{"ً":{"ٌ":23588,"ٍ":"تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"التفاسير/أنوار التنزيل وأسرار التأويل تفسير البيضاوي - ت المرعشلي - ط إحياء التراث العربي","files":["baydawy1.pdf","baydawy2.pdf","baydawy3.pdf","baydawy4.pdf","baydawy5.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل\nالمؤلف: ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (ت ٦٨٥هـ)\nالمحقق: محمد عبد الرحمن المرعشلي\nالناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت\nالطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":104,"ٕ":3,"ٖ":1770153967,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":1},{"title":"أولا: ترجمة صاحب التفسير","level":2,"page":4},{"title":"١ - اسمه ونسبه:","level":3,"page":4},{"title":"٢ - نبوغه:","level":3,"page":4},{"title":"٣ - ثناء العلماء عليه:","level":3,"page":4},{"title":"٤ - ومن أهم مصنفاته:","level":3,"page":5},{"title":"وفاته:","level":3,"page":6},{"title":"ثانيا: التعريف بأنوار التنزيل وطريقة مؤلفه فيه","level":2,"page":7},{"title":"وقد اختصر البيضاوي تفسيره من «الكشاف» للزمخشري.","level":3,"page":7},{"title":"تقريظ هذا التفسير:","level":3,"page":9},{"title":"١ - قول الإمام السيوطي في هذا التفسير:","level":4,"page":9},{"title":"٢ - ويقول صاحب «كشف الظنون» ما نصه:","level":4,"page":9},{"title":"الحواشي والتعليقات المكتوبة على تفسير البيضاوي","level":2,"page":11},{"title":"وأما التعليقات والحواشي الغير التامة فكثيرة جدا:","level":2,"page":12},{"title":"خطبة الكتاب","level":1,"page":16},{"title":"(١) سورة الفاتحة","level":1,"page":17},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ١]","level":2,"page":17},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٢]","level":2,"page":19},{"title":"[سورة الفاتحة (١): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":20},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٥]","level":2,"page":20},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٦]","level":2,"page":22},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٧]","level":2,"page":22},{"title":"(٢) سورة البقرة","level":1,"page":25},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١]","level":2,"page":25},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢]","level":2,"page":27},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣]","level":2,"page":29},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤]","level":2,"page":31},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥]","level":2,"page":32},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦]","level":2,"page":32},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧]","level":2,"page":34},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨]","level":2,"page":35},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩]","level":2,"page":36},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠]","level":2,"page":37},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١]","level":2,"page":38},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢]","level":2,"page":38},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣]","level":2,"page":38},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤]","level":2,"page":39},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥]","level":2,"page":40},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦]","level":2,"page":40},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧]","level":2,"page":41},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨]","level":2,"page":42},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩]","level":2,"page":43},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠]","level":2,"page":44},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١]","level":2,"page":46},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢]","level":2,"page":47},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣]","level":2,"page":48},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤]","level":2,"page":50},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥]","level":2,"page":51},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦]","level":2,"page":54},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧]","level":2,"page":56},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨]","level":2,"page":57},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٩]","level":2,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٠]","level":2,"page":59},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣١]","level":2,"page":61},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٢]","level":2,"page":61},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٣]","level":2,"page":62},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٤]","level":2,"page":62},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٥]","level":2,"page":64},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٦]","level":2,"page":64},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٧]","level":2,"page":65},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٨]","level":2,"page":65},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٣٩]","level":2,"page":66},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٠]","level":2,"page":67},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤١]","level":2,"page":68},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٢]","level":2,"page":68},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٣]","level":2,"page":69},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٤]","level":2,"page":69},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٥]","level":2,"page":69},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٦]","level":2,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٧]","level":2,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٨]","level":2,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٤٩]","level":2,"page":71},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٠]","level":2,"page":71},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥١]","level":2,"page":72},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":72},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٤]","level":2,"page":72},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٥]","level":2,"page":73},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":73},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٨]","level":2,"page":74},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٥٩]","level":2,"page":74},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٠]","level":2,"page":75},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦١]","level":2,"page":75},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٢]","level":2,"page":76},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":2,"page":77},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":77},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٧]","level":2,"page":78},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٨]","level":2,"page":78},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٦٩]","level":2,"page":78},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٠]","level":2,"page":79},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧١]","level":2,"page":79},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":79},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٤]","level":2,"page":80},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٧٥]","level":2,"page":81},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":2,"page":81},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":81},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٠]","level":2,"page":82},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":82},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٣]","level":2,"page":83},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٤]","level":2,"page":83},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٥]","level":2,"page":83},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٦]","level":2,"page":84},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٧]","level":2,"page":84},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٨]","level":2,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٩]","level":2,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٠]","level":2,"page":85},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩١]","level":2,"page":86},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٢]","level":2,"page":86},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٣]","level":2,"page":86},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":2,"page":87},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٦]","level":2,"page":87},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٧]","level":2,"page":87},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٩٨]","level":2,"page":88},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":2,"page":88},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠١]","level":2,"page":89},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٢]","level":2,"page":89},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٣]","level":2,"page":90},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٤]","level":2,"page":90},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٥]","level":2,"page":91},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]","level":2,"page":91},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٨]","level":2,"page":92},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]","level":2,"page":92},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١١١ إلى ١١٢]","level":2,"page":92},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٣]","level":2,"page":93},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٤]","level":2,"page":93},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٥]","level":2,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٦]","level":2,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٧]","level":2,"page":94},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٨]","level":2,"page":95},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٩ إلى ١٢٠]","level":2,"page":95},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢١]","level":2,"page":95},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٢ إلى ١٢٣]","level":2,"page":96},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٤]","level":2,"page":96},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٥]","level":2,"page":96},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٦]","level":2,"page":97},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٢٧]","level":2,"page":97},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٨ إلى ١٢٩]","level":2,"page":98},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٠]","level":2,"page":98},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣١]","level":2,"page":99},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٢]","level":2,"page":99},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٣]","level":2,"page":99},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٤]","level":2,"page":100},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٥]","level":2,"page":100},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٦]","level":2,"page":100},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٧]","level":2,"page":101},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٨]","level":2,"page":101},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٣٩]","level":2,"page":101},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٠]","level":2,"page":101},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤١]","level":2,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٢]","level":2,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٣]","level":2,"page":102},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٤]","level":2,"page":103},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٥]","level":2,"page":104},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٦ إلى ١٤٧]","level":2,"page":104},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٨]","level":2,"page":105},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٩ إلى ١٥٠]","level":2,"page":105},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥١ إلى ١٥٢]","level":2,"page":106},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٤]","level":2,"page":106},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٥]","level":2,"page":106},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٦ إلى ١٥٧]","level":2,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]","level":2,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٩ إلى ١٦٠]","level":2,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦١ إلى ١٦٢]","level":2,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٣]","level":2,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٤]","level":2,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٥]","level":2,"page":109},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٦ إلى ١٦٧]","level":2,"page":110},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٨]","level":2,"page":110},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٦٩]","level":2,"page":110},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٠]","level":2,"page":110},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧١]","level":2,"page":111},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٢]","level":2,"page":111},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٣]","level":2,"page":111},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٤ إلى ١٧٥]","level":2,"page":112},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٦]","level":2,"page":112},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]","level":2,"page":112},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٨]","level":2,"page":113},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٩]","level":2,"page":114},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٠]","level":2,"page":114},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨١ إلى ١٨٢]","level":2,"page":115},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٣]","level":2,"page":115},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٤]","level":2,"page":116},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٥]","level":2,"page":116},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]","level":2,"page":117},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٧]","level":2,"page":117},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٨]","level":2,"page":118},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٨٩]","level":2,"page":119},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٠]","level":2,"page":119},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩١]","level":2,"page":120},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٢ إلى ١٩٣]","level":2,"page":120},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٤]","level":2,"page":120},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٥]","level":2,"page":120},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]","level":2,"page":121},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]","level":2,"page":122},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٨]","level":2,"page":123},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٩٩]","level":2,"page":123},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٠]","level":2,"page":124},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠١ إلى ٢٠٢]","level":2,"page":124},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٣]","level":2,"page":124},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٤]","level":2,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٥ إلى ٢٠٦]","level":2,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٧]","level":2,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٨ إلى ٢٠٩]","level":2,"page":125},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٠]","level":2,"page":126},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١١]","level":2,"page":126},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٢]","level":2,"page":126},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٣]","level":2,"page":127},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٤]","level":2,"page":127},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٥]","level":2,"page":128},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٦]","level":2,"page":128},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٧]","level":2,"page":128},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٨]","level":2,"page":129},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢١٩]","level":2,"page":129},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٠]","level":2,"page":130},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢١]","level":2,"page":130},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٢]","level":2,"page":131},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٣]","level":2,"page":131},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٤]","level":2,"page":132},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٥]","level":2,"page":132},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٦ إلى ٢٢٧]","level":2,"page":132},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٨]","level":2,"page":133},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٩]","level":2,"page":134},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٠]","level":2,"page":134},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣١]","level":2,"page":135},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٢]","level":2,"page":135},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٣]","level":2,"page":136},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٤]","level":2,"page":137},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٥]","level":2,"page":137},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٦]","level":2,"page":138},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٧]","level":2,"page":139},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٨]","level":2,"page":139},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٩]","level":2,"page":139},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٠]","level":2,"page":140},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤١ إلى ٢٤٢]","level":2,"page":140},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٣]","level":2,"page":140},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٤ إلى ٢٤٥]","level":2,"page":141},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٦]","level":2,"page":141},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٧]","level":2,"page":142},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٨]","level":2,"page":142},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٩]","level":2,"page":143},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٠ إلى ٢٥١]","level":2,"page":144},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٢]","level":2,"page":144},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٣]","level":2,"page":144},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٤]","level":2,"page":145},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٥]","level":2,"page":145},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٦]","level":2,"page":146},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٧]","level":2,"page":147},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٨]","level":2,"page":147},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٩]","level":2,"page":148},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]","level":2,"page":149},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦١]","level":2,"page":149},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٢ إلى ٢٦٣]","level":2,"page":150},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٤]","level":2,"page":150},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٥]","level":2,"page":150},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٦]","level":2,"page":151},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٧]","level":2,"page":151},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٨]","level":2,"page":152},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٩]","level":2,"page":152},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٠ إلى ٢٧٢]","level":2,"page":152},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٣]","level":2,"page":153},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٤]","level":2,"page":153},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٥]","level":2,"page":153},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٦]","level":2,"page":154},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٧]","level":2,"page":154},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٨ إلى ٢٧٩]","level":2,"page":154},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٠]","level":2,"page":155},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨١]","level":2,"page":155},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]","level":2,"page":155},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٣]","level":2,"page":157},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٤]","level":2,"page":157},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٥]","level":2,"page":158},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٦]","level":2,"page":158},{"title":"محتوى الجزء الأول من تفسير البيضاوي","level":2,"page":160},{"title":"(٣) سورة آل عمران","level":1,"page":164},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":164},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":164},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":164},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧]","level":2,"page":165},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":166},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":166},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢]","level":2,"page":166},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣]","level":2,"page":166},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤]","level":2,"page":167},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":167},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧]","level":2,"page":168},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨]","level":2,"page":168},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩]","level":2,"page":168},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠]","level":2,"page":169},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":169},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٣]","level":2,"page":169},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":170},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٦]","level":2,"page":170},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٧]","level":2,"page":170},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٨]","level":2,"page":171},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٩]","level":2,"page":171},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٠]","level":2,"page":171},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":172},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":172},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٥]","level":2,"page":172},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٦]","level":2,"page":173},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٣٧]","level":2,"page":173},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":174},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٠]","level":2,"page":174},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤١]","level":2,"page":175},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":175},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٤]","level":2,"page":175},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":176},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٤٧]","level":2,"page":176},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":176},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٠]","level":2,"page":177},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥١]","level":2,"page":177},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٢]","level":2,"page":178},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":178},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٥]","level":2,"page":178},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":179},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٥٨]","level":2,"page":179},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":179},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦١]","level":2,"page":179},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":180},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٤]","level":2,"page":180},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٥]","level":2,"page":180},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٦]","level":2,"page":181},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":181},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٦٩]","level":2,"page":181},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":181},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٢]","level":2,"page":182},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":2,"page":182},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٥]","level":2,"page":182},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٦]","level":2,"page":183},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٧]","level":2,"page":183},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٨]","level":2,"page":183},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٧٩]","level":2,"page":184},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٠]","level":2,"page":184},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨١]","level":2,"page":184},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]","level":2,"page":185},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٤]","level":2,"page":185},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٥]","level":2,"page":185},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٦]","level":2,"page":185},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":2,"page":186},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٨٩]","level":2,"page":186},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٠]","level":2,"page":186},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩١]","level":2,"page":186},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٢]","level":2,"page":187},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٣]","level":2,"page":187},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":2,"page":187},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٦]","level":2,"page":188},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٧]","level":2,"page":188},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]","level":2,"page":189},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٠ إلى ١٠١]","level":2,"page":189},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٢]","level":2,"page":190},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٣]","level":2,"page":190},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٤]","level":2,"page":190},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٥]","level":2,"page":191},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]","level":2,"page":191},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٨ إلى ١٠٩]","level":2,"page":191},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٠]","level":2,"page":192},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١١]","level":2,"page":192},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٢]","level":2,"page":192},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٣]","level":2,"page":193},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٤ إلى ١١٥]","level":2,"page":193},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]","level":2,"page":193},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٨]","level":2,"page":194},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١١٩]","level":2,"page":194},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٠]","level":2,"page":194},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢١]","level":2,"page":195},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٢]","level":2,"page":195},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٤]","level":2,"page":195},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٥]","level":2,"page":196},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٦ إلى ١٢٧]","level":2,"page":196},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٨]","level":2,"page":196},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٩ إلى ١٣٠]","level":2,"page":197},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣١ إلى ١٣٢]","level":2,"page":197},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٤]","level":2,"page":197},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٥]","level":2,"page":197},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٦]","level":2,"page":198},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٧ إلى ١٣٨]","level":2,"page":198},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٩]","level":2,"page":198},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٠]","level":2,"page":198},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤١ إلى ١٤٢]","level":2,"page":199},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٣]","level":2,"page":199},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٤]","level":2,"page":199},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٥]","level":2,"page":200},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٦]","level":2,"page":200},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٧ إلى ١٤٨]","level":2,"page":201},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٩ إلى ١٥٠]","level":2,"page":201},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥١]","level":2,"page":201},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٢]","level":2,"page":201},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٣]","level":2,"page":202},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٤]","level":2,"page":202},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٥]","level":2,"page":203},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٦]","level":2,"page":203},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٧ إلى ١٥٨]","level":2,"page":204},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٩]","level":2,"page":204},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٠]","level":2,"page":204},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦١]","level":2,"page":205},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٢ إلى ١٦٣]","level":2,"page":205},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٤]","level":2,"page":205},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٥]","level":2,"page":205},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٦ إلى ١٦٧]","level":2,"page":206},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٨]","level":2,"page":206},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٩]","level":2,"page":207},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٠ إلى ١٧١]","level":2,"page":207},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٢]","level":2,"page":207},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٣]","level":2,"page":208},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٤ إلى ١٧٥]","level":2,"page":208},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٦ إلى ١٧٧]","level":2,"page":209},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٨]","level":2,"page":209},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٩]","level":2,"page":209},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٠]","level":2,"page":210},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨١ إلى ١٨٢]","level":2,"page":210},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٣]","level":2,"page":211},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٤]","level":2,"page":211},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٥]","level":2,"page":211},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٦]","level":2,"page":212},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٧]","level":2,"page":212},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٨]","level":2,"page":212},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨٩ إلى ١٩٠]","level":2,"page":213},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩١]","level":2,"page":213},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٢]","level":2,"page":213},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٣]","level":2,"page":214},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٤]","level":2,"page":214},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٥]","level":2,"page":214},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٦ إلى ١٩٧]","level":2,"page":215},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٨]","level":2,"page":215},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٩]","level":2,"page":215},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠٠]","level":2,"page":215},{"title":"(٤) سورة النساء","level":1,"page":217},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١]","level":2,"page":217},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢]","level":2,"page":217},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣]","level":2,"page":218},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤]","level":2,"page":218},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥]","level":2,"page":219},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦]","level":2,"page":219},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":220},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩]","level":2,"page":220},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠]","level":2,"page":221},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١]","level":2,"page":221},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢]","level":2,"page":222},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":223},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥]","level":2,"page":223},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦]","level":2,"page":224},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧]","level":2,"page":224},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٨]","level":2,"page":224},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٩]","level":2,"page":225},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":225},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٢]","level":2,"page":226},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٣]","level":2,"page":226},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٤]","level":2,"page":227},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٥]","level":2,"page":228},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٦]","level":2,"page":229},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":229},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٩]","level":2,"page":229},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٠]","level":2,"page":230},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣١]","level":2,"page":230},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٢]","level":2,"page":230},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٣]","level":2,"page":231},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٤]","level":2,"page":231},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٥]","level":2,"page":232},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٦]","level":2,"page":232},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٧]","level":2,"page":233},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٨]","level":2,"page":233},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣٩]","level":2,"page":233},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٠]","level":2,"page":234},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":234},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٣]","level":2,"page":234},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":235},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٦]","level":2,"page":235},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٧]","level":2,"page":236},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٨]","level":2,"page":237},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":237},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥١]","level":2,"page":237},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":237},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":238},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":238},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٨]","level":2,"page":238},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٥٩]","level":2,"page":239},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٠]","level":2,"page":239},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":240},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٣]","level":2,"page":240},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٤]","level":2,"page":240},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٥]","level":2,"page":240},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٦٦]","level":2,"page":241},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":241},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":2,"page":241},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":2,"page":242},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٣]","level":2,"page":242},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٤]","level":2,"page":243},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٥]","level":2,"page":243},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٦]","level":2,"page":243},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٧]","level":2,"page":244},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٨]","level":2,"page":244},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٧٩]","level":2,"page":244},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":245},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٢]","level":2,"page":245},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٣]","level":2,"page":245},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٤]","level":2,"page":246},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٥]","level":2,"page":246},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٦]","level":2,"page":246},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٧]","level":2,"page":247},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٨]","level":2,"page":247},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٩]","level":2,"page":247},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٠]","level":2,"page":248},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩١]","level":2,"page":248},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٢]","level":2,"page":248},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٣]","level":2,"page":249},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٤]","level":2,"page":249},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٥]","level":2,"page":250},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٦]","level":2,"page":251},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٩٧]","level":2,"page":251},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]","level":2,"page":251},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٠]","level":2,"page":252},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠١]","level":2,"page":252},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٢]","level":2,"page":252},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٣]","level":2,"page":253},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٠٤]","level":2,"page":253},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٦]","level":2,"page":254},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]","level":2,"page":254},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]","level":2,"page":254},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١١١ إلى ١١٢]","level":2,"page":255},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٣]","level":2,"page":255},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٤]","level":2,"page":255},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٥]","level":2,"page":256},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٦]","level":2,"page":256},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٧]","level":2,"page":256},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٨]","level":2,"page":256},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٩]","level":2,"page":257},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٠ إلى ١٢١]","level":2,"page":257},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٢]","level":2,"page":257},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٣]","level":2,"page":258},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٤]","level":2,"page":258},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٥ إلى ١٢٦]","level":2,"page":258},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٧]","level":2,"page":259},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٢٨]","level":2,"page":259},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٩ إلى ١٣٠]","level":2,"page":260},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣١ إلى ١٣٢]","level":2,"page":260},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٤]","level":2,"page":261},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٥]","level":2,"page":261},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٦]","level":2,"page":262},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٣٧]","level":2,"page":262},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٨ إلى ١٣٩]","level":2,"page":262},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٠]","level":2,"page":262},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤١]","level":2,"page":263},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٣]","level":2,"page":263},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٤]","level":2,"page":264},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٥ إلى ١٤٦]","level":2,"page":264},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٧]","level":2,"page":264},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٨ إلى ١٤٩]","level":2,"page":264},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٠ إلى ١٥١]","level":2,"page":265},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٢]","level":2,"page":265},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٣]","level":2,"page":265},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٤]","level":2,"page":266},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٥]","level":2,"page":266},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٦]","level":2,"page":266},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٧ إلى ١٥٨]","level":2,"page":266},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٥٩]","level":2,"page":267},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٠ إلى ١٦١]","level":2,"page":267},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٢]","level":2,"page":268},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٣]","level":2,"page":268},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٤ إلى ١٦٥]","level":2,"page":268},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٦٦]","level":2,"page":269},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٧ إلى ١٦٩]","level":2,"page":269},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٠]","level":2,"page":269},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧١]","level":2,"page":269},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٢]","level":2,"page":270},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٣]","level":2,"page":270},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٧٤ إلى ١٧٥]","level":2,"page":271},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]","level":2,"page":271},{"title":"(٥) سورة المائدة","level":1,"page":272},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١]","level":2,"page":272},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢]","level":2,"page":272},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣]","level":2,"page":273},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤]","level":2,"page":274},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥]","level":2,"page":274},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦]","level":2,"page":275},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧]","level":2,"page":276},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨]","level":2,"page":276},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":277},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١]","level":2,"page":277},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٢]","level":2,"page":277},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٣]","level":2,"page":278},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٤]","level":2,"page":278},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٥]","level":2,"page":278},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٦]","level":2,"page":279},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٧]","level":2,"page":279},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٨]","level":2,"page":279},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٩]","level":2,"page":280},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٠]","level":2,"page":280},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":280},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٣]","level":2,"page":281},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":281},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٢٦]","level":2,"page":281},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":282},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":282},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣١]","level":2,"page":283},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٢]","level":2,"page":283},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٣]","level":2,"page":284},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":284},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":284},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":285},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٠]","level":2,"page":285},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤١]","level":2,"page":285},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٢]","level":2,"page":286},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٣]","level":2,"page":286},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٤]","level":2,"page":287},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٥]","level":2,"page":287},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":288},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٨]","level":2,"page":288},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٩]","level":2,"page":289},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٠]","level":2,"page":289},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥١]","level":2,"page":289},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٢]","level":2,"page":290},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٣]","level":2,"page":290},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٤]","level":2,"page":290},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":291},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٧]","level":2,"page":292},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٨]","level":2,"page":292},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٥٩]","level":2,"page":292},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٠]","level":2,"page":292},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":293},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٣]","level":2,"page":293},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٤]","level":2,"page":293},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":294},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٧]","level":2,"page":295},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٨]","level":2,"page":295},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٩]","level":2,"page":295},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٠]","level":2,"page":296},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧١]","level":2,"page":296},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٢]","level":2,"page":296},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":2,"page":297},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٥]","level":2,"page":297},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٦]","level":2,"page":297},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٧٧]","level":2,"page":298},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":298},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":298},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٢]","level":2,"page":299},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٣]","level":2,"page":299},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٤]","level":2,"page":299},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]","level":2,"page":299},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":2,"page":300},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٩]","level":2,"page":300},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٠]","level":2,"page":301},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":301},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٣]","level":2,"page":302},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٤]","level":2,"page":302},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٥]","level":2,"page":302},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٦]","level":2,"page":303},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٩٧]","level":2,"page":304},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]","level":2,"page":304},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٠]","level":2,"page":304},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠١ إلى ١٠٢]","level":2,"page":304},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٣]","level":2,"page":305},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٤]","level":2,"page":305},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]","level":2,"page":305},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٦]","level":2,"page":306},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٧]","level":2,"page":306},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٨]","level":2,"page":307},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٩]","level":2,"page":307},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٠]","level":2,"page":308},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١١ إلى ١١٢]","level":2,"page":308},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٣ إلى ١١٤]","level":2,"page":308},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٥]","level":2,"page":309},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١١٦]","level":2,"page":310},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٧ إلى ١١٨]","level":2,"page":310},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٩ إلى ١٢٠]","level":2,"page":310},{"title":"(٦) سورة الأنعام","level":1,"page":312},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١]","level":2,"page":312},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٢]","level":2,"page":312},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣]","level":2,"page":313},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":313},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦]","level":2,"page":313},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":314},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩]","level":2,"page":314},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":314},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":314},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤]","level":2,"page":315},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":315},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":315},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٩]","level":2,"page":316},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":316},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":316},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":317},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":317},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":318},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":318},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٢]","level":2,"page":318},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٣]","level":2,"page":318},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٤]","level":2,"page":319},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٥]","level":2,"page":319},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":319},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٨]","level":2,"page":319},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٣٩]","level":2,"page":320},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":2,"page":320},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":320},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":321},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":321},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":321},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":322},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٢]","level":2,"page":322},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٣]","level":2,"page":322},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٤]","level":2,"page":323},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٥]","level":2,"page":323},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٦]","level":2,"page":323},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":324},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٥٩]","level":2,"page":324},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٠]","level":2,"page":324},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":325},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":2,"page":325},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":325},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":326},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٦٩]","level":2,"page":326},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٠]","level":2,"page":326},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧١]","level":2,"page":327},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٢]","level":2,"page":327},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٧٣]","level":2,"page":327},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":327},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":2,"page":328},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":328},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":328},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٢]","level":2,"page":329},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٨٣]","level":2,"page":329},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٤ إلى ٨٥]","level":2,"page":329},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":330},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":2,"page":330},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٠]","level":2,"page":330},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩١]","level":2,"page":331},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٢]","level":2,"page":331},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٣]","level":2,"page":331},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٤]","level":2,"page":332},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٥]","level":2,"page":332},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٦]","level":2,"page":333},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":2,"page":333},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ٩٩]","level":2,"page":333},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٠]","level":2,"page":334},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠١]","level":2,"page":334},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٣]","level":2,"page":335},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٥]","level":2,"page":335},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]","level":2,"page":336},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٨]","level":2,"page":336},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٩ إلى ١١٠]","level":2,"page":336},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١١]","level":2,"page":337},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٢ إلى ١١٣]","level":2,"page":337},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٤]","level":2,"page":337},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٥]","level":2,"page":338},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٦]","level":2,"page":338},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١١٧]","level":2,"page":338},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":2,"page":339},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٠ إلى ١٢١]","level":2,"page":339},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٢]","level":2,"page":339},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٣]","level":2,"page":340},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٤]","level":2,"page":340},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٥]","level":2,"page":340},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٦ إلى ١٢٧]","level":2,"page":340},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٨]","level":2,"page":341},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٩ إلى ١٣٠]","level":2,"page":341},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣١ إلى ١٣٢]","level":2,"page":342},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٤]","level":2,"page":342},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٥]","level":2,"page":342},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٦]","level":2,"page":342},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٧]","level":2,"page":343},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٨]","level":2,"page":343},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٩]","level":2,"page":343},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٠]","level":2,"page":344},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤١]","level":2,"page":344},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٣]","level":2,"page":345},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٤]","level":2,"page":345},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٥]","level":2,"page":345},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٦ إلى ١٤٧]","level":2,"page":346},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٨]","level":2,"page":346},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٩ إلى ١٥٠]","level":2,"page":347},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥١]","level":2,"page":347},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٢]","level":2,"page":348},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٣]","level":2,"page":348},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٤]","level":2,"page":348},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٥ إلى ١٥٦]","level":2,"page":348},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٧]","level":2,"page":349},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٨]","level":2,"page":349},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٩ إلى ١٦٠]","level":2,"page":350},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦١]","level":2,"page":350},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٦٢ إلى ١٦٣]","level":2,"page":350},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٤]","level":2,"page":350},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٥]","level":2,"page":351},{"title":"محتوى الجزء الثاني من تفسير البيضاوي","level":2,"page":352},{"title":"(٧) سورة الأعراف","level":1,"page":355},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":355},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣]","level":2,"page":355},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":355},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":356},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":356},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":356},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":356},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":357},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":357},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":358},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠]","level":2,"page":358},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":358},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":359},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":359},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]","level":2,"page":360},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٢٨]","level":2,"page":360},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":360},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣١]","level":2,"page":361},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]","level":2,"page":361},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":361},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":361},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]","level":2,"page":362},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":362},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":2,"page":362},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":363},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":363},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":364},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":364},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":365},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":365},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٤]","level":2,"page":365},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":366},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٧]","level":2,"page":367},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٥٨]","level":2,"page":367},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":367},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":368},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":2,"page":368},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":368},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٧ إلى ٦٩]","level":2,"page":369},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":369},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٢]","level":2,"page":369},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٧٣]","level":2,"page":370},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":370},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":2,"page":371},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":371},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":372},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٢ إلى ٨٤]","level":2,"page":372},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٨٥]","level":2,"page":372},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":373},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":2,"page":373},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":2,"page":374},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٢ إلى ٩٣]","level":2,"page":374},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":2,"page":374},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]","level":2,"page":375},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]","level":2,"page":375},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٠]","level":2,"page":375},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠١ إلى ١٠٢]","level":2,"page":376},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٥]","level":2,"page":376},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٨]","level":2,"page":377},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٩ إلى ١١٢]","level":2,"page":377},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٣ إلى ١١٤]","level":2,"page":377},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٥ إلى ١١٦]","level":2,"page":378},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٧ إلى ١١٩]","level":2,"page":378},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٠ إلى ١٢٢]","level":2,"page":378},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٤]","level":2,"page":378},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٥ إلى ١٢٦]","level":2,"page":379},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٧]","level":2,"page":379},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٨ إلى ١٢٩]","level":2,"page":379},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٠ إلى ١٣١]","level":2,"page":380},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٢ إلى ١٣٣]","level":2,"page":380},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٤ إلى ١٣٥]","level":2,"page":381},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٦ إلى ١٣٧]","level":2,"page":381},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٨]","level":2,"page":382},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٩ إلى ١٤٠]","level":2,"page":382},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤١ إلى ١٤٢]","level":2,"page":382},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٣]","level":2,"page":383},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٤ إلى ١٤٥]","level":2,"page":383},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٦ إلى ١٤٧]","level":2,"page":384},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٨ إلى ١٤٩]","level":2,"page":384},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٠ إلى ١٥١]","level":2,"page":385},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٢ إلى ١٥٣]","level":2,"page":386},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٤]","level":2,"page":386},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٥]","level":2,"page":386},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٦]","level":2,"page":387},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٧]","level":2,"page":387},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٨]","level":2,"page":387},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٩ إلى ١٦٠]","level":2,"page":388},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦١ إلى ١٦٢]","level":2,"page":388},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٣]","level":2,"page":389},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٤]","level":2,"page":389},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٥ إلى ١٦٦]","level":2,"page":389},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٧ إلى ١٦٨]","level":2,"page":390},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٩ إلى ١٧٠]","level":2,"page":390},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧١]","level":2,"page":391},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٢ إلى ١٧٤]","level":2,"page":391},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٥]","level":2,"page":392},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٦ إلى ١٧٧]","level":2,"page":392},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٨ إلى ١٧٩]","level":2,"page":392},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٠ إلى ١٨١]","level":2,"page":393},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٢ إلى ١٨٤]","level":2,"page":393},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٥ إلى ١٨٦]","level":2,"page":394},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٧]","level":2,"page":394},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٨]","level":2,"page":395},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٩]","level":2,"page":395},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٠ إلى ١٩١]","level":2,"page":395},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٢ إلى ١٩٣]","level":2,"page":395},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٤ إلى ١٩٥]","level":2,"page":396},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٦ إلى ١٩٨]","level":2,"page":396},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٩ إلى ٢٠٠]","level":2,"page":396},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠١ إلى ٢٠٢]","level":2,"page":397},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠٣ إلى ٢٠٤]","level":2,"page":397},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠٥ إلى ٢٠٦]","level":2,"page":397},{"title":"(٨) سورة الأنفال","level":1,"page":399},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١]","level":2,"page":399},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢ إلى ٤]","level":2,"page":399},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥]","level":2,"page":400},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦]","level":2,"page":401},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":401},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":401},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١١]","level":2,"page":402},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٢]","level":2,"page":402},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":402},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":403},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":403},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١٩]","level":2,"page":404},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":404},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":404},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٤]","level":2,"page":405},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٥]","level":2,"page":405},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٦]","level":2,"page":406},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":406},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٢٩]","level":2,"page":406},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٠]","level":2,"page":407},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":407},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":408},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٥]","level":2,"page":408},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٣٦]","level":2,"page":408},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":409},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":409},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤١]","level":2,"page":409},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٢]","level":2,"page":410},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":411},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":411},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٧]","level":2,"page":412},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٨]","level":2,"page":412},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٩]","level":2,"page":413},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":413},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]","level":2,"page":413},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":414},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":414},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٩]","level":2,"page":414},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":415},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":415},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٤]","level":2,"page":416},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":416},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٦٧]","level":2,"page":416},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":2,"page":417},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":417},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":418},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":418},{"title":"(٩) سورة براءة","level":1,"page":420},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":420},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":421},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":421},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧]","level":2,"page":422},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨]","level":2,"page":422},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":423},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":423},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٣]","level":2,"page":423},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":424},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٦]","level":2,"page":424},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٧]","level":2,"page":424},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٨]","level":2,"page":424},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٩]","level":2,"page":425},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":2,"page":425},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٣]","level":2,"page":425},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٤]","level":2,"page":426},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٥]","level":2,"page":426},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":426},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٨]","level":2,"page":427},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٢٩]","level":2,"page":427},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٠]","level":2,"page":428},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":428},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٣]","level":2,"page":429},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٤]","level":2,"page":429},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٥]","level":2,"page":429},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]","level":2,"page":430},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٧]","level":2,"page":430},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":431},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٠]","level":2,"page":431},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤١]","level":2,"page":432},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":432},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":432},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٦]","level":2,"page":433},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤٧]","level":2,"page":433},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":433},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":434},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":434},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":434},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":435},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":435},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]","level":2,"page":435},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦١]","level":2,"page":436},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":436},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":437},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٦]","level":2,"page":437},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":437},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٩]","level":2,"page":438},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٠]","level":2,"page":438},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧١]","level":2,"page":438},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٢]","level":2,"page":439},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":2,"page":439},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":2,"page":440},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":2,"page":440},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٩]","level":2,"page":440},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٠]","level":2,"page":441},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":441},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٣]","level":2,"page":442},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٤ إلى ٨٥]","level":2,"page":442},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":442},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":2,"page":442},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٠]","level":2,"page":443},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":443},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٣ إلى ٩٤]","level":2,"page":444},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٥ إلى ٩٦]","level":2,"page":444},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":2,"page":444},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٩٩]","level":2,"page":445},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٠]","level":2,"page":445},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠١]","level":2,"page":445},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٢]","level":2,"page":446},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]","level":2,"page":446},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٦]","level":2,"page":446},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٧]","level":2,"page":447},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٨]","level":2,"page":447},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٩]","level":2,"page":448},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٠]","level":2,"page":448},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١١]","level":2,"page":448},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٢]","level":2,"page":449},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٣ إلى ١١٤]","level":2,"page":449},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٥ إلى ١١٦]","level":2,"page":450},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٧]","level":2,"page":450},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":2,"page":450},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٠]","level":2,"page":451},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢١]","level":2,"page":451},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٢]","level":2,"page":452},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٢٣]","level":2,"page":452},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٤ إلى ١٢٥]","level":2,"page":452},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٦ إلى ١٢٧]","level":2,"page":452},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٨ إلى ١٢٩]","level":2,"page":453},{"title":"(١٠) سورة يونس","level":1,"page":454},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":454},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣]","level":2,"page":454},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٤]","level":2,"page":455},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":455},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":455},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":456},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١١]","level":2,"page":456},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٢]","level":2,"page":456},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":457},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٥]","level":2,"page":457},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ١٦]","level":2,"page":457},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":458},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":458},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢١]","level":2,"page":459},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":459},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٢٤]","level":2,"page":460},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":460},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":460},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":461},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":461},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":462},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":462},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":463},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٣٩]","level":2,"page":463},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":2,"page":463},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":464},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":464},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":464},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":465},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":465},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":465},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٥٤]","level":2,"page":466},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":466},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":466},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":467},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦١]","level":2,"page":467},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٢ إلى ٦٤]","level":2,"page":468},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٥]","level":2,"page":468},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":2,"page":468},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٦٨]","level":2,"page":469},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":2,"page":469},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧١]","level":2,"page":469},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":469},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٤]","level":2,"page":470},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":2,"page":470},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٧٧]","level":2,"page":470},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٨ إلى ٨٠]","level":2,"page":471},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":471},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٣]","level":2,"page":471},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٤ إلى ٨٦]","level":2,"page":471},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٨٧]","level":2,"page":472},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":2,"page":472},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":2,"page":472},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٢]","level":2,"page":473},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٣]","level":2,"page":473},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":2,"page":473},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]","level":2,"page":474},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٨]","level":2,"page":474},{"title":"[سورة يونس (١٠): آية ٩٩]","level":2,"page":474},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٠ إلى ١٠١]","level":2,"page":475},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٣]","level":2,"page":475},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٥]","level":2,"page":475},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]","level":2,"page":475},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٨ إلى ١٠٩]","level":2,"page":476},{"title":"(١١) سورة هود","level":1,"page":477},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١]","level":2,"page":477},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":477},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":477},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦]","level":2,"page":478},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٧]","level":2,"page":478},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨]","level":2,"page":479},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩ إلى ١١]","level":2,"page":479},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢]","level":2,"page":479},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":479},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":480},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٧]","level":2,"page":481},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":481},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":2,"page":481},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":482},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":482},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٢٧]","level":2,"page":482},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":483},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":483},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":483},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":484},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":484},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":484},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٠]","level":2,"page":484},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤١]","level":2,"page":485},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٢]","level":2,"page":485},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":486},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":486},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":487},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٤٩]","level":2,"page":487},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":487},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":488},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٥٤ إلى ٥٦]","level":2,"page":488},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":488},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":489},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦١]","level":2,"page":489},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":489},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":490},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٦٦ إلى ٦٨]","level":2,"page":490},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٦٩]","level":2,"page":490},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":491},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":491},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]","level":2,"page":492},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":2,"page":492},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٩ إلى ٨٠]","level":2,"page":493},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨١]","level":2,"page":493},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]","level":2,"page":493},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٤]","level":2,"page":494},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٥]","level":2,"page":494},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٦]","level":2,"page":494},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٧]","level":2,"page":495},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٨٨]","level":2,"page":495},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٨٩ إلى ٩٠]","level":2,"page":495},{"title":"[سورة هود (١١): آية ٩١]","level":2,"page":496},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩٢ إلى ٩٣]","level":2,"page":496},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":2,"page":497},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]","level":2,"page":497},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٩٨ إلى ٩٩]","level":2,"page":497},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٠٠ إلى ١٠١]","level":2,"page":498},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٣]","level":2,"page":498},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٥]","level":2,"page":498},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٧]","level":2,"page":499},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٨]","level":2,"page":499},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٠٩]","level":2,"page":500},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٠ إلى ١١١]","level":2,"page":500},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٢]","level":2,"page":500},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٣]","level":2,"page":501},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٤ إلى ١١٥]","level":2,"page":501},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]","level":2,"page":501},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":2,"page":502},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٠]","level":2,"page":502},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٢١ إلى ١٢٢]","level":2,"page":502},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١٢٣]","level":2,"page":502},{"title":"(١٢) سورة يوسف","level":1,"page":504},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":504},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣]","level":2,"page":504},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤]","level":2,"page":504},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥]","level":2,"page":505},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦]","level":2,"page":505},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧]","level":2,"page":506},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨]","level":2,"page":506},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":506},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":507},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":507},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٥]","level":2,"page":507},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":508},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٨]","level":2,"page":508},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٩]","level":2,"page":508},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٠]","level":2,"page":509},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢١]","level":2,"page":509},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٢]","level":2,"page":509},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٣]","level":2,"page":510},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٤]","level":2,"page":510},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٢٥]","level":2,"page":510},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":511},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":511},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٠]","level":2,"page":511},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣١]","level":2,"page":511},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٣٢]","level":2,"page":512},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":512},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":513},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":513},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":514},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤١]","level":2,"page":514},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٤٢]","level":2,"page":515},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":515},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":515},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]","level":2,"page":516},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٠]","level":2,"page":516},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":2,"page":516},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٣]","level":2,"page":517},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٤]","level":2,"page":517},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٥ إلى ٥٧]","level":2,"page":517},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٥٨]","level":2,"page":518},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٩ إلى ٦١]","level":2,"page":518},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٢]","level":2,"page":519},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":2,"page":519},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٥]","level":2,"page":519},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٦]","level":2,"page":520},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":520},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٦٩]","level":2,"page":520},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":521},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":521},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":521},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٦]","level":2,"page":522},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٧٧]","level":2,"page":522},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":522},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٠]","level":2,"page":522},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":523},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":2,"page":523},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٥]","level":2,"page":524},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":524},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٨]","level":2,"page":524},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٨٩]","level":2,"page":525},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":2,"page":525},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٢ إلى ٩٣]","level":2,"page":525},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":2,"page":526},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٦]","level":2,"page":526},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":2,"page":526},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ٩٩]","level":2,"page":526},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٠]","level":2,"page":527},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠١]","level":2,"page":527},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٣]","level":2,"page":527},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٥]","level":2,"page":528},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٨]","level":2,"page":528},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٩]","level":2,"page":528},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١٠]","level":2,"page":529},{"title":"[سورة يوسف (١٢): آية ١١١]","level":2,"page":529},{"title":"(١٣) سورة الرعد","level":1,"page":530},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١]","level":2,"page":530},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢]","level":2,"page":530},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":530},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٥]","level":2,"page":531},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٦]","level":2,"page":531},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٧]","level":2,"page":532},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٨]","level":2,"page":532},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":532},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١١]","level":2,"page":533},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":533},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٤]","level":2,"page":534},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٥]","level":2,"page":534},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٦]","level":2,"page":534},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٧]","level":2,"page":535},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ١٨]","level":2,"page":535},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":536},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":536},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":536},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٥]","level":2,"page":537},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٢٦]","level":2,"page":537},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":2,"page":537},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٠]","level":2,"page":537},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣١]","level":2,"page":538},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٢]","level":2,"page":538},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":538},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٥]","level":2,"page":539},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٣٦]","level":2,"page":539},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":540},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":540},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":540},{"title":"[سورة الرعد (١٣): آية ٤٣]","level":2,"page":541},{"title":"(١٤) سورة إبراهيم","level":1,"page":542},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١]","level":2,"page":542},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":542},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤]","level":2,"page":542},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥]","level":2,"page":543},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٦]","level":2,"page":543},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":543},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٩]","level":2,"page":544},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٠]","level":2,"page":544},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":544},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":545},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":2,"page":545},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٨]","level":2,"page":546},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":546},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢١]","level":2,"page":546},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٢]","level":2,"page":547},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٣]","level":2,"page":548},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":548},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٦]","level":2,"page":548},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٧]","level":2,"page":548},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":549},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣١]","level":2,"page":549},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":2,"page":550},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":550},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٧]","level":2,"page":550},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":551},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":2,"page":552},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":552},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٤]","level":2,"page":552},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":553},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٧]","level":2,"page":553},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٨]","level":2,"page":553},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":554},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥١]","level":2,"page":554},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٢]","level":2,"page":554},{"title":"(١٥) سورة الحجر","level":1,"page":556},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":556},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٣]","level":2,"page":556},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":556},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":557},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":557},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":557},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":557},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":558},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":2,"page":558},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":558},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٢١]","level":2,"page":559},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":559},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":559},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":559},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":560},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":560},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":560},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":561},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":2,"page":561},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":561},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":561},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":562},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":562},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":562},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":2,"page":563},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":563},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٤ إلى ٥٦]","level":2,"page":563},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":563},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":564},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦١ إلى ٦٤]","level":2,"page":564},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٦٥]","level":2,"page":564},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":2,"page":564},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":2,"page":565},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":565},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٧٢]","level":2,"page":565},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":2,"page":565},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٥ إلى ٧٧]","level":2,"page":565},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":565},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":566},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٢ إلى ٨٤]","level":2,"page":566},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]","level":2,"page":566},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٨٧]","level":2,"page":566},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":2,"page":567},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٠]","level":2,"page":567},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩١ إلى ٩٣]","level":2,"page":567},{"title":"[سورة الحجر (١٥): آية ٩٤]","level":2,"page":567},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٥ إلى ٩٦]","level":2,"page":568},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٧ إلى ٩٩]","level":2,"page":568},{"title":"(١٦) سورة النحل","level":1,"page":569},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١]","level":2,"page":569},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢]","level":2,"page":569},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":569},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":570},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧]","level":2,"page":570},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨]","level":2,"page":570},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩]","level":2,"page":571},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠]","level":2,"page":571},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١]","level":2,"page":571},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":571},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٤]","level":2,"page":572},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٥]","level":2,"page":572},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٦]","level":2,"page":572},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٧]","level":2,"page":573},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":573},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":573},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":573},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":574},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٦]","level":2,"page":574},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٢٧]","level":2,"page":574},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":574},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٠]","level":2,"page":575},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣١]","level":2,"page":575},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٢]","level":2,"page":575},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":575},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٥]","level":2,"page":576},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٣٦]","level":2,"page":576},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":576},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":577},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":577},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":577},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":578},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٧]","level":2,"page":578},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٤٨]","level":2,"page":578},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":579},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":2,"page":579},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٣ إلى ٥٥]","level":2,"page":579},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":580},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":580},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٠]","level":2,"page":580},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦١]","level":2,"page":580},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٢]","level":2,"page":581},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٣]","level":2,"page":581},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":581},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٦]","level":2,"page":581},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٧]","level":2,"page":582},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":2,"page":582},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٠]","level":2,"page":583},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧١]","level":2,"page":583},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٢]","level":2,"page":584},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٣]","level":2,"page":584},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":584},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٦]","level":2,"page":585},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":2,"page":585},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٧٩]","level":2,"page":585},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٠]","level":2,"page":586},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨١]","level":2,"page":586},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]","level":2,"page":586},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٤]","level":2,"page":587},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]","level":2,"page":587},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":2,"page":587},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٨٩]","level":2,"page":587},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٠]","level":2,"page":588},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩١]","level":2,"page":588},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٢]","level":2,"page":588},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٣ إلى ٩٤]","level":2,"page":589},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٥]","level":2,"page":589},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٦]","level":2,"page":589},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٧]","level":2,"page":589},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٨ إلى ١٠٠]","level":2,"page":589},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠١]","level":2,"page":590},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٢]","level":2,"page":590},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٣]","level":2,"page":590},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٥]","level":2,"page":591},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٦]","level":2,"page":591},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٩]","level":2,"page":592},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٠ إلى ١١١]","level":2,"page":592},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٢]","level":2,"page":592},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٣]","level":2,"page":593},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٤ إلى ١١٥]","level":2,"page":593},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]","level":2,"page":593},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٨]","level":2,"page":594},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٩]","level":2,"page":594},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٠ إلى ١٢٢]","level":2,"page":594},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٣]","level":2,"page":594},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٤]","level":2,"page":595},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٥]","level":2,"page":595},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٢٦]","level":2,"page":595},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٧ إلى ١٢٨]","level":2,"page":595},{"title":"(١٧) سورة بني إسرائيل","level":1,"page":597},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١]","level":2,"page":597},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧]","level":2,"page":598},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨]","level":2,"page":599},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":599},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١]","level":2,"page":599},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٢]","level":2,"page":600},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٣]","level":2,"page":600},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":600},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٦]","level":2,"page":600},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":601},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":601},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":601},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٣]","level":2,"page":602},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٤]","level":2,"page":602},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٥]","level":2,"page":603},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":603},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٨]","level":2,"page":603},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":603},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣١]","level":2,"page":604},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٢]","level":2,"page":604},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٣]","level":2,"page":604},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٤]","level":2,"page":604},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٥]","level":2,"page":605},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٦]","level":2,"page":605},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":605},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٩]","level":2,"page":606},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٠]","level":2,"page":606},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":606},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":606},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":607},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٧]","level":2,"page":607},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":607},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":607},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٢]","level":2,"page":608},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":608},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٥]","level":2,"page":608},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":609},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":609},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٠]","level":2,"page":609},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":610},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":2,"page":610},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٥]","level":2,"page":611},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":2,"page":611},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٨]","level":2,"page":611},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٩]","level":2,"page":611},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٠]","level":2,"page":612},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧١]","level":2,"page":612},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٢]","level":2,"page":612},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٣]","level":2,"page":613},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":613},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":2,"page":613},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٨]","level":2,"page":614},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٩]","level":2,"page":614},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":614},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٢]","level":2,"page":615},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":2,"page":615},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٥]","level":2,"page":615},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":616},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":2,"page":616},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":2,"page":616},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٢ إلى ٩٣]","level":2,"page":616},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":2,"page":617},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٦]","level":2,"page":617},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":2,"page":617},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":2,"page":618},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠١]","level":2,"page":618},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٢]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٦]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٧]","level":2,"page":619},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٨ إلى ١٠٩]","level":2,"page":620},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١٠]","level":2,"page":620},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ١١١]","level":2,"page":620},{"title":"(١٨) سورة الكهف","level":1,"page":622},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١]","level":2,"page":622},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":622},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":622},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦]","level":2,"page":623},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":623},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩]","level":2,"page":623},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":624},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":624},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":624},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٦]","level":2,"page":625},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٧]","level":2,"page":625},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٨]","level":2,"page":625},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":626},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢١]","level":2,"page":626},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٢]","level":2,"page":627},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":628},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٥]","level":2,"page":628},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٦]","level":2,"page":628},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":629},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٢٩]","level":2,"page":629},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٠]","level":2,"page":630},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣١]","level":2,"page":630},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٢]","level":2,"page":630},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":630},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":631},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":631},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٣٩]","level":2,"page":631},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٤]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٥]","level":2,"page":632},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٦]","level":2,"page":633},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٤٧]","level":2,"page":633},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":633},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٠]","level":2,"page":634},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥١]","level":2,"page":634},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٢]","level":2,"page":634},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":635},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٥]","level":2,"page":635},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٦]","level":2,"page":635},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":635},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٥٩]","level":2,"page":636},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٠]","level":2,"page":636},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":636},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٣]","level":2,"page":637},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":637},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٦٦]","level":2,"page":637},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":638},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":2,"page":638},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":2,"page":638},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٣]","level":2,"page":638},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٤]","level":2,"page":638},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":2,"page":639},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٧]","level":2,"page":639},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٨]","level":2,"page":639},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٧٩]","level":2,"page":640},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":640},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٢]","level":2,"page":640},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٣]","level":2,"page":641},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٨٤]","level":2,"page":641},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]","level":2,"page":641},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":2,"page":642},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٩ إلى ٩١]","level":2,"page":642},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٢ إلى ٩٣]","level":2,"page":642},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٤ إلى ٩٦]","level":2,"page":643},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٧]","level":2,"page":643},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ٩٨]","level":2,"page":644},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٩ إلى ١٠١]","level":2,"page":644},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٢]","level":2,"page":644},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]","level":2,"page":644},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٦]","level":2,"page":644},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]","level":2,"page":645},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٩]","level":2,"page":645},{"title":"[سورة الكهف (١٨): آية ١١٠]","level":2,"page":645},{"title":"محتوى الجزء الثالث من تفسير البيضاوي","level":2,"page":646},{"title":"(١٩) سورة مريم","level":1,"page":649},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":649},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣]","level":2,"page":649},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤]","level":2,"page":649},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":649},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧]","level":2,"page":650},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":650},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":650},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":651},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":651},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٦]","level":2,"page":651},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ١٧]","level":2,"page":651},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":651},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":652},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٢]","level":2,"page":652},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٣]","level":2,"page":652},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٤]","level":2,"page":652},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٥]","level":2,"page":653},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٢٦]","level":2,"page":653},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":653},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":653},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":2,"page":654},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٤]","level":2,"page":654},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":654},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٧]","level":2,"page":654},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٣٨]","level":2,"page":655},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":655},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":655},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":656},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٥]","level":2,"page":656},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٤٦]","level":2,"page":656},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":656},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":656},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":2,"page":657},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":657},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":657},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٨]","level":2,"page":658},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٥٩]","level":2,"page":658},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":658},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٢]","level":2,"page":659},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٣]","level":2,"page":659},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٤]","level":2,"page":659},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٥]","level":2,"page":659},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":2,"page":660},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٦٨]","level":2,"page":660},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":2,"page":660},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":2,"page":661},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٣]","level":2,"page":661},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٤]","level":2,"page":661},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٥]","level":2,"page":662},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٧٦]","level":2,"page":662},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":2,"page":662},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٩ إلى ٨٠]","level":2,"page":663},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":663},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":2,"page":663},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٨٥]","level":2,"page":664},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":664},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٨ إلى ٩٠]","level":2,"page":664},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":664},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٣ إلى ٩٥]","level":2,"page":665},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]","level":2,"page":665},{"title":"[سورة مريم (١٩): آية ٩٨]","level":2,"page":665},{"title":"(٢٠) سورة طه","level":1,"page":666},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١]","level":2,"page":666},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":666},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤]","level":2,"page":666},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":667},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧]","level":2,"page":667},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨]","level":2,"page":667},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":667},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":668},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":668},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":668},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":669},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":2,"page":669},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]","level":2,"page":669},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":2,"page":670},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٩ إلى ٣٢]","level":2,"page":670},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":670},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":2,"page":671},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٣٩]","level":2,"page":671},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٤٠]","level":2,"page":671},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":672},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":672},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":672},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":673},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":673},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":2,"page":673},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٣]","level":2,"page":674},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":674},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":674},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٨]","level":2,"page":674},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٥٩]","level":2,"page":675},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":675},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":675},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":676},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٦٦]","level":2,"page":676},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٧ إلى ٦٩]","level":2,"page":676},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٠]","level":2,"page":677},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧١]","level":2,"page":677},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":677},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]","level":2,"page":677},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٧٧]","level":2,"page":678},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":678},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٨٠]","level":2,"page":678},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":679},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":2,"page":679},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]","level":2,"page":679},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٧ إلى ٨٩]","level":2,"page":680},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٠ إلى ٩١]","level":2,"page":680},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٢ إلى ٩٤]","level":2,"page":680},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٥ إلى ٩٦]","level":2,"page":681},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٧]","level":2,"page":681},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٨]","level":2,"page":681},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ٩٩]","level":2,"page":682},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٠ إلى ١٠١]","level":2,"page":682},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٠٢]","level":2,"page":682},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]","level":2,"page":682},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٧]","level":2,"page":683},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٨ إلى ١٠٩]","level":2,"page":683},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٠ إلى ١١١]","level":2,"page":683},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٢ إلى ١١٣]","level":2,"page":683},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٤]","level":2,"page":684},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١١٥]","level":2,"page":684},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]","level":2,"page":684},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":2,"page":685},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٠ إلى ١٢٢]","level":2,"page":685},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٤]","level":2,"page":685},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٥ إلى ١٢٧]","level":2,"page":686},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٨ إلى ١٢٩]","level":2,"page":686},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٠]","level":2,"page":686},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣١]","level":2,"page":687},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٢]","level":2,"page":687},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣٣]","level":2,"page":687},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١٣٤ إلى ١٣٥]","level":2,"page":687},{"title":"(٢١) سورة الأنبياء","level":1,"page":689},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":689},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣]","level":2,"page":689},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":689},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":690},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":690},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":2,"page":691},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":691},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":691},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٨]","level":2,"page":692},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":692},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢١ إلى ٢٣]","level":2,"page":692},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٤]","level":2,"page":693},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]","level":2,"page":693},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":693},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٠]","level":2,"page":694},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":694},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٣]","level":2,"page":694},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":695},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":695},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":695},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":696},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":696},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":696},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٧]","level":2,"page":697},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":2,"page":697},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":2,"page":697},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٤ إلى ٥٦]","level":2,"page":698},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":698},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٩ إلى ٦١]","level":2,"page":698},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":699},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":699},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦٦ إلى ٦٨]","level":2,"page":699},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٩]","level":2,"page":699},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":700},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":700},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":700},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":2,"page":700},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":701},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٠]","level":2,"page":701},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":701},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":2,"page":702},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]","level":2,"page":702},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]","level":2,"page":702},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٩ إلى ٩٠]","level":2,"page":703},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":703},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٣ إلى ٩٤]","level":2,"page":704},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٥]","level":2,"page":704},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]","level":2,"page":704},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٨]","level":2,"page":704},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":2,"page":705},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠١ إلى ١٠٣]","level":2,"page":705},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٤]","level":2,"page":705},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٦]","level":2,"page":706},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]","level":2,"page":706},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٩ إلى ١١١]","level":2,"page":706},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١٢]","level":2,"page":707},{"title":"(٢٢) سورة الحج","level":1,"page":708},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":708},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":708},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥]","level":2,"page":709},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":709},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":710},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١١]","level":2,"page":710},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":710},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":711},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":711},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٨]","level":2,"page":711},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":712},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":712},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":712},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٥]","level":2,"page":713},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٦]","level":2,"page":713},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":713},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":714},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":715},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٣]","level":2,"page":715},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":715},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]","level":2,"page":716},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٧]","level":2,"page":716},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٨]","level":2,"page":716},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٩]","level":2,"page":716},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٠]","level":2,"page":717},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤١]","level":2,"page":717},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":2,"page":717},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٥]","level":2,"page":718},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٤٦]","level":2,"page":718},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":718},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":2,"page":719},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٢]","level":2,"page":719},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":719},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":720},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥٧]","level":2,"page":720},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":720},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٠]","level":2,"page":721},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":721},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":2,"page":721},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":721},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٦٧]","level":2,"page":722},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":2,"page":722},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":722},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٢]","level":2,"page":723},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٣]","level":2,"page":723},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]","level":2,"page":723},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٧]","level":2,"page":724},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٧٨]","level":2,"page":724},{"title":"(٢٣) سورة المؤمنون","level":1,"page":726},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":726},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣ إلى ٥]","level":2,"page":726},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":726},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":727},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":727},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":727},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":2,"page":727},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٧]","level":2,"page":728},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":728},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٠]","level":2,"page":728},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":729},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":729},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":729},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":730},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":730},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":730},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":731},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":731},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣٩ إلى ٤١]","level":2,"page":731},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":2,"page":732},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":732},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]","level":2,"page":732},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٠]","level":2,"page":733},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥١]","level":2,"page":733},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٢]","level":2,"page":733},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":733},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":734},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٧ إلى ٦١]","level":2,"page":734},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":734},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":735},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":2,"page":735},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]","level":2,"page":735},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧١]","level":2,"page":736},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":736},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":736},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]","level":2,"page":736},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٨ إلى ٨٠]","level":2,"page":737},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨١ إلى ٨٣]","level":2,"page":737},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٤ إلى ٨٥]","level":2,"page":737},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٦ إلى ٨٩]","level":2,"page":737},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٠ إلى ٩٢]","level":2,"page":738},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٣ إلى ٩٥]","level":2,"page":738},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٦ إلى ٩٨]","level":2,"page":739},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٩ إلى ١٠٠]","level":2,"page":739},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠١ إلى ١٠٣]","level":2,"page":739},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٦]","level":2,"page":740},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٨]","level":2,"page":740},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٩ إلى ١١١]","level":2,"page":740},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١١٢ إلى ١١٤]","level":2,"page":741},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٥]","level":2,"page":741},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١١٦ إلى ١١٧]","level":2,"page":741},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٨]","level":2,"page":741},{"title":"(٢٤) سورة النور","level":1,"page":742},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١]","level":2,"page":742},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢]","level":2,"page":742},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣]","level":2,"page":742},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":743},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":743},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":744},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ١١]","level":2,"page":744},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":744},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":745},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":2,"page":745},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":746},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢١]","level":2,"page":746},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٢]","level":2,"page":746},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":746},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٦]","level":2,"page":747},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٧]","level":2,"page":747},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":748},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٠]","level":2,"page":748},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣١]","level":2,"page":748},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٢]","level":2,"page":749},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٣]","level":2,"page":750},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٤]","level":2,"page":750},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٥]","level":2,"page":750},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":2,"page":752},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٣٩]","level":2,"page":753},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٠]","level":2,"page":753},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":754},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤٣]","level":2,"page":754},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":754},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٦ إلى ٤٨]","level":2,"page":755},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":755},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":2,"page":756},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":756},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٥]","level":2,"page":756},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":757},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٨]","level":2,"page":757},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":758},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦١]","level":2,"page":758},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٢]","level":2,"page":759},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٣]","level":2,"page":760},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٦٤]","level":2,"page":760},{"title":"(٢٥) سورة الفرقان","level":1,"page":761},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":761},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":761},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":762},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":762},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":762},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":763},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":763},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":763},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٧]","level":2,"page":764},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":764},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٠]","level":2,"page":765},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢١]","level":2,"page":765},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":765},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٤]","level":2,"page":766},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":766},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":2,"page":766},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":767},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٢]","level":2,"page":767},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":768},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٥ إلى ٣٧]","level":2,"page":768},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":768},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٠]","level":2,"page":769},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":769},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":769},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":770},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٧]","level":2,"page":770},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":770},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٠]","level":2,"page":771},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":2,"page":771},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٣]","level":2,"page":772},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":772},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":772},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":773},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":773},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٢]","level":2,"page":773},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":2,"page":774},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":774},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٧]","level":2,"page":774},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":2,"page":774},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":775},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":775},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٤]","level":2,"page":775},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":2,"page":776},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٧]","level":2,"page":776},{"title":"(٢٦) سورة الشعراء","level":1,"page":777},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":777},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":777},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":777},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":778},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":778},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":2,"page":778},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":779},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":2,"page":779},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":780},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":2,"page":780},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":780},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":2,"page":781},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":781},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":2,"page":781},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣٩ إلى ٤٢]","level":2,"page":781},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]","level":2,"page":782},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٤٦ إلى ٤٨]","level":2,"page":782},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٩]","level":2,"page":782},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":782},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٢]","level":2,"page":783},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥٣ إلى ٥٦]","level":2,"page":783},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥٧ إلى ٦٠]","level":2,"page":783},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦١ إلى ٦٤]","level":2,"page":784},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٥ إلى ٦٨]","level":2,"page":784},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٩ إلى ٧١]","level":2,"page":784},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٢ إلى ٧٤]","level":2,"page":784},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٥ إلى ٧٧]","level":2,"page":785},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":2,"page":785},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٠ إلى ٨١]","level":2,"page":785},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]","level":2,"page":786},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٤ إلى ٨٦]","level":2,"page":786},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٧ إلى ٨٩]","level":2,"page":786},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٠ إلى ٩٣]","level":2,"page":786},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":2,"page":787},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٦ إلى ٩٨]","level":2,"page":787},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٩ إلى ١٠٢]","level":2,"page":787},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٣ إلى ١٠٤]","level":2,"page":787},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٨]","level":2,"page":788},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٩ إلى ١١١]","level":2,"page":788},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١٢ إلى ١١٥]","level":2,"page":788},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١٦ إلى ١١٨]","level":2,"page":788},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١٩ إلى ١٢٢]","level":2,"page":789},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٦]","level":2,"page":789},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٧]","level":2,"page":789},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٨ إلى ١٣١]","level":2,"page":789},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٣٢ إلى ١٣٥]","level":2,"page":789},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٣٦ إلى ١٣٩]","level":2,"page":790},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤٠ إلى ١٤٨]","level":2,"page":790},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤٩ إلى ١٥٢]","level":2,"page":790},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٤]","level":2,"page":791},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥٥ إلى ١٥٨]","level":2,"page":791},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥٩ إلى ١٦٦]","level":2,"page":791},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٧ إلى ١٦٨]","level":2,"page":792},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٩ إلى ١٧١]","level":2,"page":792},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٢ إلى ١٧٥]","level":2,"page":792},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٦ إلى ١٨١]","level":2,"page":792},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨٢ إلى ١٨٤]","level":2,"page":793},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨٥ إلى ١٨٧]","level":2,"page":793},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨٨ إلى ١٩٠]","level":2,"page":793},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩١ إلى ١٩٦]","level":2,"page":793},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٧ إلى ١٩٩]","level":2,"page":794},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٠ إلى ٢٠٣]","level":2,"page":794},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٤ إلى ٢٠٧]","level":2,"page":794},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٨ إلى ٢٠٩]","level":2,"page":794},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٠ إلى ٢١٣]","level":2,"page":795},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٤ إلى ٢١٦]","level":2,"page":795},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٧ إلى ٢٢٠]","level":2,"page":795},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢١ إلى ٢٢٣]","level":2,"page":795},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢٤ إلى ٢٢٦]","level":2,"page":796},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٧]","level":2,"page":796},{"title":"(٢٧) سورة