: هما منصوبان على الحال.","vol":"4","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3586>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٧]</span>\nيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)\nذكر الفرّاء «١» معناه على سنّ واحد لا يتغيّرون كأنه مشتقّ من الولادة إلّا أنه يقال:\nوليد بين الولادة بفتح الواو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3587>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٨]</span>\nبِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)\nبِأَكْوابٍ اجتزئ بالجمع القليل عن الكثير. وَأَبارِيقَ لم ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد. وَكَأْسٍ واحد يؤدي عن الجمع، وروى عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ قال: الخمر، وقال الضحّاك: كل كأس في القرآن فهي الخمر، وقال قتادة: من معين من خمر ترى بالعيون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3588>[سورة الواقعة (٥٦): آية ١٩]</span>\nلا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩)\nلا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ «٢» فنفى عن الخمر ما يلحق من آفاتها من السكر والصداع، وقيل: «يصدّعون عنها» يفرّقون عن قلّى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3589>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢٠]</span>\nوَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)\nأي يتخيّرونها وحذفت الهاء لطول الاسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3590>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢١]</span>\nوَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)\nأهل التفسير منهم من يقول: يخلق الله جلّ وعزّ لهم لحما على ما يشتهون من شواء أو طبيخ من جنس الطير، ومنهم من يقول: بل هو لحم طير على الحقيقة. وبهذا جاء الحديث عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ ﷺ قال: «ما هو إلّا أن تشتهي الطائر في الجنّة وهو يطير فيقع بين يديك مشويّا» «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3591>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nوَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)\nوَحُورٌ عِينٌ (٢٢) قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وشيبة ونافع، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وَحُورٌ عِينٌ «٤» بالخفض، وحكى سيبويه والفرّاء أنّ في قراءة أبيّ بن كعب وحورا عينا «٥» بالنصب، وزعم سيبويه «٦» أنّ الرفع محمول على\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢٢.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٨، والبحر المحيط ٨/ ٢٠٥ (قرأ الجمهور «ولا ينزفون» مبنيا للمفعول) .\n(٣) انظر تفسير القرطبي ١٧/ ٣٤.\n(٤) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٠٦، وتيسير الداني ١٦٨.\n(٥) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢٤.\n(٦) انظر الكتاب ١/ ٢٢٨.","vol":"4","page":218},{"text":"المعنى لأن المعنى فيها أكواب وأباريق وكأس من معين وفاكهة ولحم طير وحور أي ولهم حور عين وأنشد «١»: [الكامل]:\n٤٥١-\nبادت وغيّر ايهنّ مع البلى ... إلّا رواكد جمرهنّ هباء\nومشجّج أمّا سوعاء قذاله ... فبدا وغيّر ساره المعزاء\nفرفع ومشجّج على المعنى لأن المعنى بها رواكد وبها مشجّج. والقراءة بالرفع اختيار أبي عبيد لأن الحور لا يطاف بهن، واختار الفرّاء «٢» الخفض واحتج بأن الفاكهة واللحم أيضا لا يطاف بهما وإنما يطاف بالخمر. وهذا الاحتجاج لا ندري كيف هو إذ كان القراء قد أجمعوا على القراءة بالخفض في قوله جلّ وعزّ: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) فمن أين له أنه لا يطاف بهذه الأشياء التي ادّعى أنه لا يطاف بها؟ وإنما يسلّم في هذا لحجّة قاطعة أو خبر يجب التسليم له. واختلفوا في قوله جلّ وعزّ: وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كما ذكرت والخفض جائز على أن يحمل على المعنى لأن المعنى ينعمون بهذه الأشياء وينعمون بحور عين، وهذا جائز في العربية كثير. كما قال: [الكامل] ٤٥٢-\nعلفتها تبنا وماء باردا ... حتّى شتت همّالة عيناها\n«٣» فحملت على المعنى، وقال أخر: [مجزوء الكامل] ٤٥٣-\nيا ليت زوجك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا\n«٤» وقال أخر: [الوافر] ٤٥٤-\nإذا ما الغانيات برزن يوما ... وزجّجن الحواجب والعيونا\n«٥» والعيون لا تزجّج فحمله على المعنى. فأما «وحورا عينا» فهو أيضا محمول على المعنى لأن معنى الأول يعطون هذا ويعطون حورا، كما قال «٦»: [البسيط] ٤٥٥-\nجئني بمثل بني بدر لقومهم ... أو مثل أسرة منظور بن سيّار\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٣٦) .\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢٤. [.....]\n(٣) الشاهد لذي الرمة في ديوانه ٦٦٤، والخزانة ١/ ٤٩٩، وبلا نسبة في معاني الفراء ١/ ١٤، وديوان المفضليات ٢٤٨، واللسان (علف) .\n(٤) مرّ الشاهد رقم (١٢٢) .\n(٥) الشاهد للراعي النميري في ديوانه ٢٦٩، والدرر ٣/ ١٥٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٥، ولسان العرب (زجج)، والمقاصد النحوية ٣/ ٩١، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ٢١٢، والإنصاف ٢/ ٦١٠، وأوضح المسالك ٢/ ٤٣٢، وتذكرة النحاة ص ٦١٧، والخصائص ٢/ ٤٣٢، والدرر ٦/ ٨٠، وشرح الأشموني ١/ ٢٢٦، وشرح التصريح ١/ ٣٤٦، وشرح عمدة الحافظ ص ٦٣٥.\n(٦) مرّ الشاهد رقم (١٣٥) .","vol":"4","page":219},{"text":"أو عامر بن طفيل في مركّبه ... أو حارثا يوم نادى القوم يا حار\nقال الحسن البصري: الحور الشديدات سواد سواد العين. وهذا أحسن ما قيل في معناهن. والحور البياض، ومنه الحوّاريّ وروي عن مجاهد أنه قال: قيل حور لأن العين تحار فيهن، وقال الضحّاك: العين العظيمات الأعين. قال أبو جعفر: عين جمع عيناء وهو على فعل إلّا أن الفاء كسرت لئلا تنقلب الياء واوا فيشكل بذوات الواو، وقد حكى الفرّاء أن من العرب من يقول: حير عين على الإتباع.\nوروي عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله ﷿:\nكَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) قال: «كصفاء الدرّ الذي في الصّدف الذي لا تمسّه الأيدي» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3592>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢٤]</span>\nجَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)\nقال أبو إسحاق: نصبت جزاء لأنه مفعول له أي لجزاء أعمالهم. قال: ويجوز أن يكون مصدرا لأن معنى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) يجزيهم ذلك جزاء أعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3593>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢٥]</span>\nلا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (٢٥)\nاللّغو ما يلغى قيل: معناه لا يسمعون فيها صخبا ولا ضجرا ولا صياحا. فنفى الله ﷿ عن أهل الجنة كلّ ما يلحق الناس في الدنيا في نعيمهم من الضجر وفي كلّ ما يلحق في طعامهم وشرابهم من الآفات وكل ما يلحقهم من العناء والتعب وفي المأكول والمشروب في هذه السورة. وفي بعض الحديث «من داوم قراءة سورة الواقعة كلّ يوم لم يفتقر أبدا» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3594>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢٦]</span>\nإِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا (٢٦)\nقال أبو إسحاق: إِلَّا قِيلًا منصوب بيسمعون أي لا يسمعون إلّا قيلا، وقال غيره: هو منصوب على الاستثناء سَلامًا سَلامًا يكون نعتا لقيل أي إلّا قيلا يسلم فيه من الصياح والصخب وما يؤثم فيه، ويجوز أن يكون منصوبا على المصدر، ويجوز وجه ثالث وهو أن يكون منصوبا بقيل، ويكون معنى قيل أن يقولوا، وأجاز الكسائي والفرّاء الرفع في في سلام بمعنى: سلام عليكم، وأنشد الفرّاء: [الطويل] ٤٥٦-\nفقلنا السّلام فاتّقت من أميرها ... فما كان إلّا ومؤها بالحواجب\n«٣»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٠٦.\n(٢) انظر الترغيب والترهيب للمنذري ٢/ ٤٤٨.\n(٣) الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (ومأ) و(صفح) و(سلم)، والتنبيه والإيضاح ١/ ٣٤، والمخصّص ١٣/ ١٥٥، وتهذيب اللغة ١٥/ ٦٤٤، وتاج العروس (ومأ) و(صفح) .","vol":"4","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3595>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٢٧]</span>\nوَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧)\nوَأَصْحابُ الْيَمِينِ في معناه ثلاثة أقوال: منها أنه إنما قيل لهم أصحاب اليمين لأنهم أعطوا كتبهم بأيمانهم، ومنها أنه يؤخذ بهم يوم القيامة ذات اليمين وذلك أمارة من نجا، والقول الثالث أنّهم الذين أقسم الله جلّ وعزّ أن يدخلهم الجنة. ما أَصْحابُ الْيَمِينِ مبتدأ وخبره في موضع خبر الأول، وقول قتادة: إن المعنى: أيّ شيء هو وما أعدّ لهم من الخيرات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3596>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nفِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)\n«مخضود» أصحّ ما قيل فيه أنه خضد شوكه، وقيل: هو مخلوق كذا، والعرب تعرف الطّلح أنه الشجر كثير الشوك. قال أبو إسحاق يجوز أن يكون في الجنة وقد أزيل عنه الشوك. وأهل التفسير يقولون: إن الطلح الموز. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: يجوز أن يكون هذا مما لم ينقله أصحاب الغريب وأسماء النبت كثيرة حتّى إن أهل اللغة يقولون: ما يعاب على من صحّف في أسماء النبت لكثرتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3597>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nوَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)\nأي لا يتعب في استقائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3598>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nوَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)\nوَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ نعت. وجاز أن يفرق بين النعت والمنعوت بقولك لا لكثرة تصرّفها وأنها تقع زائدة. قال قتادة: في معنى وَلا مَمْنُوعَةٍ لا يمنع منها شوك ولا بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3599>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣٤]</span>\nوَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)\nأي عالية ومنه بناء رفيع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3600>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣٥]</span>\nإِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥)\nقال مجاهد: خلقن من زعفران. قال أبو إسحاق: إنشاء من غير ولادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3601>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣٦]</span>\nفَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦)\nمفعول ثان. وقال أبو عبيدة: في الضمير الذي في «أنشأناهنّ» أنّه يعود على «وحور عين»، وقال الأخفش سعيد: هو ضمير لم يجر له ذكر إلّا أنه قد عرف معناه.","vol":"4","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3602>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٣٧]</span>\nعُرُبًا أَتْرابًا (٣٧)\nعُرُبًا «١» جمع عروب، ولغة تميم ونجد عربا يحذفون الضمة لثقلها. أَتْرابًا جمع ترب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3603>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nلِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)\nالمعنى: إنّا أنشأناهنّ لأصحاب اليمين، وفي الحديث عن علي بن أبي طالب ﵁ وابن عمر رحمة الله عليهما أنّهما قالا: أصحاب اليمين أطفال المؤمنين.\nوقدّره الفرّاء «٢» بمعنى لأصحاب اليمين ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين، وقدّره غيره:\nالمعنى هم ثلّة من الأولين أي جماعة ممن تقدّم قبل مبعث النبيّ ﷺ وجماعة من أتباع النبيّ ﷺ. وقال صاحب هذا القول: إنما قيل في الأول ثلّة من الأولين وقليل من الآخرين، وفي الثاني ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين لأن الأول للسابقين إلى اتباع الأنبياء ﷺ والسابقون إلى اتّباعهم قبل النبيّ ﷺ أكثر من السابقين إلى اتباع النبيّ ﷺ.\nيدلّك على صحة هذا أن قوم يونس ﷺ آمنوا، وهم مائة ألف أو يزيدون، والسحرة اتّبعوا موسى ﷺ وهم يروى أكثر من هؤلاء فلهذا قيل: وقليل من الآخرين، والثلة الثانية لأصحاب اليمين وليست للسابقين، وأصحاب اليمين قد يدخل فيهم المسلمون إلى يوم القيامة هذا على هذا القول، وقد ذكرنا غيره. والله جلّ وعزّ أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3604>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤١]</span>\nوَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١)\nوَأَصْحابُ الشِّمالِ أي الّذين أعطوا كتبهم في شمالهم، وقيل: الذين أخذ بهم ذات الشمال. قال قتادة ما أَصْحابُ الشِّمالِ أي ماذا لهم وما أعدّ لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3605>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٢]</span>\nفِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢)\nأي في حسر النار وما يلحق من لهبها، وحكى ابن السكيت في جمع سموم سمام. وقال أبو جعفر: فهذا على حذف الزائد وهو الواو «وحميم» وهو ما يعذّبون به من الماء الحار يجرّعونه ويصبّ على رؤوسهم كما قال جلّ وعزّ: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: ٤٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3606>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٣]</span>\nوَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)\nينصرف في المعرفة والنكرة لأنه ليس في الأفعال يفعول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3607>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٤]</span>\nلا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤)\nلا بارِدٍ أي لا ظلّ له يستر. وَلا كَرِيمٍ لأنه مؤلم وخفضت. لا بارِدٍ على\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢٦.","vol":"4","page":222},{"text":"النعت ولم تفرق «لا» بين النعت والمنعوت لتصرّفها وَلا كَرِيمٍ عطف عليه، وأجاز النحويون الرفع على إضمار مبتدأ كما قال: [الكامل] ٤٥٧-\nوتريك وجها كالصّحيفة لا ... ظمآن مختلج ولا جهم\n«١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3608>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٥]</span>\nإِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)\nأي في الدنيا، روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: منعّمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3609>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٦]</span>\nوَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)\nوَكانُوا يُصِرُّونَ قال ابن زيد: لا يتوبون ولا يستغفرون. والإصرار في اللغة الإقامة على الشيء وترك الإقلاع عنه. عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ قال الفرّاء: يقول الشرك هو الحنث العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3610>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٧]</span>\nوَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)\nوَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ تعجّبوا من هذا فلذلك جاء بالاستفهام. قال أبو جعفر: من قال إذا متنا جاء بالهمزة الثانية بين بين فهي متحرّكة كما كانت قبل التخفيف. وهكذا قال محمد بن يزيد، وقال أحمد بن يحيى ثعلب: همزة بين بين لا متحرّكة ولا ساكنة. قال أبو جعفر: فأما كتابها فبالألف لا غير لأنها مبتدأة ثم دخلت عليها ألف الاستفهام. فإذا في موضع نصب على الظرف، ولا يجوز أن يعمل فيه لمبعوثون لأنه خبر «إنّ» فلا يعمل فيما قبله والعامل فيه متنا. ويقال: متنا على لغة من قال: مات يموت وهي فصيحة ومن قال: متنا فهو على لغة من قال: مات يمات مثل خاف يخاف، وقد قيل: هو على فعل يفعل جاء شاذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3611>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٤٨]</span>\nأَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)\nمعطوف على الموضع، ويجوز أن يكون معطوفا على المضمر المرفوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3612>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nقُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)\nحكى سيبويه «٢» عن العرب سماعا: ادخلوا الأول فالأول. وزعم أنه منصوب على الحال وفيه الألف واللام. وقال ابن كيسان: لا نعلم شيئا يصحّ في كلام\n_________\n(١) الشاهد للمخبّل السعدي في ديوانه ٣١٣، ولسان العرب (ظمأ) و(خلج)، وتاج العروس (ظمأ) و(خلج)، وأساس البلاغة (جهم)، والمفضليات ٢١٣، وبلا نسبة في المخصّص ١/ ٩١.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٤٦٦.","vol":"4","page":223},{"text":"العرب منصوبا على الحال وفيه الألف واللام إلّا هذا والعلة فيه أنه وقع فرقا بين معنيين لأنك إذا قلت: دخلوا أولا أولا فمعناه دخلوا متفرقين فإذا قلت: دخلوا الأول فالأول فمعناه أعرفهم الأول فالأول، وقال محمد بن يزيد: التعريف إنما وقع بعد فلذلك جيء بالألف واللام زائدتين كسائر الزوائد. وحكى سيبويه عن عيسى بن عمر: أدخلوا الأول فالأول يحمله على المعنى وقد خطأه سيبويه لأنه لا يجوز: ادخلوا الأول فالأول فالأول أي إنما يقال باللام، واحتج غيره لعيسى بن عمر: لأنه محمول على المعنى، كما روي عن أبيّ بن كعب أنه قرأ فبذلك فلتفرحوا [يونس: ٥٨]، وكان يجب أن ينطق في الأول بفعل لأنه بمنزلة الأفضل، ولكن يردّ ذلك لأن فاءه وعينه من موضع واحد، ولا يوجد في كلام العرب فعل هكذا، وهو في الأسماء قليل. قالوا: كوكب لمعظم الشيء، وقالوا للهو واللعب: ددا وددن ودد، وقالوا للسيف الكليل ددان لا يعرف في الدال غير هذه. وفي الحديث عن عمر ﵁ «حتّى يصير النّاس ببّانا واحدا» «١» أي شيئا واحدا «وبيّة» لقب. لا يعرف غير هذين في كلام العرب في الباء. أما قولهم في الطائر ببّغاء ولسبع ببر فأعجميان ولا يكاد يعرف ذلك في غير هذه الحروف إلا يسيرا إن جاء فقد قالوا لضرب من النبت آء ولا يعرف له نظير فلهذا لم يستعمل في أول فعل. وحكى سيبويه «٢» أنّ «أول» يجوز أن يصرف على أنه اسم غير نعت كما يقال: ما ترك أولا ولا اخرا. وحكي ترك الصرف على أنه نعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3613>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥١]</span>\nثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١)\nثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ أي الجائرون عن طريق الهدى. الْمُكَذِّبُونَ بالوعيد والبعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3614>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nلَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)\nلَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا على تأنيث الجماعة، ولو كان منه على تذكير الجميع لجاز. الْبُطُونَ جمع بطن وهو مذكر. فأما قول الشاعر: [الطويل] ٤٥٨-\nفإنّ كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر\n«٣» فمؤنث لتأنيث القبيلة محمول على المعنى، ولو ذكر على اللفظ لجاز.\n_________\n(١) انظر اللسان (بب) .\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٢١٧.\n(٣) الشاهد لرجل من بني كلاب في الكتاب ٤/ ٤٣، وللنواح الكلابي في الدرر ٦/ ١٩٦، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٨٤، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٠٥، وأمالي الزجاجي ١١٨، وخزانة الأدب ٧/ ٣٩٥، والخصائص ٢/ ٤١٧، وشرح الأشموني ٣/ ٦٢٠، وشرح عمدة الحافظ ٥٢٠، ولسان العرب (كلب) و(بطن)، والمقتضب ٢/ ١٤٨، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٩. [.....]","vol":"4","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3615>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٤]</span>\nفَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)\nعَلَيْهِ على الشجر على تذكير الجميع، ويجوز أن يكون على الجمع الأكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3616>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٥]</span>\nفَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)\nهذه قراءة أكثر القراء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ «١» بفتح الشين، وزعم أبو عبيد أنها لغة النبيّ ﷺ كلام هائل. فقال بعض العلماء: قوله لغة النبيّ ﷺ كلام هائل لا ينبغي لأحد أن يقوله إلّا بتيقّن والحديث الذي رواه أصحاب الحديث والناقلون له عن النبيّ ﷺ يقولون فيه: «إنّها أيام أكل وشرب» بضم الشين سواه، أو من قال منهم. ونظير هذا قوله لغة النبيّ ﷺ «الحرب خدعة» «٢» وقد سمع خدعة وخدعة. والقول في هذا على قول الخليل وسيبويه أن شربا بفتح الشين مصدر وشربا بضمها اسم للمصدر يستعمل هاهنا أكثر، ويستعمل شرب في جمع شارب، كما قال: [البسيط] ٤٥٩-\nفقلت للشّرب في درنا وقد ثملوا ... شيموا وكيف يشيم الشّارب الثّمل\n«٣» «والهيم» جمع هيماء وأهيم وهو على فعل كسرت الهاء لأنها لو ضمّت انقلبت الياء واوا. وقد أجاز الفرّاء «٤» أن يكون الهيم جمع هائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3617>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٦]</span>\nهذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)\nهذا نُزُلُهُمْ أي الذي ينزلهم الله إيّاه يوم القيامة وهو يوم الدّين الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3618>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٧]</span>\nنَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧)\nأي نحن خلقناكم ولم تكونوا شيئا فأوجدناكم بشرا فلولا تصدّقون من فعل ذلك أنه يحييكم ويبعثكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3619>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٨]</span>\nأَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨)\nأَفَرَأَيْتُمْ أي أيّها المكذبون بالبعث والمنكرون لقدرة الله جلّ وعزّ على إحيائهم.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٨، والبحر المحيط ٨/ ٢٠٩.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٦١)، وأبو داود في سننه (٢٦٣٦)، وأحمد في مسنده ١/ ٩٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٤٠، والهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٣٢٠.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (٣١٤) .\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢٨.","vol":"4","page":225},{"text":"ما تُمْنُونَ في أرحام النساء. قال الفرّاء: يقال أمنى ومنى وأمنى أكثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3620>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٥٩]</span>\nأَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩)\nأَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أي أنتم تخلقون ذلك المنيّ حتّى تصير فيه الروح أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3621>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٠]</span>\nنَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)\nنَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ «١» أي فمنكم قريب الأجل وبعيده كل ذلك بقدر. وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي في آجالكم وما يفتات علينا فيها بل هي على ما قدّرنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3622>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦١]</span>\nعَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١)\nعَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ\nأحسن ما قيل في معناه نحن قدّرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم أي نجيء بغيركم من جنسكم وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ\nأحسن ما قيل في معناه وننشئكم في غير هذه الصّور فينشئ الله جلّ وعزّ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاء وينشئ الكافرين والفاسقين في أقبح الصور وإن كانوا في الدنيا نبلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3623>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٢]</span>\nوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢)\nوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ «٢» أي علمتم أنّا أنشأناكم ولم تكونوا فهلا تذّكّرون فتعلمون أن الذي فعل ذلك لقادر على إحيائكم، والأصل تتذكّرون فأدغمت التاء في الذال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3624>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٣]</span>\nأَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣)\nتكون ما مصدرا أي حرثكم، ويجوز أن يكون بمعنى الذي أي أفرأيتم الحرث الذي تحرثون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3625>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٤]</span>\nأَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)\nمعنى تزرعونه تجعلون زرعا، ولهذا جاء الحديث عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ.\nقال: «لا تقل زرعت ولكن قل حرثت» ثمّ تلا أبو هريرة أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٨ (ابن كثير بتخفيف الدال والباقون بتشديدها) .\n(٢) انظر تيسير الداني ١٤٠.","vol":"4","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3626>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)\nلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا أي متهشّما لا ينتفع به. فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ اختلف العلماء في معناه، فقال الحسن وقتادة: تفكّهون أي تندّمون على ما سلف منكم من المعاصي التي عوقبتم من أجلها بهذا وقال عكرمة: تفكّهون تلاومون أي على ما فاتكم من طاعة الله جلّ وعزّ، وقيل: تفكّهون تنعمون فيكون على التقدير على هذا: أرأيتم ما تحرثون فظلتم به تفكّهون. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال ما قاله مجاهد. قال: تفكّهون تعجّبون أي يعجب بعضكم بعضا مما نزل به وأصله من تفكّه القوم بالحديث إذا عجب بعضهم بعضا منه، ويروى أنها قراءة عبد الله فَظَلْتُمْ «١» بكسر الظاء. والأصل ظللتم كما قال: [الطويل] ٤٦٠-\nظللت بها أبكي وأبكي إلى الغد\n«٢» فمن قال: ظلتم حذف اللام المكسورة تخفيفا ومن قال: ظلتم ألقى حركة اللام على الظاء بعد حذفها والأصل تتفكّهون، والمعنى تقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال عكرمة: إنّا لمولع بنا، وقال قتادة: لمعذبون، وقيل: قد غرمنا في زرعنا، وقول قتادة حسن بيّن لأنه معروف في كلام العرب، إنه يقال للعذاب والهلاك: غرام. قال الأعشى: [الخفيف] ٤٦١-\nإن يعاقب يكن غراما وإن يعط ... جزيلا فإنّه لا يبالي\n«٣»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3627>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٧]</span>\nبَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)\nأي ليس نحن مغرمين لكنا قد حرمنا وحورفنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3628>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٨]</span>\nأَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)\nالَّذِي في موضع نصب وتَشْرَبُونَ صلته والتقدير: تشربونه حذفت الهاء لطول الاسم وحسن ذلك لأنه رأس آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3629>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٦٩]</span>\nأَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)\nأَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ الأصل: أأنتم خفّفت الهمزة الثانية فجيء بها بين بين.\nوالدليل على أنها متحركة وهي بين بين أن النون بعدها ساكنة والاختيار عند الخليل\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢١١.\n(٢) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٥، وشرح القصائد السبع الطوال لابن الأنباري ١٣٢، وصدره:\n«لخولة أطلال برقة ثهمد» .\n(٣) الشاهد للأعشى في ديوانه ص ٩.","vol":"4","page":227},{"text":"وسيبويه «١» أن يؤتى بها بين بين لثقل اجتماع الهمزتين. أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3630>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٠]</span>\nلَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠)\nلَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا قال الفرّاء: الأجاج الملح الشديد المرارة. فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أي فهلّا تشكرون الذي لم نجعله ملحا فلا تنتفعون به في مشرب ولا زرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3631>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧١]</span>\nأَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)\nقال بعض العلماء: أي ترونها بأبصاركم. قال أبو جعفر: وهذا غلط ولو كان كما قال لكان ترون إنما هو من أوريت الزند أوريه إذا قدحته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3632>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٢]</span>\nأَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢)\nأَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أي اخترعتموها وأحدثتموها. أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ وإن شئت جئت بهمزة بين بين أي بين الهمزة والواو، ولهذا قال محمد بن يزيد: لا يجوز أن تكتب إلّا بالواو أي بواوين، وكذا «يستهزئون»، ومن كتبها بالياء فقد أخطأ عنده، لأن الضمة أقوى الحركات فإذا كانت الهمزة مضمومة متوسّطة لم يكن قبلها حكم، ومن أبدل من الهمزة قال المنشوون والمستهزوون، قال أبو جعفر: وهذه لغة رديئة شاذّة لا توجد إلّا في يسير من الشعر، وسمعت علي بن سليمان يحكي أن الصحيح من قول سيبويه أنه لا يجيز إبدال الهمزة يعني في غير الشعر، قال: لأن أبا زيد قال له: من العرب من يقول قرا بغير همزة فقال له سيبويه: فكيف يقولون في المستقبل فقال: يقرا فقال: هذا إذن خطأ لأنه كان يجب أن يقولوا: يقري حتّى يكون مثل رمى يرمي. قال أبو الحسن: فهذا من سيبويه يدلّ على أنه لا يجيزه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3633>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٣]</span>\nنَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)\nنَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً مفعولان أي ذات تذكرة. وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المقوون المسافرون، وقال ابن زيد: المقوي الجائع. قال أبو جعفر: أصل هذا من أقوت الدّار أي خلت، كما قال عنترة: [الكامل] ٤٦٢-\nحييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم\n«٢» ويقال: أقوى إذا نزل بالقيّ أي الأرض الخالية، وأقوى إذا قوي أصحابه أي خلوا من الضعف.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٣١.\n(٢) الشاهد لعنترة في ديوانه ١٨٩، ولسان العرب (شرع)، وتهذيب اللغة ١/ ٤٢٤، وتاج العروس (شرع)، والمقاصد النحوية ٣/ ١٨٨.","vol":"4","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3634>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٤]</span>\nفَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)\nأي بذكره وأسمائه الحسنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3635>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ الى ٨٠]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)\nتَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠)\nفَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ «١» قول ابن عباس أنه نزول القرآن، واستدلّ الفرّاء «٢» على صحة ذلك لأن بعده وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) وقول الحسن أي بمساقط النجوم، وزعم محمد بن جرير أن هذا القول أولى بالصواب لأنه المتعارف من النجوم أنها هي الطالعة إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) أي مصون. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) من نعت الكتاب. تَنْزِيلٌ من نعت القرآن أي ذو تنزيل أي منزّل مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3636>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٨١]</span>\nأَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)\nأي تلينون الكلام لمن كفر بهذا الكتاب المكنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3637>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٨٢]</span>\nوَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)\nوعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قرأ وتجعلون شكركم أنكم تكذّبون «٣» وعن ابن عباس وتجعلون شكركم أنكم تكذّبون. قال أبو جعفر:\nوهاتان القراءتان على التفسير، ولا يتأوّل على أحد من الصحابة أنه قرأ بخلاف ما في المصحف المجمع عليه، وكذا التفسير. والمعنى على قراءة الجماعة وتجعلون شكر رزقكم ثمّ حذف مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢]، وقد فسر ابن عباس هذا التكذيب كيف كان منهم قال: يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وقد سمّى النبيّ ﷺ هذا كفرا، قال أبو إسحاق: ونظيره قول المنجّم إذا طلع نجم كذا ثمّ سافر إنسان كان كذا فهذا التكذيب بإنذار الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3638>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٤ الى ٨٣]</span>\nمخاطبة لمن حضر ميتا: فالتقدير: فلا ترجعونها إن كنتم صادقين، يقال: رجع\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٨ (قرأ حمزة والكسائي «بموقع» بإسكان الواو من غير ألف والباقون بفتح الواو وألف بعدها) .\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢٩.\n(٣) انظر المحتسب ٢/ ٣١٠، والبحر المحيط ٨/ ٢١٤. [.....]","vol":"4","page":229},{"text":"ورجعته فعلى هذا قال تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) في أنكم لستم مملوكين مدبّرين.\nقال أبو جعفر: هكذا حكى الفرّاء «١» في معنى مَدِينِينَ قال: مملوكين، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس غَيْرَ مَدِينِينَ أي غير محاسبين، وقال الحسن: غير مبعوثين، وقيل: غير مجازين من قوله ﷿: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] فأما جواب لولا الثانية ففيه قولان: قال الفرّاء «٢»: أجيبتا جميعا بجواب واحد، وقيل: حذف من أحدهما ودلّ عليه الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3639>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٩ الى ٨٨]</span>\nفَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ «٣» أي فأما إن كان المتوفّى من المقرّبين إلى رحمة الله جلّ وعزّ فله روح وريحان. قال أبو جعفر: وهذا الموضع مشكل من الإعراب لأن «أما» تحتاج إلى جواب ويسأل لم صار لا يلي «أما» إلّا الاسم وهي تشبه حروف المجازاة؟ وإنما يلي حروف المجازاة الفعل، وهذا أشكل ما فيها. فأما جواب «أما» و«إن» ففيه اختلاف بين النحويين فقول الأخفش والفراء: أنهما أجيبا بجواب واحد وهو الفاء وما بعدها، وأما قول سيبويه فإنّ «إن» لا جواب لها هاهنا، لأنّ بعدها فعلا ماضيا كما تقول: أنا أكرمتك إن جئتني، وقول محمد بن يزيد: إنّ جواب «إن» محذوف لأن بعدها ما يدلّ عليه. قال أبو جعفر: وسمعت أبا إسحاق يسأل عن معنى «أما» فقال: هي للخروج من شيء إلى شيء أي دع ما كنا فيه وخذ في شيء أخر. فأما القول في العلّة لم لا يليها إلا الاسم: فذكر فيه أبو الحسن بن كيسان أن معنى «أما» مهما يكن من شيء فجعلت أما مؤدية عن الفعل، ولا يلي فعل فعلا فوجب أن يليها الاسم. وتقديره أن يكون بعد جوابها فإذا أردت أن إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها «مهما» وقدّر الاسم بعد الفاء تقول: أما زيدا فضربت معناه مهما يكن من شيء فضربت زيدا. وروى بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ قرأ فَرَوْحٌ بضم الراء، وهكذا قرأ الحسن البصري. قال أبو جعفر:\nوهذا الحديث إسناده صالح وبعضهم يقول فيه: عن بديل عن أبي الجوزاء عن عائشة عن النبيّ ﷺ، ومعنى الضمّ حياة دائمة. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ قال: مستراح، وقال سعيد بن جبير: الرّوح الفرح، وروى هشيم عن جويبر عن الضحّاك:\nفروح قال: استراحة، وروى غيره عن الضحّاك فروح قال: مغفرة ورحمة. قال: والروح عند أهل اللغة الفرح، كما قال سعيد بن جبير والمغفرة والرحمة من الفرح. فأما وريحان ففي معناه ثلاثة أقوال: منها أنه الرزق، ومنها أنه الراحة، ومنها أنه الريحان الذي يشمّ. هذا قول الحسن وقتادة وأبي العالية وأبي الجوزاء، وهو يروى عن عبد الله بن عمر قال: إذا قرب خروج روح المؤمن جاءه الملك بريحان فشمّه فتخرج روحه. قال أبو إسحاق:\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٣١.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٣١.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٢١٥.","vol":"4","page":230},{"text":"الأصل في ريحان ريحان والياء الأولى منقلبة من واو. وأصله روحان، أدغمت الواو في الياء ثم خفّفت، كما يقال: ميت إلّا أنه لا يؤتى به على الأصل إلا على بعد لأن فيه ألفا ونونا زائدتين. وَجَنَّةُ نَعِيمٍ أي وله مع ذلك جنّة نعيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3640>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٠]</span>\nوَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠)\nأي ممن أخذ به ذات اليمين إلى الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3641>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩١]</span>\nفَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١)\nفيه أقوال: قال قتادة فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ سلموا من عذاب الله جلّ وعزّ وسلّمت عليهم الملائكة وقيل فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) أي لك منهم سلام أي يسلّمون عليك. وهذا قول نظري لأن المخاطبة للنبيّ ﷺ فلا يخرج إلى غيره إلّا بدليل قاطع، وقيل فَسَلامٌ لَكَ فمسلّم لك أنك من أصحاب اليمين، وحذفت «أنّ» والمعنى لأنك من أصحاب اليمين. وحذف «أنّ» خطأ في العربية لأن ما بعدها داخل في صلتها وإن كان قائل هذا القول الفرّاء «١» وقد ذهب إليه محمد بن جرير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3642>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٢]</span>\nوَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢)\nأي الجائرين عن الطريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3643>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٣]</span>\nفَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣)\nفَنُزُلٌ أي عذاب مِنْ حَمِيمٍ وهو الماء الحار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3644>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٤]</span>\nوَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)\nأي إحراقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3645>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٥]</span>\nإِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)\nالكوفيون «٢» يجيزون إضافة الشيء إلى نفسه ويجعلون هذا منه، وذلك عند البصريين خطأ لأنه يبين الشيء بغيره، والمضاف إليه يبيّن به. قال مجاهد: حقّ اليقين حقّ الخبر اليقين، وقال أبو إسحاق: المعنى أن هذا الذي قصصناه في هذه السورة يقين حقّ اليقين، كما تقول: فلان عالم حقّ العالم، إذا بالغت في التوكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3646>[سورة الواقعة (٥٦): آية ٩٦]</span>\nفَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)\nأي فنزّه الله جلّ وعزّ عن كفرهم بأسمائه الحسنى.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٣١.\n(٢) انظر الإنصاف المسألة رقم (١١٤١) .","vol":"4","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3647>٥٧ شرح إعراب سورة الحديد</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3648>[سورة الحديد (٥٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)\nسَبَّحَ عظّم ورفّع مشتق من السباحة وهي الارتفاع، والتقدير: ما في السّموات وما في الأرض، وحذفت «ما» على مذهب أبي العباس وهي نكرة لا موصولة لأنه لا يحذف الاسم الموصول، وأنشد النحويون: [الرجز] ٤٦٣-\nلو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفصلها في حسب وميسم\n«١» فالتقدير: من يفضلها «٢» . وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مبتدأ وخبره أي العزيز في انتقامه ممن عصاه الذي لا ينتصر منه من عاقبه من أعدائه الحكيم في تدبّره خلقه الذي لا يدخل في تدبيره خلل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3649>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢]</span>\nلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)\nلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رفع بالابتداء. يُحْيِي وَيُمِيتُ في موضع نصب على الحال، ومرفوع لأنه فعل مستقبل. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3650>[سورة الحديد (٥٧): آية ٣]</span>\nهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)\nهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ مثله. ولم ينطق من الأول بفعل، وهو على أفعل لأن فاءه وعينه من موضع واحد فاستثقل ذلك والآخر ليس بجار على الفعل لأنه من تأخّر.\n_________\n(١) الرجز لحكيم بن معيّة في خزانة الأدب ٥/ ٦٢، وله أو لحميد الأرقط في الدرر ٦/ ١٩، ولأبي الأسود الحماني في شرح المفصّل ٣/ ٥٩، والمقاصد النحوية ٤/ ٧١، ولأبي الأسود الجمالي (وهذا تصحيف) في شرح التصريح ٢/ ١١٨، وبلا نسبة في الكتاب ٢/ ٣٦٤، والخصائص ٢/ ٣٧٠، وشرح الأشموني ٢/ ٤٠٠، وشرح عمدة الحافظ ٥٤٧، وهمع الهوامع ٢/ ١٢٠.\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ٣٦٤ (يريد: ما في قومها أحد، فحذفوا) .","vol":"4","page":232},{"text":"وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ قيل: معنى الظاهر الذي ظهرت صنعته وحكمته، وقيل العالم بما ظهر وما بطن. ومن أحسن ما قيل فيه أنه من ظهر أي قوي وعلا، فالمعنى الظاهر على كل شيء العالي فوقه فالأشياء دونه. الباطن جميع الأشياء فلا شيء أقرب إلى شيء منه، ومثله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦] ويدلّ على هذا أن بعده وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي لا يخفى عليه شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3651>[سورة الحديد (٥٧): آية ٤]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)\nيكون الَّذِي في موضع رفع على إضمار مبتدأ لأنه أول آية. قال: ويجوز أن يكون نعتا لما تقدم ويجوز أن يكون في موضع نصب على المدح أعني بهذا المدح الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش. يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها يقال: ولج يلج إذا دخل. والأصل يولج حذفت الواو لأنها بين ياء وكسرة. وَهُوَ مَعَكُمْ نصب على الظرف، والعامل فيه المعنى أي وهو شاهد معكم حيث كنتم. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي بما تعملونه من حسن وسيّئ وطاعة ومعصية حتّى يجازيكم عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3652>[سورة الحديد (٥٧): آية ٥]</span>\nلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)\nلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي سلطانهما فأمره وحكمه نافذ فيهما وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي إليه مصيركم ليجازيكم بأعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3653>[سورة الحديد (٥٧): آية ٦]</span>\nيُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)\nيُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ أي نقصان الليل في النهار فتكون زيادة وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يدخل نقصان النهار في الليل فتكون زيادة فيه، كما قال عكرمة وإبراهيم هذا في القصر والزيادة ولم يحذف الواو من يولج وهي بين ياء وكسرة لأن الفعل رباعي لا يجوز أن يغير هذا التغيير وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما تخفونه في صدوركم من حسن وسيئ أو تهمّون به في أنفسكم. وفي الحديث «إنّ الدعاء يستجاب بعد قراءة هذه الآيات السّت» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3654>[سورة الحديد (٥٧): آية ٧]</span>\nآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)\nأي يخلفون من كان قبلهم، وحضّهم على الإنفاق لأنهم يفنون كما فني الذين من\n_________\n(١) انظر تفسير القرطبي ١٧/ ٢٣٥.","vol":"4","page":233},{"text":"قبلهم ويورثون. فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا فالذين مبتدأ أي الذين آمنوا منكم بالله ورسوله. لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ أي ثواب عظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3655>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩)\nوَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ في موضع نصب على الحال، والمعنى أيّ شيء لكم إن كنتم تاركين الإيمان؟ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ قد أظهر البراهين والحجج. لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ قال الفرّاء «١»: القرّاء جميعا على وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ قال: ولو قرئت وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ لكان صوابا. قال أبو جعفر: هذا كلامه نصا في كتابه وهو غلط، وقد قرأ أبو عمرو وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ «٢» غير أن أبا عبيد قال: والقراءة عندنا هي الأولى وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ لأن الأمة عليها ولأن ذكر الله جلّ وعزّ قبل الآية وبعدها. قال أبو جعفر: أما قوله: لأن الأمة عليها، فحجة بيّنة لأن الأمة الجماعة، وأما قوله: لأن ذكر الله ﷿ اسمه قبل الآية وبعدها، فلا يلزم لأنه قد عرف المعنى. وللعلماء في أخذ الميثاق قولان: أحدهما أنه أخذ الميثاق حين أخرجوا من ظهر أدم ﷺ بأن الله ﷿ ربّهم لا إله لهم سواه، وهذا مذهب العلماء من أصحاب الحديث منهم مجاهد، والقول الآخر أنه مجاز لما كانت آيات الله جلّ وعزّ بيّنة والدلائل واضحة وحكمته ظاهرة، يشهد بها من راها كان علمه بذلك بمنزلة أخذ الميثاق منه. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قيل:\nالمعنى إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما ظهر لكم من البراهين والدلائل، ويدل على هذا أن بعده هو الذي ينزّل على عبده آيات بيّنات. لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، كما قال مجاهد من الضلالة إلى الهدى.\nوَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أي حين بيّن لكم هداكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3656>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٠]</span>\nوَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)\nوَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «أن» في موضع نصب على المعنى وأي عذر لكم في\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٣٢.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٨ (قرأ أبو عمرو «أخذ» بضمّ الهمزة وكسر الخاء و«ميثاقكم» بالرفع، والباقون بفتح الهمزة والخاء والنصب) .","vol":"4","page":234},{"text":"أن لا تنفقوا في سبيل الله وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فحضّهم بهذا على الإنفاق لأنهم يموتون ويخلّفون ما بخلوا به ويورّثونه. لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ اختلف العلماء في معنى هذا الفتح فقال قتادة: الذين أنفقوا من أصحاب رسول الله ﷺ قبل فتح مكة وقاتلوا، أفضل من الذين أنفقوا من بعد فتح مكة وقاتلوا، وكذا قال زيد بن أسلم، وقال الشّعبي: الذين أنفقوا قبل الحديبية وقاتلوا أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد فتح الحديبية وقاتلوا. قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بالصواب لأن عطاء بن يسار روى عن أبي سعيد الخدري قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم فتح الحديبية: «يأتون أقوام تحقرون أعمالكم مع أعمالهم» قلنا: يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال: «لا هم أهل اليمن أرقّ أفئدة وألين قلوبا» . قلنا: يا رسول الله أهم خير منا؟\nقال «لا لو أنّ لأحدهم جبل ذهب ثم أنفقه ما بلغ مدّ أحدكم ولا نصيفه. هذا فضل ما بعيننا وبين الناس» «١» لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. حكى أبو حاتم وكلّ وعد الله الحسنى»\nبالرفع. قال أبو جعفر: وقد أجاز سيبويه مثل هذا على إضمار الهاء، وأنشد: [المتقارب] ٤٦٤-\nفثوب نسيت وثوب أجرّ\n«٣» وأبو العباس محمد بن يزيد لا يجيز هذا في منثور ولا منظوم إلّا أن يكون يجوز فيه غير ما قدّره سيبويه، وهو أن يكون الفعل نعتا فيكون التقدير: فثمّ ثوب نسيت فعلى هذا لا يجوز في ثوب إلّا الرفع، ولا يجيز زيد ضربت لأنه ليس فيه شيء من هذا فيكون كلّ بمعنى وأولئك كلّ وعد الله فيكون نعتا. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مبتدأ وخبره أي من إنفاق وبخل حتّى يجازيكم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3657>[سورة الحديد (٥٧): آية ١١]</span>\nمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)\nمَنْ في موضع رفع بالابتداء وذَا خبره والَّذِي نعت لذا وفيه قولان آخران: أحدهما أن يكون «ذا» زائدا مع الذي، والقول الآخر أن يكون «ذا» زائدا مع\n_________\n(١) انظر المعجم المفهرس لونسنك ١/ ٤٨٧.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٩.\n(٣) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ١٥٩، والكتاب ١/ ١٣٩، والأشباه والنظائر ٣/ ١١٠، وخزانة الأدب ١/ ٣٧٣، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٦٦، والمقاصد النحوية ١/ ٥٤٥، وبلا نسبة في المحتسب ٢/ ١٢٤، ومغني اللبيب ٢/ ٤٧٢، وصدره:\n«فأقبلت زحفا على الرّكبتين» .","vol":"4","page":235},{"text":"«من»، وهذا قول الفرّاء «١»، وزعم أنه رأى في بعض مصاحف عبد الله، «منذا» بوصل النون مع الذال جعلا شيئا واحدا، ولا يجيز البصريون أن تزاد «ذا» مع «من» ويجيزون ذلك مع «ما»، لأن «ما» مبهمة فذا تجانسها، وعلى هذا قرئ وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: ٢١٩] بالنصب، وزيادة «ذا» مع «الذي» أقرب ألا ترى أن «الذي» تصغّر كما تصغّر «ذا» فيقال: اللّذيّا، يقال: ذيّا وقد عورض سيبويه في قوله: الذي بمنزلة العمي فقيل: كيف هذا؟ وإنما يقال في تصغير العمي: العميّ، ويقال في تصغير الذي: اللذيّا، ويقال: اللّذيان والعميان فيوخذ هذا كلّه مختلفا فكيف يكون الذي بمنزلة العمي؟ وهذا لا يلزم منه شيء، وليس هذا موضع شرحه. «قرضا» منصوب على أنه اسم للمصدر كما يقال: أجابه إجابة، ويجوز أن يكون مفعول به كما تقول: أقرضته مالا، «حسنا» من نعت قرض. قيل: معنى الحسن هاهنا الحلال فإن الإقراض أن ينفق محتسبا لله ﷿ مبتغيا ما عنده فَيُضاعِفَهُ لَهُ قال الفرّاء «٢»: جعله عطفا على يقرض. كما تقول: من يجيء فيكرمني ويحسن إليّ، وقال أبو إسحاق: يجوز أن يكون مقطوعا من الأول مستأنفا، ومن قرأ فيضعفه «٣» جعله جواب الاستفهام فنصبه بإضمار «أن» عند الخليل، وسيبويه والجرمي ينصبه بالفاء. وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ قيل:\nالجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3658>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٢]</span>\nيَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)\nنصبت يوما على الظرف أي لهم أجر في ذلك اليوم، و«ترى» في موضع خفض بالإضافة «يسعى» في موضع نصب على الحال فأما قوله جلّ وعزّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ ولم يذكر الشمائل فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: قال الضحّاك: نورهم هداهم، ومال إلى هذا القول محمد بن جرير قال: لأن المؤمنين نورهم حواليهم من كل جهة فلما خص الله جلّ وعزّ بين أيديهم وبأيمانهم علم أنه ليس بالضياء، والباء بمعنى «في» وقال بعض نحويي البصريين هي بمعنى عن قال أبو جعفر: وقيل النور هاهنا نور كتبهم وإنما يعطون كتبهم بأيمانهم من بين أيديهم فلهذا وقع الخصوص. قال أبو جعفر: وأجلّ ما قيل في هذا ما قاله عبد الله بن مسعود رحمة الله عليه، قال: يعطى المؤمنون أنوار على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نورا مثل الجبل، وأقل ذلك أن يعطى نورا على إبهامه يضيء مرة ويطفأ مرة. بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي يقال لهم، وحذف القول\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٢٣. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٣٢.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٢١٩، وتيسير الداني ٦٩.","vol":"4","page":236},{"text":"«بشراكم» في موضع رفع بالابتداء «جنات» خبره، وأجاز الفرّاء: في «جنّات» النصب من جهتين، إحداهما على القطع ويكون اليوم في موضع الخبر وإن كان ظرفا، وأجاز رفع «اليوم» على أنه خبر «بشراكم»، وأجاز أن يكون «بشراكم» في موضع نصب يعني يبشّرونهم بالبشرى، وأن ينصب «جنات» «بالبشرى» قال أبو جعفر: ولا نعلم أحدا من النحويين ذكر هذا غيره وهو متعسّف لأن جَنَّاتٌ إذا نصبها على القطع، وليست بمعنى الفعل بعد ذلك وإن نصبها بالبشرى، فإن كان نصبها ببشراكم فهو خطأ بين، لأنها داخلة في الصلة فيفرق بين الصلة والموصول باليوم، وليس هو في الصلة، وهذا لا يجوز عند أحد النحويين، وإن نصبت «جنات» بفعل محذوف فهو شيء متعسّف ومع هذا فلم يقرأ به أحد، خالِدِينَ نصب على الحال. ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. قال الفرّاء «١»: وفي قراءة عبد الله ذلك الفوز العظيم ليس فيها «هو» . قال أبو جعفر:\n«ذلك» مبتدأ، و«هو» زائدة للتوكيد. الْفَوْزُ الْعَظِيمُ خبر ذلك، ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ ثانيا والجملة خبر ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3659>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٣]</span>\nيَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣)\nنصبت يوما على الظرف أي وذلك الفوز العظيم في ذلك اليوم، ويجوز أن يكون بدلا من اليوم الذي قبله، انْظُرُونا من نظر ينظر بمعنى النظر. وهذه القراءة البيّنة.\nوقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة. وأنظرونا «٢» بفتح الهمزة، وزعم أبو حاتم أن هذا خطأ، قال: وإنما يأتينا هذا من شقّ الكوفة. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: إنما لحن حمزة في هذا لأن الذي لحنه قدّر «أنظرنا» بمعنى أخّرنا وأمهلنا، فلم يجز ذلك هاهنا. وهو عندي يحتمل غير هذا لأنه يقال: أنظرني بمعنى تمهّل عليّ وترفّق، فالمعنى على هذا يصحّ. نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ مجزوم لأنه جواب. قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا أي قال المؤمنون للمنافقين ارجعوا إلى الموضع الذي كنا فيه فاطلبوا ثمّ النور. قال أبو جعفر: وشرح هذا ما روي عن ابن عباس قال: يغشى الناس ظلمة المؤمنين والمنافقين والكافرين، فيبعث الله جلّ وعزّ نورا يهتدي به المؤمنون إلى الجنة فإذا تبعه المؤمنون تبعهم المنافقون، فيضرب الله جلّ وعزّ بينهم بسور باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، فينادي المنافقون المؤمنين انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ فيقول لهم المؤمنون: ارْجِعُوا وَراءَكُمْ إلى الموضع الذي كنا فيه وفيه الظلمة فجاء النور\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٣٣.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٩ (قرأ حمزة «انظرون» بقطع الهمزة وفتحها في الحالين وكسر الظاء والباقون بالألف الموصولة ويبتدئونها بالضمّ وضمّ الظاء) .","vol":"4","page":237},{"text":"فالتمسوا منه النور. قال أبو جعفر: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسمّ فاعله والباء زائدة، وعلى قول محمد بن يزيد هي متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، وضمّت الضاد في «ضرب» للفرق فإن قيل: فلم لا كسرت؟ فالجواب عند بعض النحويين أنها ضمّت كما ضمّ أول الاسم في التصغير وهذا الجواب يحتاج إلى جوابين: أحدهما الجواب لم ضمّ أول الاسم المصغّر؟ ولم ضمّ أول فعل ما لم يسمّ فاعله؟ والجواب أن أول فعل ما لم يسم فاعله ضمّ لأنه لمّا وجب الفرق بينه وبين الفعل الذي سمّي فاعله لم يجز أن يكسر إلا لعلّة أخرى لأن بينه ما سمّي فاعله قد يأتي مكسورا في قول بعضهم: أنت تعلم ونحن نستعين، ويأتي مفتوحا، وهو الباب فلم يبق إلّا الضم، وليس هذا موضع جواب التصغير. لَهُ بابٌ قال كعب الأحبار:\nباب الرحمة الذي في بيت المقدس هو الذي ذكره الله جلّ وعزّ. قال قتادة: باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ الجنة وما فيها. وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3660>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٤]</span>\nيُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)\nيُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ أي نصلّي معكم ونصوم ونوارثكم ونناكحكم، قالُوا بَلى أي قد كنتم معنا كذلك وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ قال مجاهد: بالنفاق. وَتَرَبَّصْتُمْ قال ابن زيد: بالإيمان وَارْتَبْتُمْ قال: شكّوا، وقال غيره: ارتبتم فعلتم فعل المرتابين بوعد الله جلّ وعزّ ووعيده وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ أي خدعتكم أمانيّ أنفسكم فصددتم عن سبيل الله جلّ وعزّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قيل: قضاؤه بمناياكم وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ قال مجاهد وقتادة:\nالغرور الشيطان. قال أبو جعفر: فعول في كلام العرب للتكثير، وهو يتعدى عند البصريين. تقول: هذه غرور زيدا. وغفور الذنب، وأنشد سيبويه في تعدّيه إلى مفعول: [الرمل] ٤٦٥-\nثمّ زادوا أنّهم في قومهم ... غفر ذنبهم غير فجر\n«١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3661>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٥]</span>\nفَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)\nفَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وقرأ يزيد بن القعقاع تؤخذ «٢» بالتاء لأن الفدية مؤنثة،\n_________\n(١) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ٥٥، والكتاب ١/ ١٦٨، وخزانة الأدب ٨/ ١٨٨، والدرر ٥/ ٢٧٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٦٨، وشرح التصريح ٢/ ٦٩، وشرح عمدة الحافظ ٦٨٢، وشرح المفصل ٦/ ٧٤، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٤٨، ونوادر أبي زيد ١٠.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٩، والبحر المحيط ٨/ ٢٢١.","vol":"4","page":238},{"text":"ومن ذكّرها فلأنها والفداء واحد وهي البدل والعوض وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي لا يؤخذ من الذين كفروا بدل ولا عوض من عذابهم مَأْواكُمُ النَّارُ أي مسكنكم النار مبتدأ وخبره، وكذا هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي وبئس المصير النار ثم حذف هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3662>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٦]</span>\nأَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)\nوعن الحسن أَلَمْ يَأْنِ «١» يقال: أإن يئين وأني يأنى وحان يحين، ونال ينال وأنال ينيل بمعنى واحد و«أن» في موضع رفع بيأن. وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ «ما» في موضع خفض أي ولما نزل، هذه قراءة شيبة ونافع، وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو وابن كثير والكوفيون وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ «٢» وعن عبد الله بن مسعود أنه قرأ وما أنزل من الحقّ وأبو عبيد يختار التشديد لأن قبله ذكر الله جلّ وعزّ. قال أبو جعفر: والمعنى واحد لأن الحق لا ينزل حتّى ينزله الله ﷿، وليس يقع في هذا اختيار وله جاز أن يقال في مثل هذا اختيار لقيل: الاختيار نزل: لأن قبله لِذِكْرِ اللَّهِ ولم يقل لتذكير الله. وَلا يَكُونُوا «٣» كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ يكونوا في موضع نصب معطوف على «تخشع» أي وألا يكونوا، ويجوز أن تكون في موضع جزم. والأول أولى لأنها واو عطف، ولا يقطع ما بعدها ممّا قبلها إلّا بدليل فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ قال مجاهد الدّهر. فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ أي لم تلن ولم تقبل الوعظ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ مبتدأ وخبره ولم يعمّوا بالفسق لأن منهم من قد آمن، ومنهم من لم تبلغه الدعوة، وهو مقيم على ما جاء به نبيه ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3663>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٧]</span>\nاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)\nاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قيل: فالذي فعل هذا هو الذي يهدي ويسدّد من أراد هدايته ومن ضلّ عن طريق الحقّ. قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي بالحجج والبراهين لتكونوا على رجاء من أن تعقلوا ذلك، هذا قول سيبويه. وغيره يقول: «لعلّ» بمعنى «كي» ولو كان كذلك لكان تعقلوا بغير نون.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٢٢.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٩ (قرأ نافع وحفص «وما نزل» مخفّفا والباقون مشدّدا) .\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٢٢ (بالياء قراءة الجمهور، وبالتاء قراءة أبي حيوة وابن أبي عبلة وإسماعيل عن أبي جعفر وعن شيبة ويعقوب وحمزة) .","vol":"4","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3664>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٨]</span>\nإِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)\nإِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ الأصل المتصدقين ثم أدغمت التاء في الصاد. وفي قراءة أبيّ إنّ المتصدقين «١» وفي قراءة ابن كثير وعاصم إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ «٢» أي المؤمنين من التصديق، والأول من الصدقة وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ قيل. الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3665>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٩]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)\nوَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ مبتدأ. أُولئِكَ يكون مبتدأ ثانيا، ويجوز أن يكون بدلا من الذين، ولا يكون نعتا لأن المبهم لا يكون نعتا لما فيه الألف واللام لا يجوز مررت بالرجل هذا، على النعت عند أحد علمته، ولو قلت: مررت بزيد هذا على النعت لجاز، وخير الابتداء الصِّدِّيقُونَ قال أبو إسحاق: صدّيق على التكثير أي كثير التصديق، وقال غيره: هذا خطأ لأن فعيلا لا يكون إلا من الثلاثي مثل سكّيت من سكت، وصدّيق للكثير الصّدق. ومن هذا قيل لأبي بكر ﵁: الصّدّيق، حتّى كان يعرف بذلك في وقت النبيّ ﷺ، وقال علي بن أبي طالب ﵁: «إنّ الله جلّ وعزّ سمّى أبا بكر صدّيقا» .\nوَالشُّهَداءُ على هذا معطوفون على الصديقين يدلّ على صحة ذلك ما رواه بن عجلان عن زيد بن أصمّ عن البرآء عن النبيّ ﷺ قال: «مؤمنو أمتي شهداء» «٣» ثم تلا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ الآية. قال أبو جعفر: فهذا القول أولى من جهة الحديث والعربية لأن الواو واو عطف فسبيل ما بعدها أن يكون داخلا فيما قبلها إلّا أن يمنع مانع من ذلك أن يكون حجّة قاطعة وقد قيل: إن التمام أولئك هم الصديقون وإن الشهداء ابتداء. وهذا يروى عن ابن عباس وهذا اختيار محمد بن جرير وزعم أنه أولى بالصواب لأن المعروف من معنى الشهداء أنه المقتول في سبيل الله جلّ وعزّ ثم استثنى فقال: إلّا أن يراد بالشهداء أنه يشهد لنفسه عند ربّه بالإيمان، قال أبو جعفر: وإذا كان و«الشهداء» مبتدأ فخبره عِنْدَ رَبِّهِمْ ويجوز أن يكون خبره. لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وهذا عطف جملة على جملة والأول على خلاف هذا يكون «والشهداء» معطوفا على الصّدّيقين ويكون لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ للجميع. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا مبتدأ.\nأُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ مبتدأ وخبره في موضع خبر الأول.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٩، ومختصر ابن خالويه ١٥٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٢٦.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٦٩، ومختصر ابن خالويه ١٥٢، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٢٦.\n(٣) انظر تفسير القرطبي ٢٧/ ٢٣١.","vol":"4","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3666>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٠]</span>\nاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠)\nاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ «ما» كافة لأنّ عن العمل ولو جعلتها صلة لنصبت الحياة والدنيا من نعتها، لَعِبٌ خبر، والمعنى: مثل لعب أي يفرح الإنسان بحياته فيها كما يفرح باللعب ثم تزول حياته كما يزول لعبه وزينته وما يفاخر به الناس ويباهيهم به من كثرة الأموال والأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ. قال أبو إسحاق: الكاف في موضع رفع على أنها نعت أي وتفاخر مثل غيث قال:\nويجوز أن يكون خبرا بعد خبر. والكفّار الزرّاع. وإذا أعجب الزراع كان على نهاية من الحسن. قال: ويجوز أن يكونوا الكفار بأعيانهم، لأن الدنيا للكفار أشدّ إعجابا لأنهم لا يؤمنون بالبعث قال: و«يهيج» يبتدئ في الصفرة ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا قال: متحطّما. فضرب الله جلّ وعزّ هذا مثلا للحياة الدنيا وزوالها ثمّ خبر جلّ وعزّ بما في الآخرة فقال: وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ قال محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال:\n«لموضع سوط في الجنّة خير من الدنيا وما فيها فاقرؤوا إن شئتم»: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3667>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢١]</span>\nسابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)\nسابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي سابقوا بالأعمال التي توجب المغفرة إلى مغفرة من ربكم وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ قال أبو جعفر: قد تكلّم قوم من العلماء في معنى هذا فمنهم من قال: العرض هاهنا السعة ومنهم من قال: هو مثل الليل والنهار إذا ذهبا فالله جلّ وعزّ أعلم أين يذهبان، وأجاب بهذا عمر بن الخطاب ﵁، ومنهم من قال: هذه هي الجنة التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة، والسماء مؤنثة ذكر ذلك الخليل ﵀ وغيره من النحويين سوى الفرّاء وبذلك جاء القرآن إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] وإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١] وحكى الفرّاء أنها تؤنّث وتذكّر، وأنشد: [الوافر] ٤٦٦-\nفلو رفع السّماء إليه قوما ... لحقنا بالسّماء مع السّحاب\n«٢» وهذا البيت لو كان حجّة لحمل على غير هذا، وهو أن يكون يحمل على تذكير\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٤٣٣، والدارمي في سننه ٢/ ٣٣٣، والسيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٠٧، وابن كثير في تفسير ٢/ ٢٥٥.\n(٢) الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (سما)، والمذكر والمؤنث للأنباري ص ٣٦٧، والمذكر والمؤنث للفراء ص ١٠٢، والمخصص ١٧/ ٢٢. [.....]","vol":"4","page":241},{"text":"الجميع ذكر محمد بن يزيد: أن سماء تكون جمعا لسماوة وأنشد هو وغيره: [الوافر] ٤٦٧-\nسماوة الهلال حتّى احقوقفا\n«١» ويدلّ على صحة هذا قوله جلّ وعزّ: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ [البقرة:\n٢٩] وإذا كانت السماء واحدة فتأنيثها كتأنيث عناق، وتجمع على ستة أوجه منهن جمعان مسلّمان، وجمعان مكسّران لأقل العدد، وجمعان مكسّران لأكثره، وذلك قولك: سموات وسماءات وأسم وأسمية وسمايا وسميّ وإن شئت كسرت السين من سميّ، وقد جاء فيها أخر في الشّعر كما قال: [الطويل] ٤٦٨-\nسماء الإله فوق سبع سمائيا\n«٢» فعلى هذا جمع سماء على سماء وفيه من الأشكال والنحو اللطيف غير شيء، فمن ذلك أنه شبه سماء برسالة لأن الهاء في رسالة زائدة. ووزن فعال وفعال واحد، فكان يجب على هذا أن يقول: سمايا فعمل شيئا أخر فجمعها على سماء على الأصل لأن الأصل في خطايا خطاء ثم عمل شيئا ثالثا كان يجب أن يقول: فوق سبع سماء، فأجرى المعتلّ مجرى السالم وجعله بمنزلة ما لا ينصرف من السالم، وزاد الألف للإطلاق. والأرض مؤنّثة، وقد حكي فيها التذكير، كما قال: [المتقارب] ٤٦٩-\nفلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل ابقالها\n«٣» قال أبو جعفر: وقد ردّ قوم هذا، ورووا «ولا أرض أبقلت ابقالها» بتخفيف الهمزة. قال ابن كيسان: في قولهم أرضون حركوا هذه الراء لأنهم أرادوا: أرضات فبنوه على ما يجب من الجمع بالألف والتاء، قال: وجمعوه بالواو والنون عوضا من حذف الهاء في واحدة ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ مبتدأ وخبره أي ذلك الفضل من التوفيق والهداية والثواب فضل الله يؤتيه من يشاء أي يؤتيه إياه من خلقه. وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3668>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٢]</span>\nما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٤٢٣) .\n(٢) الشاهد لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ٧٠، وخزانة الأدب ١/ ٢٤٤، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٠٤، ولسان العرب (سما)، وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ٣٤٩، والأشباه والنظائر ٢/ ٣٣٧، والخصائص ١/ ٢١١، وما ينصرف وما لا ينصرف ١١٥، والمقتضب ١/ ١٤٤، والممتع في التصريف ٢/ ٥١٣، والمنصف ٢/ ٦٦. وصدره:\n«له ما رأت عين البصير وفوقه»\n(٣) مرّ الشاهد رقم (١٥٢) .","vol":"4","page":242},{"text":"قال قتادة: فِي الْأَرْضِ يعني السنين أي الحرب والقحط. وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ الأوصاب والأمراض إلّا في كتاب. مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها يكون من قبل أن نخلق الأنفس هذا قول ابن عباس والضحّاك والحسن وابن زيد، وقيل: الضمير للأرض، وقيل:\nللمصائب والأول أولاها لأن الجلّة قالوا به، وهو أقرب إلى الضمير. وقال بعض العلماء: هذا معنى قضاء الله وقدره أنه كتب كلّ ما يكون ليعلم الملائكة عظيم قدرته جلّ وعزّ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لأنه جلّ وعزّ إنما يقول للشيء: كن فيكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3669>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nلِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)\nلِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ أي من أمر الدنيا إذ أعلمكم الله جلّ وعزّ أنه مفروغ منه مكتوب. وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وهو الفرح الذي يؤدي إلى المعصية، وقرأ أبو عمرو ولا تفرحوا بما آتاكم «١» وهو اختيار أبي عبيد، واحتجّ أنه لو أتاكم لكان الأول أفاتكم. قال أبو جعفر: وهذا الاحتجاج مردود عليه من العلماء وأهل النظر لأن كتاب الله ﷿ لا يحمل على المقاييس، وإنما يحمل بما تؤديه الجماعة فإذا جاء رجل فقاس بعد أن يكون متّبعا، وإنما تؤخذ القراءة كما قلنا أو كما قال نافع بن أبي نعيم: ما قرأت حرفا حتّى يجتمع عليه رجلان من الأئمة أو أكثر. فقد صارت قراءة نافع عن ثلاثة أو أكثر ولا نعلم أحدا قرأ بهذا الذي اختاره أبو عبيد إلّا أبا عمرو، ومع هذا فالذي رغب عنه معروف المعنى صحيح قد علم كلّ ذي لبّ وعلم أن ما فات الإنسان أو أتاه فالله ﷿ فاته إياه أو أتاه إياه، ولو لم يعلم هذا إلّا من قوله جلّ وعزّ: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها والله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ أي في مشيته تكبّرا وتعظّما فخور على الناس بماله ودنياه، وإنما ينبغي أن يتواضع لله جلّ وعزّ ويشكره ويثني عليه.\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ أي بحقوق الله جلّ وعزّ عليهم وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أي بما يفعلونه من ذلك وفي إعراب الَّذِينَ «٢» خمسة أوجه منها ثلاثة للرفع واثنان للنصب.\nيكون الَّذِينَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ويجوز أن يكون في موضع رفع على الابتداء وخبره محذوف يدلّ عليه الاخبار عن نظائره، والوجه الثالث أن يكون\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٩ (قرأ أبو عمرو «بما أتاكم» بالقصر والباقون بالمدّ) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٢٤.","vol":"4","page":243},{"text":"مرفوعا بالابتداء ودلّ على خبره ما بعده من الشرط والمجازاة لأنه في معناه. ويجوز أن يكون في موضع نصب على البدل من كلّ أو بمعنى أعني. وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ أي الغني عن خلقه وعما ينفقونه، الحميد إليهم بإنعامه عليهم. ومن قرأ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ «١» جعل «هو» زائدة فيها معنى التوكيد أو مبتدأ، وما بعدها خبرا، والجملة خبر «إن» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3670>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٥]</span>\nلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)\nلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ أي بالدلائل والحجج وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ أي بالأحكام والشرائع. وَالْمِيزانَ قال ابن زيد، هو الميزان الذي يتعامل الناس به، وقال قتادة: الميزان الحق لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ منصوب بلام كي، وحقيقته أنها بدل من «أن» . وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ أي للناس فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ قال ابن زيد: البأس الشديد السلاح والسيوف يقاتل الناس بها، قال: والمنافع التي يحفر بها الأرضون والجبال. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ معطوف على الهاء. بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ أي قويّ على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة عزيز في انتقامه منه لأنه لا يمنعه منه مانع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3671>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٦]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ إلى قومهما. وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ أي متّبع لطريق الهدى مستبصر. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي خارجون إلى الكفر والمعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3672>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٧]</span>\nثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)\nثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا أي أتبعنا، ويكون الضمير يعود على الذريّة أو على نوح وإبراهيم ﵉ لأن الاثنين جمع وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أي أتبعنا.\nوَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ يروى أنه نزل جملة. وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٢٤، وتيسير الداني ١٦٩، (قرأ ابن عامر ونافع بغير هو، والباقون بزيادة هو) .","vol":"4","page":244},{"text":"ويقال: رأفة وقد رؤف ورأف وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها نصبت رهبانية بإضمار فعل أي فابتدعوا رهبانية أي أحدثوها، وقيل: هو معطوف على الأول. ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ قال ابن زيد: أي ما افترضناها. إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ نصب على الاستثناء الذي ليس من الأول ويجوز أن يكون بدلا من المضمر أي ما كتبناها عليهم إلّا ابتغاء رضوان الله فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها لفظه عام ويراد به الخاص لا نعلم في ذلك اختلافا، ويدلّ على صحته فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وفي الذين لم يرعوها قولان: مذهب الضحّاك وقتادة أنّهم الذين ابتدعوها تهوّد منهم قوم وتنصّروا، وهذا يروى عن أبي أمامة، فأما الذي روي عن ابن عباس فإنهم كانوا من بعد من ابتدعها بأنهم كفار ترهّبوا، وقالوا:\nنتبع من كان قبلنا ويدلّ على صحّة هذا حديث ابن مسعود عن النبيّ ﷺ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ قال: «من آمن بي» . وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ قال: من جحدني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3673>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال الضحّاك: من أهل الكتاب. اتَّقُوا اللَّهَ أي في ترك معاصيه وأداء فرائضه. وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يعني محمدا ﷺ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ يعني حظّين، كما روى أبو بردة عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، من كان من أهل الكتاب فآمن بالتوراة والإنجيل ثم آمن بالقرآن، ورجل كانت له جارية فأدّبها فأحسن أدبها ثم تزوّجها، وعبد نصح مولاه وأدّى فرض الله جلّ وعزّ عليه» وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ عن ابن عباس قال: القرآن واتباع النبيّ ﷺ، وقال مجاهد:\nالهدى، قال أبو إسحاق: ويقال إنه النور الذي يكون للمؤمنين يوم القيامة وَيَغْفِرْ لَكُمْ أي يصفح عنكم ويستر عليكم ذنوبكم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ذو مغفرة ورحمة لا يعذّب من تاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3674>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٩]</span>\nلِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)\nلا زائدة للتوكيد ودلّ على هذا ما قبل الكلام وما بعده أي لأن يعلم ويروى عن ابن عباس أنه قرأ لأن يعلم أهل الكتاب وكذا يروى عن عاصم الجحدري وعن ابن مسعود لكي يعلم أهل الكتاب «١» وكذا عن سعيد بن جبير، وهذه قراءات على التفسير لا يقدرون فرفعت الفعل لأن المعنى أنه لا يقدرون يدلّ على هذا أن بعده:\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٢٧، ومعاني الفراء ٣/ ١٣٧.","vol":"4","page":245},{"text":"وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، وبعض الكوفيين يقول «لا» بمعنى «ليس»، والأول قول سيبويه، وروى المعتمر عن أبيه عن ابن عباس قال: اقرءوا بقراءة ابن مسعود ألّا يقدروا «١» بغير نون فهذا على أنه منصوب بأن. قال أبو جعفر: وهذا بعيد في العربية أن تقع أَنَّ معملة بعد يَعْلَمَ وهو من الشواذ، ومن الشواذ أنه روي عن الحسن أنه قرأ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ بالرفع ومجازه ما ذكرناه من أن التقدير فيه أنه وأن الفضل بيد الله أي بيد الله دونهم لأنه كما روي قالوا: الأنبياء منّا فكفروا بعيسى ﷺ وبمحمد فأعلم الله جلّ وعزّ أنّ الفضل بيده يرسل من شاء وينعم على من أراد إلّا أن قتادة قال:\nلمّا أنزل الله جلّ وعزّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ حسد اليهود المسلمين فأنزل الله جلّ وعزّ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ أي من خلقه وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أي على عباده.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٢٨.","vol":"4","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3675>٥٨ شرح إعراب سورة المجادلة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3676>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)\nقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها قال أبو جعفر بن محمد: إن شئت أدغمت الدال في السين فقلت: قد سمع، لأن مخرج الدال والسين جميعا من طرف اللسان، وإن شئت بيّنت فقلت: قد سمع الله لأن الدال والسين وإن كانتا من طرف اللسان فليستا من موضع واحد لأن الدال والتاء والطاء من موضع واحد، والسين والصاد والزاي من موضع واحد. يسمّين حروف الصفير، وأيضا فإن السين منفصلة من الدال.\nوَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ أي تشتكي المجادلة إلى الله جلّ وعزّ ما بظهار زوجها وتسأله الفرج. وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما أي تحاور النبيّ ﷺ والمجادلة إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ أي لما يقولانه وغيره. بَصِيرٌ بما يعملانه وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3677>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢]</span>\nالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)\nالَّذِينَ رفع بالابتداء، ويجوز على قول سيبويه أن يكون في موضع نصب ببصير يظّهارون «١» قراءة الحسن وأبي عمرو ونافع، وقرأ أبو جعفر وشيبة ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي يظهرون وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعاصم يَظْهَرُونَ وحكى الكسائي أنّ في حرف أبيّ يتظاهرون حجة لمن قرأ يظهرون لأن التاء مدغمة في الظاء وأصحّ من هذا ما رواه نصر بن علي عن أبيه عن هارون قال: في حرف أبيّ يتظهّرون حجّة لمن قرأ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٦٩، والبحر المحيط ٨/ ٢٣١.","vol":"4","page":247},{"text":"يظّهرون لأن التاء أدغمت في الظاء أيضا. مّا هنّ أمّهاتهم «١» خبر «ما» شبّهت بليس، وقال الفرّاء: بأمهاتهم فلما حذفت الباء بقي لها أثر فنصب الاسم. إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ مبتدأ وخبر، و«إن» بمعنى «ما» وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ أي ما لا يصحّ. وَزُورًا قال قتادة: أي كذبا ونصبت منكرا وزورا ويقولون لو رفعته لانقلب المعنى وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ أي ذو عفو وصفح عمن تاب. غَفُورٌ له لا يعذّبه بعد التوبة، وقيل هذا لأنهم كانوا يطلّقون في الجاهلية بالظّهار. قال أبو قلابة: كان الرجل في الجاهلية إذا ظاهر من امرأته فهو طلاق بتات فلا يعود إليه أبدا، فأنزل الله ﷿ هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3678>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٣]</span>\nوَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)\nقال أبو جعفر: اختلف العلماء في معنى العود فقال قوم ممن يقول بالظاهر: لا يجب عليه الكفّارة حتّى يظاهر مرة ثانية، وحكوا ذلك عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، وقال قتادة: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا هو أن يعزم بعد الظّهار على وطئها وغشيانها، وقال بعض الفقهاء: عوده أن يمسكها ولا يطلّقها بعد الظهار فتجب عليه الكفارة، وقال القتبيّ: هو أن يعود لما كان يقال في الجاهلية وقال أبو العالية: لِما قالُوا أي فيما قالوا، وقال الفرّاء «٢»: لما قالوا وإلى ما قالوا وفيما قالوا واحد، يريد يرجعون عن قولهم، وقال الأخفش: فيه تقديم وتأخير أي فتحرير رقبة لما قالوا. ومن أبينها قول قتادة أي ثم يعودون إلى ما قالوا من التحريم فيحلّونه. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أو فعليهم تحرير رقبة، ويجوز عند النحويين البصريين فتحرير رقبة. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا من قبل أن يمسّ الرجل المرأة، ومن قبل أن تمسّ المرأة الرجل، وهذا عام غير أن سفيان كان يقول: له ما دون الجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3679>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٤]</span>\nفَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)\nمِنْ في موضع رفع بالابتداء أي فمن لم يجد الرقبة والمفعول يحذف إذا عرف المعنى فعليه صيام شهرين، ويجوز صيام شهرين على أن شهرين ظرف، وإن شئت كان\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٣١ (قرأ الجمهور بالنصب على لغة الحجاز، والمفضل عند عاصم بالرفع على لغة تميم، وابن مسعود بأمهاتهم بزيادة الباء) .\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٣٩.","vol":"4","page":248},{"text":"مفعولا على السعة فإذا قلت: صيام شهرين لم يجز أن يكون ظرفا. وعلى هذا حكى سيبويه فيما يتعدّى إلى مفعولين: [الرجز] ٤٧٠-\nيا سارق اللّيلة أهل الدار\n«١» فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا أي فمن لم يستطع الصوم لهرم أو زمانة فعليه إطعام ستين مسكينا، ويجوز تنوين إطعام، وليس هاهنا من قبل أن يتماسّا ولكنه يؤخذ من جهة الإجماع ذلك ليؤمنوا بالله ورسوله. قال أبو إسحاق: أي ذلك التغليظ، وقال غيره: فعلنا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله أي لتصدّقوا بما جاءكم فتؤمنوا. وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي هذه فرائض الله جلّ وعزّ التي حدّها وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ أي لمن كفر بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3680>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥)\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي يخالفون الله ورسوله ويصيرون في حدّ أعدائه.\nكُبِتُوا أي غيظوا، وقال بعض أهل اللغة: أي هلكوا، قال: والأصل كبدوا من قولهم: كبده إذا أصابه بوجع في كبده كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الكاف في موضع نصب لأنّها نعت لمصدر ولهم عذاب مهين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3681>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٦]</span>\nيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)\nيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ العامل في يوم «عذاب»، ولا يجوز عند البصريين أن يكون مبنيا إذا كان بعده فعل مستقبل وإنما يبنى إذا كان بعده ماض أو ما ليس بمعرب فإذا كان هكذا بني، لأنه لما كان يحتاج إلى ما بعده ولا بد له منه أجري مجراه. فأما الكوفيون فيقولون: إنما بني لأنه بمعنى إذا فيبنى لبنائها. جَمِيعًا منصوب على الحال أي يوم يبعثهم الله من قبورهم إلى القيامة في حال اجتماعهم. فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أي فيخبرهم بما أسرّوه وأخفوه وغير ذينك من أعمالهم أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ أي عدّه وأثبته وحفظه ونسيه عاملوه. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي على كل شيء من أعمالهم شاهد عالم به.\n_________\n(١) الرجز بلا نسبة في الكتاب ١/ ٢٣٣، وخزانة الأدب ٣/ ١٠٨ و٤/ ٢٣٣، والدرر ٣/ ٩٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٦٥٥، وشرح المفصل ٢/ ٤٥، والمحتسب ٢/ ٢٩٥، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٣.","vol":"4","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3682>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٧]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)\nأي ألم تنظر بعين قلبك فتعلم أن الله جلّ وعزّ يعلم ما في السّموات وما في الأرض لا يخفى عليه شيء من صغيرة ولا كبيرة فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ قال مقاتل بن حيان عن الضحاك قال: هو تعالى فوق عرشه وعلمه معهم. وخفض ثلاثة على البدل من «نجوى» ويجوز أن يكون مخفوضا بإضافة نجوى إليه، ويجوز رفعه على موضع نجوى، ويجوز نصبه على الحال من المضمر الذي في نجوى إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ مبتدأ وخبره، وحكى الفراء «١» أن في حرف عبد الله ولا أربعة إلّا هو خامسهم وحكى أبو حاتم أن في حرف عبد الله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلّا الله رابعهم ولا خمسة إلّا الله سادسهم ولا أقلّ من ذلك ولا أكثر إلّا الله معهم إذا انتجوا. قال أبو جعفر: وهذه القراءة إن صحّت فإنما هي على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها إلا على ذلك وقرأ يزيد بن القعقاع ما تكون «٢» من نجوى ثلاثة وهذه القراءة وإن كانت مخالفة لحجة الجماعة فهي موافقة للسواد جائزة في العربية لأن نجوى مؤنثة باللفظ و«من» فيها زائدة، كما تقول: ما جاءني من رجل، وما جاءتني من امرأة، والتقدير: ولا يكون من نجوى أربعة إلّا هو خامسهم، وحكى هارون عن عمرو عن الحسن أنه قرأ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ «٣» إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ عطفه على الموضع ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أي ثم ينبئهم بما تناجوا به إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من نجواهم وسرارهم وغير ذلك من أعمالهم وأعمال عباده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3683>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)\nقال مجاهد: هم قوم من اليهود وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة «٤» ينتاجون بالإثم والعدوان ويتناجون أبين لأنهم قد أجمعوا على أن قرءوا\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٤٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٣٣. [.....]\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ١٤٠، والبحر المحيط ٨/ ٢٣٣ (قرأ الجمهور «ولا أكثر» عطفا على لفظ المخفوض، والحسن وابن أبي إسحاق والأعمش وأبو حياة وسلام ويعقوب بالرفع عطفا على موضع نجوى) .\n(٤) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٣٤، وتيسير الداني ١٦٩.","vol":"4","page":250},{"text":"إذا تناجيتم فلا تتناجوا إلّا شيئا روي عن ابن مسعود أنه قرأ أيضا وينتجون بالإثم والعدوان وعصيان الرسول وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ. قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناه. وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ أي هلّا يعاقبنا على ذلك في وقت قولنا حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ مبتدأ وخبره، وحكى النحويون أنه يقال:\nحسبك ولا يلفظ له بخبر لأنه قد عرف معناه، وقيل: فيه معنى الأمر لأن معناه اكفف فلما كان الأمر لا يؤتى له بخبر حذف خبر ما هو بمعناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3684>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ فيه ثلاثة أجوبة فلا تتناجوا بتاءين، ولا تناجوا بتاء واحدة ولا تناجوا بإدغام التاء في التاء. فمن جاء به بتاءين، قال: هي كلمة مبتدأ بها وهي منفصلة مما قبلها، ومن جاء به بتاء واحدة حذف لاجتماع التاءين مثل تذكرون وتتذكّرون، ومن أدغم قال: اجتمع حرفان مثلان وقبلهما ألف والحرف المدغم قد يأتي بعد الألف مثل دواب وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ أي بما يقربكم من الله جلّ وعزّ وَالتَّقْوى أي باتّقائه بأداء فرائضه واجتناب ما نهى عنه. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي الذي إليه مصيركم ومجمعكم فيجزيكم بأعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3685>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٠]</span>\nإِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)\nإِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ أصحّ ما قيل فيه قول قتادة قال: كان المنافقون يتناجون بحضرة النبيّ ﷺ فيسوء ذلك المسلمين ويكبر عليهم فأنزل الله جلّ وعزّ: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا الآية ويدلّ على صحّة هذا القول ما قبله وما بعده من القرآن. وقال ابن زيد: كان الرجل يناجي النبيّ ﷺ في الحاجة ويفعل ذلك ليرى الناس أنه ناجى النبيّ ﷺ فيوسوس إبليس للمسلمين فيقول: إنما هذه المناجاة لجموع قد اجتمعت لكم وأمر قد حضر ترادون به فيحزنون لذلك. وفي الآية قول ثالث ذكره محمد بن جرير، قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا يحيى بن واضح قال:\nحدّثنا يحيى بن داود البجلي قال: سئل عطية العوفي وأنا أسمع عن الرؤيا فقال: الرؤيا على ثلاثة منازل منها ما يوسوس به الشيطان فذلك قول الله جلّ وعزّ: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ومنها ما يحدث الرجل به نفسه فيراه في منامه ومنها أخذ باليد، ويقرأ لِيَحْزُنَ والأول أفصح. وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال محمد بن جرير: أي بقضاء الله وقدره، وقيل: بِإِذْنِ اللَّهِ بما أذن الله جلّ وعزّ فيه، وهو غمّهم","vol":"4","page":251},{"text":"بالمؤمنين لأنه جلّ ثناؤه قد أذن في ذلك وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي ليكلوا أمرهم إليه ولا تحزنهم النجوى وما يتسارّ به المنافقون إذا كان الله جلّ وعزّ يحفظهم ويحوطهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3686>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)\nفي المجلس «١» وروي عن الحسن وقتادة أنهما قرأ إذا قيل لكم تفاسحوا قال الفراء «٢»: مثل تعهدت ضيعتي وتعاهدت، وقال أهل اللغة: تعهّدت أفصح لأنه فعل من واحد، وقال الخليل: لا يقال إلّا تعهّدت لأنه فعل من واحد. وقرأ الحسن وعاصم فِي الْمَجالِسِ وقراءة العامة في المجلس وقال أبو جعفر: واختلف العلماء في معناه فصحّ عن مجاهد أنه قال: هو مجلس النبيّ ﷺ خاصة، وصح عن قتادة أنه قال: كان الناس يتنافسون في مجلس النبيّ ﷺ لا يكاد بعضهم يوسع لبعض فأنزل الله جلّ وعزّ يعني هذا، وروي عن قتادة أنه في مجلس الذكر، وقال الحسن «٣» ويزيد بن أبي حبيب: هذا في القتال خاصة. قال أبو جعفر: وظاهر الآية للعموم، فعليه يجب أن يحمل ويكون هذا لمجلس النبيّ ﷺ خاصة وللحرب ولمجالس الذكر ولا نعلم قولا رابعا والمعنى يؤدّي عن معنى مجالس، وأيضا فإن الإنسان إذا خوطب أن يوسع مجلسه ومعه جماعة قد أمروا بما أمر به فقد صارت مجالس. يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ جواب الأمر، وفيه معنى المجازاة ومكان فسيح أي واسع. وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا قراءة أبي جعفر ونافع وشيبة وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وأهل الكوفة انْشُزُوا فَانْشُزُوا «٤» وهما لغتان بمعنى واحد، وأبو عبيد يختار الثانية. ولو جاز أن يقع في هذا اختيار لكان الضم أولى لأنه فعل لا يتعدى مثل قعد يقعد لأن الأكثر في كلام العرب فيما لا يتعدى أي يأتي مضموما وفيما يتعدّى أن يأتي مكسورا مثل ضرب يضرب. وأما المعنى فأصح ما قيل فيه أنه النشوز إلى كل خير من أمر بمعروف ونهي عن منكر أو قتال عدو أو تفرّق عن النبيّ ﷺ لئلا يلحقه أذى. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ قيل: أي يرفعهم في الثواب والكرامة، وقيل: يرفعهم من الارتفاع أي يرفعهم على غيرهم ممن لا يعلم ليبيّن فضلهم وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي يخبره فيجازي عليه.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٣٥، وتيسير الداني ١٦٩ (قرأ عاصم «في المجالس» بألف على الجمع والباقون بغير على ألف على التوحيد) .\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٤١.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٣٥.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٦٩.","vol":"4","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3687>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كانوا قد آذوا النبي ﷺ بكثرة سرارهم فأراد الله جلّ وعزّ أن يخفّف عنه فأمرهم بهذا فتوقّفوا عن السّرار ثم وسّع عليهم ولم يضيّق. قال مجاهد: لم يعمل أحد بهذه الآية إلا علي بن أبي طالب ﵁ تصدّق بدينار ثم سار النبيّ ﷺ ثم نسخت، وقال رحمة الله عليه: بي خفّف عن هذه الأمة. قال لي النبيّ ﷺ: «ما ترى أيتصدّق من سارّ بدينار قلت: لا، قال: فبدرهم قلت: لا، قال: بكم؟ قلت: بحبة من شعير، فقال: إنك لزهيد» «١» ثم نزل التخفيف فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي لا يكلّف من لا يجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3688>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٣]</span>\nأَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣)\nأصل الإشفاق في اللغة الحذر والخوف ومن هذا لا يحلّ لأحد أن يصف الله جلّ وعزّ بالاشفاق ولا يقول: يا شفيق. قال مجاهد: أأشفقتم أي أشقّ عليكم فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فإذا تاب عليكم لم يؤاخذهم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أي فافعلوا ما لم يسقط عنكم فرضه وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي فيما أمركم به وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي فيجازيكم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3689>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٤]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي ألم تنظر بعين قلبك فتراهم. ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ الضمير يعود على الذين وهم المنافقون ليسوا من المؤمنين أي من أهل دينهم وملّتهم ولا من الذين غضب الله عليهم وهم اليهود وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يحلفون أنّهم مؤمنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3690>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٥]</span>\nأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)\nما في موضع رفع أي ساء الشيء الذين يعملونه، وهو غشّهم المؤمنين، ونصحهم الكافرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3691>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٦]</span>\nاتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦)\nاتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً أي اتخذوا حلفهم للمؤمنين أنّهم منهم حاجزا لدمائهم وأموالهم، وهذا معنى فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لأن سبيل الله جلّ وعزّ في أهل الأوثان أن\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في التفسير ١٢/ ١٨٦.","vol":"4","page":253},{"text":"يقتلوا، وفي أهل الكتاب أن يقتلوا إلّا أن يؤدّوا الجزية فلما أظهر هؤلاء الإيمان وهم كفار صدّوا المؤمنين بما أظهروه عن قتلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3692>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٧]</span>\nلَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧)\nأي لن تنتفعوا بالأموال فتفتدوا بها، ولن ينفعهم أولادهم فينصروهم ويستنقذوهم مما هم فيه من العذاب. أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ويجوز النصب على الحال في غير القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3693>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٨]</span>\nيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨)\nيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ أي فيحلفون له على الباطل، وهذا دليل بيّن على بطلان قول من قال: إنّ أحدا لا يتكلّم يوم القيامة إلّا بالحق لما يعاين.\nوَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أي على شيء ينفعهم. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ كسرت إنّ لأنها مبتدأة، وسمعت علي بن سليمان يجيز فتحها لأن معنى ألا حقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3694>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١٩]</span>\nاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)\nاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ هذا مما جاء على أصله ولو جاء على الإعلال لكان استحاذ، كما يقال: استصاب فلان رأي فلان ولا يقال: استصوب. قال أبو جعفر: إنما جاء على أصله مما يؤخذ سماعا من العرب لا مما يقاس عليه، وقيل: يعلّ الرباعي اتباعا للثلاثي فلما كان يقال: استحوذ عليه إذا غلبه ولا يقال حاذ في هذا المعنى، وإنما يقال: حاذ الإبل إذا جمعها فلمّا لم يكن له ثلاثيّ جاء على أصله.\nأُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ حزبه أولياؤه وأتباعه وجموعه والخاسر الذي قد خسر في صفقته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3695>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قال قتادة: يعادونه وقال مجاهد: يشاقون، وقيل:\nمعناه يخالفون حدود الله جلّ وعزّ فيما أمر به. وحقيقته في العربية يصيرون في حدّ غير حدّه الذي حدّه، والأصل يحاددون فأدغمت الدال في الدال. أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ أي ممن يلحقه الذل، وأولئك وما بعد خبر عن الذين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3696>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢١]</span>\nكَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)\nكَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي قيل: أي كتب في اللوح المحفوظ، وجعله","vol":"4","page":254},{"text":"الفراء «١» مجازا جعل كتب بمعنى «قال» أي الله لأغلبنّ أنا ورسلي أي من حادّنا، «ورسلي» معطوف على المضمر الذي في «لأغلبن» و«أنا» توكيد. قال أبو جعفر: وهذه اللغة الفصيحة، وأجاز النحويون جميعا في الشعر: لأقومنّ وزيد، وأجاز الكوفيون وجماعة من أهل النظر أن يعطف على المضمر المرفوع من غير توكيد لأنه يتّصل وينفصل فخالف المضمر المخفوض إِنَّ «٢» اللَّهَ قَوِيٌّ أي ذو قوّة وقدرة على أن كتب فيمن خالفه وخالف رسله عَزِيزٌ في انتقامه لا يقدر أحد أن ينتصر منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3697>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٢]</span>\nلا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)\nأصحّ ما روي في هذا أنه نزل في المنافقين الذين والوا اليهود لأنهم لا يقرّون بالله جلّ وعزّ على ما يجب الإقرار به ولا يؤمنون باليوم الآخر فيخافون العقوبة ويُوادُّونَ في موضع نصب لأنه خبر تجد أو نعت لقوم. وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أي ولو كان الذين حادّوا الله ورسوله آباءهم، جمع أب على الأصل، والأصل فيه أبو والتثنية أيضا على الأصل عند البصريين لا غير، وحكى الكوفيون: جاءني أبان أَوْ أَبْناءَهُمْ جمع ابن على الأصل والأصل فيه: بني الساقط منه ياء، والساقط من أب واو فأما أب فقد دل عليه التثنية وأما ابن فدلّ عليه الاشتقاق.\nقال أبو إسحاق: هو مشتقّ من بناه أبوه يبينه. قال أبو جعفر: وقد غلط بعض النحويين فقال: الساقط منه واو لأنه قد سمع البنوة. أَوْ إِخْوانَهُمْ جمع أخ على الأصل، كما تقول: ورل وورلان أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ قيل: هو مجاز، و«في» بمعنى اللام أي كتب لقلوبهم الإيمان، وقد علم أن المعنى كتب لهم، وقيل: هو حقيقة أي كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنّهم مؤمنون وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ قيل: بنور وهدى وقيل بجبرائيل ﷺ ينصرهم ويؤيّدهم ويوفّقهم وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها على الحال. ﵃ أي بطاعتهم في الدنيا. وَرَضُوا عَنْهُ بإدخالهم الجنة. أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أي جنده وجماعته. وتحزّب القوم تجمّعوا أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قيل: أي الذين ظفروا بما أرادوا.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٤٢.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٧٠ (فتحها نافع وابن عامر) .","vol":"4","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3698>٥٩ شرح إعراب سورة الحشر</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3699>[سورة الحشر (٥٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)\nأي في انتقامه ممن عصاه. الْحَكِيمُ في تدبيره، وهُوَ مبتدأ والْعَزِيزُ خبره والْحَكِيمُ نعت للعزيز، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3700>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢]</span>\nهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)\nهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي بمحمد ﷺ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ من اليهود وهم بنو النضير مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ صرفت أولا لأنه مضاف، ولو كان مفردا كان ترك الصرف فيه أولى على أنه نعت، ومن جعله غير نعت صرفه ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا «أن» في موضع نصب بظننتم، وهي تقوم مع صلتها مقام المفعولين عند النحويين إلّا محمد بن يزيد فإن أبا الحسن حكى لنا عنه أن المفعول الثاني محذوف، وكذا القول في وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أي لم يظنّوا من قولهم: ما كان هذا في حسباني أي في ظني، ولا يقال: في حسابي لأنه لا معنى له هاهنا، ويجوز أن يكون معنى «لم يحتسبوا» لم يعلموا، وكذا قيل في قول الناس: حسيبه الله أي العالم بخبره والذي يجازيه الله جلّ وعزّ، وقيل معنى قولك: حسيبك الله كافيّ إياك الله. من قولهم: أحسبه الشيء، إذا كفاه، وقيل: حسيبك أي محاسبك مثل شريب بمعنى مشارب، وقيل: حسيبك أي مقتدر عليك، ومنه وكان الله على كل شيء حسيبا.\nوَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ومن قال: في قلوبهم الرّعب جاء به على الأصل «١»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٠ (قرأ أبو عمرو مشدّدا والباقون مخفّفا) .","vol":"4","page":256},{"text":"يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ويخرّبون على التكثير، وقد حكى سيبويه أنّ فعّل يكون بمعنى أفعل كما قال: [الطويل] ٤٧١-\nومن لا يكرم نفسه لا يكرم\n«١» فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ أي فاتعظوا واستدلّوا على صدق النبيّ ﷺ بأن الله جلّ وعزّ ناصره لما يريكم في أعدائه وبصدق ما أخبركم به. واشتقاقه من عبر إلى كذا إذا جاز إليه، والعبرة هي المتجاوزة من العين إلى الخدّ. قال الأصمعي: وقولهم: فلان عبر أي يفعل أفعالا يورث بها أهله العبرة وفي معنى يا أُولِي الْأَبْصارِ قولان:\nأحدهما أنه من بصر العين، والآخر أنه من بصر القلب. قال أبو جعفر: وهذا أولى بالصواب، لأن الاعتبار إنما يكون بالقلب، وهو الاتّعاظ والاستدلال بما مرّ. فقد قيل:\nإن النبيّ ﷺ خبّرهم بهذا أنه يكون فكان على ما وصف فيجب أن تعتبروا بهذا وغيره، كما قال جلّ وعزّ: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧] فكان كما قال، وقال جلّ ذكره: سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ [المسد: ٣] ذلك وقال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة: ٩٥] فلم يتمنه أحد منهم، وكذا وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧] فقالوا ذلك، وكذا وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم: ٣] كذا قوله ﷺ لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية» «٢» وقوله ﵇ لعلي بن أبي طالب ﵁ يوم كتب: «من محمد رسول الله» فساموه محوها فاستعظم ذلك علي ﵁ فقال له النبيّ ﷺ: «إنّك ستسام مثلها» «٣» فكان ذلك على ما قال، وكذلك قوله في ذي الثديّة «ومن ينجو من الخوارج» «٤» فكان الأمر كما قال، وكذلك قوله في كلاب الحوأب قولا محدّدا، وكذلك قوله في فتح المدينة البيضا وفي فتح مصر، وأوصى بأهلها خيرا فهذا كله مما يعتبر به وقال جلّ وعزّ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] فعصمه حتّى مات على فراشه، وقال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: ٥٥] فاستخلف ممّن خوطب بهذا أربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃، وكان هذا موافقا لقوله صلّى الله عليه «الخلافة بعدي ثلاثون» ومما يعتبر به تمثيلاته التي لا تدفع، منها حديث أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله كيف يحيي\n_________\n(١) انظر الفهارس العامة.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه- الفتن ٧٠، وأحمد في مسنده ٢/ ١٦١، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ١٨٩، والطبراني في المعجم الكبير ١/ ٣٠٠، والمتقي في كنز العمال (٢٣٧٣٦) .\n(٣) أخرجه الترمذي في سننه- المناقب ١٣/ ٢٠٩.\n(٤) أخرجه ابن ماجة في سننه باب ١٢ الحديث (١٦٧)، وأبو داود في سننه، الحديث رقم (٤٧٦٣) . [.....]","vol":"4","page":257},{"text":"الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: «يا أبا رزين أما مررت بوادي أهلك محلا ثم مررت به يهتزّ خضرا فكذلك يحيي الله الموتى وكذلك آيته تعالى في خلقه» فهذا التشبيه الباهر الذي لا يلحق، ولذلك قوله في تمثيل الميّت بالنائم وبعثه باليقظة. وهذا أشكل شيء بشيء، فبهذا يعتبر أولو الأبصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3701>[سورة الحشر (٥٩): آية ٣]</span>\nوَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣)\nحكى أهل اللغة أنه يقال: جلا القوم عن منازلهم وأجليتهم هذا الفصيح، وحكى أحمد بن يحيى ثعلب أجلوا، وحكى غيره جلوا عن منازلهم يجلون، واستعمل فلان على الجالية والجالّة، وقرأ أكثر الناس، وهي اللغة الفصيحة المعروفة من كلام العرب التي نقلتها الجماعة التي تجب بها الحجّة، وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ بكسر الهاء وضم الميم، فمن قرأ بها: أبو جعفر وشيبة ونافع وعبد الله بن عامر وعاصم، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ بضم الهاء والميم وقرأ أبو عمرو بن العلاء عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ بكسر الهاء والميم. قال أبو جعفر: والقراءة الأولى كسرت فيها الهاء لمجاوزتها الياء فاستثقلت ضمة بعد ياء، وأيضا فإن آخر مخرج الهاء عند مخرج الياء وضمّت الميم لأن أصلها الضم فردّت إلى أصلها، وهذه القراءة البينة والقراءة الثانية على الأصل إلّا أن الأعمش والكسائي لا يقرآن عليهم إلّا أن يلقى الميم ساكن، ولا يعرف عن أحد من القراء من جهة صحيحة أنه قرأ عليهم إلا حمزة ثم إنه خالف ذلك فقرأ فيهم ولم يضمّ إلّا في عليهم وإليهم ولديهم إلا ابن كيسان احتجّ له في تخصيصه هذه الثلاثة، فقال: عليهم وإليهم ولديهم ليست الياء فيهنّ ياء محضة، وأصلها الألف، لأنك تقول: على القوم، فلهذا أقرّوها على ضمتها لأن الياء أصلها الألف، والياء في «في» ياء محضة. قال: وسألت أبا العباس لم قرأ الكسائي عليهم بكسر الهاء فلما قال: (عليهم) ضمّها؟ فقال: إنما كسرها اتباعا للياء لأن الكسرة أخت الياء فلما اضطرّ إلى ضمّ الميم لالتقاء الساكنين لأن الضم أصلها كان الأولى أن يتبع الهاء الميم فيضمّها أي لأن أصلها الضم وبعدها مضموم. قال أبو جعفر: وهذا أحسن ما قيل في هذا، فأما قراءة أبي عمرو عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ففيها حجتان إحداهما أنه كسر الميم لالتقاء الساكنين. وهذه حجة لا معنى لها لأنه إنما يكسر لالتقاء الساكنين ما لم يكن له أصل في الحركة فأما أن تدع الأصل وتجتلب حركة أخرى فغير جائز، والحجة الأخرى صحيحة، وهو إنما كسر الهاء اتباعا للياء لأنه استثقل ضمة بعد ياء، وكذلك أيضا استثقل ضمة بعد كسرة فأبدل منها كسرة اتباعا كما فعل بالهاء فقال عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ أي مع الخزي الذي لحقهم في الدنيا من الجلاء. قال قتادة: الجلاء الخروج من بلد إلى بلد،","vol":"4","page":258},{"text":"وقيل: معنى كتب حتم وهو مجاز، وقيل: كتبه في اللوح المحفوظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3702>[سورة الحشر (٥٩): آية ٤]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤)\nيكون ذلِكَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك، ويجوز أن يكون في موضع نصب أي فعلنا بهم ذلك، ويجوز أن يكون في موضع رفع أيضا أي ذلك الخزي وعذاب النار لهم بأنهم خالفوا الله ورسوله وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ في موضع جزم بالشرط، وكسرت القاف لالتقاء الساكنين، ويجوز فتحها لثقل التشديد والكسر إلّا أنّ الفتح إذا لم يلقها ساكن أجود مثل مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [المائدة: ٥٤] وإذا لقيها ساكن كان الكسر أجود، كما قال: [الوافر] ٤٧٢-\nفغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا\n«١» فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ جواب الشرط أي شديد عقابه لمن حادّه وحادّ رسوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3703>[سورة الحشر (٥٩): آية ٥]</span>\nما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)\nفي معنى «اللّينة» ثلاثة أقوال عن أهل التأويل: روى سفيان عن داود بن أبي هند عن عكرمة بن عباس قال: اللينة النخل سوى العجوة، وهذا قول سعيد بن جبير وعكرمة والزهري ويزيد بن رومان، وقول مجاهد وعمر بن ميمون: إنه لجميع النخل، وكذا روى ابن وهب عن ابن زيد قال: اللّينة النخل كانت فيها عجوة أو لم تكن، وقال سفيان: هي كرائم النخل. وهذه الأقوال صحيحة لأن الأصمعي حكى مثل القول الأول فيكون لجميع النخل، ويكون ما قطعوا منها مخصوصا فتتفق الأقوال. ولينة مشتقّة عند جماعة من أهل العربية من اللون، وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وفي الجمع ليان كما قال: [المتقارب] ٤٧٣-\nوسالفة كسحوق اللّبا ... ن أضرم فيها الغويّ السّعر\n«٢» وقال بعضهم: هي مشتقّة من لان يلين، ولو كانت من اللون، قيل في الجميع لو أن. وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ أي وليذلّ من خرج من طاعته جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3704>[سورة الحشر (٥٩): آية ٦]</span>\nوَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)\nهذا عند أهل التفسير في بني النضير لأنه لم يوجف عليهم بخيل ولا جمال،\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (١٦٧) .\n(٢) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ١٦٥، ولسان العرب (لبن)، وجمهرة اللغة ٦٧٤، وتاج العروس (لون) وبلا نسبة في لسان العرب (سحق) وتهذيب اللغة ٤/ ٢٥، والمخصّص ١١/ ١٣٢.","vol":"4","page":259},{"text":"وإنما صولحوا على الجلاء فملّك الله تعالى مالهم النبيّ ﷺ يحكم فيه بما أراد وكان فيه فدك فصحّ عن الصحابة منهم عمر ﵁ أن النبيّ ﷺ كان يأخذ منه ما يكفيه وأهله ويجعل الباقي في السلاح الذي يقاتل به العدوّ وفي الكراع. فلما توفّي النبيّ ﷺ طالبت فاطمة ﵂ على أنه ميراث فقال لها أبو بكر ﵁: أنت أعزّ الناس عليّ غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» «١» ولكنّي أقرّه على ما كان يفعله فيه، وتابعه أصحابه بالشهادة على أن النبيّ ﷺ كذا قال حتّى صار ذلك إجماعا، وعمل به الخلفاء الأربعة لم يغيروا منه شيئا وأجروه مجراه في وقت النبيّ ﷺ فأما معنى «لا نورث ما تركنا صدقة» فقد تكلّم فيه العلماء فقال بعضهم: معنى «لا نورث» كمعنى لا أورث كما يقول الرجل الجليل: فعلنا كذا، وقيل: هو لجميع الأنبياء لأنه لم يورث أحد منهم شيئا من المال، وقالوا: معنى خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي [مريم: ٥] معناه خفت ألا يعملوا بطاعة الله جلّ وعزّ.\nويدل على هذا وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم: ٦] . ومعنى يَرِثُنِي النبوة والشريعة وكذلك وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [النمل: ١٦] ومعنى «ما تركنا صدقة» فيه أقوال: فمن أصحّها أنه بمنزلة الصدقة لأنه ﷺ لم يكن يملك شيئا. وإنما أباحه الله جلّ وعزّ هذا فكان ينفق منه على نفسه ومن يعوله، ويجعل الباقي في سبيل الله. فهذا قول، وقيل:\nبل قد كان تصدق بكل ما يملكه، وقيل: «ما» بمعنى الذي أي لا نورث الذي تركناه صدقة وحذفت الهاء لطول الاسم ويقال: «وجف» إذا أسرع، وأوجفه غيره وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ أي كما سلّطه على بني النضير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3705>[سورة الحشر (٥٩): آية ٧]</span>\nما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)\nفي هذه الآية أربعة أقوال: منها أنه الفيء الأول وأنّ ما صولح عليه المسلمون من غير قتال فهذا حكمه، وقيل: بل هذا غير الأول، وهذا حكم ما كان من الجزية ومال الخراج أن يقسم. وهذا قول معمر، وقيل: بل هذا ما قوتل عليه أهل الحرب. وهذا قول يزيد بن رومان. والقول الرابع أن هذا حكم ما أوجف عليه بخيل وركاب، وقوتل عليه فكان هذا حكمه حتّى نسخ بالآية التي في سورة «الأنفال» «٢» والصواب أن يكون هذا الحكم مخالفا للأول لأنه قد صحّ عمن تقوم به الحجّة أن الأول في بني النّضير وأنه جعل حكمه إلى النبيّ ﷺ، وهذا الثاني على خلاف ذلك لأنه فيه\n_________\n(١) انظر التمهيد لابن عبد البر ٨/ ١٧٥.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ١.","vol":"4","page":260},{"text":"لِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ويدلّك على هذا حديث عمر مع صحّة إسناده واستقامة طريقته قرئ على أحمد بن شعيب عن عبيد الله بن سعيد ويحيى بن موسى وهارون بن عبد الله قالوا: حدّثنا سفيان عن عمرو عن الزهري عن مالك بن أويس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في السلاح والكراع عدّة في سبيل الله. فقد دلّ هذا على أن الآية الثانية حكمها خلاف حكم الأولى لأن الأولى تدلّ على هذا إن ذلك شيء للنبيّ ﷺ، والآية الثانية، على خلاف ذلك قال الله جلّ وعزّ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ قيل: هذا افتتاح كلام، وكلّ شيء لله: والتقدير فلسبل الله وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وهم بنو هاشم وبنو المطّلب وَالْيَتامى وهم الّذين لم يبلغوا الحلم وقد مات آباؤهم، وَالْمَساكِينِ وهم الذين قد لحقهم ذلّ المسكنة مع الفاقة، وَابْنِ السَّبِيلِ وهم المسافرون في غير معصية المحتاجون كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ الضمير الّذي في يكون يعود على ما أي لا يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى دولة يتداوله الأغنياء فيعملون فيه ما يحبون، فقسمه الله جلّ وعزّ هذا القسم. وقرأ يزيد بن القعقاع كي لا تكون دولة «١» بالرفع وتأنيث «تكون» دولة اسم «تكون» «بين الأغنياء» الخبر، ويجوز أن يكون بمعنى يقع فلا يحتاج إلى خبر مثل إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً [البقرة:\n٢٨٢، والنساء: ٢٩] «وأغنياء» جمع غنيّ، وهكذا جمع المعتل وإن كان سالما جمع على فعلاء وفعال نحو كريم وكرماء وكرام، وقد قالت العرب في السالم: نصيب وأنصباء شبه بالمعتل وشبهوا بعض المعتل أيضا بالسالم. حكى الفرّاء «٢»: نفي ونفواء بالفاء شبّه بالسالم وقلبت ياؤه واوا. وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا حكى بعض أهل التفسير أنّ هذا في الغنائم واحتجّ بأن الحسن قال: وما أتاكم الرسول من الغنائم فخذوه وما نهاكم عنه من الغلول قال أبو جعفر: فهذا ليس يدلّ على أن الآية فيه خاصة بل الآية عامة. وعلى هذا تأولها أصحاب رسول الله فقال عبد الله بن مسعود:\nإن الله لعن الواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمّصة، فقيل له: قد قرأنا القرآن فما رأينا فيه هذا فقال: قد لعنهنّ رسول الله وقال الله وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وعن ابن عباس نحو من هذا في النهي عن الانتباذ في النّقير والمزفّت. وَاتَّقُوا اللَّهَ أي احذروا عقابه في عصيانكم رسوله. إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ أي شديد عقابه لمن خالف رسوله ﷺ.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٤٤، وتيسير الداني ١٧٠.\n(٢) انظر المنقوص والممدود ١٤.","vol":"4","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3706>[سورة الحشر (٥٩): آية ٨]</span>\nلِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)\nلِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ قيل: هو بدل ممن قد تقدّم ذكره بإعادة الحرف مثل لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [سبأ: ٣٢] لمن آمن منهم، وقيل: التقدير كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم لكي يكون للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم أي أخرجهم المشركون. يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا في موضع نصب على الحال، وكذا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ مبتدأ وخبره..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3707>[سورة الحشر (٥٩): آية ٩]</span>\nوَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)\nالَّذِينَ في موضع خفض أي للذين، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ أي انتقل إليهم وإذا كان الذين في موضع خفض كان يحبّون في موضع نصب على الحال أو مقطوعا مما قبله وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا معطوف عليه، وكذا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ أي فاقة إلى ما اثروا به. وكلّ كوّة أو خلل في حائط فهو خصاصة. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ «١» جزم بالشرط فلذلك حذفت الألف منه، ولا يجوز إثباتها إذا كان شرطا عند البصريين، ويجوز عند الكوفيين وشبّهوه بقول الشاعر:\n٤٧٤-\nألم يأتيك والأنباء تنمي\n«٢» والفرق بين ذا والأول أن الألف لا تتحرك في حال والياء والواو قد يتحرّكان وهذا فرق بيّن ولكن الكوفيين خلطوا حروف المدّ واللين فجعلوا حكمها حكما واحدا، وتجاوزوا ذلك من ضرورة الشعر إلى أن أجازوه في كتاب الله جلّ وعزّ، وحملوا قراءة حمزة لا تخف دركا ولا تخشى [طه: ٧٧] عليه في أحد أقوالهم. وأهل التفسير على أنّ الشحّ أخذ المال بغير الحقّ، وقد ذكرنا أقوالهم. والمعروف في كلام العرب أن الشّحّ أزيد من البخل، وأنه يقال: شحّ فلان يشحّ إذا اشتدّ بخله ومنع فضل المال، كما قال: [الوافر] ٤٧٥-\nترى اللّحز الشّحيح إذا أمرّت ... عليه لماله فيها مهينا\n«٣»\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٤٦ (قرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة «شحّ» بكسر الشين، والجمهور بإسكان الواو وتخفيف القاف، وضمّ الشين) .\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٢٩٩) .\n(٣) الشاهد لعمرو بن كلثوم في ديوانه ٦٥، ولسان العرب (سخن) وخزانة الأدب ٣/ ١٧٨، وشرح ديوان امرئ القيس ٣٢٠، وشرح القصائد السبع ٣٧٣، وشرح القصائد العشر ٣٢٢، وشرح المعلقات السبع ١٦٦، وتاج العروس (سخن)، وبلا نسبة في لسان العرب (لحز)، ومقاييس اللغة ٥/ ٢٣٧.","vol":"4","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3708>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٠]</span>\nوَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)\nيكون الَّذِينَ في موضع خفض معطوفا على ما قبله أي والذين، وعلى هذا كلام أهل التفسير والفقهاء، كما قال مالك ليس لمن شتم أصحاب الرسول ﷺ في الفيء نصيب لأن الله تعالى قال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا الآية، وقال قتادة: لم تؤمروا بسب أصحاب النبيّ وإنما أمرتم بالاستغفار لهم، وقال ابن زيد في معنى قوله وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا لا تورّث قلوبنا غلا لمن كان على دينك. رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ أي بخلقك. رَحِيمٌ لمن تاب منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3709>[سورة الحشر (٥٩): آية ١١]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا حذفت الألف للجزم، والأصل فيه الهمز لأنه من رأى والأصل يرأى يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ «يقولون» في موضع نصب على الحال. وعن ابن عباس الَّذِينَ نافَقُوا عبد الله بن أبيّ وأصحابه وإخوانهم من أهل الكتاب بنو النضير لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ أي من دياركم ومنازلكم لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ من ديارنا. وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا أي لا نطيع من سألنا خذلانكم. وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ كسرت إن لمجيء اللام، وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد أنه أجاز فتحها في خبرها اللام لأن اللام للتوكيد فلا تغيّر هاهنا شيئا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3710>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٢]</span>\nلَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢)\nلَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ أي لئن أخرج بنو النضير لا يخرج المنافقون معهم فخبر بالغيب، وكان الأمر على ذلك. وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ فخبّر جلّ وعزّ بما يعلمه فإن قيل: فما وجه رفع لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وظاهره أنه جواب الشرط وأنت تقول: إن أخرجوا لا يخرجوا معهم، ولا يجوز غير ذلك، واللام توكيد فلم رفع الفعل؟ فالجواب عن هذا، وهو قول الخليل وسيبويه رحمهما الله على معناهما أنه قسم. والمعنى والله لا يخرجون معهم إن أخرجوا، كما تقول: والله لا","vol":"4","page":263},{"text":"يقومون، ودخلت اللام في الأول لأنه شرط للثاني، وكذا ما بعده، وكذا ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ معطوف عليه، ويجوز أن يكون مقطوعا منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3711>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٣]</span>\nلَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣)\nأي في صدور بني النضير من اليهود، ونصبت رهبة على التمييز. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي من أجل أنّهم قوم لا يفقهون قدر عظمة الله جلّ وعزّ فهم يجترءون على معاصيه ولا يتخوّفون عقابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3712>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٤]</span>\nلا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)\nنصبت جَمِيعًا على الحال، وقرية وقرى عند الفرّاء شاذّ كان يجب أن يكون جمعه قراء مثل غلوة وغلاء. قال أبو جعفر: وأنكر أبو إسحاق هذا وأن يقال شاذّ لما نطق به القرآن، ولكنه مثل ضيعة وضيع جاء بحذف الألف.\nوقيل: هو اسم للجميع. أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ وقرأ أبو عمر وابن كثير أو من وراء جدار «١» وحكي عن المكيين أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بفتح الجيم وإسكان الدال، ويجوز جدر على أن الأصل جدر فحذفت الضّمة لثقلها. وجدر لغة بمعنى جدار، وجدار واحد يؤدّي عن جمع إلا أن الجمع أشبه بنسق الآية لأن قبله إِلَّا فِي قُرىً ولم يقل: إلّا في قرية تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا مفعول ثان لتحسب، وليس على الحال. وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى قال قتادة: أهل الباطل مختلفة أهواؤهم مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون على معاداة أهل الحقّ. قال مجاهد: وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى لأن بني النضير يهود والمنافقين ليسوا بيهود. وفي حرف «٢» ابن مسعود وقلوبهم أشتّ يكون أفعل بمعنى فاعل أو يحذف منه «من» ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ أي لا يعقلون ما لهم فيه الحظّ مما عليهم فيه النّقص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3713>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٥]</span>\nكَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥)\nكَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ المعنى مثلهم كمثل الذين من قبلهم حين تمادوا على العصيان فأهلكوا. واختلف أهل التأويل في الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هاهنا فقال ابن عباس:\nهم بنو قينقاع، وقال مجاهد هم أهل بدر. والصواب أن يقال في هذا: إنّ الآية عامة\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٤٧. انظر تيسير الداني ١٧٠ (قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الجيم وألف بعد الدال، وأمال أبو عمرو فتحة الدال والباقون «جدر» بضم الجيم والدال) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٤٨.","vol":"4","page":264},{"text":"وهؤلاء جميعا ممن كان قبلهم. قَرِيبًا نعت لظرف ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي ذاقوا عذاب الله على كفرهم وعصيانهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3714>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٦]</span>\nكَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦)\nالكاف في موضع رفع أي مثل المنافقين في غرورهم بني النضير ومثل بني النضير في قلوبهم منهم كمثل الشيطان. وفي معناه قولان: أحدهما أنه شيطان بعينه غرّ راهبا.\nوفي هذا حديث مسند قد ذكرناه، وهكذا روي عن علي بن أبي طالب ﵁.\nوالقول الآخر أن يكون الشيطان هاهنا اسما للجنس، وكذا الإنسان، كما روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هي عامّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3715>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٧]</span>\nفَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)\nعاقِبَتَهُما خبر كان وأن وصلتها اسمها. وقرأ الحسن فَكانَ عاقِبَتَهُما بالرفع، جعلها اسم كان، وذكّرها لأن تأنيثها غير حقيقي خالِدَيْنِ فِيها على الحال.\nوقد اختلف النحويون في الظرف إذا كرّر فقال سيبويه «١»: هذا باب ما يثنّى فيه المستقرّ توكيدا فعلى قوله نقول: إن زيدا في الدار جالسا فيها وجالس لا يختار أحدهما على صاحبه، وقال غيره: الاختيار النصب لئلا يلغى الظرف مرتين، وقال الفرّاء: «٢» إنّ النصب هاهنا هو كلام العرب قال: تقول: هذا أخوك في يده درهم قابضا عليه، والعلّة عنده في وجوب النصب أنه لا يجوز أن يقدّم من أجل الضمير فإن قلت: هذا أخوك في يده درهم قابض على دينار، جاز الرفع والنصب، وأنشد في ما يكون منصوبا:\n[الكامل] ٤٧٦-\nوالزّعفران على ترائبها ... شرقا به اللّبّات والنّحر\n«٣» قال أبو جعفر: وهذا التفريق عند سيبويه لا يلزم منه شيء، وقد قال سيبويه: لو كانت التثنية تنصب لنصبت. في قولك: عليك زيد حريص عليك. وهذا من أحسن ما قيل في هذا وأبينه لأنه بيّن أن التكرير لا يعمل شيئا. وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ قيل:\nيعني به بني النضير لأن نسق الآية فيهم، وكلّ كافر ظالم.\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ١٢٣.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٤٧.\n(٣) الشاهد للمخبّل السعدي في ديوانه ٢٩٣، ولسان العرب (شرق)، وتاج العروس (شرق)، وبلا نسبة في تاج العروس (ترب)، ولسان العرب (ترب)، والمخصص ٢/ ٢٠. [.....]","vol":"4","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3716>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ والأصل ولتنظر حذفت الكسرة لثقلها واتصالها بالواو أي لتنظر نفس ما قدّمت ليوم القيامة من حسن ينجيها أو قبيح يوبقها. والأصل في غد غدو وربما جاء على أصله ثم كرّر توكيدا فقال جلّ وعزّ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3717>[سورة الحشر (٥٩): آية ١٩]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩)\nيكون نسي بمعنى ترك أي تركوا طاعة الله جلّ وعزّ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ قال سفيان:\nأي فأنساهم حظّ أنفسهم. ومن حسن ما قيل فيه أنّ المعنى أنّ الله لما عذّبهم شغلهم عن الفكرة في أهل دينهم أو في خواصهم، كما قال فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٥٤] .\nأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي الخارجون عن طاعة الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3718>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٠]</span>\nلا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)\nلا يَسْتَوِي أي لا يعتدل. أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ وفي حرف ابن مسعود ولا أصحاب الجنّة تكون «لا» زائدة للتوكيد. أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ أي الذين ظفروا بما طلبوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3719>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢١]</span>\nلَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)\nمُتَصَدِّعًا نصب على الحال أي فزعا لتعظيمه القرآن. مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ودلّ بهذا على أنه يجب أن يكون من معه القرآن خائفا حذرا معظّما له منزها عمن يخالفه.\nوَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ أي يعرفهم بهذا. لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فينقادون إلى الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3720>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٢]</span>\nهُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)\nهُوَ مبتدأ، ومن العرب من يسكّن الواو فمن أسكنها حذفها هاهنا لالتقاء الساكنين، اسم الله جلّ وعزّ خبر الابتداء، الَّذِي من نعته. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ في الصلة أي الذي لا تصلح الألوهة إلّا له لأن كل شيء له هو خالقه فالألوهة له وحده عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ نعت، ولو كان بالألف واللام في الأول لكان الثاني منصوبا، وجاز الخفض هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ والرحمة من الله جلّ وعزّ التفضل والإحسان إلى من يرحمه.","vol":"4","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3721>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٣]</span>\nهُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)\nهُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ومن نصب قال: إلّا إياه وأجاز الكوفيون إلّاه على أن الهاء في موضع نصب، وأنشدوا: [البسيط] ٤٧٧-\nفما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألّا يجاورنا إلّاك ديّار\n«١» قال أبو جعفر: وهذا خطأ عند البصريين لا يقع بعد «إلّا» ضمير منفصل لاختلافه، وأنشد محمد بن يزيد: «ألّا يجاورنا سواك ديّار» الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ نعت والملك مشتقّ من الملك والمالك مشتقّ من الملك، و«القدّوس» مشتقّ من القدس وهو الطهارة كما قال حسان بن ثابت: [الوافر] ٤٧٨-\nوجبريل أمين الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء\n«٢» قال كعب: روح القدس جبرائيل ﵇. قال أبو زيد: القدس الله جلّ وعزّ وكذا القدوس وقال غيره: قيل لجبرائيل ﷺ: روح الله لأنه خلقه من غير ذكر وأنثى ومن هذا قيل لعيسى ﷺ: روح الله جلّ وعزّ لأنه خلقه من غير ذكر، والله القدوس أي مطهّر مما نسبه إليه المشركون. وقرأ أبو الدينار الأعرابي الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ بفتح القاف. قال أبو جعفر: ونظير هذا من كلام العرب جاء مفتوحا نحو سمّور وشبّوط ولم يجيء مضموما إلّا «السّبّوح» و«القدّوس» وقد فتحا السَّلامُ أي ذو السلامة من جميع الآفات. والسلام في كلام العرب يقع على خمسة أوجه: السلام التحيّة، والسلام السّواد من القول قال الله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا [الفرقان: ٦٣] ليس يراد به التحية، والسلام جمع سلامة، والسلام بمعنى السلامة كما تقول: اللّذاذ واللّذاذة، «السلام» اسم الله من هذا أي صاحب السلامة والسلام شجر قوي واحدها سلامة. قال أبو إسحاق: سمّي بذلك لسلامته من الآفات. الْمُؤْمِنُ «٣» فيه ثلاثة أقوال: منها أن معناه الذي آمن عباده من جوره، وقيل: المؤمن الذي آمن أولياءه من عذابه، وقال أحمد بن يحيى ثعلب الله جلّ وعزّ: المؤمن لأنه يصدّق عباده\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٢٩، وأمالي ابن الحاجب ٣٨٥، وأوضح المسالك ١/ ٨٣، وتخليص الشواهد ١٠٠، وخزانة الأدب ٥/ ٢٧٨، والخصائص ١/ ٣٠٧، والدرر ١/ ١٧٦، وشرح الأشموني ١/ ٤٨، وشرح شواهد المغني ٨٤٤، وشرح ابن عقيل ٥٢، ومغني اللبيب ٢/ ٤٤١.\n(٢) الشاهد لحسّان بن ثابت في ديوانه ص ٧٥، ولسان العرب (كفأ) و(جبر)، وكتاب العين ٥/ ٤١٤، وتهذيب اللغة ١٠/ ٣٨٩، والتنبيه والإيضاح ٢/ ٩٦، وتاج العروس (كفأ)، و(جبر)، وأساس البلاغة (كفأ) .\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٤٩.","vol":"4","page":267},{"text":"المؤمنين. قال أبو جعفر: ومعنى هذا أن المؤمنين يشهدون على الناس يوم القيامة فيصدّقهم الله جلّ وعزّ الْمُهَيْمِنُ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المهيمن الأمين، وبهذا الإسناد قال: الشهيد، وقال أبو عبيدة: المهيمن الرقيب الحفيظ. قال أبو جعفر: وهذه كلها من صفات الله جلّ وعزّ فالله شاهد أعمال عباده حافظ لها أمين عليها لا يظلمهم ولا يلتهم من أعمالهم شيئا، وحكى لنا علي بن سليمان عن أبي العباس قال: الأصل مؤيمن، وليس في أسماء الله تعالى شيء مصغّر إنما هو مثل مسيطر أبدل من الهمزة هاء، لأن الهاء أخفّ. الْعَزِيزُ أي العزيز في انتقامه المنيع فلا ينتصر منه من عاقبه الْجَبَّارُ فيه أربعة أقوال: قال قتادة: الجبّار الذي يجبر خلقه على ما يشاء، قال أبو جعفر: وهذا خطأ عند أهل العربية، لأنه إنما يجيء من هذا مجبر ولا يجيء فعّال من أفعل، وقيل: «جبّار» من جبر الله خلقه أي نعتهم وكفاهم.\nوهذا قول حسن لا طعن فيه، وقيل: جبار من جبرت العظم فجبر أي أقمته بعد ما انكسر فالله تعالى أقام القلوب لتفهّمها دلائله، وقيل: هو من قولهم تجبّر النخل إذا علا وفات اليد كما قال: [الطويل] ٤٧٩-\nأطافت به جيلان عند قطاعه ... وردّت عليه الماء حتّى تجبّرا\n«١» فقيل: جبار لأنه لا يدركه أحد الْمُتَكَبِّرُ أي العالي فوق خلقه سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ نصبت سبحان على أنه مصدر مشتقّ من سبّحته أي نزّهته وبرّأته مما يقول المشركون، وهو إذا أفردته يكون معرفة ونكرة فإن جعلته نكرة صرفته فقلت سبحانا وإن جعلته معرفة كما قال: [السريع] ٤٨٠-\nأقول لمّا جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر\n«٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3722>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢٤]</span>\nهُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)\nهُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ معنى خلق الشيء قدره كما قال: [الكامل] ٤٨١-\nولأنت تفري ما خلقت وبعض ... القوم يخلق ثم لا يفري\n«٣»\n_________\n(١) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ٥٨، وجمهرة اللغة ١٠٤٤، ومقاييس اللغة ١/ ٤٩٩، ومجمل اللغة ١/ ٤٥٧، وبلا نسبة في اللسان (جيل) وتهذيب اللغة ١١/ ١٩١، والمخصص ١٦/ ٣٠.\n(٢) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٩٣، والكتاب ١/ ٣٨٨، وأساس البلاغة (سبح)، والأشباه والنظائر ٢/ ١٠٩، وجمهرة اللغة ٢٧٨، وخزانة الأدب ١/ ١٨٥، والخصائص ٢/ ٤٣٥، والدرر ٣/ ٧٠، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٥٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٠٥.\n(٣) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٩٤، والكتاب ٤/ ٢٩٩، والدرر ٦/ ٢٩٧، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٤٧١، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٤٤، وشرح شواهد الإيضاح ٢٧٠، وشرح المفصّل ٩/ ٧٩، ولسان العرب (خلق) و(فرا)، والمنصف ٢/ ٧٤، وبلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب ٢/ ٣٠٢.","vol":"4","page":268},{"text":"إلّا أن محمد بن إبراهيم بن عرفة قال: معنى خلق الله الشيء قدّره مخترعا على غير أصل بلا زيادة ولا نقصان فلهذا ترك استعماله الناس هذا معنى قوله: الْبارِئُ قيل: معنى البارئ الخالق، وهذا فيه تساهل لضعف من يقوله في العربية أو على أن يتساهل فيه لأنه قبله الخالق، وحقيقة هذا أن معنى برأ الله الخلق سوّاهم وعدّلهم ألا ترى اتساق الكلام أن قبله خلق أي قدّر وبعده برى أي عدّل وسوّى وبعده الْمُصَوِّرُ فالصورة بعد هذين، وقد قيل: إن المصور مشتق من صار يصير، ولو كان كذا لكان بالياء، ولكنه مشتق من الصورة وهي المثال. لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى. قال أبو هريرة عن النبيّ ﷺ: «لله تسعة وتسعون اسما» «١» يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأنه دالّ على أن له محدثا ومدبّرا لا نظير له فقد صار بهيئته يسبّح لله أي منزّها له عن الأشياء وَهُوَ الْعَزِيزُ أي في انتقامه ممن كفر به الْحَكِيمُ فيما خلقه لأن حكمته لا يرى فيها خلل، وقيل: الحكيم بمعنى الحاكم.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٣١٤، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢/ ٢١، والسيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤٨، والبيهقي في الأسماء والصفات ١٥.","vol":"4","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3723>٦٠ شرح إعراب سورة الممتحنة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3724>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١)\nأي نداء مفرد والَّذِينَ من نعته في موضع رفع، وبعض النحويين يجيز النصب على الموضع وقال بعضهم: «أيّ» اسم ناقص وما بعده صلة له، وهذا خطأ على قول الخليل وسيبويه «١»، والقول عندهما أنه اسم تام إلا أنه لا بدّ له من النعت مثل «من» و«ما» إذا كانتا نكرتين، وأنشد سيبويه: [الكامل] ٤٨٢-\nفكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حبّ النّبيّ محمّد إيّانا\n«٢» قوله غيرنا نعت لمن لا يفارقه. لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ بمعنى أعدائي فعدوّ يقع للجميع والواحد والمؤنث على لفظ واحد، لأنه غير جار على الفعل، وإن شئت جمعته وأنثته. أَوْلِياءَ مفعول ثان ولم يصرف أولياء لأن في اخره ألفا زائدة وكلّ ما كان في اخره ألف زائدة فهو لا ينصرف في معرفة ولا نكرة نحو عرفاء وشهداء وأصدقاء وأصفياء ومرضى، وتعرف أن الألف زائدة أن نظر فعله فإن وجدت بعد اللام من فعله ألفا فهي زائدة. ألا ترى أن عرفاء فعلاء وأصفياء أفعلاء فبعد اللام ألف، وكذلك مرضى فعلى وما كان من الجمع سوى هذا من الجمع فهو ينصرف نحو غلمان ورجال وأعدال وفلوس وشباب إلّا أن أشياء وحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة لثقل التأنيث فاستثقلوا أن يزيدوا التنوين مع زيادة حرف التأنيث لأنها أريد بها أفعلاء نحو أصدقاء كأنهم أرادوا أشياء، وهو الأصل فثقل لاجتماع الياء والهمزتين فحذفوا إحدى\n_________\n(١) انظر الكتاب ٢/ ١٩٠.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٣٠) .","vol":"4","page":270},{"text":"الهمزتين، وما أشبهها مصروف في المعرفة والنكرة نحو أسماء وأحياء وأفياء ينصرف لأنه أفعال فمن ذلك أعدال وأجمال، وكذلك عدوّ وأعداء مصروف، وكذلك قوله تعالى: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً مصروف لأنه أفعال ليس فيه ألف زائدة: تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ مذهب الفراء أن الباء زائدة وأن المعنى تلقون إليهم المودة. قال أبو جعفر: «تلقون» في موضع نصب على الحال، ويكون في موضع نعت لأولياء. قال الفراء «١»: كما تقول: لا تتّخذ رجلا تلقي إليه كلّ ما عندك. وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ عطف على الرسول أي ويخرجونكم أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ في موضع نصب أي لأن تؤمنوا وحقيقته كراهة أن تؤمنوا بالله ربّكم. إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي نصبت جهادا لأنه مفعول من أجله أو على المصدر أي إن كنتم خرجتم مجاهدين في طريقي الذي شرعته وديني الذي أمرت به وابْتِغاءَ مَرْضاتِي عطف تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ مثل تلقون. وَأَنَا أَعْلَمُ قراءة أهل المدينة يثبتون الألف في الإدراج، وقراءة غيرهم وأن أعلم بحذف الألف في الإدراج وهذا هو المعروف في كلام العرب لأن الألف لبيان الحركة فلا تثبت في الإدراج، لأن الحركة قد ثبتت وأَعْلَمُ بمعنى عالم كما يقال: الله أكبر الله أكبر بمعنى كبير، ويجوز أن يكون المعنى وأنا أعلم بكم بما أخفاه بعضكم من بعض وبما أعلنه وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ ومن يلق إليهم بالمودة ويتخذهم أولياء فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي عن قصد طريق الجنة ومحجّتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3725>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٢]</span>\nإِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)\nإِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً شرط ومجازاة فلذلك حذفت النون وكذا وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ تمّ الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3726>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٣]</span>\nلَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)\nلَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ لأن أولادهم وأقرباءهم كانوا بمكة فلذلك تقرّب بعضهم إلى أهل مكّة وأعلمهم الله جلّ وعزّ أنّهم لن ينفعوهم يوم القيامة. يكون العامل في الظرف على هذا لن تنفعكم ويكون يفصل بينكم في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون العامل في الظرف يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ «٢» وهذه قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة، وقد عرف أن المعنى يفصل الله جلّ وعزّ بينكم، وقرأ عبد الله بن عامر\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٤٩.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٧٠ (قرأ عامر «يفصل» بفتح الياء وإسكان الفاء وكسر الصاد مخفّفة، وابن عامر بضمّ الياء وفتح الفاء والصاد مشدّدة، وحمزة والكسائي كذلك إلّا أنهما كسرا الصاد، والباقون بضمّ الياء وإسكان الفاء وفتح الصاد مخفّفة) .","vol":"4","page":271},{"text":"يفصّل على التكثير، وقرأ عاصم يفصل وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي يفصّل بينكم على تكثير يفصل وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3727>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٤]</span>\nقَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)\nقَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وحكى الفراء في جمعها أسى بضمّ في الجمع، وإن كانت الواحدة مكسورة ليفرق بين ذوات الواو وذوات الياء، وعند البصريين أنه يجوز الضم على تشبيه فعلة بفعلة، ويجوز الكسر على الأصل فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ قال عبد الرحمن بن زيد: الَّذِينَ مَعَهُ الأنبياء ﵈ قالُوا لِقَوْمِهِمْ أي حين قالوا لقومهم إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ هذه القراءة المعروفة التي قرأ بها الأئمة كما تقول: كريم وكرماء، وأجاز أبو عمرو وعيسى إنا براء منكم «١» وهي لغة معروفة فصيحة كما تقول: كريم وكرام، وأجاز الفراء إنا برآء منكم. قال أبو جعفر: وهذا صحيح في العربية يكون برآء في الواحد والجميع على لفظ واحد، مثل إنني برآء منكم وحقيقته في الجمع أنا ذوو برآء. كما تقول: قوم رضى فهذه ثلاث لغات معروفة وحكى الكوفيون لغة رابعة. وحكي أن أبا جعفر قرأ بها وهو أنا برآء منكم على تقدير براع وهذه لا تجوز عند البصريين لأنه حذف شيء لغير علة. قال أبو جعفر: وما أحسب هذا عن أبي جعفر إلا غلطا لأنه يروى عن عيسى أنه قرأ بتخفيف الهمزة أنّا برأ وأحسب أن أبا جعفر قرأ كذا. وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ معطوف بإعادة حرف الخفض، كما تقول: أخذته منك ومن زيد، ولا يجوز أخذته منك وزيد. ألا ترى كيف السواد فيه ومما، ولو كان على قراءة من قرأ والأرحام [النساء: ١] لكان: وما تعبدون من دون الله بغير من كَفَرْنا بِكُمْ أي أنكرنا كفركم. وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا لأنه تأنيث غير حقيقي أي لا نودكم. حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ استثناء ليس من الأول أي لا تستغفروا للمشركين وتقولوا يتأسّى بإبراهيم ﷺ إذ كان إنما فعل ذلك عن موعدة وعدها إياه قيل: وعده أنه يظهر إسلامه ولم يستغفر له إلا بعد أن أسلم.\nوَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي ما أقدر أن أدفع عنك عذابه وعقابه. رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا في معناه قولان: أحدهما أن هذا قول إبراهيم ومن معه من الأنبياء، والآخر أن المعنى:\nقولوا ربنا عليك توكّلنا أي وكلنا أمورنا كلّها إليك، وقيل: معنى التوكل على الله جلّ وعزّ أن يعبد وحده ولا يعبى ويوثق بوعده لمن أطاعه. وَإِلَيْكَ أَنَبْنا أي رجعنا مما\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٤٩، والبحر المحيط ٨/ ٢٥٢.","vol":"4","page":272},{"text":"تكره إلى ما تحبّ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي مصيرنا ومصير الخلق يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3728>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٥]</span>\nرَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)\nرَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: تقول: لا تسلّطهم علينا فيفتنونا وَاغْفِرْ لَنا ولا يجوز إدغام الراء في اللام لئلا يذهب تكرير الراء. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ في انتقامك ممن انتقمت منه الْحَكِيمُ في تدبير عبادك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3729>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٦]</span>\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ولم يقل: كانت لأن التأنيث غير حقيقي معناه التأسي لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ أي ثوابه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي نجاته وَمَنْ يَتَوَلَّ جزم بالشرط فلذلك حذفت منه الياء، والجواب فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3730>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٧]</span>\nعَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)\nأَنْ يَجْعَلَ ومن العرب من يحذف «أن» بعد «عسى» قال ابن زيد: ففتحت مكة فكانت المودة بإسلامهم وَاللَّهُ قَدِيرٌ أي على أن يجعل بينكم وبينهم مودة. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي لمن اتخذهم أولياء وألقى إليهم بالمودة إذا تاب رحيم به لمن يعذبه بعد التوبة. والرحمة من الله جلّ وعزّ قبول العمل والإثابة عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3731>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٨]</span>\nلا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)\nقال أبو جعفر: قد ذكرناه. وليس لقول من قال: إنها منسوخة معنى: لأن البرّ في اللغة إنما هو لين الكلام والمواساة، وليس هذا محظورا أن يفعله أحد بكافر. وكذا الإقساط إنما هو العدل والمكافأة بالحسن عن الحسن. ألا ترى أن بعده إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وأن في موضع خفض على البدل من الَّذِينَ ويجوز أن يكون في موضع نصب أي لا ينهاكم كراهة هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3732>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ٩]</span>\nإِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)\nأَنْ تَوَلَّوْهُمْ والأصل تتولّوهم. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ أي ينصرهم ويودّهم فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي الذين جعلوا المودة في غير موضعها. والظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه.","vol":"4","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3733>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ على تذكير الجمع مُهاجِراتٍ نصب على الحال. فَامْتَحِنُوهُنَّ، أي اختبروهن هل خرجن لسبب غير الرغبة في الإسلام اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ أي منكم ثم حذف لعلم السامع فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ مفعول ثان. فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ وذلك لسبب هدنة كانت بينهم. لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ لأنه لا تحلّ مسلمة لكافر بحال. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي له أن ينكحها إذا أسلمت وزوجها كافر، لأنه قد انقطعت العصمة بينهما وذلك بعد انقضاء العدة، وكذا إذا ارتدّ وأتوهم ما أنفقوا، وهو المهر وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وقرأ أبو عمرو ولا تمسكوا «١» يكون بمعناه أو على التكثير، وعن الحسن ولا تمسّكوا «٢» والأصل تتمسّكوا حذفت التاء لاجتماع التاءين، وعصم جمع عصمة يقال: أخذت بعصمتها أي بيدها، وهو كناية عن الجماع، والْكَوافِرِ جمع كافرة مخصوص به المؤنث.\nوَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا وذلك في المهر ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قال الزهري: فقال المسلمون رضينا بحكم الله جلّ وعزّ وأبى الكفار أن يرضوا بحكم الله ويقرّوا أنه من عنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3734>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١١]</span>\nوَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)\nفي معناه قولان، قال الزهري: الكفار هاهنا هم الذين كانت بينهم وبين النبيّ ﷺ الذمة، وقال مجاهد وقتادة: هم أهل الحرب ممن لا ذمّة له فَعاقَبْتُمْ وقرأ حميد الأعرج وعكرمة فعقّبتم «٣» هما عند الفراء بمعنى واحد، مثل «ولا تصاعر» وَلا تُصَعِّرْ [لقمان: ١٨] وحكي أنّ في حرف عبد الله وإن فاتكم أحد من أزواجكم وإذا كان للناس صلح فيه أحد وشيء، وإذا كان لغير الناس لم يصلح فيه أحد، وعن مجاهد فأعقبتم «٤» وكله مأخوذ من العاقبة، والعقبى وهو ما يلي الشيء.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٠ (قرأ أبو عمرو مشدّدا، والباقون مخفّفا) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٥٤، والإتحاف ٢٥٦. [.....]\n(٣) نظر البحر المحيط ٨/ ٢٥٥.\n(٤) نظر البحر المحيط ٨/ ٢٥٥.","vol":"4","page":274},{"text":"فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا اختلف العلماء في حكمها فقال الزهري أيعطي الذي ذهبت امرأته إلى الكفار الذين لهم ذمّة مثل صداقها ويؤخذ ممن تزوج امرأة ممن جاءت منهم فتعطاه، وقال مسروق ومجاهد وقتادة: بل يعطى من الغنيمة. قال أبو جعفر:\nوهذا التأويل على أن تذهب امرأته إلى أهل الحرب ممن لا ذمّة له. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ أي اتّقوه فيما أمركم به ونهاكم عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3735>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ في موضع نصب على الحال. عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا أي على ألا يعبدن معه غيره ولا يتّخذن من دونه إلها ويُشْرِكْنَ في موضع نصب بأن، ويجوز أن يكون في موضع رفع بمعنى على أنهنّ، وكذا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ وهذا الفعل كله مبني فلذلك كان رفعه ونصبه وجزمه كله واحدا، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يقول: لا ينحن، وقال ابن زيد: لا يعصينك في كل ما تأمرهنّ به من الخير فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ولا يجوز إدغام الراء في اللام ويجوز الإخفاء، وهو الصحيح عن أبي عمرو، ويتوهّم من سمعه أنه إدغام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3736>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قال ابن زيد: هم اليهود. قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ «١» مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قد ذكرناه. فمن أحسن ما قيل فيه، وهو معنى قول ابن زيد، وقد يئسوا من ثوب الآخرة لأنهم كفروا بالنبيّ ﷺ وجحدوا صفته، وهي مكتوبة عندهم، وقد وقفوا عليها، كما يئس الكفار الذين قد ماتوا من ثواب الآخرة أيضا، لأنهم قد كفروا وجحدوا لكفر هؤلاء.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٥٦ (قرأ ابن أبي الزناد «الكافر» على الإفراد، والجمهور على الجمع) .","vol":"4","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3737>٦١ شرح إعراب سورة الصف</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3738>[سورة الصف (٦١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)\nقال أبو جعفر: قوله سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي أذعن له وانقاد ما أراد جلّ وعزّ فهذا داخل فيه كل شيء لأن ما عامة في كلام العرب. وَهُوَ الْعَزِيزُ في انتقامه ممن عصاه. الْحَكِيمُ في تدبيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3739>[سورة الصف (٦١): آية ٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢)\nلِمَ الأصل لما حذف الألف لاتصال الكلمة بما قبلها وأنه استفهام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3740>[سورة الصف (٦١): آية ٣]</span>\nكَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣)\nنصبت مَقْتًا على البيان والفاعل مضمر في كبر أي كبر ذلك القول أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ «أن» في موضع رفع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ والذي يخرج من هذا ألّا يقول أحد شيئا إلا ما يعتقد أن يفعله، ويقول: إن شاء الله لئلا يخترم دونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3741>[سورة الصف (٦١): آية ٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤)\nوالمحبة منه جلّ وعزّ قبول العلم والإثابة عليه. صَفًّا في موضع الحال قيل:\nفدلّ بهذا على أن القتال في سبيل الله جلّ وعزّ والإنسان راجلا أفضل منه راكبا.\nكَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ أي قد أحكم وأتقن فليس فيه شيء يزيد على شيء، وقيل:\nمرصوص مبني بالرصاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3742>[سورة الصف (٦١): آية ٥]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥)\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أي واذكر. يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي نداء مضاف وحذفت","vol":"4","page":276},{"text":"الياء، لأن النداء موضع حذف. وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ والأصل أنّني فَلَمَّا زاغُوا أي مالوا عن الحقّ. أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ مجازاة على فعلهم، وقيل: أزاغ قلوبهم عن الثواب. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي لا يوفق للصواب من خرج من الإيمان إلى الكفر. روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ وأبي أمامة أنّ هؤلاء هم الحرورية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3743>[سورة الصف (٦١): آية ٦]</span>\nوَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)\nأي واذكر هذا. مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ منصوب على الحال، وكذا وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وابن كثير، وقراءة ابن محيصن وحمزة والكسائي من بعد اسمه أحمد حذف الياء في الوصل لسكونها وسكون السين بعدها، وهو اختيار أبي عبيد، واحتج في حذفها بأنك إذا ابتدأت قلت:\nاسمه فكسرت الهمزة. وهذا من الاحتجاج الذي لا يحصل منه معنى، والقول في هذا عند أهل العربية أن هذه ياء النفس فمن العرب من يفتحها ومنهم من يسكّنها، قد قرئ بهاتين القراءتين، وليس منهما إلّا صواب غير أن الأكثر في ياء النفس إذا كان بعدها ساكن أن تحرّك لئلا تسقط وإذا كان بعدها متحرك أن تسكّن، ويجوز في كلّ واحدة منهما ما جاز في الأخرى. فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي فلما جاءهم أحمد بالبيّنات أي بالبراهين والآيات الباهرة قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3744>[سورة الصف (٦١): آية ٧]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧)\nأي ومن أشدّ ظلما ممّن قال لمن جاءه بالبيّنات هو ساحر، وهذا سحر مبين أي مبين لمن راه أنه سحر. وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وهو إذا دعي إلى الإسلام قال: هذا سحر مبين، وقراءة طلحة وهو يدّعي إلى الإسلام «٢» وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وهم الذين يقولون في البيّنات هذا سحر مبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3745>[سورة الصف (٦١): آية ٨]</span>\nيُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨)\nيُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ أي بقولهم هذا. وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ أي مكمل الإسلام ومعليه. هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وقرأ ابن كثير والأعمش وحمزة والكسائي متمّ نوره والأصل التنوين والحذف على التخفيف وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ وحذف المفعول.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ٨٣، والبحر المحيط ٨/ ٢٥٩.\n(٢) انظر المحتسب ٢/ ٣٢١، والبحر المحيط ٨/ ٢٥٩.","vol":"4","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3746>[سورة الصف (٦١): آية ٩]</span>\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)\nقول أبي هريرة في هذا: أنه يكون إذا نزل المسيح ﷺ وصار الدّين كلّه دين الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3747>[سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ الى ١٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)\nقال قتادة: فلولا أنه بيّن التجارة لطلبت قال: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وكان أبو الحسن علي بن سليمان يذهب إلى هذا ويقول «تؤمنون» على عطف البيان الذي يشبه البدل، وحكى لنا عن محمد بن يزيد أن معنى «تؤمنون» آمنوا على جهة الإلزام. قال أبو العباس: والدليل على ذلك يَغْفِرْ لَكُمْ جزم لأنه جواب الأمر وعطف عليه وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.\nفأما قول الأخفش سعيد: إنّ وَأُخْرى في موضع خفض على أنه معطوف على تجارة فهو يجوز، وأصحّ منه قول الفراء: إنّ «أخرى» في موضع رفع بمعنى ولكم أخرى يدلّ على ذلك نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ بالرفع ولم يخفضا وعلى قول الأخفش الرفع بإضمار مبتدأ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي بالنصر والفتح. والنصر في اللغة المعونة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3748>[سورة الصف (٦١): آية ١٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقرأ الكوفيون كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ بالإضافة وهو اختيار أبي عبيد وحجته في ذلك قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ ولم يقولوا: أنصار الله. وهذه الحجة لا تلزم لأنها مختلفان لأن الأول كونوا ممن ينصرون الله فمعنى هذا النكرة فيجب أن يكون أنصارا لله وإن كانت الإضافة فيه تجوز أي كونوا الذين يقال لهم: هذا، والثاني معناه المعرفة. ألا ترى أنك إذا قلت: فلان ناصر لله فمعناه ممن يفعل هذا، وإذا عرفته فمعناه المعروف بهذا، كما قال: [البسيط] ٤٨٣-\nهو الجواد الذي يعطيك نائله ... حينا ويظلم أحيانا فيظّلم\n«١»\n_________\n(١) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ١٥٢، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٢١٩، والكتاب ٤/ ٦٠٠، وسمط اللئالي ص ٤٦٧، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٠٣، وشرح التصريح ٢/ ٣٩١، وشرح شواهد الشافية ٤٩٣، وشرح المفصّل ١٠/ ٤٧، ١٤٩، ولسان العرب (ظلم)، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٨٢، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ١٤١، وشرح الأشموني ٣/ ٨٧٣، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ١٨٩، ولسان العرب (ظنن) .","vol":"4","page":278},{"text":"فأما قول القتبي معنى مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي مع الله فلا يصحّ ولا يجوز: قمت إلى زيد مع زيد. قال أبو جعفر: وتقديره من يضم نصرته إياي إلى نصرة الله إياي فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ قد بيّناه قال مجاهد: فَأَيَّدْنَا فقوّينا. قال إبراهيم النخعي في معنى فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ أيّدهم الله محمد ﷺ وتصديقه إياهم أن عيسى ﷺ كلمة الله.","vol":"4","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3749>٦٢ شرح إعراب سورة الجمعة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3750>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢)\nيُسَبِّحُ يكون للمستقبل والحال. الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ نعت. وفيه معنى المدح، ويجوز النصب في غير القرآن بمعنى أعني، ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ، ويجوز على غير إضمار ترفعه بالابتداء والذي الخبر، وقد يكون التقدير هو الملك القدوس ويكون الَّذِي نعتا للملك فإذا خفضت كان هُوَ مرفوعا بالابتداء والَّذِي خبره، ويجوز أن يكون «هو» مرفوعا على أنه توكيد لما في الحكيم ويكون «الذي» نعتا للحكيم بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ داخل في الصلة يَتْلُوا عَلَيْهِمْ في موضع نصب أي تاليا عليهم نعت لرسول وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ معنى يزكيهم يدعوهم إلى طاعة الله ﷿ فإذا أطاعوه فقد تزكّوا وزكّاهم وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ويجوز إدغام اللام في اللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3751>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٣]</span>\nوَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)\nوَآخَرِينَ مِنْهُمْ في موضع خفض لأنه عطف على الأميين، ويجوز أن يكون في موضع نصب معطوفا على «هم» من يعلّمهم أو على «هم» من يزكيهم، ويجوز أن يكون معطوفا على معنى يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي يعرّفهم بها لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ. قال ابن زيد:\nأي لمن يأتي من العرب والعجم إلى يوم القيامة، وقال مجاهد: لمن ردفهم من الناس كلّهم. قال أبو جعفر: هذا أصحّ ما قيل به لأن الآية عامة ولمّا هي «لم» زيدت إليها «ما» توكيدا. قال سيبويه «١»: «لمّا» جواب لمن قال: قد فعل، و«لم» جواب لمن قال:\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ١٣٥.","vol":"4","page":280},{"text":"فعل. قال أبو جعفر: إلّا أن الجازم عند الجميع لم ولذلك حذفت النون. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ومن أسكن الهاء قال: الضمة ثقيلة وقد اتصل الكلام بما قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3752>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٤]</span>\nذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)\nذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ أي ذلك الذي أعطيه هؤلاء تفضل من الله جلّ وعزّ يؤتيه من يشاء. وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أي لا يذمّ في صرف من صرفه عنه، لأنه لم يمنعه حقّا له قبله ولا ظلمه بمنعه إياه ولكنه علم أن غيره أولى به منه فصرفه إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3753>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٥]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)\nمَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ أي حملوا القيام بها والانتهاء إلى ما فيها. ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها أي لم يفعلوا ذلك كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا «يحمل» في موضع نصب على الحال أي حاملا فإن قيل: فكيف جاز هذا ولا يقال: جاءني غلام هند مسرعة؟ فالجواب أنّ المعنى مثلهم مثل الّذين حملوا التوراة، وزعم الكوفيون أنّ يحمل صلة للحمار، لأنه بمنزلة النكرة وهم يسمون نعت النكرة صلة ثمّ نقضوا هذا فقالوا: المعنى كمثل الحمار حاملا أسفارا. بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ أي هذا المثل ثم حذف هذا، لأنه قد تقدم ذكره. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ المعنى لا يوفقّهم ولا يرشدهم إذ كان في علمه أنّهم لا يؤمنون، وقيل: لا يهديهم إلى الثواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3754>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٦]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦)\nقُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا يقال: هاد يهود إذا تاب وإذا رجع. إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ أي سواكم فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي إن كنتم صادقين أنكم أولياء فإنه لا يعذّب أولياءه فتمنّوه لتستريحوا من كرب الدنيا وهمّها وغمّها وتصيروا إلى روح الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3755>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٧]</span>\nوَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)\nوَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا فكان حقا كما قال جلّ وعزّ وكفّوا عن ذلك. بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي من الآثام. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ أي ذو علم بمن ظلم نفسه فأوبقها وأهلكها بالكفر.","vol":"4","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3756>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٨]</span>\nقُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)\nقُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ أي تأبون أن تتمنوه. الَّذِي في موضع نصب نعت للموت. فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ خبر إن وجاز أن تدخل الفاء ولا يجوز: إنّ أخاك فمنطلق لأن في الكلام معنى الجزاء، وأجاز الكوفيون «١»: إنّ ضاربك فظالم لأن في الكلام معنى الجزاء عندهم، وفيه قول أخر ويكون الذي تفرون منه خبر إن الموت هو الذي تفرون منه ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ عطف جملة على جملة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ عطف على تردون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3757>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)\nوقرأ الأعمش الْجُمُعَةِ «٢» بإسكان الميم ولغة بني عقيل «من يوم الجمعة» بفتح الميم فمن قرأ الْجُمُعَةِ «٣» قدّره تقديرات منها أن يكون الأصل الجمعة ثمّ حذف الضمة لثقلها، ويجوز أن تكون هذه لغة بمعنى تلك، وجواب ثالث يكون مسكنا لأن التجميع فيه فهو يشبه المفعول به كما يقال: رجل هزأة أي يهزأ به ولحنة أي يلحن ومن قال: الْجُمُعَةِ نسب الفعل إليها أي يجمع للناس، كما يقال: رجل لحنة أي يلحّن الناس وقراء أي يقرئ الناس. فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال قتادة: أي بقلوبكم وأعمالكم أي امضوا وَذَرُوا الْبَيْعَ ولا يقال في الماضي: وذر. قال سيبويه «٤»: استغنوا عنه بترك، وقال غيره: لأن الواو ثقيلة فعدّلوا إلى ترك لأن معناه ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أي السعي إلى ذكر الله. قال سعيد بن المسيب: وهي الخطبة خير لكم من البيع والشراء.\nقال الضحّاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء، وقال غيره: ظاهر القرآن يدلّ على أن ذلك إذا أذّن المؤذّن والإمام على المنبر. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما فيه منفعتكم ومضرتكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3758>[سورة الجمعة (٦٢): آية ١٠]</span>\nفَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)\nأي صلاة الجمعة. فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ أي أن شئتم يدلّ على ذلك ما قبله، وإن أهل التفسير قالوا: هو إباحة وفي الحديث عن أنس بن مالك مرفوعا فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ قال أبو جعفر: لعيادة مريض أو شهود جنازة أو زيارة أي في الله.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٥٦.\n(٢) وهذه قراءة أبي عمرو وزيد بن علي أيضا، وهي لغة تميم، انظر البحر المحيط ٨/ ٢٦٤.\n(٣) هذه قراءة الجمهور بضم الميم، انظر البحر المحيط ٨/ ٢٦٤.\n(٤) انظر الكتاب ٤/ ٢٢٦.","vol":"4","page":282},{"text":"وظاهر الآية يدلّ على إباحة الانتشار في الأرض لطلب رزق في الدنيا أو ثواب في الآخرة. وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا أي لما عليكم ووفّقكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي تدخلون الجنة فتقيمون فيها، والفلاح البقاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3759>[سورة الجمعة (٦٢): آية ١١]</span>\nوَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)\nوَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها اختلف العلماء في اللهو هاهنا، فروى سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: كانت المرأة إذا أنكحت حرّكت لها المزامير فابتدر الناس إليها فأنزل الله جلّ وعزّ هذا. وقال مجاهد: اللهو الطبل. قال أبو جعفر: والقول الأول أولى بالصواب لأن جابرا مشاهد للتنزيل، ومال الفرّاء «١» إلى القول الثاني لأنهم فيما ذكر كانوا إذا وافت تجارة ضربوا لها بطبل، فبدر الناس إليها. وكان الفرّاء يعتمد في كتابه في المعاني على الكلبيّ والكلبي متروك الحديث. فأما قوله جلّ وعزّ انْفَضُّوا إِلَيْها ولم يقل: إليهما فتقديره على قول محمد بن يزيد وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها ثمّ عطف الثاني على الأول فدخل فيما دخل فيه. وزعم الفرّاء «٢» أن الاختيار أن يعود الضمير على الثاني، ولو كان كما قال فكان انفضوا إليه، ولكنه يحتجّ في هذا بأن المقصود التجارة. وهذا كله جائز أن يعود على الأول أو على الثاني أو عليهما. قال جلّ وعزّ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا\n[النساء: ١١٢] فعاد الضمير على الثاني، وقال جلّ وعزّ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما [النساء: ١٣٥] فعاد عليهما جميعا وَتَرَكُوكَ قائِمًا نصب على الحال أي قائما تخطب. قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ أي ما عنده من الثواب.\nوَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي فإيّاه فاسألوا وإليه فارغبوا أن يوسّع عليكم.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٥٧.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٥٧.","vol":"4","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3760>٦٣ شرح إعراب سورة المنافقين</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3761>[سورة المنافقون (٦٣): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١)\nإِذا في موضع نصب بجاءك إلا أنها غير معربة لتنقّلها وفي اخرها ألف، والألف لا تحرّك، وجواب إذا قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ كسرت «إن» لدخول اللام وانقطع الكلام فصارت إنّ مبتدأة فكسرت وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ وأعيد اسم الله تعالى ظاهرا لأن ذلك أفخم قيل: أكذبهم الله جلّ وعزّ في ضميرهم. ومن أصحّ ما قيل في ذلك أنّهم أخبروا أنّ أنفسهم تعتقد الإيمان وهم كاذبون فأكذبهم الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3762>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٢]</span>\nاتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢)\nاتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً قال الضّحاك: هو حلفهم بالله أنّهم لمنكم، وقال قتادة: جنّة إنّهم يعصمون به دماءهم وأموالهم، وقرأ الحسن اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ «١» أي تصديقهم سترة يستترون به كما يستتر بالجنّة في الحرب فامتنع من قتلهم وسبي ذراريهم لأنهم أظهروا الإيمان فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يجوز أن يكون المفعول محذوفا أي صدّوا الناس، ويجوز أن يكون الفعل لازما أي أعرضوا عن سبيل الله أي دينه الذي ارتضاه وشريعته التي بعث بها نبيّه ﷺ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من حلفهم على الكذب ونفاقهم، و«ما» في موضع رفع على قول سيبويه أي ساء الشيء وفي موضع نصب على قول الأخفش أي ساء شيئا يعملون.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٦٧ (قرأ الجمهور «أيمانهم» بفتح الهمزة، والحسن بكسرها مصدر أمن) . [.....]","vol":"4","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3763>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٣]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣)\nذلِكَ في موضع رفع أي ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم. آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فطبع على قلوبهم، ويجوز إدغام العين في العين، وترك الأدغام أجود لبعد مخرج العين فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ حقّا من باطل ولا صوابا من خطأ لغلبة الهوى عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3764>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٤]</span>\nوَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)\nوَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وأجاز النحويون جميعا الجزم بإذا وان تجعل بمنزلة حروف المجازاة لأنها لا تقع إلّا على فعل وهي تحتاج إلى جواب وهكذا حروف المجازاة، وأنشد الفرّاء: [الكامل] ٤٨٤-\nواستغن ما أغناك ربّك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتجمّل\n«١» وأنشد الآخر: [البسيط] ٤٨٥-\nنارا إذا ما خبت نيرانهم تقد\n«٢» والاختيار عند الخليل وسيبويه والفرّاء «٣» أن لا يجزم بإذا لأن ما بعدها موقت فخالفت حروف المجازاة في هذا، كما قال: [الكامل] ٤٨٦-\nوإذا تكون شديدة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب\n«٤» وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ لأن منطقهم كمنطق أهل الإيمان كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ أي لا يفهمون ولا عندهم فقه ولا علم، فهم كالخشب، وهذه قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وعاصم وحمزة، وقرأ أبو عمرو والأعمش والكسائي خشب «٥» بإسكان الشين وإليه يميل أبو عبيد، وزعم أنه لا يعرف فعلة تجمع على فعل بضم الفاء والعين. قال أبو جعفر: وهذا غلط وطعن على ما روته الجماعة وليس يخلو ذلك من إحدى جهتين إمّا أن يكون خشب جمع خشبة كقولهم: ثمرة وثمر فيكون غير ما قال من جمع فعلة على فعل، أو يكون كما قال حذّاق النحويين خشبة وخشاب مثل جفنة وجفان وخشاب\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (١٠٣) .\n(٢) الشاهد لعبد قيس بن خفاف الدرر ٣/ ١٠٢، وشرح اختيارات المفضّل ص ١٥٥٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٧١، ولسان العرب (كرب) والمقاصد النحوية ٢/ ٢٠٣، ولحارثة بن بدر الغداني في أمالي المرتضى ١/ ٣٨٣، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ١/ ٣٣٥، وشرح الأشموني ٣/ ٥٨٣، وشرح عمدة الحافظ ٣٧٤، ومغني ١/ ٩٣، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٦.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ١٥٨.\n(٤) الشاهد لابن أحمر الكناني في الأزهية ص ١٨٥، ولسان العرب (حيس)، وتاج العروس (حيس)، وبلا نسبة في شرح المفضل ٢/ ١١٠، وكتاب اللامات ص ١٠٦، وتاج العروس (حيس) .\n(٥) انظر تيسير الداني ١٧١.","vol":"4","page":285},{"text":"وخشب مثل حمار وحمر أيضا فقد سمع أكمة وأكم وأكم وأجمة وأجم. فأما خشب فقد يجوز أن يكون الأصل فيه خشبا حذفت الضمة لثقلها، ويجوز وهو أجود أن يكون مثل أسد وأسد في المذكر. قال سيبويه ومثل خشبة وخشب بدنة وبدن ومثل مذكّرة وثن ووثن قال: وهي قراءة، وأحسب من تأول على سيبويه، وهي قراءة يعني «كأنّهم خشب» لأن قوله: وهي قراءة تضعيف لها ولكنه يريد فيما يقال: «إن تدعون من دونه إلّا وثنا» فهذه قراءة شاذة تروى عن ابن عباس يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أي لجبنهم وقلة يقينهم وإنهم يبطنون الكفر كلما نزل الوحي فزعوا أن يكونوا قد فضحوا. هُمُ الْعَدُوُّ لأن ألسنتهم معكم وقلوبهم مع الكفار فهم عين لهم وعدو بمعنى أعداء. فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أي عاقبهم فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل. أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي من أين يصرفون عن الحق بعد ظهور البراهين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3765>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٥]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ هذا على إعمال الفعل الثاني كما تقول:\nأقبل يكلمك زيد فإن أعملت الأول قلت أقبل يكلمك إلى زيد، وتعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ يكون للقليل ولوّوا على التكثير. وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ في موضع الحال. وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ أي معرضون عن المصير إلى النبيّ ﷺ ليستغفر لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3766>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٦]</span>\nسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦)\nسَواءٌ عَلَيْهِمْ رفع بالابتداء: أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ في موضع الخبر، والمعنى الاستغفار وتركه. لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ لأنهم كفار وإنّما استغفر لهم النبيّ ﷺ لأن ظاهرهم الإسلام فمعنى استغفاره لهم اللهم اغفر لهم إن كانوا مؤمنين إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ قيل: أي لا يوفّقهم، وقيل: لا يهديهم إلى الثواب والجنّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3767>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٧]</span>\nهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧)\nيَنْفَضُّوا أي يتفرقوا. قال قتادة: الذي قال هذا عبد الله بن أبيّ، قال: لولا أنكم تنفقون عليهم لتركوه وخلّوا عنه. قال أبو الحسن علي بن سليمان: «هم» كناية عنهم وعن من قال بقوله. قال أبو جعفر: وهذا أحسن من قوله من قال «هم» كناية عن واحد. وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي بيده مفاتيح خزائن السماوات والأرض فلا","vol":"4","page":286},{"text":"يعطي أحد أحدا شيئا إلا بإذنه ولا يمنعه إلا بمشيئته. وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ أن ذلك كذا، فلهذا يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3768>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٨]</span>\nيَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨)\nيَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وحكى الكسائي والفرّاء «١» أنه يقرأ لنخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ «٢» بالنون وأن ذلك بمعنى لنخرجنّ الأعز منها ذليلا، وحكى الفرّاء: ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، بمعنى ذليلا أيضا وأكثر النحويين لا يجيز أن تكون الحال بالألف واللام غير أن يونس أجاز: مررت به المسكين، وحكى سيبويه «٣»: دخلوا الأوّل فالأوّل، وهي أشياء لا يجوز أن يحمل القرآن عليها إلّا أن علي بن سليمان قال: يجوز أن يكون «ليخرجنّ» تعمل عمل لتكونن فيكون خبره معرفة، والأعز والعزيز واحد أي القوي الأمين المنيع كما قال: [الطويل] ٤٨٧-\nإذا ابتدر القوم السّلاح وجدتني ... عزيزا إذا بلّت بقائمة يدي\n«٤» ويروى «منيعا» والمعنى واحد. وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ أي فكذلك قالوا هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3769>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩)\nأي لا توجب لكم اللهو كأنّه من ألهيته فلهي، كما قال: [الطويل] ٤٨٨-\nومثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول\n«٥» وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي المغبونون الرحمة والثواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3770>[سورة المنافقون (٦٣): آية ١٠]</span>\nوَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)\nوَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ قيل: دلّ بهذا على أنه لا يقال رزقه الله جلّ وعزّ إلّا\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٦٠.