النمل","level":1,"page":798},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":798},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":798},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٧]","level":2,"page":798},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":799},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":799},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٢]","level":2,"page":800},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":800},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ١٥]","level":2,"page":800},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":800},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":801},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":801},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٢٢]","level":2,"page":802},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":802},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":802},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":803},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":2,"page":803},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":803},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":803},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":804},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":804},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٤٠]","level":2,"page":805},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":805},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":806},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":2,"page":806},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":806},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":807},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":807},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":807},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٦ إلى ٥٨]","level":2,"page":808},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٥٩]","level":2,"page":808},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٠]","level":2,"page":808},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦١]","level":2,"page":808},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":808},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٤]","level":2,"page":809},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٥]","level":2,"page":809},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٦٦]","level":2,"page":809},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":810},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":2,"page":810},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":2,"page":810},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٣ إلى ٧٥]","level":2,"page":810},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٦ إلى ٧٨]","level":2,"page":811},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٩ إلى ٨١]","level":2,"page":811},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٢]","level":2,"page":811},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٥]","level":2,"page":812},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٦]","level":2,"page":812},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٧]","level":2,"page":812},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٨]","level":2,"page":813},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٩ إلى ٩٠]","level":2,"page":813},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٩١ إلى ٩٢]","level":2,"page":813},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٩٣]","level":2,"page":813},{"title":"(٢٨) سورة القصص","level":1,"page":815},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":815},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":815},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":816},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٩]","level":2,"page":816},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":816},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":817},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":817},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":818},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":818},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":2,"page":818},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":819},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":819},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":819},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٩]","level":2,"page":820},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":820},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٣٢]","level":2,"page":821},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":821},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":822},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":822},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":822},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٣]","level":2,"page":823},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":823},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٦]","level":2,"page":823},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٤٧]","level":2,"page":824},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":824},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":824},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":825},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":825},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":825},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":826},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":826},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":826},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٦٤]","level":2,"page":827},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":827},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":827},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":2,"page":827},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٧١]","level":2,"page":828},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":828},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٤ إلى ٧٥]","level":2,"page":828},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٦ إلى ٧٨]","level":2,"page":828},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٩ إلى ٨٠]","level":2,"page":829},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨١]","level":2,"page":830},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]","level":2,"page":830},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٤ إلى ٨٥]","level":2,"page":831},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":831},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٨٨]","level":2,"page":831},{"title":"(٢٩) سورة العنكبوت","level":1,"page":832},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":832},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":832},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥]","level":2,"page":832},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":833},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":833},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":833},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":834},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":834},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":834},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":835},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":835},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":835},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٤]","level":2,"page":836},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٥]","level":2,"page":836},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":836},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٨]","level":2,"page":837},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":837},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":837},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٣]","level":2,"page":838},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":838},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":838},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٨]","level":2,"page":838},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":839},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤١]","level":2,"page":839},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٢]","level":2,"page":839},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":839},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٥]","level":2,"page":840},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":840},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":840},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":841},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":841},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":841},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":842},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":842},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":842},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":843},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٤]","level":2,"page":843},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":843},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":843},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٩]","level":2,"page":844},{"title":"(٣٠) سورة الروم","level":1,"page":845},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":845},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":846},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٨]","level":2,"page":846},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٩]","level":2,"page":846},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٠]","level":2,"page":846},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":847},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":847},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":847},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":847},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ١٩]","level":2,"page":848},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":848},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٢]","level":2,"page":848},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٣]","level":2,"page":849},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٤]","level":2,"page":849},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":849},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٢٧]","level":2,"page":849},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":850},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":850},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٢]","level":2,"page":850},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":851},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":851},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٨]","level":2,"page":851},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٣٩]","level":2,"page":851},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٠]","level":2,"page":852},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":852},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٣]","level":2,"page":852},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":852},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٦]","level":2,"page":853},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٤٧]","level":2,"page":853},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":853},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٠]","level":2,"page":853},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥١]","level":2,"page":854},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":854},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٤]","level":2,"page":854},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٥٥]","level":2,"page":854},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٦ إلى ٥٧]","level":2,"page":855},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":855},{"title":"[سورة الروم (٣٠): آية ٦٠]","level":2,"page":855},{"title":"(٣١) سورة لقمان","level":1,"page":856},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":856},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":856},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٦]","level":2,"page":856},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٧]","level":2,"page":857},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":857},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":857},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٢]","level":2,"page":857},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٣]","level":2,"page":858},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٤]","level":2,"page":858},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٥]","level":2,"page":858},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٦]","level":2,"page":858},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ١٧]","level":2,"page":859},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":859},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٠]","level":2,"page":859},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":859},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":860},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":860},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٢٧]","level":2,"page":860},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":861},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":861},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٣]","level":2,"page":861},{"title":"[سورة لقمان (٣١): آية ٣٤]","level":2,"page":862},{"title":"(٣٢) سورة السجدة","level":1,"page":863},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":863},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٤]","level":2,"page":863},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":863},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":864},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":864},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٢]","level":2,"page":864},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":865},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":865},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ١٧]","level":2,"page":865},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":866},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":866},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]","level":2,"page":866},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":867},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٢٧]","level":2,"page":867},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":867},{"title":"[سورة السجده (٣٢): آية ٣٠]","level":2,"page":867},{"title":"(٣٣) سورة الأحزاب","level":1,"page":868},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١]","level":2,"page":868},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":868},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤]","level":2,"page":868},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥]","level":2,"page":869},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦]","level":2,"page":869},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":869},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٩]","level":2,"page":870},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٠]","level":2,"page":870},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":870},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٣]","level":2,"page":871},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٤]","level":2,"page":871},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":871},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":871},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٩]","level":2,"page":872},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٠]","level":2,"page":872},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢١]","level":2,"page":872},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٢]","level":2,"page":872},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":873},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٥]","level":2,"page":873},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٦]","level":2,"page":873},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٧]","level":2,"page":874},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":874},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":874},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٢]","level":2,"page":875},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٣]","level":2,"page":875},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٤]","level":2,"page":875},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]","level":2,"page":876},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]","level":2,"page":876},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]","level":2,"page":876},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":877},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٠]","level":2,"page":877},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":877},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":878},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":878},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":878},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٩]","level":2,"page":878},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٠]","level":2,"page":879},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥١]","level":2,"page":880},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٢]","level":2,"page":880},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٣]","level":2,"page":880},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":881},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٦]","level":2,"page":881},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":882},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٩]","level":2,"page":882},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٠]","level":2,"page":882},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":882},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٣]","level":2,"page":883},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٤ إلى ٦٦]","level":2,"page":883},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":883},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٩]","level":2,"page":883},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":883},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٢]","level":2,"page":884},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٣]","level":2,"page":884},{"title":"(٣٤) سورة سبأ","level":1,"page":885},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":885},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣]","level":2,"page":885},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":885},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٦]","level":2,"page":886},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":886},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٩]","level":2,"page":886},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":887},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":887},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":888},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":888},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":889},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":889},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":890},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٤]","level":2,"page":890},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":891},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":891},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":891},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":892},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٣]","level":2,"page":892},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":2,"page":892},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":893},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٩]","level":2,"page":893},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":2,"page":893},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":894},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":894},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٦]","level":2,"page":894},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٧]","level":2,"page":895},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":895},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٠]","level":2,"page":895},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥١]","level":2,"page":895},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٢]","level":2,"page":895},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":896},{"title":"(٣٥) سورة الملائكة","level":1,"page":897},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١]","level":2,"page":897},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢]","level":2,"page":897},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":897},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":898},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":898},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٩]","level":2,"page":898},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٠]","level":2,"page":899},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١١]","level":2,"page":899},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٢]","level":2,"page":899},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":900},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":2,"page":900},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ١٨]","level":2,"page":901},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٩ إلى ٢٣]","level":2,"page":901},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٤]","level":2,"page":901},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":901},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":902},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":902},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣١]","level":2,"page":903},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٢]","level":2,"page":903},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":903},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":904},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":904},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٠]","level":2,"page":904},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): آية ٤١]","level":2,"page":905},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":905},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":905},{"title":"(٣٦) سورة يس","level":1,"page":907},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":907},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":907},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":907},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":908},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ١٢]","level":2,"page":908},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":908},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":2,"page":909},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":909},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":909},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]","level":2,"page":910},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]","level":2,"page":910},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٢٨]","level":2,"page":910},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":911},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":911},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":911},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":912},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":912},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":912},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":913},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":913},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":913},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٤٧]","level":2,"page":913},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":2,"page":914},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":2,"page":914},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":914},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":915},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":915},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٩ إلى ٦١]","level":2,"page":915},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٢ إلى ٦٤]","level":2,"page":916},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":916},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":916},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":2,"page":916},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧١ إلى ٧٣]","level":2,"page":917},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]","level":2,"page":917},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":2,"page":918},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٩ إلى ٨٠]","level":2,"page":918},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":918},{"title":"[سورة يس (٣٦): آية ٨٣]","level":2,"page":919},{"title":"محتوى الجزء الرابع من تفسير البيضاوي","level":2,"page":920},{"title":"(٣٧) سورة الصافات","level":1,"page":923},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":923},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":923},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":923},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":924},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): آية ١١]","level":2,"page":924},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":925},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٥ إلى ١٨]","level":2,"page":925},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":2,"page":925},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":926},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":2,"page":926},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":926},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٩ إلى ٣٢]","level":2,"page":926},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":927},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٦ إلى ٣٩]","level":2,"page":927},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٠ إلى ٤٣]","level":2,"page":927},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٤ إلى ٤٧]","level":2,"page":927},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":928},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٠ إلى ٥٣]","level":2,"page":928},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":928},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٦ إلى ٥٩]","level":2,"page":929},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":929},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٢ إلى ٦٦]","level":2,"page":929},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":930},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٩ إلى ٧٤]","level":2,"page":930},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٥ إلى ٧٨]","level":2,"page":930},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٩ إلى ٨٢]","level":2,"page":931},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٣ إلى ٨٧]","level":2,"page":931},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٨ إلى ٩٠]","level":2,"page":931},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩١ إلى ٩٣]","level":2,"page":932},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٤ إلى ٩٦]","level":2,"page":932},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":2,"page":932},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٩ إلى ١٠١]","level":2,"page":932},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٣]","level":2,"page":933},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٦]","level":2,"page":934},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٧ إلى ١١٠]","level":2,"page":934},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١١ إلى ١١٣]","level":2,"page":934},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١٤ إلى ١١٨]","level":2,"page":934},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١٩ إلى ١٢٢]","level":2,"page":935},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٣ إلى ١٢٦]","level":2,"page":935},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٧ إلى ١٢٨]","level":2,"page":935},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٩ إلى ١٣٢]","level":2,"page":935},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٣ إلى ١٣٨]","level":2,"page":936},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٩ إلى ١٤٤]","level":2,"page":936},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٥ إلى ١٤٨]","level":2,"page":936},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٩ إلى ١٥٢]","level":2,"page":937},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٧]","level":2,"page":937},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٥٨ إلى ١٦٠]","level":2,"page":938},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦١ إلى ١٦٣]","level":2,"page":938},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦٤ إلى ١٦٦]","level":2,"page":938},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦٧ إلى ١٧٠]","level":2,"page":938},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧١ إلى ١٧٥]","level":2,"page":939},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧٦ إلى ١٧٩]","level":2,"page":939},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٨٠ إلى ١٨٢]","level":2,"page":939},{"title":"(٣٨) سورة ص","level":1,"page":941},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":941},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣]","level":2,"page":941},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":942},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":942},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":942},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":943},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":943},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":944},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":944},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":944},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢١ إلى ٢٣]","level":2,"page":945},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٢٤]","level":2,"page":945},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":946},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":2,"page":946},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":946},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":947},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٤]","level":2,"page":947},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٣٥]","level":2,"page":948},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":2,"page":948},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":948},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":2,"page":948},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":2,"page":949},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٨]","level":2,"page":949},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٩ إلى ٥١]","level":2,"page":950},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٢ إلى ٥٤]","level":2,"page":950},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٥ إلى ٥٨]","level":2,"page":950},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٩ إلى ٦١]","level":2,"page":951},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٢ إلى ٦٤]","level":2,"page":951},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٥ إلى ٦٦]","level":2,"page":951},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٧ إلى ٧٠]","level":2,"page":951},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧١ إلى ٧٤]","level":2,"page":952},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":2,"page":952},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٧ إلى ٨١]","level":2,"page":953},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٢ إلى ٨٥]","level":2,"page":953},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٦ إلى ٨٨]","level":2,"page":953},{"title":"(٣٩) سورة الزمر","level":1,"page":954},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":954},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣]","level":2,"page":954},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":954},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦]","level":2,"page":955},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧]","level":2,"page":955},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٨]","level":2,"page":956},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٩]","level":2,"page":956},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ١٠]","level":2,"page":956},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":2,"page":956},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":2,"page":957},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":957},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":957},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢١]","level":2,"page":958},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٢]","level":2,"page":958},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٣]","level":2,"page":958},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":2,"page":959},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":959},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٩]","level":2,"page":959},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":2,"page":960},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":960},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":961},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٨]","level":2,"page":961},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٩ إلى ٤١]","level":2,"page":961},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٢]","level":2,"page":962},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":962},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٥]","level":2,"page":962},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٦]","level":2,"page":962},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":963},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":963},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":2,"page":963},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":964},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":964},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]","level":2,"page":965},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":965},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":965},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":966},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":2,"page":966},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٨]","level":2,"page":966},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":2,"page":967},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧١ إلى ٧٢]","level":2,"page":967},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":2,"page":968},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٥]","level":2,"page":968},{"title":"(٤٠) سورة المؤمن","level":1,"page":969},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":969},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤]","level":2,"page":969},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":969},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٧]","level":2,"page":970},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":970},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":970},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":971},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":971},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":972},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ١٨]","level":2,"page":972},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":972},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":973},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":973},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":973},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٨]","level":2,"page":974},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٢٩]","level":2,"page":974},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":974},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":975},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٤]","level":2,"page":975},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٣٥]","level":2,"page":975},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":975},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":976},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٤٠]","level":2,"page":976},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":976},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":977},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":977},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":977},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":978},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":2,"page":978},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":978},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٥]","level":2,"page":979},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٥٦]","level":2,"page":979},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":979},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":979},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦١]","level":2,"page":980},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٢ إلى ٦٣]","level":2,"page":980},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٤ إلى ٦٥]","level":2,"page":980},{"title":"[سورة غافر (٤٠): آية ٦٦]","level":2,"page":980},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٧ إلى ٦٨]","level":2,"page":981},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٩ إلى ٧٠]","level":2,"page":981},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧١ إلى ٧٤]","level":2,"page":981},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":2,"page":982},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":2,"page":982},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٩ إلى ٨١]","level":2,"page":982},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]","level":2,"page":983},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨٤ إلى ٨٥]","level":2,"page":983},{"title":"(٤١) سورة فصلت","level":1,"page":984},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":984},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":984},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":984},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٨]","level":2,"page":985},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":985},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":985},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":986},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":986},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":987},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":987},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":987},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":988},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٢٥]","level":2,"page":988},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":988},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":989},{"title":"[سورة فصلت (٤١): آية ٣٠]","level":2,"page":989},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":989},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":989},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":990},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":990},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":990},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":990},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":991},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":991},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":992},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":992},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":2,"page":992},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":993},{"title":"(٤٢) سورة حم عسق","level":1,"page":994},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":994},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥]","level":2,"page":994},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":994},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":995},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":995},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":996},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":996},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":997},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":997},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢١]","level":2,"page":998},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":998},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٤]","level":2,"page":998},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":999},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٧]","level":2,"page":999},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":999},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":1000},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":2,"page":1000},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٥ إلى ٣٦]","level":2,"page":1000},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":1001},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":1001},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":1001},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":1001},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":1002},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٧ إلى ٤٨]","level":2,"page":1002},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":1002},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٥١]","level":2,"page":1003},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٥٢ إلى ٥٣]","level":2,"page":1003},{"title":"(٤٣) سورة الزخرف","level":1,"page":1004},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":1004},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥]","level":2,"page":1004},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":1005},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٩ إلى ١١]","level":2,"page":1005},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":1005},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٥]","level":2,"page":1006},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1006},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1006},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":1006},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":1007},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":1007},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":2,"page":1007},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":1008},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":1008},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":1008},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":1009},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":1009},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٠ إلى ٤٢]","level":2,"page":1009},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٣ إلى ٤٤]","level":2,"page":1010},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٥]","level":2,"page":1010},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":1010},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٨]","level":2,"page":1010},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":1010},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":2,"page":1011},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":2,"page":1011},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":1011},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":1011},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":1012},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦١ إلى ٦٢]","level":2,"page":1012},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٣ إلى ٦٤]","level":2,"page":1013},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٥ إلى ٦٧]","level":2,"page":1013},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]","level":2,"page":1013},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٠ إلى ٧١]","level":2,"page":1013},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]","level":2,"page":1014},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٤ إلى ٧٦]","level":2,"page":1014},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":2,"page":1014},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٩ إلى ٨٠]","level":2,"page":1014},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨١]","level":2,"page":1015},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٢ إلى ٨٣]","level":2,"page":1015},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٤ إلى ٨٥]","level":2,"page":1015},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":1015},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٨ إلى ٨٩]","level":2,"page":1016},{"title":"(٤٤) سورة الدخان","level":1,"page":1017},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1017},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1017},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":1017},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1018},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":1018},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1018},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1019},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1019},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":1019},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":1019},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]","level":2,"page":1019},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":1019},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":1020},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":1020},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":1020},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":1020},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":1021},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٠ إلى ٤٢]","level":2,"page":1021},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ إلى ٤٦]","level":2,"page":1021},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]","level":2,"page":1021},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥١ إلى ٥٧]","level":2,"page":1022},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":1022},{"title":"(٤٥) سورة الجاثية","level":1,"page":1023},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":1023},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1023},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":2,"page":1023},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ١١]","level":2,"page":1024},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":1024},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1024},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1025},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1025},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":1025},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٢]","level":2,"page":1026},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":1026},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":1026},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":1027},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":1027},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":1027},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":1027},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":1028},{"title":"(٤٦) سورة الأحقاف","level":1,"page":1029},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1029},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٤]","level":2,"page":1029},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1029},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1030},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٩]","level":2,"page":1030},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٠]","level":2,"page":1030},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":1031},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1031},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٥]","level":2,"page":1031},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1032},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1032},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٠]","level":2,"page":1032},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢١ إلى ٢٣]","level":2,"page":1033},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":1033},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٦]","level":2,"page":1034},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":1034},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":1034},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":1035},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":1035},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٥]","level":2,"page":1035},{"title":"(٤٧) سورة محمد ﷺ","level":1,"page":1037},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1037},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣]","level":2,"page":1037},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1037},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":1038},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1038},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":1039},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٥]","level":2,"page":1039},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٦]","level":2,"page":1040},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1040},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ١٩]","level":2,"page":1040},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٠ إلى ٢٤]","level":2,"page":1040},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":1041},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":2,"page":1042},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٠ إلى ٣١]","level":2,"page":1042},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":1042},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":1042},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":1043},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٨]","level":2,"page":1043},{"title":"(٤٨) سورة الفتح","level":1,"page":1044},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١]","level":2,"page":1044},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":1044},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٤]","level":2,"page":1044},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":1044},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1045},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٠]","level":2,"page":1045},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١١]","level":2,"page":1045},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٢]","level":2,"page":1046},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1046},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ١٥]","level":2,"page":1046},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1047},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1047},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":1047},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]","level":2,"page":1048},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٥]","level":2,"page":1048},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٦]","level":2,"page":1049},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":1049},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩]","level":2,"page":1050},{"title":"(٤٩) سورة الحجرات","level":1,"page":1051},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١]","level":2,"page":1051},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":1051},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1052},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٦]","level":2,"page":1052},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1053},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1053},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":1054},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٣]","level":2,"page":1055},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٤]","level":2,"page":1055},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1055},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1056},{"title":"(٥٠) سورة ق","level":1,"page":1057},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1057},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1057},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":1057},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٩ إلى ١١]","level":2,"page":1058},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":1058},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1058},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1059},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1059},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":1059},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":1060},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":1060},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":1060},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٠]","level":2,"page":1061},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣١ إلى ٣٥]","level":2,"page":1061},{"title":"[سورة ق (٥٠): آية ٣٦]","level":2,"page":1061},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":1062},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]","level":2,"page":1062},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":2,"page":1062},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":1062},{"title":"(٥١) سورة والذاريات","level":1,"page":1064},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1064},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1064},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":1064},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٠ إلى ١٤]","level":2,"page":1065},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٥ إلى ١٩]","level":2,"page":1065},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":1065},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":1066},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":1066},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":2,"page":1066},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":1066},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣١ إلى ٣٤]","level":2,"page":1067},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٥ إلى ٣٧]","level":2,"page":1067},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":1067},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":2,"page":1068},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]","level":2,"page":1068},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٦]","level":2,"page":1068},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٧ إلى ٤٩]","level":2,"page":1068},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٠ إلى ٥١]","level":2,"page":1068},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٢ إلى ٥٥]","level":2,"page":1069},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٦ إلى ٥٨]","level":2,"page":1069},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٩ إلى ٦٠]","level":2,"page":1069},{"title":"(٥٢) سورة والطور","level":1,"page":1070},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1070},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1070},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":2,"page":1070},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١١ إلى ١٤]","level":2,"page":1070},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1071},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":2,"page":1071},{"title":"[سورة الطور (٥٢): آية ٢١]","level":2,"page":1071},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]","level":2,"page":1072},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":2,"page":1072},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٩ إلى ٣٢]","level":2,"page":1072},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٣ إلى ٣٦]","level":2,"page":1073},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٧ إلى ٣٨]","level":2,"page":1073},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٩ إلى ٤٣]","level":2,"page":1073},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤٤ إلى ٤٧]","level":2,"page":1074},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":1074},{"title":"(٥٣) سورة والنجم","level":1,"page":1075},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":1075},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":1075},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":1075},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":1076},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٣ إلى ١٦]","level":2,"page":1076},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1076},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":2,"page":1077},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٢٣]","level":2,"page":1077},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":2,"page":1077},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":1078},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":1078},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣١ إلى ٣٢]","level":2,"page":1078},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":2,"page":1079},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":2,"page":1079},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٩ إلى ٤١]","level":2,"page":1079},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":2,"page":1079},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٧]","level":2,"page":1079},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٨ إلى ٤٩]","level":2,"page":1080},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٠ إلى ٥٤]","level":2,"page":1080},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٥ إلى ٥٦]","level":2,"page":1080},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]","level":2,"page":1080},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٩ إلى ٦٢]","level":2,"page":1081},{"title":"(٥٤) سورة القمر","level":1,"page":1082},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1082},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1082},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":1082},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1083},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":1083},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1083},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":2,"page":1083},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٨ إلى ٢١]","level":2,"page":1084},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٢ إلى ٢٥]","level":2,"page":1084},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":2,"page":1084},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":2,"page":1085},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":2,"page":1085},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٦ إلى ٣٩]","level":2,"page":1085},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٠ إلى ٤٢]","level":2,"page":1085},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٣ إلى ٤٥]","level":2,"page":1086},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٦ إلى ٤٨]","level":2,"page":1086},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٩ إلى ٥٠]","level":2,"page":1086},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":2,"page":1086},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥٤ إلى ٥٥]","level":2,"page":1087},{"title":"(٥٥) سورة الرحمن","level":1,"page":1088},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":1088},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1088},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":1088},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٠ إلى ١٣]","level":2,"page":1089},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":2,"page":1089},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":2,"page":1089},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":2,"page":1090},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]","level":2,"page":1090},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":1090},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":2,"page":1090},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":2,"page":1091},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٧ إلى ٤٠]","level":2,"page":1091},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤١ إلى ٤٦]","level":2,"page":1091},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]","level":2,"page":1092},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥١ إلى ٥٤]","level":2,"page":1092},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٥ إلى ٥٨]","level":2,"page":1092},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٩ إلى ٦١]","level":2,"page":1093},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٢ إلى ٦٥]","level":2,"page":1093},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٦ إلى ٦٩]","level":2,"page":1093},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٠ إلى ٧٤]","level":2,"page":1093},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٥ إلى ٧٨]","level":2,"page":1093},{"title":"(٥٦) سورة الواقعة","level":1,"page":1095},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1095},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤ إلى ٧]","level":2,"page":1095},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1095},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":2,"page":1096},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1096},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٥ إلى ١٩]","level":2,"page":1096},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٠ إلى ٢٤]","level":2,"page":1096},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":1097},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٧ إلى ٣٠]","level":2,"page":1097},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":2,"page":1097},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]","level":2,"page":1097},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":1097},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":2,"page":1098},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":1098},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]","level":2,"page":1098},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":2,"page":1098},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٤ إلى ٥٦]","level":2,"page":1098},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٧ إلى ٥٩]","level":2,"page":1099},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٠ إلى ٦٢]","level":2,"page":1099},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٣ إلى ٦٧]","level":2,"page":1099},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٨ إلى ٧٠]","level":2,"page":1100},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧١ إلى ٧٤]","level":2,"page":1100},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ إلى ٧٦]","level":2,"page":1100},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٧ إلى ٨٠]","level":2,"page":1100},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨١ إلى ٨٢]","level":2,"page":1101},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٣ إلى ٨٥]","level":2,"page":1101},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٦ إلى ٨٧]","level":2,"page":1101},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٨ إلى ٩١]","level":2,"page":1101},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩٢ إلى ٩٤]","level":2,"page":1102},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩٥ إلى ٩٦]","level":2,"page":1102},{"title":"(٥٧) سورة الحديد","level":1,"page":1103},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1103},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1103},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1103},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1104},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1104},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":1104},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٣]","level":2,"page":1105},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1105},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٦]","level":2,"page":1106},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1106},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ١٩]","level":2,"page":1106},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٠]","level":2,"page":1107},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢١]","level":2,"page":1107},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":1107},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٤]","level":2,"page":1108},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":1108},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٧]","level":2,"page":1108},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٨]","level":2,"page":1109},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٩]","level":2,"page":1109},{"title":"(٥٨) سورة المجادلة","level":1,"page":1110},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١]","level":2,"page":1110},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢]","level":2,"page":1110},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٣]","level":2,"page":1110},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٤]","level":2,"page":1111},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1111},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٧]","level":2,"page":1111},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٨]","level":2,"page":1112},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1112},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ١١]","level":2,"page":1112},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":1113},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1113},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1114},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1114},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":1114},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٢]","level":2,"page":1114},{"title":"(٥٩) سورة الحشر","level":1,"page":1116},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ١]","level":2,"page":1116},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٢]","level":2,"page":1116},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1117},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٥]","level":2,"page":1117},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٦]","level":2,"page":1117},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٧]","level":2,"page":1117},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): آية ٨]","level":2,"page":1118},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1118},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":1119},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1119},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٥ إلى ١٧]","level":2,"page":1119},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":2,"page":1120},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":1120},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":1120},{"title":"(٦٠) سورة الممتحنة","level":1,"page":1122},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١]","level":2,"page":1122},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":1122},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1123},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":1123},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1123},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٠]","level":2,"page":1124},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١١]","level":2,"page":1124},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٢]","level":2,"page":1125},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٣]","level":2,"page":1125},{"title":"(٦١) سورة الصف","level":1,"page":1126},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1126},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1126},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ٦]","level":2,"page":1126},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":1127},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1127},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":1127},{"title":"[سورة الصف (٦١): آية ١٤]","level":2,"page":1128},{"title":"(٦٢) سورة الجمعة","level":1,"page":1129},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1129},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1129},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٥]","level":2,"page":1129},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":1130},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1130},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ١١]","level":2,"page":1130},{"title":"(٦٣) سورة المنافقين","level":1,"page":1132},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1132},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٣]","level":2,"page":1132},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ٤]","level":2,"page":1132},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1133},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1133},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٩ إلى ١١]","level":2,"page":1133},{"title":"(٦٤) سورة التغابن","level":1,"page":1135},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1135},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1135},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1135},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1136},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1136},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":2,"page":1136},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1136},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٦ إلى ١٨]","level":2,"page":1137},{"title":"(٦٥) سورة الطلاق","level":1,"page":1138},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١]","level":2,"page":1138},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٢]","level":2,"page":1138},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ٣]","level":2,"page":1139},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1139},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":1139},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1140},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1140},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢]","level":2,"page":1141},{"title":"(٦٦) سورة التحريم","level":1,"page":1142},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1142},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1142},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٥]","level":2,"page":1143},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":1143},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٨]","level":2,"page":1143},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1144},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":1144},{"title":"(٦٧) سورة الملك","level":1,"page":1146},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1146},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1146},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٥]","level":2,"page":1147},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":1147},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1147},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1147},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":1148},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1148},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1148},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1148},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":1149},{"title":"[سورة الملك (٦٧): آية ٢٢]","level":2,"page":1149},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":1149},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]","level":2,"page":1149},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":1150},{"title":"(٦٨) سورة ن","level":1,"page":1151},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":1151},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":1151},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1151},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٠ إلى ١٣]","level":2,"page":1152},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":2,"page":1152},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1152},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":2,"page":1153},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":1153},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]","level":2,"page":1153},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]","level":2,"page":1154},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":2,"page":1154},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]","level":2,"page":1154},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":2,"page":1154},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٢ إلى ٤٣]","level":2,"page":1155},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٤ إلى ٤٧]","level":2,"page":1155},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":2,"page":1155},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٥١ إلى ٥٢]","level":2,"page":1156},{"title":"(٦٩) سورة الحاقة","level":1,"page":1157},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1157},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤ إلى ٨]","level":2,"page":1157},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":2,"page":1158},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":2,"page":1158},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1158},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":2,"page":1159},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":2,"page":1159},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢٥ إلى ٢٩]","level":2,"page":1159},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٠ إلى ٣٢]","level":2,"page":1160},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٣ إلى ٣٧]","level":2,"page":1160},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":1160},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":2,"page":1160},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٤ إلى ٤٧]","level":2,"page":1161},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٨ إلى ٥٢]","level":2,"page":1161},{"title":"(٧٠) سورة المعارج","level":1,"page":1162},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1162},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1162},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٥ إلى ٩]","level":2,"page":1162},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٠ إلى ١٤]","level":2,"page":1163},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٥ إلى ١٨]","level":2,"page":1163},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":2,"page":1164},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٢ إلى ٢٦]","level":2,"page":1164},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٧ إلى ٣١]","level":2,"page":1164},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":2,"page":1164},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٦ إلى ٣٨]","level":2,"page":1165},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٩ إلى ٤١]","level":2,"page":1165},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":2,"page":1165},{"title":"(٧١) سورة نوح","level":1,"page":1166},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":1166},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٥ إلى ٩]","level":2,"page":1166},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":2,"page":1167},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1167},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1167},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":2,"page":1167},{"title":"[سورة نوح (٧١): آية ٢١]","level":2,"page":1168},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":1168},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":1168},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":2,"page":1168},{"title":"(٧٢) سورة الجن","level":1,"page":1169},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1169},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٣ إلى ٥]","level":2,"page":1169},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":1170},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1170},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1170},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":2,"page":1170},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1171},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1171},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1171},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":1171},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٢ إلى ٢٤]","level":2,"page":1171},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٧]","level":2,"page":1172},{"title":"[سورة الجن (٧٢): آية ٢٨]","level":2,"page":1172},{"title":"(٧٣) سورة المزمل","level":1,"page":1173},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1173},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٣ إلى ٥]","level":2,"page":1173},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":1174},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1174},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1174},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":2,"page":1174},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1175},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":2,"page":1175},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٢٠]","level":2,"page":1175},{"title":"(٧٤) سورة المدثر","level":1,"page":1177},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1177},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1177},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":1177},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":1178},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":2,"page":1178},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1178},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٦ إلى ١٧]","level":2,"page":1178},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٨ إلى ٢٠]","level":2,"page":1178},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢١ إلى ٢٥]","level":2,"page":1179},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢٦ إلى ٣٠]","level":2,"page":1179},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): آية ٣١]","level":2,"page":1180},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":2,"page":1180},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":1180},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٨ إلى ٤٢]","level":2,"page":1181},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٣ إلى ٤٨]","level":2,"page":1181},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٩ إلى ٥٢]","level":2,"page":1181},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٥٣ إلى ٥٦]","level":2,"page":1181},{"title":"(٧٥) سورة القيامة","level":1,"page":1183},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1183},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1183},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":2,"page":1183},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":2,"page":1184},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٤ إلى ١٩]","level":2,"page":1184},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٠ إلى ٢٣]","level":2,"page":1184},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٤ إلى ٢٥]","level":2,"page":1185},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]","level":2,"page":1185},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]","level":2,"page":1185},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣١ إلى ٣٣]","level":2,"page":1185},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]","level":2,"page":1185},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٦ إلى ٤٠]","level":2,"page":1186},{"title":"(٧٦) سورة الإنسان","level":1,"page":1187},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1187},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1187},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1187},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1188},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1188},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":1188},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1189},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٥ إلى ١٨]","level":2,"page":1189},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1189},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":1190},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٣ إلى ٢٤]","level":2,"page":1190},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":1190},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":1190},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":2,"page":1191},{"title":"(٧٧) سورة المرسلات","level":1,"page":1192},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":1192},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٦ إلى ١٠]","level":2,"page":1192},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١١ إلى ١٥]","level":2,"page":1193},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٦ إلى ١٩]","level":2,"page":1193},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٠ إلى ٢٤]","level":2,"page":1193},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٥ إلى ٢٨]","level":2,"page":1193},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٩ إلى ٣١]","level":2,"page":1194},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٢ إلى ٣٣]","level":2,"page":1194},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]","level":2,"page":1194},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٨ إلى ٤٠]","level":2,"page":1195},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤١ إلى ٤٥]","level":2,"page":1195},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤٦ إلى ٤٧]","level":2,"page":1195},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤٨ إلى ٥٠]","level":2,"page":1195},{"title":"(٧٨) سورة النبأ","level":1,"page":1196},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1196},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1196},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":1196},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٩ إلى ١٣]","level":2,"page":1196},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٤ إلى ١٦]","level":2,"page":1197},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1197},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1197},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢١ إلى ٢٣]","level":2,"page":1197},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":2,"page":1198},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٧ إلى ٢٨]","level":2,"page":1198},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٩ إلى ٣٠]","level":2,"page":1198},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ إلى ٣٥]","level":2,"page":1199},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":1199},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":1199},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): آية ٤٠]","level":2,"page":1199},{"title":"(٧٩) سورة النازعات","level":1,"page":1200},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":1200},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٦ إلى ٩]","level":2,"page":1200},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":2,"page":1201},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1201},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٥ إلى ١٩]","level":2,"page":1201},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":2,"page":1201},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٣ إلى ٢٦]","level":2,"page":1202},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]","level":2,"page":1202},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]","level":2,"page":1202},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٤ إلى ٣٩]","level":2,"page":1202},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٠ إلى ٤١]","level":2,"page":1203},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٢ إلى ٤٤]","level":2,"page":1203},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٥ إلى ٤٦]","level":2,"page":1203},{"title":"(٨٠) سورة عبس","level":1,"page":1204},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":1204},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":1204},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":1204},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١١ إلى ١٦]","level":2,"page":1204},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":2,"page":1205},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٠ إلى ٢٢]","level":2,"page":1205},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":1205},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٦ إلى ٢٨]","level":2,"page":1205},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٩ إلى ٣٢]","level":2,"page":1206},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٣ إلى ٣٧]","level":2,"page":1206},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٨ إلى ٤٢]","level":2,"page":1206},{"title":"(٨١) سورة التكوير","level":1,"page":1207},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1207},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ٤ إلى ٧]","level":2,"page":1207},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":1207},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١١ إلى ١٤]","level":2,"page":1208},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٥ إلى ١٨]","level":2,"page":1208},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":2,"page":1208},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ٢٣ إلى ٢٥]","level":2,"page":1208},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]","level":2,"page":1209},{"title":"(٨٢) سورة الانفطار","level":1,"page":1210},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":1210},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":1210},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1210},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":2,"page":1210},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٣ إلى ١٦]","level":2,"page":1211},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":2,"page":1211},{"title":"(٨٣) سورة المطففين","level":1,"page":1212},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1212},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1212},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٧ إلى ٩]","level":2,"page":1212},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٠ إلى ١٣]","level":2,"page":1213},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٤ إلى ١٧]","level":2,"page":1213},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٨ إلى ٢٣]","level":2,"page":1213},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٤ إلى ٢٨]","level":2,"page":1213},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٣]","level":2,"page":1214},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":2,"page":1214},{"title":"(٨٤) سورة الانشقاق","level":1,"page":1215},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":1215},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٦ إلى ٩]","level":2,"page":1215},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":2,"page":1215},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٣ إلى ١٥]","level":2,"page":1216},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٦ إلى ١٩]","level":2,"page":1216},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٢٠ إلى ٢١]","level":2,"page":1216},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٢٢ إلى ٢٥]","level":2,"page":1216},{"title":"(٨٥) سورة البروج","level":1,"page":1218},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1218},{"title":"[سورة البروج (٨٥): آية ٤]","level":2,"page":1218},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":1219},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1219},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":2,"page":1219},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٢ إلى ١٦]","level":2,"page":1219},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":2,"page":1220},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٢١ إلى ٢٢]","level":2,"page":1220},{"title":"(٨٦) سورة الطارق","level":1,"page":1221},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":1221},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":1221},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":1221},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":2,"page":1222},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١٣ إلى ١٧]","level":2,"page":1222},{"title":"(٨٧) سورة الأعلى","level":1,"page":1223},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1223},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٣ إلى ٥]","level":2,"page":1223},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":1223},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":1223},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":2,"page":1224},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ إلى ١٧]","level":2,"page":1224},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":2,"page":1224},{"title":"(٨٨) سورة الغاشية","level":1,"page":1225},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٨ إلى ١١]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٢ إلى ١٦]","level":2,"page":1225},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1226},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1226},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢١ إلى ٢٤]","level":2,"page":1226},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢٥ إلى ٢٦]","level":2,"page":1226},{"title":"(٨٩) سورة الفجر","level":1,"page":1227},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1227},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1227},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":1227},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":2,"page":1228},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1228},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1228},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":2,"page":1228},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢١ إلى ٢٣]","level":2,"page":1229},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٦]","level":2,"page":1229},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٧ إلى ٣٠]","level":2,"page":1229},{"title":"(٩٠) سورة البلد","level":1,"page":1231},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1231},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1231},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ٧ إلى ١٠]","level":2,"page":1231},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ إلى ١٦]","level":2,"page":1232},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":1232},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":1232},{"title":"(٩١) سورة الشمس","level":1,"page":1233},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1233},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1233},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1233},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ٩ إلى ١٠]","level":2,"page":1233},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":2,"page":1234},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":2,"page":1234},{"title":"(٩٢) سورة والليل","level":1,"page":1235},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٤ إلى ١٨]","level":2,"page":1235},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٩ إلى ٢١]","level":2,"page":1236},{"title":"(٩٣) سورة والضحى","level":1,"page":1237},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1237},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1237},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":1237},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٩ إلى ١١]","level":2,"page":1238},{"title":"(٩٤) سورة ألم نشرح","level":1,"page":1239},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1239},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1239},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1239},{"title":"(٩٥) سورة والتين","level":1,"page":1241},{"title":"[سورة التين (٩٥): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1241},{"title":"[سورة التين (٩٥): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1241},{"title":"[سورة التين (٩٥): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1241},{"title":"(٩٦) سورة العلق","level":1,"page":1243},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1243},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٣ إلى ٥]","level":2,"page":1243},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":1243},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":2,"page":1243},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٣ إلى ١٤]","level":2,"page":1244},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":1244},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٧ إلى ١٩]","level":2,"page":1244},{"title":"(٩٧) سورة القدر","level":1,"page":1245},{"title":"[سورة القدر (٩٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1245},{"title":"[سورة القدر (٩٧): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1245},{"title":"(٩٨) سورة لم يكن","level":1,"page":1246},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ١]","level":2,"page":1246},{"title":"[سورة البينة (٩٨): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":1246},{"title":"[سورة البينة (٩٨): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1246},{"title":"[سورة البينة (٩٨): آية ٦]","level":2,"page":1246},{"title":"[سورة البينة (٩٨): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1247},{"title":"(٩٩) سورة الزلزلة","level":1,"page":1248},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1248},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1248},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":1248},{"title":"(١٠٠) سورة والعاديات","level":1,"page":1249},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ إلى ٥]","level":2,"page":1249},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ٦ إلى ٨]","level":2,"page":1249},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ٩ إلى ١١]","level":2,"page":1249},{"title":"(١٠١) سورة القارعة","level":1,"page":1251},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ إلى ١١]","level":2,"page":1251},{"title":"(١٠٢) سورة التكاثر","level":1,"page":1252},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1252},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1252},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٧ إلى ٨]","level":2,"page":1252},{"title":"(١٠٣) سورة والعصر","level":1,"page":1254},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1254},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): آية ٣]","level":2,"page":1254},{"title":"(١٠٤) سورة الهمزة","level":1,"page":1255},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1255},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ٤ إلى ٧]","level":2,"page":1255},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ٨ إلى ٩]","level":2,"page":1255},{"title":"(١٠٥) سورة الفيل","level":1,"page":1257},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1257},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ٣ إلى ٥]","level":2,"page":1257},{"title":"(١٠٦) سورة قريش","level":1,"page":1258},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1258},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1258},{"title":"(١٠٧) سورة الماعون","level":1,"page":1259},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1259},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ٤ إلى ٧]","level":2,"page":1259},{"title":"(١٠٨) سورة الكوثر","level":1,"page":1260},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1260},{"title":"(١٠٩) سورة الكافرون","level":1,"page":1261},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1261},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1261},{"title":"(١١٠) سورة النصر","level":1,"page":1262},{"title":"[سورة النصر (١١٠): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1262},{"title":"[سورة النصر (١١٠): آية ٣]","level":2,"page":1262},{"title":"(١١١) سورة تبت","level":1,"page":1263},{"title":"[سورة المسد (١١١): آية ١]","level":2,"page":1263},{"title":"[سورة المسد (١١١): الآيات ٢ إلى ٣]","level":2,"page":1263},{"title":"[سورة المسد (١١١): الآيات ٤ إلى ٥]","level":2,"page":1263},{"title":"(١١٢) سورة الإخلاص","level":1,"page":1265},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1265},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1265},{"title":"(١١٣) سورة الفلق","level":1,"page":1266},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":1266},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":1266},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): آية ٥]","level":2,"page":1266},{"title":"(١١٤) سورة الناس","level":1,"page":1268},{"title":"[سورة الناس (١١٤): الآيات ١ إلى ٣]","level":2,"page":1268},{"title":"[سورة الناس (١١٤): الآيات ٤ إلى ٦]","level":2,"page":1268},{"title":"محتوى الجزء الخامس من تفسير البيضاوي","level":2,"page":1270}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,9":4,"1,10":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,23":16,"1,25":17,"1,26":18,"1,27":19,"1,28":20,"1,29":21,"1,30":22,"1,31":23,"1,32":24,"1,33":25,"1,34":26,"1,35":27,"1,36":28,"1,37":29,"1,38":30,"1,39":31,"1,40":32,"1,41":33,"1,42":34,"1,43":35,"1,44":36,"1,45":37,"1,46":38,"1,47":39,"1,48":40,"1,49":41,"1,50":42,"1,51":43,"1,52":44,"1,53":45,"1,54":46,"1,55":47,"1,56":48,"1,57":49,"1,58":50,"1,59":51,"1,60":52,"1,61":53,"1,62":54,"1,63":55,"1,64":56,"1,65":57,"1,66":58,"1,67":59,"1,68":60,"1,69":61,"1,70":62,"1,71":63,"1,72":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,82":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,150":142,"1,151":143,"1,152":144,"1,153":145,"1,154":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,157":149,"1,158":150,"1,159":151,"1,160":152,"1,161":153,"1,162":154,"1,163":155,"1,164":156,"1,165":157,"1,166":158,"1,167":159,"1,169":160,"1,170":161,"1,171":162,"1,172":163,"2,5":164,"2,6":165,"2,7":166,"2,8":167,"2,9":168,"2,10":169,"2,11":170,"2,12":171,"2,13":172,"2,14":173,"2,15":174,"2,16":175,"2,17":176,"2,18":177,"2,19":178,"2,20":179,"2,21":180,"2,22":181,"2,23":182,"2,24":183,"2,25":184,"2,26":185,"2,27":186,"2,28":187,"2,29":188,"2,30":189,"2,31":190,"2,32":191,"2,33":192,"2,34":193,"2,35":194,"2,36":195,"2,37":196,"2,38":197,"2,39":198,"2,40":199,"2,41":200,"2,42":201,"2,43":202,"2,44":203,"2,45":204,"2,46":205,"2,47":206,"2,48":207,"2,49":208,"2,50":209,"2,51":210,"2,52":211,"2,53":212,"2,54":213,"2,55":214,"2,56":215,"2,57":216,"2,58":217,"2,59":218,"2,60":219,"2,61":220,"2,62":221,"2,63":222,"2,64":223,"2,65":224,"2,66":225,"2,67":226,"2,68":227,"2,69":228,"2,70":229,"2,71":230,"2,72":231,"2,73":232,"2,74":233,"2,75":234,"2,76":235,"2,77":236,"2,78":237,"2,79":238,"2,80":239,"2,81":240,"2,82":241,"2,83":242,"2,84":243,"2,85":244,"2,86":245,"2,87":246,"2,88":247,"2,89":248,"2,90":249,"2,91":250,"2,92":251,"2,93":252,"2,94":253,"2,95":254,"2,96":255,"2,97":256,"2,98":257,"2,99":258,"2,100":259,"2,101":260,"2,102":261,"2,103":262,"2,104":263,"2,105":264,"2,106":265,"2,107":266,"2,108":267,"2,109":268,"2,110":269,"2,111":270,"2,112":271,"2,113":272,"2,114":273,"2,115":274,"2,116":275,"2,117":276,"2,118":277,"2,119":278,"2,120":279,"2,121":280,"2,122":281,"2,123":282,"2,124":283,"2,125":284,"2,126":285,"2,127":286,"2,128":287,"2,129":288,"2,130":289,"2,131":290,"2,132":291,"2,133":292,"2,134":293,"2,135":294,"2,136":295,"2,137":296,"2,138":297,"2,139":298,"2,140":299,"2,141":300,"2,142":301,"2,143":302,"2,144":303,"2,145":304,"2,146":305,"2,147":306,"2,148":307,"2,149":308,"2,150":309,"2,151":310,"2,152":311,"2,153":312,"2,154":313,"2,155":314,"2,156":315,"2,157":316,"2,158":317,"2,159":318,"2,160":319,"2,161":320,"2,162":321,"2,163":322,"2,164":323,"2,165":324,"2,166":325,"2,167":326,"2,168":327,"2,169":328,"2,170":329,"2,171":330,"2,172":331,"2,173":332,"2,174":333,"2,175":334,"2,176":335,"2,177":336,"2,178":337,"2,179":338,"2,180":339,"2,181":340,"2,182":341,"2,183":342,"2,184":343,"2,185":344,"2,186":345,"2,187":346,"2,188":347,"2,189":348,"2,190":349,"2,191":350,"2,192":351,"2,193":352,"2,194":353,"2,195":354,"3,5":355,"3,6":356,"3,7":357,"3,8":358,"3,9":359,"3,10":360,"3,11":361,"3,12":362,"3,13":363,"3,14":364,"3,15":365,"3,16":366,"3,17":367,"3,18":368,"3,19":369,"3,20":370,"3,21":371,"3,22":372,"3,23":373,"3,24":374,"3,25":375,"3,26":376,"3,27":377,"3,28":378,"3,29":379,"3,30":380,"3,31":381,"3,32":382,"3,33":383,"3,34":384,"3,35":385,"3,36":386,"3,37":387,"3,38":388,"3,39":389,"3,40":390,"3,41":391,"3,42":392,"3,43":393,"3,44":394,"3,45":395,"3,46":396,"3,47":397,"3,48":398,"3,49":399,"3,50":400,"3,51":401,"3,52":402,"3,53":403,"3,54":404,"3,55":405,"3,56":406,"3,57":407,"3,58":408,"3,59":409,"3,60":410,"3,61":411,"3,62":412,"3,63":413,"3,64":414,"3,65":415,"3,66":416,"3,67":417,"3,68":418,"3,69":419,"3,70":420,"3,71":421,"3,72":422,"3,73":423,"3,74":424,"3,75":425,"3,76":426,"3,77":427,"3,78":428,"3,79":429,"3,80":430,"3,81":431,"3,82":432,"3,83":433,"3,84":434,"3,85":435,"3,86":436,"3,87":437,"3,88":438,"3,89":439,"3,90":440,"3,91":441,"3,92":442,"3,93":443,"3,94":444,"3,95":445,"3,96":446,"3,97":447,"3,98":448,"3,99":449,"3,100":450,"3,101":451,"3,102":452,"3,103":453,"3,104":454,"3,105":455,"3,106":456,"3,107":457,"3,108":458,"3,109":459,"3,110":460,"3,111":461,"3,112":462,"3,113":463,"3,114":464,"3,115":465,"3,116":466,"3,117":467,"3,118":468,"3,119":469,"3,120":470,"3,121":471,"3,122":472,"3,123":473,"3,124":474,"3,125":475,"3,126":476,"3,127":477,"3,128":478,"3,129":479,"3,130":480,"3,131":481,"3,132":482,"3,133":483,"3,134":484,"3,135":485,"3,136":486,"3,137":487,"3,138":488,"3,139":489,"3,140":490,"3,141":491,"3,142":492,"3,143":493,"3,144":494,"3,145":495,"3,146":496,"3,147":497,"3,148":498,"3,149":499,"3,150":500,"3,151":501,"3,152":502,"3,153":503,"3,154":504,"3,155":505,"3,156":506,"3,157":507,"3,158":508,"3,159":509,"3,160":510,"3,161":511,"3,162":512,"3,163":513,"3,164":514,"3,165":515,"3,166":516,"3,167":517,"3,168":518,"3,169":519,"3,170":520,"3,171":521,"3,172":522,"3,173":523,"3,174":524,"3,175":525,"3,176":526,"3,177":527,"3,178":528,"3,179":529,"3,180":530,"3,181":531,"3,182":532,"3,183":533,"3,184":534,"3,185":535,"3,186":536,"3,187":537,"3,188":538,"3,189":539,"3,190":540,"3,191":541,"3,192":542,"3,193":543,"3,194":544,"3,195":545,"3,196":546,"3,197":547,"3,198":548,"3,199":549,"3,200":550,"3,201":551,"3,202":552,"3,203":553,"3,204":554,"3,205":555,"3,206":556,"3,207":557,"3,208":558,"3,209":559,"3,210":560,"3,211":561,"3,212":562,"3,213":563,"3,214":564,"3,215":565,"3,216":566,"3,217":567,"3,218":568,"3,219":569,"3,220":570,"3,221":571,"3,222":572,"3,223":573,"3,224":574,"3,225":575,"3,226":576,"3,227":577,"3,228":578,"3,229":579,"3,230":580,"3,231":581,"3,232":582,"3,233":583,"3,234":584,"3,235":585,"3,236":586,"3,237":587,"3,238":588,"3,239":589,"3,240":590,"3,241":591,"3,242":592,"3,243":593,"3,244":594,"3,245":595,"3,246":596,"3,247":597,"3,248":598,"3,249":599,"3,250":600,"3,251":601,"3,252":602,"3,253":603,"3,254":604,"3,255":605,"3,256":606,"3,257":607,"3,258":608,"3,259":609,"3,260":610,"3,261":611,"3,262":612,"3,263":613,"3,264":614,"3,265":615,"3,266":616,"3,267":617,"3,268":618,"3,269":619,"3,270":620,"3,271":621,"3,272":622,"3,273":623,"3,274":624,"3,275":625,"3,276":626,"3,277":627,"3,278":628,"3,279":629,"3,280":630,"3,281":631,"3,282":632,"3,283":633,"3,284":634,"3,285":635,"3,286":636,"3,287":637,"3,288":638,"3,289":639,"3,290":640,"3,291":641,"3,292":642,"3,293":643,"3,294":644,"3,295":645,"3,297":646,"3,298":647,"3,299":648,"4,5":649,"4,6":650,"4,7":651,"4,8":652,"4,9":653,"4,10":654,"4,11":655,"4,12":656,"4,13":657,"4,14":658,"4,15":659,"4,16":660,"4,17":661,"4,18":662,"4,19":663,"4,20":664,"4,21":665,"4,22":666,"4,23":667,"4,24":668,"4,25":669,"4,26":670,"4,27":671,"4,28":672,"4,29":673,"4,30":674,"4,31":675,"4,32":676,"4,33":677,"4,34":678,"4,35":679,"4,36":680,"4,37":681,"4,38":682,"4,39":683,"4,40":684,"4,41":685,"4,42":686,"4,43":687,"4,44":688,"4,45":689,"4,46":690,"4,47":691,"4,48":692,"4,49":693,"4,50":694,"4,51":695,"4,52":696,"4,53":697,"4,54":698,"4,55":699,"4,56":700,"4,57":701,"4,58":702,"4,59":703,"4,60":704,"4,61":705,"4,62":706,"4,63":707,"4,64":708,"4,65":709,"4,66":710,"4,67":711,"4,68":712,"4,69":713,"4,70":714,"4,71":715,"4,72":716,"4,73":717,"4,74":718,"4,75":719,"4,76":720,"4,77":721,"4,78":722,"4,79":723,"4,80":724,"4,81":725,"4,82":726,"4,83":727,"4,84":728,"4,85":729,"4,86":730,"4,87":731,"4,88":732,"4,89":733,"4,90":734,"4,91":735,"4,92":736,"4,93":737,"4,94":738,"4,95":739,"4,96":740,"4,97":741,"4,98":742,"4,99":743,"4,100":744,"4,101":745,"4,102":746,"4,103":747,"4,104":748,"4,105":749,"4,106":750,"4,107":751,"4,108":752,"4,109":753,"4,110":754,"4,111":755,"4,112":756,"4,113":757,"4,114":758,"4,115":759,"4,116":760,"4,117":761,"4,118":762,"4,119":763,"4,120":764,"4,121":765,"4,122":766,"4,123":767,"4,124":768,"4,125":769,"4,126":770,"4,127":771,"4,128":772,"4,129":773,"4,130":774,"4,131":775,"4,132":776,"4,133":777,"4,134":778,"4,135":779,"4,136":780,"4,137":781,"4,138":782,"4,139":783,"4,140":784,"4,141":785,"4,142":786,"4,143":787,"4,144":788,"4,145":789,"4,146":790,"4,147":791,"4,148":792,"4,149":793,"4,150":794,"4,151":795,"4,152":796,"4,153":797,"4,154":798,"4,155":799,"4,156":800,"4,157":801,"4,158":802,"4,159":803,"4,160":804,"4,161":805,"4,162":806,"4,163":807,"4,164":808,"4,165":809,"4,166":810,"4,167":811,"4,168":812,"4,169":813,"4,170":814,"4,171":815,"4,172":816,"4,173":817,"4,174":818,"4,175":819,"4,176":820,"4,177":821,"4,178":822,"4,179":823,"4,180":824,"4,181":825,"4,182":826,"4,183":827,"4,184":828,"4,185":829,"4,186":830,"4,187":831,"4,188":832,"4,189":833,"4,190":834,"4,191":835,"4,192":836,"4,193":837,"4,194":838,"4,195":839,"4,196":840,"4,197":841,"4,198":842,"4,199":843,"4,200":844,"4,201":845,"4,202":846,"4,203":847,"4,204":848,"4,205":849,"4,206":850,"4,207":851,"4,208":852,"4,209":853,"4,210":854,"4,211":855,"4,212":856,"4,213":857,"4,214":858,"4,215":859,"4,216":860,"4,217":861,"4,218":862,"4,219":863,"4,220":864,"4,221":865,"4,222":866,"4,223":867,"4,224":868,"4,225":869,"4,226":870,"4,227":871,"4,228":872,"4,229":873,"4,230":874,"4,231":875,"4,232":876,"4,233":877,"4,234":878,"4,235":879,"4,236":880,"4,237":881,"4,238":882,"4,239":883,"4,240":884,"4,241":885,"4,242":886,"4,243":887,"4,244":888,"4,245":889,"4,246":890,"4,247":891,"4,248":892,"4,249":893,"4,250":894,"4,251":895,"4,252":896,"4,253":897,"4,254":898,"4,255":899,"4,256":900,"4,257":901,"4,258":902,"4,259":903,"4,260":904,"4,261":905,"4,262":906,"4,263":907,"4,264":908,"4,265":909,"4,266":910,"4,267":911,"4,268":912,"4,269":913,"4,270":914,"4,271":915,"4,272":916,"4,273":917,"4,274":918,"4,275":919,"4,277":920,"4,278":921,"4,279":922,"5,5":923,"5,6":924,"5,7":925,"5,8":926,"5,9":927,"5,10":928,"5,11":929,"5,12":930,"5,13":931,"5,14":932,"5,15":933,"5,16":934,"5,17":935,"5,18":936,"5,19":937,"5,20":938,"5,21":939,"5,22":940,"5,23":941,"5,24":942,"5,25":943,"5,26":944,"5,27":945,"5,28":946,"5,29":947,"5,30":948,"5,31":949,"5,32":950,"5,33":951,"5,34":952,"5,35":953,"5,36":954,"5,37":955,"5,38":956,"5,39":957,"5,40":958,"5,41":959,"5,42":960,"5,43":961,"5,44":962,"5,45":963,"5,46":964,"5,47":965,"5,48":966,"5,49":967,"5,50":968,"5,51":969,"5,52":970,"5,53":971,"5,54":972,"5,55":973,"5,56":974,"5,57":975,"5,58":976,"5,59":977,"5,60":978,"5,61":979,"5,62":980,"5,63":981,"5,64":982,"5,65":983,"5,66":984,"5,67":985,"5,68":986,"5,69":987,"5,70":988,"5,71":989,"5,72":990,"5,73":991,"5,74":992,"5,75":993,"5,76":994,"5,77":995,"5,78":996,"5,79":997,"5,80":998,"5,81":999,"5,82":1000,"5,83":1001,"5,84":1002,"5,85":1003,"5,86":1004,"5,87":1005,"5,88":1006,"5,89":1007,"5,90":1008,"5,91":1009,"5,92":1010,"5,93":1011,"5,94":1012,"5,95":1013,"5,96":1014,"5,97":1015,"5,98":1016,"5,99":1017,"5,100":1018,"5,101":1019,"5,102":1020,"5,103":1021,"5,104":1022,"5,105":1023,"5,106":1024,"5,107":1025,"5,108":1026,"5,109":1027,"5,110":1028,"5,111":1029,"5,112":1030,"5,113":1031,"5,114":1032,"5,115":1033,"5,116":1034,"5,117":1035,"5,118":1036,"5,119":1037,"5,120":1038,"5,121":1039,"5,122":1040,"5,123":1041,"5,124":1042,"5,125":1043,"5,126":1044,"5,127":1045,"5,128":1046,"5,129":1047,"5,130":1048,"5,131":1049,"5,132":1050,"5,133":1051,"5,134":1052,"5,135":1053,"5,136":1054,"5,137":1055,"5,138":1056,"5,139":1057,"5,140":1058,"5,141":1059,"5,142":1060,"5,143":1061,"5,144":1062,"5,145":1063,"5,146":1064,"5,147":1065,"5,148":1066,"5,149":1067,"5,150":1068,"5,151":1069,"5,152":1070,"5,153":1071,"5,154":1072,"5,155":1073,"5,156":1074,"5,157":1075,"5,158":1076,"5,159":1077,"5,160":1078,"5,161":1079,"5,162":1080,"5,163":1081,"5,164":1082,"5,165":1083,"5,166":1084,"5,167":1085,"5,168":1086,"5,169":1087,"5,170":1088,"5,171":1089,"5,172":1090,"5,173":1091,"5,174":1092,"5,175":1093,"5,176":1094,"5,177":1095,"5,178":1096,"5,179":1097,"5,180":1098,"5,181":1099,"5,182":1100,"5,183":1101,"5,184":1102,"5,185":1103,"5,186":1104,"5,187":1105,"5,188":1106,"5,189":1107,"5,190":1108,"5,191":1109,"5,192":1110,"5,193":1111,"5,194":1112,"5,195":1113,"5,196":1114,"5,197":1115,"5,198":1116,"5,199":1117,"5,200":1118,"5,201":1119,"5,202":1120,"5,203":1121,"5,204":1122,"5,205":1123,"5,206":1124,"5,207":1125,"5,208":1126,"5,209":1127,"5,210":1128,"5,211":1129,"5,212":1130,"5,213":1131,"5,214":1132,"5,215":1133,"5,216":1134,"5,217":1135,"5,218":1136,"5,219":1137,"5,220":1138,"5,221":1139,"5,222":1140,"5,223":1141,"5,224":1142,"5,225":1143,"5,226":1144,"5,227":1145,"5,228":1146,"5,229":1147,"5,230":1148,"5,231":1149,"5,232":1150,"5,233":1151,"5,234":1152,"5,235":1153,"5,236":1154,"5,237":1155,"5,238":1156,"5,239":1157,"5,240":1158,"5,241":1159,"5,242":1160,"5,243":1161,"5,244":1162,"5,245":1163,"5,246":1164,"5,247":1165,"5,248":1166,"5,249":1167,"5,250":1168,"5,251":1169,"5,252":1170,"5,253":1171,"5,254":1172,"5,255":1173,"5,256":1174,"5,257":1175,"5,258":1176,"5,259":1177,"5,260":1178,"5,261":1179,"5,262":1180,"5,263":1181,"5,264":1182,"5,265":1183,"5,266":1184,"5,267":1185,"5,268":1186,"5,269":1187,"5,270":1188,"5,271":1189,"5,272":1190,"5,273":1191,"5,274":1192,"5,275":1193,"5,276":1194,"5,277":1195,"5,278":1196,"5,279":1197,"5,280":1198,"5,281":1199,"5,282":1200,"5,283":1201,"5,284":1202,"5,285":1203,"5,286":1204,"5,287":1205,"5,288":1206,"5,289":1207,"5,290":1208,"5,291":1209,"5,292":1210,"5,293":1211,"5,294":1212,"5,295":1213,"5,296":1214,"5,297":1215,"5,298":1216,"5,299":1217,"5,300":1218,"5,301":1219,"5,302":1220,"5,303":1221,"5,304":1222,"5,305":1223,"5,306":1224,"5,307":1225,"5,308":1226,"5,309":1227,"5,310":1228,"5,311":1229,"5,312":1230,"5,313":1231,"5,314":1232,"5,315":1233,"5,316":1234,"5,317":1235,"5,318":1236,"5,319":1237,"5,320":1238,"5,321":1239,"5,322":1240,"5,323":1241,"5,324":1242,"5,325":1243,"5,326":1244,"5,327":1245,"5,328":1246,"5,329":1247,"5,330":1248,"5,331":1249,"5,332":1250,"5,333":1251,"5,334":1252,"5,335":1253,"5,336":1254,"5,337":1255,"5,338":1256,"5,339":1257,"5,340":1258,"5,341":1259,"5,342":1260,"5,343":1261,"5,344":1262,"5,345":1263,"5,346":1264,"5,347":1265,"5,348":1266,"5,349":1267,"5,350":1268,"5,351":1269,"5,353":1270,"5,354":1271,"5,355":1272,"5,356":1273},"ٜ":{"1":[5,172],"2":[5,195],"3":[5,299],"4":[5,279],"5":[5,356]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,169","1,170","1,171","1,172","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,297","3,298","3,299","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,277","4,278","4,279","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,353","5,354","5,355","5,356"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2,3,4,5],"5":[6],"6":[7],"7":[8,9],"9":[10,11,12],"11":[13],"12":[14],"16":[15],"17":[16,17],"19":[18],"20":[19,20],"22":[21,22],"25":[23,24],"27":[25],"29":[26],"31":[27],"32":[28,29],"34":[30],"35":[31],"36":[32],"37":[33],"38":[34,35,36],"39":[37],"40":[38,39],"41":[40],"42":[41],"43":[42],"44":[43],"46":[44],"47":[45],"48":[46],"50":[47],"51":[48],"54":[49],"56":[50],"57":[51],"58":[52],"59":[53],"61":[54,55],"62":[56,57],"64":[58,59],"65":[60,61],"66":[62],"67":[63],"68":[64,65],"69":[66,67,68],"70":[69,70,71],"71":[72,73],"72":[74,75,76],"73":[77,78],"74":[79,80],"75":[81,82],"76":[83],"77":[84,85],"78":[86,87,88],"79":[89,90,91],"80":[92],"81":[93,94,95],"82":[96,97],"83":[98,99,100],"84":[101,102],"85":[103,104,105],"86":[106,107,108],"87":[109,110,111],"88":[112,113],"89":[114,115],"90":[116,117],"91":[118,119],"92":[120,121,122],"93":[123,124],"94":[125,126,127],"95":[128,129,130],"96":[131,132,133],"97":[134,135],"98":[136,137],"99":[138,139,140],"100":[141,142,143],"101":[144,145,146,147],"102":[148,149,150],"103":[151],"104":[152,153],"105":[154,155],"106":[156,157,158],"107":[159,160,161],"108":[162,163,164],"109":[165],"110":[166,167,168,169],"111":[170,171,172],"112":[173,174,175],"113":[176],"114":[177,178],"115":[179,180],"116":[181,182],"117":[183,184],"118":[185],"119":[186,187],"120":[188,189,190,191],"121":[192],"122":[193],"123":[194,195],"124":[196,197,198],"125":[199,200,201,202],"126":[203,204,205],"127":[206,207],"128":[208,209,210],"129":[211,212],"130":[213,214],"131":[215,216],"132":[217,218,219],"133":[220],"134":[221,222],"135":[223,224],"136":[225],"137":[226,227],"138":[228],"139":[229,230,231],"140":[232,233,234],"141":[235,236],"142":[237,238],"143":[239],"144":[240,241,242],"145":[243,244],"146":[245],"147":[246,247],"148":[248],"149":[249,250],"150":[251,252,253],"151":[254,255],"152":[256,257,258],"153":[259,260,261],"154":[262,263,264],"155":[265,266,267],"157":[268,269],"158":[270,271],"160":[272],"164":[273,274,275,276],"165":[277],"166":[278,279,280,281],"167":[282,283],"168":[284,285,286],"169":[287,288,289],"170":[290,291,292],"171":[293,294,295],"172":[296,297,298],"173":[299,300],"174":[301,302],"175":[303,304,305],"176":[306,307,308],"177":[309,310],"178":[311,312,313],"179":[314,315,316,317],"180":[318,319,320],"181":[321,322,323,324],"182":[325,326,327],"183":[328,329,330],"184":[331,332,333],"185":[334,335,336,337],"186":[338,339,340,341],"187":[342,343,344],"188":[345,346],"189":[347,348],"190":[349,350,351],"191":[352,353,354],"192":[355,356,357],"193":[358,359,360],"194":[361,362,363],"195":[364,365,366],"196":[367,368,369],"197":[370,371,372,373],"198":[374,375,376,377],"199":[378,379,380],"200":[381,382],"201":[383,384,385,386],"202":[387,388],"203":[389,390],"204":[391,392,393],"205":[394,395,396,397],"206":[398,399],"207":[400,401,402],"208":[403,404],"209":[405,406,407],"210":[408,409],"211":[410,411,412],"212":[413,414,415],"213":[416,417,418],"214":[419,420,421],"215":[422,423,424,425],"217":[426,427,428],"218":[429,430],"219":[431,432],"220":[433,434],"221":[435,436],"222":[437],"223":[438,439],"224":[440,441,442],"225":[443,444],"226":[445,446],"227":[447],"228":[448],"229":[449,450,451],"230":[452,453,454],"231":[455,456],"232":[457,458],"233":[459,460,461],"234":[462,463,464],"235":[465,466],"236":[467],"237":[468,469,470,471],"238":[472,473,474],"239":[475,476],"240":[477,478,479,480],"241":[481,482,483],"242":[484,485],"243":[486,487,488],"244":[489,490,491],"245":[492,493,494],"246":[495,496,497],"247":[498,499,500],"248":[501,502,503],"249":[504,505],"250":[506],"251":[507,508,509],"252":[510,511,512],"253":[513,514],"254":[515,516,517],"255":[518,519,520],"256":[521,522,523,524],"257":[525,526,527],"258":[528,529,530],"259":[531,532],"260":[533,534],"261":[535,536],"262":[537,538,539,540],"263":[541,542],"264":[543,544,545,546],"265":[547,548,549],"266":[550,551,552,553],"267":[554,555],"268":[556,557,558],"269":[559,560,561,562],"270":[563,564],"271":[565,566],"272":[567,568,569],"273":[570],"274":[571,572],"275":[573],"276":[574,575],"277":[576,577,578],"278":[579,580,581],"279":[582,583,584],"280":[585,586,587],"281":[588,589,590],"282":[591,592],"283":[593,594],"284":[595,596,597],"285":[598,599,600],"286":[601,602],"287":[603,604],"288":[605,606],"289":[607,608,609],"290":[610,611,612],"291":[613],"292":[614,615,616,617],"293":[618,619,620],"294":[621],"295":[622,623,624],"296":[625,626,627],"297":[628,629,630],"298":[631,632,633],"299":[634,635,636,637],"300":[638,639],"301":[640,641],"302":[642,643,644],"303":[645],"304":[646,647,648,649],"305":[650,651,652],"306":[653,654],"307":[655,656],"308":[657,658,659],"309":[660],"310":[661,662,663],"312":[664,665,666],"313":[667,668,669],"314":[670,671,672,673],"315":[674,675,676],"316":[677,678,679],"317":[680,681],"318":[682,683,684,685],"319":[686,687,688,689],"320":[690,691,692],"321":[693,694,695],"322":[696,697,698],"323":[699,700,701],"324":[702,703,704],"325":[705,706,707],"326":[708,709,710],"327":[711,712,713,714],"328":[715,716,717],"329":[718,719,720],"330":[721,722,723],"331":[724,725,726],"332":[727,728],"333":[729,730,731],"334":[732,733],"335":[734,735],"336":[736,737,738],"337":[739,740,741],"338":[742,743,744],"339":[745,746,747],"340":[748,749,750,751],"341":[752,753],"342":[754,755,756,757],"343":[758,759,760],"344":[761,762],"345":[763,764,765],"346":[766,767],"347":[768,769],"348":[770,771,772,773],"349":[774,775],"350":[776,777,778,779],"351":[780],"352":[781],"355":[782,783,784,785],"356":[786,787,788,789],"357":[790,791],"358":[792,793,794],"359":[795,796],"360":[797,798,799],"361":[800,801,802,803],"362":[804,805,806],"363":[807,808],"364":[809,810],"365":[811,812,813],"366":[814],"367":[815,816,817],"368":[818,819,820],"369":[821,822,823],"370":[824,825],"371":[826,827],"372":[828,829,830],"373":[831,832],"374":[833,834,835],"375":[836,837,838],"376":[839,840],"377":[841,842,843],"378":[844,845,846,847],"379":[848,849,850],"380":[851,852],"381":[853,854],"382":[855,856,857],"383":[858,859],"384":[860,861],"385":[862],"386":[863,864,865],"387":[866,867,868],"388":[869,870],"389":[871,872,873],"390":[874,875],"391":[876,877],"392":[878,879,880],"393":[881,882],"394":[883,884],"395":[885,886,887,888],"396":[889,890,891],"397":[892,893,894],"399":[895,896,897],"400":[898],"401":[899,900,901],"402":[902,903,904],"403":[905,906],"404":[907,908,909],"405":[910,911],"406":[912,913,914],"407":[915,916],"408":[917,918,919],"409":[920,921,922],"410":[923],"411":[924,925],"412":[926,927],"413":[928,929,930],"414":[931,932,933],"415":[934,935],"416":[936,937,938],"417":[939,940],"418":[941,942],"420":[943,944],"421":[945,946],"422":[947,948],"423":[949,950,951],"424":[952,953,954,955],"425":[956,957,958],"426":[959,960,961],"427":[962,963],"428":[964,965],"429":[966,967,968],"430":[969,970],"431":[971,972],"432":[973,974,975],"433":[976,977,978],"434":[979,980,981],"435":[982,983,984],"436":[985,986],"437":[987,988,989],"438":[990,991,992],"439":[993,994],"440":[995,996,997],"441":[998,999],"442":[1000,1001,1002,1003],"443":[1004,1005],"444":[1006,1007,1008],"445":[1009,1010,1011],"446":[1012,1013,1014],"447":[1015,1016],"448":[1017,1018,1019],"449":[1020,1021],"450":[1022,1023,1024],"451":[1025,1026],"452":[1027,1028,1029,1030],"453":[1031],"454":[1032,1033,1034],"455":[1035,1036,1037],"456":[1038,1039,1040],"457":[1041,1042,1043],"458":[1044,1045],"459":[1046,1047],"460":[1048,1049,1050],"461":[1051,1052],"462":[1053,1054],"463":[1055,1056,1057],"464":[1058,1059,1060],"465":[1061,1062,1063],"466":[1064,1065,1066],"467":[1067,1068],"468":[1069,1070,1071],"469":[1072,1073,1074,1075],"470":[1076,1077,1078],"471":[1079,1080,1081,1082],"472":[1083,1084,1085],"473":[1086,1087,1088],"474":[1089,1090,1091],"475":[1092,1093,1094,1095],"476":[1096],"477":[1097,1098,1099,1100],"478":[1101,1102],"479":[1103,1104,1105,1106],"480":[1107],"481":[1108,1109,1110],"482":[1111,1112,1113],"483":[1114,1115,1116],"484":[1117,1118,1119,1120],"485":[1121,1122],"486":[1123,1124],"487":[1125,1126,1127],"488":[1128,1129,1130],"489":[1131,1132,1133],"490":[1134,1135,1136],"491":[1137,1138],"492":[1139,1140],"493":[1141,1142,1143],"494":[1144,1145,1146],"495":[1147,1148,1149],"496":[1150,1151],"497":[1152,1153,1154],"498":[1155,1156,1157],"499":[1158,1159],"500":[1160,1161,1162],"501":[1163,1164,1165],"502":[1166,1167,1168,1169],"504":[1170,1171,1172,1173],"505":[1174,1175],"506":[1176,1177,1178],"507":[1179,1180,1181],"508":[1182,1183,1184],"509":[1185,1186,1187],"510":[1188,1189,1190],"511":[1191,1192,1193,1194],"512":[1195,1196],"513":[1197,1198],"514":[1199,1200],"515":[1201,1202,1203],"516":[1204,1205,1206],"517":[1207,1208,1209],"518":[1210,1211],"519":[1212,1213,1214],"520":[1215,1216,1217],"521":[1218,1219,1220],"522":[1221,1222,1223,1224],"523":[1225,1226],"524":[1227,1228,1229],"525":[1230,1231,1232],"526":[1233,1234,1235,1236],"527":[1237,1238,1239],"528":[1240,1241,1242],"529":[1243,1244],"530":[1245,1246,1247,1248],"531":[1249,1250],"532":[1251,1252,1253],"533":[1254,1255],"534":[1256,1257,1258],"535":[1259,1260],"536":[1261,1262,1263],"537":[1264,1265,1266,1267],"538":[1268,1269,1270],"539":[1271,1272],"540":[1273,1274,1275],"541":[1276],"542":[1277,1278,1279,1280],"543":[1281,1282,1283],"544":[1284,1285,1286],"545":[1287,1288],"546":[1289,1290,1291],"547":[1292],"548":[1293,1294,1295,1296],"549":[1297,1298],"550":[1299,1300,1301],"551":[1302],"552":[1303,1304,1305],"553":[1306,1307,1308],"554":[1309,1310,1311],"556":[1312,1313,1314,1315],"557":[1316,1317,1318,1319],"558":[1320,1321,1322],"559":[1323,1324,1325,1326],"560":[1327,1328,1329],"561":[1330,1331,1332,1333],"562":[1334,1335,1336],"563":[1337,1338,1339,1340],"564":[1341,1342,1343,1344],"565":[1345,1346,1347,1348,1349,1350],"566":[1351,1352,1353,1354],"567":[1355,1356,1357,1358],"568":[1359,1360],"569":[1361,1362,1363,1364],"570":[1365,1366,1367],"571":[1368,1369,1370,1371],"572":[1372,1373,1374],"573":[1375,1376,1377,1378],"574":[1379,1380,1381,1382],"575":[1383,1384,1385,1386],"576":[1387,1388,1389],"577":[1390,1391,1392],"578":[1393,1394,1395],"579":[1396,1397,1398],"580":[1399,1400,1401,1402],"581":[1403,1404,1405,1406],"582":[1407,1408],"583":[1409,1410],"584":[1411,1412,1413],"585":[1414,1415,1416],"586":[1417,1418,1419],"587":[1420,1421,1422,1423],"588":[1424,1425,1426],"589":[1427,1428,1429,1430,1431],"590":[1432,1433,1434],"591":[1435,1436],"592":[1437,1438,1439],"593":[1440,1441,1442],"594":[1443,1444,1445,1446],"595":[1447,1448,1449,1450],"597":[1451,1452],"598":[1453,1454,1455,1456],"599":[1457,1458,1459],"600":[1460,1461,1462,1463],"601":[1464,1465,1466],"602":[1467,1468],"603":[1469,1470,1471,1472],"604":[1473,1474,1475,1476],"605":[1477,1478,1479],"606":[1480,1481,1482,1483],"607":[1484,1485,1486,1487],"608":[1488,1489,1490],"609":[1491,1492,1493],"610":[1494,1495],"611":[1496,1497,1498,1499],"612":[1500,1501,1502],"613":[1503,1504,1505],"614":[1506,1507,1508],"615":[1509,1510,1511],"616":[1512,1513,1514,1515],"617":[1516,1517,1518],"618":[1519,1520],"619":[1521,1522,1523,1524],"620":[1525,1526,1527],"622":[1528,1529,1530,1531],"623":[1532,1533,1534],"624":[1535,1536,1537],"625":[1538,1539,1540],"626":[1541,1542],"627":[1543],"628":[1544,1545,1546],"629":[1547,1548],"630":[1549,1550,1551,1552],"631":[1553,1554,1555],"632":[1556,1557,1558,1559],"633":[1560,1561,1562],"634":[1563,1564,1565],"635":[1566,1567,1568,1569],"636":[1570,1571,1572],"637":[1573,1574,1575],"638":[1576,1577,1578,1579,1580],"639":[1581,1582,1583],"640":[1584,1585,1586],"641":[1587,1588,1589],"642":[1590,1591,1592],"643":[1593,1594],"644":[1595,1596,1597,1598,1599],"645":[1600,1601,1602],"646":[1603],"649":[1604,1605,1606,1607,1608],"650":[1609,1610,1611],"651":[1612,1613,1614,1615,1616],"652":[1617,1618,1619,1620],"653":[1621,1622,1623,1624],"654":[1625,1626,1627,1628],"655":[1629,1630,1631],"656":[1632,1633,1634,1635,1636],"657":[1637,1638,1639],"658":[1640,1641,1642],"659":[1643,1644,1645,1646],"660":[1647,1648,1649],"661":[1650,1651,1652],"662":[1653,1654,1655],"663":[1656,1657,1658],"664":[1659,1660,1661,1662],"665":[1663,1664,1665],"666":[1666,1667,1668,1669],"667":[1670,1671,1672,1673],"668":[1674,1675,1676],"669":[1677,1678,1679],"670":[1680,1681,1682],"671":[1683,1684,1685],"672":[1686,1687,1688],"673":[1689,1690,1691],"674":[1692,1693,1694,1695],"675":[1696,1697,1698],"676":[1699,1700,1701],"677":[1702,1703,1704,1705],"678":[1706,1707,1708],"679":[1709,1710,1711],"680":[1712,1713,1714],"681":[1715,1716,1717],"682":[1718,1719,1720,1721],"683":[1722,1723,1724,1725],"684":[1726,1727,1728],"685":[1729,1730,1731],"686":[1732,1733,1734],"687":[1735,1736,1737,1738],"689":[1739,1740,1741,1742],"690":[1743,1744],"691":[1745,1746,1747],"692":[1748,1749,1750],"693":[1751,1752,1753],"694":[1754,1755,1756],"695":[1757,1758,1759],"696":[1760,1761,1762],"697":[1763,1764,1765],"698":[1766,1767,1768],"699":[1769,1770,1771,1772],"700":[1773,1774,1775,1776],"701":[1777,1778,1779],"702":[1780,1781,1782],"703":[1783,1784],"704":[1785,1786,1787,1788],"705":[1789,1790,1791],"706":[1792,1793,1794],"707":[1795],"708":[1796,1797,1798],"709":[1799,1800],"710":[1801,1802,1803],"711":[1804,1805,1806],"712":[1807,1808,1809],"713":[1810,1811,1812],"714":[1813],"715":[1814,1815,1816],"716":[1817,1818,1819,1820],"717":[1821,1822,1823],"718":[1824,1825,1826],"719":[1827,1828,1829],"720":[1830,1831,1832],"721":[1833,1834,1835,1836],"722":[1837,1838,1839],"723":[1840,1841,1842],"724":[1843,1844],"726":[1845,1846,1847,1848],"727":[1849,1850,1851,1852],"728":[1853,1854,1855],"729":[1856,1857,1858],"730":[1859,1860,1861],"731":[1862,1863,1864],"732":[1865,1866,1867],"733":[1868,1869,1870,1871],"734":[1872,1873,1874],"735":[1875,1876,1877],"736":[1878,1879,1880,1881],"737":[1882,1883,1884,1885],"738":[1886,1887],"739":[1888,1889,1890],"740":[1891,1892,1893],"741":[1894,1895,1896,1897],"742":[1898,1899,1900,1901],"743":[1902,1903],"744":[1904,1905,1906],"745":[1907,1908],"746":[1909,1910,1911,1912],"747":[1913,1914],"748":[1915,1916,1917],"749":[1918],"750":[1919,1920,1921],"752":[1922],"753":[1923,1924],"754":[1925,1926,1927],"755":[1928,1929],"756":[1930,1931,1932],"757":[1933,1934],"758":[1935,1936],"759":[1937],"760":[1938,1939],"761":[1940,1941,1942],"762":[1943,1944,1945],"763":[1946,1947,1948],"764":[1949,1950],"765":[1951,1952,1953],"766":[1954,1955,1956],"767":[1957,1958],"768":[1959,1960,1961],"769":[1962,1963,1964],"770":[1965,1966,1967],"771":[1968,1969],"772":[1970,1971,1972],"773":[1973,1974,1975],"774":[1976,1977,1978,1979],"775":[1980,1981,1982],"776":[1983,1984],"777":[1985,1986,1987,1988],"778":[1989,1990,1991],"779":[1992,1993],"780":[1994,1995,1996],"781":[1997,1998,1999,2000],"782":[2001,2002,2003,2004],"783":[2005,2006,2007],"784":[2008,2009,2010,2011],"785":[2012,2013,2014],"786":[2015,2016,2017,2018],"787":[2019,2020,2021,2022],"788":[2023,2024,2025,2026],"789":[2027,2028,2029,2030,2031],"790":[2032,2033,2034],"791":[2035,2036,2037],"792":[2038,2039,2040,2041],"793":[2042,2043,2044,2045],"794":[2046,2047,2048,2049],"795":[2050,2051,2052,2053],"796":[2054,2055],"798":[2056,2057,2058,2059],"799":[2060,2061],"800":[2062,2063,2064,2065],"801":[2066,2067],"802":[2068,2069,2070],"803":[2071,2072,2073,2074],"804":[2075,2076],"805":[2077,2078],"806":[2079,2080,2081],"807":[2082,2083,2084],"808":[2085,2086,2087,2088,2089],"809":[2090,2091,2092],"810":[2093,2094,2095,2096],"811":[2097,2098,2099],"812":[2100,2101,2102],"813":[2103,2104,2105,2106],"815":[2107,2108,2109],"816":[2110,2111,2112],"817":[2113,2114],"818":[2115,2116,2117],"819":[2118,2119,2120],"820":[2121,2122],"821":[2123,2124],"822":[2125,2126,2127],"823":[2128,2129,2130],"824":[2131,2132,2133],"825":[2134,2135,2136],"826":[2137,2138,2139],"827":[2140,2141,2142,2143],"828":[2144,2145,2146,2147],"829":[2148],"830":[2149,2150],"831":[2151,2152,2153],"832":[2154,2155,2156,2157],"833":[2158,2159,2160],"834":[2161,2162,2163],"835":[2164,2165,2166],"836":[2167,2168,2169],"837":[2170,2171,2172],"838":[2173,2174,2175,2176],"839":[2177,2178,2179,2180],"840":[2181,2182,2183],"841":[2184,2185,2186],"842":[2187,2188,2189],"843":[2190,2191,2192,2193],"844":[2194],"845":[2195,2196],"846":[2197,2198,2199,2200],"847":[2201,2202,2203,2204],"848":[2205,2206,2207],"849":[2208,2209,2210,2211],"850":[2212,2213,2214],"851":[2215,2216,2217,2218],"852":[2219,2220,2221,2222],"853":[2223,2224,2225,2226],"854":[2227,2228,2229,2230],"855":[2231,2232,2233],"856":[2234,2235,2236,2237],"857":[2238,2239,2240,2241],"858":[2242,2243,2244,2245],"859":[2246,2247,2248,2249],"860":[2250,2251,2252],"861":[2253,2254,2255],"862":[2256],"863":[2257,2258,2259,2260],"864":[2261,2262,2263],"865":[2264,2265,2266],"866":[2267,2268,2269],"867":[2270,2271,2272,2273],"868":[2274,2275,2276,2277],"869":[2278,2279,2280],"870":[2281,2282,2283],"871":[2284,2285,2286,2287],"872":[2288,2289,2290,2291],"873":[2292,2293,2294],"874":[2295,2296,2297],"875":[2298,2299,2300],"876":[2301,2302,2303],"877":[2304,2305,2306],"878":[2307,2308,2309,2310],"879":[2311],"880":[2312,2313,2314],"881":[2315,2316],"882":[2317,2318,2319,2320],"883":[2321,2322,2323,2324,2325],"884":[2326,2327],"885":[2328,2329,2330,2331],"886":[2332,2333,2334],"887":[2335,2336],"888":[2337,2338],"889":[2339,2340],"890":[2341,2342],"891":[2343,2344,2345],"892":[2346,2347,2348],"893":[2349,2350,2351],"894":[2352,2353,2354],"895":[2355,2356,2357,2358,2359],"896":[2360],"897":[2361,2362,2363,2364],"898":[2365,2366,2367],"899":[2368,2369,2370],"900":[2371,2372],"901":[2373,2374,2375,2376],"902":[2377,2378],"903":[2379,2380,2381],"904":[2382,2383,2384],"905":[2385,2386,2387],"907":[2388,2389,2390,2391],"908":[2392,2393,2394],"909":[2395,2396,2397],"910":[2398,2399,2400],"911":[2401,2402,2403],"912":[2404,2405,2406],"913":[2407,2408,2409,2410],"914":[2411,2412,2413],"915":[2414,2415,2416],"916":[2417,2418,2419,2420],"917":[2421,2422],"918":[2423,2424,2425],"919":[2426],"920":[2427],"923":[2428,2429,2430,2431],"924":[2432,2433],"925":[2434,2435,2436],"926":[2437,2438,2439,2440],"927":[2441,2442,2443,2444],"928":[2445,2446,2447],"929":[2448,2449,2450],"930":[2451,2452,2453],"931":[2454,2455,2456],"932":[2457,2458,2459,2460],"933":[2461],"934":[2462,2463,2464,2465],"935":[2466,2467,2468,2469],"936":[2470,2471,2472],"937":[2473,2474],"938":[2475,2476,2477,2478],"939":[2479,2480,2481],"941":[2482,2483,2484],"942":[2485,2486,2487],"943":[2488,2489],"944":[2490,2491,2492],"945":[2493,2494],"946":[2495,2496,2497],"947":[2498,2499],"948":[2500,2501,2502,2503],"949":[2504,2505],"950":[2506,2507,2508],"951":[2509,2510,2511,2512],"952":[2513,2514],"953":[2515,2516,2517],"954":[2518,2519,2520,2521],"955":[2522,2523],"956":[2524,2525,2526,2527],"957":[2528,2529,2530],"958":[2531,2532,2533],"959":[2534,2535,2536],"960":[2537,2538],"961":[2539,2540,2541],"962":[2542,2543,2544,2545],"963":[2546,2547,2548],"964":[2549,2550],"965":[2551,2552,2553],"966":[2554,2555,2556],"967":[2557,2558],"968":[2559,2560],"969":[2561,2562,2563,2564],"970":[2565,2566,2567],"971":[2568,2569],"972":[2570,2571,2572],"973":[2573,2574,2575],"974":[2576,2577,2578],"975":[2579,2580,2581,2582],"976":[2583,2584,2585],"977":[2586,2587,2588],"978":[2589,2590,2591],"979":[2592,2593,2594,2595],"980":[2596,2597,2598,2599],"981":[2600,2601,2602],"982":[2603,2604,2605],"983":[2606,2607],"984":[2608,2609,2610,2611],"985":[2612,2613,2614],"986":[2615,2616],"987":[2617,2618,2619],"988":[2620,2621,2622],"989":[2623,2624,2625,2626],"990":[2627,2628,2629,2630],"991":[2631,2632],"992":[2633,2634,2635],"993":[2636],"994":[2637,2638,2639,2640],"995":[2641,2642],"996":[2643,2644],"997":[2645,2646],"998":[2647,2648,2649],"999":[2650,2651,2652],"1000":[2653,2654,2655],"1001":[2656,2657,2658,2659],"1002":[2660,2661,2662],"1003":[2663,2664],"1004":[2665,2666,2667],"1005":[2668,2669,2670],"1006":[2671,2672,2673,2674],"1007":[2675,2676,2677],"1008":[2678,2679,2680],"1009":[2681,2682,2683],"1010":[2684,2685,2686,2687,2688],"1011":[2689,2690,2691,2692],"1012":[2693,2694],"1013":[2695,2696,2697,2698],"1014":[2699,2700,2701,2702],"1015":[2703,2704,2705,2706],"1016":[2707],"1017":[2708,2709,2710,2711],"1018":[2712,2713,2714],"1019":[2715,2716,2717,2718,2719,2720],"1020":[2721,2722,2723,2724],"1021":[2725,2726,2727,2728],"1022":[2729,2730],"1023":[2731,2732,2733,2734],"1024":[2735,2736,2737],"1025":[2738,2739,2740],"1026":[2741,2742,2743],"1027":[2744,2745,2746,2747],"1028":[2748],"1029":[2749,2750,2751,2752],"1030":[2753,2754,2755],"1031":[2756,2757,2758],"1032":[2759,2760,2761],"1033":[2762,2763],"1034":[2764,2765,2766],"1035":[2767,2768,2769],"1037":[2770,2771,2772,2773],"1038":[2774,2775],"1039":[2776,2777],"1040":[2778,2779,2780,2781],"1041":[2782],"1042":[2783,2784,2785,2786],"1043":[2787,2788],"1044":[2789,2790,2791,2792,2793],"1045":[2794,2795,2796],"1046":[2797,2798,2799],"1047":[2800,2801,2802],"1048":[2803,2804],"1049":[2805,2806],"1050":[2807],"1051":[2808,2809,2810],"1052":[2811,2812],"1053":[2813,2814],"1054":[2815],"1055":[2816,2817,2818],"1056":[2819],"1057":[2820,2821,2822,2823],"1058":[2824,2825,2826],"1059":[2827,2828,2829],"1060":[2830,2831,2832],"1061":[2833,2834,2835],"1062":[2836,2837,2838,2839],"1064":[2840,2841,2842,2843],"1065":[2844,2845,2846],"1066":[2847,2848,2849,2850],"1067":[2851,2852,2853],"1068":[2854,2855,2856,2857,2858],"1069":[2859,2860,2861],"1070":[2862,2863,2864,2865,2866],"1071":[2867,2868,2869],"1072":[2870,2871,2872],"1073":[2873,2874,2875],"1074":[2876,2877],"1075":[2878,2879,2880,2881],"1076":[2882,2883,2884],"1077":[2885,2886,2887],"1078":[2888,2889,2890],"1079":[2891,2892,2893,2894,2895],"1080":[2896,2897,2898,2899],"1081":[2900],"1082":[2901,2902,2903,2904],"1083":[2905,2906,2907,2908],"1084":[2909,2910,2911],"1085":[2912,2913,2914,2915],"1086":[2916,2917,2918,2919],"1087":[2920],"1088":[2921,2922,2923,2924],"1089":[2925,2926,2927],"1090":[2928,2929,2930,2931],"1091":[2932,2933,2934],"1092":[2935,2936,2937],"1093":[2938,2939,2940,2941,2942],"1095":[2943,2944,2945,2946],"1096":[2947,2948,2949,2950],"1097":[2951,2952,2953,2954,2955],"1098":[2956,2957,2958,2959,2960],"1099":[2961,2962,2963],"1100":[2964,2965,2966,2967],"1101":[2968,2969,2970,2971],"1102":[2972,2973],"1103":[2974,2975,2976,2977],"1104":[2978,2979,2980],"1105":[2981,2982],"1106":[2983,2984,2985],"1107":[2986,2987,2988],"1108":[2989,2990,2991],"1109":[2992,2993],"1110":[2994,2995,2996,2997],"1111":[2998,2999,3000],"1112":[3001,3002,3003],"1113":[3004,3005],"1114":[3006,3007,3008,3009],"1116":[3010,3011,3012],"1117":[3013,3014,3015,3016],"1118":[3017,3018],"1119":[3019,3020,3021],"1120":[3022,3023,3024],"1122":[3025,3026,3027],"1123":[3028,3029,3030],"1124":[3031,3032],"1125":[3033,3034],"1126":[3035,3036,3037,3038],"1127":[3039,3040,3041],"1128":[3042],"1129":[3043,3044,3045,3046],"1130":[3047,3048,3049],"1132":[3050,3051,3052,3053],"1133":[3054,3055,3056],"1135":[3057,3058,3059,3060],"1136":[3061,3062,3063,3064],"1137":[3065],"1138":[3066,3067,3068],"1139":[3069,3070,3071],"1140":[3072,3073],"1141":[3074],"1142":[3075,3076,3077],"1143":[3078,3079,3080],"1144":[3081,3082],"1146":[3083,3084,3085],"1147":[3086,3087,3088,3089],"1148":[3090,3091,3092,3093],"1149":[3094,3095,3096,3097],"1150":[3098],"1151":[3099,3100,3101,3102],"1152":[3103,3104,3105],"1153":[3106,3107,3108],"1154":[3109,3110,3111,3112],"1155":[3113,3114,3115],"1156":[3116],"1157":[3117,3118,3119],"1158":[3120,3121,3122],"1159":[3123,3124,3125],"1160":[3126,3127,3128,3129],"1161":[3130,3131],"1162":[3132,3133,3134,3135],"1163":[3136,3137],"1164":[3138,3139,3140,3141],"1165":[3142,3143,3144],"1166":[3145,3146,3147],"1167":[3148,3149,3150,3151],"1168":[3152,3153,3154,3155],"1169":[3156,3157,3158],"1170":[3159,3160,3161,3162],"1171":[3163,3164,3165,3166,3167],"1172":[3168,3169],"1173":[3170,3171,3172],"1174":[3173,3174,3175,3176],"1175":[3177,3178,3179],"1177":[3180,3181,3182,3183],"1178":[3184,3185,3186,3187,3188],"1179":[3189,3190],"1180":[3191,3192,3193],"1181":[3194,3195,3196,3197],"1183":[3198,3199,3200,3201],"1184":[3202,3203,3204],"1185":[3205,3206,3207,3208,3209],"1186":[3210],"1187":[3211,3212,3213,3214],"1188":[3215,3216,3217],"1189":[3218,3219,3220],"1190":[3221,3222,3223,3224],"1191":[3225],"1192":[3226,3227,3228],"1193":[3229,3230,3231,3232],"1194":[3233,3234,3235],"1195":[3236,3237,3238,3239],"1196":[3240,3241,3242,3243,3244],"1197":[3245,3246,3247,3248],"1198":[3249,3250,3251],"1199":[3252,3253,3254,3255],"1200":[3256,3257,3258],"1201":[3259,3260,3261,3262],"1202":[3263,3264,3265,3266],"1203":[3267,3268,3269],"1204":[3270,3271,3272,3273,3274],"1205":[3275,3276,3277,3278],"1206":[3279,3280,3281],"1207":[3282,3283,3284,3285],"1208":[3286,3287,3288,3289],"1209":[3290],"1210":[3291,3292,3293,3294,3295],"1211":[3296,3297],"1212":[3298,3299,3300,3301],"1213":[3302,3303,3304,3305],"1214":[3306,3307],"1215":[3308,3309,3310,3311],"1216":[3312,3313,3314,3315],"1218":[3316,3317,3318],"1219":[3319,3320,3321,3322],"1220":[3323,3324],"1221":[3325,3326,3327,3328],"1222":[3329,3330],"1223":[3331,3332,3333,3334,3335],"1224":[3336,3337,3338],"1225":[3339,3340,3341,3342,3343],"1226":[3344,3345,3346,3347],"1227":[3348,3349,3350,3351],"1228":[3352,3353,3354,3355],"1229":[3356,3357,3358],"1231":[3359,3360,3361,3362],"1232":[3363,3364,3365],"1233":[3366,3367,3368,3369,3370],"1234":[3371,3372],"1235":[3373,3374,3375,3376,3377,3378],"1236":[3379],"1237":[3380,3381,3382,3383],"1238":[3384],"1239":[3385,3386,3387,3388],"1241":[3389,3390,3391,3392],"1243":[3393,3394,3395,3396,3397],"1244":[3398,3399,3400],"1245":[3401,3402,3403],"1246":[3404,3405,3406,3407,3408],"1247":[3409],"1248":[3410,3411,3412,3413],"1249":[3414,3415,3416,3417],"1251":[3418,3419],"1252":[3420,3421,3422,3423],"1254":[3424,3425,3426],"1255":[3427,3428,3429,3430],"1257":[3431,3432,3433],"1258":[3434,3435,3436],"1259":[3437,3438,3439],"1260":[3440,3441],"1261":[3442,3443,3444],"1262":[3445,3446,3447],"1263":[3448,3449,3450,3451],"1265":[3452,3453,3454],"1266":[3455,3456,3457,3458],"1268":[3459,3460,3461],"1270":[3462]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"[الجزء الاول]\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة التحقيق</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) [آل عمران: ١٠٢] .\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) [النساء: ١] .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) [الأحزاب: ٧٠- ٧١] .\nأما بعد، فإن التفسير المسمى «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» «١» للعلامة القاضي المفسّر ناصر الدين أبي الخير، عبد الله بن عمر بن علي البيضاوي الشيرازي، الشافعي (ت ٦٨٥ هـ) يعتبر من أهمّ كتب التفسير بالرأي «٢»، فهو كتاب جليل دقيق، جمع بين التفسير والتأويل على قانون اللغة العربية، وقرّر الأدلة على أصول السّنّة.\nوقد اختصره مؤلّفه من «كشاف» الزمخشري «٣» محمود بن عمر أبي القاسم (ت ٥٣٨ هـ) مع ترك ما فيه من اعتزالات، كما استمدّه من «مفاتيح الغيب» للفخر الرازي «٤» محمد بن عمر بن حسين الشافعي الطبرستاني (ت ٦٠٦ هـ) وبه تأثر عند عرضه للآيات الكونية ومباحث الطبيعة، ومن تفسير الراغب الأصبهاني الحسين بن محمد بن المفضل أبي القاسم (ت ٥٠٢ هـ) المسمى «تحقيق البيان في تأويل القرآن»، فأصبح من أمهات كتب التفسير التي لا يستغني عنها الطالب لفهم كلام الله ﷿.\nوالبيضاوي ﵀ مقل جدّا من الروايات الإسرائيلية، لكنه يذكر في نهاية كل سورة حديثا في فضلها- كما وقع فيه صاحب «الكشاف» - وهي موضوعة باتفاق أهل الحديث وهذا من هناته ﵀.\nهذا وقد ضمّن البيضاوي تفسيره نكتا بارعة، واستنباطات دقيقة، كل هذا في أسلوب رائع موجز، وهو يهتم أحيانا بذكر القراءات، ولكنه لا يلتزم المتواتر منها، فيذكر الشاذ، كما أنه يتعرض لبعض المسائل الفقهية عند آيات الأحكام دون توسع منه، مع عرض للصناعة النحوية.\nونظرا لما يحتله هذا الكتاب من أهمية في عالم التفاسير، فقد وضع عليه العلماء الحواشي والتعليقات\n_________\n(١) طبع مرات عديدة، منها طبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر عام ١٣٣٠ هـ/ ١٩١٠ م وبهامشه حاشية العلامة الكازروني (ت ٩٤٥ هـ) في خمس أجزاء في مجلدين، وهي الأصل الذي اعتمدناه في طبعتنا هذه وعليه ختم المطبعة الميمنيّة بمصر عام ١٣٠٦.\n(٢) كما أكده العلامة محمد عبد العظيم الزرقاني في كتابه «مناهل العرفان في علوم القرآن» (١/ ٥٣٥) .\n(٣) طبع مؤخرا بدار إحياء التراث العربي في طبعته الأولى عام (١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م) بتحقيق عبد الرزاق المهدي.\n(٤) طبع بدار إحياء التراث العربي بحلّة قشيبة وملونة ومصححة عام (١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م) .","vol":"1","page":5},{"text":"الكثيرة، فمنهم من علّق تعليقة على سورة منه، ومنهم من حشّى تحشية تامة، ومنهم من كتب على بعض مواضع منه «١» .\nوأحسن حواشيه المتداولة حاشية الشهاب الخفاجي المصري أحمد بن محمد بن عمر (ت ١٠٦٩ هـ) وسماها «عناية القاضي وكفاية الراضي» وهي مطبوعة وتقع في ثمانية مجلدات «٢» .\nونظرا لما يحتله هذا الكتاب من أهمية، فقد رأت دار إحياء التراث العربي طبعه بهذه الحلة القشيبة، بعد ما قامت بتصحيح ألفاظه وتجاربه ومراجعته بما قدّر الله به وأعان.\nهذا وقد وضعنا وراء هذه الكلمة مقدمة: ترجمنا فيه لمؤلف هذا التفسير، وعرّفنا به، وبطريقة مؤلّفه فيه بشيء من التفصيل مع ذكر التعليقات والحواشي عليه.\nربّنا تقبّل منا هذا العمل خالصا لوجهك الكريم، واجعله في صحائف أعمال أصحابه وانفع به، إنك يا مولانا على كل شىء قدير وبالإجابة جدير.\nوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين.\nوكتبه محمد عبد الرحمن المرعشلي بيروت ٢١ شوال ١٤١٨ هـ الموافق ١٨ شباط ١٩٩٨\n_________\n(١) وقد وصلت هذه الحواشي والتعليقات إلى نحو خمسين حاشية وتعليقة انظرها في الصفحة (١٦) .\n(٢) انظرها في «أعلام» الزركلي (١/ ٢٣٨) .","vol":"1","page":6},{"text":"مقدمة\nأولا: ترجمة صاحب التفسير\n\nثانيا: التعريف بأنوار التنزيل وطريقة مؤلفه فيه\n- اختصار البيضاوي تفسيره من «الكشاف» للزمخشري\n- استمداد البيضاوي تفسيره من «مفاتيح الغيب» للرازي ومن «تفسير الراغب الأصفهاني»\n- اهتمامه بالقراءات وذكر الشاذ منها\n- عرضه للصناعة النحوية\n- تعرضه لبعض المسائل الفقهية دون توسّع\n- تقرير وترجيح مذهب أهل السّنّة\n- التقليل من ذكر الروايات الإسرائيلية\n- الخوض في مباحث الكون والطبيعة تأثرا بالرازي\n- تقريظ هذا التفسير\n- قول الإمام جلال الدين السيوطي في حاشيته «نواهد الأبكار وشواهد الأفكار»\n- قول حاجي خليفة في «كشف الظنون»\n- الحواشي المكتوبة على تفسير البيضاوي","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أولا: ترجمة صاحب التفسير </span>«١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>١- اسمه ونسبه:</span>\nهو العلامة المفسّر قاضي القضاة، ناصر الدين، أبو الخير (وقيل أبو سعيد) عبد الله بن عمر بن علي البيضاوي الشيرازي، الشافعي- بفتح الباء المنقوطة بواحدة وسكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها وفتح الضاد المعجمة وفي آخرها الواو- هذه النسبة إلى بيضاء وهي بلدة من بلاد فارس. لم تذكر المصادر سنة ولادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>٢- نبوغه:</span>\nقال السيوطي في «بغية الوعاة»: كان إماما علّامة، عارفا بالفقه والأصلين والعربية والمنطق، نظّارا صالحا، متعبّدا، شافعيّا.\nوقال ابن قاضي شهبة في «طبقاته»: «صاحب المصنفات، وعالم أذربيجان، وشيخ تلك الناحية» .\nقال السبكي في «طبقاته الكبرى»:\nولي قضاء القضاء بشيراز، ودخل تبريز، وناظر بها، وصادف دخوله إليها مجلس درس قد عقد بها لبعض الفضلاء، فجلس القاضي ناصر الدين في أخريات القوم، بحيث لم يعلم به أحد، فذكر المدرّس نكتة زعم أن أحدا من الحاضرين لا يقدر على جوابها، وطلب من القوم حلّها، والجواب عنها، فإن لم يقدروا فالحلّ فقط، فإن لم يقدروا فإعادتها.\nفلما انتهى من ذكرها، شرع القاضي ناصر الدين في الجواب، فقال له: لا أسمع حتى أعلم أنك فهمتها. فخيّره بين إعادتها، بلفظها أو معناها، فبهت المدرّس، وقال: أعدها بلفظها. فأعادها.\nثم حلّها وبيّن أن في تركيبه إيّاها خللا، ثم أجاب عنها، وقابلها في الحال بمثلها، ودعا المدرّس إلى حلّها، فتعذّر عليه ذلك، فأقامه الوزير من مجلسه، وأدناه إلى جانبه، وسأله من أنت؟ فأخبره أنه البيضاويّ، وأنه جاء في طلب القضاء بشيراز، فأكرمه، وخلع عليه في يومه، وردّه وقد قضى حاجته.\nوأهمله الذهبي ولم يذكره في «العبر» كما قال ابن شهبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>٣- ثناء العلماء عليه:</span>\nقال السبكي: «كان إماما مبرزا نظارا خيرا، صالحا متعبدا» .\n_________\n(١) «البداية والنهاية» لابن كثير (١٣/ ٣٠٩)، و«الفهرس التمهيدي» الصفحة (٢٠٥) و(٥٦١)، وبروكلمان «دائرة المعارف الإسلامية» (٤/ ٤١٨)، و«بغية الوعاة» للسيوطي (٢/ ٥٠- ٥١) ترجمة رقم (١٤٠٦)، و«نزهة الجليس ومنية الأديب النفيس» للموسوي (٢/ ٨٧)، و«مفتاح السعادة» لطاش كبرى زاده (١/ ٤٣٦)، و«طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي (٨/ ١٥٧) بتحقيق الحلو، ترجمة رقم (١١٥٣) و«طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (٢/ ٢٨) ترجمة (٤٦٩) بتحقيق عبد العليم خان، و«طبقات الشافعية» للإسنوي (١/ ١٣٦) ترجمة (٢٦٠)، و«شذرات الذهب» لابن العماد (٥/ ٣٩٢- ٣٩٣)، و«مرآة الجنان» لليافعي (٤/ ٢٢٠)، و«إيضاح المكنون» (٢/ ٥٦٩)، و«هدية العارفين» للبغدادي (١/ ٤٦٢، ٤٦٣) و«كشف الظنون» لحاجي خليفة الصفحة (١٨٦، ١٠٣٢، ١١١٦، ١١٩٢، ١٢٧٣، ١٤٨١، ١٥٤٦، ١٦٩٨، ١٧٠٤، ١٧٠٥، ١٨٥٤، ١٨٥٨، ١٨٧٨)، و«طبقات المفسرين» للداوودي الصفحة (١٠٢- ١٠٣)، و«معجم المؤلفين» لكحالة (٦/ ٩٧)، و«الأعلام» للزركلي (٤/ ١١٠) .","vol":"1","page":9},{"text":"وقال ابن حبيب: «وتكلم كل من الأئمة بالثناء على مصنفاته، ولو لم يكن له غير «المنهاج» الوجيز لفظه المحرر لكفاه» .\nولي القضاء بشيراز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>٤- ومن أهم مصنفاته:</span>\n١- كتاب «المنهاج» مختصر من الحاصل والمصباح و«شرحه» (في أصول الفقه) وهو «منهاج الوصول إلى علم الأصول» وهو مطبوع «١» .\n٢- وكتاب «الطوالع» وهو «طوالع الأنوار»، مطبوع (في أصول الدين والتوحيد) قال السبكي: وهو أجلّ مختصر ألّف في علم الكلام.\n٣- و«أنوار التنزيل وأسرار التأويل» (في التفسير) وسماه بعضهم «مختصر الكشاف»، وهو ما نحن بصدده الآن. وهذه الكتب الثلاثة من أشهر الكتب وأكثرها تداولا بين أهل العلم.\n٤- «المصباح» (في أصول الدين) .\n٥- «شرح مختصر ابن الحاجب» (في الأصول) .\n٦- «شرح المنتخب في الأصول» للإمام فخر الدين.\n٧- «شرح المطالع» (في المنطق) .\n٨- «الإيضاح» (في أصول الدين) .\n٩- «شرح الكافية» لابن الحاجب (في النحو) .\n١٠- «لبّ اللباب في علم الإعراب» .\n١١- «نظام التواريخ» كتبه باللغة الفارسية.\n١٢- «رسالة في موضوعات العلوم وتعاريفها» مخطوط.\n١٣- «الغاية القصوى في دراية الفتوى» مخطوط (في فقه الشافعية) مختصر «الوسيط» .\n١٤- «شرح المصابيح» (أي مصابيح السّنّة للبغوي في الحديث) سماه «تحفة الأبرار» .\n١٥- «شرح المحصول» .\n١٦- «شرح التنبيه» (في أربعة مجلدات) .\n١٧- «تهذيب الأخلاق» (في التصوف) .\n_________\n(١) وهو من أهم كتب الأصول عند الشافعية، وله شروح كثيرة، منها «نهاية السّول في شرح منهاج الأصول للبيضاوي» للإسنوي جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن (ت ٧٧٢ هـ) وهو مطبوع في القاهرة عام (١٤٤٣ هـ) ويقع في (٤) أجزاء بإدارة جمعية نشر الكتب العربية، ومنها «معراج المنهاج شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي البيضاوي» تأليف شمس الدين الجزري، محمد بن يوسف (ت ٧١١ هـ)، وهو مطبوع أيضا ويقع في جزءين بتحقيق د/ شعبان محمد إسماعيل، مطبعة الحسين الإسلامية الطبعة الأولى عام (١٤١٣ هـ/ ١٩٩٣ م)، ومنها شرح البدخشي «مناهج العقول» للإمام محمد بن الحسن البدخشي وهو مطبوع في ثلاثة أجزاء في القاهرة وطبع بدار الكتب العلمية- بيروت في طبعته الأولى عام (١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٤ م) وبأسفله «نهاية السّول» للإسنوي.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>وفاته:</span>\nوتوفي بمدينة تبريز.\nقال السّبكي والإسنوي: سنة (٦٩١ هـ) إحدى وتسعين وستمائة.\nوقال ابن كثير وغيره: سنة (٦٨٥ هـ) خمس وثمانين وستمائة.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثانيا: التعريف بأنوار التنزيل وطريقة مؤلّفه فيه </span>«١»\nتفسير العلامة البيضاوي، تفسير متوسط الحجم، جمع فيه صاحبه بين التفسير والتأويل، على مقتضى قواعد اللغة العربية، وقرر فيه الأدلة على أصول أهل السنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>وقد اختصر البيضاوي تفسيره من «الكشاف» للزمخشري</span>.\nولكنه ترك ما فيه من اعتزالات، وإن كان أحيانا يذهب إلى ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» .\nومن ذلك أنه عند ما فسر قوله تعالى في الآية (٢٧٥) من سورة البقرة: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) ... الآية، وجدناه يقول: «إلا قيامًا كقيام المصروع، وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع» .. ثم يفسّر المس بالجنون ويقول «وهذا أيضًا من زعماتهم أن الجني يمس الرجل فيختلط عقله» .\nولا شك أن هذا موافق لما ذهب إليه الزمخشري من أن الجن لا تسلّط لها على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء.\nكما أننا نجد البيضاوي قد وقع فيما وقع فيه صاحب «الكشاف»، من ذكره في نهاية كل سورة حديثا في فضلها وما لقارئها من الثواب والأجر عند الله، وقد عرفنا قيمة هذه الأحاديث، وقلنا إنها موضوعة باتفاق أهل الحديث، ولست أعرف كيف اغتربها البيضاوي فرواها وتابع الزمخشري في ذكرها عند آخر تفسيره لكل سورة، مع ما له من مكانة علمية، وسيأتي اعتذار بعض الناس عنه في ذلك، وإن كان اعتذارا ضعيفا، لا يكفي لتبرير هذا العمل الذي لا يليق بعالم كالبيضاوي له قيمته ومكانته.\nاستمد البيضاوي تفسيره من التفسير الكبير المسمى «بمفاتيح الغيب» للفخر الرازي، ومن تفسير الراغب الأصفهاني.\nوضم لذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين.\nكما أنه أعمل فيه عقله، فضمنه نكتا بارعة، ولطائف رائعة، واستنباطات دقيقة، كل هذا في أسلوب رائع موجز، وعبارة تدق أحيانا وتخفى إلّا على ذي بصيرة ثاقبة، وفطنة نيرة.\nوهو يهتم أحيانا بذكر القراءات، ولكنه لا يلتزم المتواتر منها فيذكر الشاذ.\nكما أنه يعرض للصناعة النحوية.\nولكن بدون توسع واستفاضة.\nكما أنه يتعرض عند آيات الأحكام لبعض المسائل الفقهية بدون توسع منه في ذلك:\nوإن كان يظهر لنا أنه يميل غالبا لتأييد مذهبه وترويجه، فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (٢٢٨) من سورة البقرة وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ يقول ما نصه: وقروء جمع قرء، وهو يطلق للحيض\n_________\n(١) اقتبسنا هذا من كلام الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه «التفسير والمفسرون» (١/ ٢٩٦) وما بعدها.","vol":"1","page":12},{"text":"كقوله ﵊: دعي الصلاة أيام أقرائك، وللطهر الفاصل بين الحيضتين\n، كقول الأعشى:\nمُوَرِّثَةٌ مَالًا وَفِي الحَيِّ رفْعَةٌ ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نائكا\nوأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض، وهو المراد في الآية لأنه الدال على براءة الرحم لا الحيض كما قاله الحنفية، لقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] أي وقت عدتهن، والطلاق المشروع لا يكون في الحيض.\nوأما\nقوله ﵊: طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان\n، فلا يقاوم ما رواه الشيخان في قصة ابن عمر: مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء ... إلخ.\nكذلك نجد البيضاوي كثيرا ما يقرر مذهب أهل السنة:\nعند ما يعرض لتفسير آية لها صلة بنقطة من نقط النزاع بينهم وبين مذهب المعتزلة.\nفمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآيتين (٢، ٣) من سورة البقرة ... هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) نراه يعرض لبيان معنى الإيمان والنفاق عند أهل السنة والمعتزلة والخوارج، بتوسع ظاهر، وترجيح منه لمذهب أهل السنة.\nومثلا عند تفسيره لقوله تعالى في أول سورة البقرة أيضا: ... وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣] نراه يتعرض للخلاف الذي بين أهل السنة والمعتزلة فيما يطلق عليه اسم الرزق، ويذكر وجهة نظر كل فريق مع ترجيحه لمذهب أهل السنة.\nوالبيضاوي ﵀ مقلّ جدا من ذكر الروايات الإسرائيلية:\nوهو يصدر الرواية بقوله: روي أو قيل، إشعارا منه بضعفها.\nفمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية: (٢٢) من سورة النمل فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) [النمل: ٢٢] يقول بعد فراغه من تفسيرها:\nروي أنه ﵇ لما أتم بناء بيت المقدس تجهز للحج.\nإلخ القصة التي يقف البيضاوي بعد روايتها موقف المجوز لها. غير القاطع بصحتها، حيث يقول ما نصه «ولعل في عجائب قدرة لله وما خص به خاصة عباده أشياء أعظم من ذلك، يستكبرها من يعرفها، ويستنكرها من ينكرها» .\nثم إن البيضاوي إذا عرض للآيات الكونية، فإنه لا يتركها بدون أن يخوض في مباحث الكون والطبيعة ولعل هذه الظاهرة سرت إليه من طريق «التفسير الكبير» للفخر الرازي، الذي استمد منه كما قلنا.\nفمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: فَأَتْبَعَهُ ... شِهابٌ ثاقِبٌ [الصافات: ١٠] نراه يعرض لحقيقة الشهاب فيقول: الشهاب ما يرى كأن كوكبًا انقض. ثم يرد على من يخالف ذلك فيقول: وما قيل إنه بخار يصعد إلى الأثير فيشتعل فتخمين، إن صح لم يناف ذلك..» إلى آخر كلامه في هذا الموضوع.\nقال البيضاوي نفسه في مقدمة «تفسيره» هذا بعد الديباجة ما نصه:\n«... ولطالما أحدّث نفسي بأن أصنف في هذا الفن- يعني التفسير- كتابا يحتوي على صفوة ما بلغني من عظماء الصحابة، وعلماء التابعين ومن دونهم من السّلف الصالحين، وينطوي على نكات بارعة، ولطائف رائعة، استنبطتها أنا ومن قبلي من أفاضل المتأخرين، وأماثل المحققين، ويعرب عن وجوه القراءات المشهورة المعزية إلى الأئمة الثمانية المشهورين، والشواذ المروية عن القراء المعتبرين، إلا أن قصور بضاعتي يثبطني عن الإقدام، ويمنعني عن الانتصاب في هذا المقام، حتى سنح لي بعد الاستخارة ما صمم به عزمي على","vol":"1","page":13},{"text":"الشروع فيما أردته، والإتيان بما قصدته، ناويا أن أسميه «بأنوار التنزيل وأسرار التأويل ...» «١» .\nويقول في آخر الكتاب «٢» ما نصه: «وقد اتفق إتمام تعليق سواد هذا الكتاب المنطوي على فوائد ذوي الألباب، المشتمل على خلاصة أقوال أكابر الأئمة، وصفوة آراء أعلام الأمة، في تفسير القرآن وتحقيق معانيه، والكشف عن عويصات ألفاظه ومعجزات مبانيه، مع الإِيجاز الخالي عن الإخلال، والتلخيص العاري عن الإضلال، المرسوم «بأنوار التنزيل وأسرار التأويل ...» .\nوكأني به في هذه الجملة الأخيرة، يشير إلى أنه اختصر من تفسير «الكشاف» ولخص منه، ضمن ما اختصره ولخصه من كتب التفسير الأخرى، غير أنه ترك ما فيه من نزعات الضلال، وشطحات الاعتزال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>تقريظ هذا التفسير:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>١- قول الإمام السيوطي في هذا التفسير:</span>\nويقول الجلال السيوطي﵀- في حاشيته على هذا التفسير المسماة ب «نواهد الأبكار وشوارد الأفكار» ما نصه:\n«وإن القاضي ناصر الدين البيضاوي لخّص هذا الكتاب فأجاد، وأتى بكل مستجاد، وماز فيه أماكن الاعتزال، وطرح موضع الدسائس وأزال، وحرر مهمات، واستدرك تتمات، فظهر كأنه سبيكة نضار، واشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار، وعكف عليه العاكفون، ولهج بذكر محاسنه الواصفون، وذاق طعم دقائقه العارفون، فأكبّ عليه العلماء تدريسا ومطالعة، وبادروا إلى تلقيه بالقبول رغبة فيه ومسارعة» «٣» .\n٢- ويقول صاحب «كشف الظنون» «٤» ما نصه:\nوتفسيره هذا- يريد تفسير البيضاوي- كتاب عظيم الشأن، غني عن البيان، لخص فيه من «الكشاف» ما يتعلق بالإعراب والمعاني والبيان، ومن «التفسير الكبير» ما يتعلق بالحكمة والكلام، ومن «تفسير الراغب» ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الإشارات.\nوضم إليه ما روى زناد فكره من الوجوه المعقولة، فجلا رين الشك عن السريرة، وزاد في العلم بسطة وبصيرة، كما قال مولانا المنشي:\nأولوا الألباب لم يأتوا ... بكشف قناع ما يتلى\nولكن كان للقاضي ... يد بيضاء لا تبلى\nولكونه متبحرا جال في ميدان فرساون الكلام، فأظهر مهارته في العلوم حسبما يليق بالمقام. كشف القناع تارة عن وجوه محاسن الإشارة، وملح الاستعارة، وهتك الأستار أخرى عن أسرار المعقولات بيد الحكمة ولسانها، وترجمان المناطقة وميزانها، فحل ما أشكل على الأنام، وذلّل لهم صعاب المرام، وأورد في المباحث الدقيقة ما يؤمن به عن الشبه المضلة وأوضح لهم مناهج الأدلة.\nوالذي ذكره من وجوه التفسير ثانيا أو ثالثا أو رابعا بلفظ قيل، فهو ضعيف ضعف المرجوح أو ضعف المردود.\n_________\n(١) انظر مقدمة الجزء الأول.\n(٢) من الجزء الخامس.\n(٣) «المدخل المنير» للشيخ مخلوف الصفحة (٤١) .\n(٤) «كشف الظنون» لحاجي خليفة الصفحة (١٨٧) .","vol":"1","page":14},{"text":"وأما الوجه الذي تفرد فيه، وظن بعضهم أنه مما لا ينبغي أن يكون من الوجوه التفسيرية السنية، كقوله:\nوحمل الملائكة العرش وحفيفهم حوله مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له «١»، ونحوه، فهو ظن من لعله يقصر فهمه عن تصور مبانيه، ولا يبلغ علمه إلى الإحاطة بما فيه، فمن اعترض بمثله على كلامه كأنه ينصب الحبالة للعنقاء، ويروم أن يقنص نسر السماء لأنه مالك زمام العلوم الدينية، والفنون اليقينية، على مذهب أهل السنة والجماعة.\nوقد اعترفوا له قاطبة بالفضل المطلق، وسلموا إليه قصب السبق، فكان تفسيره يحتوي فنونا من العلم وعرة المسالك، وأنواعا من القواعد المختلفة الطرائق، وقل من برز في فن إلّا وصده عن سواه وشغله، والمرء عدوّ لما جهله، فلا يصل إلى مرامه إلا من نظر إليه بعين فكره، وأعمى عين هواه، واستعبد نفسه في طاعة مولاه، حتى يسلم من الغلط والزلل، ويقتدر على رد السفسطة والجدل.\nوأما أكثر الأحاديث التي أوردها في أواخر السور، فإنه لكونه ممن صفت مرآة قلبه، وتعرض لنفحات ربّه، تسامح فيه، وأعرض عن أسباب التجريح والتعديل، ونحا نحو الترغيب والتأويل، عالما بأنها مما فاه صاحبه بزور، ودلى بغرور.\nثم إن هذا الكتاب رزق من عند الله ﷾ بحسن القبول عند جمهور الأفاضل والفحول، فعكفوا عليه بالدرس والتحشية، فمنهم من علق تعليقه على سورة منه، ومنهم من حشى تحشية تامة، ومنهم من كتب على بعض مواضع منه» «٢» انتهى.\nوأشهر هذه الحواشي وأكثرها تداولا ونفعا: «حاشية قاضي زاده»، و«حاشية الشهاب الخفاجي»، و«حاشية القونوي» .\nوجملة القول، فالكتاب من أمهات كتب التفسير، التي لا يستغني عنها من يريد أن يفهم كلام الله تعالى.\n_________\n(١) انظر تفسير البيضاوي عند قوله تعالى في الآية (٧) من سورة غافر الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ... الآية» . [.....]\n(٢) «كشف الظنون»: لحاجي خليفة (١/ ١٨٧- ١٨٨) .","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الحواشي والتعليقات المكتوبة على تفسير البيضاوي </span>«١»\nوهي كثيرة جدا، وصل بها صاحب «كشف الظنون» إلى نحو خمسين، منها ما يقع في مجلدات، ومنها دون ذلك، وهي تعكس أهمية هذا التفسير، ومنها:\n١- حاشية العالم الفاضل محيي الدين محمد بن الشيخ مصلح الدين مصطفى القوجوي المتوفى سنة إحدى وخمسين وتسعمائة (ت ٩٥١ هـ) .\nوهي أعظم الحواشي فائدة وأكثرها نفعا وأسهلها عبارة، كتبها أولا على سبيل الإيضاح والبيان للمبتدئ في ثماني مجلدات، ثم استأنفها ثانيا بنوع تصرف فيه وزيادة عليه، فانتشر هاتان النسختان وتلاعب بهما أيدي النسّاخ حتى كاد أن لا يفرق بينهما. ولبعض الفضول منتخب تلك الحاشية، ولا يخفى أنها من أعزّ الحواشي وأكثرها قيمة واعتبارا وذلك لبركة زهده وصلاحه.\n٢- حاشية العالم مصلح الدين مصطفى بن إبراهيم المشهور بابن التمجيد (ت نحو ٨٨٠ هـ) .\nمعلم السلطان محمد خان الفاتح وهي مفيدة جامعة أيضا لخّصها من حواشي «الكشاف» في ثلاث مجلدات.\n٣- حاشية الفاضل القاضي زكريا بن محمد الأنصاري المصري «٢» المتوفى سنة ست وعشرين وتسعمائة (٩٢٦ هـ) .\nوهي في مجلد سماها «فتح الجليل ببيان خفي أنوار التنزيل»، أولها: الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عبده الكتاب، نبه فيها على الأحاديث الموضوعة التي في أواخر السور.\n٤- حاشية الشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة (ت ٩١١ هـ) .\nوهي في مجلد أيضا سماه «نواهد الأبكار وشوارد الأفكار» .\n٥- حاشية الفاضل أبي الفضل القرشي الصديقي الخطيب المشهور بالكازروني المتوفى في حدود سنة أربعين وتسعمائة (٩٤٥ هـ) .\nوهي حاشية لطيفة في مجلد، أورد فيها من الدقائق والحقائق ما لا يحصى، أولها الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ آيات بينات محكمة.\n٦- حاشية شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني المتوفى سنة ست وثمانين وسبعمائة (٧٨٦ هـ) .\nفي مجلد أيضا أولها الحمد لله الذي وفقنا للخوض.\n٧- حاشية العالم الفاضل محمد بن جمال الدين بن رمضان الشرواني (ت ١٠٦٣ هـ) .\nفي مجلدين أولها: قال الفقير بعد حمد الله العليم العلام.\n_________\n(١) انظر «كشف الظنون» لحاجي خليفة الصفحات (١٨٨- ١٩٣) .\n(٢) ذكر الشعراني في «المنن» أن القاضي زكريا علّقه إملاء بعد أن كفّ بصره لما قرأ عليه، قال: وغالبها بخطي وخط ولده جمال الدين، انتهى منه.","vol":"1","page":16},{"text":"٨- حاشية الشيخ الفاضل صبغة الله بن إبراهيم الحيدري شيخ مشايخ بغداد في عصره (ت ١١٨٧ هـ) .\nوهي كبرى وصغرى، جمع من ثماني عشرة حاشية.\n٩- وحاشية صبغة الله بن روح الله بن جمال الله البروجي الحسيني النقشبندي الفقيه المتصوّف (ت ١٠١٥ هـ) وسمّاها «إراءة الدقائق» .\n١٠- حاشية الشيخ الفاضل جمال الدين إسحاق القراماني المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة (ت ٩٣٣ هـ) وهي حاشية مفيدة جامعة.\n١١- حاشية العالم المشهور بروشني الآيديني.\n١٢- حاشية الشيخ محمود بن الحسين الأفضلي الحاذقي الشهير بالصادقي الكيلاني المتوفى في حدود سنة سبعين وتسعمائة (ت ٩٧٠ هـ) .\nوهي من سورة الأعراف إلى آخر القرآن سماها «هداية الرواة إلى الفاروق المداوي للعجز عن تفسير البيضاوي» وفرغ من تحريرها سنة ثلاث وخمسين تسعمائة.\n١٣- حاشية الشيخ بابا نعمة الله بن محمد النخجواني المتوفى في حدود سنة تسعمائة (ت ٩٠٠ هـ) .\n١٤- حاشية العالم مصطفى بن شعبان الشهير بالسروري المتوفى سنة تسع وستين وتسعمائة (ت ٩٦٩ هـ) .\nوهي كبرى وصغرى، أول الكبرى الحمد لله الذي جعلني كشاف القرآن، ذكر العاشق في ذيل الشقائق أنه كان يكتب كل ما يخطر بالبال في بادي النظر والمطالعة ولا ينظر إليه بعد ذلك.\n١٥- وحاشية المولى الشهير بمنا وعوض المتوفى سنة أربع وتسعين وتسعمائة (ت ٩٩٤ هـ) .\nوهو في نحو ثلاثين مجلدا.\n١٦- وحاشية الشيخ أبي بكر بن أحمد بن الصائغ الحنبلي المتوفى سنة أربع عشرة وسبعمائة (ت ٧١٤ هـ) .\nوسماه «الحسام الماضي في إيضاح غريب القاضي» شرح فيه غريبه، وضم إليه فوائد كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>وأما التعليقات والحواشي الغير التامة فكثيرة جدا:</span>\nفنذكر منها ما وصل إلينا خبره، ونقدم الأشهر فالأشهر فمنها:\n١٧- حاشية المولى المحقق محمد بن فرامرز الشهير بملا خسرو المتوفى سنة خمس وثمانين وثمانمائة (ت ٨٨٥) هـ.\nوهي من أحسن التعليقات عليه بل أرجحها إلى قوله ﷾: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ وذيلها إلى تمام سورة البقرة لمحمد بن عبد الملك البغدادي (الحنفي المتوفى بدمشق سنة ١٠١٦ ذكره «خلاصة الأثر») ألّفه سنة اثنتي عشرة وألّف، أوله الحمد لله هادي المتقين.\n١٨- وحاشية العالم الفاضل نور الدين حمزة «بن محمود» القراماني المتوفى سنة إحدى وسبعين وثمانمائة (ت ٨٧١ هـ) .\nوهي على الزهراوين سماها «تقشير التفسير» .","vol":"1","page":17},{"text":"١٩- وتعليقة سنان الدين يوسف البردعي الشهير بعجم سنان المحشي لشرح الفرائض.\nكتبها إلى قوله ﷾: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ وهي كالخسروية حجما عبر فيها عن ملا حمزة بالأستاذ الأوسط وعن ملا خسرو بالأستاذ الأخير، أوله الحمد لله الذي نور قلوبنا.\n٢٠- وحاشية الفاضل المحقق عصام الدين إبراهيم بن محمد بن عربشاه الإسفرايني المتوفى سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة (ت ٩٤٣ هـ) .\nوهي مشحونة بالتصرفات اللائقة والتحقيقات الفائقة من أول القرآن إلى آخر الأعراف ومن أول سورة النبأ إلى آخر القرآن، أهداها إلى السلطان سليمان خان أوله: الحمد لله الذي عم بارفاد إرشاد الفرقان.\n٢١- وحاشية المولى العلامة سعد الله بن عيسى الشهير بسعدي أفندي المتوفى سنة خمس وأربعين وتسعمائة (ت ٩٤٥ هـ) .\nوهي من أول سورة هود إلى آخر القرآن.\nوأما التي وقعت على الأوائل فجمعها ولده پير محمد من الهوامش فألحقها إلى ما علقه، وفيها تحقيقات لطيفة ومباحث شريفة لخصها من حواشي «الكشاف» وضم إليها ما عنده من تصرفاته المسلمة فوقع اعتماد المدرسين عليها ورجوعهم عند البحث والمذاكرة إليها، وقد علقوا عليها رسائل لا تحصى.\n٢٢- وحاشية الفاضل سنان الدين يوسف بن حسام المتوفى سنة ست وثمانين وتسعمائة (ت ٩٨٦ هـ) .\nوهي أيضا حاشية مقبولة من أول الأنعام إلى آخر الكهف، وعلق على سورة الملك والمدثر والقمر وألحقها وأهداها إلى السلطان السليم خان الثاني.\n٢٣- وحاشية المولى محمد بن عبد الوهاب الشهير بعبد الكريم زاده المتوفى سنة خمس وسبعين وتسعمائة (ت ٩٧٥ هـ) .\nوهي من أول القرآن إلى سورة طه ولم تنتشر.\n٢٤- وتعليقة المولى مصطفى بن محمد الشهير ببستان أفندي المتوفى سنة سبع وسبعين وتسعمائة (ت ٩٧٧ هـ) .\nوهي على سورة الأنعام خاصة.\n٢٥- وتعليقة محمد بن مصطفى بن الحاج حسن المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة (ت ٩١١ هـ) .\nوهي أيضا على سورة الأنعام.\n٢٦- وتعليقة العالم الفاضل مصلح الدين محمد اللاري المتوفى سنة سبع وسبعين وتسعمائة (ت ٩٧٧ هـ) .\nوهي إلى آخر الزهراوين مشحونة بالمباحث الدقيقة.\n٢٧- وتعليقة نصر الله الرومي.\nوفي «أعلام» الزركلي (٨/ ٣١): نصر الله بن محمد العجمي الخلخالي الشافعي (ت ٩٦٢ هـ) له «حاشية على أنوار التنزيل» للبيضاوي.\n٢٨- وتعليقة الشيخ الأديب غرس الدين الحلبي الطبيب.\n٢٩- وتعليقة المحقق الملا حسين (حسن) الخلخالي الحسيني (ت ١٠١٤ هـ) .\nمن سور يس إلى آخر القرآن، أولها: الحمد لله الذي توله العرفاء في كبرياء ذاته.","vol":"1","page":18},{"text":"٣٠- وتعليقة محيي الدين محمد الإسكليبي المتوفى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة (ت ٩٢٢ هـ) .\n٣١- وتعليقة محيي الدين محمد بن القاسم الشهير بالأخوين المتوفى سنة أربع وتسعمائة (ت ٩٠٤ هـ) .\nوهي على الزهراوين.\n٣٢- وتعليقة السيد أحمد بن عبد الله القريمي المتوفى سنة خمسين وثمانمائة (٨٥٠) .\nوهي إلى قريب من تمامه.\n٣٣- وتعليقة الفاضل محمد بن كمال الدين التاشكندي.\nعلى سورة الأنعام أهداها إلى السلطان سليم خان.\n٣٤- وتعليقة المولى زكريا بن بيرام الأنقروي المتوفى سنة إحدى وألف (ت ١٠٠١ هـ) .\nوهي على سورة الأعراف.\n٣٥- وتعليقة المولى محمد بن عبد الغني المتوفى سنة ست وثلاثين وألف (ت ١٠٣٦ هـ) .\nإلى نصف البقرة في نحو خمسين جزءا.\n٣٦- وتعليقة الفاضل محمد أمين الشهير بابن صدر الدين الشرواني المتوفى سنة عشرين وألف (ت ١٠٢٠ هـ) .\nوهي إلى قوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ أورد عبارة البيضاوي تماما بقوله وبدأ بما بدأ في الصفدي في «شرح لامية العجم» وهو قوله: الحمد لله الذي شرح صدر من تأدب.\n٣٧- وتعليقة المولى هداية الله العلائي المتوفى سنة تسع وثلاثين وألف (ت ١٠٣٩ هـ) .\n٣٨- وتعليقة الفاضل محمد الشرانشي.\nوهي على جزء النبأ.\n٣٩- وتعليقة الفاضل محمد أمين بن محمود الشهير بأمير بادشاه البخاري الحسيني نزيل مكة المتوفى سنة (٩٧٢ هـ) .\nوهي إلى سورة الأنعام.\n٤٠- وتعليقة الفاضل محمد بن موسى البسنوي المتوفى سنة ست وأربعين وألف (ت ١٠٤٦ هـ) .\nوهي إلى آخر سورة الأنعام كتبها على طريق الإيجاز، بل على سبيل التعمية والألغاز، أولها: الحمد لله الذي فضل بضله العالمين على الجاهلين.\n٤١- وتعليقة الفاضل المشهور بالعلائي ابن محبّي الشيرازي «علاء الدين علي بن محيي الدين محمد المتوفى سنة (٩٤٥) الشريف.\nوهي على الزهراوين، أولها: الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عبده الكتاب، فرغ عنها في رجب سنة خمس وأربعين وتسعمائة وسماها «مصباح التعديل في كشف أنوار التنزيل» .\n٤٢- وتعليقة المولى أحمد بن روح الله الأنصاري المتوفى سنة تسع وألف (ت ١٠٠٩ هـ) .\nوهي إلى آخر الأعراف.\n٤٣- وتعليقة محمد بن إبراهيم ابن الحنبلي الحلبي المتوفى سنة إحدى وسبعين وتسعمائة (ت ٩٧١ هـ) .","vol":"1","page":19},{"text":"٤٤- وصنف الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن يوسف بن علي بن يوسف (ت ٩٤٢ هـ) الشامي الشافعي مختصرا سماه «الإتحاف بتمييز ما تبع فيه البيضاوي صاحب الكشاف» .\nأوله الحمد لله الهادي للصواب.\n٤٥- والشيخ عبد الرؤوف المناوي خرج أحاديثه في كتاب أوله: الله أحمد أن جعلني من خدام أهل الكتاب، وسماه «الفتح السماوي بتخريج أحاديث البيضاوي» .\n٤٦- وممن علق عليه كمال الدين محمد بن محمد بن أبي شريف القدسي المتوفى سنة ثلاث وتسعمائة (ت ٩٠٣ هـ) .\n٤٧- والشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي المتوفي سنة تسع وسبعين وثمانمائة (ت ٨٧٩ هـ) .\nكتب إلى قوله ﷾ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ.\n٤٨- والعلامة السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني المتوفى سنة عشرة وثمانمائة (ت ٨١٦ هـ) .\nذكره السخاوي نقلا عن سبطه.\n٤٩- ومن التعليقات عليه مع الكشاف وتفسير أبي السعود تعليقة الشيخ رضي الدين محمد بن يوسف الشهير بابن أبي اللطف القدسي (المتوفى سنة ١٠٢٨) .\nوهي في مجلد ضخم أوله: الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عبده الكتاب، علقها في درسه عند الصخرة إلى آخر الأنعام، فبيضها وأرسلها إلى المولى أسعد المفتي.\n٥٠- و«مختصر تفسير البيضاوي» لمحمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بإمام الكاملية الشافعي القاهري المتوفى سنة أربع وسبعين وثمانمائة (ت ٨٧٤ هـ) .","vol":"1","page":20},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «قرآن كريم»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>خطبة الكتاب</span>\nالحمد لله الذي نَزَّلَ الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، فتحدى بأقصر سورة من سورة مصاقع الخطباء من العرب العرباء فلم يجد به قديرا، وأفحم من تصدى لمعارضته من فصحاء عدنان وبلغاء قحطان حتى حسوا أنهم سحروا تسحيرا، ثم بين لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ حسبما عن لهم من مصالحهم ليدبروا آياته، وليتذكر أولو الألباب تذكيرا، فكشف لهم قناع الانغلاق عن آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات هن رموز الخطاب تأويلا وتفسيرا، وأبرز غوامض الحقائق ولطائف الدقائق، ليتجلى لهم خفايا الملك والملكوت وخبايا قدس الجبروت ليتفكروا فيها تفكيرا، ومهد لهم قواعد الأحكام وأوضاعها من نصوص الآيات وألماعها، ليذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا، فمن كان له قلب أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شهيد، فهو في الدارين حميد وسعيد، ومن لم يرفع إليه رأسه وأطفأ نبراسه، يعش ذميما ويصل سعيرا فيا واجب الوجود، ويا فائض الجود، ويا غاية كل مقصود، صل عليه صلاة توازي غناءه، وتجازي غناءه، وعلى من أعانه وقرر تبيانه تقريرا، وأفض علينا من بركاتهم واسلك بنا مسالك كراماتهم، وسلم عليهم وعلينا تسليما كثيرا.\nوبعد، فإن أعظم العلوم مقدارا وأرفعها شرفا ومنارا، علم التفسير الذي هو رئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها، لا يليق لتعاطيه والتصدي للتكلم فيه إلا من برع في العلوم الدينية كلها أصولها وفروعها، وفاق في الصناعات العربية والفنون الأدبية بأنواعها.\nولطالما أحدث نفسي بأن أصنف في هذا الفن كتابا يحتوي على صفوة مما بلغني من عظماء الصحابة، وعلماء التابعين، ومن دونهم من السلف الصالحين، وينطوي على نكت بارعة، ولطائف رائعة، استنبطتها أنا ومن قبلي من أفاضل المتأخرين، وأماثل المحققين، ويعرب عن وجوه القراءات المشهورة المعزوّة إلى الأئمة الثمانية المشهورين، والشواذ المروية عن القراء المعتبرين.\nإلا أن قصور بضاعتي يثبطني عن الإقدام، ويمنعني عن الانتصاب في هذا المقام حتى سنح لي بعد الاستخارة ما صمم به عزمي على الشروع فيما أردته، والإتيان بما قصدته، ناويا أن أسميه بعد أن أتممه «بأنوار التنزيل وأسرار التأويل» .\nفها أنا الآن أشرع وبحسن توفيقه، أقول وهو الموفق لكل خير ومعطي كل مسؤول.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>(١) سورة الفاتحة</span>\nمكية وآيها سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم وتسمى أم القرآن، لأنها مفتتحة ومبدؤه فكأنها أصله ومنشؤه، ولذلك تسمى أساسا. أو لأنها تشتمل على ما فيه من الثناء على الله ﷾، والتعبد بأمره ونهيه وبيان وعده ووعيده. أو على جملة معانيه من الحكم النظرية، والأحكام العملية التي هي سلوك الطريق المستقيم والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء. وسورة الكنز والوافية والكافية لذلك. وسورة الحمد والشكر والدعاء. وتعليم المسألة لاشتمالها عليها والصلاة لوجوب قراءتها أو استحبابها فيها. والشافية والشفاء\nلقوله ﵊: «هي شفاء من كل داء»\n. و«السبع المثاني» لأنها سبع آيات بالاتفاق، إلا أن منهم من عد التسمية دون أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، ومنهم من عكس، وتثنى في الصلاة، أو الإنزال إن صح أنها نزلت بمكة حين فرضت الصلاة، وبالمدينة حين حولت القبلة، وقد صح أنها مكية لقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي، وهو مكي بالنص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>[سورة الفاتحة (١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من الفاتحة، ومن كل سورة، وعليه قراءة مكة والكوفة وفقهاؤهما وابن المبارك رحمه الله تعالى والشافعي. وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها ومالك والأوزاعي، ولم ينص أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيه بشيء فظن أنها ليست من السورة عنده.\nوسئل محمد بن الحسن عنها فقال: ما بين الدفتين كلام الله تعالى\n. ولنا أحاديث كثيرة: منها\nما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه ﵊ قال: «فاتحة الكتاب سبع آيات، أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم» .\nوقول أم سلمة ﵂ «قرأ رسول الله ﷺ الفاتحة وعد «بسم الله الرحمن الرحيم الحمد للَّهِ رَبّ العالمين» آية\nومن أجلهما اختلف في أنها آية برأسها أم بما بعدها، والإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله ﷾، والوفاق على إثباتها في المصاحف مع المبالغة في تجريد القرآن حتى لم تكتب آمين. والباء متعلقة بمحذوف تقديره:\nبسم الله أقرأ لأن الذي يتلوه مقروء. وكذلك يضمر كل فاعل ما يجعل التسمية مبدأ له، وذلك أولى من أن يضمر أبدأ لعدم ما يطابقه ويدل عليه. أو ابتدائي لزيادة إضمار فيه، وتقديم المعمول هاهنا أوقع كما في قوله:\nبِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ لأنه أهم وأدل على الاختصاص، وأدخل في التعظيم وأوفق للوجود فإن اسمه ﷾ مقدم على القراءة، كيف لا وقد جعل آلة لها من حيث إن الفعل لا يتم ولا يعتد به شرعًا ما لم يصدر باسمه تعالى\nلقوله ﵊ «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»\n، وقيل الباء للمصاحبة، والمعنى متبركًا باسم الله تعالى اقرأ، وهذا وما بعده إلى آخر السورة مقول على ألسنة العباد ليعلموا كيف يتبرك باسمه، ويحمد على نعمه، ويُسأل من فضله، وإنما كسرت ومن حق الحروف المفردة أن تفتح، لاختصاصها باللزوم الحرفية والجر، كما كسرت لام الأمر ولام الإضافة داخلة على المظهر للفصل بينهما وبين لام الابتداء، والاسم عند أصحابنا البصريين من الأسماء التي حذفت أعجازها لكثرة الاستعمال، وبنيت أوائلها على السكون، وأدخل عليها مبتدأ بها همزة الوصل، لأن من دأبهم أن يبتدئوا","vol":"1","page":25},{"text":"بالمتحرك ويقفوا على الساكن. ويشهد له تصريفه على أسماء وأسامي وسمى وسميت ومجيء سمي كهدى لغة فيه قال:\nوالله أسماك سمىً مُباركًا ... آثرك الله بهِ إيَثَاركا\nوالقلب بعيد غير مطرد، واشتقاقه من السمو لأنه رفعة للمسمى وشعار له. ومن السمة عند الكوفيين، وأصله وسم حذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل ليقل إعلاله. ورد بأن الهمزة لم تعهد داخلة على ما حذف صدره في كلامهم، ومن لغاته سم وسم قال:\nبِسْمِ الذي في كُلِّ سُورةٍ سِمُهْ والاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى، لأنه يتألف من أصوات متقطعة غير قارة، ويختلف باختلاف الأمم والأعصار، ويتعدد تارة ويتحد أخرى. والمسمى لا يكون كذلك، وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمى لكنه لم يشتهر بهذا المعنى وقوله تعالى: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ المراد به اللفظ لأنه كما يجب تنزيه ذاته ﷾ وصفاته عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب. أو الاسم فيه مقحم كما في قول الشاعر:\nإلى الحولِ ثُم اسمُ السلامِ عليكُما وإن أريد به الصفة، كما هو رأي الشيخ أبي الحسن الأشعري، انقسم انقسام الصفة عنده: إلى ما هو نفس المسمى، وإلى ما هو غيره، وإلى ما ليس هو ولا غيره. وإنما قال بسم الله ولم يقل بالله، لأن التبرك والاستعانة بذكر اسمه. أو للفرق بين اليمين والتيمن. ولم تكتب الألف على ما هو وضع الخط لكثرة الاستعمال وطولت الباء عوضًا عنها. والله أصله إله، فحذفت الهمزة وعوض عنها الألف واللام ولذلك قيل:\nيا الله، بالقطع إلا أنه مختص بالمعبود بالحق. والإله في الأصل لكل معبود، ثم غلب على المعبود بالحق.\nواشتقاقه من أله ألهة وألوهة وألوهية بمعنى عبد، ومنه تأله واستأله، وقيل من أله إذا تحير لأن العقول تتحير في معرفته. أو من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه، لأن القلوب تطمئن بذكره، والأرواح تسكن إلى معرفته.\nأو من أله إذا فزع من أمر نزل عليه، وآلهة غيره أجاره إذ العائذ يفزع إليه وهو يجيره حقيقة أو بزعمه. أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه، إذ العباد يولعون بالتضرع إليه في الشدائد. أو من وله إذا تحير وتخبط عقله، وكان أصله ولاه فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها استثقال الضمة في وجوه، فقيل إله كإعاء وإشاح، ويرده الجمع على آلهة دون أولهة. وقيل أصله لاه مصدر لاه يليه ليها ولاها، إذا احتجب وارتفع لأنه ﷾ محجوب عن إدراك الأبصار، ومرتفع على كل شيء وعما لا يليق به ويشهد له قول الشاعر:\nكحِلفةٍ من أبي رباحٍ ... يُشهِدْهَا لاهَهْ الكِبَارُ\nوقيل علم لذاته المخصوصة لأنه يوصف ولا يوصف به، ولأنه لا بد له من اسم تجري عليه صفاته ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه، ولأنه لو كان وصفًا لم يكن قول: لا إله إلا الله، توحيدًا مثل: لا إله إلا الرحمن، فإنه لا يمنع الشركة، والأظهر أنه وصف في أصله لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره وصار له كالعلم مثل: الثريا والصعق أجرى مجراه في إجراء الأوصاف عليه، وامتناع الوصف به، وعدم تطرق احتمال الشركة إليه، لأن ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر حقيقي أو غيره غير معقول للبشر، فلا يمكن أن يدل عليه بلفظ، ولأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوصة لما أفاد ظاهر قوله ﷾: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ معنى صحيحًا، ولأن معنى الاشتقاق هو كون أحد اللفظين مشاركًا للآخر في المعنى والتركيب، وهو حاصل بينه وبين الأصول المذكورة، وقيل أصله لاها بالسريانية فعرب بحذف الألف الأخيرة، وإدخال اللام عليه، وتفخيم لامه إذا انفتح ما قبله أو انضم سنة، وقيل مطلقًا، وحذف ألفه لحن تفسد به","vol":"1","page":26},{"text":"الصلاة، ولا ينعقد به صريح اليمين، وقد جاء لضرورة الشعر:\nألاَ لا باركَ الله في سُهيلٍ ... إذا ما الله باركَ في الرّجال\nوالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اسمان بنيا للمبالغة من رحم، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمة في اللغة: رقة القلب، وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان، ومنه الرَّحِم لانعطافها على ما فيها. وأسماء الله تعالى إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادي التي تكون انفعالات. والرَّحْمنِ أبلغ من الرَّحِيمِ، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قَطَّعَ وقَطَعَ وكَبَّار وكِبَار، وذلك إنما يؤخذ تارة باعتبار الكمية، وأخرى باعتبار الكيفية، فعلى الأول قيل: يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن، وعلى الثاني قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا، لأن النعم الأخروية كلها جسام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة، وإنما قدم والقياس يقتضي الترقي من الأدنى إلى الأعلى، لتقدم رحمة الدنيا، ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وذلك لا يصدق على غيره لأن من عداه فهو مستعيض بلطفه وإنعامه يريد به جزيل ثواب أو جميل ثناء أو مزيج رقة الجنسية أو حب المال عن القلب، ثم إنه كالواسطة في ذلك لأن ذات النعم ووجودها، والقدرة على إيصالها، والداعية الباعثة عليه، والتمكن من الانتفاع بها، والقوى التي بها يحصل الانتفاع، إلى غير ذلك من خلقه لا يقدر عليها أحد غيره. أو لأن الرحمن لما دل على جلائل النعم وأصولها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها، فيكون كالتتمة والرديف له. أو للمحافظة على رؤوس الآي.\nوالأظهر أنه غير مصروف وإن حظر اختصاصه بالله تعالى أن يكون له مؤنث على فعلى أو فعلانة إلحاقًا له بما هو الغالب في بابه. وإنما خص التسمية بهذه الأسماء ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان به في مجامع الأمور، هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى النعم كلها عاجلها وآجلها، جليلها وحقيرها، فيتوجه بشَرَاشِرِهِ إلى جناب القدس، ويتمسك بحبل التوفيق، ويشغل سره بذكره والاستعداد به عن غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>[سورة الفاتحة (١): آية ٢]</span>\nالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الحمد: هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها، والمدح: هو الثناء على الجميل مطلقًا. تقول حمدت زيدًا على علمه وكرمه، ولا تقول حمدته على حسنه، بل مدحته. وقيل هما أخوان. والشكر: مقابلة النعمة قولًا وعملًا واعتقادًا قال:\nأفادَتْكُمُ النُعْمَاءُ مني ثلاثَةً ... يَدي ولساني والضَّميرَ المُحجَّبا\nفهو أعم منهما من وجه، وأخص من آخر ولما كان الحمد من شعب الشكر أشيع للنعمة، وأدل على مكانها لخفاء الاعتقاد، وما في آداب الجوارح من الاحتمال جعل رأس الشكر والعمدة فيه\nفقال ﵊: «الحمد رأس الشكر، وما شكر الله من لم يحمده» .\nوالذم نقيض الحمد والكفران نقيض الشكر. ورفعه بالابتداء وخبره لله وأصله النصب وقد قرئ به، وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته له دون تجدده وحدوثه. وهو من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة لا تكاد تستعمل معها، والتعريف فيه للجنس ومعناه: الإشارة إلى ما يعرف كل أحد أن الحمد ما هو؟ أو للاستغراق، إذ الحمد في الحقيقة كله له، إذ ما من خير إلا وهو موليه بوسط أو بغير وسط كما قال تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وفيه إشعار بأنه تعالى حي قادر مريد عالم. إذ الحمد لا يستحقه إلا من كان هذا شأنه. وقرئ الحمد لله بإتباع الدال اللام وبالعكس تنزيلًا لهما من حيث إنهما يستعملان معًا منزلة كلمة واحدة.","vol":"1","page":27},{"text":"رَبِّ الْعالَمِينَ الرب في الأصل مصدر بمعنى التربية: وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا، ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل. وقيل: هو نعت من رَبِّه يربه فهو رب، كقولك نم ينم فهو نم، ثم سمى به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه. ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيدًا كقوله: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ والعالم اسم لما يعلم به، كالخاتم والقالب، غلب فيما يعلم به الصانع تعالى، وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض، فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته تدل على وجوده، وإنما جمعه ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة، وغلب العقلاء منهم فجمعه بالياء والنون كسائر أوصافهم. وقيل: اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع. وقيل: عني به الناس هاهنا فإن كل واحد منهم عالم من حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض يُعْلَمُ بها الصانع كما يعلم بما أبدعه في العالم الكبير، ولذلك سوى بين النظر فيهما، وقال تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ، أَفَلا تُبْصِرُونَ. وقرئ رَبِّ الْعالَمِينَ بالنصب على المدح. أو النداء. أو بالفعل الذي دل عليه الحمد، وفيه دليل على أن الممكنات كما هي مفتقرة إلى المحدث حال حدوثها فهي مفتقرة إلى المبقي حال بقائها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>[سورة الفاتحة (١): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)\nالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كرره للتعليل على ما سنذكره.\nمالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قراءة عاصم والكسائي ويعقوب ويعضده قوله تعالى: يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ. وقرأ الباقون: مَلِكِ. وهو المختار لأنه قراءة أهل الحرمين ولقوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟. ولما فيه من التعظيم. والمالك هو المتصرف في الأعيان المملوكة كيف يشاء من الملك. والملك هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين من الملك. وقرئ ملك بالتخفيف وملك بلفظ الفعل. ومالكا بالنصب على المدح أو الحال، ومالك بالرفع منونًا ومضافًا على أنه خبر مبتدأ محذوف، وملك مضافًا بالرفع والنصب. ويوم الدين يوم الجزاء ومنه «كما تدين تدان» وبيت الحماسة:\nولم يَبْقَ سِوَى العدوا ... نِ دِناهُمْ كما دَانُوا\nأضاف اسم الفاعل إلى الظرف إجراء له مجرى المفعول به على الاتساع كقولهم: يَا سَارِقَ اللْيلَةَ أَهْلَ الدار، ومعناه، ملك الأمور يوم الدين على طريقة وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ. أوله الملك في هذا اليوم، على وجه الاستمرار لتكون الإضافة حقيقية معدة لوقوعه صفة للمعرفة، وقيل: الدِّينِ الشريعة، وقيل: الطاعة.\nوالمعنى يوم جزاء الدين، وتخصيص اليوم بالإضافة: إما لتعظيمه، أو لتفرده تعالى بنفوذ الأمر فيه، وإجراء هذه الأوصاف على الله تعالى من كونه موجدًا للعالمين ربًا لهم منعمًا عليهم بالنعم كلها ظاهرها وباطنها عاجلها وآجلها، مالكًا لأمورهم يوم الثواب والعقاب، للدلالة على أنه الحقيق بالحمد لا أحد أحق به منه بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف يشعر بعليته له، وللإشعار من طريق المفهوم على أن من لم يتصف بتلك الصفات لا يستأهل لأن يحمد فضلًا عن أن يعبد، فيكون دليلًا على ما بعده، فالوصف الأول لبيان ما هو الموجب للحمد، وهو الإيجاد والتربية. والثاني والثالث للدلالة على أنه متفضل بذلك مختار فيه، ليس يصدر منه لإيجاب بالذات أو وجوب عليه قضية لسوابق الأعمال حتى يستحق به الحمد. والرابع لتحقيق الاختصاص فإنه مما لا يقبل الشركة فيه بوجه ما، وتضمين الوعد للحامدين والوعيد للمعرضين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>[سورة الفاتحة (١): آية ٥]</span>\nإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)\nإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ثم إنه لما ذكر الحقيق بالحمد، ووصف بصفات عظام تميز بها عن سائر","vol":"1","page":28},{"text":"الذوات وتعلق العلم بمعلوم معين خوطب بذلك، أي: يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة، ليكون أدل على الاختصاص، وللترقي من البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشهود، فكأن المعلوم صار عيانًا والمعقول مشاهدًا والغيبة حضورًا، بنى أول الكلام على ما هو مبادي حال العارف من الذكر والفكر والتأمل في أسمائه والنظر في آلائه والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه وباهر سلطانه، ثم قفى بما هو منتهى أمره وهو أن يخوض لجة الوصول ويصير من أهل المشاهدة فيراه عيانًا ويناجيه شفاهًا.\nاللهم اجعلنا من الواصلين للعين دون السامعين للأثر. ومن عادة العرب التفنن في الكلام والعدول من أسلوب إلى آخر تطرية له وتنشيطًا للسامع، فيعدل من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم وبالعكس، كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ وقوله: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ وقول امرئ القيس:\nتطاوَلَ ليلُكَ بالإِثمدِ ... ونامَ الخليُّ ولم تَرْقُدِ\nوباتَ وباتَتْ له ليلة ... كَلَيْلَةِ ذي العائرِ الأرْمَدِ\nوَذَلِكَ منْ نَبَأ جاءني ... وَخبرْتهُ عَن أَبي الأَسْودِ\nوإيا ضمير منصوب منفصل، وما يلحقه من الياء والكاف والهاء حروف زيدت لبيان التكلم والخطاب والغيبة لا محل لها من الإعراب، كالتاء في أنتَ والكاف في أرأيتك. وقال الخليل: إيا مضاف إليها، واحتج بما حكاه عن بعض العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب، وهو شاذ لا يعتمد عليه. وقيل: هي الضمائر، وإيا عمدة فإنها لما فصلت عن العوامل تعذر النطق بها مفردة فضم إليها إيا لتستقل به، وقيل:\nالضمير هو المجموع. وقرئ إِيَّاكَ بفتح الهمزة و«هياك» بقلبها هاء.\nوالعبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلل ومنه طريق معبَّد أي مذلل، وثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة، ولذلك لا تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى.\nوالاستعانة: طلب المعونة وهي: إما ضرورية، أو غير ضرورية. والضرورية ما لا يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوره وحصول آلة ومادة يفعل بها فيها وعند استجماعها يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل. وغير الضرورية تحصيل ما يتيسر به الفعل ويسهل كالراحلة في السفر للقادر على المشي، أو يقرب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه، وهذا القسم لا يتوقف عليه صحة التكليف والمراد طلب المعونة في المهمات كلها، أو في أداء العبادات، والضمير المستكن في الفعلين للقارئ ومن معه من الحفظة، وحاضري صلاة الجماعة. أو له ولسائر الموحدين. أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها ويجاب إليها ولهذا شرعت الجماعة وقدم المفعول للتعظيم والاهتمام به والدلالة على الحصر ولذلك قال ابن عباس ﵄ (معناه نعبدك ولا نعبد غيرك) وتقديم ما هو مقدم في الوجود والتنبيه على أن العابد ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولًا وبالذات، ومنه إلى العبادة لا من حيث إنها عبادة صدرت عنه بل من حيث إنها نسبة شريفة إليه ووصلة سنية بينه وبين الحق، فإن العارف إنما يحق وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه، حتى إنه لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها إلا من حيث إنها ملاحظة له ومنتسبة إليه، ولذلك فضل ما حكى الله عن حبيبه حين قال: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا. على ما حكاه عن كليمه حين قال: إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ. وكرر الضمير للتنصيص على أنه المستعان به لا غير، وقدمت العبادة على الاستعانة ليتوافق رؤوس الآي، ويعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة.\nوأقول: لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أو هم ذلك تبجحًا واعتدادًا منه بما يصدر عنه، فعقبه بقوله:","vol":"1","page":29},{"text":"وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ليدل على أن العبادة أيضًا مما لا يتم ولا يستتب له إلا بمعونة منه وتوفيق، وقيل: الواو للحال والمعنى نعبدك مستعينين بك. وقرئ بكسر النون فيهما وهي لغة بني تميم فإنهم يكسرون حروف المضارعة سوى الياء إذا لم ينضم ما بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>[سورة الفاتحة (١): آية ٦]</span>\nاهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)\nاهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ بيان للمعونة المطلوبة فكأنه قال: كيف أعينكم فقالوا اهْدِنَا. أو إفراد لما هو المقصود الأعظم. والهداية دلالة بلطف ولذلك تستعمل في الخير وقوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ وارد على التهكم. ومنه الهداية وهوادي الوحش لمقدماتها، والفعل منه هدى، وأصله أن يعدى باللام، أو إلى، فعومل معاملة اختار في قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ وهداية الله تعالى تتنوع أنواعًا لا يحصيها عد كما قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها ولكنها تنحصر في أجناس مترتبة:\nالأول: إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.\nالثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار حيث قال: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ وقال: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى.\nالثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإياها عنى بقوله: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وقوله:\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.\nالرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي، أو الإلهام والمنامات الصادقة، وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء وإياه عنى بقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ. وقوله:\nوَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا. فالمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المرتبة عليه. فإذا قاله العارف بالله الواصل عنى به: أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا، وتميط غواشي أبداننا، لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك. والأمر والدعاء يتشاركان لفظًا ومعنى ويتفاوتان بالاستعلاء والتسفل، وقيل: بالرتبة.\nوالسراط: من سرط الطعام إذا ابتلعه فكأنه يسرط السابلة، ولذلك سمي لقمًا لأنه يلتقمهم. والصِّراطَ من قلب السين صادًا ليطابق الطاء في الإطباق، وقد يشم الصاد صوت الزاي ليكون أقرب إلى المبدل منه. وقرأ ابن كثير برواية قنبل عنه، ورويس عن يعقوب بالأصل، وحمزة بالإشمام، والباقون بالصاد وهو لغة قريش، والثابت في الإمام وجمعه سُرُطْ ككتب وهو كالطريق في التذكير والتأنيث.\nوالْمُسْتَقِيمَ المستوي والمراد به طريق الحق، وقيل: هو ملة الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>[سورة الفاتحة (١): آية ٧]</span>\nصِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)\nصِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بدل من الأول بدل الكل، وهو في حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود بالنسبة، وفائدته التوكيد والتنصيص على أن طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة على آكد وجه وأبلغه لأنه جعل كالتفسير والبيان له فكأنه من البين الذي لا خفاء فيه أن الطريق المستقيم ما يكون طريق المؤمنين. وقيل: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ الأنبياء، وقيل: النبي ﷺ وأصحابه وقيل: أصحاب موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام قبل التحريف والنسخ. وقرئ: «صراط مِنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» والإنعام: إيصال النعمة، وهي في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان فأطلقت لما يستلذه من النعمة وهي اللين، ونعم الله وإن كانت","vol":"1","page":30},{"text":"لا تحصى كما قال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها تنحصر في جنسين: دنيوي وأخروي.\nوالأول قسمان: موهبي وكسبي والموهبي قسمان: روحاني كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوى كالفهم والفكر والنطق، وجسماني كتخليق البدن والقوى الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء والكسبي تزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية والملكات الفاضلة، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلى المستحسنة وحصول الجاه والمال.\nوالثاني: أن يغفر له ما فرط منه ويرضى عنه ويبوئه في أعلى عليين مع الملائكة المقربين أبد الآبدين.\nوالمراد هو القسم الأخير وما يكون وصلة إلى نيله من الآخرة فإن ما عدا ذلك يشترك فيه المؤمن والكافر.\nغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ بدل من الَّذِينَ على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال. أو صفة له مبينة أو مقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من الغضب والضلال وذلك إنما يصح بأحد تأويلين، إجراء الموصول مجرى النكرة إذا لم يقصد به معهود كالمحلى في قوله:\nولَقَد أَمرُّ على اللئيمِ يَسُبُّني وقولهم: إني لأمر على الرجل مثلك فيكرمني. أو جعل غير معرفة بالإضافة لأنه أضيف إلى ماله ضد واحد وهو المنعم عليهم، فيتعين تعين الحركة من غير السكون.\nوعن ابن كثير نصبه على الحال من الضمير المجرور والعامل أنعمت. أو بإضمار أعني. أو بالاستثناء إن فسر النعم بما يعم القبيلين، والغضب: ثوران النفس إرادة الانتقام، فإذا أسند إلى الله تعالى أريد به المنتهى والغاية على ما مر، وعليهم في محل الرفع لأنه نائب مناب الفاعل بخلاف الأول، ولا مزيدة لتأكيد ما في غير من معنى النفي، فكأنه قال: لا المغضوب عليهم ولا الضالين، ولذلك جاز أنا زيدًا غير ضارب، كما جاز أنا زيدًا لا ضارب، وإن امتنع أنا زيدا مثل ضارب، وقرئ «وَغَيْرُ الضالين» والضلال: العدول عن الطريق السوي عمدًا أو خطأ، وله عرض عريض والتفاوت ما بين أدناه وأقصاه كثير.\nقيل: الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ اليهود لقوله تعالى فيهم: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ. والضَّالِّينَ النصارى لقوله تعالى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا. وقد روي مرفوعًا، ويتجه أن يقال: المغضوب عليهم العصاة والضالين الجاهلون بالله، لأن المنعم عليه من وفق للجمع بين معرفة الحق لذاته والخير للعمل به، وكان المقابل له من اختل إحدى قوتيه العاقلة والعاملة. والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه لقوله تعالى في القاتل عمدًا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. والمخل بالعقل جاهل ضال لقوله: فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ.\nوقرئ: ولا «الضألين» بالهمزة على لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين.\n- آمين- اسم الفعل الذي هو استجب.\nوعن ابن عباس قال سألت رسول الله ﷺ عن معناه فقال: «افعل بني على الفتح كأين لالتقاء الساكنين»\n، وجاء مد ألفه وقصرها قال:\nويرحَمُ الله عبدًا قالَ آمِينا وقال:\nأمينَ فزادَ الله ما بيننا بُعدا وليس من القرآن وفاقا، لكن يسن ختم السورة به\nلقوله ﵊ «علمني جبريل آمين عند فراغي من قراءة الفاتحة وقال إنه كالختم على الكتاب»\n. وفي معناه\nقول علي ﵁: آمين خاتم رب العالمين، ختم به دعاء عبده\n. يقوله الإمام ويجهر به في الجهرية لما\nروي عن وائل بن حجر «أنه ﵊ كان إذا قرأ ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته» .","vol":"1","page":31},{"text":"وعن أبي حنيفة ﵁ أنه لا يقوله: والمشهور عنه أنه يخفيه كما رواه عبد الله بن مغفل وأنس، والمأموم يؤمن معه\nلقوله ﵊: «إذا قال الإمام «وَلاَ الضالين» فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» .\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لأبيّ «ألا أخبرك بسورة لم يُنَزَّل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها» . قال: قلت بلى يا رسول الله.\nقال: فاتحة الكتاب إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» .\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «بينا رسول الله ﷺ جالس إذ أتاه ملك فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أعطيته» .\nوعن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال: «إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتمًا مقضيًا فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة» .","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>(٢) سورة البقرة</span>\nمدنية وآيها مائتان وسبع وثمانون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>[سورة البقرة (٢): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١)\nالم وسائر الألفاظ التي يتهجى بها، أسماء مسمياتها الحروف التي ركبت منها الكلم لدخولها في حد الاسم، واعتوار ما يخص به من التعريف والتنكير والجمع والتصغير ونحو ذلك عليها، وبه صرح الخليل وأبو علي. وما\nروي ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه ﵊ قال: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف»\nفالمراد به غير المعنى الذي اصطلح عليه، فإن تخصيصه به عرف مجدَّد بل المعنى اللغوي، ولعله سماه باسم مدلوله.\nولما كانت مسمياتها حروفًا وحدانًا وهي مركبة، صدرت بها لتكون تأديتها بالمسمى أول ما يقرع السمع، واستعيرت الهمزة مكان الألف لتعذر الابتداء بها وهي ما لم تلها العوامل موقوفة خالية عن الإعراب لفقد موجبه ومقتضيه، لكنها قابلة إياه ومعرضة له إذ لم تناسب مبنى الأصل ولذلك قيل: ص وق مجموعًا فيهما بين الساكنين ولم تعامل معاملة أين وهؤلاء. ثم إن مسمياتها لما كانت عنصر الكلام وبسائطه التي يتركب منها. افتتحت السورة بطائفة منها إيقاظًا لمن تحدى بالقرآن وتنبيهًا على أن أصل المتلو عليهم كلام منظوم مما ينظمون منه كلامهم، فلو كان من عند غير الله لما عجزوا عن آخرهم مع تظاهرهم وقوة فصاحتهم عن الإتيان بما يدانيه، وليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلًا بنوع من الإعجاز، فإن النطق بأسماء الحروف مختص بمن خط ودرس، فأما من الأمي الذي لم يخالط الكتاب فمستبعد مستغرب خارق للعادة كالكتابة والتلاوة سيما وقد راعى في ذلك ما يعجز عنه الأديب الأريب الفائق في فنه، وهو أنه أورد في هذه الفواتح أربعة عشر اسمًا هي نصف أسامي حروف المعجم، إن لم يعد فيها الألف حرفًا برأسها في تسع وعشرين سورة بعددها إذا عد فيها الألف الأصلية مشتملة على أنصاف أنواعها، فذكر من المهموسة وهي ما يضعف الاعتماد على مخرجه ويجمعها (ستشحثك خصفه) نصفها الحاء والكاف والهاء والصاد والسين والكاف، ومن البواقي المجهورة نصفها يجمعه (لن يقطع أمر) . ومن الشديدة الثمانية المجموعة في (أجدت طبقك) أربعة يجمعها (أقطك) . ومن البواقي الرخوة عشرة يجمعها «خمس» على نصره، ومن المطبقة التي هي الصاد والضاد والطاء والظاء نصفها، ومن البواقي المنفتحة نصفها، ومن القلقلة وهي: حروف تضطرب عند خروجها ويجمعها (قد طبج) نصفها الأقل لقلتها، ومن اللينتين الياء لأنها أقل ثقلًا، ومن المستعلية وهي:\nالتي يتصعد الصوت بها في الحنك الأعلى، وهي سبعة القاف والصاد والطاء والخاء والغين والضاد والظاء نصفها الأقل، ومن البواقي المنخفضة نصفها، ومن حروف البدل وهي أحد عشر على ما ذكره سيبويه، واختاره ابن جني ويجمعها (أجد طويت) منها الستة الشائعة المشهورة التي يجمعها (أهطمين) وقد زاد بعضهم سبعة أخرى وهي اللام في (أصيلال) والصاد والزاي في (صراط وزراط) والفاء في (أجداف) والعين في (أعن) والثاء في (ثروغ الدلو) والباء في «باسمك» حتى صارت ثمانية عشر وقد ذكر منها تسعة الستة المذكورة","vol":"1","page":33},{"text":"واللام والصاد والعين. ومما يدغم في مثله ولا يدغم في المقارب وهي خمسة عشر: الهمزة والهاء والعين والصاد والطاء والميم والياء والخاء والغين والضاد والفاء والظاء والشين والزاي والواو نصفها الأقل. ومما يدغم فيهما وهي الثلاثة عشر الباقية نصفها الأكثر: الحاء والقاف والكاف والراء والسين واللام والنون لما في الإدغام من الخفة والفصاحة، ومن الأربعة التي لا تدغم فيما يقاربها ويدغم فيها مقاربها وهي: الميم والزاي والسين والفاء نصفها.\nولما كانت الحروف الذلقية التي يعتمد عليها بذلق اللسان وهي ستة يجمعها (رب منفل) والحلقية التي هي الحاء والخاء والعين والغين والهاء والهمزة، كثيرة الوقوع في الكلام ذكر ثلثيهما. ولما كانت أبنية المزيد لا تتجاوز عن السباعية ذكر من الزوائد العشرة التي يجمعها (اليوم تنساه) سبعة أحرف منها تنبيهًا على ذلك، ولو استقريت الكلم وتراكيبها وجدت الحروف المتروكة من كل جنس مكثورة بالمذكورة ثم إنه ذكرها مفردة وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية، إيذانًا بأن المتحدى به مركب من كلماتهم التي أصولها كلمات مفردة، ومركبة من حرفين فصاعدًا إلى الخمسة، وذكر ثلاث مفردات في ثلاث سور لأنها توجد في الأقسام الثلاثة:\nالاسم والفعل والحرف وأربع ثنائيات لأنها تكون في الحرف بلا حذف (كبل)، وفي الفعل بحذف ثقل (كقل) . وفي الاسم بغير حذف (كمن)، وبه (كدم) في تسع سور لوقوعها في كل واحد من الأقسام الثلاثة على ثلاثة أوجه: ففي الأسماء من وإذ وذو. وفي الأفعال قل وبع وخف. وفي الحروف من وإن ومذ على لغة من جربها. وثلاث ثلاثيات لمجيئها في الأقسام الثلاثة في ثلاث عشرة سورة تنبيهًا على أن أصول الأبنية المستعملة ثلاثة عشر، عشرة منها للأسماء، وثلاثة للأفعال، ورباعيتين وخماسيتين تنبيهًا على أن لكل منهما أصلًا: كجعفر وسفرجل، وملحقًا: كقردد وجحنفل، ولعلها فرقت على السور ولم تعد بأجمعها في أول القرآن لهذه الفائدة مع ما فيه من إعادة التحدي وتكرير التنبيه والمبالغة فيه.\nوالمعنى أن هذا المتحدى به مؤلف من جنس هذه الحروف. أو المؤلف منها، كذا وقيل: هي أسماء للسور، وعليه إطباق الأكثر. سميت بها إشعارًا بأنها كلمات معروفة التركيب فلو لم تكن وحيًا من الله تعالى لم تتساقط مقدرتهم دون معارضتها، واستدل عليه بأنها لو لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل والتكلم بالزنجي مع العربي، ولم يكن القرآن بأسره بيانًا وهدى. ولما أمكن التحدي به وإن كانت مفهمة، فإما أن يراد بها السور التي هي مستهلها على أنها ألقابها، أو غير ذلك. والثاني باطل لأنه إما أن يكون المراد ما وضعت له في لغة العرب فظاهر أنه ليس كذلك، أو غيره وهو باطل لأن القرآن نزل على لغتهم لقوله تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فلا يحمل على ما ليس في لغتهم.\nلا يقال: لم لا يجوز أن تكون مزيدة للتنبيه؟ والدلالة على انقطاع كلام واستئناف آخر؟ كما قاله قطرب، أو إشارة إلى كلمات هي منها اقتصرت عليها اقتصار الشاعر في قوله:\nقلتُ لها قفي فقالتْ قَافْ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: الألف آلاء الله، واللام لفظه، والميم ملكه. وعنه أن الر وحم ون مجموعها الرحمن. وعنه أن الم معناه: أنا الله أعلم ونحو ذلك في سائر الفواتح. وعنه أن الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد أي: القرآن منزل من الله بلسان جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام، أو إلى مدد أقوام وآجال بحساب الجمل كما قال أبو العالية متمسكًا بما\nروي: «أنه ﵊ لما أتاه اليهود تلا عليهم الم البقرة. فحسبوه وقالوا: كيف ندخل في دين مدته إحدى وسبعون سنة، فتبسم رسول الله ﷺ فقالوا: فهل غيره، فقال: المص والر والمر، فقالوا: خلطت علينا فلا ندري بأيها نأخذ»\n. فإن تلاوته إياها بهذا الترتيب عليهم وتقريرهم على استنباطهم دليل على ذلك، وهذه الدلالة وإن لم تكن عربية لكنها لاشتهارها فيما بين الناس حتى العرب تلحقها بالمعربات كالمشكاة والسجيل","vol":"1","page":34},{"text":"والقسطاس، أو دلالة على الحروف المبسوطة مقسمًا بها لشرفها من حيث إنها بسائط أسماء الله تعالى ومادة خطابه.\nهذا وإن القول بأنها أسماء السور يخرجها ما ليس في لغة العرب، لأن التسمية بثلاثة أسماء فصاعدًا مستكره عندهم ويؤدي إلى اتحاد الاسم والمسمى، ويستدعي تأخر الجزء عن الكل من حيث إن الاسم متأخر عن المسمى بالرتبة، لأنا نقول: إن هذه الألفاظ لم تعهد مزيدة للتنبيه والدلالة على الانقطاع والاستئناف يلزمها وغيرها من حيث إنها فواتح السور، ولا يقتضي ذلك أن لا يكون لها معنى في حيزها ولم تستعمل للاختصار من كلمات معينة في لغتهم، أما الشعر فشاذ، وأما قول ابن عباس، فتنبيه على أن هذه الحروف منبع الأسماء ومبادئ الخطاب وتمثيل بأمثلة حسنة، ألا ترى أنه عد كل حرف من كلمات متباينة لا تفسير، وتخصيص بهذه المعاني دون غيرها إذ لا مخصص لفظًا ومعنى ولا بحساب الجمل فتلحق بالمعربات، والحديث لا دليل فيه، لجواز أنه ﵊ تبسم تعجبًا من جهلهم، وجعلها مقسمًا بها وإن كان غير ممتنع لكنه يحوج إلى إضمار أشياء لا دليل عليها، والتسمية بثلاثة أسماء إنما تمتنع إذا ركبت وجعلت اسمًا واحدًا على طريقة بعلبك، فأما إذا نثرت نثر أسماء العدد فلا، وناهيك بتسوية سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر وطائفة من أسماء حروف المعجم، والمسمى هو مجموع السورة والاسم جزؤها فلا اتحاد، وهو مقدم من حيث ذاته مؤخر باعتبار كونه اسمًا، فلا دور لاختلاف الجهتين. والوجه الأول أقرب إلى التحقيق وأوفق للطائف التنزيل وأسلم من لزوم النقل ووقوع الاشتراك في الأعلام من واضع واحد فإنه يعود بالنقض على ما هو مقصود بالعلمية، وقيل: إنها أسماء القرآن ولذلك أخبر عنها بالكتاب والقرآن.\nوقيل: إنها أسماء لله تعالى ويدل عليه\nأن عليًا كرم الله وجهه كان يقول: يا كهيعص، ويا حمعسق،\nولعله أراد يا منزلهما.\nوقيل الألف: من أقصى الحلق وهو مبدأ المخارج، واللام: من طرف اللسان وهو أوسطها، والميم:\nمن الشفة وهو آخرها جمع بينها إيماء إلى أن العبد ينبغي أن يكون أول كلامه وأوسطه وآخره ذكر الله تعالى.\nوقيل: إنه سر استأثر الله بعلمه وقد روي عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة ما يقرب منه، ولعلهم أرادوا أنها أسرار بين الله تعالى ورسوله ورموز لم يقصد بها إفهام غيره إذ يبعد الخطاب بما لا يفيد.\nفإن جعلتها أسماء الله تعالى، أو القرآن، أو السور كان لها حظ من الإعراب إما الرفع على الابتداء، أو الخبر، أو النصب بتقدير فعل القسم على طريقة الله لأفعلن بالنصب أو غيره كما ذكر، أو الجر على إضمار حرف القسَم، ويتأتى الإعراب لفظًا والحكاية فيما كانت مفردة أو موازنة لمفرد كحم فإنها كهابيل، والحكاية ليست إلا فيما عدا ذلك، وسيعود إليك ذكره مفصلًا إن شاء الله تعالى، وإن أبقيتها على معانيها فإن قدرت بالمؤلف من هذه الحروف كان في حيز الرفع بالابتداء أو الخبر على ما مر، وإن جعلتها مقسمًا بها يكون كل كلمة منها منصوبًا أو مجرورًا على اللغتين في الله لأفعلن، وتكون جملة قسمية بالفعل المقدر له، وإن جعلتها أبعاض كلمات أو أصواتًا منزلة منزلة حروف التنبيه لم يكن لها محل من الإعراب كالجمل المبتدأة والمفردات المعدودة ويوقف عليها وقف التمام إذا قدرت بحيث لا تحتاج إلى ما بعدها، وليس شيء منها آية عند غير الكوفيين. وأما عندهم ف الم في مواقعها، والمص وكهيعص وطه وطسم وطس ويس وحم آية، وحم عَسَق آيتان، والبواقي ليست بآيات وهذا توقيف لا مجال للقياس فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>[سورة البقرة (٢): آية ٢]</span>\nذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)\nذلِكَ الْكِتابُ ذلك إشارة إلى الم إن أول بالمؤلف من هذه الحروف أو فسر بالسورة أو القرآن فإنه لما تكلم به وتقضى، أو وصل من المرسل إلى المرسل إليه صار متباعدًا أشير إليه بما يشار به إلى البعيد","vol":"1","page":35},{"text":"وتذكيره، متى أريد ب الم السورة لتذكير الكتاب فإنه خبره أو صفته الذي هو هو، أو إلى الكتاب فيكون صفته والمراد به الكتاب الموعود إنزاله بنحو قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. أو في الكتب المتقدمة. وهو مصدر سمي به المفعول للمبالغة.\nوقيل فعال بمعنى المفعول كاللباس، ثم أطلق على المنظوم عبارة قبل أن يكتب لأنه مما يكتب. وأصل الكتب الجمع ومنه الكتيبة.\nلاَ رَيْبَ فِيهِ معناه أنه لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا يرتاب العاقل بعد النظر الصحيح في كونه وحيًا بالغًا حد الإعجاز، لا أن أحدًا لا يرتاب فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا. الآية فإنه ما أبعد عنهم الريب بل عرفهم الطريق المُريح له، وهو أن يجتهدوا في معارضة نجم من نجومه ويبذلوا فيها غاية جهدهم حتى إذا عجزوا عنها تحقق لهم أن ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل للريبة.\nوقيل: معناه لا ريب فيه للمتقين. وهدى حال من الضمير المجرور، والعامل فيه الظرف الواقع صفة للمنفي. والريب في الأصل مصدر رابني الشيء إذا حصل فيك الريبة، وهي قلق النفس واضطرابها، سمي به الشك لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة.\nوفي الحديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»\nفإن الشك ريبة والصدق طمأنينة، ومنه ريب الزمان لنوائبه.\nهُدىً لِلْمُتَّقِينَ يهديهم إلى الحق، والهدى في الأصل مصدر كالسرى والتقى ومعناه الدلالة.\nوقيل: الدلالة الموصلة إلى البغية لأنه جعل مقابل الضلالة في قوله تعالى: إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ولأنه لا يقال مهدي إلا لمن اهتدى إلى المطلوب. واختصاصه بالمتقين لأنهم المهتدون به والمنتفعون بنصه، وإن كانت دلالته عامة لكل ناظر من مسلم أو كافر وبهذا الاعتبار قال تعالى: هُدىً لِلنَّاسِ. أو لأنه لا ينتفع بالتأمل فيه إلا من صقل العقل واستعمله في تدبر الآيات والنظر في المعجزات، وتعرف النبوات، لأنه كالغذاء الصالح لحفظ الصحة فإنه لا يجلب نفعًا ما لم تكن الصحة حاصلة، وإليه أشار بقوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا. ولا يقدح ما فيه من المجمل والمتشابه في كونه هدى لما لم ينفك عن بيان يعين المراد منه.\nوالمتقي اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى. والوقاية: فرط الصيانة. وهو في عرف الشرع اسم لمن يقي نفسه مما يضره في الآخرة، وله ثلاث مراتب:\nالأولى: التوقي من العذاب المخلد بالتبري من الشرك وعليه قوله تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى.\nالثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع، وهو المعني بقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا.\nالثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشراشره وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وقد فسر قوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ هاهنا على الأوجه الثلاثة.\nواعلم أن الآية تحتمل أوجهًا من الإعراب: أن يكون الم مبتدأ على أنه اسم للقرآن. أو السورة. أو مقدر بالمؤلف منها، وذلك خبره وإن كان أخص من المؤلف مطلقًا، والأصل أن الأخص لا يحمل على الأعم لأن المراد به المؤلف الكامل في تأليفه البالغ أقصى درجات الفصاحة ومراتب البلاغة والكتاب صفة ذلك.\nوأن يكون الم خبر مبتدأ محذوف وذلِكَ خبرًا ثانيًا. أو بدلًا والْكِتابُ صفته، ولا رَيْبَ في المشهورة مبني لتضمنه معنى من منصوب المحل على أنه اسم لا النافية للجنس العاملة عمل إنّ، لأنها","vol":"1","page":36},{"text":"نقيضتها ولازمة للأسماء لزومها. وفي قراءة أبي الشعثاء مرفوع بلا التي بمعنى ليس وفيه خبره ولم يقدم كما قدم في قوله تعالى: لاَ فِيها غَوْلٌ لأنه لم يقصد تخصيص نفي الريب به من بين سائر الكتب كما قصد ثمة، أو صفته وللمتقين خبره. وهدى نصب على الحال، أو الخبر محذوف كما في لا ضَيْرَ، فلذلك وقف على لاَ رَيْبَ، على أن فيه خبر هدى قدم عليه لتنكيره والتقدير: لا ريب فيه، فيه هدى، وأن يكون ذلك مبتدأ والْكِتابُ خبره على معنى: أنه الكتاب الكامل الذي يستأهل أن يسمى كتابًا، أو صفته وما بعده خبره والجملة خبر الم.\nوالأولى أن يقال إنها أربع جمل متناسقة تقرر اللاحقة منها السابقة ولذلك لم يدخل العاطف بينها. ف الم، جملة دلت على أن المتحدى به هو المؤلف من جنس ما يركبون منه كلامهم، وذلِكَ الْكِتابُ جملة ثانية مقررة لجهة التحدي، ولا رَيْبَ فِيهِ، جملة ثالثة تشهد على كماله بأن الكتاب المنعوت بغاية الكمال إذ لا كمال أعلى مما للحق واليقين. وهُدىً لِلْمُتَّقِينَ، بما يقدر له مبتدأ جملة رابعة تؤكد كونه حقًا لا يحوم الشك حوله بأنه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، أو تستتبع السابقة منها اللاحقة استتباع الدليل للمدلول، وبيانه أنه لما نبه أولًا على إعجاز المتحدى به من حيث أنه من جنس كلامهم وقد عجزوا عن معارضته، استنتج منه أنه الكتاب البالغ حد الكمال واستلزم ذلك أن لا يتشبث الريب بأطرافه إذ لا أنقص مما يعتريه الشك والشبهة، وما كان كذلك كان لا محالة هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، وفي كل واحدة منها نكتة ذات جزالة ففي الأولى الحذف والرمز إلى المقصود مع التعليل، وفي الثانية فخامة التعريف، وفي الثالثة تأخير الظرف حذرا عن إبهام الباطل، وفي الرابعة الحذف والتوصيف بالمصدر للمبالغة وإيراده منكرًا للتعظيم وتخصيص الهُدى بالمتقين باعتبار الغاية تسمية المشارف للتقوى متقيًا إيجازًا وتفخيما لشأنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>[سورة البقرة (٢): آية ٣]</span>\nالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)\nالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة مقيدة له إن فسر التقوى بترك ما لا ينبغي مترتبة عليه ترتيب التحلية على التخلية، والتصوير على التصقيل. أو موضحة إن فسر بما يعم فعل الحسنات وترك السيئات لاشتماله على ما هو أصل الأعمال وأساس الحسنات من الإيمان والصلاة والصدقة، فإنها أمهات الأعمال النفسانية والعبادات البدنية والمالية المستتبعة لسائر الطاعات والتجنب عن المعاصي غالبًا، ألا ترى إلى قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ.\nوقوله ﵊: «الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام»\n. أو مسوقة للمدح بما تضمنه المتقين. وتخصيص الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر إظهار لفضلها على سائر ما يدخل تحت اسم التقوى. أو على أنه مدح منصوب، أو مرفوع بتقدير أعني أو هم الذين. وإما مفصول عنه مرفوع بالابتداء وخبره أولئك على هدى، فيكون الوقف على المتقين تامًا.\nوالإيمان في اللغة عبارة عن التصديق مأخوذ من الأمن، كأن المصدّق أمن المصدّق من التكذيب والمخالفة، وتعديته بالباء لتضمنه معنى الاعتراف وقد يطلق بمعنى الوثوق من حيث إن الواثق بالشيء صار ذا أمن منه، ومنه ما أمنت أن أجد صحابة وكلا الوجهين حسن في يؤمنون بالغيب.\nوأما في الشرع: فالتصديق بما علم بالضرورة أنه من دين محمد ﷺ كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء، ومجموع ثلاثة أمور: اعتقاد الحق، والإقرار به، والعمل بمقتضاه عند جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج.\nفمن أخل بالاعتقاد وحده فهو منافق، ومن أخل بالإقرار فكافر، ومن أخل بالعمل ففاسق وفاقًا، وكافر عند الخوارج، وخارج عن الإيمان غير داخل في الكفر عند المعتزلة، والذي يدل على أنه التصديق وحده أنه ﷾ أضاف الإيمان إلى القلب فقال: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ،","vol":"1","page":37},{"text":"وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ، وعطف عليه العمل الصالح في مواضع لا تحصى وقرنه بالمعاصي فقال تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ مع ما فيه من قلة التغيير فإنه أقرب إلى الأصل وهو متعين الإرادة في الآية، إذ المعدى بالباء هو التصديق وفاقًا. ثم اختلف في أن مجرد التصديق بالقلب هل هو كاف لأنه المقصود أم لا بد من انضمام الإقرار به للمتمكن منه، ولعل الحق هو الثاني لأنه تعالى ذم المعاند أكثر من ذم الجاهل المقصر، وللمانع أن يجعل الذم للإنكار لا لعدم الإقرار للمتمكن منه.\nوالغيب مصدر، وصف به للمبالغة كالشهادة في قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ والعرب تسمي المطمئن من الأرض والخمصة التي تلي الكلية غيبًا، أو فيعل خفف كقيل، والمراد به الخفي الذي لا يدركه الحس ولا تقتضيه بديهة العقل، وهو قسمان: قسم لا دليل عليه وهو المعني بقوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وقسم نصب موقع عليه دليل: كالصانع وصفاته واليوم الآخر وأحواله وهو المراد به في هذه الآية، هذا إذا جعلته صلة للإيمان وأوقعته موقع المفعول به. وإن جعلته حالًا على تقدير ملتبسين بالغيب كان بمعنى الغيبة والخفاء. والمعنى أنهم يؤمنون غائبين عنكم لا كالمنافقين الذين إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. أو عن المؤمن به لما روي أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ هذه الآية.\nوقيل المراد بالغيب: القلب لأنه مستور، والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كمن يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ. فالباء على الأول للتعدية. وعلى الثاني للمصاحبة. وعلى الثالث للآلة.\nوَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يعدلون أركانها ويحفظونها من أن يقع زيغ في أفعالها، من أقام العود إذا قومه أو يواظبون عليها، من قامت السوق إذا نفقت وأقمتها إذا جعلتها نافقة قال:\nأقَامتْ غزالةً سُوقَ الضُراب ... لأهْلِ العِرَاقينِ حَولًا قَمِيطا\nفإنه إذا حوفظ عليها كانت كالنافق الذي يرغب فيه، وإذا ضيعت كانت كالكاسد المرغوب عنه، أو يتشمرون لأدائها من غير فتور ولا توان، من قولهم قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه وتجلد، وضده قعد عن الأمر، وتقاعد. أو يؤدونها. عبر عن الأداء بالإقامة لاشتمالها على القيام، كما عبر عنها بالقنوت والركوع والسجود والتسبيح. والأول أظهر لأنه أشهر وإلى الحقيقة أقرب، وأفيد لتضمنه التنبيه على أن الحقيق بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن، وحقوقها الباطنة من الخشوع والإقبال بقلبه على الله تعالى، لا المصلون الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ، ولذلك ذكر في سياق المدح والمقيمين الصلاة، وفي معرض الذم فويل للمصلين، والصلاة فعلة من صلى إذا دعا كالزكاة من زكى، كتبتا بالواو على لفظ المفخم، وإنما سمي الفعل المخصوص بها لاشتماله على الدعاء.\nوقيل: أصل صلى حرك الصلوين لأن المصلي يفعله في ركوعه وسجوده، واشتهار هذا اللفظ في المعنى الثاني مع عدم اشتهاره في الأول لا يقدح في نقله عنه، وإنما سمي الداعي مصليًا تشبيهًا له في تخشعه بالراكع الساجد.\nوَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ الرزق في اللغة: الحظ قال تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ. والعرف خصصه بتخصيص الشيء بالحيوان للانتفاع به وتمكينه منه.\nوأما المعتزلة لما استحالوا على الله تعالى أن يمكن من الحرام لأنه منع من الانتفاع به وأمر بالزجر عنه، قالوا: الحرام ليس برزق، ألا ترى أنه تعالى أسند الرزق هاهنا إلى نفسه إيذانًا بأنهم ينفقون الحلال المطلق.\nفإن إنفاق الحرام لا يوجب المدح، وذم المشركين على تحريم بعض ما رزقهم الله تعالى بقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ","vol":"1","page":38},{"text":"مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا\n. وأصحابنا جعلوا الإسناد للتعظيم والتحريض على الإنفاق، والذم لتحريم ما لم يحرم. واختصاص ما رزقناهم بالحلال للقرينة. وتمسكوا لشمول الرزق له\nبقوله ﷺ في حديث عمرو بن قرة: «لقد رزقك الله طيبًا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان مَا أَحَلَّ الله لَكَ من حلاله»\n. وبأنه لو لم يكن رزقًا لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقًا، وليس كذلك لقوله تعالى:\nوَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها.\nوأنفق الشيء وأنفده أخوان، ولو استقريت الألفاظ وجدت كل ما فاؤه نون وعينه فاء دالًا على معنى الذهاب والخروج، والظاهر من هذا الإنفاق صرف المال في سبيل الخير من الفرض والنفل. ومن فسره بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه، أو خصصه بها لاقترانه بما هو شقيقها. وتقديم المفعول للاهتمام به وللمحافظة على رؤوس الآي، وإدخال من التبعيضية عليه لمنع المكلف عن الإسراف المنهي عنه. ويحتمل أن يراد به الإنفاق من جميع المعاون التي أتاهم الله من النعم الظاهرة والباطنة، ويؤيده\nقوله ﵊: «إن عِلمًا لا يُقال به، ككنزٌ لا يُنفق منه»\n. وإليه ذهب من قال: ومما خصصناهم به من أنوار المعرفة يفيضون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>[سورة البقرة (٢): آية ٤]</span>\nوَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)\nوَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ هم مؤمنوا أهل الكتاب كعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه وأضرابه، معطوفون على الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، داخلون معهم في جملة المتقين دخول أخصين تحت أعم، إذ المراد بأولئك الذين آمنوا عن شرك وإنكار، وبهؤلاء مقابلوهم فكانت الآيتان تفصيلًا لِلْمُتَّقِينَ، وهو قول ابن عباس ﵄. أو على المتقين وكأنه قال هُدىً لِلْمُتَّقِينَ عن الشرك، والذين آمنوا من أهل الملل. ويحتمل أن يراد بهم الأولون بأعيانهم، وَوُسِّط العاطف كما وسط في قوله:\nإلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام ... وليْثِ الكتيبةِ في المزْدَحمْ\nوقوله:\nيا لهفَ ذؤابةَ للحارثِ الص ... ائح فالغانم فالآئب\nعلى معنى أنهم الجامعون بين الإيمان بما يدركه العقل جملة والإتيان بما يصدقه من العبادات البدنية والمالية وبين الإِيمان بما لا طريق إليه عبر السمع. وكرر الموصول تنبيهًا على تغاير القبيلين وتباين السبيلين.\nأو طائفة منهم وهم مؤمنو أهل الكتاب، ذكرهم مخصصين عن الجملة كذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة تعظيمًا لشأنهم وترغيبًا لأمثالهم.\nوالإنزال نقل الشيء من الأعلى إلى الأسفل وهو إنما يلحق المعاني بتوسط لحوقه الذوات الحاملة لها، ولعل نزول الكتب الإلهية على الرسل بأن يلتقفه الملك من الله تعالى تلقفًا روحانيًا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به فيبلغه إلى الرسول. والمراد بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ القرآن بأسره والشريعة عن آخرها، وإنما عبر عنه بلفظ الماضي وإن كان بعضه مترقبًا تغليبًا للموجود على ما لم يوجد. أو تنزيلًا للمنتظر منزلة الواقع، ونظيره قوله تعالى: إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى. فإن الجنَّ لم يسمعوا جميعه ولم يكن الكتاب كله مُنَزَّلًا حينئذ. وبما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ التوراة والإِنجيل وسائر الكتب السابقة، والإيمان بها جملةً فرض عين، وبالأول دون الثاني تفصيلًا من حيث إنا متعبدون بتفاصيله فرض، ولكن على الكفاية. لأن وجوبه على كل أحد يوجب الحرج وفساد المعاش.\nوَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أي يوقنون إيقانًا زال معه ما كانوا عليه من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا","vol":"1","page":39},{"text":"أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة، واختلافهم في نعيم الجنة: أهو من جنس نعيم الدنيا أو غيره؟ وفي دوامه وانقطاعه، وفي تقديم الصلة وبناء يوقنون على هم تعريض لمن عداهم من أهل الكتاب، وبأن اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق ولا صادر عن إيقان. واليقين: إتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه نظرًا واستدلالًا، ولذلك لا يوصف به علم البارئ، ولا العلوم الضرورية. والآخرة تأنيث الآخر، صفة الدار بدليل قوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ فغلبت كالدنيا، وعن نافع أنه خففها بحذف الهمزة إلقاء حركتها على اللام، وقرئ «يوقنون» بقلب الواو همزة لضم ما قبلها إجراء لها مجرى المضمومة في وجوه ووقتت ونظيره:\nلحبِّ المؤقد إن إلى مؤسَى ... وجعدةَ إذ أضاءهما الوقود\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>[سورة البقرة (٢): آية ٥]</span>\nأُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)\nأُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ الجملة في محل الرفع إن جعل أحد الموصولين مفصولًا عن المتقين خبر له، فكأنه لما قيل هُدىً لِلْمُتَّقِينَ قيل ما بالهم خصوا بذلك؟ فأجيب بقوله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إلى آخر الآيات. وإلا فاستئناف لا محل لها، فكأنه نتيجة الأحكام والصفات المتقدمة. أو جواب سائل قال: ما للموصوفين بهذه الصفات اختصوا بالهدى؟ ونظيره أحسنت إلى زيد صديقك القديم حقيق بالإحسان، فإن اسم الإشارة هاهنا كإعادة الموصوف بصفاته المذكورة، وهو أبلغ من أن يستأنف بإعادة الاسم وحده لما فيه من بيان المقتضى وتلخيصه، فإن ترتب الحكم على الوصف إيذان بأنه الموجب له. ومعنى الاستعلاء في عَلى هُدىً تمثيل تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه بحال من اعتلى الشيء وركبه، وقد صرحوا به في قولهم:\nامتطى الجهل وغوى واقتعد غارب الهوى، وذلك إنما يحصل باستفراغ الفكر وإدامة النظر فيما نصب من الحجج والمواظبة على محاسبة النفس في العمل. ونُكِّرَ هدىً للتعظيم. فكأنه أريد به ضرب لا يبالغ كنهه ولا يقادر قدره، ونظيره قول الهذلي:\nفلا وأبي الطيرُ المربَّةَ بالضُّحَى ... على خالدٍ لقدْ وقَعْتَ على لحم\nوأُكِد تعظيمه بأن الله تعالى مَانِحُهُ والموفق له، وقد أدغمت النون في الراء بغنة وبغير غنة.\nوَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ كرر فيه اسم الإشارة تنبيهًا على أن اتصافهم بتلك الصفات يقتضي كل واحدة من الأثرتين وإن كلًا منهما كاف في تمييزهم بها عن غيرهم، ووسط العاطف لاختلاف مفهوم الجملتين هاهنا بخلاف قوله أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ، فإن التسجيل بالغفلة والتشبيه بالبهائم شيء واحد فكانت الجملة الثانية مقررة للأولى فلا تناسب العطف. وهم: فصل يفصل الخبر عن الصفة ويؤكد النسبة، ويفيد اختصاص المسند إليه، أو مبتدأ والمفلحون خبره والجملة خبر أولئك. والمفلح بالحاء والجيم:\nالفائز بالمطلوب، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر، وهذا التركيب وما يشاركه في الفاء والعين نحو فلق وفلذ وفلي يدل على الشق. والفتح وتعريف المفلحين للدلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة. أو الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من حقيقة المفلحين وخصوصياتهم.\nتنبيه: تأمل كيف نبه ﷾ على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله كل أحد من وجوه شتى، وبناء الكلام على اسم الإشارة للتعليل مع الإيجاز وتكريره وتعريف الخبر وتوسيط الفصل، لإظهار قدرهم والترغيب في اقتفاء أثرهم، وقد تشبث به الوعيدية في خلود الفساق من أهل القبلة في العذاب، ورد بأن المراد بالمفلحين الكاملون في الفلاح، ويلزمه عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم، لا عدم الفلاح له رأسًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>[سورة البقرة (٢): آية ٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٦)\n.","vol":"1","page":40},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لما ذكر خاصة عباده، وخلاصة أوليائه بصفاتهم التي أهلتهم للهدى والفلاح، عقبهم بأضدادهم العتاة المردة، الذين لا ينفع فيهم الهدى ولا تغني عنهم الآيات والنذر، ولم يعطف قصتهم على قصة المؤمنين كما عطف في قوله تعالى إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ لتباينهما في الغرض، فإن الأولى سيقت لذكر الكتاب وبيان شأنه والأخرى مسوقة لشرح تمردهم، وانهماكهم في الضلال، و(إن) من الحروف التي تشابه الفعل في عدد الحروف والبناء على الفتح ولزوم الأسماء وإعطاء معانيه، والمتعدي خاصة في دخولها على اسمين. ولذلك أعملت عمله الفرعي وهو نصب الجزء الأول ورفع الثاني إيذانًا بأنه فرع في العمل دخيل فيه.\nوقال الكوفيون: الخبر قبل دخولها كان مرفوعًا بالخبرية، وهي بعد باقية مقتضية للرفع قضية للاستصحاب فلا يرفعه الحرف. وأجيب بأن اقتضاء الخبرية الرفع مشروط بالتجرد لتخلفه عنها في خبر كان، وقد زال بدخولها فتعين إعمال الحرف. وفائدتها تأكيد النسبة وتحقيقها، ولذلك يُتَلَقَّى بها القَسَم ويصدر بها الأجوبة، وتذكر في معرض الشك مثل قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ قال المبرد (قولك: عبد الله قائم، إخبار عن قيامه، وإن عبد الله قائم، جواب سائل عن قيامه، وإن عبد الله لقائم، جواب منكر لقيامه) .\nوتعريف الموصول: إما للعهد، والمراد به ناس بأعيانهم كأبي لهب، وأبي جهل، والوليد بن المغيرة، وأحبار اليهود. أو للجنس، متناولًا من صمم على الكفر، وغيرهم. فخص منهم غير المصرين بما أسند إليه. والكفر لغة: ستر النعمة، وأصله الكَفْر بالفتح وهو الستر، ومنه قيل للزارع ولليل كافر، ولكمام الثمرة كافور. وفي الشرع: إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول ﷺ به، وإنما عُدَّ لبس الغيار وشد الزنار ونحوهما كفرًا لأنها تدل على التكذيب، فإن من صدق الرسول ﷺ لا يجترئ عليها ظاهرا لا لأنها كفر في أنفسها.\nواحتجت المعتزلة بما جاء في القرآن بلفظ الماضي على حدوثه لاستدعائه سابقة المخبر عنه، وأجيب بأنه مقتضى التعلق وحدوثه لا يستلزم حدوث الكلام كما في العلم.\nسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ خبر إن وسواء اسم بمعنى الاستواء، نعت به كما نعت بالمصادر قال الله تعالى: تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ رفع بأنه خبر إن وما بعده مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل: إن الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه، أو بأنه خبر لما بعده بمعنى: إنذارك وعدمه سيان عليهم، والفعل إنما يمتنع الإخبار عنه إذا أريد به تمام ما وضع له، أما لو أطلق وأريد به اللفظ، أو مطلق الحدث المدلول عليه ضمنًا على الاتساع فهو كالاسم في الإضافة، والإسناد إليه كقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا وقوله: يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ وقولهم: تَسْمَعُ بِالْمِعيديِّ خَيرٌ مِنْ أَنْ تَراَه.\nوإنما عدل هاهنا عن المصدر إلى الفعل لما فيه من إيهام التجدد وحسن دخول الهمزة، وأم عليه لتقرير معنى الاستواء وتأكيده، فإنهما جردتا عن معنى الاستفهام لمجرد الاستواء، كما جردت حروف النداء عن الطلب لمجرد التخصيص في قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة.\nوالإنذار: التخويف أريد به التخويف من عذاب الله، وإنما اقتصر عليه دون البشارة لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيرًا في النفس، من حيث إن دفع الضر أهم من جلب النفع، فإذا لم ينفع فيهم كانت البشارة بعدم النفع أولى، وقرئ أَأَنْذَرْتَهُمْ بتحقيق الهمزتين وتخفيف الثانية بين بين، وقلبها ألفًا وهو لحن لأن المتحركة لا تقلب، ولأنه يؤدي إلى جمع الساكنين على غير حده، وبتوسيط ألف بينهما محققتين، وبتوسيطها والثانية بين بين وبحذف الاستفهامية، وبحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها.\nلاَ يُؤْمِنُونَ جملة مفسرة لإجمال ما قبلها فيما فيه الاستواء فلا محل لها أو حال مؤكدة. أو بدل عنه. أو خبر إن والجملة قبلها اعتراض بما هو علة الحكم.","vol":"1","page":41},{"text":"والآية مما احتج به من جوز تكليف ما لا يطاق، فإنه ﷾ أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان، فلو آمنوا انقلب خبره كذبا. وشمل إيمانهم بأنهم لا يؤمنون فيجتمع الضدان، والحق أن التكليف بالممتنع لذاته وإن جاز عقلًا من حيث إن الأحكام لا تستدعي غرضًا سيما الامتثال، لكنه غير واقع للاستقراء، والإخبار بوقوع الشيء أو عدمه لا ينفي القدرة عليه كإخباره تعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره، وفائدة الإنذار بعد العلم بأنه لا ينجع إلزام الحجة، وحيازة الرسول فضل الإبلاغ، ولذلك قال سَواءٌ عَلَيْهِمْ ولم يقل سواء عليك. كما قال لعبدة الأصنام سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ.\nوفي الآية إخبار بالغيب على ما هو به إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهي من المعجزات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>[سورة البقرة (٢): آية ٧]</span>\nخَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)\nخَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ تعليل للحكمِ السابق وبيان لما يقتضيه.\nوالختم الكتم، سمي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه لأنه كتم له والبلوغ آخره نظرًا إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه. والغشاوة: فعالة من غشاه إذا غطاه، بنيت لما يشتمل على الشيء، كالعصابة والعمامة ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة، وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي، واستقباح الإيمان والطاعات بسبب غيهم، وانهماكهم في التقليد، وإعراضهم عن النظر الصحيح، فتجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها الحق، وأسماعهم تعاف استماعه فتصير كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لا تجتلي الآيات المنصوبة لهم في الأنفس والآفاق كما تجتليها أعين المستبصرين، فتصير كأنها غُطي عليها. وحيل بينها وبين الإبصار، وسماه على الاستعارة ختمًا وتغشية. أو مثل قلوبهم ومشاعرهم المؤوفة بها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها ختمًا وتغطية، وقد عبر عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ. وبالاغفال في قوله تعالى:\nوَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا، وبالاقساء في قوله تعالى: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً وهي من حيث إن الممكنات بأسرها مستندة إلى الله تعالى واقعة بقدرته أسندت إليه ومن حيث إنها مسببة مما اقترفوه بدليل قوله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وردت الآية ناعية عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم. واضطربت المعتزلة فيه فذكروا وجوهًا من التأويل:\nالأول: أن القوم لما أعرضوا عن الحق وتمكن ذلك في قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم، شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه.\nالثاني: أن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خالية عن الفطن. أو قلوب مقدر ختم الله عليها، ونظيره: سال به الوادي إذا هلك. وطارت به العنقاء إذا طالت غيبته.\nالثالث: أن ذلك في الحقيقة فعل الشيطان أو الكافر، لكن لما كان صدوره عنه بإقداره تعالى إياه أسند إليه إسناد الفعل إلى المسبب.\nالرابع: أن أعراقهم لما رسخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق طريق إلى تحصيل إيمانهم سوى الإلجاء والقسر، ثم لم يقسرهم إبقاء على غرض التكليف، عبر عن تركه بالختم فإنه سد لإيمانهم. وفيه إشعار على تمادي أمرهم في الغي وتناهي انهماكهم في الضلال والبغي.\nالخامس: أن يكون حكاية لما كانت الكفرة يقولون مثل: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ تهكمًا واستهزاءً بهم كقوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ الآية.","vol":"1","page":42},{"text":"السادس: أن ذلك في الآخرة، وإنما أخبر عنه بالماضي لتحققه وتيقن وقوعه ويشهد له قوله تعالى:\nوَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا.\nالسابع: أن المراد بالختم وَسْمُ قُلوبهم بسمة تعرفها الملائكة، فيبغضونهم وينفرون عنهم، وعلى هذا المنهاج كلامنا وكلامهم فيما يضاف إلى الله تعالى من طبع وإضلال ونحوهما.\nوعَلى سَمْعِهِمْ معطوف على قلوبهم لقوله تعالى: وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وللوفاق على الوقف عليه، ولأنهما لما اشتركا في الإدراك من جميع الجوانب جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات، وإدراك الأبصار لما اختص بجهة المقابلة جعل المانع لها عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة، وكرر الجار ليكون أدل على شدة الختم في الموضعين واستقلال كل منهما بالحكم. ووحد السمع للأمن من اللبس واعتبار الأصل، فإنه مصدر في أصله والمصادر لا تجمع. أو على تقدير مضاف مثل وعلى حواس سمعهم.\nوالأبصار جمع بصر وهو: إدراك العين، وقد يطلق مجازًا على القوة الباصرة، وعلى العضو وكذا السمع، ولعل المراد بهما في الآية العضو لأنه أشد مناسبة للختم والتغطية، وبالقلب ما هو محل العلم وقد يطلق ويراد به العقل والمعرفة كما قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ. وإنما جاز إمالتها مع الصاد لأن الراء المكسورة تغلب المستعلية لما فيها من التكرير. وغشاوة رفع بالابتداء عند سيبويه، وبالجار والمجرور عند الأخفش، ويؤيده العطف على الجملة الفعلية. وقرئ بالنصب على تقدير، وجعل على أبصارهم غشاوة، أو على حذف الجار وإيصال الختم بنفسه إليه والمعنى: وختم على أبصارهم بغشاوة، وقرئ بالضم والرفع، وبالفتح والنصب وهما لغتان فيها. و«غشوة» بالكسر مرفوعة، وبالفتح مرفوعة ومنصوبة و«عشاوة» بالعين الغير المعجمة.\nوَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وعيد وبيان لما يستحقونه. والعذاب كالنكال بناءً، ومعنى تقول: عذب عن الشيء ونكل عنه إذا أمسك، ومنه الماء العذب لأنه يقمع العطش ويردعه ولذلك سمي نقاخًا وفراتًا، ثم اتسع فأطلق على كل ألم قادح وإن لم يكن نكالًا، أي: عقابًا يردع الجاني عن المعاودة فهو أعم منهما. وقيل اشتقاقه من التعذيب الذي هو إزالة العذب كالتقذية والتمريض. والعظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فكما أن الحقير دون الصغير، فالعظيم فوق الكبير، ومعنى التوصيف به أنه إذا قيس بسائر ما يجانسه قصر عنه جميعه وحقر بالإضافة إليه ومعنى التنكير في الآية أن على أبصارهم نوع غشاوة ليس مما يتعارفه الناس، وهو التعامي عن الآيات، ولهم من الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>[سورة البقرة (٢): آية ٨]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ لما افتتح ﷾ بشرح حال الكتاب وساق لبيانه، ذكر المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله تعالى وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، وثنى بأضدادهم الذين محضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا ولم يلتفتوا لفتة رأسًا، ثلث بالقسم الثالث المذبذب بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلًا للتقسيم، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله لأنهم موهوا الكفر وخلطوا به خداعًا واستهزاءً، ولذلك طول في بيان خبثهم وجهلهم واستهزأ بهم، وتهكم بأفعالهم وسجل على عمههم وطغيانهم، وضرب لهم الأمثال وأنزل فيهم إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وقصتهم عن آخرها معطوفة على قصة المُصِّرِّينَ.\nوالناس أصله أناس لقولهم: إنسان وأنس وأناسي فحذفت الهمزة حذفها في لوقة وعوض عنها حرف التعريف ولذلك لا يكاد يُجْمَع بينهما. وقوله:","vol":"1","page":43},{"text":"إنَّ المنايا يَطَّلِعْنَ على الإِناس الآمنِينَا شاذ. وهو اسم جمع كرجال، إذ لم يثبت فعال في أبنية الجمع. مأخوذ من أنس لأنهم يستأنسون بأمثالهم. أو آنس لأنهم ظاهرون مبصرون، ولذلك سموا بشرًا كما سمي الجن جنًا لاجتنابهم. واللام فيه للجنس، ومن موصوفة إذ لا عهد فكأنه قال: ومن الناس ناسٌ يقولون. أو للعهد والمعهود: هم الذين كفروا، ومن موصولة مراد بها ابن أبي وأصحابه ونظراؤه، فإنهم من حيث إنهم صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم، واختصاصهم بزيادات زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس، فإن الأجناس إنما تتنوع بزيادات يختلف فيها أبعاضها فعلى هذا تكون الآية تقسيمًا للقسم الثاني.\nواختصاص الإيمان بالله وباليوم الآخر بالذكر، تخصيص لما هو المقصود الأعظم من الإيمان وادعاء بأنهم احتازوا الإيمان من جانبيه وأحاطوا بقطريه، وإيذان بأنهم منافقون فيما يظنون أنهم مخلصون فيه، فكيف بما يقصدون به النفاق، لأن القوم كانوا يهودًا وكانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر إيمانًا كلا إيمان، لاعتقادهم التشبيه واتخاذ الولد، وإن الجنة لا يدخلها غيرهم، وأن النار لا تمسهم إلا أيامًا معدودة وغيرها، ويرون المؤمنين أنهم آمنوا مثل إيمانهم. وبيان لتضاعف خبثهم وإفراطهم في كفرهم، لأن ما قالوه لو صدر عنهم لا على وجه الخداع والنفاق وعقيدتهم عقيدتهم لم يكن إيمانًا، فكيف وقد قالوه تمويهًا على المسلمين وتهكمًا بهم. وفي تكرار الباء ادعاء الإيمان بكل واحد على الأصالة والاستحكام.\nوالقول هو التلفظ بما يفيد، ويقال بمعنى المقول، وللمعنى المتصور في النفس المعبر عنه باللفظ وللرأي والمذهب مجازًا. والمراد باليوم الآخر من وقت الحشر إلى ما لا ينتهي. أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار لأنه آخر الأوقات المحدودة.\nوَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ إنكار ما ادعوه ونفي ما انتحلوا إثباته، وكان أصله وما آمنوا ليطابق قولهم في التصريح بشأن الفعل دون الفاعل لكنه عكس تأكيدًا. أو مبالغة في التكذيب، لأن إخراج ذواتهم من عداد المؤمنين أبلغ من نفي الإيمان عنهم في ماضي الزمان، ولذلك أكد النفي بالباء وأطلق الإيمان على معنى أنهم ليسوا من الإيمان في شيء، ويحتمل أن يقيد بما قيدوا به لأنه جوابه.\nوالآية تدل على أن من ادعى الإيمان وخالف قلبه لسانه بالاعتقاد لم يكن مؤمنًا، لأن من تفوه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه لم يكن مؤمنًا. والخلاف مع الكرامية في الثاني فلا ينهض حجة عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>[سورة البقرة (٢): آية ٩]</span>\nيُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩)\nيُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا الخدع أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه لتنزله عما هو فيه، وعما هو بصدده من قولهم: خدع الضب. إذ توارى في جحره، وضب خادع وخدع إذا أوهم الحارش إقباله عليه، ثم خرج من باب آخر وأصله الإخفاء ومنه المخدع للخزانة، والأخدعان لعرقين خفيين في العنق، والمخادعة تكون بين اثنين. وخداعهم مع الله ليس على ظاهره لأنه لا تخفى عليه خافية، ولأنهم لم يقصدوا خديعته. بل المراد إما مخادعة رسوله على حذف المضاف، أو على أن معاملة الرسول معاملة الله من حيث إنه خليفته كما قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ. إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ. وإما أن صورة صنيعهم مع الله تعالى من إظهار الإيمان واستبطان الكفر، وصنع الله معهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار، استدراجا لهم وامتثال الرسول ﷺ والمؤمنين أمر الله في إخفاء حالهم، وإجراء حكم الإسلام عليهم مجاراة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المتخادعين.\nويحتمل أن يراد ب يُخادِعُونَ يخدعون لأنه بيان ليقول، أو استئناف بذكر ما هو الغرض منه، إلا أنه أخرج","vol":"1","page":44},{"text":"في زنة فاعل للمغالبة، فإن الزنة لما كانت للمغالبة والفعل متى غولب فيه، كان أبلغ منه إذا جاء بلا مقابلة معارض ومبار استصحبت ذلك، ويعضده قراءة من قرأ يَخْدَعُونَ. وكان غرضهم في ذلك أن يدفعوا عن أنفسهم ما يطرق به من سواهم من الكفرة، وأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الإكرام والإعطاء، وأن يختلطوا بالمسلمين فيطلعوا على أسرارهم ويذيعوها إلى منابذيهم إلى غير ذلك من الأغراض والمقاصد.\nوَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. والمعنى: أن دائرة الخداع راجعة إليهم وضررها يحيق بهم. أو أنهم في ذلك خدعوا أنفسهم لما غروها بذلك. وخدعتهم أنفسهم حيث حدثتهم بالأماني الفارغة وحملتهم على مخادعة من لا تخفى عليه خافية.\nوقرأ الباقون وَما يَخْدَعُونَ، لأن المخادعة لا تتصور إلا بين اثنين وقرئ و«يَخَدِعُونَ» من خدع و«يَخَدِعُونَ» بمعنى يختدعون و«يَخَدِعُونَ» و«يخادعون» على البناء للمفعول، ونصب أنفسهم بنزع الخافض، والنفس ذات الشيء وحقيقته، ثم قيل للروح لأن نفس الحي به، وللقلب لأنه محل الروح أو متعلقه، وللدم لأن قوامها به، وللماء لفرط حاجتها إليه، وللرأي في قولهم فلان يؤامر نفسه لأنه ينبعث عنها أو يشبه ذاتًا تأمره وتشير عليه. والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم ويحتمل حملها على أرواحهم وآرائهم.\nوَما يَشْعُرُونَ لا يحسون لذلك لتمادي غفلتهم. جعل لحوق وبال الخداع ورجوع ضرره إليهم في الظهور كالمحسوس الذي لا يخفى إلا على مؤوف الحواس. والشعور: الإحساس، ومشاعر الإنسان حواسه، وأصله الشعر ومنه الشعار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>[سورة البقرة (٢): آية ١٠]</span>\nفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)\nفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا المرض حقيقة فيما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال الخاص به ويوجب الخلل في أفعاله. ومجاز في الأعراض النفسانية التي تخل بكمالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصي، لأنها مانعة من نيل الفضائل، أو مؤدية إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية. والآية الكريمة تحتملهما فإن قلوبهم كانت متألمة تحرقًا على ما فات عنهم من الرياسة، وحسدًا على ما يرون من ثبات أمر الرسول ﷺ واستعلاء شأنه يومًا فيومًا، وزاد الله غمهم بما زاد في إعلاء أمره وإشادة ذكره، ونفوسهم كانت موصوفة بالكفر وسوء الاعتقاد ومعاداة النبي ﷺ ونحوها، فزاد الله ﷾ ذلك بالطبع. أو بازدياد التكاليف وتكرير الوحي وتضاعف النصر، وكان إسناد الزيادة إلى الله تعالى من حيث إنه مسبب من فعله وإسنادها إلى السورة في قوله تعالى فَزادَتْهُمْ رِجْسًا لكونها سببًا.\nويحتمل أن يراد بالمرض ما تداخل قلوبهم من الجبن والخور حين شاهدوا شوكة المسلمين وإمداد الله تعالى لهم بالملائكة، وقذف الرعب في قلوبهم وبزيادته تضعيفه بما زاد لرسول الله ﷺ نصرة على الأعداء وتبسطًا في البلاد.\nوَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي: مؤلم يقال: ألم فهو أليم كوجع فهو وجيع، وصف به العذاب للمبالغة كقوله:\nتحيةُ بينِهمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ على طريقة قولهم: جد جده. بِما كانُوا يَكْذِبُونَ قرأها عاصم وحمزة والكسائي، والمعنى بسبب كذبهم، أو ببدله جزاء لهم وهو قولهم آمنا. وقرأ الباقون يَكْذِبُونَ، من كذبه لأنهم كانوا يكذبون الرسول ﵊ بقلوبهم، وإذا خلوا إلى شياطينهم. أو من كذَّب الذي هو للمبالغة أو للتكثير مثل بين الشيء وموتت البهائم. أو من كذب الوحشي إذا جرى شوطًا وقف لينظر ما وراءه فإن المنافق متحير متردد.\nوالكذب: هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به. وهو حرام كله لأنه علل به استحقاق العذاب حيث","vol":"1","page":45},{"text":"رتب عليه. وما\nروي أن إبراهيم ﵊ كذب ثلاث كذبات\n، فالمراد التعريض. ولكن لما شابه الكذب في صورته سمي به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>[سورة البقرة (٢): آية ١١]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ عطف على يَكْذِبُونَ أو يَقُولُ. وما روي عن سلمان ﵁ أن أهل هذه الآية لم يأتوا بعد فلعله أراد به أن أهلها ليس الذين كانوا فقط، بل وسيكون من بعد من حاله حالهم لأن الآية متصلة بما قبلها بالضمير الذي فيها. والفساد: خروج الشيء عن الاعتدال. والصلاح ضده وكلاهما يعمان كل ضار ونافع.\nوكان من فسادهم في الأرض هَيْجُ الحُروب والفتن بمخادعة المسلمين، وممالأة الكفار عليهم بإفشاء الأسرار إليهم، فإن ذلك يؤدي إلى فساد ما فى الأرض من الناس والدواب والحرث.\nومنه إظهار المعاصي والإهانة بالدين فإن الإخلال بالشرائع والإعراض عنها مما يوجب الهرج والمرج ويخل بنظام العالم. والقائل هو الله تعالى، أو الرسول ﷺ، أو بعض المؤمنين. وقرأ الكسائي وهشام (قُيْل) بإشمام الضم الأول.\nقالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ جواب ل إِذا رد للناصح على سبيل المبالغة، والمعنى أنه لا يصح مخاطبتنا بذلك، فإن شأننا ليس إلا الإصلاح، وإن حالنا متمحضة عن شوائب الفساد، لأن (إنما) تفيد قصر ما دخلت عليه على ما بعده. مثل: إنما زيد منطلق، وإنما ينطلق زيد، وإنما قالوا ذلك: لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال الله تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>[سورة البقرة (٢): آية ١٢]</span>\nأَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)\nأَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لاَّ يَشْعُرُونَ رد لما ادعوه أبلغَ رد للاستئناف به وتصديره بحرفي التأكيد:\n(ألا) المنبهة على تحقيق ما بعدها، فإن همزة الاستفهام التي للإنكار إذا دخلت على النفي أفادت تحقيقًا، ونظيره (أليس ذلك بقادر)، ولذلك لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بما يتلقى به القسم، وأختها أما التي هي من طلائع القسم: وإن المقررة للنسبة، وتعريف الخبر وتوسيط الفصل لرد ما في قولهم (إنما نحن مصلحون) من التعريض للمؤمنين، والاستدراك ب لا يَشْعُرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>[سورة البقرة (٢): آية ١٣]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا من تمام النصح والإرشاد فإن كمال الإيمان بمجموع الأمرين: الإعراض عما لا ينبغي وهو المقصود بقوله: لاَ تُفْسِدُوا، والإتيان بما ينبغي وهو المطلوب بقوله: آمَنُوا.\nكَما آمَنَ النَّاسُ في حيز النصب على المصدر، وما مصدرية أو كافة مثلها في ربما، واللام في الناس للجنس والمراد به الكاملون في الإنسانية العاملون بقضية العقل، فإن اسم الجنس كما يستعمل لمسماه مطلقًا يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به والمقصودة منه، ولذلك يسلب عن غيره فيقال: زيد ليس بإنسان، ومن هذا الباب قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ونحوه وقد جمعهما الشاعر في قوله:\nإذ الناسُ ناسٌ والزمانُ زمان أو للعهد، والمراد به الرسول ﷺ ومن معه. أو من آمن من أهل جلدتهم كابن سلام وأصحابه،","vol":"1","page":46},{"text":"والمعنى آمنوا إيمانًا مقرونًا بالإخلاص متمحضًا عن شوائب النفاق مماثلًا لإيمانهم، واستدل به على قبول توبة الزنديق وأن الإقرار باللسان إيمان وإن لم يفد التقييد.\nقالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ الهمزة فيه للإنكار، واللام مشار بها إلى الناس، أو الجنس بأسره وهم مندرجون فيه على زعمهم، وإنما سَفَّهُوهُم لاعتقادهم فساد رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي: كصهيب وبلال، أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه. والسفه: خفة وسخافة رأي يقتضيهما نقصان العقل، والحلم يقابله.\nأَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لاَّ يَعْلَمُونَ رد ومبالغة في تجهيلهم، فإن الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع أعظم ضلالة وأتم جهالة من المتوقف المعترف بجهله، فإنه ربما يعذر وتنفعه الآيات والنذر، وإنما فصلت الآية ب لاَّ يَعْلَمُونَ والتي قبلها ب لاَّ يَشْعُرُونَ لأنه أكثر طباقًا لذكر السفه، ولأن الوقوف على أمر الدين والتمييز بين الحق والباطل مما يفتقر إلى نظر وفكر. وأما النفاق وما فيه من الفتن والفساد فإنما يدرك بأدنى تفطن وتأمل فيما يُشَاهد من أقوالهم وأفعالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>[سورة البقرة (٢): آية ١٤]</span>\nوَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤)\nوَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا بيان لمعاملتهم المؤمنين والكفار، وما صدرت به القصة فمساقه لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم فليس بتكرير.\nروي أن ابن أبيّ وأصحابه استقبلهم نفر من الصحابة، فقال لقومه:\nانظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر ﵁ فقال: مرحبًا بالصديق سيد بني تيم، وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ، ثم أخذ بيد عمر ﵁ فقال: مرحبًا بسيد بني عدي الفاروق القوي في دينه، الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ، ثم أخذ بيد علي ﵁ فقال: مرحبا يا ابن عم رسول الله ﷺ وختنه سيد بني هاشم، ما خلا رسول الله ﷺ. فنزلت.\nواللقاء المصادفة يقال لقيته ولاقيته، إذا صادفته واستقبلته، ومنه ألقيته إذا طرحته فإنك بطرحه جعلته بحيث يلقى.\nوَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ من خلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه. أو من خلاك ذَمٌّ أي عداك ومضى عنك، ومنه القرون الخالية. أو من خلوت به إذا سخرت منه، وعدي بإلى لتضمن معنى الإنهاء، والمراد بشياطينهم الذين ماثلوا الشيطان في تمردهم، وهم المظهرون كفرهم، وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر. أو كبار المنافقين والقائلون صغارهم. وجعل سيبويه نونه تارة أصلية على أنه من شطن إذا بعد فإنه بعيد عن الصلاح، ويشهد له قولهم: تشيطن. وأخرى زائدة على أنه من شاط إذا بطل، ومن أسمائه الباطل.\nقالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أي في الدين والاعتقاد، خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، والشياطين بالجملة الإسمية المؤكدة بإن لأنهم قصدوا بالأولى دعوى إحداث الإيمان، وبالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه، ولأنه لم يكن لهم باعث من عقيدة وصدق رغبة فيما خاطبوا به المؤمنين، ولا توقع رواج ادعاء الكمال في الإيمان على المؤمنين من المهاجرين والأنصار بخلاف ما قالوه مع الكفار.\nإِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ تأكيد لما قبله، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به مُصِرٌّ على خلافه. أو بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر. أو استئناف فكأن الشياطين قالوا لهم لما (قالوا إنا معكم) إن صح ذلك فما بالكم توافقون المؤمنين وتدعون الإيمان فأجابوا بذلك. والاستهزاء السخرية والاستخفاف يقال:\nهزئت واستهزأت بمعنى كأجبت واستجبت، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع يقال: هزأ فلان إذا مات على مكانه، وناقته تهزأ به أي تسرع وتخف.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>[سورة البقرة (٢): آية ١٥]</span>\nاللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)\nاللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ يجازيهم على استهزائهم، سمي جزاء الاستهزاء باسمه كما سمي جزاء السيئة سيئة، إما لمقابلة اللفظ باللفظ، أو لكونه مماثلًا له في القدر، أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزئ بهم، أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء، أو الغرض منه، أو يعاملهم معاملة المستهزئ: أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم، واستدراجهم بالإمهال والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان، وأما في الآخرة: فبأن يفتح لهم وهم في النار بابًا إلى الجنة فيسرعون نحوه، فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب، وذلك قوله تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ وإنما استؤنف به ولم يعطف ليدل على إن الله تعالى تولى مجازاتهم، ولم يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم، وأنَّ استهزاءهم لا يؤبه به في مقابلة ما يفعل الله تعالى بهم ولعله لم يقل: الله مستهزئ بهم ليطابق قولهم، إيماء بأن الاستهزاء يحدث حالًا فحالًا ويتجدد حينًا بعد حين، وهكذا كانت نكايات الله فيهم كما قال تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ.\nوَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ من مد الجيش وأمده إذا زاده وقواه، ومنه مددت السراج والأرض إذا استصلحتهما بالزيت والسماد، لا من المد في العمر فإنه يعدى باللام كأملى له. ويدل عليه قراءة ابن كثير (ويمدهم) . والمعتزلة لما تعذر عليهم إجراء الكلام على ظاهره قالوا: لما منعهم الله تعالى ألطافة التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم، وسدهم طرق التوفيق على أنفسهم فتزايدت بسببه قلوبهم رينًا وظلمة، تزايد قلوب المؤمنين انشراحًا ونورًا، وأمكن الشيطان من إغوائهم فزادهم طغيانًا، أُسْنِدَ ذلك إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى المسبب مجازًا، وأضاف الطغيان إليهم لئلا يتوهم أن إسناد الفعل إليه على الحقيقة، ومصداق ذلك أنه لما أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي وقال وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ. أو أصله يمد لهم بمعنى يملي لهم ويمد في أعمارهم كي يتنبهوا ويطيعوا، فما زادوا إلا طغيانًا وعمهًا، فحذفت اللام وعدى الفعل بنفسه كما في قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ. أو التقدير يمدهم استصلاحًا، وهم مع ذلك يعمهون في طغيانهم. والطغيان بالضم والكسر كلقيان، والطغيان: تجاوز الحد في العتو، والغلو في الكفر، وأصله تجاوز الشيء عن مكانه قال تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ. والعمه في البصيرة كالعمى في البصر، وهو: التحير في الأمر يقال رجل عامه وعمه، وأرض عمهاء لا منار بها، قال:\nأَعْمَى الهُدَى بالجاهِلين العمهْ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>[سورة البقرة (٢): آية ١٦]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)\nأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى اختاروها عليه واستبدلوها به، وأصله بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان، فإن كان أحد العوضين ناضًا تعين من حيث إنه لا يطلب لعينه أن يكون ثمنًا وبذله اشتراء، وإلا فأي العوضين تصورته بصورة الثمن فباذله مشترٍ وآخذه بائع، ولذلك عدت الكلمتان من الأضداد، ثم استعير للإعراض عما في يده محصلًا به غيره، سواء كان من المعاني أو الأعيان، ومنه قول الشاعر:\nأخذْتُ بالجُمْلةِ رأسًا أَزْعَرا ... وبالثَّنايَا الواضحات الدّردرا\nوبالطّويل العمر عمرا جيدرا ... كما اشْتَرَى المُسْلمُ إذ تَنَصَّرا\nثم اتسع فيه فاستعمل للرغبة عن الشيء طمعًا في غيره، والمعنى أنهم أخلوا بالهدى الذي جعله الله لهم بالفطرة التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا محصلين الضلالة التي ذهبوا إليها. أو اختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى.","vol":"1","page":48},{"text":"فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ. ترشيح للمجاز، لَمَّا استعمل الاشتراء في معاملتهم أتبعه ما يشاكله تمثيلًا لخسارتهم، ونحوه:\nوَلَّما رأيتُ النسرَ عزَّ ابن دأية ... وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لَهُ صَدْري\nوالتجارة: طلب الربح بالبيع والشراء. والربح: الفضل على رأس المال، ولذلك سمي شفا، وإسناده إلى التجارة وهو لأربابها على الاتساع لتلبسها بالفاعل، أو لمشابهتها إياه من حيث إنها سبب الربح والخسران.\nوَما كانُوا مُهْتَدِينَ لطرق التجارة، فإن المقصود منها سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين لأن رأس مَالِهم كان الفطرة السليمة، والعقل الصرف، فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم، واختل عقلهم ولم يبقَ لهم رأس مال يتوسلون به إلى درك الحق، ونيل الكمال، فبقوا خاسرين آيسين من الربح فاقدين للأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>[سورة البقرة (٢): آية ١٧]</span>\nمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧)\nمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا لما جاء بحقيقة حالهم عقبها بضرب المثل زيادة في التوضيح والتقرير، فإنه أوقع في القلب وأقمع للخصم الألد، لأنه يريك المتخيل محققًا والمعقول محسوسًا، ولأمر ما أكثر الله في كتبه الأمثال، وفشت في كلام الأنبياء والحكماء. والمثل في الأصل بمعنى النظير يقال: مَثَل ومِثْل ومَثِيل كشبه وشبه وشيبه، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده، ولا يضرب إلا ما فيه غرابة، ولذلك حوفظ عليه من التغيير، ثم استعير لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن وفيها غرابة مثل قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ وقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى.\nوالمعنى حالهم العجيبة الشأن كحال من استوقد نارًا، والذي: بمعنى الذين كما في قوله تعالى:\nوَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا إن جعل مرجع الضمير في بنورهم، وإنما جاز ذلك ولم يجز وضع القائم موضع القائمين لأنه غير مقصود بالوصف، بل الجملة التي هي صلته وهو وصلة إلى وصف المعرفة بها لأنه ليس باسم تام بل هو كالجزء منه، فحقه أنه لا يجمع كما لا تجمع أخواتها، ويستوي فيه الواحد والجمع وليس الذين جمعه المصحح، بل ذو زيادة زيدت لزيادة المعنى ولذلك جاء بالياء أبدًا على اللغة الفصيحة التي عليها التنزيل، ولكونه مستطالًا بصلته استحق التخفيف، ولذلك بولغ فيه فحذف ياؤه ثم كسرته ثم اقتصر على اللام في أسماء الفاعلين والمفعولين، أو قصد به جنس المستوقدين، أو الفوج الذي استوقد. والاستيقاد: طلب الوقود والسعي في تحصيله، وهو سطوع النار وارتفاع لهبها. واشتقاق النار من: نار ينور نورًا إذا نفر لأن فيها حركة واضطرابًا.\nفَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ أي: النار، ما حول المستوقد إن جعلتها متعدية، وإلا أمكن أن تكون مسندة إلى ما، والتأنيث لأن ما حوله أشياء وأماكن أو إلى ضمير النار، وما: موصولة في معنى الأمكنة، نصب على الظرف، أو مزيدة، وحوله ظرف وتأليف الحول للدوران. وقيل للعام حول لأنه يدور.\nذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ جواب لما، والضمير للذي، وجمعه للحمل على المعنى، وعلى هذا إنما قال:\nبِنُورِهِمْ ولم يقل: بنارهم لأنه المراد من أيقادها. أو استئناف أجيب به اعتراض سائل يقول: ما بالهم شبهت حالهم بحال مستوقد انطفأت ناره؟ أو بدل من جملة التمثيل على سبيل البيان. والضمير على الوجهين للمنافقين، والجواب محذوف كما في قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ للإيجاز وأمن الالتباس. وإسناد الذهاب","vol":"1","page":49},{"text":"إلى الله تعالى إما لأن الكل بفعله، أو لأن الإطفاء حصل بسبب خفي، أو أمر سماوي كريح أو مطر، أو للمبالغة ولذلك عدى الفعل بالباء دون الهمزة لما فيها من معنى الاستصحاب والاستمساك، يقال: ذهب السلطان بماله إذا أخذه، وما أخذه الله وأمسكه فلا مرسل له، ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى اللفظ إلى النور، فإنه لو قيل: ذهب الله بضوئهم احتمل ذهابه بما في الضوء من الزيادة وبقاء ما يسمى نورًا، والغرض إزالة النور عنهم رأسًا ألا ترى كيف قرر ذلك وأكده بقوله وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ فذكر الظلمة التي هي عدم النور، وانطماسه بالكلية، وجمعها ونكرها ووصفها بأنها ظلمة خالصة لا يتراءى فيها شبحان. وترك في الأصل بمعنى طرح وخلى، وله مفعول واحد فضمن معنى صير، فجرى مجرى أفعال القلوب كقوله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ.\nوقول الشاعر:\nفتركْتُه جَزْرَ السِّباع يَنُشْنَهُ ... يَقضُمْنَ حُسنَ بنانِهِ والمِعْصَمِ\nوالظلمة مأخوذة من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا، أي ما منعك، لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية.\nوظلماتهم: ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة يوم القيامة يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ. أو ظلمة الضلال، وظلمة سخط الله، وظلمة العقاب السرمدي، أو ظلمة شديدة كأنها ظلمة متراكمة، ومفعول لاَّ يُبْصِرُونَ من قبيل المطروح المتروك فكأن الفعل غير متعد.\nوالآية مَثَلٌ ضربه الله لمن آتاه ضربًا من الهدى فأضاعه، ولم يتوصل به إلى نعيم الأبد فبقي متحيرًا متحسرًا، تقريرًا وتوضيحًا لما تضمنته الآية الأولى، ويدخل تحت عمومه هؤلاء المنافقون فإنهم أضاعوا ما نطقت به ألسنتهم من الحق باستبطان الكفر، وإظهاره حين خلوا إلى شياطينهم، ومن آثر الضلالة على الهدى المجعول له بالفطرة، أو ارتد عن دينه بعد ما آمن، ومن صح له أحوال الإرادة فادعى أحوال المحبة فأذهب الله عنه ما أشرق عليه من أنوار الإرادة، أو مَثَّل لإيمانهم من حيث إنه يعود عليهم يحقن الدماء، وسلامة الأموال والأولاد، ومشاركة المسلمين في المغانم. والأحكام بالنار الموقدة للاستضاءة، ولذهاب أثره وانطماس نوره بإهلاكهم وإفشاء حالهم بإطفاء الله تعالى إياها وإذهاب نورها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>[سورة البقرة (٢): آية ١٨]</span>\nصُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)\nصُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ لما سدوا مسامعهم عن الإصاخة إلى الحق وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم ويتبصروا الآيات بأبصارهم، جُعِلُوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتفت قواهم كقوله:\nصُمُّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بهِ ... وإنْ ذُكِرْتُ بسوءِ عندَهُمْ أذنوا\nوكقوله:\nأَصَمُّ عن الشيء الَّذي لا أُريدُهُ ... وأسمَعُ خَلْقِ الله حينَ أُريدُ\nوإطلاقها عليهم على طريقة التمثيل، لا الاستعارة إذ من شرطها أن يطوي ذكر المستعار له، بحيث يمكن حمل الكلام على المستعار منه لولا القرينة كقول زهير:\nلَدَى أسدٍ شاكي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أَظفَارُه لم تُقَلْمِ\nومن ثم ترى المفلقين السحرة يضربون عن توهم التشبيه صفحًا كما قال أبو تمام الطائي:\nوَيصعَدُ حتى يَظُنَّ الجَهولُ ... بأنَّ لَهُ حَاجةً في السَّماء\nوهاهنا وإن طوى ذكره بحذف المبتدأ لكنه في حكم المنطوق به، ونظيره:\nأُسَدٌ عليَّ وفي الحُرُوبِ نَعَامة ... فَتْخاءُ تنفر منْ صَفِير الصَّافرِ","vol":"1","page":50},{"text":"هذا إذا جَعَلْتَ الضمير للمنافقين على أن الآية فذلكة التمثيل ونتيجته، وإن جعلته للمستوقدين، فهي على حقيقتها. والمعنى: أنهم لما أوقدوا نارًا فذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلماتٍ هائلة أدهشتهم بحيث اختلت حواسهم وانتقصت قواهم. وثلاثتها قرئت بالنصب على الحال من مفعول تركهم. والصمم: أصله صلابة من اكتناز الأجزاء، ومنه قيل حجر أصم وقناة صماء، وصمام القارورة، سمي به فقدان حاسة السمع لأن سببه أن يكون باطن الصماخ مكتنزًا لا تجويف فيه، فيشتمل على هواء يسمع الصوت بتموجه. والبكم الخرس. والعمى: عدم البصر عما من شأنه أن يبصر وقد يقال لعدم البصيرة.\nفَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ لا يعودون إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه. أو عن الضلالة التي اشتروها، أو فهم متحيرون لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون، وإلى حيث ابتدءوا منه كيف يرجعون. والفاء للدلالة على أن اتصافهم بالأحكام السابقة سبب لتحيرهم واحتباسهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>[سورة البقرة (٢): آية ١٩]</span>\nأَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩)\nأَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ عطف على الذي استوقد أي: كمثل ذوي صيب لقوله: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وأَوْ في الأصل للتساوي في الشك، ثم اتسع فيها فأطلقت للتساوي من غير شك مثل:\nجالس الحسن أو ابن سيرين، وقوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا. فإنها تفيد التساوي في حسن المجالسة ووجوب العصيان ومن ذلك قوله: أَوْ كَصَيِّبٍ ومعناه أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين، وأنهما سواء في صحة التشبيه بهما، وأنت مخير في التمثيل بهما أو بأيهما شئت. والصيب: فيعل من الصوب، وهو النزول، يقال للمطر وللسحاب. قال الشماخ:\nوأسْحَمَ دانٍ صادقِ الرعْدِ صَيَّبٍ وفي الآية يحتملهما، وتنكيره لأنه أريد به نوع من المطر شديد. وتعريف السماء للدلالة على أن الغمام مطبق آخذ بآفاق السماء كلها فإن كل أفق منها يسمى سماء كما أن كل طبقة منها سماء، وقال:\nوَمِنْ بَعْدِ أرضٍ بينَنَا وسماءِ أمد به ما في الصيب من المبالغة من جهة الأصل والبناء والتنكير، وقيل المراد بالسماء السحاب فاللام لتعريف الماهية.\nفِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ إن أريد بالصيب المطر، فظلماته ظلمة تكاثفه بتتابع القطر، وظلمة غمامه مع ظلمة الليل وجعله مكانًا للرعد والبرق لأنهما في أعلاه ومنحدره ملتبسين به. وإن أريد به السحاب، فظلماته سحمته وتطبيقه مع ظلمة الليل. وارتفاعها بالظرف وفاقًا لأنه معتمد على موصوف. والرعد: صوت يسمع من السحاب. والمشهور أن سببه اضطراب أجرام السحاب واصطكاكها إذا حدتها الريح من الارتعاد. والبرق ما يلمع من السحاب، من برق الشيء بريقًا، وكلاهما مصدر في الأصل ولذلك لم يجمعا.\nيَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ الضمير لأصحاب الصيب وهو وإن حذف لفظه وأقيم الصيب مقامه لكن معناه باق، فيجوز أن يعول عليه كما عول حسان في قوله:\nيَسْقُون مَنْ وَرَدَ البَريصَ عَليهم ... بَرَدَى يصفِّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ\nحيث ذكر الضمير لأن المعنى ماء بردى، والجملة استئناف فكأنه لما ذكر ما يؤذن بالشدة والهول قيل:\nفكيف حالهم مع مثل ذلك؟ فأجيب بها، وإنما أطلق الأصابع موضع الأنامل للمبالغة.\nمِنَ الصَّواعِقِ متعلق بيجعلون أي من أجلها يجعلون، كقولهم سقاه من الغيمة. والصاعقة قصفة رعد","vol":"1","page":51},{"text":"هائل معها نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه، من الصعق وهو شدة الصوت، وقد تطلق على كل هائل مسموع أو مشاهد، يقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق أو شدة الصوت، وقرئ من «الصواقع» وهو ليس بقلب من الصواعق لاستواء كلا البناءين في التصرف يقال صقع الديك، وخطيب مصقع، وصقعته الصاقعة، وهي في الأصل إما صفة لقصفة الرعد، أو للرعد. والتاء للمبالغة كما في الرواية أو مصدر كالعافية والكاذبة.\nحَذَرَ الْمَوْتِ نصب على العلة كقوله:\nوأغْفرُ عَوراءَ الكَريم ادِّخَارَه ... وأَصْفَحُ عنْ شتمِ اللئيمِ تَكَرُّمَا\nوالموت: زوال الحياة، وقيل عرض يضادها لقوله: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ، وَرُدَّ بأن الخلق بمعنى التقدير، والاعدام مقدرة.\nوَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط، لا يخلصهم الخداع والحيل، والجملة اعتراضية لا محل لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠]</span>\nيَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)\nيَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ استئناف ثان كأنه جواب لمن يقول: ما حالهم مع تلك الصواعق؟ وكاد من أفعال المقاربة، وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه لكنه لم يوجد، إما لفقد شرط، أو لوجود مانع وعسى موضوعة لرجائه، فهي خبر محض ولذلك جاءت متصرفة بخلاف عسى، وخبرها مشروط فيه أن يكون فعلًا مضارعًا تنبيهًا على أنه المقصود بالقرب من غير أن، لتوكيد القرب بالدلالة على الحال، وقد تدخل عليه حملًا لها على عسى، كما تحمل عليها بالحذف من خبرها لمشاركتهما في أصل معنى المقاربة.\nوالخطف الأخذ بسرعة وقرئ (يَخْطِف) بكسر الطاء ويخطف على أنه يختطف، فنقلت فتحة التاء إلى الخاء ثم ادغمت في الطاء، ويخطف بكسر الخاء لالتقاء الساكنين وإتباع الياء لها، ويخطف ويتخطف.\nكُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا استئناف ثالث كأنه قيل: ما يفعلون في تارتي خفوق البرق، وخفيته؟ فأجيب بذلك. وأضاء إما متعد والمفعول محذوف بمعنى كلما نور لهم ممشى أخذوه، أو لازم بمعنى، كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره، وكذلك أظلم فإنه جاء متعديًا منقولًا من ظلم الليل، ويشهد له قراءة أظلم على البناء للمفعول، وقول أبي تمام:\nهُمَا أظلَما حالي ثَمَّةَ أجْلَيا ... ظلامَيْهِما عن وَجْهِ أَمْرَدَ أشيبِ\nفإنه وإن كان من المحدَثين لكنه من علماء العربية، فلا يبعد أن يجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه. وإنما قال مع الإضاءة كُلَّما ومع الإظلام إِذا لأنهم حراص على المشي، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها ولا كذلك التوقف. ومعنى (قاموا) وقفوا، ومنه قامت السوق إذا ركدت، وقام الماء إذا جمد. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ أي ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم بقصيف الرعد وأبصارهم بوميض البرق لذهب بهما فحذف المفعول لدلالة الجواب عليه، ولقد تكاثر حذفه في شاء وأراد حتى لا يكاد يذكر إلا في الشيء المستغرب كقوله:\nفَلَوْ شِئتُ أن أَبكي دَمًَا لَبَكَيْتُه (ولو) من حروف الشرط، وظاهرها الدلالة على انتفاء الأول لانتفاء الثاني، ضرورة انتفاء الملزوم عند انتفاء لازمه، وقرئ: لأذهب بأسماعهم، بزيادة الباء كقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.\nوفائدة هذه الشرطية إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه، والتنبيه على أن تأثير","vol":"1","page":52},{"text":"الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى، وأن وجودها مرتبط بأسبابها واقع بقدرته وقوله.\nإِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كالتصريح به والتقرير له. والشيء يختص بالموجود، لأنه في الأصل مصدر شاء أطلق بمعنى شاء تارة، وحينئذ يتناول البارئ تعالى كما قال: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ وبمعنى مشيء أخرى، أي مشيء وجوده وما شاء الله وجوده فهو موجود في الجملة وعليه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فهما على عمومهما بلا مثنوية. والمعتزلة لما قالوا الشيء ما يصح أن يوجد وهو يعم الواجب والممكن، أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فيعم الممتنع أيضًا، لزمهم التخصيص بالممكن في الموضعين بدليل العقل.\nوالقدرة: هو التمكن من إيجاد الشيء. وقيل صفة تقتضي التمكن، وقيل قدرة الإنسان، هيئة بها يتمكن من الفعل وقدرة الله تعالى: عبارة عن نفي العجز عنه، والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشاء لم يفعل، والقدير الفعال لما يشاء على ما يشاء ولذلك قلما يوصف به غير الباري تعالى، واشتقاق القدرة من القدر لأن القادر يوقع الفعل على مقدار قوته، أو على مقدار ما تقتضيه مشيئته. وفيه دليل على أن الحادث حال حدوثه والممكن حال بقائه مقدوران وأن مقدور العبد مقدور لله تعالى، لأنه شيء وكل شيء مقدور لله تعالى.\nوالظاهر أن التمثيلين من جملة التمثيلات المؤلفة، وهو أن يشبه كيفية منتزعة من مجموع تضامت أجزاؤه وتلاصقت حتى صارت شيئًا واحدًا بأخرى مثلها، كقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها الآية، فإنه تشبيه حال اليهود في جهلهم بما معهم من التوراة، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة. والغرض منهما تمثيل حال المنافقين من الحيرة والشدة، بما يكابد من انطفأت ناره بعد إيقادها في ظلمة، أو بحال من أخذته السماء في ليلة مظلمة مع رعد قاصف وبرق خاطف وخوف من الصواعق. ويمكن جعلهما من قبيل التمثيل المفرد، وهو أن تأخذ أشياء فرادى فتشبهها بأمثالها كقوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وقول امرئ القيس:\nكأنَّ قلوبَ الطير رَطْبًا ويابِسا ... لَدَى وكرِها العنَّابُ والحشفُ البالي\nبأن يشبه في الأول: ذوات المنافقين بالمستوقدين، وإظهارهم الإيمان باستيقاد النار وما انتفعوا به من حقن الدماء وسلامة الأموال والأولاد وغير ذلك بإضاءة النار ما حول المستوقدين، وزوال ذلك عنهم على القرب بإهلاكهم وبإفشاء حالهم وإبقائهم في الخسار الدائم، والعذاب السرمد بإطفاء نارهم والذهاب بنورهم.\nوفي الثاني: أنفسهم بأصحاب الصيب وإيمانهم المخالط بالكفر والخداع بصيب فيه ظلمات ورعد وبرق، من حيث إنه وإن كان نافعًا في نفسه لكنه لما وجد في هذه الصورة عاد نفعه ضرًا ونفاقهم حذرًا عن نكايات المؤمنين، وما يطرقون به من سواهم من الكفرة بجعل الأصابع في الآذان من الصواعق حذر الموت، من حيث إنه لا يرد من قدر الله تعالى شيئًا، ولا يخلص مما يريد بهم من المضار وتحيرهم لشدة الأمر وجهلهم بما يأتون، ويذرون بأنهم كلما صادفوا من البرق خفقة انتهزوها فرصة مع خوف أن تخطف أبصارهم فخطوا خطىّ يسيرة، ثم إذا خفي وفتر لَمَعانُهُ بقوا متقيدين لا حراك بهم. وقيل: شبه الإيمان والقرآن وسائر ما أوتي الإنسان من المعارف التي هي سبب الحياة الأبدية بالصَيِّب الذي به حياة الأرض. وما ارتكبت بها من الشبه المبطلة، واعترضت دونها من الاعتراضات المشككة بالظلمات. وشبه ما فيها من الوعد والوعيد بالرعد، وما فيها من الآيات الباهرة بالبرق، وتصامهم عما يسمعون من الوعيد بحال من يهوله الرعد فيخاف صواعقه فيسد أذنيه عنها مع أنه لا خلاص لهم منها وهو معنى قوله تعالى: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ. واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه، أو رفد تطمح إليه أبصارهم بمشيهم في مطرح ضوء البرق كلما أضاء لهم، وتحيرهم وتوقفهم في الأمر حين تعرض لهم شبهة، أو تعن لهم مصيبة بتوقفهم إذا أظلم عليهم.\nونبه سبحانه بقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ على أنه تعالى جعل لهم السمع والأبصار","vol":"1","page":53},{"text":"ليتوسلوا بها إلى الهدى والفلاح، ثم إنهم صرفوها إلى الحظوظ العاجلة، وسدوها عن الفوائد الآجلة، وَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلَهُمْ بالحالة التي يجعلونها لأنفسهم، فإنه على ما يشاء قدير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>[سورة البقرة (٢): آية ٢١]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ لما عدد فرق المكلفين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم، أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات هَزًّا للسامع وتنشيطًا له واهتمامًا بأمر العبادة، وتفخيمًا لشأنها، وجبرًا لكلفة العبادة بلذة المخاطبة. و(يا) حرف وضع لنداء البعيد، وقد ينادي به القريب تنزيلًا له منزلة البعيد. إما لعظمته كقول الداعي: يا رب، ويا الله، هو أقرب إليه من حبل الوريد. أو لغفلته وسوء فهمه. أو للاعتناء بالمدعو له وزيادة الحث عليه. وهو مع المنادى جملة مفيدة، لأنه نائب مناب فعل. وأي: جعل وصلة إلى نداء المعرف باللام، فإن إدخال «يا» عليه متعذر لتعذر الجمع بين حرفي التعريف فإنهما كمثلين وأعطي حكم المنادى وأجري عليه المقصود بالنداء وصفًا موضحًا له، والتزام رفعه إشعارًا بأنه المقصود، وأقحمت بينهما هاء التنبيه تأكيدًا وتعويضًا عما يستحقه، أي من المضاف إليه، وإنما كثر النداء على هذه الطريقة في القرآن لاستقلاله بأوجه من التأكيد، وكل ما نادى الله له عباده من حيث إنها أمور عظام، من حقها أن يتفطنوا إليها، ويقبلوا بقلوبهم عليها، وأكثرهم عنها غافلون، حقيق بأن ينادي له بالآكد الأبلغ والجموع وأسماؤها المحلاة باللام للعموم حيث لا عهد، ويدل عليه صحة الاستثناء منها. أو التأكيد بما يفيد العموم كقوله تعالى:\nفَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ واستدلال الصحابة بعمومها شائعًا وذائعًا، فالناس يعم الموجودين وقت النزول لفظًا ومن سيوجد، لما تواتر من دينه ﵊ أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين، ثابت إلى قيام الساعة إلا ما خصه الدليل، وما روي عن علقمة والحسن أن كل شيء نزل فيه يَا أَيُّهَا النَّاسُ فمكي وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فمدني، إن صح رفعه فلا يوجب تخصيصه بالكفار، ولا أمرهم بالعبادة، فإن المأمور به هو القدر المشترك بين بدء العبادة، والزيادة فيها، والمواظبة عليها، فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها بعد الإتيان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع، فإن من لوازم وجوب الشيء وجوب ما لا يتم إلا به، وكما أن الحدث لا يمنع وجوب الصلاة، فالكفر لا يمنع وجوب العبادة، بل يجب رفعه والاشتغال بها عقيبه. ومن المؤمنين ازديادهم وثباتهم عليها وإنما قال: رَبَّكُمُ تنبيهًا على أن الموجب للعبادة هي الربوبية.\nالَّذِي خَلَقَكُمْ صفة جَرَتْ عليه تعالى للتعظيم والتعليل، ويحتمل التقييد والتوضيح إن خص الخطاب بالمشركين، وأريد بالرَّب أعم من الرب الحقيقي، والآلهة التي يسمونها أربابًا. والخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء، وأصله التقدير يقال: خلق النعل إذا قدرها وسواها بالمقياس.\nوَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ متناول كل ما يتقدم الإنسان بالذات أو بالزمان. منصوب معطوف على الضمير المنصوب في خَلَقَكُمْ. والجملة أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ المقرر عندهم، إما لاعترافهم به كما قال الله تعالى:\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ أو لتمكنهم من العلم به بأدنى نظر! وقرئ «مِن قَبْلِكُمْ» على إقحام الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيدًا، كما أقحم جرير في قوله:\nيا تيم تيمَ عُدَيٍّ لا أبا لَكمُو تيمًا، الثاني بين الأول وما أضيف إليه.\nلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ حال من الضمير في اعْبُدُوا كأنه قال: اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح، المستوجبين جوار الله تعالى. نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين وهو التبري من كل شيء سوى الله تعالى إلى الله، وأن العابد ينبغي أن لا يغتر بعبادته، ويكون ذا خوف","vol":"1","page":54},{"text":"ورجاء قال تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ. أو من مفعول خَلَقَكُمْ والمعطوف عليه على معنى أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من يرجى منه التقوى لترجح أمره باجتماع أسبابه، وكثرة الدواعي إليه. وغلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ، والمعنى على إرادتهم جميعًا. وقيل تعليل للخلق أي خلقكم لكي تتقوا كما قال: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. وهو ضعيف إذ لم يثبت في اللغة مثله.\nوالآية تدل على أن الطريق إلى معرفة الله تعالى والعلم بوحدانيته واستحقاقه للعبادة، النظر في صنعه والاستدلال بأفعاله، وأن العبد لا يستحق بعبادته عليه ثوابًا، فإنها لما وجبت عليه شكرًا لما عدده عليه من النعم السابقة فهو كأجير أخذ الأجر قبل العمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢]</span>\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا صفة ثانية، أو مدح منصوب، أو مرفوع، أو مبتدأ خبره فلا تجعلوا وجعل من الأفعال العامة يجيء على ثلاثة أوجه: بمعنى صار، وطفق فلا يتعدى كقوله:\nفَقَدْ جعلتُ قلوصَ بني سُهَيل ... مِنْ الأَكْوارِ مرتعُها قَريبُ\nوبمعنى أوجد فيتعدّى إلى مفعول واحد كقوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ وبمعنى صير، ويتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا والتصيير يكون بالفعل تارة، وبالقول أو العقد أخرى.\nومعنى جعلها فراشًا أن جعل بعض جوانبها بارزًا ظاهرًا عن الماء، مع ما في طبعه من الإحاطة بها، وصيرها متوسطة بين الصلاة واللطافة حتى صارت مهيأة لأن يقعدوا ويناموا عليها كالفراش المبسوط، وذلك لا يستدعي كونها مسطحة، لأن كرية شكلها مع عظم حجمها. واتساع جرمها لا تأبى الافتراش عليها.\nوَالسَّماءَ بِناءً قبة مضروبة عليكم. والسماء اسم جنس يقع على الواحد والمتعدد كالدينار والدرهم، وقيل: جمع سماءة. والبناء مصدر، سمي به المبنى بيتًا كان أو قبة أو خباء، ومنه بني على امرأته، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباءً جديدًا.\nوَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ عطف على (جعل)، وخروج الثمار بقدرة الله تعالى ومشيئته، ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سببًا في إخراجها ومادة لها كالنطفة للحيوان، بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها على المادة الممتزجة منهما، أو أودع في الماء قوة فاعلة وفي الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار، وهو قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب والمواد، ولكن له في إنشائها مدرجًا من حال إلى حال، صنائع وحكم يجدد فيها لأُولي الأبصار عبرًا، وسكونًا إلى عظيم قدرته ليس في إيجادها دفعة، ومِنَ الأولى للابتداء سواء أريد بالسماء السحاب فإن ما علاك سماء، أو الفلك فإن المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب ومنه إلى الأرض على ما دلت عليه الظواهر. أو من أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جو الهواء فتنعقد سحابًا ماطرًا. ومِنَ الثانية للتبعيض بدليل قوله تعالى: فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ واكتناف المنكرين له أعني ماء ورزقًا كأنه قال: وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم، وهكذا الواقع إذ لم ينزل من السماء الماء كله، ولا أخرج بالمطر كل الثمرات، ولا جعل كل المرزوق ثمارًا. أو للتبيين، ورزقًا مفعول بمعنى المرزوق كقولك أنفقت من الدراهم ألفًا. وإنما ساغ الثمرات والموضع موضع الكثرة، لأنه أراد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك أدركت ثمرة بستانه، ويؤيده قراءة من قرأ: «من الثمرة» على التوحيد.\nأو لأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض كقوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وقوله: ثَلاثَةَ","vol":"1","page":55},{"text":"قُرُوءٍ\n. أو لأنها لما كانت محلاة باللام خرجت عن حد القلة. ولَكُمُ صفة رزقًا إن أريد به المرزوق ومفعوله إن أريد به المصدر كأنه قال: رزقًا إياكم.\nفَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا متعلق باعبدوا على أنه نهي معطوف عليه. أو نفي منصوب بإضمار أن جواب له. أو بلعل على أن نصب تجعلوا نصب فاطلع في قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إلحاقًا لها بالأشياء الستة لاشتراكها في أنها غير موجبة، والمعنى: إن تتقوا لا تجعلوا لله أندادًا، أو بالذي جعل، إن استأنفت به على أنه نهي وقع خبرًا على تأويل مقول فيه: لا تجعلوا، والفاء للسببية أدخلت عليه لتضمن المبتدأ معنى الشرط والمعنى: أن من خصكم بهذه النعم الجسام والآيات العظام ينبغي أن لا يُشْرَكَ به. والند: المثل المناوئ، قال جرير:\nأَتيمًا تَجْعلونَ إليَّ ندَّا ... وما تيمٌ لِذي حَسَبٍ نَدِيدُ\nمن ند يند ندودًا: إذا نفر، وناددت الرَجُلَ خالفته، خص بالمخالف المماثل في الذات كما خص المساوي بالمماثل في القدر، وتسمية ما يعبده المشركون من دون الله (أندادًا)، وما زعموا أنها تساويه في ذاته وصفاته وَلاَ أنها تخالفه في أفعاله لأنهم لما تركوا عبادته إلى عبادتها، وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات، قادرة على أن تدفع عنهم بأس الله، وتمنحهم ما لم يرد الله بهم من خير، فتهكم بهم وشنع عليهم بأن جعلوا أندادًا لمن يمتنع أن يكون له ند. ولهذا قال موحد الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل:\nأَرَبًّا واحِدًا أَمْ أَلفُ رَب ... أَدِينُ إِذا تقسَّمتِ الأمورُ\nتركْت اللاتَ والعزَّى جميعًا ... كذلكَ يَفْعَلُ الرجُلُ البصِيرُ\nوَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ حال من ضمير فلا تجعلوا، ومفعول تعلمون مطروح، أي: وحالكم أنكم من أهل العلم والنظر وإصابة الرأي، فلو تأملتم أدنى تأمل اضطر عقلكم إلى إثبات موجد للممكنات منفرد بوجوب الذات، متعال عن مشابهة المخلوقات. أو منوي وهو أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله كقوله ﷾: هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ وعلى هذا فالمقصود منه التوبيخ والتثريب، لا تقييد الحكم وقصره عليه، فإن العالم والجاهل المتمكن من العلم سواء في التكليف.\nواعلم إن مضمون الآيتين هو الأمر بعبادة الله ﷾، والنهي عن الإشراك به تعالى، والإشارة إلى ما هو العلة والمقتضى. وبيانه أنه رتب الأمر بالعبادة على صفة الربوبية إشعارًا بأنها العلة لوجوبها، ثم بين ربوبيته بأنه تعالى خالقهم وخالق أصولهم وما يحتاجون إليه في معاشهم من المقلة والمظلة والمطاعم والملابس، فإن الثمرة أعم من المطعوم، والرزق أعم من المأكول والمشروب. ثم لما كانت هذه الأمور التي لا يقدر عليها غيره شاهدة على وحدانيته تعالى، رتب تعالى عليها النهي عن الإشراك به، ولعله سبحانه أراد من الآية الأخيرة مع ما دل عليه الظاهر وسيق فيه الكلام، الإشارة، إلى تفصيل خلق الإنسان وما أفاض عليه من المعاني والصفات على طريقة التمثيل، فمثل البدن بالأرض، والنفس بالسماء، والعقل بالماء، وما أفاض عليه من الفضائل العملية والنظرية المحصلة بواسطة استعمال العقل للحواس، وازدواج القوى النفسانية والبدنية، بالثمرات المتولدة من ازدواج القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة بقدرة الفاعل المختار، فإن لكل آية ظهرًا وبطنًا ولكل حد مطلعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣]</span>\nوَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣)","vol":"1","page":56},{"text":"وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ لما قرر وحدانيته تعالى وبين الطريق الموصل إلى العلم بها، ذكر عقيبه ما هو الحجة على نبوة محمد ﷺ، وهو القرآن المعجز بفصاحته التي بذت فصاحة كل منطيق وإفحامه، من طولب بمعارضته من مصاقع الخطباء من العرب العرباء مع كثرتهم وإفراطهم في المضادة والمضارة، وتهالكهم على المعازة والمعارة، وعرف ما يتعرف به إعجازه ويتيقن أنه من عند الله كما يدعيه.\nوإنما قال: مِمَّا نَزَّلْنا لأن نزوله نجمًا منجمًا بحسب الوقائع على ما ترى عليه أهل الشعر والخطابة مما يريبهم، كما حكى الله عنهم فقال وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً. فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه إزاحة للشبهة وإلزامًا للحجة، وأضاف العبد إلى نفسه تعالى تنويهًا بذكره، وتنبيهًا على أنه مختص به منقاد لحكمه تعالى، وقرئ «عبادنا» يريد محمدا ﷺ وأمته. والسورة الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات، وهي إن جعلت واوها أصلية منقولة من سور المدينة لأنها محيطة بطائفة من القرآن مفرزة محوزة على حيالها، أو محتوية على أنواع من العلم احتواء سور المدينة على ما فيها، أو من السورة التي هي الرتبة، قال النابغة:\nوَلرهْطِ حرابٍ وَقدٍّ سُورةٌ ... في المجْدِ ليسَ غرابُها بمطَارِ\nلأن السُورَ كالمنازل والمراتب يترقى فيها القارئ، أولها مراتب في الطول والقصر والفضل والشرف وثواب القراءة. وإن جعلت مبدلة من الهمزة فمن السورة التي هي البقية والقطعة من الشيء. والحكمة في تقطيع القرآن سورًا: إفراد الأنواع، وتلاحق الأشكال، وتجاوب النظم، وتنشيط القارئ، وتسهيل الحفظ، والترغيب فيه. فإنه إذا ختم سورة نَفَّسَ ذلك عنه، كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلًا أو طوى بريدًا، والحافظ متى حذفها اعتقد أنه أخذ من القرآن حظًا تامًا، وفاز بطائفة محدودة مستقلة بنفسها، فعظم ذلك عنده وابتهج به إلى غير ذلك من الفوائد.\nمِنْ مِثْلِهِ صفة سورة أي: بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا، و(من) للتبعيض أو للتبيين.\nوزائدة عند الأخفش أي بسورةِ مماثلة للقرآن العظيم في البلاغة وحسن النظم. أو لعبدنا، و(من) للابتداء أي: بسورة كائنة ممن هو على حاله ﵊ من كونه بشرًا أميًا لم يقرأ الكتب ولم يتعلم العلوم.\nأو صلة فَأْتُوا، والضمير للعبد ﷺ، والرد إلى المنزل أوجه لأنه المطابق لقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ولسائر آيات التحدي، ولأن الكلام فيه لا في المنزل عليه فَحَقه أن لا ينفكَ عنه ليتسق الترتيب والنظم، ولأن مخاطبة الجم الغفير بأن يأتوا بمثل ما أتى به واحد من أبناء جلدتهم أبلغ في التحدي من أن يقال لهم:\nليأت بنحو ما أتى به هذا آخر مثله، ولأنه معجز في نفسه لا بالنسبة إليه لقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ. ولأن رده إلى عبدنا يوهم إمكان صدوره ممن لم يكن على صفته، ولا يلائمه قوله تعالى.\nوَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ فإِنه أمر بأن يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم. والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر، أو الإمام. وكأنه سمي به لأنه يحضر النوادي وتبرم بمحضره الأمور، إذ التركيب للحضور، إما بالذات أو بالتصور، ومنه قيل: للمقتول في سبيل الله شهيد لأنه حضر ما كان يرجوه، أو الملائكة حضروه. ومعنى دُونِ أدنى مكان من الشيء ومنه تدوين الكتب، لأنه إدناء البعض من البعض، ودونك هذا أي: خذه من أدنى مكان منك، ثم استعير للرُتَب فقيل: زيد دون عمرو أي:\nفي الشرف، ومنه الشيء الدون، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطي أمر إلى آخر، قال تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين. قال أمية:\nيا نفسُ مَا لَكِ دونَ اللَّهِ منْ واق","vol":"1","page":57},{"text":"أي إذا تجاوزت وقاية الله فلا يقيك غيره، ومِنْ متعلقة ب ادْعُوا. والمعنى وَادْعُوا للمعارضة من حضركم، أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله ﷾، فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله. أو: وَادْعُوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله، ولا تستشهدوا بالله فإنه من ديدن المبهوت العاجز عن إقامة الحجة. أو ب شُهَداءَكُمْ أي الذين اتخذتموهم مِن دُونِ الله أَوْلِيَاءَ وآلهة، وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة. أو الذين يشهدون لكم بين يدي الله تعالى على زعمكم من قول الأعشى:\nتُرِيكَ القَذَى مِنْ دونِها وهي دُونَهُ ليعينوكم وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد في معارضة القرآن العزيز غاية التبكيت والتهكم بهم. وقيل:\nمِنْ دُونِ اللَّهِ أي من دون أوليائه، يعني فصحاء العرب ووجوه المشاهد ليشهدوا لكم أن ما أتيتم به مثله، فإن العاقل لا يرضى لنفسه أن يشهد بصحة ما اتضح فساده وبان اختلاله.\nإِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنه من كلام البشر، وجوابه محذوف دل عليه ما قبله. والصدق: الإخبار المطابق، وقيل: مع اعتقاد المخبر أنه كذلك عن دلالة أو أمارة، لأنه تعالى كذب المنافقين في قولهم: إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، لما لم يعتقدوا مطابقته، ورد بصرف التكذيب إلى قولهم نَشْهَدُ، لأن الشهادة إخبار عما علمه وهم ما كانوا عالمين به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤]</span>\nفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)\nفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ لما بين لهم ما يتعرفون به أمر الرسول ﷺ وما جاء به، وميز لهم الحق عن الباطل، رتب عليه ما هو كالفذلكة له، وهو أنكم إذا اجتهدتم في معارضته وعجزتم جميعًا عن الإتيان بما يساويه أو يدانيه، ظهر أنه معجز والتصديق به واجب، فآمنوا به واتقوا العذاب المعد لمن كذب، فعبر عن الإتيان المكيف بالفعل الذي يعم الإتيان وغيره إيجازًا، ونزل لازم الجزاء منزلته على سبيل الكناية تقريرًا للمكنى عنه، وتهويلًا لشأن العناد، وتصريحًا بالوعيد مع الإيجاز، وصدر الشرطية بإن التي للشك والحال يقتضي إذا الذي للوجوب، فإن القائل ﷾ لم يكن شاكًا في عجزهم، ولذلك نفى إتيانهم معترضًا بين الشرط والجزاء تهكمًا بهم وخطابًا معهم على حسب ظنهم، فإن العجز قبل التأمل لم يكن محققًا عندهم. وتَفْعَلُوا جزم ب لَمْ لأنها واجبة الإعمال مختصة بالمضارع متصلة بالمعمول، ولأنها لما صيرته ماضيًا صارت كالجزء منه، وحرف الشرط كالداخل على المجموع فكأنه قال: فإن تركتم الفعل، ولذلك ساغ اجتماعهما. وَلَنْ كلا في نفي المستقبل غير أنه أبلغ وهو حرف مقتضب عند سيبويه والخليل في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى أصله لا أن، وعند الفراء لا فأبدلت ألفها نونًا. والوَقود بالفتح ما توقد به النار، وبالضم المصدر وقد جاء المصدر بالفتح قال سيبويه:\nوسمعنا من يقول وقدت النار وَقودًا عاليا، والاسم بالضم ولعله مصدر سمي به كما قيل: فلان فخر قومه وزين بلده، وقد قرئ به والظاهر أن المراد به الاسم، وإن أريد به المصدر فعلى حذف مضاف أي: وقودها احتراق الناس، والحجارة: وهي جمع حجر. كجمالة جمع جمل وهو قليل غير منقاس، والمراد بها الأصنام التي نحتوها وقرنوا بها أنفسهم وعبدوها طمعًا في شفاعتها والانتفاع بها واستدفاع المضار لمكانتهم، ويدل عليه قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ. عذبوا بما هو منشأ جرمهم كما عذب الكافرون بما كنزوه. أو بنقيض ما كانوا يتوقعون زيادة في تحسرهم. وقيل: الذهب والفضة التي كانوا يكنزونها ويغترون بها، وعلى هذا لم يكن لتخصيص إعداد هذا النوع من العذاب بالكفار وجه، وقيل: حجارة الكبريت وهو تخصيص بغير دليل وإبطال للمقصود، إذ الغرض تهويل شأنها وتفاقم لهبها بحيث تتقد بما لا","vol":"1","page":58},{"text":"يتقد به غيرها، والكبريت تتقد به كل نار وإن ضعفت، فإن صح هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فلعله عني به أن الأحجار كلها لتلك النار كالحجارة الكبريت لسائر النيران. ولما كانت الآية مدنية نزلت بعد ما نزل بمكة قوله تعالى في سورة التحريم نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ. وسمعوه صح تعريف النار. ووقوع الجملة صلة «بإزائها» فإنها يجب أن تكون قصة معلومة.\nأُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ هيئت لهم وجعلت عدة لعذابهم. وقرئ: «أعتدت» من العتاد بمعنى العدة، والجملة استئناف، أو حال بإضمار قد من النار لا الضمير الذي في وقودها، وإن جعلته مصدرًا للفصل بينهما بالخبر. وفي الآيتين ما يدل على النبوة من وجوه:\nالأول: ما فيهما من التحدي والتحريض على الجد وبذل الوسع في المعارضة بالتقريع والتهديد، وتعليق الوعيد على عدم الإتيان بما يعارض أقصر سورة من سور القرآن، ثم إنهم مع كثرتهم واشتهارهم بالفصاحة وتهالكهم على المضادة لم يتصدوا لمعارضته، والتجؤوا إلى جلاء الوطن وبذل المهج.\nالثاني: أنهما يتضمنان الإخبار عن الغيب على ما هو به، فإنهم لو عارضوه بشيء لامتنع خفاؤه عادة سيما والطاعنون فيه أكثر من الذابين عنه في كل عصر.\nالثالث: أنه ﷺ لو شك في أمره لما دعاهم إلى المعارضة بهذه المبالغة، مخافة أن يعارض فتدحض حجته. وقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ دل على أن النار مخلوقة معدة الآن لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥]</span>\nوَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)\nوَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ عطف على الجملة السابقة، والمقصود عطف حال من آمن بالقرآن العظيم ووصف ثوابه، على حال من كفر به، وكيفية عقابه على ما جرت به العادة الإلهية من أن يشفع الترغيب بالترهيب، تنشيطًا لاكتساب ما ينجي، وتثبيطًا عن اقتراف ما يردي، لا عطف الفعل نفسه حتى يجب أن يطلب له ما يشاكله من أمر أو نهي فيعطف عليه أو على فاتقوا، لأنهم إذا لم يأتوا بما يعارضه بعد التحدي ظهر إعجازه، وإذا ظهر ذلك فمن كفر به استوجب العقاب، ومن آمن به استحق الثواب، وذلك يستدعي أن يخوف هؤلاء ويبشر هؤلاء، وإنما أمر الرسول ﷺ، أو عالم كل عصر، أو كل أحد يقدر على البشارة بأن يبشرهم. ولم يخاطبهم بالبشارة كما خاطب الكفرة، تفخيمًا لشأنهم وإيذانًا بأنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنأوا بما أعد لهم.\nوقرئ «وَبَشّرِ» على البناء للمفعول عطفًا على أعدت فيكون استئنافًا. والبشارة: الخبر السار فإنه يظهر أثر السرور في البَشْرة، ولذلك قال الفقهاء البشارة: هي الخبر الأول، حتى لو قال الرجل لعبيده: من بشرني بقدوم ولدي فهو حر، فأخبروه فرادى عتق أَوَلُهُم، ولو قال: من أخبرني، عتقوا جميعًا، وأما قوله تعالى:\nفَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فعلى التهكم أو على طريقة قوله: تَحِيَّةٌ بينهم ضرب وجيع.\nوالصَّالِحاتِ جمع صالحة وهي من الصفات الغالبة التي تجري مجرى الأسماء كالحسنة، قال الخطيئة:\nكَيْفَ الهِجَاءُ وما تَنْفَكُّ صالحة ... من آل لامٍ بظُهْرِ الغَيْبِ تَأْتِيني\nوهي من الأعمال ما سوغه الشرع وحسنه، وتأنيثها على تأويل الخصلة، أو الخلة، واللام فيها للجنس، وعطف العمل على الإيمان مرتبًا للحكم عليهما إشعارًا بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين","vol":"1","page":59},{"text":"والجمع بين الوصفين، فإن الإيمان الذي هو عبارة عن التحقيق والتصديق أَسٌّ، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناءَ بأْسٍ لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا منفردين. وفيه دليل على أنها خارجة عن مسمى الإيمان، إذ الأصل أن الشيء لا يعطفُ على نفسه ولا على ما هو داخل فيه.\nأَنَّ لَهُمْ منصوب بنزع الخافض وإفضاء الفعل إليه، أو مجرور بإضماره مثل: الله لأفعلن. والجنة:\nالمرة من الجن وهو مصدر جنة إذا ستره، ومدار التركيب على الستر، سمي بها الشجر المظلل لالتفاف أغصانه للمبالغة كأنه يستر ما تحته سترة واحدة قال زهير:\nكأنَّ عَيني في غَربي مقتلَة ... من النواضِحِ تَسْقي جَنَّةً سُحُقا\nأي نخلًا طوالًا، ثم البستان، لما فيه من الأشجار المتكاثفة المظللة، ثم دار الثواب لما فيها من الجنان، وقيل: سميت بذلك لأنه ستر في الدنيا ما أعد فيها للبشر من أفنان النعم كما قال ﷾:\nفَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ وجمعها وتنكيرها لأن الجنان على ما ذكره ابن عباس ﵄ سبع: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعِلِّيُون، وفي كل واحدة منها مراتب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال. واللام في لَهُمْ تدل على استحقاقهم إياها، لأجل ما ترتب عليه من الإِيمان والعمل الصالح، لا لذاته فإنه لا يكافئ النعم السابقة، فضلًا عن أن يقتضي ثوابًا وجزاء فيما يستقبل بل بجعل الشارع، ومقتضى وعده تعالى لا على الإطلاق، بل بشرط أن يستمر عليه حتى يموت وهو مؤمن لقوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وقوله تعالى لنبيه ﷺ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وأشباه ذلك، ولعله ﷾ لم يقيد هاهنا استغناء بها.\nتَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت أشجارها، كما تراها جارية تحت الأشجار النابتة على شواطئها. وعن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود: واللام في الْأَنْهارُ للجنس، كما في قولك لفلان: بستان في الماء الجاري، أو للعهد، والمعهود: هي الأنهار المذكورة في قوله تعالى: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ الآية. والنهر بالفتح والسكون: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر، كالنيل والفرات، والتركيب للسعة، والمراد بها ماؤها على الإضمار، أو المجاز، أو المجاري أنفسها. وإسناد الجري إليها مجاز كما في قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها الآية.\nكُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا صفة ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة. كأنه لما قيل: إن لهم جنات، وقع في خلد السامع أثمارها مثل ثمار الدنيا، أو أجناس أخر فأزيح بذلك، وكُلَّما نصب على الظرف، ورِزْقًا مفعول به، ومن الأولى والثانية للابتداء واقعتان موقع الحال، وأصل الكلام ومعناه: كل حين رزقوا مرزوقًا مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة، قيد الرزق بكونه مبتدأ من الجنات، وابتداؤه منها بابتدائه من ثمرة فصاحب الحال الأولى رزقًا وصاحب الحال الثانية ضميره المستكن في الحال، ويحتمل أن يكون من ثمره، بيانًا تقدم كما في قولك: رأيت منك أسدًا، وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا كقولك مشيرًا إلى نهر جار: هذا الماء لا ينقطع، فإنك لا تعني به العين المشاهدة منه، بل النوع المعلوم المستمر بتعاقب جريانه وإن كانت الإشارة إلى عينه، فالمعنى هذا مثل رزقنا ولكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة.\nمِنْ قَبْلُ أي: من قبل هذا في الدنيا، جعل ثمر الجنة من جنس ثمر الدنيا لتميل النفس إليه أول ما يرى، فإن الطباع مائلة إلى المألوف متنفرة عن غيره، ويتبين لها مزيته وكنه النعمة فيه، إذ لو كان جنسًا لم يعهد ظن أنه لا يكون إلا كذلك، أو في الجنة لأن طعامها متشابه في الصورة، كما حكى ابن كثير عن الحسن ﵄: (أن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول","vol":"1","page":60},{"text":"ذلك، فيقول الملك: كل فاللون واحد والطعم مختلف) . أو كما\nروي أنه ﵊ قال: «والذي نفس محمد بيده، إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه، حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها»\n. فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك، والأول أظهر لمحافظته على عموم كُلَّما فإنه يدل على ترديدهم هذا القول كل مرة رزقوا، والداعي لهم إلى ذلك فرط استغرابهم وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة.\nوَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا اعتراض يقرر ذلك، والضمير على الأول راجع إلى ما رزقوا في الدارين فإنه مدلول عليه بقوله عز من قائل هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ ونظيره قوله ﷿: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما أي بجنسي الغني والفقير، وعلى الثاني إلى الرزق. فإن قيل: التشابه هو التماثل في الصفة، وهو مفقود بين ثمرات الدنيا والآخرة كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء. قلت: التشابه بينهما حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم دون المقدار والطعم، وهو كاف في إطلاق التشابه. هذا: وإن للآية الكريمة محملًا آخر، وهو أن مستلذات أهل الجنة في مقابلة ما رزقوا في الدنيا من المعارف والطاعات، متفاوتة في اللذة بحسب تفاوتها، فيحتمل أن يكون المراد من هذَا الَّذِي رُزِقْنا أنه ثوابه، ومن تشابههما تماثلهما في الشرف والمزية وعلو الطبقة، فيكون هذا في الوعد نظير قوله:\nذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الوعيد.\nوَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ مما يستقذر من النساء ويذم من أحوالهن، كالحيض والدرن ودنس الطبع وسوء الخلق، فإن التطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال. وقرئ: «مطهرات» وهما لغتان فصيحتان يقال النساء فعلت وفعلن، وهن فاعلة وفواعل، قال:\nوإذَا العَذَارى بالدّخَانِ تَقَنَّعَت ... واسْتَعَجلتْ نَصْبَ القُدورِ فملَّت\nفالجمع على اللفظ، والإِفراد على تأويل الجماعة، ومطهرة بتشديد الطاء وكسر الهاء بمعنى متطهرة، ومطهرة أبلغ من طاهرة ومطهرة للإشعار بأن مطهرًا طهرهن وليس هو إلا الله ﷿. والزوج يقال للذكر والأنثى، وهو في الأصل لما له قرين من جنسه كزوج الخف، فإن قيل: فائدة المطعوم هو التغذي ودفع ضرر الجوع، وفائدة المنكوح التوالد وحفظ النوع، وهي مستغنى عنها في الجنة. قلت: مطاعم الجنة ومناكحها وسائر أحوالها إنما تشارك نظائرها الدنيوية في بعض الصفات والاعتبارات، وتسمى بأسمائها على سبيل الاستعارة والتمثيل، ولا تشاركها في تمام حقيقتها حتى تستلزم جميع ما يلزمها وتفيد عين فائدتها.\nوَهُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون. والخلد والخلود في الأصل الثبات المديد دام أم لم يدم، ولذلك قيل للأثافي والأحجار خوالد، وللجزء الذي يبقى من الإنسان على حاله ما دام حيًا خلد، ولو كان وضعه للدوام كان التقييد بالتأبيد في قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لغوا واستعماله حيث لا دوام، كقولهم وقف مخلد، يوجب اشتراكًا، أو مجازًا. والأصل ينفيهما بخلاف ما لو وضع للأعم منه فاستعمل فيه بذلك الاعتبار، كإطلاق الجسم على الإنسان مثل قوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ لكن المراد به هاهنا الدوام عند الجمهور لما يشهد له من الآيات والسنن.\nفإن قيل: الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية، معرضة للاستحالات المؤدية إلى الانفكاك والانحلال فكيف يعقل خلودها في الجنان. قلت: إنه تعالى يعيدها بحيث لا يعتورها الاستحالة بأن يجعل أجزاءها مثلًا متقاومة في الكيفية، متساوية في القوة لا يقوي شيء منها على إحالة الآخر، متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض كما يشاهد في بعض المعادن.\nهذا وإن قياس ذلك العالم وأحواله على ما نجده ونشاهده من نقص العقل وضعف البصيرة. واعلم أنه","vol":"1","page":61},{"text":"لما كان معظم اللذات الحسية مقصورًا على: المساكن والمطاعم، والمناكح، على ما دل عليه الاستقراء كان ملاك ذلك كله الدوام والثبات، فإن كل نعمة جليلة إذا قارنها خوف الزوال كانت منغصة غير صافية من شوائب الألم، بشر المؤمنين بها ومثل ما أعد لهم في الآخرة بأبهى ما يستلذ به منها، وأزال عنهم خوف الفوات بوعد الخلود ليدل على كمالهم في التنعم والسرور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦)\nإِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً لما كانت الآيات السابقة متضمنة لأنواع من التمثيل، عقب ذلك ببيان حسنه، وما هو الحق له والشرط فيه، وهو أن يكون على وفق الممثل له من الجهة التي تعلق بها التمثيل في العظم والصغر والخسة والشرف دون الممثل، فإن التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعنى الممثل له ورفع الحجاب عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس، ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم، لأن من طبعه الميل إلى الحس وحب المحاكاة، ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء، وإشارات الحكماء، فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم، وإن كان المثل أعظم من كل عظيم، كما مثل في الإنجيل غل الصدور بالنخالة، والقلوب القاسية بالحصاة. ومخاطبة السفهاء بإثارة الزنابير. وجاء في كلام العرب: أسمع من قراد وأطيش من فراشه، وأعز من مخ البعوض. لا ما قالت الجهلة، من الكفار: لِمَا مثل الله حال المنافقين بحال المستوقدين؟\nوأصحاب الصيب وعبادة الأصنام في الوهن والضعف ببيت العنكبوت؟ وجعلها أقل من الذباب وأخس قدرًا منه؟ الله ﷾ أعلى وأجل من أن يضرب الأمثال ويذكر الذباب والعنكبوت. وأيضًا، لِمَا أرشدهم إلى ما يدل على أن المتحدي به وحي منزل؟ ورتب عليه وعيد من كفر به ووعد من آمن به بعد ظهور أمره؟\nشَرَعَ في جواب ما طعنوا به فيه فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها. والحياء: انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم، وهو الوسط بين الوقاحة:\nالتي هي الجراءة على القبائح وعدم المبالاة بها، والخجل: الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقًا.\nواشتقاقه من الحياة فإنه انكسار يعتري القوة الحيوانية فيردها عن أفعالها فقيل: حيي الرجل كما يقال نسي وحشي، إذا اعتلت نساه وحشاه. وإذا وصف به الباري تعالى كما\nجاء في الحديث «إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه»\n. «إن الله حي كريم يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا»\nفالمراد به الترك اللازم للانقباض، كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما، ونظيره قول من يصف إبلا:\nإذا ما اسْتَحينَ الماءَ يعْرضُ نَفْسَه ... كَرَعْنَ بسَبْتٍ في إناءٍ من الوَرْدِ\nوإنما عدل به عن الترك، لما فيه من التمثيل والمبالغة، وتحتمل الآية خاصة أن يكون مجيئه على المقابلة لما وقع في كلام الكفرة. وضرب المثل اعتماله من ضرب الخاتم، وأصله وقع شيء على آخر، وأَنْ بصلتها مخفوض المحل عند الخليل بإضمار من، منصوب بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها عند سيبويه. وما إبهامية تزيد النكرة إبهامًا وشياعًا وتسد عنها طرق التقييد، كقولك أعطني كتابًا ما، أي: أي كتاب كان. أو مزيدة للتأكيد كالتي في قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ولا نعني بالمزيد اللغو الضائع، فإن القرآن كله هدى وبيان، بل ما لم يوضع لمعنى يراد منه، وإنما وضعت لأن تذكر مع غيرها فتفيد له وثاقةً وقوةً وهو زيادة في الهدى غير قادح فيه. وبعوضة عطف بيان لمثلًا. أو مفعول ليضرب، ومثلًا حال تقدمت عليه لأنه","vol":"1","page":62},{"text":"نكرة. أو هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل. وقرئت بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وعلى هذا يحتمل مَا وجوهًا أخر: أن تكون موصولة حذف صدر صلتها، كما حذف في قوله: تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وموصوفة بصفة كذلك، ومحلها النصب بالبدلية على الوجهين. واستفهامية هي المبتدأ، كأنه لما رد استبعادهم ضرب الله الأمثال، قال بعده: ما البعوضة فما فوقها حتى لا يضرب به المثل، بل له أن يمثل بما هو أحقر من ذلك. ونظيره فلان لا يبالي مما يهب ما دينار وديناران. والبعوض: فعول من البعض، وهو القطع كالبضع والعضب، غلب على هذا النوع كالخموش.\nفَما فَوْقَها عطف على بعوضة، أو ما إن جعل اسمًا، ومعناه ما زاد عليها في الجثة كالذباب والعنكبوت، كأنه قصد به رد ما استنكروه. والمعنى: أنه لا يستحيي ضرب المثل بالبعوض فضلًا عما هو أكبر منه، أو في المعنى الذي جعلت فيه مثلًا، وهو الصغر والحقارة كجناحها فإنه ﵊ ضربه مثلًا للدنيا، ونظيره في الاحتمالين ما\nروي أن رجلًا بمنى خَرَّ على طنب فسطاط فقالت عائشة ﵂ سمعت رسول الله ﷺ قال: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها، إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة»\n. فإنه يحتمل ما تجاوز الشوكة في الألم كالخرور وما زاد عليها في القلة كنخبة النملة،\nلقوله ﵊ «ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة» .\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أما حرف تفصيل يفصل ما أجمل ويؤكد ما به صدر ويتضمن معنى الشرط، ولذلك يجاب بالفاء. قال سيبويه: أما زيد فذاهب معناه، مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، أي هو ذاهب لا محالة وأنه منه عزيمة، وكان الأصل دخول الفاء على الجملة لأنها الجزاء، لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط فأدخلوها على الخبر، وعوضوا المبتدأ عن الشرط لفظًا، وفي تصديره الجملتين به إحماد لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم، وذم بليغ للكافرين على قولهم، والضمير في أَنَّهُ للمثل، أو لأن يضرب. والْحَقُّ الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، يعم الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة، من قولهم حق الأمر، إذا ثبت ومنه: ثوب محقق أي: محكم النسج.\nوَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ كان من حقه: وأما الذين كفروا فلا يعلمون، ليطابق قرينه ويقابل قسيمه، لكن لما كان قولهم هذا دليلًا واضحًا على كمال جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية ليكون كالبرهان عليه.\nمَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يحتمل وجهين: أن تكون «مَا» استفهامية و«ذا» بمعنى الذي وما بعده صلته، والمجموع خبر ما. وأن تكون «ما» مع «ذا» اسمًا واحدًا بمعنى: أي شيء، منصوب المحل على المفعولية مثل ما أراد الله، والأحسن في جوابه الرفع على الأول، والنصب على الثاني، ليطَابق الجواب السؤال.\nوالإرادة: نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، وتقال للقوة التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذلك اختلف في معنى إرادته فقيل:\nإرادته لأفعاله أنه غير ساه ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها. فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته، وقيل:\nعلمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح فإنه يدعو القادر إلى تحصيله، والحق: أنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر وتخصيصه بوجه دون وجه، أو معنى يوجب هذا الترجيح، وهي أعم من الاختيار فإنه ميل مع تفضيل وفي هذا استحقار واسترذال. ومَثَلًا نصب على التمييز، أو الحال كقوله تعالى:\nهذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً.\nيُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا جواب ماذا، أي: إضلال كثير وإهداء كثير، وضع الفعل موضع المصدر للإشعار بالحدوث والتجدد، أو بيان للجملتين المصدرتين بإما، وتسجيل بأن العلم بكونه حقًا هدى وبيان، وأن الجعل بوجه إيراده والإنكار لحسن مورده ضلال وفسوق، وكثرة كل واحد من القبيلتين بالنظر إلى أنفسهم لا بالقياس إلى مقابليهم، فإن المهديين قليلون بالإضافة إلى أهل الضلال كما قال تعالى: وَقَلِيلٌ مَّا","vol":"1","page":63},{"text":"هُمْ\n، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ويحتمل أن يكون كثرة الضالين من حيث العدد، وكثرة المهديين باعتبار الفضل والشرف كما قال:\nقَليلُ إذا عُدُّوا كَثيرٌ إِذا شَدُّوا وقال:\nإنَّ الكِرامَ كثيرٌ في البلادِ وإِن ... قَلُّوا كما غيرَهُم قلٌّ وإنْ كَثُرُوا\nوَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ أي الخارجين عن حد الإيمان، كقوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ من قولهم: فسقت الرُطَبة عن قشرها إذا خرجت. وأصل الفسق: الخروج عن القصد قال رؤبة:\nفواسِقًا عَنْ قَصْدِهَا جَوائرًا والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وله درجات ثلاث:\nالأولى: التغابي وهو أن يرتكبها أحيانًا مستقبحًا إياها.\nالثانية: الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها.\nالثالثة: الجحود وهو أن يرتكبها مستصوبًا إياها، فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر. وما دام هو في درجة التغابي أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان، ولقوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا والمعتزلة لما قالوا:\nالإيمان: عبارة عن مجموع التصديق والإقرار والعمل، والكفر تكذيب الحق وجحوده. جعلوه قسمًا ثالثًا نازلًا بين منزلتي المؤمن والكافر لمشاركته كل واحد منهما في بعض الأحكام، وتخصيص الإضلال بهم مرتبًا على صفة الفسق يدل على أنه الذي أعدهم للإضلال، وأدى بهم إلى الضلال. وذلك لأن كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم بالباطل صرفت وجوه أفكارهم عن حكمة المثل إلى حقارة الممثل به، حتى رسخت به جهالتهم وازدادت ضلالتهم فأنكروه واستهزءوا به. وقرئ (يضل) بالبناء للمفعول و«الفاسقون» بالرفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧]</span>\nالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)\nالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ صفة للفاسقين للذم وتقرير الفسق. والنقض: فسخ التركيب، وأصله في طاقات الحبل، واستعماله في إبطال العهد من حيث إن العهد يستعار له الحبل لما فيه من ربط أحد المتعاهدين بالآخر، فإن أطلق مع لفظ الحبل كان ترشيحًا للمجاز، وإن ذكر مع العهد كان رمزًا إلى ما هو من روادفه وهو أن العهد حبل في ثبات الوصلة بين المتعاهدين كقولك شجاع يفترس أقرانه وعالم يفترق منه الناس فإن فيه تنبيها على أنه أسد في شجاعته بحر بالنظر إلى إفادته. والعهد: الموثق ووضعه لما من شأنه أن يراعي ويتعهد كالوصية واليمين، ويقال للدار، من حيث إنها تراعي بالرجوع إليها. والتاريخ لأنه يحفظ، وهذا العهد: إما العهد المأخوذ بالعقل، وهو الحجة القائمة على عباده الدالة على توحيده ووجوب وجوده وصدق رسوله، وعليه أُوِّلَ قوله تعالى: وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ. أو: المأخوذ بالرسل على الأمم، بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه، ولم يكتموا أمره ولم يخالفوا حكمه، وإليه أشار بقوله:\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ونظائره. وقيل: عهود الله تعالى ثلاثة: عهد أخذه على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته، وعهد أخذه على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وعهد أخذه على العلماء بأن يبينوا الحق ولا يكتموه.\nمِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ الضمير للعهد والميثاق: اسم لما يقع به الوثاقة وهي الاستحكام، والمراد به ما وَثَقَ","vol":"1","page":64},{"text":"الله به عهده من الآيات والكتب، أو ما وثقوه به من الالتزام والقبول، ويحتمل أن يكون بمعنى المصدر. ومِنْ للابتداء فإن ابتداء النقض بعد الميثاق.\nوَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى، كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين، والتفرقة بين الأنبياء ﵈، والكتب في التصديق، وترك الجماعات المفروضة، وسائر ما فيه رفض خير. أو تعاطي شر فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل، والأمر هو للقول الطالب للفعل، وقيل: مع العلو، وقيل: مع الاستعلاء، وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور تسمية للمفعول به بالمصدر، فإنه مما يؤمر به كما قيل: له شأن وهو الطلب. والقصد يقال:\nشأنت شأنه، إذا قصدت قصده. وأَنْ يُوصَلَ يحتمل النصب والخفض على أنه بدل من ما، أو ضميره.\nوالثاني أحسن لفظًا ومعنى.\nوَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمنع عن الإيمان والاستهزاء بالحق، وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه.\nأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ الذين خسروا بإهمال العقل عن النظر واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبدية، واستبدال الإنكار والطعن في الآيات بالإيمان بها، والنظر في حقائقها والاقتباس من أنوارها، واشتراء النقض بالوفاء، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨]</span>\nكَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)\nكَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ استخبار فيه إنكار، وتَعجيب لكفرهم بإنكار الحال التي يقع عليها على الطريق البرهاني، فإن صدوره لا ينفك عن حال وصفة فإذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها استلزم ذلك إنكار وجوده، فهو أبلغ وأقوى في إنكار الكفر، من (أتكفرون) وأوفق لما بعده من الحال، والخطاب مع الذين كفروا لما وصفهم بالكفر وسوء المقال وخبث الفعال، خاطبهم على طريقة الالتفات، ووبخهم على كفرهم مع علمهم بحالهم المقتضية خلاف ذلك، والمعنى أخبروني على أي حال تكفرون.\nوَكُنْتُمْ أَمْواتًا أي أجسامًا لا حياة لها، عناصر وأغذية، وأخلاطًا ونطفًا، ومضغًا مخلفة وغير مخلفة.\nفَأَحْياكُمْ بخلق الأرواح ونفخها فيكم، وإنما عطفه بالفاء لأنه متصل بما عطف عليه غير متراخ عنه بخلاف البواقي.\nثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند ما تقضي آجالكم. ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بالنشور يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور أو للسؤال في القبور ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بعد الحشر فيجازيكم بأعمالكم. أو تنشرون إليه من قبوركم للحساب، فما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه. فإن قيل: إن علموا أنهم كانوا أمواتًا فأحياهم ثم يميتهم، لم يعلموا أنه يحييهم ثم إليه يرجعون. قلت: تمكنهم من العلم بهما لما نصب لهم من الدلائل منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر،.\nسيما وفي الآية تنبيه على ما يدل على صحتهما وهو: أنه تعالى لما قدر على إحيائهم أولًا قدر على أن يحييهم ثانيًا، فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته. أو الخطاب مع القبيلين فإنه ﷾ لما بين دلائل التوحيد والنبوة، ووعدهم على الإيمان، وأوعدهم على الكفر، أكد ذلك بأن عدد عليهم النعم العامة والخاصة، واستقبح صدور الكفر منهم واستبعده عنهم مع تلك النعم الجليلة، فإن عظم النعم يوجب عظم معصية المنعم، فإن قيل: كيف تعد الإماتة من النعم المقتضية للشكر؟ قلت: لما كانت وصلة إلى الحياة الثانية التي هي الحياة الحقيقية كما قال الله تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ، كانت من النعم العظيمة","vol":"1","page":65},{"text":"مع أن المعدود عليهم نعمة هو المعنى المنتزع من القصة بأسرها، كما أن الواقع حالا هو العلم بها لا كل واحدة من الجمل، فإن بعضها ماض وبعضها مستقبل وكلاهما لا يصح أن يقع حالا. أو مع المؤمنين خاصة لتقرير المنة عليهم، وتبعيد الكفر عنهم على معنى، كيف يتصور منكم الكفر وكنتم أمواتًا جهالًا، فأحياكم بما أفادكم من العلم والإيمان، ثم يميتكم الموت المعروف، ثم يحييكم الحياة الحقيقية، ثم إليه ترجعون، فيثيبكم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. والحياة حقيقة في القوة الحساسة، أو ما يقتضيها وبها سمي الحيوان حيوانًا مجازًا في القوة النامية، لأنها من طلائعها ومقدماتها، وفيما يخص الإنسان من الفضائل، كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنها كمالها وغايتها، والموت بإزائها يقال على ما يقابلها في كل مرتبة قال تعالى: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ. وقال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وقال: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ وإذا وصف به الباري تعالى أريد بها صحة اتصافه بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا، أو معنى قائم بذاته يقتضي ذلك على الاستعارة. وقرأ يعقوب تُرْجَعُونَ بفتح التاء في جميع القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>[سورة البقرة (٢): آية ٢٩]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)\nهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى، فإنها خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى، وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم وتم به معاشهم. ومعنى لَكُمْ لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو بغير وسط، ودينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف لما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها، لا على وجه الغرض، فإن الفاعل لغرض مستكمل به، بل على أنه كالغرض من حيث إنه عاقبة الفعل ومؤداه وهو يقتضي إباحة الأشياء النافعة، ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض لأسباب عارضة، فإنه يدل على أن الكل للكل لا أن كل واحد لكل واحد. وما يعم كل ما في الأرض، إلا إذا أريد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو. وجميعًا: حال من الموصول الثاني.\nثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قصد إليها بإرادته، من قولهم استوى إليه كالسهم المرسل، إذا قصده قصدًا مستويًا من غير أن يلوي على شيء. وأصل الاستواء طلب السواء، وإطلاقه على الاعتدال لما فيه من تسوية وضع الأجزاء، ولا يمكن حمله عليه لأنه من خواص الأجسام وقيل استوى أي: استولى ومَلَكَ، قال:\nقَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ على العِرَاق ... مِنْ غَير سَيْفٍ ودَمٍ مُهْرَاقِ\nوالأول أوفق للأصل والصلة المعدى بها والتسوية المترتبة عليه بالفاء، والمراد بالسماء هذه الأجرام العلوية، أو جهات العلو، وثُمَّ لعله لتفاوت ما بين الخلقين وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لا للتراخي في الوقت، فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء وتسويتها، إلا أن تستأنف بدحاها مقدرًا لنصب الأرض فعلًا آخر دل عليه أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا مثل تعرف الأرض وتدبر أمرها بعد ذلك لكنه خلاف الظاهر.\nفَسَوَّاهُنَّ عدلهن وخلقهن مصونة من العوج والفطور. وهن ضمير السماء إن فسرت بالأجرام لأنه جمع. أو هو في معنى الجمع، وإلا فمبهم يفسره ما بعده كقولهم: ربه رجلًا.\nسَبْعَ سَماواتٍ بدل أو تفسير. فإن قيل: أليس إن أصحاب الأرصاد أثبتوا تسعة أفلاك؟ قلت: فيما ذكروه شكوك، وإن صح فليس في الآية نفي الزائد مع أنه إن ضم إليها العرش والكرسي لم يبق خلاف.","vol":"1","page":66},{"text":"وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيه تعليل كأنه قال: ولكونه عالمًا بكنه الأشياء كلها، خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع، واستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب، والترتيب الأنيق كان عليمًا، فإن إتقان الأفعال وإحكامها وتخصيصها بالوجه الأحسن الأنفع، لا يتصور إلا من عالم حكيم رحيم، وإزاحة لما يختلج في صدورهم من أن الأبدان بعد ما تبددت، وتفتتت أجزاؤها، واتصلت بما يشاكلها، كيف تجمع أجزاء كل بدن مرة ثانية بحيث لا يشذ شيء منها، ولا ينضم إليها ما لم يكن معها فيعاد منها كما كان، ونظيره قوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.\nواعلم أن صحة الحشر مبنية على ثلاث مقدمات، وقد برهن عليها في هاتين الآيتين: أما الأولى فهي:\nأن مواد الأبدان قابلة للجمع والحياة وأشار إلى البرهان عليها بقوله: وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ فإن تعاقب الافتراق والاجتماع والموت والحياة عليها يدل على أنها قابلة لها بذاتها، وما بالذات يأبى أن يزول ويتغير. وأما الثانية والثالثة: فإنه ﷿ عالم بها وبمواقعها، قادر على جمعها وإحيائها، وأشار إلى وجه إثباتهما بأنه تعالى قادر على إبدائها وإبداء ما هو أعظم خلقًا وأعجب صنعًا فكان أقدر على إعادتهم وإحيائهم، وأنه تعالى خلق ما خلق خلقًا مستويًا محكمًا من غير تفاوت واختلال مراعي فيه مصالحهم وسد حاجاتهم.\nوذلك دليل على تناهي علمه وكمال حكمته جلت قدرته ودقت حكمته. وقد سَكَّنَ نافع وأبو عمرو والكسائي: الهاء من نحو فهو وهو تشبيهًا له بعضد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>[سورة البقرة (٢): آية ٣٠]</span>\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٠)\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً تعداد لنعمة ثالثة تعم الناس كلهم، فإن خلق آدم وإكرامه وتفضيله على ملائكته بأن أمرهم بالسجود له، إنعام يعم ذريته. وإذ: ظرف وضع لزمان نسبة ماضية وقع فيه أخرى، كما وضع إذا لزمان نسبة مستقبلة يقع فيه أخرى، ولذلك يجب إضافتهما إلى الجمل كحيث في المكان، وبنيتا تشبيهًا لهما بالموصولات، واستعملتا للتعليل والمجازاة، ومحلهما النصب أبدًا بالظرفية فإنهما من الظروف الغير المتصرفة لما ذكرناه، وأما قوله تعالى: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ ونحوه، فعلى تأويل: اذكر الحادث إذ كان كذا، فحذف الحادث وأقيم الظرف مقامه، وعامله في الآية قالوا، أو أذكر على التأويل المذكور لأنه جاء معمولًا له صريحًا في القرآن كثيرًا، أو مضمر دل عليه مضمون الآية المتقدمة، مثل وبدأ خلقكم إذ قال، وعلى هذا فالجملة معطوفة على خلق لكم داخلة في حكم الصلة. وعن معمر أنه مزيد. والملائكة جمع ملأك على الأصل كالشمائل جمع شمأل، والتاء لتأنيث الجمع، وهو مقلوب مألك من الألوكة وهي: الرسالة، لأنهم وسائط بين الله تعالى، وبين الناس، فهم رسل الله. أو كالرسل إليهم. واختلف العقلاء في حقيقتهم بعد اتفاقهم على أنها ذوات موجودة قائمة بأنفسها. فذهب أكثر المسلمين إلى أنها أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، مستدلين بأن الرسل كانوا يرونهم كذلك. وقالت طائفة من النصارى: هي النفوس الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان. وزعم الحكماء أنهم جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة، منقسمة إلى قسمين: قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق ﷻ والتنزه عن الاشتغال بغيره، كما وصفهم في محكم تنزيله فقال تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفْتُرُونَ وهم العليون والملائكة المقربون. وقسم يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم الإلهي لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وهم المدبرات أمرًا، فمنهم سماوية، ومنهم أرضية، على تفصيل أثبته في كتاب الطوالع.\nوالمقول لهم: الملائكة كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص، وقيل ملائكة الأرض، وقيل إبليس ومن","vol":"1","page":67},{"text":"كان معه في محاربة الجن، فإنه تعالى أسكنهم في الأرض أولًا فأفسدوا فيها، فبعث إليهم إبليس في جند من الملائكة فدمرهم وفرقهم في الجزائر والجبال. وجاعل: من جعل الذي له مفعولان وهما في الْأَرْضِ خَلِيفَةً أعمل فيهما، لأنه بمعنى المستقبل ومعتمد على مسند إليه. ويجوز أن يكون بمعنى خالق. والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه، والهاء فيه للمبالغة، والمراد به آدم ﵊ لأنه كان خليفة الله في أرضه، وكذلك كل نبي استخلفهم الله في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه، بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه، وتلقي أمره بغير وسط، ولذلك لم يستنبئ ملكًا كما قال الله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ألا ترى أن الأنبياء لما فاقت قوتهم، واشتعلت قريحتهم بحيث يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لم تمسسه نار، أرسل إليهم الملائكة ومن كان منهم أعلى رتبة كلمه بلا واسطة، كما كلم موسى ﵇ في الميقات، ومحمدا ﷺ ليلة المعراج، ونظير ذلك في الطبيعة أن العظم لما عجز عن قبول الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد، جعل الباري تعالى بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من هذا ويعطي ذلك. أو خليفة من سكن الأرض قبله، أو هو وذريته لأنهم يخلفون من قبلهم، أو يخلف بعضهم بعضًا. وإفراد اللفظ: إما للاستغناء بذكره عن ذكر بنيه كما استغني بذكر أبي القبيلة في قولهم: مضر وهاشم. أو على تأويل من يخلفكم، أو خلفًا يخلفكم. وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة، تعليم المشاورة، وتعظيم شأن المجعول، بأن بشّر ﷿ بوجود سكان ملكوته، ولقبه بالخليفة قبل خلقه، وإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم، وجوابه وبيان أن الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير إلى غير ذلك.\nقالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ تَعَجُبٌ من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها، أو يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية، واستكشاف عما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسد وألغتها، واستخبار عما يرشدهم ويزيح شبهتهم كسؤال المتعلم معلمه عما يختلج في صدره، وليس باعتراض على الله تعالى جلت قدرته، ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة، فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى، أو تلق من اللوح، أو استنباط عما ركز في عقولهم أن العصمة من خواصهم، أو قياس لأحد الثقلين على الآخر. والسُفْكُ والسَّبْكُ والسَّفْحُ والشَّنُّ أنواع من الصب، فالسفك يقال في الدم والدمع، والسبك في الجواهر المذابة، والسفح في الصب من أعلى، والشن في الصب من فم القربة ونحوها، وكذلك السن، وقرئ «يُسْفِكُ» على البناء للمفعول، فيكون الراجع إلى مَنْ، سواء جعل موصولًا أو موصوفًا محذوفًا، أي: يسفك الدماء فيهم.\nوَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ حال مقررة لجهة الإشكال كقولك: أتحسن إلى أعدائك وأنا الصديق المحتاج القديم. والمعنى: أتستخلف عصاة ونحن معصومون أحقاء بذلك، والمقصود منه، الاستفسار عما رجحهم ومع ما هو متوقع منهم. على الملائكة المعصومين في الاستخلاف، لا العجب والتفاخر. وكأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره: شهوية وغضبية تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماء، وعقلية تدعوه إلى المعرفة والطاعة. ونظروا إليها مفردة وقالوا: ما الحكمة في استخلافه، وهو باعتبار تينك القوتين لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلًا عن استخلافه، وأما باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم ما يتوقع منها سليمًا عن معارضة تلك المفاسد. وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل، متمرنة على الخير كالعفة والشجاعة ومجاهدة الهوى والإنصاف. ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد، كالإحاطة بالجزئيات واستنباط الصناعات واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف، وإليه أشار تعالى إجمالًا بقوله: قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ","vol":"1","page":68},{"text":"تَعْلَمُونَ\nوالتسبيح تبعيد الله تعالى عن السوء وكذلك التقديس، من سَبَح في الأرض والماء، وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد، ويقال قَدُسَ إذا طهر لأن مطهر الشيء مبعد له عن الأقذار. وبِحَمْدِكَ في موضع الحال، أي: متلبسين بحمدك على ما ألهمتنا معرفتك ووفقتنا لتسبيحك، تداركوا به ما أوهم إسناد التسبيح إلى أنفسهم، ونقدس لك نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك، كأنهم قابلوا الفساد المفسر بالشرك عند قوم بالتسبيح، وسفك الدماء الذي هو أعظم الأفعال الذميمة بتطهير النفوس عن الآثام وقيل: نقدسك واللام مزيدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>[سورة البقرة (٢): آية ٣١]</span>\nوَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١)\nوَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها إما بخلق علم ضروري بها فيه، أو إلقاء في روعه، ولا يفتقر إلى سابقة اصطلاح ليتسلسل. والتعليم فعل يترتب عليه العلم غالبًا، ولذلك يقال علمته فلم يتعلم. وآدَمَ اسم أعجمي كآزر وشالح، واشتقاقه من الأُدْمة أو الأَدْمة بالفتح بمعنى الأسوة، أو من أديم الأرض لما\nروي عنه ﵊ «أنه تعالى قبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها فخلق منها آدم»\nفلذلك يأتي بنوه أخيافًا، أو من الأدم أو الأدمة بمعنى الألفة، تعسف كاشتقاق إدريس من الدرس، ويعقوب من العقب، وإبليس من الإبلاس. والاسم باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلًا يرفعه إلى الذهن مع الألفاظ والصفات والأفعال، واستعماله عرفًا في اللفظ الموضوع لمعنى سواء كان مركبًا أو مفردًا مخبرًا عنه أو خبرًا أو رابطة بينهما. واصطلاحًا: في المفرد الدال على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة. والمراد في الآية إما الأول أو الثاني وهو يستلزم الأول، لأن العلم بألفاظ من حيث الدلالة متوقف على العلم بالمعاني، والمعنى أنه تعالى خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة، مستعدًا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات، والمتخيلات والموهومات. وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها.\nثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ الضمير فيه للمسميات المدلول عليها ضمنًا إذ التقدير أسماء المسميات، فحذف المضاف إليه لدلالة المضاف عليه وعوض عنه اللام كقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا لأن العرض للسؤال عن أسماء المعروضات فلا يكون المعروض نفس الأشياء سيما إن أريد به الألفاظ، والمراد به ذوات الأشياء، أو مدلولات الألفاظ، وتذكيره ليغلب ما اشتمل عليه من العقلاء، وقرئ «عرضهن» و«عرضها» على معنى عرض مسمياتهن أو مسمياتها.\nفَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ تبكيت لهم وتنبيه على عجزهم عن أمر الخلافة، فإن التصرف والتدبير إقامة المعدلة قبل تحقق المعرفة، والوقوف على مراتب الاستعدادات وقدر الحقوق محال، وليس بتكليف ليكون من باب التكليف بالمحال، والإنباء: إخبار فيه إعلام، ولذلك يجري مجرى كل واحد منهما.\nإِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زعمكم أَنكُم أَحقاء بالخلافة لعصمتكم، أو أن خلقهم واستخلافهم وهذه صفتهم لا يليق بالحكيم، وهو وإن لم يصرحوا به لكنه لازم مقالهم. والتصديق كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه قد يتطرق إليه بفرض ما يلزم مدلوله من الأخبار، وبهذا الاعتبار يعتري الإنشاءات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>[سورة البقرة (٢): آية ٣٢]</span>\nقالُوا سُبْحانَكَ لاَ عِلْمَ لَنا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)\nقالُوا سُبْحانَكَ لاَ عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا اعتراف بالعجز والقصور، وإشعار بأن سؤالهم كان استفسارًا ولم يكن اعتراضًا، وأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان والحكمة في خلقه، وإظهار لشكر نعمته","vol":"1","page":69},{"text":"بما عرفهم وكشف لهم ما اعتقل عليهم، ومراعاة للأدب بتفويض العلم كله إليه. وسبحان: مصدر كغفران ولا يكاد يستعمل إلا مضافًا منصوبًا بإضمار فعله، كمعاذ الله. وقد أُجْرِيَ علمًا للتسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قوله: سبحان من علقمة الفاخر. وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة فقال موسى ﵇: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وقال يونس: سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.\nإِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الذي لا يخفى عليه خافية. الْحَكِيمُ المحكم لمبدعاته الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة. وأنت فصل، وقيل: تأكيد للكاف كما في قولك: مررت بك أنت، وإن لم يجز: مررت بأنت، إذ التابع يسوغ فيه ما لا يسوغ في المتبوع، ولذلك جاز: يا هذا الرجل، ولم يجز: يا الرجل، وقيل: مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر إن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>[سورة البقرة (٢): آية ٣٣]</span>\nقالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)\nقالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ أي: أعلمهم، وقرئ بقلب الهمزة ياء وحذفها بكسر الهاء فيهما.\nفَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ استحضار لقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ لكنه جاء به على وجه أبسط ليكون كالحجة عليه، فإنه تعالى لما علم ما خفي عليهم من أمور السماوات والأرض، وما ظهر لهم من أحوالهم الظاهرة والباطنة علم ما لا يعلمون، وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى، وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبين لهم، وقيل: مَا تُبْدُونَ قولهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فيها. وما تَكْتُمُونَ استبطانهم أنهم أحقاء بالخلافة، وأنه تعالى لا يخلق خلقًا أفضل منهم. وقيل: ما أظهروا من الطاعة، وأسر إبليس منهم من المعصية، والهمزة للإنكار دخلت حرف الجحد فأفادت الإثبات والتقرير.\nواعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان، ومزية العلم وفضله على العبادة، وأنه شرط في الخلافة بل العمدة فيها، وأن التعليم يصح إسناده إلى الله تعالى، وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن يحترف به، وأن اللغات توقيفية، فإن الأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم، وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبينًا له معانيها، وذلك يستدعي سابقة وضع، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم فيكون من الله ﷾، وأن مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم وإلا لتكرر قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وأن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة، والحكماء منعوا ذلك في الطبقة العليا منهم، وحملوا عليه قوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وأن آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم، والأعلم أفضل لقوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ وأنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>[سورة البقرة (٢): آية ٣٤]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ لما أنبأهم بأسمائهم وعلمهم ما لم يعلموا أمرهم بالسجود له، اعترافًا بفضله، وأداء لحقه واعتذارًا عما قالوا فيه، وقيل: أمرهم به قبل أن يسوي خلقه لقوله تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ امتحانًا لهم وإظهارًا لفضله. والعاطف عطف الظرف على الظرف السابق إن نصبته بمضمر، وإلا عطفه بما يقدر عاملًا فيه على الجملة المتقدمة، بل القصة بأسرها على القصة الأخرى، وهي نعمة رابعة عدها عليهم. والسجود في الأصل تذلل مع تطامن قال الشاعر:","vol":"1","page":70},{"text":"تَرَى الأَكمَ فيها سُجَّدًا للحَوافِر وقال آخر:\nوَقُلْنَ لَه اسْجُدْ لِلَيلى فَاسْجَدَا يعني البعير إذا طأطأ رأسه. وفي الشرع: وضع الجبهة على قصد العبادة، والمأمور به إما المعنى الشرعي فالمسجود له بالحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة لسجودهم تفخيمًا لشأنه، أو سببًا لوجوبه فكأنه تعالى لما خلقه بحيث يكون نموذجًا للمبدعات كلها بل الموجودات بأسرها، ونسخة لما في العالم الروحاني والجسماني وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدر لهم من الكمالات، ووصلة إلى ظهور ما تباينوا فيه من المراتب والدرجات، أمرهم بالسجود تذللًا لما رأوا فيه من عظيم قدرته وباهر آياته، وشكرًا لما أنعم عليهم بواسطته، فاللام فيه كاللام في قول حسان رضي الله تعالى عنه:\nأَليْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لقبلتِكُمْ ... وأَعْرَفَ الناسِ بالقرآنِ والسُّنَنِ\nأو في قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ.\nوأما المعنى اللغوي وهو التواضع لآدم تحية وتعظيمًا له، كسجود إخوة يوسف له، أو التذلل والإنقياد بالسعي في تحصيل ما ينوط به معاشهم ويتم به كمالهم. والكلام في أن المأمورين بالسجود، الملائكة كلهم، أو طائفة منهم ما سبق.\nفَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ امتنع عما أمر به، استكبارًا من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه، أو يعظمه ويتلقاه بالتحية، أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه. والإباء: امتناع باختيار. والتكبر: أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره. والاستكبار طلب ذلك بالتشبع.\nوَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي في علم الله تعالى، أو صار منهم باستقباحه أمر الله تعالى إياه بالسجود لآدم اعتقادًا بأنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسل به كما أشعر به قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ جوابًا لقوله: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ. لا بترك الواجب وحده. والآية تدل على أن آدم ﵇ أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له، ولو من وجه، وأن إبليس كان من الملائكة وإلا لم يتناوله أمرهم ولا يصح استثناؤه منهم، ولا يرد على ذلك قوله ﷾: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ لجواز أن يقال إنه كان من الجن فعلًا ومن الملائكة نوعًا، ولأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما روي: أن من الملائكة ضربًا يتوالدون يقال لهم الجن ومنهم إبليس. ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول: إنه كان جنيًا نشأ بين أظهر الملائكة، وكان مغمورًا بالألوف منهم فغلبوا عليه، أو الجن أيضًا كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم، فإنه إذا علم أن الأكابر مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به، علم أن الأصاغر أيضًا مأمورون به. والضمير في فسجدوا راجع إلى القبيلين كأنه، قال فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس، وأن من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة، كما أن من الإنس معصومين والغالب فيهم عدم العصمة، ولعل ضربًا من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات، وإنما يخالفهم بالعوارض والصفات كالبررة والفسقة من الإنس والجن يشملهما.\nوكان إبليس من هذا الصنف كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فلذلك صح عليه التغير عن حاله والهبوط من محله، كما أشار إليه بقوله عز وعلا: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ لا يقال:\nكيف يصح ذلك والملائكة خلقت من نور والجن من نار؟ لما\nروت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه ﵊ قال: «خلقت الملائكة من النور، وخلق الجن مِن مَّارِجٍ من نار»\nلأنه كالتمثيل لما ذكرنا، فإن المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك، غير أن ضوءها مكدر مغمور بالدخان محذور عنه بسبب ما","vol":"1","page":71},{"text":"يصحبه من فرط الحرارة والإحراق، فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها ويبقى الدخان الصرف، وهذا أشبه بالصواب وأوفق للجمع بين النصوص، والعلم عند الله ﷾.\nومن فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه قد يفضي بصاحبه إلى الكفر، والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض في سره، وأن الأمر للوجوب، وأن الذي علم الله تعالى مّن حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة، إذ العبرة بالخواتم وإن كان بحكم الحال مؤمنًا وهو الموافاة المنسوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>[سورة البقرة (٢): آية ٣٥]</span>\nوَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)\nوَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ السكنى من السكون لأنها استقرار ولبث، وأَنْتَ تأكيد أكد به المستكن ليصح العطف عليه، وإنما لم يخاطبهما أولًا تنبيهًا على أنه المقصود بالحكم والمعطوف عليه تبع له. والجنة دار الثواب، لأن اللام للعهد ولا معهود غيرها. ومن زعم أنها لم تخلق بعد قال إنه بستان كان بأرض فلسطين، أو بين فارس وكرمان خلقه الله تعالى امتحانًا لآدم، وحمل الإهباط على الانتقال منه إلى أرض الهند كما في قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْرًا وَكُلا مِنْها رَغَدًا واسعًا رافهًا، صفة مصدر محذوف.\nحَيْثُ شِئْتُما أي مكان من الجنة شئتما، وسع الأمر عليهما إزاحة للعلة، والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها الفائتة للحصر.\nوَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فيه مبالغات، تعليق النهي بالقرب الذي هو من مقدمات التناول مبالغة في تحريمه، ووجوب الاجتناب عنه، وتنبيهًا على أن القرب من الشيء يورث داعية، وميلًا يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى العقل والشرع، كما\nروي «حبك الشيء يعمي ويصم»\nفينبغي أن لا يحوما حول ما حرم الله عليهما مخافة أن يقعا فيه، وجعله سببًا لأن يكونا من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي، أو بنقص حظهما بالإتيان بما يخل بالكرامة والنعيم، فإن الفاء تفيد السببية سواء جعلت للعطف على النهي أو الجواب له. والشجرة هي الحنطة، أو الكرمة، أو التينة، أو شجرة من أكل منها أحدث، والأولى أن لا تعين من غير قاطع كما لم تعين في الآية لعدم توقف ما هو المقصود عليه. وقرئ بكسر الشين، و«تقربا» بكسر التاء و«هذي» بالياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>[سورة البقرة (٢): آية ٣٦]</span>\nفَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦)\nفَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها أصدر زلتهما عن الشجرة وحملهما على الزلة بسببها، ونظير «عن» هذه في قوله تعالى وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي. أو أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما، ويعضده قراءة حمزة «فأزالهما» وهما متقاربان في المعنى، غير أن أزل يقتضي عثرة مع الزوال، وإزلاله قوله: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلى وقوله: مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ومقاسمته إياها بقوله: إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ. واختلف في أنه تمثل لهما فقاولهما بذلك، أو ألقاه إليهما على طريق الوسوسة، وأنه كيف توصل إلى إزلالهما بعد ما قيل له: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. فقيل: إنه منع من الدخول على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة، ولم يمنع أن يدخل للوسوسة ابتلاء لآدم وحواء.\nوقيل: قام عند الباب فناداهما. وقيل: تمثل بصورة دابة فدخل ولم تعرفه الخزنة. وقيل: دخل في فم الحية","vol":"1","page":72},{"text":"حتى دخلت به. وقيل: أرسل بعض أتباعه فأزلهما، والعلم عند الله ﷾.\nفَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ أي من الكرامة والنعيم.\nوَقُلْنَا اهْبِطُوا خطاب لآدم ﵊ وحواء لقوله ﷾: قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا. وجمع الضمير لأنهما أصلا الجنس فكأنهما الإنس كلهم. أو هما وإبليس أخرج منها ثانيا بعد ما كان يدخلها للوسوسة، أو دخلها مسارقة أو من السماء.\nبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ حال استغني فيها عن الواو بالضمير، والمعنى متعادين يبغي بعضكم على بعض بتضليله.\nوَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ موضع استقرار، أو استقرارٍ.\nوَمَتاعٌ تمتع. إِلى حِينٍ يريد به وقت الموت أو القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>[سورة البقرة (٢): آية ٣٧]</span>\nفَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)\nفَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها. وقرأ ابن كثير بنصب آدَمُ ورفع الكلمات على أنها استقبلته وبلغته وهي قوله تعالى: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الآية، وقيل: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: يا رب ألم تخلقني بيدك، قال: بلى، قال: يا رب ألم تنفخ في الروح من روحك، قال: بلى، قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك، قال: بلى، قال: ألم تسكني جنتك، قال: بلى، قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال: نعم. وأصل الكلمة:\nالكلم، وهو التأثير المدرك بإحدى الحاستين السمع والبصر كالكلام والجراحة والحركة.\nفَتابَ عَلَيْهِ رجع عليه بالرحمة وقبول التوبة، وإنما رتبه بالفاء على تلقي الكلمات لتضمنه معنى التوبة: وهو الإعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على أن لا يعود إليه. وأكتفي بذكر آدم لأن حواء كانت تبعًا له في الحكم ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن.\nإِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرجاع على عباده بالمغفرة، أو الذي يكثر إعانتهم على التوبة، وأصل التوبة:\nالرجوع، فإذا وصف بها العبد كان رجوعًا عن المعصية، وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة.\nالرَّحِيمُ المبالغ في الرحمة، وفي الجمع بين الوصفين، وعد للتائب بالإحسان مع العفو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>[سورة البقرة (٢): آية ٣٨]</span>\nقُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)\nقُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا كرر للتأكيد، أو لاختلاف المقصود فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف، فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضله هلك، والتنبيه على أن مخافة الإهباط المقترن بأحد هذين الأمرين وحدها كافية للحازم أن تعوقه عن مخالفة حكم الله ﷾، فكيف بالمقترن بهما، ولكنه نسي وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، وأن كل واحد منهما كفى به نكالًا لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ. وقيل الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني منها إلى الأرض وهو كما ترى. وجَمِيعًا حال في اللفظ تأكيد في المعنى كأنه قيل: اهبطوا أنتم أجمعون، ولذلك لا يستدعي اجتماعهم على الهبوط في زمان واحد كقولك: جاءوا جميعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ","vol":"1","page":73},{"text":"يَحْزَنُونَ\nالشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الأول، وما مزيدة أكدت به إن ولذلك حسن تأكيد الفعل بالنون وإن لم يكن فيه معنى الطلب، والمعنى: إن يأتينكم مني هدى بإنزال أو إرسال، فمن تبعه منكم نجا وفاز، وإنما جيء بحرف الشك، وإتيان الهدى كائن لا محالة لأنه محتمل في نفسه غير واجب عقلًا، وكرر لفظ الهدى ولم يضمر لأنه أراد بالثاني أعم من الأول، وهو ما أتى به الرسل واقتضاه العقل، أي: فمن تبع ما أتاه مراعيًا فيه ما يشهد به العقل فلا خوف عليهم فضلًا عن أن يحل بهم مكروه، ولا هم يفوت عنهم محبوب فيحزنوا عليه، فالخوف على المتوقع والحزن على الواقع نفى عنهم العقاب وأثبت لهم الثواب على آكد وجه وأبلغه. وقرئ «هدى» على لغة هذيل و«لا خوف» بالفتح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>[سورة البقرة (٢): آية ٣٩]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ عطف على فَمَنْ تَبِعَ إلى آخره قسيم له كأنه قال: ومن لم يتبع بل كفروا بالله، وكذبوا بآياته، أو كفروا بالآيات جنانًا، وكذبوا بها لسانًا فيكون الفعلان متوجهين إلى الجار والمجرور. والآية في الاصل العلامة الظاهرة، ويقال للمصنوعات من حيث إنها تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته، ولكل طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل، واشتقاقها من آي لأنها تبين آيًا من أي أو من أوى إليه، وأصلها أية أو أوية كتمرة، فأبدلت عينها ألفًا على غير قياس. أو أيية. أو أوية كرمكة فأعلت. أو آئية كقائلة فحذفت الهمزة تخفيفا. والمراد بِآياتِنا الآيات المنزلة، أو ما يعمها والمعقولة. وقد تمسكت الحشوية بهذه القصة على عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من وجوه:\nالأول: أن آدم صلوات الله عليه كان نبيًا، وارتكب المنهي عنه والمرتكب له عاص.\nوالثاني: أنه جعل بارتكابه من الظالمين والظالم ملعون لقوله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.\nوالثالث: أنه تعالى أسند إليه العصيان، فقال وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى.\nوالرابع: أنه تعالى لقنه التوبة، وهي الرجوع عن الذنب والندم عليه.\nوالخامس: اعترافه بأنه خاسر لولا مغفرة الله تعالى إياه بقوله: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ والخاسر من يكون ذا كبيرة.\nوالسادس: أنه لو لم يذنب لم يجر عليه ما جرى. والجواب من وجوه.\nالأول: أنه لم يكن نبيًا حينئذ، والمدعي مطالب بالبيان.\nوالثاني: أن النهي للتنزيه، وإنما سمي ظالمًا وخاسرًا لأنه ظلم نفسه وخسر حظه بترك الأولى له. وأما إسناد الغي والعصيان إليه، فسيأتي الجواب عنه في موضعه إن شاء الله تعالى. وإنما أمر بالتوبة تلافيًا لما فات عنه، وجرى عليه ما جرى معاتبة له على ترك الأولى، ووفاء بما قاله للملائكة قبل خلقه.\nوالثالث: أنه فعله ناسيًا لقوله ﷾: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ولكنه عوتب بترك التحفظ عن أسباب النسيان، ولعله وإن حط عن الأمة لم يحط عن الأنبياء لعظم قدرهم كما\nقال ﵊ «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل»\n. أو أدى فعله إلى ما جرى عليه على طريق السببية المقدرة دون المؤاخذة على تناوله، كتناول السم على الجاهل بشأنه. لا يقال إنه باطل لقوله تعالى: مَا نَهاكُما رَبُّكُما، وقاسَمَهُما الآيتين، لأنه ليس فيهما ما يدل على أن تناوله حين ما قال له إبليس، فلعل مقاله أورث فيه ميلًا طبيعيًا، ثم إنه كف نفسه عنه مراعاة لحكم الله تعالى إلى أن نسي ذلك، وزال المانع فحمله الطبع عليه.","vol":"1","page":74},{"text":"والرابع: أنه ﵇ أقدم عليه بسبب اجتهاد أخطأ فيه، فإنه ظن أن النهي للتنزيه، أو الإشارة إلى عين تلك الشجرة فتتناول من غيرها من نوعها وكان المراد بها الإشارة إلى النوع، كما\nروي أنه ﵊ «أخذ حريرًا وذهبًا بيده وقال: «هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها»\n. وإنما جرى عليه ما جرى تعظيمًا لشأن الخطيئة ليجتنبها أولاده. وفيها دلالة على أن الجنة مخلوقة وأنها في جهة عالية، وأن التوبة مقبولة، وأن متبع الهدى مأمون العاقبة، وأن عذاب النار دائم، وأن الكافر فيه مخلد، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى: هُمْ فِيها خالِدُونَ.\nواعلم أنه ﷾ لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، وعقبها تعداد النعم العامة تقريرًا لها وتأكيدًا، فإنها من حيث إنها حوادث محكمة تدل على محدث حكيم له الخلق والأمر وحده لا شريك له، ومن حيث إن الإخبار بها على ما هو مثبت في الكتب السابقة ممن لم يتعلمها، ولم يمارس شيئًا منها إخبار بالغيب معجز يدل على نبوة المخبر عنها، ومن حيث اشتمالها على خلق الإنسان وأصوله وما هو أعظم من ذلك، تدل على أنه قادر على الإعادة كما كان قادرًا على الإبداء، خاطب أهل العلم والكتاب منهم، وأمرهم أن يذكروا نعم الله تعالى عليهم، ويوفوا بعهده في اتباع الحق واقتفاء الحجج ليكونوا أول من آمن بمحمد ﷺ وما أنزل عليه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>[سورة البقرة (٢): آية ٤٠]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ أي أولاد يعقوب، والابن من البناء لأنه مبني أبيه، ولذلك ينسب المصنوع إلى صانعه فيقال: أبو الحرب، وبنت الفكر. وإسرائيل لقب يعقوب ﵇ ومعناه بالعبرية: صفوة الله، وقيل: عبد الله وقرئ «إسرائل» بحذف الياء و«إسرال» بحذفهما و«إسراييل» بقلب الهمزة ياء.\nاذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أي بالتفكر فيها والقيام بشكرها، وتقييد النعمة بهم لأن الإنسان غيور حسود بالطبع، فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط، وإن نظر إلى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضى والشكر. وقيل أراد بها ما أنعم الله به على آبائهم من الإنجاء من فرعون والغرق، ومن العفو عن اتخاذ العجل، وعليهم من إدراك زمن محمد ﷺ وقرئ اذْكُرُوا والأصل إذتكروا. ونعمتي بإسكان الياء وقفًا وإسقاطها درجًا هو مذهب من لا يحرك الياء المكسور ما قبلها.\nوَأَوْفُوا بِعَهْدِي بالإيمان والطاعة.\nأُوفِ بِعَهْدِكُمْ بحسن الإثابة والعهد يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد، ولعل الأول مضاف إلى الفاعل والثاني إلى المفعول، فإنه تعالى عهد إليهم بالإيمان والعمل الصالح بنصب الدلائل وإنزال الكتب، ووعد لهم بالثواب على حسناتهم، وللوفاء بهما عرض عريض فأول مراتب الوفاء منا هو الإتيان بكلمتي الشهادة، ومن الله تعالى حقن الدم والمال، وآخرها منا الاستغراق في بحر التوحيد بحيث يغفل عن نفسه فضلًا عن غيره، ومن الله تعالى الفوز باللقاء الدائم. وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أوفوا بعهدي في اتباع محمد ﷺ، أوف بعهدكم في رفع الآصار والإغلال. وعن غيره أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف بالمغفرة والثواب. أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم، أوف بالكرامة والنعيم المقيم، فبالنظر إلى الوسائط. وقيل كلاهما مضاف إلى المفعول والمعنى: أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة، أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة. وتفصيل العهدين في سورة المائدة في قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ إلى قوله: وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. وقرئ «أوفِّ» بالتشديد للمبالغة.\nوَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ فيما تأتون وتذرون وخصوصًا في نقض العهد، وهو آكد في إفادة التخصيص من إياك","vol":"1","page":75},{"text":"نعبد لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول، والفاء الجزائية الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط كأنه قيل:\nإن كنتم راهبين شيئًا فارهبون. والرهبة: خوف مع تحرز. والآية متضمنة للوعد والوعيد دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد، وأن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحدًا إلا الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>[سورة البقرة (٢): آية ٤١]</span>\nوَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)\nوَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ إفراد للإيمان بالأمر به والحث عليه لأنه المقصود والعمدة للوفاء بالعهود، وتقييد المنزل بأنه مصدق لما معهم من الكتب الإلهية من حيث إنه نازل حسبما نعت فيها، أو مطابق لها في القصص والمواعيد والدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش، وفيما يخالفها من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح من حيث إن كل واحدة منها حق بالإضافة إلى زمانها، مراعى فيها صلاح من خوطب بها، حتى لو نزل المتقدم في أيام المتأخر لنزل على وفقه، ولذلك\nقال ﵊ «لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعي»\n، تنبيه على أن اتباعها لا ينافي الإيمان به، بل يوجبه ولذلك عرض بقوله:\nوَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ بأن الواجب أن يكونوا أول من آمن به، ولأنهم كانوا أهل النظر في معجزاته والعلم بشأنه والمستفتحين به والمبشرين بزمانه. وأَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وقع خبرًا عن ضمير الجمع بتقدير: أول فريق أو فوج، أو بتأويل لا يكن كل واحد منكم أول كافر به، كقولك كسانا حلة فإن قيل كيف نهوا عن التقدم في الكفر وقد سبقهم مشركوا العرب؟ قلت المراد به التعريض لا الدلالة على ما نطق به الظاهر كقولك أما أنا فلست بجاهل أو لا تكونوا أول كافر به. من أهل الكتاب، أو ممن كفر بما معه فإن من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدقه، أو مثل من كفر من مشركي مكة. وأَوَّلَ: أفعل لا فعل له، وقيل: أصله أو أل من وأل، فأبدلت همزته واوًا تخفيفًا غير قياسي أو أأول من آل فقُلِبت همزته واوًا وأدغمت.\nوَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ولا تستبدلوا بالإيمان بها والاتباع لها حظوظ الدنيا، فإنها وإن جلت قليلة مسترذلة بالإضافة إلى ما يفوت عنكم من حظوظ الآخرة بترك الإيمان. قيل: كان لهم رئاسة في قومهم ورسوم وهدايا منهم، فخافوا عليها لو اتبعوا رسول الله ﷺ فاختاروها عليه. وقيل: كانوا يأخذون الرشى فيحرفون الحق ويكتمونه.\nوَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن الدنيا. ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادي لما في الآية الثانية، فصلت بالرهبة التي هي مقدمة التقوى، ولأن الخطاب بها عم العالم والمقلد. أمرهم بالرهبة التي هي مبدأ السلوك، والخطاب بالثانية لما خص أهل العلم، أمرهم بالتقوى التي هي منتهاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>[سورة البقرة (٢): آية ٤٢]</span>\nوَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)\nوَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ عطف على ما قبله. واللبس الخلط وقد يلزمه جعل الشيء مشتبهًا بغيره، والمعنى لا تخلطوا الحق المنزل عليكم بالباطل الذي تخترعونه وتكتمونه حتى لا يميز بينهما، أو ولا تجعلوا الحق ملتبسًا بسبب خلط الباطل الذي تكتبونه في خلاله، أو تذكرونه في تأويله.\nوَتَكْتُمُوا الْحَقَّ جزم داخل تحت حكم النهي كأنهم أمروا بالإيمان وترك الضلال، ونهوا عن الإضلال بالتلبيس على من سمع الحق والإخفاء على من لم يسمعه، أو نصب بإضمار أن على أن الواو للجمع بمعنى مع، أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمانه، وبعضده أنه في مصحف ابن مسعود «وتكتمون» أي وأنتم","vol":"1","page":76},{"text":"تكتمون بمعنى كاتمين، وفيه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه من كتمان الحق.\nوَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ عالمين بأنكم لابسون كاتمون فإنه أقبح إذ الجاهل قد يعذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>[سورة البقرة (٢): آية ٤٣]</span>\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ يعني صلاة المسلمين وزكاتهم فإن غيرهما كلا صلاة ولا زكاة. أمرهم بفروع الإسلام بعد ما أمرهم بأصوله، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بها. والزَّكاةَ من زكا الزرع، إذا نما، فإن إخراجها يستجلب بركة في المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم. أو من الزكاة بمعنى: الطهارة، فإنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل.\nوَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أي في جماعتهم، فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لما فيها من تظاهر النفوس، وعبر عن الصلاة بالركوع احترازًا عن صلاة اليهود. وقيل الركوع: الخضوع والانقياد لما يلزمهم الشارع، قال الأضبط السعدي:\nلا تذلَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ ... كَعَ يَوْمًا والدهْرُ قَدْ رفعه\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>[سورة البقرة (٢): آية ٤٤]</span>\nأَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)\nأَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ تقرير مع توبيخ وتعجيب. والبر: التوسع في الخير، من البر وهو الفضاء الواسع يتناول كل خير، ولذلك قيل البر ثلاثة: بر في عبادة الله تعالى، وبر في مراعاة الأقارب. وبر في معاملة الأجانب.\nوَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وتتركونها من البر كالمنسيات، وعن ابن عباس ﵄ أنها نزلت في أحبار المدينة، كانوا يأمرون سرًا من نصحوه باتباع محمد ﷺ ولا يتبعونه. وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون. وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ تبكيت كقوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي تتلون التوراة، وفيها الوعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول العمل.\nأَفَلا تَعْقِلُونَ قبح صنيعكم فيصدكم عنه، أو أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون وخامة عاقبته.\nوالعقل في الأصل الحبس، سمي به الإدراك الإنساني لأنه يحبسه عما يقبح، ويعقله على ما يحسن، ثم القوة التي بها النفس تدرك هذا الإدراك. والآية ناعية على من يعظ غيره ولا يتعظ بنفسه سوء صنيعه وخبث نفسه، وأن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل، فإن الجامع بينهما تأبى عنه شكيمته، والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل لتقوم فيقيم غيره، لا منع الفاسق عن الوعظ فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>[سورة البقرة (٢): آية ٤٥]</span>\nوَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥)\nوَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ متصل بما قبله، كأنهم لما أمروا بما يشق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال عولجوا بذلك، والمعنى استعينوا على حوائجكم بانتظار النجح والفرج توكلًا على الله، أو بالصوم الذي هو صبر عن المفطرات لما فيه من كسر الشهوة، وتصفية النفس. والتوسل بالصلاة والالتجاء إليها، فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية، من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما، والتوجه إلى الكعبة والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النية بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الحق، وقراءة القرآن، والتكلم بالشهادتين وكف النفس عن الأطيبين حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب،\nروي أنه ﵊ كان إذا حَزبه أمر فزع إلى الصلاة\n. ويجوز أن يراد بها الدعاء:","vol":"1","page":77},{"text":"وَإِنَّها: أي وإن الاستعانة بهما أو الصلاة وتخصيصها برد الضمير إليها، لعظم شأنها واستجماعها ضروبًا من الصبر. أو جملة ما أمروا بها ونهوا عنها.\nلَكَبِيرَةٌ لثقيلة شاقة كقوله تعالى: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ.\nإِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ أي المخبتين، والخشوع الإخبات ومنه الخشعة للرملة المتطامنة. والخضوع اللين والانقياد، ولذلك يقال الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>[سورة البقرة (٢): آية ٤٦]</span>\nالَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)\nالَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ أي يتوقعون لقاء الله تعالى ونيل ما عنده، أو يتيقنون أنهم يحشرون إلى الله فيجازيهم، ويؤيده أن في مصحف ابن مسعود «يعلمون» وكأن الظن لما شابه العلم في الرجحان أطلق عليه لتضمن معنى التوقع، قال أوس بن حجر:\nفأرْسَلتُهُ مُستَيْقِنَ الظن أنَّه ... مُخالِطُ ما بينَ الشَّراسِيفِ جائِفُ\nوإنما لم تثقل عليهم ثقلها على غيرهم فإن نفوسهم مرتاضة بأمثالها، متوقعة في مقابلتها ما يستحقر لأجله مشاقها ويستلذ بسببه متاعبها، ومن ثمة\nقال ﵊ «وجعلت قرة عيني في الصلاة» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>[سورة البقرة (٢): آية ٤٧]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧)\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ كرره للتأكيد وتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم خصوصًا، وربطه بالوعيد الشديد تخويفًا لمن غفل عنها وأخل بحقوقها.\nوَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عطف على نعمتي.\nعَلَى الْعالَمِينَ أي عالمي زمانهم، يريد به تفضيل آبائهم الذين كانوا في عصر موسى ﵊ وبعده، قبل ان يضروا بما منحهم الله تعالى من العلم والإيمان والعمل الصالح، وجعلهم أنبياء وملوكًا مقسطين. واستدل به على تفضيل البشر على المَلَك وهو ضعيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>[سورة البقرة (٢): آية ٤٨]</span>\nوَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)\nوَاتَّقُوا يَوْمًا أي ما فيه من الحساب والعذاب.\nلا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا لا تقضي عنها شيئًا من الحقوق، أو شيئًا من الجزاء فيكون نصبه على المصدر، وقرئ لا «تجزئ» من أجزأ عنه إذا أغنى وعلى هذا تعين أن يكون مصدرًا، وإيراده منكرًا مع تنكير النفسين للتعميم والإقناط الكلي والجملة صفة ليومًا، والعائد فيها محذوف تقديره لا تجزي فيه، ومن لم يجوز حذف العائد المجرور قال: اتسع فيه فحذف عنه الجار وأجري مجرى المفعول به ثم حذف كما حذف من قوله: أم مال أصابوا.\nوَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ أي من النفس الثانية العاصية، أو من الأولى، وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع العذاب أحد عن أحد من كل وجه محتمل، فإنه إما أن يكون قهرًا أو غيره، والأول النصرة، والثاني إما أن يكون مجانًا أو غيره. والأول أن يشفع له والثاني إما بأداء ما كان عليه وهو أن يجزي عنه، أو بغيره وهو أن يعطى عنه عدلًا. والشفاعة من الشفع كأن المشفوع له كان فردًا فجعله الشفيع شفعًا بضم نفسه إليه، والعدل الفدية. وقيل: البدل وأصله التسوية سمي به الفدية لأنها سويت بالمفدى، وقرأ ابن","vol":"1","page":78},{"text":"كثير وأبو عمرو ولا تقبل بالتاء.\nوَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يمنعون من عذاب الله، والضمير لما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفس من النفوس الكثيرة، وتذكيره بمعنى العباد. أو الأناسي والنصر أخص من المعونة لاختصاصه بدفع الضر. وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة، ويؤيده أن الخطاب معهم، والآية نزلت ردًا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>[سورة البقرة (٢): آية ٤٩]</span>\nوَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)\nوَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ تفصيل لما أجمله في قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وعطف على نِعْمَتِيَ، وقرئ «أنجيتكم» . وأصل آلِ أهل لأن تصغيره أهيل، وخص بالإضافة إلى أولي الخطر كالأنبياء والملوك. وفِرْعَوْنَ لقب لمن ملك العمالقة ككسرى وقيصر لملكي الفرس والروم. ولعتوهم اشتق منه تفرعن الرجل إذا عتا وتجبر، وكان فرعون موسى، مصعب بن ريان، وقيل ابنه وليد من بقايا عاد. وفرعون يوسف ﵇، ريان وكان بينهما أكثر من أربعمائة سنة.\nيَسُومُونَكُمْ يبغونكم، من سامه خسفًا إذا أولاه ظلمًا، وأصل السوم الذهاب في طلب الشيء.\nسُوءَ الْعَذابِ أفظعه فإنه قبيح بالإضافة إلى سائره، والسوء مصدر ساء يسوء ونصبه على المفعول ليسومونكم، والجملة حال من الضمير في نجيناكم، أو من آلِ فِرْعَوْنَ، أو منهما جميعًا لأن فيها ضمير كل واحد منهما.\nيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ بيان ليسومونكم ولذلك لم يعطف، وقرئ «يَذْبَحُونَ» بالتخفيف.\nوإنما فعلوا بهم ذلك لأن فرعون رأى في المنام، أو قال له الكهنة: سيولد منهم من يذهب بملكه، فلم يرد اجتهادهم من قدر الله شيئًا.\nوَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ محنة، إن أشير بذلكم إلى صنيعهم، ونعمة إن أشير به إلى الإنجاء، وأصله الاختبار لكن لما كان اختبار الله تعالى عباده تارة بالمنحة أطلق عليهما، ويجوز أن يشار بذلكم إلى الجملة ويراد به الامتحان الشائع بينهما.\nمِنْ رَبِّكُمْ بتسليطهم عليكم، أو ببعث موسى ﵇ وتوفيقه لتخليصكم، أو بهما. عَظِيمٌ صفة بلاء. وفي الآية تنبيه على أن ما يصيب العبد من خير أو شر إختبار من الله تعالى، فعليه أن يشكر على مساره ويصبر على مضاره ليكون من خير المختبرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>[سورة البقرة (٢): آية ٥٠]</span>\nوَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)\nوَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت فيه مسالك بسلوككم فيه. أو بسبب إنجائكم، أو ملتبسًا بكم كقوله:\nتَدُوسُ بِنَا الجَمَاجِمَ والتّريبا وقرئ «فَرَقْنَا» على بناء التكثير لأن المسالك كانت اثني عشر بعدد الأسباط.\nفَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ أراد به فرعون وقومه، واقتصر على ذكرهم للعلم بأنه كان أولى به،","vol":"1","page":79},{"text":"وقيل شخصه كما\nروي أن الحسن رضي الله تعالى عنه كان يقول: اللهم صل على آل محمد\n: أي شخصه واستغني بذكره عن ذكر أتباعه.\nوَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ذلك، أي غرقهم وإطباق البحر عليهم، أو انفلاق البحر عن طرق يابسة مذللة، أو جثثهم التي قذفها البحر إلى الساحل، أو ينظر بعضكم بعضًا.\nروي أنه تعالى أمر موسى ﵇ أن يسري ببني إسرائيل، فخرج بهم فصبحهم فرعون وجنوده، وصادفوهم على شاطئ البحر، فأوحى الله تعالى إليه أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر، فضربه فظهر فيه اثنا عشر طريقًا يابسًا فسلكوها فقالوا: يا موسى نخاف أن يغرق بعضنا ولا نعلم، ففتح الله فيها كوى فتراؤوا وتسامعوا حتى عبروا البحر، ثم لما وصل إليه فرعون ورآه منفلقًا اقتحم فيه هو وجنوده فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين.\nواعلم أن هذه الواقعة من أعظم ما أنعم الله به على بني إسرائيل، ومن الآيات الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى ﵊، ثم إنهم بعد ذلك اتخذوا العجل وقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ونحو ذلك، فهم بمعزل في الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمة محمد ﷺ، مع أن ما تواتر من معجزاته أمور نظرية مثل: القرآن والتحدي به والفضائل المجتمعة فيه المشاهدة على نبوة محمد ﷺ دقيقة تدركها الأذكياء، وإخباره ﵊ عنها من جملة معجزاته على ما مر تقريره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>[سورة البقرة (٢): آية ٥١]</span>\nوَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١)\nوَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لما عادوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وعد الله موسى أن يعطيه التوراة، وضرب له ميقاتًا ذا القعدة وعشر ذي الحجة وعبر عنها بالليالي لأنها غرر الشهور. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي واعَدْنا لأنه تعالى وعده الوحي. ووعده موسى ﵇ المجيء للميقات إلى الطور.\nثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ إلها أو معبودًا.\nمِنْ بَعْدِهِ من بعد موسى ﵇، أو مُضِيِّهِ.\nوَأَنْتُمْ ظالِمُونَ بإشراككم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)\nثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ حين تبتم، والعفو محو الجريمة، من عفا إذا درس. مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي الاتخاذ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي لكي تشكروا عفوه.\nوَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ يعني التوراة الجامع بين كونه كتابًا منزلًا وحجة تفرق بين الحق والباطل. وقيل أراد بالفرقان معجزاته الفارقة بين المحق والمبطل في الدعوى، أو بين الكفر والإِيمان. وقيل الشرع الفارق بين الحلال والحرام، أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ يريد به يوم بدر.\nلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ لكي تهتدوا بتدبر الكتاب والتفكر في الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>[سورة البقرة (٢): آية ٥٤]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)","vol":"1","page":80},{"text":"وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فاعزموا على التوبة والرجوع إلى من خلقكم براءٍ من التفاوت، ومميزًا بعضكم عن بعض بصور وهيئات مختلفة، وأصل التركيب لخلوص الشيء عن غيره، إما على سبيل التقصي كقولهم برئ المريض من مرضه والمديون من دينه، أو الإنشاء كقولهم برأ الله آدم من الطين أو فتوبوا.\nفَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إتمامًا لتوبتكم بالبخع، أو قطع الشهوات كما قيل من لم يعذب نفسه لم ينعمها ومن لم يقتلها لم يحيها. وقيل أمروا أن يقتل بعضهم بعضًا. وقيل أمر من لم يعبد العجل أن يقتل العبدة.\nروي أن الرجل كان يرى بعضه وقريبه فلم يقدر على المضي لأمر الله، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون، فأخذوا يقتتلون من الغداة إلى العشي حتى دعا موسى وهارون فكشفت السحابة ونزلت التوبة، وكانت القتلى سبعين ألفًا\n. والفاء الأولى للتسبب، والثانية للتعقيب.\nذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ من حيث إنه طهرة من الشرك، ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية.\nفَتابَ عَلَيْكُمْ متعلق بمحذوف إن جعلته من كلام موسى ﵇ لهم تقديره: إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم، أو عطف على محذوف إن جعلته خطابًا من الله تعالى لهم على طريقة الالتفات، كأنه قال: ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم بارئكم. وذكر البارئ وترتيب الأمر عليه إشعار بأنهم بلغوا غاية الجهالة والغباوة، حتى تركوا عبادة خالقهم الحكيم إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة، وأن من لم يعرف حق منعمه حقيق بأن لا يسترد منه، ولذلك أمروا بالقتل وفك التركيب.\nإِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ للذي يكثر توفيق التوبة، أو قبولها من المذنبين، ويبالغ في الإنعام عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>[سورة البقرة (٢): آية ٥٥]</span>\nوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)\nوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ أي لأجل قولك، أو لن نقر لَكَ.\nحَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً عيانًا وهي في الأصل مصدر قولك: جهرت بالقراءة، استعيرت للمعاينة، ونصبها على المصدر لأنها نوع من الرؤية، أو الحال من الفاعل، أو المفعول. وقرئ جهرة بالفتح على أنها مصدر كالغلبة، أو جمع جاهر كالكتبة فيكون حالًا من الفاعِل قطعًا، والقائلون هم السبعون الذين اختارهم موسى ﵇ للميقات. وقيل عشرة آلاف من قومه. والمؤمن به: إن الله الذي أعطاك التوراة وكلمك، أو إنك نبي.\nفَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ لفرط العناد والنعت وطلب المستحيل، فإنهم ظنوا أنه تعالى يشبه الأجسام فطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات والأحياز المقابلة للرائي، وهي محال، بل الممكن أن يرى رؤية منزهة عن الكيفية، وذلك للمؤمنين في الآخرة ولأفراد من الأنبياء في بعض الأحوال في الدنيا. قيل جاءت نار من السماء فأحرقتهم. وقيل صيحة. وقيل جنود سمعوا بحسيسها فخروا صعقين ميتين يومًا وليلة.\nوَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ما أصابكم بنفسه أو أثره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)\nثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ بسبب الصاعقة، وقيد للبعث لأنه قد يكون عن إغماء، أو نوم كقوله","vol":"1","page":81},{"text":"تعالى: ثُمَّ بَعَثْناهُمْ.\nلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمة البعث، أو ما كفرتموه لما رأيتم بأس الله بالصاعقة.\nوَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ سخر الله لهم السحاب يظلهم من الشمس حين كانوا في التيه.\nوَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى الترنجبين والسماني. قيل كان ينزل عليهم المن مثل الثلج من الفجر إلى الطلوع، وتبعث الجنوب عليهم السماني، وينزل بالليل عمود نار يسيرون في ضوئه، وكانت ثيابهم لا تتسخ ولا تبلى.\nكُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ على إرادة القول.\nوَما ظَلَمُونا فيه اختصار، وأصله فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا.\nوَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بالكفران لأنه لا يتخطاهم ضرره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>[سورة البقرة (٢): آية ٥٨]</span>\nوَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)\nوَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ يعني بيتَ المقدس، وقيل أريحا أمروا به بعد التيه.\nفَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا واسعًا، ونصبه على المصدر، أو الحال من الواو.\nوَادْخُلُوا الْبابَ أي باب القرية، أو القبة التي كانوا يصلون إليها، فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى ﵊.\nسُجَّدًا متطامنين مخبتين، أو ساجدين لله شكرًا على إخراجهم من التيه.\nوَقُولُوا حِطَّةٌ أي مسألتنا، أو أمرك حطة وهي فعلة من الحط كالجلسة، وقرئ بالنصب على الأصل بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، أو على أنه مفعول قُولُوا أي قولوا هذه الكلمة. وقيل معناه أمرنا حطة أي:\nأن نحط في هذه القرية ونقيم بها.\nنَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ بسجودكم ودعائكم. وقرأ نافع بالياء وابن عامر بالتاء على البناء للمفعول.\nوخطايا أصله خطايىء كخطائع، فعند سيبويه أنه أبدلت الياء الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف، واجتمعت همزتان فأبدلت الثانية ياء ثم قلبت ألفًا، وكانت الهمزة بين الألفين فأبدلت ياء. وعند الخليل قدمت الهمزة على الياء ثم فعل بهما ما ذكر.\nوَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ثوابًا، جعل الامتثال توبة للمسيء وسبب زيادة الثواب للمحسن، وأخرجه عن صورة الجواب إلى الوعد إيهامًا بأن المحسن بصدد ذلك وإن لم يفعله، فكيف إذا فعله، وأنه تعالى يفعل لا محالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>[سورة البقرة (٢): آية ٥٩]</span>\nفَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)\nفَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ بدلوا بما أمروا به من التوبة والاستغفار بطلب ما يشتهون من أعراض الدنيا.\nفَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا كرره مبالغة في تقبيح أمرهم وإشعارًا بأن الإنزال عليهم لظلمهم بوضع غير المأمور به موضعه، أو على أنفسهم بأن تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب هلاكها.","vol":"1","page":82},{"text":"رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ عذابًا مقدرًا من السماء بسبب فسقهم، والرجز في الأصل: ما يعاف عنه، وكذلك الرجس. وقرئ بالضم وهو لغة فيه والمراد به الطاعون.\nروي أنه مات في ساعة أربعة وعشرون ألفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>[سورة البقرة (٢): آية ٦٠]</span>\nوَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)\nوَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ لما عطشوا في التيه.\nفَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ اللام فيه للعهد على ما روي أنه كان حجرا طوريا. مكعبا حمله معه، وكانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين، تسيل كل عين في جدول إلى سبط، وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثنا عشر ميلًا، أو حجرًا أهبطه آدم من الجنة، ووقع إلى شعيب ﵇ فأعطاه لموسى مع العصا، أو الحجر الذي فر بثوبه لما وضعه عليه ليغتسل وبرأه الله به عما رموه به من الأدرة، فأشار إليه جبريل ﵇ بحمله، أو للجنس وهذا أظهر في الحجة. قيل لم يأمره بأن يضرب حجرًا بعينه، ولكن لما قالوا:\nكيف بنا لو أفضينا إلى أرض لا حجارة بها؟ حمل حجرًا في مخلاته، وكان يضربه بعصاه إذا نزل فينفجر، ويضربه بها إذا ارتحل فييبس، فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشًا، فأوحى الله إليه لا تقرع الحجر وكلمه يطعك لعلهم يعتبرون. وقيل كان الحجر من رخام وكان ذراعًا في ذراع، والعصا عشرة أذرع على طول موسى ﵇ من آس الجنة ولها شعبتان تتقدان في الظلمة.\nفَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا متعلق بمحذوف تقديره: فإن ضربت فقد انفجرت، أو فضرب فانفجرت، كما مر في قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْكُمْ. وقرئ «عَشَرة» بكسر الشين وفتحها وهما لغتان فيه.\nقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ كل سبط. مَشْرَبَهُمْ عينهم التي يشربون منها. كُلُوا وَاشْرَبُوا على تقدير القول:\nمِنْ رِزْقِ اللَّهِ يريد به ما رزقهم الله من المن والسلوى وماء العيون. وقيل الماء وحده لأنه يشرب ويؤكل مما ينبت به. وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ لا تعتدوا حال إفسادكم، وإنما قيده لأنه وإن غلب في الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله، ومنه ما يتضمن صلاحًا راجحًا كقتل الخضر ﵇ الغلام وخرقه السفينة، ويقرب منه العيث غير أنه يغلب فيما يدرك حسًا، ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره في عجائب صنعه، فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر وينفر عن الخل ويجذب الحديد، لم يمتنع أن يخلق الله حجرًا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض، أو لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>[سورة البقرة (٢): آية ٦١]</span>\nوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)\nوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ يريدون به ما رزقوا في التيه من المن والسلوى.\nوبوحدته أنه لا يختلف ولا يتبدل، كقولهم طعام مائدة الأمير واحد يريدون أنه لا تتغير ألوانه وبذلك أجمعوا أو ضرب واحد، لأنهما طعام أهل التلذذ وهم كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم واشتهوا ما ألفوه. فَادْعُ لَنا رَبَّكَ","vol":"1","page":83},{"text":"سله لنا بدعائك إياه يُخْرِجْ لَنا يظهر ويوجد، وجزمه بأنه جواب فادع فإن دعوته سبب الإجابة.\nمِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ من الإِسناد المجازي، وإقامة القابل مقام الفاعل، ومن للتبعيض. مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها تفسير وبيان وقع موقع الحال، وقيل بدل بإعادة الجار. والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر والمراد به أطايبه التي تؤكل، والفوم الحنطة ويقال للخبز ومنه فوموا لنا، وقيل الثوم وقرئ «قُثَّائها» بالضم، وهو لغة فيه. قالَ أي الله، أو موسى ﵇. أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى أقرب منزلة وأدون قدرًا. وأصل الدنو القرب في المكان فاستعير للخسة كما استعير البعد للشرف والرفعة، فقيل بعيد المحل بعيد الهمة، وقرئ «أدنأ» من الدناءة. بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ يريد به المن والسلوى فإنه خير في اللذة والنفع وعدم الحاجة إلى السعي. اهْبِطُوا مِصْرًا انحدروا إليه من التيه، يقال هبط الوادي إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج منه، وقرئ بالضم والمصر البلد العظيم وأصله الحد بين الشيئين، وقيل أراد به العلم، وإنما صرفه لسكون وسطه أو على تأويل البلد، ويؤيده أنه غير منون في مصحف ابن مسعود. وقيل أصله مصرائيم فعرب. فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أحيطت بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه، أو ألصقت بهم، من ضرب الطين على الحائط، مجازاة لهم على كفران النعمة. واليهود في غالب الأمر أذلاء مساكين، إما على الحقيقة أو على التكلف مخافة أن تضاعف جزيتهم. وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ رجعوا به، أو صاروا أحقاء بغضبه، من باء فلان بفلان إذا كان حقيقًا بأن يقتل به، وأصل البوء المساواة. ذلِكَ إشارة إلى ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب. بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ بسبب كفرهم بالمعجزات، التي من جملتها ما عد عليهم من فلق البحر، وإظلال الغمام، وإنزال المن والسلوى، وانفجار العيون من الحجر. أو بالكتب المنزلة: كالإنجيل، والفرقان، وآية الرجم والتي فيها نعت محمد ﷺ من التوراة، وقتلهم الأنبياء فإنهم قتلوا شعياء وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق عندهم، إذ لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز قتلهم، وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى وحب الدنيا كما أشار إليه بقوله: ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ أي: جرهم العصيان والتمادي والاعتداء فيه إلى الكفر بالآيات، وقتل النبيين. فإن صغار الذنوب سبب يؤدي إلى ارتكاب كبارها، كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحري كبارها. وقيل كرر الإشارة للدلالة على أن ما لحقهم كما هو بسبب الكفر، والقتل فهو بسبب ارتكابهم المعاصي واعتدائهم حدود الله تعالى. وقيل الإشارة إلى الكفر والقتل، والباء بمعنى مع وإنما جوزت الإشارة بالمفرد إلى شيئين فصاعدًا على تأويل ما ذكر، أو تقدم للإختصار، ونظيره في الضمير قول رؤبة يصف بقرة:\nفِيها خُطُوطٌ مِنْ سَوادٍ وَبَلَق ... كأنهُ في الْجِلِد تَوْلِيعُ البَهقْ\nوالذي حسن ذلك أن تثنية المضمرات والمبهمات وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة، ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>[سورة البقرة (٢): آية ٦٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم، يريد به المتدينين بدين محمد ﷺ المخلصين منهم والمنافقين، وقيل المنافقين لانخراطهم في سلك الكفرة وَالَّذِينَ هادُوا تهودوا، يقال هاد وتهود إذا دخل في اليهودية، ويهود:\nإما عربي من هاد إذا تاب، سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل، وإما معرب يهوذا وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب ﵇ وَالنَّصارى جمع نصران كندامى وندمان، والياء في نصراني للمبالغة كما في أحمري، سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح ﵇، أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها نصران أو ناصرة فسموا باسمها، أو من اسمها. وَالصَّابِئِينَ قوم بين النصارى والمجوس. وقيل أصل دينهم دين نوح","vol":"1","page":84},{"text":"﵇. وقيل هم عبدة الملائكة. وقيل عبدة الكواكب، وهو إن كان عربيًا فمن صبأ إذا خرج. وقرأ نافع وحده بالياء إما لأنه خفف الهمزة وأبدلها ياء، أو لأنه من صبأ إذا مال لأنهم مالوا عن سائر الأديان إلى دينهم، أو من الحق إلى الباطل.\nمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ. مصدقًا بقلبه بالمبدأ والمعاد، عاملًا بمقتضى شرعه. وقيل من آمن من هؤلاء الكفرة إيمانًا خالصًا، ودخل في الإسلام دخولًا صادقًا: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ الذي وعد لهم على إيمانهم وعملهم. وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ حين يخاف الكفار من العقاب، ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب. ومَنْ مبتدأ خبره فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ والجملة خبر إن، أو بدل من اسم إن وخبرها فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ والفاء لتضمن المسند إليه معنى الشرط، وقد منع سيبويه دخولها في خبر إن من حيث إنها لا تدخل الشرطية، ورد بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ باتباع موسى والعمل بالتوراة. وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ حتى أعطيتم الميثاق،\nروي أن موسى ﵊ لما جاءهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر جبريل ﵇ فقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا\n. خُذُوا على إرادة القول: مَا آتَيْناكُمْ من الكتاب بِقُوَّةٍ بجد وعزيمة. وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ادرسوه ولا تنسوه، أو تفكروا فيه فإنه ذكر بالقلب، أو اعملوا به. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تتقوا المعاصي، أو رجاء منكم أن تكونوا متقين. ويجوز عند المعتزلة أن يتعلق بالقول المحذوف، أي: قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا.\nثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أعرضتم عن الوفاء بالميثاق بعد أخذه. فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بتوفيقكم للتوبة، أو بمحمد ﷺ يدعوكم إلى الحق ويهديكم إليه. لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ المغبونين بالانهماك في المعاصي، أو بالخبط والضلال في فترة من الرسل. ولو في الأصل لامتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا دخل على لا أفاد إثباتًا وهو امتناع الشيء لثبوت غيره، والاسم الواقع بعده عند سيبويه مبتدأ خبره واجب الحذف لدلالة الكلام عليه وسد الجواب مسده، وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)\nوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ اللام موطئة لقسم، والسبت مصدر قولك سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت، وأصله القطع أمروا بأن يجردوه للعبادة فاعتدى فيه ناس منهم في زمن داود ﵇، واشتغلوا بالصيد، وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على ساحل يقال لها أيلة، وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه، فإذا مضى تفرقت فحفروا حياضًا وشرعوا إليها الجداول وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد. فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ جامعين بين صورة القردة والخسوء: وهو الصغار والطرد، وقال مجاهد ما مسخت صورهم ولكن قلوبهم، فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا وقوله: كُونُوا ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه، وإنما المراد به سرعة التكوين، وأنهم صاروا كذلك كما أراد بهم، وقرئ «قردة» بفتح القاف وكسر الراء، و«خاسين» بغير همزة.","vol":"1","page":85},{"text":"فَجَعَلْناها أي المسخة، أو العقوبة. نَكالًا عبرة تنكل المعتبر بها، أي تمنعه. ومنه النكل للقيد.\nلِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها لما قبلها وما بعدها من الأمم إذ ذكرت حالهم في زبر الأولين، واشتهرت قصتهم في الآخرين، أو لمعاصريهم ومن بعدهم، أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها، أو لأهل تلك القرية وما حواليها، أو لأجل ما تقدم عليها من ذنوبهم وما تأخر منها. وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ من قومهم، أو لكل متق سمعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>[سورة البقرة (٢): آية ٦٧]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧)\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً أول هذه القصة قوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها وإنما فكت عنه وقدمت عليه لاستقلالها بنوع آخر من مساويهم، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال. وقصته: أنه كان فيهم شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه طمعًا في ميراثه، وطرحوه على باب المدينة، ثم جاءوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله. قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا أي مكان هزؤ، أو أهله ومهزوءا بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء استبعادًا لما قاله واستخفافًا به، وقرأ حمزة وإسماعيل عن نافع بالسكون، وحفص عن عاصم بالضم وقلب الهمزة واوًا. قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ لأن الهزء في مثل ذلك جهل وسفه، نفى عن نفسه ما رمي به على طريقة البرهان، وأخرج ذلك في صورة الاستعاذه استفظاعًا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>[سورة البقرة (٢): آية ٦٨]</span>\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لاَّ فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨)\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ أي ما حالها وصفتها، وكان حقهم أن يقولوا: أي بقرة هي؟ أو كيف هي؟ لأن مَا يسأل به عن الجنس غالبًا، لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه، أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ولم يروا مثله. قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لاَّ فارِضٌ وَلا بِكْرٌ لا مسنة ولا فتية، يقال فرضت البقرة فروضًا من الفرض وهو القطع، كأنها فرضت سنها، وتركيب البكر للأولية ومن البكرة والباكورة.\nعَوانٌ نصف. قال شعر: نواعِمُ بينَ أبْكارٍ وَعُونُ.\nبَيْنَ ذلِكَ أي بين ما ذكر من الفارض والبكر ولذلك أضيف إليه بين، فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد، وعود هذه الكنايات وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة، ويلزمه تأخير البيان عن وقت الخطاب، ومن أنكر ذلك زعم أن المراد بها بقرة من شق البقر غير مخصوصة ثم انقلبت مخصوصة بسؤالهم، ويلزمه النسخ قبل الفعل، فإن التخصيص إبطال للتخيير الثابت بالنص والحق جوازهما، ويؤيد الرأي الثاني ظاهر اللفظ\nوالمروي عنه ﵊ «لو ذبحوا أيّ بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم»\n. وتقريعهم بالتمادي وزجرهم على المراجعة بقوله: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ أي ما تؤمرونه، بمعنى تؤمرون به من قولهم: أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أمرت به، أو أمركم بمعنى مأموركم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>[سورة البقرة (٢): آية ٦٩]</span>\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها الفقوع نصوع الصفرة","vol":"1","page":86},{"text":"ولذلك تؤكد به، فيقال: أصفر فاقع كما يقال أسود حالك، وفي إسناده إلى اللون وهو صفة صفراء لملابسته بها فضل تأكيد كأنه قيل صفراء شديدة الصفرة صفرتها، وعن الحسن سوداء شديدة السواد، وبه فسر قوله تعالى: جِمالَتٌ صُفْرٌ. قال الأعشى:\nتِلْكَ خَيلي مِنْهُ وتلكَ رِكَابي ... هُنْ صُفُرٌ أَولادُها كالزَّبيبِ\nولعله عبر بالصفرة عن السواد لأنها من مقدماته، أو لأن سواد الإبل تعلوه صفرة وفيه نظر، لأن الصفرة بهذا المعنى لا تؤكد بالفقوع تَسُرُّ النَّاظِرِينَ أي تعجبهم، والسرور أصله لذة في القلب عند حصول نفع، أو توقعه من السر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>[سورة البقرة (٢): آية ٧٠]</span>\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ تكرير للسؤال الأول واستكشاف زائد. وقوله: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا اعتذار عنه، أي إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا، وقرئ «إن الباقر» وهو اسم لجماعة البقر والأباقر والبواقر، ويتشابه وتتشابه بالياء والتاء، وتشابه ويشابه وتشّابه بطرح التاء وإدغامها في الشين على التذكير والتأنيث، وتشابهت وتشابهت مخففًا ومشددًا، وتشبه بمعنى تتشبه وتشبه بالتذكير ومتشابه ومتشابهة ومتشبه ومتشبهة. وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ\nإلى المراد ذبحها، أو إلى القاتل،\nوفي الحديث «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد»\n. واحتج به أصحابنا على أن الحوادث بإرادة الله ﷾، وأن الأمر قد ينفك عن الإرادة وإلا لم يكن للشرط بعد الأمر معنى. والمعتزلة والكرامية على حدوث الإرادة، وأجيب بأن التعليق باعتبار التعلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>[سورة البقرة (٢): آية ٧١]</span>\nقالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)\nقالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ أي لم تذلل لكراب الأرض وسقي الحرث، ولا ذَلُولٌ صفة لبقرة بمعنى غير ذلول، ولا الثانية مزيدة لتأكيد الأولى والفعلان صفتا ذلول كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية، وقرئ «لا ذلول» بالفتح أي حيث هي، كقولك مررت برجل لا بخيل ولا جبان، أي حيث هو، وتسقي من أسقى. مُسَلَّمَةٌ سلمها الله تعالى من العيوب، أو أهلها من العمل، أو أخلص لونها، من سلم له كذا إذا خلص له لا شِيَةَ فِيها لا لون فيها يخالف لون جلدها، وهي في الأصل مصدر، وشاه وشيا وشية إذا خلط بلونه لونًا آخر. قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ أي بحقيقة وصف البقرة وحققتها لنا، وقرئ «الآن» بالمد على الاستفهام، و«لان» بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام. فَذَبَحُوها فيه اختصار، والتقدير: فحصلوا البقرة المنعوتة فذبحوها. وَما كادُوا يَفْعَلُونَ لتطويلهم وكثرة مراجعاتهم، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل، أو لغلاء ثمنها. إذ\nروي: أن شيخًا صالحًا منهم كان له عِجلة، فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر، فشبت وكانت وحيدة بتلك الصفات، فساوموها من اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبًا، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير\n. وكاد من أفعال المقاربة وضع لدنو الخبر حصولًا، فإذا دخل عليه النفي قيل معناه الإثبات مطلقًا. وقيل ماضيًا، والصحيح أنه كسائر الأفعال ولا ينافي قوله: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ قوله فَذَبَحُوها لاختلاف وقتيهما، إذ المعنى أنهم ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم، وانقطعت تعللاتهم، ففعلوا كالمضطر الملجأ إلى الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nوَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)","vol":"1","page":87},{"text":"وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا خطابًا للجميع لوجود القتل فيهم فَادَّارَأْتُمْ فِيها اختصمتم في شأنها، إذ المتخاصمان يدفع بعضهما بعضًا، أو تدافعتم بأن طرح كل قتلها عن نفسه إلى صاحبه، وأصله تدارأتم فأدغمت التاء في الدال واجتلبت لها همزة الوصل وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ مظهره لا محالة، وأعمل مخرج لأنه حكاية مستقبل كما أعمل باسِطٌ ذِراعَيْهِ لأنه حكاية حال ماضية.\nفَقُلْنا اضْرِبُوهُ\nعطف على ادارأتم وما بينها اعتراض، والضمير للنفس والتذكير على تأويل الشخص أو القتيل بِبَعْضِها\nأي بعض كان، وقيل: بأصغريها، وقيل بلسانها، وقيل بفخذها اليمنى، وقيل بالأذن، وقيل بالعجب كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى\nيدل على ما حذف وهو فضربوه فحيي، والخطاب مع من حضر حياة القتيل، أو نزول الآية وَيُرِيكُمْ آياتِهِ\nدلائله على كمال قدرته. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ\nلكي يكمل عقلكم وتعلموا أن من قدر على إحياء نفس قدر على إحياء الأنفس كلها، أو تعملوا على قضيته. ولعله تعالى إنما لم يحيه ابتداء وشرط فيه ما شرط لما فيه من التقرب وأداء الواجب، ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل والشفقة على الأولاد، وأن من حق الطالب أن يقدم قربة، والمتقرب أن يتحرى الأحسن ويغالي بثمنه، كما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه ضحى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار. وأن المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى، والأسباب أمارات لا إثر لها، وأن من أراد أن يعرف أعدى عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي، فطريقُه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوة الشهوية حين زال عنها شره الصبا، ولم يلحقها ضعف الكبر، وكانت معجبة رائقة المنظر غير مذللة في طلب الدنيا، مسلمة عن دنسها لا سمة بها من مقابحها بحيث يصل أثره إلى نفسه، فتحيا حياة طيبا، وتعرب عما به ينكشف الحال، ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارؤ والنزاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>[سورة البقرة (٢): آية ٧٤]</span>\nثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)\nثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة، كما في الحجر. وقساوة القلب مثل في نبوه عن الاعتبار، وثم لاستبعاد القسوة مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعني إحياء القتيل، أو جميع ما عدد من الآيات فإنها مما توجب لين القلب. فَهِيَ كَالْحِجارَةِ في قسوتها أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً منها، والمعنى أنها في القساوة مثل الحجارة أو أزيد عليها، أو أنها مثلها، أو مثل ما هو أشد منها قسوة كالحديد، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويعضده قراءة الحسن بالجر عطفًا على الحجارة، وإنما لم يقل أقسى لما في أشد من المبالغة، والدلالة على اشتداد القسوتين واشتمال المفضل على زيادة وأَوْ للتخيير، أو للترديد بمعنى: أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بما هو أقسى منها.\nوَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تعليل للتفضيل، والمعنى: أن الحجارة تتأثر وتنفعل فإن منها ما يتشقق فينبع منه الماء، وتنفجر منه الأنهار، ومنها ما يتردى من أعلى الجبل انقيادًا لما أراد الله تعالى به. وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمره تعالى. والتفجر التفتح بسعة وكثرة، والخشية مجاز عن الانقياد، وقرئ إِنَّ على أنها المخففة من الثقيلة وتلزمها اللام الفارقة بينها وبين إن النافية، ويهبط بالضم.\nوَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وعيد على ذلك، وقرأ ابن كثير ونافع ويعقوب وخلف وأبو بكر بالياء ضما إلى ما بعده، والباقون بالتاء.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>[سورة البقرة (٢): آية ٧٥]</span>\nأَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)\nأَفَتَطْمَعُونَ الخطاب لرسول الله ﷺ والمؤمنين أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ أن يصدقوكم، أو يؤمنوا لأجل دعوتكم. يعني اليهود. وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ طائفة من أسلافهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ يعني التوراة. ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ كنعت محمد ﷺ، وآية الرجم. أو تأويله فيفسرونه بما يشتهون. وقيل هؤلاء من السبعين المختارين سمعوا كلام الله تعالى حين كلم موسى ﵇ بالطور، ثم قالوا سمعنا الله تعالى يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا. مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ أي فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة. وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم مفترون مبطلون، ومعنى الآية: أن أحبار هؤلاء ومقدميهم كانوا على هذه الحالة، فما ظنك بسفلتهم وجهالهم، وأنهم إن كفروا وحرفوا فلهم سابقة في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٦ الى ٧٧]</span>\nوَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧)\nوَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا يعني منافقيهم. قالُوا آمَنَّا بأنكم على الحق، وإن رسولكم هو المبشر به في التوراة وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أي الذين لم ينافقوا منهم عاتبين على من نافق. أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بما بين لكم في التوراة من نعت محمد ﷺ، أو الذين نافقوا لأعقابهم إظهارًا للتصلب في اليهودية، ومنعًا لهم عن إبداء ما وجدوا في كتابهم، فينافقون الفريقين. فالاستفهام على الأول تقريع وعلى الثاني إنكار ونهي لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه، جعلوا محاجتهم بكتاب الله وحكمه محاجة عنده كما يقال عند الله كذا، ويراد به أنه جاء في كتابه وحكمه، وقيل عند ذكر ربكم، أو بين يدي رسول ربكم. وقيل عند ربكم في القيامة وفيه نظر إذ الإخفاء لا يدفعه. أَفَلا تَعْقِلُونَ إما من تمام كلام اللائمين وتقديره: أفلا تعقلون أنهم يحاجونكم به فيحجونكم، أو خطاب من الله تعالى للمؤمنين متصل بقوله: أَفَتَطْمَعُونَ، والمعنى: أفلا تعقلون حالهم وأن لا مطمع لكم في إيمانهم.\nأَوَلا يَعْلَمُونَ يعني هؤلاء المنافقين، أو اللائمين، أو كليهما، أو إياهم والمحرفين. أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ومن جملتهما إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان، وإخفاء ما فتح الله عليهم، وإظهار غيره، وتحريف الكلم عن مواضعه ومعانيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nوَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)\nوَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتابَ جهلة لا يعرفون الكتابة فيطالعوا التوراة، ويتحققوا ما فيها. أو التوراة إِلَّا أَمانِيَّ استثناء منقطع. والأماني: جمع أمنية وهي في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه من منى إذا قدر، ولذلك تطلق، على الكذب وعلى ما يتمنى وما يقرأ والمعنى لكن يعتقدون أكاذيب أخذوها تقليدًا من المحرفين أو مواعيد فارغة. سمعوها منهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودًا، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة. وقيل إلا ما يقرءون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره من قوله:\nتَمَنَّى كِتَابَ الله أَوَّلَ لَيْلِه ... تَمني دَاودَ الزبُورَ على رِسْلِ","vol":"1","page":89},{"text":"وهو لا يناسب وصفهم بأنهم أميون. وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ما هم إلا قوم يظنون لا علم لهم، وقد يطلق الظن بإزاء العلم على كل رأي واعتقاد من غير قاطع، وإن جزم به صاحبه: كاعتقاد المقلد والزائغ عن الحق لشبهة.\nفَوَيْلٌ أي تحسر وهلك. ومن قال إنه واد أو جبل في جهنم فمعناه: أن فيها موضعًا يتبوأ فيه من جعل له الويل، ولعله سماه بذلك مجازًا. وهو في الأصل مصدر لا فعل له وإنما ساغ الابتداء به نكرة لأنه دعاء. لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ يعني المحرفين، ولعله أراد به ما كتبوه من التأويلات الزائغة. بِأَيْدِيهِمْ تأكيد كقولك: كتبته بيميني ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا كي يحصلوا به عرضًا من أعراض الدنيا، فإنه وإن جعل قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من العقاب الدائم. فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ يعني المحرف. وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ يريد به الرشى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>[سورة البقرة (٢): آية ٨٠]</span>\nوَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٨٠)\nوَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ المس اتصال الشيء بالبشرة بحيث تتأثر الحاسة به، واللمس كالطلب له ولذلك يقال ألمسه فلا أجده. إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً محصورة قليلة، روي أن بعضهم قالوا نعذب بعدد أيام عبادة العجل أربعين يومًا، وبعضهم قالوا مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يومًا قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا خبرًا أو وعد بما تزعمون. وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال. والباقون بإدغامه فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ جواب شرط مقدر أي: إن اتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده، وفيه دليل على أن الخلف في خبره محال.\nأَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أم معادلة لهمزة الاستفهام بمعنى أي الأمرين كائن، على سبيل التقرير للعلم بوقوع أحدهما، أو منقطعة بمعنى: بل أتقولون، على التقرير والتقريع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>[سورة البقرة (٢): الآيات ٨١ الى ٨٢]</span>\nبَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢)\nبَلى إثبات لما نفوه من مساس النار لهم زمانًا مديدًا ودهرًا طويلًا على وجه أعم، ليكون كالبرهان على بطلان قولهم، وتختص بجواب النفي مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً قبيحة، والفرق بينها وبين الخطيئة أنها قد تقال فيما يقصد بالذات، والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لأنه من الخطأ، والكسب: استجلاب النفع. وتعليقه بالسيئة على طريق قوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.\nوَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ أي استولت عليه، وشملت جملة أحواله حتى صار كالمحاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه، وهذا إنما يصح في شأن الكافر لأن غيره وإن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط الخطيئة به، ولذلك فسرها السلف بالكفر. وتحقيق ذلك: أن من أذنب ذنبًا ولم يقلع عنه استجره إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه، حتى تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه فيصير بطبعه مائلًا إلى المعاصي، مستحسنًا إياها معتقدًا أن لا لذة سواها، مبغضًا لمن يمنعه عنها مكذبًا لمن ينصحه فيها، كما قال الله تعالى: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ. وقرأ نافع خطيئاته.\nوقرئ «خطيته» و«خطياته» على القلب والإدغام فيهما. فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمون أسبابها في الدنيا هُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون، أو لابثون لبثًا طويلًا. والآية كما ترى لا حجة فيها على خلود صاحب الكبيرة وكذا التي قبلها.","vol":"1","page":90},{"text":"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ جرت عادته ﷾ على أن يشفع وعده بوعيده، لترجى رحمته ويخشى عذابه، وعطف العمل على الإيمان يدل على خروجه عن مسماه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>[سورة البقرة (٢): آية ٨٣]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ إخبار في معنى النهي كقوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ. وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهي سارع إلى الانتهاء فهو يخبر عنه ويعضده قراءة: «لا تعبدوا» . وعطف قُولُوا عليه فيكون على إرادة القول. وقيل: تقديره أن لا يعبدوا فلما حذف أن رفع كقوله:\nأَلا أَيّهذا الزَّاجِرِي أَحضُرَ الوَغَى ... وأَنْ أشَهدَ اللذاتِ هَلْ أنتَ مُخلِدي\nويدل عليه قراءة: «ألا تعبدوا»، فيكون بدلًا عن الميثاق، أو معمولًا له بحذف الجار. وقيل إنه جواب قسم دل عليه المعنى كأنه قال: وحلفناهم لا يعبدون. وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بالتاء حكاية لما خوطبوا به، والباقون بالياء لأنهم غيب وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا تعلق بمضمر تقديره: وتحسنون، أو أحسنوا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ عطف على الوالدين. وَالْيَتامى جمع يتيم كنديم وندامى وهو قليل. ومسكين مفعيل من السكون، كأن الفقر أسكنه وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا أي قولًا حسنًا، وسماه حُسْنًا للمبالغة. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب حُسْنًا بفتحتين. وقرئ «حَسَنًا» بضمتين وهو لغة أهل الحجاز، وحسنى على المصدر كبشرى والمراد به ما فيه تخلق وإرشاد وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ يريد بهما ما فرض عليهم في ملتهم ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ على طريقة الالتفات، ولعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله ﷺ ومن قبلهم على التغليب، أي أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ يريد به من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ، ومن أسلم منهم وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ قوم عادتكم الإعراض عن الوفاء والطاعة. وأصل الإعراض الذهاب عن المواجهة إلى جهة العرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>[سورة البقرة (٢): آية ٨٤]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ على نحو ما سبق والمراد به أن لا يتعرض بعضهم بعضًا بالقتل والإجلاء عن الوطن. وإنما جعل قتل الرجل غيره قتل نفسه، لاتصاله به نسبًا. أو دينًا، أو لأنه يوجبه قصاصًا. وقيل معناه لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم، أو لا تفعلوا ما يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة، ولا تقترفوا ما تمنعون به عن الجنة التي هي داركم، فإنه الجلاء الحقيقي ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بالميثاق واعترفتم بلزومه وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ توكيد كقولك.\nأقر فلان شاهدًا على نفسه. وقيل وأنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم، فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>[سورة البقرة (٢): آية ٨٥]</span>\nثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)","vol":"1","page":91},{"text":"ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق والإقرار به والشهادة عليه. وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره على معنى أنتم بعد ذلك هؤلاء الناقصون، كقولك أنت ذلك الرجل الذي فعل كذا، نزل تغير الصفة منزلة تغير الذات، وعدهم باعتبار ما أسند إليهم حضورًا وباعتبار ما سيحكي عنهم غيبًا. وقوله تعالى: تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ إما حال والعامل فيها معنى الإشارة، أو بيان لهذه الجملة. وقيل:\nهؤلاء تأكيد، والخبر هو الجملة. وقيل بمعنى الذين والجملة صلته والمجموع هو الخبر، وقرئ «تَقْتُلُونَ» على التكثير. تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ حال من فاعل تخرجون، أو من مفعوله، أو كليهما.\nوالتظاهر التعاون من الظهر. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بحذف إحدى التاءين. وقرئ بإظهارها، وتظهرون بمعنى تتظهرون وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ روي أن قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، فإذا اقتتلا عاون كل فريق حلفاءه في القتل وتخريب الديار وإجلاء أهلها، وإذا أسر أحد من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه. وقيل معناه إن يأتوكم أسارى في أيدي الشياطين تتصدوا لإنقاذهم بالإرشاد والوعظ مع تضييعكم أنفسكم كقوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ. وقرأ حمزة أسرى وهو جمع أسير كجريح وجرحى، وأسارى جمعه كسكرى وسكارى. وقيل هو أيضًا جمع أسير، وكأنه شبه بالكسلان وجمع جمعه.\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر «تفدوهم» وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ متعلق بقوله وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ، وما بينهما اعتراض، والضمير للشأن، أو مبهم ويفسره إخراجهم، أو راجع إلى ما دل عليه تخرجون من المصدر. وإخراجهم بدل أو بيان أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ يعني الفداء.\nوَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ يعني حرمة المقاتلة والإجلاء. فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا كقتل قريظة وسبيهم. وإجلاء بني النضير، وضرب الجزية على غيرهم. وأصل الخزي ذل يستحيا منه، ولذلك يستعمل في كل منهما. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ لأن عصيانهم أشد. وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تأكيد للوعيد، أي الله ﷾ بالمرصاد لا يغفل عن أفعالهم. وقرأ عاصم في رواية المفضل، «تردون» على الخطاب لقوله مِنْكُمْ. وابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وخلف ويعقوب «يعملون» على أن الضمير لمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>[سورة البقرة (٢): آية ٨٦]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)\nأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ آثروا الحياة الدنيا عَلَى الآخرة. فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ بنقض الجزية في الدنيا، والتعذيب في الآخرة. وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بدفعهما عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>[سورة البقرة (٢): آية ٨٧]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أي أرسلنا على أثره الرسل، كقوله ﷾: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا. يقال قفاه إذا تبعه، وقفاه به إذا أتبعه إياه من القفا، نحو ذنبه من الذنب وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص، والإِخبار بالمغيبات. أو الإنجيل، وعيسى بالعبرية أبشوع. ومريم بمعنى الخادم، وهو بالعربية من النساء كالزير من الرجال، قال رؤبة: قُلْتُ لِزِيْرٍ لَمْ تَصُلْهُ مَرْيمه. ووزنه مفعل إذ لم يثبت فعيل وَأَيَّدْناهُ وقويناه،","vol":"1","page":92},{"text":"وقرئ «آيدناه» بالمد بِرُوحِ الْقُدُسِ بالروح المقدسة كقولك: حاتم الجود، ورجل صدق، وأراد به جبريل.\nوقيل: روح عيسى ﵊، ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان، أو لكرامته على الله ﷾ ولذلك أضافه الى نفسه تعالى، أو لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، أو الإنجيل، أو اسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى، وقرأ ابن كثير الْقُدُسِ بالإسكان في جميع القرآن أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لاَ تَهْوى أَنْفُسُكُمُ بما لا تحبه. يقال هَوِيَ بالكسر هوى إذا أحب وهوى بالفتح هويا بالضم إذا سقط. ووسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به توبيخًا لهم على تعقيبهم ذاك بهذا وتعجيبًا من شأنهم، ويحتمل أن يكون استئنافًا والفاء للعطف على مقدر، اسْتَكْبَرْتُمْ عن الإيمان واتباع الرسل. فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ كموسى وعيسى ﵉، والفاء للسببية أو للتفصيل وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ كزكريا ويحيى ﵉، وإنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استحضارًا لها في النفوس، فإن الأمر فظيع. أو مراعاة للفواصل، أو للدلالة على أنكم بعد فيه فإنكم تحومون حول قتل محمد ﷺ، لولا أني أعصمه منكم، ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>[سورة البقرة (٢): آية ٨٨]</span>\nوَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)\nوَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ مغشاة بأغطية خلقية لا يصل إليها ما جئت به ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن وقيل أصله غلف جمع غلاف فخفف، والمعنى أنها أوعية للعلم لا تسمع علمًا إلا وعته، ولا تعي ما تقول. أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره. بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ رد لما قالوه، والمعنى أنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، ولكن الله خذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لخلل فيه، بل لأن الله تعالى خذلهم بكفرهم كما قال تعالى: فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ، أو هم كفرة ملعونون، فمن أين لهم دعوى العلم والاستغناء عنك؟ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ فإيمانًا قليلًا يؤمنون، وما مزيده للمبالغة في التقليل، وهو إيمانهم ببعض الكتاب. وقيل: أراد بالقلة العدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>[سورة البقرة (٢): آية ٨٩]</span>\nوَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩)\nوَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعنى القرآن مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من كتابهم، وقرئ بالنصب على الحال من كتاب لتخصصه بالوصف، وجواب لما، محذوف دل عليه جواب لما الثانية. وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي يستنصرون على المشركين ويقولون: اللهم انصرنا بنبي آخر الزمان المنعوت، في التوراة. أو يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبيًا يبعث منهم، وقد قرب زمانه، والسين للمبالغة والإشعار أن الفاعل يسأل ذلك عن نفسه فَلَمَّا جاءَهُمْ مَّا عَرَفُوا من الحق. كَفَرُوا بِهِ حسدًا وخوفًا على الرياسة. فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ أي عليهم، وأتى بالمظهر للدلالة على أنهم لعنوا لكفرهم، فتكون اللام للعهد، ويجوز أن تكون للجنس ويدخلون فيه دخولًا أوليًا لأن الكلام فيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>[سورة البقرة (٢): آية ٩٠]</span>\nبِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠)\nبِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ما نكرة بمعنى شيء مميزة لفاعل بئس المستكن، واشتروا صفته ومعناه باعوا، أو اشتروا بحسب ظنهم، فإنهم ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا. أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ هو المخصوص بالذم بَغْيًا طلبًا لما ليس لهم وحسدًا، وهو علة أَنْ يَكْفُرُوا دون اشْتَرَوْا","vol":"1","page":93},{"text":"للفصل. أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ لأن ينزل، أي حسدوه على أن ينزل الله. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب بالتخفيف. مِنْ فَضْلِهِ يعني الوحي. عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ على من اختاره للرسالة فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ للكفر والحسد على من هو أفضل الخلق. وقيل: لكفرهم بمحمد ﷺ بعد عيسى ﵇، أو بعد قولهم عزير ابنُ الله وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ يراد به إذلالهم، بخلاف عذاب العاصي فإنه طهرة لذنوبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>[سورة البقرة (٢): آية ٩١]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعم الكتب المنزلة بأسرها. قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا أي بالتوراة وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ حال من الضمير في قالوا، ووراء في الأصل جعل ظرفًا، ويضاف إلى الفاعل فيراد به ما يتوارى به وهو خلفه، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو قدامه، ولذلك عد من الأضداد. وَهُوَ الْحَقُّ الضمير لما وراءه، والمراد به القرآن مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ حال مؤكدة تتضمن رد مقالهم، فإنهم لما كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ اعتراض عليهم بقتل الأنبياء مع إدعاء الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوغه، وإنما أسنده إليهم لأنه فعل آبائهم، وأنهم راضون به عازمون عليه.\nوقرأ نافع وحده أَنْبِياءَ اللَّهِ مهموزًا في جميع القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>[سورة البقرة (٢): آية ٩٢]</span>\nوَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢)\nوَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ يعني الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي إلَهًا مِنْ بَعْدِهِ من بعد مجيء موسى، أو ذهابه إلى الطور وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ حال، بمعنى اتخذتم العجل ظالمين بعبادته، أو بالإخلال بآيات الله تعالى، أو اعتراض بمعنى وأنتم قوم عادتكم الظلم. ومساق الآية أيضًا لإبطال قولهم نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا والتنبيه على أن طريقتهم مع الرسول طريقة أسلافهم مع موسى عليهما الصلاة والسلام، لا لتكرير القصة وكذا ما بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>[سورة البقرة (٢): آية ٩٣]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا أي قلنا لهم: خذوا ما أمرتم به في التوراة بجد واسمعوا سماع طاعة. قالُوا سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ تداخلهم حبه ورسخ في قلوبهم صورته، لفرط شغفهم به، كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن. وفي قلوبهم: بيان لمكان الإشراب كقوله تعالى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا بِكُفْرِهِمْ بسبب كفرهم وذلك لأنهم كانوا مجسمة، أو حلولية ولم يروا جسمًا أعجب منه، فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ أي بالتوراة، والمخصوص بالذم محذوف نحو هذا الأمر، أو ما يعمه وغيره من قبائحهم المعدودة في الآيات الثلاث إلزامًا عليهم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تقرير للقدح. في دعواهم الإيمان بالتوراة، وتقديره إن كنتم مؤمنين بها لم يأمركم بهذه القبائح ولا يرخص لكم فيها إيمانكم بها، أو إن كنتم مؤمنين بها فبئسما يأمركم به إيمانكم بها، لأن المؤمن ينبغي أن لا يتعاطى إلا ما يقتضيه إيمانه، لكن الإيمان بها لا يأمر به، فإذا لستم بمؤمنين.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٤ الى ٩٥]</span>\nقُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)\nقُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً خاصة بكم كما قلتم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا ونصبها على الحال من الدار. مِنْ دُونِ النَّاسِ سائرهم، واللام للجنس، أو المسلمين واللام للعهد فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها، وأحب التخلص إليها من الدار ذات الشوائب، كما\nقال علي رضي الله تعالى عنه: (لا أبالي سقطت على الموت، أو سقط الموت علي) .\nوقال عمار رضي الله تعالى عنه بصفين: (الآن ألاقي الأحبة محمدًا وحزبه) . وقال حذيفة ﵁ حين احتضر: (جاء حبيب على فاقة لا أفلح من ندم) أي: على التمني، سيما إذا علم أنها سالمة له لا يشاركه فيها غيره.\nوَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من موجبات النار، كالكفر بمحمد ﷺ، والقرآن، وتحريف التوراة. ولما كانت اليد العاملة مختصة بالإنسان، آلة لقدرته بها عامة صنائعه ومنها أكثر منافعه، عبر بها عن النفس تارة والقدرة أخرى، وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا لنقل واشتهر، فإن التمني ليس من عمل القلب ليخفى، بل هو أن يقول: ليت لي كذا، ولو كان بالقلب لقالوا: تمنينا.\nوعن النبي ﷺ «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه، وما بقي على وجه الأرض يهودي»\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ تهديد لهم وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم، ونفيه عمن هو لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>[سورة البقرة (٢): آية ٩٦]</span>\nوَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)\nوَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ من وجد بعقله الجاري مجرى علم، ومفعولاه هم وأحرص الناس، وتنكير حياة لأنه أريد بها فرد من أفرادها وهي: الحياة المتطاولة، وقرئ باللام. وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا محمول على المعنى وكأنه قال: أحرص من الناس على الحياة ومن الذين أشركوا. وإفراده بالذكر للمبالغة، فإن حرصهم شديد إذ لم يعرفوا إلا الحياة العاجلة، والزيادة في التوبيخ والتقريع، فإنهم لما زاد حرصهم. وهم مقرون بالجزاء على حرص المنكرين. دل ذلك على علمهم بأنهم صائرون إلى النار، ويجوز أن يراد وأحرص من الذين أشركوا، فحذف أحرص لدلالة الأول عليه، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف صفته يَوَدُّ أَحَدُهُمْ على أنه أريد بالذين أشركوا اليهود لأنهم قالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، أي: ومنهم ناس يود أحدهم، وهو على الأولين بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف. لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ حكاية لودادتهم، ولو بمعنى ليت وكان أصله: لو أعمر، فأجرى على الغيبة لقوله: يود، كقولك حلف بالله ليفعلن وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ الضمير لأحدهم، وأن يعمر فاعل مزحزحه، أي وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره، أو لما دل عليه يعمر. وأن يعمر بدل منه. أو مبهم، وأن يعمر موضحه وأصل سنة سنوة لقولهم سنوات. وقيل سنهة كجبهة لقولهم سانهته وتسنهت النخلة إذا أتت عليها السنون، والزحزحة التبعيد وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ فيجازيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>[سورة البقرة (٢): آية ٩٧]</span>\nقُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)\nقُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ نزل في عبد الله بن صوريا،\nسأل رسول الله ﷺ عمن ينزل عليه بالوحي؟","vol":"1","page":95},{"text":"فقال: جبريل، فقال: ذاك عدونا عادانا مرارًا، وأشدَّها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر، فبعثنا من يقتله فرآه ببابل فدفع عنه جبريل. وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه وإلا فيم تقتلونه؟.\nوقيل: دخل عمر رضي الله تعالى عنه مدارس اليهود يومًا، فسألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدونا يطلع محمدًا على أسرارنا وإنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلام، فقال: وما منزلتهما من الله؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة، فقال لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدو أحدهما فهو عدو الله. ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال ﵊ «لقد وافقك ربك يا عمر»\n. وفي جبريل ثمان لغات قرئ بهن أربع في:\nالمشهور جبرئل كسلسبيل قراءة حمزة والكسائي، و«جبريل» بكسر الراء وحذف الهمزة قراءة ابن كثير، و«جبرئل» كجحمرش قراءة عاصم برواية أبي بكر، و«جبريل» كقنديل قراءة الباقين. وأربع في الشواذ: جبرئل و«جبرائيل» كجبراعيل، و«جبريل» وجبرين ومنع صرفه للعجمة، والتعريف، ومعناه عبد الله. فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ البارز الأول لجبريل، والثاني للقرآن، وإضماره غير مذكور يدل على فخامة شأنه كأنه لتعينه وفرط شهرته لم يحتج إلى سبق ذكره. عَلى قَلْبِكَ فإنه القابل الأول للوحي، ومحل الفهم والحفظ، وكان حقه على قلبي لكنه جاء على حكاية كلام الله تعالى كأنه قال: قل ما تكلمت به. بِإِذْنِ اللَّهِ بأمره، أو تيسيره حال من فاعله نزله. مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أحوال من مفعوله، والظاهر أن جواب الشرط فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ، والمعنى من عادى منهم جبريل فقد خلع ربقة الإنصاف، أو كفر بما معه من الكتاب بمعاداته إياه لنزوله عليك بالوحي، لأنه نزول كتابًا مصدقًا للكتب المتقدمة، فحذف الجواب وأقيم علته مقامه، أو من عاداه فالسبب في عداوته أنه نزله عليك. وقيل محذوف مثل: فليمت غيظًا، أو فهو عدو لي وأنا عدو له.\nكما قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>[سورة البقرة (٢): آية ٩٨]</span>\nمَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨)\nمَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ أراد بعداوة الله مخالفته عنادًا، أو معاداة المقربين من عباده، وصدر الكلام بذكره تفخيمًا لشأنهم كقوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ. وأفرد الملكين بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر، والتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستجلاب العداوة من الله تعالى، وأن من عادى أحدهم فكأنه عادى الجميع، إذ الموجب لعداوتهم ومحبتهم على الحقيقة واحد، ولأن المحاجة كانت فيهما. ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنه تعالى عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة والرسل كفر. وقرأ نافع مِيكالَ كميكاعل، وأبو عمرو ويعقوب وعاصم برواية حفص مِيكالَ كميعاد، والباقون مِيكالَ بالهمزة والياء بعدها. وقرئ «ميكئل» كميكعل، و«ميكئيل» كميكعيل، وميكايل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٩ الى ١٠٠]</span>\nوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (١٠٠)\nوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ أي المتمردون من الكفرة، والفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي دل على عظمه كأنه متجاوز عن حده. نزل في ابن صوريا حين قال لرسول الله ﷺ، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية فنتبعك.\nأَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا الهمزة للإنكار، والواو للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا، وقرئ بسكون الواو على أن التقدير إلا الذين فسقوا، أَوَكُلَّما عاهَدُوا، وقرئ «عوهدوا» و","vol":"1","page":96},{"text":"«عهدوا» . نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ نقضه، وأصل النبذ الطرح، لكنه يغلب فيما ينسى، وإنما قال فريق لأن بعضهم لم ينقض بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ رد لما يتوهم من أن الفريق هم الأقلون، أو أن من لم ينبذ جهارًا فهم مؤمنون به خفاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>[سورة البقرة (٢): آية ١٠١]</span>\nوَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)\nوَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ يعني التوراة، لأن كفرهم بالرسول المصدق لها كفر بها فيما يصدقه، ونبذ لما فيها من وجوب الإيمان بالرسل المؤيدين بالآيات. وقيل ما مع الرسول ﷺ هو القرآن.\nوَراءَ ظُهُورِهِمْ مثل لإِعراضهم عنه رأسًا، بالإعراض عما يرمي به وراء الظهر لعدم الالتفات إليه.\nكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أنه كتاب الله، يعني أن علمهم به رصين ولكن يتجاهلون عنادًا. واعلم أنه تعالى دل بالآيتين على أن جيل اليهود أربع فرق: فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ. وفرقة جاهروا بنبذ عهودها وتخطي حدودها تمردا وفسوقًا، وهم المعنيون بقوله: نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ. وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوا لجهلهم بها وهم الأكثرون.\nوفرقة تمسكوا بها ظاهرًا ونبذوها خفية عالمين بالحال، بغيًا وعنادًا وهم المتجاهلون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٢]</span>\nوَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)\nوَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ عطف على نبذ، أي نبذوا كتاب الله واتبعوا كتب السحر التي تقرؤها، أو تتبعها الشياطين من الجن، أو الإِنس، أو منهما. عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ أي عهده، وتتلو حكاية حال ماضية، قيل: كانوا يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب، ويلقونها إلى الكهنة وهم يدونونها ويعلمون الناس، وفشا ذلك في عهد سليمان ﵇ حتى قيل: إن الجن يعلمون الغيب، وأن مُلْكَ سليمان تَمَّ بهذا العلم، وأنه تُسَخَّرُ به الجن والإِنس والريح له. وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تكذيب لمن زعم ذلك، وعبر عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفر، وأن من كان نبيًا كان معصومًا منه. وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا باستعماله، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي و«لَكِنِ» بالتخفيف، ورفع الشَّياطِينُ. يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ إغواءً وإضلالًا، والجملة حال من الضمير، والمراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس. فإن التناسب شرط في التضام والتعاون، وبهذا تميز الساحر عن النبي والولي، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم، وتسميته سحرًا عمل التجوز، أو لما فيه من الدقة لأنه في الأصل لما خفي سببه. وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ عطف على السحر والمراد بهما واحد، والعطف لتغاير الاعتبار، أو المراد به نوع أقوى منه، أو على ما تتلو. وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس، وتمييزًا بينه وبين المعجزة. وما\nروي أنهما مثلًا بشرين، وركب فيهما الشهوة فتعرضا لامرأة يقال لها: زهرة،","vol":"1","page":97},{"text":"فحملتهما على المعاصي والشرك، ثم صعدت إلى السماء بما تعلمت منهما\nفمحكي عن اليهود ولعله من رموز الأوائل وحله لا يخفى على ذوي البصائر. وقيل: رجلان سميا ملكين باعتبار صلاحهما، ويؤيده قراءة «الملكين» بالكسر. وقيل: ما أنزل نفي معطوف على ما كفر سليمان تكذيب لليهود في هذه القصة. بِبابِلَ ظرف، أو حال من الملكين، أو الضمير في أنزل والمشهور أنه بلد من سواد الكوفة. «هاروت وماروت» عطف بيان للملكين، ومنع صرفهما للعلمية والعجمة، ولو كانا من الهرت والمرت بمعنى الكسر لانصرفا.\nومن جعل ما نافية أبدلهما من الشياطين بدل البعض، وما بينهما اعتراض. وقرئ بالرفع على هما «هاروت وماروت» . وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فمعناه على الأول ما يعلمان أحدًا حتى ينصحاه ويقولا له إنما نحن ابتلاء من الله، فمن تعلم منا وعمل به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان، فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به. وفيه دليل على أن تعلم السحر وما لا يجوز اتباعه غير محظور، وإنما المنع من اتباعه والعمل به. وعلى الثاني ما يعلمانه حتى يقولا إنما نحن مفتونان فلا تكن مثلنا.\nفَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما الضمير لما دل عليه من أحد. مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ أي من السحر ما يكون سبب تفريقهما. وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لأنه وغيره من الأسباب غير مؤثرة بالذات، بل بأمره تعالى وجعله. قرئ «بضاري» على الإضافة إلى أحد، وجعل الجار جزء منه والفصل بالظرف.\nوَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ لأنهم يقصدون به العمل، أو لأن العلم يجر إلى العمل غالبًا وَلا يَنْفَعُهُمْ إذ مجرد العلم به غير مقصود ولا نافع في الدارين. وفيه أن التحرز عنه أولى وَلَقَدْ عَلِمُوا أي اليهود. لَمَنِ اشْتَراهُ أي استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله تعالى، والأظهر أن اللام لام الإبتداء علقت علموا عن العمل مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ نصيب وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ يحتمل المعنيين على ما مر. لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يتفكرون فيه، أو يعلمون قبحه على التعيين، أو حقية ما يتبعه من العذاب، والمثبت لهم أولًا على التوكيد القسمي العقل الغريزي أو العلم الإجمالي يقبح الفعل، أو ترتب العقاب من غير تحقيق وقيل: معناه لو كانوا يعملون بعلمهم، فإن من لم يعمل بما علم فهو كمن لم يعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٣]</span>\nوَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)\nوَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بالرسول والكتاب. وَاتَّقَوْا بترك المعاصي، كنبذ كتاب الله واتباع السحر لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ جواب لو، وأصله لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرًا مما شروا به أنفسهم، فحذف الفعل وركب الباقي جملة اسمية لتدل على ثبات المثوبة والجزم بخيريتها، وحذف المفضل عليه إجلالًا للمفضل من أن ينسب إليه، وتنكير المثوبة لأن المعنى لشيء من الثواب خير، وقيل: لو للتمني، و«لَمَثُوبَةٌ» كلام مبتدأ.\nوقرئ «لَمَثُوبَةٌ» كمشورة، وإنما سمي الجزاء ثوابًا ومثوبة لأن المحسن يثوب إليه لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أن ثواب الله خير مما هم فيه، وقد علموا لكنه جَهَّلَهُم لترك التدبر، أو العمل بالعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا الرعي حفظ الغير لمصلحته، وكان المسلمون يقولون للرسول ﵊ راعنا أي راقبنا وتأن بنا فيما تلقننا حتى نفهمه، وسمع اليهود فافترصوه وخاطبوه به مريدين نسبته إلى الرعن، أو سبه بالكلمة العبرانية التي كانوا يتسابون بها وهي راعينا، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بما يفيد تلك الفائدة ولا يقبل التلبيس، وهو انظرنا بمعنى انظر إلينا. أو انتظرنا من نظره إذا انتظره.\nوقرئ «أنظرنا» من الإنظار أي أمهلنا لنحفظ. وقرئ «راعونا» على لفظ الجمع للتوقير، وراعنا بالتنوين أي قولًا ذا رعن نسبة إلى الرعن وهو الهوج، لما شابه قولهم راعينا وتسبب للسب. وَاسْمَعُوا وأحسنوا","vol":"1","page":98},{"text":"الاستماع حتى لا تفتقروا إلى طلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول لا كسماع اليهود، أو واسمعوا ما أمرتم به بجد حتى لا تعودوا إلى ما نهيتم عنه. وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني الذين تهاونوا بالرسول ﵇ وسبوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٥]</span>\nمَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)\nمَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ نزلت تكذيبًا لجمع من اليهود يظهرون مودة المؤمنين، ويزعمون أنهم يودون لهم الخير. والود: محبة الشيء مع تمنيه، ولذلك يستعمل في كل منهما، ومن للتبيين كما في قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ مفعول يود، ومن الأولى مزيدة للاستغراق، والثانية للابتداء، وفسر الخير بالوحي. والمعنى أنهم يحسدونكم به وما يحبون أن ينزل عليكم شيء منه وبالعلم وبالنصرة، ولعل المراد به ما يعم ذلك وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ يستنبئه ويعلمه الحكمة وينصره لا يجب عليه شيء، وليس لأحد عليه حق وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ إشعار بأن النبوة من الفضل، وأن حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله، بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٦ الى ١٠٧]</span>\nمَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)\nمَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نزلت لما قال المشركون أو اليهود: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. والنسخ في اللغة: إزالة الصورة عن الشيء وإثباتها في غيره، كنسخ الظل للشمس والنقل، ومنه التناسخ. ثم استعمل لكل واحد منهما كقولك: نسخت الريح الأثر، ونسخت الكتاب.\nونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها، أو الحكم المستفاد منها، أو بهما جميعًا. وإنساؤها إذهابها عن القلوب، وما شرطية جازمة لننسخ منتصبة به على المفعولية. وقرأ ابن عامر ما ننسخ من أنسخ أي نأمرك أو جبريل بنسخها، أو نجدها منسوخة. وابن كثير وأبو عمرو «ننسأها» أي نؤخرها من النسء. وقرئ «ننسها» أي ننس أحدًا إياها، و«ننسها» أي أنت، و«تنسها» على البناء للمفعول، و«ننسكها» بإضمار المفعولين نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أي بما هو خير للعباد في النفع والثواب، أو مثلها في الثواب. وقرأ أبو عمرو بقلب الهمزة ألفًا. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ، أو بما هو خير منه. والآية دلت على جواز النسخ وتأخير الإِنزال إذ الأصل اختصاص أن وما يتضمنها بالأمور المحتملة، وذلك لأن الأحكام شرعت، والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلًا من الله ورحمة، وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص، كأسباب المعاش فإن النافع في عصر قد يضر في عصر غيره.\nواحتج بها من منع النسخ بلا بدل، أو ببدل أثقل. ونسخ الكتاب بالسنة، فإن الناسخ هو المأتي به بدلًا والسنة ليست كذلك والكل ضعيف، إذ قد يكون عدم الحكم، أو الأثقل أصلح. والنسخ قد يعرف بغيره، والسنة مما أتى به الله تعالى، وليس المراد بالخير والمثل ما يكون كذلك في اللفظ. والمعتزلة على حدوث القرآن فإن التغير والتفاوت من لوازمه. وأجيب: بأنهما من عوارض الأمور المتعلقة بالمعنى القائم بالذات القديم.\nأَلَمْ تَعْلَمْ الخطاب للنبي ﷺ والمراد هو وأمته، لقوله: وَما لَكُمْ وإنما أفرده لأنه أعلمهم، ومبدأ علمهم. أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو كالدليل على قوله: أَنَّ اللَّهَ","vol":"1","page":99},{"text":"عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ\nأو على جواز النسخ ولذلك ترك العاطف. وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وإنما هو الذي يملك أموركم ويجريها على ما يصلحكم، والفرق بين الولي والنصير. أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبيًا عن المنصور فيكون بينهما عموم من وجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>[سورة البقرة (٢): آية ١٠٨]</span>\nأَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)\nأَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ أم معادلة للهمزة في أَلَمْ تَعْلَمْ أي: ألم تعلموا أنه مالك الأمور قادر على الأشياء كلها يأمر وينهى كما أراد، أم تعلمون وتقترحون بالسؤال كما اقترحت اليهود على موسى ﵇. أو منقطعة والمراد أن يوصيهم بالثقة به وترك الاقتراح عليه. قيل:\nنزلت في أهل الكتاب حين سألوا أن ينزل الله عليهم كتابًا من السماء. وقيل: في المشركين لما قالوا لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ومن ترك الثقة بالآيات البينات وشك فيها واقترح غيرها، فقد ضل الطريق المستقيم حتى وقع في الكفر بعد الإيمان. ومعنى الآية لا تقترحوا فتضلوا وسط السبيل، ويؤدي بكم الضلال إلى البعد عن المقصد وتبديل الكفر بالإيمان.\nوقرئ «يبدل» من أبدل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٩ الى ١١٠]</span>\nوَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)\nوَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني أحبارهم. لَوْ يَرُدُّونَكُمْ أن يردوكم، فإن لو تنوب عن إن في المعنى دون اللفظ: مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا مرتدين، وهو حال من ضمير المخاطبين حَسَدًا علة ود.\nمِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ يجوز أن يتعلق بود، أي تمنوا ذلك من عند أنفسهم وتشهيهم، لا من قبل التدين والميل مع الحق. أو بحسدًا أي حسدًا بالغًا منبعثًا من أصل نفوسهم مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة. فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا العفو ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك تثريبه. حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ الذي هو الإذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم، أو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير. وعن ابن عباس ﵄ إنه منسوخ بآية السيف، وفيه نظر إذ الأمر غير مطلق إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الانتقام منهم.\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ عطف على فاعفوا كأنه أمرهم بالصبر والمخالفة واللجأ إلى الله تعالى بالعبادة والبر وَما «تُقَدِّمُوا» لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ كصلاة وصدقة. وقرئ «تُقَدّمُواْ» من أقدم تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ أي ثوابه.\nإِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا يضيع عنده عمل. وقرئ بالياء فيكون وعيدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>[سورة البقرة (٢): الآيات ١١١ الى ١١٢]</span>\nوَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)","vol":"1","page":100},{"text":"وَقالُوا عطف على وَدَّ، والضمير لأهل الكتاب من اليهود والنصارى. لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى لف بين قولي الفريقين كما في قوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى ثقة بفهم السامع، وهود جمع هائد كعوذ وعائذ، وتوحيد الاسم المضمر في كان، وجمع الخبر لاعتبار اللفظ والمعنى.\nتِلْكَ أَمانِيُّهُمْ إشارة إلى الأماني المذكورة، وهي أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأن يردوهم كفارًا، وأن لا يدخل الجنة غيرهم، أو إلى ما في الآية على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم، والجملة اعتراض والأمنية أفعولة من التمني كالأضحوكة والأعجوبة. قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ على اختصاصكم بدخول الجنة. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم فإن كل قول لا دليل عليه غير ثابت.\nبَلى إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أخلص له نفسه، أو قصده، وأصله العضو وَهُوَ مُحْسِنٌ في عمله فَلَهُ أَجْرُهُ الذي وعد له على عمله عِنْدَ رَبِّهِ ثابتًا عن ربه لا يضيع ولا ينقص، والجملة جواب من إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة. والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط فيكون الرد بقوله: بلى وحده، ويحسن الوقف عليه. ويجوز أن يكون من أسلم فاعل فعل مقدر مثل بلى يدخلها من أسلم وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>[سورة البقرة (٢): آية ١١٣]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)\nوَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ أي على أمر يصح ويعتد به. نزلت لما قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ، وأتاهم أحبار اليهود فتناظروا وتقاولوا بذلك. وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ الواو للحال، والكتاب للجنس أي: قالوا ذلك وهم من أهل العلم والكتاب. كَذلِكَ مثل ذلك قالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ كعبدة الأصنام، والمعطلة. وبخهم على المكابرة والتشبه بالجهال.\nفإن قيل: لم وبخهم وقد صدقوا، فإن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء؟. قلت: لم يقصدوا ذلك، وإنما قصد به كل فريق إبطال دين الآخر من أصله، والكفر بنبيه وكتابه مع أن ما لم ينسخ منهما حق واجب القبول والعمل به فَاللَّهُ يَحْكُمُ يفصل بَيْنَهُمْ بين الفريقين يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ بما يقسم لكل فريق ما يليق به من العقاب. وقيل حكمه بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>[سورة البقرة (٢): آية ١١٤]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤)\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ عام لكل من خرب مسجدًا، أو سعى في تعطيل مكان مرشح للصلاة. وإن نزل في الروم لما غزوا بيت المقدس وخربوه وقتلوا أهله. أو في المشركين لما منعوا رسول الله ﷺ أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ثاني مفعولي منع وَسَعى فِي خَرابِها بالهدم، أو التعطيل أُولئِكَ\nأي المانعون مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخشوع فضلًا عن أن يجترئوا على تخريبها، أو ما كان الحق أن يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلًا عن أن يمنعوهم منها، أو ما كان لَهُمْ في علم الله وقضائه، فيكون وعدًا للمؤمنين بالنصرة واستخلاص المساجد منهم وقد أنجز وعده. وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول في المسجد، واختلف الأئمة فيه فجوز أبو حنيفة ومنع مالك، وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ قتل وسبي، أو ذلة بضرب الجزية وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ بكفرهم وظلمهم.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>[سورة البقرة (٢): آية ١١٥]</span>\nوَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)\nوَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يريد بهما ناحيتي الأرض، أي له الأرض كلها لا يختص به مكان، دون مكان، فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام، أو الأقصى فقد جعلت لكم الأرض مسجدًا. فَأَيْنَما تُوَلُّوا ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أي جهته التي أمر بها فإن إمكان التولية لا يختص بمسجد أو مكان. أو فَثَمَّ ذاته: أي هو عالم مطلع بما يفعل فيه إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ بإحاطته بالأشياء. أو برحمته يريد التوسعة على عباده عَلِيمٌ بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنها أنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة: وقيل: في قوم عميت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم، وعلى هذا لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ لم يلزمه التدارك. وقيل هي توطئة لنسخ القبلة وتنزيه للمعبود أن يكون في حيز وجهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>[سورة البقرة (٢): آية ١١٦]</span>\nوَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦)\nوَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا نزلت لما قال اليهود: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ومشركوا العرب: الملائكة بنات الله، وعطفه على قالت اليهود، أو منع، أو مفهوم قوله تعالى ومن أظلم.\nوقرأ ابن عامر بغير واو سُبْحانَهُ تنزيه له عن ذلك، فإنه يقتضي التشبيه والحاجة وسرعة الفناء، ألا ترى أن الأجرام الفلكية. مع إمكانها وفنائها. لما كانت باقية ما دام العالم، لم تتخذ ما يكون لها كالولد اتخاذ الحيوان والنبات، اختيارًا أو طبعًا. بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رد لما قالوه، واستدلال على فساده، والمعنى أنه تعالى خالق ما في السموات والأرض، الذي من جملته الملائكة وعزير والمسيح كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ منقادون لا يمتنعون عن مشيئته وتكوينه، وكل ما كان بهذه الصفة لم يجانس مكونه الواجب لذاته: فلا يكون له ولد، لأن من حق الولد أن يجانس والده، وإنما جاء بما الذي لغير أولي العلم، وقال قانتون على تغليب أولي العلم تحقيرًا لشأنهم، وتنوين كل عوض عن المضاف إليه، أي كل ما فيهما. ويجوز أن يراد كل من جعلوه ولدًا له مطيعون مقرون بالعبودية، فيكون إلزامًا بعد إقامة الحجة، والآية مشعرة على فساد ما قالوه من ثلاثة أوجه، واحتج بها الفقهاء على أن من ملك ولده عتق عليه، لأنه تعالى نفى الولد بإثبات الملك، وذلك يقتضي تنافيهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>[سورة البقرة (٢): آية ١١٧]</span>\nبَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)\nبَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما، ونظيره السميع في قوله:\nأمِنْ ريحانة الداعي السَّميع ... يُؤرِّقُني وأصْحابي هجوع\nأو بديع سماواته وأرضه، من بدع فهو بديع، وهو حجة رابعة. وتقريرها أن الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال مادته عنه، والله ﷾ مبدع الأشياء كلها، فاعل على الإطلاق، منزه عن الانفعال، فلا يكون والدًا. والإبداع: اختراع الشيء لا عن الشيء دفعة، وهو أليق بهذا الموضوع من الصنع الذي هو:\nتركيب الصور لا بالعنصر، والتكوين الذي يكون بتغيير وفي زمان غالبا. وقرئ بديع مجرورًا على البدل من الضمير في له. وبديع منصوبًا على المدح.\nوَإِذا قَضى أَمْرًا أي أراد شيئًا، وأصل القضاء إتمام الشيء قوة كقوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ، أو فعلًا كقوله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ. وأطلق على تعلق الإِرادة الإِلهية بوجود الشيء من حيث إنه يوجبه.\nفَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ من كان التامة بمعنى أحدث فيحدث، وليس المراد به حقيقة أمر وامتثال، بل","vol":"1","page":102},{"text":"تمثيل حصول ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف. وفيه تقرير لمعنى الإِبداع، وإيماء إلى حجة خامسة وهي: أن اتخاذ الولد مما يكون بأطوار ومهلة، وفعله تعالى مستغن عن ذلك. وقرأ ابن عامر «فَيَكُونَ» بفتح النون. واعلم أن السبب في هذه الضلالة، أن أرباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون الأب على الله تعالى باعتبار أنه السبب الأول، حتى قالوا إن الأب هو الرب الأصغر، والله ﷾ هو الرب الأكبر، ثم ظنت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة، فاعتقدوا ذلك تقليدًا، ولذلك كُفِّرَ قائله ومنع منه مطلقًا حسمًا لمادة الفساد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>[سورة البقرة (٢): آية ١١٨]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)\nوَقالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ أي جهلة المشركين، أو المتجاهلون من أهل الكتاب. لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ هلا يكلمنا الله كما يكلم الملائكة، أو يوحي إلينا بأنك رسوله. أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ حجة على صدقك، والأول استكبار والثاني جحود، لأن ما أتاهم آيات الله استهانة به وعنادًا، كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مّن الأمم الماضية مِثْلَ قَوْلِهِمْ فقالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً. هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد. وقرئ بتشديد الشين. قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي يطلبون اليقين، أو يوقنون الحقائق لا يعتريهم شبهة ولا عناد. وفيه إشارة إلى أنهم ما قالوا ذلك لخفاء في الآيات أو لطلب مزيد اليقين، وإنما قالوه عتوًا وعنادًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٩ الى ١٢٠]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠)\nإِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ متلبسًا مؤيدًا به. بَشِيرًا وَنَذِيرًا فلا عليك إن أصروا وكابروا. وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت. وقرأ نافع ويعقوب: لا تُسْئَلُ، على أنه نهي للرسول ﷺ عن السؤال عن حال أبويه. أو تعظيم لعقوبة الكفار كأنها لفظاعتها لا يقدر أن يخبر عنها، أو السامع لا يصبر على استماع خبرها فنهاه عن السؤال. والجحيم: المتأجج من النار.\nوَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ مبالغة في إقناط الرسول ﷺ من إسلامهم، فإنهم إذا لم يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، فكيف يتبعون ملته. ولعلهم قالوا مثل ذلك فحكى الله عنهم ولذلك قال: قُلْ تعليمًا للجواب. إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى أي هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى إلى الحق، لا ما تدعون إليه. وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ آراءهم الزائفة. والملة ما شرعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه، من أمللت الكتاب إذا أمليته، والهوى: رأي يتبع الشهوة بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي الوحي، أو الدين المعلوم صحته. مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ يدفع عنك عقابه وهو جواب لئن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>[سورة البقرة (٢): آية ١٢١]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١)\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يريد به مؤمني أهل الكتاب يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ بمراعاة اللفظ عن التحريف والتدبر في معناه والعمل بمقتضاه، وهو حال مقدرة والخبر ما بعده، أو خبر على أن المراد بالموصول مؤمنوا","vol":"1","page":103},{"text":"أهل الكتاب أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ بكتابهم دون المحرفين. وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ بالتحريف والكفر بما يصدقه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ حيث اشتروا الكفر بالإِيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٢ الى ١٢٣]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ لما صدر قصتهم بالأمر بذكر النعم، والقيام بحقوقها، والحذر من إضاعتها، والخوف من الساعة وأهوالها، كرر ذلك وختم به الكلام معهم مبالغة في النصح، وإيذانًا بأنه فذلكة القضية والمقصود من القصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٤]</span>\nوَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)\nوَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ كلفه بأوامر ونواه، والابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء، لكنه لما استلزم الاختبار بالنسبة إلى من يجهل العواقب ظن ترادفهما، والضمير لإبراهيم، وحسن لتقدمه لفظًا وإن تأخر رتبة، لأن الشرط أحد المتقدمين، والكلمات قد تطلق على المعاني فلذلك فسرت بالخصال الثلاثين المحمودة المذكورة في قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الآية وقوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ إلى آخر الآية، وقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إلى قوله: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ كما فسرت بها في قوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ وبالعشر التي هي من سننه، وبمناسك الحج وبالكواكب، والقمرين، والختان، وذبح الولد، والنار، والهجرة. على أنه تعالى عامله بها معاملة المختبر بهن وبما تضمنته الآيات التي بعدها. وقرئ «إبراهيم ربه» على أنه دعا ربه بكلمات مثل أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى. واجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ليرى هل يجيبه. وقرأ ابن عامر إبراهام بالألف جميع ما في هذه السورة. فَأَتَمَّهُنَّ فأداهن كملًا وقام بهن حق القيام، لقوله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى وفى القراءة الأخيرة الضمير لربه، أي أعطاه جميع ما دعاه. قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا استئناف إن أضمرت ناصب إذ كأنه قيل: فماذا قال ربه حين أتمهن، فأجيب بذلك. أو بيان لقوله ابتلى فتكون الكلمات ما ذكره من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع قواعده، والإسلام. وإن نصبته يقال فالمجموع جملة معطوفة على ما قبلها، أو جاعل من جعل الذي له مفعولان، والإمام اسم لمن يؤتم به وإمامته عامة مؤبدة، إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأمورًا باتباعه. قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي عطف على الكاف أي وبعض ذريتي، كما تقول: وزيدًا، في جواب: سأكرمك، والذرية نسل الرجل، فعلية أو فعولة قلبت راؤها الثانية ياء كما في تقضيت. من الذر بمعنى التفريق، أو فعولة أو فعلية قلبت همزتها من الذرة بمعنى الخلق. وقرئ «ذريتي» بالكسر وهي لغة. قالَ لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ إجابة إلى ملتمسه، وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة، وأنهم لا ينالون الإمامة لأنها أمانة من الله تعالى وعهد، والظالم لا يصلح لها، وإنما ينالها البررة الأتقياء منهم. وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة. وقرئ «الظالمون» والمعنى واحد إذ كل ما نالك فقد نلته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٥]</span>\nوَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)\nوَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ أي الكعبة، غلب عليها كالنجم على الثريا. مَثابَةً لِلنَّاسِ مرجعًا يثوب إليه أعيان","vol":"1","page":104},{"text":"الزوار أو أمثالهم، أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره. وقرئ: «مثابات» أي لأنه مثابة كل أحد.\nوَأَمْنًا وموضع أمن لا يتعرض لأهله كقوله تعالى: حَرَمًا آمِنًا. وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ، أو يأمن حاجَّهُ من عذاب الآخرة من حيث إن الحج يجب ما قبله، أولًا يؤاخذ الجاني الملتجئ إليه حتى يخرج، وهو مذهب أبي حنيفة ﵁. وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى على إرادة القول، أو عطف على المقدر عاملًا لإذ، أو اعتراض معطوف على مضمر تقديره توبوا إليه واتخذوا، على أن الخطاب لأمة محمد ﷺ، وهو أمر استحباب، ومقام إبراهيم هو الحجر الذي فيه أثر قدمه، أو الموضع الذي كان فيه الحجر حين قام عليه ودعا الناس إلى الحج، أو رفع بناء البيت وهو موضعه اليوم.\nروي أنه ﵊ أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه وقال: «هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى، فقال: لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت»\nوقيل المراد به الأمر بركعتي الطواف، لما\nروى جابر أنه ﵊:\nلما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى\nوللشافعي رحمه الله تعالى في وجوبهما قولان. وقيل: مقام إبراهيم الحرم كله. وقيل مواقف الحج واتخاذها مصلى أن يدعى فيها، ويتقرب إلى الله تعالى. وقرأ نافع وابن عامر وَاتَّخِذُوا بلفظ الماضي عطفًا على جَعَلْنَا، أي: واتخذوا الناس مقامه الموسوم به، يعني الكعبة قبلة يصلون إليها. وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أمرناهما. أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ بأن طَهّرَا بَيْتِيَ ويجوز أن تكون أن مفسرة لتضمن العهد معنى القول، يريد طهراه من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به، أو أخلصاه. لِلطَّائِفِينَ حوله. وَالْعاكِفِينَ المقيمين عنده، أو المعتكفين فيه وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. أي المصلين، جمع راكع وساجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٦]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا يريد به البلد، أو المكان. بَلَدًا آمِنًا ذا أمن كقوله تعالى فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ. أو آمنًا أهله كقولك: ليل نائم وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أبدل من مَنْ آمَنَ أَهْلَهُ بدل البعض للتخصيص قالَ وَمَنْ كَفَرَ عطف على آمَنَ والمعنى وارزق من كفر، قاس إبراهيم ﵊ الرزق على الإِمامة، فنبه سبحانه على أن الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر، بخلاف الإمامة والتقدم في الدين. أو مبتدأ متضمن معنى الشرط فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا خبره، والكفر وإن لم يكن سببًا للتمتيع لكنه سبب لتقليله، بأن يجعله مقصورًا بحظوظ الدنيا غير متوسل به إلى نيل الثواب، ولذلك عطف عليه ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ أي ألزه إليه لز المضطر لكفره وتضييعه ما متعته به من النعم، وقليلًا نصب على المصدر، أو الظرف. وقرئ بلفظ الأمر فيهما على أنه من دعاء إبراهيم وفي قال ضميره. وقرأ ابن عامر فَأُمَتِّعُهُ من أمتع. وقرئ «فنمتعه» ثم نضطره، و«إضطره» بكسر الهمزة على لغة من يكسر حروف المضارعة، و«أطره» بإدغام الضاد وهو ضعيف لأن حروف (ضم شفر) يدغم فيها ما يجاورها دون العكس.\nوَبِئْسَ الْمَصِيرُ المخصوص بالذم محذوف، وهو العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>[سورة البقرة (٢): آية ١٢٧]</span>\nوَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)\nوَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ حكاية حال ماضية، والْقَواعِدَ جمع قاعدة وهي الأساس صفة غالبة من القعود، بمعنى الثبات، ولعله مجاز من المقابل للقيام، ومنه قعدك الله، ورفعها البناء عليها فإنه ينقلها عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، ويحتمل أن يراد بها سافات البناء فإن كل ساف قاعدة ما يوضع","vol":"1","page":105},{"text":"فوقه ويرفعها بناؤها. وقيل المراد رفع مكانته وإظهار شرفه بتعظيمه، ودعاء الناس إلى حجه. وفي إبهام القواعد وتبيينها تفخيم لشأنها. وَإِسْماعِيلُ كان يناوله الحجارة، ولكنه لما كان له مدخل في البناء عطف عليه. وقيل: كانا يبنيان في طرفين، أو على التناوب. رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا أي يقولان ربنا تقبل منا، وقد قرئ به والجملة حال منهما. إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لدعاتنا الْعَلِيمُ بنياتنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٨ الى ١٢٩]</span>\nرَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)\nرَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ مخلصين لك، من أسلم وجهه، أو مستسلمين من أسلم إذا استسلم وانقاد، والمراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان، أو الثبات عليه. وقرئ «مُسْلِمِينَ» على أن المراد أنفسهما وهاجر. أو أن التثنية من مراتب الجمع. وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ أي واجعل بعض ذريتنا، وإنما خصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع، وخصا بعضهم لما أعلما أن في ذريتهما ظلمة، وعلما أن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإخلاص والإقبال الكلي على الله تعالى، فإنه مما يشوش المعاش، ولذلك قيل: لولا الحمقى لخربت الدنيا، وقيل: أراد بالأمة أمة محمد ﷺ، ويجوز أن تكون من للتبيين كقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ قدم على المبين وفصل به بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى: خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ. وَأَرِنا من رأى بمعنى أبصر، أو عرف، ولذلك لم يتجاوز مفعولين مَناسِكَنا متعبداتنا في الحج، أو مذابحنا. والنسك في الأصل غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة. وقرأ ابن كثير والسوسي عن أبي عمرو ويعقوب أَرِنا، قياسًا على فخذ في فخذ، وفيه إجحاف لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها. وقرأ الدوري عن أبي عمرو بالاختلاس وَتُبْ عَلَيْنا استتابة لذريتهما، أو عما فرط منهما سهوًا. ولعلهما قالا هضما لأنفسهما وإرشادً لذريتهما إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ لمن تاب.\nرَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ في الأمة المسلمة رَسُولًا مِنْهُمْ ولم يبعث من ذريتهما غير محمد ﷺ، فهو المجاب به دعوتهما كما\nقال ﵊ «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي»\n. يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل التوحيد والنبوة. وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ القرآن.\nوَالْحِكْمَةَ ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام. وَيُزَكِّيهِمْ عن الشرك والمعاصي إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الذي لا يقهر ولا يغلب على ما يريد الْحَكِيمُ المحكم له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٠]</span>\nوَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)\nوَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ استبعاد وإِنكار لأن يكون أحد يرغب عن ملته الواضحة الغراء، أي لا يرغب أحد من ملته. إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ إلا من استمهنها وأذلها واستخف بها. قال المبرد وثعلب سفه بالكسر متعد وبالضم لازم، ويشهد له ما\nجاء في الحديث «الكبر أن تسفه الحق، وتغمص الناس»\n. وقيل:\nأصله سفه نفسه على الرفع، فنصب على التمييز نحو غبن رأيه وألم رأسه، وقول جرير:\nوَنأْخُذُ بَعْدَهُ بِذنَابِ عَيْش ... أَجَب الظَّهْرِ ليسَ لَهُ سِنَامُ\nأو سفه في نفسه، فنصب بنزع الخافض. والمستثنى في محل الرفع على المختار بدلًا من الضمير في","vol":"1","page":106},{"text":"يرغب لأنه في معنى النفي. وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ حجة وبيان لذلك، فإن من كان صفوة العباد في الدنيا مشهودًا له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة، كان حقيقًا بالاتباع له لا يرغب عنه إلا سفيه، أو متسفه أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>[سورة البقرة (٢): آية ١٣١]</span>\nإِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١)\nإِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ظرف ل اصْطَفَيْناهُ، أو تعليل له، أو منصوب باضمار اذكر. كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدم، وأنه نال ما نال بالمبادرة إلى الإذعان وإخلاص السر حين، دعاه ربه وأخطر بباله دلائله المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام.\nروي أنها نزلت لما دعا عبد الله بن سلام ابني أخيه: سلمة ومهاجرًا إلى الإسلام، فأسلم سلمة وأبي مهاجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٢]</span>\nوَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)\nوَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ التوصية هي التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة، وأصلها الوصل يقال:\nوصاه إذا وصله، وفصاه: إذا فصله، كأن الموصي يصل فعله بفعل الموصى، والضمير في بها للملة، أو لقوله أسلمت على تأويل الكلمة، أو الجملة وقرأ نافع وابن عامر وَوَصَّى والأول أبلغ وَيَعْقُوبُ عطف على إِبْرَاهِيمَ، أي ووصى هو أيضًا بها بنيه. وقرئ بالنصب على أنه ممن وصاه إبراهيم يَا بَنِيَّ. على إضمار القول عند البصريين، متعلق بوصى عند الكوفيين لأنه نوع منه ونظيره:\nرَجُلاَنِ مِنْ ضَبَّةَ أخْبَرَانا ... أَنَّا رأَيْنَا رَجُلًا عريَانا\nبالكسر، وبنو إبراهيم كانوا أربعة: إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان. وقيل: ثمانية. وقيل: أربعة عشر:\nوبنو يعقوب إثنا عشر: روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا ويشسوخور وزبولون ونفتوني ودون وكوذا وأوشير وبنيامين ويوسف إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان لقوله تعالى: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ظاهره النهي عن الموت على خلاف حال الإِسلام، والمقصود هو النهي عن أن يكونوا على خلاف تلك الحال إذا ماتوا، والأمر بالثبات على الإسلام كقولك: لا تصلِّ إلا وأنت خاشع، وتغيير العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه، وأن من حقه أن لا يحل بهم، ونظيره في الأمر مت وأنت شهيد.\nوروي أن اليهود قالوا لرسول الله ﷺ: ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات فنزلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٣]</span>\nأَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)\nأَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ أَمْ منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت وقال لبنيه ما قال فلم تدعون اليهودية عليه، أو متصلة بمحذوف تقديره أكنتم غائبين أم كنتم شاهدين. وقيل: الخطاب للمؤمنين والمعنى ما شاهدتم ذلك وإنما علمتموه بالوحي وقرئ «حَضِرَ» بالكسر.\nإِذْ قالَ لِبَنِيهِ بدل من إِذْ حَضَرَ. مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي أي: أي شيء تعبدونه، أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما، وما يسأل به عن كل شيء ما لم يعرف، فإذا عرف خص العقلاء بمن إذا سئل عن تعيينه، وإن سئل عن وصفه قيل: ما زيد أفقيه أم طبيب؟. قالُوا نَعْبُدُ","vol":"1","page":107},{"text":"إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ\nالمتفق على وجوده وألوهيته ووجوب عبادته، وعد إسماعيل من آبائه تغليبًا للأب والجد، أو لأنه كالأب\nلقوله ﵊: «عمُّ الرجل صِنْوُ أبيه»\n. كما\nقال ﵊ في العباس ﵁ «هذا بقية آبائي»\n. وقرئ «إله أبيك»، على أنه جمع بالواو والنون كما قال:\nوَلَما تَبَيَّنَّ أَصوَاتَنا ... بَكَيْنَ وَفَدينَنا بالأَبينا\nأو مفرد وإبراهيم وحده عطف بيان.\nإِلهًا واحِدًا بدل من إله آبائك كقوله تعالى: بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ. وفائدته التصريح بالتوحيد، ونفي التوهم الناشئ من تكرير المضاف لتعذر العطف على المجرور والتأكيد، أو نصب على الاختصاص وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ حال من فاعل نعبد، أو مفعوله، أو منهما، ويحتمل أن يكون اعتراضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٤]</span>\nتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)\nتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ يعني إبراهيم ويعقوب وبينهما، والأمة في الأصل المقصود وسمي بها الجماعة، لأن الفرق تؤمها. لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ لكل أجر عمله، والمعنى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما\nقال ﵊: «لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم»\nوَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ أي لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٥]</span>\nوَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)\nوَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى الضمير الغائب لأهل الكتاب وأو للتنويع، والمعنى مقالتهم أحد هذين القولين. قالت اليهود كونوا هودًا. وقال النصارى كونوا نصارى تَهْتَدُوا جواب الأمر. قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أي بل تكون ملة إبراهيم، أي أهل ملته، أو بل نتبع ملة إبراهيم. وقرئ بالرفع أي ملته ملتنا، أو عكسه، أو نحن ملته بمعنى نحن أهل ملته. حَنِيفًا مائلًا عن الباطل إلى الحق. حال من المضاف، أو المضاف إليه كقوله تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا. وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تعريض بأهل الكتاب وغيرهم، فإنهم يدعون اتباعه وهم مشركون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٦]</span>\nقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)\nقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ الخطاب للمؤمنين لقوله تعالى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ. وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا القرآن، قدم ذكره لأنه أول بالإضافة إلينا، أو سبب للإيمان بغيره وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ الصحف، وهي وإن نزلت إلى إبراهيم لكنهم لما كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها فهي أيضًا منزلة إليهم، كما أن القرآن منزل إلينا، وال. سباط جمع سبط وهو الحافد، يريد به حفدة يعقوب، أو أبناءه وذراريهم فإنهم حفدة إبراهيم وإسحاق وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى التوراة والإِنجيل، أفردهما بالذكر بحكم أبلغ لأن أمرهما بالإِضافة إلى موسى وعيسى مغاير لما سبق، والنزاع وقع فيهما وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ جملة المذكورين منهم وغير المذكورين. مِنْ رَبِّهِمْ منزلًا عليهم من ربهم. لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ كاليهود، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض، وأحد لوقوعه في سياق النفي عام فساغ أن يضاف إليه بين.\nوَنَحْنُ لَهُ أي لله. مُسْلِمُونَ مذعنون مخلصون.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٧]</span>\nفَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)\nفَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا من باب التعجيز والتبكيت، كقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ إذ لا مثل لما آمن به المسلمون، ولا دين كدين الإسلام. وقيل: الباء للآلة دون التعدية، والمعنى إن تحروا الإيمان بطريق يهدي إلى الحق مثل طريقكم، فإن وحدة المقصد لا تأبى تعدد الطرق، أو مزيدة للتأكيد كقوله تعالى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها. والمعنى فإن آمنوا بالله إيمانًا مثل إيمانكم به، أو المثل مقحم كما في قوله: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ أي عليه، ويشهد له قراءة من قرأ بما آمنتم به أو بالذي آمنتم به وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ أي إن أعرضوا عن الإيمان، أو عما تقولون لهم فما هم إلا في شقاق الحق، وهو المناوأة والمخالفة، فإن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ تسلية وتسكين للمؤمنين، ووعد لهم بالحفظ والنصرة على من ناوأهم وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ إما من تمام الوعد، بمعنى أنه يسمع أقوالكم ويعلم إخلاصكم وهو مجازيكم لا محالة، أو وعيد للمعرضين، بمعنى أنه يسمع ما يبدون ويعلم ما يخفون وهو معاقبهم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٨]</span>\nصِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨)\nصِبْغَةَ اللَّهِ أي صبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله تعالى التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا، فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ، أو هدانا الله هدايته وأرشدنا حجته، أو طهر قلوبنا بالإِيمان تطهيره، وسماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب، أو للمشاكلة، فإن النصارى كانوا يغسمون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون: هو تطهير لهم وبه تتحقق نصرانيتهم، ونصبها على أنه مصدر مؤكد لقوله آمَنَّا، وقيل على الإغراء، وقيل على البدل من ملة إبراهيم ﵇.\nوَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً لا صبغة أحسن من صبغته وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ تعريض بهم، أي لا نشرك به كشرككم. وهو عطف على آمنا، وذلك يقتضي دخول قوله صِبْغَةَ اللَّهِ في مفعول قُولُوا ولمن ينصبها على الإغراء، أو البدل أن يضمر قولوا معطوفًا على الزموا، أو اتبعوا ملة إبراهيم وقُولُوا آمَنَّا بدل اتبعوا، حتى لا يلزم فك النظم وسوء الترتيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>[سورة البقرة (٢): آية ١٣٩]</span>\nقُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)\nقُلْ أَتُحَاجُّونَنا أتجادلوننا. فِي اللَّهِ في شأنه واصطفائه نبيًا من العرب دونكم،\nروي أن أهل الكتاب قالوا: الأنبياء كلهم منا، لو كنت نبيًا لكنت منا. فنزلت\n: وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لا اختصاص له بقوم دون قوم، يصيب برحمته من يشاء من عباده. وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا، كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحلونه إفحامًا وتبكيتًا، فإن كرامة النبوة إما تفضل من الله على من يشاء والكل فيه سواء، وإما إفاضة حق على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص. وكما أن لكم أعمالًا ربما يعتبرها الله في إعطائها، فلنا أيضًا أعمال. وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ موحدون نخصه بالإيمان والطاعة دونكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٠]</span>\nأَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)","vol":"1","page":109},{"text":"أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى أم منقطعة والهمزة للإنكار. وعلى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص بالتاء يحتمل أن تكون معادلة للهمزة في أَتُحَاجُّونَنا، بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة، أو ادعاء اليهودية، أو النصرانية على الأنبياء. قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وقد نفي الأمرين عن إبراهيم بقوله: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا واحتج عليه بقوله:\nوَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ. وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعه في الدين وفاقًا. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ يعني شهادة الله لإِبراهيم بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية، والمعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب، لأنهم كتموا هذه الشهادة. أو منا لو كتمنا هذه الشهادة، وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد ﵊ بالنبوة في كتبهم وغيرها، ومن للابتداء كما في قوله تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وعيد لهم، وقرئ بالياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>[سورة البقرة (٢): آية ١٤١]</span>\nتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)\nتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم. قيل: الخطاب فيما سبق لهم، وفي هذه الآية لنا تحذيرًا عن الاقتداء بهم. وقيل: المراد بالأمة في الأول الأنبياء، وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٢]</span>\nسَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)\nسَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ الذين خفت أحلامهم، واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن النظر. يريد به المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين. وفائدة تقديم الإِخبار به توطين النفس وإعداد الجواب وإظهار المعجزة. مَا وَلَّاهُمْ ما صرفهم. عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها يعني بيت المقدس، والقبلة في الأصل الحالة التي عليها الإِنسان من الاستقبال، فصارت عرفًا للمكان المتوجه نحوه للصلاة قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ لا يختص به مكان دون مكان بخاصية ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو ما ترتضيه الحكمة، وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة، والكعبة أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٣]</span>\nوَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)\nوَكَذلِكَ إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة، أي كما جعلناكم مهديين إلى الصراط المستقيم، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل. جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا أي خيارًا، أو عدولًا مزكين بالعلم والعمل. وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها، مستويًا فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث كسائر الأسماء التي وصف بها، واستدل به على أن الإجماع حجة إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت به عدالتهم لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا علة للجعل، أي لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج، وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على","vol":"1","page":110},{"text":"أحد وما ظلم، بل أوضح السبل وأرسل الرسل، فبلغوا ونصحوا. ولكن الذين كفروا حملهم الشقاء على اتباع الشهوات، والإِعراض عن الآيات، فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين من قبلكم، أو بعدكم.\nروي «أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالبهم الله ببينة التبليغ. وهو أعلم بهم. إقامة للحجة على المنكرين، فيؤتى بأمة محمد ﷺ فيشهدون، فتقول الأمم من أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد ﷺ فيسأل عن حال أمته، فيشهد بعدالتهم»\nوهذه الشهادة وإن كانت لهم لكن لما كان الرسول ﵇ كالرقيب المهيمن على أمته عدى بعلى، وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم يكون الرسول شهيدًا عليهم. وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أي الجهة التي كنت عليها، وهي الكعبة فإنه ﵊ كان يصلي إليها بمكة، ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفًا لليهود. أو الصخرة لقول ابن عباس ﵄ (كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ، وعلى الثاني المنسوخ. والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس.\nإِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ إلا لنمتحن به الناس ونعلم من يتبعك في الصلاة إليها، ممن يرتد عن دينك إلفًا لقبلة آبائه. أو لنعلم الآن من يتبع الرسول ممن لا يتبعه، وما كان لعارض يزول بزواله. وعلى الأول معناه: ما رددناك إلى التي كنت عليها، إلا لنعلم الثابت على الإِسلام ممن ينكص على عقبيه لقلقه وضعف إيمانه. فإن قيل: كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالمًا. قلت:\nهذا وأشباهه باعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء، والمعنى ليتعلق علمنا به موجودًا. وقيل: ليعلم رسوله والمؤمنون لكنه أسنده إلى نفسه لأنهم خواصه، أو لتميز الثابت من المتزلزل كقوله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ فوضع العلم موضع التمييز المسبب عنه، ويشهد له قراءة ليعلم على البناء للمفعول، والعلم إما بمعنى المعرفة، أو معلق لما في مَنْ من معنى الاستفهام، أو مفعوله الثاني ممن ينقلب، أي لنعلم من يتبع الرسول متميزًا ممن ينقلب. وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً أن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفاصلة.\nوقال الكوفيون هي النافية واللام بمعنى إلا. والضمير لما دل عليه قوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها من الجعلة، أو الردة، أو التولية، أو التحويلة، أو القبلة. وقرئ «لكبيرةٌ» بالرفع فتكون كان زائدة إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ إلى حكمة الأحكام الثابتين على الإيمان والاتباع وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أي ثباتكم على الإيمان. وقيل: إيمانكم بالقبلة المنسوخة، أو صلاتكم إليها لما\nروي: أنه ﵇ لما وجه إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا فنزلت\nإِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فلا يضيع أجورهم ولا يدع صلاحهم، ولعله قدم الرؤوف وهو أبلغ محافظة على الفواصل وقرأ الحرميان وابن عامر وحفص لرؤوف بالمد، والباقون بالقصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٤]</span>\nقَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)\nقَدْ نَرى ربما نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ تردد وجهك في جهة السماء تطلعًا للوحي، وكان رسول الله ﷺ يقع في روعه ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإِيمان، ولمخالفة اليهود، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً فلنمكننك من استقبالها من قولك: وليته كذا، إذا صيرته واليًا له، أو فلنجعلنك تلي جهتها تَرْضاها تحبها وتتشوق إليها، لمقاصد دينية وافقت مشيئة الله وحكمته. فَوَلِّ وَجْهَكَ اصرف وجهك.","vol":"1","page":111},{"text":"شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ نحوه. وقيل: الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء إذا انفصل، ودار شطور: أي منفصلة عن الدور، ثم استعمل لجانبه، وإن لم ينفصل كالقطر، والحرام المحرم أي محرم فيه القتال، أو ممنوع من الظلمة أن يتعرضوه، وإنما ذكر المسجد دون الكعبة لأن ﵊ وكان في المدينة، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حرج عليه بخلا القريب.\nروي: أنه ﵊ قدم المدينة، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين.\nوقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي المسجد مسجد القبلتين. وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ خص الرسول بالخطاب تعظيمًا له وإيجابًا لرغبته، ثم عمم تصريحًا بعموم الحكم وتأكيدًا لأمر القبلة وتحضيضًا للأمة على المتابعة. وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ جملة لعلمهم بأن عادته تعالى تخصيص كل شريعة بقبلة، وتفصيلًا لتضمن كتبهم أنه ﷺ يصلي إلى القبلتين، والضمير للتحويل أو التوجه وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وعد ووعيد للفريقين. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٥]</span>\nوَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)\nوَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ برهان وحجة على أن الكعبة قبلة، واللام موطئة للقسم مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ جواب للقسم المضمر، والقسم وجوابه ساد مسد جواب الشرط، والمعنى ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها بالحجة، وإنما خالفوك مكابرة وعنادًا. وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ قطع لأطماعهم، فإنهم قالوا: لو ثبتَ على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره، تعزيرا له وطَمعًا في رجوعه، وقبلتهم وإن تعددت لكنها متحدة بالبطلان ومخالفة الحق. وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ فإن اليهود تستقبل الصخرة، والنصارى مطلع الشمس. لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك، لتصلب كل حزب فيما هو فيه وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ على سبيل الفرض والتقدير، أي: ولئن اتبعتهم مثلا بعد ما بان لك الحق وجاءك فيه الوحي إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ وأكد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه: أحدها: الإِتيان باللام الموطئة للقسم: ثانيها: القسم المضمر. ثالثها: حرف التحقيق وهو أن. رابعها: تركيبه من جملة فعلية وجملة اسمية.\nوخامسها: الإِتيان باللام في الخبر. وسادسها: جعله من الظَّالِمِينَ، ولم يقل إنك ظالم لأن في الاندراج معهم إيهامًا بحصول أنواع الظلم. وسابعها: التقييد بمجيء العلم تعظيمًا للحق المعلوم، وتحريصا على اقتفائه وتحذيرًا عن متابعة الهوى، واستفظاعًا لصدور الذنب عن الأنبياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٦ الى ١٤٧]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني علماءهم يَعْرِفُونَهُ الضمير لرسول الله ﷺ، وإن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه. وقيل للعلم، أو القرآن، أو التحويل كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ يشهد للأول: أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم لا يلتبسون عليهم بغيرهم. عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سأل عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ فقال: أنا أعلم به مني بابني قال: ولم، قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي فأما ولدي فلعل والدته قد خانت. وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ تخصيص لمن عاند واستثناء لمن آمن.\nالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ كلام مستأنف، والحق إما مبتدأ خبره من ربك واللام للعهد، والإشارة إلى ما عليه","vol":"1","page":112},{"text":"الرسول ﷺ، أو الحق الذي يكتمونه، أو للجنس. والمعنى أن الْحَقُّ ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب، وإما خبر مبتدأ محذوف أي هو الْحَقُّ. ومن ربك حال، أو خبر بعد خبر. وقرئ بالنصب على أنه بدل من الأول، أو مفعول يَعْلَمُونَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكين في أنه من ربك، أو في كتمانهم الحق عالمين به، وليس المراد به نهي الرسول ﷺ عن الشك فيه، لأنه غير متوقع منه وليس بقصد واختيار، بل إما تحقيق الأمر وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>[سورة البقرة (٢): آية ١٤٨]</span>\nوَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)\nلِكُلٍّ وِجْهَةٌ\nولكل أمة قبلة، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة، والتنوين بدل الإضافةوَ مُوَلِّيها\nأحد المفعولين محذوف، أي هو موليها وجهه، أو الله تعالى موليها إياه. وقرئ:\n«وَلِكُلّ وِجْهَةٍ» بالإِضافة، والمعنى وكل وجهة الله موليها أهلها، واللام مزيدة للتأكيد جبرًا لضعف العامل.\nوقرأ ابن عامر: «مولاها» أي هو مولى تلك الجهة أي قد وليهااسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ\nمن أمر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين، أو الفاضلات من الجهات وهي المسامتة للكعبةيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا\nأي: في أي موضع تكونوا من موافق ومخالف مجتمع الأجزاء ومفترقها، يحشركم الله إلى المحشر للجزاء، أو أينما تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال، يقبض أرواحكم، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلة، يأت بكم الله جميعًا ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة. نَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ\nفيقدر على الإماتة والإحياء والجمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٩ الى ١٥٠]</span>\nوَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)\nوَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ ومن أي مكان خرجت للسفر فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إذا صليت وَإِنَّهُ وإن هذا الأمر لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وقرأ أبو عمرو بالياء والباقون بالتاء.\nوَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل. تعظيم الرسول ﷺ بابتغاء مرضاته، وجري العادة الإِلهية على أن يولي أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها. ودفع حجج المخالفين على ما نبينه. وقرن بكل علة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله تقريبًا وتقريرًا، مع أن القبلة لها شأن.\nوالنسخ من مظان الفتنة والشبهة فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى. لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ علة لقوله فَوَلُّوا، والمعنى أن التولية عن الصخرة إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وأن محمدًا يجحد ديننا ويتبعنا في قبلتنا. والمشركين بأنه يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ استثناء من الناس، أي لئلا يكون لأحد من الناس حجة إلا المعاندين منهم فإنهم يقولون: ما تحول إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه وحبًا لبلده، أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم. وسمى هذه حجة كقوله تعالى: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ لأنهم يسوقونها","vol":"1","page":113},{"text":"مساقها. وقيل الحجة بمعنى الاحتجاج. وقيل الاستثناء للمبالغة في نفي الحجة رأسًا كقوله:\nوَلاَ عَيْبَ فِيهِم غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنَّ فُلُولٌ من قراع الكتائب\nللعلم بأن الظالم لا حجة له، وقرئ: «إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ» . على أنه استئناف بحرف التنبيه. فَلا تَخْشَوْهُمْ فلا تخافوهم، فإن مَطَاعِنِهم لا تضركم. وَاخْشَوْنِي فلا تخالفوا ما أمرتكم به. وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ علة محذوف أي وأمرتكم لإِتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتدائكم، أو عطف على علة مقدرة مثل: واخشوني لأحفظكم منهم ولأُتم نعمتي عليكم، أو لئلا يكون\nوفي الحديث «تمام النعمة دخول الجنة» .\nوعن علي رضي الله تعالى عنه «تمام النعمة الموت على الإسلام» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥١ الى ١٥٢]</span>\nكَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)\nكَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ متصل بما قبله، أي ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة، أو في الآخرة كما أتممتها بإرسال رسول منكم، أو بما بعده كما ذكرتكم بالإِرسال فاذكروني. يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ يحملكم على ما تصيرون به أزكياء، قدمه باعتبار القصد وأخره في دعوة إبراهيم ﵇ باعتبار الفعل وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ بالفكر والنظر، إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي، وكرر الفعل ليدل على أنه جنس آخر.\nفَاذْكُرُونِي بالطاعة. أَذْكُرْكُمْ بالثواب. وَاشْكُرُوا لِي ما أنعمت به عليكم. وَلا تَكْفُرُونِ يجحد النعم وعصيان الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٣ الى ١٥٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لاَّ تَشْعُرُونَ (١٥٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ عن المعاصي وحظوظ النفس، وَالصَّلاةِ التي هي أم العبادات ومعراج المؤمنين، ومناجاة رب العالمين. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصر وإجابة الدعوة. وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ أي هم أموات بَلْ أَحْياءٌ أي بل هم أحياء. وَلكِنْ لاَّ تَشْعُرُونَ ما حالهم، وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي، وعن الحسن (إن الشهداء أحياء عند ربهم تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوًا وعشيًا فيصل إليهم الألم والوجع) . والآية نزلت في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر، وفيها دلالة على أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن تبقى بعد الموت داركة، وعليه جمهور الصحابة والتابعين، وبه نطقت الآيات والسنن، وعلى هذا فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله تعالى، ومزيد البهجة والكرامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٥]</span>\nوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)\nوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ولنصيبنكم إصابة من يختبر لأحوالكم، هل تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء؟\nبِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ أي بقليل من ذلك، وإنما قلله بالإضافة إلى ما وقاهم منه ليخفف عليهم، ويريهم أن رحمته لا تفارقهم، أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة، وإنما أخبرهم به قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ عطف شيء، أو الخوف، وعن الشافعي رضي","vol":"1","page":114},{"text":"الله عنه الخوف: خوف الله، والجوع: صوم رمضان، والنقص: من الأموال الصدقات والزكوات، ومن الأنفس: الأمراض، ومن: الثمرات موت الأولاد.\nوعن النبي ﷺ «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم روح ولد عبدي؟ فيقولون نعم، فيقول الله: أقبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون نعم، فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد» .\nوَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٦ الى ١٥٧]</span>\nالَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)\nالَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ الخطاب للرسول ﷺ، أو لمن تتأتى منه البشارة. والمصيبة تعم ما يصيب الإِنسان من مكروه،\nلقوله ﵊: «كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة»\n. وليس الصبر بالاسترجاع باللسان، بل به وبالقلب بأن يتصور ما خلق لأجله، وأنه راجع إلى ربه، ويتذكر نعم الله عليه ليرى أن ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه، ويستسلم له.\nوالمبشر به محذوف دل عليه.\nأُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ الصلاة في الأصل الدعاء، ومن الله تعالى التزكية والمغفرة.\nوجمعها للتنبيه على كثرتها وتنوعها. والمراد بالرحمة اللطف والإِحسان.\nوعن النبي ﷺ «من استرجع عند المصيبة، جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحًا يرضاه»\nوَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ للحق والصواب حيث استرجعوا وسلموا لقضاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]</span>\nإِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)\nإِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ هما علما جبلين بمكة. مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ من أعلام مناسكه، جمع شعيرة وهي العلامة فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ الحج لغة القصد، والاعتمار الزيارة. فغلبا شرعًا على قصد البيت وزيارته على الوجهين المخصوصين. فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما كان إساف على الصفا ونائلة على المروة، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما. فلما جاء الإِسلام وكسرت الأصنام تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك فنزلت. والإِجماع على أنه مشروع في الحج والعمرة، وإنما الخلاف في وجوبه. فعن أحمد أنه سنة، وبه قال أنس وابن عباس ﵃ لقوله: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ فإنه يفهم منه التخيير وهو ضعيف، لأن نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب، فلا يدفعه. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه واجب، يجبر بالدم. وعن مالك والشافعي رحمهما الله أنه ركن\nلقوله ﵊ «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي»\n. وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا أي فعل طاعة فرضًا كان أو نفلًا، أو زاد على ما فرض الله عليه من حج أو عمرة، أو طواف أو تطوع بالسعي إن قلنا إنه سنة. وخَيْرًا نصب على أنه صفة مصدر محذوف، أو بحذف الجار وإيصال الفعل إليه، أو بتعدية الفعل لتضمنه معنى أتى أو فعل. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب يطوع، وأصله يتطوع فأدغم مثل يطوف فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ مثيب على الطاعة لا تخفى عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٩ الى ١٦٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)\n.","vol":"1","page":115},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ كأحبار اليهود. مَآ أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ كالآيات الشاهدة على أمر محمد ﷺ.\nوَالْهُدى وما يهدي إلى وجوب اتباعه والإِيمان به. مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ لخصناه. فِي الْكِتابِ في التوراة. أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ أي الذين يتأتى منهم اللعن عليهم من الملائكة والثقلين.\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا عن الكتمان وسائر ما يجب أن يتاب عنه وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا بالتدارك. وَبَيَّنُوا ما بينه الله في كتابهم لتتم توبتهم. وقيل ما أحدثوه من التوبة ليمحوا به سمة الكفر عن أنفسهم ويقتدي بهم أضرابهم فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ بالقبول والمغفرة. وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ المبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦١ الى ١٦٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أي ومن لم يتب من الكاتمين حتى مات أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ استقر عليهم اللعن من الله، ومن يعتد بلعنه من خلقه. وقيل الأول لعنهم أحياء، وهذا لعنهم أمواتا. وقرئ و«الملائكةُ والناسُ أجمعون» عطفًا على محل اسم الله لأنه فاعل في المعنى، كقولك أعجبني ضرب زيدٍ وعمرو، أو فاعلًا لفعل مقدر نحو وتلعنهم الملائكة.