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٧٠.\n(٣) انظر الكتاب ١/ ٤٦٦.\n(٤) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٣٨، وكتاب العين ٨/ ٣١٩، وتاج العروس (بلل) وأساس البلاغة (بلل) .\n(٥) مرّ الشاهد رقم (٣٨٥) .","vol":"4","page":287},{"text":"الحلال مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ جواب وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ عطف على موضع الفاء لا على ما بعد الفاء، وقرأ الحسن وابن محيصن وأبو عمرو وأكون «١» بالنصب عطفا على ما بعد الفاء وقد حكي أنّ ذلك في قراءة أبيّ وابن مسعود كذا وأكون إلّا أنه مخالف للسواد الذي قامت به الحجّة، وقد احتج بعضهم فقال: الواو تحذف من مثل هذا كما يقال: «كلمن» فتكتب بغير واو.\nوحكي عن محمد بن يزيد معارضة هذا القول بأن الدليل على أنه ليس بصحيح أنّ كتب المصحف في نظيره على غير ذلك نحو يكون وتكون ونكون كلها بالواو في موضع الرفع والنصب ولا يجوز غير ذلك، وقال غيره: حكم «كلمن» غير هذا لأنه إنما حذف منه الواو لأنهم إنما أرادوا أن يروا أن صورة الواو متصلة فلما تقدّمت في «هوّز» لم تحتج إلى إعادتها وكذلك لم يكتبوها في قولهم «أبجد» فأما في الكلام فلا يجوز من هذا شيء، ولا يحتاج إليه لأن العطف على الموضع موجود في كلام العرب كثير. قال سيبويه: لو لم تكن الفاء لكان مجزوما يعني لأنه جواب الاستفهام الذي فيه معنى التمني، كما قال أنشد غير سيبويه: [الوافر] ٤٨٩-\nفأبلوني بليّتكم لعلّي ... أصالحكم وأستدرج نويّا\n«٢» وأنشد سيبويه في العطف على الموضع: [الطويل] ٤٩٠-\nفإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معدّ فلتزعك العواذل\n«٣» لأن معنى من دون عدنان دون عدنان، وأنشد: [الوافر] ٤٩١-\nمعاوي إنّنا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا\n«٤»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧١، والبحر المحيط ٨/ ٢٧٠.\n(٢) الشاهد لأبي دؤاد الإيادي في ديوانه ٣٥٠، والخصائص ١/ ١٧٦، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٧٠١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٣٩، وللهذليّ في مغني اللبيب ٢/ ٤٧٧، وبلا نسبة في لسان العرب (علل)، ومغني اللبيب ٢/ ٤٢٣.\n(٣) الشاهد للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٢٥٥، والكتاب ١/ ١١٤، وأمالي المرتضى ١/ ١٧١، وخزانة الأدب ٢/ ٢٥٢، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ١٣١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٢، وشرح شواهد المغني ١/ ١٥١، والمعاني الكبير (١٢١١)، والمقاصد النحوية ١/ ٨، والمقتضب ٤/ ١٥٢، وبلا نسبة في رصف المباني ص ٨٢، وشرح التصريح ١/ ٢٨٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٦٦، والمحتسب ٢/ ٤٣، ومغني اللبيب ٢/ ٤٧٢.\n(٤) الشاهد لعقبة أو لعقيبة الأسدي في الكتاب ١/ ١١٣، والإنصاف ١/ ٣٣٢، وخزانة الأدب ٢/ ٢٦٠، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ١٣١، وسمط اللآلي ص ١٤٨، وشرح أبيات سيبويه ٣٠٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٧٠، ولسان العرب (غمز)، ولعمر بن أبي ربيعة في الأزمنة والأمكنة ٢/ ٣١٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٣١٣، وأمالي ابن الحاجب ص ١٦٠، ورصف المباني ١٢٢. [.....]","vol":"4","page":288},{"text":"وكذا قوله: [الكامل] ٤٩٢-\nلا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب\n«١» وكذا قوله: [السريع] ٤٩٣-\nلا نسب اليوم ولا خلّة ... اتّسع الخرق على الرّاقع\n«٢» على الموضع وإن جئت به على اللفظ قلت ولا خلّة ومثله من القرآن مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ [الأعراف: ١٨٦] على موضع الفاء وبالرفع على ما بعد الفاء، وأصل فأصّدّق فأتصدق أدغمت التاء في الصاد، وحسن ذلك لأنهما في كلمة واحدة ولتقاربهما، وروى الضحّاك عن ابن عباس «فأصّدّق» وأزكّي وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ أحجّ، وقال غيره: أكن من الصالحين أؤدي الفرائض وأجتنب المحارم، والتقدير: وأكن صالحا من الصالحين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3771>[سورة المنافقون (٦٣): آية ١١]</span>\nوَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)\nوَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها نصب بلن عند سيبويه وعند الخليل الأصل «لا أن» وحكي عنه لا ينتصب فعل إلّا بأن مضمرة أو مظهرة، وردّ سيبويه ذلك بأنه يجوز:\nزيدا لن أضرب، ولا يجوز: زيدا يعجبني أن تضرب، لأنه داخل في الصلة فلا يتقدّم.\nقال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: لا يجوز عندي: زيدا لن أضرب لأن «لن» لا يتصرّف فلا يتقدم عليها ما كان من سبب ما عملت فيه كما لا يجوز: زيدا إنّ عمرا يضرب، وكذا «لم» عنده، وحكيت هذا لأبي إسحاق فأنكره وقال: لم يقل هذا أحد، وزعم أبو عبيدة أن من العرب من يجزم بلن وهذا لا يعرف. يُؤَخِّرَ مهموز لأن أصله من أخّر وتكتب الهمزة واوا وإن كانت مفتوحة لعلتين إحداهما أن قبلها ضمة والضمة أغلب لقوتها، والأخرى أنه لا يجوز أن تكتب ألفا لأن الألف لا ينون قبلها إلا مفتوحا، ومن خفّف الهمزة قلبها واوا فقال: يؤخّر، فإن قيل: لم لا تجعل بين بين؟\nفالجواب أنها لو جعلت بين بين نحي بها نحو الألف فكان ذلك خطأ لأن الألف لا\n_________\n(١) الشاهد لرجل من بني مذحج في الكتاب ٢/ ٣٠٢، ولضمرة بن جابر في خزانة الأدب ٢/ ٣٨، وهو لرجل من مذحج أو لضمرة بن ضمرة أو لهمام أخي جساس ابني مرّة في تخليص الشواهد ٤٠٥، وهو لهنيّ بن أحمر أو لزرافة الباهلي في لسان العرب (حيس)، ولابن أحمر في المؤتلف والمختلف ص ٣٨، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٣٩، ولهمام بن مرّة في الحماسة الشجرية ١/ ٢٥٦، وبلا نسبة في جواهر الأدب ٢٤١، والأشباه والنظائر ٤/ ١٦٢، وأمالي ابن الحاجب ٥٩٣، وأوضح المسالك ٢/ ١٦، وصدره:\n«هذا لعمركم الصّغار بعينه»\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٤٠) .","vol":"4","page":289},{"text":"يكون ما قبلها إلا مفتوحا إِذا جاءَ أَجَلُها على تحقيق الهمزتين، فإن شئت خفّفت، وأبو عمرو يحذف للدلالة لما كانت حركتهما واحدة وكانت الهمزة مستقلة. وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي ذو خبرة بعملكم، فهو يحصيه عليكم وليجازيكم عليه. وهذا ترتيب الكلام أن يكون الخافض والمخفوض طرفا لأنهما تبيين فإن تقدم من ذلك شيء فهو ينوى به التأخير ولهذا أجمع النحويون أنه لا يجوز: لبست ألينها من الثياب لأن الخافض والمخفوض متأخران في موضعهما فلا يجوز أن ينوى بهما التقديم، وتصحيح المسألة لبس من الثياب ألينها، فإن قدرت «ما» بمعنى الذي فالهاء محذوفة أي خبير بما تعملونه. حذفت لطول الاسم، وإن قدّرت «ما» بمعنى المصدر لم تحتج إلى حذف أي والله ذو خبرة بعملكم.","vol":"4","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3772>٦٤ شرح إعراب سورة التغابن</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3773>[سورة التغابن (٦٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يكون هذا تمام الكلام، وقد يكون متصلا ويكون له ما في السموات، ويكون لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ في موضع الحال أي سلطانه وأمره وقضاؤه نافذ فيهما. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي ذو قدرة على ما يشاء يخلق ما يشاء ويحيي ويميت ويعزّ ويذلّ لا يعجزه شيء لأنه ذو القدرة التامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3774>[سورة التغابن (٦٤): آية ٢]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ إن شئت أدغمت القاف في الكاف فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ أي مصدّق يوقن أنه خالقه وإلهه لا إله له غيره وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي عالم بأعمالكم فلا تخالفوا أمره ونهيه فيسطو بكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3775>[سورة التغابن (٦٤): آية ٣]</span>\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي بالعدل والإنصاف. وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وعن أبي رزين صَوَّرَكُمْ شبّه فعلة بفعلة كما أنّ فعلة تشبه بفعلة قالوا: كسوة وكسى ورشوة ورشى ولحية ولحى أكثر، وقالوا: قوّة وقوى. قال أبو جعفر وهذا لمجانسة الضمة الكسرة وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي مصير جميعكم فيجازيكم على أفعالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3776>[سورة التغابن (٦٤): آية ٤]</span>\nيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤)\nيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ويجوز إدغام الميم في الميم، وكذا وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ والمعنى: ويعلم ما تسرّونه وما تعلنونه بينكم من قول وفعل وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي عالم بضمائر صدوركم وما تنطوي عليه نفوسكم الذي هو أخفى من السرّ.","vol":"4","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3777>[سورة التغابن (٦٤): آية ٥]</span>\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥)\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ الأصل يأتيكم حذفت الياء للجزم، ومن قال: ألم يأتيك الأصل عنده يأتيك فحذفت الضمة للجزم إلّا أن اللغة الفصيحة الأولى. قال سيبويه: واعلم أن الآخر إذا كان يسكن في الرفع حذف في الجزم. قال أبو جعفر:\nوسمعت أبا إسحاق يقول: قرأنا على محمد بن يزيد واعلم أن الآخر إذا كان يسكن في الرفع والجر حذف في الجزم لئلا يكون الجزم بمنزلة الرفع والجر فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي مستهم العقوبة بكفرهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3778>[سورة التغابن (٦٤): آية ٦]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)\nذلِكَ بِأَنَّهُ الهاء كناية عن الحديث وما بعده مفسّر له خبر عن أنّ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج والبراهين فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فقال: يهدوننا، ولفظ بشر واحد. تكلّم النحويون في نظير هذا فقال بعضهم: يهدوننا على المعنى ويهدينا على اللفظ، وقال المازني: وذكر عللا في مسائل في النحو منها أن النحويين أجازوا أن يقال: جاءني ثلاثة نفر، وثلاثة رهط، وهما اسمان للجميع ولم يجيزوا جاءني ثلاثة قوم ولا ثلاثة بشر، وهما عند بعض النحويين اسمان للجميع فقال المازني: إنما جاز جاءني ثلاثة نفر وثلاثة رهط لأن نفرا ورهطا لأقل العدد فوقع في موقعه. وبشر للعدد الكثير وقوم للقليل والكثير، فلذلك لم يجز فيهما هذا وخالفه محمد بن يزيد في اعتلاله في بشر ووافقه في غير فقال: بشر يكون للواحد والجميع. قال الله جلّ وعزّ:\nما هذا بَشَرًا [يوسف: ٣١] قال: فلذلك لم يجز جاءني ثلاثة بشر فَكَفَرُوا أي جحدوا أنبياء الله جلّ وعزّ وآياته وَتَوَلَّوْا أي أدبروا عن الإيمان وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن إيمانهم وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن جميع خلقه حَمِيدٌ أي محمود عندهم بما يعرفونه من نعمه وتفضّله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3779>[سورة التغابن (٦٤): آية ٧]</span>\nزَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)\nأَنْ وما بعدها تقوم مقام مفعولين قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ من قبوركم ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ أي تخبرون به وتحاسبون عليه وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي سهل لأنه لا يعجزه شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3780>[سورة التغابن (٦٤): آية ٨]</span>\nفَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)\nفَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا أي القرآن. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مبتدأ وخبره.","vol":"4","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3781>[سورة التغابن (٦٤): آية ٩]</span>\nيَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)\nيَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ العامل في يوم لتنبّؤنّ والضمير الذي في يجمعكم يعود على اسم الله، ولا يجوز أن يعود على اليوم لو قلت: جئت يوم يوافقك، لم يجز، لا يضاف اليوم إلى فعل يعود عليه منه ضمير لعلّة ليس هذا موضع ذكرها ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ مبتدأ وخبره، ويجوز في غير القرآن نصب يوم على الظرف وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا معطوف، ويجوز رفع ويعمل على أنه في موضع الحال يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ أي نمحو عنه سيّئاته وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نصب على الحال أَبَدًا على الظرف ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ مبتدأ وخبره والفوز النجاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3782>[سورة التغابن (٦٤): آية ١٠]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أي بدلائلنا وحججنا وأي كتابنا وَالَّذِينَ رفع بالابتداء أُولئِكَ مبتدأ ثان أَصْحابُ النَّارِ خبر الثاني والجملة خبر الذين خالِدِينَ فِيها على الحال وَبِئْسَ الْمَصِيرُ رفع ببئس المصير مصيرهم إلى النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3783>[سورة التغابن (٦٤): آية ١١]</span>\nما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)\nما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ما هاهنا نفي لا موضع له من الإعراب وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وقراءة عكرمة يَهْدِ قَلْبَهُ «١» بفتح الدال ورفع قلبه على أن الأصل فيه يهدى قلبه أي يسكّن فأبدل من الهمزة ألفا ثمّ حذفها للجزم، كما قال: [الطويل] ٤٩٤-\nسريعا وإلّا يبد بالظّلم يظلم\n«٢» وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي بما كان وبما هو كائن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3784>[سورة التغابن (٦٤): آية ١٢]</span>\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢)\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ أي فيما أمركم به ونهاكم عنه الرَّسُولَ عطف فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي أدبرتم واستكبرتم عن طاعته وعصيتموه فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي أن يبلّغ والمحاسبة والعقوبة إلى الله جلّ وعزّ.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٧٥.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (١٦) .","vol":"4","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3785>[سورة التغابن (٦٤): آية ١٣]</span>\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي لا تصلح الألوهية إلّا له وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أمر، والأصل كسر اللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3786>[سورة التغابن (٦٤): آية ١٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)\nعَدُوًّا اسم «إنّ» وعدوّ يكون بمعنى أعداء. قيل: أي يأمرونكم بالمعاصي وينهونكم عن الطاعة، وهذا أشد العداوة. فَاحْذَرُوهُمْ أي أن تقبلوا منهم وَإِنْ تَعْفُوا حذفت النون للجزم وَتَصْفَحُوا عطف عليه، وكذا وَتَغْفِرُوا أي إن تعفوا عما سلف منهم، وتصفحوا عن عقوبتهم وتغفروا ذنوبهم من غير ذلك. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي لمن تاب رحيم أي يعذبه بعد التوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3787>[سورة التغابن (٦٤): آية ١٥]</span>\nإِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)\nَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ\nقال قتادة: أي بلاء، روى ابن زيد عن أبيه قال: كان النبيّ ﷺ يخطب فرأى الحسن والحسين يعبران فنزل من على المنبر وضمّهما إليه وتلانَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ\nقال قتادة: اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ\nأي الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3788>[سورة التغابن (٦٤): آية ١٦]</span>\nفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)\nفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ «ما» في موضع نصب أي فاتقوا الله قدر ما استطعتم أي قدر استطاعتكم مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] وقول قتادة إنّ هذه الآية ناسخة لقوله جلّ وعزّ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ال عمران: ١٠٢] قول لا يصحّ، ولا يقع الناسخ والمنسوخ إلا بالتوقيف أو إقامة الحجة القاطعة، والآيتان متفقتان لأن الله جلّ وعزّ لا يكلف ما لا يستطاع. فمعنى اتقوا الله حقّ تقاته هو فيما استطعتم. وَاسْمَعُوا أي ما تؤمرون به وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ في نصب «خيرا» أربعة أقوال: مذهب سيبويه أن المعنى وأتوا خيرا لأنفسكم، وقيل: المعنى يكن خيرا لأنفسكم والقول الثالث إنفاقا خيرا لأنفسكم، والقول الرابع أن تنصب خيرا بأنفقوا ويكون الخير المال وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وحكى الفراء أنه قرئ ومن يوق شح نفسه «١» بكسر الشين، وهي شاذة.\nفَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الذين ظفروا بما طلبوا.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٦٠، والبحر المحيط ٨/ ٢٧٦.","vol":"4","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3789>[سورة التغابن (٦٤): آية ١٧]</span>\nإِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)\nإِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا أي بإنفاقكم في سبيله يُضاعِفْهُ لَكُمْ مجازاة وَيَغْفِرْ لَكُمْ عطف، ويجوز رفعه بقطعه من الأول ونصبه على الصرف وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ أي يشكر من أنفق في سبيله، ومعنى شكره إياه إثابته له وقبوله عمله حَلِيمٌ في ترك العقوبة في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3790>[سورة التغابن (٦٤): آية ١٨]</span>\nعالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)\nيجوز أن يكون الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هو نعت اسم الله جلّ وعزّ، ويكون عالم الغيب خبرا ثانيا أو نعتا إن كان بمعنى المضيّ لأنه يكون معرفة، ويجوز أن يكون كلّه بدلا لأن المعرفة تبدل من النكرة.","vol":"4","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3791>٦٥ شرح إعراب سورة الطلاق</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3792>[سورة الطلاق (٦٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا (١)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ نعت لأيّ فإن همزته فهو مشتقّ من أنبأ أي أخبر، وإن لم تهمز جاز أن يكون من أنبأ وخفّفت الهمزة وفيه شيء لطيف من العربية وذلك أن سبيل الهمزة إذا خففت وقبلها ساكن أن تلقى حركتها على ما قبلها، ولا يجوز ذلك هاهنا. والعلّة فيه أن هذه الياء لا تتحرك بحال فلما لم يجز تحريكها قيل: نبيّ وخطيّة ولو كان على القياس لقيل خطيّة وإن جعلته من نبا ينبو لم يهمز وكانت الياء الأخيرة منقلبة من واو. إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ أي إذا أردتم ذلك وهو مجاز. فأما القول في إِذا طَلَّقْتُمُ وقبله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ فقد ذكرنا فيه أقوالا، وقد قيل: هو مخاطبة للنبيّ ﷺ بمخاطبة الجميع على الإجلال له كما يقال للرجل الجليل: أنتم فعلتم، والمعنى: إذا طلقتم النساء اللاتي دخلتم بهن. فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ فبين الله جلّ وعزّ هذا على لسان نبيّه ﷺ بأنه الطلاق في الطهر الذي لم يجامعها فيه. وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ قال السدي: أي احفظوها. وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ أي لا تتجاوزوا ما أمركم به لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ ثم استثنى إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ «أن» في موضع نصب واختلف العلماء في هذه الفاحشة ما هي؟ فمن أجمع ما قيل في ذلك أنها معصية الله جلّ وعزّ، فهذا يدخل فيه كل قول لأنها إن زنت أو سرقت فأخرجت لإقامة الحدّ فهو داخل في هذا، وكذلك إن بذؤت أو نشزت. وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي الأشياء التي حدّها من الطّلاق والعدّة وألّا تخرج الزوجة وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ حذفت الألف للجزم فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ قيل: أي منعها مما كان أبيح له. لأنه إذا طلّقها ثلاثا على أي حال كان لم يحلّ له أن يرتجعها حتّى تنكح زوجا غيره فقد ظلم نفسه بهذا الفعل لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا أكثر أهل التفسير على أن المعنى إنه إذا طلّقها واحدة كان أصلح له لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا من محبّته لها.","vol":"4","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3793>[سورة الطلاق (٦٥): آية ٢]</span>\nفَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)\nفَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي قاربن ذلك فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي بما يجب لهن عليكم من النفقة وترك البذاء وغير ذلك أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ بدفع صداقهنّ إليهن وما يجب لهن وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أكثر أهل التفسير على أن هذا في الرجعة، وعن ابن عباس يشهد على الطلاق والرجعة إلّا أنه إن لم يشهد لم يكن عليه شيء وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ أي اشهدوا بالحقّ إذا شهدتم وإذا أديتم الشهادة كما قال السدّي ذلك في الحق.\nذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ «ذلكم» مخاطبة لجميع وإخبار عن واحد لأن أخر الكلام لمن تخاطبه وأوله لمن تخبر عنه أو تسأل وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا أهل التفسير على أن المعنى أنه إن اتّقى الله جلّ وعزّ وطلّق واحدة فله مخرج إن أراد أن يتزوّج تزوّج وإن لم يتّق الله جلّ وعزّ وطلّق ثلاثا فلا مخرج له: وهذا قول صحيح عن علي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس بالأسانيد التي لا تدفع. روى ابن عليّة عن أيّوب عن عبد الله بن كثير عن مجاهد، قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس إني طلّقت امرأتي ثلاثا فأطرق ابن عباس مليّا ثمّ رفع رأسه إلى الرجل فقال:\nيأتي أحدكم الحموقة ثمّ يقول: يا ابن عباس طلّقت ثلاثا فحرمت عليك حتّى تنكح زوجا غيرك، ولم يجعل الله لك مخرجا ولو اتقيته لجعل لكم مخرجا ثمّ تلا: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وقول علي بن أبي طالب ﵁ الذي لا تدفع صحته أنه قال ﵁ في الحرام: إنه ثلاث لا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3794>[سورة الطلاق (٦٥): آية ٣]</span>\nوَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)\nوَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ قال قتادة: من حيث يرجو ولا يأمل وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي كافيه. وأحسبني الشيء كفاني. وهذا تمام الكلام ثمّ قال: إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قال مسروق: أي بالغ أمره توكّل عليه أم لم يتوكّل أي منفذ قضاؤه. قال هارون القارئ: في عصمة يقرأ «١» إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ وهذا على حذف التنوين تخفيفا، وأجاز الفراء إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ «٢» بالرفع بفعله بالغ، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره في موضع خبر «إنّ» قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا أي للطلاق والعدّة منتهى ينتهي إليه.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٢ (قرأ حفص «بالغ» بغير تنوين و«أمره» بالخفض والباقون بالتنوين ونصب «أمره») .\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٦٣.","vol":"4","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3795>[سورة الطلاق (٦٥): آية ٤]</span>\nوَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)\nاللَّائِي في موضع رفع بالابتداء فمن جعل إن ارتبتم متعلقا بقوله: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ فخبر الابتداء عنده فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ ومن جعل التقدير على ما روي أن أبيّ بن كعب قال: يا رسول الله الصغار والكبار اللائي يئسن من المحيض وَأُولاتُ الْأَحْمالِ لم يذكر عدتهن في القرآن، فأنزل الله جلّ وعزّ: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ الآية قال: خبر الابتداء «إن ارتبتم» وما بعده، ويكون المعنى إن لم تعلموا وارتبتم في عدّتهن فحكمهن هذا. وأما قول عكرمة في معنى «إن ارتبتم» انه إن ارتبتم في الدم فلم تدروا أهو دم حيض أم استحاضة؟ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ يقول: قد رد من غير جهة، وذلك أنه لو كان الارتياب بالدم لقيل: إن ارتبتنّ لأن الارتياب بالدم للنساء، وأيضا فإن اليأس في العربية انقطاع الرجاء، والارتياب وجود الرجاء فمحال أن يجتمعا وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ معطوف على الأول وتم الكلام ثمّ قال: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. قال أبو جعفر: في هذا قولان: أحدهما أنه لكل حامل مطلقة مدخول بها أو متوفى عنها زوجها إذا ولدت فقد حلّت وهذا قول أبيّ بن كعب بن مسعود، والقول الثاني أنّ هذا للمطلقات فقط وأنّ المتوفى عنها زوجها إذا ولدت قبل انقضاء الأربعة الأشهر والعشر لم تحلل حتّى تنقضي أربعة أشهر وعشر، وكذا إن انقضت أربعة أشهر ولم تلد لم تحلل حتّى تلد. وهذا قول علي وابن عباس ﵄، والقول الأول أولى بظاهر الكلام: لأنه قال جلّ وعزّ: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ على العموم فلا يقع خصوص إلّا بتوقيف من الرسول ﷺ أُولاتُ الْأَحْمالِ رفع بالابتداء أَجَلُهُنَّ مبتدأ ثان أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ خبر الثاني والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون أجلهن بدلا من أولات والخبر «أن يضعن حملهنّ» وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا أهل التفسير على أن المعنى من يتّق الله إذا أراد الطلاق فيطلق واحدة كما حدّ له يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا بأن يحلّ له التزوج لا كمن طلق ثلاثا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3796>[سورة الطلاق (٦٥): آية ٥]</span>\nذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)\nذلِكَ أي ذلك المذكور من أمر الطلاق والحيض والعدد أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ لتأتمروا به وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ أي يخفه بأداء فرائضه واجتناب محارمه يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ أي يمح عن ذنوبه وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا أي يجزل له الثواب. قال أبو جعفر ولا نعلم أحدا قرأ إلا هكذا على خلاف قول: عظّم الله أجرك.","vol":"4","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3797>[سورة الطلاق (٦٥): آية ٦]</span>\nأَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦)\nأَسْكِنُوهُنَّ قيل: هذا الضمير يعود على النساء جمع المدخول بهنّ وقيل على المطلقات أقل من ثلاث وإن المطلقات ثلاثا لا سكن لهن ولا نفقة. وبذلك صحّ الحديث عن النبيّ ﷺ رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس عن النبيّ ﷺ ويستدل على ذلك أيضا بقوله وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فخص الحوامل وحدهن، وأيضا فإنهن إذا طلّقن ثلاثا فهن أجنبيّات فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ شرط ومجازاة. وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ قال سفيان: أي ليحثّ بعضكم بعضا وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ قال السّدي: أي إن قالت المطلقة لا أرضعه لم تكره قال تعالى: فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3798>[سورة الطلاق (٦٥): آية ٧]</span>\nلِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)\nلِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ جاءت لام الأمر مكسورة على بابها وسكنت في فَلْيُنْفِقْ لاتصالها بالفاء ويجوز كسرها أيضا فأجاز الفراء «١» ومن قدر «٢» عليه رزقه فلينفق ممّا آتيه الله أي على قدر ما رزقه الله من التضييق وقد روي عن ابن عباس فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ إن كان له ما يبيعه من متاع البيت باعه وأنفقه. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ما آتاها قال السدي: لا يكلّف الله الفقير نفقة الغني، وقال ابن زيد: لا يكلّف الفقير أن يزكّي ويصدّق سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا أي إمّا في الدنيا وإما في الآخرة ليرغب المؤمنون في فعل الخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3799>[سورة الطلاق (٦٥): آية ٨]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا (٨)\nأي مخفوض بالكاف، وصارت كأيّ بمعنى كم للتكثير، والمعنى: وكم من أهل قرية عتوا عن أمر ربهم ثمّ أقيم المضاف إليه مقام المضاف. وقال ابن زيد: عتوا هاهنا عصوا كفروا. والعتو في اللغة التجاوز في المخالفة والعصيان. وقد روى عمرو بن أبي سلمة عن عمر بن سليمان في قوله جلّ وعزّ: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها الآية قال: هؤلاء قوم عذّبوا في الطلاق فَحاسَبْناها أي بالنعم والشكر. حِسابًا مصدر. شَدِيدًا من نعته. قال ابن زيد: الحساب الشديد: الذي ليس فيه من العفو شيء وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا أي ليس بمعتاد. قال الفراء «٣»: فيه للتقديم والتأخير أي عذّبناها عذابا نكرا في الدنيا وحاسبناها حسابا شديدا في الآخرة.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٦٤.\n(٢) انظر البحر المحيط ٢/ ٢٨٢ (قرأ الجمهور «قدر» مخفّفا وابن أبي عبلة مشدّد الدال) .\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ١٦٤.","vol":"4","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3800>[سورة الطلاق (٦٥): آية ٩]</span>\nفَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا (٩)\nفَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها قال السدّي: أي عقوبة أمرها. وأمرها الكفر والعصيان وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا أي غبنا لأنهم باعوا نعيم الآخرة بحظّ خسيس من الدنيا باتباع أهوائهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3801>[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٠]</span>\nأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)\nأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا وهو عذاب النار. فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ نداء مضاف والَّذِينَ آمَنُوا في موضع نصب على النعت لأولي الألباب. قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا قال السدي: الذكر القرآن والرسول محمد ﷺ. والتقدير في العربية على هذا ذكرا ذا رسول ثمّ حذف مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢]، ويجوز أن يكون رسول بمعنى رسالة مثل أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ\n[مريم: ١٩] فيكون رسولا بدلا من ذكر، ويجوز أن يكون التقدير أرسلنا رسولا فدلّ على الضمر ما تقدّم من الكلام، ويجوز في غير القرآن رفع رسول لأن قوله «ذكرا» رأس آية، والاستئناف بعد مثل هذا أحسن، كما قال جلّ وعزّ: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: ١٧، ١٨] وكذا. إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ [التوبة: ١١] فلمّا كملت الآية قال جلّ وعزّ: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ [التوبة: ١١١، ١١٢]، وكذا ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [البروج: ١٦] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3802>[سورة الطلاق (٦٥): آية ١١]</span>\nرَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)\nيَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ نعت لرسول. لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من الكفر إلى الإيمان وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ جزم بالشرط وَيَعْمَلْ عطف عليه، ويجوز رفعه على أن يكون في موضع الحال. صالِحًا أي بطاعة الله جلّ وعزّ:\nيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ مجازاة. خالِدِينَ فِيها على الحال أَبَدًا ظرف زمان قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا أي وسع عليه في المطعم والمشرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3803>[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ يكون اسم الله تعالى بدلا أو على إضمار مبتدأ والذي نعت، ويجوز أن يكون «الله خلق سبع سموات» مبتدأ وخبره وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ عطف، وحكى أبو حاتم أن عاصما قرأ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ «١» قطعه من الأول ورفع\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٨٣، ومختصر ابن خالويه ١٥٨.","vol":"4","page":300},{"text":"بالابتداء. يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ قيل: الضمير يعود على السموات. والأكثر في كلام العرب أن ما كان بالهاء والنون فهو للعدد القليل، فعلى هذا يكون الضمير يعود على السموات. وعلى قول مجاهد يعود على السّموات والأرض. لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تكون لام كي متعلقة بيتنزّل ويجوز أن تكون متعلقة بخلق أي خلق السموات والأرض لتعلموا كنه قدرته وسلطانه، وإنه لا يتعذّر عليه شيء أراده، ولا يمتنع منه شيء شاءه. وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا أي ولتعلموا مع علمكم بقدرته أنه يعلم جميع ما يفعله خلقه فاحذروا أيّها المخالفون أمره وسطوته لقدرته عليكم وأنه عالم بما تفعلون، وجاز إظهار الاسم ولم يقل: وأنه وقال: وأن الله أفخم، وعلى هذا يتأوّل قول الشاعر: [الخفيف] ٤٩٥-\nلا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا\n«١»\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٧٠) .","vol":"4","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3804>٦٦ شرح إعراب سورة التحريم</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3805>[سورة التحريم (٦٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ هذه «ما» دخلت عليها اللام فحذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر وأنها قد اتصلت باللام. والوقوف عليها في غير القرآن: لمه ويؤتى بالهاء لبيان الحركة وفي القرآن لا يوقف عليها. واختلفوا في الذي حرّمه رسول الله ﷺ فروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم قال: حرّم رسول الله ﷺ أم إبراهيم، وقال: والله لا أمسّك. قال أبو جعفر: فعلى هذا القول إنما وقعت الكفّارة لليمين لا لقوله: أنت عليّ حرام، وكذا قال مسروق والشّعبي، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: من قال في شيء حلال: هو عليّ حرام فعليه كفّارة يمين، وكذا قال قتادة وقال مسروق: إذا قال لامرأته: أنت عليّ حرام فلا شيء عليه من الكفارة ولا الطلاق لأنه كاذب في هذا، وقيل: عليه كفّارة يمين، وتأول صاحب هذا القول الآية وقيل:\nهي طالق ثلاثا، إذا كانت مدخولا بها وواحدة إذا لم يدخل بها، وقيل: هي واحدة بائنة وقيل: واحدة غير بائنة. وقد روي عن عائشة ﵂ في هذه الآية أن رسول الله ﷺ إنما كان حرّم على نفسه عسلا. وروى داود بن أبي هند عن الشّعبي عن مسروق عن عائشة قالت: حرم رسول الله ﷺ والى فعوتب في التحريم وعاتب في الإيلاء. قال أبو جعفر: ولا يعرف في لغة من اللغات أن يقال فيمن جعل الحلال حراما: حالف تَبْتَغِي في موضع نصب على الحال. مَرْضاتَ أَزْواجِكَ هذه تاء التأنيث ولو كانت تاء جمع لكسرت وَاللَّهُ غَفُورٌ أي لخلقه وقد غفر لك رَحِيمٌ لا يعذب من تاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3806>[سورة التحريم (٦٦): آية ٢]</span>\nقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)\nقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ أي بيّنها. وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ مبتدأ وخبره أي يتولاكم بنصره وَهُوَ الْعَلِيمُ بمصالح عباده الْحَكِيمُ في تدبيره.","vol":"4","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3807><span data-type=\"title\" id=toc-3808>[سورة التحريم (٦٦): آية ٣]</span></span>\nوَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)\nفَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وحذف المفعول أي نبّأت به صاحبتها، وهما عائشة وحفصة لا اختلاف في ذلك، واختلفوا في الذي أسرّه إليها فقيل: هو الذي خبّرها به من شربه العسل عند بعض أزواجه، وقيل: هو ما كان بينه وبين أم إبراهيم، وقيل: هو إخباره إياها بأن أبا بكر الخليفة بعده وقد ذكرناه بإسناده. فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ وحذف المفعول أيضا عرّفها بعضه فقال: قد عرفت كذا بالوحي وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فلم يذكره تكرّما واستحياء، وقراءة الكسائي عرف بعضه «١» وردّها أبو عبيد ردا شنيعا، قال: لو كان كذا لكان عرف بعضه وأنكر بعضا. قال أبو جعفر:\nوهذا الردّ لا يلزم، والقراءة معروفة عن جماعة منهم أبو عبد الرحمن السلمي. وقد بيّنّا صحّتها. فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا نبّأ وأنبأ بمعنى واحد فجاء باللغتين جميعا وبعده قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ.\n[سورة التحريم (٦٦): آية ٣]\nوَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)\nإِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما أي مالت إلى محبة ما كرهه النبيّ ﷺ من تحريمه ما أحلّ له. وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ والأصل تتظاهرا أدغمت التاء في الظاء، وقرأ الكوفيون تظاهرا «٢» بحذف التاء، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ أي وليه بالنصرة. وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ واختلفوا في صالح المؤمنين فمن أصحّ ما قيل فيه: إنه لكل صالح من المؤمنين، ولا يخصّ به واحد إلّا بتوقيف، وقد روي أنه يراد به عمر بن الخطّاب ﵁، وهو كان الداخل في هذه القصة المتكلّم فيها، ونزل القرآن ببعض ما قاله في هذه القصة، وقيل: هو أبو بكر وعمر ﵄، وقيل: هو علي بن أبي طالب ﵁. وقد ذكرنا ذلك بإسناده. ومذهب الفرّاء القول الذي بدأنا به قبله واحد يدلّ على جميع، وكذا وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ يكون ظهير يؤدّي عن الجمع وقد ذكرنا فيه غير هذا.\n_________\n(١) انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ٦٤٠، وتيسير الداني ١٧٢ («عرف» قرأ الكسائي بتخفيف الراء والباقون بتشديدها) .\n(٢) انظر تيسير الداني ١٧٢. [.....]","vol":"4","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3809>[سورة التحريم (٦٦): آية ٥]</span>\nعَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا (٥)\nإِنْ في موضع نصب بعسى، والشرط معترض، وقراءة الكوفيين أن يبدله «١» أزواجا خيرا منكنّ وقيل: خيرا منكن إنهن لو دمن على الذي كان حتّى يحوجنه إلى طلاقهنّ لأبدل خيرا منهن. مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ كله نعت لأزواج. والواحدة زوج ولغة شاذة زوجة. وَأَبْكارًا عطف داخل في النعت أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3810>[سورة التحريم (٦٦): آية ٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا الفعل من هذا وقى يقي عند جميع النحويين والأصل عندهم وقى يوقي ثم اختلفوا في العلّة لحذف الواو، فقال البصريون: حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، وهي ساكنة ولم تحذف في يؤجل، لأن بعدها فتحة والفتحة لا تستثقل، وقال الكوفيون: حذفت الواو للفعل المتعدي وأثبت في اللازم فرقا فقالوا في المتعدّي وعد يعد وفي اللازم وجل يوجل، وعارضوا البصريين بقول العرب وسع يسع فحذفت الواو بعدها فتحة وكذا ولغ يلغ والاحتجاج للبصريين أن الأصل وسع يوسع وحذفت الواو لما تقدّم وفتحت السين لأن فيه حرفا من حروف الحلق، وقال الكوفيون: حذفت الواو لأنه فعل متعدّ، وردّ عليهم البصريون بقول العرب: ورم يرم فهذا لازم قد حذفت منه الواو وكذا يثق فقد انكسر قولهم إنه إنما يحذف من المتعدي. قال أبو جعفر: وهذا ردّ بيّن ولو جاء «قوا» على الأصل لكان ايقيوا. أَنْفُسَكُمْ منصوب بقوا، كما يقال: أكرم نفسك ولا يجوز أكرمك فقول سيبويه: لأنهم استغنوا عنه بقولهم: أكرم نفسك، وقال محمد بن يزيد: لم يجز هذا لأنه لا يكون الشيء فاعلا مفعولا في حال. فأما الكوفيون فخلطوا في هذه فمرة يقولون: لا يجوز كما يقول البصريون، ومرة يحكون عن العرب إجازته حكوا عدمتني، ولا يجيز البصريون من هذا شيئا. وَأَهْلِيكُمْ في موضع نصب معطوف على أنفسكم.\nومن مسائل الفرّاء في «وأهليكم» «٢» لم صار مسكنا وهو في موضع النصب؟ فالجواب إن الياء علامة النصب كقولك: رأيت الزيدين وحذفت النون للإضافة وحكى الفرّاء «٣» أن من العرب من يقول: أهله في المؤنث «نارا» مفعول ثان وَقُودُهَا النَّاسُ مبتدأ وخبره في موضع نصب نعت للنار وَالْحِجارَةُ عطف على الناس عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ أي غلاظ على العصاة أشدّاء عليهم، وقيل: «شداد» أقوياء لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ مفعولان على حذف الحرف أي فيما أمرهم وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ وحذف المضمر الذي يعود على «ما» وإن جعلتها مصدرا لم تحتج إلى عائد.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ص ١١٨.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٨٧.\n(٣) انظر المذكّر والمؤنث للفراء ١٠٨.","vol":"4","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3811>[سورة التحريم (٦٦): آية ٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ حذفت النون للجزم بالنهي. إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في «إنما» معنى التحقيق والإيجاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3812>[سورة التحريم (٦٦): آية ٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)\nتَوْبَةً مصدر. نَصُوحًا من نعته أي تنصحون لأنفسكم فيها عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وأجاز الفرّاء «١» وَيُدْخِلَكُمْ على الموضع بالجزم لأن عسى في موضع جزم في المعنى لأنها جواب الأمر، وقدّره بمعنى فعسى وعطف «ويدخلكم» على موضع الفاء. قال أبو جعفر: وهذا تعسّف شديد يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ «الذين» في موضع نصب على العطف، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قيل: هذا التمام، والمعنى وَبِأَيْمانِهِمْ يعطون كتبهم، وقد روي معنى هذا عن ابن عباس يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا ظهر التضعيف لمّا سكن الثاني وَاغْفِرْ لَنا ولا يجوز إدغام الراء في اللام لما فيها من التكرير. إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ خبر «إن» و«كلّ» مخفوض حقّه أن يكون في أخر الكلام لأنه تبيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3813>[سورة التحريم (٦٦): آية ٩]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)\nقيل: مجاهدة المنافقين باللسان والانقباض وأنّه كذا يجب أن يستعمل مع أهل المعاصي إذا لم يوصل إلى منعهم منها لأن الانبساط إليهم يجرّئهم على إظهارها فأمر الله جلّ وعزّ بمجاهدتهم بهذا وأصل المجاهدة في اللغة بلوغ الجهد في رضوان الله جلّ وعزّ. وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي هي منزلهم ومسكنهم. وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي بئس الذي يصلون إليه النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3814>[سورة التحريم (٦٦): آية ١٠]</span>\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ مفعولان.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٦٨.","vol":"4","page":305},{"text":"كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا فكانت الفائدة في هذا أنه لا ينفع أحدا إيمان أحد ولا طاعة أحد بنسب ولا غيره إذا كان عاصيا الله جلّ وعزّ كما قال رسول الله ﷺ لعمته صفية: «إني لا أغني عنكم من الله شيئا» «١» وكذا قال لفاطمة ﵂ وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ولم يقل: مع الداخلات لأن المعنى مع القوم الداخلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3815>[سورة التحريم (٦٦): آية ١١]</span>\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)\nفلم يضرها كفر فرعون شيئا، والأصل «ربّي» حذفت الياء لأن النداء موضع حذف وإثباتها وفتحها جائز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3816>[سورة التحريم (٦٦): آية ١٢]</span>\nوَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)\nوَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ عطف أي وضرب الله للذين آمنوا مثلا مريم ابْنَتَ من نعتها، وإن شئت على البدل. يقال: ابنة وبنت. الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا الهاء تعود على الفرج. قال أبو جعفر: قد ذكرنا في معناه قولين: أحدهما أنه جيبها، والآخر أنه الفرج بعينه. والحجّة لمن قال: إنه الفرج بعينه «استعمال العرب» أحصنت فرجها على هذا النعت. والحجّة لمن قال: هو جيبها أن معنى «أحصنت فرجها» منعت جيبها حتّى قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا\n[مريم: ٨١]، ومِنْ رُوحِنا فيه قولان: أحدهما من الروح الذي لنا والذي نملكه، كما يقال: بيت الله، والآخر من روحنا من جبرائيل ﷺ. قال جلّ ثناؤه نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣] .\nوَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ «٢» من وحّده قال: لأنه مصدر، ومن جمعه جعله على اختلاف الأجناس وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ أي من القوم القانتين، أقيمت الصفة مقام الموصوف.\n_________\n(١) أخرجه الدارمي في سننه ٢/ ٣٠٥.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٧٢.","vol":"4","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3817>٦٧ شرح إعراب سورة الملك</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3818>[سورة الملك (٦٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)\nأي يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء ودلّ على هذا الحذف وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3819>[سورة الملك (٦٧): آية ٢]</span>\nالَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)\nالَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ في موضع رفع على البدل من الذي الأول أو على إضمار مبتدأ، ويجوز النصب بمعنى أعني. لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي مرفوع بالابتداء، وهو اسم تام وأَحْسَنُ خبره، والتقدير: ليبلوكم فينظر أيكم أحسن عملا. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3820>[سورة الملك (٦٧): آية ٣]</span>\nالَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣)\nخَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ فيه مثل الذي في الأول، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر وأن يكون نعتا للعزيز. طِباقًا نعت لسبع، ويكون جمع طبقة مثل رحبة ورحاب أو جمع طبق مثل جمل وجمال، ويجوز أن يكون مصدرا مّا ترى في خلق الرّحمن من تفوت قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي من تفوت «١» وهو اختيار أبي عبيد. ومن أحسن ما قيل فيه قول الفرّاء «٢»: إنهما لغتان بمعنى واحد، ولو جاز أن يقال في هذا اختيار لكان الأول أولى لأنه المشهور في الله أن يقال: تفاوت الأمر مثل تباين أي خالف بعضه بعضا فخلق الله جلّ وعزّ غير متباين ولا متفاوت لأنه كلّه دالّ على حكمة لا على عبث وعلى بارئ له فَارْجِعِ الْبَصَرَ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٢، والبحر المحيط ٨/ ٢٩٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٧٠.","vol":"4","page":307},{"text":"وليس قبله فانظر ولكنّ قبله ما يدلّ عليه وهو ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3821>[سورة الملك (٦٧): آية ٤]</span>\nثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)\nثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ بمعنى المصدر أو الظرف ينقلب «١» إليك البصر جواب الأمر. خاسِئًا نصب على الحال. وَهُوَ حَسِيرٌ مبتدأ وخبره في موضع نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3822>[سورة الملك (٦٧): آية ٥]</span>\nوَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥)\nوَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ على لغة من قال مصباح وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ يكون «رجوما» مصدر يرجم، ويجوز أن يكون جمع راجم على قول من قال: النجوم هي التي يرجم بها، والقول الآخر على قول من قال: إنّ النجوم لا تزول من مكانها وإنما يرجم بالشهب وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ أي مع ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3823>[سورة الملك (٦٧): آية ٦]</span>\nوَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦)\nوَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ رفع بالابتداء، وحكى هارون عن أسيد أنه قرأ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ «٢» عطفه على الأول. وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ربع ببئس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3824>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nإِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)\nإِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا أي صوتا مثل الشهيق تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ الأصل تتميز. قال الفرّاء «٣»: أي تقطّع. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ نصب على الظرف بمعنى إذا سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ أي قالوا لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3825>[سورة الملك (٦٧): آية ٩]</span>\nقالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩)\nنَذِيرٌ بمعنى منذر. إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ «إن» بمعنى ما.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٩٣ (قرأ الجمهور «ينقلب» جزما على جواب الأمر، والخوارزمي عن الكسائي برفع الباء أي فينقلب على حذف الفاء أو على أنه موضع حال مقدّرة) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٩٤.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ١٧٠.","vol":"4","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3826>[سورة الملك (٦٧): آية ١٠]</span>\nوَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠)\nفيه قولان: أحدهما لو كان نقبل كما يقال: سمع الله لمن حمده أي قيل «أو نعقل» أي نفكر ونتبين، والقول الآخر أنهم إذا سمعوا لم ينتفعوا بما سمعوا فهم بمنزلة الصم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3827>[سورة الملك (٦٧): آية ١١]</span>\nفَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)\nفَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ ولم يقل: بذنوبهم لأنه مصدر يؤدّي عن الجنس فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3828>[سورة الملك (٦٧): آية ١٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)\nمن أحسن ما قيل فيه أن المعنى إن الذين يخشون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس لأنه الوقت الذي تكثر فيه المعاصي فإذا خشوا ربهم جلّ وعزّ عند غيبة الناس عنهم فاجتنبوا المعاصي كانوا بحضرة الناس أكثر اجتنابا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ خبر «إنّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3829>[سورة الملك (٦٧): آية ١٣]</span>\nوَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣)\nوَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ كسرت الواو لالتقاء الساكنين واختير لها الكسر لأنها أصلية. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بحقيقتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3830>[سورة الملك (٦٧): آية ١٤]</span>\nأَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)\nأَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ قال أبو جعفر: ربما توهّم الضعيف في العربية أنّ «من» في موضع نصب ولو كان موضعها نصبا لكان: ألا يعلم ما خلق: لأنه راجع إلى بِذاتِ الصُّدُورِ وإنما التقدير ألا يعلم من خلقها سرّها وعلانيتها وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3831>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦)\nوكذلك هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا أي سهلة تمشون عليها. يقال: ذلول بيّنة الذلّ، وذليل بيّن الذّل فَامْشُوا فِي مَناكِبِها جمع منكب وهو الناحية وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ حذف منه، ولو كان على قياس نظائره لقيل: أوكلوا كما تقول: أوجروا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ رفع بالابتداء.\nأَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ «٢» وحكى الفراء أن لغة بني تميم أن يزيد وألفا بين الألفين.\nقال أبو جعفر: يعني يزيدون ألفا لئلا يجمعوا بين همزتين فيقولون: أاأمنتم من في السماء. أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ في موضع نصب على أنها مفعولة. فَإِذا هِيَ تَمُورُ في موضع رفع، ويجوز النصب أي فإذا هي مائرة.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٩٤، وتيسير الداني ١٧٢ (قرأ الكسائي بضمّ الحاء والباقون بإسكانها) .\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٧١، وتيسير الداني ١٧٢.","vol":"4","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3832>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nأَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨)\nوهو التراب والحصى، ويكون السحاب الذي فيه البرد والصواعق فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ في موضع رفع لأن الاستفهام لا يعمل فيما قبله وحذفت الياء لأنه رأس آية، وكذا وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3833>[سورة الملك (٦٧): آية ١٩]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ نصب على الحال. وَيَقْبِضْنَ عطف عليه، ويجوز أن ينون مقطوعا منه ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ لأنه جلّ وعزّ خلق الجو فاستمسكن فيه إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ خبر «إنّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3834>[سورة الملك (٦٧): آية ٢٠]</span>\nأَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠)\nأي يدفع عنكم إن أراد بكم سوءا. إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أي ما الكافرون في ظنهم أي عبادتهم غير الله جلّ وعزّ ينفعهم إلا في غرور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3835>[سورة الملك (٦٧): آية ٢١]</span>\nأَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)\nأَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ وحذف جواب الشرط لأن الأول يدلّ عليه أي إن أمسك رزقه فهل يرزقكم من تعبدون من دونه بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ والأصل لججوا ثم أدغم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3836>[سورة الملك (٦٧): آية ٢٢]</span>\nأَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)\nمن في موضع رفع بالابتداء أهدى خبره أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3837>[سورة الملك (٦٧): آية ٢٣]</span>\nقُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٢٣)\nقُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مبتدأ وخبره وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ ولم يقل:\nالأسماع لأن السمع في الأصل مصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3838>[سورة الملك (٦٧): آية ٢٤]</span>\nقُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)\nقُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ مثل الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3839>[سورة الملك (٦٧): آية ٢٥]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥)\nمَتى في موضع رفع لأنها خبر الابتداء هذَا على قول سيبويه وعلى قول","vol":"4","page":310},{"text":"غيره في موضع نصب لأنه لا يرفع هذا بالابتداء. وأبو العباس يرفعه بمعنى متى يستقرّ هذا الوعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3840>[سورة الملك (٦٧): آية ٢٦]</span>\nقُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)\nقُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ رفعت العلم بالابتداء، ولا يجوز النصب عند سيبويه على أن يجعل «ما» زائدة، وكذا وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3841>[سورة الملك (٦٧): آية ٢٧]</span>\nفَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)\nفَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً يجوز أن تكون الهاء تعود على الوعد سِيئَتْ «١» وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ أصحّ ما قيل فيه أنه تفتعلون من الدعاء ثم أدغم، قال أبو عبيد: تدّعون مشتق من يدعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3842>[سورة الملك (٦٧): آية ٢٨]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨)\nأَرَأَيْتُمْ وإن خفّفت همزة أرأيتم جئت بها بين بين والياء ساكنة بحالها فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ «من» في موضع رفع بالابتداء، وهو اسم تام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3843>[سورة الملك (٦٧): آية ٢٩]</span>\nقُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩)\nقُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا أي خالقكم ورازقكم والفاعل لهذه الأشياء الرحمن فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ «٢» «من» في موضع رفع بالابتداء والجملة خبره لأنها استفهام، ولا يعمل في الاستفهام ما قبله، ويجوز أن يكون في موضع نصب ويكون بمعنى الذي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3844>[سورة الملك (٦٧): آية ٣٠]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا قال الفراء «٣» لا يثنّى غور ولا يجمع لأنه مصدر مثل:\nرضى وعدل فيقال: ماءان غور. قال أبو جعفر: بابه ألا يثنّى ولا يجمع فإن أردت اختلاف الأجناس ثنّيت وجمعت والتقدير: إن أصبح ماؤكم ذا غور مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢]، وقيل غور بمعنى غائر. فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ يكون فعيلا من معن الماء إذا كثر، ويجوز أن يكون مفعولا ويكون الأصل فيه معيونا مثل مبيع ويكون معناه على هذا الماء يرى بالأعين.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٠٢. [.....]\n(٢) انظر تيسير الداني ١٧٣ (قرأ الكسائي «فسيعلمون من هو» بالياء والباقون بالتاء) .\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٧١٢.","vol":"4","page":311},{"text":"الجزء الخامس\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3845>٦٨ شرح إعراب سورة ن (القلم)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3846>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)\nن في هذه الكلمة نيف وثلاثون جوابا منها ستة معان وستّ قراءات في إحداهنّ ستة أجوبة. روى الحكم بن ظهير عن أبيه عن أبي هريرة قال:\nالأرضون على نون ونون على الماء والماء على الصخرة والصخرة لها أربعة أركان على كلّ ركن منها ملك قائم في الماء. وروى يزيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: المر وحم ون حروف الرحمن مقطّعة. وفي حديث معاوية بن قرّة عن أبيه مرفوعا قال: ن لوح من نور. وقال قتادة: نون الدواة. قال أبو جعفر: فهذه أربعة أقوال، وقيل: التقدير وربّ نون، وقيل: هو تنبيه كما تقدّم في «ألم» . وأما القراءات فهي ستّ كما ذكرنا. قرأ أكثر الناس ن وَالْقَلَمِ «١» ببيان نون، وقرئ بإخفائها، وقرئ بإدغامها بغنّة وبغير غنّة، وروي عن عيسى بن عمر أنه قرأ «ن والقلم» وقرأ ابن إسحاق «نون والقلم» بالخفض. فهذه ستّ قراءات، في المنصوبة منها ستة أجوبة: منها أن تكون منصوبة بوقوع الفعل عليها أي أذكر نون.\nولم تنصرف لأنها اسم للسورة، وجواب ثان أن تكون لم تنصرف لأنها اسم أعجميّ هذان جوابان عن الأخفش سعيد، وقول سيبويه «٢» إنها شبّهت بأين وكيف وقول الفراء «٣» إنها شبهت بثمّ، وقيل: شبّهت بنون الجميع، وقال أبو حاتم: حذفت منها واو القسم فانتصبت بإضمار فعل، كما تقول: الله لقد كان كذا. قال أبو جعفر:\nفهذه ثمانية عشر جوابا. وفي إسكانها قولان فمذهب سيبويه «٤» أن حروف المعجم إنما سكّنت لأنها بعض حروف الأسماء فلم يجز إعرابها كما لا يعرب وسط الاسم، وردّ عليه هذا القول بعض الكوفيين فقال: إذا قلت زاي فقد زدت على الحرف ألفا\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ص ١٤٨.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٢٨٦.\n(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٣٦٨.\n(٤) انظر الكتاب ٣/ ٢٩٤.","vol":"5","page":3},{"text":"وياء، وقال أصحّ من هذا قول الفراء «١» قال: لم تعرب حروف المعجم لأنك إنما أردت تعليم الهجاء. قال أبو جعفر: وهذا قول صحيح لأنك إذا أردت تعليم الهجاء لم يجز أن تزيد الإعراب فيزول ذلك عن معنى الهجاء إلا أن تنعت أو تعطف فتعرب. ومن بيّن النون قال: سبيل حروف الهجاء أن يوقف عليها، وأيضا فإن النون بعيدة المخرج من الواو فأشبهت حروف الحلق، ولهذا لم يقرأ أحد بتبيين النون في «كهيعص» لقرب الصاد من النون فأدغمها الكسائي لأنه بنى الكلام على الوصل، ومن أدغم بغنّة أراد ألا يزيل رسم النون، ومن حذف الغنة قال المدغم قد صار حكمه حكم ما أدغم فيه، ومن قرأ «نون والقلم» كسر لالتقاء الساكنين. قال أبو حاتم: أضمر واو القسم. وإن جمعت نون قلت:\nنونات على أنه حرف هجاء، فإن جمعته على أنه اسم للحوت قلت في الجمع الكثير:\nنينان، وفي القليل: أنوان، ويجوز نونة مثل كوز وكوزة وَالْقَلَمِ خفض بواو القسم، وهو القلم الذي يكتب به غير أن التوقيف جاء أنه القلم الذي كتب به في اللّوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة روى ذلك القاسم بن أبي بزّة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ومعاوية بن قرّة عن أبيه يرفعه وَما يَسْطُرُونَ واو عطف لا واو قسم، وما والفعل مصدر، ويجوز أن يكون بمعنى الذي، وجواب القسم ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ أي ما أنت بما أنعم الله عليك من العقل والفهم إذا كان أعقل أهل زمانه بِمَجْنُونٍ، وهو المستور العقل. ومن هذا جنّ عليه الليل وأجنّه، ومنه قيل: جنين وللقبر جنن وللترس مجنّ. قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] ٤٩٦-\nوكان مجنّي دون من كنت أتّقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر «٢»\nوقيل: جنّ لأنهم مستترون عن أعين الناس مسموع من العرب على غير قياس:\nأجنّ فهو مجنون، والقياس مجنّ. قال أبو جعفر: وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد أنه كان يذهب إلى القياس في هذا كأنه يقال: مجنون من جنّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3847>[سورة القلم (٦٨): آية ٣]</span>\nوَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)\nوَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا أي على أداء الرسالة غَيْرَ مَمْنُونٍ قيل: لا يمنّ به عليك وقيل:\nغير مقطوع.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٦٨.\n(٢) الشعر لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص ١٠٠، والكتاب ٤/ ٤٥، والأشباه والنظائر ٥/ ٤٨، والأغاني ١/ ٩٠، وأمالي الزجاجي ١١٨، والإنصاف ٢/ ٧٧٠، وخزانة الأدب ٥/ ٣٢٠، والخصائص ٢/ ٤١٧، وشرح التصريح ٢/ ٢٧١، وشرح شواهد الإيضاح ٣١٣ ولسان العرب (شخص)، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٨٣، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٠٤، وشرح الأشموني ٣/ ٦٢٠، وشرح التصريح ٢/ ٢٧٥، وشرح عمدة الحافظ ٥١٩، وعيون الأخبار ٢/ ١٧٤، والمقتضب ٢/ ١٤٨، والمقرّب ١/ ٣٠٧.","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3848>[سورة القلم (٦٨): آية ٤]</span>\nوَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس. قال: على دين. قال أبو جعفر: فيكون هذا مثل قوله ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» «١» أي أحسنهم دينا وطريقة ومذهبا وطاعة. وسئلت عائشة ﵂ ما الخلق العظيم الذي كان عليه؟ قالت: القرآن، وقيل: هو ما كان فيه من البشاشة والسعي في قضاء حاجات الناس وإكرامهم والرفق بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3849>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nفَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)\nفَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ أي يوم القيامة. قال محمد بن يزيد: سألت أبا عثمان المازني عن هذا فقال: هذا التمام. وقال الأخفش: المعنى: فستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة.\nوقال محمد بن يزيد: التقدير: بأيّكم فتنة المفتون. وقال الفراء «٢»: الباء بمعنى «في» .\nقال أبو جعفر: فهذه أقوال النحويين مجموعة. ونذكر أقوال أهل التأويل. روى سفيان عن خصيف عن مجاهد بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قال: بأيّكم المجنون. وقال الحسن والضحاك: بأيّكم الجنون، وقول قتادة: أيّكم أولى بالشيطان. فهذه ثلاثة أقوال لأهل التأويل. فقول مجاهد تكون الباء فيه بمعنى «في» كما يقال: فلان بمكة وفي مكة والمعنى عليه فستعلم وسيعلمون في أي الفريقين المجنون الذي لا يتّبع الحقّ أفي فريقك أم في فريقهم. وعلى قول «٣» الحسن والضحاك فستعلم وسيعلمون بأيكم الفتنة.\nوالمفتون بمعنى الفتنة والفتون، كما يقال: ليس له معقول ولا معقود رأي. قال أبو جعفر: وهذا من أحسن ما قيل فيه، وقول قتادة أن الباء زائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3850>[سورة القلم (٦٨): آية ٧]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)\nأي هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله من كفار قريش. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ بك وبمن اتّبعك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3851>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nفَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)\nمعطوف، وليس بجواب ولو كان جوابا حذفت منه النون. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ قال يقول: لو ترخّص لهم فيرخّصون. والمعنى\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه رقم (٤٦٨٢)، وأحمد في مسنده ٢/ ٢٥٠، وذكره الحاكم في المستدرك ١/ ٣، والهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٣٠٣، وابن حجر في المطالب العالية (٢٥٤١)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٤٨، والتبريزي في مشكاة المصابيح (٣٢٦٤) .\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٧٣.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٠٣.","vol":"5","page":5},{"text":"على هذا: ودّوا لو تلين لهم فلا تنكر عليهم الكفر والمعاصي فيلينون لك وينافقونك ويجترءون على المعاصي، وفي اللين في مثل هذا فساد الدين، وهو مأخوذ من الدّهن شبّه التليّن به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3852>[سورة القلم (٦٨): آية ١٠]</span>\nوَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠)\nأي كل معروف بالحلف على الكذب فإذا كان كذلك كان مهينا عند الله جلّ وعزّ وعند المؤمنين. قال مجاهد: مَهِينٍ ضعيف. قال أبو جعفر: يكون مهين فعيل على بابه من هذا القول فيجوز أن يكون بمعنى مهان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3853>[سورة القلم (٦٨): آية ١١]</span>\nهَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)\nهَمَّازٍ من همزه إذا عابه وأصل الهمز الغمز. مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ «مشّاء» ممدود، لأنها ألف بعدها همزة فالألف خفيّة والهمزة لبعد مخرجها تخفى فقوّيت بالمدة وكذا الواو إذا كان ما قبلها مضموما مثل السّوأى، وكذلك الياء إذا كان ما قبلها مكسورا نحو: سيء بهم. هذا في المتصل، فللنحويين فيه ثلاثة أقوال: منهم من قال: لا مدّ فيه إذا كان منفصلا، ومنهم من قال: هو ممدود بمنزلة المتصل، وإلى هذا كان يذهب أبو إسحاق، ومنهم من قال: المدّ في المنفصل أولى منه في المتصل ليبيّن بالمد انفصال الحرف من الآخر نحو قوله جلّ وعزّ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: ٤] وكذا فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ [يوسف: ٩٦] وفي الواو والياء قُوا أَنْفُسَكُمْ [التحريم: ٦] وَفِي أَنْفُسِكُمْ [الذاريات: ٢١] والقراء من أحوج الناس إلى معرفة هذا. وربما وقع الغلط فيه فكان ذلك لحنا فمن قرأ دائِرَةُ السَّوْءِ [التوبة: ٩٨] لم يجز له أن يمدّ هذا لأن الواو ما قبلها مفتوح، ومن قرأ «دائرة السّوء» مدّ لأن الواو ما قبلها مضموم، وإنما وجب هذا في الواو إذا انضمّ ما قبلها والياء إذا انكسر ما قبلها لأنهما أشبهتا الألف فصارتا حرفي مدّ ولين كالألف فوجب فيهما المد كما كان في الألف ولما انضمّ ما قبل الواو وانكسر ما قبل الياء فصارت الحركة التي قبلهما منهما ضعفتا فقوّيتا بالمدّة ومن قرأ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا [البقرة: ١٠٣] لم يجز له أن يمدّ هذا لانفتاح ما قبل الواو، ويقال: إنّ أكثر من يغلط في هذا من القرّاء الذين يقرءون بقراءة حمزة. قال أبو جعفر: من قال: نميم قال: قد نمّ ثلاثة أنمة، ومن قال: نميمة قال: نمائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3854>[سورة القلم (٦٨): آية ١٢]</span>\nمَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)\nمَنَّاعٍ نعت وكذا مُعْتَدٍ ولو كانا منصوبين لجاز على النعت لكلّ أي معتد على الناس في معاملاتهم. أَثِيمٍ مخالف لربّه في أمره ونهيه، كما قال قتادة: أثيم بربه.","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3855>[سورة القلم (٦٨): آية ١٣]</span>\nعُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣)\nعُتُلٍّ قال أهل التأويل منهم أبو رزين والشعبي: العتلّ الشديد، وقال الفراء:\nأي شديد الخصومة بالباطل، وقال غيره: هو شديد الكفر الجافي وجمعه عتالّ. بَعْدَ ذلِكَ قيل: أي مع ذلك. زَنِيمٍ نعت أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3856>[سورة القلم (٦٨): آية ١٤]</span>\nأَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤)\nأَنْ في موضع نصب أي بأن كان، وقرأ الحسن وأبو جعفر وحمزة «أأن كان ذا مال وبنين» «١» قال أبو جعفر: هذا على التوبيخ أي الآن كان ذا مال وبنين يكفر أو تطيعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3857>[سورة القلم (٦٨): آية ١٥]</span>\nإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)\nاستهزاء وإنكارا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3858>[سورة القلم (٦٨): آية ١٦]</span>\nسَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)\nقال أبو جعفر: قد ذكرنا فيه أقوالا منها ما رواه معمر عن قتادة قال: على أنفه ومما يذكره أن سعيدا روى عن قتادة سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) قال شين لا يفارقه، وهذا من أحسن ما قيل فيه أي سنبيّن أمره ونشهره حتى يتبيّن ذلك ويكون بمنزلة الموسوم على أنفه على أنه قد روي عن ابن عباس سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ قال: قاتل يوم بدر فضرب بسيف ضربة فكانت سمة له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3859>[سورة القلم (٦٨): آية ١٧]</span>\nإِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧)\nإِنَّا بَلَوْناهُمْ أي تعبّدناهم بالشكر على النّعم وإعطاء الفقراء حقوقهم التي أوجبناها في أموالهم. كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ. قال ابن عباس: هم أهل كتاب إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها أي ليجذنّها. والجذاذ القطع ومنه صرم فلان فينا وسيف صارم. مُصْبِحِينَ نصب على الحال. وأصبح دخل في الإصباح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3860>[سورة القلم (٦٨): آية ١٨]</span>\nوَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨)\nولا يقولون: إن شاء الله فذمّوا بهذا لأن الإنسان إذا قال: لأفعلنّ كذا لم يأمن أن يصرم عن ذلك فيكون كاذبا فعليه أن يقول إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3861>[سورة القلم (٦٨): آية ١٩]</span>\nفَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩)\nقيل: أرسلت عليها نار فأحرقت حروثهم. وَهُمْ نائِمُونَ في موضع الحال.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٣ (وهذه قراءة أبي بكر أيضا، وقراءة ابن عامر بهمزة ومدّة، وابن زكوان في المدّ، والباقون بهمزة واحدة مفتوحة على الخبر) .","vol":"5","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3862>[سورة القلم (٦٨): آية ٢٠]</span>\nفَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)\nأي كالشيء المصروم المقطوع. وصريم بمعنى مصروم مثل قتيل بمعنى مقتول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3863>[سورة القلم (٦٨): آية ٢١]</span>\nفَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)\nنصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3864>[سورة القلم (٦٨): آية ٢٢]</span>\nأَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢)\nأَنِ في موضع نصب أي بأن، ويجوز أن يكون لا موضع لها تفسيرا إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ كنتم في موضع جزم بالشرط استغني عن الجواب بما تقدّم لأنه فعل ماض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3865>[سورة القلم (٦٨): آية ٢٣]</span>\nفَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣)\nفي موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3866>[سورة القلم (٦٨): آية ٢٤]</span>\nأَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)\nالجواب في أَنْ كما تقدّم وفي قراءة عبد الله بغير «أن» لأن معنى يَتَخافَتُونَ يقولون سرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3867>[سورة القلم (٦٨): آية ٢٥]</span>\nوَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥)\nأصحّ ما قيل في معناه على قصد، كما قال مجاهد: قد أسّسوا ذلك بينهم أي عملوه على قصد وتأسيس ومؤامرة بينهم قادرين عليه عند أنفسهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3868>[سورة القلم (٦٨): آية ٢٦]</span>\nفَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)\nأي قد ضللنا الطريق، وليست هذه جنّتنا لمّا رأوها محترقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3869>[سورة القلم (٦٨): آية ٢٧]</span>\nبَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)\nقيل: فقال من يعرفها ويعلم أنهم لم يضلّوا الطريق، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) أي حرمنا ثمارها لما فعلنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3870>[سورة القلم (٦٨): آية ٢٨]</span>\nقالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قالَ أَوْسَطُهُمْ أي أعدلهم أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ أي هلّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3871>[سورة القلم (٦٨): آية ٢٩]</span>\nقالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩)","vol":"5","page":8},{"text":"قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا نصب على المصدر إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي جعلنا الشيء في غير موضعه بمنعنا ما يجب علينا، وكذا الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3872>[سورة القلم (٦٨): آية ٣٠]</span>\nفَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠)\nفي موضع نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3873>[سورة القلم (٦٨): آية ٣١]</span>\nقالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١)\nقالُوا يا وَيْلَنا نداء مضاف والفائدة فيه أنّ معناه هذا وقت حضور الويل. إِنَّا كُنَّا طاغِينَ أي في مخالفتنا أمر ربّنا وتجاوزنا إياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3874>[سورة القلم (٦٨): آية ٣٢]</span>\nعَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢)\nوحكى سيبويه «١»، أنّ من العرب من يحذف «أن» مع عسى تشبيها بلعل إِلى رَبِّنا راغِبُونَ أي في أن يبدلنا خيرا منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3875>[سورة القلم (٦٨): آية ٣٣]</span>\nكَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)\nكَذلِكَ الْعَذابُ مبتدأ وخبره، وكذا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ وسمّيت آخرة لأنها آخرة بعد أولى وقيل: لتأخرها على الناس لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ «لو» لا يليها إلّا الفعل لشبهها بحروف الشرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3876>[سورة القلم (٦٨): آية ٣٤]</span>\nإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)\nجَنَّاتِ نصب بإن وعلامة النصب كسرة التاء إلّا أنّ الأخفش كان يقول: هي مبنية غير معربة في موضع النصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3877>[سورة القلم (٦٨): آية ٣٥]</span>\nأَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)\nكَالْمُجْرِمِينَ الكاف في موضع نصب مفعول ثان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3878>[سورة القلم (٦٨): آية ٣٦]</span>\nما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)\nما في موضع رفع بالابتداء، وهي اسم تام ولَكُمْ الخبر وكَيْفَ في موضع نصب بتحكمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3879>[سورة القلم (٦٨): آية ٣٧]</span>\nأَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧)\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ٩٢.","vol":"5","page":9},{"text":"أي هل لكم كتاب جاءكم من عند الله تدرسون فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3880>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nإِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩)\nإِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أي لأنفسكم علينا. وكسرت «إن» لمجيء اللام بعدها، وكذا أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي أم لكم أيمان حلفنا لكم بها منتهية إلى يوم القيامة إنّ لكم حكمكم. وفي قراءة الحسن «بالغة» «١» بالنصب. قال الفراء «٢»: على المصدر أي حقا، وقال غيره: على الحال من المضمر الذي في علينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3881>[سورة القلم (٦٨): آية ٤٠]</span>\nسَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)\nزَعِيمٌ أي ضمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3882>[سورة القلم (٦٨): آية ٤١]</span>\nأَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١)\nأي شركاء يعينونهم ويشهدون لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3883>[سورة القلم (٦٨): آية ٤٢]</span>\nيَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)\nيَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ هذه القراءة التي عليها جماعة الحجة وما يروى من غيرها يقع فيه الاضطراب، وكذا أكثر القراءات الخارجة عن الجماعة، وإن وقعت في الأسانيد الصحاح إلا أنها من جهة الآحاد. فمن ذلك ما قرئ على إبراهيم بن موسى عن محمد بن الجهم قال: حدّثنا الفراء قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قرأ «يوم تكشف عن ساق» «٣» يريد القيامة والساعة لشدّتها. قال أبو جعفر:\nوهذا إسناد مستقيم ثم وقع فيه ما ذكرناه، كما قرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج عن أبي عبد الله المخزومي وجماعة من أصحاب سفيان قالوا: حدّثنا سفيان عن عمرو عن ابن عباس أنه قرأ «يوم نكشف عن ساق» بالنون. وروى سفيان الثوري عن سلمة كهيل عن أبي صادق عن ابن مسعود أنه قرأ: «يوم نكشف عن ساق» بالنون. وروى سفيان الثوري عن سلمة أيضا عن أبي الزعراء عن ابن مسعود أنه قرأ «يوم يكشف عن ساق» بفتح الياء وكسر الشين. والذي عليه أهل التفسير أن المعنى يوم يكشف عن شدّة. وذلك معروف في كلام العرب، ويجوز أن يكون المعنى يوم يكشف الناس عن\n_________\n(١) وهذه قراءة زيد بن علي أيضا، انظر البحر المحيط ٨/ ٣٠٨. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٧٦.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٠٩ (قرأ الجمهور «يكشف» بالياء مبنيا للمفعول، وقرأ عبد الله بن أبي عبلة بفتح الياء مبنيا للفاعل، وابن عباس وابن مسعود وابن هرمز بالنون، وابن عباس «يكشف» بفتح الياء مبنيا للفاعل وعنه أيضا بالياء مضمومة) .","vol":"5","page":10},{"text":"سوقهم لشدّة ما هم فيه، ذلك مستعمل في كلام العرب، وساق مؤنّثة تصغّر بالهاء.\nوَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ قيل: إنما يدعون إلى السجود ليوبّخوا بذلك فيقال لهم:\nقد دعيتم إلى السجود الذي ينفعكم في الدنيا فأبيتم فهلمّ فاسجدوا الساعة لأنها ليست دار محنة ولا ينفع فيها السجود فيكون المعنى على هذا وهم لا يستطيعون أن يسجدوا سجودا ينتفعون به، وقيل: بل تجفّ أصلابهم عقوبة فلا يستطيعون السجود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3884>[سورة القلم (٦٨): آية ٤٣]</span>\nخاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣)\nخاشِعَةً نصب على الحال. أَبْصارُهُمْ رفع بالخشوع، ويجوز رفعهما جميعا على المبتدأ وخبره. تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ في موضع نصب أيضا على الحال، ويجوز قطعه من الأول. وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ أي في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3885>[سورة القلم (٦٨): آية ٤٤]</span>\nفَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤)\nمَنْ في موضع نصب عطف، وإن شئت كان مفعولا معه الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ في معناه قولان: أحدهما سنمتّعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيرا ويغتروا بما هم فيه من النعمة والسّرور فنأخذهم بغتة كما روى أبو موسى عن النبي ﷺ: «إن الله ﷿ ليمهل الظّالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ:\nوَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ «١» وقيل: سنستدرجهم من قبورهم إلى النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3886>[سورة القلم (٦٨): آية ٤٥]</span>\nوَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)\nوَأُمْلِي لَهُمْ بإسكان الياء والأصل ضمها لأنه فعل مستقبل فحذفت الضمة لثقلها. إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي قوي شديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3887>[سورة القلم (٦٨): آية ٤٦]</span>\nأَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦)\nوقراءة نافع بضم الميم الأولى وإسكان الثّانية. قال أبو جعفر: جاء بالأولى على الأصل فاختار هذا لأنها إذا لقيت ألف وصل ضمّت لا غير فأجرى ألف القطع مجراها، وقيل: جاء باللغتين جميعا كما قرأ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا [الشورى: ٢٨] وقرأ: لا تَقْنَطُوا [الزمر: ٥٣] وقل من يحتجّ له من أصحابه أو غيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3888>[سورة القلم (٦٨): آية ٤٧]</span>\nأَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)\n_________\n(١) ذكره البغوي في شرح السنة ١٤/ ٣٥٨، والبيهقي في الأسماء والصفات ٤١، والمتقي الهندي في كنز العمال (٢١٣٩٨)، والعجلوني في كشف الخفاء ٢/ ٦٥.","vol":"5","page":11},{"text":"قال أبو جعفر: وهذه الآية من أشكل ما في السورة وتحصيل معناها فيما قيل والله أعلم: أم عندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه ما يجادلونك به ويدّعون أنهم مع كفرهم بالله جلّ وعزّ وردّهم عليك بعد البراهين خير منك وأنهم على الحقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3889>[سورة القلم (٦٨): آية ٤٨]</span>\nفَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)\nفَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أي اصبر على أداء الرسالة واحتمل أذاهم ولا تستعجل لهم العذاب وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ في ما عمله من خروجه عن قومه وغمّه بتأخر العذاب عنهم إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس وَهُوَ مَكْظُومٌ قال:\nمغموم. قال أبو جعفر: والمكظوم في كلام العرب الذي قد اغتمّ لا يجد من يتفرّج إليه فقد كظم غيظه أي أخفاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3890>[سورة القلم (٦٨): آية ٤٩]</span>\nلَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)\nلَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ وفي قراءة ابن مسعود «لولا أن تداركته» «١» على تأنيث النعمة والتذكير: لأنه تأنيث غير حقيقي وروي عن الأعرج «لولا أن تدّاركه» بتشديد الدال، والأصل تتداركه أدغمت التاء في الدال. لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ في موضع نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3891>[سورة القلم (٦٨): آية ٥٠]</span>\nفَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)\nقيل: المعنى فوصفه جلّ وعزّ أنه من الصالحين. وقد حكى سيبويه جعل بمعنى وصف، وقيل: فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ وفّقه الله تعالى لطاعته حتى صلح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3892>[سورة القلم (٦٨): آية ٥١]</span>\nوَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)\nالكوفيون يقولون: إِنْ بمعنى «ما» واللام بمعنى إلّا، والبصريون يقولون:\nهي إن المشدّدة لما خفّفت وقع بعدها الفعل ولزمته لام التوكيد ليفرق بين النّفي والإيجاب. وذكر بعض النحويين الكوفيين أن هذا من إصابة العين، واستجهله بعض العلماء وقال: إنما كانوا يقولون: إنّا نصيب بالعين ما نستحسنه ونتعجّب من جودته. وهذا ليس من ذاك إنّما كانوا ينظرون إلى النبي ﷺ نظر الإبغاض والنفور.\nفالمعنى على هذا أنهم لحدّة نظرهم إليه يكادون يزيلونه من مكانه. يقال: أزلق\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٣١١ (قرأ الجمهور «تداركه» ماضيا ولم تلحقه علامة التأنيث، وقرأ عبد الله وابن عباس «تداركته» بتاء التأنيث، وابن هرمز والحسن والأعمش بشدّ الدال) .","vol":"5","page":12},{"text":"الحجّام الشّعر وزلّفه إذا حلقه، وقد قرئ لَيُزْلِقُونَكَ «١» من أزلق وزلق أي باللغتين جميعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3893>[سورة القلم (٦٨): آية ٥٢]</span>\nوَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)\nمبتدأ وخبره، والضمير يعود على الذكر المتقدّم.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٣، والبحر المحيط ٨/ ٣١١.","vol":"5","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3894>٦٩ شرح إعراب سورة الحاقة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3895>[سورة الحاقة (٦٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَاقَّةُ (١)\nرفع بالابتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3896>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nمَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)\nمَا الْحَاقَّةُ (٢) مبتدأ وخبره وهما خبر عن الحاقة، وفيه معنى التعظيم. والتقدير:\nالحاقة ما هي؟ إلا أن إعادة الاسم أفخم، وكذا وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3897>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤]</span>\nكَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)\nعادٌ منوّن لخفته وثَمُودُ لا ينوّن على أنه اسم للقبيلة، وينوّن على أنه اسم للحي. قال قتادة: بالقارعة أي بالساعة. قال غيره: لأنها تقرع قلوب الناس بهجومها عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3898>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nفَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦)\nوقال قتادة: بعث الله جلّ وعزّ عليهم صيحة فأهدتهم، وقيل: فأهلكوا بالطغيان، وقيل: بالجماعة الطاغية. قال أبو جعفر: وقول قتادة أصحّها أخبر الله بالمعنى الذي أهلكهم به لا بالسبب الذي أهلكهم من أجله كما أخبر في قصة عاد فقال جلّ ثناؤه:\nوَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ قال قتادة: أي باردة، وقال غيره: أي شديد الصوت عاتِيَةٍ زائدة على مقدار هبوبها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3899>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٧]</span>\nسَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧)\nوَثَمانِيَةَ أنثت الهاء في ثمانية، وحذفت من سبع فرقا بين المذكر والمؤنّث","vol":"5","page":14},{"text":"حُسُومًا أصحّ ما قيل فيه متتابعة لصحّته عن ابن مسعود وابن عباس، «وحسوم» نعت ومن قال: معناه أتباع جعله مصدرا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى في موضع نصب على الحال. كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ قال قتادة: أصول النخل، وقال غيره: كأنهم أسافل النخل قد تأكّلت وخوت وتبدّدت خاوِيَةٍ على تأنيث النخل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3900>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٨]</span>\nفَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨)\nأي من جماعة باقية، وقيل: من بقاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3901>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٩]</span>\nوَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩)\nوَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ «١»\nقراءة الحسن وأبي رجاء وعاصم الجحدري وأبي عمرو والكسائي، وهو اختيار أبي عبيد، وقراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وابن كثير والأعمش وحمزة وَمَنْ قَبْلَهُ وهما منصوبان على الظرف قال الحسن: «ومن قبله» ومن معه. ورد أبو عبيد على من قرأ «ومن قبله» لأنه قد كان فيهم مؤمنون.\nقال أبو جعفر: وهذا لا يلزم لأنه قد عرف المعنى بقوله جلّ وعزّ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3902>[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٠]</span>\nفَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠)\nنعت أي زائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3903>[سورة الحاقة (٦٩): آية ١١]</span>\nإِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١)\nمجاز لأن الجارية سفينة نوح ﷺ، والمخاطبون بهذا إنما حمل أجدادهم فيها فكانوا بمنزلة من حمل معهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3904>[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٢]</span>\nلِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)\nلِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً\nقال قتادة: بقيت السفينة عظة وآية وتذكرة حتى راها أوائل هذه الأمة. وَتَعِيَها\nأي التذكرة، ويروى عن عاصم أنه قرأ «وتعيّها» «٢»\nوهو لحن لأنه من وعى يعي، وعن طلحة أنه قرأ: «وتعيها» بإسكان العين حذف الكسرة لثقلها، وهو مثل أَرِنِي [البقرة ٢٦٠ والأعراف: ١٤٣] . أُذُنٌ واعِيَةٌ\nويقال: أذن وهي مؤنثة تصغيرها أذينة.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٣.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٣١٧، وتيسير الداني ١٧٣.","vol":"5","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3905>[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٣]</span>\nفَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣)\nنَفْخَةٌ واحِدَةٌ لمّا نعت المصدر حسن رفعه، ولو كان غير منعوت كان منصوبا لا غير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3906>[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٤]</span>\nوَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤)\nلأنهما جمعان، ولو قيل: فدككن أو فدكّت في الكلام لجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3907>[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٥]</span>\nفَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥)\nالعامل في الظرف وقعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3908>[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٦]</span>\nوَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦)\nمبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3909>[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٧]</span>\nوَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧)\nوَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها أي على أرجاء السماء والرجا الناحية مقصور يكتب بالألف، والرجاء من الأمل ممدود، وَالْمَلَكُ بمعنى الملائكة يدلّك على ذلك وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ روى السديّ عن أبي مالك عن ابن عباس قال: ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلّا الله جلّ وعزّ، وكذا قال الضحاك، وقال ابن إسحاق وابن زيد: ثمانية أملاك وهم اليوم أربعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3910>[سورة الحاقة (٦٩): آية ١٨]</span>\nيَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨)\nعلى تأنيث اللفظ، وقراءة الكوفيين «يخفى» «١»\nلأنه تأنيث غير حقيقي، وقد فصل بينه وبين فعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3911>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nفَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١)\nفَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.\nرفع بالابتداء، وخبره فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ قال بعض أهل اللغة: الأصل هاكم ثم أبدل من الكاف. وروى ابن طلحة عن ابن عباس إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) قال:\nأيقنت. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) على النسب أي ذات رضىّ.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٣، والبحر المحيط ٨/ ٣١٨ (قرأ الجمهور «لا تخفى» بتاء التأنيث وعلي وابن وثاء وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي وغيرهم بالياء) .","vol":"5","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3912>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٢]</span>\nفِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢)\nبدل بإعادة الحرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3913>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٣]</span>\nقُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣)\nروى شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال: يأكل من فواكهها وهو قائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3914>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٤]</span>\nكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤)\nوهي أيام الدنيا من «خلا» إذا مضى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3915>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٥]</span>\nوَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥)\nومن العرب من يقول: ليتني فيحذف النون كما يحذفها في «إن» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3916>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٦]</span>\nوَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦)\nبإثبات الهاء في الوقف، وكذا ما لبيان الحركة وإثباتها في الوصل لحن لا يجوز عند أحد من أهل العربية علمته. ومن اتّبع السواد وأراد السلامة من اللّحن وقف عليها فكان مصيبا من الجهتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3917>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nيا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨)\nيا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ اسم كان فيها مضمر، والتاء ليست باسم إنما هي علامة للتأنيث.\nما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ «ما» في موضع نصب بأغنى، ويجوز أن تكون نافية لا موضع لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3918>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٢٩]</span>\nهَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩)\n«١»\nكما تقدّم في حسابيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3919>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nخُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)\nثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ويجوز إثبات الواو على الأصل ومن حذفها فلسكون الواو، والهاء ليست بحاجز حصين «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3920>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٢ الى ٣٤]</span>\nثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٤.\n(٢) الرجز لحميد الأرقط في شرح شواهد الإيضاح ٣٤١، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٠٤، وشرح التصريح ٢/ ٢٨٦، وبلا نسبة في ديوان الأدب ١/ ١١٨، وإصلاح المنطق ص ٣١٠، وأوضح المسالك ٤/ ٢٨٦، وجمهرة اللغة ١٣١٤، وخزانة الأدب ١/ ٢١٤، والمخصّص ١/ ١٦٧، ومقاييس اللغة ١/ ٢٦، وشرح عمدة الحافظ ص ٥٧٦، والخصائص ٢/ ٣٠٧، ولسان العرب (ذرع) و(فرع) و(رمى)، وأدب الكاتب ٥٠٧، والأزهيّة ٢٧٦، والأشباه والنظائر ٥/ ٢١٩ وقبله:\n«ما لك لا ترمي وأنت أنزع ... أرمي عليها وهي فرع أجمع»","vol":"5","page":17},{"text":"الذراع مؤنثة كما قال:\n٤٩٧- وهي ثلاث أذرع وإصبع «١»\nوحكى الفراء «٢»\n: إن بعض عكل يذكّرها، وقد حكى ذلك غيره. إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) في موضع نصب، ورفع لأنه فعل مستقبل وكذا وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3921>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٣٥]</span>\nفَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥)\nقال أبو زيد: الحميم القريب في كلام العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3922>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٣٦]</span>\nوَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)\nيجوز أن يكون استثناء من الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3923>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٣٧]</span>\nلا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)\nوقراءة موسى بن طلحة إِلَّا الْخاطِؤُنَ على إبدال الهمزة وهي لغة شاذة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3924>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩)\nوَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) «لا» زائدة للتوكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3925>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٠]</span>\nإِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)\nقيل: هو مجاز لأنه سمعه منه الرسول ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3926>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢)\nنصب قَلِيلًا لأنه نعت لمصدر أو لظرف وكذا. وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3927>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٣]</span>\nتَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣)\n_________\n(١) انظر المذكر والمؤنّث للفراء ٧٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٢١، والمحتسب ٢/ ٣٢٩.","vol":"5","page":18},{"text":"على إضمار مبتدأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3928>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٤]</span>\nوَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤)\nأي من الباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3929>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٥]</span>\nلَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)\nفي معناه قولان: أحدهما بالقوة، والآخر: أهنّاه كما تقول: خذ بيده فأقمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3930>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٦]</span>\nثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)\nفأخبر الله جلّ وعزّ بحكمه في أوليائه ومن يعز عليه ليعتبر غيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3931>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٧]</span>\nفَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧)\nنعت لأحد على المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3932>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٨]</span>\nوَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)\nقال قتادة: القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3933>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٤٩]</span>\nوَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)\nاسم «أنّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3934>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٥٠]</span>\nوَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠)\nأي يتحسرون يوم القيامة على تركهم الإيمان به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3935>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٥١]</span>\nوَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)\nأي محضه وخالصه. والكوفيون يقولون: هذا إضافة الشيء إلى نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3936>[سورة الحاقة (٦٩): آية ٥٢]</span>\nفَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)\nأي نزّهه وبرّئه مما نسب إليه من الأنداد والأولاد والشّبه «العظيم» الذي كلّ شيء صغير دونه.","vol":"5","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3937>٧٠ شرح إعراب سورة سأل سائل (المعارج)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3938>[سورة المعارج (٧٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١)\nسَأَلَ سائِلٌ هذه قراءة أهل الكوفة وأهل البصرة يهمزها جميعا، وقرأ أبو جعفر والأعرج ونافع سَأَلَ سائِلٌ «١»\nالأول بغير همز والثاني مهموز، وهذه القراءة لها وجهان: أحدهما أن يكون «سال» من السيل أي انصبّ، والآخر أن يقال: سال بمعنى سأل لا أنه منه لأن هذا ليس بتخفيف الهمز لو كان منه إنما يكون على البدل من الهمز، وذلك بعيد شاذّ. قال أبو جعفر: ورأيت علي بن سليمان يذهب إلى أنه من الهمز، وإنه إنما غلط فيه على نافع وإنه إنما كان يأتي بالهمزة بين بين. قال أبو جعفر:\nوهذا تأويل بعيد وتغليط لكل من روى عن نافع، والقول فيه أن سيبويه حكى: سلت أسأل بمعنى سألت فالأصل في سال سول فلما تحركت الواو وتحرك ما قبلها قلبت ألفا، ومثله خفت. وسائل مهموز على أصله إن كان من سأل وإن كان من سال فالأصل في ساول فاعل فقلبت الواو ألفا وقبلها ألف ساكنة ولا يلتقي ساكنان فأبدل من الألف همزة مثل صائم وخائف بِعَذابٍ واقِعٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3939>[سورة المعارج (٧٠): آية ٢]</span>\nلِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢)\nلِلْكافِرينَ قول الفراء «٢»\nأن التقدير بعذاب للكافرين، ولا يجوز عنده أن يكون للكافرين متعلقا بواقع. قال أبو جعفر: وظاهر القرآن على غير ما قال وأهل التأويل على غير قوله. قال مجاهد: وواقع في الآخرة، وقال الحسن: أنزل الله جلّ وعزّ:\nسَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ فقالوا لمن هو على من يقع؟ فأنزل الله تعالى: لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٢٦، وتيسير الداني ١٧٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٨٣. [.....]","vol":"5","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3940>[سورة المعارج (٧٠): آية ٣]</span>\nمِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣)\nقيل: المعارج درج الجنّة، وروى ابن نجيح عن مجاهد قال: السماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3941>[سورة المعارج (٧٠): آية ٤]</span>\nتَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)\nوفي قراءة عبد الله «يعرج» «١»\nعلى تذكير الجميع. فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال أبو جعفر: قد ذكرنا فيه أقوالا، وأعلى ما قيل فيه عن ابن عباس أنه قال: هو يوم القيامة، وأن المعنى مقدار محاسبة الله جلّ وعزّ الخلق فيه وإثابته ومعاقبته إياهم مقدار ذلك خمسون ألف سنة لو كان غيره المحاسب، ويدلّ على هذا حديث أبي سعيد الخدري قيل: يا رسول الله ما أطول هذا اليوم فقال: «إنّه على المؤمن أخفّ من صلاة مكتوبة يصلّيها» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3942>[سورة المعارج (٧٠): آية ٥]</span>\nفَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)\nفَاصْبِرْ على أذاهم. صَبْرًا جَمِيلًا لا جزع فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3943>[سورة المعارج (٧٠): آية ٦]</span>\nإِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦)\nلأنهم لا يؤمنون به. قيل: الضمير في «إنهم» للكافرين وفي «يرونه» للعذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3944>[سورة المعارج (٧٠): آية ٧]</span>\nوَنَراهُ قَرِيبًا (٧)\nلأنه كائن، وكلّ كائن قريب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3945>[سورة المعارج (٧٠): آية ٨]</span>\nيَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨)\nيكون التقدير: يقع هذا أو يبصرونهم يوم تكون السّماء كالمهل، وأضيف يوم إلى الفعل، لأنه بمعنى المصدر وعطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3946>[سورة المعارج (٧٠): آية ٩]</span>\nوَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩)\nجمع عهنة، ويقال عهون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3947>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١)\nيُبَصَّرُونَهُمْ في هذا المضمر اختلاف عن العلماء فعن ابن عباس يبصّر الحميم حميمه أي يراه ويعرفه ثم يفرّ منه. فهذا قول، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد يبصر\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٤، ومعاني الفراء ٣/ ١٨٤، والبحر المحيط ٨/ ٣٢٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٢٧.","vol":"5","page":21},{"text":"المؤمنون الكافرين وعن ابن زيد يبصّر في النار التابعون للمتبوعين. قال أبو جعفر:\nوأولى هذه الأقوال بالصواب القول الأول لأنه قد تقدّم ذكر الحميم فيكون الضمير راجعا عليه أولى من أن يعود على ما لم يجر له ذكر يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ\nبنيت «يومئذ»»\nلمّا أضيفت إلى غير معرب، وإن شئت خفضتها بالإضافة فقرأت مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3948>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣)\nوَفَصِيلَتِهِ والجمع فصائل وفصل وفصلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3949>[سورة المعارج (٧٠): آية ١٤]</span>\nوَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)\nأي ثم ينجيه الافتداء لأن يَفْتَدِي يدلّ على الافتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3950>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nكَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦)\nكَلَّا تمام حسن إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى بين النحويين في هذا اختلاف تكون لظى في موضع نصب على البدل من قولك «ها» ونزّاعة خبر «إنّ»، وقيل: لَظى في موضع رفع على خبر «إن» ونَزَّاعَةً خبر ثان أو بدل على إضمار مبتدأ، وقيل: إنّ «ها» كناية عن القصة ولَظى نَزَّاعَةً مبتدأ وخبره وهما خبر عن «إنّ» وأجاز أبو عبيد نَزَّاعَةً «٢»\nبالنصب، وحكى أنه لم يقرأ به. قال أبو جعفر: وأبو العباس محمد بن يزيد لا يجيز النصب في هذا لأنه لا يجوز أن يكون إلا نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3951>[سورة المعارج (٧٠): آية ١٧]</span>\nتَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧)\nمجاز لأنه يروى أن خزنتها ينادون: ائتونا بمن أدبر وتولّى عن طاعة الله، وروى سعيد عن قتادة: تدعو من أدبر عن طاعة الله وتولّى عن كتابه وحقّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3952>[سورة المعارج (٧٠): آية ١٨]</span>\nوَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨)\nأي جعل المال في وعاء ولم يؤدّ منه الحقوق. ويقال: وعيت العلم وأوعيت المتاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3953>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nإِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٤ (قرأ نافع والكسائي بفتح الميم والباقون بخفضها) .\n(٢) انظر تيسير الداني ١٧٤، والبحر المحيط ٨/ ٣٢٨.","vol":"5","page":22},{"text":"خُلِقَ في موضع خبر «إنّ» ونصبت هَلُوعًا على الحال المقدّرة والهلوع فيما حكاه أهل اللغة الذي يستعمل في حال الفقر ما لا ينبغي أن يستعمله من الجزع وقلة التأسّي وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحقّ الواجب وقلة الشكر. وقد بين هذا بقوله: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ونصبت جَزُوعًا ومَنُوعًا على النعت لهلوع، ويجوز أن يكون التقدير صار كذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3954>[سورة المعارج (٧٠): آية ٢٢]</span>\nإِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢)\nنصب على الاستثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3955>[سورة المعارج (٧٠): آية ٢٣]</span>\nالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣)\nنعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3956>[سورة المعارج (٧٠): آية ٢٤]</span>\nوَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)\nعطف عليه روى سعيد بأن قتادة قال: الصدقة المفروضة، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس: وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ قال: يقول سوى الصدقة يصل بها رحما ويقوّي بها ضعيفا أو يحمل بها كلّا أو يعين بها محروما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3957>[سورة المعارج (٧٠): آية ٢٥]</span>\nلِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)\nقال أبو جعفر: صح عن ابن عباس قال: المحروم المحارف، وعن قتادة السائل الذي يسأل بكفّه، والمحروم المتعفّف أي الذي لا يسأل، ولكل عليك حقّ يا ابن آدم، وعن ابن زيد «المحروم» الذي احترق زرعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3958>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٦ الى ٣٤]</span>\nوَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)\nفَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤)\nوَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ في موضع نصب كله معطوف على نعت المصلين وكذا وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ وكذا وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ قال أبو جعفر وقراءة أبي عبد الرحمن والحسن بِشَهاداتِهِمْ «١»\nقال أبو جعفر: شهادة مصدر فذلك قرأها جماعة على التوحيد، ويجوز أن يكون واحدا يدل على جمع، وكذا وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٤.","vol":"5","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3959>[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٥]</span>\nأُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)\nمبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3960>[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٦]</span>\nفَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)\nنصب على الحال وكذا عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ جمع عزة جمع بالواو والنون وفيه علامة التأنيث عوضا مما حذف منه، وفيه لغة أخرى يقال: مررت بقوم عزين، يجعل الإعراب في النون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3961>[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٨]</span>\nأَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)\nوقراءة الحسن وطلحة أَنْ يُدْخَلَ «١»\nبفتح الياء وضم الخاء. قال أبو جعفر:\nوالآية مشكلة. فمما قيل فيها إن المعنى فما للذين كفروا قبلك مسرعين بالتكذيب لك، وقيل: بالاستماع منك ليعيبوك عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ أي متفرّقين في أديانهم وهم مخالفون للإسلام أيطمع كل امرئ منهم أن يثاب على هذا فيدخل الجنة، وقيل:\nأيطمع كلّ امرئ منهم أن ينجو من العذاب على هذا الفعل لأن معنى يدخل الجنة ينجو من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3962>[سورة المعارج (٧٠): آية ٣٩]</span>\nكَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)\nكَلَّا ردّ عليهم إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ذكّرهم مهانتهم وأنهم إنما خلقوا من نطفة فكيف يستحقّون الثواب إذا لم يعملوا عملا صالحا، كما قال قتادة: خلقت من قذر يا ابن آدم فاتّق الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3963>[سورة المعارج (٧٠): آية ٤٠]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠)\nفَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ. قال أبو ظبيان عن ابن عباس: للشمس كلّ يوم مشرق ومغرب لم يكونا لها بالأمس فذلك قوله جلّ وعزّ: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ ولا زائدة للتوكيد لا نعلم في ذلك اختلافا فإنما اختلفوا في «لا أقسم» لأنه أول السورة فكرهوا أن يقولوا: زائد في أول السورة وقد أجمع النحويون أنه لا تزاد «لا» و«ما» في أول الكلام فكان الكلام في هذا أشدّ، وجواب القسم: إِنَّا لَقادِرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3964>[سورة المعارج (٧٠): آية ٤١]</span>\nعَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)\nأي ليس يعجزوننا ولا يفوتوننا لأن من فاته الشيء ولم يلحقه فقد سبقه.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٨٦، والبحر المحيط ٨/ ٣٣٠.","vol":"5","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3965>[سورة المعارج (٧٠): آية ٤٢]</span>\nفَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)\nفَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا جواب، وفيه معنى الشرط وفي موضع آخر ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: ٩١] لأن هذا ليس بجواب، وزعم الأخفش سعيد أن الفرق بينهما أنه إذا كان بالنون فهم في تلك الحال وإذا لم يكن بالنون فهو للمستقبل يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3966>[سورة المعارج (٧٠): آية ٤٣]</span>\nيَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)\nيَوْمَ يَخْرُجُونَ بدل منه. مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا نصب على الحال. كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ وقراءة الحسن إِلى نُصُبٍ «١»\nوكذا يروى عن زيد بن ثابت وأبي العالية: أي إلى غايات يستبقون، وقال الحسن: كانوا يجتمعون غدوة فيجلسون فإذا طلعت الشمس تبادروا إلى أنصابهم. فقال الأعرج: إلى نصب إلى علم. قال أبو جعفر: وتقديره في العربية إلى علم قد نصب نصبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3967>[سورة المعارج (٧٠): آية ٤٤]</span>\nخاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)\nخاشِعَةً أَبْصارُهُمْ أي ذليلة خاضعة لما نزل بهم ونصب خاشعة بترهقهم أو بيخرجون تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي تغشاهم ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ «٢»\nقيل: الذي كانوا مشركو قريش يوعدون به فلا يصدّقون ذلك.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٤ (قرأ ابن عامر وحفص بضم النون والصاد والباقون بفتح النون وإسكان الصاد) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٣٠ (قرأ الجمهور «ذلة» منوّنا، و«ذلك اليوم» برفع الميم مبتدأ وخبره، وقرأ عبد الرحمن بن خلاد عن داود بن سالم عن يعقوب والحسن بن عبد الرحمن عن التمار «ذلة» بغير تنوين مضافا إلى «ذلك»، واليوم بخفض الميم) .","vol":"5","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3968>٧١ شرح إعراب سورة نوح ﵇</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3969>[سورة نوح (٧١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١)\nإِنَّا الأصل إنّنا حذفت النون تخفيفا أَرْسَلْنا سكّنت اللام في الأصل لاجتماع الحركات وأنه مبنيّ نُوحًا اسم أعجمي انصرف لأنه على ثلاثة أحرف. إِلى قَوْمِهِ اسم للجمع، وقيل: قوم جمع قائم مثل تاجر وتجر أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ «أن» بمعنى التبيين تقول: أي أنذر قومك، ويجوز أن يكون في موضع نصب، ويكون المعنى بأن أنذر قومك مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ خفضت قبل بمن وأعربتها لأنها مضافة إلى «أن» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3970>[سورة نوح (٧١): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nقالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)\nأَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يكون أن أيضا بمعنى «أي»، ويكون بمعنى نذير بأن اعبدوا الله وصلتها اعبدوا وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3971>[سورة نوح (٧١): آية ٤]</span>\nيَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)\nيَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ جزم لأنه جواب الأمر وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى عطف عليه إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لم يجزم بلو الفعل المستقبل لمخالفتها حروف الشرط في أنها لا تردّ الماضي إلى المستقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3972>[سورة نوح (٧١): آية ٥]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا (٥)\nعلى الظرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3973>[سورة نوح (٧١): آية ٦]</span>\nفَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِرارًا (٦)\nمفعول ثان.","vol":"5","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3974>[سورة نوح (٧١): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا (٨)\nوَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ منصوب على الظرف و«ما» متصلة مع «كل» إذا كانت بمعنى إذا، والجواب جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ الواحدة إصبع مؤنثة ويقال: إصبع.\nوَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا عطف عليه قال الفراء «١»\n: أَصَرُّوا سكتوا على الكفر.\nوَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا مصدر فيه معنى التوكيد، وكذا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا ويجوز أن يكون التقدير: ذا جهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3975>[سورة نوح (٧١): آية ٩]</span>\nثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا (٩)\nإِسْرارًا مصدر أيضا فيه معنى التوكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3976>[سورة نوح (٧١): آية ١٠]</span>\nفَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا (١٠)\nفَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي استدعوا منه المغفرة. إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا أي ستّارا على عقوبات الذنوب لمن تاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3977>[سورة نوح (٧١): آية ١١]</span>\nيُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (١١)\nيُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ جواب الأمر. مِدْرارًا نصب على الحال من السماء، ومفعال للمؤنّث بغير هاء لأنه جار على الفعل يقال: امرأة مذكار ومئناث بغير هاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3978>[سورة نوح (٧١): آية ١٢]</span>\nوَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا (١٢)\nيروى أنهم قيل لهم هذا لأنهم كانوا شديدي المحبة للمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3979>[سورة نوح (٧١): آية ١٣]</span>\nما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا (١٣)\nقد ذكرناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3980>[سورة نوح (٧١): آية ١٤]</span>\nوَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا (١٤)\nأكثر أهل التفسير على أن الأطوار خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة، وقيل:\nاختلاف المناظر لأنك ترى الخلق فتميّز بينهم في الصور والكلام، ولا بدّ من فرق وإن اشتبهوا. وذلك دالّ على مدبر وصانع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3981>[سورة نوح (٧١): آية ١٥]</span>\nأَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا (١٥)\nطِباقًا مصدر، ويجوز أن يكون نعتا لسبع، وأجاز الفراء «٢»\nالخفض في غير القرآن.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٨٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٨٨.","vol":"5","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3982>[سورة نوح (٧١): آية ١٦]</span>\nوَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا (١٦)\nوَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا قال أبو جعفر: أجلّ ما روي فيه قول عبد الله بن عمرو:\nإنّ وجه القمر إلى السموات فهو فيهن على الحقيقة وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا مفعولان ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3983>[سورة نوح (٧١): آية ١٧]</span>\nوَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (١٧)\nومصدر أنبت إنبات إلّا أن التقدير فنبتهم نباتا قيل: هذا لأن آدم ﷺ خلق من طين، وقيل: النطفة مخلوقة من تراب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3984>[سورة نوح (٧١): آية ١٨]</span>\nثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا (١٨)\nثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها بالإقبار وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا إلى البعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3985>[سورة نوح (٧١): آية ١٩]</span>\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا (١٩)\nويجوز بصاد لأن بعدها طاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3986>[سورة نوح (٧١): آية ٢٠]</span>\nلِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا (٢٠)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس سُبُلًا فِجاجًا قال: طرقا مختلفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3987>[سورة نوح (٧١): آية ٢١]</span>\nقالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسارًا (٢١)\nوقرأ الكوفيون وأبو عمرو وَوَلَدُهُ «١»\nويجوز والده مثل «أقّتت» وروى شبل عن مجاهد قال: ولده زوجه وأهله وروى خارجة عن أبي عمرو بن العلاء قال: ولده عشيرته وقومه. قال أبو جعفر: أما أهل اللغة سوى هذه الرواية عن أبي عمرو فيقولون: ولد وولد مثل بخل وبخل وفلك وفلك، ويجوز عندهم أن يكون ولد جمع ولد وثن ووثن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3988>[سورة نوح (٧١): آية ٢٢]</span>\nوَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)\nوكُبَّارًا «٢»\nهي قراءة بمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3989>[سورة نوح (٧١): آية ٢٣]</span>\nوَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)\nوَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا. هذه قراءة أهل المدينة، وقرأ الكوفيون\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٤، والبحر المحيط ٨/ ٣٣٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٨٩، والبحر المحيط ٨/ ٣٢٥ (قرأ الجمهور بتشديد الباء وهو بناء فيه مبالغة، وقرأ عيسى وابن محيصن وأبو السمال بتخفيف الباء، وقرأ زيد بن علي وابن محيصن «كبارا» بكسر الكاف وفتح الباء) .","vol":"5","page":28},{"text":"وأبو عمرو وَدًّا بفتح الواو وهو اختيار أبي عبيد واحتجّ بقولهم عبد ودّ وأن الصنم اسمه ودّ. قال أبو جعفر: وهذا من الاحتجاجات الشاذة، والمتعارف عكس ما قال إنما يقال: عبد ودّ فإن كان من جهة التعارف فهو هذا، وإن كان من جهة الأشبه فالأشبه أن يسمّى بودّ مشتقّ من الوداد، وهو السهولة واللين، ومنه وددت الرجل أحببته ووددته إذا بررته، ووددت أن ذلك الشيء لي أي تمنيت بسهولة وتسميتهم الصنم ودّا من هذا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا لم ينصرف يغوث ويعوق لشبههما الفعل المستقبل، وقرأ الأعمش «ولا يغوث ويعوق» بالصرف، وفي حرف عبد الله فيما روى وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا قال أبو جعفر: هذا عند الخليل وسيبويه لحن وهو أيضا مخالف للسواد الأعظم وزعم الفراء «١»\n: أنّ ذلك يجوز صرفه لكثرته أو كأنه نكرة، وهذا ما لا يحصل لأنه ليس إذا كثر الشيء صرف فيه ما لا ينصرف على أنه لا معنى لقوله:\nلكثرته في اسم صنم، ولا معنى لأن يكون نكرة ما كان مخصوصا مثل هذا. وقد زاد الكسائي على هذا فقال: العرب تصرف كل ما لا ينصرف إلا أفعل منك. قال محمد بن يزيد: هذا خطأ لأنهم قد صرفوا خيرا منك وشرّا منك ومعها منك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3990>[سورة نوح (٧١): آية ٢٤]</span>\nوَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالًا (٢٤)\nوَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ويجوز في غير القرآن وقد أضللن وقد أضلّت وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا قيل: المعنى: لا توفقهم، وقيل: إلا ضلالا عن الثواب وطريق الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3991>[سورة نوح (٧١): آية ٢٥]</span>\nمِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصارًا (٢٥)\n«ما» زائدة للتوكيد، ولا يجوز عند البصريين غير ذلك، والكوفيون يقولون:\nصلة ثم يرجعون في بعض المواضع إلى الحقّ وهذا منها زعم الفراء «٢»\nأن «ما» هاهنا تفيد لأن المعنى من أجل خطيئاتهم أغرقوا واحتجّ بأنّ «ما» تدل على المجازاة، وذكر حيثما تكن أكن، وذكر كيف وأين هذا في كتابه «في معاني القرآن» ومذهبه في هذا حسن لولا ما فيه من التخطيط. ذكر حيثما وهي لا يجازى بها إلّا ومعها «ما» وذكر «كيف» وهي لا يجازى بها البتة، وذكر «أين» وهي يجازى بها مع «ما» وبغير «ما»، فجمع بين ثلاثة أشياء مختلفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3992>[سورة نوح (٧١): آية ٢٦]</span>\nوَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)\nأي أحدا وهو من دار يدور أي أحدا يدور، وقيل: ديّار صاحب دار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3993>[سورة نوح (٧١): آية ٢٧]</span>\nإِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٨٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٨٩. [.....]","vol":"5","page":29},{"text":"إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ شرط يُضِلُّوا عِبادَكَ مجازاة وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3994>[سورة نوح (٧١): آية ٢٨]</span>\nرَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبارًا (٢٨)\nرَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ بفتح الياء لأنها ياء النفس لا يجوز كسرها وهي نظيرة بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢] وكذا قراءة من قرأ «ولوالدي» «١»\nومن قرأ «ولوالدي» جاز أن يسكن الياء وأن يفتحها. وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ عطف بإعادة الحرف وَالْمُؤْمِناتِ عطف بغير إعادة الحرف وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبارًا قال الفراء «٢»\n: إلّا ضلالا، وأولى منه قول مجاهد: إلّا هلاكا، مشتق من التّبر وتبرت الشيء وتبرته كسرته.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٣٧.\n(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١٩٠.","vol":"5","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3995>٧٢ شرح إعراب سورة الجنّ</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3996>[سورة الجن (٧٢): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١)\nقرأ جويّة بن عائذ الأسدي «قل أحي إليّ» «١»\nقال أبو جعفر: هذا على لغة من قال: وحى يحي. قال العجاج: [الرجز] ٤٩٨- وحى لها القرار فاستقرّت «٢»\nوالأصل: وحي إليّ فأبدل من الواو همزة مثل أُقِّتَتْ «أنه» في موضع رفع اسم ما لم يسمّ فاعله. والنفر ثلاثة وأكثر. فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا كسرت «إن» لأنها بعد القول فهي مبتدأة. ومعنى عجب عجيب في اللغة على ما ذكره محمد بن يزيد أنه الشيء يقلّ ولا يكاد يوجد مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3997>[سورة الجن (٧٢): آية ٢]</span>\nيَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا (٢)\n«لن» تدلّ على المستقبل، والأصل فيهما عند الخليل «٣»\n: لا أن، وزعم أبو عبيدة أنه قد يجزم بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3998>[سورة الجن (٧٢): آية ٣]</span>\nوَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا (٣)\nوَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا هذه قراءة المدنيين «٤»\nفي السورة كلّها إلّا في قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ وفي وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [الآية: ١٨] وفي وأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ [الآية: ١٦] . وقد زعم بعض أهل اللغة قراءة المدنيين لا يجوز غيرها، وطعن على من قرأ بالفتح لأنه توهم أنه معطوف على أَنَّهُ اسْتَمَعَ. قال أبو جعفر: وذلك غلط لأنه\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨: ٣٣٩، معاني الفراء ٣/ ١٩٠.\n(٢) مرّ الشاهر رقم (٣٩٨) .\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٣.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٧٥، والبحر المحيط ٨/ ٣٤١.","vol":"5","page":31},{"text":"قد قرأ بالفتح من تقوم الحجة بقراءته. روى الأعمش عن إبراهيم بن علقمة أنه قرأ و«أن» في السورة كلها. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي بالفتح في السورة كلها إلى قوله: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي [الواقعة: ٢٠] فلمّا أشكل عليه هذا عدل إلى قراءة أهل المدينة لأنها بينة واضحة. والقول في الفتح أنه معطوف على المعنى، والتقدير فآمنّا به وآمنّا أنه تعالى جدّ ربنا فإنه في موضع نصب. وأحسن ما روي في معنى «جدّ ربّنا» قول ابن عباس: إنه الغنى والعظمة والرفعة، وأصل الجدّ في اللّغة الارتفاع. من ذلك الجدّ أبو الأب. ومنه الجدّ الحظ وباللغة الفارسية البخت. ويقال:\nإنّ الجنّ قصدوا إلى هذا وأنهم أرادوا الرفعة والحظ أي ارتفع ربنا عن أن ينسب إلى الضعف الذي في خلقه من اتّخاذ المرأة وطلب الولد والشهوة. يدلّ على هذا أن بعده مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا وقد زعم بعض الفقهاء أنه يكره أن تقول: وتعالى جدّك، واحتجّ بأن هذا إخبار عن الجنّ. وذلك غلط لأنه قد صحّ عن النبي ﷺ ذلك ولم يذمّ الله الجنّ على هذا القول. وروي عن عكرمة: «وأنه تعالى جدّا ربّنا» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3999>[سورة الجن (٧٢): آية ٤]</span>\nوَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤)\nالسّفه رقة الحلم، وثوب سفيه أي رقيق، وفتح أن أيضا حملا على المعنى أي صدّقنا وشهدنا. والشطط البعد، كما قال: [الكامل] ٤٩٩- شطّت مزار العاشقين فأصبحت «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4000>[سورة الجن (٧٢): آية ٥]</span>\nوَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)\nلاستعظامهم ذلك، والظنّ هاهنا الشك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4001>[سورة الجن (٧٢): آية ٦]</span>\nوَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا (٦)\nاسم كان وخبرها يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا مفعول ثان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4002>[سورة الجن (٧٢): آية ٧]</span>\nوَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)\nوَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ وإن فتحت أن حملته أيضا على المعنى أي علمنا أنهم ظنوا كما ظننتم أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا «أن» وما بعدها في موضع المفعولين لظننتم إن أعملته وإن أعملت الأول نويت بها التقدّم.\n_________\n(١) الشاهد لعنترة في ديوانه ١٠٩، ولسان العرب (زأر) و(زور) و(شطط)، وتاج العروس (زور) و(شطط) و(ركل)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٣/ ٤٢. وعجزه:\nعسرا عليّ طلابها ابنة مخرم»","vol":"5","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4003>[سورة الجن (٧٢): آية ٨]</span>\nوَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)\nإن عدّيت وجدنا إلى مفعولين فملئت في موضع المفعول الثاني وإن عديتهما إلى واحد أضمرت «قد» . قال أبو جعفر: والأول أولى وشهب في الكثير، وفي القليل أشهبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4004>[سورة الجن (٧٢): آية ٩]</span>\nوَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا (٩)\nوَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ لم ينصرف لأنه لا نظير له في الواحد وهو نهاية الجمع. فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا شرط ومجازاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4005>[سورة الجن (٧٢): آية ١٠]</span>\nوَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)\nأحسن ما قيل فيه إن المعنى: لا ندري أشرّا أراد الله بمن في الأرض حين منعنا الاستماع من السماء أم أراد بهم ربهم أن يرسل إليهم رسولا فيرشدهم هذا مذهب ابن زيد، وكانت هذه من علامات نبوته ﷺ أنه شدّد على الشياطين في استماعهم من السماء ورموا بالشهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4006>[سورة الجن (٧٢): آية ١١]</span>\nوَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَدًا (١١)\nلمّا سكنت النون من «من» استغنيت عن زيادة نون أخرى فإذا قلت: منّي فالاسم الياء وزدت النون لئلا تكسر نون «من» كُنَّا طَرائِقَ قِدَدًا الواحدة طريقة ويقال: طريق وطريقة، وفلان على طريقة فلان: وفلان طريقة القوم أي رئيسهم والقوم طريقة أيضا، وإن شئت جمعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4007>[سورة الجن (٧٢): آية ١٢]</span>\nوَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)\nوَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ الظن هاهنا يقين. وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا مصدر في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4008>[سورة الجن (٧٢): آية ١٣]</span>\nوَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا (١٣)\nوَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ على تذكير الهدى، وهي اللغة الفصيحة. وقد تؤنث فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا وقراءة يحيى بن وثاب والأعمش فَلا يَخافُ «١»\nعلى النهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4009>[سورة الجن (٧٢): آية ١٤]</span>\nوَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤)\nوَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ قسط إذا جار، هذا الأصل ثم يزاد عليه الألف فيقال: أقسط إذا أزال القسوط أي عدل.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٤٤.","vol":"5","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4010>[سورة الجن (٧٢): آية ١٦]</span>\nوَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا (١٦)\nوقراءة يحيى بن وثاب والأعمش وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا بضم الواو لالتقاء الساكنين ولأن الضمة تشبه الواو إلا أن سيبويه «١»\nلا يجيز إلا الكسر في الواو الأصلية فرقا بينها وبين الزائد لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا حكى أبو عبيدة «٢» سقيته وأسقيته لغة، وأما الأصمعي فقال: سقيته لفيه وأسقيته جعلت له شربا. قال أبو جعفر: وعلى ما قال الأصمعي اللغة الفصيحة، منها لأسقيناهم أي أدمنا لهم ذلك، غير أن أبا عبيدة أنشد للبيد وهو غير مدافع عن الفصاحة: [الوافر] ٥٠٠-\nسقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال «٣»\nفسئل الأصمعي عن هذا البيت فقال: هو عندي معمول ولا يكون مطبوع يأتي للغتين في بيت واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4011>[سورة الجن (٧٢): آية ١٧]</span>\nلِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا (١٧)\nلِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ حكى أبو زيد وأبو عبيدة: فتنته وأفتنته. قال أبو زيد: لغة بني تميم أفتنته. قال الأصمعي: فتنه يفتنه فهو فاتن وفتان قال الله جلّ وعزّ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ [الصافات: ١٦٢] قال: ولا يقال: أفتنه وأنكر هذه اللغة ولم يعرفها، فأنشدهم: [الطويل] ٥٠١-\nلئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت ... سعيدا فأمسى قد قلا كلّ مسلم «٤»\nقال أبو جعفر: وهذا شعر قديم، غير أن الأصمعي قال: لا بأس هذا قد سمعناه من مخنّث فلا يلتفت إليه، وإن كان قد قيل قديما. قال أبو جعفر: قد حكى الجلّة من أهل اللغة ممن يرجع إلى قوله في الصدق فتنه وأفتنه غير أن سيبويه فرّق بينهما فذهب إلى أن المعتدي أفتن، وأن معنى فتنه جعل فيه فتنة، كما تقول: كحلّه. وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا وقرأ مسلم بن جندب نَسْلُكُهُ «٥» بضم النون. قال أبو جعفر: سلكه وأسلكه لغتان عند كثير من أهل اللغة، وقال الأصمعي: سلكه بغير\n_________\n(١) انظر الكتاب ٤/ ٢٦٨.\n(٢) انظر مجاز القرآن ١/ ٣٤٩.\n(٣) مرّ الشاهد رقم/ ٢٣٩) .\n(٤) الشاهد لأعشى همدان في لسان العرب (فتن) والمخصّص ٤/ ٦٢، وتاج العروس (فتن)، ولابن قيس الرقيات في الخصائص ٣/ ٣١٥، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في لسان العرب (فتن)، وتهذيب اللغة ١٤/ ٢٨٩، وجمهرة اللغة ٤٠٦، ومقاييس اللغة ٤/ ٤٧٣، وديوان الأدب ٢/ ٣٣٤، وكتاب العين ٨/ ١٢٨.\n(٥) انظر تيسير الداني ١٧٥ (قرأ الكوفيون بالياء والباقون بالنون) .","vol":"5","page":34},{"text":"ألف. قال الله جلّ وعزّ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: ٤٢] وكما قال الشاعر:\n[البسيط] ٥٠٢-\nأمّا سلكت سبيلا كنت سالكها ... فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر «١»\nوسلك وسلكته مثل رجع ورجعته وأسلكته لغة معروفة أنشد أبو عبيدة وغيره لعبد مناف بن ربع: [البسيط] ٥٠٣-\nحتّى إذا أسلكوهم في قتائدة ... شلّا كما تطرد الجمّالة الشّردا «٢»\nولم يطعن الأصمعي في هذا البيت غير أنه قال: أسلكه حمله على أن يسلك، وزعم أبو عبيدة أن الجواب محذوف وخولف في هذا، وقيل: الجواب شلّوا وشلّا يقوم مقامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4012>[سورة الجن (٧٢): آية ١٨]</span>\nوَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)\nوَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ «أنّ» في موضع نصب بمعنى ولأن وعلى قول بعضهم في موضع رفع عطفا على قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ. فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا نهي لجماعة وحذفت منه النون للجزم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4013>[سورة الجن (٧٢): آية ١٩]</span>\nوَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس «لبدا» أعوانا، وقال مجاهد: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) لبدا جماعات ومالا لبدا كثيرا. قال أبو جعفر: وهذا قول بيّن وإن كان هذا قد قرئ لِبَدًا «٣» فهو بعيد، والمعنى على الجماعة الأعلى الكثرة كما قال مجاهد: من تلبد الشيء على الشيء إذا تجمّع عليه ولصق به وعليه لبدة أي شعر وما أشبهه كما قال: [الطويل] ٥٠٤-\nلدى أسد شاكي السّلاح مقاذف ... له لبد أظفاره لم تقلّم «٤»\n_________\n(١) الشاهد لأعشى باهلة في الأصمعيات ٩٣، والخزانة ١/ ٩٧. [.....]\n(٢) الشاهد لعبد مناف بن ربع الهذليّ في الأزهيّة ٢٠٣، والإنصاف ٢/ ٤٦١، وجمهرة اللغة ٨٥٤، وخزانة الأدب ٧/ ٣٩، والدرر ٣/ ١٠٤، وشرح أشعار الهذليين ٢/ ٦٧٥، وشرح شواهد الإيضاح ص ٤٣١، ولسان العرب (شرد) و(قتد)، و(سلك)، و(إذا)، ومراتب النحويين ص ٨٥، ولابن أحمر في ملحق ديوانه ١٧٩، ولسان العرب (حمر)، وبلا نسبة في أدب الكاتب ٤٣٤، والأشباه والنظائر ٥/ ٢٥، وجمهرة اللغة ٣٩٠، والصاحبي في فقه اللغة ١٣٩، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٧.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٧٥، والبحر المحيط ٨/ ٣٤٦.\n(٤) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ٢٤، ولسان العرب (قذف) و(مكن)، وتهذيب اللغة ٩/ ٧٦، وجمهرة اللغة ٩٧٤، وتاج العروس (قذف) .","vol":"5","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4014>[سورة الجن (٧٢): آية ٢٠]</span>\nقُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)\nويقرأ قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي «١» والقراءة يقال متّسقة ويقال منقطعة، والمعنيان صحيحان أي قل لهم فقال: إنما أدعو ربي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا نسق ويجوز أن يكون مستأنفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4015>[سورة الجن (٧٢): آية ٢١]</span>\nقُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١)\nأي لا أملك أن أضرّكم في دينكم ولا دنياكم إلا أن أرشدكم كرها أي إلّا أن أبلغكم، وفيه قول آخر يكون نصبا على إضمار فعل، ويكون مصدرا أي: قل إني لن يجيرني من الله أحد إلا أن أبلغ رسالته فيكون «أن» منفصلة من لا. والمعنى: إلّا بلاغا ما أتاني من الله ورسالاته. وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا شرط ومجازاة، وهو في كلام العرب عام لكل من عصى الله جلّ وعزّ إلّا من استثني بآية من القرآن أو توقيف من الرسول ﷺ أو بإجماع من المسلمين، والذي جاء مستثنى منه من تاب وآمن ومن عمل صغيرة واجتنب الكبائر وسائر ذلك داخلون في الآية إلّا ما صحّ عن النبي من خروج الموحّدين من النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4016>[سورة الجن (٧٢): آية ٢٢]</span>\nقُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)\nلَنْ تجعل الفعل مستقبلا لا غير وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا أي ملجأ ألجأ إليه وأميل. واللحد في القبر من هذا لأنه مائل ناحية منه، ويمال الميت إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4017>[سورة الجن (٧٢): آية ٢٣]</span>\nإِلاَّ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا (٢٣)\nإِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ نصب على الاستثناء، والمعنى فيه إذا كان استثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4018>[سورة الجن (٧٢): آية ٢٤]</span>\nحَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)\nإذا ظرف ولا تعرب لشبهها بالحروف بتنقّلها وأن فيها معنى المجازاة، وجوابها فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا «من» في موضع رفع لأنها استفهام، ولا يعمل في الاستفهام ما قبله هذا الوجه وإن جعلتها بمعنى الذي كانت في موضع نصب وأضمرت مبتدأ وكان أَضْعَفُ خبره وَأَقَلُّ عطف عليه عَدَدًا نصب على البيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4019>[سورة الجن (٧٢): آية ٢٥]</span>\nقُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)\nأَدْرِي في موضع رفع حذفت الضمة منه، ومن نصبه فقد لحن لحنا لا يجوز أَمْ يَجْعَلُ لَهُ عطف عليه.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٥.","vol":"5","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4020>[سورة الجن (٧٢): آية ٢٦]</span>\nعالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)\nعالِمُ الْغَيْبِ نعت فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4021>[سورة الجن (٧٢): آية ٢٧]</span>\nإِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)\nإِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ في موضع نصب على الاستثناء من أحد لأن أحدا بمعنى جماعة فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا بمعنى جماعة أي ذوي رصد من الملائكة يحفظونه ويحفظون ما ينزل من الوحي لا يغيّر ولا يسترق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4022>[سورة الجن (٧٢): آية ٢٨]</span>\nلِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)\nلِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ قد ذكرناه وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ عطف جملة لأن الذي قبله مستقبل وهو ماض وكذا وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا.","vol":"5","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4023>٧٣ شرح إعراب سورة المزّمّل</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4024>[سورة المزمل (٧٣): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)\nالأصل المتزمّل أدغمت التاء في الزاي، وفي معناه ثلاثة أقوال. فمذهب الزهري أنه تزمّل من فزع أصابه أول ما رأى الملك، ومذهب قتادة أنه تزمّل متأهّبا للصلاة، تأوّلا على قتادة وليس بنصّ قوله، ومذهب عكرمة أن المعنى: يا أيها المتزمّل النبوة والرسالة مجازا وتأوّلا على عكرمة، ونصّ قوله: قد زمّلت هذا الأمر فقم به. قال أبو جعفر: والبيّن قول الزهري. قال إبراهيم النخعيّ: كان متزمّلا في قطيفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4025>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nقُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣)\nكسرت الميم لالتقاء الساكنين ولم تردد الواو لأن الحركة ليست بلازمة. في معنى قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ثلاثة أقوال: إنّ هذا ليس بفرض. يدلّ على ذلك أن بعده نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا وليس كذلك تكون الفروض، والقول الثاني إنه منسوخ، نسخه آخر السورة وهذا قول ابن عباس، والقول الثالث إنه كان فرضا فالمخاطب به النبي ﷺ، ولم يقل ﷿ قوموا، «نصفه» منصوب على إضمار فعل أي قسم نصفه، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ضمّت الواو لالتقاء الساكنين وإن شئت كسرت على الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4026>[سورة المزمل (٧٣): آية ٤]</span>\nأَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)\nأَوْ زِدْ عَلَيْهِ تخيير وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا حقيقته في كلام العرب تلبّث في قراءته وافصل الحرف من الحرف الذي بعده، ولا تستعجل فيدخل بعض الحروف في بعض.\nمشتقّ من الرتل. قال الأصمعي: وفي الأسنان الرتل وهو أن يكون بين الأسنان الفرج، لا يركب بعضها بعضا، يقال ثغر رتل. قال أبو جعفر: وهذا قول صحيح بيّن، وقيل: هو من الرّتل الذي هو الضعف واللين. فالمعنى: ليّن القراءة ولا تستعجل بالانكماش.","vol":"5","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4027>[سورة المزمل (٧٣): آية ٥]</span>\nإِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)\nفي معناه قولان: قال عروة: كان النبي ﷺ إذا أوحي إليه وهو على ناقته ثقل عليها حتى تضع جرانها، وقيل: لما فيه من الفرائض والمنع من الشهوات كما قال قتادة: ثقله في الميزان كثقله على الإنسان في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4028>[سورة المزمل (٧٣): آية ٦]</span>\nإِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)\nإِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ من نشأ إذا ابتدأ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا «١» كذا يقرأ أكثر القراء، وهذا نصب على البيان. ووطأ مصدر واطأ مواطأة ووطاء وَأَقْوَمُ قِيلًا بيان أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4029>[سورة المزمل (٧٣): آية ٧]</span>\nإِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)\nوعن يحيى بن يعمر أنه قرأ «سبخا» «٢» بخاء معجمة أي راحة ونوما. وفي الحديث «لا تسبّخي عنه» أي لا تخفّفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4030>[سورة المزمل (٧٣): آية ٨]</span>\nوَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)\nتبتيل مصدر بتّل لأن المعنى واحد، وقد تبتّل تبتّلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4031>[سورة المزمل (٧٣): آية ٩]</span>\nرَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)\nرَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ بالرفع والكوفيون يقرءون «رب المشرق والمغرب» «٣» بالخفض. والرفع حسن لأنه أول الآية بمعنى هو ربّ المشرق ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ولو كان خبره فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا لكان النصب أولى به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4032>[سورة المزمل (٧٣): آية ١٠]</span>\nوَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)\nوَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ أي مما يؤذيك. وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا وهو الهجر في ذات الله جلّ وعزّ، كما قال: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: ٦٨] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4033>[سورة المزمل (٧٣): آية ١١]</span>\nوَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)\nوَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ. عطف على النون والياء، ويجوز أن يكون مفعولا معه أُولِي النَّعْمَةِ كتبت بزيادة واو بعد الألف فرقا بين أولي وإلى وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا نعت لمصدر أو ظرف.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٥.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٥٥ (وهذه قراءة عكرمة وابن أبي عبلة أيضا) .\n(٣) انظر تيسير الداني ١٧٥، والبحر المحيط ٨/ ٣٥٥.","vol":"5","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4034>[سورة المزمل (٧٣): آية ١٣]</span>\nوَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا (١٣)\nإِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا اسم «إنّ» الواحد نكل وَجَحِيمًا وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا (١٣) نسق كلّه، والمعنى عندنا هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4035>[سورة المزمل (٧٣): آية ١٤]</span>\nيَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)\nقال الفراء «١»: هلت التراب إذا حرّكت أسفله فسقط أعلاه، وقال أبو عبيد: يقال لكلّ شيء أرسلته، إرسالا من رمل أو تراب أو طعام أو نحوه: قد هلته أهيله هيلا إذا أرسلته فهو مهيل. قال أبو جعفر: الأصل مهيول فاعلّ فألقيت حركة الياء على الهاء فالتقى ساكنان، واختلف النحويون بعد هذا فقال الخليل وسيبويه «٢»: حذفت الواو لالتقاء الساكنين لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها الياء فقيل: مهيل، وزعم الكسائي والفراء والأخفش أن هذا خطأ والحجة لهم أن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف ولكن حذفت الياء فكان يلزمهم على هذا أن يقولوا: مهول فاحتجّوا بأن الهاء كسرت لمجاورتها الياء فلمّا حذفت الياء انقلبت الواو ياء لمجاورتها الكسرة. قال أبو جعفر:\nوهذا باب التصريف وغامض النحو، وقد أجمعوا جميعا على أنه يجوز مهيول ومبيوع ومكيول ومغيوم.\nقال أبو زيد: هي لغة لتميم، وقال علقمة بن عبدة: [البسيط] ٥٠٥- يوم رذاذ عليه الدّجن مغيوم «٣» فهذا جائز في ذوات الياء، ولا يجيزه البصريون في ذوات الواو، ولا يجوز عندهم خاتم مصووغ ولا كلام مقوول، لثقل هذا لأنه قد اجتمعت واوان وضمة، وهم يستثقلون الواحدة ويفرّون منها. قال جلّ وعزّ: وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ [المرسلات: ١١] كذا في المصحف المجتمع عليه. قال الشاعر: [الرجز] ٥٠٦- لكلّ دهر قد لبست أثؤبا «٤»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٩٨.\n(٢) انظر الكتاب ٤/ ٤٩١.\n(٣) الشاهد لعلقمة بن عبدة في ديوانه ٥٩، وجمهرة اللغة ٩٦٣، وخزانة الأدب ١١/ ٢٩٥، والخصائص ١/ ٢٦١، وشرح المفصّل ١٠/ ٧٨، والمقتضب ١/ ١٠١، والممتع في التصريف ٢/ ٤٦٠، والمنصف ١/ ٢٨٦، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٣/ ٨٦٦.\n(٤) الرجز لمعروف بن عبد الرّحمن في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٩٠، ولسان العرب (ثوب)، وله أو لحميد بن ثور في شرح التصريح ٢/ ٣٠١ والمقاصد النحوية ٤/ ٥٢٢، وبلا نسبة في سرّ صناعة الإعراب ٢/ ٨٠٤، والكتاب ٤/ ٦٥، وشرح الأشموني ٣/ ٦٧٢، ولسان العرب (ملح)، ومجالس ثعلب ٤٣٩، والمقتضب ١/ ٢٩، والممتع في التصريف ١/ ٣٣٦، والمنصف ١/ ٢٨٤.","vol":"5","page":40},{"text":"فأبدل من الواو همزة، وأجاز النحويون رمل مهول وثوب مبوع ينوه على بوع الثوب فأبدل من الياء واو لضمة ما قبلها، وأنشد الفراء: [الطويل] ٥٠٧-\nألم تر أنّ الملك قد شون وجهه ... ونبع بلاد الله قد صار عوسجا «١»\nيريد «شين»، وأنشد الكسائي والفراء: [الطويل] ٥٠٨-\nويأوي إلى زغب مساكين دونهم ... فلا لا تخطّاه الرّكاب مهوب «٢»\nواللغة العالية التي جاء بها القرآن. قال عائذ بن محصن بن ثعلبة:\n[الوافر] ٥٠٩-\nفأبقى باطلي والحدّ منها ... كدكّان الدّرابنة المطين «٣»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4036>[سورة المزمل (٧٣): آية ١٥]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)\nإِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا النون والألف الثانية في موضع رفع والأولى في موضع نصب واتّفق المكنيان لأنهما غير معربين شاهِدًا عَلَيْكُمْ نعت لرسول. كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا الكاف في موضع نصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4037>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nفَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا (١٧)\nفَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ رسول الأول نكرة لأنه لم يتقدّم ذكره والثاني معرفة لأنه قد تقدّم ذكره ولهذا يكتب في أول الكتب «سلام عليك» وفي آخرها «والسّلام»، ولهذا اختار بعض العلماء في التسليمة الأولى من الصلاة: سلام عليكم، وفي الثانية: السّلام عليكم وذلك المختار في كلام العرب فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا نعت لأخذ. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس «وبيلا» أي شديدا. قال أبو جعفر: يقال كلأ مستوبل أي لا يستمرأ. قال الفراء «٤»: وفي قراءة ابن مسعود: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا قال أبو جعفر: وهذه القراءة على التفسير، وفي يجعل ضمير يعود على اليوم،\n_________\n(١) البيت غير موجود في معاني الفراء، ولم أجده في المصادر التي بين يديّ.\n(٢) الشاهد لحميد بن ثور في ديوانه ص ٥٤، ولسان العرب (هيب) و(فلا)، والتنبيه والإيضاح ١/ ١٥٣، وبلا نسبة في تاج العروس (هيب) و(فلا) .\n(٣) الشاهد للمثقّب العبدي في ديوانه ٢٠٠، ولسان العرب (دكك)، و(دربن) و(طين)، وجمهرة اللغة ١٣٢٤، وتاج العروس (دكك) و(دربن)، و(طين)، وشرح اختيارات المفضّل ص ١٢٦٤، ومقاييس اللغة ٢/ ٢٥٨، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ١٤/ ٢٤٧، ومجمل اللغة ٢/ ٢٨٢، والمخصص ١٤/ ٤٢، وجمهرة اللغة ٦٨٠. [.....]\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ١٩٨.","vol":"5","page":41},{"text":"ويجوز أن يكون الضمير يعود على اسم الله ويكون في الكلام حذف أي يجعل الولدان فيه شيبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4038>[سورة المزمل (٧٣): آية ١٨]</span>\nالسَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)\nالسَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ولم يقل: منفطرة والسماء مؤنثة في هذا ثلاثة أقوال: قال الخليل ﵀: وهو كما تقول معضّل يريد على النسب، وقيل: حمل التذكير على معنى السقف، والقول الثالث قول الفراء «١» إن السماء تؤنث وتذكّر فجاء هذا على التذكير، وأنشد: [الوافر] ٥١٠-\nفلو رفع السّماء إليه قوما ... لحقنا بالنّجوم مع السحاب «٢»\nكانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا أي ليس لوعده خلف، وقد وعد بكون هذه الأشياء في القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4039>[سورة المزمل (٧٣): آية ١٩]</span>\nإِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)\nإِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ أي هذه الأشياء التي تكون في القيامة عظة وقال قتادة: يعني القرآن. فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا قال: أي بطاعتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4040>[سورة المزمل (٧٣): آية ٢٠]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)\nمِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ عطف على ثلثي الليل، وهي قراءة الحسن وأبي عمرو وأبي جعفر وشيبة ونافع، وقرأ عاصم والأعمش وحمزة والكسائي نِصْفَهُ وَثُلُثَهُ «٣» عطفا على أدنى، وقرأ ابن كثير وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ حذف الضمة لثقلها واختار أبو عبيد الخفض واحتجّ أن بعده عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ قال: فكيف يقومون نصفه؟ قال أبو جعفر:\nالقراءتان قد قرأ بهما الجماعة، وتقدير الخفض ويا قوم أدنى من نصفه وأدنى من ثلثه.\nوتقدير النصب أدنى من ثلثي الليل وذلك أكثر من النصف مرة وتقوم نصفه مرة وتقوم ثلثه مرة والاحتجاج بعلم أن لن تحصوه لا معنى له لأنه لم يخبر أنّهم قالوا: قمنا نصفه\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٩٩.\n(٢) مرّ الشاهد رقم ٤٦٦.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٧٥، والبحر المحيط ٨/ ٣٥٨.","vol":"5","page":42},{"text":"وإنما أخبر بحقيقة ما يعلمه، وقد عكس الفراء «١» قوله فاختار النصب لأن المعنى عنده عليه أولى لأنه يستبعد وأقلّ من نصفه: لأنه إنما يبين القليل عنده لا أقلّ القليل، ولو كان كما قال لكان نصفه بغير واو حتى يكون تبيينا لأدنى، والسلامة من هذا عند أهل الدين إذا صحّت القراءتان عن الجماعة أن لا يقال إحداهما أجود من الأخرى لأنهما جميعا عن النبي ﷺ فيأثم من قال ذلك. وكان رؤساء الصحابة ﵏ ينكرون مثل هذا وقد أجاز الفراء «٢» . إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ نصب «ثلثه» عطفا على «أدنى» وخفض نِصْفَهُ عطفا على ثُلُثَيِ اللَّيْلِ واحتجّ بالحديث:\nانتهت صلاة النبي إلى ثلث الليل «٣» وهذا أيضا مما يكره أن تعارض به قراءة الجماعة بما لم يقرأ به وبحديث إن صح لم تكن فيه حجّة وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ احتجّ بعض العلماء بهذا واستدل على أن صلاة الليل ليست بفرض. قال: ولو كانت فرضا لقاموا كلّهم. وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي يقدّر ساعاتهما وأوقاتهما عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ قال الحسن وسعيد بن جبير: أن لن تطيقوه، وقال الفراء: أن لن تحفظوه فَتابَ عَلَيْكُمْ رجع لكم إلى ما هو أسهل عليكم. والتوبة في اللغة الرجوع فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى والتقدير عند سيبويه أنّثه وذكّر سيكون لأنه تأنيث غير حقيقي وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عطف على «مرضى» وكذا وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ فلهذا استحبّ جماعة من العلماء من العلماء قيام الليل، ولو كان أدنى شيء والحديث فيه عن النبي ﷺ مؤكد. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا قال ابن زيد: النوافل سوى الزكاة. وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا أي مما أنفقتم ونصبت «خيرا» لأنه خبر «تجدوه» وهُوَ زائدة للفصل وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ أي من ذنوبكم وتقصيركم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ أي على سائر عقوبة من تاب رَحِيمٌ به لا يعذّبه بعد التّوبة.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٩٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٩٩.\n(٣) انظر تفسير الطبري ١٩/ ٣٣.","vol":"5","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4041>٧٤ شرح إعراب سورة المدّثّر</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4042>[سورة المدثر (٧٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)\nالأصل المتدثر أدغمت التاء في الدال لأنها من موضع واحد. قال إبراهيم النخعي: كان متدثّرا بقطيفة. وقال عكرمة: أي دثّرت هذا الأمر فقم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4043>[سورة المدثر (٧٤): آية ٢]</span>\nقُمْ فَأَنْذِرْ (٢)\nقال قتادة: أي أنذر عذاب الله وقائعه بالأمم. قال أبو جعفر: فالتقدير على قول قتادة فأنذرهم بهذه الأشياء ثم حذف هذا للدلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4044>[سورة المدثر (٧٤): آية ٣]</span>\nوَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)\nأي عظّمه بعبادته وحده، وهو نصب بكبّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4045>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)\nوَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) نصب بطهّر وَالرُّجْزَ نصب ب فاهجر ولو كانت في الأفعال الهاء لكان النصب أولى أيضا لأن الأمر بالفعل أولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4046>[سورة المدثر (٧٤): آية ٦]</span>\nوَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)\nوَلا تَمْنُنْ جزم بالنهي، وأظهرت التضعيف لسكون الثاني ولو كان في الكلام لجاز لا تمنّ بفتح النون وكسرها وضمها، وروى حصيف عن مجاهد قال: لا تَمْنُنْ لا تضعف، قال أبو جعفر: ويكون مأخوذا من المنين وهو الضعيف، ويكون التقدير ولا تضعف أن تستكثر من الخير فحذفت «أن» ورفع الفعل، وقال ابن زيد: ولا تمنن على الناس بتأدية الرسالة لتستكثر منهم. قال أبو جعفر: وأولى ما قيل في المعنى والله جلّ وعزّ أعلم- ولا تَمْنُنْ بطاعتك وتأديتك الرسالة تَسْتَكْثِرُ ذلك، وهذا معنى","vol":"5","page":44},{"text":"قول الحسن «١» . قال أبو جعفر: فقلنا: هذا أولى لأنه أشبه بسياق الكلام لأن في الكلام تحذيرا وأمرا بالصبر والجدّ في الطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4047>[سورة المدثر (٧٤): آية ٧]</span>\nوَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)\nأي على طاعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4048>[سورة المدثر (٧٤): آية ٨]</span>\nفَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)\nاسم ما لم يسمّ فاعله على قول سيبويه: في الناقور، وعلى قول أبي العباس مضمر دل عليه الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4049>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nفَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)\nفَذلِكَ مبتدأ يَوْمَئِذٍ يكون بدلا منه وفتح لأنه مبني كما قرئ مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ [المعارج: ١١]، ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى أعني، يَوْمٌ خبر الابتداء عَسِيرٌ من نعته وكذا غَيْرُ يَسِيرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4050>[سورة المدثر (٧٤): آية ١١]</span>\nذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)\nمَنْ في موضع نصب على أنها مفعول معه أو عطف على النون والياء وَحِيدًا نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4051>[سورة المدثر (٧٤): آية ١٢]</span>\nوَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا (١٢)\nلَهُ في موضع المفعول الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4052>[سورة المدثر (٧٤): آية ١٣]</span>\nوَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)\nلما تحرّكت حذفت ألف الوصل، وعلى هذا قالوا: في النسب بنويّ وأجاز سيبويه «٢»: «ابنيّ»، ومنعه بعض الكوفيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4053>[سورة المدثر (٧٤): آية ١٤]</span>\nوَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)\nمصدر مؤكّد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4054>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا (١٦)\nكَلَّا ردّ لطعمه وردع له إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا بمعنى معاند.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4055>[سورة المدثر (٧٤): آية ١٧]</span>\nسَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٦٤.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٣٩٥.","vol":"5","page":45},{"text":"روى عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «يكلّف صعود عقبة إذا جعل يده عليها ذابت وإذا جعل رجله عليها ذابت» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4056>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nإِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)\nإِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) أي فكّر في ردّ آيات الله جلّ وعزّ، وقد رجع مرة بعد مرة ينظر هل يقدر أن يردّها وهو الوليد بن المغيرة بلا اختلاف. قال قتادة: زعموا أنه فكر فيما جاء به النبي فقال: والله ما هو بشعر، وإن له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة وما هو عندي إلا سحر. فأنزل الله تعالى: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) قال أبو جعفر: قول الفراء قتل بمعنى لعن. قال أبو جعفر: هذا يجب على كلام العرب أن يكون قتل بمعنى أهلك لأن المقتول مهلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4057>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢)\nأي قبض بين عينيه وقطّب لمّا عسر عليه الردّ على النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4058>[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٣]</span>\nثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣)\nثُمَّ أَدْبَرَ عن الحق وَاسْتَكْبَرَ فأخبر الله بجهله أنه تكبّر أن يصدّق بآيات الله ورسوله بعد أن يتهيأ له ردّ ما جاء به، ولم يتكبّر أن يسجد لحجارة لا تنفع ولا تضر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4059>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nفَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)\nفَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) لما لم يجد حجّة كفر ثم قال إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) فزاد في جهله ما لم يخف لأنّ النبي ﷺ قد تحدّاهم وهم عرب مثله على أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عن ذلك، ولو كان قول البشر لساغ لهم ما ساغ له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4060>[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٦]</span>\nسَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)\nقيل: لم ينصرف لأنها اسم لمؤنث، وقيل: إنها اسم أعجمي والأول الصّواب لأن الأعجمي إذا كان على ثلاثة أحرف انصرف وإن كان متحرّك الأوسط، وأيضا فإنه اسم عربيّ مشتقّ يقال: سقرته الشمس إذا أحرقته، والسّاقور حديدة تحمى ويكوى بها الحمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4061>[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٧]</span>\nوَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧)\nالجملة في موضع نصب بإدراك إلّا أن الاستفهام لا يعلم فيه ما قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4062>[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٨]</span>\nلا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨)\nيقال: لم حذفت الواو من «تذر»؟ وإنما تحذف في «يذر»؟ فإن قيل: أصله يفعل\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٦٦.","vol":"5","page":46},{"text":"قيل: فتح وليس فيه حرف من حروف الحلق؟ فالجواب قاله ابن كيسان: لمّا كان يذر بمعنى يدع في أنه لا ينطق منه بماضي ومعناهما واحد اتبعوه إياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4063>[سورة المدثر (٧٤): آية ٢٩]</span>\nلَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)\nعلى إضمار مبتدأ أي هي لوّاحة للبشر أي للخلق، ويجوز أن يكون جمع بشرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4064>[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٠]</span>\nعَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)\nفي موضع رفع بالابتداء إلا أنه فتح لأن واو العطف حذفت منه فحرّك بحركتها، وقيل: ثقل فأعطي أخفّ الحركات لأنهما اسمان في الأصل واختلف النحويون في النسب إليهما فمذهب سيبويه «١» وجماعة من النحويين أنك إذا نسبت إليهما حذفت الثاني ونسبت إلى الأول فقلت: تسعيّ، وأحدي إلى أحد عشر وبعلي في النسب إلى بعلبكّ، والقول الآخر أن النسب إليهما جميعا لا غير وأنه يقال تسعة عشريّ وبعلبكيّ وردّ أبو العباس أحمد بن يحيى القول الأول وقال: هما اسمان يؤدّيان عن معنى فإذا أسقطت الثاني ذهب معناه ولم يجز إلا النسب إليهما جميعا، واحتجّ بما أجمع عليه النحويون من قولهم: هذا حبّ رمانيّ وجحر ضبيّ فأضاف إلى الثاني ولم يحذف، وكذا هذا أبو عمريّ. قال أحمد بن يحيى: فهذا في النسب أوكد. يعني هذا تسعة عشريّ ومعدي كربيّ وبعلبكيّ. وأجاز الفراء «٢»: جاءني أحد عشر بإسكان العين، وكذا ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، ولا يجيز هذا في اثني عشر لئلا يجمع بين ساكنين، ولا يجيزه في المؤنّث لئلا يجمع بين ساكنين. قال أبو جعفر: والذي قاله لا يبعد قد روي عن أبي جعفر أنه قرأ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4065>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nوَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢)\nأَصْحابَ جمع صاحب على حذف الزائد لأن أفعالا ليس بجمع فاعل بغير حذف، وأفعال جمع ثمانية أمثلة ليس منها فاعل ولا فعل وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي شدّة وتعبدا ليكفروا فيعلموا أن الله قادر على تقوية هؤلاء الملائكة وتأييدهم لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لام كي وأصلها أنها لام الخفض لأن المعنى: لاستيقان الذين\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٤١٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٠٣.\n(٣) انظر المحتسب ٢/ ٣٣٨، والبحر المحيط ٨/ ٣٦٨.","vol":"5","page":47},{"text":"أوتوا الكتاب وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا عطف على الأول، وكذا وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ثم أعيدت اللّام، ولو لم يؤت بها لجاز في وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا «ما» في موضع نصب بأراد، وهي وذا بمنزلة شيء واحد فإن جعلت «ذا» بمعنى الذي فما في موضع رفع بالابتداء وذا خبره وما بعده صلة له كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر. وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ رفع بيعلم، ولا يجوز النصب على الاستثناء، وكذا وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ قال مجاهد: أي وما النار إلا ذكرى للبشر، وذكر محمد بن جرير أن التمام كَلَّا على أن المعنى ليس القول على ما قال المشرك لأصحابه المشركين أنا أكفيكم أمر خزنة النار وَالْقَمَرِ قسم أي وربّ القمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4066>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nوَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤)\n«١» قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وأبي جعفر وشيبة وابن كثير وأبي عمرو وعاصم، وقرأ الحسن وابن محيصن وحمزة ونافع وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ. قال أبو جعفر: الصحيح أن دبر وأدبر بمعنى واحد. على هذا كلام أهل التفسير وأكثر أهل اللغة. و«إذا» للمستقبل و«إذ» للماضي. وأما قول أبي عبيد أنه يختار «إذا دبر» لأن بعده وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ لأن الله تعالى يقسم بما شاء ولا يتحكّم في ذلك بأن يكونا جميعا مستقبلين أو ماضيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4067>[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٥]</span>\nإِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)\nأن إن النار لإحدى الأمور العظام قال أبو رزين: «إنها» أي إن جهنّم والْكُبَرِ بالألف واللام لا يجوز حذفهما عند أحد من النحويين، ولم يجيء في كلام العرب شيء من هذا بغير الألف واللام إلّا أخر، ولذلك منعت من الصرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4068>[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٦]</span>\nنَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)\nقال الحسن: ليس نذير أدهى من النار أو معنى هذا. قال أبو رزين: يقول الله تعالى أنا نذير للبشر، وقال ابن زيد: محمد ﷺ نذير للبشر. قال أبو جعفر: فهذه أقوال أهل التأويل وقد يستخرج الأقراب منها. وفي نصب نذير سبعة أقوال: يكون حالا من المضمر في «أنا»، ويجوز أن يكون حالا من إحدى الكبر. وهذان القولان مستخرجان من قول الحسن لأنه جعل النار هي المنذرة، ويجوز أن يكون التقدير: وما يعلم جنود ربّك إلا هو نذيرا للبشر، ويجوز أن يكون التقدير: صيّرها الله جلّ وعزّ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٦، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٦٥٩، والبحر المحيط ٨/ ٣٦٩. [.....]","vol":"5","page":48},{"text":"كذلك نذيرا للبشر، وهذان القولان مستخرجان من قول أبي رزين وقال الكسائي: أي قم نذيرا. وهذا يرجع إلى قول ابن زيد. ويجوز أن يكون نذير بمعنى إنذار كما قال:\n«فكيف كان نذير» «١» ويكون التقدير: وما جعلنا أصحاب النار إلّا ملائكة إنذارا. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: يكون التقدير: أعني نذيرا. قال أبو جعفر: وحذف الياء من نذير إذا كان للنار بمعنى النسب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4069>[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٧]</span>\nلِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)\nبدل بإعادة اللام، ولو كان بغير اللام لجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4070>[سورة المدثر (٧٤): آية ٣٨]</span>\nكُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)\nرَهِينَةٌ محمول على المعنى، ولو كان على اللفظ كان رهين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4071>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٩ الى ٤٢]</span>\nإِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)\nنصب على الاستثناء وقد صحّ عن رجلين من أصحاب النبي أنه يراد بأصحاب اليمين هاهنا الملائكة والأطفال، ويدلّ على هذا أن بعده يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ فهذا كلام من لم يعمل خطيئة، وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال سمعت ابن الزبير يقرأ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ يا فلان ما سلكك في سقر وهذه القراءة على التفسير، والإسناد بها صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4072>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٢ الى ٤٤]</span>\nما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)\nوَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ حذفت النون لكثرة الاستعمال ولو جيء بها لكان جيدا في غير القرآن، وقال محمد بن يزيد: أشبهت النون التي تحذف في الجزم في قولنا:\nيقومان ويقومون، وقال أحمد بن يحيى ثعلب: أخطأ، ولو كان كما قال لحذفت في قولنا: لم يصن زيد نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4073>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٥ الى ٤٧]</span>\nوَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧)\nوَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ جيء بالكاف مضمومة ليدلّ ذلك على أنها من ذوات الواو فنقل فعل إلى فعل، وكذا وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ أي إلى أن و«أن» مضمرة بعد «حتى» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4074>[سورة المدثر (٧٤): آية ٤٨]</span>\nفَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)\nأي ليس يشفع فيهم الشافعون ودلّ بهذا على أن الشفاعة تنفع غيرهم.