\nخالِدِينَ فِيها أي في اللعنة، أو النار. وإضمارها قبل الذكر تفخيمًا لشأنها وتهويلًا، أو اكتفاء بدلالة اللعن عليه. لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي لا يمهلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٣]</span>\nوَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)\nوَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ خطاب عام، أي المستحق منكم العبادة واحد لا شريك له يصح أن يعبد أو يسمى إلهًا. لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ تقرير للوحدانية، وإزاحة لأن يتوهم أن في الوجود إلهًا ولكن لا يستحق منهم العبادة.\nالرَّحْمنُ الرَّحِيمُ كالحجة عليها، فإنه لما كان مولى النعم كلها أصولها وفروعها وما سواه إما نعمة أو منعم عليه لم يستحق العبادة أحد غيره، وهما خبران آخران لقوله إلهكم، أو لمبتدأ محذوف. قيل لما سمعه المشركون تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقًا فائت بآية نعرف بها صدقكك فنزلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٤]</span>\nإِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)\nإِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إنما جمع السموات وأفرد الأرض، لأنها طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين. وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ تعاقبهما كقوله تعالى: جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً. وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ أي بنفعهم، أو بالذي ينفعهم، والقصد به إلى الاستدلال بالبحر وأحواله، وتخصيص الْفُلْكِ بالذكر لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه، ولذلك قدمه على ذكر المطر والسحاب، لأن منشأهما البحر في غالب الأمر، وتأنيث الْفُلْكِ لأنه بمعنى السفينة.\nوقرئ بضمتين على الأصل، أو الجمع وضمة الجمع غير ضمة الواحد عند المحققين. وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ مِنْ الأولى للإِبتداء، والثانية للبيان. والسماء يحتمل الفلك والسحاب وجهة العلو. فَأَحْيا بِهِ","vol":"1","page":116},{"text":"الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها\nبالنبات وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ عطف على أنزل، كأنه استدل بنزول المطر وتكوين النبات به وبث الحيوانات في الأرض، أو على أحيا فإن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحياة. والبث النشر والتفريق. وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ في مهابها وأحوالها، وقرأ حمزة والكسائي على الإِفراد. وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا ينزل ولا يتقشع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله تعالى.\nوقيل: مسخر الرياح تقلبه في الجو بمشيئة الله تعالى، واشتقاقه من السحب لأن بعضه يجر بعضًا. لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون عقولهم،\nوعنه ﷺ «ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها»\nأي لم يتفكر فيها.\nواعلم أن دلالة هذه الآيات على وجود الإله ووحدته من وجوه كثيرة يطول شرحها مفصلًا، والكلام المجمل أنها: أمور ممكنة وجد كل منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة، وأنحاء مختلفة، إذ كان من الجائز مثلًا أن لا تتحرك السموات، أو بعضها كالأرض وأن تتحرك بعكس حركاتها، وبحيث تصير المنطقة دائرة مارة بالقطبين، وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلًا، وعلى هذا الوجه لبساطتها وتساوي أجزائها، فلا بد لها من موجد قادر حكيم، يوجدها على ما تستدعيه حكمته وتقتضيه مشيئته، متعاليًا عن معارضة غيره. إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه الآخر. فإن توافقت إرادتهما: فالفعل إن كان لهما، لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وإن كان لأحدهما، لزم ترجيح الفاعل بلا مرجح وجز الآخر المنافي لآلهيته. وإن اختلفت: لزم التمانع والتطارد، كما أشار إليه بقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا. وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام وأهله، وحث على البحث والنظر فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٥]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا من الأصنام. وقيل من الرؤساء الذين كانوا يطيعونهم لقوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ولعل المراد أعم منهما وهو ما يشغله عن الله يُحِبُّونَهُمْ يعظمونهم ويطيعونهم كَحُبِّ اللَّهِ كتعظيمه والميل إلى طاعته، أي يسوون بينه وبينهم في المحبة والطاعة، والمحبة: ميل القلب من الحب، استعير لحبة القلب، ثم اشتق منه الحب لأنه أصابها ورسخ فيها، ومحبة العبد لله تعالى إرادة طاعته والإِعتناء بتحصيل مراضيه، ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة، وصونه عن المعاصي. وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ لأنه لا تنقطع محبتهم لله تعالى، بخلاف محبة الأنداد فإنها لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب، ولذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم إلى الله تعالى عند الشدائد، ويعبدون الصنم زمانًا ثم يرفضونه إلى غيره.\nوَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا باتخاذ الأنداد إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ إِذ عاينوه يوم القيامة. وأجرى المستقبل مجرى الماضي لتحققه كقوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ.\nأَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ساد مسد مفعولي يَرَى، وجواب لَوْ محذوف. أي لو يعلمون أن القوة لله جميعًا إِذا عاينوا العذاب لندموا أشد الندم. وقيل هو متعلق الجواب والمفعولان محذوفان، والتقدير: ولو يرى الذين ظلموا أندادهم لا تنفع، لعلموا أن القوة لله كلها لا ينفع ولا يضر غيره. وقرأ ابن عامر ونافع ويعقوب: و«لو ترى» على أنه خطاب للنبي ﷺ، أي ولو ترى ذلك لرأيت أمرًا عظيمًا، وابن عامر: «إِذْ يَرَوْنَ» على البناء للمفعول، ويعقوب إنٍ بالكسر وكذا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ على الاستئناف، أو إضمار القول.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٦ الى ١٦٧]</span>\nإِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)\nإِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا بدل من إِذْ يَرَوْنَ، أي إِذ تبرأ المتبوعون من الأتباع. وقرئ بالعكس، أي تبرأ الأتباع من الرؤساء وَرَأَوُا الْعَذابَ أي رائين له، والواو للحال، وقد مضمرة. وقيل عطف على تبرأ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ يحتمل العطف على تبرأ، أو رأوا والواو للحال، والأول أظهر. والْأَسْبابُ: الوصل التي كانت بينهم من الاتَّباع والاتفاق على الدين، والأغراض الداعية إلى ذلك. وأصل السبب: الحبل الذي يرتقي به الشجر. وقرئ وتَقَطَّعَتْ على البناء للمفعول.\nوَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا لَوْ للتمني ولذلك أجيب بالفاء، أي ليت لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم كَذلِكَ مثل ذلك الآراء الفظيع. يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ نَدامات، وهي ثالث مفاعيل يرى أن كان من رؤية القلب وإِلاَّ فحال وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ أصله وما يخرجون، فعدل به إلى هذه العبارة، للمبالغة في الخلود والأقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٨]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس، وحلالًا مفعول كلوا، أو صفة مصدر محذوف، أو حال مما في الأرض ومن للتبعيض إِذ لا يؤكل كل ما في الأرض طَيِّبًا يستطيبه الشرع، أو الشهوة المستقيمة. إذ الحلال دل على الأول. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ لا تقتدوا به في اتباع الهوى فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والبزي وأبو بكر حيث وقع بتسكين الطاء وهما لغتان في جمع خطوة، وهي ما بين قدمي الخاطي. وقرئ بضمتين وهمزة جعلت ضمة الطاء كأنها عليها، وبفتحتين على أنه جمع خطوة وهي المرة من الخطو إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه، ولذلك سماه وليًا في قوله تعالى:\nأَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>[سورة البقرة (٢): آية ١٦٩]</span>\nإِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (١٦٩)\nإِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ بيان لعداوته، ووجوب التحرز عن متابعته. واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تسفيهًا لرأيهم وتحقيرًا لشأنهم، والسوء والفحشاء ما أنكره العقل واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين فإنه سوء لاغتمام العاقل به، وفحشاء باستقباحه إياه. وقيل: السوء يعم القبائح، والفحشاء ما يتجاوز الحد في القبح من الكبائر. وقيل: الأول ما لا حد فيه، والثاني ما شرع فيه الحد وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ كاتخاذ الأنداد وتحليل المحرمات وتحريم الطيبات، وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأسًا. وأما اتباع المجتهد لما أدى إليه ظن مستند إلى مدرِك شرعي فوجوبه قطعي، والظن في طريقه كما بيناه في الكتب الأصولية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٠]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠)","vol":"1","page":118},{"text":"وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ الضمير للناس، وعدل بالخطاب عنهم للنداء على ضلالهم، كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون. قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ما وجدناهم عليه نزلت في المشركين أمروا باتباع القرآن وسائر ما أنزل الله من الحجج والآيات، فجنحوا إلى التقليد. وقيل في طائفة من اليهود دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإِسلام، فقالوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عليه آباءنا لأنهم كانوا خير منا وأعلم. وعلى هذا فيعم ما أنزل الله التوراة لأنها أيضًا تدعو إلى الإسلام. أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ الواو للحال، أو العطف. والهمزة للرد والتعجيب. وجواب لَوْ محذوف أي لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين، ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم. وهو دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد. وأما اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما أنه محق كالأنبياء والمجتهدين في الأحكام، فهو في الحقيقة ليس بتقليد بل اتباع لما أنزل الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>[سورة البقرة (٢): آية ١٧١]</span>\nوَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)\nوَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لاَ يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً على حذف مضاف تقديره: ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق، أو مثل الذين كفروا كمثل بهائم الذي ينعق. والمعنى أن الكفرة لانهماكهم في التقليد لا يلقون أذهانهم إلى ما يتلى عليهم، ولا يتأملون فيما يقرر معهم، فهم في ذلك كالبهائم التي ينعق عليها فتسمع الصوت ولا تعرف مغزاه، وتحس بالنداء ولا تفهم معناه. وقيل هو تمثيلهم في اتباع آبائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها، بالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفهم ما تحته. أو تمثيلهم في دعائهم الأصنام، بالناعق في نعقه وهو التصويت على البهائم، وهذا يغني الإضمار ولكن لا يساعده قوله إلا دعاء ونداء، لأن الأصنام لا تسمع إلا أن يجعل ذلك من باب التمثيل المركب.\nصُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ رفع على الذم. فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ أي بالفعل للإخلال بالنظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ لما وسع الأمر على الناس كافة وأباح لَهُمْ مَّا فِى الأرض سوى ما حرم عليهم، أمر المؤمنين منهم أن يتحروا طيبات ما رزقوا ويقوموا بحقوقها فقال:\nوَاشْكُرُوا لِلَّهِ على ما رزقكم وأحل لكم. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إن صح أنكم تخصونه بالعبادة، وتقرون أنه مولى النعم، فإن عبادته تعالى لا تتم إلا بالشكر. فالمعلق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإِتمامه، وهو عدم عند عدمه.\nوعن النبي ﷺ «يقول الله تعالى: إني والإِنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٣]</span>\nإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)\nإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ أكلها، أو الانتفاع بها. وهي التي ماتت من غير ذكاة. والحديث ألحق بها ما أبِيْنَ من حي. والسمك والجراد أخرجهما العرف عنها، أو استثناه الشرع. والحرمة المضافة إلى العين تفيد عرفًا حرمة التصرف فيها مطلقًا إلا ما خصه الدليل، كالتصرف في المدبوغ. وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ إِنما خص اللحم بالذكر، لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه كالتابع له. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي رفع به","vol":"1","page":119},{"text":"الصوت عند ذبحه للصنم. والإِهلال أصله رؤية الهلال، يقال: أهل الهلال وأهللته. لكن لما جَرت العادة أن يرفع الصوت بالتكبير إذا رؤي سمي ذلك إهلالًا، ثم قيل لرفع الصوت وإن كان لغيره. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ بالاستيثار على مضطر آخر. وقرأ عاصم وأبو عمرو حمزة بكسر النون. وَلا عادٍ سد الرمق، أو الجوعة. وقيل غير باغ على الوالي. ولا عاد بقطع الطريق. فعلى هذا لا يباح للعاصي بالسفر وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول أحمد رحمهما الله تعالى. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في تناوله. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما فعل رَحِيمٌ بالرخصة فيه. فإن قيل: إنما تفيد قصر الحكم على ما ذكر وكم من حرام لم يذكر. قلت: المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقًا، أو قصر حرمته على حال الاختيار كأنه قيل إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٤ الى ١٧٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا عوضًا حقيرًا. أُولئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ إما في الحال، لأنهم أكلوا ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار كقوله:\nأَكَلْتُ دَمًا إِنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضرة ... بَعِيدة مَهوى القِرطِ طيبة النَّشر\nيعني الدية. أو في المآل أي لا يأكلون يوم القيامة إلا النار. ومعنى في بطونهم: ملء بطونهم. يقال أكل في بطنه وأكل في بعض بطنه كقوله:\nكُلوا في بَعضِ بَطنِكَمو تُعفُوا وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عبارة عن غضبه عليهم، وتعريض بحرمانهم حال مقابليهم في الكرامة والزلفى من الله. وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يثني عليهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم.\nأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى في الدنيا. وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ في الآخرة، بكتمان الحق للمطامع والأغراض الدنيوية. فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ تعجب من حالهم في الالتباس بموجبات النار من غيره مبالاة. وما تامة مرفوعة بالابتداء، وتخصيصها كتخصيص قولهم:\nشَرٌّ أَهَر ذَا نَابٍ أو استفهامية وما بعدها الخبر، أو موصولة وما بعدها صلة والخبر محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٦]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق فرفضوه بالتكذيب أو الكتمان. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ اللام فيه إما للجنس، واختلافهم إيمانهم ببعض كتب الله تعالى وكفرهم ببعض. أو للعهد، والإِشارة إما إلى التوراة، واختلفوا بمعنى تخلفوا عن المنهج المستقيم في تأويلها، أو خلفوا خلال ما أنزل الله تعالى مكانه، أي حرفوا ما فيها. وإما إلى القرآن واختلافهم فيه قولهم سحر، وَتَقوَّلَ، وكلام علمه بشر، وأساطير الأولين. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ لفي خلاف بعيد عن الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٧]</span>\nلَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)","vol":"1","page":120},{"text":"لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الْبِرَّ كل فعل مرضٍ، والخطاب لأهل الكتاب فإنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت، وادعى كل طائفة أن البر هو التوجه إلى قبلته، فرد الله تعالى عليهم وقال ليس البر ما أنتم عليه فإنه منسوخ، ولكن البر ما بينه الله واتبعه المؤمنون. وقيل عام لهم وللمسلمين، أي ليس البر مقصورًا بأمر القبلة، أو ليس البر العظيم الذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمرها، وقرأ حمزة وحفص البر بالنصب وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ أي ولكن البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن بالله، أو لكن ذا البر من آمن، ويؤيده قراءة من قرأ ولكن «البار» . والأول أوفق وأحسن. والمراد بالكتاب الجنس، أو القرآن. وقرأ نافع وابن عامر وَلكِنَّ بالتخفيف ورفع الْبِرَّ. وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ أي على حب المال،\nقال ﵊ لما سئل أي الصدقة أفضل قال «أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش، وتخشى الفقر»\n. وقيل الضمير لله، أو للمصدر.\nوالجار والمجرور في موضع الحال. ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى يريد المحاويج منهم، ولم يقيد لعدم الالتباس.\nوقدم ذوي القربى لأن إيتاءهم أفضل كما\nقال ﵊ «صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذوي رحمك اثنتان، صدقة وصلة»\n. وَالْمَساكِينَ جمع المسكين وهو الذي أسكنته الخلة، وأصله دائم السكون كالمسكير للدائم السكر. وَابْنَ السَّبِيلِ المسافر، سمي به لملازمته السبيل كما سمي القاطع ابن الطريق.\nوقيل الضيف لأن السبيل يرعف به. وَالسَّائِلِينَ الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال،\nوقال ﵇ «للسائل حق وإن جاء على فرسه»\n. وَفِي الرِّقابِ وفي تخليصها بمعاونة المكاتبين، أو فك الأساري، أو ابتياع الرقاب لعتقها. وَأَقامَ الصَّلاةَ المفروضة. وَآتَى الزَّكاةَ يحتمل أن يكون المقصود منه ومن قوله:\nوَآتَى الْمالَ الزكاة المفروضة، ولكن الغرض من الأول بيان مصارفها، ومن الثاني أداؤها والحث عليها.\nويحتمل أن يكون المراد بالأول نوافل الصدقات أو حقوقًا كانت في المال سوى الزكاة.\nوفي الحديث «نسخت الزكاة كل صدقة»\n. وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا عطف على مَنْ آمَنَ. وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ نصبه على المدح ولم يعطف لفضل الصبر على سائر الأعمال. وعن الأزهري: البأساء في الأموال كالفقر، والضراء في الأنفس كالمرض. وَحِينَ الْبَأْسِ وقت مجاهدة العدو. أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في الدين واتباع الحق وطلب البر. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ عن الكفر وسائر الرذائل. والآية كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، دالة عليها صريحا أو ضمنا، فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء:\nصحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس. وقد أشير إلى الأول بقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ إلى وَالنَّبِيِّينَ. وإلى الثاني بقوله: وَآتَى الْمالَ إلى وَفِي الرِّقابِ وإلى الثالث بقوله: وَأَقامَ الصَّلاةَ إلى آخرها ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا إلى إيمانه واعتقاده بالتقوى، اعتبارا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق. وإليه أشار\nبقوله ﵇ «من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان»\n. <span data-type=\"title\" id=toc-176>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء، وكان لأحدهما طَول على الآخر، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد","vol":"1","page":121},{"text":"والذكر بالأنثى. فلما جاء الإِسلام تحاكموا إلى رسول الله ﷺ فنزلت، وأمرهم أن يتباوءوا. ولا تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى، كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم وقد بيّنا ما كان الغرض وإنما منع مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما. قتل الحر بالعبد سواء كان عبده أو عبد غيره، لما\nروي عن علي رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا قتل عبده فجلده الرسول ﷺ ونفاه سنة ولم يقده به.\nوروي عنه أنه قال: من السنة أن لا يقتل مسلم بذي عهد ولا حر بعبد\nولأن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة من غير نكير.\nوللقياس على الأطراف، ومن سلم دلالته فليس له دعوى نسخه بقوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ لأنه حكاية ما في التوراة فلا ينسخ ما في القرآن. واحتجت الحنفية به على أن مقتضى العمد القود وحده، وهو ضعيف إذ الواجب على التخيير يصدق عليه أنه وجب وكتب، ولذلك قيل التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخًا لوجوبه. وقرئ «كَتَبَ» على البناء للفاعل و«القصاص» بالنصب، وكذلك كل فعل جاء في القرآن. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ أي شيء من العفو، لأن عفا لازم. وفائدته الإِشعار بأن بعض العفو كالعفو التام في إِسقاط القصاص. وقيل عفا بمعنى ترك، وشيء مفعول به وهو ضعيف، إذ لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه بل أعفاه. وعفا يعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب، قال الله تعالى عَفَا اللَّهُ عَنْكَ وقال عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ. فإذا عدي به إلى الذنب عدي إلى الجاني باللام وعليه ما في الآية كأنه قيل: فمن عفي له عن جنايته من جهة، أخيه، يعني ولي الدم. وذكره بلفظ الإِخوة الثابتة بينهما من الجنسية والإِسلام ليرق له ويعطف عليه. فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أي فليكن اتباع، أو فالأمر اتباع. والمراد به وصية العافي بأن يطلب الدية بالمعروف فلا يعنف، والمعفو عنه بأن يؤديها بالإِحسان: وهو أن لا يمطل ولا يبخس. وفيه دليل على أن الدية أحد مقتضى العمد، وإلا لما رتب الأمر بأدائها على مطلق العفو. وللشافعي رضي الله تعالى عنه في المسألة قولان. ذلِكَ أي الحكم المذكور في العفو والدية. تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ لما فيه من التسهيل والنفع، قيل كتب على اليهود القصاص وحده، وعلى النصارى العفو مطلقًا. وخيرت هذه الأمة بينهما وبين الدية تيسيرًا عليهم وتقديرًا للحكم على حسب مراتبهم. فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ أي قتل بعد العفو وأخذ الدية. فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة. وقيل في الدنيا بأن يقتل لا محالة\nلقوله ﵇ «لا أعافي أحدًا قتل بعد أخذه الدية»\n. <span data-type=\"title\" id=toc-177>[سورة البقرة (٢): آية ١٧٩]</span>\nوَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)\nوَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ كلام في غاية الفصاحة والبلاغة من حيث جعل الشيء محل ضده، وعرف القصاص ونكر الحياة، ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم نوعًا من الحياة عظيمًا، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل، فيكون سبب حياة نفسين. ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل، والجماعة بالواحد، فتثور الفتنة بينهم. فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون فيكون ذلك سببًا لحياتهم. وعلى الأول فيه إضمار وعلى الثاني تخصيص. وقيل: المراد بها الحياة الأخروية، فإن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤاخذ به في الآخرة. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ يحتمل أن يكونا خيرين لحياة وأن يكون أحدهما خبرًا والآخر صلة له، أو حالًا من الضمير المستكن فيه. وقرئ في «القصص» أي فيما قص عليكم من حكم القتل حياة، أو في القرآن حياة للقلوب. يا أُولِي الْأَلْبابِ ذوي العقول الكاملة. ناداهم للتأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ في المحافظة على القصاص والحكم به والإِذعان له، أو عن القصاص فتكفوا عن القتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٠]</span>\nكُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)","vol":"1","page":122},{"text":"كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي حضرت أسبابه وظهرت أماراته. إِنْ تَرَكَ خَيْرًا أي مالًا.\nوقيل مالًا كثيرًا، لما\nروي عن علي رضي الله تعالى عنه: أن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة درهم، فمنعه وقال قال الله تعالى\nإِنْ تَرَكَ خَيْرًا والخير هو المال الكثير.\nوعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رجلًا أراد أن يوصي فسألته كم مالك، فقال: ثلاثة آلاف فقالت: كم عيالك قال: أربعة قالت: إنما قال الله تعالى\nإِنْ تَرَكَ خَيْرًا وأن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك. الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ مرفوع بكتب، وتذكير فعلها للفصل، أو على تأويل أن يوصي، أو الإِيصاء ولذلك ذكر الراجع في قوله: فَمَنْ بَدَّلَهُ.\nوالعامل في إذا مدلول كتب لا الوصية لتقدمه عليها. وقيل مبتدأ خبره لِلْوالِدَيْنِ، والجملة جواب الشرط بإضمار الفاء كقوله:\nمَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ الله يشكُرَها ... وَالشَّرُّ بِالشَّرِ عِنْدَ الله مِثْلانِ\nوَرُّدَّ بأنه إن صح فمن ضرورات الشعر. وكان هذا الحكم في بدء الإسلام فنسخ بآية المواريث\nوبقوله ﵊ «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث»\n. وفيه نظر: لأن آية المواريث لا تعارضه بل تؤكده من حيث إنها تدل على تقديم الوصية مطلقًا، والحديث من الآحاد، وتلقي الأمة له بالقبول لا يحلقه بالمتواتر. ولعله احترز عنه من فسر الوصية بما أوصى به الله من توريث الوالدين والأقربين بقوله يُوصِيكُمُ اللَّهُ. أو بإيصاء المحتضر لهم بتوفير ما أوصى به الله عليهم بِالْمَعْرُوفِ بالعدل فلا يفضل الغنى، ولا يتجاوز الثلث. حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ مصدر مؤكد أي حق ذلك حقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨١ الى ١٨٢]</span>\nفَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)\nفَمَنْ بَدَّلَهُ غيره من الأوصياء والشهود. بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي وصل إليه وتحقق عنده، فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ فما إثم الإِيصاء المغير أو التبديل، إلا على مبدليه لأنهم الذين خافوا وخالفوا الشرع.\nإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وعيد للمبدل بغير حق.\nفَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ أي توقع وعلم، من قولهم أخاف أن ترسل السماء. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر مُوصٍ مشددًا. جَنَفًا ميلًا بالخطأ في الوصية. أَوْ إِثْمًا تعمدًا للحيف. فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ بين الموصى لهم بإجرائهم على نهج الشرع. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في هذا التبديل، لأنه تبديل باطل إلى حق بخلاف الأول. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعد للمصلح، وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإِثم وكون الفعل من جنس ما يؤثم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني الأنبياء والأمم من لدن آدم ﵇، وفيه توكيد للحكم وترغيب في الفعل وتطييب على النفس. والصوم في اللغة: الإِمساك عما تنازع إليه النفس، وفي الشرع: الإِمساك عن المفطرات بياض النهار، فإنها معظم ما تشتهيه النفس. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ المعاصي فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدؤها كما\nقال ﵊ «فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء»\nأو الإِخلال بأدائه لأصالته وقدمه.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٤]</span>\nأَيَّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)\nأَيَّامًا مَعْدُوداتٍ مؤقتات بعدد معلوم، أو قلائل. فإن القليل من المال يعد عدا والكثير يهال هيلًا، ونصبها ليس بالصيام لوقوع الفصل بينهما بل بإضمار صوموا لدلالة الصيام عليه، والمراد بها رمضان أو ما وجب صومه قبل وجوبه ونسخ به، وهو عاشوراء أو ثلاثة أيام من كل شهر، أو بكما كتب على الظرفية، أو على أنه مفعول ثان ل كُتِبَ عَلَيْكُمُ على السعة. وقيل معناه صومكم كصومهم في عدد الأيام، لما\nروي:\nأن رمضان كتب على النصارى، فوقع في برد أو حر شديد فحولوه إلى الربيع وزادوا عليه عشرين كفارة لتحويله\n. وقيل زادوا ذلك لموتان- أصابهم. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا مرضًا يضره الصوم أو يعسر معه. أَوْ عَلى سَفَرٍ أو راكب سفر، وفيه إيماء إلى أن من سافر أثناء اليوم لم يفطر. فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي فعليه صوم عدد أيام المرض، أو السفر من أيام أخر إن أفطر، فحذف الشرط والمضاف والمضاف إليه للعلم بها.\nوقرئ بالنصب أي فليصم عدة، وهذا على سبيل الرخصة. وقيل على الوجوب وإليه ذهب الظاهرية وبه قال أبو هريرة ﵁ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ وعلى المطيقين للصيام إن أفطروا. فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند فقهاء العراق، ومد عند فقهاء الحجاز. رخص لهم في ذلك أول الأمر لما أمروا بالصوم فاشتد عليهم لأنهم لم يتعودوه، ثم نسخ. وقرأ نافع وابن عامر برواية ابن ذكوان بإضافة الفدية إلى الطعام وجمع «المساكين» . وقرأ ابن عامر برواية هشام «مساكين» بغير إضافة الفدية إلى الطعام، والباقون بغير إضافة وتوحيد مسكين، وقرئ «يطوقونه» أي يكلفونه ويقلدونه في الطوق بمعنى الطاقة أو القلادة ويتطوقونه أي يتكلفونه، أو يتقلدونه ويطوقونه بالإِدغام، و«يطيقونه» و«يطيقونه» على أن أصلهما يطيوقونه ويتطوقونه من فيعل وتفعيل بمعنى يطوقونه ويتطوقونه، وعلى هذه القراءات يحتمل معنى ثانيًا وهو الرخصة لمن يتعبه الصوم ويجهده. وهم الشيوخ والعجائز. في الإِفطار والفدية، فيكون ثابتًا وقد أول به القراءة المشهورة، أي يصومونه جهدهم وطاقتهم. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فزاد في الفدية. فَهُوَ فالتطوع أو الخير. خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا أيها المطيقون، أو المطوقون وجهدتم طاقتكم. أو المرخصون في الإِفطار ليندرج تحته المريض والمسافر. خَيْرٌ لَكُمْ من الفدية أو تطوع الخير أو منهما ومن التأخير للقضاء. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما في الصوم من الفضيلة وبراءة الذمة، وجوابه محذوف دل عليه ما قبله أي اخترتموه. وقيل معناه إن كنتم من أهل العلم والتدبر علمتم أن الصوم خير لكم من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٥]</span>\nشَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)\nشَهْرُ رَمَضانَ مبتدأ خبره ما بعده، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلكم شهر رمضان، أو بدل من الصيام على حذف المضاف أي كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان. وقرئ بالنصب على إضمار صوموا، أو على أنه مفعول، وَأَنْ تَصُومُوا وفيه ضعف، أو بدل من أيام معدودات. والشهر: من الشهرة، ورمضان: مصدر رمض إذا احترق فأضيف إليه الشهر وجعل علمًا ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون، كما منع دأية في ابن دأية علمًا للغراب للعلمية والتأنيث،\nوقوله ﵊ «من صام رمضان»\nفعلى حذف المضاف لأمن الالتباس، وإنما سموه بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو لوقوعه أيام رمض الحر حين ما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة. الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ","vol":"1","page":124},{"text":"الْقُرْآنُ\nأي ابتدئ فيه إنزاله، وكان ذلك ليلة القدر، أو أنزل فيه جملة إلى سماء الدنيا ثم نزل منجمًا إلى الأرض، أو أنزل في شأنه القرآن وهو قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ.\nوعن النبي ﷺ «نزلت صحف إبراهيم ﵇ أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإِنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين»\nوالموصول بصلته خبر المبتدأ أو صفته والخبر فمن شهد، والفاء لوصف المبتدأ بما تضمن معنى الشرط. وفيه إشعار بأن الإنزال فيه سبب اختصاصه بوجوب الصوم. هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ حالان من القرآن، أن أنزل وهو هداية للناس بإعجازه وآيات واضحات مما يهدي إلى الحق، ويفرق بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والأحكام. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافرًا فليصم فيه، والأصل فمن شهد فيه فليصم فيه، لكن وضع المظهر موضع المضمر الأول للتعظيم، ونصب على الظرف وحذف الجار ونصب الضمير الثاني على الاتساع. وقيل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ هلال الشهر فليصمه، على أنه مفعول به كقولك: شهدت الجمعة أي صلاتها فيكون وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مخصصًا له، لأن المسافر والمريض ممن شهد الشهر ولعل تكريره لذلك، أو لئلا يتوهم نسخه كما نسخ قرينه. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ أي يريد أن ييسر عليكم ولا يعسر عليكم، فلذلك أباح الفطر في السفر والمرض. وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علل لفعل محذوف دل عليه ما سبق، أي وشرع جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر والمرخص بالقضاء ومراعاة عدة ما أفطر فيه، والترخيص وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ إلى آخرها على سبيل اللف، فإن قوله وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ علة الأمر بمراعاة العدة، وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ علة الأمر بالقضاء وبيان كيفيته، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علة الترخيص والتيسير. أو الأفعال كل لفعله، أو معطوفة على علة مقدرة مثل ليسهل عليكم، أو لتعلموا ما تعلمون ولتكملوا العدة، ويجوز أن يعطف على اليسر أي ويريد بكم لتكملوا كقوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ. والمعنى بالتكبير تعظيم الله بالحمد والثناء عليه، ولذلك عدى بعلى. وقيل تكبير يوم الفطر، وقيل التكبير عند الإهلال وما يحتمل المصدر، والخبر أي الذي هداكم إليه وعن عاصم برواية أبي بكر وَلِتُكْمِلُوا بالتشديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]</span>\nوَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)\nوَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أي فقل لهم إني قريب، وهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم،\nروي: أن أعرابيًا قال لرسول الله ﷺ أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت\nأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ تقرير للقرب. ووعد للداعي بالإجابة.\nفَلْيَسْتَجِيبُوا لِي إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أجيبهم إذا دعوني لمهماتهم وَلْيُؤْمِنُوا بِي أمر بالثبات والمداومة عليه. لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ راجين إصابة الرشد وهو إصابة الحق. وقرئ بفتح الشين وكسرها.\nواعلم أنه تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة، وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقبه بهذه الآية الدالة على أنه تعالى خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم تأكيدًا له وحثًا عليه، ثم بين أحكام الصوم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٧]</span>\nأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)","vol":"1","page":125},{"text":"أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ\nروي أن المسلمين كانوا إذا أمسوا حل لهم الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلوا العشاء الآخرة أو يرقدوا، ثم: أن عمر ﵁ باشر بعد العشاء فندم وأتى النبي ﷺ واعتذر إليه، فقام رجال واعترفوا بما صنعوا بعد العشاء فنزلت\nوليلة الصيام: الليلة التي تصبح منها صائمًا، والرفث: كناية عن الجماع، لأنه لا يكاد يخلو من رفث وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، وعدي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء، وإيثاره هاهنا لتقبيح ما ارتكبوه ولذلك سماه خيانة. وقرئ «الرفوث» هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ استئناف يبين سبب الإِحلال وهو قلة الصبر عنهن، وصعوبة اجتنابهن لكثرة المخالطة وشدة الملابسة، ولما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل منهما على صاحبه شبه باللباس قال الجعدي:\nإِذَا مَا الضجِيعُ ثَنَّى عِطْفَهَا ... تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا\nأو لأن كل واحد منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ تظلمونها بتعريضها للعقاب، وتنقيص حظها من الثواب، والاختيان أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب.\nفَتابَ عَلَيْكُمْ لما تبتم مما اقترفتموه. وَعَفا عَنْكُمْ ومحا عنكم أثره. فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ لما نسخ عنكم التحريم وفيه دليل على جواز نسخ السنة بالقرآن، والمباشرة: إلزاق البشرة كني به عن الجماع. وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ واطلبوا ما قدره لكم وأثبته في اللوح المحفوظ من الولد، والمعنى أن المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد فإنه الحكمة من خلق الشهوة. وشرع النكاح لا قضاء الوطر، وقيل النهي عن العزل، وقيل عن غير المأتي. والتقدير وابتغوا المحل الذي كتب الله لكم. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل، بخيطين أبيض وأسود، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله مِنَ الْفَجْرِ عن بيان الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، لدلالته عليه. وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل. ويجوز أن تكون من للتبعيض، فإن ما يبدو بعض الفجر. وما روي أنها نزلت ولم ينزل من الفجر، فعمد رجال إلى خيطين أسود وأبيض ولا يزالون يأكلون ويشربون حتى يتبينا لهم فنزلت، إن صح فلعله كان قبل دخول رمضان وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائزة، أو أكتفي أولًا باشتهارهما في ذلك ثم صرح بالبيان لما التبس على بعضهم وفي تجويز المباشرة إلى الصبح الدلالة على جواز تأخير الغسل إليه وصحة صوم المصبح جنبًا ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ بيان لآخر وقته، الليل عنه فينفي صوم الوصال وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ\nمعتكفون فيها والاعتكاف هو اللبث في المسجد بقصد القربة. والمراد بالمباشرة: الوطء. وعن قتادة كان الرجل يعتكف فيخرج إلى امرأته فيباشرها ثم يرجع فنهوا عن ذلك. وفي دليل على أن الاعتكاف يكون في المسجد ولا يختص بمسجد دون مسجد.\nوأن الوطء يحرم فيه ويفسده لأن النهي في العبادات يوجب الفساد. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي الأحكام التي ذكرت. فَلا تَقْرَبُوها نهى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يداني الباطل، فضلًا عن أن يتخطى عنه. كما\nقال ﵊ «إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه»\n. وهو أبلغ من قوله فَلا تَعْتَدُوها، ويجوز أن يريد ب حُدُودُ اللَّهِ محارمه ومناهيه.\nكَذلِكَ مثل ذلك التبيين يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ مخالفة الأوامر والنواهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٨]</span>\nوَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)","vol":"1","page":126},{"text":"وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ أي ولا يأكل بعضكم مال بعض بالوجه الذي لم يبحه الله تعالى.\nوبين نصب على الظرف، أو الحال من الأموال. وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ عطف على المنهي، أو نصب بإضمار أن والإدلاء الإلقاء، أي ولا تلقوا حكومتها إلى الحكام. لِتَأْكُلُوا بالتحاكم. فَرِيقًا طائفة. مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ بما يوجب إثمًا، كشهادة الزور واليمين الكاذبة، أو ملتبسين بالإثم. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنكم مبطلون، فإن ارتكاب المعصية مع العلم بها أقبح.\nروي أن عبدان الحضرمي ادعى على امرئ القيس الكندي قطعة من أرض ولم يكن له بينة، فحكم رسول الله ﷺ بأن يحلف امرؤ القيس، فهم به فقرأ رسول الله ﷺ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا الآية. فارتدع عن اليمين، وسلم الأرض إلى عبدان، فنزلت\n. وفيه دليل على أن حكم القاضي لا ينفذ باطنًا، ويؤيده\nقوله ﵊ «إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلي\n. ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقضي له قطعة من ناره» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>[سورة البقرة (٢): آية ١٨٩]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ سأله معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم فقالا: (ما بال الهلال يبدو دقيقًا كالخيط، ثم يزيد حتى يستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا) قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ فإنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدل أمره، فأمره الله أن يجيب بأن الحكمة الظاهرة في ذلك أن تكون معالم للناس يؤقتون بها أمورهم، ومعالم للعبادات المؤقتة يعرف بها أوقاتها. وخصوصًا الحج فإن الوقت مراعي فيه أداء وقضاء. والمواقيت: جمع ميقات، من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان: أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها. والزمان: مدة مقسومة، والوقت: الزمان المفروض لأمر. وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وقرأ أبو عمرو وو ورش وحفص بضم الباء، والباقون بالكسر. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وقرأ نافع وابن عامر بتخفيف وَلكِنَّ، ورفع البر. كانت الأنصار إذا أحرموا لم يدخلوا دارًا ولا فسطاطًا من بابه، وإنما يدخلون من نقب أو فرجة وراءه، ويعدون ذلك برًا، فبين لهم أنه ليس ببر وإنما البر:\nبر من اتقى المحارم والشهوات، ووجه اتصاله بما قبله أنهم سألوا عن الأمرين. أو أنه لما ذكر أنها مواقيت الحج وهذا أيضًا من أفعالهم في الحج ذكره للاستطراد، أو أنهم لما سألوا عمّا لا يعنيهم ولا يتعلق بعلم النبوة وتركوا السؤال عما يعنيهم ويختص بعلم النبوة، عقب بذكره جواب ما سألوه تنبيهًا على أن اللائق بهم أن يسألوا أمثال ذلك ويهتموا بالعلم بها، أو أن المراد به التنبيه على تعكيسهم في السؤال بتمثيل حالهم بحال من ترك باب البيت ودخل من ورائه. والمعنى: وليس البر بأن تعكسوا مسائلكم ولكن البر بر من اتقى ذلك ولم يجسر على مثله. وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها إذ ليس في العدول بر فباشروا الأمور من وجوهها. وَاتَّقُوا اللَّهَ في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكي تظفروا بالهدى والبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٠]</span>\nوَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)\nوَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ جاهدوا لإعلاء كلمته وإعزاز دينه. الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ قيل: كان ذلك قبل أن أمروا بقتال المشركين كافة المقاتلين منهم والمحاجزين. وقيل معناه الذين يناصبونكم القتال ويتوقع منهم ذلك دون غيرهم من المشايخ والصبيان والرهبان والنساء، أو الكفرة كلهم فإنهم بصدد قتال المسلمين وعلى قصده. ويؤيد الأول ما\nروى: أن المشركين صدوا رسول الله ﷺ عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع من","vol":"1","page":127},{"text":"قابل فيخلوا له مكة. شرفها الله. ثلاثة أيام، فرجع لعمرة القضاء وخاف المسلمون أن لا يوفوا لهم ويقاتلوهم في الحرم. أو الشهر الحرام وكرهوا ذلك فنزلت\nوَلا تَعْتَدُوا بابتداء القتال، أو بقتال المعاهد، أو المفاجأة به من غير دعوة، أو المثلة، أو قتل من نهيتم عن قتله. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ لا يريد بهم الخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>[سورة البقرة (٢): آية ١٩١]</span>\nوَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١)\nوَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ حيث وجدتموهم في حل أو حرم. وأصل الثقف: الحذق في إدراك الشيء علمًا كان أو عملًا. فهو يتضمن معنى الغلبة ولذلك استعمل فيها قال:\nفأمَّا تَثْقِفُوني فَاقتُلُوني ... فَمَنْ أُثْقُفْ فَلَيْسَ إلى خُلُودِ\nوَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي من مكة، وقد فعل ذلك بمن لم يسلم يوم الفتح. وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ أي المحنة التي يفتتن بها الإنسان، كالإخراج من الوطن أصعب من القتل لدوام تعبها وتألم النفس بها. وقيل: معناه شركهم في الحرم وصدهم إياكم عنه أشد من قتلكم إياهم فيه. وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ أي لا تفاتحوهم بالقتال وهتك حرمة المسجد الحرام. فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فلا تبالوا بقتالهم ثم فإنهم الذين هتكوا حرمته. وقرأ حمزة والكسائي وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ. والمعنى حتى يقتلوا بعضكم كقولهم قتلنا بنو أسد. كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ مثل ذلك جزاؤهم يفعل بهم مثل ما فعلوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٢ الى ١٩٣]</span>\nفَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)\nفَإِنِ انْتَهَوْا عن القتال والكفر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر لهم ما قد سلف وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ شرك وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ خالصًا له ليس للشيطان فيه نصيب. فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك. فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ أي فلا تعتدوا على المنتهين إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم، فوضع العلة موضع الحكم. وسمي جزاء الظلم باسمه للمشاكلة كقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ. أو أنكم إن تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين وينعكس الأمر عليكم، والفاء الأولى للتعقيب والثانية للجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٤]</span>\nالشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)\nالشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ قاتلهم المشركون عام الحديبية في ذي القعدة واتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه، وكرهوا أن يقاتلوهم فيه لحرمته فقيل لهم هذا الشهر بذاك وهتكه بهتكه فلا تبالوا به. وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ احتجاج عليه، أي كل حرمة وهو ما يجب أن يحافظ عليها يجري فيها القصاص. فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم. كما قال: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وهو فذلكة التقرير. وَاتَّقُوا اللَّهَ في الأنصار ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ فيحرسهم ويصلح شأنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٥]</span>\nوَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)\n.","vol":"1","page":128},{"text":"وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا تمسكوا كل الإِمساك. وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بالإسراف وتضييع وجه المعاش، أو بالكف عن الغزو والإِنفاق فيه، فإن ذلك يقوي العدو ويسلطهم على إهلاككم. ويؤيده ما روي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال: لما أعز الله الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها فنزلت، أو بالإمساك وحب المال فإنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد، ولذلك سمي البخل هلاكًا وهو في الأصل انتهاء الشيء في الفساد، والإِلقاء: طرح الشيء، وعدى بإلى لتضمن معنى الانتهاء، والباء مزيدة والمراد بالأيدي الأنفس، والتهلكة والهلاك والهلك واحد فهي مصدر كالتضرة والتسرة، أي لا توقعوا أنفسكم في الهلاك وقيل: معناه لا تجعلوها آخذة بأيديكم، أو لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إليها فحذف المفعول. وَأَحْسِنُوا أعمالكم وأخلاقكم، أو تفضلوا على المحاويج. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٦]</span>\nوَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)\nوَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ أي ائتوا بهما تامين مستجمعي المناسك لوجه الله تعالى، وهو على هذا يدل على وجوبهما ويؤيده قراءة من قرأ وَأَقِيمُواْ الحج والعمرة لِلَّهِ، وما\nروى جابر رضي الله تعالى عنه «أنه قيل يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج، فقال: لا ولكن إن تعتمر خير لك»\nفمعارض بما روي «أن رجلًا قال لعمر رضي الله تعالى عنه، إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ أهللت بهما جميعًا، فقال: هديت لسنة نبيك» ولا يقال إنه فسر وجد أنهما مكتوبين بقوله أهللت بهما فجاز أن يكون الوجوب بسبب إهلاله بهما، لأنه رتب الإِهلال على الوجدان وذلك يدل على أنه سبب الإِهلال دون العكس. وقيل إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، أو أن تفرد لكل منهما سفرًا، أو أن تجرده لهما لا تشوبهما بغرض دنيوي، أو أن تكون النفقة حلالًا. فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ منعتم، يقال حصره العدو وأحصره إذا حبسه ومنعه عن المضي، مثل صده وأصده، والمراد حصر العدو عند مالك والشافعي رحمها الله تعالى لقوله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ ولنزوله في الحديبية، ولقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا حصر إلا حصر العدو وكل منع من عدو أو مرض أو غيرهما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، لما\nروي عنه ﵊ «من كسر أو عرج فقد حل فعليه الحج من قابل»\nوهو ضعيف مؤول بما إذا شرط الإحلال به\nلقوله ﵊ لضباعة بنت الزبير «حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني»\nفَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فعليكم ما استيسر، أو فالواجب ما استيسر. أو فاهدوا ما استيسر. والمعنى إن أحصر المحرم وأراد أن يتحلل تحلل بذبح هدي تيسر عليه، من بدنة أو بقرة أو شاة حيث أحصر عند الأكثر. لأنه ﵊ ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يبعث به، ويجعل للمبعوث على يده يوم أمار فإذا جاء اليوم وظن أنه ذبح تحلل لقوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ محله أي مكانه الذي يجب أن ينحر فيه، وحمل الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل الذبح فيه حلًا كان أو حرمًا، واقتصاره على الهدي دليل على عدم القضاء. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يجب القضاء، والمحل. بالكسر. يطلق على المكان والزمان. والهدي: جمع هدية كجدي وجدية، وقرئ من «الهدى» جمع هدية كمطى في مطية فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا مرضًا يحوجه إلى الحلق.\nأَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ كجراحة وقمل. فَفِدْيَةٌ فعلية فدية إن حلق. مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ بيان لجنس الفدية، وأما قدرها\nفقد روي أنه ﵊ قال لكعب بن عجرة «لعلك آذاك هَوَامُكَ، قال:","vol":"1","page":129},{"text":"نعم يا رسول الله قال: احلق وصم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق على ستة مساكين أو انسك شاة»\nوالفرق ثلاثة آصع فَإِذا أَمِنْتُمْ الإِحصار. أو كنتم في حال سعة وأمن. فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمن استمتع وانتفع بالتقرب إلى الله بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره. وقيل: فمن استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الإِحرام إلى أن يحرم بالحج. فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فعليه دم استيسره بسبب التمتع، فهو دم جبر أن يذبحه إذا أحرم بالحج ولا يأكل منه. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى، إنه ندم نسك فهو كالأضحية فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أي الهَدي. فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ في أيام الاشتغال به بعد الإِحرام وقبل التحلل. قال أبو حنيفة ﵀ في أشهره بين الإحرامين، والأَحب أن يصوم سابع ذي الحجة وثامنه وتاسعه. ولا يجوز صوم يوم النحر وأيام التشريق عند الأكثرين. وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ إلى أهليكم وهو أحد قولي الشافعي رضي الله تعالى عنه، أو نفرتم وفرغتم من أعماله وهو قوله الثاني ومذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقرئ «سَبْعَة» بالنصب عطفًا على محل ثَلاثَةِ أَيَّامٍ. تِلْكَ عَشَرَةٌ فذلكة الحساب، وفائدتها أن لا يتوهم متوهم أن الواو بمعنى أو، كقولك جالس الحسن وابن سيرين. وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلًا فإن أكثر العرب لم يحسنوا الحساب، وأن المراد بالسبعة هو العدد دون الكثرة فإنه يطلق لهما كامِلَةٌ صفة مؤكدة تفيد المبالغة في محافظة العدد، أو مبينة كمال العشرة فإنه أول عدد كامل إذ به تنتهي الآحاد وتتم مراتبها، أو مقيدة تقيد كمال بدليتها من الهدي. ذلِكَ إشارة إلى الحكم المذكور عندنا. والتمتع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأنه لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عنده، فمن فعل ذلك أي التمتع منهم فعليه دم جناية. لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وهو من كان من الحرم على مسافة القصر عندنا، فإن من كان على أقل فهو مقيم في الحرم، أو في حكمه. ومن مسكنه وراء الميقات عنده وأهل الحل عند طاوس وغير المكي عند مالك. وَاتَّقُوا اللَّهَ في المحافظة على أوامره ونواهيه وخصوصًا في الحج وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن لم يتقه كي يصدكم العلم به عن العصيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٧]</span>\nالْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)\nالْحَجُّ أَشْهُرٌ أي وقته. كقولك البرد شهران. مَعْلُوماتٌ معروفات وهي: شوال وذو القعدة وتسعة من ذي الحجة بليلة النحر عندنا، والعشر عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وذي الحجة كله عند مالك. وبناء على الخلاف على أن المراد بوقته وقت إحرامه، أو وقت أعماله ومناسكه، أو ما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقًا، فإن مالكًا كره العمرة في بقية ذي الحجة. وأبو حنيفة ﵀ وإن صحح الإِحرام به قبل شوال فقد استكرهه. وإنما سمي شهران وبعض شهر أشهرًا إقامة للبعض مقام الكل، أو إطلاقًا للجمع على ما فوق الواحد. فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فمن أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن عندنا، أو بالتلبية أو سوق الهدي عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وهو دليل على ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى وأن من أحرم بالحج لزمه الإِتمام. فَلا رَفَثَ فلا جماع، أو فلا فحش من الكلام. وَلا فُسُوقَ ولا خروج عن حدود الشرع بالسيئات وارتكاب المحظورات. وَلا جِدالَ ولا مراء مع الخدم والرفقة. فِي الْحَجِّ في أيامه، نفي الثلاثة على قصد النهي للمبالغة وللدلالة على أنها حقيقة بأن لا تكون، وما كانت منها مستقبحة في أنفسها ففي الحج أقبح كلبسة الحرير في الصلاة. والتطريب بقراءة القرآن لأنه خروج عن مقتضى الطبع والعادة إلى محض العبادة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأولين بالرفع على معنى: لا يكونن رفث ولا فسوق. والثالث بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الخلاف في الحج، وذلك أن قريشًا كانت تحالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، فارتفع الخلاف بأن أمروا أن يقعوا أيضًا بعرفة. وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ حث على الخير","vol":"1","page":130},{"text":"عقب به النهي عن الشر ليستبدل به ويستعمل مكانه. وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وتزودوا لمعادكم التقوى فإنه خير زاد، وقيل: نزلت في أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون فيكونون كلا على الناس، فأمروا أن يتزودوا ويتقوا الإِبرام في السؤال والتثقيل على الناس. وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ فإن قضية اللب خشية الله وتقواه، حثهم على التقوى ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله تعالى فيتبرأ من كل شيء سواه، وهو مقتضى العقل المعري عن شوائب الهوى فلذلك خص أولي الألباب بهذا الخطاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٨]</span>\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا أي في أن تبتغوا أي تطلبوا. فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ عطاء ورزقًا منه، يريد الربح بالتجارة، وقيل: كان عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يقيمونها مواسم الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا منه فنزلت. فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ دفعتم منها بكثرة، من أفضت الماء إذا صببته بكثرة. وأصله أفضتم أنفسكم فحذف المفعول كما حذف في دفعت من البصرة. وعَرَفاتٍ جمع سمي به كأذرعات، وإنما نون وكسر وفيه العلمية والتأنيث لأن تنوين الجمع تنوين المقابلة لا تنوين التمكين ولذلك يجمع مع اللام، وذهاب الكسرة تبع ذهاب التنوين من غير عوض لعدم الصرف، وهنا ليس كذلك. أو لأن التأنيث إما أن يكون بالتاء المذكورة وهي ليست تاء تأنيث. وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث، أو بتاء مقدرة كما في سعاد ولا يصح تقديرها لأن المذكورة تمنعه من حيث إنها كالبدل لها لاختصاصها بالمؤنث كتاء بنت، وإنما سمي الموقف عرفة لأنه نعت لإبراهيم ﵊، فلما أبصره عرفه أو لأن جبريل ﵇ كان يدور به في المشاعر فلما أراه إياه قال قد عرفت، أو لأن آدم وحواء التقيا فيه فتعارفا. أو لأن الناس يتعارفون فيه. وعرفات للمبالغة في ذلك وهي من الأسماء المرتجلة إلا أن يجعل جمع عارف، وفيه دليل على وجوب الوقوف بها لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده وهي مأمور بها بقوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا أو مقدمة للذكر المأمور به وفيه نظر إذ الذكر غير واجب بل مستحب. وعلى تقدير أنه واجب فهو واجب مقيد لا واجب مطلق حتى تجب مقدمته والأمر به غير مطلق. فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتلبية والتهليل والدعاء. وقيل: بصلاة العشاءين. عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ جبل يقف عليه الإمام ويسمى «قزح» . وقيل: ما بين مأزمي عرفة ووادي محسر، ويؤيد الأول ما\nروي جابر: أنه ﵊ لما صلى الفجر- يعني بالمزدلفة بغلس- ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل، ولم يزل واقفًا حتى أسفر\nوإنما سمي مشعرًا لأنه معلم العبادة، ووصف بالحرام لحرمته: ومعنى عند المشعر الحرام: مما يليه ويقرب منه فإنه أفضل، وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر. وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ كما علمكم، أو اذكروه ذكرًا حسنًا كما هداكم هداية حسنة إلى المناسك وغيرها. وما مصدرية أو كافة. وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ أي الهُدى. لَمِنَ الضَّالِّينَ أي الجاهلين بالإيمان والطاعة، وإن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة. وقيل: إن نافية واللام بمعنى إلا، كقوله تعالى: وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>[سورة البقرة (٢): آية ١٩٩]</span>\nثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)\nثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ أي من عرفة لا من المزدلفة، والخطاب مع قريش كانوا يقفون بجمع وسائر الناس بعرفة ويرون ذلك ترفعًا عليهم، فأمروا بأن يساووهم. وثم لتفاوت ما بين الإِفاضتين كما في قولك أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم. وقيل: من مزدلفة إلى منى بعد الإِفاضة من عرفة إليها والخطاب عام. وقرئ «الناس» بالكسر أي الناسي يريد آدم من قوله ﷾: فَنَسِيَ والمعنى","vol":"1","page":131},{"text":"أن الإِفاضة من عرفة شرع قديم فلا تغيروه. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من جاهليتكم في تغيير المناسك ونحوه. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٠]</span>\nفَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠)\nفَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فإذا قضيتم العبادات الحجية وفرغتم منها. فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ فاكثروا ذكره وبالغوا فيه كما تفعلون بذكر آبائكم في المفاخرة. وكانت العرب إذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى بين المسجد والجبل فيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن أيامهم. أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا إما مجرور معطوف على الذكر يجعل الذكر ذاكرًا على المجاز والمعنى: فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو كذكر أشد منه وأبلغ. أو على ما أضيف إليه على ضعف بمعنى أو كذكر قوم أشد منكم ذكرًا. وإما منصوب بالعطف على آباءكم وذكرًا من فعل المذكور بمعنى أو كذكركم أشد مذكورية من آباءكم. أم بمضمر دل عليه المعنى تقديره: أو كونوا أشد ذكرًا لله منكم لآبائكم. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ تفصيل للذاكرين إلى مقل لا يطلب بذكر الله تعالى إلا الدنيا ومكثر يطلب به خير الدارين، والمراد الحث على الإكثار والإرشاد إليه. رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا اجعل إيتاءنا ومنحتنا في الدنيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي نصيب وحظ لأن همه مقصور بالدنيا، أو من طلب خلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠١ الى ٢٠٢]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢)\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً يعني الصحة والكفاف وتوفيق الخير. وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً يعني الثواب والرحمة. وَقِنا عَذابَ النَّارِ بالعفو والمغفرة،\nوقول علي رضي الله تعالى عنه: الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء\n. وعذاب النار المرأة السوء وقول الحسن: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة. وقنا عذاب النار معناه احفظنا من الشهوات والذنوب والمؤدية إلى النار أمثلة للمراد بها.\nأُولئِكَ إشارة إلى الفريق الثاني. وقيل إليهما. لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا أي من جنسه وهو جزاؤه، أو من أجله كقوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا أو مما دعوا به نعطيهم منه ما قدرناه فسمي الدعاء كسبًا لأنه من الأعمال. وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة، أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب الناس فبادروا إلى الطاعات واكتسبوا الحسنات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٣]</span>\nوَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)\nوَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ كبروه في أدبار الصلاة وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها في أيام التشريق. فَمَنْ تَعَجَّلَ فمن استعجل النفر. فِي يَوْمَيْنِ يوم القر والذي بعده، أي فمن نفر في ثاني أيام التشريق بعد رمي الجمار عندنا، وقبل طلوع الفجر عند أبي حنيفة. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ باستعجاله. وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ومن تأخر في النفر حتى رمى في اليوم الثالث بعد الزوال، وقال أبو حنيفة: يجوز تقديم رميه على الزوال. ومعنى نفي الإِثم بالتعجيل والتأخير التخيير بينهما والرد على أهل الجاهلية فإن منهم من أثم المتعجل ومنهم من أثم المتأخر. لِمَنِ اتَّقى أي الذي ذكر من التخيير، أو من الأحكام لمن اتقى لأنه","vol":"1","page":132},{"text":"الحاج على الحقيقة والمنتفع به، أو لأجله حتى لا يتضرر بترك ما يهمه منهما. وَاتَّقُوا اللَّهَ في مجامع أموركم ليعبأ بكم. وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ للجزاء بعد الإِحياء. وأصل الحشر الجمع وضم المتفرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٤]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ يروقك ويعظم في نفسك، والتعجب: حيرة تعرض للإِنسان لجهله بسبب المتعجب منه. فِي الْحَياةِ الدُّنْيا متعلق بالقول، أي ما يقوله في أمور الدنيا وأسباب المعاش، أو في معنى الدنيا فإنها مراد من إدعاء المحبة وإظهار الإيمان، أو يعجبك أي يعجبك قوله في الدنيا حلاوة وفصاحة ولا يعجبك في الآخرة لما يعتريه من الدهشة والحبسة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام. وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ يحلف ويستشهد الله على أن ما في قلبه موافق لكلامه. وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ شديد العداوة والجدال للمسلمين، والخصام المخاصمة ويجوز أن يكون جمع خصم كصعب وصعاب بمعنى أشد الخصوم خصومة.\nقيل نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وكان حسن المنظر حلو المنطق يوالي رسول الله ﷺ ويدعي الإِسلام.\nوقيل في المنافقين كلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٥ الى ٢٠٦]</span>\nوَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦)\nوَإِذا تَوَلَّى أدبر وانصرف عنك. وقيل: إذا غلب وصار واليًا. سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ كما فعله الأخنس بثقيف إذ بيتهم وأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم، أو كما يفعله ولاة السوء بالقتل والإِتلاف، أو بالظلم حتى يمنع الله بشؤمه القطر فيهلك الحرث والنسل. وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسادَ لا يرتضيه فاحذروا غضبه عليه.\nوَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ حملته الأنفة وحمية الجاهلية على الإِثم الذي يؤمر باتقانه لجاجًا، من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه. فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ كفته جزاء وعذابا، وجَهَنَّمُ.\nعلم لدار العقاب وهو في الأصل مرادف للنار. وقيل معرب. وَلَبِئْسَ الْمِهادُ جواب قسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف للعلم به، والمهاد الفراش. وقيل ما يوطأ للجنب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٧]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ يبيعها أي يبذلها في الجهاد، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يُقتل ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ طلبًا لرضاه. قيل: إنها نزلت في صهيب بن سنان الرومي، أخذه المشركون وعذبوه ليرتد فقال: إني شيخ كبير لا ينفعكم إن كنتُ معكم ولا يضركم إن كنت عليكم فخلوني وما أنا عليه وخذوا مالي فقبلوه منه وأتى المدينة. وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ حيث أرشدهم إلى مثل هذا الشراء وكلفهم بالجهاد فعرضهم لثواب الغزاة والشهداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٨ الى ٢٠٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً السِّلْمِ بالكسر والفتح الاستسلام والطاعة، ولذلك يطلق في الصلح والإِسلام. فتحه ابن كثير ونافع والكسائي وكسره الباقون. وكافة اسم للجملة لأنها تكف الأجزاء","vol":"1","page":133},{"text":"من التفرق حال من الضمير أو السلم لأنها تؤنث كالحرب قال:\nالسِّلْمُ تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أَنَفَاسِهَا جُرَعُ\nوالمعنى استسلموا لله وأطيعوه جملة ظاهرًا وباطنًا، والخطاب للمنافقين، أو ادخلوا في الإسلام بكليتكم ولا تخلطوا به غيره. والخطاب لمؤمني أهل الكتاب، فإنهم بعد إسلامهم عظموا السبت وحرموا الإِبل وألبانها، أو في شرائع الله كلها بالإيمان بالأنبياء والكتب جميعًا والخطاب لأهل الكتاب، أو في شعب الإِسلام وأحكامه كلها فلا تخلوا بشيء والخطاب للمسلمين. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ بالتفرق والتفريق. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة.\nفَإِنْ زَلَلْتُمْ عن الدخول في السلم. مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ الآيات والحجج الشاهدة على أنه الحق. فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه الانتقام. حَكِيمٌ لا ينتقم إلا بحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٠]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)\nهَلْ يَنْظُرُونَ استفهام في معنى النفي ولذلك جاء بعده. إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ أي يأتيهم أمره أو بأسه كقوله تعالى: وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ\nفَجاءَها بَأْسُنا أو يأتيهم الله ببأسه فحذف المأتي به للدلالة عليه بقوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فِي ظُلَلٍ جمع ظلة كقلة وقلل وهي ما أظلك، وقرئ «ظلال» كقلال. مِنَ الْغَمامِ السحاب الأبيض وإنما يأتيهم العذاب فيه لأنه مظنة الرحمة، فإذا جاء منه العذاب كان أفظع لأن الشر إذا جاء مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ كان أصعب فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير. وَالْمَلائِكَةُ فإنهم الواسطة في إتيان أمره، أو الآتون على الحقيقة ببأسه. وقرئ بالجر عطفًا على ظُلَلٍ أو الْغَمامِ.\nوَقُضِيَ الْأَمْرُ أتم أمر إهلاكهم وفرغ منه، وضع الماضي موضع المستقبل لدنوه وتيقن وقوعه. وقرئ و«قضاء الأمر» عطفًا على الملائكة. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم على البناء للمفعول على أنه من الراجع، وقرأ الباقون على البناء للفاعل بالتأنيث غير يعقوب على أنه من الرجوع، وقرئ أيضًا بالتذكير وبناء المفعول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>[سورة البقرة (٢): آية ٢١١]</span>\nسَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١)\nسَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ أمر للرسول ﷺ، أو لكل أحد والمراد بهذا السؤال تقريعهم. كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ معجزة ظاهرة، أو آية في الكتب شاهدة على الحق والصواب على أيدي الأنبياء، وكَمْ خبرية أو استفهامية مقررة ومحلها النصب على المفعولية أو الرفع بالابتداء على حذف العائد من الخبر إلى المبتدأ. وآية مميزها. ومن للفصل. وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ أي آيات الله فإنها سبب الهدى الذي هو أجل النعم، يجعلها سبب الضلالة وازدياد الرجس، أو بالتحريف والتأويل الزائغ. مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ من بعد ما وصلت إليه وتمكن من معرفتها، وفيه تعريض بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها ولذلك قيل تقديرها فبدلوها وَمَنْ يُبَدِّلْ.\nفَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ فيعاقبه أشد عقوبة لأنه ارتكب أشد جريمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٢]</span>\nزُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)","vol":"1","page":134},{"text":"زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، ويدل عليه قراءة «زُيّنَ» على البناء للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية وما خلقه الله فيها من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض.\nوَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يريد فقراء المؤمنين كبلال وعمار وصهيب، أي يسترذلونهم ويستهزئون بهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبى، ومن للابتداء كأنهم جعلوا السخرية مبتدأة منهم وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ لأنهم في عليين وهم في أسفل السافلين، أو لأنهم في كرامة وهم في مذلة، أو لأنهم يتطاولون عليهم فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا، وإنما قال والذين اتقوا بعد قوله من الذين آمنوا، ليدل على أنهم متقون وأن استعلاءهم للتقوى. وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ في الدارين. بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير فيوسع في الدنيا استدراجًا تارة وابتلاء أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٣]</span>\nكانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)\nكانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً متفقين على الحق فيما بين آدم وإدريس أو نوح أو بعد الطوفان، أو متفقين على الجهالة والكفر في فترة ادريس أو نوح. فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي فاختلفوا فبعث الله، وإنما حذف لدلالة قوله فيما اختلفوا فيه. وعن كعب (الذي علمته من عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفًا والمرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر والمذكور في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون) . وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ يريد به الجنس ولا يريد به أنه أنزل مع كل واحد كتابًا يخصه، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم. بِالْحَقِّ حال من الكتاب، أي ملتبسًا بالحق شاهدًا به. لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ أي الله، أو النبي المبعوث، أو كتابه. فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ في الحق الذي اختلفوا فيه، أو فيما التبس عليهم. وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ في الحق، أو الكتاب. إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ أي الكتاب المنزل لإزالة الخلاف أي عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيجا للاختلاف سببًا لاستحكامه. مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ حسدا بينهم وظلمًا لحرصهم على الدنيا. فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أي للحق الذي اختلف فيه من اختلف. مِنَ الْحَقِّ بيان لما اختلفوا فيه. بِإِذْنِهِ بأمره أو بإرادته ولطفه. وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا يضل سالكه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٤]</span>\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ خاطب به النبي ﷺ والمؤمنين بعد ما ذكر اختلاف الأمم على الأنبياء بعد مجيء الآيات، تشجيعًا لهم على الثبات مع مخالفتهم. وأَمْ منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإِنكار وَلَمَّا يَأْتِكُمْ ولم يأتكم، وأصل لَمَّا لم زيدت عليها ما وفيها توقع ولذلك جعلت مقابل قد. مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ حالهم التي هي مثل في الشدة. مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ بيان له على الاستئناف. وَزُلْزِلُوا وأزعجوا إزعاجًا شديدًا بما أصابهم من الشدائد. حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ لتناهي الشدة واستطالة المدة بحيث تقطعت حبال الصبر. وقرأ نافع يقولُ بالرفع على أنه حكاية حال ماضية كقولك مرض حتى لا يرجونه. مَتى نَصْرُ اللَّهِ استبطاء له لتأخره. أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ استئناف على إرادة القول أي","vol":"1","page":135},{"text":"فقيل لهم ذلك اسعافًا لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر، وفيه إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات، ومكابدة الشدائد والرياضات كما\nقال ﵊ «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات»\n. <span data-type=\"title\" id=toc-208>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٥]</span>\nيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)\nيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ\nعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أن عمرو بن الجموح الأنصاري كان شيخا هما ذا مال عظيم، فقال يا رسول الله ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت)\nقُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ سئل عن المنفق فأجيب ببيان المصرف لأنه أهم فإن اعتداد النّفقة باعتباره، ولأنه كان في سؤال عمرو وإن لم يكن مذكورًا في الآية، واقتصر في بيان المنفق على ما تضمنه قوله ما أنفقتم من خير. وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ في معنى الشرط. فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ جوابه أي إن تفعلوا خيرًا فإن الله يعلم كنهه ويوفي ثوابه، وليس في الآية ما ينافيه فرض الزكاة لينسخ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٦]</span>\nكُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)\nكُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ شاق عليكم مكروه طبعًا، وهو مصدر نعت به للمبالغة، أو فعل بمعنى مفعول كالخبز. وقرئ بالفتح على أنه لغة فيه كالضعف والضعف، أو بمعنى الإِكراه على المجاز كأنهم أكرهوا عليه لشدته وعظم مشقته كقوله تعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا. وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وهو جميع ما كلفوا به، فإن الطبع يكرهه وهو مناط صلاحهم وسبب فلاحهم. وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وهو جميع ما نهوا عنه، فإن النفس تحبه وتهواه وهو يفضي بها إلى الردى، وإنما ذكر عَسى لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما هو خير لكم. وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك، وفيه دليل على أن الأحكام تتبع المصالح الراجحة وإن لم يعرف عينها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٧]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧)\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ\nروي (أنه ﵊ بعث عبد الله بن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة. قبل بدر بشهرين. ليترصّد عيرًا لقريش فيها عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه، فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها من تجارة الطائف، وكان ذلك غرة رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام شهرًا يأمن فيه الخائف، وينذعر فيه الناس إلى معايشهم. وشق ذلك على أصحاب السرية وقالوا ما نبرح حتى تنزل توبتنا، ورد رسول الله ﷺ العير والأسارى) .\nوعن ابن عباس ﵄ (لما نزلت أخذ رسول الله ﷺ الغنيمة وهي أول غنيمة في الإسلام)\nوالسائلون هم المشركون كتبوا إليه في ذلك تشنيعًا وتعييرًا وقيل أصحاب السرية. قِتالٍ فِيهِ بدل اشتمال من الشهر الحرام. وقرئ «عن قتال» بتكرير العامل. قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ أي ذنب كبير، والأكثر أنه","vol":"1","page":136},{"text":"منسوخ بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ خلافًا لعطاء وهو نسخ الخاص بالعام وفيه خلاف، والأولى منع دلالة الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام مطلقًا فإن قتال فيه نكرة في حيز مثبت فلا يعم. وَصَدٌّ صرف ومنع. عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي الإسلام، أو ما يوصل العبد إلى الله ﷾ من الطاعات. وَكُفْرٌ بِهِ أي بالله. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ على إرادة المضاف أي وصد المسجد الحرام كقول أبي دؤاد:\nأكلّ امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بِاللَّيْلِ نَارا\nولا يحسن عطفه على سَبِيلِ اللَّهِ لأن عطف قوله: وَكُفْرٌ بِهِ على وَصَدٌّ مانع منه إذ لا يتقدم العطف على الموصول على العطف على الصلة ولا على الهاء في بِهِ، فإن العطف على الضمير المجرور إنما يكون بإعادة الجار. وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أهل المسجد الحرام وهم النبي ﷺ والمؤمنون. أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مما فعلته السرية خطأ وبناء على الظن، وهو خبر عن الأشياء الأربعة المعدودة من كبائر قريش. وأفعل مما يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ أي ما ترتكبونه من الإخراج والشرك أفظع مما ارتكبوه من قتل الحضرمي. وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إخبار عن دوام عداوة الكفار لهم وإنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم، وحتى للتعليل كقولك أعبد الله حتى أدخل الجنة.\nإِنِ اسْتَطاعُوا وهو استبعاد لاستطاعتهم كقول الواثق بقوته على قرنه: إن ظفرت بي فلا تبق علي، وإيذان بأنهم لا يردونهم. وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ قيد الردة بالموت عليها في إحباط الأعمال كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، والمراد بها الأعمال النافعة. وقرئ «حَبَطَتْ» بالفتح وهي لغة فيه. فِي الدُّنْيا لبطلان ما تخيلوه وفوات ما للإسلام من الفوائد الدنيوية.\nوَالْآخِرَةِ بسقوط الثواب. وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ كسائر الكفرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا نزلت أيضًا في أصحاب السرية لما ظن بهم أنهم إن سلموا من الإِثم فليس لهم أجر.\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كرر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ثوابه، أثبت لهم الرجاء إشعارًا بأن العمل غير موجب ولا قاطع في الدلالة سيما والعبرة بالخواتيم. وَاللَّهُ غَفُورٌ لما فعلوا خطأ وقلة احتياط. رَحِيمٌ بإِجزال الأجر والثواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>[سورة البقرة (٢): آية ٢١٩]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ\nروي (أنه نزل بمكة قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا فأخذ المسلمون يشربونها، ثم إن عمر ومعاذًا ونفرًا من الصحابة قالوا: أفتنا يا رسول الله في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت هذه الآية فشربها قوم وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسًا منهم فشربوا وسكروا، فأم أحدهم فقرأ: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ» فنزلت لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فقل من يشربها، ثم دعا عتبان بن مالك سعد بن أبي وقاص في نفر فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، فأنشد سعد شعرًا فيه هجاء الأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه، فشكا إلى رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقال عمر ﵁: انتهينا يا رب\n. والخمر في الأصل مصدر خمره إذا","vol":"1","page":137},{"text":"ستره، سمي بها عصير العنب والتمر إذا اشتد وغلا كأنه يخمر العقل، كما سمي سكرًا لأنه يسكره أي يحجزه، وهي حرام مطلقًا وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون السكر. وَالْمَيْسِرِ أيضًا مصدر كالموعد، سمي به القمار لأنه أخذ مال الغير بيسر أو سلب يساره، والمعنى يسألونك عن تعاطيهما لقوله تعالى: قُلْ فِيهِما أي في تعاطيهما. إِثْمٌ كَبِيرٌ من حيث إنه يؤدي إلى الانتكاب عن المأمور، وارتكاب المحظور. وقرأ حمزة والكسائي «كثير» بالثاء. وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ من كسب المال والطرب والالتذاذ ومصادقة الفتيان، وفي الخمر خصوصًا تشجيع الجبان وتوفير المروءة وتقوية الطبيعة. وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما أي المفاسد التي تنشأ منهما أعظم من المنافع المتوقعة منهما. ولهذا قيل إنها المحرمة للخمر لأن المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اقتضت تحريم الفعل، والأظهر أنه ليس كذلك لما مر من إبطال مذهب المعتزلة. وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قيل سائله أيضًا عمرو بن الجموح سأل أولًا عن المنفق والمصرف، ثم سأل عن كيفية الإِنفاق. قُلِ الْعَفْوَ العفو نقيض الجهد ومنه يقال للأرض السهلة، وهو أن ينفق ما تيسر له بذله ولا يبلغ منه الجهد.\nقال:\nخُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَديمي مَوَدَّتي ... وَلاَ تَنْطقِي فِي سَوْرَتي حِيْنَ اغْضَبُ\nوروي أن رجلًا أتى النبي ﷺ ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغانم فقال: خذها مني صدقة، فأعرض ﵊ عنه حتى كرر عليه مرارًا فقال: هاتها مغضبًا فأخذها فحذفها حذفًا لو أصابه لشجه ثم قال: «يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى»\n. وقرأ أبو عمرو برفع الْعَفْوَ. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي مثل ما بين أن العفو أصلح من الجهد، أو ما ذكر من الأحكام، والكاف في موضع النصب صفة لمصدر محذوف أي تبيينًا مثل هذا التبيين، وإنما وحد العلامة والمخاطب به جمع على تأويل القبيل والجمع، لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في الدلائل والأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٠]</span>\nفِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)\nفِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ في أمور الدارين فتأخذوا بالأصلح والأنفع فيهما، وتجتنبون عما يضركم ولا ينفعكم، أو يضركم أكثر مما ينفعكم. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى لما نزلت إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا الآية اعتزلوا اليتامى ومخالطتهم والاهتمام بأمرهم فشق ذلك عليهم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ أي مداخلتهم لإِصلاحهم، أو إصلاح أموالهم خير من مجانبتهم. وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ حث على المخالطة، أي أنهم إخوانكم في الدين ومن حق الأخ أن يخالط الأخ. وقيل المراد بالمخالطة المصاهرة. وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وعيد ووعد لمن خالطهم لإِفساد وإصلاح، أي يعلم أمره فيجازيه عليه. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ أي ولو شاء الله إعناتكم لأعنتكم، أي كلفكم ما يشق عليكم، من العنت وهي المشقة ولم يجوز لكم مداخلتكم. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب يقدر على الاعنات. حَكِيمٌ يحكم ما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢١]</span>\nوَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)\n.","vol":"1","page":138},{"text":"وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ أي ولا تتزوجوهن. وقرئ بالضم أي ولا تزوجوهن من المسلمين، والمشركات تعم الكتابيات لأن أهل الكتاب مشركون لقوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ إلى قوله: سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ولكنها خصت عنها بقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ\nروي (أنه ﵊ بعث مرثدًا الغنوي إلى مكة ليخرج منها أناسًا من المسلمين، فأتته عناق وكان يهواها في الجاهلية فقالت: ألا تخلو. فقال: إن الإسلام حال بيننا فقالت: هل لك أن تتزوج بي فقال نعم ولكن استأمر رسول الله ﷺ فاستأمره) فنزلت\nوَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ أي وَلامْرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة، فإن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه. وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ بحسنها وشمائلها، والواو للحال ولو بمعنى إن وهو كثير. وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ولا تزوجوا منهم المؤمنات حتى يؤمنوا، وهو على عمومه. وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ تعليل للنهي عن مواصلتهم، وترغيب في مواصلة المؤمنين. أُولئِكَ إشارة إلى المذكورين من المشركين والمشركات. يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أي الكفر المؤدي إلى النار فلا يليق موالاتهم ومصاهرتهم. وَاللَّهُ أي وأولياؤه يعني المؤمنين حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه تفخيمًا لشأنهم. يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ أي إلى الاعتقاد والعمل الموصلين إليهما فهم الأحقاء بالمواصلة. بِإِذْنِهِ أي بتوفيق الله تعالى وتيسيره، أو بقضائه وإرادته. وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لكي يتذكروا، أو ليكونوا بحيث يرجى منهم التذكر لما ركز في العقول من ميل الخير ومخالفة الهوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٢]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ\nروي (أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحَيِّضَ ولا يؤاكلونها، كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدحداح في نفر من الصحابة عن ذلك فنزلت)\n. والمحيض مصدر كالمجيء والمبيت، ولعله ﷾ إنما ذكر يسألونك بغير واو ثلاثًا ثم بها ثلاثًا، لأن السؤالات الأول كانت في أوقات متفرقة والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد فلذلك ذكرها بحرف الجمع. قُلْ هُوَ أَذىً أي الحيض شيء مستقذر مؤذ من يقربه نفرة منه. فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ فاجتنبوا مجامعتهم\nلقوله ﵊ «إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم»\n. وهو الاقتصاد بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض.\nوإنما وصفه بأنه أذى ورتب الحكم عليه بالفاء إشعارًا بأنه العلة. وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ تأكيد للحكم وبيان لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع ويدل عليه صريحًا قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية ابن عباس يَطْهُرْنَ أي يتطهرن بمعنى يغتسلن والتزامًا لقوله: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ فإنه يقتضي تأخير جواز الإتيان عن الغسل. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إذا طهرت لأكثر الحيض جاز قربانها قبل الغسل.\nمِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي المأتي الذي أمركم الله به وحلله لكم. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الذنوب.\nوَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ أي المتنزهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض والإِتيان في غير المأتى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٣]</span>\nنِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)\nنِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ مواضع حرث لكم. شبهن بها تشبيهًا لما يلقى في أرحامهن من النطف بالبذور فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أي فائتوهن كما تأتون المحارث، وهو كالبيان لقوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ","vol":"1","page":139},{"text":"أَنَّى شِئْتُمْ من أي جهة شئتم،\nروي (أن اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته من دبرها في قبلها كان ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت)\n. وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ما يدخر لكم من الثواب. وقيل هو طلب الولد. وقيل التسمية عند الوطء. وَاتَّقُوا اللَّهَ بالاجتناب عن معاصيه. وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فتزودوا ما لا تفتضحون به. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ الكاملين في الإِيمان بالكرامة والنعيم الدائم. أمر الرسول ﷺ أن ينصحهم ويبشر من صدقه وامتثل أمره منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٤]</span>\nوَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)\nوَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ نزلت في الصديق رضي الله تعالى عنه لما حلف أن لا ينفق على مسطح لافترائه على عائشة رضي الله تعالى عنها، أو في عبد الله بن رواحة حلف أن لا يكلم ختنه بشير بن النعمان ولا يصلح بينه وبين أخته. والعرضة فعلة بمعنى المفعول كالقبضة تطلق لما يعرض دون الشيء وللمعرض للأمر، ومعنى الآية على الأول ولا تجعلوا الله حاجزًا لما حلفتم عليه من أنواع الخير، فيكون المراد بالإِيمان الأمور المحلوف عليها،\nكقوله ﵊ لابن سمرة «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك»\n. وأن مع صلتها عطف بيان لها، واللام صلة عرضة لما فيها من معنى الاعتراض، ويجوز أن تكون للتعليل ويتعلق أن بالفعل أو بعرضة أي ولا تجعلوا الله عرضة لأن تبروا لأجل أيمانكم به، وعلى الثاني ولا تجعلوه معرضًا لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به، ولذلك ذم الحلاف بقوله: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ وأَنْ تَبَرُّوا علة للنهي أي أنهاكم عنه إرادة بركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس، فإن الحلّاف مجترئ على الله تعالى، والمجترئ عليه لا يكون برًا متقيًا ولا موثوقًا به في إصلاح ذات البين وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأيمانكم. عَلِيمٌ بنياتكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٥]</span>\nلاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)\nلا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره، ولغو اليمين مالا عقد معه كما سبق به اللسان، أو تكلم به جاهلًا لمعناه كقول العرب: لا والله وبلى والله، لمجرد التأكيد لقوله: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ والمعنى لا يؤاخذكم الله بعقوبة ولا كفارة بما لا قصد معه، ولكن يؤاخذكم بهما أو بأحدهما بما قصدتم من الأيمان وواطأت فيها قلوبكم ألسنتكم. وقال أبو حنيفة:\nاللغو أن يحلف الرجل بناء على ظنه الكاذب، والمعنى لا يعاقبكم بما أخطأتم فيه من الأيمان، ولكن يعاقبكم بما تعمدتم الكذب فيه. وَاللَّهُ غَفُورٌ حيث لم يؤاخذ باللغو حَلِيمٌ حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد تربصًا للتوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٦ الى ٢٢٧]</span>\nلِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)\nلِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ أي يحلفون على أن لا يجامعوهن. والإِيلاء: الحلف، وتعديته بعلى ولكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدي بمن. تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مبتدأ وما قبله خبره، أو فاعل الظرف على خلاف سبق، والتربص الانتظار والتوقف أضيف إلى الظرف على الاتساع، أي للمولى حق التلبث في هذه المدة فلا يطالب بفيء، ولا طلاق، ولذلك قال الشافعي: لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر ويؤيده فَإِنْ فاؤُ رجعوا في اليمين بالحنث، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ للمولى إثم حنثه إذا كفر، أو ما توخى بالإِيلاء من","vol":"1","page":140},{"text":"ضرار المرأة ونحوه، بالفيئة التي هي كالتوبة.\nوَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ وإن صمموا قصده فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لطلاقهم. عَلِيمٌ بغرضهم فيه، وقال أبو حنيفة: الإِيلاء في أربعة أشهر فما فوقها، وحكمه أن المولى إن فاء في المدة بالوطء إن قدر، وبالوعد إن عجز، صح الفيء ولزم الواطئ أن يكفر وإلا بانت بعدها بطلقة. وعندنا يطالب بعد المدة بأحد الأمرين فإن أبى عنهما طلق عليه الحاكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٨]</span>\nوَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)\nوَالْمُطَلَّقاتُ يريد بها المدخول بهن من ذوات الإِقراء لما دلت عليه الآيات والأخبار أن حكم غيرهن خلاف ما ذكر. يَتَرَبَّصْنَ خبر بمعنى الأمر، وتغيير العبارة للتأكيد والإِشعار بأنه مما يجب أن يسار إلى امتثاله، وكأن المخاطب قصد أن يمتثل الأمر فيخبر عنه كقولك في الدعاء: رحمك الله، وبناؤه على المبتدأ يزيده فضل تأكيد. بِأَنْفُسِهِنَّ تهييج وبعث لهن على التربص، فإن نفوس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن بأن يقمعنها ويحملنها على التربص. ثَلاثَةَ قُرُوءٍ نصب على الظرف، أو المفعول به. أي يتربصن مضيها.\nوقُرُوءٍ جمع قرء وهو يطلق للحيض،\nكقوله ﵊ «دعي الصلاة أيام أقرائك»\nوللطهر الفاصل بين الحيضتين كقول الأعشى:\nمُوَرِّثَةٌ مَالًا وَفِي الحَيِّ رفْعَةٌ ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا\nوأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض، وهو المراد به في الآية لأنه الدال على براءة الرحم لا الحيض، كما قاله الحنفية لقوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي وقت عدتهن. والطلاق المشروع لا يكون في الحيض، وأما\nقوله ﵊: «طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان»\nفلا يقاوم ما رواه الشيخان في قصة ابن عمر «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء» . وكان القياس أن يذكر بصيغة القلة التي هي الأقراء، ولكنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر، ولعل الحكم لما عم المطلقات ذوات الأقراء تضمن معنى الكثرة فحسن بناؤها. وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ من الولد، أو الحيض استعجالًا في العدة وإبطالًا لحق الرجعة، وفيه دليل على أن قولها مقبول في ذلك إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ليس المراد منه تقييد نفي الحل بإيمانهن، بل التنبيه على أنه ينافي الإِيمان، وأن المؤمن لا يجترئ عليه ولا ينبغي له أن يفعل. وَبُعُولَتُهُنَّ أي أزواج المطلقات. أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ إلى النكاح والرجعة إليهن، ولكن إذا كان الطلاق رجعيًا للآية التي تتلوها فالضمير أخص من المرجوع إليه ولا امتناع فيه، كما لو كرر الظاهر وخصصه. والبعولة جمع بعل والتاء لتأنيث الجمع كالعمومة والخؤلة، أو مصدر من قولك بعل حسن البعولة نعت به، أو أقيم مقام المضاف المحذوف أي وأهل بعولتهن، وأفعل هاهنا بمعنى الفاعل. فِي ذلِكَ أي في زمان التربص. إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا بالرجعة لا لإضرار المرأة، وليس المراد منه شرطية قصد الإِصلاح للرجعة بل التحريض عليه والمنع من قصد الضرار.\nوَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي ولهن حقوق على الرجال مثل حقوقهم عليهن في الوجوب واستحقاق المطالبة عليها، لا في الجنس. وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ زيادة في الحق وفضل فيه، لأن حقوقهم في أنفسهم وحقوقهن المهر والكفاف وترك الضرار ونحوها، أو شرف وفضيلة لأنهم قوام عليهن وحراس لهن يشاركونهن في غرض الزواج ويخصون بفضيلة الرعاية والإِنفاق وَاللَّهُ عَزِيزٌ يقدر على الانتقام ممن خالف الأحكام.","vol":"1","page":141},{"text":"حَكِيمٌ يشرعها لحكم ومصالح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>[سورة البقرة (٢): آية ٢٢٩]</span>\nالطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)\nالطَّلاقُ مَرَّتانِ أي التطليق الرجعي اثنان لما\nروي (أنه ﷺ سُئِلَ أين الثالثة؟ فقال ﵊: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ)\n. وقيل معناه التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق، ولذلك قالت الحنفية الجمع بين الطلقتين والثلاث بدعة. فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ بالمراجعة وحسن المعاشرة، وهو يؤيد المعنى الأول. أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ بالطلقة الثالثة، أو بأن لا يراجعها حتى تبين، وعلى المعنى الأخير حكم مبتدأ وتخيير مطلق عقب به تعليمهم كيفية التطليق. وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا أي من الصدقات.\nروي (أن جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله ما أعيبه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإِسلام، وما أطيقه بعضا إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في جماعة من الرجال، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهًا. فنزلت فاختلعت منه بحديقة كان أصدقها إياها\n. والخطاب مع الحكام وإسناد الأخذ والإِيتاء إليهم لأنهم الآمرون بهما عند الترافع. وقيل إنه خطاب للأزواج وما بعده خطاب للحكام وهو يشوش النظم على القراءة المشهورة. إِلَّا أَنْ يَخافا أي الزوجان. وقرئ «يظنا» وهو يؤيد تفسير الخوف بالظن. أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ يترك إقامة أحكامه من مواجب الزوجية. وقرأ حمزة ويعقوب «يَخَافَا» على البناء للمفعول وإبدال أن بصلته من الضمير بدل الاشتمال. وقرئ «تخافا» و«تقيما» بتاء الخطاب. فَإِنْ خِفْتُمْ أيها الحكام. أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ على الرجل في أخذ ما افتدت به نفسها واختلعت، وعلى المرأة في إعطائه. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إشارة إلى ما حد من الأحكام. فَلا تَعْتَدُوها فلا تتعدوها بالمخالفة. وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ تعقيب للنهي بالوعيد مبالغة في التهديد، واعلم أن ظاهر الآية يدل على أن الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق، ولا بجميع ما ساق الزوج إليها فضلًا عن الزائد، ويؤيد ذلك\nقوله ﷺ «أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا من غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة»\n. وما\nروي أنه ﵊ قال لجميلة: «أتردين عليه حديقته؟\nفقالت: أردها وأزيد عليها، فقال ﵊ أما الزائد فلا»\n. والجمهور استكرهوه ولكن نفذوه فإن المنع عن العقد لا يدل على فساده، وأنه يصح بلفظ المفاداة، فإنه تعالى سماه افتداء. واختلف في أنه إذا جرى بغير لفظ الطلاق هل هو فسخ أو طلاق، ومن جعله فسخًا احتج بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٠]</span>\nفَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)\nفَإِنْ طَلَّقَها فإن تعقيبه للخلع بعد ذكر الطلقتين يقتضي أن يكون طلقة رابعة لو كان الخلع طلاقًا.\nوالأظهر أنه طلاق لأنه فرقة باختيار الزوج فهو كالطلاق بالعوض، وقوله فإن طلقها متعلق بقوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ أو تفسير لقوله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ اعترض بينهما ذكر الخلع دلالة على أن الطلاق يقع مجانًا تارة وبعوض أخرى، والمعنى فإن طلقها بعد الثنتين. فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ من بعد ذلك الطلاق. حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ حتى تتزوج غيره، والنكاح يستند إلى كل منهما كالتزوج، وتعلق بظاهره من اقتصر على العقد كابن المسيب واتفق الجمهور على أنه لا بد من الإصابة لما\nروي: أن امرأة رفاعة قالت لرسول الله ﷺ: إن","vol":"1","page":142},{"text":"رفاعة طلقني فبت طلاقي، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني وإن ما معه مثل هدبة الثوب. فقال رسول الله ﷺ: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ قالت: نعم، قال: لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»\n. فالآية مطلقة قيدتها السنة، ويحتمل أن يفسر النكاح بالإصابة، ويكون العقد مستفادًا من لفظ الزوج. والحكمة في هذا الحكم الردع عن التسرع إلى الطلاق والعود إلى المطلقة ثلاثًا والرغبة فيها، والنكاح بشرط التحليل فاسد عند الأكثر. وجوزه أبو حنيفة مع الكراهة، وقد لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له. فَإِنْ طَلَّقَها الزوج الثاني فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا أن يرجع كل من المرأة والزوج الأول إلى الآخر بالزواج، إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ إن كان في ظنهما أنهما يقيمان ما حده الله وشرعه من حقوق الزوجية، وتفسير الظن بالعلم هاهنا غير سديد لأن عواقب الأمور غيب تظن ولا تعلم، ولأنه لا يقال علمت أن يقوم زيد لأن أن الناصبة للتوقع وهو ينافي العلم. وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي الأحكام المذكورة. يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يفهمون ويعلمون بمقتضى العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣١]</span>\nوَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)\nوَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي آخر عدتهن، والأجل يطلق للمدة ولمنتهاها فيقال لعمر الإِنسان وللموت الذي به ينتهي قال:\nكُلّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ العُم ... رِ وَمَود إِذَا اْنَتَهَى أَجَلُه\nوالبلوغ هو الوصول إلى الشيء، وقد يقال للدنو منه على الاتساع، وهو المراد في الآية ليصح أو يرتب عليه. فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ إذ لا إمساك بعد انقضاء الأجل، والمعنى فراجعوهن من غير ضرار، أو خلوهن حتى تنقضي عدتهن من غير تطويل، وهو إعادة للحكم في بعض صوره للاهتمام به.\nوَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا ولا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن، كأن المطلق يترك المعتدة حتى تشارف الأجل ثم يراجعها لتطول العدة عليها، فنهي عنه بعد الأمر بضده مبالغة. ونصب ضرارًا على العلة أو الحال بمعنى مضارين. لِتَعْتَدُوا لتظلموهن بالتطويل أو الإِلجاء إلى الإِفتداء، واللام متعلقة بضرارًا إذ المراد تقييده.\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بتعريضها للعقاب. وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا بالإِعراض عنها والتهاون في العمل بما فيها من قولهم لمن لم يجد في الأمر إنما أنت هازئ، كأنه نهي عن الهزء وأراد به الأمر بضده. وقيل (كان الرجل يتزوج ويطلق ويعتق ويقول: كنت ألعب) فنزلت.\nوعنه ﵊:\n«ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، الطلاق والنكاح والعتاق»\nوَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ التي من جملتها الهداية، وبعثة محمد ﷺ بالشكر والقيام بحقوقها. وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ القرآن والسنة أفردهما بالذكر إظهارًا لشرفهما. يَعِظُكُمْ بِهِ بما أنزل عليكم. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تأكيد وتهديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٢]</span>\nوَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)\nوَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي انقضت عدتهن، وعن الشافعي رحمه الله تعالى دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين. فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ المخاطب به الأولياء لما\nروي (أنها","vol":"1","page":143},{"text":"نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته جميلاء أن ترجع إلى زوجها الأول بالاستئناف)\nفيكون دليلًا على أن المرأة لا تزوج نفسها، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الولي معنى، ولا يعارض بإسناد النكاح إليهن لأنه بسبب توقفه على إذنهن. وقيل الأزواج الذين يعضلون نساءهم بعد مضي العدة ولا يتركونهن يتزوجن عدوانًا وقسرًا، لأنه جواب قوله وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ. وقيل الأولياء والأزواج. وقيل الناس كلهم، والمعنى: لا يوجد فيما بينكم هذا الأمر فإنه إذا وجد بينهم وهم راضون به كانوا الفاعلين له. والعضل الحبس والتضييق ومنه عضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج. إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ أي الخطاب والنساء وهو ظرف لأنه ينكحن أو لا تعضلوهن. بِالْمَعْرُوفِ بما يعرفه الشرع وتستحسنه المروءة، حال من الضمير المرفوع، أو صفة لمصدر محذوف، أي تراضيًا كائنًا بالمعروف. وفيه دلالة على أن العضل عن التزوج من غير كفؤ غير منهي عنه. ذلِكَ إشارة إلى ما مضى ذكره، والخطاب للجميع على تأويل القبيل، أو كل واحد، أو أن الكاف لمجرد الخطاب. والفرق بين الحاضر والمنقضي دون تعيين المخاطبين، أو للرسول ﷺ على طريقة قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ للدلالة على أن حقيقة المشار إليه أمر لا يكاد يتصوره كل أحد.\nيُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لأنه المتعظ به والمنتفع. ذلِكُمْ أي العمل بمقتضى ما ذكر. أَزْكى لَكُمْ أنفع. وَأَطْهَرُ من دنس الآثام. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فيه من النفع والصلاح. وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ لقصور علمكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٣]</span>\nوَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لاَ تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)\nوَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ أمر عبر عنه بالخبر للمبالغة ومعناه الندب، أو الوجوب فيخص بما إذا لم يرتضع الصبي إلا من أمه أو لم يوجد له ظئر، أو عجز الوالد عن الاستئجار. والوالدات يعم المطلقات وغيرهن. وقيل يختص بهن إذ الكلام فيهن. حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ أكده بصفة الكمال لأنه مما يتسامح فيه.\nلِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ بيان للمتوجه إليه الحكم أي ذلك لمن أراد إتمام الرضاعة، أو متعلق بيرضعن فإن الأب يجب عليه الإرضاع كالنفقة، والأم ترضع له. وهو دليل على أن أقصى مدة الإرضاع حولان ولا عبرة به بعدهما وأنه يجوز أن ينقص عنه. وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ أي الذي يولد له يعني الوالد، فإن الولد يولد له وينسب إليه. وتغيير العبارة للإِشارة إلى المعنى المقتضى لوجوب الإِرضاع ومؤن المرضعة عليه. رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ أجرة لهن، واختلف في استئجار الأم، فجوزه الشافعي، ومنعه أبو حنيفة رحمه الله تعالى ما دامت زوجة أو معتدة نكاح. بِالْمَعْرُوفِ حسب ما يراه الحاكم ويفي به وسعه. لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها تعليل لإيجاب المؤمن والتقييد بالمعروف، ودليل على أنه ﷾ لا يكلف العبد بما لا يطيقه وذلك لا يمنع إمكانه. لاَ تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ تفصيل له وتقرير، أي لا يكلف كل واحد منهما الآخر ما ليس في وسعه، ولا يضاره بسبب الولد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب لاَ تُضَارَّ بالرفع بدلًا من قوله لاَ تُكَلَّفُ، وأصله على القراءتين تضارر بالكسر على البناء للفاعل أو الفتح على البناء للمفعول، وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون بمعنى تضر والباء من صلته أي لا يضر الوالدان بالولد فيفرط في تعهده ويقصر فيما ينبغي له. وقرئ «لاَ تُضَار» بالسكون مع التشديد على نية الوقف وبه مع التخفيف على أنه من ضاره يضيره، وإضافة الولد إليها تارة وإليه أخرى استعطاف لهما عليه، وتنبيه على أنه حقيق بأن يتفقا على استصلاحه والإِشفاق فلا ينبغي أن يضرا به، أو أن يتضارا بسببه. وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ عطف على","vol":"1","page":144},{"text":"قوله وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن، وما بينهما تعليل معترض. والمراد بالوارث وارث الأب وهو الصبي أي مؤن المرضعة من ماله إذا مات الأب. وقيل الباقي من الأبوين من\nقوله ﵊ «واجعله الوارث منا»\n، وكلا القولين يوافق مذهب الشافعي رحمه الله تعالى إذ لا نفقة عنده فيما عدا الولادة. وقيل وارث الطفل وإليه ذهب ابن أبي ليلى. وقيل وارثه المحرم منه، وهو مذهب أبي حنيفة. وقيل عصباته وبه قال أبو زيد وذلك إشارة إلى ما وجب على الأب من الرزق والكسوة. فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ أي فصالًا صادرًا عن التراضي منهما والتشاور بينهما قبل الحولين، والتشاور والمشاورة والمشورة والمشورة استخراج الرأي، من شُرْتْ العسل إذا استخرجته. فَلا جُناحَ عَلَيْهِما في ذلك وإنما اعتبر تراضيهما مراعاة لصلاح الطفل، وحذرًا أن يقدم أحدهما على ما يَضُرُّ بِهِ لغرض أو غيره. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ أي تسترضعوا المراضع لأولادكم، يقال أرضعت المرأة الطفل واسترضعتها إياه، كقولك أنجح الله حاجتي واستنجحته إياها، فحذف المفعول الأول للاستغناء عنه. فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فيه وإطلاقه يدل على أن للزوج أن يسترضع الولد ويمنع الزوجة من الإرضاع. إِذا سَلَّمْتُمْ إلى المراضع. ما آتَيْتُمْ ما أردتم إيتاءه كقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وقراءة ابن كثير ما آتَيْتُمْ، من أتى إحسانًا إذا فعله.\nوقرئ «أوتيتم» أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة. بِالْمَعْرُوفِ صلة سلمتم، أي بالوجه المتعارف المستحسن شرعًا. وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، وليس اشتراط التسليم لجواز الاسترضاع بل لسلوك ما هو الأولى والأصلح للطفل. وَاتَّقُوا اللَّهَ مبالغة في المحافظة على ما شرع في أمر الأطفال والمراضع. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ حث وتهديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٤]</span>\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا أي أزواج الذين، أو والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا يتربصن بعدهم، كقولهم السمن منوان بدرهم. وقرئ «يتَوَفَّوْنَ» بفتح الياء أي يستوفون آجالهم، وتأنيث العشر باعتبار الليالي لأنها غرر الشهور والأيام، ولذلك لا يستعملون التذكير في مثله قط ذهابًا إلى الأيام حتى إنهم يقولون صمت عشرًا ويشهد له قوله تعالى: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ثم إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ولعل المقتضى لهذا التقدير أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرًا، ولأربعة إن كان أنثى فاعتبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر استظهارًا إذ ربما تضعف حركته في المبادي فلا يحس بها، وعموم اللفظ يقتضي تساوي المسلمة والكتابية فيه، كما قاله الشافعي والحرة والأمة كما قاله الأصم، والحامل وغيرها، لكن القياس اقتضى تنصيف المدة للأمة، والإِجماع خص الحامل منه لقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.\nوعن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنها تعتد بأقصى الأجلين احتياطًا\n. فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي انقضت عدتهن. فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأئمة أو المسلمون جميعًا.\nفِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التعرض للخطاب وسائر ما حرم عليهن للعدة. بِالْمَعْرُوفِ بالوجه الذي لا ينكره الشرع، ومفهومه أنهن لو فعلن ما ينكره فعليهم أن يكفوهن، فإن قصروا فعليهم الجناح. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيجازيكم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٥]</span>\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لاَّ تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)\n.","vol":"1","page":145},{"text":"وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ التعريض والتلويح إيهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجازًا، كقول السائل جئتك لأسلم عليك، والكناية هي الدلالة على الشيء بذكر لوازمه وروادفه، كقولك الطويل النجاد للطويل، وكثير الرماد للمضياف. والخطبة بالضم والكسر اسم الحالة، غير أن المضمومة خصت بالموعظة والمكسورة بطلب المرأة، والمراد بالنساء المعتدات للوفاة، وتعريض خطبتها أن يقول لها إنك جميلة أو نافقة ومن غرضي أن أتزوج ونحو ذلك. أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أو أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه تصريحًا ولا تعريضًا. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولا تصبرون على السكوت عنهن وعن الرغبة فيهن وفيه نوع توبيخ. وَلكِنْ لاَّ تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا\nاستدراك على محذوف دل عليه ستذكرونهن أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن نكاحًا أو جماعًا، عبر بالسر عن الوطء لأنه مما يسر ثم عن العقد لأنه سبب فيه. وقيل معناه لا تواعدوهن في السر على أن المعنى بالمواعدة في السر المواعدة بما يستهجن. إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا والمستثنى منه محذوف أي: لا تواعدوهن مواعدة إلا مواعدة معروفة، أو إلا مواعدة بقول معروف. وقيل إنه استثناء منقطع من سرًا وهو ضعيف لأدائه إلى قولك لا تواعدوهن إلا التعريض، وهو غير موعود. وفيه دليل حرمة تصريح خطبة المعتدة وجواز تعريضها إن كانت معتدة وفاة. واختلف في معتدة الفراق البائن والأظهر جوازه. وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ذكر العزم مبالغة في النهي عن العقد، أي ولا تعزموا عقد عقدة النكاح. وقيل معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح فإن أصل العزم القطع. حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ حتى ينتهي ما كتب من العدة. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم على ما لا يجوز. فَاحْذَرُوهُ ولا تعزموا. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن عزم ولم يفعل خشية من الله ﷾. حَلِيمٌ لا يعاجلكم بالعقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٦]</span>\nلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)\nلاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ لا تبعة من مهر. وقيل من وزر لأنه لا بدعة في الطلاق قبل المسيس. وقيل: كان النبي ﷺ يكثر النهي عن الطرق فظن أن فيه حرجًا فنفى إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أي تجامعوهن.\nوقرأ حمزة والكسائي «تماسوهن» بضم التاء ومد الميم في جميع القرآن. أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً إلا أن تفرضوا، أو حتى تفرضوا أو وتفرضوا. والفرض تسمية المهر، وفريضة نصب على المفعول به، فعيلة بمعنى مفعول. والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإِسمية، ويحتمل المصدر. والمعنى أنه لا تبعة على المطلق من مطالبة المهر إذا كانت المطلقة غير ممسوسة ولكن يسم لها مهرًا، إذ لو كانت ممسوسة فعلية المسمى، أو مهر المثل. ولو كانت غير ممسوسة ولكن سمي لها فلها نصف المسمى، فمنطوق الآية ينفي الوجوب في الصورة الأولى، ومفهومها يقتضي الوجوب على الجملة في الأخيرتين. وَمَتِّعُوهُنَّ عطف على مقدر أي فطلقوهن ومتعوهن، والحكمة في إيجاب المتعة جبر إيحاش الطلاق، وتقديرها مفوض إلى رأي الحاكم ويؤيده قوله:\nعَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ أي على كل من الذي له سعة، والمقتر الضيق الحال ما يطيقه ويليق به، ويدل عليه\nقوله ﵇ لأنصاري طلق امرأته المفوضة قبل أن يمسها «متعها بقلنسوتك»\n. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: هي درع وملحفة وخمار حسب الحال إلا أن يقل مهر مثلها عن ذلك فلها نصف مهر المثل، ومفهوم الآية يقتضي تخصيص إيجاب المتعة للمفوضة التي لم يمسها الزوج، وألحق بها الشافعي رحمه الله تعالى في أحد قوليه الممسوسة المفوضة وغيرها قياسًا، وهو مقدم على المفهوم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان بفتح الدال مَتاعًا تمتيعًا. بِالْمَعْرُوفِ بالوجه الذي يستحسنه الشرع والمروءة. حَقًّا صفة لمتاعًا، أو مصدر مؤكد أي حق ذلك حقًا. عَلَى الْمُحْسِنِينَ الذي يحسنون إلى","vol":"1","page":146},{"text":"أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال، أو إلى المطلقات بالتمتيع وسماهم محسنين قبل الفعل للمشارفة ترغيبا وتحريضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٧]</span>\nوَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)\nوَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً لما ذكر حكم المفوضة أتبعه حكم قسيمها. فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ أي فلهن، أو فالواجب نصف ما فرضتم لهن، وهو دليل على أن الجناح المنفي ثم تبعه المهر وأن لا متعة مع التشطير لأنه قسيمها إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أي المطلقات فلا يأخذن شيئًا، والصيغة تحتمل التذكير والتأنيث، والفرق أن الواو في الأول ضمير والنون علامة الرفع وفي الثاني لام الفعل والنون ضمير والفعل مبني ولذلك لم يؤثر فيه أن هاهنا ونصب المعطوف عليه. أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ أي الزوج المالك لعقده وحله عما يعود إليه بالتشطير فيسوق المهر إليها كاملًا، وهو مشعر بأن الطلاق قبل المسيس مخير للزوج غير مشطر بنفسه، وإليه ذهب بعض أصحابنا والحنفية. وقيل الولي الذي يلي عقد نكاحهن وذلك إذا كانت المرأة صغيرة، وهو قول قديم للشافعي رحمه الله تعالى. وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى يؤيد الوجه الأول وعفو الزوج على وجه التخيير ظاهر وعلى الوجه الآخر عبارة عن الزيادة على الحق، وتسميتها عفوًا إما على المشاكلة وإما لأنهم يسوقون المهر إلى النساء عند التزوج، فمن طلق قبل المسيس استحق استرداد النصف فإذا لم يسترده فقد عفا عنه. وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فأكمل لها الصداق وقال أنا أحق بالعفو. وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض. إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا يضيع تفضلكم وإحسانكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٨]</span>\nحافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)\nحافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ بالأداء لوقتها والمداومة عليها، ولعل الأمر بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها. وَالصَّلاةِ الْوُسْطى أي الوسطى بينها، أو الفضلى منها خصوصًا وهي صلاة العصر\nلقوله ﵊ يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم نارًا»\n. وفضلها لكثرة اشتغال الناس في وقتها، واجتماع الملائكة. وقيل صلاة الظهر لأنها في وسط النهار وكانت أشق الصلوات عليهم فكانت أفضل\nلقوله ﵊ «أفضل العبادات أحمزها»\n. وقيل صلاة الفجر لأنها بين صلاتي النهار والليل والواقعة في الحد المشترك بينهما ولأنها مشهودة. وقيل المغرب لأنها المتوسطة بالعدد ووتر النهار. وقيل العشاء لأنها بين جهريتين واقعتين طرفي الليل.\nوعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنه ﵊ كان يقرأ: «والصلاة الوسطى صلاة العصر»\n، فتكون صلاة من الأربع خصت بالذكر مع العصر لانفرادهما بالفضل. وقرئ بالنصب على الاختصاص والمدح. وَقُومُوا لِلَّهِ في الصلاة. قانِتِينَ ذاكرين له في القيام، والقنوت الذكر فيه. وقيل خاشعين، وقال ابن المسيب المراد به القنوت في الصبح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>[سورة البقرة (٢): آية ٢٣٩]</span>\nفَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)\nفَإِنْ خِفْتُمْ من عدو أو غيره. فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فصلوا راجلين أو راكبين ورجالًا جمع راجل أو","vol":"1","page":147},{"text":"رجل بمعناه كقائم وقيام، وفيه دليل على وجوب الصلاة حال المسايفة وإليه ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يصلى حال المشي والمسايفة ما لم يكن الوقوف. فَإِذا أَمِنْتُمْ وزال خوفكم. فَاذْكُرُوا اللَّهَ صلوا صلاة الأمن أو اشكروه على الأمن كَما عَلَّمَكُمْ ذكرًا مثل ما علمكم من الشرائع وكيفية الصلاة حالتي الخوف والأمن. أو شكرًا يوازيه وما مصدرية أو موصولة. مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ مفعول علمكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٠]</span>\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ قرأها بالنصب أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم على تقدير والذين يتوفون منكم يوصون وصية، أو ليوصوا وصية، أو كتب الله عليهم وصية، أو ألزم الذين يتوفون وصية. ويؤيد ذلك قراءة كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعًا إلى الحول مكانه.\nوقرأ الباقون بالرفع على تقدير ووصية الذين يتوفون، أو وحكمهم وصية، أو والذين يتوفون أهل وصية، أو كتب عليهم وصية، أو عليهم وصية وقرئ «متاع» بدلها. مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ نصب بيوصون إن أضمرت وإلا فبالوصية وبمتاع على قراءة من قرأ لأنه بمعنى التمتيع. غَيْرَ إِخْراجٍ بدل منه، أو مصدر مؤكد كقولك هذا القول غير ما تقول، أو حال من أزواجهم أي غير مخرجات، والمعنى: أنه يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم حولًا بالسكنى والنفقة، وكان ذلك في أول الإِسلام ثم نسخت المدة بقوله: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وهو وإن كان متقدمًا في التلاوة فهو متأخر في النزول، وسقطت النفقة بتوريثها الربع أو الثمن، والسكنى لها بعد ثابتة عندنا خلافًا لأبي حنيفة ﵀. فَإِنْ خَرَجْنَ عن منزل الأزواج. فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأئمة. فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ كالتطيب وترك الإِحداد. مِنْ مَعْرُوفٍ مما لم ينكره الشرع، وهذا يدل على أنه لم يكن يجب عليها ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه وإنما كانت مخيرة بين الملازمة وأخذ النفقة وبين الخروج وتركها. وَاللَّهُ عَزِيزٌ ينتقم ممن خالفه منهم.\nحَكِيمٌ يراعي مصالحهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤١ الى ٢٤٢]</span>\nوَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)\nوَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ أثبت المتعة للمطلقات جميعا بعد ما أوجبها لواحدة منهن، وإفراد بعض العام بالحكم لا يخصصه إلا إذا جوزنا تخصيص المنطوق بالمفهوم ولذلك أوجبها ابن جبير لكل مطلقة، وأول غيره بما يعم التمتيع الواجب والمستحب. وقال قوم المراد بالمتاع نفقة العدة، ويجوز أن تكون اللام للعهد والتكرير للتأكيد أو لتكرر القضية كَذلِكَ إشارة إلى ما سبق من أحكام الطلاق والعدة. يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وعد بأنه سيبين لعباده من الدلائل والأحكام ما يحتاجون إليه معاشًا ومعادًا.\nلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لعلكم تفهمونها فتستعملون العقل فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٣]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (٢٤٣)\nأَلَمْ تَرَ تعجيب وتقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب التواريخ، وقد يخاطب به من لم ير ومن لم يسمع فإنه صار مثلًا في التعجيب. إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ\nيريد أهل داوردان قرية قبل","vol":"1","page":148},{"text":"واسط وقع فيها طاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويتيقنوا أن لا مفر من قضاء الله تعالى وقدره. أو قومًا من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد ففروا حذر الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم. وَهُمْ أُلُوفٌ أي ألوف كثيرة. قيل عشرة. وقيل ثلاثون. وقيل سبعون وقيل متألفون جمع إلف أو آلف كقاعد وقعود والواو للحال. حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول له. فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا أي قال لهم موتوا فماتوا كقوله: كُنْ فَيَكُونُ والمعنى أنهم ماتوا ميتة رجل واحد من غير علة، بأمر الله تعالى ومشيئته. وقيل ناداهم به ملك وإنما أسند إلى الله تعالى تخويفًا وتهويلًا. ثُمَّ أَحْياهُمْ قيل مر حزقيل ﵇ على أهل داوردان وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم، فتعجب من ذلك فأوحى الله تعالى إليه ناد فيهم أن قوموا بإذن الله تعالى، فنادى فقاموا يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لاَّ إله إِلا أَنتَ. وفائدة القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وحثهم على التوكل والاستسلام للقضاء. إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حيث أحياهم ليعتبروا ويفوزوا وقص عليهم حالهم ليستبصروا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ أي لا يشكرونه كما ينبغي، ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبار والاستبصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٤ الى ٢٤٥]</span>\nوَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)\nوَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لما بين أن الفرار من الموت غير مخلص منه وأن المقدر لا محالة واقع، أمرهم بالقتال إذ لو جاء أجلهم في سبيل الله وإِلا فالنصر والثواب. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقوله المتخلف والسابق. عَلِيمٌ بما يضمرانه وهو من وراء الجزاء.\nمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ مَنْ استفهامية مرفوعة الموضع بالابتداء، وذَا خبره، والَّذِي صفة ذا أو بدله، وإقراض الله ﷾ مثل لتقديم العمل الذي به يطلب ثوابه. قَرْضًا حَسَنًا إقراضًا حسنًا مقرونًا بالإخلاص وطيب النفس أو مقرضًا حلالًا طيبًا. وقيل: القرض الحسن بالمجاهدة والإِنفاق في سبيل الله فَيُضاعِفَهُ لَهُ فيضاعف جزاءه، أخرجه على صورة المغالبة للمبالغة، وقرأ عاصم بالنصب على جواب الاستفهام حملًا على المعنى، فإن مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ في معنى أيقرض الله أحد. وقرأ ابن كثير «فيضعفه» بالرفع والتشديد وابن عامر ويعقوب بالنصب. أَضْعافًا كَثِيرَةً كثرة لا يقدرها إلا الله ﷾. وقيل الواحد بسبعمائة، و«أضعافًا» جمع ضعف ونصبه على الحال من الضمير المنصوب، أو المفعول الثاني لتضمن المضاعفة معنى التصيير أو المصدر على أن الضعف اسم مصدر وجمعه للتنويع. وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ يقتر على بعض ويوسع على بعض حسب ما اقتضت حكمته، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم كيلا يبدل حالكم. وقرأ نافع والكسائي والبزي وأبو بكر بالصاد ومثله في الأعراف في قوله تعالى: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيجازيكم على حسب ما قدمتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٦]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ الْمَلَإِ جماعة يجتمعون للتشاور، ولا واحد له كالقوم ومن للتبعيض. مِنْ بَعْدِ مُوسى أي من بعد وفاته ومن للابتداء. إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ هو يوشع، أو شمعون، أو","vol":"1","page":149},{"text":"شمويل ﵈. ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أقم لنا أميرًا ننهض معه للقتال يدبر أمره ونصدر فيه عن رأيه، وجزم نقاتل على الجواب. وقرئ بالرفع على أنه حال أي أبعثه لنا مقدرين القتال، ويقاتل بالياء مجزومًا ومرفوعًا على الجواب والوصف لملكا. قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا فصل بين عسى وخبره بالشرط، والمعنى أتوقع جبنكم عن القتال إن كتب عليكم، فأدخل هل على فعل التوقع مستفهمًا عما هو المتوقع عنده تقريرًا وتثبيتًا. وقرأ نافع عَسَيْتُمْ بكسر السين. قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا أيْ أيُّ غرض لنا في ترك القتال وقد عرض لنا ما يوجبه ويحث عليه من الإخراج عن الأوطان والإفراد عن الأولاد، وذلك أن جالوت ومن معه من العمالقة كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فظهروا على بني إسرائيل فأخذوا ديارهم وسبوا أولادهم وأسروا من أبناء الملوك أربعمائة وأربعين. فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد أهل بدر وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وعيد لهم على ظلمهم في ترك الجهاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٧]</span>\nوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)\nوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا طالوت علم عبري كداود وجعله فعلوتًا من الطول تعسف يدفعه منع صرفه، روي أن نبيهم ﷺ لما دعا الله أن يملكهم أتى بعضا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا من أين يكون له ذلك ويستأهل. وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ\nوالحال أنا أحق بالملك منه وراثة ومكنة وإنه فقير لا مال له يعتضد به، وإنما قالوا ذلك لأن طالوت كان فقيرًا رَاعيًا أو سقاء أو دباغًا من أولاد بنيامين ولم تكن فيهم النبوة والملك، وإنما كانت النبوة في أولاد لاوى بن يعقوب والملك في أولاد يهوذا وكان فيهم من السبطين خلق. قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ لما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه رد عليهم ذلك. أولًا بأن العمدة فيه اصطفاه الله ﷾ وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، وثانيًا بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية، وجسامة البدن ليكون أعظم خطرًا في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، لا ما ذكرتم. وقد زاده الله فيهما وكان الرجل القائم يمد يده فينال رأسه، وثالثًا بأن الله تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء، ورابعًا أنه واسع الفضل يوسع على الفقير ويغنيه عليم بمن يليق بالملك من النسيب وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٨]</span>\nوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)\nوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ لما طلبوا منه حجة على أنه ﷾ اصطفى طالوت وملكه عليهم. إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الصندوق فعلوت من التوب، وهو الرجوع فإنه لا يزال يرجع إلى ما يخرج منه، وليس بفاعول لقلة نحو سلس وقلق، ومن قرأه بالهاء فلعله أبدله منه كما أبدل من تاء التأنيث لاشتراكهما في الهمس والزيادة، ويريد به صندوق التوراة وكان من خشب الشمشاد مموهًا بالذهب نحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين. فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ الضمير للإِتيان أي في إتيانه سكون لكم وطمأنينة، أو للتابوت أي مودع فيه","vol":"1","page":150},{"text":"ما تسكنون إليه وهو التوراة. وكان موسى ﵊ إِذا قاتل قدمه فتسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون. وقيل صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها وجناحان فتئن فيزف التابوت نحو العدو وهم يتبعونه فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر. وقيل صورة الأنبياء من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام. وقيل التابوت هو القلب والسكينة ما فيه من العلم والإخلاص وإتيانه مصير قلبه مقرًا للعلم والوقار بعد أن لم يكن. وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وعمامة هارون، وآلْهما أبناؤهما أو أنفسهما. والآل مقحم لتفخيم شأنهما، أو أنبياء بني إسرائيل لأنهم أبناء عمهما. تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ قيل رفعه الله بعد موسى فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه وقيل كان بعده مع أنبيائهم يستفتحون به حتى أفسدوا فغلبهم الكفار عليه، وكان في أرض جالوت إلى أن ملك الله طالوت فأصابهم بلاء حتى هلكت خمس مدائن فتشاءموا بالتابوت فوضعوه على ثورين فساقتهما الملائكة إلى طالوت.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يحتمل أن يكون من تمام كلام النبي ﵇ وأن يكون ابتداء خطاب من الله ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٩]</span>\nفَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لاَ طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)\nفَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ انفصل بهم عن بلده لقتال العمالقة، وأصله فصل نفسه عنه ولكن لما كثر حذف مفعوله صار كاللازم.\nروي: أنه قال لهم لا يخرج معي إلا الشاب النشيط الفارغ، فاجتمع إليه ممن إختاره ثمانون ألفًا، وكان الوقت قيظًا فسلكوا مفازه وسألوه أن يجري الله لهم نهرًا\n. قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ معاملكم معاملة المختبر بما اقترحتموه. فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي فليس من أشياعي، أو ليس بمتحد معي. وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي أي من لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه مأكولًا أو مشروبًا قال الشاعر:\nوَإِن شِئْتُ لَمْ أَطْعِم نقاخًا وَلاَ بَرَدْا وإنما علم ذلك بالوحي إن كان نبيًا كما قيل، أو بإخبار النبي ﵊. إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ استثناء من قوله فمن شرب منه، وإنما قدمت عليه الجملة الثانية للعناية بها كما قدم والصائبون على الخبر في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا والمعنى الرخصة في القليل دون الكثير، وقرأ ابن عامر والكوفيون غُرْفَةً بضم الغين. فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ أي فكرعوا فيه إذ الأصل في الشرب منه أن لا يكون بوسط، وتعميم الأول ليتصل الاستثناء، أو أفرطوا في الشرب منه إلا قليلا منهم. وقرئ بالرفع حملًا على المعنى فإن قوله فَشَرِبُوا مِنْهُ في معنى فلم يطيعوه والقليل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا. وقيل ثلاثة آلاف. وقيل: ألفًا. روي أن من اقتصر على الغرفة كفته لشربه وإداوته، ومن لم يقتصر غلب عليه واسودت شفته ولم يقدر أن يمضي وهكذا الدنيا لقاصد الآخرة. فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أي القليل الذين لم يخالفوه. قالُوا أي بعضهم لبعض. لاَ طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ لكثرتهم وقوتهم. قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ أي قال الخلص منهم الذين تيقنوا لقاء الله وتوقعوا ثوابه، أو علموا أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون الله تعالى. وقيل: هم القليل الذين ثبتوا معه، والضمير في قالُوا للكثير المنخذلين عنه اعتذارًا في التخلف وتخذيلًا للقليل، وكأنهم تقاولوا به والنهر بينهما. كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ","vol":"1","page":151},{"text":"اللَّهِ\nبحكمه وتيسيره، وكَمْ تحتمل الخبر والاستفهام، ومَنْ مبينة أو مزيدة. والفئة الفرقة من الناس من فأوت رأسه إذا شققته، أو من فاء رجع فوزنها فعة أو فلة. وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. بالنصر والإثابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٠ الى ٢٥١]</span>\nوَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١)\nوَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي ظهروا لهم ودنوا منهم. قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ التجؤوا إلى الله ﷾ بالدعاء، وفيه ترتيب بليغ إذ سألوا أولًا إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه، ثم النصر على العدو المترتب عليهما غالبًا.\nفَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فكسروهم بنصره، أو مصاحبين لنصره إياهم إجابة لدعائهم. وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ قيل: كان إيشا في عسكر طالوت معه ستة من بنيه، وكان داود سابعهم وكان صغيرًا يرعى الغنم، فأوحى الله إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء وقد كلمه في الطريق ثلاثة أحجار وقالت له: إنك بنا تقتل جالوت، فحملها في مخلاته ورماه بها فقتله ثم زوجه طالوت بنته. وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي ملك بني إسرائيل ولم يجتمعوا قبل داود على ملك. وَالْحِكْمَةَ أي النبوة. وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ كالسرد وكلام الدواب والطير. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ولولا أنه ﷾ يدفع بعض الناس ببعض وينصر المسلمين على الكفار ويكف بهم فسادهم، لغلبوا وأفسدوا في الأرض، أو لفسدت الأرض بشؤمهم. وقرأ نافع هنا وفي الحج «دفاع الله» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٢]</span>\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ إشارة إلى ما قص من حديث الألوف وتمليك طالوت وإتيان التابوت وانهزام الجبابرة وقتل داودُ جالوت نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ.\nوَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لما أخبرت بها من غير تعرف واستماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٣]</span>\nتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)\nتِلْكَ الرُّسُلُ إشارة إلى الجماعة المذكورة قصصها في السورة، أو المعلومة للرسول ﷺ، أو جماعة الرسل واللام للاستغراق. فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ تفضيل له، وهو موسى ﵊. وقيل: موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، كلم الله موسى ليلة الحيرة وفي الطور، ومحمدا ﵊ ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى وبينهما بون بعيد، وقرئ «كَلمَ الله» و«كالم الله» بالنصب، فإنه كلم الله كما أن الله كلمه ولذلك قيل كليم الله بمعنى مكالمه. وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ بأن فضله على غيره من وجوه متعددة، أو بمراتب متباعدة. وهو محمد","vol":"1","page":152},{"text":"ﷺ فإنه خصه بالدعوة العامة والحجج المتكاثرة والمعجزات المستمرة، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر، والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر. والإبهام لتفخيم شأنه كأنه العلم المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين. وقيل: إبراهيم ﵇ خصصه بالخلة التي هي أعلى المراتب. وقيل: إدريس ﵇ لقوله تعالى: وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا. وقيل: أُوْلُو العزم مِنَ الرسل. وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ خصه بالتعيين لإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، وجعل معجزاته سبب تفضيله لأنها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ أي هدى الناس جميعًا. مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ من بعد الرسل. مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي المعجزات الواضحة لاختلافهم في الدين، وتضليل بعضهم بعضًا. وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بتوفيقه التزام دين الأنبياء تفضلًا. وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ لإِعراضه عنه بخذلانه. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا كرره للتأكيد. وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ فيوفق من يشاء فضلًا، ويُخذل من يشاء عدلًا. والآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متفاوتة الأقدام، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض، ولكن بقاطع لأن اعتبار الظن فيما يتعلق بالعمل وأن الحوادث بيد الله ﷾ تابعة لمشيئته خيرًا كان أو شرًا إيمانًا أو كفرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ ما أوجبت عليكم إنفاقه. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ من قبل أن يأتى يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فرطتم، والخلاص من عذابه إذ لا بيع فيه فتحصلون ما تنفقونه، أو تفتدون به من العذاب ولا خلة حتى يعينكم عليه أخلاؤكم أو يسامحوكم به ولا شفاعة إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا حتى تتكلوا على شفعاء تشفع لكم في حط ما في ذممكم، وإنما رفعت ثلاثتها مع قصد التعميم لأنها في التقدير جواب: هل فيه بيع؟ أو خلة؟ أو شفاعة؟ وقد فتحها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب على الأصل. وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ يريد والتاركون للزكاة هم ظالمون الذين ظلموا أنفسهم، أو وضعوا المال في غيره موضعه وصرفوه على غير وجهه، فوضع الكافرون موضعه تغليظًا لهم وتهديدًا كقوله: ومَنْ كَفَرَ مكان ومن لم يحج وإيذانًا بأن ترك الزكاة من صفات الكفار لقوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٥]</span>\nاللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)\nاللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غيره. وللنحاة خلاف في أنه هل يضمر للأخير مثل في الوجود أو يصح أن يوجد. الْحَيُّ الذي يصح أن يعلم ويقدر وكل ما يصح له فهو واجب لا يزول لامتناعه عن القوة والإِمكان. الْقَيُّومُ الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه فيعول من قام بالأمر إذا حفظه، وقرئ «القيام» و«القيم» . لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ السنة فتور يتقدم النوم قال ابن الرقاع:\nوَسَنانٌ أَقْصَدَهُ النَّعَاسُ فَرَنَّقَت ... في عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيسَ بِنَائِمٍ\nوالنوم حال تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسًا، وتقديم السنة عليه وقياس المبالغة عكسه على ترتيب الوجود، والجملة","vol":"1","page":153},{"text":"نفي للتشبيه وتأكيد لكونه حيًا قيومًا، فإن من أخذه نعاس أو نوم كان مؤف الحياة قاصرًا في الحفظ والتدبير، ولذلك ترك العاطف فيه وفي الجمل التي بعده. لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تقرير لقيوميتَّه واحتجاج به على تفرده في الألوهية، والمراد بما فيهما داخلًا في حقيقتهما أو خارجًا عنهما متمكنًا فيهما فهو أبلغ من قوله: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ بيان لكبرياء شأنه ﷾، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلًا عن أن يعاوقه عنادًا أو مناصبة أي مخاصمة. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ما قبلهم وما بعدهم، أو بالعكس لأنك مستقبل المستقبل ومستدبر الماضي، أو أمور الدنيا وأمور الآخرة، أو عكسه، أو ما يحسونه وما يعقلونه، أو ما يدركونه وما لا يدركونه، والضمير لما في السموات والأرض، لأن فيهما العقلاء، أو لما دل عليه من ذا من الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ من معلوماته. إِلَّا بِما شاءَ أن يعلموه، وعطفه على ما قبله لأن مجموعهما يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام الدال على وحدانيته ﷾. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ تصوير لعظمته وتمثيل مجرد كقوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ولا كرسي في الحقيقة، ولا قاعد. وقيل كرسيه مجاز عن علمه أو ملكه، مأخوذ من كرسي العالم والملك. وقيل جسم بين يدي العرش ولذلك سمي كرسيًا محيط بالسموات السبع،\nلقوله ﵊ «ما السموات السبع والأرضون السبع من الكرسي، إلا كحلقة في فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة»\nولعله الفلك المشهور بفلك البروج، وهو في الأصل اسم لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، وكأنه منسوب إلى الكرسي وهو الملبد. وَلا يَؤُدُهُ أي ولا يثقله، مأخوذ من الأود وهو الاعوجاج. حِفْظُهُما أي حفظه السموات والأرض، فحذف الفاعل وأضاف المصدر إلى المفعول. وَهُوَ الْعَلِيُّ المتعالي عن الأنداد والأشباه.\nالْعَظِيمُ المستحقر بالإضافة إليه كل ما سواه.\nوهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهية، فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية، متصف بالحياة، واجب الوجود لذاته موجد لغيره، إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره، منزه عن التحيز والحلول، مبرأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، ومبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع عنده إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ عالم الأشياء كلها، جليها وخفيها، كليها وجزئيها، واسع الملك والقدرة، كل ما يصح أن يملك ويقدر عليه، لا يؤده شاق، ولا يشغله شأن، متعال عما يدركه، وهو عظيم لا يحيط به فهم، ولذلك\nقال ﵊ «إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي، من قرأها بعث الله ملكا يكتب من حسناته، ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة» .\nوقال «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٦]</span>\nلا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)\nلا إِكْراهَ فِي الدِّينِ إذ الإِكراه في الحقيقة إلزام الغير فعلًا لا يرى فيه خيرًا يحمله عليه، ولكن قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ تميز الإِيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلت الدلائل على أن الإِيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية والكفر غي يؤدي إلى الشقاوة السرمدية، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإِيمان طلبًا للفوز بالسعادة والنجاة، ولم يحتج إلى الإِكراه والإِلجاء. وقبل إخبار في معنى النهي، أي لا تكرهوا في الدين، وهو إما عام منسوخ بقوله جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، أو خاص بأهل","vol":"1","page":154},{"text":"الكتاب لما\nروي (أن أنصاريًا كان له ابنان تنصرا قبل المبعث، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقال: الأنصاري يا رسول الله أيدخل بِعَقْبَيَّ النار وأنا أنظر إليه فنزلت فخلاهما)\n. فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ بالشيطان، أو الأصنام، أو كل ما عبد من دون الله، أو صد عن عبادة الله تعالى. فعلوت من الطغيان قلبت عينه ولامه. وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ بالتوحيد وتصديق الرسل.\nفَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى طلب الإِمساك عن نفسه بالعروة الوثقى من الحبل الوثيق، وهي مستعارة لمتمسك الحق من النظر الصحيح والرأي القويم. لَا انْفِصامَ لَها لا انقطاع لها يقال فصمته فانفصم إذا كسرته. وَاللَّهُ سَمِيعٌ بالأقوال عَلِيمٌ بالنيات، ولعله تهديد على النفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٧]</span>\nاللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)\nاللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا محبهم، أو متولي أمورهم، والمراد بهم من أراد إيمانه وثبت في علمه أنه يؤمن. يُخْرِجُهُمْ بهدايته وتوفيقه. مِنَ الظُّلُماتِ ظلمات الجهل واتباع الهوى وقبول الوساوس والشبه المؤدية إلى الكفر. إِلَى النُّورِ إلى الهدى الموصل إلى الإِيمان، والجملة خبر بعد خبر، أو حال من المستكن في الخبر، أو من الموصول، أو منهما، أو استئناف مبين، أو مقرر للولاية. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ أي الشياطين، أو المضلات من الهوى والشيطان وغيرهما. يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ من النور الذي منحوه بالفطرة، إلى الكفر وفساد الاستعداد والانهماك في الشهوات، أو من نور البينات إلى ظلمات الشكوك والشبهات. وقيل: نزلت في قوم ارتدوا عن الإِسلام، وإسناد الإِخراج إلى الطاغوت باعتبار التسبب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به. أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وعيد وتحذير، ولعل عدم مقابلته بوعد المؤمنين تعظيم لشأنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ تعجيب من محاجة نمروذ وحماقته. أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ لأن آتاه أي أبطره إيتاء الملك وحمله على المحاجة، أو حاج لأجله شكرًا له على طريقة العكس كقولك عاديتني لأني أحسنت إليك، أو وقت أن آتاه الله الملك وهو حجة على من منع إيتاء الله الملك الكافر من المعتزلة.\nإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ ظرف ل «حَاجَّ»، أو بدل من أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ على الوجه الثاني. رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ بخلق الحياة والموت في الأجساد. وقرأ حمزة «رب» بِحذف الياء. قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ بالعفو عن القتل والقتل. وقرأ نافع «أنا» بلا ألف. قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ أعرض إبراهيم ﵊ عن الاعتراض على معارضته الفاسدة إلى الاحتجاج بما لا يقدر فيه على نحو هذا التمويه دفعًا للمشاغبة، وهو في الحقيقة عدول عن مثال خفي إلى مثال جلي من مقدوراته التي يعجز عن الإِتيان بها غيره، لا عن حجة إلى أخرى. ولعل نمروذ زعم أنه يقدر أن يفعل كل جنس يفعله الله فنقضه إبراهيم بذلك، وإنما حمله عليه بطر الملك وحماقته، أو اعتقاد الحلول. وقيل لما كسر إبراهيم ﵊ الأصنام سجنه أيامًا ثم أخرجه ليحرقه، فقال له من ربك الذي تدعو إليه وحاجة فيه.\nفَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ فصار مبهوتًا. وقرئ «فَبُهِتَ» أي فغلب إبراهيمُ الكافرَ. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ","vol":"1","page":155},{"text":"الذين ظلموا أنفسهم بالامتناع عن قبول الهداية. وقيل لا يهديهم محجة الاحتجاج أو سبيل النجاة، أو طريق الجنة يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>[سورة البقرة (٢): آية ٢٥٩]</span>\nأَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)\nأَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ تقديره أو أرأيت مثل الذي فحذف لدلالة ألم تر عليه، وتخصيصه بحرف التشبيه لأن المنكر للإِحياء كثير والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى، بخلاف مدعي الربوبية، وقيل الكاف مزيدة وتقدير الكلام ألم تر إلى الذي حاج أو الذي مر. وقيل إنه عطف محمول على المعنى كأنه قيل: ألم تر كالذي حاج، أو كالذي مر. وقيل: إنه من كلام إبراهيم ذكره جوابًا لمعارضته وتقديره أو إن كنت تحيي فأحيي كإحياء الله تعالى الذي مر على قرية. وهو عزير بن شرحيا. أو الخضر، أو كافر بالبعث. ويؤيده نظمه مع نمروذ. والقرية بيت المقدس حين خربه بختنصر. وقيل القرية التي خرج منها الألوف. وقيل غيرهما واشتقاقها من القرى وهو الجمع. وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها خالية ساقطة حيطانها على سقوفها. قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها اعترافًا بالقصور عن معرفة طريق الإِحياء، واستعظامًا لقدرة المحيي إن كان القائل مؤمنًا، واستبعادًا إن كان كافرا. وأَنَّى في موضع نصب على الظرف بمعنى متى أو على الحال بمعنى كيف. فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ فألبثه ميتًا مائة عام، أو أماته الله فلبث ميتًا مائة عام. ثُمَّ بَعَثَهُ بالإِحياء. قالَ كَمْ لَبِثْتَ القائل هو الله وساغ أن يكلمه وإن كان كافرًا لأنه آمن بعد البعث أو شارف الإِيمان. وقيل ملك أو نبي. قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ كقول الظان. وقيل: إنه مات ضحى وبعث بعد المائة قبيل الغروب فقال قبل النظر إلى الشمس يومًا ثم التفت فرأى بقية منها فقال أو بعض يوم على الإِضراب. قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير بمرور الزمان، واشتقاقه من السنة. والهاء أصلية إن قدرت لام السنة هاء وهاء سكت إن قدرت واوًا. وقيل أصله لم يتسنن من الحمأ المسنون فأبدلت النون الثالثة حرف علة كتقضي البازي، وإنما أفرد الضمير لأن الطعام والشراب كالجنس الواحد. وقيل كان طعامه تينًا وعنبًا وشرابه عصيرًا أو لبنًا وكان الكل على حاله. وقرأ حمزة والكسائي «لم يتسن» بغير الهاء في الوصل. وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف تفرقت عظامه، أو انظر إليه سالمًا في مكانه كما ربطته حفظناه بلا ماء وعلف كما حفظنا الطعام والشراب من التغير، والأول أدل على الحال وأوفق لما بعده. وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ أي وفعلنا ذلك لنجعلك آية.\nروي أنه أتى قومه على حماره وقال أنا عزير فكذبوه، فقرأ التوراة من الحفظ ولم يحفظها أحد قبله فعرفوه بذلك، وقالوا هو ابن الله\n. وقيل لما رجع إلى منزله كان شابًا وأولاده شيوخًا فإذا حدثهم بحديث قالوا حديث مائة سنة. وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ يعني عظام الحمار، أو الأموات الذين تعجب من إحيائهم.\nكَيْفَ نُنْشِزُها كيف نحييها، أو نرفع بعضها على بعض ونركبه عليه، وكيف منصوب بنشزها والجملة حال من العظام أي: انظر إليها محياة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب «ننشرها» من أنشر الله الموتى، وقرئ «ننشرها» من نشر بمعنى أنشر. ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ فاعل تبين مضمر يفسره ما بعده تقديره: فلما تبين له إن الله على كل شيء قدير. قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، أو يفسره ما قبله أي فلما تبين له ما أشكل عليه. وقرأ حمزة والكسائي قالَ أَعْلَمُ على الأمر والأمر مخاطبه، أو هو نفسه خاطبها به على طريق التبكيت.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى إنما سأل ذلك ليصير علمه عيانًا، وقيل لما قال نمروذ أنا أحيي وأميت قال له: إن إحياء الله تعالى برد الروح إلى بدنها، فقال نمروذ: هل عاينته فلم يقدر أن يقول نعم. وانتقل إلى تقرير آخر، ثم سأل ربه أن يريه ليطمئن قلبه على الجواب إن سئل عنه مرة أخرى. قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بأني قادر على الإِحياء بإعادة التركيب والحياة، قال له ذلك وقد علم أنه أغرق الناس في الإِيمان ليجيب بما أجاب به فيعلم السامعون غرضه. قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي بلى آمنت ولكن سألت ذلك لأزيد بصيرة وسكون قلب بمضامة العيان إلى الوحي أو الاستدلال. قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ قيل طاوسًا وديكًا وغرابًا وحمامة، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمامة وفيه إيماء إلى أن إحياء النفس بالحياة الأبدية إنما يتأتى بإماتة حب الشهوات والزخارف الذي هو صفة الطاوس، والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس وبعد الأمل المتصف بهما الغراب، والترفع والمسارعة إلى الهوى الموسوم بهما الحمام. وإنما خص الطير لأنه أقرب إلى الإِنسان وأجمع لخواص الحيوان والطير مصدر سمي به أو جمع كصحب. فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ فأملهن واضممهن إليك لتتأملها وتعرف شياتها لئلا تلتبس عليك بعد الإِحياء. وقرأ حمزة ويعقوب فَصُرْهُنَّ بالكسر وهما لغتان قَالَ:\nوَمَا صَيَدُ الأَعْنَاقِ فيهم جبلة ... ولَكِنْ أَطْرَافَ الرِّماحِ تَصُورُهَا\nوقال:\nوَفَرْعٌ يصِيرُ الجِيدَ وَحْفٌ كَأنه ... عَلى اللَّيثِ قنوان الكروم الدّوالح\nوقرئ «فَصُرْهُنَّ» بضم الصاد وكسرها وهما لغتان، مشددة الراء من صره يصره ويصره إذا جمعه وفصرهن من التصرية وهي الجمع أيضًا. ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا أي ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال التي بحضرتك. قيل كانت أربعة. وقيل سبعة. وقرأ أبو بكر «جزءوا» و«جزؤ» بضم الزاي حيث وقع. ثُمَّ ادْعُهُنَّ قل لهن تعالين بإذن الله تعالى. يَأْتِينَكَ سَعْيًا ساعيات مسرعات طيرانًا أو مشيًا.\nروي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها فيمسك رؤوسها، ويخلط سائر أجزائها ويوزعها على الجبال، ثم يناديهن. ففعل ذلك فجعل كل جزء يطير إلى آخر حتى صارت جثثًا ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن\n. وفيه إشارة إلى أن من أراد إحياء نفسه بالحياة الأبدية، فعليه أن يقبل على القوى البدنية فيقتلها ويمزج بعضها ببعض حتى تنكسر سورتها، فيطاوعنه مسرعات متى دعاهن بدعاية العقل أو الشرع. وكفى لك شاهدًا على فضل إبراهيم ﵊ وَيُمْنُ الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال، إنه تعالى أراه ما أراد أن يريه في الحال على أيسر الوجوه، وأراه عُزّيرًا بعد أن أماته مائة عام. وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجز عما يريده. حَكِيمٌ ذو حكمة بالغة في كل ما يفعله ويذره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦١]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)\nمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أي مثل نفقتهم كمثل حبة أو مثلهم كمثل باذر حبة على حذف المضاف. أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ أسند الإِنبات إلى الحبة لما كانت من الأسباب، كما يسند إلى الأرض والماء، والمنبت على الحقيقة هو الله تعالى والمعنى: أنه يخرج منها ساق","vol":"1","page":157},{"text":"يتشعب لكل منه سبع شعب، لكل منها سنبلة فيها مائة حبة. وهو تمثيل لا يقتضي وقوعه وقد يكون في الذرة والدخن في البر في الأراضي المغلة. وَاللَّهُ يُضاعِفُ تلك المضاعفة. لِمَنْ يَشاءُ بفضله وعلى حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه، ومن أجل ذلك تفاوتت الأعمال في مقادير الثواب. وَاللَّهُ واسِعٌ لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة. عَلِيمٌ بنية المنفق وقدر إنفاقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٢ الى ٢٦٣]</span>\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً نزلت في عثمان رضي الله تعالى عنه فإنه جهز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها. وعبد الرحمن بن عوف فإنه أتى النبي ﷺ بأربعة آلاف درهم صدقة. والمن أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه. والأذى أن يتطاول عليه بسبب ما أنعم عليه، وثم للتفاوت بين الإِنفاق وترك المن والأذى. لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لعله لم يدخل الفاء فيه وقد تضمن ما أسند إليه معنى الشرط إيهامًا بأنهم أهل لذلك وإن لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ رد جميل. وَمَغْفِرَةٌ وتجاوز عن السائل والحاجة، أو نيل المغفرة من الله بالرد الجميل، أو عفو من السائل بأن يعذر ويغتفر رده. خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً خبر عنهما، وإنما صح الابتداء بالنكرة لاختصاصها بالصفة. وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن إنفاق بمن وإيذاء. حَلِيمٌ عن معاجلة من يمن ويؤذي بالعقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى لا تحبطوا أجرها بكل واحد منهما. كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كإبطال المنافق الذي يرائي بإنفاقه ولا يريد به رضا الله تعالى ولا ثواب الآخرة، أو مماثلين الذي ينفق رئاء الناس، والكاف في محل النصب على المصدر أو الحال، ورِئاءَ نصب على المفعول له أو الحال بمعنى مرائيًا أو المصدر أي إنفاق رِئاءَ. فَمَثَلُهُ أي فمثل المرائي في إنفاقه. كَمَثَلِ صَفْوانٍ كمثل حجر أملس. عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ مطر عظيم القطر. فَتَرَكَهُ صَلْدًا أملس نقيًا من التراب. لاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا لا ينتفعون بما فعلوا رئاء ولا يجدون له ثوابًا، والضمير للذي ينفق باعتبار المعنى لأن المراد به الجنس، أو الجمع كما في قوله:\nإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلجٍ دِمَاؤُهُم ... هُمُ القَومُ كُلَّ القَومِ يَا أُمَّ خَالدٍ\nوَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إلى الخير والرشاد، وفيه تعريض بأن الرئاء والمن والأذى على الإنفاق من صفات الكفار ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٥]</span>\nوَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)\nوَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وتثبيتًا بعض أنفسهم على الإِيمان، فإِن","vol":"1","page":158},{"text":"المال شقيق الروح، فمن بذل ماله لوجه الله ثبت بعض نفسه ومن بذل ماله وروحه ثبتها كلها، أو تصديقًا للإِسلام وتحقيقًا للجزاء مبتدأ من أصل أنفسهم، وفيه تنبيه على أن حكمة الإِنفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال. كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أي ومثل نفقة هؤلاء في الزكاة، كمثل بستان بموضع مرتفع، فإن شجره يكون أحسن منظرًا وأزكى ثمرًا. وقرأ ابن عامر وعاصم بِرَبْوَةٍ بالفتح وقرئ بالكسر وثلاثتها لغات فيها. أَصابَها وابِلٌ مطر عظيم القطر. فَآتَتْ أُكُلَها ثمرتها. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالسكون للتخفيف. ضِعْفَيْنِ مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل. والمراد بالضعف المثل كما أريد بالزوج الواحد في قوله تعالى: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وقيل: أربعة أمثاله ونصبه على الحال أي مضاعفًا. فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ أي فيصيبها، أو فالذي يصيبها طل، أو فطل يكفيها لكرم منبتها وبرودة هوائها لارتفاع مكانها. وهو المطر الصغير القطر، والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت باعتبار ما ينضم إليها من أحواله، ويجوز أن يكون التمثيل لحالهم عند الله تعالى بالجنة على الربوة ونفقاتهم الكثيرة والقليلة الزائدتين في زلفاهم بالوابل والطل. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تحذير عن الرئاء وترغيب في الإخلاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٦]</span>\nأَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)\nأَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ الهمزة فيه للإِنكار. أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جعل الجنة منهما مع ما فيها من سائر الأشجار تغليبا لهما لشرفهما وكثرة منافعهما، ثم ذكر أن فِيهَا مِن كُلّ الثمرات ليدل على احتوائها على سائر أنواع الأشجار، ويجوز أن يكون المراد بالثمرات المنافع. وَأَصابَهُ الْكِبَرُ أي كبر السن، فإن الفاقة والعالة في الشيخوخة أصعب، والواو للحال أو للعطف حملًا على المعنى، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر. وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ صغار لا قدرة لهم على الكسب. فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ عطف على أصابه، أو تكون باعتبار المعنى.\nوالإِعصار ريح عاصفة تنعكس من الأرض إلى السماء مستديرة كعمود، والمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة ويضم إليها ما يحبطها كرياء وإيذاء في الحسرة والأسف، فإذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة بحال من هذا شأنه، وأشبههم به من جال بسره في عالم الملكوت، وترقى بفكره إلى جناب الجبروت، ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثورًا. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ أي تتفكرون فيها فتعتبرون بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ من حلاله أو جياده. وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمرات والمعادن، فحذف المضاف لتقدم ذكره. وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ أي ولا تقصدوا الرديء منه أي من المال، أو مما أخرجنا لكم. وتخصيصه بذلك لأن التفاوت فيه أكثر، وقرئ «ولا تؤمموا» «ولا تيمموا» بضم التاء. تُنْفِقُونَ حال مقدرة من فاعل تيمموا، ويجوز أن يتعلق به منه ويكون الضمير للخبيث والجملة حالًا منه. وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ أي وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم لرداءته. إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ إلا أن تتسامحوا فيه، مجاز من أغمض بصره إذا غضه. وقرئ","vol":"1","page":159},{"text":"«تُغْمِضُواْ» أي تحملوا على الإِغماض، أو توجدوا مغمضين. وعن ابن عباس ﵁: كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن إنفاقكم، وإنما يأمركم به لانتفاعكم. حَمِيدٌ بقبوله وإثابته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٨]</span>\nالشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)\nالشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ في الإِنفاق، والوعد في الأصل شائع في الخير والشر. وقرئ الْفَقْرَ بالضم والسكون وبضمتين وفتحتين. وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ويغريكم على البخل، والعرب تسمي البخيل فاحشًا.\nوقيل المعاصي وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ أي يعدكم في الإِنفاق مغفرة لذنوبكم. وَفَضْلًا خلفًا أفضل مما أنفقتم في الدنيا، أو في الآخرة. وَاللَّهُ واسِعٌ أي واسع الفضل لمن أنفق. عَلِيمٌ بإنفاقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٩]</span>\nيُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩)\nيُؤْتِي الْحِكْمَةَ تحقيق العلم وإتقان العلم. مَنْ يَشاءُ مفعول أول أخر للإِهتمام بالمفعول الثاني وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ بناؤه للمفعول لأنه المقصود. وقرأ يعقوب بالكسر أي ومن يؤته الله الحِكمة. فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا أي: أيُّ خير كثير؟ إذ حيز له خير الدارين. وَما يَذَّكَّرُ وما يتعظ بما قص من الآيات، أو ما يتفكر، فإن المتفكر كالمتذكر لما أودع الله في قلبه من العلوم بالقوة. إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم والركون إلى متابعة الهوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٠ الى ٢٧٢]</span>\nوَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)\nوَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ قليلة أو كثيرة، سرًا أو علانية، في حق أو باطل. أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ بشرط أو بغير شرط، في طاعة أو معصية. فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ فيجازيكم عليه. وَما لِلظَّالِمِينَ الذين ينفقون في المعاصي وينذرون فيها، أو يمنعون الصدقات ولا يوفون بالنذر. مِنْ أَنْصارٍ من ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.\nإِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ فنعم شيئًا إبداؤها. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين على الأصل. وقرأ أبو بكر وأبو عمرو وقالون بكسر النون وسكون العين، وروي عنهم بكسر النون وإخفاء حركة العين وهو أقيس. وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ أي تعطوها مع الإِخفاء. فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فالإِخفاء خير لكم، وهذا في التطوع ولمن لم يعرف بالمال فإن إبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التهمة عنه.\nعن ابن عباس ﵄ (صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفًا، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفًا) . وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص بالياء أي والله يكفر أو الإِخفاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش ويعقوب بالنون مرفوعًا على أنه جملة فعلية مبتدأة أو إسمية معطوفة على ما بعد الفاء أي: ونحن نكفر. وقرأ نافع وحمزة والكسائي به مجزومًا على محل الفاء وما بعده. وقرئ بالتاء مرفوعًا ومجزومًا والفعل للصدقات. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ترغيب في الإِسرار.","vol":"1","page":160},{"text":"لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين، وإنما عليك الإِرشاد والحث على المحاسن، والنهي عن المقابح كالمن والأذى وإنفاق الخبيث. وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ صريح بأن الهداية من الله تعالى وبمشيئته، وإنها تخص بقوم دون قوم. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ من نفقة معروفة. فَلِأَنْفُسِكُمْ فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا عليه ولا تنفقوا الخبيث. وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ حال، وكأنه قال وما تنفقون من خير فلأنفسكم غير منفقين إلا لابتغاء وجه الله وطلب ثوابه. أو عطف على ما قبله أي وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجهه فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث. وقيل: نفي في معنى النهي. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ثوابه أضعافًا مضاعفة، فهو تأكيد للشرطية السابقة، أو ما يخلف للمنفق استجابة\nلقوله ﵊ «اللهم اجعل لمنفق خلفًا، ولممسك تلفًا»\nروي: أن ناسًا من المسلمين كانت لهم أصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفقون عليهم، فكرهوا لما أسلموا أن ينفعوهم فنزلت\n. وهذا في غير الواجب أما الواجب فلا يجوز صرفه إلى الكفار. وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ أي لا تنقصون ثواب نفقاتكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٣]</span>\nلِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)\nلِلْفُقَراءِ متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء، أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، أو صدقاتكم للفقراء.\nالَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أحصرهم الجهاد. لاَ يَسْتَطِيعُونَ لاشتغالهم به. ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ ذهابًا فيها للكسب. وقيل هم أهل الصفة كانوا نحوًا من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صفة المسجد يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله ﷺ. يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بحالهم، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين. أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ من أجل تعففهم عن السؤال، تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ من الضعف ورثاثة الحال، والخطاب للرسول ﷺ، أو لكل أحد. لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا إلحاحًا، وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه، من قولهم لحفني من فضل لحافه، أي أعطاني من فضل ما عنده، والمعنى أنهم لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا. وقيل: هو نفي للأمرين كقوله:\nعلى لا حب يهتدي بمناره ونصبه على المصدر فإنه كنوع من السؤال، أو على الحال. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ترغيب في الإِنفاق وخصوصا على هؤلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٤]</span>\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً أي يعمون الأوقات والأحوال بالخير. نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وعشرة بالسر وعشرة بالعلانية.\nوقيل في أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: لم يملك إلا أربعة دراهم فتصدّق بدرهم ليلًا ودرهم نهارًا، ودرهم سرًا ودرهم علانية.\nوقيل: في ربط الخيل في سبيل الله والإِنفاق عليها. فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ خبر الذين ينفقون، والفاء للسببية. وقيل للعطف والخبر محذوف أي ومنهم الذين ولذلك جوز الوقف على وعلانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٥]</span>\nالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥)","vol":"1","page":161},{"text":"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا أي الآخذون له، وإنما ذكر الأكل لأنه أعظم منافع المال، ولأن الربا شائع في المطعومات وهو زيادة في الأجل، بأن يباع مطعوم بمطعوم، أو نقد بنقد إلى أجل، أو في العوض بأن يباع أحدهما بأكثر منه من جنسه، وإنما كتب بالواو كالصلاة للتفخيم على لغة وزيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع. لاَ يَقُومُونَ إذا بعثوا من قبورهم. إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ إلا قيامًا كقيام المصروع، وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، والخبط ضرب على غير اتساق كخبط العشواء.\nمِنَ الْمَسِّ أي الجنون، وهذا أيضًا من زعماتهم أن الجني يمسه فيختلط عقله ولذلك قيل: جَنَّ الرجلُ.\nوهو متعلق ب لاَ يَقُومُونَ أي لا يقومون من المس الذي بهم بسبب أكل الربا، أو بيقوم أو بيتخبط فيكون نهوضهم وسقوطهم كالمصروعين لا لاختلال عقولهم ولكن لأن الله أربى في بطونهم ما أكلوه من الربا فأثقلهم. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا أي ذلك العقاب بسبب أنهم نظموا الربا والبيع في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح فاستحلوه استحلاله. وكان الأصل إنما الربا مثل البيع ولكن عكس للمبالغة، كأنهم جعلوا الربا أصلًا وقاسوا به البيع، والفرق بينَّ فإن من أعطى درهمين بدرهم ضيع درهمًا، ومن اشترى سلعة تساوي درهمًا بدرهمين فلعل مساس الحاجَةُ إليها، أو توقع رواجها يجبر هذا الغبن. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا إنكار لتسويتهم، وإبطال القياس بمعارضة النص. فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فمن بلغه وعظ من الله تعالى وزجر كالنهي عن الربا. فَانْتَهى فاتعظ وتبع النهي. فَلَهُ مَا سَلَفَ تقدم أخذه التحريم ولا يسترد منه، وما في موضع الرفع بالظرف إن جعلت من موصولة، وبالابتداء إن جعلت شرطية على رأي سيبويه إذ الظرف غير معتمد على ما قبله. وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ يجازيه على انتهائه إن كان من قبول الموعظة وصدق النية.\nوقيل يحكم في شأنه ولا اعتراض لكم عليه. وَمَنْ عادَ إلى تحليل الربا، إذ الكلام فيه. فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لأنهم كفروا به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٦]</span>\nيَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)\nيَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ يضاعف ثوابها ويبارك فيما أخرجت منه،\nوعنه ﵊ «إن الله يقبل الصدقة ويربيها كما يربي أحدكم مهره» .\nوعنه ﵊ «ما نقصت زكاة من مال قط»\n. وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ لا يرضى ولا يحب محبته للتوابين. كُلَّ كَفَّارٍ مصر على تحليل المحرمات. أَثِيمٍ منهمك في ارتكابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله وبما جاءهم منه. وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ عطفهما على ما يعمهما لإِنافتهما على سائر الأعمال الصالحة. لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من آت. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على فائت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٨ الى ٢٧٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)","vol":"1","page":162},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا واتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربا. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بقلوبكم فإن دليله امتثال ما أمرتم به.\nروي: أنه كان لثقيف مال على بعض قريش، فطالبوهم عند المحل بالمال والربا. فنزلت\n. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به، وقرأ حمزة وعاصم في رواية ابن عياش «فآذنوا» أي فاعلموا بها غيركم، من الأذن وهو الاستماع فإنه من طرق العلم، وتنكير حرب للتعظيم وذلك يقتضي أن يقاتل المربي بعد الاستتابة حتى يفيء إلى أمر الله، كالباغي ولا يقتضي كفره. روي: أنها لما نزلت قالت ثقيف لا يدي لنا بحرب الله ورسوله. وَإِنْ تُبْتُمْ من الارتباء واعتقاد حله. فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ بأخذ الزيادة. وَلا تُظْلَمُونَ بالمطل والنقصان، ويفهم منه أنهم إن لم يتوبوا فليس لهم رأس مالهم وهو سديد على ما قلناه، إذ المصر على التحليل مرتد وماله فيء:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٠]</span>\nوَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)\nوَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ وإن وقع غريم ذو عسرة. وقرئ «ذا عسرة» أي وإن كان الغريم ذا عسرة.\nفَنَظِرَةٌ فالحكم نظرة، أو فعليكم نظرة، أو فليكن نظرة وهي الإنظار. وقرئ «فناظره» على الخبر أي فالمستحق ناظره بمعنى منتظره، أو صاحب نظرته على طريق النسب وفناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة.\nإِلى مَيْسَرَةٍ يسار، وقرأ نافع وحمزة بضم السين، وهما لغتان كمشرقة ومشرقة. وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله: وأخلفوك وعد الأمر الذي وعدوا. وَأَنْ تَصَدَّقُوا بالإبراء. وقرأ عاصم بتخفيف الصاد. خَيْرٌ لَكُمْ أكثر ثوابًا من الإِنظار، أو خير مما تأخذون لمضاعفة ثوابه ودوامه. وقيل:\nالمراد بالتصدق الإِنظار\nلقوله ﵊، «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة»\nإِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما فيه من الذكر الجميل الجزيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨١]</span>\nوَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)\nوَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ يوم القيامة، أو يوم الموت فتأهبوا لمصيركم إليه. وقرأ أبو عمرو ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم. ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ جزاء ما عملت من خير أو شر وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ بنقص ثواب وتضعيف عقاب.\nوعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنها آخر آية نزل بها جبريل ﵇ وقال ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة)\nوعاش رسول الله ﷺ بعدها أحدًا وعشرين يومًا وقيل أحدًا وثمانين يومًا. وقيل سبعة أيام وقيل ثلاثة ساعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)\n.","vol":"1","page":163},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ أي إذا داين بعضكم بعضًا، تقول: داينته إذا عاملته نسيئة معطيًا أو آخذًا. وفائدة ذكر الدين أن لا يتوهم من التداين المجازاة ويعلم تنوعه إلى المؤجل والحال، وأنه الباعث على الكتبة ويكون مرجع ضمير فاكتبوه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى معلوم بالأيام والأشهر لا بالحصاد وقدوم الحاج.\nفَاكْتُبُوهُ لأنه أوثق وادفع للنزاع، والجمهور على أنه استحباب. وعن ابن عباس ﵄ (أن المراد به السلم وقال لما حرم الله الربا أباح السلم) . وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ من يكتب السوية لا يزيد ولا ينقص، وهو في الحقيقة أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين حتى يجيء مكتوبه موثوقًا به معدلًا بالشرع.\nوَلا يَأْبَ كاتِبٌ ولا يمتنع أحد من الكتاب. أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ مثل ما علمه الله من كتبة الوثائق، أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها كقوله: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ. فَلْيَكْتُبْ تلك الكتابة المعلمة. أمر بها بعد النهي عن الإِباء عنها تأكيدًا، ويجوز أن تتعلق الكاف بالأمر فيكون النهي عن الامتناع منها مطلقة ثم الأمر بها مقيدة. وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وليكن المملي من عليه الحق لأنه المقر المشهود عليه، والإِملال والإِملاء واحد. وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أي المملي. أو الكاتب. وَلا يَبْخَسْ ولا ينقص. مِنْهُ شَيْئًا أي من الحق، أو مما أملى عليه. فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا ناقص العقل مبذرًا.\nأَوْ ضَعِيفًا صبيًا أو شيخًا مختلًا. أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ أو غير مستطيع للإِملال بنفسه لخرس أو جهل باللغة. فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ أي الذي يلي أمره ويقوم مقامه من قيم إن كان صبيًا أو مختل العقل، أو وكيل أو مترجم إن كان غير مستطيع. وهو دليل جريان النيابة في الإِقرار ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو الوكيل. وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ واطلبوا أن يشهد على الدين شاهدان. مِنْ رِجالِكُمْ من رجال المسلمين، وهو دليل اشتراط إسلام الشهود وإليه ذهب عامة العلماء وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض. فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فإن لم يكن الشاهدان رجلين. فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ فليشهد أو فليستشهد رجل وامرأتان، وهذا مخصوص بالأموال عندنا وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة. مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ لعلمكم بعدالتهم. أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى علة اعتبار العدد أي لأجل أن إحداهما إن ضلت الشهادة بأن نسيتها ذكرتها الأخرى، والعلة في الحقيقة التذكير ولكن لما كان الضلال سببًا له نزل منزلته كقولهم: أعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه، وكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، وفيه إشعار بنقصان عقلهن وقلة ضبطهن. وقرأ حمزة أَنْ تَضِلَّ على الشرط «فتذكر» بالرفع. وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب فَتُذَكِّرَ من الإِذكار. وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا مَا دُعُوا لأداء الشهادة أو التحمل.\nوسموا شهداء قبل التحمل تنزيلًا لما يشارف منزلة الواقع وما مزيدة. وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ ولا تملوا من كثرة مدايناتكم أن تكتبوا الدين أو الحق أو الكتاب. وقيل كنى بالسأم عن الكسل لأنه صفة المنافق، ولذلك\nقال ﵊ «لا يقول المؤمن كسلت»\nصَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا صغيرًا كان الحق أو كبيرًا، أو مختصرًا كان الكتاب أو مشبعًا. إِلى أَجَلِهِ إلى وقت حلوله الذي أقر به المديون. ذلِكُمْ إشارة إلى أن تَكتبوه. أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أكثر قسطًا. وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأثبت لها وأعون على إقامتها، وهما مبنيان من أقسط وأقام على غير قياس، أو من قاسط بمعنى ذي قسط وقويم، وإنما صحت الواو في أَقْوَمُ كما صحت في التعجب لجموده. وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا وأقرب في أن لا تشكوا في جنس الدين وقدره وأجله والشهود ونحو ذلك. إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها استثناء من الأمر بالكتابة والتجارة الحاضرة تعم المبايعة بدين أو عين، وإدارتها بينهم تعاطيهم إياها يدًا بيد أي: إلا أن تتبايعوا يدًا بيد فلا بأس أن لا تكتبوا، لبعده عن التنازع والنسيان. ونصب عاصم تِجارَةً على أنه الخبر والاسم مضمر تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كقوله:\nبَني أَسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاَءَنَا ... إذَا كَانَ يوماذا كَوَاكِبَ أَشْنَعا","vol":"1","page":164},{"text":"ورفعها الباقون على أنها الاسم والخبر تديرونها أو على كان التامة. وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ هذا التبايع، أو مطلقًا لأنه أحوط. والأوامر التي في هذه الآية للاستحباب عند أكثر الأئمة. وقيل: إنها للوجوب ثم اختلف في إحكامها ونسخها. وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ يحتمل البناءين، ويدل عليه أنه قرئ «وَلاَ يُضَارَّ» بالكسر والفتح. وهو نهيهما عن ترك الإِجابة والتحريف والتغيير في الكتب والشهادة، أو النهي عن الضرار بهما مثل أن يعجلا عن مهم ويكلفا الخروج عما حد لهما، ولا يعطى الكاتب جعله، والشهيد مؤنة مجيئه حيث كان. وَإِنْ تَفْعَلُوا الضرار أو ما نهيتم عنه. فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ خروج عن الطاعة لا حق بكم.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أمره ونهيه. وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ أحكامه المتضمنة لمصالحكم. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ كرر لفظه الله في الجمل الثلاث لاستقلالها، فإن الأولى حث على التقوى، والثانية وعد بإنعامه، والثالثة تعظيم لشأنه. ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٣]</span>\nوَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)\nوَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرين. وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فالذي يستوثق به رهان، أو فعليكم رهان، أو فليؤخذ رهان. وليس هذا التعليق لاشتراط السفر في الإِرتهان كما ظنه مجاهد والضحاك رحمهما الله تعالى لأنه ﵇ رهن درعه في المدينة من يهودي على عشرين صاعًا من شعير أخذه لأهله، بل لإِقامة التوثق للإِرتهان مقام التوثق بالكتابة في السفر الذي هو مظنة إعوازها. والجمهور على اعتبار القبض فيه غير مالك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «فرهن» كسقف وكلاهما جمع رهن بمعنى مرهون: وقرئ بإسكان الهاء على التخفيف. فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أي بعض الدائنين بعض المديونين واستغنى بأمانته عن الارتهان. فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ أي دينه سماه أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به. وقرئ «الذي ايتمن» بقلب الهمزة ياء، و«الذي أتمن» بإدغام الياء في التاء وهو خطأ لأن المنقلبة عن الهمزة في حكمها فلا تدغم. وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في الخيانة وإنكار الحق وفيه مبالغات. وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ أيها الشهود، أو المدينون والشهادة شهادتهم على أنفسهم. وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ أي يأثم قلبه أو قلبه يأثم. والجملة خبر إن وإسناد الإِثم إلى القلب لأن الكتمان مقترفه ونظيره: العين زانية والأذن زانية. أو للمبالغة فإنه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم الأفعال، وكأنه قيل: تمكن الإِثم في نفسه وأخذ أشرف أجزائه، وفاق سائر ذنوبه.\nوقرئ «قَلْبَهُ» بالنصب كحسن وجهه. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تهديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٤]</span>\nلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)\nلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقًا وملكًا. وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يعني ما فيها من السوء والعزم عليه لترتب المغفرة والعذاب عليه. يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يوم القيامة. وهو حجة على من أنكر الحساب كالمعتزلة والروافض. فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ مغفرته. وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه، وهو صريح في نفي وجوب التعذيب. وقد رفعهما ابن عامر وعاصم ويعقوب على الاستئناف، وجزمهما الباقون عطفًا على جواب الشرط، ومن جزم بغير فاء جعلهما بدلًا منه بدل البعض من الكل أو الاشتمال كقوله:\nمَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا فِي دِيَارِنَا ... تجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا","vol":"1","page":165},{"text":"وإدغام الراء في اللام لحن إذ الراء لا تدغم إلا في مثلها. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الإِحياء والمحاسبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٥]</span>\nآمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)\nآمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ شهادة وتنصيص من الله تعالى على صحة إيمانه والإِعتداد به، وإنه جازم في أمره غير شاك فيه. وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا يخلو من أن يعطف الْمُؤْمِنُونَ على الرَّسُولُ، فيكون الضمير الذي ينوب عنه التنوين راجعًا إلى الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أو يجعل مبتدأ فيكون الضمير للمؤمنين. وباعتباره يصح وقوع كل بخبره خبر المبتدأ، ويكون إفراد الرسول بالحكم إما لتعظيمه أو لأن إيمانه عن مشاهدة وعيان، وإيمانهم عن نظر واستدلال. وقرأ حمزة والكسائي:\n«وكتابه» يعني القرآن، أو الجنس. والفرق بينه وبين الجمع أنه شائع في وحدان الجنس والجمع في جموعه ولذلك قيل: الكتاب أكثر من الكتب. لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي يقولون لا تفرق. وقرأ يعقوب لا يفرق بالياء على أن الفعل ل كُلٌّ. وقرئ «لا يفرقون» حملًا على معناه كقوله تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ واحد في معنى الجمع لوقوعه في سياق النفي كقوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ.\nولذلك دخل عليه بين، والمراد نفي الفرق بالتصديق والتكذيب وَقالُوا سَمِعْنا أجبنا. وَأَطَعْنا أمرك.\nغُفْرانَكَ رَبَّنا اغفر لنا غفرانك، أو نطلب غفرانك. وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ المرجع بعد الموت وهو إقرار منهم بالبعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٦]</span>\nلاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لاَ طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)\nلاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها إلا ما تسعه قدرتها فضلًا ورحمةً، أو ما دون مدى طاقتها بحيث يتسع فيه طوقها ويتيسر عليها كقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وهو يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه. لَها مَا كَسَبَتْ من خير. وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من شر لا ينتفع بطاعتها ولا يتضرر بمعاصيها غيرها، وتخصيص الكسب بالخير والاكتساب بالشر لأن الاكتساب فيه احتمال والشر تشتهيه النفس وتنجذب إليه فكانت أجد في تحصيله وأعمل بخلاف الخير. رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا أي لا تؤاخذنا بما أدى بنا إلى نسيان أو خطأ من تفريط وقلة مبالاة، أو بأنفسهما إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلًا فإن الذنوب كالسموم فكما أن تناولها يؤدي إلى الهلاك. وإن كان خطأ. فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن لم تكن عزيمة، لكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمةً وفضلًا فيجوز أن يدعو الإنسان به استدامة واعتدادًا بالنعمة فيه. ويؤيد ذلك مفعوم\nقوله ﵊ «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»\n. رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا عبأً ثقيلًا يأصر صاحبه، أي يحبسه في مكانه. يريد به التكاليف الشاقة. وقرئ «وَلاَ تَحْمِلْ» بالتشديد للمبالغة. كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا حملًا مثل حملك إياه على مِنْ قَبْلِنا، أو مثل الذي حملته إياهم فيكون صفة لإِصرًا، والمراد به ما كلف به بنو إسرائيل من قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة، وخمسين صلاة في اليوم والليلة، وصرف ربع المال للزكاة. أو ما أصابهم من الشدائد والمحن. رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لاَ طاقَةَ لَنا بِهِ من البلاء والعقوبة، أو من التكاليف التي لا تفي بها الطاقة البشرية وهو يدل على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص منه، والتشديد هاهنا لتعدية","vol":"1","page":166},{"text":"الفعل إلى المفعول الثاني. وَاعْفُ عَنَّا وامح ذنوبنا. وَاغْفِرْ لَنا واستر عيوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة.\nوَارْحَمْنا وتعطف بنا وتفضل علينا. أَنْتَ مَوْلانا سيدنا. فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فإن من حق المولى أن ينصر مواليه على الأعداء، أو المراد به عامة الكفرة.\nروي أنه ﵊ لما دعا بهذه الدعوات قيل له عند كل كلمة فعلت.\nوعنه ﵇ «أنزل الله تعالى آيتين من كنوز الجنة. كتبها الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة، من قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجزأتاه عن قيام الليل» .\nوعنه ﵊ «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»\n. وهو يرد قول من استكره أن يقال سورة البقرة، وقال: ينبغي أن يقال السورة التي تذكر فيها البقرة، كما\nقال ﵊ «السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها، فإن تعلمها بركة وتركها حسرة، ولن يستطيعها البطلة قيل: يا رسول الله وما البطلة؟ قال: السحرة»\n. تم بحمد الله وحسن توفيقه طبع المجلد الأول من تفسير البيضاوي في مطابع دار إحياء التراث العربي- بيروت الزاهرة أدامها الله لطبع المزيد من الكتب النافعة وآخر دعوانا أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>محتوى الجزء الأول من تفسير البيضاوي</span>\nمقدمة أولا: ترجمة صاحب التفسير ٩\nثانيا: التعريف بأنوار التنزيل وطريقة مؤلفه فيه ١٢\nاختصار البيضاوي تفسيره من «الكشاف» للزمخشري ١٢\nاستمداد البيضاوي تفسيره من «مفاتيح الغيب» للرازي ومن «تفسير الراغب الأصفهاني» ١٢\nاهتمامه بالقراءات وذكر الشاذّ منها ١٢\nعرضه للصناعة النحوية ١٢\nتعرضه لبعض المسائل الفقهيّة دون توسّع ١٢\nتقرير وترجيح مذهب أهل السّنّة ١٣\nالتقليل من ذكر الروايات الإسرائيلية ١٣\nالخوض في مباحث الكون والطبيعة تأثرا بالرازي ١٣\nتقريظ هذا التفسير ١٤\nقول الإمام جلال الدين السيوطي في حاشيته: «نواهد الأبكار وشواهد الأفكار» ١٤\nقول حاجي خليفة في «كشف الظنون» ١٤\nالحواشي المكتوبة على تفسير البيضاوي ١٦\nخطبة الكتاب ٢٣\nبيان كون اللام في الحمد للاختصاص والكلام في القصر وغيره ٢٣\nبيان أرفع العلوم قدرا ٢٣\nتفسير سورة الفاتحة ٢٥\nبيان أسامي الفاتحة ٢٥\nبيان كون البسملة من الفاتحة أم لا؟ ٢٥\nبيان متعلق البسملة ٢٥\nبيان تحقيق معنى الباء ٢٥\nبيان الكلام في لفظ الاسم واشتقاقه وما فيه من الخلاف ٢٥\nبيان أصل لفظ الجلالة وتحقيق اشتقاقه ٢٦","vol":"1","page":169},{"text":"بيان تحقيق القول في الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٢٧\nبيان مباحث الْحَمْدُ لِلَّهِ ٢٧\nبيان مباحث (أل) الجنسية ٢٧\nبيان الفرق بين الملك والمالك ٢٨\nبيان الالتفات ٢٩\nبيان الضمائر وملحقاتها ٢٩\nبيان تقسيم النعم ٣٠\nبيان الكلام على آمين وتحقيق معنى اسم الفعل ٣١\nتفسير سورة البقرة ٣٣\nبيان تحقيق القول في الحروف المبدوء بها السور ٣٣\nبيان معنى الهدى وأقسامه ٣٦\nبيان معنى التضمين وتحقيق القول فيه ٣٧\nبيان معنى الإيمان والنفاق عند أهل السنة والمعتزلة والخوارج ٣٧\nبيان دليل من ذهب إلى أن الرزق يعم الحلال والحرام ٣٨\nبيان معنى اليقين وأنه لا يوصف به علم الباري تعالى ٤٠\nبيان معنى الكفر في الشرع ٤١\nبيان أن الأخبار بوقوع شيء لا ينفي كونه مقدورا ٤٢\nبيان تأويلات المعتزلة للختم ونحوه المسند إلى الله تعالى ٤٢\nبيان كون المنافقين أخبث الكفرة ٤٣\nبيان أن كمال الإيمان بماذا يكون ٤٦\nبيان أن الطلب غير الإرادة ٤٨\nبيان فائدة ضرب الأمثال ٤٩\nبيان معنى الشيء وأنه يعم الباري في بعض الإطلاقات ٥٣\nبيان أن أسماء الجموع للعموم ٥٤\nبيان كيفية المطر والسحاب ٥٥\nبيان الدليل على إعجاز القرآن وكونه حجّة ٥٧\nبيان أنه ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلّا الأسماء ٦٠\nبيان حسن التمثيل وشروطه ٦٢","vol":"1","page":170},{"text":"بيان معنى أما وتحقيق القول فيها ٦٢\nبيان الفسق ودرجات الفاسق ٦٤\nبيان إثبات صحة الحشر وبيان المقدمات المتوقفة عليها ٦٧\nبيان الاختلافات في حقيقة الملائكة ٦٧\nبيان القول في معنى الأسماء التي علمها الله للملائكة ٦٩\nبيان التكليف بالمحال وما قيل فيه ٦٩\nبيان مزية الإنسان بالعلم وأن اللغات توقيفية ٧٠\nبيان أن آدم أفضل من الملائكة وأن إبليس قيل إنه من الملائكة وإنه منهم نوعا يتوالدون ٧١\nبيان ما قيل في وسوسة إبليس لآدم مع طرده من الجنة ٧٢\nبيان ما تمسكت به الحشوية من عدم عصمة الأنبياء والجواب عنه ٧٤\nبيان ما تمسكت به المعتزلة من عدم الشفاعة لأرباب الكبائر والجواب عنه ٧٩\nبيان كيفية انفلاق البحر لبني إسرائيل وأنه من الآيات الملجئة للإيمان ٧٩\nبيان ما قيل في مسخ المعتدين في السبت قردة أنه من مسخ القلوب ٨٥\nبيان قصة أصحاب البقرة ٨٦\nبيان أن المعاصي يجر بعضها بعضًا حتى تؤدّي إلى الكفر ٩٠\nبيان أن من أيقن بالجنة أحب التخلص إليها بالموت ٩٥\nبيان السر في كراهة اليهود لسيدنا جبريل ٩٥\nبيان أن جيل اليهود أربع فرق ٩٧\nبيان أن الساحر لا يكون إلّا خبيث النفس مثل الشيطان ٩٧\nبيان النسخ وأنه من المصالح ٩٩\nبيان اختلاف الأئمة في دخول الكفار المساجد ١٠١\nبيان الدليل على إبطال الولد له سبحانه ١٠٢\nبيان الأشياء التي كلّف بها سيدنا إبراهيم ١٠٤\nبيان مقام إبراهيم والصلاة التي تصلّى عنده ١٠٥\nبيان أولاد إبراهيم ١٠٧\nبيان أن الانتساب إلى الأشراف لا ينفع عند الله بمجرده ١٠٨\nبيان أن التوجيه إلى جهة الكعبة أو عينها ١١١\nبيان أن حياة الشهداء لا تدرك إلّا بالوحي وأن الأرواح جواهر قائمة بنفسها تبقى بعد الموت","vol":"1","page":171},{"text":"دراكة ١١٤\nبيان الدليل على وجود الإله ووحدته ١١٧\nبيان انحصار الكمالات الإنسانية في ثلاثة وبيانها ١٢١\nبيان نسخ الوصية للوارث بعد وجوبها ١٢٣\nبيان وقت نزول صحف إبراهيم والتوراة والإنجيل والقرآن ١٢٥\nبيان الاعتكاف وأنه خاصّ بالمسجد ١٢٦\nبيان الحصر في الحج وفدائه ١٢٩\nبيان المشعر الحرام ما هو ١٣١\nبيان عدد الأنبياء والرسل ١٣٥\nبيان سرية عبد الله بن جحش ١٣٦\nبيان ما نزل في الخمر من الآيات ١٣٧\nبيان إطلاق المشركين على اليهود والنصارى ١٣٨\nبيان الإيلاء وحكمه ١٤٠\nبيان القرء والاختلاف فيه ١٤١\nبيان الخلع وابتدائه ١٤٢\nبيان أقصى مدة الرضاع ١٤٤\nبيان عدة المتوفى عنها زوجها ١٤٥\nبيان فضل بعض الأنبياء على بعض ١٥٢\nبيان المحاجة التي قام بها سيدنا إبراهيم مع النمروذ ١٥٥","vol":"1","page":172},{"text":"[الجزء الثاني]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>(٣) سورة آل عمران</span>\nمدنية وآيها مائتان\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)\nالم اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ إنما فتح الميم في المشهور وكان حقها أن يوقف عليها لإِلقاء حركة الهمزة عليها ليدل على أنها في حكم الثابت، لأنها أسقطت للتخفيف لا للدرج، فإن الميم في حكم الوقف كقولهم واحد اثنان بإلقاء حركة الهمزة على الدال لا لالتقاء الساكنين، فإنه غير محذور في باب الوقف، ولذلك لم تحرك الميم في لام. وقرئ بكسرها على توهم التحريك لالتقاء الساكنين. وقرأ أبو بكر بسكونها والابتداء بما بعدها على الأصل. الْحَيُّ الْقَيُّومُ\nروي أنه ﵊ قال: «إن اسم الله الأعظم في ثلاث سور في البقرة الله لاَ إله إِلاَّ هو الحي القيوم، وفي آل عمران الله لاَ إله إِلاَّ هو الحي القيوم، وفي طه وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىِّ القيوم»\n. <span data-type=\"title\" id=toc-275>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nنَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)\nنَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ القرآن نجومًا. بِالْحَقِّ بالعدل، أو بالصدق في أخباره، أو بالحجج المحققة أنه من عند الله وهو في موضع الحال. مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب. وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ جملة على موسى وعيسى. واشتقاقهما من الورى والنجل، ووزنهما بتفعلة وافعيل تعسف لأنهما أعجميان، ويؤيد ذلك أنه قرئ «الأنجيل» بفتح الهمزة وهو ليس من أبنية العربية، وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان والكسائي التَّوْراةَ بالإِمالة في جميع القرآن، ونافع وحمزة بين اللفظين إِلاَّ قَالُون فإنه قرأ بالفتح كقراءة الباقين.\nمِنْ قَبْلُ من قبل تنزيل القرآن. هُدىً لِلنَّاسِ على العموم إن قلنا إنا متعبدون بشرع من قبلنا، وإلا فالمراد به قومهما. وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ يريد به جنس الكتب الإِلهية، فإنّها فارقة بين الحق والباطل. ذكر ذلك بعد ذكر الكتب الثلاثة ليعم ما عداها، كأنه قال: وأنزل سائر ما يفرق به بين الحق والباطل، أو الزبور أو القرآن. وكرر ذكره بما هو نعت له مدحا وتعظيمًا، وإظهارًا لفضله من حيث إنه يشاركهما في كونه وحيًا منزلًا ويتميز بأنه معجز يفرق بين المحق والمبطل، أو المعجزات إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ من كتبه المنزلة وغيرها. لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بسبب كفرهم. وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب لا يمنع من التعذيب. ذُو انْتِقامٍ لا يقدر على مثله منتقم، والنقمة عقوبة المجرم والفعل منه نقم بالفتح والكسر، وهو وعيد جيء به بعد تقرير التوحيد والإشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيمًا للأمر، وزجرًا عن الإعراض عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)","vol":"2","page":5},{"text":"إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أي شيء كائن في العالم كليًا كان أو جزئيًا، إيمانًا أو كفرًا. فعبَّر عنه بالسماء والأرض إِذ الحس لا يتجاوزهما، وإنما قدم الأرض ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى، ولأن المقصود بالذكر ما اقترف فيها. وهو كالدليل على كونه حيًا وقوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ أي من الصور المختلفة، كالدليل على القيومية، والاستدلال على أنه عالم بإتقان فعله في خلق الجنين وتصويره. وقرئ «تصوركم» أي صوركم لنفسه وعبادته. لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ إذ لا يعلم غيره جملة ما يعلمه ولا يقدر على مثل ما يفعله. الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إشارة إلى كمال قدرته وتناهي حكمته. قيل: هذا حجاج على من زعم أن عيسى كان ربًا، فإِن وفد نجران لما حاجوا فيه رسول الله ﷺ نزلت السورة، من أولها إلى نيف وثمانين آية تقريرًا لما احتج به عليهم وأجاب عن شبههم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>[سورة آل عمران (٣): آية ٧]</span>\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧)\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ أحكمت عبارتها بأن حفظت من الإِجمال والاحتمال. هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أصله يرد إليها غيرها والقياس أمهات فأفرد على تأويل كل واحدة، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة. وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ محتملات لا يتضح مقصودها. لإِجمال أو مخالفة ظاهر. إلا بالفحص والنظر ليظهر فيها فضل العلماء، ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها، فينالوا بها. وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها، والتوفيق بينها وبين المحكمات. معالي الدرجات. وأما قوله تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ فمعناه أنها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وقوله: كِتابًا مُتَشابِهًا فمعناه أنه يشبه بعضه بعضًا في صحة المعنى وجزالة اللفظ، وَأُخَرُ جمع أخرى وإنما لم ينصرف لأنه وصف معدول عن الآخر ولا يلزم منه معرفته، لأن معناه أن القياس أن يعرف ولم يعرف لا أنه في معنى المعرف أو عن أُخَرُ من فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ عدول عن الحق كالمبتدعة. فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه. وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وطلب أن يؤولوه على ما يشتهونه، ويحتمل أن يكون الداعي إلى الاتباع مجموع الطلبتين، أو كل واحدة منهما على التعاقب. والأول يناسب المعاند والثاني يلائم الجاهل. وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ الذي يجب أن يحمل عليه. إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أي الذين ثبتوا وتمكنوا فيه، ومن وقف على إِلَّا اللَّهُ فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه: كمدة بقاء الدنيا، ووقت قيام الساعة، وخواص الأعداد كعدد الزبانية، أو بما دلّ القاطع على أن ظاهره غير مراد ولم يدل على ما هو المراد. يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ استئناف موضح لحال الراسخين، أو حال منهم أو خبر أن جعلته مبتدأ. كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا أي كل من المتشابه والمحكم من عنده، وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر، وإشارة إلى ما استعدوا به للاهتداء إلى تأويله، وهو تجرد العقل عن غواشي الحس، واتصال الآية بما قبلها من حيث إنها في تصوير الروح بالعلم وتربيته، وما قبلها في تصوير الجسد وتسويته، أو أنها جواب عن تشبث النصارى بنحو قوله تعالى: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ.\nكما أنه جواب عن قوله لا أب له غير الله، فتعين أن يكون هو أباه بأنه تعالى مصور الأجنة كيف يشاء فيصور من نطفة أب ومن غيرها، وبأنه صوره في الرحم والمصور لا يكون أب المصور.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nرَبَّنا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)\nرَبَّنا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا من مقال الراسخين. وقيل: استئناف والمعنى لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه،\nقال ﵊ «قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه على الحق وإن شاء أزاغه عنه»\n. وقيل: لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا. بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى الحق والإِيمان بالقسمين. من الحكم والمتشابه، وبعد نصب على الظرف، وإذ في موضع الجر بإضافته إليه. وقيل إنه بمعنى إن. وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً تزلفنا إليك ونفوز بها عندك، أو توفيقًا للثبات على الحق أو مغفرة للذنوب. إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ لكل سؤل، وفيه دليل على أن الهدى والضلال من الله وأنه متفضل بما ينعم على عباده لا يجب عليه شيء.\nرَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لحساب يوم أو لجزائه. لاَ رَيْبَ فِيهِ في وقوع اليوم وما فيه من الحشر والجزاء، نبهوا به على أن معظم غرضهم من الطلبتين ما يتعلق بالآخرة فإنها المقصد والمال. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ فإن الإِلهية تنافيه وللإِشعار به وتعظيم الموعود لون الخطاب، واستدل به الوعيدية. وأجيب بأن وعيد الفساق مشروط بعدم العفو لدلائل منفصلة كما هو مشروط بعدم التوبة وفاقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عام في الكفرة. وقيل: المراد به وفد نجران، أو اليهود، أو مشركوا العرب. لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أي من رحمته، أو طاعته على معنى البدلية، أو من عذابه وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ حطبها. وقرئ بالضم بمعنى أهل وقودها.\nكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ متصل بما قبله أي لن تغن عن أولئك، أو توقد بهم كما توقد بأولئك، أو استئناف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء كدأبهم في الكفر والعذاب، وهو مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فنقل إلى معنى الشأن. وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ عطف على آلِ فِرْعَوْنَ. وقيل استئناف. كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ حال بإضمار قد، أو استئناف بتفسير حالهم، أو خبر إن ابتدأت بالذين من قبلهم. وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف الكفرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢]</span>\nقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢)\nقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ أي قل لمشركي مكة ستغلبون يعني يوم بدر، وقيل لليهود فإنه ﵊ جمعهم بعد بدر في سوق بني قينقاع فحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش، فقالوا لا يغرنك أنك أصبت أغمارًا لا علم لهم بالحرب لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت. وقد صدق الله وعده لهم بقتل قريظة وإجلاء بني النضير وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم وهو من دلائل النبوة. وقرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما على أن الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه.\nوَبِئْسَ الْمِهادُ تمام ما يقال لهم، أو استئناف وتقدير بئس المهاد جهنم أو ما مهدوه لأنفسهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣]</span>\nقَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)","vol":"2","page":7},{"text":"قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ الخطاب لقريش أو لليهود، وقيل للمؤمنين. فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا يوم بدر. فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين، وكان قريبًا من ألف، أو مثلي عدد المسلمين وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وذلك كان بعد ما قللهم في أعينهم حتى اجترءوا عليهم وتوجهوا إليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا مددًا من الله تعالى للمؤمنين، أو يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين وكانوا ثلاثة أمثالهم ليثبتوا لهم ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم الله به في قوله: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. ويؤيده قراءة نافع ويعقوب بالتاء وقرئ بهما على البناء للمفعول أي يريهم الله، أو يريكم ذلك بقدرته، وفئة بالجر على البدل من فئتين والنصب على الاختصاص، أو الحال من فاعل التقتا. رَأْيَ الْعَيْنِ رؤية ظاهرة معاينة. وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ نصره كما أيد أهل بدر. إِنَّ فِي ذلِكَ أي التقليل والتكثير، أو غلبة القليل عديم العدة في الكثير شاكي السلاح، وكون الواقعة آية أيضًا يحتملها ويحتمل وقوع الأمر على ما أخبر به الرسول ﷺ. لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ أي لعظة لذوي البصائر. وقيل لمن أبصرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤]</span>\nزُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)\nزُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ أي المشتهيات سماها شهوات مبالغة وإيماء على أنهم انهمكوا في محبتها حتى أحبوا شهوتها كقوله تعالى: أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ والمزين هو الله تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي، ولعله زينه إبتلاء، أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله تعالى، أو لأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع. وقيل الشيطان فإن الآية في معرض الذم. وفرق الجبائي بين المباح والمحرم.\nمِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ بيان للشهوات، والقنطار المال الكثير. وقيل مائة ألف دينار. وقيل ملء مسك ثور. واختلف في أنه فعلال أو فنعال، والمقنطرة مأخوذة منه للتأكيد كقولهم بدرة مبدرة. والمسومة المعلمة من السومة وهي العلامة، أو المرعية من أسام الدابة وسومها، أو المطهمة. والأنعام الإِبل والبقر والغنم ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا إشارة إلى ما ذكر.\nوَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أي المرجع، وهو تحريض على استبدال ما عنده من اللذات الحقيقية الأبدية بالشهوات المخدجة الفانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nقُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦)\nقُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ يريد به تقرير أن ثواب الله تعالى خير من مستلذات الدنيا. لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها استئناف لبيان ما هو خير، ويجوز أن يتعلق اللام بخير ويرتفع جنات على هو جنات، ويؤيده قراءة من جرها بدلًا من بِخَيْرٍ. وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ مما يستقذر من النساء. وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ قرأ عاصم في رواية أبي بكر في جميع القرآن بضم الراء ما خلا الحرف الثاني في المائدة وهو قوله تعالى: رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ بكسر الراء وهما لغتان. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي بأعمالهم فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، أو بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعد لهم جنات، وقد نبه بهذه الآية على نعمه فأدناها متاع الحياة الدنيا وأعلاها رضوان الله تعالى لقوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ وأوسطها الجنة ونعيمها.","vol":"2","page":8},{"text":"الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ صفة للمتقين، أو للعباد، أو مدح منصوب أو مرفوع. وفي ترتيب السؤال على مجرد الإِيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة أو الاستعداد لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧]</span>\nالصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)\nالصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ حصر لمقامات السالك على أحسن ترتيب، فإن معاملته مع الله تعالى إما توسل وإما طلب، والتوسل إما بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر يشملهما، وإما بالبدن، وهو إما قولي وهو الصدق وإما فعلي وهو القنوت الذي هو ملازمة الطاعة، وإما بالمال وهو الإِنفاق في سبل الخير، وإما الطلب فبالاستغفار لأن المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها وتوسيط الواو بينهما للدلالة على استقلال كل واحد منها وكمالهم فيها أو لتغاير الموصوفين بها، وتخصيص الأسحار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإِجابة، لأن العبادة حينئذ أشق والنفس أصفى والروع أجمع للمجتهدين. قيل إنهم كانوا يصلون إلى السحر ثم يستغفرون ويدعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨]</span>\nشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)\nشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ بين وحدانيته بنصب الدلائل الدالة عليها وإنزال الآيات الناطقة بها.\nوَالْمَلائِكَةُ بالإِقرار. وَأُولُوا الْعِلْمِ بالإِيمان بها والاحتجاج عليها، شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد. قائِمًا بِالْقِسْطِ مقيمًا للعدل في قسمه وحكمه وانتصابه على الحال من الله، وإنما جاز إفراده بها ولم يجز جاء زيد وعمرو راكبًا لعدم اللبس كقوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً. أو من هو والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد قائمًا، أو أحقه لأنها حال مؤكدة، أو على المدح، أو الصفة للمنفي وفيه ضعف للفصل وهو مندرج في المشهود به إذا جعلته صفة، أو حالًا من الضمير. وقرئ «القائم بالقسط» على البدل عن هو أو الخبر لمحذوف. لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ كرره للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلة التوحيد والحكم به بعد إقامة الحجة وليبني عليه قوله: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدم العزيز لتقديم العلم بقدرته على العلم بحكمته، ورفعهما على البدل من الضمير أو الصفة لفاعل شهد.\nوقد روي في فضلها أنه ﵊ قال «يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى: «إن لعبدي هذا عندي عهدًا وأنا أحق من وفى بالعهد، ادخلوا عبدي الجنة»\n. وهي دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩]</span>\nإِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩)\nإِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى أي لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام، وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد ﷺ، وقرأ الكسائي بالفتح على أنه بدل من أنه بدل الكل أن فسر الإِسلام بالإِيمان، أو بما يتضمنه وبدل اشتمال إن فسر بالشريعة. وقرئ أنه بالكسر وأن بالفتح على وقوع الفعل على الثاني، واعتراض ما بينهما أو إجراء شهد مجرى قال تارة وعلم أخرى لتضمنه معناهما.\nوَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى، أو من أرباب الكتب المتقدمة في دين الإِسلام فقال قوم إنه حق وقال قوم إنه مخصوص بالعرب ونفاه آخرون مطلقًا، أو في التوحيد فثلثت النصارى وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وقيل هم قوم موسى اختلفوا بعده. وقيل هم النصارى اختلفوا في أمر عيسى عليه","vol":"2","page":9},{"text":"السلام. إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي بعد ما علموا حقيقة الأمر وتمكنوا من العلم بها بالآيات والحجج.\nبَغْيًا بَيْنَهُمْ حسدًا بينهم وطلبًا للرئاسة، لا لشبهة وخفاء في الأمر. وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ وعيد لمن كفر منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠]</span>\nفَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)\nفَإِنْ حَاجُّوكَ في الدين، أو جادلوك فيه بعد ما أقمت الحجج. فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ أخلصت نفسي وجملتي له لا أشرك فيها غيره، وهو الدين القويم الذي قامت به الحجج ودعت إليه الآيات والرسل، وإنما عبر بالوجه عن النفس لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى والحواس وَمَنِ اتَّبَعَنِ عطف على التاء في أسلمت وحسن للفصل، أو مفعول معه. وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم كمشركي العرب. أَأَسْلَمْتُمْ كما أسلمت لما وضحت لكم الحجة، أم أنتم بعد على كفركم ونظيره وقوله:\nفَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وفيه تعيير لهم بالبلادة أو المعاندة. فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا فقد نفعوا أنفسهم بأن أخرجوها من الضلال. وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي فلم يضروك إذ ما عليك إلا أن تبلغ وقد بلغت.\nوَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ وعد ووعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ هم أهل الكتاب الذين في عصره ﵇. قتل أولهم الأنبياء ومتابعيهم وهم رضوا به وقصدوا قتل النبي ﷺ والمؤمنين ولكن الله عصمهم، وقد سبق مثله في سورة البقرة. وقرأ حمزة «ويقاتلون الذين» . وقد منع سيبويه إدخال الفاء في خبر إن كليت ولعل ولذلك قيل الخبر.\nأُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ كقولك زيد فافهم رجل صالح، والفرق أنه لا يغير معنى الابتداء بخلافهما. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يدفع عنهم العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٣]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ أي التوراة أو جنس الكتب السماوية، ومن للتبعيض أو للبيان. وتنكير النصيب يحتمل التعظيم والتحقير. يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ الداعي محمد ﵊ وكتاب الله القرآن، أو التوراة لما\nروي (أنه ﵊ دخل مدراسهم فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد على أي دين أنت. فقال: على دين إبراهيم. فقالا إن إبراهيم كان يهوديًا فقال:\nهلموا إلى التوراة فإنها بيننا وبينكم. فأبيا فنزلت)\n. وقيل نزلت في الرجم. وقرئ لِيَحْكُمَ على البناء للمفعول فيكون الاختلاف فيما بينهم، وفيه دليل على أن الأدلة السمعية حجة في الأصول. ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ استبعاد لتوليهم مع علمهم بأن الرجوع إليه واجب. وَهُمْ مُعْرِضُونَ وهم قوم عادتهم الإِعراض، والجملة حال من فريق وإنما ساغ لتخصصه بالصفة.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)\nذلِكَ إشارة إلى التولي والإِعراض. بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ بسبب تسهيلهم أمر العقاب على أنفسهم لهذا الاعتقاد الزائغ والطمع الفارغ. وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ من أن النار لن تمسهم إلا أيامًا قلائل، أو أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، أو أنه تعالى وعد يعقوب ﵇ أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم.\nفَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ استعظام لما يحيق بهم في الآخرة وتكذيب لقولهم لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات.\nروي: أن أول راية ترفع يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار\n. وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ جزاء ما كسبت. وفيه دليل على أن العبادة لا تحبط وأن المؤمن لا يخلد في النار، لأن توفية إيمانه وعمله لا تكون في النار ولا قبل دخولها، فإذن هي بعد الخلاص منها وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ الضمير لكل نفس على المعنى لأنه في معنى كل إنسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٦]</span>\nقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)\nقُلِ اللَّهُمَّ الميم عوض عن يا ولذلك لا يجتمعان، وهو من خصائص هذا الاسم كدخول يا عليه مع لام التعريف وقطع همزته وتاء القسم. وقيل: أصله يا الله أمنا بخير، فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته. مالِكَ الْمُلْكِ يتصرف فيما يمكن التصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وهو نداء ثان عند سيبويه فإن الميم عنده تمنع الوصفية. تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ تعطي منه ما تشاء من تشاء وتسترد، فالملك الأول عام والآخران بعضان منه. وقيل: المراد بالملك النبوة ونزعها نقلها من قوم إلى قوم وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما بالنصر والإِدبار والتوفيق والخذلان. بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ذكر الخير وحده لأنه المقتضي بالذات، والشر مقضي بالعرض، إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرًا كليًا، أو لمراعاة الأدب في الخطاب، أو لأن الكلام وقع فيه إذ\nروي (أنه ﵇ لما خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعًا، وأخذوا يحفرون، فظهر فيه صخرة عظيمة لم يعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله ﷺ يخبره، فجاء ﵊ فأخذ المعول منه فضربها ضربة صدعتها. وبرق منها برق أضاء منه ما بين لابتيها لكأن بها مصباحًا في جوف بيت مظلم، فكبر وكبر معه المسلمون وقال «أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي منها قصور صنعاء» وأخبرني جبريل ﵇ أن أمتي ظاهرة على كلها فابشروا» . فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق) فنزلت\n. فنبه على أن الشر أيضًا بيده بقول إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٧]</span>\nتُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)\nتُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ عقب ذلك ببيان قدرته على معاقبة الليل والنهار والموت والحياة وسعة فضله، دلالة على","vol":"2","page":11},{"text":"أن من قدر على ذلك قدر على معاقبة الذل والعز وإيتاء الملك ونزعه. والولوج: الدخول في مضيق. وإيلاج الليل والنهار: إدخال أحدهما في الآخر بالتعقيب أو الزيادة والنقص. وإخراج الحي من الميت وبالعكس.\nإنشاء الحيوانات من موادها وإماتتها، أو إنشاء الحيوان من النطفة والنطفة منه. وقيل: إخراج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر الْمَيِّتِ بالتخفيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٨]</span>\nلاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)\nلاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ نهوا عن موالاتهم لقرابة وصداقة جاهلية ونحوهما، حتى لا يكون حبهم وبغضهم إلا في الله، أو عن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية. مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة، وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي اتخاذهم أولياء. فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي من ولايته في شيء يصح أن يسمى ولاية، فإن موالاتي المتعاديين لا يجتمعان قال:\nتَوَدُّ عَدُوي ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّني ... صَدِيْقُكَ لَيْسَ النوك عَنْكَ بِعَازِبِ\nإِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه، أو اتقاء. والفعل معدى بمن لأنه في معنى تحذروا وتخافوا. وقرأ يعقوب «تقية» . منع عن موالاتهم ظاهرًا وباطنًا في الأوقات كلها إلا وقت المخافة، فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز كما قال عيسى ﵇: كن وسطًا وامش جانبًا. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه وموالاة أعدائه، وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي النهي في القبح وذكر النفس، ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٩]</span>\nقُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)\nقُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ أي أنه يعلم ضمائركم من ولاية الكفار وغيرها إن تخفوها أو تبدوها. وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فيعلم سركم وعلنكم. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه. والآية بيان لقوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وكأنه قال ويحذركم نفسه لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط بالمعلومات كلها، وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها، فلا تجسروا على عصيانه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها قادر على العقاب بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٠]</span>\nيَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)\nيَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا يَوْمَ منصوب بتود أي تتمنى كل نفس يوم تجد صحائف أعمالها، أو جزاء أعمالها من الخير والشر حاضرة لو أن بينها وبين ذلك اليوم، وهو له أمدًا بعيدًا، أو بمضمر نحو اذكر، وتَوَدُّ حال من الضمير في عملت أو خبر لما عملت من سوء وتجد مقصور على مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ، ولا تكون مَا شرطية لارتفاع تَوَدُّ. وقرئ «ودت» وعلى هذا يصح أن تكون شرطية ولكن الحمل على الخبر أوقع معنى لأنه حكاية","vol":"2","page":12},{"text":"كائن وأوفق للقراءة المشهورة. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ كرره للتأكيد والتذكير. وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ إشارة إلى أنه تعالى إنما نهاهم وحذرهم رأفة بهم ومراعاة لصلاحهم، أو أنه لذو مغفرة وذو عقاب أليم فترجى رحمته ويخشى عذابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)\nقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقربها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وأن كل ما يراه كمالًا من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله وفي الله وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته والحرص على مطاوعته. يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ جواب للأمر أي يرضَ عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جناب عزه ويبوئكم في جوار قدسه، عبر عن ذلك بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة.\nوَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تحبب إليه بطاعته واتباع نبيه ﷺ.\nروي: أنها نزلت لما قالت اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه\n. وقيل: نزلت في وفد نجران لما قالوا: إنما نعبد المسيح حبًا لله. وقيل: في أقوام زعموا على عهده ﷺ أنهم يحبون الله فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقًا من العمل.\nقُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا يحتمل المضي والمضارعة بمعنى فإن تتولوا. فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكافِرِينَ لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم، وإنما لم يقل لا يحبهم لقصد العموم والدلالة على أن التولي كفر، وإنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)\nإِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم. لما أوجب طاعة الرسول وبين أنها الجالبة لمحبة الله عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضًا عليها، وبه استدل على فضلهم على الملائكة، وَآلَ إِبْراهِيمَ، إسماعيل وإسحاق وأولادهما. وقد دخل فيهم الرسول ﷺ، وَآلَ عِمْرانَ موسى وهارون ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، أو عيسى وأمه مريم بنت عمران بن ماثان بن العازار بن أبي يوذ بن يوزن بن زربابل بن ساليان بن يوحنا بن أوشيا بن أمون بن منشكن بن حازقا بن أخاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن ساقط بن ايشا بن راجعيم بن سليمان بن داود بن ايشي بن عوبد بن سلمون بن ياعز بن نحشون بن عمياد بن رام بن حصروم بن فارص بن يهوذا بن يعقوب ﵇، وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.\nذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ حال أو بدل من الآلين أو منهما ومن نوح أي إنهم ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض. وقيل بعضها من بعض في الدين. والذرية الولد يقع على الواحد والجمع فعلية من الذر أو فعولة من الذرء أبدلت همزتها ياء ثم قلبت الواو ياء وأدغمت. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ بأقوال الناس وأعمالهم فيصطفي من كان مستقيم القول والعمل، أو سميع بقول امرأة عمران عليم بنيتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٥]</span>\nإِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)","vol":"2","page":13},{"text":"إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي فينتصب به إذ على التنازع. وقيل نصبه بإضمار اذكر، وهذه حنة بنت فاقوذ جدة عيسى، وكانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهارون فظن أن المراد زوجته ويرده كفالة زكريا فإنه كان معاصرًا لابن ماثان وتزوج بنته ايشاع، وكان يحيى وعيسى ﵉ ابني خالة من الأب\nروي أنها كانت عاقرًا عجوزًا، فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائرًا يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك علي نذرًا إن رزقتني ولدًا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه، فحملت بمريم وهلك عمران\n. وكان هذا النذر مشروعًا في عهدهم للغلمان فلعلها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكرًا مُحَرَّرًا معتقًا لخدمته لا أشغله بشيء، أو مخلصًا للعبادة ونصبه على الحال. فَتَقَبَّلْ مِنِّي ما نذرته. إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ لقولي ونيتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٦]</span>\nفَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦)\nفَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى الضمير لما في بطنها وتأنيثه لأنه كان أنثى، وجاز انتصاب أنثى حالًا عنه لأن تأنيثها علم منه فإن الحال وصاحبها بالذات واحدًا. أو على تأويل مؤنث كالنفس والحبلة.\nوإنما قالته تحسرًا وتحزنًا إلى ربها لأنها كانت ترجو أن تلد ذكرًا ولذلك نذرت تحريره. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ أي بالشيء الذي وضعت. هو استئناف من الله تعالى تعظيمًا لموضوعها وتجهيلًا لها بشأنها. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وَضَعَتْ على أنه من كلامها تسلية لنفسها أي ولعل الله ﷾ فيه سرًا، أو الأنثى كانت خيرًا. وقريء «وَضَعَتْ» على أنه خطاب الله تعالى لها. وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى بيان لقوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ أي وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، واللام فيهما للعهد ويجوز أن يكون من قولها بمعنى وليس الذكر والأنثى سيان فيما نذرت فتكون اللام للجنس. وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ عطف على ما قبلها من مقالها وما بينهما اعتراض، وإنما ذكرت ذلك لربها تقربًا إليه وطلبًا لأن يعصمها ويصلحها حتى يكون فعلها مطابقًا لاسمها فإن مريم في لغتهم بمعنى: العابدة. وفيه دليل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور متغايرة. وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ أجيرها بحفظك. وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ المطرود، وأصل الرجم الرمي بالحجارة.\nوعن النبي ﷺ «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل من مسه إلا مريم وابنها»\n. ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن الله تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>[سورة آل عمران (٣): آية ٣٧]</span>\nفَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)\nفَتَقَبَّلَها رَبُّها فرضي بها في النذر مكان الذكر. بِقَبُولٍ حَسَنٍ أي بوجه حسن يقبل به النذائر، وهو إقامتها مقام الذكر، أو تسلمها عقيب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة.\nروي أن حنة لما ولدتها لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فإن بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم فقال زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة وعشرين فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فطفا قلم زكريا ورسبت أقلامهم فتكفلها زكريا\n. ويجوز أن يكون مصدرًا على تقدير مضاف أي بذي قبول حسن، وأن يكون تقبل بمعنى استقبل كتقضي وتعجل أي فأخذها في أول أمرها حين ولدت بقبول حسن. وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا شدد الفاء حمزة والكسائي وعاصم، وقصروا زكريا","vol":"2","page":14},{"text":"غير عاصم في رواية ابن عياش على أن الفاعل هو الله تعالى وزكريا مفعول أي جعله كافلًا لها وضامنًا لمصالحها، وخفف الباقون. ومدوا «زكرياء» مرفوعًا. كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ أي الغرفة التي بنيت لها، أو المسجد، أو أشرف مواضعه ومقدمها، سمي به لأنه محل محاربة الشيطان كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا جواب كُلَّما وناصبه.\nروي: أنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب، وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس\n. قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه والأبواب مغلقة عليك، وهو دليل جواز الكرامة للأولياء. جعل ذلك معجزة زكريا يدفعه اشتباه الأمر عليه. قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا تستبعده. قيل تكلمت صغيرة كعيسى ﵇ ولم ترضع ثديًا قط وكان رزقها ينزل عليها من الجنة. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق تفضلًا به. وهو يحتمل أن يكون من كلامهما وأن يكون من كلام الله تعالى.\nروي (أن فاطمة رضي الله تعالى عنها أهدت لرسول الله ﷺ رغيفين وبضعة لحم فرجع بها إليها وقال: هلمي يا بنية، فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزا ولحما فقال لها: أنَّى لك هذا! فقالت: هو من عند الله إن الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حساب، فقال الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع عليًا والحسن والحسين وجمع أهل بيته عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت على جيرانها)\n. <span data-type=\"title\" id=toc-301>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nهُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)\nهُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ في ذلك المكان، أو الوقت إذ يستعار هنا وثم وحيث للزمان، لما رأى كرامة مريم ومنزلتها من الله تعالى. قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً كما وهبتها لحنة العجوز العاقر. وقيل لما رأى الفواكه في غير أَوَانِهَا انتبه على جواز ولادة العاقر من الشيخ، فسأل وقال هب لي من لدنك ذرية، لأنه لم يكن على الوجوه المعتادة وبالأسباب المعهودة. إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ مجيبه.\nفَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ أي من جنسهم كقولهم زيد يركب الخيل. فإن المنادي كان جبريل وحده. وقرأ حمزة والكسائي «فناداه» بالإِمالة والتذكير. وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أي قائمًا في الصلاة، و(يصلي) صفة قائم أو خبر أو حال آخر أو حال عن الضمير في قائم. أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى أي بأن الله. وقرأ نافع وابن عامر بالكسر على إرادة القول، أو لأن النداء نوع منه. وقرأ حمزة والكسائي (يبشرك)، و(يحيى) اسم أعجمي وإن جعل عربيًا فمنع صرفه للتعريف ووزن الفعل. مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بعيسى ﵇، سمي بذلك لأنه وجد بأمره تعالى دون أب فشابه البدعيات التي هي عالم الأمر، أو بكتاب الله، سمي كلمة كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته. وَسَيِّدًا يسود قومه ويفوقهم وكان فائقًا للناس كلهم في أنه مَا هَمَّ بمعصية قط. وَحَصُورًا مبالغًا في حبس النفس عن الشهوات والملاهي.\nروي أنه مر في صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال ما للعب خلقت\n. وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ناشئًا منهم أو كائنًا من عداد من لم يأت كبيرة ولا صغيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٠]</span>\nقالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ (٤٠)\nقالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ استبعادًا من حيث العادة، أو استعظامًا أو تعجبا أو استفهامًا عن كيفية","vol":"2","page":15},{"text":"حدوثه. وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أدركني كبر السن وأثر في. وكان له تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون سنة.\nوَامْرَأَتِي عاقِرٌ لا تلد، من العقر وهو القطع لأنها ذات عقر من الأولاد. قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ أي يَفْعَلُ مَا يَشَاء من العجائب مثل ذلك الفعل، وهو إنشاء الولد من شيخ فان وعجوز عاقر، أو كما أنت عليه وزوجك من الكبر والعقر يَفْعَلُ مَا يَشَاء من خلق الولد أو كذلك الله مبتدأ وخبر أي الله على مثل هذه الصفة، ويفعل ما يشاء بيان له أو كذلك خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، والله يفعل ما يشاء بيان له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>[سورة آل عمران (٣): آية ٤١]</span>\nقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)\nقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً علامة أعرف بها الحبل لاستقبله بالبشاشة والشكر وتزيح مشقة الانتظار. قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أي لا تقدر على تكليم الناس ثلاثًا، وإنما حبس لسانه عن مكالمتهم خاصة ليخلص المدة لذكر الله تعالى وشكره، قضاء لحق النعمة وكأنه قال آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال. إِلَّا رَمْزًا إشارة بنحو يد أو رأس، وأصله التحرك ومنه الراموز للبحر والاستثناء منقطع وقيل متصل والمراد بالكلام ما دل على الضمير. وقرئ «رَمْزًا» بفتحتين كخدم جمع رامز ورمزًا كرسل جمع رموز على أنه حال منه ومن الناس بمعنى مترامزين كقوله:\nمَتَى مَا تَلْقَني فَرْدَيْنِ تَرْجِف ... رَوَانِفُ أَليتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا\nوَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا في أيام الحبسة، وهو مؤكد لما قبله مبين للغرض منه، وتقييد الأمر بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار. وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ من الزوال إلى الغروب. وقيل من العصر أو الغروب إلى ذهاب صدر الليل. وَالْإِبْكارِ من طلوع الفجر إلى الضحى. وقرئ بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)\nوَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ كلموها شفاهًا كرامة لها، ومن أنكر الكرامة زعم أن ذلك كانت معجزة لزكريا أو إرهاصًا لنبوة عيسى ﵊، فإن الإِجماع على أنه ﷾ لم يستنبئ امرأة لقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا. وقيل ألهموها، والاصطفاء الأول تقبلها من أمها ولم يقبل قبلها أنثى وتفريغها للعبادة وإغناؤها برزق الجنة عن الكسب وتطهيرها عما يستقذر من النساء. والثاني هدايتها وإرسال الملائكة إليها، وتخصيصها بالكرامات السنية كالولد من غير أب وتبرئتها مما قذفتها به اليهود بإنطاق الطفل وجعلها وابنها آية للعالمين.\nيا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أمرت بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها، وقدم السجود على الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب، أو ليقترن اركعي بالراكعين للإِيذان بأن من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلين. وقيل المراد بالقنوت إدامة الطاعة كقوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا وبالسجود الصلاة كقوله تعالى: وَأَدْبارَ السُّجُودِ. وبالركوع الخشوع والإخبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٤]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)","vol":"2","page":16},{"text":"ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ أي ما ذكرنا من القصص من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي.\nوَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أقداحهم للاقتراع. وقيل اقترعوا بأقلامهم التى كانوا يكتبون بها التوراة تبركًا، والمراد تقرير كونه وحيًا على سبيل التهكم بمنكريه، فإن طريق معرفة الوقائع المشاهدة والسماع وعدم السماع معلوم لا شبهة فيه عندهم فبقي أن يكون الإتهام باحتمال العيان ولا يظن به عاقل. أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ متعلق بمحذوف دل عليه يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أي يلقونها ليعلموا، أو يقولوا أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ تنافسا في كفالتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)\nإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ بدل من إِذْ قالَتِ الأولى وما بينهما اعتراض، أو من إِذْ يَخْتَصِمُونَ على أن وقوع الاختصام والبشارة في زمان متسع كقولك لقيته سنة كذا. يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ المسيح لقبه وهو من الألقاب المشرفة كالصديق وأصله بالعبرية مشيحا معناه: المبارك، وعيسى معرب ايشوع واشتقاقهما من المسح لأنه مسح بالبركة أو بما طهره من الذنوب، أو مسح الأرض ولم يقم في موضع، أو مسحه جبريل، ومن العيس وهو بياض يعلوه حمرة، تكلف لا طائل تحته، وابن مريم لما كان صفة تميز تمييز الأسماء نظمت في سلكها، ولا ينافي تعدد الخبر وإفراد المبتدأ فإنه اسم جنس مضاف ويحتمل أن يراد به أن الذي يعرف به ويتميز عن غيره هذه الثلاثة، فإن الإِسم علامة المسمى والمميز له ممن سواه ويجوز أن يكون عيسى خبر مبتدأ محذوف وابن مريم صفته، وإنما قيل ابن مريم والخطاب لها تنبيهًا على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد تنسب إلى الآباء ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب. وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ حال مقدرة من كلمة وهي وإن كانت نكرة لكنها موصوفة وتذكيره للمعنى، والوجاهة في الدنيا النبوة وفي الآخرة الشفاعة وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ من الله، وقيل إشارة إلى علو درجته في الجنة أو رفعه إلى السماء وصحبة الملائكة.\nوَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي يكلمهم حال كونه طفلًا وكهلًا، كلام الأنبياء من غير تفاوت.\nوالمهد مصدر سمي به ما يمهد للصبي في مضجعه. وقيل إنه رفع شابًا والمراد وكهلًا بعد نزوله، وذكر أحواله المختلفة المتنافية إرشادًا إلى أنه بمعزل عن الألوهية وَمِنَ الصَّالِحِينَ حال ثالث من كلمة أو ضميرها الذي في يكلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>[سورة آل عمران (٣): آية ٤٧]</span>\nقالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)\nقالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ تعجب، أو استبعاد عادي، أو استفهام عن أنه يكون بتزوج أو غيره. قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ القائل جبريل، أو الله تعالى وجبريل حكى لها قول الله تعالى. إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ إشارة إلى أنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرجًا بأسباب ومواد يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)","vol":"2","page":17},{"text":"ونعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل كلام مبتدأ ذكر تطييبًا لقلبها وإزاحة لما همها من خوف اللوم لما علمت أنها تلد من غير زوج، أو عطف على يبشرك، أو وجيهًا والْكِتابَ الكتبة أو جنس الكتب المنزلة. وخص الكتابان لفضلهما. وقرأ نافع وعاصم وَيُعَلِّمُهُ بالياء.\nوَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ منصوب بمضمر على إرادة القول تقديره:\nويقول أرسلت رسولًا بأني قد جئتكم، أو بالعطف على الأحوال المتقدمة مضمنًا معنى النطق فكأنه قال:\nوناطقًا بأني قد جئتكم، وتخصيص بني إسرائيل لخصوص بعثته إليهم أو للرد على من زعم أنه مبعوث إلى غيرهم. أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ نصب بدل من أني قد جئتكم، أو جر بدل من آية، أو رفع على هي أني أخلق لكم والمعنى: أقدر لكم وأصور شيئًا مثل صورة الطير، وقرأ نافع إِنّى بالكسر فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل. فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ فيصير حيًا طيارًا بأمر الله، نبه به على أن إحياءه من الله تعالى لا منه. وقرأ نافع هنا وفي المائدة «طائرًا» بالألف والهمزة. وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ الأكمه الذي ولد أعمى أو الممسوح العين.\nروي: أن ربما كان يجتمع عليه ألوف من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتاه عيسى ﵊ وما يداوي إلا بالدعاء\n. وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ كرر بإذن الله دفعًا لتوهم الألوهية، فإن الإِحياء ليس من جنس الأفعال البشرية. وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ بالمغيبات من أحوالكم التي لا تشكون فيها. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ موفقين للإِيمان فإن غيرهم لا ينتفع بالمعجزات، أو مصدقين للحق غير معاندين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>[سورة آل عمران (٣): آية ٥٠]</span>\nوَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)\nوَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ عطف على رَسُولًا على الوجهين، أو منصوب بإضمار فعل دل عليه قَدْ جِئْتُكُمْ أي وجئتكم مصدقًا. وَلِأُحِلَّ لَكُمْ مقدر بإضماره، أو مردود على قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ، أو معطوف على معنى مُصَدِّقًا كقولهم جئتك معتذرًا ولأطيب قلبك. بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أي في شريعة موسى ﵊ كالشحوم والثروب والسمك ولحوم الإِبل والعمل في السبت، وهو يدل على أن شرعه كان ناسخًا لشرع موسى ﵊ ولا يخل ذلك بكونه مصدقًا للتوراة، كما لا يعود نسخ القرآن بعضه ببعض عليه بتناقض وتكاذب، فإن النسخ في الحقيقة بيان وتخصيص في الأزمان وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>[سورة آل عمران (٣): آية ٥١]</span>\nإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)\nإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أي جئتكم بآية أخرى ألهمنيها ربكم وهو قوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فإنه دعوة الحق المجمع عليها فيما بين الرسل الفارقة بين النبي والساحر، أو جئتكم بآية على إن الله ربي وربكم وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ اعتراض والظاهر أنه تكرير لقوله: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، والأول لتمهيد الحجة والثاني لتقريبها إلى الحكم ولذلك رتب عليه بالفاء قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ أي لما جئتكم بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة فاتقوا الله في المخالفة وَأَطِيعُونِ فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي","vol":"2","page":18},{"text":"وَرَبُّكُمْ\nإشارة إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد، وقال: فَاعْبُدُوهُ إشارة إلى استكمال القوة العلمية فإنه بملازمة الطاعة التي هي الإِتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن بين أن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره\nقوله ﵊ «قل آمنت بالله ثم استقم»\n. <span data-type=\"title\" id=toc-311>[سورة آل عمران (٣): آية ٥٢]</span>\nفَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)\nفَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ تحقق كفرهم عنده تحقق ما يدرك بالحواس. قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ملتجئًا إلى الله تعالى أو ذاهبًا أو ضامًا إليه، ويجوز أن يتعلق الجار ب أَنْصارِي مضمنًا معنى الإِضافة، أي من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله تعالى فى نصري. وقيل إلى هاهنا بمعنى (مع) أو (في) أو (اللام) .\nقالَ الْحَوارِيُّونَ حواري الرجل خاصته من الحور وهو البياض الخالص، ومنه الحواريات للحضريات لخلوص ألوانهن. سمي به أصحاب عيسى ﵊ لخلوص نيتهم ونقاء سريرتهم. وقيل كانوا ملوكًا يلبسون البيض استنصر بهم عيسى ﵊ من اليهود. وقيل قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها. نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي أنصار دين الله. آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ لتشهد لنا يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nرَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)\nرَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي مع الشاهدين بوحدانيتك، أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم، أو مع أمة محمد ﷺ فإنهم شهداء على الناس.\nوَمَكَرُوا أي الذين أحس منهم الكفر من اليهود بأن وكلوا عليه من يقتله غيلة. وَمَكَرَ اللَّهُ حين رفع عيسى ﵊ وألقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل. والمكر من حيث إنه في الأصل حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة لا يسند إلى الله تعالى إلا على سبيل المقابلة والإِزدواج. وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أقواهم مكرًا وأقدرهم على إيصال الضرر مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>[سورة آل عمران (٣): آية ٥٥]</span>\nإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)\nإِذْ قالَ اللَّهُ ظرف لمكر الله أو خير الماكرين، أو لمضمر مثل وقع ذلك. يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ أي مستوفي أجلك ومؤخرك إلى أجلك المسمى، عاصمًا إياك من قتلهم، أو قابضك من الأرض من توفيت مالي، أو متوفيك نائمًا إذ روي أنه رفع نائمًا، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت. وقيل أماته الله سبع ساعات ثم رفعه إلى السماء وإليه ذهبت النصارى. وَرافِعُكَ إِلَيَّ إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي. وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من سوء جوارهم أو قصدهم وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعاونهم بالحجة أو السيف في غالب الأمر، ومتبعوه من آمن بنبوته من المسلمين والنصارى وإلى الآن لم تسمع غلبة لليهود عليهم ولم يتفق لهم ملك ودولة. ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ الضمير لعيسى ﵊ ومن تبعه ومن كفر به، وغلب المخاطبين على الغائبين. فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من أمر الدين.","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)\nفَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فنوفيهم أُجُورَهُمْ تفسير للحكم وتفصيل له. وقرأ حفص فَيُوَفِّيهِمْ بالياء. وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ تقرير لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>[سورة آل عمران (٣): آية ٥٨]</span>\nذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)\nذلِكَ إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره، وهو مبتدأ خبره. نَتْلُوهُ عَلَيْكَ وقوله: مِنَ الْآياتِ حال من الهاء ويجوز أن يكون الخبر ونتلوه حالًا على أن العامل معنى الإِشارة وأن يكونا خبرين وأن ينتصب بمضمر يفسره نتلوه. وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ المشتمل على الحكم، أو المحكم الممنوع عن تطرق الخلل إليه يريد به القرآن. وقيل اللوح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٩ الى ٦٠]</span>\nإِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)\nإِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ إن شأنه الغريب كشأن آدم ﵊. خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ جملة مفسرة للتمثيل مبينة لما به الشبه، وهو أنه خلق بلا أب كما خلق آدم من التراب بلا أب وأم، شبه حاله بما هو أعرب منه إفحامًا للخصم وقطعًا لمواد الشبهة والمعنى خلق قالبه من التراب. ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ أي أنشأه بشرًا كقوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ أو قدر تكوينه من التراب ثم كونه، ويجوز أن يكون ثم لتراخي الخبر لا المخبر. فَيَكُونُ حكاية حال ماضية.\nالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ خبر محذوف أي هو الحق، وقيل الْحَقُّ مبتدأ ومِنْ رَبِّكَ خبره أي الحق المذكور من الله تعالى. فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ خطاب للنبي ﷺ على طريقة التهييج لزيادة الثبات أو لكل سامع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>[سورة آل عمران (٣): آية ٦١]</span>\nفَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١)\nفَمَنْ حَاجَّكَ من النصاري. فِيهِ في عيسى. مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي من البينات الموجبة للعلم. فَقُلْ تَعالَوْا هلموا بالرأي والعزم. نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ أي يدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة ويحمل عليها، وإنما قدمهم على الأنفس لأن الرجل يخاطر بنفسه لهم ويحارب دونهم. ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتباهل بأن نلعن الكاذب منا. والبهلة بالضم والفتح اللعنة وأصله الترك من قولهم بهلت الناقة إذا تركتها بلا صرار. فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ عطف فيه بيان\nروي (أنهم لما دعوا إلى المباهلة قالوا حتى ننظر فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: ما ترى؟\nفقال: والله لقد عرفتم نبوته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم والله ما باهل قوم نبيًا إلا هلكوا، فإن أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا، فأتوا رسول الله ﷺ وقد غدا محتضنًا الحسين آخذًا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي ﵁ خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا، فقال أسقفهم يا معشر النصارى إني لأرى وجوهًا لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلًا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا، فأذعنوا","vol":"2","page":20},{"text":"لرسول الله ﷺ وبذلوا له الجزية ألفي حلة حمراء وثلاثين درعًا من حديد، فقال ﵊: والذي نفسي بيده لو تباهلوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر)\n. وهو دليل على نبوته وفضل من أتى بهم من أهل بيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)\nإِنَّ هَذَا أي ما قص من نبأ عيسى ومريم. لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ بجملتها خبر إن، أو هو فصل يفيد أن ما ذكره في شأن عيسى ومريم حق دون ما ذكروه، وما بعده خبر واللام دخلت فيه لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ صرح فيه ب مِنْ المزيدة للاستغراق تأكيدًا للرد على النصارى في تثليثهم وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لا أحد سواه يساويه في القدرة التامة والحكمة البالغة ليشاركه في الألوهية.\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ وعيد لهم ووضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن التولي عن الحجج والإِعراض عن التوحيد، إفساد للدين والاعتقاد المؤدي إلى فساد النفس بل وإلى فساد العالم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٤]</span>\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ يعم أهل الكتابين. وقيل يريد به وفد نجران، أو يهود المدينة. تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ لا يختلف فيها الرسل والكتب ويفسرها ما بعدها. أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ أن نوحده بالعبادة ونخلص فيها. وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا نجعل غيره شريكًا له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلًا لأن يعبد.\nوَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ولا نقول عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلا منهم بعضنا بشر مثلنا\nروي أنه لما نزلت اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال «أليس يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم قال نعم قال: هو ذاك»\n. فَإِنْ تَوَلَّوْا عن التوحيد. فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل.\n(تنبيه) أنظر إلى ما راعى في هذه القصة من المبالغة في الإِرشاد وحسن التدرج في الحجاج بين: أولًا، أحوال عيسى ﵊ وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للألوهية، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإِعجاز، ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد عاد عليهم بالإِرشاد وسلك طريقًا أسهل، وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإِنجيل وسائر الأنبياء والكتب، ثم لما لم يجد ذلك أيضًا عليهم وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم أعرض عن ذلك وقال فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٥]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥)\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ تنازعت اليهود","vol":"2","page":21},{"text":"والنصارى في إبراهيم ﵊، وزعم كل فريق أنه منهم وترافعوا إلى رسول الله ﷺ فنزلت.\nوالمعنى أن اليهودية والنصرانية حدثتا بنزول التوراة والإِنجيل على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وكان إبراهيم قبل موسى بألف سنة وعيسى بألفين فكيف يكون عليهما. أَفَلا تَعْقِلُونَ فتدعون المحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٦]</span>\nهَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦)\nهَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ها حرف تنبيه نبهوا بها على حالهم التي غفلوا عنها، وأنتم مبتدأ وهؤُلاءِ خبره وحاجَجْتُمْ جملة أخرى مبينة للأولى. أي أنتم هؤلاء الحمقى وبيان حماقتكم أنكم جادلتم فيما لكم به علم مما وجدتموه في التوراة والإِنجيل عنادًا، أو تدعون وروده فيه فلم تجادلون فيما لا علم لكم به ولا ذكر له في كتابكم من دين إبراهيم. وقيل هؤُلاءِ بمعنى الذين وحاجَجْتُمْ صلته. وقيل ها أنتم أصله أأنتم على الاستفهام للتعجب من حماقتهم فقلبت الهمزة هاء. وقرأ نافع وأبو عمرو هَا أَنْتُمْ حيث وقع بالمد من غير همز، وورش أقل مدًا، وقنبل بالهمز من غير ألف بعد الهاء والباقون بالمد والهمز، والبزي بقصر المد على أصله. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما حاججتم فيه.\nوَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وأنتم جاهلون به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nمَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)\nمَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا تصريح بمقتضى ما قرره من البرهان. وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مائلًا عن العقائد الزائغة. مُسْلِمًا منقادًا لله وليس المراد أنه كان على ملة الإِسلام وإلا لاشترك الإِلزام. وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تعريض بأنهم مشركون لإِشراكهم به عزيرًا والمسيح ورد لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيم ﵇.\nإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ إن أخصهم به وأقربهم منه، من الولي وهو القرب، لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ من أمته. وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم على الأصالة. وقرئ والنبي بالنصب عطفًا على الهاء في اتبعوه، وبالجر عطفًا على إبراهيم. وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ينصرهم ويجازيهم الحسنى لإيمانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>[سورة آل عمران (٣): آية ٦٩]</span>\nوَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩)\nوَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ نزلت في اليهود لما دعوا حذيفة وعمارًا ومعاذًا إلى اليهودية ولَوْ بمعنى أن. وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وما يتخطاهم الإِضلال ولا يعود وباله إلا عليهم إذ يضاعف به عذابهم، أو ما يضلون إلا أمثالهم. وَما يَشْعُرُونَ وزره واختصاص ضرره بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت على نبوة محمد ﷺ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنها آيات الله أو بالقرآن وأنتم تشهدون نعته في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حق.","vol":"2","page":22},{"text":"يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ بالتحريف وإبراز الباطل في صورته، أو بالتقصير في التمييز بينهما. وقرئ «تلبّسون» بالتشديد و«تلبسون» بفتح الباء أي تلبسون الحق مع الباطل\nكقوله ﵇ «كلابس ثوبي زور»\nوَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ نبوة محمد ﵇ ونعته. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ عالمين بما تكتمونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٢]</span>\nوَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)\nوَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ أي أظهروا الإِيمان بالقرآن أول النهار. وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ واكفروا به آخره لعلهم يشكون في دينهم ظنًا بأنكم رجعتم لخلل ظهر لكم، والمراد بالطائفة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف قالا لأصحابهما لما حولت القبلة: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم وصلوا إلى الصخرة آخره لعلهم يقولون هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون. وقيل اثنا عشر من أحبار خيبر تقاولوا بأن يدخلوا في الإِسلام أول النهار ويقولوا آخره نظرنا في كتابنا وشاورنا علماءنا فلم نجد محمدًا ﵊ بالنعت الذي ورد في التوراة لعل أصحابه يشكون فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٣ الى ٧٤]</span>\nوَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)\nوَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ولا تقروا عن تصديق قلب إلا لأهل دينكم، أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار لمن كان على دينكم فإن رجوعهم أرجي وأهم. قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ هو يهدي من يشاء إلى الإِيمان ويثبته عليه. أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ متعلق بمحذوف أي دَبَّرْتُمْ ذلك وقلتم لأن يؤتى أحد، والمعنى أن الحسد حملكم على ذلك أو بلا تؤمنوا أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأشياعكم، ولا تفشوه إلى المسلمين لئلا يزيد ثباتهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام وقوله:\nقُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعتراض يدل على أن كيدهم لا يجدي بطائل، أو خبر إن على أن هدى الله بدل من الهدى. وقراءة ابن كثير أَنْ يُؤْتى على الاستفهام للتقريع، تؤيد الوجه الأول أي إلا أن يؤتى أحد دبرتم. وقرئ «إِن» على أنها نافية فيكون من كلام الطائفة أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ عطف على أَنْ يُؤْتى على الوجهين الأولين وعلى الثالث معناه: حتى يحاجوكم عند ربكم فيدحضوا حجتكم عند ربكم، والواو ضمير أحد لأنه في معنى الجمع إذ المراد به غير أتباعهم. قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.\nيَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ رد وإبطال لما زعموه بالحجة الواضحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٥]</span>\nوَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)\nوَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ كعبد الله بن سلام استودعه قرشي ألفًا ومائتي أوقية ذهبًا فأداه إليه وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ كفنحاص بن عازوراء استودعه قرشي آخر دينارًا","vol":"2","page":23},{"text":"فجحده. وقيل المأمونون على الكثير النصارى إذ الغالب فيهم الأمانة، والخائنون في القليل اليهود إذ الغالب عليهم الخيانة. وقرأ حمزة وأبو بكر وأبو عمرو يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ولا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ بإسكان الهاء وقالون باختلاس كسرة الهاء وكذا روي عن حفص والباقون بإشباع الكسرة. إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا إلا مدة دوامك قائمًا على رأسه مبالغًا في مطالبته بالتقاضي والترافع وإقامة البينة. ذلِكَ إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله لاَّ يُؤَدِّهِ. بِأَنَّهُمْ قالُوا بسبب قولهم. لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أي ليس علينا في شأن من ليسوا من أهل الكتاب، ولم يكونوا على ديننا، عتاب وذم. وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بادعائهم ذلك وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم كاذبون، وذلك لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم وقالوا: لم يجعل لهم في التوراة حرمة. وقيل عامل اليهود رجالًا من قريش فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا سقط حقكم حيث تركتم دينكم وزعموا أنه كذلك في كتابهم.\nوعن النبي ﷺ أنه قال عند نزولها «كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر»\n. <span data-type=\"title\" id=toc-328>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٦]</span>\nبَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)\nبَلى إثبات لما نفوه أي بلى عليهم فيهم سبيل. مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ استئناف مقرر للجملة التي سدت بَلى مسدها، والضمير المجرور لمن أو لله وعموم المتقين ناب عن الراجع من الجزاء إلى مَنْ، وأشعر بأن التقوى ملاك الأمر وهو يعم الوفاء وغيره من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧)\nإِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ يستبدلون. بِعَهْدِ اللَّهِ بما عاهدوا الله عَلَيْهِ من الإِيمان بالرسول والوفاء بالأمانات. وَأَيْمانِهِمْ وبما حلفوا به من قولهم والله لنؤمنن به ولننصرنه، ثَمَنًا قَلِيلًا متاع الدنيا. أُولئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ بما يسرهم أو بشيء أصلًا، وأن الملائكة يسألونهم يوم القيامة، أو لا ينتفعون بكلمات الله وآياته، والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم لقوله: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فإن من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه، كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه. وَلا يُزَكِّيهِمْ ولا يثني عليهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ على ما فعلوه. قيل: إنها نزلت في أحبار حرفوا التوراة وبدلوا نعت محمد ﷺ وحكم الأمانات وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة. وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به. وقيل: نزلت في ترافع كان بين الأشعث بن قيس ويهودي في بئر أو أرض وتوجه الحلف على اليهودي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٨]</span>\nوَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)\nوَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يعني المحرفين ككعب ومالك وحيي بن أخطب. يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ يفتلونها بقراءته فيميلونها عن المنزل إلى المحرف، أو يعطفونها بشبه الكتاب. وقرئ «يلون» على قلب الواو المضمومة همزة ثم تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها. لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ الضمير للمحرف المدلول عليه بقوله يَلْوُونَ. وقرئ «ليحسبوه» بالياء والضمير أيضًا للمسلمين.\nوَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تأكيد لقوله: وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وتشنيع عليهم وبيان لأنهم","vol":"2","page":24},{"text":"يزعمون ذلك تصريحًا لا تعريضًا، أي ليس هو نازلًا من عنده. وهذا لا يقتضي أن لا يكون فعل العبد فعل الله تعالى. وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ تأكيد وتسجيل عليهم بالكذب على الله والتعمد فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>[سورة آل عمران (٣): آية ٧٩]</span>\nما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)\nما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ تكذيب ورد على عبده عيسى ﵇.\nوقيل (أن أبا رافع القرظي والسيد النجراني قالا: يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك ربًا، فقال: معاذ الله أن نعبد غير الله وأن نأمر بعبادة غير الله، فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني) فنزلت.\nوقيل (قال رجل يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك. قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد مِن دُونِ الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله)\nوَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ولكن يقول كونوا ربانيين، والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني والرقباني وهو الكامل في العلم والعمل. بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ بسبب كونكم معلمين الكتاب وبسبب كونكم دارسين له، فإن فائدة التعليم والتعلم معرفة الحق والخير للاعتقاد والعمل، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب تعلمون بمعنى عالمين. وقرئ «تَدْرُسُونَ» من التدريس وتدرسون من أدرس بمعنى درس كأكرم وكرم، ويجوز أن تكون القراءة المشهورة أيضًا بهذا المعنى على تقدير وبما كنتم تدرسونه على الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٠]</span>\nوَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)\nوَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا نصبه ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب عطفًا على ثم يقول، وتكون لا مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله مَا كانَ، أي ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمر باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا، أو غير مزيدة على معنى أنه ليس له أن يأمر بعبادته ولا يأمر باتخاذ أكفائه أربابًا، بل ينهى عنه وهو أدنى من العبادة. ورفعه الباقون على الاستئناف، ويحتمل الحال وقرأ أبو عمرو على أصله برواية الدوري باختلاس الضم. أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ إنكار، والضمير فيه للبشر وقيل لله.\nبَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ دليل على أن الخطاب للمسلمين وهم المستأذنون لأن يسجدوا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>[سورة آل عمران (٣): آية ٨١]</span>\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قيل إنه على ظاهره، وإذا كان هذا حكم الأنبياء كان الأمم به أولى. وقيل معناه أنه تعالى أخذ الميثاق من النبيين وأممهم واستغنى بذكرهم عن ذكر الأمم. وقيل إضافة الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الفاعل، والمعنى وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم. وقيل المراد أولاد النبيين على حذف المضاف، وهم بنو إسرائيل، أو سماهم نبيين تهكمًا لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب والنبيون كانوا منا، واللام في لَما موطئه للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف، وما تحتمل الشرطية ولتؤمنن ساد مسد جواب القسم والشرط وتحتمل الخبرية. وقرأ حمزة «لما» بالكسر على أن ما مصدرية أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب، ثم مجيء رسول مصدق له أخذ الله الميثاق لتؤمنن به ولتنصرنه، أو موصولة والمعنى أخذه للذي آتيتكموه وجاءكم رسول مصدق له. وقرئ «لما» بمعنى حين","vol":"2","page":25},{"text":"آتيتكم، أو لمن أجل ما آتيتكم على أن أصله لمن ما بالإِدغام فحذف إحدى الميمات الثلاث استثقالًا. وقرأ نافع «آتيناكم» بالنون والألف جميعًا. قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي أي عهدي، سمي به لأنه يؤصر أي يشد. وقرئ بالضم وهو إما لغة فيه كعبر وعبر أو جمع إصار وهو ما يشد به. قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا أي فليشهد بعضكم على بعض بالإِقرار. وقيل الخطاب فيه للملائكة. وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ وأنا أيضًا على إقراركم وتشاهدكم شاهد، وهو توكيد وتحذير عظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٢ الى ٨٣]</span>\nفَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)\nفَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ بعد الميثاق والتوكيد بالإِقرار والشهادة. فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ المتمردون من الكفرة.\nأَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ عطف على الجملة المتقدمة والهمزة متوسطة بينهما للإِنكار، أو محذوف تقديره أتتولون فغير دين الله تبغون، وتقديم المفعول لأنه المقصود بالإِنكار والفعل بلفظ الغيبة عند أبي عمرو وعاصم في رواية حفص ويعقوب، وبالتاء عند الباقين على تقدير وقل له. وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا أي طائعين بالنظر واتباع الحجة، وكارهين بالسيف ومعاينة ما يلجئ إلى الإِسلام كنتق الجبل وإدراك الغرق، والإِشراف على الموت. أو مختارين كالملائكة والمؤمنين ومسخرين كالكفرة فإنهم لا يقدرون أن يمتنعوا عما قضى عليهم وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وقرئ بالياء على أن الضمير لمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٤]</span>\nقُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)\nقُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ أمر للرسول ﷺ بأن يخبر عن نفسه ومتابعيه بالإِيمان، والقرآن كما هو منزل عليه منزل عليهم بتوسط تبليغه إليهم وأيضًا المنسوب إلى واحد من الجمع قد ينسب إليهم، أو بأن يتكلم عن نفسه على طريقة الملوك إجلالًا له، والنزول كما يعدى بإلى لأنه ينتهي إلى الرسل يعدى بعلى لأنه من فوق، وإنما قدم المنزل ﵇ على المنزل على سائر الرسل لأنه المعرف له والعيار عليه لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بالتصديق والتكذيب. وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ منقادون أو مخلصون في عبادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٥]</span>\nوَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)\nوَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا أي غير التوحيد والإِنقياد لحكم الله. فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ الواقعين في الخسران، والمعنى أن المعرض عن الإِسلام والطالب لغيره فاقد للنفع واقع في الخسران بإبطال الفطرة السليمة التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا، واستدل به على أن الإِيمان هُو الإِسلام إذ لو كان غيره لم يقبل. والجواب إنه ينفي قبول كل دين يغايره لا قبول كل ما يغايره، ولعل الدين أيضا للأعمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٦]</span>\nكَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)\nكَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ استبعاد لأن يهديهم الله فإن الحائد عن الحق بعد ما وضح له منهمك في الضلال بعيد عن الرشاد. وقيل نفي وإنكار له وذلك","vol":"2","page":26},{"text":"يقتضي أن لا تقبل توبة المرتد، وَشَهِدُوا عطف على ما في إِيمانِهِمْ من معنى الفعل ونظيره فأصدق وأكن، أو حال بإضمار قد من كفروا وهو على الوجهين دليل على أن الإِقرار باللسان خارج عن حقيقة الإِيمان. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الذين ظلموا أنفسهم بالإِخلال بالنظر ووضع الكفر موضع الإِيمان فكيف من جاءه الحق وعرفه ثم أعرض عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٧ الى ٨٨]</span>\nأُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)\nأُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ يدل بمنطوقه على جواز لعنهم، وبمفهومه على نفي جواز لعن غيرهم. ولعل الفرق أنهم مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدى مؤيسون عن الرحمة رأسًا بخلاف غيرهم، والمراد بالناس المؤمنون أو العموم فإن الكافر أيضًا يلعن منكر الحق والمرتد عنه ولكن لا يعرف الحق بعينه.\nخالِدِينَ فِيها في اللعنة، أو العقوبة، أو النار وإن لم يجز ذكرهما لدلالة الكلام عليهما. لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>[سورة آل عمران (٣): آية ٨٩]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد الارتداد. وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا، ويجوز أن لا يقدر له مفعول بمعنى ودخلوا في الصلاح. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يقبل توبته. رَحِيمٌ يتفضل عليه. قيل: إنها نزلت في الحارث بن سويد حين ندم على ردته فأرسل إلى قومه أن سلوا هل لي من توبة، فأرسل إليه أخوه الجلاس بالآية فرجع إلى المدينة فتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا كاليهود كفروا بعيسى والإِنجيل بعد الإِيمان بموسى والتوراة، ثم ازدادوا كفرا بمحمد والقرآن، أو كفروا بمحمد بعد ما آمنوا به قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرًا بالإصرار والعناد والطعن فيه والصد عن الإيمان ونقض الميثاق، أو كقوم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم ازدادوا كفرًا بقولهم نتربص بمحمد ريب المنون أو نرجع إليه وننافقه بإظهاره. لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ لأنهم لا يتوبون، أو لا يتوبون إلا إذا أشرفوا على الهلاك فكني عن عدم توبتهم بعدم قبولها تغليظًا في شأنهم وإبرازًا لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة، أو لأن توبتهم لا تكون إلا نفاقًا لارتدادهم وزيادة كفرهم، ولذلك لم تدخل الفاء فيه.\nوَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ الثابتون على الضلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>[سورة آل عمران (٣): آية ٩١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا لما كان الموت على الكفر سببًا لامتناع قبول الفدية أدخل الفاء ها هنا للإِشعار به، وملء الشيء ما يملؤه. وذَهَبًا نصب على التمييز. وقرئ بالرفع على البدل من مِلْءُ أو الخبر لمحذوف. وَلَوِ افْتَدى بِهِ محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا، أو معطوف على مضمر تقديره فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا لو تقرب به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة، أو المراد ولو افتدى","vol":"2","page":27},{"text":"بمثله كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ والمثل يحذف ويراد كثيرًا لأن المثلين في حكم شيء واحد أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مبالغة في التحذير وإقناط لأن من لا يقبل منه الفداء ربما يعفى عنه تكرمًا وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ في دفع العذاب ومن مزيدة للاستغراق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٢]</span>\nلَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)\nلَنْ تَنالُوا الْبِرَّ أي لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير، أو لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضى والجنة. حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ أي من المال، أو ما يعمه وغيره كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة الله والمهجة في سبيله.\nروي (أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي إلي بيرحاء فضعها حيث أراك الله، فقال: بخ بخ ذاك مال رابح أو رائح، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين. وجاء زيد بن حارثة بفرس كان يحبها فقال: هذه في سبيل الله فحمل عليها رسول الله ﷺ أسامة بن زيد فقال: زيد إنما أردت أن أتصدق بها فقال ﵇: إن الله قد قبلها منك)\nأو ذلك يدل على أن إنفاق أحب الأموال على أقرب الأقارب أفضل، وأن الآية تعم الإِنفاق الواجب والمستحب. وقرئ «بعض ما تحبون» وهو يدل على أن من للتبعيض ويحتمل التبيين. وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ أي من أي شيء محبوب أو غيره ومن لبيان ما. فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فيجازيكم بحسبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٣]</span>\nكُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣)\nكُلُّ الطَّعامِ أي المطعومات والمراد أكلها. كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ حلالًا لهم، وهو مصدر نعت به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث قال تعالى: لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ. إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ يعقوب. عَلى نَفْسِهِ كلحوم الإِبل وألبانها. وقيل كان به عرق النسا فنذر إن شفي لم يأكل أحب الطعام إليه وكان ذلك أحبه إليه. وقيل: فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء. واحتج به من جوز للنبي أن يجتهد، وللمانع أن يقول ذلك بإذن من الله فيه فهو كتحريمه ابتداء. مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ أي من قبل إنزالها مشتملة على تحريم ما حرم عليهم لظلمهم وبغيهم عقوبة وتشديدًا، وذلك رد على اليهود في دعوى البراءة مما نعى عليهم في قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ وقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ الآيتين، بأن قالوا لسنا أول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعده حتى انتهى الأمر إلينا فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا، وفي منع النسخ والطعن في دعوى الرسول ﵇ موافقة إبراهيم ﵇ بتحليله لحوم الإِبل وألبانها. قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أمر بمحاجتهم بكتابهم وتبكيتهم بما فيه من أنه قد حرم عليهم بسبب ظلمهم ما لم يكن محرمًا.\nروي: أنه ﵇ لما قاله لهم بهتوا ولم يجسروا أن يخرجوا التوراة. وفيه دليل على نبوته\n. <span data-type=\"title\" id=toc-344>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٤ الى ٩٥]</span>\nفَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)\nفَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ\nابتدعه على الله بزعمه أنه حرم ذلك قبل نزول التوراة على بني إسرائيل ومن قبلهم. مِنْ بَعْدِ ذلِكَ\nمن بعد ما لزمتهم الحجة. فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ\nالذين لا ينصفون من أنفسهم ويكابرون الحق بعد ما وضح لهم.\nقُلْ صَدَقَ اللَّهُ تعريض بكذبهم، أي ثبت أن الله صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون. فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ","vol":"2","page":28},{"text":"حَنِيفًا\nأي ملة الإِسلام التي هي في الأصل ملة إبراهيم، أو مثل ملته حتى تتخلصوا من اليهودية التي اضطرتكم إلى التحريف والمكابرة لتسوية الأغراض الدنيوية، وألزمتكم تحريم طيبات أحلها الله لإِبراهيم ومن تبعه. وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فيه إشارة إلى أن اتباعه واجب في التوحيد الصرف والاستقامة في الدين والتجنب عن الإِفراط والتفريط، وتعريض بشرك اليهود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٦]</span>\nإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦)\nإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ أي وضع للعبادة وجعل متعبدًا لهم، والواضع هو الله تعالى. ويدل عليه أنه قرئ على البناء للفاعل. لَلَّذِي بِبَكَّةَ للبيت الذي بِبَكَّةَ، وهي لغة في مكة كالنبيط والنميط، وأمر راتب وراتم ولازب ولازم، وقيل هي موضع المسجد. ومكة البلد من بكة إذا زحمه، أو من بكه إذا دقه فإنها تبك أعناق الجبابرة\nروي (أنه ﵇ سئل عن أول بيت وضع للناس فقال: المسجد الحرام، ثم بيت المقدس. وسئل كم بينهما فقال أربعون سنة)\n. وقيل أول من بناه إبراهيم ثم هدم فبناه قوم من جرهم، ثم العمالقة، ثم قريش. وقيل هو أول بيت بناه آدم فانطمس في الطوفان، ثم بناه إبراهيم. وقيل: كان في موضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح يطوف به الملائكة، فلما أهبط آدم أمر بأن يحجه ويطوف حوله ورفع في الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السموات وهو لا يلائم ظاهر الآية. وقيل المراد إنه أول بيت بالشرف لا بالزمان. مُبارَكًا كثير الخير والنفع لمن حجه واعتمره واعتكف دونه وطاف حوله، حال من المستكن في الظرف وَهُدىً لِلْعالَمِينَ لأنه قبلتهم ومتعبدهم، ولأن فيه آيات عجيبة كما قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>[سورة آل عمران (٣): آية ٩٧]</span>\nفِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)\nفِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار، وأن ضواري السباع تخالط الصيود في الحرم ولا تتعرض لها، وإن كل جبار قصده بسوء قهره الله كأصحاب الفيل. والجملة مفسرة للهدى، أو حال أخرى. مَقامُ إِبْراهِيمَ مبتدأ محذوف خبره أي منها مقام إبراهيم، أو بدل من آيات بدل البعض من الكل. وقيل عطف بيان على أن المراد بالآيات أثر القدم في الصخرة الصماء وغوصها فيها إلى الكعبين، وتخصيصها بهذه الإلانة من بين الصخار وإبقاؤه دون سائر آثار الأنبياء وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف سنة. ويؤيده أنه قرئ «آية» بينة على التوحيد. وسبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه. وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا جملة ابتدائية، أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام لأنه في معنى أمن من دخله أي ومنها أمن من دخله، أو فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله. اقتصر بذكرهما من الآيات الكثيرة وطوى ذكر غيرهما\nكقوله ﵇ «حبب إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة»\nلأن فيها غنية عن غيرها في الدارين بقاء الأثر مدى الدهر والأمن من العذاب يوم القيامة،\nقال ﵇: «من مات في أحد الحرمين، بعث يوم القيامة آمنًا»\n. وعند أبي حنيفة من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما والتجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولكن ألجئ إلى الخروج. وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ قصده للزيارة على الوجه المخصوص. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص حِجُّ بالكسر وهو لغة نجد. مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا بدل من الناس بدل البعض من الكل مخصص له، وقد فسر رسول الله ﷺ الاستطاعة «بالزاد والراحلة» وهو يؤيد قول الشافعي رضي الله تعالى عنه إنها بالمال، ولذلك أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه. وقال مالك رحمه الله تعالى إنها بالبدن فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطريق. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إنها","vol":"2","page":29},{"text":"بمجموع الأمرين. والضمير في إليه للبيت، أو الحج وكل ما أتى إلى الشيء فهو سبيله. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ وضع كفر موضع من لم يحج تأكيدًا لوجوبه وتغليظًا على تاركه، ولذلك\nقال ﵇ «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا»\nوقد أكد أمر الحج في هذه الآية من وجوه الدلالة على وجوه بصيغة الخبر، وإبرازه في الصورة الإِسمية وإيراده على وجه يفيد أنه حق واجب لله تعالى في رقاب الناس، وتعميم الحكم أولًا ثم تخصيصه ثانيًا فإنه كإيضاح بعد إيهام وتثنية وتكرير للمراد، وتسمية ترك الحج كفرًا من حيث إنه فعل الكفرة، وذكر الاستغناء فإنه في هذا الموضع مما يدل على المقت والخذلان وقوله:\nعَنِ الْعالَمِينَ يدل عليه لما فيه من مبالغة التعميم والدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان والإِشعار بعظم السخط، لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس وإتعاب البدن وصرف المال والتجرد عن الشهوات والإِقبال على الله.\nروي (أنه لما نزل صدر الآية جمع رسول ﷺ أرباب الملل فخطبهم وقال إن الله تعالى: كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وكفرت به خمس ملل فنزل ومن كفر)\n. <span data-type=\"title\" id=toc-347>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٨ الى ٩٩]</span>\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي بآياته السمعية والعقلية الدالة على صدق محمد ﷺ فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره، وتخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أن كفرهم أقبح، لأن معرفتهم بالآيات أقوى وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإِنجيل فهم كافرون بهما. وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ والحال أنه شهيد مطلع على أعمالكم فيجازيكم عليها لا ينفعكم التحريف والاستسرار.\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ كرر الخطاب والاستفهام مبالغة في التقريع ونفي العذر لهم، وإشعارًا بأن كل واحد من الأمرين مستقبح في نفسه مستقل باستجلاب العذاب، وسبيل الله في دينه الحق المأمور بسلوكه وهو الإسلام. قيل كانوا يفتنون المؤمنين ويحرشون بينهم حتى أتوا الأوس والخزرج فذكروهم ما بينهم في الجاهلية من التعادي والتحارب ليعودوا لمثله ويحتالون لصدهم عنه. تَبْغُونَها عِوَجًا حال من الواو أي باغين طالبين لها اعوجاجًا بأن تلبسوا على الناس وتوهموا أن فيه عوجًا عن الحق، بمنع النسخ وتغيير صفة رسول الله ﷺ ونحوهما، أو بأن تحرشوا بين المؤمنين لتختلف كلمتهم ويختل أمر دينهم. وَأَنْتُمْ شُهَداءُ إنها سبيل الله والصد عنها ضلال وإضلال، أو أنتم عدول عند أهل ملتكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا. وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وعيد لهم، ولما كان المنكر في الآية الأولى كفرهم وهم يجهرون به ختمها بقوله: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ. ولما كان في هذه الآية صدهم للمؤمنين عن الإسلام وكانوا يخفونه ويحتالون فيه قال وَمَا الله بغافل عما تعملون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٠ الى ١٠١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ نزلت في نفر من الأوس والخزرج كانوا جلوسًا يتحدثون، فمر بهم شاس بن قيس اليهودي فغاظه تألفهم واجتماعهم فأمر شابًا من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وينشدهم بعض ما قيل فيه، وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس، ففعل فتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا السلاح السلاح، واجتمع مع القبيلتين خلق عظيم، فتوجه إليهم رسول الله ﷺ وأصحابه\nوقال «أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإِسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بين قلوبكم»\nفعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح","vol":"2","page":30},{"text":"واستغفروا وعانق بعضهم بعضًا وانصرفوا مع رسول الله ﷺ. وإنما خاطبهم الله بنفسه بعد ما أمر الرسول بأن يخاطب أهل الكتاب إظهارًا لجلالة قدرهم، وإشعارًا بأنهم هم الأحقاء بأن يخاطبهم الله ويكلمهم.\nوَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ إنكار وتعجيب لكفرهم في حال اجتمع لهم الأسباب الداعية إلى الإيمان الصارفة عن الكفر. وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ومن يتمسك بدينه أو يلتجئ إليه في مجامع أموره. فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فقد اهتدى لا محالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ حق تقواه وما يجب منها، وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم كقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: هو أن يطاع فلا يعصي، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. وقيل هو: أن تنزه الطاعة عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاة عليها. وفي هذا الأمر تأكيد للنهي عن طاعة أهل الكتاب، وأصل تقاة وقية فقلبت واوها المضمومة تاء كما في تؤده وتخمه والياء ألفًا. وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي ولا تكونن على حال سوى حال الإِسلام إذا أدرككم الموت، فإن النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه بالذات نحو الفعل تارة والقيد أخرى وقد يتوجه نحو المجموع دونهما وكذلك النفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٣]</span>\nوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)\nوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا بدين الإِسلام، أو بكتابه\nلقوله ﵇: «القرآن حبل الله المتين»\n. استعار له الحبل من حيث إن التمسك به سبب للنجاة من الردي، كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة من التردى والوثوق به والاعتماد عليه الاعتصام ترشيحًا للمجاز. جَمِيعًا مجتمعين عليه وَلا تَفَرَّقُوا أي ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل الكتاب، أو لا تتفرقوا تفرقكم في الجاهلية يحارب بعضكم بعضًا، أو لا تذكروا ما يوجب التفرق ويزيل الألفة. وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ التي من جملتها الهداية والتوفيق للإِسلام المؤدي إلى التآلف وزوال الغل. إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً في الجاهلية متقابلين. فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بالإِسلام. فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا متحابين مجتمعين على الأخوة في الله. وقيل كان الأوس والخزرج أخوين لأبوين فوقع بين أولادهما العداوة وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة حتى أطفأها الله بالإِسلام وألف بينهم برسوله ﷺ. وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ مشفين على الوقوع في نار جهنم لكفركم، إذ لو أدرككم الموت على تلك الحالة لوقعتم في النار. فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها بالإِسلام، والضمير للحفرة، أو للنار، أو للشفا. وتأنيثه لتأنيث ما أضيف إليه أو لأنه بمعنى الشفة فإن شفا البئر وشفتها طرفها كالجانب والجانبة، وأصله شفو فقلبت الواو ألفًا في المذكر وحذفت في المؤنث. كَذلِكَ مثل ذلك التبيين. يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ دلائله. لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إرادة ثباتكم على الهدى وازديادكم فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٤]</span>\nوَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)\nوَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ من للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، ولأنه لا يصلح له كل أحد إذ للمتصدي له شروط لا يشترط","vol":"2","page":31},{"text":"فيها جميع الأمة كالعلم بالأحكام ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها والتمكن من القيام بها. خاطب الجميع وطلب فعل بعضهم ليدل على أنه واجب على الكل حتى لو تركوه رأسًا أثموا جميعًا ولكن يسقط بفعل بعضهم، وهكذا كل ما هو فرض كفاية. أو للتبيين بمعنى وكونوا أمة يدعون كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ. والدعاء إلى الخير يعم الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي، وعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عطف الخاص على العام للإيذان بفضله. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ المخصوصون بكمال الفلاح\nوروي أنه ﵇ سئل من خير الناس فقال: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم للرحم»\n. والأمر بالمعروف يكون واجبًا ومندوبًا على حسب ما يؤمر به. والنهي عن المنكر واجب كله لأن جميع ما أنكره الشرع حرام. والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه لأنه يجب عليه تركه وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٥]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا كاليهود والنصارى اختلفوا في التوحيد والتنزيه وأحوال الآخرة على ما عرفت. مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه. والأظهر أن النهي فيه مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع\nلقوله ﵇ «اختلاف أمتي رحمة» .\nولقوله ﵊ «من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد»\n. وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وعيد للذين تفرقوا وتهديد على التشبه بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٦ الى ١٠٧]</span>\nيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧)\nيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ نصب بما في لهم من معنى الفعل، أو بإضمار اذكر. وبياض الوجه وسواده كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه. وقيل يوسم أهل الحق ببياض الوجه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ على إرادة القول أي فيقال لهم أكفرتم، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم، وهم المرتدون أو أهل الكتاب كفروا برسول الله ﷺ بعد إيمانهم به قبل مبعثه، أو جميع الكفار كفروا بعد ما أقروا به حين أشهدهم على أنفسهم أو تمكنوا من الإِيمان بالنظر في الدلائل والآيات. فَذُوقُوا الْعَذابَ أمر إهانة. بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بسبب كفركم أو جزاء لكفركم.\nوَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ يعني الجنة والثواب المخلد، عبر عن ذلك بالرحمة تنبيهًا على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى لا يدخل الجنة إلا برحمته وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم ذكرهم لكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم. هُمْ فِيها خالِدُونَ أخرجه مخرج الاستئناف للتأكيد كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقال هم فيها خالدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٨ الى ١٠٩]</span>\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ الواردة في وعده ووعيده نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ملتبسة بالحق لا شبهة فيها. وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ إذ يستحيل الظلم منه لأنه لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يمنع عن شيء فيظلم بفعله، لأنه المالك على الإِطلاق كما قال.","vol":"2","page":32},{"text":"وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فيجازي كلا بما وعد له وأوعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٠]</span>\nكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠)\nكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ دل على خيريتهم فيما مضى ولم يدل على انقطاع طرأ كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا وقيل كنتم في علم الله أو في اللوح المحفوظ، أو فيما بين الأمم المتقدمين. أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ أي أظهرت لهم. تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ استئناف بين به كونهم خَيْرَ أُمَّةٍ، أو خبر ثان لكنتم. وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يتضمن الإِيمان بكل ما يجب أن يؤمن به، لأن الإِيمان به إنما يحق ويعتد به إذا حصل الإِيمان بكل ما أمر أن يؤمن به، وإنما أخره وحقه أن يقدم لأنه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف وَنَهَوْاْ عَنِ المنكر إيمانًا بالله وتصديقًا به وإظهارًا لدينه، واستدل بهذه الآية على إن الاجماع حجة لأنها تقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر، إذ اللام فيهما للاستغراق فلو أجمعوا على باطل كان أمرهم على خلاف ذلك. وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ إيمانًا كما ينبغي لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ لكان الإِيمان خيرًا لهم مما هم عليه. مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كعبد الله بن سلام وأصحابه. وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ المتمردون في الكفر، وهذه الجملة والتي بعدها واردتان على سبيل الاستطراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>[سورة آل عمران (٣): آية ١١١]</span>\nلَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١)\nلَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً ضررًا يسيرًا كطعن وتهديد. وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ينهزموا ولا يضروكم بقتل وأسر. ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ ثم لا يكون أحد ينصرهم عليكم أو يدفع بأسكم عنهم، نفي إضرارهم سوى ما يكون بقول وقرر ذلك بأنهم لو قاموا إلى القتال كانت الدبرة عليهم، ثم أخبر بأنه تكون عاقبتهم العجز والخذلان. وقرئ «لا ينصروا» عطفًا على يولوا على أن ثم للتراخي في الرتبة فيكون عدم النصر مقيدًا بقتالهم، وهذه الآية من المغيبات التي وافقها الواقع إذ كان ذلك حال قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٢]</span>\nضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)\nضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ هدر النفس والمال والأهل، أو ذل التمسك بالباطل والجزية. أَيْنَ ما ثُقِفُوا وجدوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ استثناء من أعم عام الأحوال أي ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا معتصمين، أو ملتبسين بذمة الله أو كتابة الذي آتاهم وذمة المسلمين، أو بدين الإِسلام واتباع سبيل المؤمنين. وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ رجعوا به مستوجبين له وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ فهي محيطة بهم إحاطة البيت المضروب على أهله، واليهود في غالب الأمر فقراء ومساكين. ذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب. بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ بسبب كفرهم بالآيات وقتلهم الأنبياء. والتقييد بغير حق مع أنه كذلك في نفس الأمر للدلالة على أنه لم يكن حقًا بحسب اعتقادهم أيضًا. ذلِكَ أي الكفر والقتل. بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله، فإن الإِصرار على الصغائر يفضي إلى الكبائر والاستمرار عليها يؤدي إلى الكفر. وقيل معناه أن ضرب الذلة في الدنيا واستيجاب الغضب في الآخرة كما هو معلل بكفرهم وقتلهم فهو مسبب عن عصيانهم","vol":"2","page":33},{"text":"واعتدائهم من حيث إنهم مخاطبون بالفروع أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٣]</span>\nلَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)\nلَيْسُوا سَواءً في المساوي والضمير لأهل الكتاب. مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ استئناف لبيان نفي الاستواء، والقائمة المستقيمة العادلة من أقمت العود فقام وهم الذين أسلموا منهم. يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يتلون القرآن في تهجدهم. عَبَّر عنه بالتلاوة في ساعات الليل مع السجود ليكون أبين وأبلغ في المدح. وقيل المراد صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا يصلونها لما\nروي (أنه ﵊ أخرها ثم خرج فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: أما أنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم)\n. <span data-type=\"title\" id=toc-359>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٤ الى ١١٥]</span>\nيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)\nيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ صفات أخر لأمة وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود، فإنهم منحرفون عن الحق غير متعبدين في الليل مشركون بالله ملحدون في صفاته، واصفون اليوم الآخر بخلاف صفته، مداهنون في الاحتساب متباطئون عن الخيرات.\nوَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ أي الموصوفون بتلك الصفات ممن صلحت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناءه.\nوَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فلن تكفروه فلن يضيع ولا ينقص ثوابه ألبتة، سمي ذلك كفرانًا كما سمي توفية الثواب شكرًا، وتعديته إلى مفعولين لتضمنه معنى الحرمان، وقرأ حفص وحمزة والكسائي وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ بالياء والباقون بالتاء. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ بشارة لهم وإشعار بأن التقوى مبدأ الخير وحسن العمل، وأن الفائز عند الله هو أهل التقوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٦ الى ١١٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا من العذاب، أو من الغناء فيكون مصدرًا. وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ملازموها. هُمْ فِيها خالِدُونَ.\nَلُ مَا يُنْفِقُونَ\nما ينفق الكفرة قربة، أو مفاخرة وسمعة، أو المنافقون رياء أو خوفا. ي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ\nبرد شديد والشائع إطلاقة للريح الباردة كالصرصر، فهو في الأصل مصدر نعت به أو نعت وصف به البرد للمبالغة كقولك برد بارد. صابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ\nبالكفر والمعاصي أَهْلَكَتْهُ\nعقوبة لهم لأن الإِهلاك عن سخط أشد، والمراد تشبيه ما انفقوا في ضياعه بحرث كفار ضربته صر فاستأصلته ولم يبق لهم فيه منفعة ما في الدنيا والآخرة، وهو من التشبيه المركب ولذلك لم يبال بإيلاء كلمة التشبيه للريح دون الحرث، ويجوز أن يقدر كمثل مهلك ريح وهو الحرث. ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ\nأي ما ظلم المنفقين بضياع نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم لما لم ينفقوها بحيث يعتد بها، أو ما ظلم أصحاب الحرث بإهلاكه ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة. وقرئ «ولكن» أي ولكن أنفسهم يظلمونها، ولا يجوز أن يقدر ضمير الشأن لأنه لا يحذف إلا في ضرورة الشعر كقوله:","vol":"2","page":34},{"text":"وَمَا كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَه ... وَلَكِنَّ مَنْ يبصر جفونك يعشق\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطانَةً وليجة، وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به، شبه ببطانة الثوب كما شبه بالشعار\nقال ﵊: «الأنصار شعار والناس دثار»\n. مِنْ دُونِكُمْ من دون المسلمين، وهو متعلق بلا تتخذوا، أو بمحذوف هو صفة بطانة أي بطانة كائنة من دونكم. لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أي لا يقصرون لكم في الفساد، والألو التقصير وأصله أن يعدى بالحرف وعدي إلى مفعولين كقولهم: لا آلوك نصحًا على تضمين معنى المنع أو النقص. وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ تمنوا عنتكم، وهو شدة الضرر والمشقة وما مصدرية. قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ أي في كلامهم لأنهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم. وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ مما بدا لأن بدوه ليس عن روية واختيار. قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ الدالة على وجوب الإِخلاص وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين. إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ما بين لكم، والجمل الأربع جاءت مستأنفات على التعليل، ويجوز أن تكون الثلاث الأول صفات لبطانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>[سورة آل عمران (٣): آية ١١٩]</span>\nها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩)\nها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاة الكفار وتحبونهم ولا يحبونكم، بيان لخطئهم في موالاتهم، وهو خبر ثان أو خبر لأولاء والجملة خبر لأنتم كقولك: أنت زيد تحبه، أو صلته أو حال والعامل فيها معنى الإِشارة، ويجوز أن ينصب أولاء بفعل مضمر يفسره ما بعده وتكون الجملة خبرًا. وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ بجنس الكتاب كله، وهو حال من لا يحبونكم والمعنى: إنهم لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم أيضًا فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم، وفيه توبيخ بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم. وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا نفاقًا وتغريرًا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ من أجله تأسفًا وتحسرًا حيث لم يجدوا إلى التشفي سبيلًا. قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ دعاء عليهم بدوام الغيظ وزيادته بتضاعف قوة الإِسلام وأهله حتى يهلكوا به. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فيعلم ما فى صدورهم من البغضاء والحنق، وهو يحتمل أن يكون من المقول أي وقل لهم إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا هو أخفى مما تخفونه من عض الأنامل غيظًا، وأن يكون خارجًا عنه بمعنى قل لهم ذلك ولا تتعجب من اطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٠]</span>\nإِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)\nإِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها بيان لتناهي عداوتهم إلى حد حسدوا ما نالهم من خير ومنفعة، وشمتوا بما أصابهم من ضر وشدة، والمس مستعار للإِصابة وَإِنْ تَصْبِرُوا على عداوتهم، أو على مشاق التكاليف. وَتَتَّقُوا موالاتهم، أو ما حرم الله ﷻ عليكم. لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا بفضل الله ﷿ وحفظه الموعود للصابرين والمتقين ولأن المحدّ في الأمر، المتدرب بالاتقاء والصبر يكون قليل الانفعال جريئا على الخصم، وضمه الراء للاتباع كضمة مد. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب لاَ يَضُرُّكُمْ من ضاره يضيره. إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ من الصبر والتقوى وغيرهما. مُحِيطٌ أي محيط","vol":"2","page":35},{"text":"علمه فيجازيكم مما أنتم أهله. وقرئ بالياء أي بِما يَعْمَلُونَ، في عداوتكم عليم فيعاقبهم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢١]</span>\nوَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)\nوَإِذْ غَدَوْتَ أي واذكر إذ غدوت. مِنْ أَهْلِكَ أي من حجرة عائشة ﵂. تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ تنزلهم. أو تسوي وتهيئ لهم ويؤيده القراءة باللام. مَقاعِدَ لِلْقِتالِ مواقف وأماكن له، وقد يستعمل المقعد والمقام بمعنى المكان على الاتساع كقوله تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ وقوله تعالى: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ. وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوالكم. عَلِيمٌ بنياتكم\nروي (أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء.\nثاني عشر شوال سنة ثلاث من الهجرة. فاستشار الرسول ﵊ أصحابه، وقد دعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قبل فقال هو وأكثر الأنصار: أقم يا رسول الله بالمدينة ولا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدو إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه فكيف وأنت فينا؟ فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين. وأشار بعضهم إلى الخروج فقال ﵊: «رأيت في منامي بقرة مذبوحة حولي فأولتها خيرًا، ورأيت في ذباب سيفي ثلمًا فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم، فقال رجال فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد اخرج بنا إلى أعدائنا. وبالغوا حتى دخل ولبس لامته، فلما رأوا ذلك ندموا على مبالغتهم وقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت فقال «لا ينبغي لنبي أن يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل» . فخرج بعد صلاة الجمعة وأصبح بشعب أُحُد يوم السبت، ونزل في عدوة الوادي وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وسوى صفهم، وَأَمَّر عبد الله بن جبير على الرماة وقال: انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا)\n. <span data-type=\"title\" id=toc-365>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٢]</span>\nإِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)\nإِذْ هَمَّتْ متعلق بقوله: سَمِيعٌ عَلِيمٌ أو بدل من إِذْ غدوت. طائِفَتانِ مِنْكُمْ بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس وكانا جناحي العسكر. أَنْ تَفْشَلا أن تجبنا وتضعفا.\nروي (أنه ﵊ خرج في زهاء ألف رجل ووعد لهم النصر إن صبروا، فلما بلغوا الشوط انخذل ابن أبي في ثلاثمائة رجل وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا، فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري وقال: أنشدكم الله والإِسلام في نبيكم وأنفسكم. فقال: ابن أبي لو نعلم قتالًا لاتبعناكم، فهم الحيان باتباعه فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله ﷺ) .\nوالظاهر أنها ما كانت عزيمة لقوله تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أي عاصمهما من اتباع تلك الخطرة، ويجوز أن يراد والله ناصرهما فما لهما يفشلان ولا يتوكلان على الله. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي فليتوكلوا عليه ولا يتوكلوا على غيره لينصرهم كما نصرهم ببدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٣ الى ١٢٤]</span>\nوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)\nوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ تذكير ببعض ما أفادهم التوكل. وبدر ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدرًا فسمي به. وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ حال من الضمير، وإنما قال أذلة ولم يقل ذلائل تنبيهًا على قلتهم مع ذلتهم لضعف الحال وقلة المراكب والسلاح. فَاتَّقُوا اللَّهَ في الثياب. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصره، أو لعلكم بنعم الله عليكم فتشكرون، فوضع الشكر موضع الأنعام لأنه سببه.\nإِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ظرف لنصركم. وقيل بدل ثان من إذ غدوت على أن قوله لهم يوم أحد وكان مع","vol":"2","page":36},{"text":"اشتراط الصبر والتقوى عن المخالفة، فلما لم يصبروا عن الغنائم وخالفوا أمر الرسول ﷺ لم تنزل الملائكة.\nأَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ إنكار أن لا يكفيهم، ذلك وإنما جيء بلن إشعارًا بأنهم كانوا كالآيسين من النصر لضعفهم وقلتهم وقوة العدو وكثرتهم. قيل أمدهم الله يوم بدر أولًا بألف من الملائكة ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف. وقرأ ابن عامر مُنْزَلِينَ بالتشديد للتكثير أو للتدريج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٥]</span>\nبَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)\nبَلى إيجاب لما بعد لن، أي بلى يكفيكم. ثم وعد لهم الزيادة على الصبر والتقوى حثًا عليهما وتقوية لقلوبهم فقال: إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ أي المشركون. مِنْ فَوْرِهِمْ هذا من ساعتهم هذه، وهو في الأصل مصدر من فارت القدر إذ غلت، فاستعير للسرعة ثم أطلق للحال التي لا ريث فيها ولا تراخي، والمعنى إن يأتوكم في الحال. يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ في حال إتيانهم بلا تراخ ولا تأخير. مُسَوِّمِينَ معلمين من التسويم الذي هو إظهار سيما الشيء\nلقوله ﵊ لأصحابه.\n«تسوموا فإن الملائكة قد تسومت»\n. أو مرسلين من التسويم بمعنى الأسامة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٦ الى ١٢٧]</span>\nوَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧)\nوَما جَعَلَهُ اللَّهُ وما جعل إمدادكم بالملائكة. إِلَّا بُشْرى لَكُمْ إلا بشارة لكم بالنصر. وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ولتسكن إليه من الخوف. وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لاَ من العدة والعدد، وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد وإنما أمدهم ووعد لهم به بشارة لهم وربطًا على قلوبهم، من حيث إن نظر العامة إلى الأسباب أكثر، وحثًا على أن لا يبالوا بمن تأخر عنهم. الْعَزِيزِ الذي لا يغالب في أقضيته. الْحَكِيمِ الذي ينصر ويخذل بوسط وبغير وسط على مقتضى الحكمة والمصلحة.\nلِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا متعلق بنصركم، أو وَمَا النَّصْرُ إن كان اللام فيه للعهد، والمعنى لينقص منهم بقتل بعض وأسر آخرين، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من صناديدهم. أَوْ يَكْبِتَهُمْ أو يخزيهم، والكبت شدة الغيظ، أو وهن يقع في القلب، وأو للتنويع دون الترديد فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ فينهزموا منقطعي الأمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>[سورة آل عمران (٣): آية ١٢٨]</span>\nلَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨)\nلَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ اعتراض. أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ عطف على قوله أو يكبتهم، والمعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا وليس لك من أمرهم شيء، وإنما أنت عبد مأمور لإِنذارهم وجهادهم. ويحتمل أن يكون معطوفًا على الأمر أو شيء بإضمار أن، أي ليس لك من أمرهم أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء. أو ليس لك من أمرهم شيء، أو التوبة عليهم أو تعذيبهم. وأن تكون أو بمعنى إلا أن. أي ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتسر به أو يعذبهم فتتشفى منهم.\nروي (أن عتبة بن أبي وقاص شجهُ يوم أحد وكسر رباعيته، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم) فنزلت\n. وقيل هم أن يدعوا عليهم فنهاه","vol":"2","page":37},{"text":"الله لعلمه بأن فيهم من يؤمن. فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ قد استحقوا التعذيب بظلمهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢٩ الى ١٣٠]</span>\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقًا وملكًا فله الأمر كله لا لك. يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ صريح في نفي وجوب التعذيب، والتقييد بالتوبة وعدمها كالمنافي له. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لعباده فلا تبادر إلى الدعاء عليهم.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً لا تزيدوا زيادات مكررة، ولعل التخصيص بحسب الواقع. إذ كان الرجل منهم يربي إلى أجل ثم يزيد فيه زيادة أخرى حتى يستغرق بالشيء الطفيف مال المديون. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب «مضعفة» . وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما نهيتم عنه. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ راجين الفلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣١ الى ١٣٢]</span>\nوَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)\nوَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ بالتحرز عن متابعتهم وتعاطي أفعالهم، وفيه تنبيه على أن النار بالذات معدة للكافرين وبالعرض للعصاة. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أتبع الوعيد بالوعد ترهيبًا عن المخالفة وترغيبًا في الطاعة، ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل عزة التوصل إلى ما جعل خبرا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٣ الى ١٣٤]</span>\nوَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)\nوَسارِعُوا بادروا وأقبلوا. إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ إلى ما يستحق به المغفرة، كالإِسلام والتوبة والإِخلاص. وقرأ نافع وابن عامر سارِعُوا بلا واو. وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي عرضها كعرضهما، وذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة على طريقة التمثيل، لأنه دون الطول. وعن ابن عباس كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض، أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ هيئت لهم، وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة وإنها خارجة عن هذا العالم.\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ صفة مادحة للمتقين، أو مدح منصوب أو مرفوع. فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ في حالتي الرخاء والشدة، أو الأحوال كلها إذ الإِنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة، أي لا يخلون في حال ما بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير، وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ الممسكين عليه الكافين عن إمضائه مع القدرة، من كظمت القرية إذا ملأتها وشددت رأسها.\nوعن النبي ﷺ «من كظم غيظًا وهو يقدر على إنقاذه ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا\n. وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته،\nوعن النبي ﵊ «إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم الله»\nوقد كانوا كثيرًا في الأمم التي مضت. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ يحتمل الجنس ويدخل تحته هؤلاء، والعهد فتكون الإِشارة إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٥]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)\nوَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً فعلة بالغة في القبح كالزنى. أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بأن أذنبوا أي ذنب كان وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة، ولعل الفاحشة ما يتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك. ذَكَرُوا","vol":"2","page":38},{"text":"اللَّهَ\nتذكروا وعيده أو حكمه أو حقه العظيم. فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ بالندم والتوبة. وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ استفهام بمعنى النفي معترض بين المعطوفين، والمراد به وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة والحث على الاستغفار والوعد بقبول التوبة وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين\nلقوله ﷺ «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة»\n. وَهُمْ يَعْلَمُونَ حال من يصروا أي ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٦]</span>\nأُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)\nأُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها خبر للذين إن ابتدأت به، وجملة مستأنفة مبينة لما قبلها إن عطفته على المتقين، أو على الذين ينفقون. ولا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم إن لا يدخلها المصرون، كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم، وتنكير جنات على الأول يدل على أن ما هم أدون مما للمتقين الموصوفين بتلك الصفات المذكورة في الآية المتقدمة، وكفاك فارقًا بين القبيلين أنه فصل آيتهم بأن بين أنهم محسنون مستوجبون لمحبة الله، وذلك لأنهم حافظوا على حدود الشرع وتخطوا إلى التخصص بمكارمه، وفصل آية هؤلاء بقوله: وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ لأن المتدارك لتقصيره كالعامل لتحصيل بعض ما فوت على نفسه، وكم بين المحسن والمتدارك والمحبوب والأجير، ولعل تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذه النكتة، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره ونعم أجر العاملين ذلك يعني المغفرة والجنات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٧ الى ١٣٨]</span>\nقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)\nقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ وقائع سنها الله في الأمم المكذبة كقوله تعالى: وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وقيل أمم قال:\nمَا عَايَنَ النَّاسُ مِنْ فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُو ... وَلاَ رَأَوْا مِثْلَهُ في سَالِفِ السُّنَنِ\nفَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لتعتبروا بما ترون من آثار هلاكهم.\nهذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ إشارة إلى قولهِ قَدْ خَلَتْ، أو مفهوم قوله فَانْظُروا أي أنه مع كونه بيانًا للمكذبين فهو زيادة بصيرة وموعظة للمتقين، أو إلى ما لخص من أمر المتقين والتائبين، وقوله قد خلت جملة معترضة للبعث على الإِيمان والتوبة وقيل إلى القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>[سورة آل عمران (٣): آية ١٣٩]</span>\nوَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)\nوَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا تسلية لهم عما أصابهم يوم أحد، والمعنى لا تضعفوا عن الجهاد بما أصابكم ولا تحزنوا على من قتل منكم. وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وحالكم إنكم أعلى منهم شأنًا، فإنكم على الحق وقتالكم لله وقتلاكم في الجنة، وإنهم على الباطل وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار، أو لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم، أو وأنتم الأعلون في العاقبة فيكون بشارة لهم بالنصر والغلبة. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ متعلق بالنهي أي لا تهنوا إن صح إيمانكم، فإنه يقتضي قوة القلب بالوثوق على الله أو بالأعلون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٠]</span>\nإِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)","vol":"2","page":39},{"text":"إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم بضم القاف، والباقون بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل هو بالفتح الجراح وبالضم ألمها، والمعنى إن أصابوا منكم يوم أحد فقد أصبتم منهم يوم بدر مثله، ثم إنهم لم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى بأن لا تضعفوا، فإنكم ترجون مِنَ الله مَا لاَ يرجون. وقيل كلا المِسينَّ كان يوم أحد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر الرسول ﷺ. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ نصرفها بينهم نديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى كقوله:\nفَيَوْمًا عَلَيْنَا وَيَومًا لَنَا ... وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرُّ\nوالمداولة كالمعاودة يقال داولت الشيء بينهم فتداولوه، والأيام تحتمل الوصف والخبر ونُداوِلُها يحتمل الخبر والحال والمراد بها: أوقات النصر والغلبة. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا عطف على علة محذوفة أي نداولها ليكون كيت وكيت وليعلم الله إيذانًا بأن العلة فيه غير واحدة، وإن ما يصيب المؤمن فيه من المصالح ما لا يعلم، أو الفعل المعلل به محذوف تقديره وليتميز الثابتون على الإِيمان من الذين على حرف فعلنا ذلك، والقصد في أمثاله ونقائضه ليس إلى إثبات علمه تعالى ونفيه بل إلى إثبات المعلوم ونفيه على طريق البرهان. وقيل معناه ليعلمهم علمًا يتعلق به الجزاء وهو العلم بالشيء موجودًا. وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ ويكرم ناسًا منكم بالشهادة يريد شهداء أحد، أو يتخذ منكم شهودًا معدلين بما صودف منهم من الثبات والصبر على الشدائد. وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الذين يضمرون خلاف ما يظهرون، أو الكافرين وهو اعتراض، وفيه تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافرين على الحقيقة وإنما يغلبهم أحيانًا استدراجًا لهم وابتلاء للمؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤١ الى ١٤٢]</span>\nوَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)\nوَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب إن كانت الدولة عليهم. وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ويهلكهم إن كانت عليهم، والمحق نقص الشيء قليلًا قليلًا.\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بل أحسبتم ومعناه الإِنكار. وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ولما تجاهدوا، وفيه دليل على أن الجهاد فرض كفاية والفرق بين لَمَّا ولم إن فيه توقع الفعل فيما يستقبل.\nوقرئ «يَعْلَمْ» بفتح الميم على أن أصله يعلمن فحذفت النون وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ نصب بإضمار أن على أن الواو للجمع. وقرئ بالرفع على أن الواو للحال كأنه قال: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٣]</span>\nوَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)\nوَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أي الحرب فإنها من أسباب الموت، أو الموت بالشهادة. والخطاب للذين لم يشهدوا بدرًا وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله ﷺ مشهدًا لينالوا ما نال شهداء بدر من الكرامة فألحوا يوم أحد على الخروج. مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته. فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي فقد رأيتموه معاينين له حين قتل دونكم من قتل من إخوانكم، وهو توبيخ لهم على أنهم تمنوا الحرب وتسببوا لها ثم جبنوا وانهزموا عنها، أو على تمني الشهادة فإن في تمنيها تمني غلبة الكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٤]</span>\nوَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)","vol":"2","page":40},{"text":"وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ فسيخلوا كما خلوا بالموت أو القتل. أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ إِنكارًا لارتدادهم وانقلابهم على أعقابهم عن الدين لخلوه بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكًا به. وقيل الفاء للسببية والهمزة لإِنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببًا لانقلابهم على أعقابهم بعد وفاته.\nروي (أنه لما رمى عبدُ الله بن قميئة الحارثي رسول الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه، فذب عنه مصعب بن عمير ﵁ وكان صاحب الراية حتى قتله ابن قميئة وهو يرى أنه قتل النبي ﵊ فقال: قد قتلت محمدًا وصرخ صارخ ألا إن محمدًا قد قتل، فانكفأ الناس وجعل الرسول ﵊ يدعو إليَّ عباد الله فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه وحموه حتى كشفوا عنه المشركين وتفرق الباقون، وقال بعضهم: ليت ابن أبي يأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان، وقال ناس من المنافقين لو كان نبيًا لما قتل ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك ﵄: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعده فقاتلوا على ما قاتل عليه، ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما يقولون وأبرأ إليك منه وشد بسيفه فقاتل حتى قتل) فنزلت\n. وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا بارتداده بل يضر نفسه. وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ على نعمة الإِسلام بالثبات عليه كأنس وأضرابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٥]</span>\nوَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)\nوَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ إلا بمشيئة الله تعالى أو بإذنه لملك الموت ﵊ في قبض روحه، والمعنى أن لكل نفس أجلًا مسمى في علمه تعالى وقضائه لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ بالإِحجام عن القتال والإِقدام عليه. وفيه تحريض وتشجيع على القتال، ووعد للرسول ﷺ بالحفظ وتأخير الأجل. كِتابًا مصدر مؤكد إذ المعنى كتب الموت كتابًا. مُؤَجَّلًا صفة له أي مؤقتًا لا يتقدم ولا يتأخر. وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها تعريض لمن شغلتهم الغنائم يوم أحد، فإن المسلمين حملوا على المشركين وهزموهم وأخذوا ينهبون، فلما رأى الرماة ذلك أقبلوا على النهب وخلوا مكانهم فانتهز المشركون وحملوا عليهم من ورائهم فهزموهم. وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها أي من ثوابها. وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>[سورة آل عمران (٣): آية ١٤٦]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)\nوَكَأَيِّنْ أصله أي دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى كم والنون تنوين أثبت في الخط على غير قياس. وقرأ ابن كثير «وكائن» ككاعن ووجهه أنه قلب قلب الكلمة الواحدة كقولهم رعملي في لعمري، فصار كيأن ثم حذفت الياء الثانية للتخفيف ثم أبدلت الياء الأخرى ألفًا كما أبدلت من طائي مِنْ نَبِيٍّ بيان له.\nقاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ربانيون علماء أتقياء، أو عابدون لربهم. وقيل جماعات والربى منسوب إلى الربة وهي الجماعة للمبالغة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب «قتل»، وإسناده إلى رِبِّيُّونَ أو ضمير النبي ومعه ربيون حال منه ويؤيد الأول أنه قرئ بالتشديد وقرئ رِبِّيُّونَ بالفتح على الأصل وبالضم وهو من تغييرات النسب كالكسر. فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فما فتروا ولم ينكسر جدهم لما أصابهم من قتل النبي أو بعضهم. وَما ضَعُفُوا عن العدو أو في الدين. وَمَا اسْتَكانُوا وما خضعوا للعدو، وأصله استكن من السكون لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده، والألف من إشباع الفتحة أو استكون من","vol":"2","page":41},{"text":"الكون لأنه يطلب من نفسه أن يكون لمن يخضع له، وهذا تعريض بما أصابهم عند الإِرجاف بقتله ﵊. وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ فينصرهم ويعظم قدرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٧ الى ١٤٨]</span>\nوَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)\nوَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي وما كان قولهم مع ثباتهم وقوتهم في الدين وكونهم ربانيين إلا هذا القول، وهو إضافة الذنوب والإِسراف إلى أنفسهم هضمًا لها وإضافة لما أصابهم إلى سوء أعمالهم والاستغفار عنها، ثم طلب التثبيت في مواطن الحرب والنصر على العدو ليكون عن خضوع وطهارة، فيكون أقرب إلى الإجابة، وإنما جعل قولهم خبرا لأن أن قالوا أعرف لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث.\nفَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فأتاهم الله بسبب الاستغفار واللجأ إلى الله النصر والغنيمة والعز وحسن الذكر في الدنيا، والجنة والنعيم في الآخرة، وخص ثوابها بالحسن إشعارًا بفضله وأنه المعتد به عند الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٩ الى ١٥٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ أي إلى الكفر عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم ولو كان محمد نبيًا لما قتل.\nوقيل أن تستكينوا لأبي سفيان وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقيل عام في مطاوعة الكفرة والنزول على حكمهم فإنه يستجر إلى موافقتهم.\nبَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ناصركم. وقرئ بالنصب على تقدير بل أطيعوا الله مولاكم. وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ فاستغنوا به عن ولاية غيره ونصره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥١]</span>\nسَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)\nسَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ يريد ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب، ونادى أبو سفيان يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت\nفقال ﵊: «إن شاء الله»\n. وقيل لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا وعزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم. وقرأ ابن عامر والكسائي ويعقوب بالضم على الأصل في كل القرآن بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ بسبب إشراكهم به. مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا أي آلهة ليس على إشراكها حجة ولم ينزل عليهم به سلطانًا وهو كقوله:\nوَلاَ تَرَى الضُّبَّ بِهَا يَنْجَحرُ وأصل السلطنة القوة ومنه السليط لقوة اشتعاله والسلاطة لحدة اللسان. وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ أي مثواهم، فوضع الظاهر موضع المضمر للتغليظ والتعليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٢]</span>\nوَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)","vol":"2","page":42},{"text":"وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ أي وعده إياكم بالنصر بشرط التقوى والصبر، وكان كذلك حتى خالف الرماة فإن المشركين لما أقبلوا جعل الرماة يرشقونهم بالنبل والباقون يضربونهم بالسيف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم. إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ تقتلونهم، من حسه إذا أبطل حسه. حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ جبنتم وضعف رأيكم، أو ملتم إلى الغنيمة فإن الحرص من ضعف العقل. وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ يعني اختلاف الرماة حين انهزم المشركون فقال بعضهم فما موقفنا هاهنا، وقال آخرون لا نخالف أمر الرسول فثبت مكانه أميرهم في نفر دون العشرة ونفر الباقون للنهب وهو المعني بقوله: وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَّا تُحِبُّونَ من الظفر والغنيمة وانهزام العدو، وجواب إذا محذوف وهو امتحنكم، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وهم التاركون المركز للغنيمة.\nوَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وهم الثابتون محافظة على أمر الرسول ﵇. ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ثم كفكم عنهم حتى حالت الحال فغلبوكم. لِيَبْتَلِيَكُمْ على المصائب ويمتحن ثباتكم على الإِيمان عندها. وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ تفضلًا ولما علم من ندمكم على المخالفة. وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يتفضل عليهم بالعفو، أو في الأحوال كلها سواء أديل لهم أو عليهم إذ الابتلاء أيضًا رحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٣]</span>\nإِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا مَا أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣)\nإِذْ تُصْعِدُونَ متعلق بصرفكم، أو ليبتليكم أو بمقدر كاذكروا. والإِصعاد الذهاب والإِبعاد في الأرض يقال: أصعدنا من مكة إلى المدينة. وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ لا يقف أحد لأحد ولا ينتظره. وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ كان يقول إليَّ عباد الله إليَّ عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة. فِي أُخْراكُمْ في ساقتكم أو جماعتكم الأخرى فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ عطف على صرفكم، والمعنى فجازاكم الله عن فشلكم وعصيانكم غمًا متصلًا بغم، من الاغتمام بالقتل والجرح وظفر المشركين والإِرجاف بقتل الرسول ﷺ، أو فجازاكم غمًا بسبب غم أذقتموه رسول الله ﷺ بعصيانكم له. لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا مَا أَصابَكُمْ لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا فيما بعد على نفع فائت ولا ضر لاحق. وقيل لا مزيدة والمعنى لتأسفوا على مَا فَاتَكُمْ من الظفر والغنيمة وعلى ما أصابكم من الجرح والهزيمة عقوبة لكم. وقيل الضمير في فأثابكم للرسول ﷺ أي فآساكم في الاغتمام فاغتم بما نزل عليكم، كما اغتممتم بما نزل عليه ولم يثر بكم على عصيانكم تسلية لكم كيلا تحزنوا على مَا فَاتَكُمْ من النصر ولا على ما أصابكم من الهزيمة وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ عليم بأعمالكم وبما قصدتم بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٤]</span>\nثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)\nثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا أنزل الله عليكم الأمن حتى أخذكم النعاس، وعن أبي طلحة غشينا النعاس في المصاف حتى كان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه. والأمنة الأمن","vol":"2","page":43},{"text":"نصب على المفعول ونعاسًا بدل منها أو هو المفعول، و«أَمَنَةً» حال منه متقدمة أو مفعول له أو حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن كبار وبررة. وقرئ «أَمَنَةً» بسكون الميم كأنها المرة في الإمر يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ أي النعاس وقرأ حمزة والكسائي بالتاء ردا على الأمنة والطائفة المؤمنون حقًا.\nوَطائِفَةٌ هم المنافقون. قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أوقعتهم أنفسهم في الهموم، أو ما يهمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها. يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ صفة أخرى لطائفة أو حال أو استئناف على وجه البيان لما قبله، وغير الحق نصب على المصدر أي: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يحق أن يظن به، وظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ بدله وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها. يَقُولُونَ أي لرسول الله ﷺ وهو بدل من يظنون. هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ هل لنا مما أمر الله ووعد من النصر والظفر نصيب قط. وقيل: أخبر ابن أبي بقتل بني الخزرج فقال ذلك، والمعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا، فلم يبق لنا من الأمر شيء أو هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شيء قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ أي الغلبة الحقيقية لله تعالى ولأوليائه فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون، أو القضاء له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو اعتراض. وقرأ أبو عمرو ويعقوب كله بالرفع على الابتداء. يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ حال من الضمير يقولون أي يقولون مظهرين إنهم مسترشدون طالبون النصر مبطلين الإِنكار والتكذيب. يَقُولُونَ أي في أنفسهم وإذا خلا بعضهم إلى بعض، وهو بدل من يخفون أو استئناف على وجه البيان له. لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ كما وعد محمد أو زعم إن الأمر كله لله ولأوليائه، أو لو كان لنا اختيار وتدبير ولم نبرح كما كان ابن أبي وغيره.\nمَّا قُتِلْنا هاهُنا لما غلبنا، أو لما قتل من قتل منا في هذه المعركة. قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ أي لخرج الذين قدر الله عليهم القتل وكتبه في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم ولم تنفعهم الإِقامة بالمدينة ولم ينج منهم أحد، فإنه قدر الأمور ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه. وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وليمتحن ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الإِخلاص والنفاق، وهو علة فعل محذوف أي وفعل ذلك ليبتلي أو عطف على محذوف أي لبرز لنفاذ القضاء أو لمصالح جمة وللابتلاء، أو على لكيلا تحزنوا. وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وليكشفه ويميزه أو يخلصه من الوساوس.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بخفياتها قبل إظهارها، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين وإظهار حال المنافقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا يعني إن الذين انهزموا يوم أحد إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان طلب منهم الزلل فأطاعوه واقترفوا ذنوبًا لمخالفة النبي ﷺ بترك المركز، والحرص على الغنيمة أو الحياة فمنعوا التأييد وقوة القلب. وقيل استزلال الشيطان توليهم وذلك بسبب ذنوب تقدمت لهم فإن المعاصي يجر بعضها بعضًا كالطاعة. وقيل استزلهم بذكر ذنوب سلفت منهم فكرهوا القتال قبل إخلاص التوبة والخروج من المظلمة. وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ لتوبتهم واعتذارهم. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للذنوب حَلِيمٌ لا يعاجل بعقوبة الذنب كي يتوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني المنافقين. وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ لأجلهم وفيهم،","vol":"2","page":44},{"text":"ومعنى إخوتهم اتفاقهم في النسب أو المذهب إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها، وكان حقه إذ لقوله قالوا لكنه جاء على حكاية الحال الماضية أَوْ كانُوا غُزًّى جمع غاز كعاف وعفَّى. لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا مفعول قالوا وهو يدل على أن إخوانهم لم يكونوا مخاطبين به.\nلِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ متعلق ب قالُوا على إن اللام لام العاقبة مثلها في لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا، أو لا تكونوا أي لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول والاعتقاد ليجعله حسرة في قلوبهم خاصة، فذلك إشارة إلى ما دل عليه قولهم من الاعتقاد. وقيل إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، فإن مخالفتهم ومضادتهم مما يغمهم. وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ردًا لقولهم أي هو المؤثر في الحياة والممات لا الإِقامة والسفر فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي ويميت المقيم والقاعد. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تهديد للمؤمنين على أن يماثلوهم. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على أنه وعيد للذين كفروا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٧ الى ١٥٨]</span>\nوَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)\nوَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ أي متم في سبيله وقرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الميم من مات يمات. لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ جواب القسم وهو ساد مسد الجزاء والمعنى: إن السفر والغزو ليس مما يجلب الموت ويقدم الأجل وإن وقع ذلك في سبيل الله فما تنالون من المغفرة والرحمة بالموت خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا. وقرأ حفص بالياء.\nوَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ أي على أي وجه اتفق هلاككم. لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ لإلى معبودكم الذي توجهتم إليه. وبذلتم مهجكم لوجهه لا إلى غيره لا محالة تحشرون، فيوفي جزاءكم ويعظم ثوابكم. وقرأ نافع وحمزة والكسائي متم بالكسر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٩]</span>\nفَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)\nفَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ أي فبرحمة، وما مزيدة للتأكيد والتنبيه والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله وهو ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق بهم حتى اغتم لهم بعد أن خالفوه. وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا سيّئ الخلق جافيًا. غَلِيظَ الْقَلْبِ قاسيه. لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ لتفرقوا عنك ولم يسكنوا إليك. فَاعْفُ عَنْهُمْ فيما يختص بك. وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ فيما لله. وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أي في أمر الحرب إذ الكلام فيه، أو فيما يصح أن يشاور فيه استظهارًا برأيهم وتطييبًا لنفوسهم وتمهيدًا لسنة المشاورة للأمة. فَإِذا عَزَمْتَ فإذا وطنت نفسك على شيء بعد الشورى. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك، فإنه لا يعلمه سواه. وقرئ «فَإِذَا عَزَمْتَ»، على التكلم أي فإذا عزمت لك على شيء وعينته لك فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ولا تشاور فيه أحدًا. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٠]</span>\nإِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)\nإِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ كما نصركم يوم بدر. فَلا غالِبَ لَكُمْ فلا أحد يغلبكم. وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ كما خذلكم يوم أحد. فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ من بعد خذلانه، أو من بعد الله بمعنى إذا جاوزتموه فلا","vol":"2","page":45},{"text":"ناصر لكم، وهذا تنبيه على المقتضى للتوكل وتحريض على ما يستحق به النصر من الله وتحذير عما يستجلب خذلانه. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر لهم سواه وآمنوا به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦١]</span>\nوَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١)\nوَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وما صح لنبي أن يخون في الغنائم فإن النبوة تنافي الخيانة، يقال غل شيئًا من المغنم يغل غلولًا وأغل إغلالًا إذا أخذه في خفية والمراد منه: إما براءة الرسول ﵇ عما اتهم به إذ\nروي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين لعل رسول الله ﷺ أخذها، أو ظن به الرماة يوم أحد حين تركوا المركز للغنيمة وقالوا نخشى أن يقول رسول الله ﷺ من أخذ شيئًا فهو له ولا يقسم الغنائم\n. وإما المبالغة في النهي للرسول ﷺ على ما\nروي أنه بعث طلائع، فغنم رسول الله ﷺ فقسم على من معه ولم يقسم للطلائع فنزلت\n. فيكون تسمية حرمان بعض المستحقين غلولًا تغليظًا ومبالغة ثانية. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب أَنْ يَغُلَّ على البناء للمفعول والمعنى: وما صح له أَن يوجد غالًا أو أن ينسب إلى الغلول. وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ\nيأت بالذي غله يحمله على عنقه كما جاء في الحديث\nأو بما احتمل من وباله وإثمه. ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ يعني تعطي جزاء ما كسبت وافيًا، وكان اللائق بما قبله أن يقال ثم يوفى ما كسبت لكنه عمم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه، فإنه إذا كان كل كاسب مجزيًا بعمله فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى. وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ فلا ينقص ثواب مطيعهم ولا يزاد في عقاب عاصيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٢ الى ١٦٣]</span>\nأَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)\nأَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بالطاعة. كَمَنْ باءَ رجع. بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بسبب المعاصي. وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الفرق بينه وبين المرجع إن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى ولا كذلك المرجع.\nهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب، أو هم ذوو درجات. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ عالم بأعمالهم ودرجاتهم صادرة عنهم فيجازيهم على حسبها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٤]</span>\nلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤)\nلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أنعم على من آمن مع الرسول ﷺ من قومه وتخصيصهم مع أن نعمة البعثة عامة لزيادة انتفاعهم بها. وقرئ «لمن من الله» على أنه خبر مبتدأ محذوف مثل منه أو بعثه. إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ من نسبهم، أو من جنسهم عربيًا مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة ويكونوا واقفين على حاله في الصدق والأمانة مفتخرين به. وقرئ «من أَنفُسِهِمْ» أي من أشرفهم لأنه ﵇ كان من أشرف قبائل العرب وبطونهم. يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي القرآن بعد ما كانوا جهالًا لم يسمعوا الوحي. وَيُزَكِّيهِمْ يطهرهم من دنس الطباع وسوء الاعتقاد والأعمال. وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أي القرآن والسنة. وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة والمعنى وإن الشأن كانوا من قبل بعثة الرسول ﷺ في ضلال ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٥]</span>\nأَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)","vol":"2","page":46},{"text":"أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا الهمزة للتقريع والتقرير، والواو عاطفة للجملة على ما سبق من قصة أحد أو على محذوف مثل أفعلتم كذا وقلتم، ولما ظرفه المضاف إلى ما أصابتكم أي أقلتم حين أصابتكم مصيبة وهي قتل سبعين منكم يوم أحد، والحال إنكم نلتم ضعفها يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من أين هذا أصابنا وقد وعدنا الله النصر. قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي مما اقترفته أنفسكم من مخالفة الأمر بترك المركز فإن الوعد كان مشروطًا بالثبات والمطاوعة، أو اختيار الخروج من المدينة.\nوعن علي رضي الله تعالى عنه باختياركم الفداء يوم بدر\n. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على النصر ومنعه وعلى أن يصيب بكم ويصيب منكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٦ الى ١٦٧]</span>\nوَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧)\nوَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع المسلمين وجمع المشركين يريد يوم أحد. فَبِإِذْنِ اللَّهِ فهو كائن بقضائه أو تخليته الكفار سماها إذنًا لأنها من لوازمه. وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ.\nوَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وليتميز المؤمنون والمنافقون فيظهر إيمان هؤلاء وكفر هؤلاء. وَقِيلَ لَهُمْ عطف على نافقوا داخل في الصلة أو كلام مبتدأ. تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا تقسيم للأمر عليهم وتخيير بين أن يقاتلوا للآخرة أو للدفع عن الأنفس والأموال. وقيل معناه قاتلوا الكفرة أو ادفعوهم بتكثيرهم سواد المجاهدين، فإن كثرة السواد مما يروع العدو ويكسر منه. قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالًا لاتبعناكم فيه لكن ما أنتم عليه ليس بقتال بل إلقاء بالأنفس إلى التهلكة، أو لو نحسن قتالًا لاتبعناكم فيه، وإنما قالوه دغلًا واستهزاء. هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ لانخذالهم وكلامهم هذا فإنها أول أمارات ظهرت منهم مؤذنة بكفرهم. وقيل هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، إذ كان انخذلهم ومقالهم تقوية للمشركين وتخذيلًا للمؤمنين. يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ يظهرون خلاف ما يضمرون، لا تواطئ قلوبهم ألسنتهم بالإِيمان. وإضافة القول إلى الأفواه تأكيد وتصوير. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ من النفاق. وما يخلوا به بعضهم إلى بعض فإنه يعلمه مفصلًا بعلم واجب وأنتم تعلمونه مجملا بأمارات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٨]</span>\nالَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)\nالَّذِينَ قالُوا رفع بدلًا من واو يَكْتُمُونَ، أو نصب على الذم أو الوصف للذين نافقوا، أو جر بدلًا من الضمير في بِأَفْواهِهِمْ أو قُلُوبِهِمْ كقوله:\nعَلَى حَالةٍ لَوْ أَنَّ فِي القَوْمِ حَاتِما ... عَلَى جُودِهِ لضَنَّ بِالمَاءِ حَاتِمُ\nلِإِخْوانِهِمْ أي لأجلهم، يريد من قتل يوم أحد من أقاربهم أو من جنسهم. وَقَعَدُوا حال مقدرة بقد أي قالوا قاعدين عن القتال. لَوْ أَطاعُونا في القعود بالمدينة. مَا قُتِلُوا كما لم نقتل. قرأ هشام مَا قُتِلُوا بتشديد التاء. قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي إن كنتم صادقين إنكم تقدرون","vol":"2","page":47},{"text":"على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه، فإنه أحرى بكم، والمعنى أن القعود غير مغن عن الموت، فإن أسباب الموت كثيرة كما أن القتال يكون سببًا للهلاك والقعود سببًا للنجاة قد يكون الأمر بالعكس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٩]</span>\nوَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)\nوَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا نزلت في شهداء أحد. وقيل في شهداء بدر والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل أحد. وقرئ بالياء على إسناده إلى ضمير الرسول، أو من يحسب أو إلى الذين قتلوا. والمفعول الأول محذوف لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة. وقرأ ابن عامر قُتِلُوا بالتشديد لكثرة المقتولين. بَلْ أَحْياءٌ أي بل هم أحياء. وقرئ بالنصب على معنى بل أحسبهم أحياء عِنْدَ رَبِّهِمْ ذوو زلفى منه. يُرْزَقُونَ من الجنة وهو تأكيد لكونهم أحياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٠ الى ١٧١]</span>\nفَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)\nفَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والقرب من الله تعالى والتمتع بنعيم الجنة. وَيَسْتَبْشِرُونَ يسرون بالبشارة. بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ أي بإخوانهم المؤمنين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم. مِنْ خَلْفِهِمْ أي الذين من خلفهم زمانًا أو رتبة. أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بدل من الذين والمعنى: إنهم يستبشرون بما تبين لهم من أمر الآخرة وحال من تركوا من خلفهم من المؤمنين، وهو إنهم إذا ماتوا أو قتلوا كانوا أحياء حياة لا يكدرها خوف وقوع محذور، وحزن فوات محبوب. والآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن، ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه، ويؤيد ذلك قوله تعالى في آل فرعون النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها الآية وما\nروى ابن عباس ﵄ أنه ﵊ قال «أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش»\n. ومن أنكر ذلك ولم ير الروح إلا ريحًا وعرضًا قال هم أحياء يوم القيامة، وإنما وصفوا به في الحال لتحققه ودنوه أو أحياء بالذكر أو بالإيمان. وفيها حث على الجهاد وترغيب في الشهادة وبعث على ازدياد الطاعة وإحماد لمن يتمنى لإِخوانه مثل ما أنعم عليه، وبشرى للمؤمنين بالفلاح.