\n_________\n(١) هذه ليست آية وإنما الآية فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك: ١٧] .","vol":"5","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4075>[سورة المدثر (٧٤): آية ٤٩]</span>\nفَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)\nمنصوب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4076>[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٠]</span>\nكَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠)\nقراءة أهل المدينة والحسن، وقراءة ابن كثير وعاصم والأعمش وحمزة وأبي عمرو مُسْتَنْفِرَةٌ «١» وعن الكسائي القراءتان جميعا. قال أبو جعفر: «مستنفرة» في هذا أبين أي مذعورة ومستنفرة مشكل لأن أكثر ما يستعمل استفعل إذا استدعى الفعل، كما تقول: استسقى إذا استدعى أن يسقى والحمر لا تستدعي هذا، ولكن مجاز القراءة أن يكون استنفر بمعنى نفر فيكون المعنى نافرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4077>[سورة المدثر (٧٤): آية ٥١]</span>\nفَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)\nفعولة من القسر. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا ما قال أهل التفسير فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4078>[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٢]</span>\nبَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)\nأَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً على تأنيث الجماعة ووحّد لأنه أكثر في العدد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4079>[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٣]</span>\nكَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣)\nلا يجوز إلا الإدغام لأن الأول ساكن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4080>[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٥]</span>\nفَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥)\nأي إنّ القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4081>[سورة المدثر (٧٤): آية ٥٦]</span>\nوَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)\n«وما تذكرون» قراءة نافع على تحويل المخاطبة، وأكثر الناس يقرأ وَما يَذْكُرُونَ ليكون مردودا على ما تقدّم وما تشاؤون إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ على حذف المفعول لعلم السامع هُوَ أَهْلُ التَّقْوى مبتدأ وخبره وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ أعيدت «أهل» للتوكيد والتفخيم، ولو لم تعد لجاز.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٦، والبحر المحيط ٨/ ٧٤.","vol":"5","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4082>٧٥ شرح إعراب سورة القيامة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4083>[سورة القيامة (٧٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١)\nكذا يقرأ أكثر القراء، وعن الحسن والأعرج «لأقسم بيوم القيامة» «١» على أنها لام قسم لا ألف فيها قال أبو جعفر: وهذا لحن عند الخليل وسيبويه وإنما يقال بالنون:\nلأقومن والقراءة الأولى فيها أقوال منها أنّ «لا» زائدة للتوكيد مثل ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الأعراف: ١٢] وهذا القول عند الفراء «٢» خطأ من جهتين: إحداهما أن «لا» إذا كانت زائدة لم يبتدأ بها، والأخرى أنه أن «لا» إنما تزاد في النفي، كما قال: [البسيط] ٥١١-\nما كان يرضى رسول الله فعلهما ... والطيّبان أبو بكر ولا عمر «٣»\nأي أبو بكر وعمر و«لا» زائدة. قال أبو جعفر: أما قوله إنّ «لا» لا تزاد في أول الكلام فكما قال، لا اختلاف فيه لأن ذلك يشكل ولكنه قد عورض فيما قال، كما سمعت علي بن سليمان يقول، إن هذا القول صحيح. يعني قول من قال إن «لا» زائدة قال:\nوليس قوله بأنها في أول الكلام مما يردّ هذا القول لأن القرآن كلّه بمنزلة سورة واحدة، وعلى هذا نظمه ورصفه وتأليفه. وقد صحّ عن ابن عباس: أن الله جلّ وعزّ أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان ثم نزل متفرّقا من السماء، وإنما يردّ هذا الحديث أهل البدع. قال أبو جعفر: وأما قول الفراء إنّ «لا» لا تزاد إلا في النفي فمخالف فيه. حكى ذلك من يوثق بعلمه من البصريين منهم أبو عبيدة «٤» . وأنشد: [الرجز] ٥١٢- في بئر لا حور سرى وما شعر «٥»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٦، والمحتسب ٢/ ٣٤١.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٠٧.\n(٣) الشاهد لجرير في ديوانه ٢٦٣، والكامل ١٢٥، وبلا نسبة في رصف المباني ٢٧٣ ولسان العرب (لا) .\n(٤) انظر مجاز القرآن ١/ ٢٥.\n(٥) الرجز للعجاج في ديوانه ٢٠، والأزهيّة ١٥٤، والأشباه والنظائر ٢/ ١٦٤، وخزانة الأدب ٤/ ٥١، وشرح المفصل ٨/ ١٣٦ وتاج العروس (حور) و(لا)، وتهذيب اللغة ٥/ ٢٢٨، وبلا نسبة في لسان العرب (حور) و(غير)، وخزانة الأدب ١١/ ٢٢٤، والخصائص ٢/ ٤٧٧، وجمهرة اللغة ٥٢٥، ومجمل اللغة ٢/ ١٢٠.","vol":"5","page":51},{"text":"قال: يريد في بئر حور أي هلكة فزاد «لا» في الإيجاب، وخالفه الفراء في هذا فجعل «لا» نفيا هاهنا أي في بئر لا ترد شيئا وزعم الفراء «١» أن «لا» من قوله «لا أقسم» ردّ لكلامهم كما تقول: لا والله ما أفعل فالوقوف عنده لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) مستأنف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4084>[سورة القيامة (٧٥): آية ٢]</span>\nوَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)\nلا اختلاف في هذا أن الألف فيه بعد «لا» فقول الحسن أنّ «لا» نافية وقد بيّنا قول غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4085>[سورة القيامة (٧٥): آية ٣]</span>\nأَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣)\nوقراءة الكوفيين أَيَحْسَبُ والماضي حسب بلا اختلاف فالقياس في المستقبل يحسب إلا أنه روي عن النبي ﷺ الكسر «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4086>[سورة القيامة (٧٥): آية ٤]</span>\nبَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤)\nقادِرِينَ في موضع نصب، وفي نصبه أقوال: منها أنه قيل: التقدير: بلى نقدر فلمّا حوّل نقدر إلى قادرين نصب كما قال الفرزدق: [الطويل] ٥١٣-\nعلى حلفة لا أشتم الدّهر مسلما ... ولا خارجا من فيّ زور كلام «٣»\nبمعنى ولا يخرج فلما حوّل يخرج إلى خارج نصبه. وهذا خطأ لأن لكلّ إعرابه تقول: جاءني زيد يضحك، وجاءني زيد ضاحكا، ومررت برجل يضحك، وبرجل ضاحك، «ولا خارجا» معطوف على موضع «لا أشتم» قال أبو جعفر: هذا أصحّ ما قيل فيه، وقيل التقدير: بلى نقوى على ذلك قادرين، هذا قول الفراء «٤» وقال سيبويه: أي بلى نجمعها قادرين. وقول الفراء مستخرج من هذا، وبنان جمع بنانة. ومن حسن ما قيل فيه قول ابن عباس: نحن نقدر أن نجعل بنانه شيئا واحدا كخفّ البعير وحافر\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٠٧.\n(٢) انظر إعراب الآية ٨٨- النمل.\n(٣) الشاهد للفرزدق في ديوانه ٢١٢، والكتاب ١/ ٤١١، وأمالي المرتضى ١/ ٦٣، وتذكرة النحاة ٨٥، وخزانة الأدب ١/ ٢٢٣ وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٧٠، وشرح المفصل ٢/ ٥٩، ولسان العرب (خرج) والمحتسب ١/ ٥٧، والمقتضب ٤/ ٣١٣ وبلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب ١/ ١٧٧ ولسان العرب (رتج)، والمقتضب ٣/ ٢٦٩.\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٠٨.","vol":"5","page":52},{"text":"الحمار فلا يقدر يأكل بها كالبهائم فتفضّل الله جلّ وعزّ عليه وفضّله، وقال الحسن: كنا نقدّر أن نجعل أصابعه قدرا واحدا ولا يكون لها حسن ولا يكاد ينتفع بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4087>[سورة القيامة (٧٥): آية ٥]</span>\nبَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥)\nهذه لام كي وقولهم لام «إنّ» لا معنى له، ولكن يريد يدلّ على الإرادة أي إرادته ليفجر أمامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4088>[سورة القيامة (٧٥): آية ٦]</span>\nيَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦)\nالتقدير أي وقت يوم القيامة، وفتحت النون من إيان لالتقاء الساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4089>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nفَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)\nفَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) قراءة أبي عمرو وعاصم وشيبة وحمزة والكسائي، وقرأ نصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو جعفر ونافع فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ «١» بفتح الراء ومعنى الكسر بيّن أي حار وفزع من الموت ومن أمر القيامة وبرق ولمع. قال الحسن وقتادة: وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) ذهب ضوءه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4090>[سورة القيامة (٧٥): آية ٩]</span>\nوَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)\nيقال: الشّمس مؤنثة بلا اختلاف فكيف لم يقل، وجمعت ففي هذا أجوبة منها أن التقدير وجمع بين الشمس والقمر فحمل التذكير على بين، وقيل: لما كان وجمع الشمس لا يتمّ به الكلام حتى يقال: والقمر وكان القمر مذكّرا كان المعنى جمعا فوجب أن يذكر فعلهما في التقديم كما يكون في التأخير. وأولى ما قيل فيه قول الكسائي، قال: المعنى: وجمع النوران أي الضياءان وفي موضع آخر: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي [الأنعام: ٧٨] وأما محمد بن يزيد فيقول: هذا كلّه تأنيث غير حقيقي لأنه لم يؤنّث للفرق بين شيء وشيء فلك تذكيره لأنه بمعنى شخص وشيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4091>[سورة القيامة (٧٥): آية ١٠]</span>\nيَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)\nفهذا مصدر بلا اختلاف أي أين الفرار؟ وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال:\nسمعت ابن عباس يقرأ أَيْنَ الْمَفَرُّ «٢» قال أبو جعفر: هذا إسناد مستقيم، وهو عند البصريين اسم للمكان وزعم الفراء «٣»: إنه يجيز في المصدر الكسر.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٠٩، وتيسير الداني ١٧٦.\n(٢) انظر مختصر ابن خالويه ١٦، والبحر المحيط ٨/ ٣٧٧.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٠. [.....]","vol":"5","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4092>[سورة القيامة (٧٥): آية ١١]</span>\nكَلاَّ لا وَزَرَ (١١)\nوهو الملجأ فقيل: وزير مشتقّ من هذا لأن صاحبه قد سلم إليه أموره فلجأ إليه واعتمد عليه، وقيل: لأن أوزار ما يتقلّده صاحبه بيده والأوزار ما كان من الذهب والفضة وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4093>[سورة القيامة (٧٥): آية ١٢]</span>\nإِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)\nقال قتادة: المنتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4094>[سورة القيامة (٧٥): آية ١٣]</span>\nيُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)\nمن أحسن ما قيل فيه قول قتادة قال: بما قدّم من طاعة الله جلّ وعزّ وأخّر من حقّه ينبأ به كلّه، وقد روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس بما قدّم من خير أو شرّ بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4095>[سورة القيامة (٧٥): آية ١٤]</span>\nبَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)\nمشكل الإعراب والمعنى، فقول ابن عباس سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه شاهدة عليه. قال أبو جعفر: فعلى هذا القول الْإِنْسانُ\nمرفوع بالابتداء وبَصِيرَةٌ\nابتداء ثان و«على نفسه» خبر الثاني والجملة خبر الأول. وشرحه بل الإنسان على نفسه من نفسه رقباء تحفظه وتشهد عليه فهذا قول وقول سعيد بن جبير وقتادة: إن الإنسان هو البصيرة. قال سعيد بن جبير: الإنسان والله بصيرة على نفسه، وقال قتادة: تراه والله عارفا بذنب غيره وعيبه متغافلا عن نفسه فعلى هذا القول «الإنسان» مرفوع بالابتداء و«بصيرة» خبره فإن قيل: لم دخلت الهاء والإنسان مذكّر؟ ففيه جوابان أحدهما أن الهاء للمبالغة كما يقال: رجل راوية وعلّامة وقيل: دخلت الهاء لأن المعنى بل الإنسان حجّة على نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4096>[سورة القيامة (٧٥): آية ١٥]</span>\nوَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥)\nجمع على غير قياس عند سيبويه «١» لأن عذرا ليس جمعه معاذير وإنما معاذير جمع معذار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4097>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nلا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)\nإِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ\n(١٧) فيضمن الله جلّ وعزّ جمعه فبهذا كفّر الفقهاء من زعم أنه قد بقي منه شيء لأنه ردّ على ظاهر التنزيل، وسئل سفيان بن عيينة كيف غيّرت التوراة والإنجيل وهما من عند الله؟ فقال: إن الله جلّ وعزّ وكل حفظهما إليهم فقال جل ثناؤه بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [المائدة: ٤٤] ولم يكل حفظ القرآن إلى أحد\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٢٥٠.","vol":"5","page":54},{"text":"فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] وما حفظه لم يغيّر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4098>[سورة القيامة (٧٥): آية ١٨]</span>\nفَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)\nاختلف العلماء في معنى هذا. فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: فإذا أنزلناه فاستمع له، وقال قتادة: أي فاتبع حلاله وحرامه. ومن حسن ما قيل فيه ما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس فَإِذا قَرَأْناهُ\nقال: يقول: فإذا بيّناه فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ\nقال:\nيقول: فاعمل بما فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4099>[سورة القيامة (٧٥): آية ١٩]</span>\nثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)\nقال قتادة: بيان الحلال من الحرام عن ابن عباس بَيانَهُ بلسانك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4100>[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٠]</span>\nكَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠)\nأي الحال العاجلة أو الدنيا العاجلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4101>[سورة القيامة (٧٥): آية ٢١]</span>\nوَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١)\nلأنها بعد الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4102>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣)\nوُجُوهٌ رفع بالابتداء ناضِرَةٌ نعت لها وناظِرَةٌ خبر الابتداء، ويجوز أن يكون «ناضرة» خبر «وجوه» وناظِرَةٌ خبرا ثانيا، ويجوز أن يكون ناضرة نعتا لناظرة أو لوجوه ويقال: أجوه وهو جمع للكثير وللقليل أوجه وفي ناظِرَةٌ ثلاثة أقوال: منها أن المعنى منتظرة ومنها أن المعنى إلى ثواب ربّها، ومنها أنها تنظر إلى الله جلّ وعزّ.\nقال: ويعرف الصواب في هذه الأجوبة من العربية فلذلك وغيره أخّرنا شرحه لنذكره في الإعراب. قال أبو جعفر: أما قول من قال: معناه منتظرة فخطأ. سمعت علي بن سليمان يقول: نظرت إليه بمعنى انتظرته وإنما يقال: نظرته وهو قول إبراهيم بن محمد بن عرفة وغيره ممن يوثق بعلمه وأما من قال: إن المعنى إلى ثواب ربّها فخطأ أيضا على قول النحويين الرؤساء لأنه لا يجوز عندهم ولا عند أحد علمته نظرت زيدا أي نظرت ثوابه. ونحن نذكر الاحتجاج في ذلك من قول الأئمة والعلماء وأهل اللغة إذا كان أصلا من أصول السنة، ونذكر ما عارض به أهل الأهواء ونبدأ بالأحاديث الصحيحة عن الرسول ﷺ إذا كان المبين عن الله جلّ وعزّ. كما قرئ على أحمد بن شعيب بن علي عن إسحاق بن راهويه ثنا بقيّة بن الوليد ثنا بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عمرو بن الأسود أن قتادة بن أبي أمية حدثهم عن عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ قال: «إني حدّثتكم عن المسيح الدجّال حتى خفت ألّا تعقلوه إنه قصير أفحج جعد أعور مطموس العين اليسرى ليست بناتئة ولا جحرا فإن التبس عليكم فاعلموا أن ربكم","vol":"5","page":55},{"text":"ليس بأعور إنكم لن تروا ربّكم جلّ ثناؤه حتى تموتوا» «١» . قال أحمد بن شعيب: ثنا محمد بن بشار قال: ثنا أبو عبد الصمد ثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس الأشعري عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «جنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما، وجنّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم جلّ ثناؤه إلّا رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدن» «٢» . وقرئ على أبي القاسم عبد الله بن محمد البغويّ عن هدبة بن خالد عن حمّاد بن سلمة عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنّة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيّض وجوهنا ويدخلنا الجنّة ويجرنا من النار فيكشف لهم عن الحجاب، فينظرون إلى الله ﷿ فما شيء أعطوه أحبّ إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة» «٣» . قال أبو القاسم وحدّثني جدّي قال: ثنا يزيد بن هارون إن حماد بن سلمة بإسناده مثله. قال أبو القاسم وحدّثني هارون بن عبد الله، قال: سمعت يزيد يعني ابن هارون لما حدّث بهذا الحديث قال: من كذّب بهذا الحديث فهو زنديق أو كافر. قال أبو القاسم: حدثنا عبد الله بن عمر وأبو عبد الرّحمن الكوفي عن حسين بن علي الجعفي عن زائدة ثنا بيان البجليّ عن قيس بن أبي حازم قال: حدثنا جرير قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال:\n«إنّكم ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته» «٤» يعني القمر. قال حسين الجعفي: على رغم أنف جهيم والمريسي. قال أبو القاسم: وحدّثنا أحمد بن إبراهيم العبدي وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدّثنا عبد الله بن إدريس ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدريّ قال: قلنا يا رسول الله أنرى ربّنا جلّ ثناؤه قال:\n«أتضارون في رؤية الشمس في الظهيرة في غير سحاب؟» قلنا لا. قال: أفتضارّون في رؤية القمر ليلة البدر في غير سحاب؟» قلنا: لا قال: «فإنكم لا تضارّون في رؤيته كما لا تضارّون في رؤيتهما» . قال أبو القاسم: وحدّثت عن أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش. قال: قال الأعمش: لا تضارّون يعني لا تمارون. قال أبو القاسم: وحدّثنا هدبة بن خالد ثنا وهيب بن خالد ثنا مصعب بن محمد عن أبي صالح السمّان عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله أكلنا يرى ربه جل ذكره يوم القيامة؟ قال:\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٦ (قرأ الكوفيون ونافع «تحبون» و«تذرون» بالتاء والباقون بالياء) .\n(٢) انظر حلية الأولياء ٥/ ١٥٧، ومشكاة المصابيح (٥٤٨٥) .\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ١٨١، ومسلم في صحيحه، الإيمان ٢٩٦، وابن ماجة في سننه ١٨٦، والحديث في إتحاف السادة المتقين ١٠/ ٥٢٤، وتفسير ابن كثير ٤/ ١١٥.\n(٤) أخرجه الترمذي في سننه ١١/ ٢٦٩.","vol":"5","page":56},{"text":"«أكلّكم يرى الشّمس نصف النهار وليس في السماء سحابة؟» قالوا نعم. قال: «أفكلكم يرى القمر ليلة البدر وليس في السماء سحابة؟» قالوا: نعم. قال: «فو الذي نفسي بيده لترونّ ربكم جلّ وعزّ يوم القيامة لا تضارّون في رؤيته كما لا تضارون في رؤيتهما» قال أبو القاسم: وحدّثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا أبو أسامة: ثنا الأعمش أخبرني خيثمة بن عبد الرّحمن عن عديّ بن حاتم الطائي قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أحد منكم إلّا سيكلّمه ربه جلّ وعزّ ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب يحجبه فينظر أيمن منه فلا يرى إلّا شيئا قدمه ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلّا شيئا قدمه ثم ينظر أمامه فلا يرى شيئا إلّا النار فاتقوا النار ولو بشقّ تمرة» «١» لم يقل في هذا الحديث عن الأعمش: ولا حاجب يحجبه، إلا أبو أسامة وحده. ومن ذلك ما حدّثناه أحمد بن علي بن سهيل ثنا زهير يعني ابن حرب ثنا إسماعيل عن هشام الدستوائي عن قتادة عن صفوان بن محرّر قال:\nقال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: «يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه جلّ وعزّ حتى يضع عليه كنفه فيقرّره بذنوبه فيقول: هل تعرف فيقول: ربّ أعرف قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم- قال فيعطى صحيفة حسابه وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله» «٢» . قال أبو جعفر: وهذا الباب عن أنس وعن أبي رزين عن النبي ﷺ وفيه عن الصحابة ﵃ منهم أبو بكر الصديق وحذيفة عن التابعين إلا إنّا كرهنا الإطالة إذ كان ما ذكرناه من الحديث كفاية. وقد حدّثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السّلام سمعت محمد بن يحيى النيسابوري يقول:\nالسّنّة عندنا وهو قول أئمتنا مالك بن أنس وأبي عبد الرّحمن بن عمر، والأوزاعي وسفيان بن سعيد الثوري وسفيان بن عيينة الهلالي وأحمد بن حنبل وعليه عهدنا أهل العلم أنّ الله جلّ وعزّ يرى في الآخرة بالأبصار يراه أهل الجنة، فأما سواهم من بني آدم فلا قال: والحجة في ذلك أحاديث مأثورة عن النبي ﷺ أنه قيل له: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة وذكر الحديث. قال محمد بن يحيى: وإن الإيمان بهذه الأحاديث المأثورة عن رسول الله ﷺ في رؤية الربّ في القيامة والقدر والشفاعة وعذاب القبر والحوض والميزان والدّجال والرجم ونزول الربّ ﵎ في كلّ ليلة بعد النصف أو الثلث الباقي والحساب والنار والجنة أنّهما مخلوقتان غير فانيتين، وأنه ليس أحد سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له ونحوها من الأحاديث،\n_________\n(١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠٥. وابن أبي عاصم في السنة ١/ ١٩٦، والبغوي في شرح السنة ٢/ ٢٢٤، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ١٠/ ٥٥٣.\n(٢) أخرجه الترمذي في صفة القيامة ٩/ ٢٥٢، وابن ماجة باب ١٣ حديث ١٨٥.","vol":"5","page":57},{"text":"والتصديق بها لازم للعباد أن يؤمنوا بها وإن لم تبلغه عقولهم ولم يعرفوا تفسيرها فعليهم الإيمان بها والتسليم بلا كيف ولا تنفير ولا قياس لأن أفعال الله لا تشبّه بأفعال العباد.\nقال أبو جعفر: فهذا كلام العلماء في كل عصر المعروفين بالسّنة حتى انتهى ذلك إلى أبو جعفر محمد بن جرير، فذكر كلام من أنكر الرؤية واحتجاجه وتمويهه وردّ ذلك عليه وبيّنه ونحن نذكر كلامه «١» نصا إذ كان قد بلغ فيه المراد إن شاء الله فذكر اعتراضهم بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الأنعام: ١٠٣] فأما قوله جلّ وعزّ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣] فمما لا يحتاج إلى حجّة لأن فيه دليلا على النظر إذ كان موسى ﷺ مع محلّه لا يجوز أن يسأل ما لا يكون فدلّ على أن هذا جائز أن يكون، وكان الوقت الذي سأله في الدنيا، فالجواب أنه لا يراه في الدنيا أحد واحتجّ في تمويههم بقوله ﷿ لا تدركه الأبصار بقول عطية العوفي في قول الله جلّ وعزّ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: هم ينظرون إلى الله ﷿ لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم فذلك قوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ قال: واعتلّ قائلو هذه المقالة بقوله جلّ وعزّ: حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ [يونس: ٩٠] والغرق غير موصوف بأنه رآه قالوا: فمعنى «لا تدركه الأبصار» من معنى لا تراه بعيدا لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه مثل «حتّى إذا أدركه الغرق» فكذا قد يرى الشيء الشيء ولا يدركه ومثله: قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] وقد كان أصحاب فرعون رأوهم ولم يدركوهم وقد قال جلّ ثناؤه لا تَخافُ دَرَكًا [طه: ٧٧] فإذا كان الشيء قد يرى الشيء لا يدركه ويدركه ولا يراه علم أنّ «لا تدركه الأبصار» من معنى لا تراه الأبصار بمعزل، وأن معنى ذلك لا تحيط به الأبصار لأن الإحاطة به غير جائزة. والمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم جلّ وعزّ ولا تدركه أبصارهم بمعنى لا تحيط به إذ كان غير جائز أن يكون يوصف الله بأن شيئا يحيط به ونظير جواز وصفه بأنه يرى ولا يدرك جواز وصفه بأنه يعلم ولا يحاط به. قال ﵎: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [البقرة: ٢٥٥] ومعنى العلم هنا المعلوم فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء نفي عن أن يعلموه وإنما هو نفي الإحاطة به، كذا ليس في نفي إدراك الله جلّ وعزّ البصر في رؤيته له نفي رؤيته له فكما جاز أن يعلم الخلق شيئا ولا يحيطون به علما كذا جاز أن يروا ربهم بأبصارهم ولا تدركه أبصارهم إذ كان معنى الرؤية غير معنى الإدراك، ومعنى الإدراك غير معنى الرؤية لأن معنى الإدراك الإحاطة كما قال ابن عباس: لا تحيط به الأبصار وهو يحيط بها. فإن قيل: وما أنكرتم أن يكون معنى «لا تدركه الأبصار» لا\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة في سننه باب ١٣ الحديث ١٨٣.","vol":"5","page":58},{"text":"تراه؟ قلنا له: أنكرنا ذلك لأن الله أخبر في كتابه أن وجوها في القيامة إلى الله سبحانه ناظرة، وأخبر النبي ﷺ أنهم سيرون ربهم جلّ وعزّ يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر وكما يرون الشمس ليس دونها سحابة. فكتاب الله يصدّق بعضه بعضا، فعلم أن معنى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ غير معنى إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ. قال: وقيل المعنى لا تدركه أبصار الخلق في الدنيا وتدركه في الآخرة فجعلوا هذا مخصوصا. قال «١»: وقيل:\nالمعنى لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة وتدركه أبصار المؤمنين، وقيل: «لا تدركه الأبصار» بالنهاية والإحاطة. فأما الرؤية فنعم، وقيل: لا تدركه الأبصار كإدراكه الخلق، لأن أبصارهم ضعيفة، وقال آخرون: الآية على العموم ولن يدرك الله جلّ ثناؤه بصر أحد في الدنيا والآخرة، ولكن الله جلّ وعزّ يحدث لأوليائه يوم القيامة حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس فيرونه بها. والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن النبي ﷺ: «إنكم سترون ربكم فالمؤمنون يرونه والكافرون عند يومئذ محجوبون» «٢» . ولأهل هذه المقالة أشياء يلبسون بها فمنهم من يدفع الحديث مكابرة وطعنا على أهل الإسلام، ومنهم من يأتي بأشياء نكره ذكرها. قال محمد بن جرير: وإنما ذكرنا هذا ليعرف من نظر نعني فيه أنهم لا يرجعون من قولهم إلّا إلى ما لبّس عليهم الشيطان مما يسهل على أهل الحق البيان عن فساده، ولا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل، ولا رواية عن الرسول صحيحة ولا سقيمة، فهم في الظلماء يخبطون وفي العمياء يترددون نعوذ بالله من الحيرة والضلالة. قال أبو جعفر: فأما شرح «تضارون» واختلاف الرواية فيه فنمليه. فيه ثمانية أوجه: يروى «تضارون» بالتخفيف و«تضامون» مخففا، ويجوز تضامّون وتضامّون بضم التاء وتشديد الميم والراء، ويجوز تضامّون على أن الأصل تتضامّون حذفت التاء كما قال جلّ وعزّ وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: ١٠٣]، ويجوز تضّامّون تدغم التاء في الضاد، ويجوز تضارّون على حذف التاء، ويجوز تضّارّون على إدغام التاء في الضاد والذي رواه المتقنون مخفّف تضامون وتضارون. سمعت أبا إسحاق يقول: معناه لا ينالكم ضيم ولا ضير في رؤيته أي ترونه حتى تستووا في الرؤية فلا يضيم بعضكم بعضا، ولا يضير بعضكم بعضا وقال أهل اللغة قولين آخرين قالوا: لا تضارّون بتشديد الراء، ولا تضامّون بتشديد الميم مع ضم التاء، وقال بعضهم: بفتح التاء وتشديد الراء والميم على معنى تتضامّون وتتضارّون، ومعنى هذا أنه لا يضار بعضكم بعضا أي لا يخالف بعضكم بعضا في ذلك. يقال ضاررت فلانا أضارّه مضارّة وضرارا إذا خالفته. ومعنى لا تضامّون في رؤيته أنه لا يضمّ بعضكم إلى بعض فيقول واحد للآخر أرنيه كما يفعلون عند النظر إلى الهلال.\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري ٧/ ٢٩٩.\n(٢) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٠٢.","vol":"5","page":59},{"text":"قال أبو جعفر: الذي ذكرناه من تفسير الأعمش أن معناه لا تضارّون يوجب أن تكون روايته لا تضارّون والأصل لا تضارون ثم أدغمت الراء في الراء، ومن قال معناه لا تضارّون فالأصل عنده لا تضارون ثم أدغم، وهذا كله من ضارّه إذا خالفه كما حكاه أبو إسحاق وخالفه وما رآه واحد. ويقال: نضر وجهه نضرا ونضارة ونضرة ونضره الله ينضره وأنضره ينضره من الإشراق والنعمة وحسن العيش والغنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4103>[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٤]</span>\nوَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤)\nمبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4104>[سورة القيامة (٧٥): آية ٢٥]</span>\nتَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥)\nولا يجوز رفع يفعل وجاز في وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ [المائدة: ٧١] لأن «لا» عوض، والفاقرة الداهية والأمر العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4105>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nكَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧)\nكَلَّا تكون بمعنى حقا، وتكون مبتدأ على هذا هاهنا. وزعم محمد بن جرير «١» أن التمام هنا «كلا» وأن المعنى ليس الأمر كما يقول المشركون من أنهم لا يجازون على شركهم ومعصيتهم إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ يكون العامل في إذا «باسرة» أو «بلغت» فإذا كان العامل فيها «بلغت» كان الجواب فيما بعد وحذفت الياء من مَنْ راقٍ\n«٢» لسكونها وسكون التنوين وأثبتت في التراقي لأنه لا تنوين فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4106>[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٠]</span>\nإِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠)\nفي موضع جواب إذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4107>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nفَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)\nفَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى لا هاهنا نفي، وليست بعاطفة، ولا يجوز عند النحويين:\nضربت زيدا لا ضربت عمرا، والعلّة في ذلك أنه كره أن يشبه الثاني الدعاء. وفي الآية المعنى لم يصدّق ولم يصلّ يدل على هذا وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4108>[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٣]</span>\nثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)\nأي ذهب معرضا عن طاعة الله جلّ وعزّ متهاونا بالموعظة ويَتَمَطَّى في موضع نصب على الحال.\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري ٢٩/ ١٦٢.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٨١.","vol":"5","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4109>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nأَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥)\nيقال لمن وقع في هلكة أو قاربها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4110>[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٦]</span>\nأَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦)\nفي موضع نصب أيضا على الحال، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن معنى «أن يترك سدّى» يقول مهملا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4111>[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٧]</span>\nأَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧)\nعلى تذكير المني، وهو أقرب إليه و«تمنى» «١» للنطفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4112>[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٨]</span>\nثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)\nأي فخلقه الله جلّ وعزّ فسوّاه بشرا ناطقا سميعا بصيرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4113>[سورة القيامة (٧٥): آية ٣٩]</span>\nفَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩)\nقيل: المعنى فجعل من الإنسان أولادا ذكورا وإناثا، الذكر والأنثى على البدل من الزوجين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4114>[سورة القيامة (٧٥): آية ٤٠]</span>\nأَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)\nفدلّ جلّ وعزّ دلالة بيّنة أنّ إحياءه إيّاه بعد الموت ليس بأكثر من خلقه إياه من نطفة ثم سوّاه إنسانا إلى أن ولد له، وأجاز الفراء «٢» عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بقلب حركة الياء الأولى على الحاء ويدغم الياء في الياء. وهذا خطأ عند الخليل وسيبويه «٣» والعلّة في ذلك، وهو معنى كلام أبي إسحاق أنك إذا قلت: «يحيي» لم يجز الإدغام بإجماع النحويين لئلا يلتقي ساكنان فإذا قلت: أن يحيي لم يجز الإدغام أيضا لأن الياء وإن كانت قد تحركت فحركتها عارضة وأيضا فكيف يجوز أن يكون حرف واحد يدغم في موضع لعامل دخل عليه غير ملازم، ولا يجوز أن يدغم وهو في موضع رفع، والرفع الأصل.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٦.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٣. [.....]\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٥٤٠.","vol":"5","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4115>٧٦ شرح إعراب سورة هل أتى [الإنسان]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4116>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)\nالإنسان الأول عند أهل التفسير يراد به آدم ﵇، وقد يجوز أن يراد به الجنس والثاني للجنس لا غير. والنطفة عند العرب الماء القليل في وعاء أَمْشاجٍ من نعت نطفة على غير حذف، في قول من قال: الأمشاج العروق التي تكون في النطفة كما تقول: الإنسان أعضاء مجموعة، ومن قال: الأمشاج ماء الرجل وماء المرأة فهو على هذا أيضا سماها جميعا نطفة، وهما يختلطان ويخلق الإنسان منهما. ومن قال:\nالأمشاج العلقة والمضغة فالتقدير عنده من نطفة ذات أمشاج. وواحدتهما مشيج مثل شريف وأشراف، ويقال: مشج مثل عدل وأعدال نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا قال الفراء:\nهو على التقديم والتأخير، والمعنى عنده جعلنا الإنسان سميعا بصيرا لنبتليه أي لنختبره. وقال من خالفه في هذا: هو خطأ من غير جهة فمنها أنه لا يكون مع الفاء تقديم ولا تأخير لأنها تدلّ على أن الثاني بعد الأول، ومنها أن الإنسان إنما يبتلى أي يختبر ويؤمر وينهى إذا كان سوي العقل كان سميعا بصيرا ولم يكن كذلك، ومنها أن سياق الكلام يدلّ على غير ما قال: وليس في الكلام لام كي، وإنما سياق الكلام تعديد الله جلّ وعزّ نعمه علينا ودلالته إيّانا على نعمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4117>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٣]</span>\nإِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)\nمنصوبان على الحال أي إنّا خلقنا الإنسان شاكرا أو كفورا. ومعنى إمّا أو وإن كانت تجيء في أول الكلام ليدلّ على المعنى ويدلك على ذلك قول أهل التفسير أن المعنى إنّا هديناه السبيل إما شقيّا وإما سعيدا والشقاء والسعادة بفرع منهما وهو في بطن أمه وهكذا خبّر رسول الله ﷺ، وقيل: هي حال مقدرة، وأجاز الفراء «١» أن يكون «ما»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ٣٨٩.","vol":"5","page":62},{"text":"هاهنا زائدة وتكون «أن» للشرط والمجازاة على أن يكون المعنى إنّا هديناه السبيل إن شكر أو كفر. قال أبو جعفر: وهذا القول ظاهره خطأ لأن «إن» التي للشرط لا تقع على الأسماء وليس في الآية إما شكر إنما فيها إما شاكرا وإما كفورا. فهذان اسمان، ولا يجازى بالأسماء عند أحد من النحويين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4118>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٤]</span>\nإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا (٤)\nهذه قراءة أبي عمرو وحمزة بغير تنوين إلّا أن الصحيح عن حمزة أنه كان يقف «سلاسلا» «١» بالألف اتباعا للسواد لأنها في مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة بالألف، وقراءة أهل المدينة وأهل الكوفة غير حمزة «إنّا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا» والحجّة لأبي عمرو وحمزة أن «سلاسل» لا ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع فثقل فمنع الصرف، والوقوف عليه بالألف والحجة فيه أن الرؤاسي والكسائي حكيا عن العرب الوقوف على ما لا ينصرف بالألف لبيان الفتحة فقد صحّت هذه القراءة من كلام العرب. والحجّة لمن لوّن ما حكاه الكسائي وغيره من الكوفيين أن العرب تصرف كل ما لا ينصرف إلا أفعل منك. فهذه حجة وحجة أخرى أن بعض أهل النظر يقول: كل ما يجوز في الشعر فهو جائز في الكلام لأن الشعر أصل كلام العرب فكيف نتحكّم في كلامها ونجعل الشعر خارجا عنه؟ وحجة ثالثة أنه لما كان إلى جانبه جمع ينصرف فأتبع الأول الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4119>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٥]</span>\nإِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا (٥)\nواحد الأبرار برّ ربّما غلط الضعيف في العربية فقال: هو جمع فعل شبّه بفعل وذلك غلط. إنما هو جمع فعل يقال: بررت والدي فأنا بارّ وبرّ فبرّ فعل مثل حذرت فأنا حذر، وفعل وأفعال قياس صحيح. وقيل: إنما سمّوا أبرارا لأنهم برّوا الله جلّ وعزّ بطاعته في أداء فرائضه واجتناب محارمه. وقيل: معنى كانَ مِزاجُها كافُورًا في طيب ريحها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4120>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٦]</span>\nعَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا (٦)\nعَيْنًا في نصبها غير وجه أني سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: نظرت في نصبها فلم يصحّ لي فيه إلا أنها منصوبة بمعنى أعني، وكذا الثانية فهذا وجه، ووجه ثان أن يكون بمعنى الحال من المضمر في مزاجها، ووجه رابع يكون مفعولا بها، والتقدير يشربون عينا يشرب بها عباد الله كان مزاجها كافورا. وفي\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٦، والبحر المحيط ٨/ ٣٨٧.","vol":"5","page":63},{"text":"يشرب بها وجهان: قال الفراء «١»: يشرب بها ويشربها واحد. قال أبو جعفر: وأحسن من هذا أن يكون المعنى يروى بها. وقد ذكرته يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا مصدر. ويروى أن أحدهم إذا أراد أن ينفجر له الماء شق ذلك الموضع بعود يجري فيه الماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4121>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٧]</span>\nيُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)\nيُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ وهو كل ما وجب على الإنسان أن يفعله نذره أو لم ينذره، قال جلّ وعزّ: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩] . قال عنترة: [الكامل] ٥١٤-\nالشّاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والنّاذرين إذا لم القهما دمي «٢»\nوقول الفراء «٣»: كان فيه إضمار «كان» أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا، وكذا يَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4122>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٨]</span>\nوَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)\nاختلف العلماء في الأسير هاهنا، فقال بعضهم: هو من أهل الحرب لأنه لم يكن في ذلك الوقت أسير إلّا منهم، وقال بعضهم: هو لأهل الحرب وللمسلمين، وهذا أولى بعموم الآية فلا يقع فيها خصوص إلا بدليل قاطع فيكون لمن كان في ذلك الوقت ولمن بعد، كما كان يُوفُونَ بِالنَّذْرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4123>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٩]</span>\nإِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا (٩)\nإِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ أي يقولون لا نريد منكم جزاء ولا شكورا يكون جمع شكر، ويكون مصدرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4124>[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٠]</span>\nإِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)\nقال الفراء: القمطرير والقماطر الشديد وأنشد: [الطويل] ٥١٥-\nبني عمّنا هل تذكرون بلاءنا ... عليكم إذا ما كان يوم قماطر «٤» «٥»\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٥.\n(٢) الشاهد لعنترة في ديوانه ٢٢٢، والأغاني ٩/ ٢١٢، وشرح التصريح ٢/ ٦٩، والشعر والشعراء ١/ ٢٥٩، والمقاصد النحوية ٣/ ٥٥١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ٢٢٥، وشرح الأشموني ٢/ ٣٠٩.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٦.\n(٤) الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (قمطر)، وتاج العروس (قمطر)، وديوان الأدب ٢/ ٥٧، ومعاني الفراء ٣/ ٢١٦، وتفسير الطبري ٢٩/ ٢١.\n(٥) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٨٨.","vol":"5","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4125>[سورة الإنسان (٧٦): آية ١١]</span>\nفَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)\nفَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ نعت لذلك وإن شئت كان بدل. وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا قال الحسن: النضرة في الوجه، والسرور في القلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4126>[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٢]</span>\nوَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)\nقال قتادة: بما صبروا عن المعاصي. فهذا أصحّ قول يقال لمن صبر عن المعاصي صابر مطلقا فإن أردت لغير المعاصي قلت صابر على كذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4127>[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٣]</span>\nمُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (١٣)\nمُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ قال الفراء: نصب. مُتَّكِئِينَ على القطع وهو عند البصريين منصوب على الحال من التاء والميم، والعامل فيه جزاء ولا يجوز أن يعمل فيه صبروا لأن مُتَّكِئِينَ إنما هو في الجنة، والصبر في الدنيا، ويجوز أن يكون منصوبا على أنه نعت لجنة، ولذلك حسن لأنه قد عاد الضمير عليها لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا القول فيه كالقول في «متكئين»، ويكون معناه غير رائعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4128>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥)\nوَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها فيه ستة أوجه يجوز أن يكون معطوفا على جَنَّةً أقيمت الصفة مقام الموصوف أي وجزاهم جنّة دانية عليهم ظلالها، ويجوز أن يكون معطوفا على متكئين، ويجوز أن يكون معطوفا على لا يرون لأن معناه غير رائين ويجوز أن يكون منصوبا على المدح مثل وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء: ١٦٢] وإن كان نكرة فهو يشبه المعرفة فهذه أربعة أوجه. وفي قراءة ابن مسعود «ودانيا عليهم ظلالها» «١» على تذكير الجمع، وفي قراءة أبيّ «ودان عليهم ظلالها» «دان» في موضع رفع أصله داني استثقلت الحركة في الياء فحذفت الضمة، وحذفت الياء لسكونها وسكون التنوين، ولم تستثقل الحركة في ودانيا لخفة الفتحة ظِلالُها مرفوع بالدنو من قول من نصب الأول، ومن قال: «ودان ظلالها» عنده مرفوع بالابتداء، ودان خبره. كما تقول: مررت بزيد جالس أبوه أي أبوه جالس. وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا عطف جملة على جملة فذلك صلح أن يأتي بالماضي وقبله اسم الفاعل، وبعده وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ أهل التفسير منهم مجاهد: يقولون: الكوب الكوز الذي لا عروة له إلا قتادة فإنه قال: هو\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٧.","vol":"5","page":65},{"text":"القدح كانَتْ قَوارِيرَا «١» قراءة أبي عمرو الثاني بغير ألف وفرق بينهما لجهتين: أحداهما أنه كذا في مصاحف أهل البصرة، والثانية أن الأولى رأس آية فحسن إثبات الألف فيها.\nفأما حمزة فقرأ «كانت قوارير قوارير من فضّة» لأنهما لا ينصرفان فهذا شيء بيّن لولا مخالفة السواد، وقرأ المدنيون فيهما جميعا، والذي يحتجّ به لهم لا يوجد إلا من قول الكوفيين وهو أن الكسائي والفراء أجازا صرف ما لا ينصرف إلّا أفعل منك واحتجّ الفراء بكثرة ذلك في الشعر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4129>[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٦]</span>\nقَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا (١٦)\nقَدَّرُوها تَقْدِيرًا عن الشّعبي وقتادة وابن أبزى وعبد الله بن عبيد بن عمير أنهم قرءوا قَدَّرُوها «٢» أي قدّروا عليها أي على قدر ربّهم لا يزيد ذلك ولا ينقص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4130>[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٧]</span>\nوَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧)\nوَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا قال أبو الحسن بن كيسان: لا يقال للقدح: كأس حتّى تكون فيه الخمر وكذا لا يقال: مائدة للخوان حتى يكون عليه طعام، وكذا الظعينة كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا أي كالزّنجبيل في لذعه وكانوا يستطيبون ذلك فخوطبوا على ما يعرفون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4131>[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٨]</span>\nعَيْنًا فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)\nعَيْنًا قد تقدّم ما يغني عن الكلام في نصبها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا فعلليل من السّلاسة، ومن قال: هو اسم العين صرف ما لا يجب أن ينصرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4132>[سورة الإنسان (٧٦): آية ١٩]</span>\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ أي بما يحتاجون إليه. إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا أهل التفسير على أن المعنى في هذا التشبيه لكثرتهم وحسنهم، وقال عبد الله بن عمر: ما أحد من أهل الجنة إلّا له إلف غلام كلّ غلام على عمل ليس عليه صاحبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4133>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٠]</span>\nوَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)\nوَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ لأهل العربية فيه ثلاثة أقوال: فأكثر البصريين يقول: «ثمّ» ظرف، ولم تعدّ رأيت كما تقول: ظننت في الدار فلا تعدّى ظننت على قول سيبويه «٣»، وقال الأخفش، وهو أحد قولي الفراء «٤»: «ثمّ» مفعول بها أي فإذا نظرت ثمّ وقول آخر\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٧، والبحر المحيط ٨/ ٣٨٩.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ١٨٠.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٨.\n(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ١٣، والطبري في تفسيره ١٩/ ١٢٠، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠٥.","vol":"5","page":66},{"text":"للفراء قال: التقدير: وإذا رأيت ما ثمّ وحذف «ما» . قال أبو جعفر: «وثمّ» عند جميع النحويين مبنيّ غير معرب لتنقّله وحذف «ما» خطأ عند البصريين لأنه يحذف الموصول ويبقى الصلة فكأنه جاء ببعض الاسم رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا جواب «إذا»، ويبيّن لك معنى هذا كما حدّثنا أحمد بن علي بن سهل قال: حدّثنا زهير يعني ابن حرب ثنا محمد بن حازم ثنا عبد الملك بن أبجر عن ثوير بن أبي فاختة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال:\n«إن أدنى أهل الجنّة منزلة لينظر في ملكه ألفي عام ينظر أزواجه وسرره وخدمه وإنّ أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله جلّ وعزّ في كل يوم مرتين» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4134>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢١]</span>\nعالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا (٢١)\nعالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ مبتدأ وخبره، والأصل عاليهم حذفت الضمة لثقلها. وهذه قراءة بيّنة، وهي قراءة أبي جعفر ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة، وقرأ أبو عبد الرّحمن والحسن وأبو عمرو والكسائي وابن كثير وعاصم عالِيَهُمْ بالنصب على أنه ظرف، ومثّله الفراء «٢» بقوله: زيد داخل الدار. قال أبو جعفر: أما عاليهم فبيّن أنه منصوب على الظرف، وفي معناه قولان: أحدهما أن الخضرة تعلو ثياب أهل الجنة، والقول الآخر أن هذه النبات الخضر فوق حجالهم لا عليهم وأما زيد داخل الدار فلا يجوز عند جماعة من النحويين كما لا يقال: زيد الدار، ولكن لو قلت: زيد خارج الدار جاز، وروى عبد الوارث عن حميد عن مجاهد أنه قرأ «عليهم ثياب سندس» قال أبو جعفر: وهذا لا يحتاج إلى تفسير، وفي قراءة ابن مسعود «عاليتهم ثياب سندس» «٣» على تأنيث الجماعة، وقرأ الحسن ونافع «ثياب سندس خضر وإستبرق» «٤» وقرأ الأعمش وحمزة «ثياب سندس خضر وإستبرق» بخفضهما، وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر «ثياب سندس خضر وإستبرق» برفع «خضر» وخفض «إستبرق»، وقرأ ابن كثير وعاصم «ثياب سندس خضر وإستبرق» قرأ ابن محيصن «وإستبرق» بوصل الألف وبغير تنوين. قال أبو جعفر: القراءة الأولى حسنة متّصل الرفع بعضه ببعض فخضر نعت للثياب وإستبرق معطوف عليها:\nوانصرف لأنه نكرة وقطعت الألف لأنه اسم ولو سمّيت رجلا باستكبر لقلت:\nجاءني استكبر. هذا قول الخليل وسيبويه والقراءة الثانية على أن من قرأ بها نعت سندسا بخضر. وفي ذلك بعد لأنه إنّما يقال: هذا سندس أخضر كما يقال. هذا حرير أخضر إلا أن ذلك جائز لأنه جنس والجنس يؤدّي عن الجميع كقولك:\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٩. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٩.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٧٧، والبحر المحيط ٨/ ٣٩١.\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٢١٩.","vol":"5","page":67},{"text":"سندس وسندسات واحد، وعطف وإستبرق على سندس أي وثياب وإستبرق، والقراءة الثالثة حسنة أيضا جعله خُضْرٌ نعتا للثياب، وهو الوجه البين الحسن، وخفض إستبرق نسقا على سندس أيضا. والقراءة الرابعة خفض فيها خضر على أنها نعت لسندس كما مر ورفع وإستبرق لأنه عطف على ثياب، وقراءة ابن محيصن عند كل من ذكر القراءات ممن علمناه من أهل العربية لحن لأنه منع إستبرق من الصرف وهو نكرة، ولا يخلو منعه إياه من إحدى وجهين: إما أن يكون منعه من الصرف لأنه أعجمي، وإما أن يكون ذلك لأنه على وزن الفعل، والعجمي وما كان على وزن الفعل ينصرفان في النكرة، وأيضا فإنه وصل الألف، وذلك خطأ عند الخليل وسيبويه لما ذكرنا ونصب «إستبرق» وإن كان هذا يتهيّأ أن يحتال في نصبه فهذا ما فيه مما قد ذكر بعضه. قال أبو جعفر: ولو احتيل فيه فقيل: هو فعل ماض أي وبرق هذا الجمع لكان ذلك عندي شيئا يجوز وإن كنت لا أعلم أحدا ذكره. وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وقد طعن في هذا بعض الملحدين. إما لجهله باللغة وإما لقصده الكفر اجتراء على الله ﷿ وأخذ شيء من حطام الدنيا وذلك أن الجنة لا بيع فيها ولا شراء ولا معنى لطعنه لقلة قيمة الفضة، ولأن هذا لا يحسن للرجال فجهل معنى التفسير لأن في التفسير أن هذا يكون لأزواجهن، ولو كان لهم ما دفع حسنه، وقد طعن في الإستبرق ولم يدر معناه أو داره وتعمّد الكفر. والإستبرق عنه العرب ما كان متينا وغلظ في نفسه لا غلظ خيوطه.\nقال أبو جعفر: فقد ذكرنا أن هذا الإستبرق يكون فوق حجالهم وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا أي طاهرا من الأقذار والأدناس والأوساخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4135>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٢]</span>\nإِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)\nإِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً ويجوز رفع جزاء على خبر «إنّ» وتكون «كان» ملغاة وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا خبر «كان» ولو كان مرفوعا جاز أن يكون اسم كان فيها مضمرا ولا تغلى إذا كانت مبتدأة لأن الكلام مبنيّ عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4136>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٣]</span>\nإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)\nإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ يكون «نحن» في موضع نصب صفة لاسم إنّ، ويجوز أن تكون فاصلة لا موضع لها، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر «نزّلنا» تَنْزِيلًا مصدر جيء به للتوكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4137>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٤]</span>\nفَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)\nفَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أي اصبر على أذاهم، وكان السبب في نزول هذا على ما ذكر قتادة أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمدا ﷺ لأطأنّ عنقه وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا قال","vol":"5","page":68},{"text":"الفراء «١» «أو» بمنزلة «لا» أي لا تطع من أثم ولا كفر. قال أبو جعفر: و«أو» تكون في الاستفهام والمجازاة والنفي بمنزلة «لا» . قال أبو جعفر: ويجوز أن يكون المعنى لا تطيعنّ من أثم وكفر بوجه فتكون قريبة المعنى من الواو. قال أبو جعفر: فالقول الأول صواب على قول سيبويه، والثاني خطأ لا يكون «أو» بمعنى الواو لأنك إذا قلت: لا تكلّم زيدا أو عمرا، فمعناه لا تكلّم واحدا منهما ولا تكلّمهما إن اجتمعا وليس كذا الواو إذا قلت: لا تكلّم المأمور واحدا منهما لم يكن عاصيا أمره، «أو» إذا كلّم واحدا منهما كان عاصيا أمره وكذا الآية لا يجوز أن يطاع الآثم ولا الكفور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4138>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٥]</span>\nوَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥)\nبُكْرَةً يكون معرفة فلا ينصرف ويكون نكرة فينصرف. فهي هاهنا نكرة فلذلك صرفت لأن بعدها وَأَصِيلًا وهو نكرة ولا تكون معرفة إلا أن تدخل فيه الألف واللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4139>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٦]</span>\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ التقدير فاسجد له من الليل وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا قيل: هو منسوخ بزوال فرض صلاة الليل، وقيل: هو على الندب وقيل: هو خاص للنبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4140>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٧]</span>\nإِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)\nإِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ أي يحبون خير الدنيا. وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا قال سفيان: يعني الآخرة. قال أبو جعفر: وقيل: وراء بمعنى قدّام ومن يمنع من الأضداد يجيز هذا لأن وراء مشتقّ من توارى فهو يقع لما بين يديك وما خلفك. وقيل:\nالتقدير: ويذرون وراءهم عمل يوم ثقيل. أي لا يعملون للآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4141>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٨]</span>\nنَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)\nنَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ عن أبي هريرة قال: المفاصل. وقال ابن زيد:\nالقوة، وقيل: هو موضع الحديث. ومن أحسن ما قيل فيه قول ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: أسرهم خلقهم. قال أبو جعفر: يكون من قولهم: ما أحسن أسر هذا الرجل أي خلقه ومن هذا أخذه بأسره أي بجملته وخلقته لم يبق منه شيئا وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا قال ابن زيد يعني بني آدم الذين خالفوا طاعة الله جلّ وعزّ وأمثالهم من بني آدم أيضا.\n_________\n(١) قرأ الكوفيون ونافع بالتاء والباقون بالياء، انظر تيسير الداني ١٧٧.","vol":"5","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4142>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٢٩]</span>\nإِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)\nإِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ قيل: أي هذه الأمثال والقصص فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أي فمن شاء اتّخذ إلى رضاء ربه طريقا بطاعة الله ﷿ والانتهاء عن معاصيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4143>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٣٠]</span>\nوَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)\nوَما تَشاؤُنَ «١» اتّخاذ السبيل إلا بأن يشاء الله ذلك لأن المشيئة إليه، وحذفت الباء فصارت «أن» في موضع نصب ومن النحويين من يقول: هي في موضع خفض.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا أي بما يشاء أن يتّخذ إلى رضاه طريقا حَكِيمًا في تدبيره، لا يقدر أحد أن يخرج عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4144>[سورة الإنسان (٧٦): آية ٣١]</span>\nيُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٣١)\nيُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ أي بأن يوفّقه للتوبة فيتوب فيدخل الجنة. وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا نصب الظالمين عند سيبويه بإضمار فعل يفسره ما بعده أي ويعذّب الظالمين. وأما الكوفيون فقالوا: نصبت لأن الواو ظرف للفعل أي ظرف لأعدّ. قال أبو جعفر: وهذا يحتاج إلى أن يبيّن ما الناصب، وقد زاد الفراء «٢» في هذا إشكالا فقال:\nيجوز رفعه وهو مثل وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [الشعراء: ٢٢٤] . قال أبو جعفر:\nوهذا لا يشبه من ذلك شيئا إلا على بعد. لأن قبل هذا فعلا فاختير فيه النصب ليضمر فعلا ناصبا فيعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل، والشعراء ليس يليهم فعل، وإنما يليهم مبتدأ وخبره. قال جلّ وعزّ:\nوَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ [الشعراء: ٢٢٣] وهاهنا يدخل من يشاء في رحمته ويجوز الرفع على أن يقطعه من الأول. قال أبو حاتم حدثني الأصمعي. قال: سمعت من يقرأ:\n«والظّالمون أعدّ لهم عذابا أليما» بالرفع، وفي قراءة عبد الله «وللظّالمين أعدّ لهم عذابا أليما» «٣» بتكرير اللام.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٢٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٢٠، والبحر المحيط ٨/ ٣٩٣.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (٥١) .","vol":"5","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4145>٧٧ شرح إعراب سورة المرسلات</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4146>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا (٣)\nوَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) قال أبو جعفر: قد ذكرنا في هذه الآيات أقوالا، ونزيد ذلك شرحا وبيانا. قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى ثنا وكيع عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن أبي العبيدين عن ابن مسعود في قول الله ﷿: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) قال: الرياح فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا (٢) قال: الريح وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا (٣) قال: الريح. قال أبو جعفر: وقد روي عن ابن مسعود أنه قال الْمُرْسَلاتِ الملائكة: والقول بأنها الرياح قول ابن عباس وأبي صالح ومجاهد وقتادة وفَالْعاصِفاتِ الرياح وذلك عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس ﵃ وَالنَّاشِراتِ قد روي عن ابن مسعود أنها الملائكة والرواية الأولى أنها الريح قول ابن عباس، وعن أبي صالح أن النَّاشِراتِ المطر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4147>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤]</span>\nفَالْفارِقاتِ فَرْقًا (٤)\nعن ابن مسعود وابن عباس أنها الملائكة، وروى سعيد عن قتادة فَالْفارِقاتِ فَرْقًا قال القرآن فرّق بين الحقّ والباطل، والتقدير على هذا: فالآيات الفارقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4148>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٥]</span>\nفَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا (٥)\nعن ابن مسعود وابن عباس قالا: الملائكة. قال قتادة: الملائكة تلقي الذّكر إلى الأنبياء ﵈، وعن أبي صالح في بعض هذه، قال الأنبياء. قال أبو جعفر: قد ذكرنا أن الصفة في هذا أقيمت مقام الموصوف فلهذا وقع الاختلاف فإذا كان التقدير:\nوربّ المرسلات فالمعنى واحد والقسم بالله جلّ وعزّ، وإذا زدنا هذا شرحا قلنا قد ذكرنا ما قيل إنها الرياح وأنها الملائكة وأنها الرسل ﵈ ولم نجد حجّة قاطعة تحكم لأحد هذه الأقوال فوجب أن يردّ إلى عموم الظاهر فيكون عاما لهذه الأشياء","vol":"5","page":71},{"text":"كلها. عُرْفًا منصوب على الحال إذا كان معناه متتابعة وإذا كان معناه والملائكة المرسلات بالعرف أي بأمر الله جلّ وعزّ وطاعته وكتبه، فالتقدير بالعرف فحذف الباء فتعدّى الفعل، كما أنشد سيبويه: [البسيط] ٥١٦-\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب «١»\nعَصْفًا ونَشْرًا وفَرْقًا مصادر تفيد التوكيد فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا مفعول به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4149>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٦]</span>\nعُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)\nقراءة أبي عمرو والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ أهل الحرمين وابن عامر وعاصم عُذْرًا بإسكان الذال «أو نذرا» بضم الذال، ويروى عن زيد بن ثابت والحسن «عذرا أو نذرا» «٢» بضم الذالين فإسكانهما جميعا على أنهما مصدران كما تقول: شكرته شكرا، ويجوز أن يكون الأصل فيهما الضمّ فحذفت الضمة استثقالا لها، وضمهما جميعا على أنهما جمع عذير ونذير، ويجوز أن يكونا مصدرين مثل شغلته شغلا. وعذير بمعنى اعذار كما قال: [الوافر] ٥١٧-\nأريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد «٣»\nأي إعذارك وكما قال: [الهزج] ٥١٨-\nنذير الحيّ من عدوان ... كانوا حيّة الأرض «٤»\nقال أبو جعفر: هكذا ينشد هذان البيتان بالنصب، وأنشد سيبويه: [الطويل] ٥١٩-\nعذيرك من مولى إذا نمت لم ينم ... يقول الخنا أو تعتريك زنابره «٥»\nأي عذيرك من هذا.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٢٢، والبحر المحيط ٨/ ٣٩٦، وتيسير الداني ١٧٧.\n(٢) الشاهد لعمرو بن معدي كرب في ديوانه ١٠٧، والكتاب ١/ ٣٣٢، والأغاني ١٠/ ٢٦، وحماسة البحتري ٧٤، والحماسة الشجرية ١/ ٤٠، وخزانة الأدب ٦/ ٣٦١، والدرر ٣/ ٨، وسمط اللآلي ٦٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٩٥، وعجزه لعلي بن أبي طالب في لسان العرب (عذر)، وبلا نسبة في شرح المفصّل ٢/ ٢٦، وهمع الهوامع ١/ ١٦٩.\n(٣) الشاهد لذي الإصبع العدواني في ديوانه ٤٦، والاشتقاق ٢٦٩، والأغاني ٣/ ٨٥، وأمالي الزجاجي ١/ ٢٢١، والحيوان ٤/ ٢٣٣، وخزانة الأدب ٥/ ٢٨٦، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٩٨، والشعر والشعراء ٢/ ٧١٢، ولسان العرب (عذر) و(جيا)، والمقاصد النحوية ٤/ ٣٦٤، وبلا نسبة في الكتاب ١/ ٣٠٣، ولسان العرب (عدا)، وأمالي المرتضى ١/ ٢٥٠.\n(٤) الشاهد بلا نسبة في الكتاب ١/ ٣٧٤، وشرح الشواهد للشنتمري ١/ ١٥٨.\n(٥) انظر الكتاب ٣/ ١١٩.","vol":"5","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4150>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٧]</span>\nإِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧)\nأي من البعث والحساب والمجازاة. وهذا جواب القسم و«ما» هاهنا بمعنى الذي مفصولة من «إنّ»، ولا يجوز أن تكون هاهنا فاصلة و«لا» زائدة ألا ترى أن في خبرها اللام المؤكدة لخبر إنّ وحذفت الهاء لطول الاسم، والتقدير أن الذي توعدونه لواقع من الحساب والثواب والعقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4151>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٨]</span>\nفَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)\nرفعت النجوم بإضمار فعل مثل هذا لأن إذا هاهنا بمنزلة حروف المجازاة فإن قال قائل: قد قال سيبويه «١» في قول الله جلّ وعزّ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: ٣٦] «إذا» جواب بمنزلة الفاء، وإنما صارت جوابا بمنزلة الفاء لأنها لا يبتدأ بها كما لا يبتدأ بالفاء. فقد ابتدئ بها هاهنا، وأنت تقول: إذا قمت قمت مبتدأ. قال أبو جعفر: فلم أعلم أحدا غلط سيبويه في هذا، والحجة له أنّ «إذا» كانت للمفاجأة لم يبتدأ بها نحو قوله: إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ وإذا كانت بمعنى المجازاة ابتدئ بها ولكن قد عوض سيبويه بأن الفاء تدخل عليها فكيف تكون عوضا منها؟\nفالجواب أنها إنما تدخل توكيدا، وجواب فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وقيل الفاء محذوفة، وقيل الجواب محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4152>[سورة المرسلات (٧٧): آية ١١]</span>\nوَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)\nوقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ «٢» بهمزة وتشديد القاف، وقرأ عيسى بن عمر النحوي وخالد بن إلياس أُقِّتَتْ بهمزة وتخفيف القاف، وقرأ أبو عمرو «وقّتت» بواو وتشديد القاف، وقرأ الحسن وأبو جعفر «وقتت» بواو وتخفيف القاف. قال أبو جعفر: الأصل فيها الواو لأنه مشتق من الوقت قال جلّ وعزّ: كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣] فهذا من وقتت مخففة إلّا أن الواو تستثقل فيها الضمة فتبدل فيها همزة، وقد ذكر سيبويه اللغتين وقّتت وأقّتت فلم يقدّم إحداهما على الأخرى فإذا كانتا فصيحتين فالأولى اتباع السواد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4153>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nلِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)\nلِيَوْمِ الْفَصْلِ قيل: حذف الفعل الذي تتعلق به اللام والتمام لأي يوم أجّلت ثم أضمر فعل أجلت ليوم الفصل، وقيل: ليوم الفصل بدل وأعدت اللام مثل لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وقيل: اللام بمعنى إلى.\n_________\n(١) انظر القراءات المختلفة في تيسير الداني ١٧٧، والبحر المحيط ٨/ ٣٩٦، ومعاني الفراء ٣/ ٢٢٢.\n(٢) انظر البحر المحيط: ٨/ ٣٩٧. [.....]","vol":"5","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4154>[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٤]</span>\nوَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)\n«ما» الأولى والثانية في موضع رفع بالابتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4155>[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٥]</span>\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)\nأي الذين يكذبون بيوم القيامة وما فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4156>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nأَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)\nوقرأ الأعرج أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ «١» جزم نُتْبِعُهُمُ لأنه عطف على نهلك قال أبو جعفر: هذا لحن، وقال أبو حاتم: هذا لحن، وذكر إسماعيل أنه لا يجوز. قال أبو جعفر: «ثم» من حروف العطف وإنما معناه من جهة المعنى وهو في المعنى غير مستحيل لأنه قد قيل في معنى أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ أنهم قوم نوح وعاد وثمود، وأن الآخرين قوم إبراهيم ﷺ وأصحاب مدين وفرعون. قال أبو جعفر: فعلى هذا تصحّ القراءة بالجزم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4157>[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٨]</span>\nكَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨)\nأي كذلك سنتي فيمن أقام على الإجرام أن أهلكه بإجرامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4158>[سورة المرسلات (٧٧): آية ١٩]</span>\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)\nأي لمن كذّب بما أخبر الله جلّ وعزّ وبقدرته على ما يشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4159>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٠ الى ٢٣]</span>\nأَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣)\nويجوز إدغام القاف في الكاف وعن ابن عباس «مهين» ضعيف. وقرأ أبو عمرو وعاصم والأعمش وحمزة فَقَدَرْنا «٢» مخفّفة، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع والكسائي فَقَدَرْنا مشددة والأشبه التخفيف لأن بعده فَنِعْمَ الْقادِرُونَ وليس بعده المقدّرون على أن القراءة بالتشديد حسنة لأنه قد حكي أنهما لغتان بمعنى واحد. يقال: قدر وقدره. وقد قال: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ [الواقعة: ٦٠] ولا ينكر أن تأتي لغتان بمعنى واحد في موضع واحد، قال: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: ١٧] وقال الشاعر: [البسيط] ٥٢٠-\nوأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلّا الشّيب والصّلعا «٣»\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٧.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٢١٨) .\n(٣) انظر مختصر ابن خالويه ١٦٧.","vol":"5","page":74},{"text":"وقد قيل: معنى فقدرنا النطفة والعلقة والمضغة، وقال الضحاك: فقدرنا فملكنا.\nفَنِعْمَ الْقادِرُونَ رفع بنعم، والتقدير: فنعم القادرون نحن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4160>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٤]</span>\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)\nبقدرة الله جلّ وعزّ على هذه الأشياء وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4161>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٥]</span>\nأَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا (٢٥)\nيقال: كفته إذا جمعه وأحرزه فالأرض تجمع الناس على ظهرها أحياء وفي بطنها أمواتا. واشتقاق هذا من الكفتة وهي وعاء الشيء وكذا الكفتة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4162>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٦]</span>\nأَحْياءً وَأَمْواتًا (٢٦)\nنصب على الحال أي نكفتهم في هذه الحال، ويجوز أن يكون منصوبا بوقوع الفعل عليه أي تكفت الأحياء والأموات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4163>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٢٧]</span>\nوَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا (٢٧)\nوَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يقول جبالا مشرفات، قال: وماءً فُراتًا عذبا وروى عنه عكرمة «ماء فراتا» سيحان وجيحان والفرات والنيل، قال: وكل ماء عذب في الدنيا فمن هذه الأنهار الأربعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4164>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩)\nانْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) أي يقال لهم، وزعم يعقوب الحضرمي أن بعض القراء قرأ «انطلقوا» بفتح اللام على أنه فعل ماضي، وأما الأول فلم يختلف فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4165>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣١]</span>\nلا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)\nلا ظَلِيلٍ نعت لظلّ أي غير ظليل من الحرّ ولا يقي لهب النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4166>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٢]</span>\nإِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)\nإِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ لغة أهل الحجاز كما قال: [الوافر] ٥٢١-\nوتوقد ناركم شررا ويرفع ... لكم في كلّ مجمعة لواء «١»\n_________\n(١) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ٨٥، ولسان العرب (جمع)، وتاج العروس (جمع)، وديوان المفضليات ٥٦.","vol":"5","page":75},{"text":"ولغة بني تميم شرار، كَالْقَصْرِ «١» يقرأ على ثلاثة أوجه فقراءة العامة كَالْقَصْرِ، وعن ابن عباس وجماعة من أصحابه كَالْقَصْرِ بفتح الصاد، وعن سعيد بن جبير روايتان في إحداهما كَالْقَصْرِ والأخرى كَالْقَصْرِ كما قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل بن إسحاق قال نصر بن علي قال: ثنا يزيد بن زريع ثنا يونس عن الحسن أنها ترمي بشرر كَالْقَصْرِ بكسر القاف. قال نصر: وحدّثنا أبي ثنا يونس عن الحسن بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ قال: أصول النخل. قال أبو جعفر: والقصر بفتح القاف وإسكان الصاد في معناه قولان. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس كَالْقَصْرِ قال: يقول: كالقصر العظيم وكذا قال محمد بن كعب هو القصر من القصور. وقال أبو عبيد عن حجاج عن هارون قال: القصر الخشب الجزل مثل جمرة وجمر وتمر وتمر. قال أبو جعفر: وأصحّ من هذا عن الحسن كما قرئ على إبراهيم ابن موسى عن إسماعيل عن نصر قال: ثنا يزيد ثنا يونس عن الحسن قال: «كالقصر» واحد القصور. قال أبو جعفر: فهذا قول بيّن والعرب تشبه الناقة والجمل بالقصر كما قال: [البسيط] ٥٢٢-\nكأنها برج روميّ يشيّده ... بان بجصّ وآجرّ وأحجار «٢»\nفأما القصر فقال مجاهد وقتادة: هو أصول النخل، وروى عبد الرّحمن بن عابس عن ابن عباس قال: القصر الخشبة تكون ثلاثة أذرع أو أكثر ودون ذلك. قال أبو جعفر: وهذا أصح ما قيل فيه ومنه قيل: قصّار لأنه يعمل بمثل هذا الخشب، والقصر بهذا المعنى يكون جمع قصرة وقد سمع من العرب حاجة وحوج، ويجوز أن يكون جمع قصرة وقد سمع حلقة وحلق فقال: الشرر جماعة والقصر واحد فكيف شبهت به؟\nالجواب أن يكون واحدا يدلّ على جمع أو جمع قصرة أو يراد به الفعل أي كعظيم القصر وتكلم الفراء «٣» في أن الأولى أن يقرأ «كالقصر» بإسكان الصاد لأن الآيات على هذا. ألا ترى أن بعده «صفر»، واحتجّ بقراءة القراء: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر: ٦] بضم الكاف لأن الآيات كذا، وفي موضع آخر فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا [الطلاق: ٨] بإسكان الكاف فقال: فقد أجمع القراء على تحريك الأولى وإسكان الثانية قال أبو جعفر: وهذا غلط قبيح قد قرأ عبد الله بن كثير يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ\nبإسكان الكاف. وهذا الذي جاء به من اتفاق الآيات لا يستتب ولا ينقاس.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٩٨.\n(٢) الشاهد للأخطل التغلبي في ديوانه ٧٦، وتفسير الطبري ١٩/ ٣٠.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٢٤.","vol":"5","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4167>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٣]</span>\nكَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)\nقراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش بن عيسى وطلحة وحمزة والكسائي «كأنه جماله صفر» «١» وعن ابن عباس «جمالات صفر» «٢» بضم الجيم فالقراءة الأولى تكون جمع جمال أو جمالة وجمالة جمع جمل كحجر وحجارة، وجمالات يجوز أن يكون بمعنى جمال كما يقال: رخل ورخال وظئر وظؤار والتاء لتأنيث الجماعة إلا أن أهل التفسير يقولون: هي حبال السفن منهم ابن عباس وسعيد بن جبير إلّا أن علي بن أبي طلحة روى عن ابن عباس، قال: قطع النحاس ويجوز أن يكون مشتقا من الشيء المجمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4168>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٥]</span>\nهذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥)\nمبتدأ وخبره، وزعم الفراء «٣» أن القراء اجتمعت على رفع يوم. قال أبو جعفر:\nوهذا قريب مما تقدّم. روي عن الأعرج والأعمش أنهما قرءا هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ بالنصب وفي نصبه قولان: أحدهما أنه ظرف أي هذا الذي ذكرنا في هذا اليوم، والقول الآخر ذكره الفراء يكون «يوم» مبنيا. وهذا خطأ عند الخليل وسيبويه «٤» لا تبنى الظروف عندهما مع الفعل المستقبل لأنه معرب وإنما يبنى مع الماضي، كما قال: [الطويل] ٥٢٣- على حين عاتبت المشيب على الصّبا «٥»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4169>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٦]</span>\nوَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)\nعطف، وزعم الفراء «٦» أنه اختير فيه الرفع لتتفق الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4170>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٨]</span>\nهذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)\nمبتدأ وخبره جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ نسق على الكاف والميم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4171>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٣٩]</span>\nفَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)\nحذفت الياء لأن النون صارت عوضا منها لأنها مكسورة وهو رأس آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4172>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤١]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١)\nومن كسر العين كره الضمة مع الياء.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٧.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٣٩٨، ومعاني الفراء ٣/ ٢٢٥.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٢٥.\n(٤) انظر الكتاب ٣/ ١٣٦.\n(٥) مرّ الشاهد رقم (١٢٩) .\n(٦) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٢٦.","vol":"5","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4173>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٢]</span>\nوَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢)\nالأصل يشتهونه حذفت الهاء الاسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4174>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٣]</span>\nكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)\nأي يقال لهم هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4175>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٤]</span>\nإِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤)\nالكاف في موضع نصب أي جزاء كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4176>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)\nكُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا متصل بما يليه أي قيل للمكذبين كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا أي وقتا قليلا وتمتعا قليلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4177>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٤٨]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨)\nقال الفراء: وإذا قيل لهم صلّوا، وقال غيره: كان الركوع أشدّ الأشياء على العرب حتى أسلم بعضهم وامتنع من أن يركع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4178>[سورة المرسلات (٧٧): آية ٥٠]</span>\nفَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)\nوقعت الباء قبل أي والاستفهام له صدر الكلام لأن حروف الخفض مع ما بعدها بمنزلة شيء واحد. ألا ترى أن قولك: نظرت إلى زيد، ونظرت زيدا بمعنى واحد؟","vol":"5","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4179>٧٨ شرح إعراب سورة عمّ يتساءلون (النبأ)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4180>[سورة النبإ (٧٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nعَمَّ يَتَساءَلُونَ (١)\nالأصل «عن ما» حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر لأن المعنى: عن أي شيء يتساءلون، وحكى الفراء: أن المعنى لأي شيء يتساءلون. قال أبو جعفر: و«عن» بمعنى اللام لا يعرف والتقدير: يتساءلون عن النبأ العظيم، وحذف لدلالة الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4181>[سورة النبإ (٧٨): آية ٣]</span>\nالَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)\nفي موضع خفض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4182>[سورة النبإ (٧٨): آية ٤]</span>\nكَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)\nكَلَّا قيل: هو التمام أي ليس الأمر على ما زعم المشركون من إنكار البعث.\n«ستعلمون» «١» تهديد لهم على قراءة الحسن التقدير قل لهم: ستعلمون. «ثم كلا ستعلمون» يعلمون معطوف عليه وقراءة العامة بالياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4183>[سورة النبإ (٧٨): آية ٦]</span>\nأَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا (٦)\nيكون واحدا، ويكون جمع مهده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4184>[سورة النبإ (٧٨): آية ٧]</span>\nوَالْجِبالَ أَوْتادًا (٧)\nمعطوف عليه جمع وتد ومن أدغم قال ودّ. ولا يجوز الإدغام في الجميع لأن الألف قد فصلت بين الحرفين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4185>[سورة النبإ (٧٨): آية ٨]</span>\nوَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا (٨)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٢٧. [.....]","vol":"5","page":79},{"text":"نصب على الحال أي أصنافا أي ذكورا وإناثا وقصارا وطوالا فنبههم جلّ وعزّ على قدرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4186>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nوَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا (١٠)\nوَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (٩) مفعولان وكذا وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا (١٠) أي يغشيكم ويغطيكم كالثياب أي فعلنا هذا لتناموا فيه وتسكنوا كما قال قتادة: لباسا سكنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4187>[سورة النبإ (٧٨): آية ١١]</span>\nوَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا (١١)\nأي ذا معاش أي جعلناه مضيئا ليعيشوا فيه ويتصرّفوا كما قال مجاهد: معاشا تتصرفون فيه وتبتغون من فضل الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4188>[سورة النبإ (٧٨): آية ١٢]</span>\nوَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا (١٢)\nحذفت الهاء لأن اللغة الفصيحة تأنيث السماء شِدادًا جمع شديدة ولا تجمع على فعلاء استثقالا للتضعيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4189>[سورة النبإ (٧٨): آية ١٣]</span>\nوَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا (١٣)\nوَجَعَلْنا سِراجًا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس وَهَّاجًا أي مضيئا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4190>[سورة النبإ (٧٨): آية ١٤]</span>\nوَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا (١٤)\nوَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ قال أبو جعفر: قد ذكرنا قولين لأهل التفسير: أن المعصرات الرياح والسحاب وأولاهما أن يكون السحاب لقوله جلّ وعزّ: الْمُعْصِراتِ ولم يقل: بالمعصرات، وكما قرئ على أحمد بن شعيب عن الحسين بن حريث قال:\nحدّثني علي بن الحسين عن أبيه قال: حدّثني الأعمش عن المنهال عن قيس بن السكن عن ابن مسعود قال: يرسل الله سبحانه الرياح فتأخذ الماء فتجريه في السحاب فتدر كما تدرّ اللّقحة. وروي عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس ماءً ثَجَّاجًا قال يقول: منصبّا، وقال ابن يزيد: ثجّاجا كثيرا. قال أبو جعفر: القول الأول المعروف في كلام العرب يقال: ثجّ الماء ثجوجا إذا انصبّ وثجّه فلان ثجا إذ صبّه صبّا متتابعا. وفي الحديث «أفضل الحجّ العجّ والثجّ» «١» فالعجّ رفع الصوت بالتلبية، والثجّ صبّ دماء الهدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4191>[سورة النبإ (٧٨): آية ١٥]</span>\nلِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا (١٥)\n_________\n(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٢٢٤، وابن حجر في المطالب العالية ١٢٠٠، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٢٧، والزيلعي في نصب الراية ٣/ ٣٣، وابن حجر في تلخيص الحبير ٢/ ٢٣٩، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٤/ ٣٨٨، والمتقي الهندي في كنز العمال (١١٨٨٣) .","vol":"5","page":80},{"text":"فالحبّ كلّ ما كان قشر والنبات الحشيش والكلأ ونحوهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4192>[سورة النبإ (٧٨): آية ١٦]</span>\nوَجَنَّاتٍ أَلْفافًا (١٦)\nوَجَنَّاتٍ أي ثمر جنات. أَلْفافًا قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول من قال: هو جمع لفّ وقول من قال: هو جمع الجمع أراد أنه يقال لفّاء وألفّ مثل حمراء وأحمر ثم تقول: ألف كما يقال: حمر ثم يجمع لفّا ألفافا كما تقول: خفّ وأخفاف والقول الأول أولى بالصواب لأن أهل التفسير قالوا: وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا (١٦) أي جميعا، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك فهذا جمع لفّ، ويقال: لفيف بمعناه، ونخلة لفّاء معناه غليظة فلهذا قلنا الأول أولى بالصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4193>[سورة النبإ (٧٨): آية ١٧]</span>\nإِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا (١٧)\nخبر كانَ ولو كان في غير القرآن جاز الرفع على إلغاء كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4194>[سورة النبإ (٧٨): آية ١٨]</span>\nيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا (١٨)\nيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ بدل. فَتَأْتُونَ أَفْواجًا على الحال، ويقال: فوج وفوجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4195>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا (٢٠)\nوَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا (١٩) في معناه قولان: قيل: معناه انشقّت فكانت طرقا، وقيل: تقطّعت فكانت قطعا كالأبواب ثم حذفت الكاف، كما تقول: رأيت فلانا أسدا أي كالأسد، وكذا وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا (٢٠) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4196>[سورة النبإ (٧٨): آية ٢١]</span>\nإِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١)\nأي ترصد من عصى الله سبحانه وترك طاعته. وقال الحسن: لا يدخل أحد الجنة حتى يرد النار ومرصاد في العربية من رصدت فأنا راصد ومرصاد على التكثير. وقال «كانت» ولم يقل مرصادة لأنه غير جار على الفعل فصار على النّسب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4197>[سورة النبإ (٧٨): آية ٢٢]</span>\nلِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢)\nأي مرجعهم إليها. وآب يؤوب رجع كما قال: [مخلّع البسيط] ٥٢٤-\nوكلّ ذي غيبة يئوب ... وغائب الموت لا يؤوب «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4198>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nلابِثِينَ فِيها أَحْقابًا (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا (٢٤)\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٣٧٩) .","vol":"5","page":81},{"text":"لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا (٢٣) هذه قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وأبي عمرو وعاصم والكسائي، وقرأ علقمة ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة «لبثين» «١» بغير ألف. وقد اعترض في هذه القراءة فقيل: هي لحن لا يجوز: هو حذر زيدا، وإن كان سيبويه قد أجازه وأنشد: [الكامل] ٥٢٥-\nحذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار «٢»\nوأنشد الفراء: [الكامل] ٥٢٦-\nأو مسحل عمل عضادة سمحج ... بسراته ندب لها وكلوم «٣»\nإلّا أن سيبويه أنشده «أو مسحل شنج»، وقال قوم: هو لحن لأنه إنما يقال:\nحذر، وكذا باب فعل لمن كان في خلقته الحذر، فأما اللّابث فليس من ذلك في شيء.\nقال أبو جعفر: أما القول الأول فغلط ولا يشبه هذا قولك: حذر زيدا لأن أحقابا ظرف وما لا يتعدّى يتعدى إلى الظرف، وأما الثاني فهو يلزم إلّا أنه يجوز على بعد.\nوالقراءة بلابثين بيّنة حسنة. فأما حجة من احتجّ بلبثين بما رواه شعبة عن أبي إسحاق قال: في قراءة عبد الله «لبثين» فلا حجة فيه لأن أبا إسحاق لم يلق عبد الله، ولو كان إسناده متصلا كانت فيه حجة، وهذه الأشياء تؤخذ من قراءة عبد الله بما لا تقوم به حجة من إسناد منقطع أو من صحف قد يكتب لابثين بغير ألف فيتوهّم قارئه أنه «لبثين» . وفي هذه الآية إشكال لقوله جلّ وعزّ: لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا وهم لا يخرجون منها. فمن أحسن ما قيل فيها أن قتادة قال: لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا لا انقطاع لها فعلى هذا التقدير يكون الجمع وحقبة حقب، وأحقاب جمع الجمع كما قال: [الطويل] ٥٢٧-\nوكنّا كندماني جذيمة حقبة ... من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا «٤»\nويجوز أن يكون أحقاب جمع حقب وقد ذكرنا ما قال أهل التفسير في معناه.\nفأما أهل اللغة فقولهم إن الحقب والحقبة يقعان للقليل من الدهر والكثير. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: سألنا أبا العباس محمد بن يزيد عن قول الله جلّ وعزّ: لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا فقال: ما معنى هذا التحديد؟ ونحن إذا حددنا الشيء فقلنا: أنا أقيم عندك يوما، كان في قوة الكلام أنك لا تقيم بعد اليوم ثم لم يجبنا عنها مذ نيف وثلاثون سنة ونظرت فيها فوقع لي أنه يعني به الموحدون العصاة ثم نظرت فإذا\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٧.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (١٢٠) .\n(٣) الشاهد للبيد في ديوانه ١٢٥، وخزانة الأدب ٨/ ١٦٩ وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٤، وشرح المفصل ٦/ ٧٢، ولسان العرب (عضد)، و(عمل)، والمقاصد النحوية ٣/ ٥١٣، وبلا نسبة في الكتاب ١/ ١٦٧.\n(٤) الشاهد لمتمم بن نويرة في ديوانه ١١١، وتاج العروس (حبر) و(صدع)، وديوان المفضليات ٥٣٥، والكامل (١٢٣٧) .","vol":"5","page":82},{"text":"بعده أنهم كانوا لا يرجون حسابا فعلمت أن ذلك ليس هو الجواب قال: فالجواب عندي أن المعنى لابثين في الأرض أحقابا، فعاد الضمير على الأرض لأنه قد تقدم ذكرها والضمير في لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا يعود على النار لأنه قد تقدّم أيضا ذكرها.\nقال: ولم أعرف لأبي العباس فيها جوابا. قال أبو جعفر: فسألت أبا إسحاق عنها فقال: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول: المعنى لابثين فيها أحقابا هذه صفتها أي يعذبون بهذا العذاب في هذه الأحقاب لا يذوقون فيها إلا الحميم والغسّاق ويعذبون بعد هذا العذاب بأصناف من العذاب غير هذا. وهذا جواب نظري بيّن، وهو قول ابن كيسان يكون «لا يذوقون» من نعت الأحقاب، واختلف العلماء في قوله جلّ وعزّ: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا فقيل أي لا يذوقون فيها بردا يبرد عنهم السعير، وقيل: نوما كما قال الشاعر: [الكامل] ٥٢٨-\nبردت مراشفها عليّ فصدّني ... عنها وعن قبلاتها البرد «١»\nأي النوم والنعاس وقد يكون البرد الهدو والثبات، كما قال الشاعر: [الرجز] ٥٢٩- اليوم يوم بارد سمومه «٢» وقد يكون البرد ما ليس فيه شدة كما روي «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» «٣» وهي التي ليس فيها حرّ السلاح. ويقال: بردت حرّه كما قال: [الطويل] ٥٣٠-\nوعطّل قلوصي في الرّكاب فإنّها ... ستبرد أكبادا وتبكي بواكيا «٤»\nوأصحّ هذا الأقوال القول الأول لأن البرد ليس باسم من أسماء النوم وإنما يحتال فيه فيقال للنوم: برد لأنه يهدي العطش، والواجب أن يحمل تفسير كتاب الله جلّ وعزّ على الظاهر والمعروف من المعاني إلّا أن يقع دليل على غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4199>[سورة النبإ (٧٨): آية ٢٥]</span>\nإِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)\nقال أبو رزين وإبراهيم: الغسّاق ما يسيل من صديد، وقال عبد الله بن بردة:\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في جمهرة اللغة ٢٩٥، والاشتقاق ص ٤٧٨ والأزمنة والأمكنة ٢/ ١٥، وهو في ديوان امرئ القيس ٢٣١.\n(٢) الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (برد) وتاج العروس (سمم)، وتهذيب اللغة ١٢/ ٣٢٠، وجمهرة اللغة ٢٩٤، مقاييس اللغة ١/ ٢٤٣، ومجمل اللغة ١/ ٢٦٠، المخصص ١٧/ ٢٣. وبعده:\n«من جزع اليوم فلا تلومه»\n(٣) انظر اللسان (برد) .\n(٤) الشاهد لمالك بن الريب في ديوانه ص ٤٧، ولسان العرب (برد)، والتنبيه والإيضاح ٢/ ٩، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ٢٩٥، ومقاييس اللغة ١/ ٢٤٢، ومجمل اللغة ١/ ٢٦٠، وأساس البلاغة (برد) و(قود) .","vol":"5","page":83},{"text":"الغساق المنتن، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: الغساق الزمهرير. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأنه يكون ما يسيل من جلودهم منتنا شديد البرد وسمعت علي بن سليمان يقول: غساق بالتشديد أولى، لأنه يقال: غسقت عينه أي دمعت، فغساق مثل سيّال تكثير غاسق، وقال غيره: من هذا قيل لليل: غاسق، لتغطيته وهجومه كما يهجم السيل، وقيل الحميم مستثنى من الشراب، والغسّاق مستثنى من البرد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4200>[سورة النبإ (٧٨): آية ٢٦]</span>\nجَزاءً وِفاقًا (٢٦)\nجَزاءً مصدر دلّ على فعله ما قبله. وِفاقًا من نعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4201>[سورة النبإ (٧٨): آية ٢٧]</span>\nإِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا (٢٧)\nقيل: يرجون بمعنى يخافون لأن من رجا شيئا يلحقه خوف من فواته فغلب إحدى الخيفتين كما قال: [الطويل] ٥٣١-\nإذا لسعته النّحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل «١»\nوقيل: الرجاء هاهنا على بابه أي لا يرجون ثواب الحساب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4202>[سورة النبإ (٧٨): آية ٢٨]</span>\nوَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا (٢٨)\nمصدر، وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا «٢» بتخفيف الأول والثاني، وهي رواية شاذّة ولكنه قد صحّ عن الكسائي أنه قرأ الثانية بالتخفيف كما قال: [مجزوء الكامل] ٥٣٢-\nفصدقتهم وكذّبتهم ... والمرء ينفعه كذابه «٣»\nوكذّاب التشديد على قول بعض الكوفيين لغة يمنية وهذا ما لا يحصل منه كثير فائدة ولكن قول سيبويه «٤» أنه مصدر كذّب على الحقيقة وأن كان الكلام يكذّب تكذيبا كثيرا. وفيه من النحو ما يدق من المجيء بهذه التاء في تكذيب وليس لها في الفعل أصل ويقال: ما الدليل على أن الأصل كذّاب؟ ونحن نشرحه على مذهب سيبويه إن شاء الله. سبيل الفعل إذا كان رباعيا أن يزاد على ماضيه ألف في المصدر فتقول: أكرم\n_________\n(١) الشاهد لأبي ذؤيب الهذليّ في ديوان الهذليين ١/ ١٤٣، وشرح أشعار الهذليين ١/ ١٤٤، واللسان (رجا) .\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٢٩.\n(٣) الشاهد للأعشى في شرح شواهد الإيضاح ٦٠٦، ولسان العرب (صدق)، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في شرح المفصل ٦/ ٤٤.\n(٤) انظر الكتاب ٤/ ١٩٣. [.....]","vol":"5","page":84},{"text":"إكراما وانطلق انطلاقا فهذا قياس مستتب وكذا كذّب كذّابا وتكلم كلاما ثم إنهم قالوا كذب تكذيبا فقال سيبويه: أبدلوا من العين الزائدة تاء وقلبوا الألف ياء فغيّروا أوله كما غيّروا آخره. قال أبو جعفر: فأما تكلّم تكلما فجاؤوا بالماضي ولم يزيدوا ألفا لكثرة حروفه وضموا اللام قال سيبويه: لأنه ليس في الأسماء تفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4203>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nوَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذابًا (٣٠)\nوَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ نصب كلّ بإضمار فعل ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل كما قال «١»: [مخلع البسيط] ٥٣٣-\nأصبحت لا أحمل السّلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا\nوالذّئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرّياح والمطرا\nويجوز الرفع بالابتداء والكوفيون يقولون: بالعائد عليه. كِتابًا مصدر فمن النحويين من يقول: العامل فيه مضمر أي كتبناه كتابا أي كتبنا عدده ومبلغه ومقداره فلا يغيب عنا منه شيء كتابا. وقيل: العامل فيه «أحصيناه» لأن أحصيناه وكتبناه واحد. قال الحسن: سألت أبا بردة عن أشد آية في القرآن على أهل النار فقال: تلا رسول الله فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا (٣٠) فقال: أهلك القوم بمعصيتهم لله جلّ وعزّ، وقال عبد الله ابن عمر: ولم ينزل على أهل النار أشدّ من قوله: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا (٣٠) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4204>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا (٣١) حَدائِقَ وَأَعْنابًا (٣٢)\nحَدائِقَ بدل من «مفاز» والمفاز الظفر بما يحبّه الإنسان. قال ابن عباس:\nالحدائق الشجر الملتفّ، وقال الضحاك: الذي عليه الحيطان. قال أبو جعفر: وكذلك هو في اللغة وقد حدق بالقوم كما قال: [الخفيف] ٥٣٤- وقد حدقت بي المنيّة «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4205>[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٣]</span>\nوَكَواعِبَ أَتْرابًا (٣٣)\nمعطوف الواحدة كاعب وكواعب للجمع والمؤنث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4206>[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٤]</span>\nوَكَأْسًا دِهاقًا (٣٤)\nأي ممتلئة. مشتقّ من دهقه إذا تابع عليه الشدّة.\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (١١٣) .\n(٢) الشاهد مقطع من بيت للأخطل التغلبي في ديوانه ٨٣، واللسان (حدق)، وتمامه:\n«المنعمون بنو حرب وقد حدقت ... بي المنيّة واستبطأت أنصاري»","vol":"5","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4207>[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٥]</span>\nلا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (٣٥)\nوقرأ الكسائي «كذابا» «١» وهي خارجة من قراءة الجماعة يجوز أن يكون مصدرا من كاذب كذابا ويجوز أن يكون مصدرا من كذب كما تقول: صام صياما، وهذا أشبه أي لا يسمعون فيها باطلا يلغى ولا كذبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4208>[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٦]</span>\nجَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا (٣٦)\nجَزاءً مصدر، وكذا عَطاءً حِسابًا من نعته أي عطاء كافيا كما قال:\n[الطويل] ٥٣٥-\nونغني وليد الحيّ إن كان جائعا ... ونحسبه إن كان ليس بجائع «٢»\nوقال مجاهد: حسابا بأعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4209>[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٧]</span>\nرَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا (٣٧)\n«٣» قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وأبي عمرو، وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق، وعاصم بخفضهما جميعا، وقرأ ابن محيصن ويحيى بن وثاب وحمزة بخفض الأول ورفع الثاني، وهو اختيار أبي عبيد لقرب الأول وبعد الثاني، وخالفه قوم من النحويين قالوا ليس بعده مما يوجب الرفع لأنه لم يفرق بينهما ما يوجب هذا فرفعهما جميعا على أن يكون الأول مرفوعا بالابتداء والثاني نعت له والخبر لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا، ويجوز أن يكون الأول مرفوعا بإضمار هو، ومن خفض الاثنين جعلهما نعتا أو بدلا من الاسم المخفوض، ومن خفض الأول ورفع الثاني جعل الثاني مبتدأ أو أضمر مبتدأ.\nيَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا (٣٨) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الروح ملك عظيم الخلق، وروى عنه غيره قال: الروح أرواح الناس تقوم مع الملائكة في ما بين النفختين من قبل أن ترد إلى الأبدان. وقال الشعبي والضحاك: الروح جبرائيل ﷺ، وقال الحسن وقتادة: الروح بنو آدم، وقال ابن زيد: الروح القرآن، وقال مجاهد: الروح على صور بني آدم وليسوا منهم. قال أبو جعفر: لا دليل فعلمه يدلّ على أصحّ هذه الأقوال يكون\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٨، والبحر المحيط ٨/ ٤٠٦.\n(٢) الشاهد لامرأة من بني قشير في التنبيه والإيضاح ١/ ٦٣، ومقاييس اللغة ٢/ ٦٠، وتاج العروس (حسب) ولسان العرب (حسب)، وبلا نسبة في لسان العرب (قفا)، ومجمل اللغة ٢/ ٦٤، والمخصص ١٤/ ٥٧، وأساس البلاغة (قفو) وتاج العروس (قفا) .\n(٣) انظر تيسير الداني ١٧٨.","vol":"5","page":86},{"text":"قاطعا من توقيف من الرسول أو دلالة بينة، وهو شيء لا يضرّ الجهل به ولو قال قائل:\nهذه الأشياء التي ذكرها العلماء ليست بمتناقضة ويجوز أن يكون هذا كلها لها لما عنّف. وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا نصب على الحال، وكذا لا يَتَكَلَّمُونَ في موضع نصب.\nإِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ يكون «من» في موضع رفع على البدل من الواو، وفي موضع نصب على الاستثناء أي إلا من أذن له الرّحمن في الكلام وَقالَ صَوابًا من الحق وتأوّل عكرمة المعنى على غير هذا. قال أبو جعفر: وقال صوابا في الدنيا أي قال: لا إله إلا الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4210>[سورة النبإ (٧٨): آية ٣٩]</span>\nذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)\nذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ نعت لليوم أي ذو الحقّ. فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا أي نجاء مآب أي عملا صالحا في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4211>[سورة النبإ (٧٨): آية ٤٠]</span>\nإِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا (٤٠)\nَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا\nنعت لعذاب أو لظرف أي وقتا قريباوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ\nالجملة في موضع خفض أي يوم نظره يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا\nخبر كنت، وأجاز بعض النحويين: ليتني قائما. قال: لأن «كان» تنثر بعد ليت فحذفت.","vol":"5","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4212>٧٩ شرح إعراب سورة النازعات</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4213>[سورة النازعات (٧٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالنَّازِعاتِ غَرْقًا (١)\nوَالنَّازِعاتِ خفض بواو القسم، وقيل التقدير وربّ النازعات، وروى شعبة عن سليمان عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله و«النازعات» قال: الملائكة وروى شعبة عن السّدّي عن أبي صالح عن ابن عباس والنَّازِعاتِ قال: ينزع نفسه فصار التقدير والملائكة النازعات غَرْقًا مصدر. قال سعيد بن جبير: تنزع نفوسهم ثم تغرق ثم تحرق ثم يلقى بها في النار. والتقدير ورب النازعات والمعنى: فتغرق النفوس فتغرق غرقا، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا [نوح: ١٧] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4214>[سورة النازعات (٧٩): آية ٢]</span>\nوَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا (٢)\nوَالنَّاشِطاتِ معطوف على النازعات أي الجاذبات الأرواح بسرعة يقال: نشطه إذا جذبه بسرعة إلا أن الفراء «١» حكى نشطه إذا ربطه، وأنشطه حلّه وحكي عن العرب:\nكأنما أنشط من عقال وخولف في هذا واستشهد مخالفه بقوله: [الرجز] ٥٣٦- أضحت همومي تنشط المناشطا «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4215>[سورة النازعات (٧٩): آية ٣]</span>\nوَالسَّابِحاتِ سَبْحًا (٣)\nمعطوف أي: والملائكة السابحات أي السريعات، وقال عطاء: السَّابِحاتِ السفن سَبْحًا مصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4216>[سورة النازعات (٧٩): آية ٤]</span>\nفَالسَّابِقاتِ سَبْقًا (٤)\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٣٠.\n(٢) الشاهد لهيمان بن قحافة في تفسير الطبري ٣٠/ ٢٩، واللسان (نشط)، وتمامه:\n«أمست همومي تنشط المناشطا ... الشام بي طورا وطورا واسطا»","vol":"5","page":88},{"text":"فَالسَّابِقاتِ معطوف أي: والملائكة السابقات الشياطين بالوحي، وقال عطاء:\nالسابقات الخيل سَبْقًا مصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4217>[سورة النازعات (٧٩): آية ٥]</span>\nفَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا (٥)\nفَالْمُدَبِّراتِ عطف أي والملائكة. قال: ولا اختلاف بين أهل العلم في هذا أنه يراد به الملائكة وهو مجاز لأن الله جلّ وعزّ هو المدبر الأشياء. قال: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ [السجدة: ٥] فلما كانت الملائكة صلوات الله عليهم ينزلون بالوحي والأحكام وتصريف الأمطار قيل لهم مدبرات على المجاز. قال الفراء «١»: كما قال فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ [البقرة: ٩٧] فنسب التنزيل إلى جبرائيل ﵇ والله الذي نزله، وكذا نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣] . أَمْرًا منصوب على المصدر، ويجوز أن يكون التقدير فالمدبّرات بأمر من الله حذفت الباء فتعدى الفعل، وأنشد سيبويه: [البسيط] ٥٣٧-\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب «٢»\nفأما جواب القسم ففيه أربعة أقوال أصحها وأحسنها أنه محذوف دلّ عليه دلالة واضحة، والمعنى والنازعات لتبعثنّ فقالوا: أنبعث إذا كنا عظاما نخرة فقولهم: أَإِذا كُنَّا يدلّ على ذلك المحذوف، وقيل: الجواب إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) وهذا بعيد لأنه قد تباعد ما بينهما، وقيل حذفت اللام فقط. والتقدير: ليوم ترجف الراجفة وهذا أيضا أبعد من ذاك لأن اللام ليست مما يحذف لأنها تقع على أكثر الأشياء فلا يعلم من أين حذفت ولو جاز حذفها لجاز والله زيد منطلق، بمعنى اللام. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس الرَّاجِفَةُ النفخة الأولى، والرَّادِفَةُ الثانية روى أبو هريرة عن النبي ﷺ بينهما أربعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4218>[سورة النازعات (٧٩): آية ٨]</span>\nقُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨)\nمبتدأ وخبر. قال عطاء: واجفة متحركة، وقال غيره: خائفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4219>[سورة النازعات (٧٩): آية ٩]</span>\nأَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩)\nمبتدأ وخبره أنهم أذلاء لفضيحتهم يوم القيامة من معاصيهم وتم الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4220>[سورة النازعات (٧٩): آية ١٠]</span>\nيَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠)\nيَقُولُونَ أي في الدنيا. أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ روى ابن أبي طلحة عن ابن\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٣٠.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٥١) .","vol":"5","page":89},{"text":"عباس فِي الْحافِرَةِ قال: يقول في الحياة، وقال ابن زيد: في النار، وقال مجاهد:\nفي الأرض والتقدير على قول مجاهد في الأرض المحفورة أي في القبر مثل مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦] أي مدفوق، وحقيقته في العربية من ماء ذي دفق وعلى قول ابن عباس فِي الْحافِرَةِ نحيا كما حيينا أو لا مرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4221>[سورة النازعات (٧٩): آية ١١]</span>\nأَإِذا كُنَّا عِظامًا نَخِرَةً (١١)\nصحيحة عن ابن عباس رواها ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس وصحيحة عن ابن الزبير ومروية عن عمر، وابن مسعود، فهؤلاء أربعة من الصحابة وهي مع هذا قراءة ابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي. وهي أشبه برءوس الآيات التي قبلها وبعدها. وقراءة نَخِرَةً «١» أهل الحرمين والحسن وأبو عمرو فالقراءتان حسنتان لأن الجماعة نقلتهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4222>[سورة النازعات (٧٩): آية ١٢]</span>\nقالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢)\nقيل: المعنى رجعة وردة وجعلوها خاسرة لأنهم وعدوا فيها بالنار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4223>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nفَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)\nفَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) قال سفيان: الساهرة أرض بالشام، وقال سعيد عن قتادة:\nالساهرة جهنم، قال أبو جعفر: والساهرة في كلام العرب الأرض الواسعة المخوفة التي يسهر فيها للخوف، وزعم أبو حاتم: أن التقدير فإذا هم بالسّاهرة والنّازعات. وهذا غلط بيّن، لأن الفاء لا يبتدأ بها والنازعات أول السورة وهذا القول الرابع في جواب القسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4224>[سورة النازعات (٧٩): آية ١٥]</span>\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥)\nتكون هَلْ بمعنى «قد» وقد حكى ذلك أهل اللغة وقد تكون على بابها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4225>[سورة النازعات (٧٩): آية ١٦]</span>\nإِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦)\nطُوىً بالتنوين وضم الطاء قراءة ابن عامر والكسائي، وقراءة أهل المدينة وأبي عمرو بغير تنوين وبضم الطاء، وقراءة الحسن طُوىً «٢» بكسر الطاء والتنوين ومعناه عنده بالوادي الذي قدّس مرتين ونودي فيه. والقراءة بضم الطاء والتنوين على أنه اسم للوادي وليس بمعدول إنما هو مثل قولك: حطم فلذلك صرف، ومن لم يصرفه جعله كعمر معدولا إلا أن الفراء «٣» ينكر ذلك لأنه زعم أنه لا يعرف في كلام العرب اسما من\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٨.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٢٢، والبحر المحيط ٨/ ٤١٣.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٣٣.","vol":"5","page":90},{"text":"ذوات الياء والواو معدولا من فاعل إلى فعل. قال أبو جعفر: يجوز أن يكون ترك الصرف على أنه اسم للبقعة فيكون على غير ما تأول، وقد قرأ به غير منوّن من تقوم الحجة بقوله.\nاذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) من قال في المستقبل: يطغى قال: طغيت وهو الطغيان ومن قال: يطغو قال: طغوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4226>[سورة النازعات (٧٩): آية ١٨]</span>\nفَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨)\nقراءة أهل المدينة وقراءة أبي عمرو تَزَكَّى «١» بتخفيف الزاي، والمعنى والتقدير في العربية واحد. لأن أصل تزكى تتزكى فحذفت التاء. ومن قال: تزّكّى أدغمها. ولا يعرف التفريق بينهما. قال ابن زيد: «تزكّى» تسلم، قال: وكلّ تزكية في القرآن إسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4227>[سورة النازعات (٧٩): آية ١٩]</span>\nوَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)\nوَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ عطف وكذا فَتَخْشى أي فتخشى عقابه بترك معاصيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4228>[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٠]</span>\nفَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠)\nمما لا يجوز حذف الألف واللام منه ولا يؤتى به نكرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4229>[سورة النازعات (٧٩): آية ٢١]</span>\nفَكَذَّبَ وَعَصى (٢١)\nمعنى الفاء أنها تدلّ على أن الثاني بعد الأول. والواو للاجتماع. هذا أصلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4230>[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٢]</span>\nثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢)\nفي موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4231>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nفَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤)\nفَحَشَرَ وحذف المفعول أي وحشر قومه ما قال ابن زيد: جمع قومه فَنادى فيهم فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4232>[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٥]</span>\nفَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥)\nقال الفراء: أي فأخذه الله أخذا نكالا للآخرة والأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4233>[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٦]</span>\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦)\nأي يخشى عقاب الله كما نزل بغيره لما عصى؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4234>[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٧]</span>\nأَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧)\nأَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ أي لم تنكرون البعث وخلق السماء أشد من بعثكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4235>[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٨]</span>\nرَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨)\nأي سقفا للأرض.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٨، والبحر المحيط ٨/ ٤١٣.","vol":"5","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4236>[سورة النازعات (٧٩): آية ٢٩]</span>\nوَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩)\nوَأَغْطَشَ لَيْلَها إضافة مجاز لأن معنى اللّيل ذهاب الشمس فلمّا كانت تغيب في السماء قيل ليلها كما يقال: سرج الدّابة، وكذا وَأَخْرَجَ ضُحاها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4237>[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٠]</span>\nوَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠)\nوَالْأَرْضَ منصوب بإضمار فعل أي ودحا الأرض، وزعم الفراء «١»: أن النصب والرفع جائزان وأنه مثل وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [يس: ٣٩] يعني في الرفع والنصب.\nقال أبو جعفر: بينهما فرق. لأن قوله: الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ الرفع فيه حسن لأن تقديره وآية لهم القمر. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) الرفع فيها بعد لأن قبلها ما عمل فيه الفعل ولا يتعلق بشيء مرفوع فهذا فرق بيّن ولا نعلم أحدا قرأ «والأرض» بالرفع «والقمر» بالرفع قرأ به الأئمة. وفي الآية إشكال لأنه قال تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصّلت: ٩] وبعده ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فدلّ على خلق السماء كان بعد خلق الأرض وهاهنا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) فمن أصحّ ما قيل في هذا وأحسنه ما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: خلق الله جلّ وعزّ الأرض قبل السماء فقدّر فيها أقواتها، ولم يدحها، ثم خلق السماء ثم دحا الأرض بعدها، وقال مجاهد والسديّ: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أي مع ذلك دحاها، كما قال جلّ وعزّ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [القلم: ١٣] قال أبو جعفر: القول الأول أولى أن يكون الشيء على بابه. ومعنى الدّحو في اللغة البسط، يقال: دحوت أدحو ودحيت أدحي ومن الثاني سمي دحية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4238>[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٢]</span>\nوَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢)\nعلى إضمار فعل أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4239>[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٣]</span>\nمَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣)\nقال الفراء «٢» أي خلق ذلك منفعة لكم ومتعة قال: ويجوز الرفع مثل مَتاعٌ قَلِيلٌ [آل عمران: ١٩٧] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4240>[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٤]</span>\nفَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: القيامة عظم الله أمرها وحذّر منه. قال أبو جعفر: العرب إذا عظّمت الشيء وصفته بالطامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4241>[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٥]</span>\nيَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥)\nأي إذا قرأ كتابه ورأى محلّه تذكّر عمله.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٣٣. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٢٣.","vol":"5","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4242>[سورة النازعات (٧٩): آية ٣٦]</span>\nوَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦)\nأنّث الجحيم لمعنى النار، وهو نعت لها هاهنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4243>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٧ الى ٣٩]</span>\nفَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩)\nمَنْ في موضع رفع بالابتداء وخبره فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) والتقدير عند الكوفيين فهي مأواه، والألف بدل من الضمير والتقدير عند البصريين هي المأوى له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4244>[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٠]</span>\nوَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠)\nوَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ أي مقام الحساب على معاصيه. وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى وهو الميل إلى ما لا يحسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4245>[سورة النازعات (٧٩): آية ٤١]</span>\nفَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١)\nكالذي تقدّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4246>[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٢]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢)\nقال الفراء «١»: يقال إنما الإرساء للسفينة والجبال وما أشبههن فكيف وصفت الساعة بالإرساء؟ فالجواب أنها كالسفينة إذا جرت ثم رست ورسوها قيامها وليس كقيام القائم على رجله ونحوه ولكن كما تقول: قام العدل، وقام الحقّ أي ظهر وثبت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4247>[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٣]</span>\nفِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣)\nأي ليس إليك ذكرها لأنك لم تعرف وقتها. والأصل «في ما» حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر فإنّ قبل ما حرفا خافضا، والوقوف عليه فيمه لا يجوز غيره لئلا تذهب الألف وحركة الميم، والصواب أن لا يوقف عليه لئلا يخالف السواد في زيادة الهاء أو يلحن إن وقف عليه بغير الهاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4248>[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٤]</span>\nإِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤)\nفي موضع رفع بالابتداء أي منتهى علمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4249>[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٥]</span>\nإِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥)\nوقرأ أبو جعفر وابن محيصن وطلحة مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها «٢» بالتنوين وهو الأصل وإنما يحذف تخفيفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4250>[سورة النازعات (٧٩): آية ٤٦]</span>\nكَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)\nأي زال عنهم ما كانوا فيه فلم يفكروا في ما مضى وقلّ عندهم، وكان في هذا معنى التنبيه لمن اغتر بالدنيا وسلامته فيها في أنه سيتركها عن قليل ويذهب عنه ما كان يجد فيها من اللّذة والسرور فكأنه لم يلبث فيها إلا عشيّة أو ضحاها.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٣٤.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٤١٦.","vol":"5","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4251>٨٠ شرح إعراب سورة عبس</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4252>[سورة عبس (٨٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nعَبَسَ وَتَوَلَّى (١)\nويقال في التكثير: عبّس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4253>[سورة عبس (٨٠): آية ٢]</span>\nأَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢)\nأَنْ في موضع نصب أي لأن، ومن النحويين من يقول:\nموضعها خفض على إضمار اللام، ومنهم من يقول: «أن» بمعنى «إذ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4254>[سورة عبس (٨٠): آية ٣]</span>\nوَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)\nوالأصل يتزكّى أدغمت التاء في الزاي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4255>[سورة عبس (٨٠): آية ٤]</span>\nأَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)\nالأصل يتذكر أدغمت التاء في الذال لقربها منها فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى وزعم الفراء «١» أنه يجوز النصب ولم يقرأ به. قال أبو جعفر: الرواية معروفة عن عاصم أنه قرأ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى «٢» بالنصب، والكوفيون يقولون: هو جواب لعلّ ولا يعرف البصريون جواب لعلّ بالنصب، وقد حكوا هم والكوفيون وإيجاب النصب وهو الأمر والنهي والنفي والتمني والاستفهام، وزاد الكوفيون الدعاء، ولم يذكروا جواب لعل مع هذه الأجوبة. وسألت عنها أبا الحسن علي بن سليمان فقال: ما أعرف للنصب وجها وإن كان عاصم مع جلالته قد قرأ به إلا أن «أو» يجوز أن تنصب ما بعدها كما قال: [الطويل] ٥٣٨-\nفقلت له لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا «٣»\nفقد يجوز أن يعطفه على ما ينتصب بعد «أو» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4256>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nأَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)\nفَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى قراءة المدنيين، والأصل تتصدّى ثم أدغم، وقراءة الكوفيين وأبي عمرو تَصَدَّى «٤» بحذف التاء لئلا يجمع بين تاءين.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٣٥.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٧٨.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (١٤٨) .\n(٤) انظر البحر المحيط ٨/ ٤١٩، وتيسير الداني ١٧٨.","vol":"5","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4257>[سورة عبس (٨٠): آية ٧]</span>\nوَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧)\nوالأصل يتزكّى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4258>[سورة عبس (٨٠): آية ٨]</span>\nوَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨)\nفي موضع نصب على الحال وكذا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4259>[سورة عبس (٨٠): آية ٩]</span>\nوَهُوَ يَخْشى (٩)\nويجوز أن تكون الجملة خبرا آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4260>[سورة عبس (٨٠): آية ١٠]</span>\nفَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)\nوالأصل تتلهّى أي تتشاغل وفعل هذا ﷺ طلبا منه لإسلام المشرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4261>[سورة عبس (٨٠): آية ١١]</span>\nكَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١)\nخبر «إنّ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4262>[سورة عبس (٨٠): آية ١٢]</span>\nفَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢)\nلأنه تأنيث غير حقيقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4263>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٣ الى ١٥]</span>\nفِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)\nقيل: يعني به اللوح المحفوظ. هذا على تفسير ابن عباس لأن سعيد بن جبير روي عنه في معنى بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) أنهم الملائكة. وروى عنه علي بن أبي طلحة أنهم الكتبة، وقال قتادة: هم القراء. والصحيح القول الأول، ومعروف في كلام العرب أنه يقال: سفر الرجل بين القوم إذا ترسّل بينهم بالصلح. والملائكة سفرة لأنهم رسل الله تعالى إلى أنبيائه صلوات الله عليهم، وهم أيضا كتبة يكتبون أفعال العباد. فهذا كله غير متناقض إلّا أن وهب بن منبّه قال: السّفرة الكرام البررة أصحاب محمد ﷺ. وبررة جمع بار، وأبرار جمع بر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4264>[سورة عبس (٨٠): آية ١٧]</span>\nقُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧)\nقال مجاهد: إذا قال الله تعالى: قتل الإنسان أو فعل به فهو الكافر. ومعنى قتل أهلك لأن المقتول مهلك، وقيل: قتل لعن ما أكفره الأولى أن تكون «ما» استفهاما أي ما الذي أكفره مع ظهور آيات الله جلّ وعزّ وانعامه عليه، وقيل هو تعجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4265>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٨ الى ٢٠]</span>\nمِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠)\nمِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ أي وإنما خلق من قذر، وإنما ينبل بطاعة الله. وأولى ما قيل في معنى ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) قول عبد الله بن الزبير ﵀ أنّه يسّره أي سهل عليه حتى خرج من الرحم، والتقدير في العربية: ثم للسبيل وحذف اللام لأنه ممّا يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4266>[سورة عبس (٨٠): آية ٢١]</span>\nثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)\nأي صيّره ذا قبر أي أن نقبر، وأما الدافن فيقال له: قابر كما قال: [السريع]","vol":"5","page":95},{"text":"٥٣٩-\nلو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم يتنقل إلى قابر»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4267>[سورة عبس (٨٠): آية ٢٢]</span>\nثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)\nأي أحياه، والتقدير: إذا شاء أنشره. يقال أنشره الله فنشر فهو منشر وناشر كما قال: [السريع] ٥٤٠-\nحتّى يقول النّاس ممّا رأوا ... يا عجبا للميّت النّاشر «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4268>[سورة عبس (٨٠): آية ٢٣]</span>\nكَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣)\nمن النحويين من يجعل «كلّا» تماما في جميع القرآن أي كلا ليس الأمر كما يقول الكافر قد قضيت ما عليّ، ومن النحويين من يجعلها في جميع القرآن مبتدأة، ومنهم من يفصلها وهذا يمرّ في التمام مشروحا إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4269>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٤ الى ٢٦]</span>\nفَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)\nتمام على قراءة المدنيين وأبي عمرو وعلى قراءة الكوفيين ليس بتمام لأنهم يقرءون أَنَّا «٣» بمعنى لأنّا، ولا يجوز أن يكون بدلا من طعام على ما تأوّله أبو عبيد لأن وجوه البدل قد بينها النحويون ولا يدخل فيها هذا.\nومعنى صَبًّا وشَقًّا التوكيد، وكذا هذه المصادر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4270>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٧ الى ٣١]</span>\nفَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)\nوعن ابن عباس أنه قال بين يدي عمر: نبات الأرض السبعة فقال له ما أفهم ما تقول، فقال فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْبًا (٣٠) أي ملتفة وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) أي مرعى الأنعام. قال عمر: هكذا فتكلّموا كما تكلّم هذا الفتى وروى عنه ابن أبي طلحة الأب ما لأن من الثمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4271>[سورة عبس (٨٠): آية ٣٢]</span>\nمَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)\nنصب على المصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4272>[سورة عبس (٨٠): آية ٣٣]</span>\nفَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال القيامة، وقال عكرمة النفخة الأولى، وقال الحسن: يصيخ لها كلّ شيء أي يصمت لها كلّ شيء.\n_________\n(١) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٨٩، ومقاييس اللغة ٥/ ٤٧ والبحر المحيط ٨/ ٤٢٠، وتفسير الطبري ٣٠/ ٥٦، والخزانة ٢/ ١١٠.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٥٨) .\n(٣) انظر تيسير الداني ١٧٨.","vol":"5","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4273>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٤ الى ٣٦]</span>\nيَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)\nقيل: يفرون لما بينهم من المطالبة فيخافون ذلك، وقيل: يفرّون لأن بعضهم يستحي من بعض فيكره أن يرى ما ينزل به من الفضيحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4274>[سورة عبس (٨٠): آية ٣٧]</span>\nلِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)\nأي يشغله عن غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4275>[سورة عبس (٨٠): آية ٣٨]</span>\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ رفع بالابتداء وإن كان نكرة للفائدة التي فيه، والخبر مُسْفِرَةٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4276>[سورة عبس (٨٠): آية ٣٩]</span>\nضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)\nنعت. قال ابن زيد: القترة «١» ما علا من الغبار، ويروى أنه إذا قيل للبهائم: كوني ترابا صار ذلك التراب غبرة في وجوه الكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4277>[سورة عبس (٨٠): آية ٤٢]</span>\nأُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)\nتكون هم فاصلة أو مبتدأة والْفَجَرَةُ خبر والجملة خبر أولئك.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٢١ (قرأ الجمهور «قترة» بفتح التاء وابن أبي عبلة بإسكانها) .","vol":"5","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4278>٨١ شرح إعراب سورة إذا الشمس كورت (التكوير)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4279>[سورة التكوير (٨١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)\nرفعت الشّمس بإضمار فعل مثل الثاني لأن إِذَا بمنزلة حروف المجازاة لا يليها إلا الفعل مظهرا أو مضمرا. وعن أبيّ بن كعب كُوِّرَتْ ذهب ضوءها، وعن ابن عباس أظلمت. قال أبو جعفر: يقال: كوّر الشيء وكبّر الشيء إذا لفّ ورمي به، وفي الحديث «نعوذ بك من الحور بعد الكون» «١» أي من الرجوع بعد أن كان أمرنا ملتئما، ويروى «بعد الكور» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4280>[سورة التكوير (٨١): آية ٢]</span>\nوَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)\nرفعت النجوم بإضمار فعل أيضا. قال أبيّ: انْكَدَرَتْ تناثرت، وقال ابن عباس: بعثرت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4281>[سورة التكوير (٨١): آية ٣]</span>\nوَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣)\nبإضمار فعل أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4282>[سورة التكوير (٨١): آية ٤]</span>\nوَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)\n«٢» عُطِّلَتْ قال: أي أهملت. قال الأصمعي: العشراء النّاقة إذا أتى عليها من حملها عشرة أشهر، وقال أبو عبيدة: الناقة إذا أتى عليها من حملها ستة أشهر إلى أن تضع وبعد ذلك وهم يتفقدونها وتعزّ عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4283>[سورة التكوير (٨١): آية ٥]</span>\nوَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)\nفيه قولان: أحدهما حشرت يوم القيامة ليعوّضها الله مما لحقها من الألم في الدنيا وقال قتادة: حشرت جمعت.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة في سننه الباب ٢٠ الحديث رقم (٣٨٨٨)، والدارمي في سننه ٢/ ٨٧، والترمذي، الدعاء ١/ ٥٢٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٢٣ (قرأ الجمهور بتشديد الطاء، ومضر عن اليزيدي بتخفيفها) .","vol":"5","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4284>[سورة التكوير (٨١): آية ٦]</span>\nوَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦)\nوقرأ أبو عمرو سُجِّرَتْ «١» مخففا واحتجّ بالبحر المسجور وخالفه جماعة من أهل العلم من أهل اللغة قالوا: البحر المسجور واحد، والبحار جمع الجمع أولى بالتكثير والتشديد قالوا: والبحر المسجور بحر هذه صفته، وليس هذا مثل وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا معناه ومعروف في اللغة أن يقال: سجرت الشيء ملأته كما قال: [الكامل] ٥٤١-\nفتوسّطا عرض السّريّ وصدّعا ... مسجورة متجاورا قلّامها «٢»\nوقال: [المتقارب] ٥٤٢-\nإذا شاء طالع مسجورة ... يرى حولها النّبع والسّاسما «٣»\nأي مملوءة، وقيل: هذه بحار في جهنم إذا كان يوم القيامة. سجّرت أي ملئت بأنواع العذاب إلّا أن أبا العالية قال: إذا الشمس كوّرت إلى ستّ منها يراها الناس قبل أن تقوم القيامة وستّ في الآخرة بعد قيام القيامة، قال: وحدثني أبيّ بن كعب قال:\nبينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينا هم على ذلك تناثرت النجوم، وبيناهم على ذلك إذ وقعت الجبال وتزلزلت الأرض وهربت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن وعطلت العشار أي أهملها أهلها، واختلطت الوحوش بالناس فذلك حشرها، وقالت الجن للإنس نحن نعرف لكم الخبر فمضوا إلى البحار فوجدوها قد سعّرت نيرانا ثم تصدّعت الأرض إلى الأرض السفلى إلى السماء العليا ثم أرسلت عليهم الريح فأماتتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4285>[سورة التكوير (٨١): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨)\nأي قرّبت الصالح مع الصالح هذا معنى قول عمر بن الخطاب ﵁ وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) يقال: وأدها يئدها وأدا فهو وائد وهي موءودة إذا دفنها حية وألقى عليها التراب. واشتقاقه من وأده إذا أثقله قال هارون القارئ في حرف أبيّ وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ «٤» قال أبو عبيد: هذا أبين معنى. قال أبو جعفر: خولف في هذا\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٩. [.....]\n(٢) الشاهد للبيد في ديوانه ٣٠٧، ولسان العرب (سجر) و(عرض) و(صدع)، و(قلم)، وتهذيب اللغة ٩/ ١٨١، وجمهرة اللغة ٧٤٧، وتاج العروس (عرض) و(صدع)، وكتاب العين ١/ ٢٧٦، ومقاييس اللغة ٤/ ٢٧٥، ومجمل اللغة ٣/ ٤٧٠، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٤٥٧.\n(٣) الشاهد للنمر بن تولب في ديوانه ٣٨٠، ولسان العرب (سمسم)، وتاج العروس (سمسم) وبلا نسبة في جهرة اللغة ٤٥٧، والمخصّص ١٠/ ٣٧.\n(٤) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٢٤، ومعاني الفراء ٣/ ٢٤٠.","vol":"5","page":99},{"text":"لأنها قراءة شاذّة مخالفة للمصحف مشكلة. لأنه يجوز أن يكون التقدير سألت ربها جلّ وعزّ، وسألت قاتلها. فهذا معنى مستغلق فكيف يكون بيّنا وفي معنى سئلت قولان:\nأحدهما أن المعنى طلب منها من قتلها توبيخا له فقيل لها: من قتلك؟ والمعنى الآخر أنها سئلت فقيل لها لم قتلت بغير ذنب توبيخا لقاتلها؟ كما يقال لعيسى ﷺ: أأنت قلت للناس اتّخذوني وأمي إلهين من دون الله. وزعم الفراء «١» أن مثل هذا قوله: [الكامل] ٥٤٣-\nالشّاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم القهما دمي «٢»\nليس المعنى أنهما إذا لقياه فعلا هذا، وإنما المعنى والنادرين يقولان إذا لقيناه قتلناه، وصحّ عن ابن عباس أنه استدلّ بهذه الآية على أن الأطفال كلّهم في الجنة قال:\nلأن الله جلّ وعزّ قد انتصر لهم ممن ظلمهم. قال ﷺ: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4286>[سورة التكوير (٨١): آية ١٠]</span>\nوَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)\nكذا قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم «٣»، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي نُشِرَتْ والحجة لهم صُحُفًا مُنَشَّرَةً [المدثر: ٥٢] وهذا ليس من الحجج الموجبة لترك ما قرأ به من تقوم بقراءته الحجّة لأن نشرت يقع للقليل والكثير عند النحويين والقراءتان صحيحتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4287>[سورة التكوير (٨١): آية ١١]</span>\nوَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١)\nوقال الفراء: نزعت وطويت قال: وكذا قشطت كما تقول: كافور وقافور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4288>[سورة التكوير (٨١): آية ١٢]</span>\nوَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)\nقراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وقراءة أبي عمرو والكوفيين سُعِّرَتْ «٤» ويحتجّ لهم بأن الجحيم واحد ويحتج عليهم بأن الجحيم وإن كان واحدا فالتكثير أولى به لكثرة سعّرت. قال أحمد بن عبيد يقال: جحمت النار أي أكثرت وقودها، وقال الفراء:\nجحمت الجمر جعلت بعضه على بعض ورجل جاحم بخيل ضنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4289>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)\nبإضمار فعل كالثاني، وجواب «إذا» عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) قيل: معناه ما وجدته حاضرا كما تقول: أحمدت فلانا أي أصبته محمودا قال قتادة: ما أحضرت من عمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4290>[سورة التكوير (٨١): آية ١٥]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)\n«لا» زائدة للتوكيد أي فأقسم بالخنس وفي معنى الخنس ثلاثة أقوال قد مر منها ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنها النجوم الخمسة، وروى سعيد عن سماك\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٠.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٥١٤) .\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٢٥.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٧٩ (قرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الجيم والباقون بتشديدها) .","vol":"5","page":100},{"text":"قال: سمعت خالد بن عرعرة يقول: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول:\n«الخنّس» النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل. فظاهر هذا القول عام لجميع النجوم، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة وبكر بن عبد الله المزني وعبد الرّحمن بن زيد. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: الخنّس الظباء، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك وقال جابر بن زيد وإبراهيم النخعي: الخنس بقر الوحش. قال أبو جعفر: إذا كان التقدير:\nفأقسم بربّ الخنس، فالمعنى واحد إلا أن القول الأول أجلها وأعرفها، وإنما يقال لبقر الوحش والظباء خنّس الواحد أخنس وخنساء كما قال: [الكامل] ٥٤٤-\nخنساء ضيّعت الغرير فلم ترم ... عرض الشّقائق طرفها ويغامها «١»\nوواحد الخنس خانس والجمع خنس وخناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4291>[سورة التكوير (٨١): آية ١٦]</span>\nالْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦)\n«الجواري» في موضع خفض حذفت الكسرة من الياء لثقلها فإن كان بغير ألف ولام حذفت الياء لسكونها وسكون التنوين إذ كان جمع جارية وكذا إن سمّيت به على قول الخليل وسيبويه «٢»، وأما الكوفيون ويونس فيقولون إذا سمّيت رجلا بجوار لم تصرفها في النصب والخفض فقلت: رأيت بواري ومررت بجواري، وقيل في الرفع هؤلاء جواري بإسكان الياء. قال الخليل: هذا خطأ لأنه كان يجب أن يقال على هذا:\nهذا جواري فأعلم بضم الياء، قال: ولا يكون أثقل من فواعل إذا سميت به. قال سيبويه «٣»: سألت الخليل عن امرأة تسمى بقاض فقال: هي مجراة في الرفع والخفض، تقول: مررت بقاض وهذه قاض. قال أبو جعفر: وقول يونس والكوفيين: مررت بقاضي وهذا قاضي فاعلم الْكُنَّسِ جمع كانس ويقال: كنّاس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4292>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨)\nوَاللَّيْلِ عطف على «الخنس»، وليست الواو واو قسم إِذا عَسْعَسَ قال الفرّاء:\nأجمع المفسرون على أنه إذا أقبل، وهذا غلط. روى مجاهد عن ابن عباس «إذا عسعس» إذا أدبر. قال الضحّاك إِذا تَنَفَّسَ إذا أضاء وأقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4293>[سورة التكوير (٨١): آية ١٩]</span>\nإِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)\nجواب القسم، وأجاز الكسائي «أنه» بالفتح أي أقسم أنه وتابعه على ذلك محمد بن يزيد النحويّ.\n_________\n(١) الشاهد للبيد في ديوانه ٣٠٨، ولسان العرب (بغم)، وتاج العروس (خنس) و(شفق) و(بغم) ومقاييس اللغة ٣/ ١٧٢، والمخصّص ٨/ ٤١، وبلا نسبة في كتاب العين ٤/ ١٩٩.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ٣٤٤.\n(٣) انظر الكتاب ٣/ ٣٤٤.","vol":"5","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4294>[سورة التكوير (٨١): آية ٢٠]</span>\nذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)\nذِي قُوَّةٍ نعت لرسول أي ذي قوة على أمر الله جلّ وعزّ وطاعته عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ نعت أيضا أي ذي منزلة رفيعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4295>[سورة التكوير (٨١): آية ٢١]</span>\nمُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)\nمُطاعٍ ثَمَّ أي مطاع في السموات أَمِينٍ على وحي الله جلّ وعزّ ورسالاته فهذا التمام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4296>[سورة التكوير (٨١): آية ٢٢]</span>\nوَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)\nأي ليس خطابه ولا بيانه ولا فعله فعل مجنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4297>[سورة التكوير (٨١): آية ٢٣]</span>\nوَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)\nوالهاء تعود على الرسول وهو جبريل ﷺ كما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى عن يزيد بن هارون ثنا داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين الله تعالى يقول: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) فقالت أنا أول من سأل رسول الله ﷺ فقال: «ذاك جبريل ﷺ لم أره على صورته التي خلق عليها إلا مرتين قد هبط من السماء قد سدّ عظم خلقه ما بين السماء والأرض» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4298>[سورة التكوير (٨١): آية ٢٤]</span>\nوَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)\nقراءة أبي جعفر وشيبة ونافع ويحيى والأعمش وحمزة، ويقال: إنها في حرف أبيّ بن كعب كذلك وقرأ ثلاثة من الصحابة «بظنين» «٢» كما قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل عن علي بن عبد الله المديني عن سفيان عن عمرو، قال: سمعت ابن عباس يقرأ «بظنين» بالظاء، وروى شعبة عن مغيرة عن مجاهد قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقرأ بظنين بالظاء، وقال عروة سمعت عائشة تقرأ بالظاء. وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي، ولا اختلاف بين أهل التفسير واللغة أن معنى «بظنين» بمتّهم و«بضنين» ببخيل فالقراءتان صحيحتان قد رواهما الجماعة إلّا أنه في السواد بالضاد، وعدل أبو عمرو والكسائي وهما نحويا القراءة إلى القراءة. «بظنين» لأنه يقال: فلان ظنين على كذا أيّ متّهم عليه، وظنين بكذا وإن كانت حروف الخفض يسهل فيها مثل هذا، وعدل أبو عبيد أيضا إليها لأنه ذكر أنه جواب لأنهم كذّبوه. وهذا الّذي احتجّ به لا نعلم أحدا من أهل العلم يعرفه ولا يرى أنه جواب، ولا هو عندهم\n_________\n(١) مرّ في إعراب الآيات ١١- ١٣ من سورة النجم.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٢٦، وتيسير الداني ١٧٩.","vol":"5","page":102},{"text":"إلا مبتدأ وخبر، وقد قلنا: إن القراءتين صحيحتان ومجاز «ضنين» أنّ من العلماء من يضن بعلمه، وفي الحديث «من كتم علما لجمه الله بلجام من نار» «١» فأخبر الله عن نبيه ﷺ أنه ليس بضنين بشيء من أمر الدين، وأنه لا يخصّ به أحدا دون أحد على خلاف ما يقول قوم أنه خصّ الإمام بما لم يلقه إلى غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4299>[سورة التكوير (٨١): آية ٢٥]</span>\nوَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥)\nلو حذفت الباء لنصبت لشبه «ما» بليس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4300>[سورة التكوير (٨١): آية ٢٦]</span>\nفَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)\nذكر الفرّاء «٢» أن المعنى فإلى أين تذهبون وحذفت «إلى» كما يقال: ذهبت الشام وذهبت إلى الشام، وانطلقت إلى السوق وانطلقت السّوق، وخرجت الشام وإلى الشام، وحكى الكسائي: انطلق به الغور، والتقدير عنده: إلى الغور فحذفت «إلى» فجعل الكوفيون هذه الأفعال الثلاثة انطلق وذهب وخرج يجوز معها حذف إلى، وقاسوا على ما سمعوا من ذلك زعموا. فأما سيبويه فحكى منها واحدا ولا يجيز غيره وهو ذهبت الشام، ولا يجيز ذهبت مصر، وعلى هذا قول البصريين لا يقيسون من هذا شيئا.\nوروى أبو العباس على هذا شيئا فزعم أن قولهم: ذهبت الشام ومعناه الإبهام أي ذهبت شامة الكعبة، غير أن هذا إنما يرجع فيه إلى قول من حكى ذلك عن العرب ولم يحكه سيبويه إلا على أنه الشام بعينها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4301>[سورة التكوير (٨١): آية ٢٧]</span>\nإِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧)\nأي ما في القرآن إلا عظة وتذكرة للعالمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4302>[سورة التكوير (٨١): آية ٢٨]</span>\nلِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)\nلِمَنْ بدل من العالمين على إعادة اللام، ولو كان بغير لام لجاز. قال مجاهد:\nلِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) أي أن يتبع الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4303>[سورة التكوير (٨١): آية ٢٩]</span>\nوَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)\nوَما تَشاؤُنَ في معناه قولان أحدهما وما تشاؤون أن تستقيموا أي تتّبعوا الحقّ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ والقول الآخر أنه منهم أي ما تشاؤون يشاء من الطاعة والمعصية إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ذلك منكم، ولو لم يشأ لحال بينكم وبينه.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة في سننه باب ٢٤ الحديث (٢٦١) والدارمي في سننه ١/ ٧٣، وأبو داود في سننه الحديث (٣٦٥٨) .\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٣. [.....]","vol":"5","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4304>٨٢ شرح إعراب سورة انفطرت (الانفطار)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4305>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣)\nإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) لتأنيث السماء على اللغة الفصيحة، وقد حكى الفرّاء «١» فيها التذكير، فمن أنثها صغرها سميّة وإن كانت رباعية في الأصل لأنه قد حذف منها حرف، والسماء مرفوعة بإضمار فعل، وكذا وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وكذا وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) ولا يجوز أن تكون مرفوعة بالفعل الآخر إلا على شيء حكاه لنا علي بن سليمان عن أحمد بن يحيى ثعلب، قال: زيد قام مرفوع بفعله ينوى به التأخير قيل:\nمعنى وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) فجر بعضها إلى بعض لاضطراب الأرض بزوال الجبال والزلازل فاختلط بعض البحار ببعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4306>[سورة الانفطار (٨٢): آية ٤]</span>\nوَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يقول بحثرت وتأوّله الفرّاء على أنّ الأرض بحثرت فألقت ما فيها من الكنوز والموتى، واحتجّ الحديث «تلقي الأرض أفلاذ كبدها» «٢» . قال أبو جعفر: وهذا غلط وليس في القرآن وإذا الأرض وفيه خصوص القبور «وتلقي أفلا كبدها» لا اختلاف بين أهل العلم أنه في آخر الزمان وليس هو يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4307>[سورة الانفطار (٨٢): آية ٥]</span>\nعَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)\nتمام الكلام، وهو جواب «إذا» وفي معناه قولان: قال ابن زيد ما قدمت ما عملت وما أخّرت تركت وضيّعت وأخرت مما أمرت بتقديمه من أمر الله جلّ وعزّ، والقول الآخر أن معنى ما أخّرت ما سنّت من سنّة فعمل بها بعدها. قال أبو جعفر: هذا عن ابن عباس، وهو أولى، وبه يقول أصحاب الحديث، وينكره بعض أهل الأهواء.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ١/ ١٢٨.\n(٢) انظر أمالي المرتضى ١/ ٩٥.","vol":"5","page":104},{"text":"والدليل على صحته أن الإنسان إذا ضيع ما أمر به وأخره كان ذلك مما قدم من الشرّ لا مما أخّره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4308>[سورة الانفطار (٨٢): آية ٦]</span>\nيا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)\nما في موضع رفع بالابتداء، وهو اسم تام والكاف في موضع نصب بغرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4309>[سورة الانفطار (٨٢): آية ٧]</span>\nالَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)\nقراءة أهل الحرمين وأهل البصرة وأهل الشام، وقرأ الكوفيون فَعَدَلَكَ «١» مخففا، واستبعدها الفرّاء وإن كانت قراءة أصحابه لأنه إنما يقال: عدلته إلى كذا وصرفته إليه، ولا يكاد يقال: عدّلته في كذا ولا صرّفته. قال أبو جعفر فيه: وهذا غلط لأن الكلام تام عند «فعدلك» و«في» متعلقة بركّبك لا بعدلك فيكون كما قال. ومعنى عدلك في اللغة خلقك معتدلا لا يزيد رجل على رجل، وكذا سائر خلقك. وقد يكون عدّلك تكثير عدلك فيكونان بمعنى واحد كما قال ابن الزبعرى: [الرمل] ٥٤٥- وعدلنا مثل بدر فاعتدل «٢» أي قتلنا منهم مثل من قتلوا منا، وقد قيل: عدلك أمالك إلى ما شاء من حسن وقبيح وقبح وصحة وسقم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4310>[سورة الانفطار (٨٢): آية ٨]</span>\nفِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨)\nما زائدة قال مجاهد: في صورة أب أو أمّ أو عمّ أو خال.\nكَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4311>[سورة الانفطار (٨٢): آية ٩]</span>\nكَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)\nوحكى الفرّاء «٣» عن بعض أهل المدينة «بل يكذبون» وردّها لأن بعدها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4312>[سورة الانفطار (٨٢): آية ١٠]</span>\nوَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠)\nقال أبو جعفر: ولا أعرف ما حكاه عن بعض أهل المدينة، ولا أعلم أحدا رواه غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4313>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nكِرامًا كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢)\nكِرامًا كاتِبِينَ (١١) نعت لحافظين وكذا يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4314>[سورة الانفطار (٨٢): آية ١٣]</span>\nإِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٩، والبحر المحيط ٨/ ٤٢٨.\n(٢) الشاهد عجز بيت لعبد الله بن الزبعرى في ديوانه ٩٣، وبلا نسبة في لسان العرب (عدل)، وتهذيب اللغة ٢/ ٢١١، وتاج العروس (عدل) . وصدره:\n«ليت أشياخي ببدر شهدوا»\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٤.","vol":"5","page":105},{"text":"أي الذين برّوا بطاعة الله واجتناب معاصيه، وقال الحسن: الأبرار الذين لا يؤذون الذرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4315>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥)\nعلى تأنيث النار وإن كان الجحيم مذكرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4316>[سورة الانفطار (٨٢): آية ١٦]</span>\nوَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦)\nقال الفرّاء «١»: أي إذا أدخلوها فليسوا بخارجين منها. قال قتادة: يوم يدان الناس بأعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4317>[سورة الانفطار (٨٢): آية ١٧]</span>\nوَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧)\nقيل: ليس هذا تكريرا. والمعنى: وما أدراك ما في يوم الدين من العذاب والنكال للفجار ثم ما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4318>[سورة الانفطار (٨٢): آية ١٩]</span>\nيَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)\nيَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وابن كثير وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي وقال الفرّاء «٢»: «في كتابه في المعاني» اجتمع القرّاء على نصب «يوم لا تملك» . قال أبو جعفر. وهذا غلط. قرأ أبو عمرو وعبد الله بن أبي إسحاق وعبد الرّحمن الأعرج وهو أحد أستاذي نافع يَوْمَ لا تَمْلِكُ «٣» بالرفع فمن رفع فتقديره هو يَوْمَ لا تَمْلِكُ، ويجوز أن يكون بدلا مما قبله ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ومن نصب فتقديره: الدين يوم لا تملك ومثله وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ [القارعة: ٣، ٤] أي القارعة يوم يكون الناس، ويجوز أن يكون التقدير: يصلونها يوم الدين يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا فهذان قولان الأول أولاهما، وللفرّاء قول ثالث أجاز أن يكون «يوم» في موضع رفع فبناه كما قال: [الطويل] ٥٤٦- على حين عاتبت المشيب على الصّبا «٤» قال أبو جعفر: وهذا غلط لا يجوز أن يبنى الظروف عند الخليل وسيبويه مع شيء معرب والفعل المستقبل معرب فأما الكسائي فأجاز ذلك في الشعر على الاضطرار ولا يحمل كتاب الله جلّ وعزّ على مثل هذا، ولكن تبنى ظروف الزمان مع الفعل الماضي كما مرّ في البيت لأن ظروف الزمان منقضية غير ثابتة فلك أن تبنيها مع ما\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٤.\n(٣) انظر تيسير الداني ١٧٩.\n(٤) مرّ الشاهد رقم (١٢٩) .","vol":"5","page":106},{"text":"بعدها إذا كان غير معرب، وأن تعربها على أصلها نحو قول الله جلّ وعزّ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ [هود: ٦٦] بإعراب يوم، وإن شئت وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ وعلى هذا تبنى يوم مع «إذ» في موضع الرفع والخفض والنصب على الفتح، وكذا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ.","vol":"5","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4319>٨٣ شرح إعراب سورة المطففين</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4320>[سورة المطففين (٨٣): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)\nرفعت ويلا بالابتداء «للمطففين» خبره أي تأنيب، ويجوز النصب في غير القرآن لأن ويلا بمعنى المصدر، وكان الاختيار الرفع لأنه لا ينطق منه بفعل إلا شيئا شاذا أنشده محمد بن الوليد وهو: [الهزج] ٥٤٧-\nفما وال ولا واح ... ولا واس أبو هند «١»\nفإن كان مشتقا من فعل فالاختيار النصب عند النحويين نحو: بؤسا له، وإن لم يأت بالخبر في الأول نصبت فقلت: ويله وويحه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4321>[سورة المطففين (٨٣): آية ٢]</span>\nالَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)\nالَّذِينَ في موضع خفض نعت للمطففين أو نصب على الذمّ وهو أولى بالآية وربما توهّم الضعيف في العربية أن معنى اكتلت عليه واكتلت منه واحد وتقديرهما مختلف فمعنى اكتلت عليه أخذت ما عليه، ومعنى اكتلت منه استوفيت منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4322>[سورة المطففين (٨٣): آية ٣]</span>\nوَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)\nاختلف النحويون في موضع الهاء والميم فقال جلتهم أبو عمرو بن العلاء والكسائي والأخفش وغيرهم: موضع الهاء والميم موضع نصب، وهو مذهب سيبويه قياسا على قوله: كلتك وصدتك ولا يجيز وهبتك لأنه يشكل فإن قلت: وهبتك دينارا جاز. وقال عيسى بن عمر: الهاء والميم في موضع رفع، وعبرّ عنه أبو حاتم بأن المعنى عنده: هم إذا كالوا أو وزنوا يخسرون لأن عيسى قال: الوقف «وإذا كالوا» ثم تبتدئ «هم أو وزنوا»، وعبرّ غيره: أن «هم» توكيد كما تقول: قاموا هم. قال أبو\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في شرح التصريح ١/ ٣٣٠، والممتع في التصريف ٢/ ٥٦٧، والمنصف ٢/ ١٩٨ وشرح مشكلات الحماسة ٣١٢.","vol":"5","page":108},{"text":"جعفر: والصواب أن الهاء والميم في موضع نصب لأنه في السواد بغير ألف، ونسق الكلام يدل على ذلك لأن قبله إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ فيجب أن يكون بعده وإذا كالوا لهم، وحذفت اللام كما قال، أنشده أبو زيد: [الكامل] ٥٤٨-\nولقد جنيتك أكموءا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر «١»\nوحرف الخفض يحذف فيما يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف كما قال:\n[البسيط] ٥٤٩-\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب «٢»\nوقال آخر: [الطويل] ٥٥٠-\nنبّيت عبد الله بالجوّ أصبحت ... كراما مواليها لئيما صميمها «٣»\nوقال الآخر: [البسيط] ٥٥١-\nأستغفر الله ذنبا لست محصيه ... ربّ العباد إليه الوجه والعمل «٤»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4323>[سورة المطففين (٨٣): آية ٤]</span>\nأَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)\nأنّ وما عملت فيه في موضع المفعولين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4324>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nلِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦)\nيَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) في نصبه أقوال: يكون التقدير: لمبعوثون يوم يقوم النّاس لربّ العالمين، وقال الأخفش سعيد هو مثل قولك: الآن وجعله الفرّاء «٥» مبنيا.\nقال أبو جعفر: وذلك غلط أن يبنى مع الفعل المستقبل، ويجوز في العربية خفضه على البدل، ورفعه بإضمار مبتدأ فهذا ما فيه من الإعراب. وقرئ على بكر بن سهل عن عبد الله بن يوسف عن عيسى بن يونس عن ابن عون عن ابن عمر عن النبي ﷺ في\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في الاشتقاق ص ٤٠٢، والإنصاف ١/ ٣١٩، وأوضح المسالك ١/ ١٨٠، وتخليص الشواهد ١٦٧، وجمهرة اللغة ٣٣١، والخصائص ٣/ ٥٨، ورصف المباني ص ٧٨، وسرّ صناعة الإعراب ٣٦٦، وشرح الأشموني ١/ ٨٥، وشرح التصريح ١/ ١٥١، وشرح شواهد المغني ١/ ١٦٦ وشرح ابن عقيل ٩٦، ولسان العرب (جوت) و(حجر) و(سور) و(وبر) و(جحش)، والمحتسب ٢/ ٢٢٤ ومغني اللبيب ١/ ٥٢، والمقاصد النحوية ١/ ٤٩٨ والمقتضب ٤/ ٢٨، والمنصف ٣/ ١٣٤.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٥١) .\n(٣) مرّ الشاهد رقم (٣٢١) .\n(٤) الشاهد بلا نسبة في أدب الكاتب ٥٢٤، والكتاب ١/ ٧١، والأشباه والنظائر ٤/ ١٦، وأوضح المسالك ٢/ ٢٨٣، وتخليص الشواهد ٤٠٥ وخزانة الأدب ٣/ ١١١، والدرر ٥/ ١٨٦، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٤٢٠، وشرح التصريح ١/ ٣٩٤ وشرح المفصّل ٧/ ٦٣، والصاحبي في فقه اللغة ١٨١، ولسان العرب (غفر)، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٢٦، والمقتضب ٢/ ٣٢١، وهمع الهوامع ٢/ ٨٢. [.....]\n(٥) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٦.","vol":"5","page":109},{"text":"قول الله تعالى يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) قال: «يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم» «١» قال أبو جعفر: فهذا حديث مجمل صحيح الإسناد، وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ مشروحا قال: «تدنو الشمس يوم القيامة من الأرض فمن الناس من يغرق إلى كعبيه ومنهم من يغرق إلى أنصاف ساقيه ومنهم من يغرق إلى منكبيه ومنهم من يغرق إلى عنقه ومنهم من يغرق إلى نصف فمه ملجما به ومنهم يشتمله الغرق» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4325>[سورة المطففين (٨٣): آية ٧]</span>\nكَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)\nمن قال: إنّ كَلَّا تمام في كل القرآن، قال: المعنى ليس الأمر كما يذهب إليه الكافرون من أنهم لا يبعثون ولا يعذّبون، وتكلم العلماء في معنى سجّين فقال أبو هريرة: سِجِّينٍ جبّ في جهنم مفتوح، وقال سعيد بن جبير: «سجين» تحت حد إبليس، وقيل «سجين» من السجل والنون مبدلة من اللام أي في ما كتب عليهم، وقال أبو عبيدة: في سجين في حبس فقيل من السجن، وقال بعض النحويين: «سجين» الصخرة التي تحت الأرض السفلى، وزعم أن هذا يروى وأنه صفة لأنه لو كان اسما للصخرة لم ينصرف، قال: ويجوز أن تجعله اسما للحجر فتصرفه. قال أبو جعفر:\nوأولى ما قيل في سجين، ما صحّ عن رسول الله ﷺ كما قرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج عن يحيى بن سليمان عن ابن فضيل وأبي معاوية عن الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء عن النبي ﷺ قال: «إنّ العبد الكافر أو الفاجر إذا مات صعد بروحه إلى السّماء الدنيا فيقول الله جلّ وعزّ اكتبوا كتابه في سِجِّينٍ «٢» قال:\nوهي الأرض السفلى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4326>[سورة المطففين (٨٣): آية ٨]</span>\nوَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨)\nعلى التعظيم، وهو مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4327>[سورة المطففين (٨٣): آية ٩]</span>\nكِتابٌ مَرْقُومٌ (٩)\nإضمار مبتدأ أي هو كتاب مرقوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4328>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)\nنعت للمكذبين ويجوز النصب على ما مرّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4329>[سورة المطففين (٨٣): آية ١٢]</span>\nوَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)\nقال الحسن بن واقد: أي معتد في قوله أثيم عند ربّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4330>[سورة المطففين (٨٣): آية ١٣]</span>\nإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري ٣٠/ ٩٢.\n(٢) انظر تفسير القرطبي ١٧/ ٢٥٥.","vol":"5","page":110},{"text":"على إضمار مبتدأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4331>[سورة المطففين (٨٣): آية ١٤]</span>\nكَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)\nبإدغام اللام في الراء وترك الإمالة قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وأبي عمرو، وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي بإدغام غير أنهم أمالوا، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق بَلْ رانَ «١» بغير إدغام. قال أبو جعفر: والإدغام في هذا أولى لقرب اللام من الراء وترك الإمالة أولى لأنه لا ياء فيه ولا كسرة، وإنما الإمالة محمولة على المعنى لأنه من ران يرين مشتق من الرّين كما قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل عن عارم قال: سألت الأصمعي عن حديث النبي ﷺ «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله ﷿ مائة مرة» «٢» فقال: التوقي في الكلام في حديث رسول الله كالتوقي في القرآن ولكن العرب تسمي الغيم إذا كان دون الغيم رقيقا الغين والرّين. قال أبو جعفر: فهذا الإعراب والاشتقاق فأما المعنى فقال فيه مجاهد: للقلب أصابع فإذا أذنب عبد انقبض منها إصبع ثم إن أذنب انقبضت منها أخرى حتى تنقبض كلّها، ويطبع على قلبه فلا ينفع فيه موعظة. قال أبو جعفر: وأولى ما قيل في هذا ما صحّ عن النبي ﷺ كما قرئ على أحمد بن شعيب عن قتيبة عن الليث عن محمد بن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي قال: «إذا أخطأ العبد خطيئة وكت في قلبه وكتة يعني سوداء فإن نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتّى يعلو قلبه فذلك الرين الذي ذكره جلّ وعزّ كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4332>[سورة المطففين (٨٣): آية ١٥]</span>\nكَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)\nفي معناه قولان: أحدهما أنه دلّ بهذا على أنّ المؤمنين لا يحجبون عن النظر إليه جلّ وعزّ. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا ما قاله مالك بن أنس في ذلك وسئل الشافعي ﵀ عن النظر إلى الله جلّ وعزّ يوم القيامة فقال: يدل عليه كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) والقول الآخر أنّ التقدير: عن كرامة ربّهم مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:\n٨٢] . قال أبو جعفر: وهذا خطأ على مذهب النحويين منهم الخليل وسيبويه، ولا يجوز عندهما ولا عند غيرهما من النحويين: جاءني زيد، بمعنى جاءني غلامه وجاءتني كرامته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4333>[سورة المطففين (٨٣): آية ١٦]</span>\nثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦)\nثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ لأنه للمستقبل فمن حذف النون تخفيفا قال: لصالو الجحيم بالخفض على الإضافة ومن حذفها لالتقاء الساكنين نصب.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٩.\n(٢) انظر إتحاف السادة المتقين ٨/ ٥١٧.\n(٣) انظر مستدرك الحاكم ١/ ٥، وتفسيري الطبري ٣٠/ ٦٢، وكنز العمال (١٢٨٨) .","vol":"5","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4334>[سورة المطففين (٨٣): آية ١٧]</span>\nثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)\nاسم ما لم يسمّ فاعله على قول سيبويه «١» في الجملة وكذا قال في ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ [يوسف: ٣٥] في موضع الفاعل. وهذا عند أبي العباس خطأ لأن الجملة لا تقوم مقام الفاعل ولكن الفعل دلّ على المصدر، وقام المصدر مقام الفاعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4335>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nكَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩)\nوَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) فيه خمسة أقوال وفي إعرابه قولان فأكثر أهل التفسير منهم كعب ومجاهد وزيد بن أسلم يقولون: علّيّون السماء السابعة، وحكى الفرّاء «٢» إنه السماء الدنيا، وقال قتادة: قائمة العرش اليمنى، وقال الضحّاك: علّيّون سدرة المنتهى وقيل: علّيّون الملائكة. قال أبو جعفر. القول الأول عليه الجماعة فأما الإعراب فالقولان اللذان فيه أحدهما أن عليين أشبه عشرين وما أشبهها لأنه لا واحد له، وإنما هو بمعنى من علوّ إلى علو فأعرب كإعراب عشرين. قال أبو جعفر: فهذا قول موافق لتأويل الذين قالوا علّيّون السماء السابعة، والقول الآخر أن عليين صفة للملائكة فلذلك جمع بالواو والنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4336>[سورة المطففين (٨٣): آية ٢٠]</span>\nكِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠)\nأي ذلك الكتاب كتاب أي مكتوب وفسّر ذلك الضحّاك قال: إذا خرج روح المؤمن أخذه الملك فصعد به إلى السماء الدنيا فتبعه الملائكة المقربون ثم كذلك من سماء إلى سماء حتى ينتهي به إلى السماء السابعة إلى سدرة المنتهى فيوافيهم كتاب من الله جلّ وعزّ مختوم فيه أمان من الله لفلان ابن فلان من عذاب النار يوم القيامة وبالفوز بالجنة. قال ابن زيد: المقربون الملائكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4337>[سورة المطففين (٨٣): آية ٢٢]</span>\nإِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)\nقيل: سمّوا أبرارا لكثرة ما يأتونه من الصدق لأن الصدق يقال له برّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4338>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nعَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)\nعَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) أي إلى ما لهم من القصور والحور وغير ذلك. قال أبو جعفر: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) وأجاز الفرّاء «٣» يعرف لأنه تأنيث غير حقيقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4339>[سورة المطففين (٨٣): آية ٢٥]</span>\nيُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ١٢٤.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٧.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٨.","vol":"5","page":112},{"text":"مِنْ رَحِيقٍ في موضع نصب على خبر ما لم يسمّ فاعله على غير قول الأخفش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4340>[سورة المطففين (٨٣): آية ٢٦]</span>\nخِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦)\nخِتامُهُ مِسْكٌ مبتدأ وخبره. هذه قراءة أكثر الناس. وقرأ الكسائي رواه عنه أبو عبيد «خاتمه مسك» «١» وزعم أن هذه القراءة قراءة علي بن أبي طالب ﵁ وذكر إسماعيل بن إسحاق أنه لم يجد أحدا يعرف هذا عن علي بن أبي طالب ﵁، وقرئ على إبراهيم بن موسى عن محمد بن الجهم عن يحيى بن زياد عن محمد بن الفضل عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرّحمن السلميّ عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قرأ «خاتمه مسك» «٢» قال أبو جعفر: ختامه بمعنى واحد إلا أن ختاما مصدر وخاتم اسم الفاعل، وأكثر كلام العرب في الناس وما أشبههم هو خاتمهم كما قال جلّ وعزّ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠]، وكذا خاتم وفي غير الناس ختام كما قال: [الكامل] ٥٥٢-\nأغلي السّباء بكلّ أدكن عاتق ... أو جونة قدحت وفضّ ختامها «٣»\nوَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ أي فليحرص وليطلب. وأصل هذا من نفست عليه بالشيء أي أردت أن يكون لي دونه، واشتقاقه من النّفس أي الذي تفرح به النفس وتميل إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4341>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)\nعَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) في نصب عين خمسة أقوال: قول الأخفش إنها منصوبة بيسقون، وقال محمد بن يزيد حكاه لنا علي بن سليمان: لا يصحّ لي أن تكون منصوبة إلّا بمعنى أعني، وقال الفرّاء «٤»: أي من تسنيم عين ثم نوّنت فتنصب مثل أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٤] والقول الرابع «تسنيم عينا»، والقول الخامس أن يكون تسنيم اسما للماء معرفة وعين نكرة فنصب لذلك. قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بالصواب لأنه صحيح على قول أهل التأويل، كما قرأ محمد بن جعفر عن حفص بن يوسف بن موسى ثنا سلمة ثنا نهشل عن الضحّاك قال:\n«تسنيم» عين تتسنّم من أعلى الجنة ليس في الجنة عين أشرف منها. قال أبو جعفر:\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٩، ومعاني الفراء ٣/ ٢٤٨.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٧٩، ومعاني الفراء ٣/ ٢٤٨.\n(٣) الشاهد للبيد بن ربيعة في ديوانه ٣١٤، وأسرار العربية ٣٠٣، وخزانة الأدب ٣/ ١٠٥، وسرّ صناعة الإعراب ٦٣٢، وشرح المفصّل ٨/ ٩٢ ولسان العرب (قدح) و(عتق)، و(دكن)، والمعاني الكبير ١/ ٤٥٢، والمقاصد النحوية ٤/ ١٢٥، وأساس البلاغة (سبأ)، وكتاب العين ٧/ ٣١٥، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ٤٠٢، ورصف المباني ص ٤١١.\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٩.","vol":"5","page":113},{"text":"وقول مجاهد أيضا يدلّ على هذا قال: تسنيم علو وكذا الاشتقاق يقال: تسنّمت الماء أتسنّمه تسنيما إذا أجريته من موضع عال، وقبر مسنم أي مرتفع، ومن هذا سنام البعير فإن قال قائل فلم انصرف تسنيم وهو معرفة اسم للمؤنث؟ قيل: تقديره أنه اسم لمذكّر للماء الجاري من ذلك الموضع العالي ومعنى عينا جاريا فقد صارت في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4342>[سورة المطففين (٨٣): آية ٢٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)\nإِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أي اكتسبوا الإثم. يقال: جرم وأجرم إذا اكتسب إلا أنّ الأكثر في اكتساب الإثم أجرم وفي غيره جرم. الَّذِينَ اسم إنّ أَجْرَمُوا صلته كانُوا خارج من الصلة لأنه خبر «إن» أي كانوا في الدنيا مِنَ الَّذِينَ صدقوا بتوحيد الله يَضْحَكُونَ استهزءوا بهم ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب ﵁ وأصحابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4343>[سورة المطففين (٨٣): آية ٣٠]</span>\nوَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠)\nاستهزءوا بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4344>[سورة المطففين (٨٣): آية ٣١]</span>\nوَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)\n«١» وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فاكهين يقول معجبين. قال أبو جعفر: أي معجبين بما يفعلون مسرورين به، وقال ابن زيد: فاكهين ناعمين، وزعم الفرّاء «٢» أن فاكهين بمعنى واحد وحكى أبو عبيد أن أبا زيد الأنصاري حكى عن العرب أن الفكه الضحوك الطيب النفس. قال محمد بن يزيد: كان الأصمعي يرفع بأبي زيد في اللغة ويذكر محلّه وتقدّمه ويذكر صدقه وأمانته قال: وكان خلف بن حيان أبو محرز على جلالته يحضر حلقته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4345>[سورة المطففين (٨٣): آية ٣٢]</span>\nوَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢)\nهذا قول الكفار في الدنيا أي لضالّون عن طريق الصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4346>[سورة المطففين (٨٣): آية ٣٣]</span>\nوَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣)\nأي لم يرسلوا ليحفظوا عليهم أعمالهم وإنما أمروا بطاعة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4347>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٣٤ الى ٣٦]</span>\nفَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)\nفَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) وذلك بعد دخولهم الجنة. قال ابن عباس: يفتح لهم أبواب إلى النار فينظرون إلى الذين كانوا يسخرون في الدنيا\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٩، والبحر المحيط ٨/ ٤٣٥. [.....]\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٩.","vol":"5","page":114},{"text":"ويضحكون بهم فإذا رأوهم في النار سرّوا بانتقام الله تعالى من أعدائه وضحكوا بهم إذ ذاك عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) إليهم. وقال غيره: على الأرائك ينظرون إلى قصورهم وأزواجهم، ويقول بعضهم لبعض هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وقيل هَلْ مبتدأة منقطعة مما قبلها أي هل جزي الكفار بأعمالهم، وما في موضع نصب على هذا المعنى.","vol":"5","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4348>٨٤ شرح إعراب سورة انشقت (الانشقاق)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4349>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١)\nإِذَا في موضع نصب وقد ذكرنا قول النحويين في جواب «إذا»، وقد قيل:\nالمعنى: اذكروا إذا السّماء انشقّت، فعلى هذا لا تحتاج إلى جواب أي اذكر خبر ذلك الوقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4350>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢]</span>\nوَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢)\nقال سعيد بن جبير: حقّ لها أن تأذن. قال أبو جعفر: حقيقة هذا أن المعنى حقّق الله جلّ وعزّ عليها فانقادت إلى أمره وانشقت أي تصدّعت فصارت أبوابا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4351>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٣]</span>\nوَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)\nرفعت الأرض بإضمار فعل يفسره الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4352>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥)\nوَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) معطوف على الأول، وكذا وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4353>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٦]</span>\nيا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (٦)\nيا أَيُّهَا الْإِنْسانُ نعت لأي، والأخفش يقول صلة لأنه لا بدّ منه إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا مصدر فيه معنى التوكيد فَمُلاقِيهِ في موضع رفع والأصل ضمّ الياء فحذفت الضمة لثقلها. فهذا قول، وقيل: حذفت لأن الياء هاهنا حرف مد ولين فأشبهت الألف فحذفت منه الضمة والكسرة، ومن العرب من يحذف منها الفتحة فيجريها مجرى الألف فلا يحركها بحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4354>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nفَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨)\nفَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) أي يثاب بحسناته ويتجاوز عن سيئاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4355>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٩]</span>\nوَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)","vol":"5","page":116},{"text":"نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4356>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١)\nفَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) مفعول به أي يقول يا ثبوراه. قال سيبويه: في نظير هذا أي احضر فهذا من إبانك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4357>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٢]</span>\nوَيَصْلى سَعِيرًا (١٢)\n«١» من صلي يصلى ويصلى من صلاه يصليه إذا أحرقه، وكذا أصلاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4358>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٣]</span>\nإِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)\nخبر كان، ويبعد أن يكون منصوبا على الحال إلّا أنه جائز كما نقول: زيد في أهله ضاحكا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4359>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٤]</span>\nإِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)\nأَنْ وما بعدها تقوم مقام المفعولين، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أَنْ لَنْ يَحُورَ قال: يقول: أن لن يبعث، وقال مجاهد: أن لن يرجع إلينا. يقال: حار يحور إذا رجع وفي الحديث عن النبي ﷺ «اللهمّ إني أعوذ بك من الحور بعد الكور» «٢» قيل:\nمعناه أعوذ بك من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان، وقيل أعوذ بك من النقصان بعد الزيادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4360>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٥]</span>\nبَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)\nأي بلى ليحورنّ وليبعثنّ أنّ ربه كان به بصيرا بعمله وبما يصير إليه لأنه كان يرتكب المعاصي مجترئا عليها إذ كان عنده أنه لا يبعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4361>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ١٦]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦)\nالباء هي الأصل في القسم، وتبدل منها الواو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4362>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)\nوَاللَّيْلِ واو عطف لا واو قسم وَما وَسَقَ. وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) كلّه معطوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4363>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nلَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)\nلَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) مفتوحة الباء صحيحة عن ابن عباس كما قرئ على\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٩ (قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو «ويصلى» بفتح الياء وإسكان الصاد مخفّفا والباقون بضمّ الياء وفتح الصاد وتشديد اللام) .\n(٢) انظر تفسير الطبري ٣٠/ ٧٥، والقرطبي ١٩/ ٢٧٣.","vol":"5","page":117},{"text":"إبراهيم بن موسى عن إسماعيل عن علي بن عبد الله عن سفيان عن عمرو عن ابن عباس أنه قرأ لَتَرْكَبُنَّ «١» بفتح الباء، وهي قراءة عبد الله بن مسعود والشعبي ومجاهد والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ المدنيون لَتَرْكَبُنَّ بضم الباء، وهي قراءة الحسن وأبي عمرو، وقال الفرّاء: وقرئت «ليركبنّ» قال أبو جعفر: القراءة الأولى مخاطبة للواحد وبني الفعل مع النون على الفتح لخفّته، وأكثر أهل التفسير يقول: المخاطبة للنبي ﷺ، ومنهم من يقول المخاطبة لجميع الناس، والمعنى: يا أيّها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا. لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) أي حالا بعد حال، وقيل: سماء بعد سماء إذا كان النبي ﷺ. والكادح العامل وقد كدح لأهله إذا اكتسب لهم، وأنشد سيبويه: [الطويل] ٥٥٣-\nوما الدّهر إلّا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح «٢»\nو«لتركبنّ» بضم الباء مخاطبة للجماعة والضمة تدلّ على الواو المحذوفة، وليركبن إخبار عن جماعة لأن بعده\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4364>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢٠]</span>\nفَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)\nوقبله ذكر من يؤتى كتابه بيمينه، ومن يؤتاه كتابه من وراء ظهره: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) في موضع نصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4365>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢١]</span>\nوَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١)\nأهل التفسير على أن المعنى لا يخضعون ولا يذلّون بالانتهاء إلى طاعة الله جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4366>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢٢]</span>\nبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)\nبالخروج من حديث إلى حديث يقع بعد الإيجاب والنفي عند البصريين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4367>[سورة الانشقاق (٨٤): آية ٢٣]</span>\nوَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣)\nمن أوعى الشيء إذا جمعه، ووعى حفظه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4368>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nفَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)\nالصَّالِحاتِ الَّذِينَ في موضع نصب استثناء من الهاء والميم، ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول، كما روى عكرمة عن ابن عباس إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، قال الشيخ الكبير إذا كبر وضعف وقد كان يعمل شيئا من الخير وقت قوته كتب له مثل أجر ما كان يعمل قال: لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي لا يمنّ به عليهم.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٤٠، ومعاني الفراء ٣/ ٢٥١.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٥٢) .","vol":"5","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4369>٨٥ شرح إعراب سورة البروج</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4370>[سورة البروج (٨٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١)\nوَالسَّماءِ خفض بواو القسم ذاتِ الْبُرُوجِ نعت للسماء، واختلف النحويون في جواب القسم فمنهم من قال: هو محذوف، ومنهم من قال: التقدير لقتل أصحاب الأخدود وحذفت اللام، ومنهم من قال: الجواب إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)، وقال أبو حاتم: التقدير قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. قال أبو جعفر: وهذا غلط بيّن وقد أجمع النحويون على أنه لا يجوز والله قام زيد بمعنى قام زيد والله وأصل هذا في العربية أنّ القسم إذا ابتدئ به لم يجز أن يلغى ولا ينوى به التأخير، وإذا توسّط أو تأخّر جاز أن يلغى، وفيها جواب خامس أن يكون التقدير وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الآية: ١٠] وما اعترض بينهما معطوف وتوطئة للقسم قال محمد بن يزيد: واعلم أن القسم قد يؤكد بما يصدّق الخبر قبل ذكر المقسم عليه ثم يذكر ما يقع عليه القسم فمن ذلك وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) ثم ذكر قصّة أصحاب الأخدود، وإنما وقع القسم على قوله إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4371>[سورة البروج (٨٥): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nوَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)\nوَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) واو عطف لا واو قسم، وكذا وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناه، وقد قيل: لا يخلو الناس يوم القيامة من شاهد ومشهود فالمعنى وربّ الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4372>[سورة البروج (٨٥): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nقُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥)\nالنَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) خفض على بدل الاشتمال. وفيه تقديران: أحدهما نارها والألف واللام عوض من المضمر، والآخر النار التي فيها، وهذا بدل الاشتمال. وفي معنى قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) قولان: أحدهما أنهم المؤمنون قتلهم الكفار، والآخر أنهم الكفار، ويكون معنى قتلوا أو لعنوا أو أهلكوا. وأجاز «النحويون» قتل أصحاب","vol":"5","page":119},{"text":"الأخدود النار ذات الوقود، بالرفع كما قرأه أبو عبد الرّحمن السلمي وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [الأنعام: ١٣٧] . قال أبو جعفر: وهذا باب من النحو دقيق قد ذكره سيبويه وذلك أنه يجوز: ضرب زيد عمرو لأنك إذا قلت:\nضرب زيد، دل على أنه له ضاربا، والتقدير ضربه عمرو، وكذا قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) قتلتهم النار، وأنشد سيبويه: [الطويل] ٥٥٤-\nليبك يزيد ضارع لخصومة ... وأشعث ممّن طوّحته الطّوائح «١»\nأي يبكيه ضارع. قال الأخفش: الوقود بالفتح الحطب، والوقود بالضم الفعل:\nيريد المصدر أي الإيقاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4373>[سورة البروج (٨٥): آية ٦]</span>\nإِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦)\nقال قتادة: المؤمنون، وهذا على أحد التّأويلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4374>[سورة البروج (٨٥): آية ٧]</span>\nوَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)\nأي ليس هم بغيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4375>[سورة البروج (٨٥): آية ٨]</span>\nوَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)\nوَما نَقَمُوا مِنْهُمْ ويقال: نقموا أي وما وجدوا عليهم في شيء إلا في إيمانهم بالله العزيز الحميد بانتقامه الْحَمِيدِ أي المحمود عند عباده بأفعاله الجميلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4376>[سورة البروج (٨٥): آية ٩]</span>\nالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)\nالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ نعت فيه معنى المدح في موضع خفض، ويجوز أن يكون في موضع نصب على المدح، ورفع على إضمار مبتدأ. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي قد شهد على فعلهم وفعل غيرهم وعلمه ليجازيهم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4377>[سورة البروج (٨٥): آية ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠)\nإِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ قال قتادة: أحرقوهم ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا أي من فعلهم ذلك فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ قال محمد بن إسحاق احترقوا في الدنيا، وكذا قال أبو العالية ولهم عذاب جهنم في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4378>[سورة البروج (٨٥): آية ١١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أي أمروا بتوحيد الله سبحانه. وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ انتهوا إلى أمر الله ونهيه. لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وهي أنهار الماء وأنهار الخمر واللبن والعسل ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ أي الظفر بما طلبوا.\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (١٣٢) .","vol":"5","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4379>[سورة البروج (٨٥): آية ١٢]</span>\nإِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)\nأي كما بطش بأصحاب الأخدود تحذيرا منه عقابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4380>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nإِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)\nإِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) في معناه قولان قال ابن زيد: يبتدئ خلق الخلق ثم يعيدهم يوم القيامة، وعن ابن عباس يبدئ العذاب في الدنيا ثم يعيده عليهم في الآخرة. قال أبو جعفر: وهذا أشبه بالمعنى لأن سياق القصة أنهم أحرقوا في الدنيا ولهم عذاب جهنم فإن قيل: كيف يوافق هذا الحديث من عوقب في الدنيا فإن الله أكرم من أن يعيد عليه العقوبة؟ فالجواب عن هذا أنه ينقص من عقوبته يوم القيامة بمقدار ما لحقه في الدنيا لا أنّ الكلّ يزال عنه يوم القيامة، ويدلّ على ذلك الجواب المروي عن ابن عباس أن بعده وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) مبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4381>[سورة البروج (٨٥): آية ١٥]</span>\nذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)\n«١» بالرفع قراءة أبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ بالخفض فبعض النحويين يستبعد الخفض لأن المجيد معروف من صفات الله جلّ وعزّ فلا يجوز الجواب في كتاب الله بل على مذهب سيبويه «٢» لا يجوز في كلام ولا شعر وإنما هو غلط في قولهم: هذا جحر ضبّ خرب، ونظيره في الغلط الإقواء، ولكن القراءة بالخفض جائزة على غير الجوار على أن يكون التقدير إنّ بطش ربك الْمَجِيدُ نعت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4382>[سورة البروج (٨٥): آية ١٦]</span>\nفَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦)\nيكون خبرا بعد خبر كما حكى سيبويه «٣»: هذا حلو حامض، ويجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ ولا يكون نعتا لأنه نكرة: ولكن يجوز أن يكون بدلا أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4383>[سورة البروج (٨٥): آية ١٧]</span>\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)\nأي الذين تجنّدوا على عصيان الله جلّ وعزّ والردّ على رسله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4384>[سورة البروج (٨٥): آية ١٨]</span>\nفِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨)\nبدل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4385>[سورة البروج (٨٥): آية ١٩]</span>\nبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)\nمبتدأ وخبره، وكذا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4386>[سورة البروج (٨٥): آية ٢٠]</span>\nوَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)\nوكذا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4387>[سورة البروج (٨٥): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nبَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٩.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٥٠٠.\n(٣) انظر الكتاب ١/ ٥٠٠.","vol":"5","page":121},{"text":"بالخفض قراءة أبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وعاصم ويحيى وحمزة والكسائي، وهو المعروف في الحديث والروايات إنه اللوح المحفوظ أي المحفوظ من أن يزاد فيه أو ينقص منه مما رسمه الله فيه، وقرأ نافع وابن محيصن فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ «١» بالرفع على أنه نعت لقرآن أي بل هو قرآن مجيد محفوظ من أن يغير ويزاد فيه أو ينقص منه قد حفظه الله جلّ وعزّ من هذه الأشياء. فقد صحّت القراءة أيضا بالرفع ولهذا قال كثير من العلماء: من زعم أن القرآن قد بقي شيء منه فهو رادّ على الله كافر بذلك، والنص الذي لا اختلاف فيه إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] فنظير هذا «محفوظ» بالرفع.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٧٩، والبحر المحيط ٨/ ٤٤٦.","vol":"5","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4388>٨٦ شرح إعراب سورة الطارق</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4389>[سورة الطارق (٨٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١)\nوَالسَّماءِ خفض بواو القسم. وَالطَّارِقِ عطف عليها من قولهم طرق طروقا إذا أتى ليلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4390>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nوَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣)\nالنَّجْمُ بمعنى هو النجم الثاقب، ويجوز أن يكون الثَّاقِبُ نعتا للطارق، وأصحّ ما قيل في معنى الثاقب ما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس الثاقب قال:\nيقول: المضيء، وحكى الفراء: ثقب أي ارتفع وأنه زحل، قيل له: الثاقب لارتفاعه، وقال غيره: لطلوعه من المشرق كأنه يثقب موضعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4391>[سورة الطارق (٨٦): آية ٤]</span>\nإِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)\nإِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا «١» عَلَيْها حافِظٌ قراءة أبي عمرو ونافع والكسائي، وقرأ أبو جعفر والحسن إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) قال أبو جعفر: القراءة الأولى بيّنة في العربية تكون ما زائدة و«إن» مخففة من الثقيلة هذا مذهب سيبويه، وهو جواب القسم، والقراءة الثانية تكون «لمّا» بمعنى إلا عليها. قال أبو جعفر: حكى سيبويه «٢»، أقسمت عليك لمّا فعلت، بمعنى ألا فعلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4392>[سورة الطارق (٨٦): آية ٥]</span>\nفَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)\nمن نظر القلب والأصل فلينظر حذفت الكسرة لثقلها وجزم الفعل بلام الأمر وكسرت الراء لالتقاء الساكنين. مِمَّ خُلِقَ الأصل مما حذفت الألف لأنها استفهام، وتم الكلام.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٨٠، والبحر المحيط ٨/ ٤٤٨.\n(٢) انظر الكتاب ٣/ ١٢٢.","vol":"5","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4393>[سورة الطارق (٨٦): آية ٦]</span>\nخُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦)\nقال أبو جعفر: قول الكسائي والفراء أن معنى دافق مدفوق قال: وأهل الحجاز أفعل الناس لهذا يأتون بفاعل بمعنى مفعول إذا كان نعتا مثل «ماء دافق» وسرّ كاتم أي مكتوم. قال أبو جعفر: فاعل بمعنى مفعول فيه بطلان البيان، ولا يصح ولا ينقاس، ولو جاز هذا لجاز ضارب بمعنى مضروب، والقول عند البصريين أنه على النسب، كما قال: [الطويل] ٥٥٥- كليني لهم يا أميمة ناصب «١» وكما قال: [الطويل] ٥٥٦-\nوليس بذي سيف فيقتلني به ... وليس بذي رمح وليس بنبّال «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4394>[سورة الطارق (٨٦): آية ٧]</span>\nيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧)\nوقرأ عيسى مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وحكى الأصمعي: الصّلب بمعنى الصلب.\nوَالتَّرائِبِ جمع تربية، ويقال: تريب واختلف العلماء في معناه فمن أصح ما قيل فيه ما رواه عطيّة عن ابن عباس قال: الترائب موضع القلادة، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الترائب بين ثدي المرأة، وقال سعيد بن جبير: الترائب الأضلاع إلى أسفل الصلب وقال مجاهد: ما بين المنكبين والصدر، وقال الضحاك: الترائب اليدان والرجلان والعينان، وقال قتادة: الترائب نحو الصلب وروى الليث بن سعد عن معمر بن أبي حبيبة قال: الترائب غضارة القلب ومنه يكون الولد، قال أبو جعفر: هذه الأقوال ليست بمتناقضة لأنه يروى أن الماء يخرج من البدن كلّه حتى من كل شعره إلا أن القول الأول مستعمل في كلام العرب كما قال: [الوافر] ٥٥٧-\nومن ذهب يلوح على تريب ... كلون العاج ليس بذي غضون «٣»\nوكما قال: [الطويل] ٥٥٨-\nمهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسّجنجل «٤»\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٢٢٦) .\n(٢) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ٣٣، وشرح أبيات سيبويه ٣/ ٢٢١، والكتاب ٣/ ٤٢٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٤١، وشرح المفصّل ٦/ ١٤، ولسان العرب (نبل)، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٤٠، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٣/ ٧٤٥، ومغني اللبيب ١/ ١١١، والمقتضب ٣/ ١٦٢. [.....]\n(٣) الشاهد للمثقب العبد في شعره ص ٣٢، وديوان المفضليات ٥٧٩، وتفسير الطبري ٣٠/ ١٤٥.\n(٤) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ١٥، ولسان العرب (سجل)، وتهذيب اللغة ٥/ ٣٧٧، وتاج العروس (ترب) و(فيض)، و(هفف)، و(سجل) وبلا نسبة في لسان العرب (ترب) و(هفف) وديوان الأدب ٢/ ٨٦.","vol":"5","page":124},{"text":"وزعم الفراء «١» أن معنى بين الصلب والترائب من الصلب والترائب لا يجعل بين زائدة ولكن كما يقول: فلان هالك بين هذين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4395>[سورة الطارق (٨٦): آية ٨]</span>\nإِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨)\nاختلف العلماء في هذا الضمير. فمن أصحّ ما قيل فيه قول قتادة قال: على بعثه وإعادته فالضمير على هذا للإنسان. قال أبو جعفر: وقرئ على إبراهيم بن موسى عن محمد بن الجهم عن يحيى بن زياد عن مندل بن علي عن ليث عن مجاهد إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال على ردّ الماء في الإحليل. وهو مذهب ابن زيد قال على رجعه لقادر على حبسه حتى لا يخرج. هذان قولان، وعن الضحاك كمعناهما، وعنه قول ثالث: على رجعه لقادر قال: على رجعه بعد الكبر إلى الشباب وبعد الشباب إلى الصبا وبعد الصبا إلى النطفة. قال أبو جعفر: والقول الأول أبينهما واختاره محمد بن جرير غير أنه احتجّ بحجة لتقويته هي خطأ في العربية. زعم أن قوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ من صلة رجعه يقدره أنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر. قال أبو جعفر:\nوهذا غلط، ولو كان كذا لدخل في صلته رجعه ولفرقت بين الصلة والموصول بخبر «إن»، وذلك غير جائز ولكن يعمل في «يوم» ناصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4396>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nيَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠)\nأي تختبر وتظهر. قيل: يعني الصلاة والصيام وغسل الجنابة.\nفَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ قال قتادة: من قوة تمنعه من الله ﷿: وَلا ناصِرٍ ينصره منه، وقال الثوري: مِنْ قُوَّةٍ من عشيرة وَلا ناصِرٍ حليف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4397>[سورة الطارق (٨٦): آية ١١]</span>\nوَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١)\nقال أبو جعفر: أهل التفسير على أنه المطر لأنه يرجع كل عام إلا ابن زيد فإنه قال: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ شمسها وقمرها ونجومها. وجمع رجع رجعان سماع من العرب على غير قياس، ولو قيس لقيل أرجع ورجوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4398>[سورة الطارق (٨٦): آية ١٢]</span>\nوَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢)\nلأنها تصدع بالنبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4399>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nإِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)\nجواب القسم الثاني أي ذو فصل وكذا وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4400>[سورة الطارق (٨٦): آية ١٥]</span>\nإِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥)\nأي للنبي ﷺ وللمؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4401>[سورة الطارق (٨٦): آية ١٦]</span>\nوَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)\nأمهلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4402>[سورة الطارق (٨٦): آية ١٧]</span>\nفَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)\nنعت لمصدر أي إمهالا رويدا. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس «رويدا» قال: يقول: قريبا، وقال الحسن: قليلا.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٥٥.","vol":"5","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4403>٨٧ شرح إعراب سورة سبّح (الأعلى)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4404>[سورة الأعلى (٨٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)\nقال الفراء «١»: سبّح اسم ربك وسبّح باسم ربّك كلّ صواب. قال أبو جعفر: إن كان قدّر هذا على حذف الباء فلا يجوز: مررت زيدا، وإن كان قدّره مما يتعدّى بحرف وغير حرف فالمعنى واحد فليس كذلك لأن معنى سبّح باسم ربّك ليكن تسبيحك باسم ربّك وقد تكلّم العلماء في معنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى بأجوبة كلّها مخالف لمعنى ما فيه الباء. فمنهم من قال: معناه نزّه اسم ربك الأعلى وعظّمه عن أن تنسبه إلى ما نسبه إليه المشركون لأنه الأعلى أي القاهر لكلّ شيء أي العالي عليه، ومنهم من قال: أي لا تقل العزّى لأنها مشتقّة من العزيز، ولا اللات لأنهم اشتقوا من قولهم الله، ومنهم من قال: معنى سبّح اسم ربّك أي اذكر اسم ربك وأنت معظم له خاشع متذلّل ومنهم من قال معناه سبح اسم ربّك في صلاتك متخشعا مشغولا بها. قال أبو جعفر: والجواب الأول أبينها كما قرئ على محمد بن جعفر عن يوسف بن موسى عن وكيع ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) قال: سبحان ربي الأعلى.\nالْأَعْلَى في موضع خفض نعت لربك أو لاسم، والأولى أن يكون نعتا لما عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4405>[سورة الأعلى (٨٧): آية ٢]</span>\nالَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)\nالَّذِي خَلَقَ في موضع جرّ نعت للأعلى وإن شئت لربك، وجاز أن ينعت النعت، لأنه المنعوت في المعنى وعلى هذا جاز: يا يزيد الكريم ذو الجمّة. ومعنى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى الذي خلق الخلق فعدّل خلقه فصار كلّه حسنا في المفعول.\nوَالَّذِي قَدَّرَ «٢» أي قدر صورهم وأرزاقهم وأعمالهم فَهَدى قيل: فبيّن لهم،\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٥٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٥٣ (وقرأ الكسائي «قدر» مخفّف الدال من القدرة) .","vol":"5","page":126},{"text":"وقيل: المعنى: فهدى وأضل، وقيل: فهداهم إلى مصالحهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4406>[سورة الأعلى (٨٧): آية ٤]</span>\nوَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤)\nفي موضع خفض عطف والمرعى ما تأكله البهائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4407>[سورة الأعلى (٨٧): آية ٥]</span>\nفَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥)\nمفعولان وفيه قولان: أحدهما والذي أخرج المرعى أحوى أي أخضر يضرب إلى السواد فجعله غثاء، والقول الآخر والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أسود. وهذا أولى بالصواب، وإنما يقع التقديم والتأخير إذا لم يصحّ المعنى على غيره ولا سيما وقد روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فجعله غثاء أحوى يقول: هشيما متغيّرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4408>[سورة الأعلى (٨٧): آية ٦]</span>\nسَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦)\nفيه قولان أحدهما فلا تترك، والآخر أن يكون من النسيان. فهذا أولى لأن عليه أهل التأويل. قال مجاهد: كان النبي ﷺ يقرأ في نفسه لئلا ينسى، وقال عبد الله بن وهب: حدّثني مالك بن أنس في قوله سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى قال: تحفظ «إلّا ما شاء الله» والمعنى في القولين جميعا فليس تنسى، وهو خبر وليس بنهي، ولا يجوز عند أكبر أهل اللغة أن ينهى إنسان عن أن ينسى لأن النسيان ليس إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4409>[سورة الأعلى (٨٧): آية ٧]</span>\nإِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧)\nإِلَّا ما شاءَ اللَّهُ في موضع نصب على الاستثناء، وفي معناه أقوال فعلى الجواب الأول لست تترك شيئا مما أمرك الله به إلا ما شاء الله جلّ وعزّ أن ننسخه فيأمرك بتركه فتتركه، وقيل: فلست تنسى إلا ما شاء الله أن تنساه ولا يشاء الله أن تنسى منه شيئا.\nوهذا قول الفراء وشبهه بقوله خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [هود: ١٠٧] وقيل المعنى فلست تنسى إلا ما شاء الله مما يلحق الآدميين، وقيل: لست تنسى إلا ما شاء الله أن يرفعه ويرفع تلاوته فهذه أربعة أجوبة، وجواب خامس أن يكون المعنى فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء الله والله أعلم بما أراده. إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ أي ما ظهر وعلن وَما يَخْفى ما كتم وما ستر أي فلا تعملوا بمعاصيه فإنه يعلم ما ظهر وما بطن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4410>[سورة الأعلى (٨٧): آية ٨]</span>\nوَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨)\nأي للحال اليسرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4411>[سورة الأعلى (٨٧): آية ٩]</span>\nفَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩)\nفيه قولان أحدهما فذكّر في كل حال إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع مثل سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] والجواب الآخر أن الذكرى تنفع بكلّ حال فيكون المعنى كما تقول: فذكّر إن كنت تفعل ما أمرت به.","vol":"5","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4412>[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٠]</span>\nسَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠)\nقال الحسين بن واقد: هو أبو بكر الصديق ﵁ قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4413>[سورة الأعلى (٨٧): آية ١١]</span>\nوَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١)\nقال: عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4414>[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٢]</span>\nالَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢)\nقال: جهنم، وقال الفراء: السفلى من أطباق النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4415>[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٣]</span>\nثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣)\nفي معناه أقوال: قيل: نفوس أهل النار في حلوقهم لا تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها من أجسادهم فيحيوا، وقيل: لا يموتون فيستريحوا ولا يحيون حياة ينتفعون بها، وقيل: هو من قول العرب إذا كان في شدة شديدة ليس بحيّ ولا ميت كما قال: [الخفيف] ٥٥٩-\nليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4416>[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٤]</span>\nقَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)\nفي معناه قولان: روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: من تزكّى من الشرك أي تطهر، وقال الحسن «٢»: من تزكى من كان عمله زاكيا والقول الآخر عن قتادة قال:\nمن تزكّى أدّى زكاة ماله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4417>[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٥]</span>\nوَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال وحده قال: فَصَلَّى يقول: فصلى الصلوات الخمس، وقال غيره صلّى هاهنا دعا، والصواب عند محمد بن جرير أن يكون المعنى صلّى فذكر اسم ربّه في صلاته بالتحميد والتمجيد. قال أبو جعفر: وهذا غلط على قول أهل العربية لأنه جعل ما قبل الفاء بعدها، وهذا عكس ما قاله النحويون، والصواب قول ابن عباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4418>[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٦]</span>\nبَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦)\nوإن شئت أدغمت اللام في التاء، وفي قراءة أبيّ «بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا» «٣» وهذه قراءة على التفسير وقرأ أبو عمرو «بل يؤثرون» بالياء على أنه مردود على الأشقى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4419>[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٧]</span>\nوَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧)\nمبتدأ وخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4420>[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٨]</span>\nإِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨)\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٣٥٢) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٥٤.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٥٧، والبحر المحيط ٨/ ٤٥٥.","vol":"5","page":128},{"text":"في معناه ثلاثة أقوال: أحدها أن قوله جلّ وعزّ والآخرة خير وأبقى في الصحف الأولى، وهذا كأنه مذهب قتادة، وقيل الفلاح لمن تزكى وذكر اسم ربه فصلى في الصحف الأولى، والقول الثالث أنه يعني به السورة كما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى عن وكيع عن شريك عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سبّح اسم ربّك الأعلى من صحف إبراهيم وموسى والله أعلم بما أراد إلا أن قول قتادة حسن لأنه لما يليه، وسبيل الشيء أن يكون لما يليه إلّا أن تأتي حجة قاطعة تغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4421>[سورة الأعلى (٨٧): آية ١٩]</span>\nصُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)\nعلى البدل والصحيفة الكتاب.","vol":"5","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4422>٨٨ شرح إعراب سورة الغاشية</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4423>[سورة الغاشية (٨٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١)\nأهل التفسير على أن معنى حديث وخبر واحد، ودلّ هذا على أن معنى حدثنا وأخبرنا واحد، ويدلّ على هذا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها [الزلزلة: ٤] لأن معنى تحدّث وتخبّر واحد. ولأهل التأويل في الغاشية قولان: روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الغاشية من أسماء يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: الغاشية النار. قال أبو جعفر: والقولان متقاربان لأن القيامة تغشى الناس بأهوالها والنار في القيامة تغشى الناس بما فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4424>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣)\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) مبتدأ وخبره. قال قتادة: خاشعة في النار يعني ذليلة.\nواختلف أهل التأويل في قوله جلّ وعزّ: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) فمنهم من قال: عاملة ناصبة في الدنيا، وهذا يتأول لأنه قول عمر ﵁ وتقديره في العربية وجوه يومئذ خاشعة وتمّ الكلام ثم قال: عاملة أي هي في الدنيا «عاملة ناصبة»، ويجوز أن يكون التقدير: وجوه عاملة ناصبة يومئذ خاشعة أي يوم القيامة خاشِعَةٌ خبر الابتداء، وجاز أن يبدأ بنكرة لأن المعنى للكفار وإن كان الخبر جرى عن الوجوه، وقال عكرمة:\nعاملة في الدنيا بمعاصي الله جلّ وعزّ ناصبة في النار. التقدير على هذا أن يكون التمام عاملة. وقول الحسن وقتادة إن هذه الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة وإنها لما لم تعمل في الدنيا أعملها الله في النار وأنصبها. فعلى هذا يكون عاملة ناصبة من نعت خاشعة أو يكون خبرا، وهو جواب حسن لأنه لا يحتاج فيه إلى إضمار ولا تقديم ولا تأخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4425>[سورة الغاشية (٨٨): آية ٤]</span>\nتَصْلى نارًا حامِيَةً (٤)","vol":"5","page":130},{"text":"قراءة الجماعة إلا أبا عمرو فإنه قرأ تَصْلى «١» لا نعلم غيره قرأ به واحتجّ بتسقى والمعنيان واحد لأنها تصلى فتصلي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4426>[سورة الغاشية (٨٨): آية ٥]</span>\nتُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)\nقال عطاء: قد انتهى حرّها، وقال ابن زيد: آنية حاضرة. قال أبو جعفر.\nوالمعروف القول الأول وآنية هاهنا مخالفة للتقدير لقوله: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ [الإنسان: ١٥] وإن كان اللفظ بها واحدا لأن بآنية الألف الثانية فيها بدل من الهمزة والألف في غير الآنية زائدة، ووزنها فاعلة ووزن تلك أفعلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4427>[سورة الغاشية (٨٨): آية ٦]</span>\nلَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦)\nاختلف أهل التأويل في تفسير الضريع فروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال:\nالضريع شجر من نار، وقال ابن زيد: الضريع الشوك من النار. وهو عند العرب شوك يابس لا ورق فيه وعن عكرمة الضريع الحجارة. وعن الحسن قولان: أحدهما الضريع الزقوم، والآخر أن الضريع الذي يضرع ويذلّ من أكله لمرارته وخشونته. قال أبو جعفر: وهذا القول جامع للأقوال كلها وقد قال عطاء: الضريع الشبرق. قال أبو جعفر: وهذا القول الذي حكاه أهل اللغة. الشبرق: شجر كثير الشوك تعافه الإبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4428>[سورة الغاشية (٨٨): آية ٧]</span>\nلا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)\nأي لا يشبع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4429>[سورة الغاشية (٨٨): آية ٨]</span>\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨)\nمبتدأ وخبره، وجاء بغير واو ولو كان بالواو كان عطف جملة على جملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4430>[سورة الغاشية (٨٨): آية ٩]</span>\nلِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩)\nقال أبو جعفر: يكون التقدير: بثواب عملها راضية يجوز النصب في راضية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4431>[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٠]</span>\nفِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠)\nأي بستان رفيع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4432>[سورة الغاشية (٨٨): آية ١١]</span>\nلا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١)\nقال أبو جعفر: فيها أربع قراءات «٢» إحداها شاذة وأربعة أقوال أحدها شاذ. قرأ\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٨٠، والبحر المحيط ٨/ ٤٥٧.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٨٠، والبحر المحيط ٨/ ٤٥٨.","vol":"5","page":131},{"text":"ابن كثير ونافع لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً بالتاء ورفع لاغية وقرأ ابن محيصن «لا يسمع فيها لاغية» بالياء والرفع وقرأ أبو جعفر وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً بفتح التاء، والقراءة الشاذة لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً بمعنى لا تسمع الوجوه فيها والمراد أصحابها، وقد تقدم ذكر الوجوه والقراءة الأولى أجمعها للمعاني، والقراءة الثانية بالتذكير لأن لاغية ولغوا واحد، والقراءة الثالثة لا تسمع الوجوه والأقوال الأربعة منها عن ابن عباس لاغية أذى وباطل، وقال مجاهد: لاغية شتم، وقال قتادة لاغية باطل وتأثم، وقال أبو جعفر: وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعاني أي كله لغو باطل، وقيل: لاغية على المجاز: قال الأخفش سعيد: كما قال الحطيئة: [مجزوء الكامل] ٥٦٠-\nوغررتني وزعمت أنّ ... ك لابن بالصّيف تامر «١»\nوقال الفراء «٢» لاغية أي حالفا بكذب. قال أبو جعفر: وهذا القول شاذ لأنه خارج عن قول أهل التفسير ولا يطلق لأحد أن يخرج عن جملتهم في ما قالوه وإن كان قوله محتملا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4433>[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٢]</span>\nفِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢)\nالعين مؤنّثة، وقد حكى تذكيرها، كما قال: [البسيط] ٥٦١- والعين بالإثمد الحاريّ مكحول «٣» ولا يعرف الأصمعي في العين إلا التأنيث. قال أبو جعفر: وهو الصحيح، وفي هذا البيت قولان: قال محمد بن يزيد: ما لم يكن فيه علامة التأنيث وكان غير حقيقي التأنيث فلك تذكيره نحو: هذا نار وذاك دار، وأما الأصمعي فقال: مكحول للحاجب لأنه قد تقدّم ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4434>[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٣]</span>\nفِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)\nأي لينظروا إلى الله من فوق سريره إلى ما خوّله الله جلّ وعزّ من نعمه.\n_________\n(١) الشاهد للحطيئة في ديوانه ٣٣، والكتاب ٣/ ٤٢٠، وأدب الكاتب ٣٢٧، والخصائص ٣/ ٢٨٢، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٣٠، وشرح المفصّل ٦/ ١٣، ولسان العرب (لبن)، وبلا نسبة في رصف المباني ص ٧٢، والصاحبي في فقه اللغة ١٨١.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٥٧.\n(٣) الشاهد لطفيل الغنويّ في ديوانه ص ٥٥، والكتاب ٢/ ٤٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٨٧، وشرح شواهد الإيضاح ٣٤٢، ولسان العرب (صرخد)، وبلا نسبة في سرّ صناعة الإعراب ٢/ ٦٦٩، وشرح المفصّل ١/ ١٨، ولسان العرب (هجج)، وصدره:\n«إذ هي أحوى من الرّبعيّ حاجبه»","vol":"5","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4435>[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٤]</span>\nوَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)\nقيل: على جوانب العين مملوءة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4436>[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٥]</span>\nوَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥)\nأي بعضها إلى جنب بعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4437>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)\nوَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) الواحد زريبة. قال الفراء «١»: هي الطنافس التي لها خمل، قال: مبثوثة كثيرة. أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) في معناها قولان: أحدهما أنها السحاب والصحيح أنها الجمال وذلك المعروف في كلام العرب. قال قتادة: لمّا نعت الله نعيم الجنة عجب أهل الضلالة من ذلك فأنزل الله جلّ وعزّ: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وكانت الإبل من عيش العرب ومرجوّهم. قال أبو جعفر:\nالمعنى: أفلا يفكرون فيعلموا أن من خلق هذه الأشياء قادر على خلق ما يريد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4438>[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٨]</span>\nوَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)\nأي كيف رفعت فوقهم بغير عمد يرونها ليستدلّوا على عظيم قدرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4439>[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٩]</span>\nوَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)\nأي أقيمت منتصبة لا تسقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4440>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)\nقال قتادة: بسطت.\nفَذَكِّرْ وحذف المفعول لعلم السامع أي فذكّر عبادي حججي وآياتي إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ أي ليس عليك إلا التذكير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4441>[سورة الغاشية (٨٨): آية ٢٢]</span>\nلَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)\n«٢» قال ابن زيد: أي لست تردّهم إلى الإيمان، وعن ابن عباس بمسيطر بجبار ...\nقال أبو جعفر: أصله السين مشتق من السطر لأن معنى السطر هو الّذي لا يخرج عن الشيء قد منع من ذلك. ويقال: تسيطر إذا تسلّط وتبدل من السين صاد لأن بعدها طاء، وقيل: إنها منسوخة بقوله جلّ وعزّ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥]، وقيل: ليست منسوخة لأنهم إذا أظهروا الإسلام تركوا على جملتهم ولم يتسلّط عليهم كما قرئ على أحمد بن شعيب عن عمرو بن منصور عن أبي نعيم عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابهم على الله» ثم تلا إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) بمسيطر» «٣» .\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٥٨. [.....]\n(٢) انظر تيسير الداني ١٨٠.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٣، ومسلم في الإيمان ٣٢، ٣٣، والنسائي في سننه ٧/ ٧٧، والترمذي في سننه (٢٦٠٦)، وأحمد في مسنده ١/ ١١، ١٩.","vol":"5","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4442>[سورة الغاشية (٨٨): آية ٢٣]</span>\nإِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣)\nإِلَّا مَنْ تَوَلَّى في موضع نصب استثناء ليس من الأول أي لكن من تولى وأعرض عن ذكر الله وَكَفَرَ يعذّبه الله ويجوز أن يكون في موضع نصب استثناء من المفعول المحذوف أي فذكر عبادي إلا من تولّى وكفر كما تقول: عظ الناس إلا من تولّى عنك ولم يقبل منك، ويجوز أن يكون استثناء بمعنى أنت مذكّر الناس إلا من تولّى، وقول رابع أن يكون من في موضع خفض على البدل من الهاء والميم في عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4443>[سورة الغاشية (٨٨): آية ٢٤]</span>\nفَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)\nوهو عذاب جهنّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4444>[سورة الغاشية (٨٨): آية ٢٥]</span>\nإِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥)\nوقرأ أبو جعفر إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ بالتشديد، وقيل: هو لحن لأنه من آب يئوب فلو كان مشددا كان إوّابهم وكان يكون إيوابهم كما يقال: ديوان الأصل دوّان فالدليل على ذلك قولهم في الجمع دواوين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4445>[سورة الغاشية (٨٨): آية ٢٦]</span>\nثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)\nأي حسابهم على كفرهم ليجازيهم على ذلك.","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4446>٨٩ شرح إعراب سورة الفجر</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4447>[سورة الفجر (٨٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْفَجْرِ (١)\nخفض بواو القسم وعن ابن عباس في معناه ثلاثة أقوال: منها أنه فجر السنة المحرّم، وإنه النهار، وأنه صلاة الفجر، وأما مسروق فقال: هو فجركم هذا، قال:\nواختلف العلماء في الفجر فأهل الكوفة يقولون: هو البياض، وأهل المدينة يقولون:\nهو الحمرة، وقد حكي عن العرب: ثوب مشفق ومشفّق أي مصبوغ بالحمرة.\nوَلَيالٍ عطف والأصل فيها ليالي ولو جاء على الأصل لقلت: وليالي يا هذا، لا ينصرف كما قال الشاعر: [الرجز] ٥٦٢- قد عجبت منّي ومن يعيليا «١» فكره أن يختلف المعتلّ فجيء بالتنوين بعد أن حذفت الياء عوضا منها، وقيل:\nمن الحركة عَشْرٍ نعت لليال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4448>[سورة الفجر (٨٩): آية ٣]</span>\nوَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)\nقراءة «٢» أبي جعفر وشيبة ونافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال أبو جعفر: هو اختيار أبي عبيد واحتجّ بأشياء منها أنه الأكثر في عادة الناس وأنّ المحدّثين كذا يقولونه. قال أبو جعفر:\nلو قال قائل: الأكثر في عادة الناس الفتح لكان أشبه وإن كان له حجة في كليهما ولا في\n_________\n(١) الرجز للفرزدق في الدرر ١/ ١٠٢، وشرح التصريح ٢/ ٢٢٨، وبلا نسبة في الكتاب ٣/ ٣٤٨، والخصائص ١/ ٦، وشرح الأشموني ٢/ ٥٤١، ولسان العرب (علا) و(قلا)، وما ينصرف وما لا ينصرف ص ١١٤، والمقتضب ١/ ١٤٢، والممتع في التصريف ٢/ ٥٥٧، والمنصف ٢/ ٦٨، وهمع الهوامع ١/ ٣٦.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٨٠، والبحر المحيط ٨/ ٤٦٣.","vol":"5","page":135},{"text":"قول المحدثين لأن المحدث لا يضبط مثل هذا، ولا يحتاج إلى ضبطه. ولو قال قائل:\nإنّ الفتح أولى لأن قبله والشفع وهو مفتوح لكان قد قال قولا يشبه الاحتجاجات، ولكنهما لغتان حسنتان كما قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل بن إسحاق قال:\nقرأت على أبي عثمان المازني وأبي إسحاق الزيادي عن الأصمعي قال: كل فرد وتر أهل الحجاز يفتحون الوتر ويكسرون الوتر من الذّحل، ومن تحتهم من قيس وتميم يسوّون بينهما. قال أبو جعفر: وقد بيّن الأصمعي أنهما لغتان وفي حديث عمر وابن عمر عن النبي ﷺ «الذي تفوته صلاة العصر كأنّما وتر أهله وماله» «١» يجوز أن يكون مشتقا من الوتر وهو الذحل فيكون المعنى فكأنما سلب أهله وماله بما فاته من الفضل بأن فاتته صلاة. يقال: وتره يتره وترا وترة إذا سلبه، والاسم الوتر، ويجوز أن يكون مشتقا من الوتر أي الفرد فيكون المعنى كأنما نقص أهله وماله أي بقي فردا. وخص رسول الله ﷺ صلاة العصر بهذا في ما قيل لأنها كانت وقت أشغالهم ومبايعاتهم فكان حضورها يصعب عليهم وقال: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: ٢٣٨] الصحيح أنها صلاة العصر وذلك موافق للحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4449>[سورة الفجر (٨٩): آية ٤]</span>\nوَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)\nوالأصل يسري حذفت الياء في الخط لأنها رأس آية، ومن أثبتها في الإدراج جاء بها على الأصل وحذفت في الوقف اتّباعا للمصحف الذي لا يحلّ خلافه، وحسن ذلك لأن كل ما يوقف عليه يسقط إعرابه ومن حسن ما قيل في معنى يسري أنه إذا أقبل عند إدبار النهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4450>[سورة الفجر (٨٩): آية ٥]</span>\nهَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)\nقيل: أي مقنع. ومن حسن ما قيل فيه أن المعنى هل في ذلك مما يقسم به أهل العقل تعظيما لما أقيم به وتوكيدا لما أقسم عليه، واستدلّ بعض العلماء بهذا وبتعظيمه على أن المعنى وربّ الفجر لأن أهل العقل والإيمان لا يقيمون إلا بالله جلّ وعزّ، وقد حظر رسول الله ﷺ أن يقول أحد والكعبة بل خبر عن الله جلّ وعزّ كما روى عمر وابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «٢» قال عمر فما حلفت بها ذاكرا ولا آثرا. وفي حديث آخر «من حلف بغير الله فقد أشرك» «٣» وفي آخر «فقد كفر» . قال أبو جعفر: قوله فما حلفت بها كناية عن\n_________\n(١) مرّ تخريجه في إعراب الآية ٣٥- محمد.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٣٣، ومسلم في الإيمان ١، ٣، والترمذي في سننه (١٥٣٤)، وأحمد في مسنده ١/ ١٨.\n(٣) مرّ تخريجه في إعراب الآية ٤- الأحقاف.","vol":"5","page":136},{"text":"اليمين ولم يتقدّم لها ذكر لعلم السامع، وقوله ذاكرا أي قائلا كما يقال: ذكر لي فلان كذا، ولا آثرا أي مخبرا ومعنى «من حلف بغير الله فقد أشرك» فعل فعل المشركين. وكذا فقد كفر. فهذا قول، وقيل: فقد أشرك فقد جعل لله شريكا في التعظيم، وقيل: معنى «فقد كفر» فقد غطّى وستر أمر الله لأنه أمر أن لا يحلف إلّا بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4451>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧)\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) «١» صرف عادا جعله اسما للحقّ، وقراءة الضحاك بِعادٍ بغير صرف جعله اسما للقبيلة، وفي قراءة الحسن بِعادٍ إِرَمَ أضاف عاد إلى إِرَمَ ولم يصرف إرم. وهذه الآية مشكلة على كثير من أهل العربية يقول كثير من الناس إنّ إرم اسم موضع فكيف يكون نعتا لعاد أو بدلا منه؟ ويقال: كيف صرف عاد ولم يصرف إرم؟ فقد زعم محمد بن كعب القرطبيّ أن إرم الإسكندرية، وقال المقبريّ: إرم دمشق وكذا قال مالك بن أنس بلغني أنها دمشق رواه عنه ابن وهب، وقال مجاهد: إرم القديمة، وقد روي عنه غير هذا، وعن ابن عباس إرم الهالك، وعن قتادة إرم القبيلة. قال أبو جعفر: والكلام في هذا من جهة العربية أن أبين ما فيه قول قتادة: إن ارم قبيل من عاد فأما أن يكون إرم الإسكندرية أو دمشق فبعيد لقول الله تعالى: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ [الأحقاف: ٢١] والحقف ما التوى من الرمل، وليس كذا دمشق ولا الإسكندرية. وقد قيل إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ مدينة عظيمة موجودة في هذا الوقت فإن صحّ هذا فتلخيصه في النحو أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ صاحبة إرم مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] ذاتِ الْعِمادِ نعت لعاد على معنى القبيلة أو لأرم وكذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4452>[سورة الفجر (٨٩): آية ٨]</span>\nالَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨)\nوفي قراءة ابن الزبير الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ أي لم يخلق ربّك مثل عاد في البلدان على عظم أجسادهم وقوتهم فلم يغن ذلك عنهم شيئا لمّا خالفوا أمر الله جلّ وعزّ فأهلكهم.\n«وثمود» في موضع خفض، والتقدير وبثمود لم ينصرف لأنه اسم للقبيلة، ومن صرفه جعله اسما للحي، ومن خفضه بغير تنوين حذف التنوين لالتقاء الساكنين «الذين» في موضع خفض على النعت، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى أعني، وفي موضع رفع بمعنى هم الذين جابوا الصخر بالوادي. وجابوا من ذوات الواو جاب\n_________\n(١) انظر القراءات في البحر المحيط ٨/ ٤٦٤، والمحتسب ٢/ ٣٥٩، والإتحاف ٢٧٠.","vol":"5","page":137},{"text":"الشيء يجوبه إذا قطعه ودخل فيه، وحذفت الياء من الواو لأنه رأس آية والكسرة تدل عليها.\nوَفِرْعَوْنَ في موضع خفض، والمعنى وبفرعون، ولم ينصرف لأنه اسم أعجمي ذِي الْأَوْتادِ من نعته وعن ابن عباس ذِي الْأَوْتادِ ذي الجنود. قال أبو جعفر: قد ذكرنا فيه غير هذا أي ذي الجنود الكثيرة المحتاجة لضرب الأوتاد في أسفارها.\nالَّذِينَ طَغَوْا أي تجاوزوا أمر الله جلّ وعزّ في البلاد أي الذين كانوا فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4453>[سورة الفجر (٨٩): آية ١٢]</span>\nفَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢)\nعلى تأنيث الجماعة يكون جمع بلد، والتذكير جائز يراد به الجمع أو الواحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4454>[سورة الفجر (٨٩): آية ١٣]</span>\nفَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣)\nويجوز بالصاد لأن بعد السين طاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4455>[سورة الفجر (٨٩): آية ١٤]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)\nمن أحسن ما قيل فيه إنه مجاز أي يرصد أعمال العباد أي لا يفوته شيء، وقال سفيان: المرصاد القنطرة الثالثة من جهنم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4456>[سورة الفجر (٨٩): آية ١٥]</span>\nفَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)\nفَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ أي اختبره فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ في معنى هذا وما بعده قولان: أحدهما وهو قول قتادة أن الإنسان إذا أنعم الله عليه ووسع قال: أكرمني ربّي بهذا فإذا ضيق عليه رزقه قال: أهانني فزجر الله الإنسان عن هذا وعرفه أنه ليس التوسيع عليه من إكرامه ولا التضييق عليه من إهانته. قال قتادة: وإنما إكرامه إياه بطاعته وإهانته إليه بمعصيته، والقول الآخر إن الإنسان إذا واسع الله عليه حمد الله جلّ وعزّ فإذا ضيّق عليه لم يحمده فزجره الله، لأنه يجب أن يحمده في الحالين، والزجر في قوله: كَلَّا ويدلّ على صحة الجواب الأول ما بعد الآية بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وما بعده أي فبهذا الإهانة وبضدّه الكرامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4457>[سورة الفجر (٨٩): آية ١٨]</span>\nوَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨)\n«١» حذف المفعول لعلم السامع أي ولا تحضّون الناس، ومن قرأ تَحَاضُّونَ قدّره بمعنى تتحاضون، حذفت إحدى التائين كما قال وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: ١٠٣] .\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٨٠، والبحر المحيط ٨/ ٤٦٦.","vol":"5","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4458>[سورة الفجر (٨٩): آية ١٩]</span>\nوَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩)\nالتاء مبدلة من الواو لأنها أقرب الزوائد إليها أَكْلًا مصدر لَمًّا من نعته.\nقال الفراء «١»: شديدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4459>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)\nقال: كثيرا. قال أبو جعفر كَلَّا تماما في كلّ القرآن قال: المعنى: لا ينبغي أن يكونوا هكذا وانزجروا عن هذا الفعل. إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا عن ابن عباس أي حرّكت وهو مصدر مؤكّد، وكذا الذي بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4460>[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٢]</span>\nوَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)\nوَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا يعني الملائكة صَفًّا صَفًّا مصدر في موضع الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4461>[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٣]</span>\nوَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣)\nوَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ في موضع اسم ما لم يسمّ فاعله، ويجوز أن يكون الاسم المصدر يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ويجوز إدغام التاء في الذال وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى قال الضحاك التوبة، وقيل: المعنى من أيّ جهة له منفعة الذّكرى.\nيَقُولُ يا لَيْتَنِي ومن العرب من يقول: ليتي يشبّهه بأنّي. قال الضحاك: قَدَّمْتُ لِحَياتِي في الآخرة. قال الحسن: علم أنّ ثمّ حياة لا نفاذ لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4462>[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٥]</span>\nفَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥)\nهذه قراءة أبي عبد الرّحمن السلمي والحسن وأبي جعفر وشيبة ونافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم والأعمش وحمزة. وهي القراءة التي قامت بها الحجة من جهة الإجماع وقرأ الكسائي فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ «٢» قال:\nوهذا اختيار أبي عبيد، واحتج بحجتين واهيتين إحداهما الحديث زعم عن النبي ﷺ.\nقال أبو جعفر: والحديث لا يصحّ سنده حدّثناه محمد بن الوليد عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال: ثنا هشام وعبّاد بن عبّاد عن خالد عن أبي قلابة عمن أقرأه النبي ﷺ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ بفتح الذال والثاء. قال أبو جعفر: وهذا الحديث بيّن لأنه إذا وقع في الحديث مجهول لم يحتجّ به في غير القرآن فكيف في كتاب الله ومعارضته الجماعة الذين قراءتهم عن النبي؟ وحجته الأخرى\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٦٢.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٨٠.","vol":"5","page":139},{"text":"أنه قد علم المسلمون أنه ليس أحد يوم القيامة يعذّب إلا الله فكيف يكون لا يعذّب أحد عذابه، هذه حجّته. قال أبو جعفر: وأغفل ما قاله العلماء في تأويل الآية لأنهم قالوا، منهم الحسن: لا يعذّب أحد في الدنيا بمثل عذاب الله يوم القيامة. وتأوّل أبو عبيد معنى لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ لا يعذّب عذاب الكافر أحد. وخولف أيضا في هذا التأويل، وممن خالفه الفراء «١» ذهب إلى أن المعنى: لا يعذّب أحد في الدنيا مثل عذاب الله في الآخرة، وفيه قول ثالث أنه يراد به رجل بعينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4463>[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٧]</span>\nيا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)\nويجوز يا أيّها لإبهام أيّ النَّفْسُ نعت لأيّ والْمُطْمَئِنَّةُ نعت للنفس فإن جعلتها نعتا لأي جاز نصبها، لأن قد تمّ الكلام كما تقول: يا زيد الكريم أقبل.\nوالمعنى المطمئنة بوعد الله جلّ وعزّ ووعيده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4464>[سورة الفجر (٨٩): آية ٢٨]</span>\nارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)\nارْجِعِي إِلى رَبِّكِ في معناه قولان قال سعيد بن جبير: إلى جسدك فالمعنى على هذا أن النفس خوطبت. قال الضحاك: إلى الله فالمعنى على هذا أن المخاطبة للإنسان وإليه يذهب الفراء، وإلى أنّ المعنى أنّ الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بأيمانهم هذا أي ارجعي إلى ثواب ربك.\nفَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) أي في عبادي الصالحين أي كوني معهم. قال الفراء «٢»:\nوقرأ ابن عباس وحده «فادخلي في عبدي» «٣» . قال أبو جعفر: وهذا غلط: أعني قوله وحده، هذه قراءة مجاهد وعكرمة وأبي جعفر والضحاك. وتقديرها في العربية على معنى الجنس أي لتدخل كلّ روح في عبد وقيل: هو واحد يدلّ على جمع وعلامة الجزم في ادخلي عند الكوفيين حذف النون، والبصريون يقولون: ليس بمعرب لأنه غير مضارع ولا عامل معه فيجزمه، وزعم الفراء أن العامل فيه اللام وهي محذوفة.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٦٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٦٣.\n(٣) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٦٧. [.....]","vol":"5","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4465>٩٠ شرح إعراب سورة البلد</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4466>[سورة البلد (٩٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١)\nفي لا ثلاثة أقوال: قال الأخفش: تكون صلة فهذا قول، وقيل: هي بمعنى ألا ذكره أيضا الأخفش، والقول الثالث قول أهل التأويل، روى الحسن «١» عن مجاهد قال: «لا» ردّ لكلامهم ثم ابتدأ أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ. قال أبو جعفر: في قوله جلّ وعزّ الْبَلَدِ ثلاثة أقوال: يكون نعتا لهذا، ويكون بدلا، وأولاها الثالث أن يكون عطف البيان والنحويون يذكرون عطف البيان على جملته وما علمت أن أحدا بيّنه والفرق بينه وبين البدل إلا ابن كيسان، قال: الفرق بينهما أن معنى البدل أن تقدّر الثاني في موضع الأول وكأنك لم تذكر الأول، ومعنى عطف البيان أن يكون تقدر أنك إن ذكرت الاسم الأول لم يعرف إلا بالثاني وإن ذكرت الثاني لم يعرف إلا بالأول فجئت مبينا للأول قائما له مقام النعت والتوكيد. قال: وبيان هذا في النداء يا أخانا زيد أقبل على البدل كأنك رفعت الأول وقلت: يا زيد: فإن أردت عطف البيان قلت: يا أخانا زيدا أقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4467>[سورة البلد (٩٠): آية ٢]</span>\nوَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢)\nقال الأخفش: حلّ وحلال وحرم وحرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4468>[سورة البلد (٩٠): آية ٣]</span>\nوَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣)\nوَوالِدٍ واو عطف لا واو قسم، وكذا وَما وَلَدَ وقال أبو عمران الجوني:\nوَوالِدٍ إبراهيم ﷺ وولده، وروي عن ابن عباس الوالد الذي ولد، وَما وَلَدَ ولده.\nقال أبو جعفر: وهذا على أنه عام وكأنه أبين ما يقال: ويكون التقدير ووالد وولادته حتى يكون «ما» للمصدر.\n_________\n(١) انظر الطبري ٣٠/ ١٩٥.","vol":"5","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4469>[سورة البلد (٩٠): آية ٤]</span>\nلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤)\nقال أبو جعفر: قد ذكرناه، ومن أبين ما قيل في معناه قول عطاء قال: في كبد في مكابدة للأمور. قال الحسن: يكابد السرّاء والضرّاء، وليس أحد يكابد الأمور ما يكابد ابن آدم، وقال سعيد بن أبي الحسن: يكابد أمر الدنيا وأمر الآخرة وقال مجاهد: يكون نطفة وعلقة ولا يزال في مكابدة. فهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد، وهو أبين ما قيل فيها أي يكابد الأمور ويعالجها. فهذا الظاهر من كلام العرب في معنى كبد. قال ذو الإصبع العدواني: [البسيط] ٥٦٣-\nلي ابن عمّ لو أنّ النّاس في كبد ... لظلّ محتجرا بالنّبل يرميني «١»\nوقال لبيد: [المنسرح] ٥٦٤- قمنا وقام الخصوم في كبدي «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4470>[سورة البلد (٩٠): آية ٥]</span>\nأَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)\nقيل يعني بهذا الكافر أي أيحسب أن لن يقدر الله عليه فيعاقبه فخبر جلّ ثناؤه بجهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4471>[سورة البلد (٩٠): آية ٦]</span>\nيَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا (٦)\nقيل: يدافع بهذا عن فعل الخيرات، وقيل: قال هذا تندّما، ويدلّ على هذا الجواب ما بعده. قال أبو جعفر: يكون لبد جمع لبدة، وقد يكون واحدا مثل حطم، وروي عن أبي جعفر أنه قرأ لبدا جمع لا بد، وعن مجاهد أنه قال قرأ لبدا جمع لبود، ولا نعلم اختلافا في معناه أنه الكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4472>[سورة البلد (٩٠): آية ٧]</span>\nأَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)\nوالأصل يرأه قلبت حركة الهمزة على الراء فانفتحت وسقطت الهمزة. قال أبو جعفر: وما علمت أحدا من النحويين تكلّم في علّة الهمزة لم تسقط إذا ألقيت حركتها على ما قبلها إلّا علي بن سليمان، سألته عنه قال: لمّا سقطت حركة الهمزة وسكنت وكانت الراء قبلها ساكنة فحرّكت حركة عارضة فكان حكمها حكم الساكن وبعدها ساكن فحذف ما بعدها وهو الهمزة.\n_________\n(١) الشاهد في ديوان المفضليات ٣٢٦، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٨٨.\n(٢) الشاهد للبيد في ديوانه ١٦٠، وتذكرة النحاة ص ١١٨، والخصائص ٣/ ٣١٨، ولسان العرب (كبد)، وبلا نسبة في الخصائص ٢/ ٢٠٥ ولسان العرب (عدل)، وصدره:\n«يا عين هلّا بكيت أربد إذ»","vol":"5","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4473>[سورة البلد (٩٠): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nأَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ (٩)\nاللّسان يذكّر ويؤنّث فمن ذكره جمعه ألسنة، ومن أنّثه قال: ألسن. قال: وفي تصغيره لسيّن بتشديد الياء ولسينة بتخفيفها. والأصل في شفة شفهة، والدليل على ذلك جمعها وتصغيرها واشتقاق الفعل منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4474>[سورة البلد (٩٠): آية ١٠]</span>\nوَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)\nمفعول ثان حذفت منه إلى على قول البصريين، وكذا أنشد سيبويه: [الكامل] ٥٦٥- كما عسل الطّريق الثّعلب «١» عنده أنه حذف منه الحرف، وعند الكوفيين أنه ظرف مثل أمام وقدام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4475>[سورة البلد (٩٠): آية ١١]</span>\nفَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)\nيقال: سبيل «لا» في مثل هذا أن تأتي متكررة مثل فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى [القيامة: ٣١]، وأن سيبويه قد أجاز إفرادها، وأنشد: [مجزوء الكامل] ٥٦٦-\nمن صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح «٢»\nوخالفه محمد بن يزيد وجعل هذا اضطرارا. فأما الآية ففيها معنى التكرير لأنه جلّ وعزّ قد بيّن معنى العقبة بما هو مكرّر. قال قتادة: النار عقبة دون الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4476>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)\nالتقدير اقتحام العقبة أن يفكّ رقبة كما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ «من أعتق رقبة أعتق الله سبحانه بكل عضو منها عضوا منه من النار» «٣» قال أبو هريرة: حتّى ذكره بذكره، وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو عمرو وابن كثير والكسائي فَكُّ «٤» رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ثم تكلّم النحويون في هذا فاختار الفرّاء «٥» هذه القراءة واحتج بأن بعده ثم كانّ أي فلمّا عطف بكان وهي فعل ماض على الأول وجب أن يكون «فكّ» ليعطف فعلا ماضيا على فعل ماض، واختار الأخفش وأبو حاتم وأبو عبيد القراءة الأخرى. قال أبو جعفر: الديانة تحظر الطعن على القراءة التي قرأ بها الجماعة، ولا يجوز أن تكون مأخوذة إلا عن النبي ﷺ، وقد قال ﵇: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» «٦» فهما قراءتان حسنتان لا\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (١٤٥) .\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٣) .\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ١٨١، والترمذي في سننه ١٥٤١، والبغوي في شرح السنة ٩/ ٣٥١، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ٥/ ٢٠٢.\n(٤) انظر تيسير الداني ١٨١.\n(٥) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٦٥.\n(٦) أخرجه الترمذي في سننه- القراءات ١١/ ٦٠ وأبو داود الحديث رقم (١٤٧٥) .","vol":"5","page":143},{"text":"يجوز أن تقدّم إحداهما على الأخرى. فأما اعتراض الفرّاء «١» بكان وبالنسق على الأول فلا يلزم لأنه لا يجوز أن يكون معطوفا على المعنى: لأن المعنى فعل هذا، وقد نقض هو قوله بأن أجاز القراءة الأخرى على إضمار «أن»، وأنشد: [الطويل] ٥٦٧-\nألا أيّهذا اللّائمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي «٢»\nيريد أن أحضر، ولو كان الأمر كما قال لنصب أحضر. وإضمار «أن» لا يجوز إلا بعوض لأنها بعض اسم. واعترض أبو عبيد فقال: الاختيار «فكّ رقبة» لأنه يتبين للعقبة، وحكي عن سفيان بن عيينة أنه قال كلّ ما قال جلّ وعزّ وما أدراك فقد بيّنه، وما قال فيه وما يدريك فلم يبيّنه. قال أبو جعفر: فهذا غلط قد قال الله ﷿ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ [القارعة: ٣] وقال تعالى ذكره: ما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ٣] وليس بعد هذا يتبين. وروي عن الحسن وأبي رجاء أنهما قرءا «وأطعم في يوم ذا مسغبة» «٣» قال الفرّاء «٤» وإن كان لم يذكر من قرأ «ذا مسغبة» هو صفة ليتيم أي يتيما ذا مسغبة. قال أبو جعفر: والغلط في هذا بين جدا لأنه لا يجوز أن تتقدّم الصفة قبل الموصوف، ولست أدري كيف وقع هذا له حتى ذكره في كتاب «المعاني»؟ ولكن يكون «ذا مسغبة» منصوبا بأطعم ويتيما بدلا منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4477>[سورة البلد (٩٠): آية ١٧]</span>\nثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)\nثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أي ثبت على الإيمان، وقيل: ثم للإخبار وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أعيد الفعل والباء توكيدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4478>[سورة البلد (٩٠): آية ١٨]</span>\nأُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)\nأي يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وبأهل النار ذات الشمال إلى النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4479>[سورة البلد (٩٠): آية ٢٠]</span>\nعَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)\n«٥» من أخذه من أصد فسبيله أن يهمز، ومن أخذه من أوصد لم يجز همزه.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٦٥.\n(٢) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ٣٢، والكتاب ٣/ ١١٥، والإنصاف ٢/ ٥٦٠، وخزانة الأدب ١/ ١١٩، والدرر ١/ ٧٤، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ٢٨٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٠٠، ولسان العرب (أنن) و(دنا)، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٢، والمقتضب ٢/ ٨٥، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١/ ٤٦٣، والدرر ٣/ ٣٣، ورصف المباني ١١٣، وشرح ابن عقيل ص ٥٩٧، وشرح المفصل ٢/ ٧ ومجالس ثعلب ٣٨٣، ومغني اللبيب ٢/ ٣٨٣.\n(٣) انظر الإتحاف ٢٧١.\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٦٥.\n(٥) انظر تيسير الداني ١٨١. [.....]","vol":"5","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4480>٩١ شرح إعراب سورة الشمس</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4481>[سورة الشمس (٩١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالشَّمْسِ وَضُحاها (١)\nالمعروف في اللغة أن الضحى أول طلوع الشمس إذا أشرقت وإن كان مجاهد قد قال: الضحى النهار، وهو قول الفرّاء «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4482>[سورة الشمس (٩١): آية ٢]</span>\nوَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢)\nالمعروف في اللغة أن تلاها تبعها، وإن كان الفرّاء «٢» قد حكى تلاها أخذ منها، يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4483>[سورة الشمس (٩١): آية ٣]</span>\nوَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣)\nوَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣) الظاهر من معناه والبيّن إذا جلّى الشّمس أي إذا أظهرها وأبداها لأن الشمس لا تكون إلّا فيه وإن كان الفرّاء قد قال: والنهار إذا جلّى الظلمة.\nهو قول بعيد لأن الظلمة لم يتقدّم لها ذكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4484>[سورة الشمس (٩١): آية ٤]</span>\nوَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤)\nيعود الضمير على الشمس أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4485>[سورة الشمس (٩١): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦)\nوَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) ما في موضع خفض أي وبنائها، وكذا وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) . روى إسماعيل عن أبي خالد عن أبي صالح طحاها بسطها، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس طحاها قسمها.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٦٦.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٦٦.","vol":"5","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4486>[سورة الشمس (٩١): آية ٧]</span>\nوَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧)\nأي تسويتها. قال أبو جعفر: ومن قال: المعنى الذي سواها أراد الله جلّ وعزّ، ولو كان كما قال لكان ومن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4487>[سورة الشمس (٩١): آية ٨]</span>\nفَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨)\nمفعولان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4488>[سورة الشمس (٩١): آية ٩]</span>\nقَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩)\nروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قد أفلح من زكّى الله نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4489>[سورة الشمس (٩١): آية ١٠]</span>\nوَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠)\nفأضلّها، وقال قتادة: قد أفلح من زكى نفسه بالعمل الصالح. قال أبو جعفر: في هذا شيء من النحو غامض لم يذكره الفرّاء وإن كان قد ذكر القولين في المعنى، وذلك أنه إذا كان الضمير يعود على الله جلّ وعزّ لم يعد على من من صلته شيء إلّا على حيلة بعيدة، وذلك أنك إذا قدّرت قد أفلح الإنسان الذي زكّى النفس لم يعد على الذي شي من صلته، وإن قدّرته قد أفلح الإنسان الذي زكّى الله نفسه لم يجز أن يكنّى عن النفس، لأنه لا يعود على النفس شيء، ولو قدّرت «من» للنفس كان بعيدا لأن من لا تكاد تقع في مثل هذا، والحيلة التي يجوز عليه أن يحمل على المعنى أن تؤنّث «من» بمعنى النفس أو يكون المعنى قد أفلحت الفرقة التي زكاها الله فيكون «من» للجميع ومعنى زكاها الله طهّرها بالتوفيق لطاعته، وزكّى فلان ماله، في اشتقاقه قولان: أحدهما أنه من زكا الزرع إذا زاد ونما أي كثر ماله بإخراجه الزكاة والقول الآخر بيّن حسن يكون زكى ماله طهّره وخلّصه بإخراج سهمان المساكين منه. ومنه: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً [الكهف: ٧٤] أي طاهرة مخلصة من الذنوب، ومنه عبد زكي أي طاهر «وقد خاب» أي لم يظفر بما يريد من دسى نفسه الله أي خذلها فارتكبت المعاصي. وعلى القول الآخر من دسّى نفسه أي سترها لركوب المعصية. فاشتقاقه من دسّ ودسس فأبدل، من أحد السينين ياء كما قال: [الطويل] ٥٦٨- رأت رجلا أيما إذا الشّمس عارضت «١» يريد أما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4490>[سورة الشمس (٩١): آية ١١]</span>\nكَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١)\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (١١) .","vol":"5","page":146},{"text":"الطّغوى الطغيان واحد إلا أن عطاء الخراساني روى عن ابن عباس قال: بطغواها بعذابها، والطّغوى اسم العذاب. قال أبو جعفر: وهذا يصحّ على حذف أي بعذاب طغواها مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4491>[سورة الشمس (٩١): آية ١٢]</span>\nإِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢)\nحكى الفرّاء أنهما اثنان، وأنشد: [الطويل] ٥٦٩-\nألا بكّر النّاعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسّيّد الصّمد «١»\nيريد أنه جعل خبر الاثنين، وشبهه بقولهم: هذان أفضل الناس، وهذان خير الناس. قال أبو جعفر: هذا الذي حكاه خلاف ما قال الله جلّ وعزّ، وقاله رسول الله ﷺ، وقاله أهل التأويل قال الله: أشقاها. فخبّر عن واحد فحكي أنهما اثنان وقال رسول الله ﷺ: انتدب لها رجل، ولم يقل رجلان، وقال أهل التأويل انتدب لها قدار بن سالف. قال أبو جعفر: وله نظير أو أعظم منه في سورة الرّحمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4492>[سورة الشمس (٩١): آية ١٣]</span>\nفَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣)\nأي احذروا ناقة الله. قال الفرّاء «٢»: ولو قرأ قارئ «ناقة الله» بالرفع أي هذه ناقة الله لجاز. قال أبو جعفر: ولا يجوز الابتداع في القراءات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4493>[سورة الشمس (٩١): آية ١٤]</span>\nفَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤)\nفَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها قال الفرّاء: أراد فعقروها فكذبوه. وهذا خطأ في الفاء لأنها تدلّ على أن ثانيا بعد الأول، وهذا عكس اللغة، ومع هذا فليست ثم حال يضطر إليه لأنهم كذّبوا صالحا بأن قال لهم: إن عقرتموها انتقم الله منكم فكذبوه في ما قال فعقروها، وقد قيل: «فكذبوه» كلام تام ثم عطف عليه فعقروها. قال أبو جعفر: وفي هذا من المشكل أن يقال: قد كانوا آمنوا وصدقوا، وجعلوا للناقة يوما ولهم يوما في الشرب فزعم الفرّاء «٣» إن الجواب عن هذا أنهم أقروا به ولم يؤمنوا. وهذا القول الذي قاله مما لا يجب أن يجترأ عليه إلا برواية لأنه مغيّب، والرواية بخلافه. روى سعيد عن قتادة قال: توقّف أحيمر ثمود عن عقر الناقة حتى اجتمعوا كلّهم معه على تكذيب صالح صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم فلهذا عمّم الله بالعذاب فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ قال الفرّاء «٤»: أي أرجف، وقال غيره: أي عذّبهم، فَسَوَّاها قال أبو جعفر:\n_________\n(١) الشاهد لسبرة بن عمرو الأسدي في التنبيه والإيضاح ٢/ ١١٩، وجمهرة اللغة ٦٥٧، وسمط اللآلي ٩٣٣، وبلا نسبة في لسان العرب (صمد) و(خير)، والمخصّص ١٢/ ٣٠١، وديوان الأدب ١/ ٢٠٩ وتهذيب اللغة ١٢/ ١٥٠، وإصلاح المنطق ٤٩، وأمالي القالي ٢/ ٢٨٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٦٨.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٦٩.\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٦٩.","vol":"5","page":147},{"text":"سألت علي بن سليمان عن هذا الضمير فقال: يعود على الدمدمة التي دلّ عليها دمدم، وقال غيره: أي سوّى بينهم في العقوبة فأهلكهم جميعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4494>[سورة الشمس (٩١): آية ١٥]</span>\nوَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)\nهكذا قرأ أهل البصرة وأهل الكوفة وقرأ أهل الحجاز «١» وَلا يَخافُ عُقْباها، وزعم الفرّاء «٢» أن الواو أجود. وهذا عظيم من القول أن يقال في ما قرأت به الجماعة ووقع للسواد المنقول عن الصحابة الذين أخذوه عن النبي ﷺ: أجود أو خير.\nوالقراءتان جميعا نقلهما الجماعة عن الجماعة، فهما بمنزلة آيتين لأن معناهما مختلف.\nقال أبو جعفر: سمعت إبراهيم بن محمد نفطويه يقول: من قرأ بالفاء فالمعنى لله لا غير، وهذا كما قال، وعليه أهل التأويل وهو صحيح عن ابن عباس قال إبراهيم بن محمد: ومن قرأ بالواو ذهب إلى أن المعنى للعاقر أي انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها أي وهذه حاله. والذي قال حسن غير أنه لا يجوز أن يكون بالواو لله جلّ وعزّ الذي قاله بيّن والله أعلم بما أراد.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٨١ (قرأ نافع وابن عامر بالفاء والباقون بالواو) .\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٧٠.","vol":"5","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4495>٩٢ شرح إعراب سورة الليل</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4496>[سورة الليل (٩٢): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١)\nحذف المفعول كما يقال: ضرب زيد، ولا يجيء بالمضروب إمّا لمعرفة السامع وإمّا أن تريد أن تبهم عليه. قيل: المعنى والليل إذا يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء، وليس كذا النهار، وعلى هذا قول الذبياني: [الطويل] ٥٧٠-\nفإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4497>[سورة الليل (٩٢): آية ٢]</span>\nوَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢)\nخفض على العطف وليست بواو قسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4498>[سورة الليل (٩٢): آية ٣]</span>\nوَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣)\nما مصدر أي وخلقه الذكر والأنثى، قيل «ما» بمعنى الذي، وأجاز الفرّاء:\nوما خلق الذكر والأنثى بمعنى والذي خلق الذكر والأنثى. قال أبو جعفر: وجه بعيد أن تكون «ما» بمعنى «من» وأيضا لا نعرف أحدا قرأ به، ولكن روي عن النبي ﷺ «والنّهار إذا تجلّى وما خلق الذكر والأنثى» وهو عطف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4499>[سورة الليل (٩٢): آية ٤]</span>\nإِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)\nجواب القسم. قال محمد بن كعب: سعيكم عملكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4500>[سورة الليل (٩٢): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nفَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦)\nمَنْ في موضع رفع بالابتداء عند البصريين، وعند الكوفيين بالهاء العائدة\n_________\n(١) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٣٨، ولسان العرب (طور) و(نأى)، وكتاب العين ٨/ ٣٩٣، وتاج العروس (نأى)، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٥/ ٣٧٨، ومجمل اللغة ٤/ ٣٦٨.","vol":"5","page":149},{"text":"عليه. قال الحسين بن واقد: فأما من أعطى زكاته واتّقى ربّه. ومن أحسن ما قيل في معنى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص بن راشد عن يوسف بن موسى عن ابن عليّة قال: أخبرنا داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قال: بالحلف فهذا إسناد مستقيم، ومعنى ملائم لسياق الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4501>[سورة الليل (٩٢): آية ٧]</span>\nفَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧)\nقال جويبر عن الضحّاك قال: للجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4502>[سورة الليل (٩٢): آية ٨]</span>\nوَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨)\nعلى ذلك القول بخل بزكاته واستغنى عن ثواب ربه جلّ وعزّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4503>[سورة الليل (٩٢): آية ١٠]</span>\nفَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠)\nقال الضحّاك: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) قال: النار، فإن قيل: التيسير إنما يكون للخير فكيف جاء للعسر؟ فالجواب أنه مثل فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] أي اجعل ما يا قوم لهم مقام البشارة وأنشد سيبويه: [الوافر] ٥٧١- تحيّة بينهم ضرب وجيع «١» هذا قول البصريين، وقول الفرّاء إنه إذا اجتمع خير وشرّ فوقع للخير تبشير جاز أن يقع للشرّ مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4504>[سورة الليل (٩٢): آية ١١]</span>\nوَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١)\nما في موضع نصب بيغني أي وأيّ شيء يدفع عنه ماله إذا سقط في النار، وذهب مجاهد إذا هلك وإنما يقال في الهلاك. ردى يردي وتردّى إذا سقط وردؤ الرجل يردؤ رداءة وهو رديء مردئ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4505>[سورة الليل (٩٢): آية ١٢]</span>\nإِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢)\nلام توكيد دخلت على الهدى فحذف الألف لئلا يشبه «لا» التي للنفي ولاتصال اللام بما بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4506>[سورة الليل (٩٢): آية ١٣]</span>\nوَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣)\nوكذا وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4507>[سورة الليل (٩٢): آية ١٤]</span>\nفَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى (١٤)\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٤٠٥) .","vol":"5","page":150},{"text":"فعل مستقبل الأصل تتلظّى وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ «تتلظّى» «١» وبعض الحفّاظ يروي عن ابن عيينة بهذا الإسناد إدغام التاء في التاء. قال أبو جعفر: ويجب أن يحرّك التنوين لالتقاء الساكنين. قال مجاهد: تلظّى توهج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4508>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nلا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)\nلا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) فيه قولان: قال أبو عبيدة الْأَشْقَى بمعنى الشقي، وقال الفرّاء «٢»: الأشقى الشقيّ في علم الله سبحانه، فالقول الآخر: فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلّا أشقى أهل النار، وأشقى أهل النار الكفار. ودلّ بهذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. قال الفرّاء: الَّذِي كَذَّبَ أي قصّر أخذه من قول العرب: حمل فلان على فلان فما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4509>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)\nأي يتطهّر من الذنوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4510>[سورة الليل (٩٢): آية ١٩]</span>\nوَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩)\nأي ليس يتصدّق ليكافئ إنسانا على نعمة أنعم بها عليه. وفي معناه قول آخر ذكره الفرّاء يكون للمستقبل أي ليس يتصدّق ليكافأ على صدقته. على أنّ الفراء «٣» جعله من المقلوب بمعنى وما له عند أحد نعمة تجزى، وأنشد: [الطويل] ٥٧٢-\nوقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل «٤»\nوتأوّله بمعنى حتى ما تزيد مخافة وعل على مخافتي. قال أبو جعفر: لا يجوز أن يحمل كتاب الله على القلب والاضطرارات البعيدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4511>[سورة الليل (٩٢): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nإِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)\nإِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) منصوب لأنه استثناء ليس من الأول لم يذكر البصريون غير هذا. وأجاز الفرّاء «٥» أن يكون التقدير: ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربّه، وأجاز\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٧٢، والبحر المحيط ٨/ ٤٧٨.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٧٢.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٧٢. [.....]\n(٤) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ١٤٤، وأما لي المرتضى ١/ ٢٠٢، ومعجم ما استعجم ١٠٢٦، وبلا نسبة في أما لي المرتضى ١/ ٢١٦، والإنصاف ١/ ٣٧٢، ولسان العرب (خوف)، ومجالس ثعلب ص ٦١٨ والمقتضب ٣/ ٢٣١.\n(٥) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٧٣.","vol":"5","page":151},{"text":"إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ «١» بالرفع لأن المعنى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربّه. قال أبو جعفر: ولم يقرأ بهذا، وهو أيضا بعيد وإن كان النحويون قد أجازوه، كما قال: [الرجز] ٥٧٣-\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس «٢»\nوأنشد بعضهم للنابغة «٣»: [البسيط] ٥٧٤-\nوقفت فيها أصيلا كي أسائلها ... عيّت جوابا وما بالرّبع من أحد\nإلّا أواريّ لأيا ما أبيّنها ... والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد\nوالرفع في هذا مثل وما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وهذا مجاز أي إلّا طلب رضوانه. وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١) أي بالثواب.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٧٩.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (١١٠) .\n(٣) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ١٤، ١٥، والكتاب ٢/ ٣٣٢، وخزانة الأدب ٤/ ١٢٢ والدرر ١/ ٢٧٤، وجمهرة اللغة ٩٣٤، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٥٤، والصاحبي في فقه اللغة ٢١٥، وشرح شواهد الإيضاح ١٩١، والمقاصد النحوية ٤/ ٣١٥، والمحتسب ١/ ٢٥١، والمقتضب ٤/ ٤١٤، وبلا نسبة في رصف المباني ٤٥٢، وشرح الأشموني ٢/ ٤٩٣، وشرح التصريح ١/ ١٤٠، ولسان العرب (سند)، وشرح المفصل ٨/ ١٢٩.","vol":"5","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4512>٩٣ شرح إعراب سورة الضحى</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4513>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢)\nقال الفرّاء «١» وَالضُّحى (١) النهار كلّه. قال أبو جعفر: والمعروف عند العرب ما رواه أبو روق عن الضحّاك قال: الضّحى ضحى النهار. قال أبو جعفر: قال محمد بن يزيد: والضّحى يكتب بالألف لا غير، لأنه من ضحا يضحو. قال أبو جعفر: وقول الكوفيين إنه بالياء لضمّ أوله، وهذا قول لا يصحّ في معقول ولا قياس لأنه إن كتب على اللفظ فلفظه الألف، وإن كتب على المعنى فهو راجع إلى الواو وعلى أنه قد حدثنا علي بن سليمان قال: سمعت محمد بن يزيد يقول لا يجوز أن يكتب شيء من ذوات الياء مثل رمى وقضى إلّا بالألف، والعلة في ذلك بيّنة من جهة المعقول والقياس واللغة لأنا قد عقلنا أن الكتابة إنما هي نقل ما في اللفظ كما أن اللفظ نقل ما في القلب فإذا قلنا رمى فليس في اللفظ إلّا الألف. فإن قيل: أصلها الياء فكتبها بالياء قيل: هذا خطأ من غير جهة فمنها أنه لو وجب أن تكتب على أصلها لوجب أن تكتب غزا بالواو لأن أصلها الواو، وأيضا فقد أجمعوا على أن كتبوا رماه بالألف والألف منقلبة من ياء. وهذه مناقضة، وأيضا فإن في هذا بابا من الإشكال لأنه يجوز أن يقال: رمي ثم نقضوا هذا كلّه فكتبوا ذوات الواو بالياء نحو ضحىّ وكسىّ جمع كسوة. قال أبو إسحاق: وهذا معنى كلامه، وما أعظم هذا الخطأ يعني قولهم:\nيكتب ذوات الياء بالياء وذوات الواو بالألف، فلا هم اتّبعوا اللفظ كما يجب في الخط، ولا هم اتبعوا المصحف فقد كتب في المصحف ما زكي بالياء. قال أبو إسحاق:\nوأعظم من خطأهم في الخطّ خطؤهم في التثنية لأنهم يثنّون ربا ربيان، وهذا مخالف على كتاب الله جلّ وعزّ قال: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [الروم: ٣٩] أي فجاء القرآن بالواو وجاءوهم بالياء. قال أبو جعفر: وسمعت\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٧٣.","vol":"5","page":153},{"text":"علي بن سليمان يقول: قلت لأبي العباس محمد بن يزيد لمّا احتجّ بهذه الحجج التي لا تدفع: ما هذا الذي قد وقع للكتّاب وأنس به الخاصّ والعامّ من كتب ذوات الياء بالياء حتى صار التعارف عليه فقال: الأصل في هذا أن أبا الحسن الأخفش كان رجلا محتالا لشيء يأخذه، فقال لأبي الحسن الكسائي: قد استغنى من نحتاج إليه من النحو فنحتاج أن نجتمع على شيء نضطرهم إليه فاتّفقا على هذا وأحدثاه، ولم يكن قبلهما، وشاع في الناس لتمكن الكسائي من السلطان. ولعلّ بعض من لا يحصّل يتوهّم أنّ هذا مذهب سيبويه لأنه أشكل عليه شيء من كلامه في مثله قوله الياء في مثل سكرى وإنما أراد سيبويه أنها تثنّى بالياء، وليس من كلام سيبويه الاعتلال في الخطوط. قال أبو جعفر: ثم رجعنا إلى الإمالة فحمزة يميل ما كان من ذوات الياء ويفخم ما كان من ذوات الواو، والكسائي يميل الكل وأبو عمرو بن العلاء يتبع بعض الكلام بعضا فإن كانت السورة فيها ذوات الياء وذوات الواو أمال الكل، والمدنيون يتوسطون فلا يميلون كلّ الميل ولا يفخمون كل التفخيم. قال أبو جعفر: وليس في هذه المذاهب خطأ لأن ذوات الواو في الأفعال جائز إمالتها لأنها ترجع إلى الياء فيجوز «والضحى» وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ممالا، وإن كان يقال: سجا يسجو لأنه يرجع إلى الياء في قولك: سجيت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4514>[سورة الضحى (٩٣): آية ٣]</span>\nما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣)\nقال الضحّاك: وما قلاك. قال أبو جعفر: العرب تحذف من الثاني لدلالة الأولى. يقال: أعطيتك وأكرمت، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ما ودّعك ربّك وما قلى قال: يقول: ما تركك وما أبغضك وحكى أبو عبيدة «١»: ودعك مخفّفا، ومنع سيبويه «٢» أن يقال: ودع، قال: استغنوا عنه بترك. قال أبو جعفر: والعلّة عند غيره أن العرب تستثقل الواو في أول الكلمة لثقلها يدلّ على ذلك أنها لا توجد زائدة في أوّل الكلام، وتوجد أختها الياء نحو يعملة ويربوع، وأنك إذا صغّرت واصلا قلت: أو يصل لا غير، وفي الجمع أواصل، ويقال: قلاه يقلّيه إذا أبغضه، ويقال أيضا: يقلاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4515>[سورة الضحى (٩٣): آية ٤]</span>\nوَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤)\nالأصل أخير ثم خفّف لكثرة الاستعمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4516>[سورة الضحى (٩٣): آية ٥]</span>\nوَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥)\n_________\n(١) انظر مجاز القرآن ٢/ ٣٠٢، والبحر المحيط ٨/ ٤٨٠.\n(٢) انظر الكتاب ١/ ٥٠.","vol":"5","page":154},{"text":"وفي حرف عبد الله «وسيعطيك» «١» وهما واحد عند سيبويه، وقال الفرّاء:\nحذفت الواو والفاء كما قالوا: أيش عندها وكما قالوا: لاب لشانئك، ولاب لك، يريدون: لا أب لشانئك ولا أب لك. قال أبو جعفر: حذف المفعول الثاني، كما تقول: أعطيت زيدا، ولا تبيّن العطية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4517>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nأَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًاّ فَهَدى (٧)\nأَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) مفعول لا يجد. ويجد في كلام العرب تنقسم أقساما منها أن يكون بمعنى يرى وتعلم وكذا وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4518>[سورة الضحى (٩٣): آية ٨]</span>\nوَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨)\nوقد عال يعيل عيلة إذا افتقر وأعال يعيل إذا كثر عياله لا نعلم بين أهل اللغة فيه اختلافا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4519>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nفَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠)\nفَأَمَّا الْيَتِيمَ نصب بتقهر، ولو كان تقهره بالهاء لكان الاختيار النصب أيضا لأنه نهي، وكذا وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4520>[سورة الضحى (٩٣): آية ١١]</span>\nوَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)\nقيل أي بلّغ أي أظهرها واحمد الله ﷿ عليها فإن ذلك من الشكر.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٧.","vol":"5","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4521>٩٤ شرح إعراب سورة ألم نشرح (الشرح)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4522>[سورة الشرح (٩٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)\nنَشْرَحْ جزم بلم، وعلامة الجزم حذف الضمة. من النحويين من يقول: «ألم» من حروف الجزم، وذلك خطأ لأن الألف للاستفهام. والمعنى على الإيجاب لأن ألف الاستفهام هاهنا يؤدي عن معنى التقرير والتوقيف فيصير النفي إيجابا والإيجاب نفيا.\nقال الفرّاء: أي ألم نلن لك قلبك، وقال الحسين بن واقد: ألم نوسّع لك صدرك. قال أبو جعفر: وهذا قول بيّن، ومنه يقال: فلان ضيّق الصدر، وصدره واسع وقد شرح الله صدور الأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين ثوابا على أعمالهم الحسنة فصاروا يقبلون الحق ولا تضيق له صدورهم. ومن هذا الحديث المستقيم الإسناد، رواه يونس عن الزهري عن أنس عن أبي ذرّ عن النبي ﷺ قال «فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبرائيل ﷺ ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم أتى بطست مملوءة حكمة وإيمانا فأقرّه في صدري ثم عرج بي إلى السّماء» «١» لَكَ الكاف في موضع جر باللام، وفتحت اللام على أصلها. ومن النحويين من يقول: أصلها الكسر ولكن فتحت في قولهم له لئلا يجمع بين كسرة وضمّة ثم أتبع «لك» له، وإن لم يكن فيه تلك العلّة صَدْرَكَ منصوب بنشرح. وقال العلماء: الصدر محل القرآن والعلم، واستدلّوا في ذلك بقول الله ﷿ بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت: ٤٩] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4523>[سورة الشرح (٩٤): آية ٢]</span>\nوَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)\nقال الحسن: وزره ذنبه في الجاهلية. يقال: وزر يزر وزرا والمفعول موزور، وفي الحديث «ارجعن موزورات غير مأجورات» «٢» ومن أهل الحديث\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٩٧، ومسلم في الإيمان ٢٦٣، وأحمد في مسنده ٥/ ١٢٢، والهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٦٥، والمتّقي في كنز العمال ٣١٨٣٩، وابن كثير في تفسيره ٥/ ١٥.\n(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه ١٥٧٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٧٧، والبغوي في شرح السنة ٥/ ٤٦٥، والمتقي في كنز العمال ٤٢٥٨١، والمنذري في الترهيب والترغيب ٤/ ٣٥٩.","vol":"5","page":156},{"text":"من يقول: «مأزورات» فإن صح نقله فهو اتباع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4524>[سورة الشرح (٩٤): آية ٣]</span>\nالَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)\nأهل التفسير يقولون: أثقله فإن قال قائل: كيف وصف هذا الوزر بالثقل وهو مغفور غير مطالب به؟ فالجواب أن سبيل الأنبياء صلوات الله عليهم والصالحين إذا ذكروا ذنوبهم أن يشتدّ غمّهم وبكاؤهم، فلهذا وصف ذنوبهم بالثقل. قال أبو جعفر:\nوهذا الجواب عن سؤال السائل: لم يغتمّ الصالحون إذا ذكروا ذنوبهم التي قد تابوا منها وقد علموا أن المغفرة بعد التوبة واجبة؟ وفي هذا جواب آخر وهو أنهم يخافون أن يكونوا قد بقي عليهم شيء يلزمهم من تمام التوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4525>[سورة الشرح (٩٤): آية ٤]</span>\nوَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)\nبيان هذا في الحديث المسند عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: قال لي جبرائيل ﷺ: «إن ربّي وربّك ﷿ يقول لك كيف رفعت ذكرك؟ قال قلت الله أعلم، قال إذا ذكرت معي» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4526>[سورة الشرح (٩٤): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nفَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)\nوقرأ عيسى بن عمر بضمّ السين فيهما. قيل: المعنى أن نعم الله تعالى، وهي اليسر أكثر من الشدائد، وهي العسر، وقيل: خوطب النبي ﷺ بأنه سيظفر فذلك الظفر، وهو اليسر بالمشركين الذين لحقت منهم الشدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4527>[سورة الشرح (٩٤): آية ٧]</span>\nفَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)\nقال أبو جعفر: وقد ذكرنا ما قيل في التكرير وما قيل في معنى فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) «٢» ومن أحسن ما قيل فيه، وهو جامع لجميع الأقوال، أنه ينبغي إذا فرغ الإنسان من شغله أن ينتصب لله جلّ وعزّ وأن يرغب إليه وأن لا يشتغل بما يلهيه عن ذكر الله سبحانه فهذا أدب الله ﷿. وقد قال عبد الله بن مسعود: ما يعجبني الإنسان أراه فارغا لا يشتغل بأمر الدنيا، ولا بأمر الآخرة.\n_________\n(١) انظر تفسير القرطبي ٢/ ١٠٦.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٨٤ (قرأ الجمهور بفتح الراء، وأبو السمال بكسرها) .","vol":"5","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4528>٩٥ شرح إعراب سورة التين</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4529>[سورة التين (٩٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)\nأدغمت اللام في التاء والزاي لقربها منهما، ولا يجوز الإظهار مع لام التعريف لكثرتها في الكلام، ويجوز في غيرها وإن كانت هذه اللام قد قيل: إنها مع ما هي هاهنا اسم علم. قال محمد بن كعب: «التين» مسجد أصحاب الكهف، والزيتون «مسجد إيليا» فإن أصلها التعريف ثم وقعت التسمية وكذا قول من قال: التين دمشق، والزيتون بيت المقدس، وقول من قال: هما مسجدان أحدهما الذي كلّم الله ﷿ عليه موسى ﷺ. فأما داود بن أبي هند فروى عن عكرمة وعن ابن عباس قال: التين تينكم هذا، والزيتون زيتونكم، قال أبو جعفر: وهذه الأقوال إذا حصّلت آلت إلى معنى واحد لأن القسم إنما هو بربّ العالمين جلّ وعزّ فالتقدير: وربّ التين والزيتون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4530>[سورة التين (٩٥): آية ٢]</span>\nوَطُورِ سِينِينَ (٢)\nقيل: هو طور سينا بلغات، وقيل: غير هذا مما ذكرناه «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4531>[سورة التين (٩٥): آية ٣]</span>\nوَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)\nوهذه اللغة الفصيحة. والاسم منه ذا عند البصريين، وها للتنبيه، وعند الكوفيين الاسم الذال. ولم يعرب لأنه اسم غير متمكّن ينتقل فأشبه الحروف لأنه غير ثابت على مسمّى فوجب أن لا يعرب، وقال بعض النحويين: لأن في آخره ألفا والألف لا يتحرك. قال الفرّاء: ولو حرّكت صارت همزة، وقال الخليل ﵀: الألف حرف هوائي فمحال أن يحرك لأنه بمنزلة الحركة ولا تحرك الحركة. قال أبو جعفر: و«ذا» اسم ظاهر يدلّ على ذلك كسر اللام معه. وقد قال بعض النحويين- جوابا لمن سأل لم\n_________\n(١) انظر إعراب الآية ١٣٠- الصافات. [.....]","vol":"5","page":158},{"text":"حرّكت المضمرات ولم تحرّك المبهمة؟: إن المضمرات في مواضع الأسماء المعربة وكانت لها مزيّة فحرّكت. قال أبو جعفر: وسمعت أبا بكر بن شقير يحكي هذا، وهو جواب حسن محصّل فأما الفرّاء فخلط الجميع فقال: من قال: هو زيد، بإسكان الواو قال: هذا زيد، ومن قال: هو زيد، قال: هذا أي زيد، ومن قال: هو زيد، بتشديد الواو قال هذاه زيد. قال أبو جعفر: وبيان التخطيط في هذا بيّن لأن قولك: هو بإسكان الواو لغة شاذة، وقولك: هذا لغة بها جاء القرآن فكيف تحاذي إحداهما الأخرى إلا أن يتجازيا من جهة أخرى على قوله وذلك أن قولك: هو، الاسم منه عنده الهاء، والاسم من هذا الذال، وهذا قوله بلا اختلاف عنه. ومن التخليط أن قولك هذّاه الهاء عنده فيه لبيان الحركة وقد أثبتها في الوصل. وزعم الفرّاء: أن الدليل على أن الاسم الذال في هذا قول العرب في التثنية هذان فأسقطوا الألف. وهذا لا يلزم لأن الألف إنما سقطت في التثنية لالتقاء الساكنين ولم يجز قلبها فيقال: هذيان ولا هذوان لأنه لا يعلم أنها منقلبة من ياء، ولا واو فتقلب إلى إحداهما فلم يبق إلا الحذف. الْبَلَدِ الْأَمِينِ نعت وإن شئت بدل، وإن شئت عطف البيان. وزعم الفرّاء «١» إن الأمين بمعنى الآمن، وأنشد: [الطويل] ٥٧٥-\nألم تعلمي يا أسم ويحك أنّني ... حلفت يمينا لا أخون أميني «٢»\nقال أبو جعفر: وخولف الفرّاء في هذا فقيل: أمين بمعنى مأمون في الآية والبيت جميعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4532>[سورة التين (٩٥): آية ٤]</span>\nلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)\nتكلّم العلماء في معناه فعن ابن عباس قال: خلق كل شيء منكبّا إلّا الإنسان وقال عكرمة فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ الشباب والقوة والجلد، وقال مجاهد والنخعي فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ في أحسن صورة. وهذا أحسن ما قيل فيه لأن التقدير في العربية: في تقويم أحسن تقويم أقيم مقام المنعوت أي في تقويم أعدل تقويم وصورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4533>[سورة التين (٩٥): آية ٥]</span>\nثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥)\nفيه اختلاف أيضا. فعن ابن عباس إلى أرذل العمر، وعن عكرمة إلى النار، وزعم محمد بن جرير: إن الصّواب إلى أرذل العمر أي إلى الهرم، ويكون هذا لخاص من الناس، واستدل على صواب هذا إن الله جلّ وعزّ إنما عدد ما شاهدوه من قدرته من\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٧٦.\n(٢) الشاهد بلا نسبة في مقاييس اللغة ١/ ١٣٤، وتاج العروس (أمن)، ومعاني الفراء ٣/ ٢٧٦، وتفسير الطبري ٣٠/ ٢٤١.","vol":"5","page":159},{"text":"خروج الإنسان من الشباب إلى الهرم ولا يعدّد عليهم ما لا يقرون به من دخول النار.\nوقال غيره: هذا لا يلزم لأن حجج الله ظاهرة، وقد ظهرت آيات نبيه ﷺ فوجب أن يكون كل ما أخبر به بمنزلة المعاين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4534>[سورة التين (٩٥): آية ٦]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)\nمن قال: المعنى إلى أسفل سافلين إلى النار جعل الَّذِينَ آمَنُوا في موضع نصب استثناء من الهاء التي في رددناه لأنها بمعنى جمع، ومن قال إلى أسفل سافلين: إلى أرذل العمر جعل «الذين» استثناء ليس من الأول، وقيل في الكلام حذف الاستثناء منه.\nوالتقدير ثم رددناه إلى الهرم والخرف حتى صار لا يقدر على عبادة الله جلّ وعزّ وأداء فرائضه، ولا يكتب له شيء لهم مثل ما كانوا يعملون. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قال يقول غير منقوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4535>[سورة التين (٩٥): آية ٧]</span>\nفَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)\nتكلّم النحويون في هذه الكلمة وفي بيانها واختلاف حركتها وتنوينها وغير تنوينها ببضعة عشر جوابا: فمن ذلك أن النحويين مجمعون على أن قبل وبعد إذا كانا غايتين فأصلهما إلا يعربا، وأجابوا في علّة ذلك بأجوبة فمن أصحّها أن سبيل تعريف الأسماء أن تكون الألف واللام أو بالإضافة إلى معرفة فلمّا كانتا قد عرّفتا بغير تعريف الأسماء وجب بناؤهما، وقال علي بن سليمان: لمّا كانتا متعلّقتين بما بعدهما، وقيل: لما لم يتصرّفا بوجوه الإعراب ولم يتمكّنا وجب لهما البناء، فهذه ثلاثة أجوبة فإن قيل: لم وجبت لهما الحركة؟ فالجواب أن سيبويه «١» قال: وأما المتمكن الذي جعل في موضع بمنزلة غير المتمكّن فقولهم: ابدأ بهذا أوّل، ويا حكم أقبل، وشرح هذا أن أول وقبل وبعد لما وجب ألا يعربن في موضع وقد كنّ يعربن في غيره كره أن يخلين من حركة فضممن فإن قيل: فلم لا فتحن أو كسرن؟ في هذا السؤال خمسة أجوبة منها أن الظروف يدخلها النصب والخفض إذا لم تعتلّ فلا يدخلها الرفع فلما اعتلّت ضمّت لأن الضمة من جنس الرفع الذي لا يدخلها في حال سلامتها، وقيل: لمّا أشبهت المنادى المفرد أعطيت حركته، وقيل: لما كانت غاية أعطيت غاية الحركات، فهذه ثلاثة أجوبة في الضم للبصريين لا نعلم لهم غيرها، والجوابان الآخران للكوفيين: قال الفرّاء «٢»: لما تضمّنت قبل وبعد معنيين ضمّتا. قال أبو جعفر: وشرح هذا أنهما تضمّنتا معناهما في أنفسهما ومعنى ما بعدهما فأعطيتا أثقل الحركات، وقال هشام: لم يجز أن يفتحا فيكونا كأنهما مضافتان إلى ما بعدهما ولا يكسران فيكونا كالمضاف إلى\n_________\n(١) انظر الكتاب ٣/ ٣١٩.\n(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٢١.","vol":"5","page":160},{"text":"المخاطب فلم يبق إلّا الضم. قال أبو جعفر: فهذه تسعة أجوبة، وأجاز الفرّاء آتيك بعد يا هذا، بالضم والتنوين وأنشد: [الطويل] ٥٧٦-\nونحن قتلنا الأزد أزد شنوءة ... فما شربوا بعد على لذّة خمرا «١»\nقال أبو جعفر: وهذا خارج عما جاء به القرآن وكلام العرب والمعقول لا حجّة له في البيت إن كان يعرف قائله لأنه بغير تنوين جائز عند أهل العلم بالعروض، كما أنشدوا: [الطويل] ٥٧٧-\nشاقتك أحداج سليمى بعاقل ... فعيناك للبين تجودان بالدّمع «٢»\nوأجاز أيضا رأيتك بعدا يا هذا. قال أبو جعفر: فهذا نظير. ذلك أن يكون أراد النكرة وأجاز هشام رأيتك بعد يا هذا، جعله منصوبا وأضمر المضاف إليه فكأنه زعم أن قد نطق به لما كان في النية، وزعم الفراء والأخفش: أنّ المعنى فمن يكذبك بعد بالدين. قال أبو جعفر: وهذا لا يعرج عليه، ولا تقع «ما» بمعنى «من» إلا في شذوذ، والمعنى هاهنا صحيح أي فما يحملك يا أيّها المكذب فأيّ شيء يحملك على التكذيب بعد ظهور البراهين والدلائل بالدين الذي جاء بخبره من أظهر البراهين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4536>[سورة التين (٩٥): آية ٨]</span>\nأَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)\nأي في تدبيره وصنعه لا يدخل دينك فساد ولا تفاوت، وليس كذا غيره.\n_________\n(١) الشاهد بلا نسبة في إصلاح المنطق ١٤٦، وأوضح المسالك ٣/ ١٥٨، وخزانة الأدب ٦/ ٥٠١، والدرر ٣/ ١٠٩، وشرح الأشموني ٢/ ٣٢٢، وشرح التصريح ٢/ ٥٠، وشرح شذور الذهب ١٣٧، ولسان العرب (بعد) و(خفا) والمقاصد النحوية ٣/ ٤٣٦، وهمع الهوامع ١/ ٢٠٩، ومعاني الفراء ٢/ ٣٢١.\nوفي رواية «الأسد أسد خفيّة» .\n(٢) لم أعثر عليه في المراجع التي بين يديّ.","vol":"5","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4537>٩٦ شرح إعراب سورة القلم (العلق)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4538>[سورة العلق (٩٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)\nاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ في موضع جزم على قول الكوفيين. والعامل فيه عند الفرّاء لام محذوفة، وعلامة الجزم حذف الضمة. وهو عند البصريين غير معرب لأنه لا يضارع الأسماء فيعرب، وحكى أبو زيد والكسائي «أقر» «١» على بدل الهمزة فيصير كقولك:\nاخش، ومثل هذا قول زهير: [الطويل] ٥٧٨- وإن لا يبد بالظّلم يظلم «٢» وقد قيل: إن على هذا قراءة الجماعة أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة: ٦١] وأنه مأخوذ من الدناءة. الَّذِي خَلَقَ في موضع خفض نعت لربك أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ أو في موضع نصب بمعنى أعني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4539>[سورة العلق (٩٦): آية ٢]</span>\nخَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)\nالإنسان بمعنى جماعة فلذلك قال: علّق وهو جمع علقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4540>[سورة العلق (٩٦): آية ٣]</span>\nاقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)\nوحذف المفعول أي اقرأ ما أنزل إليك وربك الأكرم لا يخليك من الثواب على قراءتك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4541>[سورة العلق (٩٦): آية ٤]</span>\nالَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)\nنعت للذي الأول.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٨٨، والإتحاف ٢٧٢.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (١٦) .","vol":"5","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4542>[سورة العلق (٩٦): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nعَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦)\nعَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) مفعولان. ومن قال: إن كَلَّا تمام في جميع القرآن قال: المعنى ليس يجب أن يدعوا التفكّر فيما بيّنه الله من خلقكم مما يدلّ على وحدانيته، وأنه لا شبه له. إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى جاء على فعل يفعل لأنّ فيه الغين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4543>[سورة العلق (٩٦): آية ٧]</span>\nأَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧)\n«١» فجاء المفعول متصلا، ولم يستعمل رأى نفسه، لأنه من أخوات ظننت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4544>[سورة العلق (٩٦): آية ٨]</span>\nإِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨)\nفي موضع نصب ولم يتبيّن فيه الإعراب لأن في آخره ألفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4545>[سورة العلق (٩٦): الآيات ٩ الى ١٢]</span>\nأَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْدًا إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢)\nأَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْدًا إِذا صَلَّى (١٠) وحذف الجواب لعلم السامع، وكذا أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4546>[سورة العلق (٩٦): آية ١٣]</span>\nأَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)\nأي مع منعه من الصلاة إن كذّب الله ورسوله وتولّى عن طاعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4547>[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٤ الى ١٦]</span>\nأَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦)\nأَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) أي يراه ويعلم فعله فيعاقبه عليه ومن قال كَلَّا التمام قال:\nالمعنى: ليس الأمر على ما قدره من أنه يتهيّأ له أن يمنعه من الصلاة لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ حذفت الياء للجزم، ومن أثبتها في غير القرآن قدّرها متحركة لَنَسْفَعًا «٢» الوقف عليه بالألف فرقا بينه وبين النون الثقيلة ولأنه بمنزلة قولك: رأيت زيدا، كما قال: [الطويل] ٥٧٩- ولا تحمد الشّيطان والله فاحمدا «٣» بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) .\nعلى البدل. والفراء «٤» على التكرير، وأجاز ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ لأنها نكرة بعد معرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4548>[سورة العلق (٩٦): آية ١٧]</span>\nفَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧)\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٨١ (قرأ قنبل بقصر الهمزة والباقون بمدّها) .\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٩٠.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (١٧٣) .\n(٤) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٧٩، والبحر المحيط ٨/ ٤٩١.","vol":"5","page":163},{"text":"حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه اتّساعا أي أهل ناديه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4549>[سورة العلق (٩٦): آية ١٨]</span>\nسَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨)\nكتب بغير واو على الإدراج، ولا يجوز الوقف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4550>[سورة العلق (٩٦): آية ١٩]</span>\nكَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)\nكَلَّا لا تُطِعْهُ أي في ما ينهاك عنه من الضلالة وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ إلى الله جلّ وعزّ بطاعته فإنه يعظّمك ويمنع منك. وفي الحديث «أقرب ما يكون العبد من الله تعالى إذا كان ساجدا فأكثروا من الدعاء في السجود فإنه قمن أن يستجاب لكم» «١» .\n_________\n(١) ذكره البغوي في شرح السنة ٣/ ١٥١، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٣٢٨)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء ٢/ ٦٩٠.","vol":"5","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4551>٩٧ شرح إعراب سورة ليلة القدر (القدر)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4552>[سورة القدر (٩٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)\nإِنَّا أصله إنّنا فحذفت النون لاجتماع النونات ولأنها زائدة أَنْزَلْناهُ النون والألف في موضع رفع بالفعل، وأسكنت اللام لاتصالها بالمضمر المرفوع اتباعا لما تتوالى فيه الحركات والهاء في موضع نصب، وحذفت الواو بعدها لسكونها وسكون الألف، وإن الهاء ليست بحاجز حصين لخفائها وبعدها، وقيل: لاجتماع حرفي مدّ ولين فحذف أحدهما، والهاء كناية عن القرآن، وإن كان لم يتقدم له ذكر في هذه السورة، وأكثر النحويين يقولون: لأنه قد عرف المعنى، كما قال: [الطويل] ٥٨٠- ألا ليتني أفديك منها وأفتدي «١» ومن العلماء من يقول: جازت الكناية في أول السورة لأن القرآن كلّه بمنزلة سورة واحدة لأنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا وسنذكر هذا بإسناده، وقول ثالث بيّن حسن وهو: إنّا أنزلناه يدلّ على الإنزال والمنزل، كما حكى النحويون «٢»: من كذب كان شرّا له، لأن كذب يدلّ على الكذب، وأخفيت ليلة القدر على الناس إلّا ما جاء في الحديث من أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان فقيل: إنما أخفيت لفضل العمل فيها لئلا يدع الناس العمل في غيرها والاجتهاد ويتّكلوا على فضل العمل فيها، وقيل: لأنها مختلفة تكون في سنة لثلاث وعشرين ثم يكون في غيرها. وأما الحديث في تنزيل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر فصحيح غير مدفوع عند أهل السّنّة وإنّما يدفعه قول من أهل الأهواء كما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير عن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في\n_________\n(١) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ٢٩، والدرر ٢/ ٢٦٩، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٩٦ وصدره:\n«على مثلها أمضي إذا قال صاحبي» [.....]\n(٢) انظر الكتاب ٢/ ٤١٢.","vol":"5","page":165},{"text":"قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا فكان بموقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله بعضه في إثر بعض فقالوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢] . فأما تسميتها بليلة القدر ففيه قولان: أحدهما أنها ليلة الجلالة والتعظيم من قولهم: لفلان القدر، والقول الآخر، وهو الذي عليه العلماء المتقدمون، أنّها سمّيت ليلة القدر لأنها تقدّر فيها آجال العباد وأرزاقهم كما قال قتادة: يقدّر في ليلة القدر ما يكون إلى السنة الأخرى من الآجال والأرزاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4553>[سورة القدر (٩٧): آية ٢]</span>\nوَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)\nما في موضع رفع بالابتداء وأَدْراكَ فعل ماض في موضع الخبر والكاف في موضع نصب ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ مبتدأ وخبره، فيه معنى التعظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4554>[سورة القدر (٩٧): آية ٣]</span>\nلَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)\nمبتدأ وخبره أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.\nهذا البين، وإن كان قد روي عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ أنه قال: هي ألف شهر وليت فيها بنو أمية. قال: وكان النبي ﷺ قد أريهم على المنابر فهاله ذلك فأحصيت ولايتهم بعد ذلك فكانت كذلك. فهذا حديث مرويّ ليس في ظاهر التلاوة ما يدلّ عليه والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4555>[سورة القدر (٩٧): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nتَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)\nتَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ الأصل تتنزّل فحذفت التاء لاجتماع تاءين، وقال أهل التفسير: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بأمر ربهم مِنْ كُلِّ أَمْرٍ هذا تمام الكلام عند النحويين منهم الفراء، والمعنى على قولهم: تنزّل الملائكة والروح فيها بأمر ربهم أي ينزلون بأمر الله الذي فيه الآجال والأرزاق إلى السماء الدنيا من كلّ أمر أي من كلّ أمر فيه الرزق والأجل والحجّ لمن يحجّ وغير ذلك، وحكى أبو عبيد أنه روي عن ابن عباس وعكرمة أنهما قرءا «من كلّ امرى» «١» قال إسماعيل بن إسحاق: لم يذكر أبو عبيد إسناده ولعلّه ضعيف. قال أبو جعفر: إسناده ضعيف بغير لعلّ: رواها الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا إسناد لا يعرّج عليه، وهو مخالف للمصحف الذي تقوم به الحجّة فمن جاء به هكذا قال التمام: من كل امرئ سلام، كما قال الشعبي من كل امرئ من الملائكة سلام على المؤمنين والمؤمنات، وقيل: المعنى من كل أمر مخيف سلام أي سلامة، وعلى قراءة الجماعة سَلامٌ مرفوع على خبر هي كما تقول: قائم زيد أي هي\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٦٨، والبحر المحيط ٨/ ٤٩٣.","vol":"5","page":166},{"text":"سلام أي دار سلامة أي ذات سلامة، كما قرئ على محمد بن حفص عن يوسف بن موسى قال حدّثنا جرير عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى «سلام هي» قال: لا تعمل فيها الشياطين، ولا يجوز فيها السّحر ولا يحدث فيها شيء إلى الفجر قال يوسف وحدّثنا تميم بن زياد قال: حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية «سلام هي» قال: خير كلّها إلى مطلع الفجر، وروى الضحّاك عن ابن عباس قال تصفد فيها مردة الشّياطين، وتقبل فيها التوبة فهذه أقوال المتقدمين من أهل التفسير، وقال بعد المتأخرين: معنى «سلام هي» إنما يقضى فيها الخير من الأرزاق والحجّ والشرّ يقضى في غيرها يذهب إلى أن ليلة النصف من شعبان قد جاء فيها حديث من تقدير الأشياء فهذه أقوال المتقدمين والمتأخرين والله أعلم بما أراد.\nحَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ «١» بفتح اللام قراءة العامة، وقال الفراء «٢»: وقرأ يحيى بن وثّاب وحده حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ. قال أبو جعفر: وهي قراءة أبي رجاء العطارديّ. وأحسن ما قيل في هذا قول سيبويه «٣» قال: وقد كسروا المصدر قالوا: أتيتك عند مطلع الشمس أي عند طلوع الشمس. هذه لغة بني تميم، وأما أهل الحجاز فيقولون: مطلع والمطلع المكان.\nقال أبو جعفر: شرح هذا أنه ما كان على فعل يفعل فالباب فيه أن يكون المصدر منه واسم المكان مفعلا بالفتح، وكان يجب أن يكون اسم المكان منه بالضم إلا أنه ليس في كلام العرب مفعل فلم يكن بدّ من تحويله إلى الفتحة أو الكسرة فكانت الفتحة أولى لأنها أخفّ والدليل على ما قلناه أنه ما كان على فعل يفعل فالمصدر منه مفعل بالفتح، اسم المكان والزمان بالكسر قالوا: جلس مجلسا وهو في مجلسك، وفي الزمان أتت الناقة على مضربها بالكسر فهذا يبيّن لك أن الأصل مطلع في المكان ثم حوّل إلى الفتح ثم سمع من العرب أشياء تؤخذ سماعا بغير قياس قالوا: مطلع للمكان الذي تطلع فيه الشمس، وقال بعضهم: مطلع للمصدر والفتح أولى لأن الفتح في المصدر قد كان لفعل يفعل فكيف يكون في فعل يفعل وأيضا فإنّ قراءة الجماعة الذين تقوم بهم الحجة «حتّى مطلع» هذا في قوّته في العربية وشذوذ الكسر وخروجه من القياس. قال أبو حاتم: وفي حرف أبيّ «سلام هي إلى مطلع الفجر» قال أبو جعفر:\nوهذه القراءة على التفسير، ولا يجوز لأحد أن يقرأ بها لمخالفتها السواد الأعظم.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٨٢، ومعاني الفراء ٣/ ٢٨٠.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٨٠.\n(٣) انظر الكتاب ٤/ ٢٠٥.","vol":"5","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4556>٩٨ شرح إعراب سورة لم يكن (البيّنة)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4557>[سورة البينة (٩٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)\nيَكُنِ في موضع جزم بلم، وعلامة الجزم فيه حذف الضمة من النون وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. فإن قيل: قد تحرّكت النون فلم لأردت الواو؟ فالجواب أنها حركة عارضة، غير ثابتة فكأنها لم يكن ولا تعرّج على قول من قال: حذفت الواو والضمة للجزم، ولا يجوز عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء. حذف النون على لغة من قال:\nلم يك زيد جالسا لأنها قد تحرّكت وأجاز غيرهم حذفها كما قال: [الطويل] ٥٨١- ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل «١» وَالْمُشْرِكِينَ عطف على أهل، ولو كان عطفا على الذين لكان مرفوعا مُنْفَكِّينَ خبر يكن في معناه قولان: قال عطاء: منفكين بارحين، وبرح وزال في منهاج واحد.\nوقال غيره: «منفكّين» متفرّقين. قال أبو جعفر: معنى القول الأول: لم يكن الكفار زائلين عما هم عليه حتى يجيئهم الرسول فيبيّن لهم ضلالتهم، ومعنى القول الثاني: لم يكن الكفار متفرّقين إلا من بعد أن جاءهم الرسول لأنهم فارقوا ما عندهم من صفة النبي ﷺ فكفروا بعد البيان. وهذا القول في العربية أولى لأن منفكّين لو كان بمعنى زائلين لاحتاج إلى خبر ولكن يكون من انفكّ الشيء من الشيء أي فارقه، كما قال ذو الرمّة: [الطويل] ٥٨٢-\nقلائص ما تنفكّ إلّا مناخة ... على الخسف أو يرمي بها بلدا قفرا «٢»\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم (٥٥) .\n(٢) الشاهد لذي الرمة في ديوانه ١٧٣، والكتاب ٣/ ٥٢، وتخليص الشواهد ٢٧٠، وخزانة الأدب ٩/ ٢٤٧، وشرح شواهد المغني ١/ ٢١٩، ولسان العرب (فكك)، والمحتسب ١/ ٣٢٩، وهمع الهوامع ١/ ١٢٠، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ١٤٢، والأشباه والنظائر ٥/ ١٧٣، والجنى الداني ٥٢١، وشرح الأشموني ١/ ١٢١، ومغني اللبيب ١/ ٧٣ وهمع الهوامع ١/ ٢٣٠.","vol":"5","page":168},{"text":"وزعم الأصمعي أن ذا الرمة أخطأ في هذا. قال أبو جعفر: تأول الأصمعي «ما تنفكّ» ما تزال، والصواب ما قال المازني قال: أخطأ الأصمعيّ وما تنفكّ كلام تامّ ثم قال: إلّا مناخة على الاستثناء المنقطع حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4558>[سورة البينة (٩٨): آية ٢]</span>\nرَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)\nرَسُولٌ مِنَ اللَّهِ على البدل، ويجوز أن يكون بمعنى هي رسول من الله. قال الأخفش سعيد: وفي حرف أبيّ «رسولا من الله» «١» على الحال. قال الضحاك:\nالرسول محمد ﷺ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً قال: القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4559>[سورة البينة (٩٨): آية ٣]</span>\nفِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)\nقال ابن زيد: مستقيمة معتدلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4560>[سورة البينة (٩٨): آية ٤]</span>\nوَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)\nيدلّ على أن الجواب الثاني في منفكين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4561>[سورة البينة (٩٨): آية ٥]</span>\nوَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)\nوَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ من القراء من يقول: هذه لام أن أي إلّا أن يعبدوا الله وأصل هذا للفراء. فأما البصريون فهي عندهم لام كي أي أمروا بهذا كي يعبدوا الله مخلصين له الدين حُنَفاءَ على الحال. قال قتادة: الحنفيّة الختان وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمّات والمناسك. قال الضحاك: الحجّ. قال أبو جعفر: أصل هذا أن الحنف الميل: فقيل: حنيف للمائل إلى الإسلام ميلا لا خلل فيه ولا رجوع وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ وهذا دليل قاطع على أن الإسلام قول وعمل. قال جل وعز: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] ويبيّن أن إقام الصّلاة وإيتاء الزكاة دين القيّمة. قال الفراء «٢»: وفي حرف ابن مسعود «الدين القيّمة» وزعم أنه إضافة الشيء إلى نفسه، وذلك محال عند البصريين لأنك إنما تضيف الشيء إلى ما تبيّنه به فتضمه إليه فمحال أن تبيّنه بنفسه أو تضمه إلى نفسه فالتقدير عندهم دين الجماعة القيمة، وقيل: دين الملّة القيمة، ولهذا وقع التأنيث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4562>[سورة البينة (٩٨): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٩٥، ومعاني الفراء ٣/ ٢٨٢.\n(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٨٢.","vol":"5","page":169},{"text":"وَالْمُشْرِكِينَ في موضع خفض عطف على أهل، ويجوز النصب عطفا على الذين فِي نارِ جَهَنَّمَ في موضع الخبر خالِدِينَ فِيها على الحال أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ خبر بعد خبر، ويجوز أن تكون الجملة خبر «إن» مثل إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) بغير همز قراءة الجماعة، وهو المعروف من كلام العرب، وقرأها نافع بالهمز. أخذها من برأ الله الخلق، ومن لم يهمزها أخذها من البرا، وهو التراب وترك الهمز، وهو الأصل عنده، والبريّة الخلق كما قرئ على أحمد بن شعيب بن علي عن أبي كريب ثنا عبد الله بن إدريس سمعت المختار بن فلفل سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل لرسول الله ﷺ: يا خير البريّة فقال: «ذلك إبراهيم ﷺ» «١» . قال أبو جعفر: ولا معنى لاحتجاج من احتجّ بأن الأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين أفضل من الملائكة صلوات الله عليهم بهذه الآية لأن الملائكة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4563>[سورة البينة (٩٨): آية ٨]</span>\nجَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)\nجَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ مبتدأ وخبره. قال ابن مسعود: جَنَّاتُ عَدْنٍ بطنان الجنة أي وسطها. قال أبو جعفر: يقال: عدن بالمكان إذا أقام به خالِدِينَ فِيها حال أَبَدًا ظرف رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ من ذوات الواو انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. والرضى بالألف والتثنية بالواو ورضوان، ولا معنى لحكاية من حكى رضيان.\nذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ قيل: أي لمن اتّقى الله في الدنيا في سرّه وعلانيته فأدّى فرائضه واجتنب معاصيه.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه الحديث رقم (٤٦٧٢) .","vol":"5","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4564>٩٩ شرح إعراب سورة إذا زلزلت (الزلزلة)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4565>[سورة الزلزلة (٩٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١)\nإِذا في موضع نصب ظرف زمان، والعامل فيها زلزلت زِلْزالَها مصدر كما قال: أكرمتك كرامتك والمعنى كرامة، وكذا المعنى زلزلت زلزالا. وحسنت الإضافة لتتفق الآيات. والكسائي والفراء «١» يذهبان إلى أن الزلزال مصدر والزلزال اسم وأنه يقال: وسوسة وسواسا، والوسواس الاسم. وقرأ عاصم الجحدري وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا [الأحزاب: ١١] بالفتح، وقرأ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4566>[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٢]</span>\nوَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢)\nجمع ثقل والثقل في الأذن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4567>[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٣]</span>\nوَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣)\nما في موضع رفع بالابتداء، وهو اسم تام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4568>[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٤]</span>\nيَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤)\nقال أبو جعفر: لأن معنى تحدّث وتخبّر واحد. ودل هذا على أن معنى حدّثنا وأخبرنا واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4569>[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٥]</span>\nبِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥)\nويقال: وحى له وإليه فيهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4570>[سورة الزلزلة (٩٩): آية ٦]</span>\nيَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦)\nيَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا نصب على الحال. قال الفراء «٣»: اجتمع القراء على لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ «٤» قال أبو جعفر: حكى أبو حاتم أن عبّاد بن كثير قال: بلغني أنّ\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٨٣.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٩٦.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٤٨.\n(٤) انظر البحر المحيط ٨/ ٤٩٨. [.....]","vol":"5","page":171},{"text":"النبي ﷺ قرأ لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ «١» . قال أبو جعفر: في الكلام تقديم وتأخير عند النحويين أي يومئذ تحدّث أخبارها ليروا أعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4571>[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nفَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)\nفَمَنْ في موضع رفع بالابتداء، وهو اسم تام. ويعمل جزم بالشرط وخَيْرًا منصوب على البيان أو بدل من مثقال «يره» جواب الشرط حذف الألف منه للجزم، وكذا وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) فدلّ ظاهر الكلام على أنّ كلّ من عمل شيئا رآه من مؤمن وكافر، وأنّ الكافر يجازى على عمله الحسن في الدنيا من دفع مكروه، وكذا الأحاديث على هذا. أن الكافر يجازى على حسن عمله في الدنيا، ولا يكون له في الآخرة خير، وأن المؤمن على الضدّ من ذلك نصيبه المصائب في الدنيا وأجره موفّر عليه في الآخرة.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٨٢ («يره» قرأ هشام بإسكان الهاء والباقون بصلتها) .","vol":"5","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4572>١٠٠ شرح إعراب سورة العاديات</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4573>[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)\nفَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)\nوَالْعادِياتِ خفض بواو القسم. وللعلماء في معناها قولان: روى مجاهد وعكرمة عن ابن عباس أنها الخيل، وقال علي بن أبي طالب ﵁: إنها الإبل وكذا قال ابن مسعود، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس سألني رجل عن وَالْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فقلت: هي الخيل، فمضى إلى علي بن أبي طالب فأخبره فبعث لي فأحضرني فقال لي: أتتكلّم في كتاب الله بغير علم؟ والله إن أول غزوة كانت لبدر، وما كان معنا إلّا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود إنّما العاديات من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منّى. ونظير هذا ما حدّثناه البهلول بن إسحاق بن البهلول بن حسان ثنا إسماعيل بن أبي أويس ثنا كثير بن عبد الله المزنيّ قال: كنت عند محمد بن كعب القرظيّ فجاءه رجل فقال: يا أبا حمزة إني رجل صرورة لم أحجج قطّ فعلّمني مما علّمك الله سبحانه. قال: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم. قال: فاستفتح فاقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ خمس آيات وَالْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) أتدري ما هذا؟ قال: لا. قال: «والعاديات ضبحا» الرفع من عرفة فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) إلى المزدلفة فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) لا تغير حتى تصبح فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) يوم منى. قال أبو جعفر: اختلف العلماء في معنى فَالْمُورِياتِ قَدْحًا فمذهب علي بن أبي طالب وابن مسعود أنها الإبل، وروى مجاهد وعكرمة عن ابن عباس قال: الناس يورون النار ليراها غيرهم، وروى غيرهما عن ابن عباس الخيل، وقال قتادة: الخيل تشعل الحرب، وقال عكرمة: الموريات الألسن. قال أبو جعفر: ولا دليل يدلّ على تخصيص شيء من هذه الأقوال فالصواب أن يقال ذلك لكل من أورى على أن المعنى واحد إذا كان التقدير: وربّ العاديات ونصبت ضَبْحًا لأنه مصدر في موضع الحال. وعن ابن عباس الضّبح نفخها","vol":"5","page":173},{"text":"بمشافرها. ونصبت قَدْحًا على المصدر لأن معنى «فالموريات» فالقادحات «فالمغيرات» عن ابن عباس أنها الخيل وعن ابن مسعود أنها الإبل «ضبحا» ظرف زمان فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) قال الفراء: الهاء كناية عن الوادي، ولم يتقدّم له ذكر لأنه قد عرف المعنى، وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس: النقع الغبار. وسطن ووسّطن وتوسّطن واحد. وعن ابن عباس فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) من العدو. عن ابن مسعود «جمعا» المزدلفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4574>[سورة العاديات (١٠٠): آية ٦]</span>\nإِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)\nأهل التفسير على أن معناه لكفور أي كفور لنعمه. قال الحسن: يتسخّط على ربه جلّ وعزّ ويلومه فيما يلحقه من المصائب، وينسى النعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4575>[سورة العاديات (١٠٠): آية ٧]</span>\nوَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)\nوَإِنَّهُ أي وإنه ربه عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4576>[سورة العاديات (١٠٠): آية ٨]</span>\nوَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)\nوَإِنَّهُ أي وإن الإنسان لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ في معناه أقوال: قيل: لشديد القوى، وقول الفراء «١»: أن المعنى أن الإنسان للخير لشديد الحب فالتقدير عنده إنه لحبّ الخير لشديد الحب ثم حذف ما بعد شديد، والقول الثالث سمعت علي بن سليمان يقول كما تقول: أنا أكرم فلانا لك أي من أجلك أي وإنه من أجل حبّ الخير أي المال لشديد أي لبخيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4577>[سورة العاديات (١٠٠): آية ٩]</span>\nأَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩)\nلا يجوز أن يعمل في «إذا» «يعلم»، ولا «لخبير»، ولكن العامل فيها عند محمد بن يزيد «بعثر»، وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4578>[سورة العاديات (١٠٠): آية ١٠]</span>\nوَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠)\nيقول أبرز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4579>[سورة العاديات (١٠٠): آية ١١]</span>\nإِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)\nكسرت «إنّ» من أجل اللام. حكى علي بن سليمان عن محمد بن يزيد أنه يجوز فتحها مع اللام لأنها زائدة، دخولها كخروجها إلّا أنها أفادت التوكيد.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٨٥.","vol":"5","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4580>١٠١ شرح إعراب سورة القارعة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4581>[سورة القارعة (١٠١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْقارِعَةُ (١)\nمرفوعة بالابتداء والخبر في الجملة وقيل: هي مرفوعة بإضمار فعل والتقدير:\nستأتي القارعة. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس: الْقارِعَةُ من أسماء القيامة عظّم الله وحذّر منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4582>[سورة القارعة (١٠١): آية ٣]</span>\nوَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣)\nقال أبو جعفر: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) تعظيم لها ونصب يَوْمَ: ستأتي على قول من أضمره، ومن لم يضمره فالتقدير عنده: القارعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4583>[سورة القارعة (١٠١): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nيَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)\nيَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) الكاف في موضع نصب خبر يكون، وكذا: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) وفي قراءة عبد الله (كالصوف) والعهن جمع عهنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4584>[سورة القارعة (١٠١): آية ٦]</span>\nفَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦)\nمَنْ في موضع رفع بالابتداء والجملة الخبر. قال الفراء «١»: موازينه أي وزنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4585>[سورة القارعة (١٠١): آية ٧]</span>\nفَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧)\nقال مجاهد: يرضى بها. قال أبو جعفر: التقدير في العربية: ذات رضى على النسب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4586>[سورة القارعة (١٠١): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩)\nقول الأخفش: إن معنى أمّه مستقرّه، وهاوية نار وأنشد: [الطويل]\n_________\n(١) انظر معاني الفرّاء ٣/ ٢٨٧.","vol":"5","page":175},{"text":"٥٨٣-\nهوت أمّه ما يبعث الصّبح غاديا ... وماذا يؤدّي اللّيل حين يؤوب «١»\nوقال غيره: «فأمّه هاوية» أصله هاو أي هالك لأن أمّ الشيء أصله ومعظمه ومنه قيل للحمد: أمّ القرآن، ومنه قول الشاعر: [الوافر] ٥٨٤-\nلأمّ الأرض ويل ما أجنّت ... غداة أضرّ بالحسن السّبيل «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4587>[سورة القارعة (١٠١): آية ١٠]</span>\nوَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠)\nجيء بالهاء لأن من العرب من يقول: هي بإسكان الياء فتثبت الهاء على لغة من حرّكها ليفرق بينها وبين لغة من أسكن فإن وصلت لم يجز إثبات الهاء لأن الحركة قد ثبتت، والصواب أن يوقف عليه يتّبع السواد ولا يلحن، وسمعت علي بن سليمان يقول: من قال: أصل وأريد الوقوف فقد أخطأ لأنه يلزمه أن لا يعرب الأسماء في الأدراج ويريد الوقوف. قال أبو جعفر: وهذا حجّة بيّنة صحيحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4588>[سورة القارعة (١٠١): آية ١١]</span>\nنارٌ حامِيَةٌ (١١)\nبإضمار مبتدأ.\n_________\n(١) الشاهد لكعب بن سعد الغنويّ في الأصمعيات ص ٩٥، ولسان العرب (أمم) و(هوا)، وتهذيب اللغة ١٥/ ٦٠٢، وجمهرة اللغة ٢٢٩، والأصمعيات ٩٥، وسمط اللآلي ص ٧٧٣، وجمهرة أشعار العرب ٧٠٣، وتاج العروس (أم) و(هوى)، وبلا نسبة في تهذيب اللغة ٦/ ٤٩٢، والمخصّص ١٢/ ١٨٢، ولسان العرب (هبل) .\n(٢) الشاهد لعبد الله بن عنمة الضبيّ في لسان العرب (ضرر) و(حسن)، والتنبيه والإيضاح ٢/ ١٥٣، وتهذيب اللغة ٤/ ٣١٦، وجمهرة اللغة ٥٣٥، ولعنمة بن عبد الله الضبيّ في تاج العروس (حسن)، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ١٢٢، ومقاييس اللغة ٢/ ٥٨، ومجمل اللغة ٢/ ٦٢، وأساس البلاغة (سلف) .","vol":"5","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4589>١٠٢ شرح إعراب سورة التكاثر</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4590>[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢)\nأصوب ما قيل في معناه أنّ المعنى: ألهاكم التكاثر عن طاعة الله جلّ وعزّ إلى أن صرتم إلى المقابر فدفنتم، ودلّت هذه الآية على عذاب القبر لا بعدها كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) أي إذا صرتم إلى المقابر. وروي عن زرّ عن علي بن أبي طالب ﵁ نزل في عذاب القبر ألهاكم التكاثر، وقرأ إلى كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) قال الفراء:\nواحد المقابر مقبرة ومقبرة وبعض أهل الحجاز يقول: مقبرة، وقد سمعت مشرقة ومشرقة ومشرقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4591>[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nكَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)\nثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) تكرير عند الفراء. وأحسن منه ما قاله الضحاك قال:\nالأولى للكفار، وذهب إلى أن الثانية للعصاة من المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4592>[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nكَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)\nكَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) مصدر، وحذف جواب لو. والتقدير: لو تعلمون أنكم ترون الجحيم لمّا تكاثرتم في الدنيا بالأموال وغيرها. قال الكسائي: جواب لَوْ في أول السورة أي لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم التكاثر. وقرأ الكسائي لَتَرَوُنَّ «١» بضمّ التاء. حكاه أبو عبيد عنه، وقرئ على إبراهيم بن موسى عن محمد بن الجهم عن أبي عبد الرّحمن عن علي بن أبي طالب ﵁ أنّه قرأ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها «٢» الأولى بضمّ التاء والثانية بفتحها. قال أبو جعفر:\nوالأولى عند الفرّاء «٣» وأبي عبيد فتحها، لأن التكرير يكون متفقا. قال أبو جعفر:\nوالأحسن ألا يكون تكريرا، ويكون المعنى لترونّ الجحيم في موقف القيامة.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٨٢.\n(٢) انظر البحر المحيط ٨/ ٥٠٦.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٨٨.","vol":"5","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4593>[سورة التكاثر (١٠٢): آية ٧]</span>\nثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)\nثُمَّ لَتَرَوُنَّها إذا دخلتم النار عَيْنَ الْيَقِينِ مصدر لأن المعنى لتعايننّها عيانا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4594>[سورة التكاثر (١٠٢): آية ٨]</span>\nثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)\nقيل: أي عن النعيم الذي يشغل عن طاعة الله جلّ وعزّ. وظاهر الكلام يدلّ على أنه عام، وأنّ الإنسان مسؤول عن كل نعيم تنعّم به في الدنيا من أين اكتسبه؟ وما قصد به؟ وهل فعل ما غيره أولى منه؟ ويسند الظاهر للأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه كما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى قال: حدّثنا هشام بن عبد الملك قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة قال: حدّثنا عمّار بن أبي عمّار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: جاءني النبيّ ﷺ فأخرجنا أو قدمنا إليه رطبا أو بسرا وماء فقال: «هذا من النّعيم الذي تسألون عنه» «١» . وحدّثنا علي بن الحسين عن الحسن بن محمد قال: حدّثنا داود بن مهران عن داود بن عبد الرّحمن عن محمد بن عيثم عن ابن عباس ثم لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال: الأمن والصحّة.\n_________\n(١) أخرجه النسائي في سننه الوصايا ب ٤، وأحمد في مسنده ٣/ ٣٣٨، وموارد الظمآن للهيثمي (٢٥٣١)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ١/ ١٢٠، والهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣١٧.","vol":"5","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4595>١٠٣ شرح إعراب سورة العصر</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4596>[سورة العصر (١٠٣): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْعَصْرِ (١)\nالتقدير: وربّ العصر، ويدخل فيه كلّ ما يسمى بالعصر لأنه لم يقع اختصاص تقوم به حجة فالعصر الدهر، والعصر العشي، والعصر الملجأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4597>[سورة العصر (١٠٣): آية ٢]</span>\nإِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)\nالإنسان بمعنى الناس، والخسر دخول النار. فهو أكبر الخسران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4598>[سورة العصر (١٠٣): آية ٣]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)\nالَّذِينَ في موضع استثناء من موجب آمَنُوا صلته، وكذا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ لأنه معطوف.","vol":"5","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4599>١٠٤ شرح إعراب سورة الهمزة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4600>[سورة الهمزة (١٠٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)\nوَيْلٌ رفع بالابتداء ويجوز نصبه لأنه بمعنى المصدر كما يجوز قبوحا له منصوب إلّا أن الرفع في «ويل» أحسن لأنه غير مأخوذ من فعل والنصب في قبوح أجود لأنه مأخوذ من فعل. وفي نصب «ويل» قول آخر، يكون التقدير قولوا الزم الله ويلا لكل همزة، وهذا مذهب سيبويه «١» . قال مجاهد: ليست هذه خاصّا لأحد. قال أبو جعفر: وهذا قول صحيح في العربية لأن سبيل كل أن تكون غير خاصة. قال أبو العالية: «الهمزة» الذي يعيب الناس في وجوههم، واللّمزة الذي يعيبهم من ورائهم.\nوسمعت علي بن سليمان يستحسن هذا القول. وقال ابن زيد: الهمزة الذي يهمز الناس ويضربهم بيده، واللّمز الذي يلمزهم ويعيبهم بلسانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4601>[سورة الهمزة (١٠٤): آية ٢]</span>\nالَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢)\nالَّذِي في موضع رفع بمعنى هو الذي، ويجوز النصب بمعنى أعني الذي، ويجوز الخفض على البدل من كلّ. قرأ أبو جعفر ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي «جمع» «٢» بالتشديد. وقرأ الحسن وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وشيبة ونافع جَمَعَ. قال أبو جعفر: «جمع» بالتخفيف يكون للقليل والكثير، وجمّع لا يكون إلا للكثير. وروي عن الحسن وَعَدَّدَهُ بالتخفيف، وهي قراءة شاذة إن كان يريد عدّه ثم أظهر التضعيف كما قال: [البسيط] ٥٨٥- إنّي أجود لأقوام وإن ضننوا «٣»\n_________\n(١) انظر الكتاب ١/ ٣٩٦.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٨٢، والبحر المحيط ٨/ ٥١٠.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (١٧٦) .","vol":"5","page":180},{"text":"وهو بعيد، وإنما يجوز في الشعر وإن كان يريد جمع مالا وجمع عدده على أنه مفعول أي أحصى عدده فهو جائز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4602>[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nيَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)\nيَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) يقال: هي لغة النبي ﷺ بكسر السين جاء على فعل يفعل، وله نظائر يسيرة قد ذكرناها. «أنّ» وما عملت فيه في موضع المفعولين، والمعروف من قراءة الحسن «لينبذانّ في الحطمة» «١» بعينه وماله، وقد روي عنه (لينبذنّ) بضم الذال. فقيل لا يجوز لأنه إنما تقدّم ذكر اثنين، وقيل: هو للهمزة واللمزة والذي جمع مالا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4603>[سورة الهمزة (١٠٤): آية ٥]</span>\nوَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥)\nقال الفراء: اسم للنار، ولو كانت بغير ألف ولام لم تنصرف. قال أبو جعفر:\nيقال: حطمه إذا كسّره كما قال: [الرجز] ٥٨٦- قد لفّها اللّيل بسوّاق حطم «٢» ورجل حطم أي أكول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4604>[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nنارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)\nنارُ اللَّهِ أي هي نار الله «الموقدة» نعت للنار، وكذا الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) اطّلعت على فلان وطلعت أي بلغت وواحد الأفئدة فؤاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4605>[سورة الهمزة (١٠٤): آية ٨]</span>\nإِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)\nخبر «إن» يقال: آصدت أوصد فمن قال: أوصدت قال: موصدة فلم يهمز، ومن قال: آصدت قال: مؤصدة، وجاز أن يخفّف الهمزة فيقول: موصدة واللغتان حسنتان كثيرتان، وكذا أكّدت ووكدت وهو التأكيد والتوكيد، وكذا أرّخت وورّخت وهو التأريخ والتوريخ، وأكفت وأوكفت وهو الاكاف والوكاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4606>[سورة الهمزة (١٠٤): آية ٩]</span>\nفِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)\nفِي عَمَدٍ هكذا روي عن علي بن أبي طالب ﵁ وابن مسعود وزيد بن\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٥١٠، ومختصر ابن خالويه ١٧٩، ومعاني الفراء ٣/ ٢٩٠.\n(٢) الشاهد لرشيد بن رميض في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٣٥٥، والأغاني ١٥/ ١٩٩، وللأغلب العجلي في الحماسة الشجرية ١/ ١٤٤، وللحطم القيسي في الكتاب ٣/ ٢٤٦، وشرح المفصّل ١/ ٦٢، وله أو لأبي زغيبة الأنصاري في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٨٦، وله أو لأبي زغبة الخزرجي أو لرشيد بن رميض في لسان العرب (حطم)، وبلا نسبة في أساس البلاغة (حطم) وجمهرة اللغة ٨٣٠، وسمط اللآلي ٥٩، وشرح المفصّل ٦/ ١١٢. [.....]","vol":"5","page":181},{"text":"ثابت وهي قراءة عاصم ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ المدنيون وأبو عمرو فِي عَمَدٍ «١» وإذا جاء الشيء على هذا الاجتماع حظر في الديانة أن يقال:\nإحداهما أولى من الأخرى. وأجود ما قيل هكذا أنزل كما قال النبي ﷺ: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف» «٢» ولكن تلخّص القراءات من العربية فيقال: عمود وعمد فهكذا فعول وفعيل وفعال يجمعن على فعل نحو كتاب وكتب ورغيف ورغف، وقد قالوا: أديم وأدم، وهذا كعمود وعمد اسم للجميع لا جمع على الحقيقة وكذا أفيق وأفق وإهاب وأهب ونعيم ونعم، وقال: خادم وخدم فأما معنى «في عمد» فقد تكلّم فيه أهل التفسير وأهل العربية. قال عطاء الخراساني يعني عمدا من نار ممددة عليهم، وقال ابن زيد: فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ أي هم مغلّلون بعمد من حديد قد احترقت فصارت نارا، وقيل: توصد عليهم الأبواب أي تطبق ويقام عليها عمد من حديد ليكون ذلك أشدّ ليأسهم من الخروج، وقيل «في عمد» أي بين عمد، كما تقول: فلان في القوم أي بينهم، وقيل مع عمد، كما قال: [الطويل] ٥٨٧-\nوهل ينعمن من كان آخر عهده ... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال «٣»\nأي مع، وسمعت علي بن سليمان يقول: «في» على بابها أي ثلاثين شهرا داخلة في ثلاثة أحوال. قال أبو جعفر ومن أجلّ ما يروى في الآية ما يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أتدرون كيف أبواب النار؟ قلنا: مثل أبوابنا هذه فقال: لا، إنّ بعضها فوق بعض «ممدّدة» بالخفض نعت لعمد، وبالرفع نعت لموصدة أو خبر بعد خبر.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٨٢، والبحر المحيط ٨/ ٥١٠ ومعاني الفراء ٣/ ٢٩٠.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٢٣٢، والهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٥٠، وابن كثير في تفسيره ٢/ ٩، والهيثمي في موارد الظمآن (١٧٧٩) .\n(٣) مرّ الشاهد رقم (٣٩٦) .","vol":"5","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4607>١٠٥ شرح إعراب سورة الفيل</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4608>[سورة الفيل (١٠٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١)\nحذفت الألف من ترى للجزم، والأصل الهمزة فألقيت حركة الهمزة على الراء فحذفت الهمزة «كيف» في موضع نصب بفعل، وهي غير معربة لأنها في معنى الحروف وإن كانت اسما، وفتحت الفاء لالتقاء الساكنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4609>[سورة الفيل (١٠٥): آية ٢]</span>\nأَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)\nأي في تضليل عما أرادوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4610>[سورة الفيل (١٠٥): آية ٣]</span>\nوَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ (٣)\nمن أحسن ما روي فيه عن المتقدمين ما حدّثناه علي بن الحسين عن الحسن بن محمد قال: حدثنا عفّان قال: حدّثنا حماد عن عاصم عن زرّ عن عبد الله طَيْرًا أَبابِيلَ قال: فرقا. وقرئ على محمد بن جعفر عن يوسف بن موسى قال: حدّثنا شهاب عن إبراهيم عن حميد عن أبي خالد عن أبي صالح «طيرا أبابيل» قال: جمعا بعد جمع. قال أبو جعفر: ومعروف في كلام العرب جاءوا أبابيل أي جماعة بعد جماعة عظيمة كثيرة بعد جماعة. مشتق من أبل عليه إذا كثر وجمع ومنه سمّيت الإبل لعظم خلقها، وقد قيل: إنّ معنى أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] أنها السحاب لعظمها وإن كان القتبي ردّ هذا التفسير بغير حجّة تثبت. وأصح ما قيل في واحد الأبابيل ما قاله محمد بن يزيد قال: واحدها ابّيل كسكّين وسكاكين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4611>[سورة الفيل (١٠٥): آية ٤]</span>\nتَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)\nجمعه سجاجيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4612>[سورة الفيل (١٠٥): آية ٥]</span>\nفَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)\nالكاف في موضع نصب مفعول ثان أي مأكول ما فيه، وهو قشر الحنطة، ويجوز أن يكون بمعنى مأكول للبهائم.","vol":"5","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4613>١٠٦ شرح إعراب سورة لإيلاف (قريش)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4614>[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢)\nلِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) مذهب الأخفش أن المعنى فعل بهم ذلك ليؤلف قريشا.\nوهذا القول الخطأ فيه بين، ولو كان كما قال لكانت لإيلاف بعض آيات «الم تر» وفي إجماع المسلمين على الفصل بينهما ما يدلّ على غير ما قال، وأيضا فلو كان كما قال لم يكن آخر السورة تماما، وهذا غير موجود في شيء من السور، وقيل في الكلام حذف والمعنى أعجبوا لإيلاف قريش. رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. وتركهم عبادة رب هذا البيت وهذا أعني الحذف مذهب الفراء «١»، ويحتجّ له بأن العرب تقول: لله أبوك فيكون في اللام معنى التعجب وأصبح من هذين القولين، وهو قول الخليل بن أحمد، أن المعنى لأن يؤلف الله قريشا إيلافا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4615>[سورة قريش (١٠٦): آية ٣]</span>\nفَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣)\nأي لهذا فليعبدوه. قال أبو جعفر: فهذا لا حذف فيه وهو من حسن النحو ودقيقه، وإن كان أصحاب كتب المعاني قد أغفلوه. «إلفهم» مخفوض على البدل كما تقول: عجبت من إحسانك إحسانك إلى زيد، فأبدلت الثاني من الأول، وزدت في الفائدة للبيان وروي عن يزيد بن القعقاع أنه قرأ «إلفهم» «٢» وروي عنه «إلافهم» وهما مصدران من ألف يألف على فعل وفعال ففعل مثل قولهم: حلم حلما وعلم علما وسخر سخرا، وفعال مثل لقيته لقاء وصمت صياما وكتبت كتابا، أجاز الفراء «٣» لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ على المصدر. قال أبو جعفر: ويجوز النصب أيضا في إلفهم وإيلافهم بمعنى يألفون إلفا. رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ منصوبة بإيلاف وأجاز الفراء إيلافهم\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٩٣.\n(٢) انظر تيسير الداني ١٨٢، ومختصر ابن خالويه ١٨٠.\n(٣) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٩٣.","vol":"5","page":184},{"text":"رحلة الشتاء والصّيف. قال أبو جعفر: يكون هذا على البدل، وتقديره: إيلافهم إيلاف رحلة الشتاء والصيف.\nْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ\n(٣) وإن شئت كسرت اللام على الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4616>[سورة قريش (١٠٦): آية ٤]</span>\nالَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)\nالَّذِي في موضع نصب نعت لربّ، ويجوز أن يكون في موضع رفع أي هو الذي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ صلة الذي وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ داخل في الصلة.","vol":"5","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4617>١٠٧ شرح إعراب سورة أرأيت (الماعون)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4618>[سورة الماعون (١٠٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)\nهذه القراءة البيّنة، ويجوز أن تأتي الهمزة بين بين فتقول: أرأيت ويجوز أريت بحذف الهمزة، وعن عبد الله بن مسعود أَرَأَيْتَكَ «١» والكاف زائدة للخطاب وهمزة بين بين متحركة بوزنها مخففة، كذا قال سيبويه، فأما قول من قال: هي لا ساكنة ولا متحركة فمحال لأنها إذا لم تكن ساكنة فهي متحرّكة وإذا لم تكن متحرّكة فهي ساكنة فيجب على قوله أن تكون ساكنة متحرّكة. والدليل على أنها متحركة قوله: [البسيط] ٥٨٨-\nأأن رأت رجلا أعشى أضرّ به ... ريب المنون ودهر مفند خبل «٢»\nفلو قلت: أأن لكان الوزن واحدا. وهمزة بين بين كثيرا ما يغلط فيها، وهي من أصعب ما في النحو، ومن دليل ما قلنا قوله ﷿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [البقرة:\n٦] فلو كانت همزة بين بين ساكنة لاجتمع ساكنان، وكذا أرأيت الياء ساكنة وهمزة بين بين متحركة، ومن أسكنها وكسر الياء فقد جاء بما لا يجوز وما لا وجه له ولا تقدير في العربية، ويجوز أن يكون «أرأيت» من رؤية العين فلا يكون في الكلام حذف وأن يكون من رؤية القلب فيكون التقدير: أرأيت الذي يكذّب بالدين بعد ما ظهر له من البراهين أليس مستحقا عذاب الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4619>[سورة الماعون (١٠٧): آية ٢]</span>\nفَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)\nوقرأ أبو رجاء يَدُعُّ الْيَتِيمَ مخفّفة أي يتركه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4620>[سورة الماعون (١٠٧): آية ٣]</span>\nوَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣)\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٥١٧، ومعاني الفراء ٣/ ٢٩٤.\n(٢) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٠٥، والكتاب ٣/ ١٧٦، وجمهرة اللغة ٨٧٢، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٧٥، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/ ٤٥، وشرح شواهد الإيضاح ص ٢٦٢، وشرح شواهد الشافية ٣٣٢، ولسان العرب (قبل) و(منن)، وبلا نسبة في شرح المفصّل ٣/ ٨٣، والمقتضب ١/ ١٥٥.","vol":"5","page":186},{"text":"قال الفراء: أي لا يحافظ على طعام المسكين ولا يأمر به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4621>[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nفَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥)\nقال أبو العالية: هو الّذي يسجد ويقول هكذا وهكذا أو التفت عن يمينه وشماله.\nقال أبو جعفر: وأولى من هذا القول، لعلوّ من قال به ولصحّته في العربية، ما حدثناه علي بن الحسين عن الحسين عن الحسن بن محمد قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن طلحة بن مصرّف عن مصعب بن سعد عن سعد بن مالك قال له رجل: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) أهو حديث النفس في الصلاة؟ قال: كلّنا نجد ذلك، ولكنه يضيّعها لوقتها. وفي غير رواية طلحة بن مصرف أن سعدا قال: سألت النبي ﷺ عن الذين هم عن صلاتهم ساهون قال: الذين يؤخّرونها عن وقتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4622>[سورة الماعون (١٠٧): آية ٦]</span>\nالَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦)\nأي لا يصلّون خوفا من عقاب ولا رجاء لثواب، ولكن لينظرهم المسلمون فلا يسفكون دماءهم وهم المنافقون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4623>[سورة الماعون (١٠٧): آية ٧]</span>\nوَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)\nقد تكلّم العلماء في معناه كما قرئ على إبراهيم بن موسى عن محمد بن الجهم عن الفراء «١» حدّثني قيس بن الربيع عن السدّي عن عبد خير عن علي ﵁، قال: الماعون الزكاة، ويروى هذا عن ابن عمر وابن عباس باختلاف، وعن ابن عباس:\nالماعون ما يتعاطاه الناس، وحكى الفراء عن بعض العرب الماعون الماء، وأنشد:\n[الوافر] ٥٨٩- يمجّ صبيره الماعون صبّا «٢» صبيره: سحابه. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال ترجع إلى أصل واحد، وإنما هو الظن بالشيء اليسير الذي يجب ألّا يضنّ به مشتقّ من المعن، وهو الشيء القليل. والله أعلم.\n_________\n(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٢٥٩.\n(٢) الشاهد بلا نسبة في معاني الفراء ٣/ ٢٩٥، وتفسير الطبري ٣٠/ ٢١٤.","vol":"5","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4624>١٠٨ شرح إعراب سورة الكوثر</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4625>[سورة الكوثر (١٠٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١)\nالنون والألف الأوليان في موضع نصب اسم إن والأخريان في موضع رفع والْكَوْثَرَ مفعول ثان وهي في اللغة فوعل من الكثرة وقد اختلف العلماء في معناه فعن النبي ﷺ أنه الحوض ولما قال سعيد بن جبير: الكوثر الخير الكثير قيل له فقد قيل: إنه الحوض فقال: الحوض من الخير الكثير، وقال الحسن وقتادة: الكوثر القرآن، وقرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى ثنا عبيد الله بن موسى ثنا شعبة عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة قال: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ» (١) قال: النبوة والقرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4626>[سورة الكوثر (١٠٨): آية ٢]</span>\nفَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)\nاختلف العلماء في معناها فمن أجلّ ذلك ما حدّثنا محمد بن أحمد بن جعفر قال: ثنا أبو بكر بن شيبة ثنا وكيع عن يزيد بن أبي زيادة بن أبي الجعد عن عاصم الجحدري عن عقبة بن ظهير عن علي بن أبي طالب ﵁ في قول الله جلّ وعزّ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة. قال أبو جعفر: وقد اختلف عنه في ذلك فروي عنه أنه قال: يضع اليمين على الساعد الأيسر على صدره، وعنه وعن أبي هريرة يجعلهما تحت السرّة وهذا مذهب الكوفيين، ويحتجّ للقول الأول أنه أشبه بالآية لأن معنى وانحر أي اجعل يدك نحو نحرك، وقد روى سفيان لشعبة عن عاصم بن كليب عن ابنه عن وائل بن حجر. قال: رأيت النبي ﷺ اجعل يدك نحو نحرك، وقد روى سفيان وشعبة عن عاصم بن أنس عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على اليسرى في الصلاة. قال أبو جعفر: فعلى هذا القول فصلّ لربك أي الصلوات كلّها وانحر اجعل يدك نحو نحوك فهذا قول وعن أبي جعفر محمد بن علي وَانْحَرْ ارفع يدك نحو نحرك إذا كبّرت للإحرام، وقال الضحاك: وَانْحَرْ واسأل، وقول رابع «وانحر»","vol":"5","page":188},{"text":"واستقبل القبلة بنحرك كما حكي عن العرب هما يتناحران أي يتقاتلان. قال أبو جعفر:\nوليس هذا قول أحد من المتقدمين، وقول خامس عن أنس بن مالك قال: كان النبي ينحر ثم يصلّي حتى نزلت فصلّ لربك وانحر فصار يصلّي ثم ينحر، وقول سادس عليه أكثر التابعين، قال الحسن وعطاء أي صلّ العيد وانحر البدن. قال أبو جعفر: وهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير، وهو مروي عن ابن عباس ﵁ وبعض أهل النظر يميل إليه لأنه ظاهر المعنى أي انحر البدن، ولا تذبحها، وبعض الفقهاء يردّه لأن صلاة العيد ليست بفرض عند أحد من المسلمين، الضحية ليست بواجبة عنه أكثر العلماء كما روي أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيّان مخافة أن يتوهّم الناس أنّها واجبة، وكذا ابن عباس قال: ما ضحّيت إلا بلحم اشتريته، وفي الآية قول سابع، وهو أبينها، وهو مذهب محمد بن كعب قال: أخلص صلاتك لله وانحر له وحده. وهو قول حسن لأن الله جل وعز عرفه ما أكرمه به وأعطاه إياه فأمره أن يشكره على ذلك لئلا يفعل كما يفعل المشركون وأن تكون صلاته خالصة لله وحده ويكون نحره قاصدا به ما عنده الله جلّ وعزّ لا كما يفعل الكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4627>[سورة الكوثر (١٠٨): آية ٣]</span>\nإِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)\nإِنَّ شانِئَكَ قال ابن عباس: عدوك أبا جهل، وقيل العاصي بن وائل هُوَ الْأَبْتَرُ أي المنقطع الذّكر من الخير لا أحد يا قوم بدينه، ولا يذكره بخير. فكان هذا من علامات نبوته ﷺ أنه خبر بما لم يقع فكان كما أخبر به، وقد قيل: لما أنزل الله إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) لم يولد له بعد ذلك، والأول أصحّ، وأصله من بتره أي قطعه.","vol":"5","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4628>١٠٩ شرح إعراب سورة الكافرين</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4629>[سورة الكافرون (١٠٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١)\nقُلْ في موضع جزم عند الفراء على حذف اللام، وسمعت علي بن سليمان يقول: لو كان كما قال لكان بالتاء. وهو عند البصريين غير معرب يا أَيُّهَا «يا» حرف نداء وضممت أيا لأنه منادى مفرد قد مرت العلة فيه الْكافِرُونَ نعت لأي أو عطف البيان. قال محمد بن يزيد: ليس في هذا تكرير وإنما جهل من قال: إنه مكرّر اللغة، والمعنى قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4630>[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ٢ الى ٥]</span>\nلا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥)\nلا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) في هذا الوقت، وكذا وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) انقضى هذا، ثم قال وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) فيما استقبل وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) مثله، وكان في هذا دلالة على نبوته ﷺ لأن كل من خاطبه بهذا المخاطبة ثم لم يسلم منهم أحد، وكذا الذين خاطبهم بقولهم سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٦] . أَنْتُمْ عابِدُونَ مبتدأ وخبر، وكذا أَنا عابِدٌ على حذف الواو، ومعناها ولم تنصب «لا» كما تنصب «ما» لأن «ما» أدخل في شبه ليس فنصبت كما نصبت ليس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4631>[سورة الكافرون (١٠٩): آية ٦]</span>\nلَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)\nلَكُمْ دِينُكُمْ مبتدأ، وكذا وَلِيَ دِينِ «١» وحذفت الياء من ديني لأنه رأس آية فحسن الحذف لتتفق الآيات، ومن فتح الياء في قوله «ولي» قال: هي اسم فكرهت أن أخلّ به، ومن أسكنها قال: قد اعتمدت على ما قبلها في موضع نصب.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٥٢٣ (قرأ سلام «ديني» بالياء وصلا ووقفا، وحذفها القرّاء السبعة) .","vol":"5","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4632>١١٠ شرح إعراب سورة إذا جاء نصر الله (النصر)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4633>[سورة النصر (١١٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)\nإِذا ظرف زمان نصب بجاء نَصْرُ اللَّهِ رفع بجاء ويجمع على أنصار، والقياس أنصر وَالْفَتْحُ عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4634>[سورة النصر (١١٠): آية ٢]</span>\nوَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا (٢)\nوَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ «يدخلون» في موضع نصب على الحال أو على خبر رأيت أَفْواجًا نصب على الحال جمع فوج، والقياس فوج أفوج استثقل الحركة في الواو فشبّهوا فعلا بفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4635>[سورة النصر (١١٠): آية ٣]</span>\nفَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا (٣)\nفَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي اجعل تسبيحك بالحمد وَاسْتَغْفِرْهُ وكان يقول ﷺ: «إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرّة» «١» إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا خبر كان، والجملة خبر إنّ وكانت في هذه السورة دلالة على نبوّته ﷺ لأنها نزلت قبل الفتح، قال ابن عباس: فعرف أنه إذا كان الفتح فعددنا أجله ﷺ. قال قتادة: نزلت سورة الفتح إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ بالمدينة.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٣٩٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٥٢، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٥/ ٧٥.","vol":"5","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4636>١١١ شرح إعراب سورة تبّت (المسد)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4637>[سورة المسد (١١١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)\nفي «تبّ» الأولى قولان: أحدهما أنه دعاء، والآخر أنه خبر. وفي إسكان التاء قولان: أحدهما أنها لما كانت حرفا وجب لها السكون، والآخر أنه لم تبق لها حركة فأمسكت يَدا فيه قولان: أحدهما أنه مجاز أي تبّ، والآخر أنه على الحقيقة كما يروى أن أبا لهب أراد أن يرمي النبي ﷺ فمنعه الله جلّ وعزّ من ذلك، وأنزل تبّت يدا أبي لهب، أي خسرت يدا أبي لهب، فيه قولان: أحدهما أن علامة الخفض الياء، والقول الآخر أنه معرب من جهتين هذا قول الكوفيين وَتَبَّ فيه قولان: أحدهما أن فيه قد مضمرة كما روي عن ابن مسعود أنه قرأ «تبّت يدا أبي لهب «١» وقد تب»، والقول الآخر أنه خبر وأن «قد» لا تضمر لأنها حرف معنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4638>[سورة المسد (١١١): آية ٢]</span>\nما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢)\nما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ في «ما» قولان أحدهما أنها في موضع نصب بأغنى، والقول الآخر أنها لا موضع لها من الإعراب وأنها نافية. وَما كَسَبَ فيه قولان: أحدهما أنه يراد به ولده هذا قول ابن عباس، والقول الآخر ما كسبه من شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4639>[سورة المسد (١١١): آية ٣]</span>\nسَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣)\nفيه قولان: أحدهما أن الوقوف عليه ذاه بالهاء لأن تأنيث الأسماء بالهاء، والآخر أن الوقوف ذات لأنه لا ينفصل مما بعده في المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4640>[سورة المسد (١١١): آية ٤]</span>\nوَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)\nوَامْرَأَتُهُ فيه قولان: أحدهما أنها مرفوعة لأنها معطوفة على المضمر الذي في سيصلى، وحسن العطف على المضمر لطول الكلام والقول الآخر أنها مرفوعة بالابتداء\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٨٣ (قرأ ابن كثير «لهب» بإسكان الهاء والباقون بفتحها) .","vol":"5","page":192},{"text":"حَمَّالَةَ الْحَطَبِ «١» بالرفع فيه قولان أحدهما أنه نعت لامرأته والآخر أنه خبر الابتداء. وفي نعتها هذا قولان، وهي أم جمل أخت أبي سفيان بن حرب أحد القولين أنها نعتت بهذا تخسيسا لها عقوبة لإيذائها النبي ﷺ، والقول الآخر أن يكون له زوجات غيرها فنعتت بهذا للفرق بينها وبينهنّ وفي موضع الجملة قولان: أحدهما أنها في موضع الحال، والتقدير ما أغنى عنه ماله وما كسب وامرأته حمالة الحطب، والقول الآخر أنها خبر «ما» في موضع الحال، ومن قرأ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ «٢» ففي قراءته قولان: أحدهما أنه منصوب على الحال لأنه يجوز أن تدخل فيه الألف واللام فلما حذفتهما نصب على الحال، والقول الآخر أنه منصوب على الذمّ أي أعني حمالة الحطب كما قال: [الرجز] ٥٩٠- نحن بني ضبّة أصحاب الجمل «٣» وقال رؤبة: [الرجز] ٥٩١- أنا ابن سعد أكرم السّعدينا «٤»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4641>[سورة المسد (١١١): آية ٥]</span>\nفِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)\nفِي جِيدِها فيه قولان: أحدهما أنه خبر بعد خبر عن «وامرأته»، والقول الآخر أن يكون خبرا منقطعا من الأول حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ فيه قولان أحدهما أنه يراد به السلسلة التي تكون في عنقها في النار، والآخر أنه الحبل الذي كانت تحمل به الحطب.\n_________\n(١) انظر تيسير الداني ١٨٣، والبحر المحيط ٨/ ٥٢٧. [.....]\n(٢) انظر تيسير الداني ١٨٣، والبحر المحيط ٨/ ٥٢٧.\n(٣) الرجز بلا نسبة في لسان العرب (ندس) و(جمل) و(قحل) وجمهرة اللغة ٢٦٩، وتاج العروس (بجل) و(جمل) والكامل للمبرد ٩٩.\n(٤) الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ١٩١، والكتاب ٢/ ١٥٥، وشرح المفصّل ١/ ٤٧، وبلا نسبة في سرّ صناعة الإعراب ٤٦٠، وشرح المفصّل ١/ ٤٦، والمقتضب ٢/ ٢٢٣.","vol":"5","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4642>١١٢ شرح إعراب سورة قل هو الله أحد (الإخلاص)</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4643>[سورة الإخلاص (١١٢): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)\nهُوَ في موضع رفع بالابتداء كناية عن الحديث على قول أكثر البصريين والكسائي أي الحديث الذي هو الحق الله أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4644>[سورة الإخلاص (١١٢): آية ٢]</span>\nاللَّهُ الصَّمَدُ (٢)\nفيه ست تقديرات «١»: أحسنها أن يكون قولك اللَّهُ رفعا بالابتداء الصَّمَدُ نعته وما بعده خبره، والقول الثاني أن يكون الصمد الخبر، والقول الثالث أن يكون على إضمار مبتدأ، والرابع أن يكون خبرا بعد خبر، والخامس أن يكون بدلا من أحد، والسادس أن يكون بدلا من قولك الله الأول فإن قيل: ما معنى التكرير؟ فالجواب أن فيه التعظيم هكذا كلام العرب كما قال: [الخفيف] ٥٩٢-\nلا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا «٢»\nفعظّم أمر الموت لما كرره ولم يضمره، ومثله وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل: ٢٠] فلا يجيز الفراء أن يكون كناية عن الحديث إلا أن يكون قبلها شيء. وهذا تحكّم على اللغة، وقال الله جلّ وعزّ يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النمل: ٩] وإنّي الابتداء وإنّ إنما تدخل على المبتدأ بإجماع، وأيضا فإن «هو» إن لم يكن كناية عن الحديث فهي مبتدأة في أول السورة فإن قال القائل: فعلام تعود؟ فحجّته الحديث أن اليهود سألوا النبي ﷺ أن يصف لهم ربّه جلّ وعزّ وينسبه فأنزل الله جلّ وعزّ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. قال أبو جعفر: وقد أمليت هذا الحديث ليعرف على ما سمعته، وفيه أشياء منها أنه من حديث جرير عن الضحاك لم يسمع عن ابن عباس، وقال أحمد بن شعيب جويبر بن سعيد خراساني يروي عن الضحاك متروك الحديث، وفيه إسماعيل بن زياد ضعيف، وذكرناه على ما فيه ليعرف وفيه البعلبكي\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٥٢٩.\n(٢) مرّ الشاهد رقم (٧٠) .","vol":"5","page":194},{"text":"على ما قال الشيخ والأجود البعلي، وهذا جائز عند الكوفيين وقد بيّنّا في قوله جلّ وعزّ: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: ٣٠] والأخفش سعيد قوله كقول الفراء في أنه كناية عن مفرد «الله» خبر قال الأخفش «أحد» بدل من «الله» . قرأ نصر بن عاصم وعبد الله بن أبي إسحاق أَحَدٌ اللَّهُ بغير تنوين، وكذا يروى عن أبان بن عثمان حذفوا التنوين لالتقاء الساكنين، وأنشد سيبويه: [المتقارب] ٥٩٣- ولا ذاكر الله إلّا قليلا «١» وأنشد الفراء «٢»: [الخفيف] ٥٩٤-\nكيف نومي على الفراش ولمّا ... تشمل الشّام غارة شعواء\nتذهل الشّيخ عن بنيه وتلوي ... عن خدام العقلة العذراء\nيريد عن خدام العقيلة فحذف التنوين لالتقاء الساكنين كما قرءوا أَحَدٌ اللَّهُ والأجود تحريك التّنوين لالتقاء الساكنين، لأنه علامة فحذفه قبيح، وقراءة الجماعة أولى. وفي «أحد» ثلاثة أقوال منها: أن يكون أحد بمعنى وحد، ووحد بمعنى واحد، كما قال: [البسيط] ٥٩٥-\nكأنّ رحلي وقد زال النّهار بنا ... يوم الجليل على مستأنس وحد «٣»\nفأبدل من الواو همزة. والقول الثاني أن يكون الأصل واحدا أبدل من الواو همزة، وحذفت الهمزة لئلا يلتقي همزتان، والقول الثالث أن أحدا بمعنى أوّل كما تقول: اليوم الأحد، واليوم الأول مسموع من العرب، وقال بعض أهل النظر في أحد من الفائدة ما ليس في واحد لأنك إذا قلت: فلان لا يا قوم له واحد، جاز أن يا قوم له اثنان وأكثر فإذا قلت. فلان لا يا قوم له أحد، تضمن معنى واحد وأكثر. قال أبو جعفر:\nوهذا غلط لا اختلاف بين النحويين أن أحدا إذا كان كذا لم يقع إلا في النفي كما قال:\n[البسيط] ٥٩٦-\nوقفت فيها أصيلا كي أسائلها ... عيّت جوابا وما بالرّبع من أحد «٤»\nفإذا كان بمعنى واحد وقع في الإيجاب تقول: ما مرّ بنا أحد، أي واحد فكذا قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.\n_________\n(١) مرّ الشاهد رقم ٧٣.\n(٢) الشعر لعبيد الله بن قيس الرقيّات في ديوانه ٩٥، وتاج العروس (شمل) و(شعى)، ولسان العرب (شمل) و(خدم) و(شعا)، ومقاييس اللغة ٣/ ١٩٠، ومجمل اللغة ٣/ ١٦١، وأساس البلاغة (شعو)، والشعر والشعراء ٥٤٦، وسمط اللآلي ١/ ٢٩٤.\n(٣) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٣١، والخصائص ٣/ ٢٦٢، والخزانة ١/ ٥٢١.\n(٤) مرّ الشاهد رقم (٥٧٤) .","vol":"5","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4645>[سورة الإخلاص (١١٢): آية ٣]</span>\nلَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)\nثبتت الواو في الثاني، وحذفت في الأول لأنها في الأول وقعت بين ياء وكسرة، وفي الثاني وقعت بين ياء وفتحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4646>[سورة الإخلاص (١١٢): آية ٤]</span>\nوَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)\nوقراءة حمزة «كفوا» وزعم هارون القارئ أن سليمان بن علي الهاشمي قرأ «ولم يكن له كفئا أحد» «١» والمعنى واحد، كما قال: [البسيط] ٥٩٧-\nلا تقذفنّي بركن لا كفاء له ... وإن تأثّفك الأعداء بالرّفد «٢»\nوكذا كفيّ وجمعها أكفية فإذا قلت: كفوءا وكفء فجمعها أكفاء. يقال: فلان يمنع بناته إلا من الأكفاء فيجوز أن يكون كفو وكفء لغتين بمعنى واحد، ويجوز أن يكون كفء مخففا من كفؤ كما يقال: رسل وكتب «كفوا» خبر يكن و«أحد» اسم يكن. هذا قول أكثر النحويين على أن محمد بن يزيد غلّط سيبويه في اختياره أن يكون الظرف خبرا إذا قدّم لأنه يختار: إنّ في الدار زيدا جالسا، فخطّأه بالآية لأنه لو كان «له» الخبر لم ينصب «كفوا» على أنه خبر يكن على أن سيبويه قد أجاز أن يقدّم الظرف ولا يكون خبرا، وأنشد: [الرجز] ٥٩٨- ما دام فيهنّ فصيل حيّا «٣» والقصيدة منصوبة، وفي نصب كفو قول آخر ما علمت أن أحدا من النحويين ذكره وهو أن يكون منصوبا على أنه نعت نكرة متقدّم فنصب على الحال كما تقول:\nجاءني مسرعا رجل، وكما قال: [مجزوء الوافر] ٥٩٩- لميّة موحشا طلل «٤» ولكن ذكر الفراء أنه يقال: ما كان ثمّ أحد نظير لزيد، فإن قدّمت قلت: ما كان ثمّ نظيرا لزيد أحد، ولم يذكر العلّة التي أوجبت هذا.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٥٣٠، وتيسير الداني ١٨٣.\n(٢) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٢٦، ولسان العرب (أثف)، و(ركن)، ومقاييس اللغة ١/ ٥٧، وجمهرة اللغة ١٠٣٦، وتهذيب اللغة ١٠/ ١٩٠ وتاج العروس (أثف) ومجمل اللغة ١/ ١٦٧، وسرّ صناعة الإعراب ١/ ١٧٣، والمنصف ١/ ١٩٣، وبلا نسبة في شرح شواهد الإيضاح ٦١٢.\n(٣) مرّ الشاهد رقم (٢٧٦) .\n(٤) الشاهد لكثير عزّة في ديوانه ٥٠٦ والكتاب ٢/ ١٢٠، وخزانة الأدب ٢/ ٢١١ وشرح التصريح ١/ ٣٧٥، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٤٩، ولسان العرب (وحش)، والمقاصد النحوية ٣/ ١٦٣، وبلا نسبة في أسرار العربية ١٤٧، وأوضح المسالك ٢/ ٣١٠، وتمامه:\n«لعزّة موحشا طلل ... يلوح كأنّه خلل»","vol":"5","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4647>١١٣ شرح إعراب سورة الفلق</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4648>[سورة الفلق (١١٣): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)\nقد اختلف العلماء في معناه فقال جابر بن عبد الله: هو الصبح، وقال أبو عبد الرّحمن الحبليّ هي جهنّم، وقيل: هو الخلق وقيل: هو واد في جهنم. قال أبو جعفر:\nوإذا وقع الاختلاف وجب أن يرجع إلى اللسان الذي نزل به القرآن، والعرب تقول: هو أبين من فلق الصبح وفرقه، يعنون الفجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4649>[سورة الفلق (١١٣): آية ٢]</span>\nمِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢)\nتكون ما مصدرا فلا تحتاج إلى عائد، ويجوز أن تكون بمعنى الذي فتكون الهاء العائدة عليه محذوفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4650>[سورة الفلق (١١٣): آية ٣]</span>\nوَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣)\nتكلّم العلماء في معنى الغاسق فعن النبي ﷺ أنه القمر وقد ذكرناه بإسناده. وروى عقيل عن الزهري قال: الغاسق إذا وقب الشمس إذا غربت. قال أبو جعفر: وأكثر أهل التفسير أن الغاسق الليل، ومنهم من قال: الكواكب فإذا رجع إلى اللغة عرف منها أنه يقال: غسق إذا أظلم فاتّفقت الأقوال لأن الشمس إذا غربت دخل الليل، والقمر بالليل يكون، والكواكب لا يكاد يطلع إلّا ليلا. فصار المعنى ومن شرّ الليل إذا دخل بظلمته فغطّى كل شيء. يقال: وقب إذا دخل، وقول قتادة: وقب ذهب لا يعرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4651>[سورة الفلق (١١٣): آية ٤]</span>\nوَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)\nجمع نفّاثة وفي المكسّر نوافث يقال: أنّهنّ نساء سواحر كنّ في عهد النبي ﷺ أمر بالاستعاذة منهن لأنهنّ يوهمن أنهنّ ينفعن أو يضررن فربّما لحق الإنسان في دينه ما يأثم به. فأما السحر فباطل.","vol":"5","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4652>[سورة الفلق (١١٣): آية ٥]</span>\nوَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)\nقال ابن زيد: هم اليهود، وقال غيره: هو لبيد بن أعصم وبناته هنّ السواحر.\nقال أبو جعفر: أولى ما قيل في هذا قول قتادة قال: هو لكلّ من.... «١» ...\n_________\n(١) موضع النقط بياض في الأصل. [.....]","vol":"5","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4653>١١٤ شرح إعراب سورة الناس</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4654>[سورة الناس (١١٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)\nالأصل عند سيبويه أناس والألف واللام بدل من الهمزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4655>[سورة الناس (١١٤): آية ٢]</span>\nمَلِكِ النَّاسِ (٢)\nنعت يقال: ملك بيّن الملك، ومالك بيّن الملك والملك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4656>[سورة الناس (١١٤): آية ٣]</span>\nإِلهِ النَّاسِ (٣)\nنعت أو بدل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4657>[سورة الناس (١١٤): آية ٤]</span>\nمِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)\nمِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ هو الذي يوسوس الصدور كما قال الأعشى: [البسيط] ٦٠٠-\nتسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت ... كما استعان بريح عشرق زجل «١»\nالْخَنَّاسِ عن ابن عباس روايتان إحداهما أنه يوسوس ويجثم على صدر الإنسان فإذا ذكر الله جلّ وعزّ يخنس، والرواية الأخرى أنه يوسوس فإذا أطيع انخنس، القولان متفقان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4658>[سورة الناس (١١٤): آية ٥]</span>\nالَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)\nفي موضع خفض على النعت ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4659>[سورة الناس (١١٤): آية ٦]</span>\nمِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)\n_________\n(١) الشاهد للأعشى في ديوانه ١٠٥، ولسان العرب (وسس)، و(عشرق)، و(زجل)، وتهذيب اللغة ٣/ ٢٧٧، وتاج العروس (وسس) و(عشرق) و(زجل)، وإعراب ثلاثين سورة لابن خالويه ٢٣٩.","vol":"5","page":199},{"text":"يقال: جنّيّ وجنّ وجنّة الهاء لتأنيث الجماعة، مثل حجار وحجارة. قال أبو جعفر: وسألت علي بن سلمان عن قوله ﷿ وَالنَّاسِ فكيف يعطفون على الْجِنَّةِ وهم لا يوسوسون؟ فقال: هم معطوفون على الوسواس، والتقدير: قل أعوذ بربّ الناس من شرّ الوسواس والناس. والذي قال حسن لأن التقديم والتأخير في الواو جائز حسن كثير كما قال: [الطويل] ٦٠١-\nجمعت وفحشا غيبة ونميمة ... ثلاث خصال لست عنها بمرعوي «١»\nوقال حسّان «٢»: [الطويل] ٦٠٢-\nوما زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم غرّ ما ترام ومفخر\nوهم جبل الإسلام والنّاس حولهم ... رضام إلى طود يروق ويقهر\nبهاليل منهم جعفر وابن أمّه ... عليّ ومنهم أحمد المتخيّر\nفبدأ اللفظ بجعفر ثم جاء بعده بعليّ ثم جاء بعده بالنبي ﷺ، وهو المقدم على الحقيقة.\nصلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين وسلم تسليما كثيرا تم كتاب شرح إعراب القرآن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلّم تسليما حسبنا الله وكفى ونعم الوكيل.\n_________\n(١) الشاهد ليزيد بن الحكم بن العاص في أمالي القالي ١/ ٦٧، والخزانة ١/ ٤٩٥، والمقاصد النحوية ٣/ ٨٦.","vol":"5","page":200}]}