\nيَسْتَبْشِرُونَ كرره للتأكيد وليعلق به ما هو بيان لقوله: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ويجوز أن يكون الأول بحال إخوانهم وهذا بحال أنفسهم. بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ثوابًا لأعمالهم. وَفَضْلٍ زيادة عليه كقوله تعالى:\nلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وتنكيرهما للتعظيم. وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ من جملة المستبشر به عطف على فضل. وقرأ الكسائي بالكسر على أنه استئناف معترض دال على أن ذلك أجر لهم على إيمانهم مشعر بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٢]</span>\nالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)\nالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ صفة للمؤمنين، أو نصب على المدح أو مبتدأ خبره. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ بجملته ومن للبيان، والمقصود من ذكر الوصفين المدح والتعليل لا التقييد، لأن المستجيبين كلهم محسنون متقون.\nروي (أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا فبلغوا","vol":"2","page":48},{"text":"الروحاء ندموا وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فندب أصحابه للخروج في طلبه وقال لا يخرجن معنا إلا من حضر يومنا بالأمس، فخرج ﵊ مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد. وهي على ثمانية أميال من المدينة. وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا) فنزلت\n. <span data-type=\"title\" id=toc-403>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٣]</span>\nالَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)\nالَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ يعني الركب الذين استقبلوهم من عبد قيس أو نعيم بن مسعود الأشجعي، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم كما يقال فلان يركب الخيل وماله إلا فرس واحد لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه. إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ يعني أبا سفيان وأصحابه\nروي: أنه نادى عند انصرافه من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت فقال ﵊: إن شاء الله تعالى، فلما كان القابل خرج في أهل مكة حتى نزل بمر الظهران فأنزل الله الرعب في قلبه وبدا له أن يرجع، فمر به ركب من عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب أن ثبطوا المسلمين.\nوقيل: لقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرًا فسأله ذلك والتزم له عشرًا من الإِبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد افترون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم ففتروا، فقال ﵇: والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد فخرج في سبعين راكبًا وهم يقولون حسبنا الله\n. فَزادَهُمْ إِيمانًا الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال أو لفاعله أن أريد به نعيم وحده، والبارز للمقول لهم والمعنى: إنهم لم يلتفتوا إليه ولم يضعفوا بل ثبت به يقينهم بالله وازداد إيمانهم وأظهروا حمية الإِسلام وأخلصوا النية عنده، وهو دليل على أن الإِيمان يزيد وينقص ويعضده\nقول ابن عمر ﵄ (قلنا يا رسول الله الإِيمان يزيد وينقص، قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار)\nوهذا ظاهر إن جعل الطاعة من جملة الإِيمان وكذا إن لم تجعل فإن اليقين يزداد بالإِلف وكثرة التأمل وتناصر الحجج. وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ محسبنا وكافينا، من أحسبه إذا كفاه ويدل على أنه بمعنى المحسب إنه لا يستفيد بالإِضافة تعريفًا في قولك هذا رجل حسبك. وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ونعم الموكول إليه هو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٤ الى ١٧٥]</span>\nفَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)\nفَانْقَلَبُوا فرجعوا من بدر. بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ عافية وثبات على الإِيمان وزيادة فيه. وَفَضْلٍ وربح في التجارة فإنهم لما أتوا بدرًا وأوفوا بها سوقًا فاتجروا وربحوا. لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ من جراحة وكيد عدو.\nوَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ الذي هو مناط الفوز بخير الدارين بجراءتهم وخروجهم. وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ قد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإِيمان والتوفيق للمبادرة إلى الجهاد، والتصلب في الدين وإظهار الجراءة على العدو، وبالحفظ عن كل ما يسوءهم، وإصابة النفع مع ضمان الأجر حتى انقلبوا بنعمة من الله وفضل. وفيه تحسير للمتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به.\nإِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يريد به المثبط نعيمًا أو أبا سفيان، والشيطان خبر ذلِكُمُ وما بعده بيان لشيطنته أو صفته وما بعده خبر، ويجوز أن تكون الإِشارة إلى قوله على تقدير مضاف أي إنما ذلكم قول الشيطان يعني إبليس عليه اللعنة. يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ القاعدين عن الخروج مع الرسول، أو يخوفكم أولياؤه الذين هم","vol":"2","page":49},{"text":"أبو سفيان وأصحابه. فَلا تَخافُوهُمْ الضمير للناس الثاني على الأول وإلى الأولياء على الثاني. وَخافُونِ في مخالفة أمري فجاهدوا مع رسولي. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإِن الإِيمان يقتضي إيثار خوف الله تعالى على خوف الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٦ الى ١٧٧]</span>\nوَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)\nوَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يقعون فيه سريعًا حرصًا عليه، وهم المنافقون من المتخلفين، أو قوم ارتدوا عن الإسلام. والمعنى لا يحزنك خوف أن يضروك ويعينوا عليك لقوله: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا أي لن يضروا أولياء الله شيئًا بمسارعتهم في الكفر، وإنما يضرون بها أنفسهم. وشيئًا يحتمل المفعول والمصدر وقرأ نافع يَحْزُنْكَ بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع ما خلا قوله في الأنبياء لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر، فإنه فتح الياء وضم الزاي فيه والباقون كذلك في الكل. يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ نصيبًا من الثواب في الآخرة، وهو يدل على تمادي طغيانهم وموتهم على الكفر، وفي ذكر الإِرادة إشعار بأن كفرهم بلغ الغاية حتى أراد أرحم الراحمين أن لا يكون لهم حظ من رحمته، وإن مسارعتهم في الكفر لأنه تعالى لم يرد أن يكون لهم حظ في الآخرة. وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ مع الحرمان عن الثواب.\nإِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ تكرير للتأكيد، أو تعميم للكفرة بعد تخصيص من نافق من المتخلفين، أو ارتد من العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٨]</span>\nوَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨)\nوَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ خطاب للرسول ﵇، أو لكل من يحسب. والذين مفعول وأَنَّما نُمْلِي لهم بدل منه، وإنما اقتصر على مفعول واحد لأن التعويل على البدل وهو ينوب عن المفعولين كقوله تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ. أَوْ المفعول الثاني على تقدير مضاف مثل: ولا تحسبن الذين كفروا أصحاب أن الإِملاء خير لأنفسهم، أو ولا تحسبن حال الذين كفروا أن الإِملاء خير لأنفسهم، وما مصدرية وكان حقها أن تفصل في الخط ولكنها وقعت متصلة في الإِمام فاتبع.\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائي ويعقوب بالياء على إِنَّ الذين فاعل وإن مع ما في حيزه مفعول وفتح سينه في جميع القرآن ابن عامر وحمزة وعاصم. والإِملاء الإِمهال وإطالة العمر. وقيل تخليتهم وشأنهم، من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعي كيف شاء. إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا استئناف بما هو العلة للحكم قبلها، وما كافة واللام لام الإِرادة. وعند المعتزلة لام العاقبة. وقرئ «إِنَّمَا» بالفتح هنا وبكسر الأولى ولا يحسبن بالياء على معنى وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أن إملاءنا لهم لازدياد الإِثم بل للتوبة والدخول في الإِيمان، وأَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ اعتراض. معناه أن إملاءنا خير لهم أن انتبهوا وتداركوا فيه ما فرط منهم.\nوَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ على هذا يجوز أن يكون حالًا من الواو أي ليزدادوا إثمًا معدًا لهم عذاب مهين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>[سورة آل عمران (٣): آية ١٧٩]</span>\nمَّا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)","vol":"2","page":50},{"text":"مَّا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ الخطاب لعامة المخلصين والمنافقين في عصره، والمعنى لا يترككم مختلطين لا يعرف مخلصكم من منافقكم حتى يميز المنافق من المخلص بالوحي إلى نبيه بأحوالكم، أو بالتكاليف الشاقة التي لا يصبر عليها ولا يذعن لها إلا الخلص المخلصون منكم، كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله، ليختبر النبي به بواطنكم ويستدل به على عقائدكم.\nوقرأ حمزة والكسائي حَتَّى يَمِيزَ، هنا وفي «الأنفال» بضم الياء وفتح الميم وكسر الياء وتشديدها والباقون بفتح الياء وكسر الميم وسكون الياء. وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ وما كان الله ليؤتي أحدكم علم الغيب فيطلع على ما في القلوب من كفر وإيمان، ولكن الله يجتبي لرسالته من يشاء فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات، أو ينصب له ما يدل عليها. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ بصفة الإِخلاص، أو بأن تعلموه وحده مطلعًا على الغيب وتعلموهم عبادًا مجتبين لا يعلمون إلا ما علمهم الله ولا يقولون إلا ما أوحي إليهم\nروي (أن الكفرة قالوا: إن كان محمد صادقًا فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر) فنزلت\n. عن السدي أنه ﵇ قال: «عرضت عليَّ أمتي وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر»\n. فقال المنافقون إن يزعم أنه يعرف من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فنزلت. وَإِنْ تُؤْمِنُوا حق الإِيمان. وَتَتَّقُوا النفاق.\nفَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ لا يقادر قدره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٠]</span>\nوَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)\nوَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ القراءات فيه على ما سبق. ومن قرأ بالتاء قدر مضافًا ليتطابق مفعولاه أي ولا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيرًا لهم، وكذا من قرأ بالياء إن جعل الفاعل ضمير الرسول ﷺ، أو من يحسب وإن جعله الموصول كان المفعول الأول محذوفًا لدلالة يبخلون عليه أي ولا يحسبن البخلاء بخلهم هو خيرًا لهم. بَلْ هُوَ أي البخل. شَرٌّ لَهُمْ لاستجلاب العقاب عليهم. سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ بيان لذلك، والمعنى سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق،\nوعنه ﵊ «ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعله الله شجاعًا في عنقه يوم القيامة»\n. وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وله ما فيهما مما يتوارث، فما لهؤلاء يبخلون عليه بماله ولا ينفقونه في سبيله، أو أنه يرث منهم ما يمسكونه ولا ينفقونه في سبيله بهلاكهم وتبقى عليهم الحسرة والعقوبة.\nوَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ من المنع والإِعطاء. خَبِيرٌ فمجازيهم. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بالتاء على الالتفات وهو أبلغ في الوعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨١ الى ١٨٢]</span>\nلَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ مَا قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)\nلَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ قالته اليهود لما سمعوا مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا.\nوروي (أنه ﵊ كتب مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإِسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضًا حسنًا فقال فنحاص بن عازوراء: إن الله فقير حتى سأل القرض، فلطمه أبو بكر ﵁ على وجهه وقال: لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك، فشكاه إلى رسول الله ﷺ وجحد ما قاله) فنزلت\n. والمعنى أنه لم يخف عليه وأنه أعد لهم العقاب","vol":"2","page":51},{"text":"عليه. سَنَكْتُبُ مَا قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ أي سنكتبه في صحائف الكتبة، أو سنحفظه في علمنا لا نهمله لأنه كلمة عظيمة إذ هو كفر بالله ﷿ واستهزاء بالقرآن والرسول، ولذلك نظمه مع قتل الأنبياء، وفيه تنبيه على أنه ليس أول جريمة ارتكبوها وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد منه أمثال هذا القول.\nوقرأ حمزة سيكتب بالياء وضمها وفتح التاء وقتلهم بالرفع ويقول بالياء. وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي وننتقم منهم بأن نقول لهم ذوقوا العذاب المحرق، وفيه مبالغات في الوعيد. والذّوْق إدراك الطعوم، وعلى الاتساع يستعمل لإِدراك سائر المحسوسات والحالات، وذكره هاهنا لأن العذاب مرتب على قولهم الناشئ عن البخل والتهالك على المال، وغالب حاجة الإِنسان إليه لتحصيل المطاعم ومعظم بخله به للخوف من فقدانه ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال.\nذلِكَ إشارة إلى العذاب. بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ من قتل الأنبياء وقولهم هذا وسائر معاصيهم. عبر بالأيدي عن الأنفس لأن أكثر أعمالها بهن. وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ عطف على ما قدمت وسببيته للعذاب من حيث إن نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٣]</span>\nالَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣)\nالَّذِينَ قالُوا هم كعب بن الأشرف ومالك وحيي وفنحاص ووهب بن يهوذا. إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أمرنا في التوراة وأوصانا. أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ بأن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بهذه المعجزة الخاصة التي كانت لأنبياء بني إسرائيل وهو أن يقرب بقربان فيقوم النبي فيدعو فتنزل نار سماوية فتأكله، أي تحيله إلى طبعها بالإِحراق. وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم لأن أكل النار القربان لم يوجب الإِيمان إلا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات شرع في ذلك. قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تكذيب وإلزام بأن رسلا جاءوهم قبله كزكريا ويحيى بمعجزات أخر موجبة للتصديق وبما اقترحوه فقتلوهم، فلو كان الموجب للتصديق هو الإِتيان به وكان توقفهم وامتناعهم عن الإِيمان لأجله فما لهم لم يؤمنوا بمن جاء به في معجزات أخر واجترءوا على قتله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٤]</span>\nفَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)\nفَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ تسلية للرسول ﷺ من تكذيب قومه واليهود، والزبر جمع زبور وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرت الشيء إذا حبسته، والكتاب في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ولذلك جاء الكتاب والحكمة متعاطفين في عامة القرآن. وقيل الزبر المواعظ والزواجر، من زبرته إذا زجرته. وقرأ ابن عامر وَبِالزُّبُرِ وهشام وبالكتاب بإعادة الجار للدلالة على أنها مغايرة للبينات بالذات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٥]</span>\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وعد ووعيد للمصدق والمكذب. وقرئ «ذَائِقَةُ الموت» بالنصب مع التنوين وعدمه كقوله: «وَلاَ ذَاكِرُ الله إِلاَّ قَلِيلًا» وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ تعطون جزاء أعمالكم خيرًا كان أو شرًا تامًا وافيًا. يَوْمَ الْقِيامَةِ يوم قيامكم من القبور، ولفظ التوفية يشعر بأنه قد يكون قبلها بعض الأجور ويؤيده\nقوله ﵊: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار»\n. فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ بعد","vol":"2","page":52},{"text":"عنها، والزحزحة في الأصل تكرير الزح وهو الجذب بعجلة. وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ بالنجاة ونيل المراد، والفوز الظفر بالبغية.\nوعن النبي ﷺ «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه»\n. وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي لذاتها وزخارفها. إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ شبهها بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه، وهذا لمن آثرها على الآخرة. فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ والغرور مصدر أو جمع غار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٦]</span>\nلَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)\nلَتُبْلَوُنَّ أي والله لتختبرن. فِي أَمْوالِكُمْ بتكليف الإنفاق وما يصيبها من الآفات. وَأَنْفُسِكُمْ بالجهاد والقتل والأسر والجراح، وما يرد عليها من المخاوف والأمراض والمتاعب. وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا من هجاء الرسول ﷺ، والطعن في الدين وإغراء الكفرة على المسلمين. أخبرهم بذلك قبل وقوعها ليوطنوا أنفسهم على الصبر والاحتمال، ويستعدوا للقائها حتى لا يرهقهم نزولها. وَإِنْ تَصْبِرُوا على ذلك. وَتَتَّقُوا مخالفة أمر الله. فَإِنَّ ذلِكَ يعني الصبر والتقوى.\nمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ من معزومات الأمور التي يجب العزم عليها، أو مما عزم الله عليه أي أمر به وبالغ فيه.\nوالعزم في الأصل ثبات الرأي على الشيءَ نحو إمضائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٧]</span>\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧)\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ أي اذكر وقت أخذه. مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يريد به العلماء. لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ حكاية لمخاطبتهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش بالياء لأنهم غيب، واللام جواب القسم الذي ناب عنه قوله: أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ والضمير للكتاب. فَنَبَذُوهُ أي الميثاق. وَراءَ ظُهُورِهِمْ فلم يراعوه ولم يلتفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر مثل في ترك الاعتداد وعدم الالتفات، ونقيضه جعله نصب عينيه وإلقاؤه بين عينيه. وَاشْتَرَوْا بِهِ. وأخذوا بدله. ثَمَنًا قَلِيلًا من حطام الدنيا وأعراضها.\nفَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ يختارون لأنفسهم،\nوعن النبي ﷺ «من كتم علمه عن أهله ألجم بلجام من نار» .\nوعن علي رضي الله تعالى عنه (ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا)\n. <span data-type=\"title\" id=toc-415>[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٨]</span>\nلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)\nلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ الخطاب للرسول ﷺ، ومن ضم الباء جعل الخطاب له وللمؤمنين، والمفعول الأول الَّذِينَ يَفْرَحُونَ والثاني بِمَفازَةٍ، وقوله فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ تأكيد والمعنى: لا تحسبن الذين يفرحون بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الوفاء بالميثاق وإظهار الحق والإِخبار بالصدق، بمفازة بمنجاة من العذاب أي فائزين بالنجاة منه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأول وضمها في الثاني على أن الذين فاعل ومفعولًا يحسبن محذوفان يدل عليهما مفعولًا مؤكده، فكأنه قيل ولا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا فلا يحسبن أنفسهم بمفازة، أو المفعول الأول محذوف وقوله فلا تحسبنهم تأكيد للفعل وفاعله ومفعوله الأول. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بكفرهم وتدليسهم.\nروي أنه ﵊ (سأل اليهود عن شيء مما في","vol":"2","page":53},{"text":"التوراة فأخبروه بخلاف ما كان فيها وأروه أنهم قد صدقوه وفرحوا بما فعلوا) فنزلت\n. وقيل: نزلت في قوم تخلفوا عن الغزو ثم اعتذروا بأنهم رأوا المصلحة في التخلف واستحمدوا به. وقيل: نزلت في المنافقين فإنهم يفرحون بمنافقتهم ويستحمدون إلى المسلمين بالإِيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨٩ الى ١٩٠]</span>\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠)\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو يملك أمرهم. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على عقابهم.\nوقيل هو رد لقولهم إن الله فقير إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ لدلائل واضحة على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته لذوي العقول المجلوة الخالصة عن شوائب الحس والوهم كما سبق في سورة البقرة، ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية لأن مناط الاستدلال هو التغير، وهذه معترضة لجملة أنواعه فإنه إما أن يكون في ذات الشيء كتغير الليل والنهار، أو جزئه كتغير العناصر بتبدل صورها أو الخارج عنه كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها.\nوعن النبي ﷺ «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها»\n. <span data-type=\"title\" id=toc-417>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩١]</span>\nالَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١)\nالَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ أي يذكرونه دائمًا على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين،\nوعنه ﵊ «من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله»\n. وقيل معناه يصلون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم\nلقوله ﵊ لعمران بن حصين: «صل قائما فطن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب تومئ إيماء»\n. فهو حجة للشافعي ﵁ في أن المريض يصلي مضطجعًا على جنبه الأيمن مستقبلًا بمقاديم بدنه. وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ استدلالًا واعتبارًا، وهو أفضل العبادات كما\nقال ﵊ «لا عبادة كالتفكر»\n. لأنه المخصوص بالقلب والمقصود من الخلق،\nوعنه ﵊: «بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال: أشهد أن لك ربًا وخالقًا: اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له»\n. وهذا دليل واضح على شرف علم الأصول وفضل أهله. رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذا باطِلًا على إرادة القول أي يتفكرون قائلين ذلك، وهذا إشارة إلى المتفكر فيه، أي الخلق على أنه أريد به المخلوق من السموات والأرض، أو إليهما لأنهما في معنى المخلوق، والمعنى ما خلقته عبثًا ضائعًا من غير حكمة بل خلقته لحكم عظيمة من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإِنسان وسببًا لمعاشه ودليلًا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة السرمدية في جوارك. سُبْحانَكَ تنزيهًا لك من العبث وخلق الباطل وهو اعتراض. فَقِنا عَذابَ النَّارِ للإِخلال بالنظر فيه، والقيام بما يقتضيه. وفائدة الفاء هي الدلالة على أن علمهم بما لأجله خلقت السموات والأرض حملهم على الاستعاذة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٢]</span>\nرَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢)\nرَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ غاية الإخزاء، وهو نظير قولهم: من أدرك مرعى الضمان فقد أدرك، والمراد به تهويل المستعاذ منه تنبيهًا على شدة خوفهم وطلبهم الوقاية منه، وفيه إشعار بأن العذاب الروحاني أفظع. وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ أراد بهم المدخلين، ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على","vol":"2","page":54},{"text":"أن ظلمهم سبب لإِدخالهم النار وانقطاع النصرة عنهم في الخلاص منها، ولا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة لأن النصر دفع بقهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٣]</span>\nرَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣)\nرَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه، وفيه مبالغة ليست في إيقاعه على نفس المسموع وفي تنكير المنادي وإطلاقه ثم تقييده تعظيم لشأنه، والمراد به الرسول ﵊ وقيل القرآن، والنداء والدعاء ونحوهما يعدى بإلى واللام لتضمنها معنى الانتهاء والاختصاص. أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا أي بأن آمنوا فامتثلنا. رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا كبائرنا فإنها ذات تبعة. وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا صغائرنا فإنها مستقبحة، ولكن مكفرة عن مجتنب الكبائر. وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ مخصوصين بصحبتهم معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم محبون لقاء الله، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. والأبرار جمع بر أو بار كأرباب وأصحاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٤]</span>\nرَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤)\nرَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ أي ما وعدتنا على تصديق رسلك من الثواب. لما أظهر امتثاله لما أمر به سأل ما وعد عليه لا خوفًا من إخلاف الوعد بل مخافة أن لا يكون من الموعودين لسوء عاقبة، أو قصور في الامتثال أو تعبدًا واستكانة. ويجوز أن يعلق على بمحذوف تقديره: ما وعدتنا منزلًا على رسلك، أو محمولًا عليهم. وقيل معناه على ألسنة رسلك. وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ بأن تعصمنا عما يقتضيه. إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ بإثابة المؤمن وإجابة الداعي وعن ابن عباس ﵄: الميعاد البعث بعد الموت.\nوتكرير ربنا للمبالغة في الابتهال والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها.\nوفي الآثار (من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف)\n. <span data-type=\"title\" id=toc-421>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٥]</span>\nفَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥)\nفَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ إلى طلبتهم، وهو أخص من أجاب ويعدي بنفسه وباللام. أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ أي بأني لا أضيع. وقرئ بالكسر على إرادة القول. مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بيان عامل. بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ لأن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، أو لأنهما من أصل واحد، أو لفرط الاتصال والاتحاد، أو للاجتماع والاتفاق في الدين. وهي جملة معترضة بين بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد للعمال.\nروي (أن أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء)\nفنزلت. فَالَّذِينَ هاجَرُوا إلخ، تفصيل لأعمال العمال وما أعد لهم من الثواب على سبيل المدح والتعظيم، والمعنى فالذين هاجروا الشرك أو الأوطان والعشائر للدين. وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي بسبب إيمانهم بالله ومن أجله وَقاتَلُوا الكفار. وَقُتِلُوا في الجهاد. وقرأ حمزة والكسائي بالعكس لأن الواو لا توجب ترتيبًا والثاني أفضل. أو لأن المراد لما قتل منهم قوم قاتل الباقون ولم يضعفوا. وشدد ابن كثير وابن عامر قُتِلُوا للتكثير. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ لأمحونها. وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي أثيبهم بذلك إثابة من عند الله تفضلًا منه، فهو مصدر مؤكد. وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ على","vol":"2","page":55},{"text":"الطاعات قادر عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٦ الى ١٩٧]</span>\nلاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧)\nلاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته، أو تثبيته على ما كان عليه كقوله فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ أو لكل أحد، والنهي في المعنى للمخاطب وإنما جعل للتقلب تنزيلًا للسبب منزلة المسبب للمبالغة، والمعنى لا تنظر إلى ما الكفرة عليه من السعة والحظ، ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم.\nروي (أن بعض المؤمنين كانوا يرون المشركين في رخاء ولين عيش فيقولون: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد) فنزلت\n. مَتاعٌ قَلِيلٌ خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك التقلب متاع قليل لقصر مدته في جنب ما أعد الله للمؤمنين.\nقال ﵊ «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع»\n. ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ أي ما مهدوا لأنفسهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٨]</span>\nلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨)\nلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ النزل والنزل:\nما يعد للنازل من طعام وشراب وصلة، قال أبو الشعر الضبي:\nوكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا\nوانتصابه على الحال من جنات والعامل فيها الظرف، وقيل: إنه مصدر مؤكد، والتقدير: أنزلوها نزلا وَما عِنْدَ اللَّهِ لكثرته ودوامه خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ مما يتقلب فيه الفجار لقلته وسرعة زواله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>[سورة آل عمران (٣): آية ١٩٩]</span>\nوَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩)\nوَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه. وقيل في أربعين من نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا نصارى فأسلموا. وقيل في أصحمة النجاشي لما نعاه جبريل إلى رسول الله ﷺ فخرج فصلى عليه فقال المنافقون انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط. وإنما دخلت اللام على الاسم للفصل بينه وبين إن بالظرف. وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من القرآن. وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من الكتابين. خاشِعِينَ لِلَّهِ حال من فاعل يؤمن وجمعه باعتبار المعنى لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا كما يفعله المحرفون من أحبارهم. أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ما خص بهم من الأجر ووعده في قوله تعالى: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ لعلمه بالأعمال وما يستوجبه من الجزاء واستغنائه عن التأمل والاحتياط، والمراد أن الأجر الموعود سريع الوصول فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>[سورة آل عمران (٣): آية ٢٠٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على مشاق الطاعات وما يصيبكم من الشدائد. وَصابِرُوا وغالبوا أعداء الله بالصبر على شدائد الحرب وأعدى عدوكم في الصبر على مخالفة الهوى، وتخصيصه بعد الأمر بالصبر","vol":"2","page":56},{"text":"مطلقًا لشدته. وَرابِطُوا أبدانكم وخيولكم في الثغور مترصدين للغزو، وأنفسكم على الطاعة كما\nقال ﵊ «من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة» .\nوعنه ﵊ «من رابط يومًا وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر رمضان وقيامه، لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة»\n. وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فاتقوه بالتبري عما سواه لكي تفلحوا غاية الفلاح، أو واتقوا القبائح لعلكم تفلحون بنيل المقامات الثلاثة، المرتبة التي هي الصبر على مضض الطاعات ومصابرة النفس في رفض العادات ومرابطة السر على جناب الحق لترصد الواردات المعبر عنها بالشريعة، والطريقة، والحقيقة.\nعن النبي ﷺ: «من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانًا على جسر جهنم» .\nوعنه ﵊ «من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تجب الشمس»\n. والله أعلم.","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>(٤) سورة النساء</span>\nمدنية وهي مائة وخمس وسبعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>[سورة النساء (٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب يعم بني آدم. اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هي آدم. وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها عطف على خلقكم أي خلقكم من شخص واحد وخلق منه أمكم حواء من ضلع من أضلاعه، أو محذوف تقديره من نفس واحدة خلقها وخلق منها زوجها، وهو تقرير لخلقهم من نفس واحدة. وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً بيان لكيفية تولدهم منهما، والمعنى ونشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين وبنات كثيرة، واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها، إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر، وذكر كَثِيرًا حملًا على الجمع وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى، والنعمة الباهرة التي توجب طاعة موليها، أو لأن المراد به تمهيد الأمر بالتقوى فيما يتصل بحقوق أهل منزله وبني جنسه على ما دلت عليه الآيات التي بعدها. وقرئ «وخالق» «وباث» على حذف مبتدأ تقديره وهو خالق وباث. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ أي يسأل بعضكم بعضًا تقول أسألك بالله، وأصله تتساءلون فأدغمت التاء الثانية في السين. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بطرحها.\nوَالْأَرْحامَ بالنصب عطف على محل الجار والمجرور كقولك: مررت بزيد وعمرًا، أو على الله أي اتقوا الله واتقوا الأرحام فصلوها ولا تقطعوها. وقرأ حمزة بالجر عطفًا على الضمير المجرور وهو ضعيف لأنه كبعض الكلمة. وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره والأرحام كذلك، أي مما يتقى أو يتساءل به. وقد نبه ﷾ إذ قرن الأرحام باسمه الكريم على أن صلتها بمكان منه.\nوعنه ﵊ «الرحم معلقة بالعرش تقول ألا من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله»\n. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا حافظًا مطلعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>[سورة النساء (٤): آية ٢]</span>\nوَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)\nوَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ أي إذا بلغوا، واليتامى جمع يتيم وهو الذي مات أبوه، من اليتم وهو الانفراد.\nومنه الدرة اليتيمة، إما على أنه لما جرى مجرى الأسماء كفارس وصاحب جمع على يتائم، ثم قلب فقيل يتامى أو على أنه جمع على يتمي كأسرى لأنه من باب الآفات. ثم جمع يتمى على يتامى كأسرى وأسارى، والاشتقاق يقتضي وقوعه على الصغار والكبار، لكن العرف خصصه بمن لم يبلغ. ووروده في الآية إما للبالغ على الأصل أو الاتساع لقرب عهدهم بالصغر، حثًا على أن يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم قبل أن يزول عنهم هذا الاسم إن أونس منهم الرشد، ولذلك أمر بابتلائهم صغارًا أو لغير البلغ والحكم مقيد فكأنه قال","vol":"2","page":58},{"text":"وآتوهم إذا بلغوا. ويؤيد الأول ما\nروى: أن رجلًا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال منه فمنعه فنزلت. فلما سمعها العم قال: أطعنا الله ورسوله نعوذ بالله من الحوب الكبير\n. وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تستبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم، أو الأمر الخبيث وهو اختزال أموالهم بالأمر الطيب الذي هو حفظها. وقيل ولا تأخذوا الرفيع من أموالهم وتعطوا الخسيس مكانها، وهذا تبديل وليس بتبدل. وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ولا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم، أي لا تنفقوهما معًا ولا تسووا بينهما، وهذا حلال وذاك حرام وهو فيما زاد على قدر أجره لقوله تعالى: فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ إِنَّهُ الضمير للأكل. كانَ حُوبًا كَبِيرًا ذنبًا عظيما. وقرئ حوبًا وهو مصدر حاب حُوبًا وحابا كقال قولًا وقالا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>[سورة النساء (٤): آية ٣]</span>\nوَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣)\nوَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ أي إن خفتم أن لا تعدلوا في يتامى النساء إذا تزوجتم بهن، فتزوجوا ما طاب لكم من غيرهن. إذ كان الرجل يجد يتيمة ذات مال وجمال فيتزوجها ضنًا بها، فربما يجتمع عنده منهن عدد ولا يقدر على القيام بحقوقهن. أو إن خفتم أن لا تعدلوا في حقوق اليتامى فتحرجتم منها فخافوا أيضًا أن لا تعدلوا بين النساء فانكحوا مقدارًا يمكنكم الوفاء بحقه، لأن المتحرج من الذنب ينبغي أن يتحرج من الذنوب كلها على ما\nروي: أنه تعالى لما عظم أمر اليتامى تحرجوا من ولايتهم وما كانوا يتحرجون من تكثير النساء وإضاعتهن فنزلت\n. وقيل: كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى ولا يتحرجون من الزنى، فقيل لهم إن خفتم أن لا تعدلوا في أمر اليتامى فخافوا الزنى، فانكحوا ما حل لكم.\nوإنما عبر عنهن بما ذهابًا إلى الصفة أو إجراء لهن مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن، ونظيره أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وقرئ «تُقْسِطُواْ» بفتح التاء على أن «لا» مزيدة أي إن خفتم إن تجوروا. مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ معدولة عن أعداد مكررة وهي: ثنتين ثنتين، وثلاثًا ثلاثًا، وأربعًا أربعًا. وهي غير منصرفة للعدل والصفة فإنها بنيت صفات وإن كانت أصولها لم تبن لها. وقيل لتكرير العدل فإنها معدولة باعتبار الصفة والتكرير منصوبة على الحال من فاعل طاب ومعناها: الإِذن لكل ناكح يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين كقولك: اقتسموا هذه البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، ولو أفردت كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع ولو ذكرت بأو لذهب تجويز الاختلاف في العدد. فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا بين هذه الأعداد أيضًا. فَواحِدَةً فاختاروا أو فانكحوا واحدة وذروا الجمع. وقرئ بالرفع على أنه فاعل محذوف أو خبره تقديره فتكفيكم واحدة، أو فالمقنع واحدة. أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ سوى بين الواحدة من الأزواج والعدد من السراري لخفة مؤنهن وعدم وجوب القسم بينهن ذلِكَ أي التقليل منهن أو اختيار الواحدة أو التسري. أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا أقرب من أن لا تميلوا، يقال عال الميزان إذا مال وعال الحاكم إذا جار، وعول الفريضة الميل عن حد السهام المسماة. وفسر بأن لا تكثر عيالكم على أنه من عال الرجل عياله يعولهم إذا مانهم، فعبر عن كثرة العيال بكثرة المؤن على الكناية. ويؤيده قراءة «أن لا تعيلوا» من أعال الرجل إذا كثر عياله، ولعل المراد بالعيال الأزواج وإن أريد الأولاد فلأن التسري مظنة قلة الولد بالإِضافة إلى التزوج لجواز العزل فيه كتزوج الواحدة بالإِضافة إلى تزوج الأربع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>[سورة النساء (٤): آية ٤]</span>\nوَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)\nوَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ مهورهن. وقرئ بفتح الصاد وسكون الدال على التخفيف، وبضم الصاد","vol":"2","page":59},{"text":"وسكون الدال، جمع صدقة كغرفة، وبضمهما على التوحيد وهو تثقيل صدقة كظلمة في ظلمة. نِحْلَةً أي عطية يقال نحله كذا نحلة ونحلًا إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض، ومن فسرها بالفريضة ونحوها نظر إلى مفهوم الآية لا إلى موضوع اللفظ، ونصبها على المصدر لأنها في معنى الإيتاء أو الحال من الواو، أو الصدقات أي آتوهن صدقاتهن ناحلين أو منحولة. وقيل المعنى نحلة من الله وتفضلًا منه عليهن فتكون حالًا من الصدقات. وقيل ديانة من قولهم انتحل فلان كذا إذا دان به على أنه مفعول له، أو حال من الصدقات أي دينًا من الله تعالى شرعه، والخطاب للأزواج، وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور مولياتهم. فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا الضمير للصداق حملًا على المعنى أو مجري مجرى اسم الإِشارة كقول رؤبة:\nكَأَنَّه في الجلْد ... تَوْلِيْعُ البُهَق\nإذ سئل فقال: أردت كأن ذاك. وقيل للإِيتاء، ونفسًا تمييز لبيان الجنس ولذلك وحد، والمعنى فإن وهبن لكم شيئًا من الصداق عن طيب نفس، لكن جعل العمدة طيب النفس للمبالغة وعداه بعن لتضمن معنى التجافي والتجاوز، وقال منه بعثا لهن على تقليل الموهوب فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا فخذوه وأنفقوه حلالًا بلا تبعة. والهنيء والمريء صفتان من هنأ الطعام ومرأ إذا ساغ من غير غصص، أقيمتا مقام مصدريهما أو وصف بهما المصدر أو جعلتا حالًا من الضمير. وقيل الهنيء ما يلذه الإِنسان، والمريء ما تحمد عاقبته. روي: أن ناسًا كانوا يتأثمون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئًا مما ساق إليها. فنزلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>[سورة النساء (٤): آية ٥]</span>\nوَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)\nوَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ نهي للأولياء عن أن يؤتوا الذين لا رشد لهم أموالهم فيضيعوها، وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم، وهو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة. وقيل نهي لكل أحد أن يعمد إلى ما خوله الله تعالى من المال فيعطى امرأته وأولاده، ثم ينظر إلى أيديهم. وإنما سماهم سفهاء استخفافًا بعقولهم واستهجانًا لجعلهم قوامًا على أنفسهم وهو أوفق لقوله: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا أي تقومون بها وتنتعشون، وعلى الأول يؤول بأنها التي من جنس ما جعل الله لكم قياما سمي ما به القيام قيامًا للمبالغة. وقرأ نافع وابن عامر «قيمًا» بمعناه كعوذ بمعنى عياذ. وقرئ «قوامًا» وهو ما يقام به.\nوَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ واجعلوها مكانًا لرزقهم وكسوتهم بأن تتجروا فيها وتحصلوا من نفعها ما يحتاجون إليه. وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا عدة جميلة تطيب بها نفوسهم، والمعروف ما عرفه الشرع أو العقل بالحسن، والمنكر ما أنكره أحدهما لقبحه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>[سورة النساء (٤): آية ٦]</span>\nوَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)\nوَابْتَلُوا الْيَتامى اختبروهم قبل البلوغ بتتبع أحوالهم في صلاح الدين، والتهدي إلى ضبط المال وحسن التصرف، بأن يكل إليه مقدمات العقد. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى بأن يدفع إليه ما يتصرف فيه.\nحَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ حتى إذا بلغوا حد البلوغ بأن يحتلم، أو يستكمل خمس عشرة سنة عندنا\nلقوله ﵊: «إذا استكمل الولد خمس عشرة سنة، كتب ماله وما عليه وأقيمت عليه الحدود»\n. وثماني","vol":"2","page":60},{"text":"عشرة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وبلوغ النكاح كناية عن البلوغ، لأنه يصلح للنكاح عنده. فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فإن أبصرتم منهم رشدا. وقرئ أحستم بمعنى أحسستم. فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ من غير تأخير عن حد البلوغ، ونظم الآية أن إن الشرطية جواب إذًا المتضمنة معنى الشرط، والجملة غاية الابتلاء فكأنه قيل وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم، وهو دليل على أنه لا يدفع إليهم ما لم يؤنس منهم الرشد. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا زادت على سن البلوغ سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير الأحوال، إذ الطفل يميز بعدها ويؤمر بالعبادة، دفع إليه المال وإن لم يؤنس منه الرشد. وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا مسرفين ومبادرين كبرهم، أو لإِسرافكم ومبادرتكم كبرهم. وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ من أكلها. وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ بقدر حاجته وأجرة سعيه، ولفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعر بأن الولي له حق في مال الصبي،\nوعنه ﵊ «أن رجلًا قال له إن في حجري يتيمًا أفآكل من ماله؟ قال: كل بالمعروف غير متأثل مالًا ولا واق مالك بماله»\nوإيراد هذا التقسيم بعد قوله ولا تأكلوها يدل على أنه نهي للأولياء أن يأخذوا وينفقوا على أنفسهم أموال اليتامى. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ بأنهم قبضوها فإنه أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة، ووجوب الضمان وظاهره يدل على أن القيم لا يصدق في دعواه إلا بالبينة وهو المختار عندنا وهو مذهب مالك خلافًا لأبي حنيفة. وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا محاسبًا فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا تتجاوزوا ما حد لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>[سورة النساء (٤): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nلِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)\nلِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ يريد بهم المتوارثين بالقرابة. مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ بدل مما ترك بإعادة العامل. نَصِيبًا مَفْرُوضًا نصب على أنه مصدر مؤكد كقوله تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أو حال إذ المعنى: ثبت لهم مفروضًا نصيب، أو على الاختصاص بمعنى أعني نصيبًا مقطوعًا واجبًا لهم، وفيه دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه.\nروي (أن أوس بن الصامت الأنصاري خلف زوجته أم كحة وثلاث بنات، فزوى ابنا عمه سويد وعرفطة. أو قتادة وعرفجة ميراثه عنهن على سنة الجاهلية، فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال ويقولون:\nإنما يرث من يحارب ويذب عن الحوزة، فجاءت أم كحة إلى رسول الله ﷺ في مسجد الفضيخ فشكت إليه فقال: ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله. فنزلت فبعث إليهما: لا تفرقا من مال أوس شيئًا فإن الله قد جعل لهن نصيبًا ولم يبين حتى يبين. فنزلت\nيُوصِيكُمُ اللَّهُ فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العم) . وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقف الخطاب.\nوَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى ممن لا يرث وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ فاعطوهم شيئًا من المقسوم تطييبًا لقلوبهم. وتصدقًا عليهم، وهو أمر ندب للبالغ من الورثة. وقيل أمر وجوب، ثم اختلف في نسخه والضمير لما ترك أو دل عليه القسمة وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>[سورة النساء (٤): آية ٩]</span>\nوَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)\nوَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه","vol":"2","page":61},{"text":"في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم، أو للحاضرين المريض عند الإِيصاء بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضرَّ بهم بصرف المال عنهم، أو للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافًا مثلهم هل يجوزون حرمانهم، أو للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية ولو بما في حيزه، جعل صلة للذين على معنى وليخش الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ذرية ضعافًا خافوا عليهم الضياع، وفي ترتيب الأمر عليه إشارة إلى المقصود منه والعلة فيه، وبعث على الترحم وأن يحب لأولاد غيره ما يحب لأولاده وتهديد للمخالف بحال أولاده. فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا أمرهم بالتقوى التي هي غاية الخشية بعد ما أمرهم بها مراعاة للمبدأ والمنتهى، إذ لا ينفع الأول دون الثاني، ثم أمرهم أن يقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب، أو للمريض ما يصده عن الإِسراف في الوصية وتضييع الورثة، ويذكره التوبة وكلمة الشهادة، أو لحاضري القسمة عذرًا جميلًا ووعدًا حسنًا، أو أن يقولوا في الوصية ما لا يؤدي إلى مجاوزة الثلث وتضييع الورثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>[سورة النساء (٤): آية ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)\nإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا ظالمين، أو على وجه الظلم. إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ملء بطونهم. نَارًا ما يجر إلى النار، ويؤول إليها.\nوعن أبي بردة رضي الله تعالى عنه أنه ﷺ قال: «يبعث الله قومًا من قبورهم تتأجج أفواههم نارًا» . فقيل: من هم؟ فقال: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا\n. وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا سيدخلون نارًا وأي نار. وقرأ ابن عامر وابن عياش عن عاصم بضم الياء مخففا. وقرئ به مشددًا يقال صلى النار قاسى حرها، وصليته شويته وأصليته وصليته ألقيته فيها، والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار إذا ألهبتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>[سورة النساء (٤): آية ١١]</span>\nيُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا مَا تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)\nيُوصِيكُمُ اللَّهُ يأمركم ويعهد إليكم. فِي أَوْلادِكُمْ في شأن ميراثهم وهو إجمال تفصيله. لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي يعد كل ذكر بأنثيين حيث اجتمع الصنفان فيضعف نصيبه، وتخصيص الذكر بالتنصيص على حظه لأن القصد إلى بيان فضله، والتنبيه على أن التضعيف كاف للتفضيل فلا يحرمن بالكلية وقد اشتركا في الجهة، والمعنى للذكر منهم فحذف للعلم به. فَإِنْ كُنَّ نِساءً أي إن كان الأولاد نساء خلصًا ليس معهن ذكر، فأنث الضمير باعتبار الخبر أو على تأويل المولودات. فَوْقَ اثْنَتَيْنِ خبر ثان، أو صفة للنساء أي نساء زائدات على اثنتين. فَلَهُنَّ ثُلُثا مَا تَرَكَ المتوفى منكم، ويدلَ عليه المعنى. وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ أي وإن كانت المولودة واحدة. وقرأ نافع بالرفع على كان التامة، واختلف في الثنتين فقال ابن عباس ﵄ حكمهما حكم الواحدة، لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما. وقال الباقون حكمهما حكم ما فوقهما لأنه تعالى لما بين أن حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه أنثى وهو الثلثان، اقتضى ذلك أن فرضهما الثلثان. ثم لما أوهم ذلك أن يزاد النصيب بزيادة العدد رد ذلك بقوله: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ويؤيد ذلك أن البنت الواحدة لما استحقت الثلث مع أخيها فبالحري أن تستحقه مع أخت مثلها. وأن البنتين أمس","vol":"2","page":62},{"text":"رحما من الأختين وقد فرض لهما الثلثين بقوله تعالى: فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ. وَلِأَبَوَيْهِ ولأبوي الميت.\nلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا بدل منه بتكرير العامل وفائدته التنصيص على استحقاق كل واحد منهما السدس، والتفصيل بعد الإِجمال تأكيدًا. السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ أي للميت. وَلَدٌ ذكر أو أنثى غير أن الأب يأخذ السدس مع الأنثى بالفريضة، وما بقي من ذوي الفروض أيضًا بالعصوبة. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فحسب. فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ مما ترك وإنما لم يذكر حصة الأب، لأنه لما فرض أن الوارث أبواه فقط وعين نصيب الأم علم أن الباقي للأب، وكأنه قال: فلهما ما ترك أثلاثًا، وعلى هذا ينبغي أن يكون لها حيث كان معهما أحد الزوجين ثلث ما بقي من فرضه كما قاله الجمهور، لا ثلث المال كما قاله ابن عباس، فإنه يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر المساوي لها في الجهة والقرب وهو خلاف وضع الشرع. فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ بإطلاقهِ يدل على أن الإِخوة يردونها من الثلث إلى السدس، وإن كانوا لا يرثون مع الأب. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم، والجمهور على أن المراد بالإِخوة عدد ممن له إخوة من غير اعتبار التثليث سواء كان من الإِخوة أو الأخوات، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا يحجب الأم من الثلث ما دون الثلاثة ولا الأخوات الخلص أخذًا بالظاهر. وقرأ حمزة والكسائي فَلِأُمِّهِ بكسر الهمزة اتباعًا للكسرة التي قبلها. مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها أي هذه الأنصباء للورثة من بعد ما كان من وصية. أو دين، وإنما قال بأو التي للإِباحة دون الواو للدلالة على أنهما متساويان في الوجوب مقدمان على القسمة مجموعين ومنفردين، وقدم الوصية على الدين وهي متأخرة في الحكم لأنها مشبهة بالميراث شاقة على الورثة مندوب إليها الجميع والدين إنما يكون على الندور. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر بفتح الصاد. آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا أي لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم، فتحروا فيهم ما أوصاكم الله به، ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمانه.\nروي أن أحد المتوالدين إذا كان أرفع درجة من الآخر في الجنة سأل أن يرفع إليه فيرفع بشفاعته\n. أو من مورثيكم منهم أو من أوصى منهم فعرضكم للثواب بإمضاء وصيته، أو من لم يوص فوفر عليكم ماله فهو اعتراض مؤكد لأمر القسمة أو تنفيذ الوصية. فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ مصدر مؤكد، أو مصدر يوصيكم الله لأنه في معنى يأمركم ويفرض عليكم. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا بالمصالح والرتب. حَكِيمًا فيما قضى وقدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>[سورة النساء (٤): آية ١٢]</span>\nوَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)\nوَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ أي ولد وارث من بطنها، أو من صلب بنيها، أو بني بنيها وإن سفل ذكرًا كان أو أنثى منكم أو من غيركم. مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ فرض للرجل بحق الزواج ضعف ما للمرأة كما في النسب، وهكذا قياس كل رجل وامرأة اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة، وتستوي الواحدة","vol":"2","page":63},{"text":"والعدد منهم في الربع والثمن. وَإِنْ كانَ رَجُلٌ أي الميت. يُورَثُ أي يورث منه من ورث صفة رجل.\nكَلالَةً خبر كان أو يورث خبره، وكلالة حال من الضمير فيه وهو من لم يخلف ولدًا ولا والدًا. أو مفعول له والمراد بها قرابة ليست من جهة الوالد والولد. ويجوز أن يكون الرجل الوارث ويورث من أورث، وكلالة من ليس له بوالد ولا ولد. وقرئ يُورَثُ على البناء للفاعل فالرجل الميت وكلالة تحتمل المعاني الثلاثة وعلى الأول خبر أو حال، وعلى الثاني مفعول له، وعلى الثالث مفعول به، وهي في الأصل مصدر بمعنى الكلال قال الأعشى:\nفآلَيْتُ لاَ أرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلة ... وَلاَ مِنْ حَفَا حَتى أُلاَقِي مُحَمَّدًا\nفاستعيرت لقرابة ليست بالبعضية، لأنها كالة بالإِضافة إليها، ثم وصف بها المورث والوارث بمعنى ذي كلالة كقولك فلان من قرابتي. أَوِ امْرَأَةٌ عطف على رجل. وَلَهُ أي وللرجل، واكتفي بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه. أَخٌ أَوْ أُخْتٌ أي من الأم، ويدل عليه قراءة أبي وسعد بن مالك «وله أخ أو أخت من الأم»، وأنه ذكر في آخر السورة أن للأختين الثلثين وللأخوة الكل، وهو لا يليق بأولاد الأم وأن ما قدر هاهنا فرض الأم فيناسب أن يكون لأولادها. فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ سوى بين الذكر والأنثى في القسمة لأن الإدلاء بمحض الأنوثة، ومفهوم الآية أنهم لا يرثون ذلك مع الأم والجدة كما لا يرثون مع البنت وبنت الابن فخص فيه بالإِجماع. مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ أي غير مضار لورثته بالزيادة على الثلث، أو قصد المضارة بالوصية دون القربة والإِقرار بدين لا يلزمه، وهو حال من فاعل يوصى المذكور في هذه القراءة والمدلول عليه بقوله يوصى على البناء للمفعول في قراءة ابن كثير وابن عامر وابن عياش عن عاصم. وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ مصدر مؤكد أو منصوب بغير مضار على المفعول به، ويؤيده أنه قرئ «غَيْرَ مُضَارّ وَصِيَّةً» بالإِضافة أي لا يضار وصية من الله، وهو الثلث فما دونه بالزيادة، أو وصية منه بالأولاد بالإِسراف في الوصية والإِقرار الكاذب. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالمضار وغيره. حَلِيمٌ لا يعاجل بعقوبته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)\nتِلْكَ إشارة إلى الأحكام التي قدمت في أمر اليتامى والوصايا والمواريث. حُدُودُ اللَّهِ شرائعه التي هي كالحدود المحدودة التي لا يجوز مجاوزتها. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.\nوَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ توحيد الضمير في يدخله، وجمع خالِدِينَ للفظ والمعنى. وقرأ نافع وابن عامر ندخله بالنون وخالِدِينَ حال مقدرة كقولك:\nمررت برجل معه صقر صائدًا به غدا، وكذلك خالدًا وليستا صفتين لجنات ونارًا وإلا لوجب إبراز الضمير لأنهما جريا على غير من هما له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>[سورة النساء (٤): آية ١٥]</span>\nوَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)\nوَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ أي يفعلنها، يقال: أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها إذا فعلها،","vol":"2","page":64},{"text":"والفاحشة الزنا لزيادة قبحها وشناعتها. فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فاطلبوا ممن قذفهن أربعة من رجال المؤمنين تشهد عليهن. فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فاحبسوهن في البيوت واجعلوها سجنًا عليهن.\nحَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ يستوفي أرواحهن الموت، أو يتوفاهن ملائكة الموت. قيل: كان ذلك عقوبتهن في أوائل الإِسلام فنسخ بالحد، ويحتمل أن يكون المراد به التوصية بإمساكهن بعد أن يجلدن كيلا يجري عليهن ما جرى بسبب الخروج والتعرض للرجال، لم يذكر الحد استغناء بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا كتعيين الحد المخلص عن الحبس، أو النكاح المغني عن السفاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>[سورة النساء (٤): آية ١٦]</span>\nوَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)\nوَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ يعني الزانية والزاني. وقرأ ابن كثير وَالَّذانِ بتشديد النون وتمكين مد الألف، والباقون بالتخفيف من غير تمكين. فَآذُوهُما بالتوبيخ والتقريع، وقيل بالتعيير والجلد. فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما فاقطعوا عنهما الإيذاء، أو أعرضوا عنهما بالإِغماض والستر. إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّابًا رَحِيمًا علة الأمر بالإِعراض وترك المذمة. قيل هذه الآية سابقة على الأولى نزولًا وكان عقوبة الزنا الأذى ثم الحبس ثم الجلد. وقيل الأولى في السحاقات وهذه في اللواطين، والزانية والزاني في الزناة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>[سورة النساء (٤): آية ١٧]</span>\nإِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)\nإِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ أي إن قبول التوبة كالمحتوم على الله بمقتضى وعده من تاب عليه إذا قبل توبته.\nلِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ متلبسين بها سفهًا فإن ارتكاب الذنب سفه وتجاهل، ولذلك قيل من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته. ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ من زمان قريب، أي قبل حضور الموت لقوله تعالى: حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ\nوقوله ﵊: «إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر»\nوسماه قريبًا لأن أمد الحياة قريب لقوله تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ. أو قبل أن يشرب في قلوبهم حبه فيطبع عليها فيتعذر عليهم الرجوع، ومِنْ للتبعيض أي يتوبون في أي جزء من الزمان القريب الذي هو ما قبل أن ينزل بهم سلطان الموت، أو يزين السوء. فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وعد بالوفاء بما وعد به وكتب على نفسه بقوله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا فهو يعلم بإخلاصهم في التوبة حَكِيمًا والحكيم لا يعاقب التائب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>[سورة النساء (٤): آية ١٨]</span>\nوَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٨)\nوَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ سوى بين من سوف يتوب إلى حضور الموت من الفسقة والكفار، وبين من مات على الكفر في نفي التوبة للمبالغة في عدم الاعتداد بها في تلك الحالة، وكأنه قال وتوبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء. وقيل المراد بالذين يعملون السوء عصاة المؤمنين، وبالذين يعملون السيئات المنافقون لتضاعف كفرهم وسوء أعمالهم، وبالذين يموتون الكفار. أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا تأكيد لعدم قبول توبتهم، وبيان أن العذاب أعده لهم لا يعجزه عذابهم متى شاء، والاعتداد التهيئة من العتاد وهو العدة، وقيل أصله أعددنا فأبدلت الدال الأولى تاء.","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>[سورة النساء (٤): آية ١٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا كان الرجل إذا مات وله عصبة ألقى ثوبه على امرأته وقال: أنا أحق بها ثم إن شاء تزوجها بصداقها الأول، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها لتفتدي بما ورثت من زوجها، فنهوا عن ذلك. وقيل: لا يحل لكم أن تأخذوهن على سبيل الإِرث فتتزوجوهن كارهات لذلك أو مكرهات عليه. وقرأ حمزة والكسائي كَرْهًا بالضم في مواضعه وهما لغتان.\nوقيل بالضم المشقة وبالفتح ما يكره عليه. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ عطف على أَنْ تَرِثُوا، ولا لتأكيد النفي أي ولا تمنعوهن من التزويج، وأصل العضل التضييق يقال عضلت الدجاجة ببيضها.\nوقيل الخطاب مع الأزواج كانوا يحبسون النساء من غير حاجة ورغبة حتى يرثوا منهن أو يختلعن بمهورهن.\nوقيل تم الكلام بقوله كرهًا ثم خاطب الأزواج ونهاهم عن العضل. إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ كالنشوز وسوء العشرة وعدم التعفف، والاستثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له تقديره ولا تعضلوهن للافتداء إلا وقت أن يأتين بفاحشة، أو ولا تعضلوهن لعلة إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ. وقرأ ابن كثير وأبو بكر مُبَيِّنَةٍ هنا وفي الأحزاب والطلاق بفتح الياء والباقون بكسرها فيهن. وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ بالإِنصاف في الفعل والإِجمال في القول. فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا أي فلا تفارقوهن لكراهة النفس فإنها قد تكره ما هو أصلح دينًا وأكثر خيرًا، وقد تحب ما هو بخلافه. وليكن نظركم إلى ما هو أصلح للدين وأدنى إلى الخير، وعسى في الأصل علة فأقيم مقامه. والمعنى فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٢١)\nوَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ تطليق امرأة وتزوج أخرى. وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ أي إحدى الزوجات، جمع الضمير لأنه أراد بالزوج الجنس. قِنْطارًا مالًا كثيرًا. فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أي من قنطار. أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا إستفهام إنكار وتوبيخ، أي تأخذونه باهتين وآثمين، ويحتمل النصب على العلة كما في قولك: قعدت عن الحرب جبنًا، لأن الأخذ بسبب بهتانهم واقترافهم المآثم. قيل كان الرجل منهم إذا أراد امرأة جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الإفتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج الجديدة، فنهوا عن ذلك والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه، وقد يستعمل في الفعل الباطل ولذلك فسر هاهنا بالظلم.\nوَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ إنكار لاسترداد المهر والحال أنه وصل إليها بالملامسة ودخل بها وتقرر المهر. وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا عهدًا وثيقًا، وهو حق الصحبة والممازحة، أو ما أوثق الله عليهم في شأنهن بقوله: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أو ما\nأشار إليه النبي ﷺ بقوله:\n«أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله»\n.","vol":"2","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>[سورة النساء (٤): آية ٢٢]</span>\nوَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢)\nوَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ ولا تنكحوا التي نكحها آباؤكم، وإنما ذكر ما دون من لأنه أريد به الصفة، وقيل ما مصدرية على إرادة المفعول من المصدر. مِنَ النِّساءِ بيان ما نكح على الوجهين. إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ استثناء من المعنى اللازم للنهي وكأنه قيل: وتستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، أو من اللفظ للمبالغة في التحريم والتعميم كقوله:\nوَلاَ عَيْبَ فِيهِم غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنَّ فُلُولٌ من قراع الكَتَائِب\nوالمعنى ولا تنكحوا حلائل آبائكم إلا ما قد سلف إن أمكنكم أن تنكحوهن. وقيل الاستثناء منقطع ومعناه لكن ما قد سلف، فإنه لا مؤاخذة عليه لأنه مقرر. إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا علة للنهي أي إن نكاحهن كان فاحشة عند الله ما رخص فيه لأمةٍ من الأمم، ممقوتًا عند ذوي المروءات ولذلك سمي ولد الرجل من زوجة أبيه المقتي وَساءَ سَبِيلًا سبيل من يراه ويفعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>[سورة النساء (٤): آية ٢٣]</span>\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ ليس المراد تحريم ذواتهن بل تحريم نكاحهن لأنه معظم ما يقصد منهن، ولأنه المتبادر إلى الفهم كتحريم الأكل من قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ولأن ما قبله وما بعده في النكاح، وأمهاتكم تعم من ولدتك أو ولدت من ولدك وإن علت، وبناتكم تتناول من ولدتها أو ولدت من ولدها وإن سفلت، وأخواتكم الأخوات من الأوجه الثلاثة. وكذلك الباقيات والعمة كل أنثى ولدها من ولد ذكرًا ولدك والخالة كل أنثى ولدها من ولد أنثى ولدتك قريبًا أو بعيدًا، وبنات الأخ وبنات الأخت تتناول القربى والبعدى. وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ نَزَّلَ الله الرضاعة منزلة النسب حتى سمى المرضعة أمًا والمُرضَّعة أختًا، وأمرها على قياس النسب باعتبار المرضعة ووالد الطفل الذي در عليه اللبن\nقال ﵊: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»\n. واستثناء أخت ابن الرجل وأم أخيه من الرضاع من هذا الأصل ليس بصحيح فإن حرمتهما من النسب بالمصاهرة دون النسب. وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ذكر أولًا محرمات النسب ثم محرمات الرضاعة، لأن لها لحمة كلحمة النسب، ثم محرمات المصاهرة فإن تحريمهن عارض لمصلحة الزواج، والربائب جمع ربيبة. والربيب ولد المرأة من آخر سمي به لأنه يربه كما يرب ولده في غالب الأمر، فعيل بمعنى مفعول وإنما لحقه التاء لأنه صار اسمًا ومن نسائكم متعلق بربائبكم، واللاتي بصلتها صفة لها مقيدة للفظ والحكم بالإِجماع قضية للنظم، ولا يجوز تعليقها بالأمهات أيضًا لأن من إذا علقتها بالربائب كانت ابتدائية، وإذا علقتها بالأمهات لم يجز ذلك بل وجب أن يكون بيانًا لنسائكم والكلمة الواحدة لا تحمل على معنيين عند جمهور الأدباء اللهم إذا جعلتها للاتصال كقوله:","vol":"2","page":67},{"text":"إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورا ... فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِني\nعلى معنى أن أمهات النساء وبناتهن متصلات بهن، لكن الرسول ﷺ فرق بينهما\nفقال في رجل تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها «إنه لا بأس أن يتزوج ابنتها ولا يحل له أن يتزوج أمها»\n. وإليه ذهب عامة العلماء، غير أنه روي عن علي رضي الله تعالى عنه تقييد التحريم فيهما. ولا يجوز أن يكون الموصول الثاني صفة للنساءين لأن عاملهما مختلف، وفائدة قوله فِي حُجُورِكُمْ تقوية العلة وتكميلها، والمعنى أن الربائب إذا دخلتم بأمهاتهن وهن في احتضانكم أو بصدده تقوى الشبه بينها وبين أولادكم وصارت أحقاء بأن تجروها مجراهم لا تقييد الحرمة، وإليه ذهب جمهور العلماء.\nوقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه جعله شرطًا، والأمهات والربائب يتناولان القريبة والبعيدة،\nوقوله دخلتم بهن أي دخلتم معهن الستر وهي كناية عن الجماع، ويؤثر في حرمة المصاهرة ما ليس بزنا كالوطء بشبهة، أو ملك يمين. وعند أبي حنيفة لمس المنكوحة ونحوه كالدخول. فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ تصريح بعد إشعار دفعًا للقياس.\nوَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ زوجاتهم، سميت الزوجة حليلة لحلها أو لحلولها مع الزوج. الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ احتراز عن المتبنين لا عن أبناء الولد وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ في موضع الرفع عطفًا على المحرمات، والظاهر أن الحرمة غير مقصورة على النكاح فإن المحرمات المعدودة كما هي محرمة في النكاح فهي محرمة في ملك اليمين، ولذلك\nقال عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما: حرمتهما آية وأحلتهما آية، يعنيان هذه الآية\n. وقوله: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فرجح على كرم الله وجهه التحريم، وعثمان ﵁ التحليل.\nوقول علي أظهر لأن آية التحليل مخصوصة في غير ذلك\nولقوله ﵊ «ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام»\n. إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ استثناء من لازم المعنى، أو منقطع معناه لكن ما قد سلف مغفور لقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>[سورة النساء (٤): آية ٢٤]</span>\nوَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)\nوَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ذوات الأزواج، أحصنهن التزويج أو الأزواج. وقرأ الكسائي بكسر الصاد في جميع القرآن لأنهن أحصن فروجهن. إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يريد مَّا مَلَكَتْ أيمانكم من اللاتي سبين ولهن أزواج كفار فهن حلال للسابين، والنكاح مرتفع بالسبي\nلقول أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج كفار، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي ﷺ، فنزلت الآية فاستحللناهن.\nوإياه عنى الفرزدق بقوله:\nوَذَات حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا ... حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ\nوقال أبو حنيفة لو سبي الزوجان لم يرتفع النكاح ولم تحل للسابي. وإطلاق الآية والحديث حجة عليه. كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ مصدر مؤكد، أي كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتابا. وقرئ «كتب» الله بالجمع والرفع أي هذه فرائض الله عليكم «وكتب الله» بلفظ الفعل. وَأُحِلَّ لَكُمْ عطف على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم على البناء للمفعول عطفًا على حُرِّمَتْ. مَّا وَراءَ ذلِكُمْ ما سوى المحرمات الثمان المذكورة. وخص عنه بالسنة ما في معنى المذكورات كسائر محرمات الرضاع، والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها. أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ مفعول له والمعنى أحل لكم ما وراء ذلكم إرادة أن تبتغوا النساء بأموالكم بالصرف في مهورهن، أو أثمانهن في حال كونكم محصنين غير مسافحين، ويجوز أن لا يقدر مفعول تبتغوا وكأنه قيل إرادة أن يصرفوا أموالكم محصنين غير","vol":"2","page":68},{"text":"مسافحين أو بدل مما وراء ذلك بدل الاشتمال. واحتج به الحنفية على أن المهر لا بد وأن يكون مالًا. ولا حجة فيه. والإِحصان العفة فإنها تحصين للنفس عن اللوم والعقاب، والسفاح الزنا من السفح وهو صب المني فإنه الغرض منه. فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فمن تمتعتم به من المنكوحات، أو فما استمعتم به منهن من جماع أو عقد عليهن. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن فإن المهر في مقابلة الاستمتاع. فَرِيضَةً حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو صفة مصدر محذوف أي إيتاء مفروضًا أو مصدر مؤكد. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ فيما يزاد على المسمى أو يحط عنه بالتراضي، أو فيما تراضيا به من نفقة أو مقام أو فراق. وقيل: نزلت الآية في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتحت مكة ثم نسخت لما\nروي أنه ﵊ أباحها ثم أصبح يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة»\n. وهي النكاح المؤقت بوقت معلوم سمي بها إذ الغرض منه مجرد الاستمتاع بالمرأة، أو تمتيعها بما تعطي. وجوزها ابن عباس ﵄ ثم رجع عنه. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا بالمصالح. حَكِيمًا فيما شرع من الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>[سورة النساء (٤): آية ٢٥]</span>\nوَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)\nوَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا غنى واعتلاء وأصله الفضل والزيادة. أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ في موضع النصب بطولًا. أو بفعل مقدر صفة له أي ومن لم يستطع منكم أن يعتلي نكاح المحصنات، أو من لم يستطع منكم غنى يبلغ به نكاح المحصنات يعني الحرائر لقوله: فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ يعني الإِماء المؤمنات، فظاهر الآية حجة للشافعي رضي الله تعالى عنه في تحريم نكاح الأمة على من ملك ما يجعله صداق حرة، ومنع نكاح الأمة الكتابية مطلقًا. وأول أبو حنيفة رحمه الله تعالى طول المحصنات بأن يملك فراشهن، على أن النكاح هو الوطء وحمل قوله: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ على الأفضل. كما حمل عليه في قوله: الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ ومن أصحابنا من حمله أيضًا على التقييد وجوز نكاح الأمة لمن قدر على الحرة الكتابية دون المؤمنة حذرًا عن مخالطة الكفار وموالاتهم، والمحذور في نكاح الأمة رق الولد، وما فيه من المهانة ونقصان حق الزوج. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ فاكتفوا بظاهر الإِيمان فإنه العالم بالسرائر ويتفاضل ما بينكم في الإِيمان، فرب أمة تفضل الحرة فيه، ومن حقكم أن تعتبروا فضل الإِيمان لا فضل النسب، والمراد تأنيسهم بنكاح الإِماء ومنعهم عن الاستنكاف منه ويؤيده. بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أنتم وأرقاؤكم متناسبون نسبكم من آدم ودينكم الإِسلام. فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يريد أربابهن واعتبار إذنهم مطلقًا لا إشعار له، على أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهم حتى يحتج به الحنفية. وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ\nأي أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلهن! فحذف ذلك لتقدم ذكره، أو إلى مواليهن فحذف المضاف للعلم بأن المهر للسيد لأنه عوض حقه فيجب أن يؤدى إليه، وقال مالك ﵁: المهر للأمة ذهابًا إلى الظاهر بِالْمَعْرُوفِ بغير مطل وإضرار ونقصان. مُحْصَناتٍ عفائف. غَيْرَ مُسافِحاتٍ غير مجاهرات بالسفاح. وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أخلاء في السر فَإِذا أُحْصِنَّ بالتزويج. قرأ أبو بكر وحمزة بفتح الهمزة والصاد والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد. فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ زنى. فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ يعني الحرائر. مِنَ الْعَذابِ من الحد لقوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وهو يدل على أن","vol":"2","page":69},{"text":"حد العبد نصف حد الحر، وأنه لا يرجم لأن الرجم لا ينتصف. ذلِكَ أي نكاح الإِماء. لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ لمن خاف الوقوع في الزنى، وهو في الأصل انكسار العظم بعد الجبر، مستعار لكل مشقة وضرر ولا ضرر أعظم من مواقعة الإِثم بأفحش القبائح. وقيل: المراد به الحد وهذا شرط آخر لنكاح الإِماء.\nوَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي وصبركم عن نكاح الإِماء متعففين خير لكم.\nقال ﵊ «الحرائر صلاح البيت والإِماء هلاكه»\n. وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن لم يصبر. رَحِيمٌ بأن رخص له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>[سورة النساء (٤): آية ٢٦]</span>\nيُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)\nيُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ما تعبدكم به من الحلال والحرام، أو ما خفي عنكم من مصالحكم ومحاسن أعمالكم، وليبين مفعول يريد واللام زيدت لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإِرادة كما في قول قيس بن سعد:\nأَرَدْتُ لِكَيْمَا يَعْلَم النَّاس أَنَّه ... سَرَاويلُ قَيْسٍ وَالوُفُودُ شُهُودُ\nوقيل المفعول محذوف، وليبين مفعول له أي يريد الحق لأجله. وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مناهج من تقدمكم من أهل الرشد لتسلكوا طرقهم. وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ويغفر لكم ذنوبكم، أو يرشدكم إلى ما يمنعكم عن المعاصي ويحثكم على التوبة، أو إلى ما يكون كفارة لسيئاتكم. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بها حَكِيمٌ في وضعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا (٢٨)\nوَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ كرره للتأكيد والمبالغة. وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ يعني الفجرة فإن اتباع الشهوات الائتمار لها، وأما المتعاطي لما سوغه الشرع منها دون غيره فهو متبع له في الحقيقة لا لها.\nوقيل: المجوس. وقيل: اليهود فإنهم يحلون الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت. أَنْ تَمِيلُوا عن الحق بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات. مَيْلًا عَظِيمًا بالإِضافة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندور غير مستحل لها.\nيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ فلذلك شرع لكم الشرعة الحنيفية السمحة السهلة، ورخص لكم في المضايق كإحلال نكاح الأمة. وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا لا يصبر عن الشهوات ولا يتحمل مشاق الطاعات.\nوعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ثمان آيات في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت هذه الثلاث: وإِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ، وإِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وإِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ومَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَمَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>[سورة النساء (٤): آية ٢٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ بما لم يبحه الشرع كالغصب والربا والقمار. إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ استثناء منقطع أي، ولكن كون تجارة عن تراض غير منهي عنه، أو اقصدوا كون تجارة. وعن تراض صفة لتجارة أي تجارة صادرة عن تراضي المتعاقدين، وتخصيص التجارة من الوجوه التي بها يحل تناول مال الغير، لأنها أغلب وأرفق لذوي المروءات، ويجوز أن يراد بها الانتقال مطلقًا.","vol":"2","page":70},{"text":"وقيل: المراد بالنهي المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه الله. وبالتجارة صرفه فيما يرضاه. وقرأ الكوفيون تِجارَةً بالنصب على كان الناقصة وإضمار الإسم أي إلا أن تكون التجارة أو الجهة تجارة. وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بالبخع كما تفعله جهلة الهند، أو بإلقاء النفس إلى التهلكة. ويؤيده ما\nروي: أن عمرو بن العاص تأوله التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه النبي ﷺ أو بارتكاب ما يؤدي إلى قتلها\n. أو باقتراف ما يذللها ويرديها فإنه القتل الحقيقي للنفس. وقيل المراد بالأنفس من كان من أهل دينهم، فإن المؤمنين كنفس واحدة. جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال الذي هو شقيقها من حيث إنه سبب قوامها استبقاء لهم ريثما تستكمل النفوس، وتستوفي فضائلها رأفة بهم ورحمة كما أشار إليه بقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا أي أمر ما أمر ونهى عما نهى لفرط رحمته عليكم. وقيل: معناه إنه كان بكم يا أمة محمد رحيمًا لما أمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>[سورة النساء (٤): آية ٣٠]</span>\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ إشارة إلى القتل، أو ما سبق من المحرمات. عُدْوانًا وَظُلْمًا إفراطًا في التجاوز عن الحق وإتيانًا بما لا يستحقه. وقيل أراد بالعدوان التعدي على الغير، وبالظلم ظلم النفس بتعريضها للعقاب. فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ندخله إياها. وقرئ بالتشديد من صلى، وبفتح النون من صلاه يصليه. ومنه شاة مصلية، ويصليه بالياء والضمير لله تعالى أو لذلك من حيث إنه سبب الصلي. وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا لا عسر فيه ولا صارف عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>[سورة النساء (٤): آية ٣١]</span>\nإِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)\nإِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ كبائر الذنوب التي نهاكم الله ورسوله عنها، وقرئ «كبير» على إرادة الجنس. نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ نغفر لكم صغائركم ونمحها عنكم.\nواختلف في الكبائر، والأقرب أن الكبيرة كل ذنب رتب الشارع عليه حدًا أو صرح بالوعيد فيه. وقيل ما علم حرمته بقاطع.\nوعن النبي ﷺ «أنها سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس التى حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والربا، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين»\n. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:\n(الكبائر إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع) . وقيل أراد هاهنا أنواع الشرك لقوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وقيل صغر الذنوب وكبرها بالإِضافة إلى ما فوقها وما تحتها، فأكبر الكبائر الشرك وأصغر الصغائر حديث النفس وبينهما وسائط يصدق عليها الأمران، فمن عن له أمران منها ودعت نفسه إليهما بحيث لا يتمالك فكفها عن أكبرهما كفر عنه ما ارتكبه لما استحق من الثواب على اجتناب الأكبر.\nولعل هذا مما يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال، ألا ترى أنه تعالى عاتب نبيه ﵊ في كثير من خطراته التي لم تعد على غيره خطيئة فضلًا عن أن يؤاخذه عليها. وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا الجنة وما وعد من الثواب، أو إدخالًا مع كرامة. وقرأ نافع هنا وفي الحج بفتح الميم وهو أيضًا يحتمل المكان والمصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>[سورة النساء (٤): آية ٣٢]</span>\nوَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)\nوَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ من الأمور الدنيوية كالجاه والمال، فلعل عدمه خير والمقتضي للمنع كونه ذريعة إلى التحاسد والتعادي، معربة عن عدم الرضا بما قسم الله له، وأنه تشه لحصول","vol":"2","page":71},{"text":"الشيء له من غير طلب وهو مذموم، لأن تمني ما لم يقدر له معارضة لحكمة القدر، وتمني ما قدر له بكسب بطالة وتضييع حظ، وتمني ما قدر له بغير كسب ضائع ومحال. لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ بيان لذلك أي لكل من الرجال والنساء فضل ونصيب بسبب ما اكتسب ومن أجله، فاطلبوا الفضل من الله تعالى بالعمل لا بالحسد، والتمني كما\nقال ﵊ «ليس الإِيمان بالتمني»\n. وقيل المراد نصيب الميراث وتفضيل الورثة بعضهم على بعض فيه، وجعل ما قسم لكل منهم على حسب ما عرف من حاله الموجبة للزيادة والنقص كالمكتسب له. وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أي لا تتمنوا ما للناس واسألوا الله مثله من خزائنه التي لا تنفذ. وهو يدل على أن المنهي عنه هو الحسد، أو لا تتمنوا واسألوا الله من فضله بما يقربه ويسوقه إليكم. وقرأ ابن كثير والكسائي وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ وسلهم فسل الذين وشبهه إذا كان أمرًا مواجهًا به، وقبل السين واو أو فاء بغير همز وحمزة في الوقف على أصله والباقون بالهمز. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا فهو يعلم ما يستحقه كل إنسان فيفضل عن علم وتبيان.\nروي (أن أم سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف الميراث ليتنا كنا رجالا) فنزلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>[سورة النساء (٤): آية ٣٣]</span>\nوَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)\nوَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي ولكل تركة جعلنا وراثًا يلونها ويحرزونها، ومما ترك بيان لكل مع الفصل بالعامل. أو لكل ميت جعلنا وراثًا مما ترك على أن من صلة موالي. لأنه في معنى الوارث، وفي ترك ضمير كل والوالدان والأقربون استئناف مفسر للموالي، وفيه خروج الأولاد فإن الأقربون لا يتناولهم كما لا يتناول الوالدين، أو لكل قوم جعلناهم موالي حظ مما ترك الوالدان والأقربون، على إن جعلنا موالي صفة كل والراجع إليه محذوف على هذا فالجملة من مبتدأ وخبر. وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ موالى الموالاة، كان الحليف يورث السدس من مال حليفه فنسخ بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقد على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث. أو الأزواج على أن العقد عقد النكاح وهو مبتدأ ضمن معنى الشرط وخبره. فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ أو منصوب بمضمر يفسره ما بعده كقولك: زيدًا فاضربه، أو معطوف على الوالدان، وقوله فآتوهم جملة مسببة عن الجملة المتقدمة مؤكدة لها، والضمير للموالي. وقرأ الكوفيون عَقَدَتْ بمعنى عقدت عهودهم إيمانكم فحذف العهود وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه ثم حذف كما حذف في القراءة الأخرى. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا تهديد على منع نصيبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>[سورة النساء (٤): آية ٣٤]</span>\nالرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)\nالرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية، وعلل ذلك بأمرين وهبي وكسبي فقال: بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بسبب تفضيله تعالى الرجال على النساء بكمال العقل وحسن التدبير، ومزيد القوة في الأعمال والطاعات، ولذلك خصوا بالنبوة والإِمامة والولاية وإقامة الشعائر، والشهادة في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد والجمعة ونحوها، والتعصيب وزيادة السهم في الميراث والاستبداد بالفراق. وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ في نكاحهن كالمهر والنفقة.\nروي (أن سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله ﷺ فشكى فقال","vol":"2","page":72},{"text":"رسول الله ﷺ: لتقتص منه، فنزلت فقال ﵊: «أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا والذي أراد الله خير» .\nفَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ مطيعات لله قائمات بحقوق الأزواج. حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ لمواجب الغيب أي يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال،\nوعنه ﵊: «خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها» . وتلا الآية.\nوقيل لأسرارهم. بِما حَفِظَ اللَّهُ بحفظ الله إياهن بالأمر على حفظ الغيب والحث عليه بالوعد والوعيد والتوفيق له، أو بالذي حفظه الله لهن عليهم من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذب عنهن. وقرئ بِما حَفِظَ اللَّهُ بالنصب على أن ما موصولة فإنها لو كانت مصدرية لم يكن لحفظ فاعل، والمعنى بالأمر الذي حفظ حق الله وطاعته وهو التعفف والشفقة على الرجال. وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ عصيانهن وترفعهن عن مطاوعة الأزواج من النشز. فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف، أو لا تباشروهن فيكون كناية عن الجماع. وقيل المضاجع المبايت أي لا تباينوهن وَاضْرِبُوهُنَّ يعني ضربًا غير مبرح ولا شائن، والأمور الثلاثة مرتبة ينبغي أن يتدرج فيها. فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا بالتوبيخ والإِيذاء، والمعنى فأزيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا فاحذروه فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم، أو أنه على علو شأنه يتجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عن أزواجكم، أو أنه يتعالى ويتكبر أن يظلم أحدًا أو ينقص حقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>[سورة النساء (٤): آية ٣٥]</span>\nوَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)\nوَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما خلافًا بين المرأة وزوجها، أضمرهما وإن لم يجر ذكرهما لجرى ما يدل عليهما وإضافة الشقاق إلى الظرف إما لإجرائه مجرى المفعول به كقوله: يَا سَارِقَ اللَّيْلَةَ أَهْلَ الدَّارِ. أو لفاعل كقولهم نهارك صائم. فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها فابعثوا أيها الحكام متى اشتبه عليكم حالهما لتبيين الأمر أو إصلاح ذات البين، رجلًا وسطًا يصلح للحكومة والإِصلاح من أهله وآخر من أهلها، فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح، وهذا على وجه الاستحباب فلو نصبا من الأجانب جاز.\nوقيل الخطاب للأزواج والزوجات، واستدل به على جواز التحكيم، والأظهر أن النصب لإصلاح ذات البين أو لتبيين الأمر ولا يليان الجمع والتفريق إلا بإذن الزوجين، وقال مالك لهما أن يتخالعا إن وجدا الصلاح فيه. إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما الضمير الأول للحكمين والثاني للزوجين، أي إن قصدا الإِصلاح أوقع الله بحسن سعيهما الموافقة بين الزوجين. وقيل كلاهما للحكمين أي إن قصدا الإِصلاح يوفق الله بينهما لتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما. وقيل للزوجين أي إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، وفيه تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتحراه أصلح الله مبتغاه. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا بالظواهر والبواطن، فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>[سورة النساء (٤): آية ٣٦]</span>\nوَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا (٣٦)\nوَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا صنمًا أو غيره، أو شيئًا من الإِشراك جليًا أو خفيًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وأحسنوا بهما إحسانًا. وَبِذِي الْقُرْبى وبصاحب القرابة. وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى","vol":"2","page":73},{"text":"أي الذي قرب جواره. وقيل الذي له الجوار قرب واتصال بسبب أو دين. وقرئ بالنصب على الاختصاص تعظيمًا لحقه. وَالْجارِ الْجُنُبِ البعيد، أو الذي لا قرابة له.\nوعنه ﵊: «الجيران ثلاثة.\nفجار له ثلاث حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإِسلام. وجار له حقان: حق الجوار وحق الإِسلام، وجار له حق واحد: حق الجوار وهو المشرك من أهل الكتاب» .\nوَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ الرفيق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر، فإنه صحبك وحصل بجنبك. وقيل المرأة. وَابْنِ السَّبِيلِ المسافر أو الضعيف. وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ العبيد والإِماء. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا متكبرًا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم. فَخُورًا يتفاخر عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>[سورة النساء (٤): آية ٣٧]</span>\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (٣٧)\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ بدل من قوله من كان، أو نصب على الذم أو رفع عليه أي هم الذين، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره الذين يبخلون بما منحوا به ويأمرون الناس بالبخل به. وقرأ حمزة والكسائي هاهنا وفي «الحديد» بِالْبُخْلِ بفتح الحرفين وهي لغة. وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الغنى والعلم فهم أحقاء بكل ملامة. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا وضع الظاهر فيه موضع المضمر إشعارًا بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعمة الله، ومن كان كافرًا لنعمة الله فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإِخفاء.\nوالآية نزلت في طائفة من اليهود كانوا يقولون للأنصار تنصيحًا: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر.\nوقيل في الذين كتموا صفة محمد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>[سورة النساء (٤): آية ٣٨]</span>\nوَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا (٣٨)\nوَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ عطف على الذين يبخلون، أو الكافرين. وإنما شاركهم في الذم والوعيد لأن البخل والسرف الذي هو الإِنفاق لا على من ينبغي من حيث إنهما طرفا إفراط وتفريط سواء في القبح واستجلاب الذم، أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا. وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ليتحروا بالإِنفاق مراضيه وثوابه وهم مشركو مكة. وقيل هم المنافقون. وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا تنبيه على أن الشيطان قرنهم فحملهم على ذلك وزينة لهم كقوله تعالى:\nإِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ. والمراد إبليس وأعوانه الداخلة والخارجة، ويجوز أن يكون وعيدًا لهم بأن يقرن بهم الشيطان في النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>[سورة النساء (٤): آية ٣٩]</span>\nوَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)\nوَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أي وما الذي عليهم، أو أي تبعة تحيق بهم بسبب الإِيمان والإِنفاق في سبيل الله، وهو توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة والاعتقاد في الشيء على خلاف ما هو عليه، وتحريض على الفكر لطلب الجواب لعله يؤدي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة، والعوائد الجميلة. وتنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطًا، فكيف إذا تضمن المنافع. وإنما قدّم الإيمان هاهنا وأخّره في الآية الأخرى لأن القصد بذكره إلى التخصيص هاهنا والتعليل ثم وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا وعيد لهم.","vol":"2","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-462>[سورة النساء (٤): آية ٤٠]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)\nإِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أصغر شيء كالذرة، وهي النملة الصغيرة. ويقال لكل جزء من أجزاء الهباء، والمثقال مفعال من الثقل، وفي ذكره إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاؤه. وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً وإن يكن مثقال الذرة حسنة وأنّث الضمير لتأنيث الخبر، أو لإضافة المثقال إلى مؤنث. وحذف النون من غير قياس تشبيهًا بحروف العلة. وقرأ ابن كثير ونافع حَسَنَةً بالرفع على كان التامة. يُضاعِفْها يضاعف ثوابها وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يضعفها وكلاهما بمعنى.\nوَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل زائدًا على ما وعد في مقابلة العمل أَجْرًا عَظِيمًا عطاء جزيلًا، وإنما سماه أجرًا لأنه تابع للأجر مزيد عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>[سورة النساء (٤): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nفَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)\nفَكَيْفَ أي فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم؟. إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ يعني نبيهم يشهد على فساد عقائدهم وقبح أعمالهم، والعامل في الظرف مضمون المبتدأ والخبر من هول الأمر وتعظيم الشأن. وَجِئْنا بِكَ يا محمد. عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا تشهد على صدق هؤلاء الشهداء لعلمك بعقائدهم، واستجماع شرعك مجامع قواعدهم. وقيل هؤلاء إشارة إلى الكفرة المستفهم عن حالهم. وقيل إلى المؤمنين كقوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.\nيَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ بيان لحالهم حينئذ، أي يود الذين جمعوا بين الكفر وعصيان الأمر، أو الكفرة والعصاة في ذلك الوقت أن يدفنوا فتسوى بهم الأرض كالموتى، أو لم يبعثوا أو لم يخلقوا وكانوا هم والأرض سواء. وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم. وقيل الواو للحال أي يودون أن تسوى بهم الأرض وحالهم أنهم لا يكتمون من الله حديثًا ولا يكذبونه بقولهم وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ إذ\nروي: أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم، فيشتد الأمر عليهم فيتمنون أن تسوى بهم الأرض.\nوقرأ نافع وابن عامر تُسَوَّى بِهِمُ على أن أصله تتسوى فأدغمت التاء في السين. وقرأ حمزة والكسائي تُسَوَّى على حذف التاء الثانية يقال سويته فتسوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>[سورة النساء (٤): آية ٤٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ أي لا تقوموا إليها وأنتم سكارى من نحو نوم أو خمر حتى تنتهوا وتعلموا ما تقولون في صلاتكم.\nروي (أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه صنع مأدبة ودعا نفرًا من الصحابة. حين كانت الخمر مباحة. فأكلوا وشربوا حتى ثملوا، وجاء وقت صلاة المغرب فتقدم أحدهم ليصلي بهم فقرأ: أعبد ما تعبدون) . فنزلت.\nوقيل أراد بالصلاة مواضعها وهي المساجد وليس المراد منه نهي السكران عن قربان الصلاة، وإنما المراد النهي عن الإِفراط في الشرب، والسكر من السكر وهو السد. وقرئ «سكارى» بالفتح وسكرى على أنه جمع كهلكى. أو مفرد بمعنى وأنتم قوم سكرى، أو جماعة سكرى وسكرى كحبلى على أنها صفة للجماعة. وَلا جُنُبًا عطف على","vol":"2","page":75},{"text":"قوله وَأَنْتُمْ سُكارى إذ الجملة في موضع النصب على الحال، والجنب الذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع، لأنه يجرى مجرى المصدر. إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ متعلق بقوله وَلا جُنُبًا، استثناء من أعم الأحوال أي لا تقربوا الصلاة جنبًا في عامة الأحوال إلا في السفر وذلك إذا لم يجد الماء وتيمم، ويشهد له تعقيبه بذكر التيمم، أو صفة لقوله جُنُبًا أي جنبًا غير عابري سبيل. وفيه دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث. ومن فسر الصلاة بمواضعها فسر عابري سبيل بالمجتازين فيها، وجوز الجنب عبور المسجد. وبه قال الشافعي ﵁. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: لا يجوز له المرور في المسجد إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق. حَتَّى تَغْتَسِلُوا غاية النهي عن القربان حال الجنابة، وفي الآية تنبيه على أن المصلي ينبغي أن يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه، ويزكي نفسه عما يجب تطهيرها عنه. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى مرضًا يخاف معه من استعمال الماء، فإن الواجد كالفاقد. أو مرضًا يمنعه عن الوصول إليه. أَوْ عَلى سَفَرٍ لا تجدونه فيه. أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين، وأصل الغائط المكان المطمئن من الأرض. أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ أو ماسستم بشرتهن ببشرتكم، وبه استدل الشافعي على أن اللمس ينقض الوضوء. وقيل: أو جامعتموهن. وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي المائدة «لمستم»، واستعماله كناية عن الجماع أقل من الملامسة. فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فلم تتمكنوا من استعماله، إذ الممنوع عنه كالمفقود. ووجه هذا التقسيم أن المترخص بالتيمم إما محدث أو جنب، والحالة المقتضية له في غالب الأمر مرض أو سفر. والجنب لما سبق ذكره اقتصر على بيان حاله والمحدث لما لم يجر ذكره ذكر من أسبابه ما يحدث بالذات وما يحدث بالعرض، واستغني عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب وبيان العذر مجملًا فكأنه قيل: وإن كنتم جنبًا مرضى أو على سفر أو محدثين جئتم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ. أي فتعمدوا شيئًا من وجه الأرض طاهرًا. ولذلك قالت الحنفية: لو ضرب المتيمم يده على حجر صلد ومسح به أجزأه. وقال أصحابنا لا بد من أن يعلق باليد شيء من التراب لقوله تعالى في المائدة فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ أي بعضه، وجعل من لابتداء الغاية تعسف إذ لا يفهم من نحو ذلك إلا التبعيض، واليد اسم للعضو إلى المنكب، وما\nروي أنه ﵊ تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه\n، والقياس على الوضوء دليل على أن المراد ها هنا وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا فلذلك يسر الأمر عليكم ورخص لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>[سورة النساء (٤): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا من رؤية البصر أي ألم تنظر إليهم، أو القلب. وعدي بإلى لتضمن معنى الانتهاء. نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ حظًا يسيرًا من علم التوراة لأن المراد أحبار اليهود. يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ يختارونها على الهدى، أو يستبدلونها به بعد تمكنهم منه، أو حصوله لهم بإنكار نبوة محمد ﷺ. وقيل:\nيأخذون الرشى ويحرفون التوراة. وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا أيها المؤمنون. السَّبِيلَ سبيل الحق.\nوَاللَّهُ أَعْلَمُ منكم. بِأَعْدائِكُمْ وقد أخبركم بعداوة هؤلاء وما يريدون بكم فاحذروهم. وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا يلي أمركم. وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا يعينكم فثقوا عليه واكتفوا به عن غيره. والباء تزاد في فاعل كفى لتوكيد الاتصال الإِسنادي بالاتصال الإضافي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>[سورة النساء (٤): آية ٤٦]</span>\nمِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (٤٦)","vol":"2","page":76},{"text":"مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ بيان للذين أوتوا نصيبًا فإنه يحتملهم وغيرهم، وما بينهما اعتراض أو بيان لأعدائكم أو صلة لنصيرًا. أي ينصركم من الذين هادوا ويحفظكم منهم، أو خبر محذوف صفته يحرفون.\nالْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ أي من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها. أو يؤولونه على ما يشتهون فيميلونه عما أنزل الله فيه. وقرئ «الكلم» بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف كلمة. وَيَقُولُونَ سَمِعْنا قولك. وَعَصَيْنا أمرك. وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ أي مدعوا عليك بلا سمعت لصمم أو موت، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، أو اسمع غير مسمع كلامًا ترضاه، أو اسمع كلامًا غير مسمع إياك لأن أذنك تنبو عنه فيكون مفعولًا به، أو اسمع غير مسمع مكروهًا من قولهم أسمعه فلان إذا سبه، وإنما قالوه نفاقًا. وَراعِنا انظرنا نكلمك أو نفهم كلامك.\nلَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ فتلا بها وصرفا للكلام إلى ما يشبه السب، حيث وضعوا راعنا المشابه لما يتسابون به موضع انظرنا وغير مسمع موضع لا أسمعت مكروهًا، أو فتلا بها وضمًا لما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرون من السب والتحقير نفاقًا. وَطَعْنًا فِي الدِّينِ استهزاء به وسخرية. وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا ولو ثبت قولهم هذا مكان ما قالوه. لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ لكان قولهم ذلك خيرًا لهم وأعدل، وإنما يجب حذف الفعل بعد لو في مثل ذلك لدلالة أن عليه ووقوعه موقعه. وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ولكن خذلهم الله وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم. فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي إلا إيمانًا قليلًا لا يعبأ به وهو الإِيمان ببعض الآيات والرسل، ويحتمل أن يراد بالقلة العدم كقوله:\nقَلِيلُ التَشَكِّي لِلْمُهِم يَصِيبُه أَو إِلا قليلًا منهم آمنوا أو سيؤمنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>[سورة النساء (٤): آية ٤٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها من قبل أن نمحو تخطيط صورها ونجعلها على هيئة أدبارها، يعني الأقفاء، أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا، أو في الآخرة. وأصل الطمس إزالة الأعلام المائلة وقد يطلق بمعنى الطلس في إزالة الصورة ولمطلق القلب والتغيير، ولذلك قيل معناه من قبل أن نغير وجوهًا فنسلب وجاهتها وإقبالها ونكسوها الصغار والإِدبار، أو نردها إلى حيث جاءت منه، وهي أذرعات الشام يعني إجلاء بني النضير، ويقرب منه قول من قال إن المراد بالوجوه الرؤساء، أو من قبل أن نطمس وجوهًا بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار ونصم الأسماع عن الإِصغاء إلى الحق بالطبع ونردها عن الهداية إلى الضلالة. أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ أو نخزيهم بالمسخ كما أخزينا به أصحاب السبت، أو نمسخهم مسخًا مثل مسخهم، أو نلعنهم على لسانك كما لعناهم على لسان داود. والضمير لأصحاب الوجوه أو للذين على طريقة الالتفات، أو للوجوه إن أريد به الوجهاء، وعطفه على الطمس بالمعنى الأول يدل على أن المراد به ليس مسخ الصورة في الدنيا ومن حمل الوعيد على تغيير الصورة في الدنيا قال إنه بعد مترقب أو كان وقوعه مشروطًا بعدم إيمانهم وقد آمن منهم طائفة. وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ بإيقاع شيء أو وعيده، أو ما حكم به وقضاه. مَفْعُولًا نافذًا وكائنًا فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم تؤمنوا.","vol":"2","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>[سورة النساء (٤): آية ٤٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)\nإِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ لأنه بت الحكم على خلود عذابه وأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره. وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ أي ما دون الشرك صغيرًا كان أو كبيرًا. لِمَنْ يَشاءُ تفضلًا عليه وإحسانًا. والمعتزلة علقوه بالفعلين على معنى إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ الشرك لمن يشاء. وهو من لم يتب ويغفر ما دونه لمن يشاء وهو من تاب. وفيه تقييد بلا دليل إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى منه ونقض لمذهبهم فإن تعليق الأمر بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة والصفح بعدها، فالآية كما هي حجة عليهم فهي حجة على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه خالد في النار. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا ارتكب ما يستحقر دونه الآثام، وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب، والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل وكذلك الاختلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>[سورة النساء (٤): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ يعني أهل الكتاب قالوا نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ\nوقيل: ناس من اليهود جاءوا بأطفالهم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: هل على هؤلاء ذنب قال لا قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار.\nوفي معناهم من زكى نفسه وأثنى عليها.\nبَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ تنبيه على أن تزكيته تعالى هي المعتد بها دون تزكية غيره، فإنه العالم بما ينطوي عليه الإِنسان من حسن وقبيح، وقد ذمهم وزكى المرتضين من عباده المؤمنين. وأصل التزكية نفي ما يستقبح فعلًا أو قولًا. وَلا يُظْلَمُونَ بالذم أو العقاب على تزكيتهم أنفسهم بغير حق. فَتِيلًا أدنى ظلم وأصغره، وهو الخيط الذي في شق النواة يضرب به المثل في الحقارة.\nانْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في زعمهم أنهم أبناء الله وأزكياء عنده. وَكَفى بِهِ بزعمهم هذا أو بالافتراء. إِثْمًا مُبِينًا لا يخفى كونه مأثمًا من بين آثامهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>[سورة النساء (٤): آية ٥١]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ نزلت في يهود كانوا يقولون إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعوهم إليه محمد. وقيل في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف في جمع من اليهود خرجوا إلى مكة يحالفون قريشًا على محاربة رسول الله ﷺ فقالوا: أنتم أهل كتاب وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا. والجبت في الأصل اسم صنم فاستعمل في كل ما عبد من دون الله. وقيل أصله الجبس وهو الذي لا خير فيه فقلبت سينه تاء. والطاغوت يطلق لكل باطل من معبود أو غيره. وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا لأجلهم وفيهم. هؤُلاءِ إشارة إليهم.\nأَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أقوم دينًا وأرشد طريقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>[سورة النساء (٤): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)","vol":"2","page":78},{"text":"أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا يمنع العذاب منه بشفاعة أو غيرها.\nأَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ أَمْ منقطعة ومعنى الهمزة إنكار أن يكون لهم نصيب من الملك وجحد لما زعمت اليهود من أن الملك سيصير إليهم. فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون أحدًا ما يوازي نقيرا، وهو النقرة في ظهر النواة. وهذا هو الإغراق في بيان شحهم فإنهم إن بخلوا بالنقير وهم ملوك فما ظنك بهم إذا كانوا فقراء أذلاء متفاقرين، ويجوز أن يكون المعنى إنكار أنهم أوتوا نصيبًا من الملك على الكناية، وأنهم لا يؤتون الناس شيئًا وإذا وقع بعد الواو والفاء لا لتشريك مفرد جاز فيه الإلغاء والإِعمال، ولذلك قرئ فإذًا لا يؤتوا الناس على النصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>[سورة النساء (٤): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nأَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)\nأَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ بل أيحسدون رسول الله ﷺ وأصحابه، أو العرب، أو الناس جميعًا لأن من حسد على النبوة فكأنما حسد الناس كلهم كمالهم. ورشدهم وبخهم وأنكر عليهم الحسد كما ذمهم على البخل وهما شر الرذائل وكأن بينهما تلازمًا وتجاذبًا. عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني النبوة والكتاب والنصرة والإِعزاز وجعل النبي الموعود منهم. فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الذين هم أسلاف محمد ﷺ وأبناء عمه. الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ النبوة. وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فلا يبعد أن يؤتيه الله مثل ما آتاهم.\nفَمِنْهُمْ من اليهود. مَنْ آمَنَ بِهِ بمحمد ﷺ أو بما ذكر من حديث آل إبراهيم. وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ أعرض عنه ولم يؤمن به وقيل معناه فمن آل إبراهيم من آمن به ومنهم من كفر ولم يكن في ذلك توهين أمره فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك. وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا نارًا مسعورة يعذبون بها أي إن لم يعجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>[سورة النساء (٤): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًاّ ظَلِيلًا (٥٧)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كالبيان والتقرير لذلك. كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى كقولك: بدلت الخاتم قرطًا، أو بأن يزال عنه أثر الإِحراق ليعود إحساسه للعذاب كما قال: لِيَذُوقُوا الْعَذابَ أي ليدوم لهم ذوقه. وقيل يخلق لهم مكانه جلد آخر والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية المدركة لا لآلة إدراكها فلا محذور. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا لا يمتنع عليه ما يريده. حَكِيمًا يعاقب على وفق حكمته.\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قدم ذكر الكفار ووعيدهم على ذكر المؤمنين ووعدهم لأن الكلام فيهم، وذكر المؤمنين بالعرض. لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا فينانا لا جوب فيه ودائمًا لا تنسخه الشمس، وهو إشارة إلى النعمة التامة الدائمة. والظليل صفة مشتقة من الظل لتأكيده كقولهم: شمس شامس وليل أليل ويوم أيوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>[سورة النساء (٤): آية ٥٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها خطاب يعم المكلفين والأمانات،\nوإن نزلت يوم الفتح في","vol":"2","page":79},{"text":"عثمان بن طلحة بن عبد الدار لما أغلق باب الكعبة، وأبى أن يدفع المفتاح ليدخل فيها رسول الله وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى على كرم الله وجهه يده وأخذه منه وفتح، فدخل رسول الله ﷺ وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس ﵁ أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة. فنزلت فأمره الله أن يرده إليه، فأمر عليا ﵁ أن يرده ويعتذر إليه\n، وصار ذلك سببًا لإِسلامه ونزل الوحي بأن السدانة في أولاده أبدًا وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ أي وأن تحكموا بالإِنصاف والسوية إذا قضيتم بين من ينفذ عليه أمركم، أو يرضى بحكمكم ولأن الحكم وظيفة الولاة قيل الخطاب لهم. إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي نعم شيئًا يعظكم به، أو نعم الشيء الذي يعظكم به فما منصوبة موصوفة يعظكم به. أو مرفوعة موصولة به. والمخصوص بالمدح محذوف وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكومات. إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا بأقوالكم وأحكامكم وما تفعلون في الأمانات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>[سورة النساء (٤): آية ٥٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ يريد بهم أمراء المسلمين في عهد الرسول ﷺ وبعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية. أمر الناس بطاعتهم بعد ما أمرهم بالعدل تنبيهًا على أن وجوب طاعتهم ما داموا على الحق. وقيل علماء الشرع لقوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ. فَإِنْ تَنازَعْتُمْ أنتم وأولو الأمر منكم. فِي شَيْءٍ من أمور الدين، وهو يؤيد الوجه الأول إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس إلا أن يقال الخطاب لأولي الأمر على طريقة الالتفات. فَرُدُّوهُ فراجعوا فيه. إِلَى اللَّهِ إلى كتابه. وَالرَّسُولِ بالسؤال عنه في زمانه، والمراجعة إلى سنته بعده. واستدل به منكر والقياس وقالوا: إنه تعالى أوجب رد المختلف إلى الكتاب والسنة دون القياس. وأجيب بأن رد المختلف إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه وهو القياس، ويؤيد ذلك الأمر به بعد الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله فإنه يدل على أن الأحكام ثلاثة مثبت بالكتاب ومثبت بالسنة ومثبت بالرد إليهما على وجه القياس. إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَإِن الإِيمان يوجب ذلك. ذلِكَ أي الرد. خَيْرٌ لكم. وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا عاقبة أو أحسن تأويلًا من تأويلكم بلا رد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>[سورة النساء (٤): آية ٦٠]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (٦٠)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ\nعن ابن عباس ﵄. (أن منافقًا خاصم يهوديًا فدعاه اليهودي إلى النبي ﷺ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ثم إنهما احتكما إلى رسول الله ﷺ، فحكم لليهودي فلم يرض المنافق بقضائه وقال: نتحاكم إلى عمر فقال اليهودي لعمر: قضى لي رسول الله ﷺ فلم يرض بقضائه وخاصم إليك، فقال عمر رضي الله تعالى عنه للمنافق: أكذلك. فقال نعم. فقال: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد وقال: هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء الله ورسوله) فنزلت\n. وقال جبريل إن عمر قد فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق، والطاغوت على هذا كعب بن الأشرف وفي معناه من يحكم بالباطل ويؤثر لأجله، سمي بذلك لفرط طغيانه أو لتشبهه بالشيطان، أو لأن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنه الحامل عليه كما قال. وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا وقرئ أن «يكفروا بها» على أن الطاغوت جمع كقوله تعالى أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ.","vol":"2","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>[سورة النساء (٤): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ وقرئ «تَعَالَوْاْ» بضم اللام على أنه حذف لام الفعل اعتباطًا ثم ضم اللام لواو الضمير. رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا هو مصدر أو اسم للمصدر الذي هو الصد، والفرق بينه وبين السد أنه غير محسوس والسد محسوس ويصدون في موضع الحال.\nفَكَيْفَ يكون حالهم. إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ كقتل عمر المنافق أو النقمة من الله تعالى. بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من التحاكم إلى غيرك وعدم الرضى بحكمك. ثُمَّ جاؤُكَ حين يصابون للاعتذار، عطف على أصابتهم. وقيل على يصدون وما بينهما اعتراض. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ حال. إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا ما أردنا بذلك إلا الفصل بالوجه الأحسن والتوفيق بين الخصمين، ولم نرد مخالفتك. وقيل جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>[سورة النساء (٤): آية ٦٣]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)\nأُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من العقاب.\nفَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم أو عن قبول معذرتهم. وَعِظْهُمْ بلسانك وكفهم عما هم عليه. وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أي في معنى أنفسهم أو خاليا بهم فطن النصح في السر أنجع. قَوْلًا بَلِيغًا يبلغ منهم ويؤثر فيهم، أمره بالتجافي عن ذنوبهم والنصح لهم والمبالغة فيه بالترغيب والترهيب، وذلك مقتضى شفقة الأنبياء ﵈، وتعليق الظرف ببليغا على معنى بليغًا في أنفسهم مؤثرًا فيها ضعيف لأن معمول الصفة لا يتقدم على الموصوف، والقول البليغ في الأصل هو الذي يطابق مدلوله المقصود به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>[سورة النساء (٤): آية ٦٤]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ بسبب إذنه في طاعته وأمره المبعوث إليهم بأن يطيعوه، وكأنه احتج بذلك على أن الذي لم يرض بحكمه وإن أظهر الإسلام كان كافرًا مستوجب القتل، وتقريره أن إرسال الرسول لما لم يكن إلا ليطاع كان من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته ومن كان كذلك كان كافرًا مستوجب القتل. وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالنفاق أو التحاكم إلى الطاغوت. جاؤُكَ تائبين من ذلك وهو خبر أن وإذ متعلق به. فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ بالتوبة والإِخلاص. وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ واعتذروا إليك حتى انتصبت لهم شفيعًا، وإنما عدل الخطاب تفخيمًا لشأنه وتنبيهًا على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائب وإن عظم جرمه ويشفع له، ومن منصبه أن يشفع في كبائر الذنوب. لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا لعلموه قابلًا لتوبتهم متفضلًا عليهم بالرحمة، وإن فسر وجد بصادف كان توابًا حالًا ورحيمًا بدلًا منه أو حالًا من الضمير فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>[سورة النساء (٤): آية ٦٥]</span>\nفَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)","vol":"2","page":81},{"text":"فَلا وَرَبِّكَ أي فوربك، ولا مزيدة لتأكيد القسم لا لتظاهر لا في قوله: لاَ يُؤْمِنُونَ لأنها تزاد أيضًا في الإثبات كقوله تعالى: لاَ أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ. حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ فيما اختلف بينهم واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه. ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ضيقًا مما حكمت به، أو من حكمك أو شكًا من أجله، فإن الشاك في ضيق من أمره. وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وينقادوا لك انقيادا بظاهرهم وباطنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>[سورة النساء (٤): آية ٦٦]</span>\nوَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)\nوَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ تعرضوا بها للقتل في الجهاد، أو اقتلوها كما قتل بنو إسرائيل وأن مصدرية أو مفسرة لأن كتبنا في معنى أمرنا. أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ خروجهم حين استتيبوا من عبادة العجل، وقرأ أبو عمرو ويعقوب أَنِ اقْتُلُوا بكسر النون على أصل التحريك، أَوِ اخْرُجُوا بضم الواو للاتباع والتشبيه بواو الجمع في نحو قوله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ وقرأ حمزة وعاصم بكسرهما على الأصل والباقون بضمهما إجراء لهما مجرى الهمزة المتصلة بالفعل. مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ إلا أناس قليل وهم المخلصون. لما بين أن إيمانهم لا يتم إلا بأن يسلموا حق التسليم، نبه على قصور أكثرهم ووهن إسلامهم، والضمير للمكتوب ودل عليه كتبنا، أو لأحد مصدري الفعلين. وقرأ ابن عامر بالنصب على الاستثناء أو على إلا فعلًا قليلًا. وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ من متابعة الرسول ﷺ مطاوعته طوعًا ورغبة. لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ في عاجلهم وآجلهم. وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا في دينهم لأنه أشد لتحصيل العلم ونفي الشك أو تثبيتًا لثواب أعمالهم ونصبه على التمييز. والآيه أيضًا مما نزلت في شأن المنافق واليهودي. وقيل إنها والتي قبلها نزلتا في حاطب بن أبي بلتعة خاصم زبيرًا في شراج من الجرة كانا يسقيان بها النخل،\nفقال ﵊: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال حاطب: لأن كان ابن عمتك. فقال ﵊ اسق يا زبير ثم احبس الماء إلى الجدر واستوف حقك، ثم أرسله إلى جارك» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>[سورة النساء (٤): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nوَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)\nوَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا جواب لسؤال مقدر كأنه قيل وما يكون لهم بعد التثبيت فقال وإذا لو تثبتوا لآتيناهم لأن إِذًا جواب وجزاء.\nوَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا يصلون بسلوكه جناب القدس ويفتح عليهم أبواب الغيب،\nقال النبي ﷺ «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>[سورة النساء (٤): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)\nوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مزيد ترغيب في الطاعة بالوعد عليها مرافقة أكرم الخلائق وأعظمهم قدرًا. مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ بيان للذين أو حال منه، أو من ضميره قسمهم أربعة بحسب منازلهم في العلم والعمل، وحث كافة الناس على أن لا يتأخروا عنهم، وهم:\nالأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل المتجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل. ثم الصديقون الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان، حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليها. ثم الشهداء الذين أدى بهم الحرص على الطاعة والجد","vol":"2","page":82},{"text":"في إظهار الحق حتى بذلوا مهجهم في إعلاء كلمة الله تعالى. ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته وأموالهم في مرضاته. ولك أن تقول المنعم عليهم هم العارفون بالله وهؤلاء إما أن يكونوا بالغين درجة العيان أو واقفين في مقام الاستدلال والبرهان. والأولون إما أن ينالوا مع العيان القرب بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريبًا وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو لا فيكونون كمن يرى الشيء بعيدًا وهم الصديقون، والآخرون إما أن يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة وهم العلماء الراسخون في العلم الذين هم شهداء الله في أرضه، وإما أن يكون بأمارات وإقناعات تطمئن إليها نفوسهم وهم الصالحون. وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا في معنى التعجب، ورَفِيقًا نصب على التمييز أو الحال ولم يجمع لأنه يقال للواحد والجمع كالصديق، أو لأنه أريد وحسن كل واحد منهم رفيقًا.\nروي أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أتاه يومًا وقد تغير وجهه ونحل جسمه، فسأله عن حاله فقال: ما بي من وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك لأني عرفت أنك ترتفع مع النبيين وإن أدخلت الجنة كنت في منزل دون منزلك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدًا) فنزلت.\nذلِكَ مبتدأ إشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة المنعم عليهم، أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم. الْفَضْلُ صفته. مِنَ اللَّهِ خبره أو الفضل خبره ومن الله حال والعامل فيه معنى الإِشارة. وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا بجزاء من أطاعه، أو بمقادير الفضل واستحقاق أهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>[سورة النساء (٤): الآيات ٧١ الى ٧٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ تيقظوا واستعدوا للأعداء، والحذر والحذر كالأثر والأثر. وقيل ما يحذر به كالحزم والسلاح. فَانْفِرُوا فاخرجوا إلى الجهاد. ثُباتٍ جماعات متفرقة، جمع ثبة من ثبيت على فلان تثبية إذا ذكرت متفرق محاسنه ويجمع أيضًا على ثبين جبرًا لما حذف من عجزه. أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا مجتمعين كوكبة واحدة، والآية وإن نزلت في الحرب لكن يقتضي إطلاق لفظها وجوب المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات.\nوَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ الخطاب لعسكر رسول الله ﷺ المؤمنين منهم والمنافقين والمبطئون منافقوهم تثاقلوا وتخلفوا عن الجهاد، من بطأ بمعنى أبطأ وهو لازم أو ثبطوا غيرهم كما ثبط ابن أبي ناسًا يوم أحد، من بطأ منقولًا من بطؤ كثقل من ثقل واللام الأولى للابتداء دخلت اسم إن للفصل بالخبر، والثانية جواب قسم محذوف والقسم بجوابه صلة من والراجع إليه ما استكن في ليبطئن والتقدير: وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن. فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ كقتل وهزيمة. قالَ أي المبطئ. قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا حاضرًا فيصيبني ما أصابهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>[سورة النساء (٤): آية ٧٣]</span>\nوَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)\nوَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ كفتح وغنيمة. لَيَقُولَنَّ أكده تنبيهًا على فرط تحسره، وقرئ بضم اللام إعادة للضمير إلى معنى مِنَ. كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ اعتراض بين الفعل ومفعوله وهو. يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا للتنبيه على ضعف عقيدتهم، وأن قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه، وإنما يريد أن يكون معكم لمجرد المال، أو حال من الضمير في ليقولن أو داخل في المقول أي يقول المبطئ لمن يبطئه من المنافقين، وضعفه المسلمين تضريبًا وحسدًا، كأن لم يكن بينكم وبين محمد ﷺ مودة","vol":"2","page":83},{"text":"حيث لم يستعن بكم فتفوزوا بما فاز يا ليتني كنت معهم. وقيل: إنه متصل بالجملة الأولى وهو ضعيف، إذ لا يفصل أبعاض الجملة بما لا يتعلق بها لفظًا ومعنى وكأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وهو محذوف. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب تَكُنْ بالتاء لتأنيث لفظ المودة، والمنادى في يا ليتني محذوف أي: يا قوم وقيل يا أطلق للتنبيه على الاتساع فأفوز نصب على جواب التمني وقرئ بالرفع على تقدير فأنا أفوز في ذلك الوقت، أو العطف على كنت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>[سورة النساء (٤): آية ٧٤]</span>\nفَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)\nفَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ أي الذين يبيعونها بها، والمعنى إن بطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة، أو الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة وهم المبطئون، والمعنى حثهم على ترك ما حكي عنهم. وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا وعد له الأجر العظيم غَلَبَ أو غُلِبَ، ترغيبًا في القتال وتكذيبًا لقولهم قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا وإنما قال فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ تنبيهًا على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتى يعز نفسه بالشهادة أو الدين، بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاء الحق وإعزاز الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>[سورة النساء (٤): آية ٧٥]</span>\nوَما لَكُمْ لاَ تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)\nوَما لَكُمْ مبتدأ وخبر. لاَ تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حال والعامل فيها ما في الظرف من معنى الفعل.\nوَالْمُسْتَضْعَفِينَ عطف على اسم الله تعالى أي وفي سبيل المستضعفين، وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدو، أو على سبيل بحذف المضاف أي وفي خلاص المستضعفين، ويجوز نصبه على الاختصاص فإن سبيل الله تعالى يعم أبواب الخير، وتخليص ضعفة المسلمين من أيدي الكفار أعظمها وأخصها. مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ بيان للمستضعفين وهم المسلمون الذين بقوا بمكة لصد المشركين، أو ضعفهم عن الهجرة مستذلين ممتحنين، وإنما ذكر الولدان مبالغة في الحث وتنبيهًا على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبيان، وأن دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدعاء حتى يشاركوا في استنزال الرحمة واستدفاع البلية.\nوقيل المراد به العبيد والإِماء وهو جمع وليد. الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا فاستجاب الله دعاءهم بأن يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة وجعل لمن بقي منهم خير ولي وناصر بفتح مكة على نبيه ﷺ، فتولاهم ونصرهم ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها، والقرية مكة والظالم صفتها، وتذكيره لتذكير ما أسند إليه فإن اسم الفاعل أو المفعول إذا جرى على غير من هو له كان كالفعل يذكر ويؤنث على حسب ما عمل فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>[سورة النساء (٤): آية ٧٦]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا (٧٦)\nالَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فيما يصلون به إلى الله ﷾. وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فيما يبلغ بهم إلى الشيطان. فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ لما ذكر مقصد الفريقين أمر أولياءه أن يقاتلوا أولياء الشيطان ثم شجعهم بقوله: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا أي إن كيده للمؤمنين بالإِضافة إلى","vol":"2","page":84},{"text":"كيد الله ﷾ للكافرين، ضعيف لا يؤبه به فلا تخافوا أولياءه، فإن اعتمادهم على أضعف شيء وأوهنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>[سورة النساء (٤): آية ٧٧]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ أي عن القتال. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ واشتغلوا بما أمرتم به. فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ يخشون الكفار أن يقتلوهم كما يخشون الله أن ينزل عليهم بأسه، وإذا للمفاجأة جواب لما وفريق مبتدأ منهم صفته ويخشون خبره وكخشية الله من إضافة المصدر إلى المفعول، وقع موقع المصدر أو الحال من فاعل يخشون على معنى، يخشون الناس مثل أهل خشية الله منه. أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً عطف عليه إن جعلته حالًا وإن جعلته مصدرًا فلا، لأن أفعل التفضيل إذا نصب ما بعده لم يكن من جنسه بل هو معطوف على اسم الله تعالى أي: وكخشية الله تعالى أو كخشية أشد خشية منه، على الفرض اللهم إلا أن تجعل الخشية ذات خشية كقولهم: جد جده على معنى يخشون الناس خشية مثل خشية الله تعالى، أو خشية أشد خشية من خشية الله. وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ استزادة في مدة الكف عن القتال حذرًا عن الموت، ويحتمل أنهم ما تفوهوا به ولكن قالوا في أنفسهم فحكى الله تعالى عنهم. قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ سريع التقضي وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي ولا تنقصون أدنى شيء من ثوابكم فلا ترغبوا عنه، أو من آجالكم المقدرة.\nوقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وَلاَ يُظْلَمُونَ لتقدم الغيبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>[سورة النساء (٤): آية ٧٨]</span>\nأَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)\nأَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ قرئ بالرفع على حذف الفاء كما في قوله:\nمَنْ يفعل الحسنات الله يشكرها أو على أنه كلام مبتدأ، وأينما متصل ب لاَ تُظْلَمُونَ. وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ في قصور أو حصون مرتفعة، والبروج في الأصل بيوت على أطراف القصور، من تبرجت المرأة إذا ظهرت. وقرئ مشيدة بكسر الياء وصفًا لها بوصف فاعلها كقولهم: قصيدة شاعرة، ومشيدة من شاد القصر إذا رفعه. وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ كما تقع الحسنة والسيئة على الطاعة والمعصية يقعان على النعمة والبلية، وهما المراد في الآية أي: وإن تصبهم نعمة كخصب نسبوها إلى الله ﷾، وإن تصبهم بلية كقحط أضافوها إِليك وقالوا إن هي إلا بشؤمك كما قالت اليهود: منذ دخل محمد المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها. قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي يبسط ويقبض حسب إرادته. فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا يوعظون به، وهو القرآن فإنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أن الكل من عند الله ﷾، أو حديثًا ما كبهائم لا أفهام لها أو حادثًا من صروف الزمان فيفتكرون فيه فيعملون أن القابض والباسط هو الله ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>[سورة النساء (٤): آية ٧٩]</span>\nما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)","vol":"2","page":85},{"text":"مَا أَصابَكَ يا إنسان. مِنْ حَسَنَةٍ مّن نّعْمَةٍ. فَمِنَ اللَّهِ أي تفضلًا منه، فإن كل ما يفعله الإِنسان من الطاعة لا يكافئ نعمة الوجود، فكيف يقتضي غيره، ولذلك\nقال ﵊: «ما يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى. قيل ولا أنت قال: ولا أنا» .\nوَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ من بلية. فَمِنْ نَفْسِكَ لأنها السبب فيها لاستجلابها بالمعاصي، وهو لا ينافي قوله ﷾: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فإن الكل منه إيجادًا وإيصالًا غير أن الحسنة إحسان وامتنان والسيئة مجازاة وانتقام كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها «ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله أكثر» . والآيتان كما ترى لا حجة فيهما لنا وللمعتزلة. وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا حال قصد بها التأكيد إن علق الجار بالفعل والتعميم إن علق بها أي رسولًا للناس جميعًا كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ويجوز نصبه على المصدر كقوله: وَلاَ خَارِجًا مِنْ فيَّ زُور كَلاَمِ. وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا على رسالتك بنصب المعجزات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>[سورة النساء (٤): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)\nمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ لأنه ﵊ في الحقيقة مبلغ، والأمر هو الله ﷾.\nروي (أنه ﵊ قال: «من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله» . فقال:\nالمنافقون لقد قارف الشرك وهو ينهى عنه، ما يريد إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربًا) فنزلت.\nوَمَنْ تَوَلَّى عن طاعته. فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب وهو حال من الكاف.\nوَيَقُولُونَ إذا أمرتهم بأمر. طاعَةٌ أي أمرنا أو منا طاعة، وأصلها النصب على المصدر ورفعها للدلالة على الثبات. فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ خرجوا. بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ أي زورت خلاف ما قلت لها، أو ما قالت لك من القبول وضمان الطاعة، والتبييت إما من البيتوتة لأن الأمور تدبر بالليل، أو من بيت الشعر، أو البيت المبني لأنه يسوي ويدبر. وقرأ أبو عمرو وحمزة بَيَّتَ طائِفَةٌ بالإِدغام لقربهما في المخرج. وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ يثبته في صحائفهم للمجازاة، أو في جملة ما يوحى إليك لتطلع على أسرارهم. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ قلل المبالاة بهم أو تجاف عنهم. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في الأمور كلها سيما في شأنهم. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>[سورة النساء (٤): آية ٨٢]</span>\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (٨٢)\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يتأملون في معانيه ويتبصرون ما فيه، وأصل التدبر النظر في أدبار الشيء. وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ أي ولو كان من كلام البشر كما تزعم الكفار. لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا من تناقض المعنى وتفاوت النظم، وكان بعضه فصيحًا وبعضه ركيكًا، وبعضه يصعب معارضته وبعضه يسهل، ومطابقة بعض أخباره المستقبلة للواقع دون بعض، وموافقة العقل لبعض أحكامه دون بعض، على ما دل عليه الاستقراء لنقصان القوة البشرية. ولعل ذكره ها هنا للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم بل لاختلاف الأحوال في الحكم والمصالح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>[سورة النساء (٤): آية ٨٣]</span>\nوَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلًا (٨٣)","vol":"2","page":86},{"text":"وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ مما يوجب الأمن أو الخوف. أَذاعُوا بِهِ أفشوه كما كان يفعله قوم من ضعفة المسلمين إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله ﷺ، أو أخبرهم الرسول ﷺ بما أوحى إليه من وعد بالظفر، أو تخويف من الكفرة أذاعوا به لعدم حزمهم فكانت إذاعتهم مفسدة. والباء مزيدة أو لتضمن الإِذاعة معنى التحدث. وَلَوْ رَدُّوهُ أي ولو ردوا ذَلك الخبر. إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ إلى رأيه ورأي كبار أصحابه البصراء بالأمور، أو الأمراء. لَعَلِمَهُ لَعلم ما أخبروا به على أي وجه يذكر. الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ يستخرجون تدابيره بتجاربهم وأنظارهم. وقيل كانوا يسمعون أراجيف المنافقين فيذيعونها فتعود وبالًا على المسلمين، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم حتى يسمعوه منهم وتعرفوا أنه هل يذاع لعلم ذلك من هؤلاء الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي: يستخرجون علمه من جهتهم، وأصل الاستنباط إخراج النبط: وهو الماء، يخرج من البئر أول ما يحفر. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بإرسال الرسول وإنزال الكتاب. لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ والكفر والضلال. إِلَّا قَلِيلًا أي إِلا قليلًا منكم تفضل الله عليه بعقل راجح اهتدى به إلى الحق والصواب، وعصمه عن متابعة الشيطان كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل. أو إلا اتباعًا قليلًا على الندور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>[سورة النساء (٤): آية ٨٤]</span>\nفَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)\nفَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أن تثبطوا وتركوك وحدك. لاَ تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ إلا فعل نفسك لا يضرك مخالفتهم وتقاعدهم، فتقدم إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد فإن الله ناصرك لا الجنود.\nروي (أنه ﵊ دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج فكرهه بعضهم فنزلت. فخرج ﵊ وما معه إلا سبعون لم يلو على أحدٍ) .\nوقرئ «لا تُكَلَّف» بالجزم، و«لا نكلف» بالنون على بناء الفاعل أي لا نكلفك إلا فعل نفسك، لا أنا لا نكلف أحدًا إلا نفسك لقوله: وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ على القتال إذ ما عليك في شأنهم إلا التحريض عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني قريشًا، وقد فعل بأن ألقى في قلوبهم الرعب حتى رجعوا. وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا من قريش. وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا تعذيبًا منهم، وهو تقريع وتهديد لمن لم يتبعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>[سورة النساء (٤): آية ٨٥]</span>\nمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)\nمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً راعى بها حق مسلم ودفع بها عنه ضرًا أو جلب إليه نفعًا ابتغاء لوجه الله تعالى، ومنها الدعاء لمسلم\nقال ﵊: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك» .\nيَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وهو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير الواقع بها. وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يريد بها محرمًا. يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها نصيب من وزرها مساوٍ لها في القدر. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا مقتدرًا من أقات على الشيء إذا قدر قال:\nوَذِي ضُغْنٍ كَفَفْتُ الضُغْنَ عَنْه ... وَكُنْتُ عَلَى مَسَاءَتِهِ مُقِيتا\nأو شهيدًا حافظًا، واشتقاقه من القوت فإنه يقوي البدن ويحفظه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>[سورة النساء (٤): آية ٨٦]</span>\nوَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)\nوَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها الجمهور على أنه في السلام، ويدل على وجوب الجواب إما بأحسن منه وهو أن يزيد عليه ورحمة الله، فإن قاله المسلم زاد وبركاته وهي النهاية وإما برد مثله","vol":"2","page":87},{"text":"لما\nروي (أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: السلام عليك. فقال: وعليك السلام ورحمة الله. وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته.\nفقال: وعليك. فقال الرجل: نقصتني فأين ما قال الله تعالى وتلا الآية. فقال ﷺ: إنك لم تترك لي فضلا فرددت عليك مثله.\nوذلك لاستجماعه أقسام المطالب السلامة عن المضار وحصول المنافع وثباتها ومنه قيل، أو للترديد بين أن يحيي المسلم ببعض التحية وبين أن يحيي بتمامها، وهذا الوجوب على الكفاية وحيث السلام مشروع فلا يرد في الخطبة، وقراءة القرآن، وفي الحمام، وعند قضاء الحاجة ونحوها. والتحية في الأصل مصدر حياك الله على الإِخبار من الحياة، ثم استعمل للحكم والدعاء بذلك، ثم قيل لكل دعاء فغلب في السلام. وقيل المراد بالتحية العطية وواجب الثواب أو الرد على المتهب، وهو قول قديم للشافعي رضي الله تعالى عنه. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا يحاسبكم على التحية وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>[سورة النساء (٤): آية ٨٧]</span>\nاللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)\nاللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ مبتدأ وخبر، أو اللَّهُ مبتدأ والخبر لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي الله، والله ليحشرنكم من قبوركم إلى يوم القيامة، أو مفضين إليه أو في يوم القيامة، ولا إله إلا هو، اعتراض. والقيام والقيامة كالطلاب والطلابة وهي قيام الناس من القبور أو للحساب. لاَ رَيْبَ فِيهِ في اليوم أو في الجمع فهو حال من اليوم، أو صفة للمصدر وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا إنكار أن يكون أحد أكثر صدقًا منه، فإنه لا يتطرق الكذب إلى خبره بوجه لأنه نقص وهو على الله محال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>[سورة النساء (٤): آية ٨٨]</span>\nفَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)\nفَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فما لكم تفرقتم في أمر المنافقين. فِئَتَيْنِ أي فرقتين ولم تتفقوا على كفرهم، وذلك أن ناسًا منهم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا رحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم. وقيل نزلت في المتخلفين يوم أحد، أو في قوم هاجروا ثم رجعوا معتلين باجتواء المدينة والاشتياق إلى الوطن، أو قوم أظهروا الإِسلام وقعدوا عن الهجرة. وفِئَتَيْنِ حال عاملها لكم كقولك: ما لك قائما. وفِي الْمُنافِقِينَ حال من فِئَتَيْنِ أي متفرقتين فيهم، أو من الضمير أي فما لكم تفترقون فيهم، ومعنى الافتراق مستفاد من فِئَتَيْنِ. وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ردهم إلى حكم الكفرة، أو نكسهم بأن صيرهم للنار. وأصل الركس رد الشيء مقلوبًا. أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أن تجعلوه من المهتدين. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا إلى الهدى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>[سورة النساء (٤): آية ٨٩]</span>\nوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٨٩)\nوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا تمنوا أن تكفروا ككفرهم. فَتَكُونُونَ سَواءً فتكونون معهم سواء في الضلال، وهو عطف على تكفرون ولو نصب على جواب التمني لجاز. فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فلا توالوهم حتى يؤمنوا وتتحققوا إيمانهم بهجرة هي لله ورسوله لا لأغراض الدنيا، وسبيل الله ما أمر بسلوكه. فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإِيمان الظاهر بالهجرة أو عن إظهار الإِيمان. فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ","vol":"2","page":88},{"text":"وَجَدْتُمُوهُمْ\nكسائر الكفرة. وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا أي جانبوهم رأسًا ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>[سورة النساء (٤): آية ٩٠]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)\nإِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ استثناء من قوله فخذوهم واقتلوهم أي: إلا الذين يتصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم، ويفارقون محاربتكم. والقوم هم خزاعة. وقيل: هم الأسلميون فإنه ﵊ وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن لجأ إليه فله من الجوار مثل ماله. وقيل بنو بكر بن زيد مناة. أَوْ جاؤُكُمْ عطف على الصلة، أي أو الذين جاءوكم كافين عن قتالكم وقتال قومهم، استثنى من المأمور بأخذهم وقتلهم من ترك المحاربين فلحق بالمعاهدين، أو أتى الرسول ﷺ وكف عن قتال الفريقين، أو على صفة قوم وكأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم كافين عن القتال لكم وعليكم. والأول أظهر لقوله فإن اعتزلوكم. وقرئ بغير العاطف على أنه صفة بعد صفة أو بيان ليصلون أو استئناف. حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ حال بإضمار قد ويدل عليه أنه قرئ «حصرة صدورهم» وحصرات صدورهم، أو بيان لجاءوكم وقيل صفة محذوف أي جاءوكم قومًا حصرت صدورهم، وهم بنو مدلج جاءوا رسول الله ﷺ غير مقاتلين والحصر الضيق والانقباض. أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ أي عن أن أو لأن أو كراهة أن يقاتلوكم. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ بأن قوى قلوبهم وبسط صدورهم وأزال الرعب عنهم. فَلَقاتَلُوكُمْ ولم يكفوا عنكم. فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ فإن لم يتعرضوا لكم. وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ الاستسلام والانقياد. فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>[سورة النساء (٤): آية ٩١]</span>\nسَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١)\nسَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ هم أسد وغطفان، وقيل بنو عبد الدار أتوا المدينة وأظهروا الإسلام ليأمنوا المسلمين فلما رجعوا كفروا. كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ دعوا إلى الكفر وإلى قتال المسلمين. أُرْكِسُوا فِيها عادوا إليها وقلبوا فيها أقبح قلب. فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وينبذوا إليكم العهد. وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عن قتالكم. فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ حيث تمكنتم منهم فإن مجرد الكف لا يوجب نفي التعرض. وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا حجة واضحة في التعرض لهم بالقتل والسبي لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم وغدرهم، أو تسلطًا ظاهرًا حيث أذنًا لكم في قتلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>[سورة النساء (٤): آية ٩٢]</span>\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)","vol":"2","page":89},{"text":"وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وما صح له وليس من شأنه. أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا بغير حق. إِلَّا خَطَأً فإنه على عرضته، ونصبه على الحال أو المفعول له أي: لا يقتله في شيء من الأحوال إلا حال الخطأ، أو لا يقتله لعلة إلا للخطأ أو على أنه صفة مصدر محذوف أي إلّا قتلًا خطأ. وقيل مَا كانَ نفي في معنى النهي، والاستثناء منقطع أي لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر، والخطأ ما لا يضامه القصد إلى الفعل أو الشخص أو لا يقصد به زهوق الروح غالبًا، أو لا يقصد به محظور كرمي مسلم في صف الكفار مع الجهل بإسلامه، أو يكون فعل غير المكلف. وقرئ «خطاء» بالمد و«خطا» كعصا بتخفيف الهمزة، والآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الأم، لقي حارث بن زيد في طريق وكان قد أسلم ولم يشعر به عياش فقتله.\nوَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي فعليه أو فواجبه تحرير رقبة، والتحرير الإعتاق، والحر كالعتيق للكريم من الشيء ومنه حر الوجه لأكرم موضع منه، سمي به لأن الكرم في الأحرار واللؤم في العبيد، والرقبة عبر بها عن النسمة كما عبر عنها بالرأس. مُؤْمِنَةٍ محكوم بإسلامها وإن كانت صغيرة. وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كسائر المواريث،\nلقول ضحاك بن سفيان الكلابي: (كتب إليَّ رسول الله ﷺ يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها) .\nوهي على العاقلة فإن لم تكن فعلى بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله. إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا إلا أن يتصدقوا عليه بالدية. سمي العفو عنها صدقة حثًا عليه وتنبيهًا على فضله،\nوعن النبي ﷺ: «كل معروف صدقة»\nوهو متعلق بعليه، أو بمسلمة أي تجب الدية عليه أو يسلمها إلى أهله إلا حال تصدقهم عليه. أو زمانه فهو في محل النصب على الحال من القاتل أو الأهل أو الظرف. فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي فإن كان المؤمن المقتول من قوم كفار محاربين، أو في تضاعيفهم ولم يعلم إيمانه فعلى قاتله الكفارة دون الدية لأهله إذ لا وراثة بينه وبينهم ولأنهم محاربون. وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي وإن كان من قوم كفرة معاهدين، أو أهل الذمة فحكمه حكم المسلمين في وجوب الكفارة والدية ولعله فيما إذا كان المقتول معاهدًا، أو كان له وارث مسلم. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رقبة بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها.\nفَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ فعليه أو فالواجب عليه صيام شهرين متتابعين. تَوْبَةً نصب على المفعول له أي شرع ذلك توبة، من تاب الله عليه إذا قبل توبته. أو على المصدر أي وتاب الله عليكم توبة أو الحال بحذف مضاف أي فعليه صيام شهرين ذا توبة. مِنَ اللَّهِ صفتها. وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا بحاله. حَكِيمًا فيما أمر في شأنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>[سورة النساء (٤): آية ٩٣]</span>\nوَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا (٩٣)\nوَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا لما فيه من التهديد العظيم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. «لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمدًا» . ولعله أراد به التشديد إذ روي عنه خلافه. والجمهور على أنه مخصوص بمن لم يتب لقوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ ونحوه وهو عندنا إما مخصوص بالمستحل له كما ذكره عكرمة وغيره، ويؤيده أنه نزل في مقيس بن ضبابة وجد أخاه هشامًا قتيلًا في بني النجار ولم يظهر قاتله، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يدفعوا إليه ديته فدفعوا إليه ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة مرتدًا، أو المراد بالخلود المكث الطويل فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>[سورة النساء (٤): آية ٩٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)","vol":"2","page":90},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سافرتم وذهبتم للغزو. فَتَبَيَّنُوا فاطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تعجلوا فيه. وقرأ حمزة والكسائي فتثبتوا في الموضعين هنا، وفي «الحجرات» من التثبت. وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لمن حياكم بتحية الإسلام. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة السلم بغير الألف أي الاستسلام والانقياد وفسر به السلام أيضًا. لَسْتَ مُؤْمِنًا وإنما فعلت ذلك متعوذا. وقرئ «مُؤْمِنًا» بالفتح أي مبذولًا له الأمان. تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا تطلبون ماله الذي هو حطام سريع النفاذ، وهو حال من الضمير في تقولوا مشعر بما هو الحامل لهم على العجلة وترك التثبت. فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ لكم كَثِيرَةٌ تغنيكم عن قتل أمثاله لماله. كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أي أول ما دخلتم في الإِسلام تفوهتم بكلمتي الشهادة فحصنت بها دماؤكم وأموالكم من غير أن يعلم مواطأة قلوبكم ألسنتكم. فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالاشتهار بالإِيمان والاستقامة في الدين. فَتَبَيَّنُوا وافعلوا بالداخلين في الإِسلام كما فعل الله بكم، ولا تبادروا إلى قتلهم ظنًا بأنهم دخلوا فيه اتقاء وخوفًا، فإن إبقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل امرئ مسلم. وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا عالمًا به وبالغرض منه فلا تتهافتوا في القتل واحتاطوا فيه.\nروي (أن سرية رسول الله ﷺ غزت أهل فدك فهربوا وبقي مرداس ثقة بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد، فلما تلاحقوا به وكبروا كبر ونزل وقال:\nلا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فقتله أسامة واستاق غنمه)\nوقيل نزلت في المقداد مر برجل في غنيمة فأراد قتله فقال: لا إله إلا الله. فقتله وقال: ود لو فر بأهله وماله. وفيه دليل على صحة إيمان المكره وأن المجتهد قد يخطئ وأن خطأه مغتفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>[سورة النساء (٤): آية ٩٥]</span>\nلاَّ يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)\nلاَّ يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ عن الحرب. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ في موضع الحال من القاعدين أو من الضمير الذي فيه. غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بالرفع صفة للقاعدون لأنه لم يقصد به قوم بأعيانهم أو بدل منه. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالنصب على الحال أَوِ الاستثناء. وقرئ بالجر على أنه صفة للمؤمنين أو بدل منه.\nوعن زيد بن ثابت أنها نزلت ولم يكن فيها غير أولي الضرر فقال ابن أم مكتوم: وكيف وأنا أعمى فغشي رسول الله ﷺ في مجلسه الوحي، فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها ثم سري عنه فقال اكتب\nلاَّ يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة. وفائدته تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعًا لرتبته وأنفة عن انحطاط منزلته. فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً جملة موضحة لما نفي الاستواء فيه والقاعدون على التقييد السابق، ودرجة نصب بنزع الخافض أي بدرجة أو على المصدر لأنه تضمن معنى التفضيل ووقع موقع المرة منه، أو الحال بمعنى ذوي درجة. وَكُلًّا من القاعدين والمجاهدين. وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى المثوبة الحسنى وهي الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم، وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضي لمزيد الثواب. وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا نصب على المصدر لأن فضل بمعنى أجر، أو المفعول الثاني له لتضمنه معنى الإِعطاء كأنه قيل: وأعطاهم زيادة على","vol":"2","page":91},{"text":"القاعدين أجرا عظيما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>[سورة النساء (٤): آية ٩٦]</span>\nدَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)\nدَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً كل واحد منها بدل من أجرًا، ويجوز أن ينتصب درجات على المصدر كقولك: ضربته أسواطًا، وأجرًا على الحال عنها تقدمت عليها لأنها نكرة، ومغفرة ورحمة على المصدر بإضمار فعليهما كرر تفضيل المجاهدين، وبالغ فيه إجمالًا وتفصيلًا تعظيمًا للجهاد وترغيبًا فيه. وقيل: الأول ما خولهم في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر، والثاني ما جعل لهم في الآخرة. وقيل المراد بالدرجة الأولى ارتفاع منزلتهم عند الله ﷾، وبالدرجات منازلهم في الجنة. وقيل القاعدون الأول هم الأضراء والقاعدون الثاني هم الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم. وقيل المجاهدون الأولون من جاهد الكفار والآخرون من جاهد نفسه وعليه\nقوله ﵊ «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» .\nوَكانَ اللَّهُ غَفُورًا لما عسى أن يفرط منهم. رَحِيمًا بما وعد لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>[سورة النساء (٤): آية ٩٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا (٩٧)\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يحتمل الماضي والمضارع، وقرئ «توفتهم» و«توفاهم» على مضارع وفيت بمعنى أن الله يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها. ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ في حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة وموافقة الكفرة فإنها نزلت في أناس من مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة واجبة. قالُوا أي الملائكة توبيخًا لهم. فِيمَ كُنْتُمْ في أي شيء كنتم من أمر دينكم.\nقالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ اعتذروا مما وبخوا به بضعفهم وعجزهم عن الهجرة، أو عن إظهار الدين وإعلاء كلمة الله. قالُوا أي الملائكة تكذيبًا لهم أو تبكيتًا. أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها إلى قطر آخر كما فعل المهاجرون إلى المدينة والحبشة. فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ لتركهم الواجب ومساعدتهم الكفار. وهو خبر إن والفاء فيه لتضمن الاسم معنى الشرط، وقالوا فيم كنتم حال من الملائكة بإضمار قد أو الخبر قالوا والعائد محذوف أي قالوا لهم، وهو جملة معطوفة على الجملة التي قبلها مستنتجة منها.\nوَساءَتْ مَصِيرًا مصيرهم أو جهنم، وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه،\nوعن النبي ﷺ «من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرًا من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>[سورة النساء (٤): الآيات ٩٨ الى ٩٩]</span>\nإِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)\nإِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ استثناء منقطع لعدم دخولهم في الموصول وضميره والإِشارة إليه، وذكر الولد إن أريد به المماليك فظاهر، وإن أريد به الصبيان فللمبالغة في الأمر والإِشعار بأنهم على صدد وجوب الهجرة، فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة فلا محيص لهم عنها وأن قوامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت. لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا صفة للمستضعفين إذ لا توقيت فيه، أو حال منه أو من المستكن فيه. واستطاعة الحيلة وجدان أسباب الهجرة وما تتوقف عليه، واهتداء السبيل معرفة الطريق بنفسه أو بدليل.\nفَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ذكر بكلمة الإِطماع ولفظ العفو إيذانًا بأن ترك الهجرة أمر خطير حتى","vol":"2","page":92},{"text":"إن المضطر من حقه أن لا يأمن ويترصد الفرصة ويعلق بها قلبه. وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>[سورة النساء (٤): آية ١٠٠]</span>\nوَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)\nوَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا متحولًا من الرغام وهو التراب. وقيل طريق يراغم قومه بسلوكه أي يفارقهم على رغم أنوفهم وهو أيضًا من الرغام. وَسَعَةً في الرزق وإظهار الدين.\nوَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ وقرئ «يُدْرِكْهُ» بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ثم هو يدركه وبالنصب على إضمار أن كقوله:\nسَأَتْرُك مَنْزِلِي بِبَني تَمِيم ... وَأَلْحَقُ بالحِجَازِ فَأَسْتَرِيحا\nفَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا الوقوع والوجوب متقاربان والمعنى: ثبت أجره عند الله تعالى ثبوت الأمر الواجب. والآية الكريمة نزلت في جندب بن ضمرة حمله بنوه على سرير متوجهًا إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله فقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايع عليه رسولك ﷺ فمات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>[سورة النساء (٤): آية ١٠١]</span>\nوَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)\nوَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ سافرتم. فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ بتنصيف ركعاتها ونفي الحرج فيه يدل على جوازه دون وجوبه، ويؤيده\nأن ﵊ أتم في السفر. وأن عائشة رضي الله تعالى عنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله قصرت وأتممت، وصمت وأفطرت. فقال:\n«أحسنت يا عائشة» .\nوأوجبه أبو حنيفة لقول عمر رضي الله تعالى عنه: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ، ولقول عائشة رضي الله تعالى عنها: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر. فظاهرهما يخالف الآية الكريمة فإن صحا فالأول مؤول بأنه كالتام في الصحة والإِجزاء، والثاني لا ينفي جواز الزيادة فلا حاجة إلى تأويل الآية. بأنهم ألفوا الأربع فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن ركعتي السفر قصر ونقصان، فسمي الإتيان بهما قصرًا على ظنهم. ونفي الجناح فيه لتطبيب به نفوسهم، وأقل سفر تقصر فيه أربعة برد عندنا وستة عند أبي حنيفة. قرئ «تَقْصُرُواْ» من أقصر بمعنى قصر ومن الصلاة صفة محذوف أي: شيئًا من الصلاة عند سيبويه، ومفعول تقصروا بزيادة من عند الأخفش. إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا شريطة باعتبار الغالب في ذلك الوقت، ولذلك لم يعتبر مفهومها كما لم يعتبر في قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وقد تظاهرت السنن على جوازه أيضًا في حال الأمن. وقرئ «من الصلاة أن يفتنكم» بغير إن خفتم بمعنى كراهة أن يفتنكم: وهو القتال والتعرض بما يكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>[سورة النساء (٤): آية ١٠٢]</span>\nوَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٠٢)","vol":"2","page":93},{"text":"وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ تعلق بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة الرسول ﷺ لفضل الجماعة، وعامة الفقهاء على أنه تعالى علم الرسول ﷺ كيفيتها ليأتم به الأئمة بعده فإنهم نواب عنه فيكون حضورهم كحضوره. فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك يصلون وتقوم الطائفة الأخرى تجاه العدو. وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ أي المصلون حزمًا. وقيل الضمير للطائفة الأخرى، وذكر الطائفة الأولى يدل عليهم. فَإِذا سَجَدُوا يعني المصلين. فَلْيَكُونُوا أي غير المصلين. مِنْ وَرائِكُمْ يحرسونكم يعني النبي ﷺ ومن يصلي معه، فغلب المخاطب على الغالب. وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا لاشتغالهم بالحراسة. فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ظاهره يدل على أن الإِمام يصلي مرتين بكل طائفة مرة كما فعله رسول الله ﷺ ببطن نخل، وإن أريد به أن يصلي بكل ركعة إن كانت الصلاة ركعتين فكيفيته أن يصلي بالأولى ركعة وينتظر قائمًا حتى يتموا صلاتهم منفردين ويذهبوا إلى وجه العدو، وتأتي الأخرى فيتم بهم الركعة الثانية. ثم ينتظر قاعدًا حتى يتموا صلاتهم ويسلموا بهم كما فعله رسول الله ﷺ بذات الرقاع. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: يصلي بالأولى ركعة ثم تذهب هذه وتقف بإزاء العدو وتأتي الأخرى فتصلي معه ركعة، ويتم صلاته ثم تعود إلى وجه العدو، وتأتي الأولى فتؤدي الركعة الثانية بغير قراءة وتتم صلاتها ثم تعود وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءة وتتم صلاتها. وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ جعل الحذر آلة يتحصن بها المغازي فجمع بينه وبين الأسلحة في وجوب الأخذ ونظيره قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم فيشدون عليكم شدة واحدة، وهو بيان ما لأجله أمروا بأخذ الحذر والسلاح. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ رخصة لهم في وضعها إذا ثقل عليهم أخذها بسبب مطر أو مرض، وهذا مما يؤيد أن الأمر بالأخذ للوجوب دون الاستحباب. وَخُذُوا حِذْرَكُمْ أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر كي لا يهجم عليهم العدو. إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا وعد للمؤمنين بالنصر على الكفار بعد الأمر بالحزم لتقوى قلوبهم وليعلموا أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقظ والتدبر فيتوكلوا على الله ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>[سورة النساء (٤): آية ١٠٣]</span>\nفَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)\nفَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ أديتم وفرغتم منها. فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فداوموا على الذكر في جميع الأحوال، أو إذا أردتم أداء الصلاة واشتد الخوف فأدوها كيفما أمكن، قيامًا مسايفين ومقارعين، وقعودًا مرامين وعلى جنوبكم مثخنين. فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ سكنت قلوبكم من الخوف. فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فعدلوا واحفظوا أركانها وشرائطها وائتوا بها تامة. إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا فرضًا محدود الأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها في شيء من الأحوال، وهذا دليل على أن المراد بالذكر الصلاة وأنها واجبة الأداء حال المسايفة والاضطراب في المعركة، وتعليل للأمر بالإِيتاء بها كيفما أمكن. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يصلي المحارب حتى يطمئن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>[سورة النساء (٤): آية ١٠٤]</span>\nوَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)","vol":"2","page":94},{"text":"وَلا تَهِنُوا ولا تضعفوا. فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ في طلب الكفار بالقتال. إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ إلزام لهم وتقريع على التواني فيه، بأن ضرر القتال دائر بين الفريقين غير مختص بهم، وهم يرجون من الله بسببه من إظهار الدين واستحقاق الثروات ما لا يرجو عدوهم، فينبغي أن يكونوا أرغب منهم في الحرب وأصبر عليها. وقرئ «إِن تَكُونُواْ» بالفتح بمعنى ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون، ويكون قوله فإنهم يألمون علة للنهي عن الوهن لأجله. والآية نزلت في بدر الصغرى. وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا بأعمالكم وضمائركم. حَكِيمًا فيما يأمر وينهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)\nإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ نزلت في طعمة بن أبيرق من بني ظفر، سرق درعا من جارهُ قتادة بن النعمان في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه وخبأها عند زيد بن السمين اليهودي، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد، وحلف ما أخذها وماله بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها. فقال دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود فقالت بنو ظفر:\nانطلقوا بنا إلى رسول الله ﷺ فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح وبرئ اليهودي فهم رسول الله ﷺ أن يفعل بِما أَراكَ اللَّهُ بما عرفك الله وأوحى به إليك وليس من الرؤية بمعنى العلم وإلا لاستدعى ثلاثة مفاعيل. وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ أي لأجلهم والذب عنهم خَصِيمًا للبرآء.\nوَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما هممت به. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا لمن يستغفره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]</span>\nوَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)\nوَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ\nيخونونها فإن وبال خيانتهم يعود عليها، أو جعل المعصية خيانة لها كما جعلت ظلمًا عليها، والضمير لطعمة وأمثاله أو له ولقومه فإنهم شاركوه في الإِثم حيث شهدوا على براءته وخاصموا عنه. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا\nمبالغًا في الخيانة مصرًا عليها. أَثِيمًا\nمنهمكًا فيها.\nروي: أن طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطًا بها ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله.\nيَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ\nيستترون منهم حياء وخوفًا. وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ\nولا يستحيون منه وهو أحق بأن يستحيا ويخاف منه. وَهُوَ مَعَهُمْ\nلا يخفي عليه سرهم فلا طريق معه إلا ترك ما يستقبحه ويؤاخذ عليه. إِذْ يُبَيِّتُونَ\nيدبرون ويزورون. مَا لاَ يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ\nمن رمي البريء والحلف الكاذب وشهادة الزور. وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا\n. لا يفوت عنه شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٩ الى ١١٠]</span>\nها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)\nهَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ\nمبتدأ وخبر. جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\nجملة مبينة لوقوع أولاء خبرًا أو صلة عند من يجعله موصولًا. فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا\nمحاميًا يحميهم من عذاب الله.","vol":"2","page":95},{"text":"وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا\nقبيحًا يسوء به غيره. أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ\nبما يختص به ولا يتعداه. وقيل المراد بالسوء ما دون الشرك، وبالظلم الشرك. وقيل: الصغيرة والكبيرة. ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ\nبالتوبة. يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا\nلذنوبه رَحِيمًا\nمتفضلًا عليه، وفيه حث لطعمة وقومه على التوبة والاستغفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>[سورة النساء (٤): الآيات ١١١ الى ١١٢]</span>\nوَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)\nوَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ\nفلا يتعداه وباله كقوله تعالى: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها. وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا\nفهو عالم بفعله حكيم في مجازاته.\nوَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً\nصغيرة أو ما لا عمد فيه. أَوْ إِثْمًا\nكبيرة أو ما كان عن عمد. ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا\nكما رمى طعمة زيدًا، ووحد الضمير لمكان أو. فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا\nبسبب رمي البريء وتبرئة النفس الخاطئة، ولذلك سوى بينهما وإن كان مقترف أحدهما دون مقترف الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>[سورة النساء (٤): آية ١١٣]</span>\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ\nبإعلام ما هم عليه بالوحي، والضمير لرسول الله ﷺ. لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ\nأي من بني ظفر. أَنْ يُضِلُّوكَ\nعن القضاء بالحق مع علمهم بالحال، والجملة جواب لولا وليس القصد فيه إلى نفي همهم بل إلى نفي تأثيره فيه. وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ\nلأنه ما أزلك عن الحق وعاد وباله عليهم. وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ\nفإن الله ﷾ عصمك وما خطر ببالك كان اعتمادًا منك على ظاهر الأمر لا ميلًا في الحكم، ومن شيء في موضع النصب على المصدر أي شيء من الضرر وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ\nمن خفيات الأمور، أو من أمور الدين والأَحكام. وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا\nإذ لا فضل أعظم من النبوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>[سورة النساء (٤): آية ١١٤]</span>\nلاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)\nلاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ من متناجيهم كقوله تعالى: وَإِذْ هُمْ نَجْوى أو من تناجيهم فقوله:\nإِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ على حذف مضاف أي إلا نجوى من أمر أو على الانقطاع بمعنى ولكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير، والمعروف كل ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل. وفسر هاهنا بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التطوع وسائر ما فسر به. أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ أو إصلاح ذات البين. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا بني الكلام على الأمر ورتب الجزاء على الفعل ليدل على أنه لما دخل الآمر في زمرة الخيرين كان الفاعل أدخل فيهم، وأن العمدة والغرض هو الفعل واعتبار الأمر من حيث إنه وصلة إليه، وقيد الفعل بأن يقول لطلب مرضاة الله ﷾، لأن الأعمال بالنيات وأن كل من فعل خيرًا رياء وسمعة لم يستحق به من الله أجرًا. ووصف الأجر بالعظم تنبيهًا على حقارة ما فات في جنبه من أعراض الدنيا. وقرأ حمزة وأبو عمرو يؤتيه بالياء.","vol":"2","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>[سورة النساء (٤): آية ١١٥]</span>\nوَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (١١٥)\nوَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ يخالفه، من الشق فإن كلا من المتخالفين في شق غير شق الآخر. مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات. وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ\nغير ما هم عليه من اعتقاد أو عمل. نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى نجعله واليًا لما تولى من الضلال، ونخل بينه وبين ما اختاره. وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وندخله فيها. وقرئ بفتح النون من صلاة. وَساءَتْ مَصِيرًا جهنم، والآية تدل على حرمة مخالفة الإِجماع، لأنه ﷾ رتب الوعيد الشديد على المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك إما لحرمة كل واحد منهما أو أحدهما أو الجمع بينهما، والثاني باطل إذ يقبح أن يقال من شرب الخمر وأكل الخبز استوجب الحد، وكذا الثالث لأن المشاقة محرمة ضم إليها غيرها أو لم يضم، وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرمًا كان اتباع سبيلهم واجبًا، لأن ترك اتباع سبيلهم ممن عرف سبيلهم اتباع غير سبيلهم، وقد استقصيت الكلام فيه في مرصاد الأفهام إلى مبادئ الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>[سورة النساء (٤): آية ١١٦]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١١٦)\nإِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ كرره للتأكيد، أو لقصة طعمة. وقيل جاء شيخ إلى رسول الله ﷺ وقال: إني شيخ منهمك في الذنوب ألا أني لم أشرك بالله شيئًا منذ عرفته وآمنت به ولم اتخذ من دونه وليًا، ولم أوقع المعاصي جرأة، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربًا، وإني لنادم تائب فما ترى حالي عند الله ﷾. فنزلت وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا عن الحق فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى فقد افترى لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم كان نوع افتراء وهو دعوى التبني على الله ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>[سورة النساء (٤): آية ١١٧]</span>\nإِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطانًا مَرِيدًا (١١٧)\nإِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثًا يعني اللات والعزى ومناة ونحوها، كان لكل حي صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان وذلك إما لتأنيث أسمائها كما قال:\nوَمَا ذَكَرٌ فَإِنْ يَسْمَنْ فَأُنْثَى ... شَدِيد الأزمِ لَيْسَ لَهُ ضُرُوسٌ\nفَإِنه عنى القراد وهو ما كان صغيرًا سمي قرادًا فإذا كبر سمي حلمة، أو لأنها كانت جمادات والجمادات تؤنث من حيث إنها ضاهت الإِناث لا نفعًا لها، ولعله ﷾ ذكرها بهذا الاسم تنبيهًا على أنهم يعبدون ما يسمونه إناثًا لأنه ينفعل ولا يفعل، ومن حق المعبود أن يكون فاعلًا غير منفعل ليكون دليلًا على تناهي جهلهم وفرط حماقتهم. وقيل المراد الملائكة لقولهم: الملائكة بنات الله، ﷾، وهو جمع أنثى كرباب وربي، وقرئ «أنثى» على التوحيد وأنثا على أنه جمع أنيث كخبث وخبيث، ووثنا بالتخفيف ووثنًا بالتثقيل وهو جمع وثن كأسد وأسد وأسد وأثنا أثنا بهما على قلب الواو لضمها همزة. وَإِنْ يَدْعُونَ وإن يعبدون بعبادتها. إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا لأنه الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها، فكأن طاعته في ذلك عبادة له، والمارد والمريد الذي لا يعلق بخير. وأصل التركيب للملابسة. ومنه رْحٌ مُمَرَّدٌ\nوغلام أمرد وشجرة مرداء للتي تناثر ورقها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>[سورة النساء (٤): آية ١١٨]</span>\nلَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)","vol":"2","page":97},{"text":"لَعَنَهُ اللَّهُ صفة ثانية للشيطان. وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا عطف عليه أي شيطانًا مريدًا جامعًا بين لعنة الله، وهذا القول الدال على فرط عداوته للناس.\nوقد برهن ﷾ أولًا على أن الشرك ضلال في الغاية على سبيل التعليل، بأن ما يشركون به ينفعل ولا يفعل فعلًا اختياريًا، وذلك ينافي الألوهية غاية المنافاة، فإن الإله ينبغي أن يكون فاعلًا غير منفعل، ثم استدل عليه بأنه عبادة الشيطان وهي أفظع الضلال لثلاثة أوجه. الأول: أنه مريد منهمك في الضلال لا يعلق بشيء من الخير والهدى، فتكون طاعته ضلالًا بعيدًا عن الهدى. والثاني: أنه ملعون لضلاله فلا تستجلب مطاوعته سوى الضلال واللعن. والثالث: أنه في غاية العداوة والسعي في إهلاكهم وموالاة من هذا شأنه غاية الضلال فضلًا عن عبادته. والمفروض المقطوع أي نصيبًا قدر لي وفرض من قولهم فرض له في العطاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>[سورة النساء (٤): آية ١١٩]</span>\nوَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا (١١٩)\nوَلَأُضِلَّنَّهُمْ عن الحق. وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ الأماني الباطلة كطول الحياة وأن لا بعث ولا عقاب.\nوَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ يشقونها لتحريم ما أحل الله وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب، وإشارة إلى تحريم ما أحل ونقص كل ما خلق كاملًا بالفعل أو القوة. وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ عن وجهه وصورته أو صفته. ويندرج فيه ما قيل من فقء عين الحامي، وخصاء العبيد، والوشم، والوشر، واللواط، والسحق، ونحو ذلك وعبادة الشمس، والقمر، وتغيير فطرة الله تعالى التي هي الإِسلام، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالًا ولا يوجب لها من الله ﷾ زلفى.\nوعموم اللفظ يمنع الخصاء مطلقًا لكن الفقهاء رخصوا في خصاء البهائم للحاجة. والجمل الأربع حكاية عما ذكره الشيطان نطقًا أو أتاه فعلًا. وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ بإيثاره ما يدعو إليه على مَا أَمَرَ الله بِهِ ومجاوزته عن طاعة الله ﷾ إلى طاعته. فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا إذا ضيع رأس ماله وبدل مكانه من الجنة بمكان من النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٠ الى ١٢١]</span>\nيَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا (١٢١)\nيَعِدُهُمْ ما لا ينجزه. وَيُمَنِّيهِمْ ما لا ينالون. وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر وهذا الوعد إما بالخواطر الفاسدة، أو بلسان أوليائه.\nأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا معدلًا ومهربًا من حاص يحيص إذا عدل وعنها حال منه، وليس صلة له لأنه اسم مكان وإن جعل مصدرًا فلا يعمل أيضًا فيما قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>[سورة النساء (٤): آية ١٢٢]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا. أي وعده وعدًا وحق ذلك حقًا، فالأول مؤكد لنفسه لأن مضمون الجملة الإِسمية التي قبله وعد، والثاني مؤكد لغيره ويجوز أن ينصب الموصول بفعل يفسره ما بعده، ووعد الله بقوله سَنُدْخِلُهُمْ لأنه بمعنى","vol":"2","page":98},{"text":"نعدهم إدخالهم وحقًا على أنه حال من المصدر. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا جملة مؤكدة بليغة، والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه، والمبالغة في توكيده ترغيبًا للعباد في تحصيله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>[سورة النساء (٤): آية ١٢٣]</span>\nلَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٢٣)\nلَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ أي ليس ما وعد الله من الثواب ينال بأمانيكم أيها المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب، وإنما ينال بالإِيمان والعمل الصالح. وقيل: ليس الإِيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.\nروي (أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا. فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولي بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى منكم نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب المتقدمة) فنزلت.\nوقيل: الخطاب مع المشركين ويدل عليه تقدم ذكرهم أي: ليس الأمر بأماني المشركين، وهو قولهم لا جنة ولا نار، وقولهم إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيرًا منهم وأحسن حالًا، ولا أماني أهل الكتاب وهو قولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى وقولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ثم قرر ذلك وقال: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ عاجلًا أو آجلًا لما\nروي (أنها لما نزلت قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فمن ينجو مع هذا يا رسول الله؟ فقال ﵊: أما تحزن؟ أما تمرض؟ أما يصيبك اللأواء؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: هو ذاك) .\nوَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ولا يجد لنفسه إذا جاوز موالاة الله ونصرته من يواليه وينصره في دفع العذاب عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>[سورة النساء (٤): آية ١٢٤]</span>\nوَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)\nوَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ بعضها أو شيئًا منها فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفًا بها.\nمِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى في موضع الحال من المستكن في يعمل، ومَنْ للبيان أو من الصالحات أي كائنة مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى ومن للابتداء. وَهُوَ مُؤْمِنٌ حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور وتنبيهًا على أنه لا اعتداد به دونه فيه. فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا بنقص شيء من الثواب وإذا لم ينقص ثواب المطيع فبالحري أن لا يزاد عقاب العاصي، لأن المجازي أرحم الراحمين، ولذلك اقتصر على ذكره عقيب الثواب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ هنا وفي «غافر» و«مريم» بضم الياء وفتح الخاء، والباقون بفتح الياء وضم الخاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٥ الى ١٢٦]</span>\nوَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)\nوَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أخلص نفسه لله لا يعرف لها ربًا سواه. وقيل بذل وجهه له في السجود وفي هذا الاستفهام تنبيه على أن ذلك منتهى ما تبلغه القوة البشرية. وَهُوَ مُحْسِنٌ آت بالحسنات تارك للسيئات. وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ الموافقة لدين الإِسلام المتفق على صحتها حَنِيفًا مائلًا عن سائر الأديان، وهو حال من المتبع أو من الملة أو إبراهيم. وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا اصطفاه وخصصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، وإنما أعاد ذكره ولم يضمر تفخيمًا لشأنه وتنصيصًا على أنه الممدوح. والخلة من الخلال فإنه ود تخلل النفس وخالطها. وقيل من الخلل فإن كل واحد من الخليلين يسد خلل الآخر، أو","vol":"2","page":99},{"text":"من الخل وهو الطريق في الرمل فإنهما يترافقان في الطريقة، أو من الخلة بمعنى الخصلة فإنهما يتوافقان في الخصال. والجملة استئناف جئ بها للترغيب في اتباع ملته ﷺ والإِيذان بأنه نهاية في الحسن وغاية كمال البشر.\nروي (أن إبراهيم ﵊ بعث إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه فقال خليله: لو كان إبراهيم يريد لنفسه لفعلت، ولكن يريد للأضياف وقد أصابنا ما أصاب الناس، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملؤوا منها الغرائر حياء من الناس فلما اخبروا إبراهيم ساءه الخبر، فغلبته عيناه فنام وقامت سارة إلى غرارة منها فأخرجت حوارى واختبزت، فاستيقظ إبراهيم ﵇ فاشتم رائحة الخبز فقال: من أين لكم هذا؟ فقالت: من خليلك المصري، فقال: بل هو من عند خليلي الله ﷿ فسماه الله خليلًا) .\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقًا وملكًا يختار منهما من يشاء وما يشاء. وقيل هو متصل بذكر العمال مقرر لوجوب طاعته على أهل السموات والأرض، وكمال قدرته على مجازاتهم على الأعمال.\nوَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا إحاطة علم وقدرة فكان عالمًا بأعمالهم فيجازيهم على خيرها وشرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>[سورة النساء (٤): آية ١٢٧]</span>\nوَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)\nوَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ في ميراثهن إذ سبب نزوله\n(أن عيينة بن حصن أتى النبي ﷺ فقال: أخبرنا أنك تعطي الابنة النصف والأخت النصف، وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة فقال ﵊: كذلك أمرت)\nقُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ يبين لكم حكمه فيهن والافتاء تبيين المبهم. وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ عطف على اسم الله تعالى، أو ضميره المستكن في يفتيكم وساغ للفصل فيكون الإِفتاء مسندًا إلى الله ﷾ وإلى ما في القرآن من قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ ونحوه، والفعل الواحد ينسب إلى فاعلين مختلفين باعتبارين مختلفين، ونظيره أغناني زيد وعطاؤه، أو استئناف معترض لتعظيم المتلو عليهم على أن ما يتلى عليكم مبتدأ وفي الكتاب خبره. والمراد به اللوح المحفوظ، ويجوز أن ينصب على معنى ويبين لكم ما يتلى عليكم أو يخفض على القسم كأنه قيل: وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب، ولا يجوز عطفه على المجرور في فيهن لاختلاله لفظًا ومعنى فِي يَتامَى النِّساءِ صلة يتلى إن عطف الموصول على ما قبله أي يتلى عليكم في شأنهن وإلا فبدل من فيهن، أو صلة أخرى ليفتيكم على معنى الله يفتيكم فيهن بسبب يتامى النساء كما تقول: كلمتك اليوم في زيد، وهذه الإِضافة بمعنى من لأنها إضافة الشيء إلى جنسه. وقرئ «ييامى» بياءين على أنه أيامى فقلبت همزته ياء. اللَّاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ أي فرض لهن من الميراث وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ في أن تنكحوهن، أو عن أن تنكحوهن. فإن أولياء اليتامى كانوا أي يرغبون فيهن إن كن جميلات ويأكلون ما لهن، وإلا كانوا يعضلونهن طمعًا في ميراثهن والواو تحتمل الحال والعطف، وليس فيه دليل على جواز تزويج اليتيمة إذ لا يلزم من الرغبة في نكاحها جريان العقد في صغرها.\nوَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ عطف على يتامى النساء والعرب ما كانوا يورثونهم كما لا يورثون النساء. وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ أيضًا عطف عليه أي ويفتيكم أو ما يتلى في أن تقوموا، هذا إذا جعلت في يتامى صلة لأحدهما فإن جعلته بدلًا فالوجه نصبهما عطفًا على موضع فيهن، ويجوز أن ينصب وأن تقوموا بإضمار فعل أي: ويأمركم أن تقوموا، وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم، أو للقوام بالنصفة في شأنهم. وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا وعد لمن آثر الخير في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>[سورة النساء (٤): آية ١٢٨]</span>\nوَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)","vol":"2","page":100},{"text":"وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها توقعت منه لما ظهر لها من المخايل، وامرأة فاعل فعل يفسره الظاهر.\nنُشُوزًا تجافيًا عنها وترفعًا عن صحبتها كراهة لها ومنعًا لحقوقها. أَوْ إِعْراضًا بأن يقل مجالستها ومحادثتها. فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا أن يتصالحا بأن تحط له بعض المهر، أو القسم، أو تهب له شيئًا تستميله به. وقرأ الكوفيون أَنْ يُصْلِحا من أصلح بين المتنازعين، وعلى هذا جاز أن ينتصب صلحا على المفعول به، وبينهما ظرف أو حال منه أو على المصدر كما في القراءة الأولى والمفعول بينهما أو هو محذوف. وقرئ «يُصْلِحَا» من أصلح بمعنى اصطلح. وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من الفرقة أو سوء العشرة أو من الخصومة. ولا يجوز أن يراد به التفضيل بل بيان أنه من الخيور كما أن الخصومة من الشرور، وهو اعتراض وكذا قوله: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ولذلك اغتفر عدم مجانستهما، والأول للترغيب في المصالحة، والثاني لتمهيد العذر في المماكسة. ومعنى إحضار الأنفس الشح جعلها حاضرة له مطبوعة عليه، فلا تكاد المرأة تسمح بالإِعراض عنها والتقصير في حقها ولا الرجل يسمح بأن يمسكها ويقوم بحقها على ما ينبغي إذا كرهها أو أحب غيرها. وَإِنْ تُحْسِنُوا في العشرة. وَتَتَّقُوا النشوز والإِعراض ونقص الحق. فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من الإِحسان والخصومة. خَبِيرًا عليمًا به وبالغرض فيه فيجازيكم عليه، أقام كونه عالمًا بأعمالهم مقام إثابته إياهم عليها الذي هو في الحقيقة جواب الشرط إقامة للسبب مقام المسبب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٩ الى ١٣٠]</span>\nوَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًاّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)\nوَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ لأن العدل أن لا يقع ميل ألبتة وهو متعذر فلذلك\nكان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: «هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» .\nوَلَوْ حَرَصْتُمْ أي على تحري ذلك وبالغتم فيه. فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ بترك المستطاع والجور على المرغوب عنها، فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله. فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ التي ليست ذات بعل ولا مطلقة.\nوعن النبي ﷺ «من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل» .\nوَإِنْ تُصْلِحُوا ما كنتم تفسدون من أمورهن. وَتَتَّقُوا فيم يستقبل من الزمان. فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا يغفر لكم ما مضى من ميلكم.\nوَإِنْ يَتَفَرَّقا وقرئ «وإن يتفارقا» أي: وإن يفارق كل منهما صاحبه. يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا منهما عن الآخر ببدل أو سلوة. مِنْ سَعَتِهِ غناه وقدرته. وَكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا مقتدرًا متقنًا في أفعاله وأحكامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣١ الى ١٣٢]</span>\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢)\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تنبيه على كمال سعته وقدرته. وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني اليهود والنصارى، ومن قبلهم، والْكِتابَ للجنس ومِنْ متعلقة ب وَصَّيْنَا أو ب أُوتُوا ومساق الآية لتأكيد الأمر بالإِخلاص. وَإِيَّاكُمْ عطف على الذين. أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ بأن اتقوا الله، ويجوز أن تكون أن مفسرة لأن التوصية في معنى القول. وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي","vol":"2","page":101},{"text":"الْأَرْضِ\nعلى إرادة القول أي: وقلنا لهم ولكم إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله مالك الملك كله لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما وصاكم لرحمته لا لحاجته ثم قرر ذلك بقوله: وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا عن الخلق وعبادتهم. حَمِيدًا في ذاته حمد أو لم يحمد.\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ذكره ثالثًا للدلالة على كونه غنيًا حميدًا، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه وبما أفاض عليها من الوجود وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميدًا. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا راجع إلى قوله يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ، فإنَّه توكل بكفايتهما وما بينهما تقرير لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٣ الى ١٣٤]</span>\nإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)\nإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ يفنكم، ومفعول يشأ محذوف دل عليه الجواب. وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ويوجد قومًا آخرين مكانكم أو خلقًا آخرين مكان الإِنس. وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ من الإِعدام والإِيجاد. قَدِيرًا بليغ القدرة لا يعجزه مراد، وهذا أيضًا تقرير لغناه وقدرته، وتهديد لمن كفر به وخالف أمره. وقيل: هو خطاب لمن عادى رسول الله ﷺ من العرب ومعناه معنى قوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ لما\nروي: أنه لما نزلت ضرب رسول الله ﷺ يده على ظهر سلمان وقال: إنهم قوم هذا.\nمَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا كالمجاهد يجاهد للغنيمة. فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فما له يطلب أخسهما فليطلبهما كمن يقول: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، أو ليطلب الأشرف منهما، فإن من جاهد خالصًا لله ﷾ لم تخطئه الغنيمة وله في الآخرة، ما هي في جنبه كلا شيء، أو فعند الله ثواب الدارين فيعطي كلًا ما يريده كقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ الآية وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا عالمًا بالأغراض فيجازي كلا بحسب قصده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>[سورة النساء (٤): آية ١٣٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ مواظبين على العدل مجتهدين في إقامته. شُهَداءَ لِلَّهِ بالحق تقيمون شهاداتكم لوجه الله ﷾، وهو خبر ثان أو حال. وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ولو كانت الشهادة على أنفسكم بأن تقروا عليها، لأن الشهادة بيان للحق سواء كان عليه أو على غيره. أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ولو على والديكم وأقاربكم. إِنْ يَكُنْ أي المشهود عليه أو كل واحد منه ومن المشهود له.\nغَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة، أو لا تجوروا فيها ميلًا أو ترحمًا. فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما بالغني والفقير وبالنظر لهما فلو لم تكن الشهادة عليهما أو لهما صلاحًا لما شرعها، وهو علة الجواب أقيمت مقامه والضمير في بهما راجع لما دل عليه المذكور، وهو جنسًا الغني والفقير لا إليه وإلا لوحدَّ، ويشهد عليه أنه قرئ «فالله أولى بهم» . فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا لأن تعدلوا عن الحق أو كراهة أن تعدلوا من العدل.\nوَإِنْ تَلْوُوا ألسنتكم عن شهادة الحق، أو حكومة العدل. قرأه نافع وابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو وعاصم والكسائي بإسكان اللام وبعدها واوان الأولى مضمومة، والثانية ساكنة. وقرأ حمزة وابن عامر وإن تلوا بمعنى وإن وليتم إقامة الشهادة فأديتموها. أَوْ تُعْرِضُوا عن آدائها. فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا فيجازيكم عليه.","vol":"2","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>[سورة النساء (٤): آية ١٣٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١٣٦)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب للمسلمين، أو للمنافقين، أو لمؤمني أهل الكتاب إذ\nروي: أن ابن سلام وأصحابه قالوا يا رسول الله: أنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه. فنزلت.\nآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ اثبتوا على الإِيمان بذلك وداوموا عليه، أو آمنوا به بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم، أو آمنوا إيمانًا عامًا يعم الكتب والرسل، فإن الإِيمان بالبعض كلا إيمان والكتاب الأول القرآن والثاني الجنس. وقرأ نافع والكوفيون: الَّذِي نَزَّلَ والَّذِي أَنْزَلَ بفتح النون والهمزة والزاي، والباقون بضم النون والهمزة وكسر الزاي. وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي ومن يكفر بشيء من ذلك. فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا عن المقصد بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>[سورة النساء (٤): آية ١٣٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يعني اليهود آمنوا بموسى ﵊. ثُمَّ كَفَرُوا حين عبدوا العجل.\nثُمَّ آمَنُوا بعد عوده إليهم. ثُمَّ كَفَرُوا بعيسى ﵊. ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بمحمد ﷺ، أو قومًا تكرر منهم الارتداد ثم أصروا على الكفر وازدادوا تماديًا في الغي. لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا إذ يستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبتوا على الإِيمان، فإن قلوبهم ضربت بالكفر وبصائرهم عميت عن الحق لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم، وخبر كان في أمثال ذلك محذوف تعلق به اللام مثل: لم يكن الله مريدًا ليغفر لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٨ الى ١٣٩]</span>\nبَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)\nبَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا يدل على أن الآية في المنافقين وهم قد آمنوا في الظاهر وكفروا في السر مرة بعد أخرى ثُمَّ ازدادوا بالإِصرار على النفاق وإفساد الأمر على المؤمنين، ووضع بَشِّرِ مكان أنذر تهكم بهم.\nالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ في محل النصب، أو الرفع على الذم بمعنى أريد الذين أو هم الذين. أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ أيتعززون بموالاتهم. فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا لا يتعزز إلا من أعزه الله، وقد كتَبَ العزة لأوليائه فقال وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ولا يُؤْبَهُ بعزة غيرهم بالإِضافة إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>[سورة النساء (٤): آية ١٤٠]</span>\nوَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)\nوَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ يعني القرآن. وقرأ عاصم نَزَّلَ وقرأ الباقونَّ نَزَّلَ على البناء للمفعول والقائم مقام فاعله. أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ وهي المخففة والمعنى أنه إذا سمعتم. يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها حالان من الآيات جيء بهما لتقييد النهي عن المجالسة في قوله: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ الذي هو جزاء الشرط بما إذا كان من يجالسه هازئًا معاندًا غير مرجو، ويؤيده","vol":"2","page":103},{"text":"الغاية. وهذا تذكار لما نزل عليهم بمكة من قوله: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ الآية.\nوالضمير في معهم للكفرة المدلول عليهم بقوله يكفر بها ويستهزأ بها. إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ في الاثم لأنكم قادرون على الاعراض عنهم والإِنكار عليهم، أو الكفر إِن رضيتم بذلك، أو لأن الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار كانوا منافقين، ويدل عليه: إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا يعني القاعدين والمقعود معهم، وإذا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر، ولذلك لم يذكر بعدها الفعل وإفراد مثلهم، لأنه كالمصدر أو للاستغناء بالإِضافة إلى الجمع. وقرئ بالفتح على البناء لإِضافته إلى مبني كقوله تعالى:\nمِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>[سورة النساء (٤): آية ١٤١]</span>\nالَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)\nالَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ينتظرون وقوع أمر بكم، وهو بدل من الذين يتخذون، أو صفة للمنافقين والكافرين أو ذم مرفوع أو منصوب أو مبتدأ خبره. فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ مظاهرين لكم فاسهموا لنا مما غنمتم. وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ من الحرب فإنها سجال قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ أي قالوا للكفرة: ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم، والاستحواذ الاستيلاء وكان القياس أن يقال استحاذ يستحيذ استحاذة فجاءت على الأصل. وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بأن خذلناهم بتخييل ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في مظاهرتهم فأشركونا فيما أصبتم، وإنما سمي ظفر المسلمين فتحًا وظفر الكافرين نصيبًا لخسة حظهم، فإنه مقصور على أمر دنيوي سريع الزوال. فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا حينئذ أو في الدنيا والمراد بالسبيل الحجة، واحتج به أصحابنا على فساد شراء الكافر المسلم. والحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد وهو ضعيف لأنه لا ينفي أن يكون إذا عاد إلى الإِيمان قبل مضي العدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٢ الى ١٤٣]</span>\nإِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لاَ إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)\nإِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ\nسبق الكلام فيه أول سورة البقرة. وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى\nمتثاقلين كالمكرْه على الفعل وقرئ كسالى بالفتح وهما جمعا كسلان. يُراؤُنَ النَّاسَ\nليخالوهم مؤمنين المراءاة مفاعلة بمعنى التفعيل كنعم وناعم أو للمقابلة فإن المرائي يري من يرائيه عمله وهو يريه استحسانه. وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا\nإذ المرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه، وهو أقل أحواله أو لأن ذكرهم باللسان قليل بالإِضافة إلى الذكر بالقلب. وقيل: المراد بالذكر الصلاة. وقيل الذكر فيها فإنهم لا يذكرون فيها غير التكبير والتسليم.\nمُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ حال من واو يُراؤُنَ\nكقوله: وَلا يَذْكُرُونَ\nأي يراءونهم غير ذاكرين مذبذبين أو واو يذكرون أو منصوب على الذم، والمعنى: مرددين بين الإِيمان والكفر من الذبذبة وهي جعل الشيء مضطربًا، وأصله الذي بمعنى الطرد. وقرئ بكسر الذال بمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو يتذبذبون كقولهم: صلصل بمعنى تصلصل. وقرئ بالدال الغير المعجمة بمعنى أخذوا تارة في دبة وتارة في دبة وهي","vol":"2","page":104},{"text":"الطريقة. لاَ إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ لا منسوبين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين، أو لا صائرين إلى أحد الفريقين بالكلية. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا إلى الحق والصواب، ونظيره قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>[سورة النساء (٤): آية ١٤٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا (١٤٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فإنه صنيع المنافقين وديدنهم فلا تتشبهوا بهم، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا حجة بينة فإن موالاتهم دليل على النفاق أو سلطانًا يسلط عليكم عقابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٥ الى ١٤٦]</span>\nإِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)\nإِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وهو الطبقة التي في قعر جهنم، وإنما كان كذلك لأنهم أخبث الكفرة إذ ضموا إلى الكفر استهزاء بالإِسلام وخداعًا للمسلمين، وأما\nقوله ﵊ «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: «من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»\nونحوه فمن باب التشبيه والتغليظ، وإنما سميت طبقاتها السبع دركات لأنها متداركة متتابعة بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وقرأ الكوفيون بسكون الراء وهي لغة كالسطر والسطر والتحريك أوجه لأنه يجمع على إدراك. وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا يخرجهم منه.\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا عن النفاق. وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق.\nوَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وثقوا به أو تمسكوا بدينه. وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ لا يريدون بطاعتهم إلا وجهه ﷾. فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ومن عدادهم في الدارين. وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا فيساهمونهم فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>[سورة النساء (٤): آية ١٤٧]</span>\nمَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)\nمَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ أيتشفى به غيظًا أو يدفع به ضررًا أو يستجلب به نفعًا وهو الغني المتعالي عن النفع والضر، وإنما يعاقب المصر بكفره لأن إصراره عليه كسوء مزاج يؤدي إلى مرض فإذا أزاله بالإِيمان والشكر. ونفى نفسه عنه. تخلص من تبعته، وإنما قدم الشكر لأن الناظر يدرك النعمة أولًا فيشكر شكرًا مبهمًا، ثم يمعن النظر حتى يعرف المنعم فيؤمن به. وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا مثيبًا يقبل اليسير ويعطي الجزيل. عَلِيمًا بحق شكركم وإيمانكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٨ الى ١٤٩]</span>\nلاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)\nلاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ إلا جهر من ظلم بالدعاء على الظالم والتظلم منه.\nوروي أن رجلًا ضاف قومًا فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب عليه. فنزلت\nوقرئ من ظلم على البناء للفاعل فيكون الاستثناء منقطعًا أي ولكن الظالم يفعل ما لا يحبه الله. وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا لكلام المظلوم. عَلِيمًا بالظالم.","vol":"2","page":105},{"text":"إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا طاعة وبرًا. أَوْ تُخْفُوهُ أو تفعلوه سرًا. أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ لكم المؤاخذة عليه، وهو المقصود وذكر إبداء الخير وإخفائه تشبيب له، ولذلك رتب عليه قوله. فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا أي يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم أولى بذلك، وهو حث للمظلوم على العفو بعد ما رخص له في الانتظار حملًا على مكارم الأخلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٠ الى ١٥١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٥١)\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله.\nوَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم. وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا طريقًا وسطًا بين الإِيمان والكفر، ولا واسطة: إذ الحق لا يختلف فإن الإِيمان بالله ﷾ لا يتم إلا بالإِيمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلًا أو إجمالًا، فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال كما قال الله تعالى: فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ.\nأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ هم الكاملون في الكفر لا عبرة بإيمانهم هذا. حَقًّا مصدر مؤكد لغيره أو صفة لمصدر الكافرين بمعنى: هم الذين كفروا كفرًا حقًا أي يقينًا محققًا. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>[سورة النساء (٤): آية ١٥٢]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)\nوَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أضدادهم ومقابلوهم، وإنما دخل بين على أحد وهو يقتضي متعددًا لعمومه من حيث إنه وقع في سياق النفي. أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ الموعودة لهم وتصديره بسوف لتأكيد الوعد والدلالة على إنه كائن لا محالة وإن تأخر. وقرأ حفص عن عاصم وقالون عن يعقوب بالياء على تلوين الخطاب. وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا لما فرط منهم. رَحِيمًا عليهم بتضعيف حسناتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>[سورة النساء (٤): آية ١٥٣]</span>\nيَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا (١٥٣)\nيَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ نزلت في أحبار اليهود قالوا: إن كنت صادقًا فائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى ﵇، وقيل: كتابًا محررًا بخط سماوي على ألواح كما كانت التوراة، أو كتابًا نعاينه حين ينزل، أو كتابًا إلينا بأعياننا بأنك رسول الله. فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ جواب شرط مقدر أي: إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى ﵇ أكبر منه، وهذا السؤال وإن كان من آبائهم أسند إليهم لأنهم كانوا آخذين بمذهبهم تابعين لهديهم. والمعنى إن عرقهم راسخ في ذلك وأن ما اقترحوه عليك ليس بأول جهالاتهم وخيالاتهم. فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً عيانًا أي أرناه نره جهرة، أو مجاهرين معاينين له. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ نار جاءت من قبل السماء فأهلكتهم. بِظُلْمِهِمْ بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم، ما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقًا. ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ هذه الجناية الثانية التي اقترفها أيضًا أوائلهم، والبينات،","vol":"2","page":106},{"text":"المعجزات، ولا يجوز حملها على التوراة إذ لم تأتهم بعد. فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا تسلطًا ظاهرًا عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم توبة عن اتخاذهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>[سورة النساء (٤): آية ١٥٤]</span>\nوَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (١٥٤)\nوَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ بسبب ميثاقهم ليقبلوه. وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا على لسان موسى والطور مطل عليهم. وَقُلْنا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ على لسان داود ﵊، ويحتمل أن يراد على لسان موسى حين طلل الجبل عليهم، فإنه شرع السبت ولكن كان الاعتداء فيه والمسخ به في زمن داود ﵊، وقرأ ورش عن نافع لاَ تَعْدُوا على أن أصله لا تتعدوا فأدغمت التاء في الدال، وقرأ قالون بإخفاء حركة العين وتشديد الدال والنص عنه بالإسكان. وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا على ذلك وهو قولهم سمعنا وأطعنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>[سورة النساء (٤): آية ١٥٥]</span>\nفَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٥٥)\nفَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ أي فخالفوا ونقضوا ففعلنا بهم ما فعلنا بنقضهم، وما مزيدة للتأكيد والباء متعلقة بالفعل المحذوف، ويجوز أن تتعلق بحرمنا عليهم طيبات فيكون التحريم بسبب النقض، وما عطف عليه إلى قوله فبظلم لا بما دل عليه قوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها مثل لا يؤمنون لأنه رد لقولهم قلوبنا غلف فيكون من صلة وقولهم المعطوف على المجرور فلا يعمل في جاره. وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ بالقرآن أو بما جاء في كتابهم. وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ أوعية للعلوم، أو في أكنة مما تدعونا إليه. بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فجعلها محجوبة عن العلم، أو خذلها ومنعها التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر في المواعظ. فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا منهم كعبد الله بن سلام، أو إيمانًا قليلًا إذ لا عبرة به لنقصانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>[سورة النساء (٤): آية ١٥٦]</span>\nوَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا (١٥٦)\nوَبِكُفْرِهِمْ بعيسى ﵊، وهو معطوف على بكفرهم لأنه من أسباب الطبع، أو على قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله ويكون تكرير ذكر الكفر إيذانًا بتكرر كفرهم، فإنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد عليهم الصلاة والسلام. وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا يعني نسبتها إلى الزنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٧ الى ١٥٨]</span>\nوَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)\nوَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ أي بزعمه ويحتمل أنهم قالوه استهزاء، ونظيره إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون وأن يكون استئنافًا مِن الله ﷾ بمدحه، أو وضعًا للذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح. وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ\nروي (أن رهطًا من اليهود سبوه وأمه فدعا عليهم فمسخهم الله تعالى قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة، فقام رجل منهم فألقى الله عليه","vol":"2","page":107},{"text":"شبهه فقتل وصلب. وقيل (كان رجلًا ينافقه فخرج ليدل عليه، فألقى الله عليه شبهه فأخذ وصلب وقتل)\nوقيل: (دخل طيطانوس اليهودي بيتًا كان هو فيه فلم يجده، وألقى الله عليه شبهه فلما خرج ظن أنه عيسى فأخذ وصلب. وأمثال ذلك من الخوارق التي لا تستبعد في زمان النبوة، وإنما ذمهم الله ﷾ بما دل عليه الكلام من جراءتهم على الله ﷾، وقصدهم قتل نبيه المؤيد بالمعجزات الباهرة، وتبجحهم به لا بقولهم هذا على حسب حسبانهم، وشُبِّهَ مسند إلى الجار والمجرور كأنه قيل ولكن وقع لهم التشبيه بين عيسى والمقتول أو في الأمر على قول من قال: لم يقتل أحد ولكن أرجف بقتله فشاع بين الناس، أو إلى ضمير المقتول لدلالة إنا قتلنا على أن ثم قَتيلًا. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ في شأن عيسى ﵊، فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس فقال بعض اليهود: إنه كان كاذبًا فقتلناه حقًا، وتردد آخرون فقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، وقال من سمع منه أن الله ﷾ يرفعني إلى السماء: أنه رفع إلى السماء. وقال قوم: صلب الناسوت وصعد اللاهوت. لَفِي شَكٍّ مِنْهُ لفي تردد، والشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردد، وعلى ما يقابل العلم ولذلك أكده بقوله: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ استثناء منقطع أي لكنهم يتبعون الظن، ويجوز أن يفسر الشك بالجهل والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفس جزمًا كان أو غيره فيتصل الاستثناء. وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا قتلًا يقينًا كما زعموه بقولهم إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ، أو متيقنين. وقيل معناه ما علموه يقينًا كقول الشاعر:\nكَذَاكَ تُخْبِرُ عَنْهَا العَالِمَاتُ بِهَا ... وَقَدْ قَتَلْتُ بِعِلْمِي ذلِكُمُ يَقِينا\nمن قولهم قتلت الشيء علمًا ونحرته علمًا إذا تبالغ في علمك.\nبَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ رد وإنكار لقتله وإثبات لرفعه. وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا لا يغلب على ما يريده.\nحَكِيمًا فيما دبره لعيسى ﵊.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>[سورة النساء (٤): آية ١٥٩]</span>\nوَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)\nوَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أي وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به، فقوله لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ جملة قسمية وقعت صفة لأحد ويعود إليه الضمير الثاني، والأول لعيسى ﵊.\nوالمعنى ما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن بأن عيسى عبد الله ورسوله قبل أن يموت ولو حين أن تزهق روحه ولا ينفعه إيمانه ويؤيد ذلك أنه قرئ. «إلا ليؤمنن به قبل موتهم» بضم النون لأن أحدًا في معنى الجمع، وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الإِيمان به قبل أن يضطروا إليه ولم ينفعهم إيمانهم. وقيل الضميران لعيسى عليه أفضل الصلاة والسلام، والمعنى: أنه إذا نزل من السماء آمن به أهل الملل جميعا.\nروي: أنه ﵊ ينزل من السماء حين يخرج الدجال فيهلكه ولا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإِسلام، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإِبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيات. ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه،\nوَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٠ الى ١٦١]</span>\nفَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦١)\nفَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي فبأي ظلم منهم. حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ يعني ما ذكره في","vol":"2","page":108},{"text":"قوله وَعَلَى الذين هَادُواْ حرمنا. وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ناسًا كثيرًا أو صدًا كثيرًا.\nوَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ كان الربا محرمًا عليهم كما هو محرم علينا، وفيه دليل على دلالة النهي على التحريم. وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا دون من تاب وآمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>[سورة النساء (٤): آية ١٦٢]</span>\nلكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)\nلكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ كعبد الله بن سلام وأصحابه. وَالْمُؤْمِنُونَ أي منهم أو من المهاجرين والأنصار. يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ خبر المبتدأ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ نصب على المدح إن جعل يؤمنون الخبر لأولئك، أو عطف على ما أنزل إليك والمراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أي: يؤمنون بالكتب والأنبياء. وقرئ بالرفع عطفًا على الرَّاسِخُونَ أو على الضمير في يُؤْمِنُونَ أو على أنه مبتدأ والخبر أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ. وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ رفعه لأحد الأوجه المذكورة. وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قدم عليه الإِيمان بالأنبياء والكتب وما يصدقه من اتباع الشرائع لأنه المقصود بالآية. أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا على جمعهم بين الإِيمان الصحيح والعمل الصالح وقرأ حمزة سيؤتيهم بالياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>[سورة النساء (٤): آية ١٦٣]</span>\nإِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (١٦٣)\nإِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ جواب لأهل الكتاب عن اقتراحهم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، واحتجاج عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تعظيمًا لهم، فإن إبراهيم أول أولي العزم منهم وعيسى آخرهم، والباقين أشرف الأنبياء ومشاهيرهم. وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا وقرأ حمزة زَبُورًا بالضم وهو جمع زبر. بمعنى مزبور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٤ الى ١٦٥]</span>\nوَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)\nوَرُسُلًا نصب بمضمر دل عليه أوحينا إليك كأرسلنا أو فسره: قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذه السورة أو اليوم. وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا وهو منتهى مراتب الوحي خص به موسى من بينهم، وقد فضل الله محمدا ﷺ بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد منهم.\nرُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ نصب على المدح أو بإضمار أرسلنا، أو على الحال ويكون رسلًا موطئًا لما بعده كقولك مررت بزيد رجلًا صالحًا. لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فيقولوا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فينبهنا ويعلمنا ما لم نكن نعلم، وفيه تنبيه على أن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الناس ضرورة لقصور الكل عن إدراك جزيئات المصالح والأكثر عن إدراك كلياتها، واللام متعلقة بأرسلنا أو بقوله مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وحُجَّةٌ اسم كان وخبره لِلنَّاسِ أو عَلَى اللَّهِ والآخر حال، ولا يجوز تعلقه بحجة لأنه مصدر وبعد ظرف لها أو صفة. وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا لا يغلب فيما يريد. حَكِيمًا فيما دبر من أمر النبوة وخص كل نبي بنوع من الوحي والإِعجاز.","vol":"2","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>[سورة النساء (٤): آية ١٦٦]</span>\nلكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)\nلكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ استدراك عن مفهوم ما قبله فكأنه لما تعنتوا عليه بسؤال كتاب ينزل عليهم من السماء، واحتج عليهم بقوله إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قال: إنهم لا يشهدون ولكن الله يشهد، أو أنهم أنكروه ولكن الله يثبته ويقرره. بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ من القرآن المعجز الدال على نبوتك.\nروي أنه لما نزل إنا أوحينا إليك قالوا ما نشهد لك فنزلت.\nأَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أنزله ملتبسا بعلمه الخاص به، وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ، أو بحال من يستعد للنبوة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، فالجار والمجرور على الأولين حال من الفاعل وعلى الثالث حال من المفعول، والجملة كالتفسير لما قبلها وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ أيضًا بنبوتك. وفيه تنبيه على أنهم يودون أن يعلموا صحة دعوى النبوة على وجه يستغني عن النظر والتأمل، وهذا النوع من خواص الملك ولا سبيل للإنسان إلى العلم بأمثال ذلك سوى الفكر والنظر، فلو أتى هؤلاء بالنظر الصحيح لعرفوا نبوتك وشهدوا بها كما عرفت الملائكة وشهدوا. وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا أي وكفى بما أقام من الحجج على صحة نبوتك عن الاستشهاد بغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٧ الى ١٦٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا لأنهم جمعوا بين الضلال والإِضلال ولأن المضل يكون أغرق في الضلال وأبعد من الانقلاع عنه.\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا محمدا ﵊ بإنكار نبوته، أو الناس بصدهم عما فيه صلاحهم وخلاصهم أو بأعم من ذلك. والآية تدل على أن الكفار مخاطبون بالفروع إذ المراد بهم الجامعون بين الكفر والظلم. لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا.\nإِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لجرى حكمه السابق ووعده المحتوم على أن من مات على كفره فهو خالد في النار وخالدين حال مقدرة. وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا لا يصعب عليه ولا يستعظمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>[سورة النساء (٤): آية ١٧٠]</span>\nيَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)\nيَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ لما قرر أمر النبوة وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ووعيد من أنكرها، خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة والوعد بالإِجابة والوعيد على الرد. فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ أي إيمانًا خيرًا لكم أو ائتوا أمرًا خيرًا لَّكُمْ مما أنتم عليه. وقيل تقديره يكن الإِيمان خيرًا لكم ومنعه البصريون لأن كان لا يحذف مع اسمه إلا فيما لا بد منه ولأنه يؤدي إلى حذف الشرط وجوابه. وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني وإن تكفروا فهو غني عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم، ونبه على غناه بقوله: لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهو يعم ما اشتملتا عليه وما تركبتا منه.\nوَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا بأحوالهم. حَكِيمًا فيما دبر لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>[سورة النساء (٤): آية ١٧١]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)","vol":"2","page":110},{"text":"يا أَهْلَ الْكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ الخطاب للفريقين، غلت اليهود في حط عيسى ﵊ حتى رموه بأنه ولد من غير رشدة، والنصارى في رفعه حتى اتخذوه إلهًا. وقيل الخطاب للنصارى خاصة فإنه أوفق لقوله: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ يعني تنزيهه عن الصاحبة والولد. إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أوصلها إليها وحصلها فيها. وَرُوحٌ مِنْهُ وذو روح صدر منه لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة له، وقيل سمي روحًا لأنه كان يحيي الأموات أو القلوب فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أي الآلهة ثلاثة الله والمسيح ومريم، ويشهد عليه قوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أو الله ثلاثة إن صح أنهم يقولون الله ثلاثة أقانيم الأب والابن وروح القدس، ويريدون بالأب الذات، وبالابن العلم، وبروح القدس الحياة. انْتَهُوا عن التثليث. خَيْرًا لَكُمْ نصبه كما سبق. إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ أي واحد بالذات لا تعدد فيه بوجه ما. سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ أي أسبحه تسبيحا من أن يكون له ولد، فإنه يكون لمن يعادله مثل، ويتطرق إليه فناء. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكًا وخلقًا لا يماثله شيء من ذلك فيتخذه ولدًا. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا تنبيه على غناه عن الولد فإن الحاجة إليه ليكون وكيلًا لأبيه والله ﷾ قائم بحفظ الأشياء كاف في ذلك مستغن عمن يخلقه أو يعينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>[سورة النساء (٤): آية ١٧٢]</span>\nلَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)\nْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ\nلن يأنف، من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك كيلا يرى أثره عليك. نْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ\nمن أن يكون عبدًا له فإن عبوديته شرف يتباهى به، وإنما المذلة والاستنكاف في عبودية غيره.\nروي (أن وفد نجران قالوا لرسول الله ﷺ: لم تعيب صاحبنا؟ قال رسول الله ﷺ: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى ﵇، قال ﵇: وأي شيء أقول. قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله، قال إنه ليس بعار أن يكون عبد الله، قالوا: بلى) فنزلت\nلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ\nعطف على المسيح أي ولا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدًا لله، واحتج به من زعم فضل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقال مساقه لرد قول النصارى في رفع المسيح عن مقام العبودية وذلك يقتضي أن يكون المعطوف أعلى درجة من المعطوف عليه حتى يكون عدم استنكافهم كالدليل على عدم استنكافه، وجوابه أن الآية للرد على عبدة المسيح والملائكة فلا يتجه ذلك وإن سلم اختصاصها بالنصارى فلعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير دون التكبير كقولك: أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس، وإن أراد به التكبير فغايته تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين هو حول العرش، أو من أعلى منهم رتبة من الملائكة أعلى المسيح من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقًا والنزاع فيه مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ\nومن يرتفع عنها، والاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه وإنما يستعمل من حيث لا استحقاق بخلاف التكبر فإنه قد يكون بالاستحقاق. سَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا\nفيجازيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>[سورة النساء (٤): آية ١٧٣]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧٣)","vol":"2","page":111},{"text":"فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا تفصيل للمجازاة العامة المدلول عليها من فحوى الكلام، وكأنه قال فسيحشرهم إليه جميعًا يوم يحشر العباد للمجازاة، أو لمجازاتهم فإن إثابة مقابليهم والإِحسان إليهم تعذيب لهم بالغم والحسرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>[سورة النساء (٤): الآيات ١٧٤ الى ١٧٥]</span>\nيَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)\nيَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا عنى بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن، أي قد جاءكم دلائل العقل وشواهد النقل ولم يبق لكم عذر ولا علة، وقيل: البرهان الدين أو رسول الله ﷺ أو القرآن.\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ في ثواب قدره بإزاء إيمانه وعمله رحمة منه لا قضاء لحق واجب وَفَضْلٍ إحسان زائد عليه وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ إلى الله ﷾. وقيل إلى الموعود. صِراطًا مُسْتَقِيمًا هو الإِسلام والطاعة في الدنيا، وطريق الجنة في الآخرة. يَسْتَفْتُونَكَ أي في الكلالة حذفت لدلالة الجواب عليه.\nروي (أن جابر بن عبد الله كان مريضًا فعاده رسول الله ﷺ فقال: إني كلالة فكيف أصنع في مالي) فنزلت\nوهي آخر ما نزل من الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]</span>\nيَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)\nيَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ سبق تفسيرها في أول السورة. إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ ارتفع امْرُؤٌ بفعل يفسره الظاهر، وليس له ولد صفة له أو حال من المستكن في هلك، والواو في وَلَهُ يحتمل الحال والعطف، والمراد بالأخت الأخت من الأبوين أو الأب لأنه جعل أخوها عصبة وابن الأم لا يكون عصبة، والولد على ظاهره فإن الأخت وإن ورثت مع البنت عند عامة العلماء غير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. لكنها لا ترث النصف. وَهُوَ يَرِثُها أي والمرء يرث أخته إن كان الأمر بالعكس. إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ذكرًا كان أو أنثى إن أريد بيرثها يرث جميع مالها، وإلا فالمراد به الذكر إذ البنت لا تحجب الأخ، والآية كما لم تدل على سقوط الإِخوة بغير الولد لم تدل على عدم سقوطهم به وقد دلت السنة على أنهم لا يرثون مع الأب وكذا مفهوم قوله: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إن فسرت بالميت. فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ الضمير لمن يرث بالأخوة وتثنيته محمولة على المعنى، وفائدة الإخبار عنه باثنتين التنبيه على أن الحكم باعتبار العدد دون الصغر والكبر وغيرهما. وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أصله وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب المذكر. يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا أي يبين الله لكم ضلالكم الذي من شأنكم إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا عنه وتتحروا خلافه، أو يبين لكم الحق والصواب كراهة أن تضلوا. وقيل لئلا تضلوا فحذف لا وهو قول الكوفيين. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات.\nعن النبي ﷺ: «من قرأ سورة النساء فكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة، وورث ميراثًا وأعطي من الأجر كمن اشترى محررا، وبرئ من الشرك وكان في مشيئة الله تعالى من الذين يتجاوز عنهم» .","vol":"2","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>(٥) سورة المائدة</span>\nمدنية وآيها مائة وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>[سورة المائدة (٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الوفاء هو القيام بمقتضى العهد وكذلك الإِيفاء والعقد العهد الموثق قال الحطيئة:\nقَوْمٌ إِذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهمُ ... شَدُّوا العِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا\nوأصله الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال، ولعل المراد بالعقود ما يعم العقود التي عقدها الله ﷾ على عباده وألزمها إياهم من التكاليف، وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به، أو يحسن إن حملنا الأمر على المشترك بين الوجوب والندب. أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ تفصيل للعقود، والبهيمة كل حي لا يميز. وقيل كل ذات أربع، وإضافتها إلى الأنعام للبيان كقولك: ثوب خز، ومعناه البهيمة من الأنعام. وهي الأزواج الثمانية وألحق بها الظباء ويقر الوحش. وقيل هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب، وإضافتها إلى الأنعام لملابسة الشبه. إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ إلا محرم ما يتلى عليكم كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أو إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ تحريمه. غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ حال من الضمير في لَكُمْ وقيل من واو أَوْفُوا وقيل استثناء وفيه تعسف والصَّيْدِ يحتمل المصدر والمفعول. وَأَنْتُمْ حُرُمٌ حال مما استكن في مُحِلِّي، وال حُرُمٌ جمع حرام وهو المحرم. إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ من تحليل أو تحريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>[سورة المائدة (٥): آية ٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ يعني مناسك الحج، جمع شعيرة وهي اسم ما أشعر أي جعل شعارًا سمى به أعمال الحج ومواقفه لأنها علامات الحج وأعلام النسك. وقيل دين الله لقوله ﷾:\nوَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ أي دينه. وقيل فرائضه التي حدها لعباده. وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ بالقتال فيه أو بالنسيء. وَلَا الْهَدْيَ ما أهدي إلى الكعبة، جمع هدية كجدي في جمع جدية السرح. وَلَا الْقَلائِدَ أي ذوات القلائد من الهدي، وعطفها على الهدي للاختصاص فإنها أشرف الهدي، أو القلائد أنفسها والنهي عن إحلالها مبالغة في النهي عن التعرض للهدي، ونظيره قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ. والقلائد جمع قلادة","vol":"2","page":113},{"text":"وهي ما قلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر أو غيرهما ليعلم به أنه هدي فلا يتعرض له. وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قاصدين لزيارته. يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا أن يثيبهم ويرضى عنهم، والجملة في موضع الحال من المستكن في آمين وليست صفة له، لأنه عامل والمختار أن اسم الفاعل الموصوف لا يعمل، وفائدته استنكار تعرض من هذا شأنه والتنبيه على المانع له. وقيل معناه يبتغون من الله رزقًا بالتجارة ورضوانًا بزعمهم إذ روي أن الآية نزلت عام القضية في حجاج اليمامة لما هم المسلمون أن يتعرضوا لهم بسبب أنه كان فيهم الحطيم بن شريح بن ضبيعة، وكان قد استاق سرح المدينة وعلى هذا فالآية منسوخة. وقرئ «تبتغون» على خطاب المؤمنين وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا إذن في الاصطياد بعد زوال الإِحرام ولا يلزم من إرادة الإباحة هاهنا من الأمر دلالة الأمر الآتي بعد الحظر على الإباحة مطلقا. وقرئ بكسر الفاء على إلقاء حركة همزة الوصل عليها وهو ضعيف جدا. وقرئ «أحللتم» يقال حل المحرم وأحل وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ لا يحملنكم أو لا يكسبنكم. شَنَآنُ قَوْمٍ شدة بغضهم وعداوتهم وهو مصدر أضيف إلى المفعول أو الفاعل. وقرأ ابن عامر وإسماعيل عن نافع وابن عياش عن عاصم بسكون النون وهو أيضًا مصدر كليان أو نعت بمعنى: بغيض قوم وفعلان في النعت أكثر كعطشان وسكران. أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ لأن صدوكم عنه عام الحديبية. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أنه شرط معترض أغنى عن جوابه لا يجرمنكم. أَنْ تَعْتَدُوا بالانتقام، وهو ثاني مفعولي يجر منكم فإنه يعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب. ومن قرأ يَجْرِمَنَّكُمْ بضم الياء جعله منقولًا من المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين. وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى على العفو والإِغضاء ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى. وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ للتشفي والانتقام. وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ فانتقامه أشد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>[سورة المائدة (٥): آية ٣]</span>\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ بيان ما يتلى عليكم، والميتة ما فارقه الروح من غير تذكية. وَالدَّمُ أي الدم المسفوح لقوله تعالى: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا وكان أهل الجاهلية يصبونه في الأمعاء ويشوونها. وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ أي رفع الصوت لغير الله به كقولهم: باسم اللات والعزى عند ذبحه. وَالْمُنْخَنِقَةُ أي التي ماتت بالخنق. وَالْمَوْقُوذَةُ المضروبة بنحو خشب، أو حجر حتى تموت من وقذته إذا ضربته.\nوَالْمُتَرَدِّيَةُ التي تردت من علو أو في بئر فماتت. وَالنَّطِيحَةُ التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح والتاء فيها للنقل. وَما أَكَلَ السَّبُعُ وما أكل منه السبع فمات، وهو يدل على أن جوارح الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم تحل. إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ إلا ما أدركتم ذكاته وفيه حياة مستقرة من ذلك. وقيل الاستثناء مخصوص بما أكل السبع. والذكاة في الشرع لقطع الحلقوم والمريء بمحدد. وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ النصب واحد الأنصاب وهي أحجار كانت منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويعدون ذلك قربة. وقيل هي الأصنام وعلى بمعنى اللام أو على أصلها بتقدير وما ذبح مسمى على الأصنام. وقيل هو جمع والواحد نصاب. وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ أي وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام، وذلك أنهم إذا قصدوا فعلًا ضربوا ثلاثة أقداح. مكتوب على أحدها، أمرني ربي. وعلى الآخر: نهاني ربي. والثالث غفل، فإن خرج الأمر مضوا على ذلك وإن خرج الناهي تجنبوا عنه وإن خرج الغفل أجالوها ثانيًا، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم لهم بالأزلام. وقيل: هو استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة وواحد الأزلام زلم كجمل وزلم","vol":"2","page":114},{"text":"كصرد. ذلِكُمْ فِسْقٌ إشارة إلى الاستقسام، وكونه فسقًا لأنه دخول في علم الغيب وضلال باعتقاد أن ذلك طريق إليه، وافتراء على الله ﷾ إن أريد بربي الله، وجهالة وشرك إن أريد به الصنم أو الميسر المحرم أو إلى تناول ما حرم عليهم. الْيَوْمَ لم يرد به يومًا بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الآتية. وقيل أراد يوم نزولها وقد نزلت بعد عصر يوم الجمعة في عرفة حجة الوداع. يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أي من إبطاله ورجوعكم عنه بتحليل هذه الخبائث وغيرها أو من أن يغلبوكم عليه. فَلا تَخْشَوْهُمْ أن يظهروا عليكم. وَاخْشَوْنِ وأخلصوا الخشية لي. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد.\nوَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بالهداية والتوفيق أو بإكمال الدين أو بفتح مكة وهدم منار الجاهلية. وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا اخترته لكم دينًا من بين الأديان وهو الدين عند الله لا غير. فَمَنِ اضْطُرَّ متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض لما يوجب التجنب عنها، وهو أن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإِسلام المرضي. والمعنى: فمن اضطر إلى تناول شيء من هذه المحرمات. فِي مَخْمَصَةٍ مجاعة غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ غير مائل له ومنحرف إليه بأن يأكلها تلذذًا أو مجاوزًا حد الرخصة كقوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا يؤاخذه بأكله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>[سورة المائدة (٥): آية ٤]</span>\nيَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤)\nيَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ لما تضمن السؤال معنى القول أوقع على الجملة، وقد سبق الكلام في مَاذَا وإنما قال لهم ولم يقل لنا على الحكاية، لأن يَسْئَلُونَكَ بلفظ الغيبة وكلا الوجهين سائغ في أمثاله، والمسؤول ما أحل لهم من المطاعم كأنهم لما تلي عليهم ما حرم عليهم سألوا عما أحل لهم. قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه ومن مفهومه حرم مستخبثات العرب، أو ما لم يدل نص ولا قياس على حرمته. وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ عطف على الطَّيِّباتُ إن جعلت مَا موصولة على تقدير وصيد ما علمتم، وجملة شرطية إن جعلت شرطًا وجوابها فَكُلُوا والْجَوارِحِ كواسب الصيد على أهلها من سباع ذوات الأربع والطير مُكَلِّبِينَ معلمين إياه الصيد، والمكلب مؤدب الجوارح ومضر بها بالصيد. مشتق من الكلب، لأن التأديب يكون أكثر فيه وآثر، أو لأن كل سبع يسمى كلبا\nلقوله ﵊ «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك»\nوانتصابه على الحال من علمتم وفائدتها المبالغة في التعليم.\nتُعَلِّمُونَهُنَّ حال ثانية أو استئناف. مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ من الحيل وطرق التأديب، فإن العلم بها إلهام من الله تعالى أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة منه ﷾، أو مما علمكم الله أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه، وأن ينزجر بزجره وينصرف بدعائه ويمسك عليه الصيد ولا يأكل منه. فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وهو ما لم تأكل منه\nلقوله ﵊ لعدي بن حاتم «وإن أكل منه فلا تأكل إنما أمسك على نفسه»\n. وإليه ذهب أكثر الفقهاء وقال بعضهم: لا يشترط ذلك في سباع الطير لأن تأديبها إلى هذا الحد متعذر، وقال آخرون لا يشترط مطلقًا. وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ الضمير لما علمتم والمعنى: سموا عليه عند إرساله أو لما أمسكن بمعنى سموا عليه إذا أدركتم ذكاته. وَاتَّقُوا اللَّهَ في محرماته. إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ فيؤاخذكم بما جل ودق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>[سورة المائدة (٥): آية ٥]</span>\nالْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)","vol":"2","page":115},{"text":"الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ يتناول الذبائح وغيرها، ويعم الذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى، واستثنى علي رضي الله تعالى عنه نصارى بني تغلب وقال: ليسوا على النصرانية، ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر. ولا يلحق بهم المجوس في ذلك وإن ألحقوا بهم في التقرير على الجزية\nلقوله ﵊: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم»\nوَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ فلا عليكم أن تطعموهم وتبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك. وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ أي الحرائر أو العفائف، وتخصيصهن بعث على ما هو الأولى. وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وإن كن حربيات وقال ابن عباس لا تحل الحربيات. إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن وتقييد الحل بإيتائها لتأكيد وجوبها والحث على ما هو الأولى. وقيل المراد بإيتائها التزامها مُحْصِنِينَ أعفاء بالنكاح.\nغَيْرَ مُسافِحِينَ غير مجاهرين بالزنا. وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ مسرين به، والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى. وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ يريد بالإِيمان شرائع الإِسلام وبالكفر إنكاره والامتناع عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>[سورة المائدة (٥): آية ٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ أي إذا أردتم القيام كقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ عبر عن إرادة الفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها، بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، أو إذا قصدتم الصلاة لأن التوجه إلى الشيء والقيام إليه قصد له، وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثًا، والإِجماع على خلافه لما\nروي «أنه ﵊ صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال عمر رضي الله تعالى عنه: صنعت شيئًا لم تكن تصنعه فقال عمدًا فعلته»\nفقيل مطلق أريد به التقييد، والمعنى إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ محدثين. وقيل الأمر فيه للندب. وقيل كان ذلك أول الأمر ثم نسخ وهو ضعيف\nلقوله ﵊: «المائدة من آخر القرآن نزولًا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» .\nفَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ أمروا الماء عليها ولا حاجة إلى الدلك خلافًا لمالك. وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ الجمهور على دخول المرفقين في المغسول ولذلك قيل: إِلَى بمعنى مع كقوله تعالى: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ أو متعلقة بمحذوف تقديره: وأيديكم مضافة إلى المرافق، ولو كان كذلك لم يبق لمعنى التحديد ولا لذكره مزيد فائدة، لأن مطلق اليد يشتمل عليها.\nوقيل: إلى تفيد الغاية مطلقًا وأما دخولها في الحكم أو خروجها منه فلا دلالة لها عليه وإنما يعلم من خارج ولم يكن في الآية، وكانت الأيدي متناولة لها فحكم بدخولها احتياطًا. وقيل إلى من حيث أنها تفيد الغاية تقتضي خروجها وإلا لم تكن غاية لقوله تعالى: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وقوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ لكن لما لم تتميز الغاية ها هنا عن ذي الغاية وجب إدخالها احتياطا. وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ الباء مزيدة. وقيل للتبعيض، فإنه الفارق بين قولك مسحت المنديل وبالمنديل، ووجهه أن يقال إنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق فكأنه قيل: وألصقوا المسح برءوسكم، وذلك لا يقتضي الاستيعاب بخلاف ما","vol":"2","page":116},{"text":"لو قيل: وامسحوا رؤوسكم فإنه كقوله: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ واختلف العلماء في قدر الواجب. فأوجب الشافعي رضي الله تعالى عنه: أقل ما يقع عليه الاسم أخذًا باليقين. وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: مسح ربع الرأس، لأنه ﵊ مسح على ناصيته وهو قريب من الربع. ومالك رضي الله تعالى عنه:\nمسح كله أخذًا بالاحتياط. وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ نصبه نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب عطفًا على وجوهكم ويؤيده: السنة الشائعة، وعمل الصحابة، وقول أكثر الأئمة، والتحديد، إذ المسح لم يحد.\nوجره الباقون على الجوار ونظيره كثير في القرآن والشعر كقوله تعالى: عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ وَحُورٌ عِينٌ بالجر في قراءة حمزة والكسائي، وقولهم جحر ضب خرب. وللنحاة باب في ذلك، وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليها ويغسل غسلًا يقرب من المسح، وفي الفصل بينه وبين أخويه إيماء على وجوب الترتيب. وقرئ بالرفع على «وَأَرْجُلَكُمْ» مغسولة. وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا فاغتسلوا. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ سبق تفسيره، ولعل تكريره ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة. مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ أي ما يريد الأمر بالطهارة للصلاة أو الأمر بالتيمم تضييقًا عليكم. وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ لينظفكم، أو ليطهركم عن الذنوب فإن الوضوء تكفير للذنوب، أو ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهير بالماء. فمفعول يُرِيدُ في الموضعين محذوف واللام للعلة. وقيل مزيدة والمعنى: ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج حتى لا يرخص لكم في التيمم، ولكن يريد أن يطهركم وهو ضعيف لأن أن لا تقدر بعد المزيدة. وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ليتم بشرعه ما هو مطهرة لأبدانكم ومكفرة لذنوبكم نعمته عليكم في الدين، أو ليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمته. والآية مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى:\nطهارتان أصل وبدل، والأصل اثنان مستوعب وغير مستوعب، وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود، وأن آلتهما مائع وجامد، وموجبهما حدث أصغر وأكبر، وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، وأن الموعود عليهما تطهير الذنوب وإتمام النعمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>[سورة المائدة (٥): آية ٧]</span>\nوَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)\nوَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإِسلام لتذكركم المنعم وترغبكم في شكره. وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا يعني الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، أو ميثاقه ليلة العقبة أو بيعة الرضوان. وَاتَّقُوا اللَّهَ في إنساء نعمته ونقض ميثاقه. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بخفياتها فيجازيكم عليها فضلًا عن جليات أعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>[سورة المائدة (٥): آية ٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا عداه بعلى لتضمنه معنى الحمل، والمعنى لا يحملنكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيًا مما في قلوبكم. اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى أي العدل أقرب للتقوى، صرح لهم بالأمر بالعدل وبين أنه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور وبين أنه مقتضى الهوى، وإذا كان هذا للعدل مع الكفار فما ظنك بالعدل مع المؤمنين. وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فيجازيكم به، وتكرير هذا الحكم إما لاختلاف السبب كما قيل إن الأولى نزلت في","vol":"2","page":117},{"text":"المشركين وهذه في اليهود، أو لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>[سورة المائدة (٥): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠)\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ إنما حذف ثاني مفعولي وعد استغناء بقوله لَهُمْ مَغْفِرَةٌ فإنه استئناف يبينه. وقيل الجملة في موضع المفعول فإن الوعد ضرب من القول وكأنه قال: وعدهم هذا القول.\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ هذا من عادته تعالى، أن يتبع حال أحد الفريقين حال الآخر وفاء بحق الدعوة، وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>[سورة المائدة (٥): آية ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ\nروي (أن المشركين رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه بعسفان، قاموا إلى الظهر معًا فلما صلوا ندموا ألا كانوا أكبوا عليهم وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى العصر، فرد الله عليهم كيدهم بأن أنزل عليهم صلاة الخوف) .\nوالآية إشارة إلى ذلك وقيل إشارة إلى ما\nروي (أنه ﵊ أتى قريظة ومعه الخلفاء الأربعة يستقرضهم لدية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري يحسبهما مشركين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم اجلس حتى نطعمك ونقرضك فأجلسوه وهموا بقتله، فعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه، فأمسك الله يده فنزل جبريل فأخبره فخرج) .\nوقيل (نزل رسول الله ﷺ منزلًا وعلق سلاحه بشجرة وتفرق الناس عنه، فجاء أعرابي فسل سيفه وقال: من يمنعك مني؟ فقال:\nالله! فأسقطه جبريل من يده، فأخذه الرسول ﷺ وقال: من يمنعك مني فقال لا أحد أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله) فنزلت\nإِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل والإهلاك، يقال بسط إليه يده إذا بطش به وبسط إليه لسانه إذا شتمه. فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ منعها أن تمد إليكم ورد مضرتها عنكم.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فإنه الكافي لإِيصال الخير ودفع الشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>[سورة المائدة (٥): آية ١٢]</span>\nوَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢)\nوَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا شاهدًا من كل سبط ينقب عن أحوال قومه ويفتش عنها، أو كفيلًا يكفل عليهم بالوفاء بما أمروا به.\nروي أن بني إسرائيل لما فرغوا من فرعون واستقروا بمصر، أمرهم الله ﷾ بالمسير إلى أريحاء من أرض الشام، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون وقال: إني كتبتها لكم دارًا وقرارًا فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها فإني ناصركم، وأمر موسى ﵊ أن يأخذ من كل سبط كفيلًا عليهم بالوفاء بما أمروا به، فأخذ عليهم الميثاق واختار منهم النقباء وسار بهم فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون الأخبار، ونهاهم أن يحدثوا قومهم، فرأوا أجرامًا عظيمة وبأسًا شديدًا فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم ونكث الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا، ويوشع بن نون","vol":"2","page":118},{"text":"من سبط افرائيم بن يوسف.\nوَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ بالنصرة لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ أي نصرتموهم وقويتموهم وأصله الذب ومنه التعزيز. وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا بالإِنفاق في سبيل الخير وقرضًا يحتمل المصدر والمفعول. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ جواب للقسم المدلول عليه باللام في لئن ساد مسد جواب الشرط. وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم. مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ضلالًا لا شبهة فيه ولا عذر معه بخلاف من كفر قبل ذلك، إذ قد يمكن أن يكون له شبهة ويتوهم له معذرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>[سورة المائدة (٥): آية ١٣]</span>\nفَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)\nفَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ طردناهم من رحمتنا، أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية. وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً لا تنفعل عن الآيات والنذر. وقرأ حمزة والكسائي «قسية» وهي إما مبالغة قاسِيَةً أو بمعنى رديئة من قولهم درهم قسي إذا كان مغشوشًا، وهو أيضًا من القسوة فإن المغشوش فيه يبس وصلابة وقرئ «قسية» بإتباع القاف للسين. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ استئناف لبيان قسوة قلوبهم، فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام الله ﷾ والافتراء عليه، ويجوز أن يكون حالًا من مفعول لَعَنَّاهُمْ لا من القلوب إذ لا ضمير له فيه. وَنَسُوا حَظًّا وتركوا نصيبًا وافيًا. مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ من التوراة، أو من اتباع محمد ﷺ، والمعنى أنهم حرفوا التوراة وتركوا حظهم مما أنزل عليهم فلم ينالوه، وقيل معناه أنهم حرفوها فزلت بشؤمه أشياء منها عن حفظهم، لما روي أن ابن مسعود قال: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية.\nوَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ خيانة منهم، أو فرقة خائنة أو خائن والتاء للمبالغة. والمعنى أن الخيانة والغدر من عادتهم وعادة أسلافهم لا تزال ترى ذلك منهم. إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لم يخونوا وهم الذين آمنوا منهم، وقيل استثناء من قوله: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إن تابوا وآمنوا أو عاهدوا والتزموا الجزية. وقيل: مطلق نسخ بآية السيف. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تعليل للأمر بالصفح وحث عليه وتنبيه على أن العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلًا عن العفو عن غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>[سورة المائدة (٥): آية ١٤]</span>\nوَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)\nوَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ أي وأخذنا من النصارى ميثاقهم كما أخذنا ممن قبلهم، وقيل تقديره ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا، وإنما قال قالوا إنا نصارى ليدل على أنهم سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله ﷾. فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا فألزمنا من غري بالشيء إذا لصق به. بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بين فرق النصارى، وهم نسطورية ويعقوبية وملكانية، أو بينهم وبين اليهود. وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ بالجزاء والعقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>[سورة المائدة (٥): آية ١٥]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥)\nيَا أَهْلَ الْكِتابِ يعني اليهود والنصارى، ووحد الكتاب لأنه للجنس. قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ","vol":"2","page":119},{"text":"كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ\nكنَت محمد ﷺ وآية الرجم في التوراة وبشارة عيسى ﵊ بأحمد ﷺ في الإِنجيل. وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ مما تخفونه لا يخبر به إذا لم يضطر إليه أمر ديني، أو عن كثير منكم فلا يؤخذاه بجرمه. قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يعني القرآن فإنه الكاشف لظلمات الشك والضلال والكتاب الواضح الإِعجاز. وقيل يريد بالنور محمد ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>[سورة المائدة (٥): آية ١٦]</span>\nيَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)\nيَهْدِي بِهِ اللَّهُ وحد الضمير لأن المراد بهما واحد، أو لأنهما كواحد في الحكم. مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ من اتبع رضاه بالإِيمان منهم. سُبُلَ السَّلامِ طرق السلامة من العذاب، أو سبل الله. وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ من أنواع الكفر إلى الإِسلام. بِإِذْنِهِ بإرادته أو توفيقه. وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ طريق هو أقرب الطرق إلى الله ﷾ ومؤد إليه لا محالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>[سورة المائدة (٥): آية ١٧]</span>\nلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)\nلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ هم الذين قالوا بالاتحاد منهم، وقيل لم يصرح به أحد منهم ولكن لما زعموا أن فيه لاهوتًا وقالوا لا إله إلا الله واحد لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم توضيحًا لجهلهم وتفضيحًا لمعتقدهم. قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا فمن يمنع من قدرته وإرادته شيئًا. إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ عيسى ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا احتج بذلك على فساد عقولهم وتقريره: أن المسيح مقدور مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات ومن كان كذلك فهو بمعزل عن الألوهية. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إزاحة لما عرض لهم من الشبهة في أمره، والمعنى أنه ﷾ قادر على الإِطلاق يخلق من غير أصل كما خلق السموات والأرض، ومن أصل كخلق ما بينهما فينشئ من أصل ليس من جنسه كآدم وكثير من الحيوانات، ومن أصل يجانسه إما من ذكر وحده كما خلق حواء أو من أنثى وحدها كعيسى، أو منهما كسائر الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>[سورة المائدة (٥): آية ١٨]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)\nوَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ أشياع ابنيه عزيرًا والمسيح كما قيل لأشياع ابن الزبير الخبيبون أو المقربون عنده قرب الأولاد من والدهم وقد سبق لنحو ذلك مزيد بيان في سورة «آل عمران» .\nقُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ أي فإن صح ما زعمتم فلم يعذبكم بذنوبكم فإن من كان بهذا المنصب لا يفعل ما يوجب تعذيبه، وقد عذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ واعترفتم بأنه سيعذبكم بالنار أيامًا معدودات.\nبَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ممن خلقه الله تعالى. يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وهم من آمن به وبرسله. وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وهم من كفر، والمعنى أنه يعاملكم معاملة سائر الناس لا مزية لكم عنده. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما كلها سواء في كونها خلقًا وملكًا له. وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.","vol":"2","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-585>[سورة المائدة (٥): آية ١٩]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)\nيا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ أي الدين، وحذف لظهوره، أو ما كتمتم وحذف لتقدم ذكره ويجوز أن لا يقدر مفعول على معنى يبذل لكم البيان والجملة في موضع الحال أي جاءكم رسولنا مبينًا لكم. عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ متعلق بجاءكم أي جاءكم على حين فتور من الإِرسال وانقطاع من الوحي، أو يبين حال من الضمير فيه. أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ\nكراهة أن تقولوا ذلك وتعتذروا به. فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ متعلق بمحذوف أي لا تعتذروا ب مَا جاءَنا فقد جاءكم. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الإِرسال تترى كما فعل بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، إِذْ كان بينهما ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وعلى الإِرسال على فترة كما فعل بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام كان بينهما ستمائة أو خمسمائة وتسع وستون سنة وأربعة أنبياء ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي، وفي الآية امتنان عليهم بأن بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وكانوا أحوج ما يكونون إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>[سورة المائدة (٥): آية ٢٠]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠)\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ فأرشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء. وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا أي وجعل منكم أو فيكم، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون حتى قتلوا يحيى وهموا بقتل عيسى، وقيل: لما كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله وجعلهم مالكين لأنفسهم وأمورهم سماهم ملوكًا. وَآتاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى ونحوها مما آتاهم الله، وقيل: المراد بالعالمين عالمي زمانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>[سورة المائدة (٥): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nيا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢)\nيا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أرض بيت المقدس سميت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومسكن المؤمنين. وقيل: الطور وما حوله. وقيل: دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وقيل الشام. الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قسمها لكم أو كتب في اللوح أنها تكون مسكنًا لكم، ولكن إن آمنتم وأطعتم لقوله لهم بعد ما عصوا فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ. وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ ولا ترجعوا مدبرين خوفًا من الجبابرة قيل لما سمعوا حالهم من النقباء بكوا وقالوا: ليتنا متنا بمصر تعالوا نجعل علينا رأسًا ينصرف بنا إلى مصر، أو لا ترتدوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق على الله ﷾. فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ثواب الدارين، ويجوز في فتنقلبوا الجزم على العطف والنصب على الجواب.\nقالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ متغلبين لا تتأتى مقاومتهم، والجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره وهو الذي يجبر الناس على ما يريده. وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ إِذ لاَ طَاقَة لَنَا بهم.","vol":"2","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>[سورة المائدة (٥): آية ٢٣]</span>\nقالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)\nقالَ رَجُلانِ كالب ويوشع مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أي يخافون الله ﷾ ويتقونه. وقيل كان رجلان من الجبابرة أسلما وسارا إلى موسى ﵊، فعلى هذا الواو لبني اسرائيل والراجع إلى الموصول محذوف أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل، ويشهد له أنه قرئ «الذين يُخَافُونَ» بالضم أي المخوفين، وعلى المعنى الأول يكون هذا من الإِخافة أي من الذين يخوفون من الله ﷿ بالتذكير أو يخوفهم الوعيد. أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإِيمان والتثبيت وهو صفة ثانية لرجلان أو اعتراض. ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ باب قريتهم أي باغتوهم وضاغطوهم في المضيق وامنعوهم من الأصحار. فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ لتعسر الكر عليهم في المضايق من عظم أجسامهم، ولأنهم أجسام لا قلوب فيها، ويجوز أن يكون علمهما بذلك من إخبار موسى ﵊ وقوله: كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أو مما علما من عادة الله ﷾ في نصرة رسله، وما عهدا من صنعه لموسى ﵊ في قهر أعدائه. وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مؤمنين به ومصدقين بوعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nقالُوا يَا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥)\nقالُوا يَا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا نفوا دخولهم على التأكيد والتأبيد. مَّا دامُوا فِيها بدل من أبدا بدل البعض. فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما، وقيل تقديره اذهب أنت وربك يعينك.\nقالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي قاله شكوى بثه وحزنه إلى الله ﷾ لما خالفه قومه وأيس منهم، ولم يبق معه موافق يثق به غير هارون ﵇ والرجلان المذكوران وإن كانا يوافقانه لم يثق عليهما لما كابد من تلون قومه، ويجوز أن يراد بأخي من يواخيني في الدين فيدخلان فيه، ويحتمل نصبه عطفًا على نفسي، أو على اسم أن ورفعه عطفًا على الضمير في لا أَمْلِكُ، أو على محل إن واسمها، وجره عند الكوفيين عطفًا على الضمير في نفسي. فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ بأن تحكم لنا بما نستحقه وتحكم عليهم بما يستحقونه، أو بالتبعيد بيننا وبينهم وتخليصنا من صحبتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>[سورة المائدة (٥): آية ٢٦]</span>\nقالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)\nقالَ فَإِنَّها فإن الأرض المقدسة. مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ لا يدخلونها ولا يملكونها بسبب عصيانهم.\nأَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ عامل الظرف إما محرمة فيكون التحريم موقتًا غير مؤبد فلا يخالف ظاهر قوله الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، ويؤيد ذلك ما\nروي: أن موسى ﵊ سار بعده بمن بقي من بني اسرائيل ففتح أريحاء، وأقام بها ما شاء الله ثم قبض\nوقيل: إنه قبض في التيه ولما احتضر أخبرهم بأن يوشع بعده نبي وأن الله ﷾ أمره بقتال الجبابرة، فسار بهم يوشع وقتل الجبابرة وصار الشام كله لبني اسرائيل، وإما يتيهون أي يسيرون فيها متحيرين لا يرون طريقًا فيكون التحريم مطلقًا، وقد قيل لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال إنا لن ندخلها بل هلكوا في التيه، وإنما قاتل الجبابرة أولادُهم.\nروي: أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيرون من الصباح إلى المساء، فإذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان الغمام","vol":"2","page":122},{"text":"يظلهم من الشمس وعمود من نور يطلع بالليل فيضيء لهم، وكان طعامهم المن والسلوى وماؤهم من الحجر الذي يحملونه، والأكثر على أن موسى وهارون كانا معهم في التيه إلا أنه كان ذلك روحًا لهما وزيادة في درجتهما، وعقوبة لهم، وأنهما ماتا فيه مات هارون، وموسى بعده بسنة. ثم دخل يوشع أريحاء بعد ثلاثة أشهر ومات النقباء فيه بغتة غير كالب ويوشع.\nفَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ خاطب به موسى ﵊ لما ندم على الدعاء عليهم وبين أنهم أحقاء بذلك لفسقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨)\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ قابيل وهابيل، أوحى الله ﷾ إلى آدم أن يزوج كل واحد منهما توأمة الآخر، فسخط منه قابيل لأن توأمته كانت أجمل، فقال لهما آدم: قربا قربانًا فمن أيكما قُبِلَ تزوجها، فَقُبِلَ قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته، فازداد قابيل سخطًا وفعل ما فعل. وقيل لم يرد لهما ابني آدم لصلبه وأنهما رجلان من بني اسرائيل ولذلك قال: كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ. بِالْحَقِّ صفة مصدر محذوف أي تلاوة ملتبسة بالحق، أو حال من الضمير في اتل، أو من نبأ أي ملتبسًا بالصدق موافقًا لما في كتب الأولين إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا ظرف لنبأ، أو حال منه، أو بدل على حذف مضاف أي واتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت، والقربان اسم ما يتقرب به إلى الله ﷾ من ذبيحة أو غيرها، كما أن الحلوان اسم ما يحلى به أي يعطى، وهو في الأصل مصدر ولذلك لم يثن وقيل تقديره إذ قرب كل واحد منهما قربانًا. قيل كان قابيل صاحب زرع وقرب أردأ قمح عنده، وهابيل صاحب ضرع وقرب جملًا سمينًا. فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ لأنه سخط حكم الله ﷾ ولم يخلص النية في قربانه وقصد إلى أخس ما عنده. قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ نوعده بالقتل لفرط الحسد له على تقبل قربانه ولذلك. قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ في جوابه أي إنما أتيت من قبل نفسك بترك التقوى لا من قبلي فلم تقتلني، وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظًا، لا في إزالة حظه فإن ذلك مما يضره ولا ينفعه، وأن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متقٍ.\nلَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ قيل: كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله واستسلم له خوفًا من الله ﷾ لأن الدفع لم يبح بعد، أو تحريًا لما هو الأفضل\nقال ﵊: «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل» .\nوإنما قال:\nمَا أَنَا بِباسِطٍ في جواب لَئِنْ بَسَطْتَ للتبري عن هذا الفعل الشنيع رأسًا، والتحرز من أن يوصف به ويطلق عليه ولذلك أكد النفي بالباء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠)\nإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ تعليل ثان للامتناع عن المعارضة والمقاومة، والمعنى إنما استسلم لك إرادة أن تحمل إثمي لو بسطت إليك يدي، وإثمك ببسطك يدك إلي ونحوه المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم. وقيل معنى بإثمي بإثم قتلي، وبإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك، وكلاهما في موضع الحال أي ترجع ملتبسًا بالإِثمين حاملًا لهما، ولعله لم يرد معصية أخيه وشقاوته بل قصده بهذا الكلام إلى أن ذلك إن كان لا محالة واقفًا فأريد أن يكون لك لا لي،","vol":"2","page":123},{"text":"فالمراد بالذات أن لا يكون له لا أن يكون لأخيه ويجوز أن يكون المراد بالإِثم عقوبته وإرادة عقاب العاصي جائزة.\nفَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فسهلته له ووسعته من طاع له المرتع إذا اتسع. وقرئ «فطاوعت» على أنه فاعل بمعنى فعل، أو على أن قَتْلَ أَخِيهِ كأنه دعاها إلى الإِقدام عليه فطاوعته، وله لزيادة الربط كقولك حفظت لزيد ماله. فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ دينًا ودنيا، إذ بقي مدة عمره مطرودًا محزونًا. قيل قتل هابيل وهو ابن عشرين سنة عند عقبة حراء. وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>[سورة المائدة (٥): آية ٣١]</span>\nفَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)\nفَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ\nروي أنه لما قتله تحير في أمره ولم يدر ما يصنع به إذ كان أول ميت من بني آدم، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة\nوالضمير في ليرى، لله ﷾، أو للغراب، وكيف حال من الضمير في يُوارِي والجملة ثاني مفعولي يرى،! والمراد بسوأة أخيه جسده الميت فإنه مما يستقبح أن يرى. قالَ يا وَيْلَتى كلمة جزع وتحسر والألف فيها بدل من ياء المتكلم. والمعنى يا ويلتي احضري فهذا أوانك، والويل والويلة الهلكة. أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي لا أهتدي إلى مثل ما أهتدي إليه، وقوله: فَأُوارِيَ عطف على أَكُونَ وليس جواب الاستفهام إذ ليس المعنى هاهنا لو عجزت لواريت، وقرئ بالسكون على فأنا أواري أو على تسكين المنصوب تخفيفًا. فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على قتله لما كابد فيه من التحير في أمره وحمله على رقبته سنة أو أكثر على ما قيل، وتلمذه للغراب واسوداد لونه وتبري أبويه منه، إذ\nروي أنه لما قتله اسود جسده فسأله آدم عن أخيه فقال ما كنت عليه وكيلًا فقال بل قتلته ولذلك اسود جسدك وتبرأ منه ومكث بعد ذلك مائة سنة لا يضحك وعدم الظفر بما فعله من أجله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>[سورة المائدة (٥): آية ٣٢]</span>\nمِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)\nمِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بسببه قضينا عليهم، وأجل في الأصل مصدر أجل شرًا إذا جناه استعمل في تعليل الجنايات كقولهم، من جراك فعلته، أي من أن جررته أي جنيته ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل، ومن ابتدائية متعلقة بكتبنا أي ابتداء الكتب ونشؤه من أجل ذلك. أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص. أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ أو بغير فساد فيها كالشرك أو قطع الطريق.\nفَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا من حيث أنه هتك حرمة الدماء وسن القتل، وجرأ الناس عليه، أو من حيث إن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استجلاب غضب الله ﷾ والعذاب العظيم. وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا أي ومن تسبب لبقاء حياتها بعفو أو منع عن القتل، أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة فكأنما فعل ذلك بالناس جميعًا، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ترهيبًا عن التعرض لها وترغيبًا في المحاماة عليها. وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ أي بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل أمثال تلك الجناية، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيدًا للأمر وتجديدًا للعهد كي يتحاموا عنها وكثير منهم يسرفون في الأرض بالقتل ولا يبالون به، وبهذا اتصلت القصة بما قبلها والإِسراف التباعد عن حد الاعتدال في الأمر.","vol":"2","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-595>[سورة المائدة (٥): آية ٣٣]</span>\nإِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣)\nإِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي يحاربون أولياءهما وهم المسلمون، جعل محاربتهم محاربتهما تعظيمًا. وأصل الحرب السلب والمراد به هاهنا قطع الطريق. وقيل المكابرة باللصوصية وإن كانت في مصر. وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أي مفسدين، ويجوز نصبه على العلة أو المصدر لأن سعيهم كان فسادًا فكأنه قيل: ويفسدون في الأرض فسادًا. أَنْ يُقَتَّلُوا أي قصاصًا من غير صلب إن أفردوا القتل. أَوْ يُصَلَّبُوا أي يصلبوا مع القتل إن قتلوا وأخذوا المال، وللفقهاء خلاف في أنه يقتل ويصلب أو يصلب حيًا ويترك أو يطعن حتى يموت. أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ تقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن أخذوا المال ولم يقتلوا. أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ينفوا من بلد إلى بلد بحيث لا يتمكنون من القرار في موضع إن اقتصروا على الإِخافة. وفسر أبو حنيفة النفي بالحبس، وأو في الآية على هذا للتفصيل، وقيل: إنه للتخيير والإِمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريق. ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ذل وفضيحة. وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ لعظم ذنوبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ استثناء مخصوص بما هو حق الله ﷾ ويدل عليه قوله تعالى: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أما القتل قصاصًا فإلى الأولياء يسقط بالتوبة وجوبه لا جوازه، وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد وإن أسقطت العذاب، وأن الآية في قطاع المسلمين لأن توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ أي ما تتوسلون به إلى ثوابه والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي، من وسل إلى كذا إذا تقرب إليه\nوفي الحديث «الوسيلة منزلة في الجنة» .\nوَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ بمحاربة أعدائه الظاهرة والباطنة. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بالوصول إلى الله ﷾ والفوز بكرامته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ من صنوف الأموال جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ ليجعلوه فدية لأنفسهم. مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ واللام متعلقة بمحذوف تستدعيه لو، إذ التقدير لو ثبت أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الأرض، وتوحيد الضمير في به والمذكور شيئان إما لإجرائه مجرى اسم الإشارة في نحو قوله تعالى: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ. أو لأن الواو ومثله بمعنى مع. مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ جواب لو، ولو بما في حيزه خبر إن والجملة تمثيل للزوم العذاب لهم وأنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ تصريح بالمقصود منه، وكذلك قوله:","vol":"2","page":125},{"text":"يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ وقرئ يَخْرُجُوا من أخرج وإنما قال وَما هُمْ بِخارِجِينَ بدل وما يخرجون للمبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nوَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)\nوَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جملتان عند سيبويه إذ التقدير فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمهما، وجملة عند المبرد والفاء للسببية دخل الخبر لتضمنهما معنى الشرط إذ المعنى: والذي سرق والتي سرقت، وقرئ بالنصب وهو المختار في أمثاله لأن الإِنشاء لا يقع خبرًا إلا بإضمار وتأويل. والسرقة:\nأخذ مال الغير في خفية، وإنما توجب القطع إذا كانت من حرز والمأخوذ ربع دينار أو ما يساويه\nلقوله ﵊ «القطع في ربع دينار فصاعدًا»\nوللعلماء خلاف في ذلك لأحاديث وردت فيه وقد استقصيت الكلام فيه في شرح المصابيح، والمراد بالأيدي الإيمان ويؤيده قراءة ابن مسعود ﵁ أيمانهما، ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما في قوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما اكتفاء بتثنية المضاف إليه، واليد اسم لتمام العضو ولذلك ذهب الخوارج إلى أن المقطع هو المنكب، والجمهور على أنه الرسغ لأنه ﵊ أتي بسارق فأمر بقطع يمينه منه. جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ منصوبان على المفعول له أو المصدر ودل على فعلهما فاقطعوا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.\nفَمَنْ تابَ من السراق. مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ أي بعد سرقته. وَأَصْلَحَ أمره بالتقصي عن التبعات والعزم على أن لا يعود إليها. فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة. وأما القطع فلا يسقط بها عند الأكثرين لأن فيه حق المسروق منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>[سورة المائدة (٥): آية ٤٠]</span>\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخطاب للنبي ﷺ أو لكل أحد. يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قدم التعذيب على المغفرة إيتاء على ترتيب ما سبق، أو لأن استحقاق التعذيب مقدم أو لأن المراد به القطع وهو في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>[سورة المائدة (٥): آية ٤١]</span>\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١)\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي صنيع الذين يقعون في الكفر سريعًا أي في إظهاره إذا وجدوا منه فرصة. مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ أي من المنافقين والباء متعلقة بقالوا لا بآمنا والواو تحتمل الحال والعطف. وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا عطف على مِنَ الَّذِينَ قالُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ خبر محذوف أي هم سماعون، والضمير للفريقين، أو للذين يسارعون ويجوز أن يكون مبتدأ ومن الذين خبره أي ومن اليهود قوم سماعون واللام في للكذب، إما مزيدة للتأكيد أو لتضمين السماع معنى القبول","vol":"2","page":126},{"text":"أي قابلون لما تفتريه الأحبار، أو للعلة والمفعول محذوف أي: سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيه.\nسَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ أي لجمع آخرين من اليهود لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبرًا وإفراطًا في البغضاء، والمعنى على الوجهين أي مصغون لهم قابلون كلامهم، أو سماعون منك لأجلهم والإِنهاء إليهم، ويجوز أن تتعلق اللام بالكذب لأن سماعون الثاني مكرر للتأكيد أي: سماعون ليكذبوا لقوم آخرين. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، إما لفظًا: بإهماله أو تغيير وضعه، وإما معنى: بحمله على غير المراد وإجرائه في غير مورده، والجملة صفة أخرى لقوم أو صفة لسماعون أو حال من الضمير فيه أو استئناف لا موضع له، أو في موضع الرفع خبرًا لمحذوف أي هم يحرفون وكذلك يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ أي إن أوتيتم هذا المحرف فاقبلوه واعملوا به. وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ بل أفتاكم محمد بخلافه فَاحْذَرُوا أي احذروا قبول ما أفتاكم به.\nروي (أن شريفًا من خيبر زنى بشريفة وكانا محصنين فكرهوا رجمهما، فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله ﷺ عنه وقالوا: إن أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا، فأمرهم بالرجم فأبوا عنه، فجعل ابن صوريا حكمًا بينه وبينهم، وقال له: أنشدك الله الذى لاَ إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى، ورفع فوقكم الطور، وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن، قال: نعم. فوثبوا عليه فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، فأمر رسول الله ﷺ بالزانيين فرجما عند باب المسجد) .\nوَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ضلالته أو فضيحته فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا فلن تستطيع له من الله شيئا في دفعها. أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ من الكفر وهو كما ترى نص على فساد قول المعتزلة. لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ هو أن بالجزية والخوف من المؤمنين. وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ وهو الخلود في النار، والضمير للذين هادوا إن استأنفت بقوله ومن الذين وإلا فللفريقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>[سورة المائدة (٥): آية ٤٢]</span>\nسَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)\nسَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ كرره للتأكيد. أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ أي الحرام كالرشا من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب في المواضع الثلاثة بضمتين وهما لغتان كالعنق والعنق، وقرئ بفتح السين على لفظ المصدر. فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ تخيير لرسول الله ﷺ إذا تحاكموا إليه بين الحكم والإِعراض ولهذا قيل: لو تحاكم كتابيان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم، وهو قول للشافعي والأصح وجوبه إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميًا لأنا التزمنا الذب عنهم ودفع الظلم منهم، والآية ليست في أهل الذمة، وعند أبي حنيفة يجب مطلقًا. وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا بأن يعادوك لإِعراضك عنهم فإن الله ﷾ يعصمك من الناس. وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي بالعدل الذي أَمَرَ الله بِهِ. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ فيحفظهم ويعظم شأنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>[سورة المائدة (٥): آية ٤٣]</span>\nوَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)\nوَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به، والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع، وإنما طلبوا به ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم الله تعالى في زعمهم، وفِيها حُكْمُ اللَّهِ حال من التوراة إن رفعتها بالظرف، وإن جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن فيه وتأنيثها لكونها نظيرة المؤنث","vol":"2","page":127},{"text":"في كلامهم لفظًا كموماة ودوداة. ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد التحكيم، وهو عطف على يحكمونك داخل في حكم التعجيب. وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ بكتابهم لإِعراضهم عنه أولًا وعما يوافقه ثانيًا، أو بك وبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>[سورة المائدة (٥): آية ٤٤]</span>\nإِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)\nإِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً يهدي إلى الحق. وَنُورٌ يكشف عما استبهم من الأحكام. يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ يعني أنبياء بني إسرائيل، أو موسى ومن بعده إن قلنا شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ، وبهذه الآية تمسك القائل به. الَّذِينَ أَسْلَمُوا صفة أجريت على النبيين مدحًا لهم وتنويهًا بشأن المسلمين، وتعريضًا باليهود وأنهم بمعزل عن دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واقتفاء هديهم. لِلَّذِينَ هادُوا متعلق بأنزل، أو بيحكم أي يحكمون بها في تحاكمهم وهو يدل على أن النبيين أنبياؤهم. وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ زهادهم وعلماؤهم السالكون طريقة أنبيائهم عطف على النبيون بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ بسبب أمر الله إياهم بأن يحفظوا كتابه من التضييع والتحريف، والراجع إلى ما محذوف ومن للتبيين. وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ رقباء لا يتركون أن يغير، أو شهداء يبينون ما يخفى منه كما فعل ابن صوريا. فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ نهي للحكام أن يخشوا غير الله في حكوماتهم ويداهنوا فيها خشية ظالم أو مراقبة كبير. وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتها. ثَمَنًا قَلِيلًا هو الرشوة والجاه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مستهينًا به منكرًا له. فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ لاستهانتهم به وتمردهم بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم بقوله الْكافِرُونَ والظَّالِمُونَ والْفاسِقُونَ، فكفرهم لإِنكاره، وظلمهم بالحكم على خلافه، وفسقهم بالخروج عنه. ويجوز أن يكون كل واحدة من الصفات الثلاث باعتبار حال انضمت إلى الامتناع عن الحكم به ملائمة لها، أو لطائفة كما قيل هذه في المسلمين لاتصالها بخطابهم، والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>[سورة المائدة (٥): آية ٤٥]</span>\nوَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)\nوَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ وفرضنا على اليهود. فِيها في التوراة. أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ أي أن النفس تقتل بالنفس. وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ رفعها الكسائي على أنها جمل معطوفة على أن وما في حيزها باعتبار المعنى وكأنه قيل: وكتبنا عليهم النفس بالنفس، والعين بالعين، فإن الكتابة والقراءة تقعان على الجمل كالقول، أو مستأنفة ومعناها: وكذلك العين مفقوءة بالعين، والأنف مجدوعة بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة بالسن، أو على أن المرفوع منها معطوف على المستكن في قوله بالنفس، وإنما ساغ لأنه في الأصل مفصول عنه بالظرف، والجار والمجرور حال مبينة للمعنى، وقرأ نافع وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وفي أذنيه بإسكان الذال حيث وقع. وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ أي ذات قصاص، وقراءة الكسائي أيضًا بالرفع ووافقه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر على أنه إجمال للحكم بعد التفصيل. فَمَنْ تَصَدَّقَ من المستحقين. بِهِ بالقصاص أي فمن عفا عنه. فَهُوَ فالتصدق. كَفَّارَةٌ لَهُ للمتصدق يكفر الله به ذنوبه. وقيل للجاني يسقط عنه ما لزمه. وقرئ «فهو كفارته له» أي فالمتصدق كفارته التي يستحقها","vol":"2","page":128},{"text":"بالتصدق له لا ينقص منها شيء. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِن القصاص وغيره. فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>[سورة المائدة (٥): الآيات ٤٦ الى ٤٧]</span>\nوَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧)\nوَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ أي وأتبعناهم على آثارهم، فحذف المفعول لدلالة الجار والمجرور عليه، والضمير للنبيون. بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مفعول ثان عدي إليه الفعل بالباء. مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وقرئ بفتح الهمزة. فِيهِ هُدىً وَنُورٌ في موضع النصب بالحال. وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ عطف عليه وكذا قوله: وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ويجوز نصبهما على المفعول له عطفًا على محذوف أو تعلقًا به وعطف.\nوَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ «عليه» في قراءة حمزة، وعلى الأول اللام متعلقة بمحذوف أي وآتيناه ليحكم، وقرئ: «وأن ليحكم» على أَنَّ أَنْ موصولة بالأمر كقولك: أمرتك بأن قم أي وأمرنا بأن ليحكم. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ عن حكمه، أو عن الإِيمان إن كان مستهينًا به، والآية تدل على أن الإِنجيل مشتمل على الأحكام وأن اليهودية منسوخة ببعثة عيسى ﵊، وأنه كان مستقلًا بالشرع وحملها على وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة خلاف الظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>[سورة المائدة (٥): آية ٤٨]</span>\nوَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)\nوَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي القرآن. مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ من جنس الكتب المنزلة، فاللام الأولى للعهد والثانية للجنس. وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ورقيبًا على سائر الكتب يحفظه عن التغيير ويشهد له بالصحة والثبات، وقرئ على بنية المفعول أي هومن عليه وحوفظ من التحريف والحافظ له هو الله ﷾، أو الحفاظ في كل عصر. فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي بما أنزل الله إليك. وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه فعن صلة للا تتبع لتضمنه معنى لا تنحرف، أو حال من فاعله أي لا تتبع أهواءهم مائلًا عما جاءك. لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ أيها الناس. شِرْعَةً شريعة وهي الطريق إلى الماء شبه بها الدين لأنه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية. وقرئ بفتح الشين. وَمِنْهاجًا وطريقًا واضحًا في الدين من نهج الأمر إذا وضح. واستدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً جماعة متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير نسخ وتحويل، ومفعول لو شاء محذوف دل عليه الجواب، وقيل المعنى لو شاء الله اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه. وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ من الشرائع المختلفة المناسبة لكل عصر وقرن، هل تعملون بها مذعنين لها معتقدين أن اختلافها بمقتضى الحكمة الإلهية، أم تزيغون عن الحق وتفرِّطون في العمل. فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ فابتدروها انتهازًا للفرصة وحيازة لفضل السبق والتقدم. إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا استئناف فيه تعليل الأمر بالاستباق ووعد","vol":"2","page":129},{"text":"ووعيد للمبادرين والمقصرين. فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ بالجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعامل والمقصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>[سورة المائدة (٥): آية ٤٩]</span>\nوَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩)\nوَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ عطف على الكتاب أي أنزلنا إليك الكتاب والحكم، أو على الحق أي أنزلناه بالحق وبأن احكم، ويجوز أن يكون جملة بتقدير وأمرنا أن أحكم. وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ أي أن يضلوك ويصرفوك عنه، وأن بصلته بدل من هم بدل الاشتمال أي احذر فتنتهم، أو مفعول له أي احذرهم مخافة أن يفتنوك.\nروي (أن أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم، إن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله ﷺ) فنزلت.\nفَإِنْ تَوَلَّوْا عن الحكم المنزل وأرادوا غيره. فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ يعني ذنب التولي عن حكم الله ﷾، فعبر عنه بذلك تنبيهًا على أن لهم ذنوبًا كثيرة وهذا مع عظمه واحد منها معدود من جملتها، وفيه دلالة على التعظيم كما في التنكير ونظيره قول لبيد:\nأَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ جمامها وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ لمتمردون في الكفر معتدون فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>[سورة المائدة (٥): آية ٥٠]</span>\nأَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)\nأَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ الذي هو الميل والمداهنة في الحكم، والمراد بالجاهلية الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى. وقيل نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا إلى رسول الله ﷺ أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى. وقرئ برفع الحكم على أنه مبتدأ، ويَبْغُونَ خبره، والراجع محذوف حذفه في الصلة في قوله تعالى: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا واستضعف ذلك في غير الشعر وقرئ «أفحكم الجاهلية» أي يبغون حاكمًا كحكام الجاهلية يحكم بحسب شهيتهم. وقرأ ابن عامر «تبغون» بالتاء على قل لهم أفحكم الجاهلية تبغون. وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي عندهم، واللام للبيان كما في قوله تعالى: هَيْتَ لَكَ أي هذا الاستفهام لقوم يوقنون فإنهم هم الذين يتدبرون الأمور ويتحققون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكمًا من الله ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>[سورة المائدة (٥): آية ٥١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ فلا تعتمدوا عليهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب. بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إيماء على علة النهي، أي فإنهم متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضًا لاتحادهم في الدين وإجماعهم على مضادتكم. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي ومن والاهم منكم فإنه من جملتهم، وهذا التشديد في وجوب مجانبتهم كما\nقال ﵊: «لا تتراءى ناراهما»\n، أو لأن الموالي لهم كانوا منافقين. إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار أو المؤمنين بموالاة أعدائهم.","vol":"2","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-610>[سورة المائدة (٥): آية ٥٢]</span>\nفَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢)\nفَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعنى ابن أبي وأضرابه. يُسارِعُونَ فِيهِمْ أي في موالاتهم ومعاونتهم.\nيَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ يعتذرون بأنهم يخافون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان بأن ينقلب الأمر وتكون الدولة للكفار.\nروي (أن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال لرسول الله ﷺ: إن لي موالي من اليهود كثيرًا عددهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم وأوالي الله ورسوله، فقال ابن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية موالي) فنزلت.\nفَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ لرسول الله ﷺ على أعدائه وإظهار المسلمين. أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يقطع شأفة اليهود من القتل والإِجلاء، أو الأمر بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم. فَيُصْبِحُوا أي هؤلاء المنافقون. عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ على ما استبطنوه من الكفر والشك في أمر الرسول ﷺ، فضلًا عما أظهروه مما أشعر على نفاقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>[سورة المائدة (٥): آية ٥٣]</span>\nوَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣)\nوَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بالرفع قراءة عاصم وحمزة والكسائي على أنه كلام مبتدأ ويؤيده قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر مرفوعًا بغير واو على أنه جواب قائل يقول فماذا يقول المؤمنون حينئذ، وبالنصب قراءة أبي عمرو ويعقوب عطفًا على أن يأتي باعتبار المعنى، وكأنه قال: عسى أن يأتي الله بالفتح ويقول الذين آمنوا، أو يجعله بدلًا من اسم الله تعالى داخلًا في اسم عسى مغنيًا عن الخبر بما تضمنه من الحدث، أو على الفتح بمعنى عسى الله أن يأتي بالفتح وبقول المؤمنين فإن الإِتيان بما يوجبه كالإِتيان به. أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ يقول المؤمنين بعضهم لبعض تعجبًا من حال المنافقين وتبجحًا بما منَّ الله ﷾ عليهم من الإِخلاص أو يقولونه لليهود، فإن المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وجهد الأيمان أغلظها، وهو في الأصل مصدر ونصبه على الحال على تقدير وأقسموا بالله يجهدون جهد أيمانهم، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ولذلك ساغ كونها معرفة أو على المصدر لأنه بمعنى أقسموا. حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ إما من جملة المقول أو من قول الله ﷾ شهادة لهم بحبوط أعمالهم، وفيه معنى التعجب كأنه قيل أحبط أعمالهم فما أخسرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>[سورة المائدة (٥): آية ٥٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ قرأه على الأصل نافع وابن عامر وهو كذلك في الإِمام، والباقون بالإِدغام وهذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها قبل وقوعها، وقد ارتد من العرب في أواخر عهد رسول الله ﷺ ثلاث فرق: بنو مدلج وكان رئيسهم ذا الحمار الأسود العنسي، تنبأ باليمن واستولى على بلاده ثم قتله فيروز الديلمي ليلة قبض رسول الله ﷺ من غدها وأخبر الرسول ﷺ في تلك الليلة فسر المسلمون وأتى الخبر في أواخر ربيع الأول.\nوبنو حنيفة أصحاب مسيلمة تنبأ وكتب إلى رسول الله ﷺ: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ﷺ أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، فأجاب من محمد رسول الله ﷺ إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، فحاربه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بجند من المسلمين وقتله وحشي قاتل حمزة. وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ","vol":"2","page":131},{"text":"فبعث إليه رسول الله ﷺ خالدًا فهرب بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.\nوفي عهد أبي بكر ﵁ سبع فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم فرة بن سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة زوجة مسيلمة، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وكفى الله أمرهم على يده، وفي إمرة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه غسان قوم جبلة بن الأيهم تنصر وسار إلى الشام. فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ قيل هم أهل اليمن لما\nروي (أنه ﵊ أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال:\nهم قوم هذا) .\nوقيل الفرس لأنه ﵊ سُئل عنهم فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه.\nوقيل الذين جاهدوا يوم القادسية ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيله، وثلاثة آلاف من أفناء الناس. والراجع إلى من محذوف تقديره فسوف يأتي الله بقوم مكانهم ومحبة الله تعالى للعباد إرادة الهدى والتوفيق لهم في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة، ومحبة العباد له إرادة طاعته والتحرز عن معاصيه. أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عاطفين عليهم متذللين لهم، جمع ذليل لا ذلول فإن جمعه ذلل، واستعماله مع على إما لتضمنه معنى العطف والحنو أو للتنبيه على أنهم مع علو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خاضعون لهم أو للمقابلة. أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ شداد متغلبين عليهم من عزه إذا غلبه، وقرئ بالنصب على الحال.\nيُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صفة أخرى لقوم، أو حال من الضمير في أعزة. وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ عطف على يجاهدون بمعنى أنهم الجامعون بين المجاهدة في سبيل الله والتصلب في دينه، أو حال بمعنى أنهم مجاهدون وحالهم خلاف حال المنافقين، فإنهم يخرجون في جيش المسلمين خائفين ملامة أوليائهم من اليهود فلا يعملون شيئًا يلحقهم فيه لوم من جهتهم، واللومة المرة من اللوم وفيها وفي تنكير لائم مبالغتان. ذلِكَ إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف. فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يمنحه ويوفق له وَاللَّهُ واسِعٌ كثير الفضل.\nعَلِيمٌ بمن هو أهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nإِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦)\nإِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا لما نهى عن موالاة الكفرة ذكر عقيبه من هو حقيق بها، وإنما قال وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَلم يقل أولياؤكم للتنبيه على أن الولاية لله ﷾ على الأصالة ولرسوله ﷺ وللمؤمنين على التبع. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ صفة للذين آمنوا فإنه جرى مجرى الاسم، أو بدل منه ويجوز نصبه ورفعه على المدح. وَهُمْ راكِعُونَ متخشعون في صلاتهم وزكاتهم، وقيل هو حال مخصوصة بيؤتون، أي يؤتون الزكاة في حال ركوعهم في الصلاة حرصًا على الإحسان ومسارعه إليه، وإنها نزلت في علي ﵁ حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه. واستدل بها الشيعة على إمامته زاعمين أن المراد بالولي المتولي للأمور والمستحق للتصرف فيها، والظاهر ما ذكرناه مع أن حمل الجمع على الواحد أيضًا خلاف الظاهر وإن صح أنه نزل فيه فلعله جيء بلفظ الجمع لترغيب الناس في مثل فعله فيندرجوا فيه، وعلى هذا يكون دليل على أن الفعل القليل في الصلاة لا يبطلها وأن صدقة التطوع تسمى زكاة.\nوَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ومن يتخذهم أولياء. فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ أي فإنهم هم الغالبون، ولكن وضع الظاهر موضع المضمر تنبيهًا على البرهان عليه فكأنه قيل: ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون وتنويهًا بذكرهم وتعظيمًا لشأنهم وتشريفًا لهم بهذا الاسم، وتعريضًا لمن يوالي غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان. وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حَزَّ بِهِمْ.","vol":"2","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>[سورة المائدة (٥): آية ٥٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ نزلت في رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث أظهرا الإِسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما. وقد رتب النهي عن موالاتهم على اتخاذهم دينهم هزوًا ولعبًا إيماء إلى العلة وتنبيهًا على أن من هذا شأنه بعيد عن الموالاة جدير بالمعاداة والبغضاء، وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار على قراءة من جره وهم أبو عمرو والكسائي ويعقوب، والكفار وإن عم أهل الكتاب يطلق على المشركين خاصة لتضاعف كفرهم، ومن نصبه عطفه على الذين اتخذوا على أن النهي عن موالاة من ليس على الحق رأسًا سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كأهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين. وَاتَّقُوا اللَّهَ بترك المناهي. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لأن الإِيمان حقًا يقتضي ذلك. وقيل إن كنتم مؤمنين بوعده ووعيده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>[سورة المائدة (٥): آية ٥٨]</span>\nوَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ (٥٨)\nوَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا أي اتخذوا الصلاة، أو المنادة وفيه دليل على أن الأذان مشروع للصلاة.\nروي: أن نصرانيًا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن محمدًا رسول الله، قال:\nأحرق الله الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام فتطاير شررها في البيت فأحرقه وأهله.\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ فإن السفه يؤدي إلى الجهل بالحق والهزء به، والعقل يمنع منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>[سورة المائدة (٥): آية ٥٩]</span>\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩)\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا هل تنكرون منا وتعيبون، يقال نقم منه كذا إذا أنكره وانتقم إذا كافأه. وقرئ تَنْقِمُونَ بفتح القاف وهي لغة. إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ الإِيمان بالكتب المنزّلة كلها. وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ عطف على أَنْ آمَنَّا وكأن المستثنى لازم الأمرين وهو المخالفة أي: ما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا الإِيمان وأنتم خارجون منه، أو كان الأصل واعتقاد أن أكثركم فاسقون فحذف المضاف، أو على ما أي: وما تنقمون منا إلا الإِيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون، أو على علة محذوفة والتقدير هل تنقمون منا إِلا أن آمنا لقلة إِنصافكم وفسقكم، أو نصب بإضمار فعل يدل عليه هل تنقمون أي: ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي:\nوفسقكم ثابت معلوم عندكم ولكن حب الرياسة والمال يمنعكم عن الإِنصاف. والآية خطاب ليهود سألوا رسول الله ﷺ عمن يؤمن به فقال: أؤمن بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا إلى قوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى: لا نعلم دينًا شرًا من دينكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>[سورة المائدة (٥): آية ٦٠]</span>\nقُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠)\nقُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ أي من ذلك المنقوم. مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ جزاء ثابتًا عند الله ﷾، والمثوبة مختصة بالخير كالعقوبة بالشر فوضعت هاهنا موضعها على طريقة قوله:\nتَحِيَّةٌ بينهم ضرب وجيع","vol":"2","page":133},{"text":"ونصبها على التمييز عن بشر. مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ بدل من بشر على حذف مضاف أي بشر من أهل ذلك من لعنه الله، أو بشر من ذلك دين من لعنه الله، أو خبر محذوف أي هو من لعنه الله وهم اليهود أبعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات، ومسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت، وبعضهم خنازير وهم كفار أهل مائدة عيسى ﵊. وقيل كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبانهم قردة ومشايخهم خنازير. وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ عطف على صلة من وكذا عَبَدَ الطَّاغُوتَ على البناء للمفعول، ورفع الطَّاغُوتَ وعَبَدَ بمعنى صار معبودًا، فيكون الراجع محذوفًا أي فيهم أو بينهم، ومن قرأ «وعابد الطاغوت» أو عَبَدَ على أنه نعت كفطن ويقظ أو عبدة أو عَبَدَ الطَّاغُوتَ على أنه جمع كخدم أو أن أصله عبدة فحذف التاء للإضافة عطفه على القردة، ومن قرأ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بالجر عطفه على من، والمراد مِنْ الطاغوت العجل وقيل الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى. أُولئِكَ أي الملعونون. شَرٌّ مَكانًا جعل مكانهم شرًا ليكون أبلغ في الدلالة على شرارتهم، وقيل مَكانًا منصرفًا. وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ قصد الطريق المتوسط بين غلو النصارى وقدح اليهود، والمراد من صيغتي التفضيل الزيادة مطلقًا لا بالإضافة إلى المؤمنين في الشرارة والضلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>[سورة المائدة (٥): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nوَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)\nوَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا نزلت في يهود نافقوا رسول الله ﷺ أو في عامة المنافقين. وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ أي يخرجون من عندك كما دخلوا لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك، والجملتان حالان من فاعل قالوا وبالكفر وبه حالان من فاعلي دخلوا وخرجوا، وقد وإن دخلت لتقريب الماضي من الحال ليصح أن يقع حالًا أفادت أيضًا لما فيها من التوقع أن أمارة النفاق كانت لائحة عليهم، وكان الرسول ﷺ يظنه ولذلك قال: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ أي من الكفر، وفيه وعيد لهم.\nوَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ أي من اليهود أو من المنافقين. يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ أي الحرام وقيل الكذب لقوله: عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَالْعُدْوانِ الظلم، أو مجاوزة الحد في المعاصي. وقيل الْإِثْمِ ما يختص بهم والعدوان ما يتعدى إلى غيرهم. وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ أي الحرام خصه بالذكر للمبالغة. لَبِئْسَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ لبئس شيئًا عملوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>[سورة المائدة (٥): آية ٦٣]</span>\nلَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)\nلَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ تحضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك فإن لولا إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض. لَبِئْسَ مَا كانُوا يَصْنَعُونَ أبلغ من قوله لبئس مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ من حيث إن الصنع عمل الإنسان بعد تدرب فيه وتروٍ وتحري إجادة، ولذلك ذم به خواصهم ولأن ترك الحسبة أقبح من مواقعه المعصية، لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها ولا كذلك ترك الإِنكار عليها فكان جديرا بأبلغ الذم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>[سورة المائدة (٥): آية ٦٤]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)","vol":"2","page":134},{"text":"وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ أي هو ممسك يقتر بالرزق وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ولا قصد فيه إلى إثبات يد وغل وبسط ولذلك يستعمل حيث لا يتصور ذلك كقوله:\nجَاَد الحِمَى بَسَطَ اليدينِ بِوَابل ... شَكَرَتْ نَدَاهُ تلاَعُهُ وَوِهَادُهُ\nونظيره من المجازات المركبة: شابت لمة الليل. وقيل معناه إنه فقير لقوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ. غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا دعاء عليهم بالبخل والنكد أو بالفقر والمسكنة، أو بغل الأيدي حقيقة يغلون أسارى في الدنيا ومسحوبين إلى النار في الآخرة فتكون المطابقة من حيث اللفظ وملاحظة الأصل كقولك: سبني سب الله دابره. بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ثنى اليد مبالغة في الرد ونفي البخل عنه تعالى وإثباتًا لغاية الجود، فإن غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطيه بيديه، وتنبيهًا على منح الدنيا والآخرة وعلى ما يعطي للاستدراج وما يعطي للإِكرام. يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ تأكيد لذلك أي هو مختار في إِنفاقه يوسع تارة ويضيق أخرى على حسب مشيئته ومقتضى حكمته، لا على تعاقب سعة وضيق في ذات يد، ولا يجوز جعله حالًا من الهاء للفصل بينهما بالخبر ولأنها مضاف إليها، ولا من اليدين إذ لا ضمير لهما فيه ولا من ضميرهما لذلك. والآية نزلت في فنحاص بن عازوراء فإنه قال ذلك لما كف الله عن اليهود ما بسط عليهم من السعة بشؤم تكذيبهم محمدًا ﷺ وأشرك فيه الآخرون لأنهم رضوا بقوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا أي هم طاغون كافرون ويزدادون طغيانًا وكفرًا بما يسمعون من القرآن كما يزداد المريض مرضًا من تناول الغذاء الصالح للأصحاء. وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فلا تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم. كُلَّما أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ كلما أرادوا حرب الرسول ﷺ وإثارة شر عليه ردهم الله ﷾ بأن أوقع بينهم منازعة كف بها عنه شرهم، أو كلما أرادوا حرب أحد غلبوا فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلط الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فسلط عليهم فطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين، وللحرب صلة أوقدوا أو صفة نارًا.\nوَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أي للفساد وهو اجتهادهم في الكيد وإثارة الحروب والفتن وهتك المحارم.\nوَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ فلا يجازيهم إلا شرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)\nوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا بمحمد ﷺ وبما جاء به. وَاتَّقَوْا ما عددنا من معاصيهم ونحوه.\nلَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ التي فعلوها ولم نؤاخذهم بها. وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وجعلناهم داخلين فيها.\nوفيه تنبيه على عظم معاصيهم وكثرة ذنوبهم، وأن الإِسلام يجب ما قبله، وإن جل وأن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم.\nوَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ بإذاعة ما فيهما من نعت محمد ﵊ والقيام بأحكامها. وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ يعني سائر الكتب المنزلة فإنها من حيث إنهم مكلفون بالإِيمان بها كالمنزل إليهم، أو القرآن لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ لوسع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم بركات مّنَ السماء والأرض، أو يكثر ثمرة الأشجار وغلة الزروع، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار. فيجتنونها من رأس الشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض بين بذلك أن ما كف عنهم بشؤم كفرهم ومعاصيهم لا لقصور الفيض، ولو أنهم آمنوا وأقاموا ما أمروا به لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين. مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ","vol":"2","page":135},{"text":"عادلة غير غالية ولا مقصرة، وهم الذين آمنوا بمحمد ﷺ. وقيل مقتصدة متوسطة في عداوته. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ مَا يَعْمَلُونَ أي بئس ما يعملونه، وفيه معنى التعجب أي ما أسوأ عملهم وهو المعاندة وتحريف الحق والإِعراض عنه والإِفراط في العداوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>[سورة المائدة (٥): آية ٦٧]</span>\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧)\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ جميع ما أنزل إِليك غير مراقب أحدًا ولا خائف مكروهًا.\nوَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك. فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ فما أديت شيئًا منها، لأن كتمان بعضها يضيع ما أدي منها كترك بعض أركان الصلاة، فإن غرض الدعوة ينتقض به، أو فكأنك ما بلغت شيئًا منها كقوله: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا من حيث أن كتمان البعض والكل سواء في الشفاعة واستجلاب العقاب.\nوقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر رِسالاتِهِ بالجمع وكسر التاء. وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ عدة وضمان من الله ﷾ بعصمة روحه ﷺ من تعرض الأعادي وإزاحة لمعاذيره. إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ لا يمكنهم مما يريدون بك.\nوعن النبي ﷺ: «بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعًا فأوحى الله تعالى إليَّ إن لم تبلغ رسالتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت» .\nوعن أنس رضي الله تعالى عنه، كان رسول الله ﷺ يحرس حتى نزلت، فأخرج رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس.\nوظاهر الآية يوجب تبليغ كل ما أنزل ولعل المراد به تبليغ ما يتعلق به مصالح العباد، وقصد بإنزاله إطلاعهم عليه فإن من الأسرار الإِلهية ما يحرم افشاؤه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>[سورة المائدة (٥): آية ٦٨]</span>\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨)\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ أي دين يعتد به ويصح أن يسمى شيئًا لأنه باطل. حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ومن إقامتها الإيمان بمحمد ﷺ والإِذعان لحكمه، فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإِيمان بمن صدقه والمعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له، والمراد إقامة أصولها وما لم ينسخ من فروعها. وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم بما تبلغه إليهم، فإن ضرر ذلك لاحق بهم لا يتخطاهم وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>[سورة المائدة (٥): آية ٦٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى سبق تفسيره في سورة «البقرة» والصابئون رفع على الابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في حيز إن والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك كقوله:\nفإنِّي وَقَيَّارٌ بها لَغَرِيبُ وقوله:\nوَإِلا فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأَنْتُم ... بُغَاةٌ مَا بَقينا فِي شِقَاق","vol":"2","page":136},{"text":"أي فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، وهو كاعتراض دل به على أنه لما كان الصابئون مع ظهور ضلالهم وميلهم عن الأديان كلها يتاب عليهم إن صح منهم الإِيمان والعمل الصالح، كان غيرهم أولى بذلك. ويجوز أن يكون والنصارى معطوفًا عليه ومن آمن خبرهما وخبر إن مقدر دل عليه ما بعده كقوله:\nنَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ\nولا يجوز عطفه على محل إن واسمها فإنه مشروط بالفراغ من الخبر، إذ لو عطف عليه قبله كان الخبر خبر المبتدأ وخبر إن معًا فيجتمع عليه عاملان ولا على الضمير في هادوا لعدم التأكيد والفصل، ولأنه يوجب كون الصابئين هودًا. وقيل إِن بمعنى نعم وما بعدها في موضع الرفع بالابتداء. وقيل الصَّابِئُونَ منصوب بالفتحة وذلك كما جوز بالياء جوز بالواو. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا في محل الرفع بالابتداء وخبره. فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ والجملة خبر إن أو خبر المبتدأ كما مر والراجع محذوف، أي:\nمن آمن منهم، أو النصب على البدل من اسم إن وما عطف عليه. وقرئ و«الصابئين» وهو الظاهر و«الصابيون» بقلب الهمزة ياء و«الصابون» بحذفها من صبأ بإبدال الهمزة ألفًا، أو من صبوت لأنهم صبوا إلى اتباع الشهوات ولم يتبعوا شرعًا ولا عقلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>[سورة المائدة (٥): آية ٧٠]</span>\nلَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)\nلَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ليذكروهم وليبينوا لهم أمر دينهم. كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لاَ تَهْوى أَنْفُسُهُمْ بما يخالَف هواهم من الشرائع ومشاق التكاليف. فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ جواب الشرط والجملة صفة رسلًا والراجع محذوف أي رسول منهم. وقيل الجواب محذوف دل عليه ذلك وهو استئناف، وإنما جيء ب يَقْتُلُونَ موضع قتلوا على حكاية الحال الماضية استحضارًا لها واستفظاعًا للقتل وتنبيهًا على أن ذلك من ديدنهم ماضيًا ومستقبلًا ومحافظة على رؤوس الآي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>[سورة المائدة (٥): آية ٧١]</span>\nوَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١)\nوَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي وحسب بنو إسرائيل أن لا يصيبهم بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم.\nوقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب لاَ تَكُونَ بالرفع على أنّ أن المخففة من الثقيلة، وأصله أنه لا تكون فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن فصار: أن لا تكون وإدخال فعل الحسبان عليها وهي للتحقيق تنزيل له منزلة العلم لتمكنه في قلوبهم، وأن أو أن بما في حيزها ساد مسد مفعوليه. فَعَمُوا عن الدين أو الدلائل والهدى. وَصَمُّوا عن استماع الحق كما فعلوا حين عبدوا العجل. ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي ثم تابوا فتاب الله عليهم. ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كرة أخرى. وقرئ بالضم فيهما على أن الله تعالى عماهم وصمهم أي رماهم بالعمى والصمم، وهو قليل واللغة الفاشية أعمى وأصم. كَثِيرٌ مِنْهُمْ بدل من الضمير، أو فاعل والواو علامة الجمع كقولهم: أكلوني البراغيث، أو خبر مبتدأ محذوف أي العمى والصم كثير منهم.\nوقيل مبتدأ والجملة قبله خبره وهو ضعيف لأن تقديم الخبر في مثله ممتنع. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ فيجازيهم على وفق أعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>[سورة المائدة (٥): آية ٧٢]</span>\nلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢)","vol":"2","page":137},{"text":"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ أي إني عبد مربوب مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم. إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ أي في عبادته أو فيما يختص به من الصفات والأفعال. فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ يمنع من دخولها كما يمنع المحرم عليه من المحرم فإنها دار الموحدين. وَمَأْواهُ النَّارُ فإنها المعدة للمشركين. وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ أي وما لهم أحد ينصرهم من النار، فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلًا على أنهم ظلموا بالاشراك وعدلوا عن طريق الحق، وهو يحتمل أن يكون من تمام كلام عيسى ﵊ وأن يكون من كلام الله تعالى نبه به على أنهم قالوا ذلك تعظيما لعيسى ﷺ، وتقربًا إليه وهو معاديهم بذلك ومخاصمهم فيه فما ظنك بغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٣ الى ٧٤]</span>\nلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)\nلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ أي أحد ثلاثة، وهو حكاية عما قاله النسطورية والملكانية منهم القائلون بالأقانيم الثلاثة وما سبق قول اليعقوبية القائلين بالاتحاد. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وما في الوجود ذات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدئ جميع الموجودات إلا إله واحد، موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة ومن مزيدة للاستغراق. وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ ولم يوحدوا. لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي ليمسن الذين بقوا منهم على الكفر، أو ليمسن الذين كفروا من النصارى، وضعه موضع ليمسنهم تكريرًا للشهادة على كفرهم وتنبيهًا على أَنَّ العذاب على مَن دام على الكفر ولم ينقلع عنه فلذلك عقبه بقوله:\nأَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ أي أفلا يتوبون بالانتهاء عن تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقرير والتهديد. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا. وفي هذا الاستفهام تعجيب من إصرارهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>[سورة المائدة (٥): آية ٧٥]</span>\nمَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)\nمَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أي ما هو إلا رسول كالرسل قبله خصه الله ﷾ بالآيات كما خصهم بها، فإن إحياء الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى ﵇ وهو أعجب، وإن خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب وأم وهو أغرب. وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق، أو يصدقن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ويفتقران إليه افتقار الحيوانات، بين أولًا أقصى ما لهما من الكمال ودل على أنه لا يوجب لهما ألوهية لأن كثيرًا من الناس يشاركهما في مثله، ثم نبه على نقصهما وذكر ما ينافي الربوبية ويقتضي أن يكونا من عداد المركبات الكائنة الفاسدة، ثم عجب لمن يدعي الربوبية لهما مع أمثال هذه الأدلة الظاهرة فقال:\nانْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله وثم لتفاوت ما بين العجبين أي إن بياننا للآيات عجب وإعراضهم عنها أعجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>[سورة المائدة (٥): آية ٧٦]</span>\nقُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)\nقُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا يعني عيسى ﵊، وهو وإن","vol":"2","page":138},{"text":"ملك ذلك بتمليك الله ﷾ إياه لا يملكه من ذاته ولا يملك مثل ما يضر الله تعالى به من البلايا والمصائب، وما ينفع به من الصحة والسعة وإنما قال ما نظرًا إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأسًا، وتنبيهًا على أنه من هذا الجنس ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية، وإنما قدم الضر لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع. وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ بالأقوال والعقائد فيجازي عليها إن خيرًا فخير وإن شرا فشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>[سورة المائدة (٥): آية ٧٧]</span>\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧)\nقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ أي غلوا باطلا فترفعوا عيسى ﵊ إلى أن تدعوا له الألوهية، أو تضعوه فتزعموا أنه لغير رشدة. وقيل الخطاب للنصارى خاصة. وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ يعني أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا قبل مبعث محمد ﷺ في شريعتهم.\nوَأَضَلُّوا كَثِيرًا ممن شايعهم على بدعهم وضلالهم. وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ عن قصد السبيل الذي هو الإسلام بعد مبعثه ﷺ لما كذبوه وبغوا عليه، وقيل الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل والثاني إشارة إلى ضلالهم عما جاء به الشرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nلُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لاَ يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)\nلُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أي لعنهم الله في الزبور والإِنجيل على لسانهما. وقيل إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت لعنهم الله تعالى على لسان داود فمسخهم الله تعالى قردة، وأصحاب المائدة لما كفروا دعا عليهم عيسى ﵈ ولعنهم فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل. ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ أي ذلك اللعن الشنيع المقتضي للمسخ بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرم عليهم.\nكانُوا لاَ يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ أي لا ينهى بعضهم بعضًا عن معاودة منكر فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤوا له، أو لا ينتهون عنه من قولهم تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع. لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١)\nتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ من أهل الكتاب. يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يوالون المشركين بغضًا لرسول الله ﷺ والمؤمنين. لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي لبئس شيئا قدموه ليردوا عليه يوم القيامة أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ هو المخصوص بالذم، والمعنى موجب سخط الله والخلود في العذاب، أو علة الذم والمخصوص محذوف أي لبئس شيئًا ذلك لأنه كسبهم السخط والخلود.\nوَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ يعني نبيهم وإن كانت الآية في المنافقين فالمراد نبينا ﵇. وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ إذ الإِيمان يمنع ذلك. وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن دينهم أو متمردون في نفاقهم.","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-634>[سورة المائدة (٥): آية ٨٢]</span>\nلَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)\nلَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم وانهماكهم في اتباع الهوى، وركونهم إلى التقليد وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على تكذيب الأنبياء ومعاداتهم. وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى للين جانبهم ورقة قلوبهم وقلة حرصهم على الدنيا وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل وإليه أشار بقوله: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عن قبول الحق إذا فهموه، أو يتواضعون ولا يتكبرون كاليهود. وفيه دليل على أن التواضع والإِقبال على العلم والعمل والإِعراض عن الشهوات محمود وإن كانت من كافر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>[سورة المائدة (٥): آية ٨٣]</span>\nوَإِذا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)\nوَإِذا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ عطف على لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم إلى قبول الحق وعدم تأبيهم عنه، والفيض انصباب عن امتلاء، فوضع موضع الامتلاء للمبالغة، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها. مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ مِنْ الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا، أو للتبعيض بأنه بعض الحق. والمعنى أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله. يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا بذلك أو بمحمد. فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ، من الذين شهدوا بأنه حق، أو بنبوته، أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>[سورة المائدة (٥): آية ٨٤]</span>\nوَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)\nوَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ استفهام إنكار واستبعاد لانتفاء الإِيمان مع قيام الداعي وهو الطمع في الانخراط مع الصالحين، والدخول في مداخلهم أو جواب سائل قال لم آمنتم؟ ولا نُؤْمِنُ حال من الضمير والعامل ما في اللام من معنى الفعل، أي أي شيء حصل لنا غير مؤمنين بالله، أي بوحدانيته فإنهم كانوا مثلثين. أو بكتابه ورسوله فإن الإِيمان بهما إيمان به حقيقة وذكره توطئة وتعظيمًا، ونطمع عطف على نؤمن أو خبر محذوف، والواو للحال أي ونحن نطمع والعامل فيها عامل الأولى مقيدًا بها أو نؤمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٥ الى ٨٦]</span>\nفَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦)\nفَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا أي عن اعتقاد من قولك هذا قول فلان أي معتقده. جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ الذين أحسنوا النظر والعمل، أو الذين اعتادوا الإِحسان في الأمور. والآيات الأربع\nروي (أنها نزلت في النجاشي وأصحابه بعث إليه الرسول ﷺ بكتابه فقرأه، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأحضر الرهبان والقسيسين، فأمر جعفرًا أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم فبكوا وآمنوا بالقرآن)\nوقيل نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلًا من قومه وفدوا على رسول الله ﷺ فقرأ عليهم سورة يس فبكوا وآمنوا.","vol":"2","page":140},{"text":"وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ عطف التكذيب بآيات الله على الكفر، وهو ضرب منه لأن القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم في معرض المصدقين بها جمعًا بين الترغيب والترهيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٧ الى ٨٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ أي ما طاب ولذ منه كأنه لما تضمن ما قبله مدح النصارى على ترهبهم والحث على كسر النفس ورفض الشهوات عقبه النهي عن الإِفراط في ذلك والاعتداء عما حد الله ﷾ بجعل الحلال حرامًا فقال: وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ويجوز أن يراد به ولا تعتدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم، فتكون الآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرم داعية إلى القصد بينهما.\nروي (أن رسول الله ﷺ وصف القيامة لأصحابه يومًا وبالغ في إنذارهم، فرقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين، وأن لا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح، ويسيحوا في الأرض، ويجبوا مذاكيرهم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقًا فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) فنزلت.\nوَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا أي كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله، فيكون حلالًا مفعول كلوا ومما حال منه تقدمت عليه لأنه نكرة، ويجوز أن تكون من ابتدائية متعلقة بكلوا، ويجوز أن تكون مفعولًا وحلالًا حال من الموصول، أو العائد المحذوف، أو صفة لمصدر محذوف وعلى الوجوه لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>[سورة المائدة (٥): آية ٨٩]</span>\nلاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)\nلاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ هو ما يبدو من المرء بلا قصد كقول الرجل: لا والله وبلى والله، وإليه ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه، وقيل الحلف على ما يظن أنه كذلك ولم يكن، وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وفي أيمانكم صلة يؤاخذكم أو اللغو لأنه مصدر أو حال منه. وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ بما وثقتم الأيمان عليه بالقصد والنية، والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم أو بنكث ما عقدتم فحذف للعلم به. وقرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم عَقَّدْتُمُ بالتخفيف، وابن عامر برواية ابن ذكوان «عاقدتم» وهو من فاعل بمعنى فعل. فَكَفَّارَتُهُ فكفارة نكثه أي الفعلة التي تذهب إثمه وتستره، واستدل بظاهره على جواز التكفير بالمال قبل الحنث وهو عندنا خلافا للحنفية\nلقوله ﵊ «من حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير» .\nإِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ من أقصده في النوع أو القدر، وهو مد لكل مسكين عندنا ونصف صاع عند الحنفية، وما محله النصب لأنه صفة مفعول محذوف تقديره: أن تطعموا عشرة مساكين طعامًا من أوسط ما تطعمون، أو الرفع على البدل من إطعام، وأهلون كأرضون. وقرئ «أهاليكم» بسكون الياء على لغة من يسكنها في الأحوال الثلاث كالألف، وهو جمع أهل كالليالي في جمع ليل والأراضي في جمع أرض.","vol":"2","page":141},{"text":"وقيل هو جمع أهلاة. أَوْ كِسْوَتُهُمْ عطف على إطعام أو من أوسط إن جعل بدلًا وهو ثوب يغطي العورة.\nوقيل ثوب جامع قميص أو رداء أو إزار. وقرئ بضم الكاف وهو لغة كقدوة في قدوة وكأسوتهم بمعنى أو كمثل ما تطعمون أهليكم إسرافًا كان أو تقتيرًا تواسون بينهم وبينهم إن لم تطعموهم الأوسط، والكاف في محل الرفع وتقديره: أو إطعامهم كأسوتهم. أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أو إعتاق إنسان، وشرط الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأَيمان قياسًا على كفارة القتل، ومعنى أو إيجاب إحدى الخصال الثلاث مطلقا وتخيير المكلف في التعيين. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أي واحدًا منها. فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فكفارته صيام ثلاثة أيام، وشرط فيه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه التتابع لأنه قرئ «ثلاثة أيام متتابعات»، والشواذ ليست بحجة عندنا إذا لم تثبت كتابًا ولم ترو سنة. ذلِكَ أي المذكور. كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وحنثتم. وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ بأن تضنوا بها ولا تبذلوها لكل أمر، أو بأن تبروا فيها ما استطعتم ولم يفت بها خير، أو بأن تكفروها إذا حنثتم.\nكَذلِكَ أي مثل ذلك البيان. يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أعلام شرائعه. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمة التعليم أو نعمة الواجب شكرها فإن مثل هذا التبيين يسهل لكم المخرج منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>[سورة المائدة (٥): آية ٩٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ أي الأصنام التي نصبت للعبادة. وَالْأَزْلامُ سبق تفسيرها في أول السورة. رِجْسٌ قذر تعاف عنه العقول، وأفرده لأنه خبر للخمر، وخبر المعطوفات محذوف أو لمضاف محذوف كأنه قال: إنما تعاطي الخمر والميسر. مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ لأنه مسبب عن تسويله وتزيينه. فَاجْتَنِبُوهُ الضمير للرجس أو لما ذكر أو للتعاطي. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكي تفلحوا بالاجتناب عنه.\nواعلم أنه ﷾ أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية، بأن صدر الجملة ب إِنَّما وقرنهما بالأنصاب والأزلام، وسماهما رجسًا، وجعلهما من عمل الشيطان تنبيهًا على أن الاشتغال بهما شرّ بحت أو غالب، وأمر بالاجتناب عن عينهما وجعله سببًا يرجى منه الفلاح، ثم قرر ذلك بأن بين ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم فقال تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>[سورة المائدة (٥): الآيات ٩١ الى ٩٢]</span>\nإِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢)\nإِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ وإنما خصهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيهًا على أنهما المقصود بالبيان، وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة\nلقوله ﵊ «شارب الخمر كعابد الوثن» .\nوخص الصلاة من الذكر بالإِفراد للتعظيم، والإِشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإِيمان من حيث إنها عماده والفارق بينه وبين الكفر، ثم أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبًا على ما تقدم من أنواع الصوارف فقال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ إيذانًا بأن الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية وأن الأعذار قد انقطعت.\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما أمرا به. وَاحْذَرُوا ما نهيا عنه أو مخالفتهما. فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ","vol":"2","page":142},{"text":"فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ\nأي فاعلموا أنكم لم تضروا الرسول ﷺ بتوليكم، فإنما عليه البلاغ وقد أدى، وإنما ضررتم به أنفسكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>[سورة المائدة (٥): آية ٩٣]</span>\nلَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)\nلَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا مما لم يحرم عليهم لقوله: إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي اتقوا المحرم وثبتوا على الإِيمان والأعمال الصالحة. ثُمَّ اتَّقَوْا ما حرم عليهم بعد كالخمر. وَآمَنُوا بتحريمه. ثُمَّ اتَّقَوْا ثم استمروا وثبتوا على اتقاء المعاصي. وَأَحْسَنُوا وتحروا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها.\nروي (أنه لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر) فنزلت.\nويحتمل أن يكون هذا التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة، أو باعتبار الحالات الثلاث استعمال الإنسان التقوى والإِيمان بينه وبين نفسه وبينه وبين الناس وبينه وبين الله تعالى، ولذلك بدل الإِيمان بالإِحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قاله ﵊ في تفسيره، أو باعتبار المراتب الثلاث المبدأ والوسط والمنتهى، أو باعتبار ما يتقي فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقيًا من العقاب والشبهات تحرزًا عن الوقوع في الحرام، وبعض المباحات تحفظًا للنفس عن الخسة وتهذيبًا لها عن دنس الطبيعة. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فلا يؤاخذهم بشيء، وفيه أن من فعل ذلك صار محسنًا ومن صار محسنًا صار لله محبوبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>[سورة المائدة (٥): آية ٩٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ نزلت في عام الحديبية ابتلاهم الله ﷾ بالصيد، وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث يتمكنون من صيدها أخذًا بأيديهم وطعنًا برماحهم وهم محرمون، والتقليل والتحقير في بشيء للتنبيه على أنه ليس من العظائم التي تدحض الأقدام كالابتلاء ببذل الأنفس والأموال، فمن لم يثبت عنده كيف يثبت عند ما هو أشد منه. لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ ليتميز الخائف من عقابه وهو غائب منتظر لقوة إيمانه ممن لا يخافه لضعف قلبه وقلة إيمانه، فذكر العلم وأراد وقوع المعلوم وظهوره أو تعلق العلم. فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ بعد ذلك الابتلاء بالصيد.\nفَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ فالوعيد لاحق به، فإن من لا يملك جأشه في مثل ذلك ولا يراعي حكم الله فيه فكيف به فيما تكون النفس أميل إليه وأحرص عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>[سورة المائدة (٥): آية ٩٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أي محرمون جمع حرام كرداح وردح، ولعله ذكر القتل دون الذبح والذكاة للتعميم، وأراد بالصيد ما يؤكل لحمه لأنه الغالب فيه عرفًا ويؤيده\nقوله ﵊ «خمس يقتلن في الحل والحرم، الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور» . وفي رواية أخرى «الحية»\nبدل «العقرب»، مع ما فيه من التنبيه على جواز قتل كل مؤذ، واختلف في أن هذا النهي هل","vol":"2","page":143},{"text":"يلغي حكم الذبح فيلحق مذبوح المحرم بالميتة ومذبوح الوثني أو لا فيكون كالشاة المغصوبة إذا ذبحها الغاصب. وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا ذاكرًا لإحرامه عالمًا بأنه حرام عليه قبل ما يقتله، والأكثر على أن ذكره ليس لتقييد وجوب الجزاء فإن إتلاف العامد والمخطئ واحد في إيجاب الضمان، بل لقوله: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ولأن الأية نزلت فيمن تعمد إذ\nروي: أنه عن لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فطعنه أبو اليسر برمحه فقتله. فنزلت.\nفَجَزاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ برفع الجزاء، والمثل قراءة الكوفيين ويعقوب بمعنى فعليه أي فواجبه جزاء يماثل ما قتل من النعم، وعليه لا يتعلق الجار بجزاء للفصل بينهما بالصفة فإن متعلق المصدر كالصلة له فلا يوصف ما لم يتم بها، وإنما يكون صفته وقرأ الباقون على إضافة المصدر إلى المفعول وإقحام مثل كما في قولهم مثلي لا يقول كذا، والمعنى فعليه أن يجزى مثل ما قتل. وقرئ «فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ»، بنصبهما على فليجز جزاء، أو فعليه أن يجزي جزاء يماثل ما قتل وفجزاؤه مثل ما قتل، وهذه المماثلة باعتبار الخلقة والهيئة عند مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما، والقيمة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال: يقوم الصيد حيث صيد فإن بلغت القيمة ثمن هدى تخير بين أن يهدي ما قيمته قيمته وبين أن يشتري بها طعامًا فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعًا من غيره، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يومًا وإن لم تبلغ تخير بين الإطعام والصوم واللفظ للأول أوفق. يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ صفة جزاء ويحتمل أن يكون حالًا من ضميره في خبره أو منه إذا أضفته، أو وصفته ورفعته بخبر مقدر لمن وكما أن التقويم يحتاج إلى نظر واجتهاد يحتاج إلى المماثلة في الخلقة والهيئة إليها، فإن الأنواع تتشابه كثيرا.\nوقرئ «ذو عدل» على إرادة الجنس أو الإمام. هَدْيًا حال من الهاء في به أو من جزاء وإن نون لتخصصه بالصفة، أو بدل من مثل باعتبار محله أو لفظه فيمن نصبه. بالِغَ الْكَعْبَةِ وصف به هديًا لأن إضافته لفظية ومعنى بلوغه الكعبة ذبحه بالحرم والتصدق به، وقال أبو حنيفة يذبح بالحرم ويتصدق به حيث شاء. أَوْ كَفَّارَةٌ عطف على جزاء إن رفعته وإن نصبته فخبر محذوف. طَعامُ مَساكِينَ عطف بيان أو بدل منه، أو خبر محذوف أي هي طعام. وقرأ نافع وابن عامر كفارة طَعامُ بالإِضافة للتبيين كقولك: خاتم فضة، والمعنى عند الشافعي أو أن يكفر بإطعام مساكين ما يساوي قيمة الهدي من غالب قوت البلد فيعطي كل مسكين مدًا. أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا أو ما ساواه من الصوم فيصوم عن طعام كل مسكين يومًا، وهو في الأصل مصدر أطلق للمفعول. وقرئ بكسر العين وهو ما عدل بالشيء في المقدر كعدلي الحمل وذلك إشارة إلى الطعام، وصيامًا تمييز للعدل. لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ متعلق بمحذوف أي فعليه الجزاء أو الطعام أو الصوم ليذوق ثقل فعله وسوء عاقبة هتكه لحرمة الإِحرام، أو الثقل الشديد على مخالفة أمر الله تعالى وأصل الوبل الثقل ومنه الطعام الوبيل. عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ من قتل الصيد محرمًا في الجاهلية أو قبل التحريم، أو في هذه المرة. وَمَنْ عادَ إلى مثل هذا. فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ فهو ينتقم الله منه وليس فيه ما يمنع الكفارة على العائد كما حكي عن ابن عباس وشريح. وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ مما أصر على عصيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>[سورة المائدة (٥): آية ٩٦]</span>\nأُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)\nأُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ما صيد منه مما لا يعيش إلا في الماء، وهو حلال كله\nلقوله ﵊ في البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» .\nوقال أبو حنيفة لا يحل منه إلا السمك. وقيل يحل السمك وما يؤكل نظيره في البر. وَطَعامُهُ ما قذفه أو نضب عنه. وقيل الضمير للصيد وطعامه أكله. مَتاعًا لَكُمْ تمتيعًا لكم نصب على الغرض. وَلِلسَّيَّارَةِ أي ولسيارتكم يتزودونه قديدًا. وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ أي ما صيد فيه، أو الصيد فيه فعلى الأول يحرم على المحرم أيضًا ما صاده الحلال وإن لم يكن له فيه مدخل،","vol":"2","page":144},{"text":"والجمهور على حله\nلقوله ﵊ «لحم الصيد حلال لكم، ما لم تصطادوه أو يصد لكم»\nمَا دُمْتُمْ حُرُمًا أي محرمين وقرئ بكسر الدال من دام يدام. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>[سورة المائدة (٥): آية ٩٧]</span>\nجَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)\nجَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ صيرها، وإنما سمي البيت كعبة لتكعبه. الْبَيْتَ الْحَرامَ عطف بيان على جهة المدح، أو المفعول الثاني قِيامًا لِلنَّاسِ انتعاشًا لهم أي سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف، ويربح فيه التجار ويتوجه إليه الحجاج والعمار، أو ما يقوم به أمر دينهم ودنياهم. وقرأ ابن عامر «قيمًا» على أنه مصدر على فعل كالشبع أعل عينه كما أعل في فعله ونصبه على المصدر أو الحال. وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ سبق تفسيرها والمراد بالشهر الشهر الذي يؤدي فيه الحج، وهو ذو الحجة لأنه المناسب لقرنائه وقيل الجنس. ذلِكَ إشارة إلى الجعل، أو إلى ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإِحرام وغيره. لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة عليها، دليل حكمة الشارع وكمال علمه. وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٨ الى ٩٩]</span>\nاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩)\nاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعيد ووعد لمن انتهك محارمه ولمن حافظ عليها، أو لمن أصر عليه ولمن أقلع عنه.\nمَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ تشديد في إيجاب القيام بما أمر به أي الرسول أتى بما أمر به من التبليغ ولم يبق لكم عذر في التفريط. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ من تصديق وتكذيب وفعل وعزيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٠]</span>\nقُلْ لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)\nقُلْ لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ حكم عام في نفي المساواة عند الله ﷾ بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وجيدها، رغب به في مصالح العمل وحلال المال. وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فإن العبرة بالجودة والرداءة دون القلة والكثرة، فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير، والخطاب لكل معتبر ولذلك قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي فاتقوه في تحري الخبيث وإن كثر، وآثروا الطيب وإن قل. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ راجين أن تبلغوا الفلاح.\nروي: أنها نزلت في حجاج اليمامة لما هم المسلمون أن يوقعوا بهم فنهوا عنه وإن كانوا مشركين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠١ الى ١٠٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ الشرطية وما عطف عليها صفتان لأشياء والمعنى: لا تسألوا رسول الله ﷺ عن أشياء إن تظهر لكم تغمكم وإن","vol":"2","page":145},{"text":"تسألوا عنها في زمان الوحي تظهر لكم، وهما كمقدمتين تنتجان ما يمنع السؤال وهو أنه مما يغمهم والعاقل لا يفعل ما يغمه، وأشياء اسم جمع كطرفاء غير أنه قلبت لامه فجعلت لفعاء. وقيل أفعلاء حذفت لامه جمع لشيء على أن أصله شيئ كهين، أو شيء كصديق فخفف. وقيل أفعال جمع له من غير تغيير كبيت وأبيات ويرده منع صرفه. عَفَا اللَّهُ عَنْها صفة أخرى أي عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلف بها. إذ\nروي أنه لما نزلت وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ قال سراقة بن مالك: أكل عام فأعرض عنه رسول الله ﷺ حتى أعاد ثلاثًا فقال: «لا ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم فاتركوني ما تركتكم» فنزلت\nأو استئناف أي عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا لمثلها. وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ لا يعاجلكم بعقوبة ما يفرط منكم، ويعفو\nعن كثير وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنه ﵊ كان يخطب ذات يوم وهو غضيان من كثرة ما يسألون عنه مما لا يعنيهم فقال: لا أسأل عن شيء إلا أجبت، فقال رجل: أين أبي فقال في النار، وقال آخر من أبي فقال: حذافة وكان يدعى لغيره) فنزلت.\nقَدْ سَأَلَها قَوْمٌ الضمير للمسألة التي دل عليها تسألوا ولذلك لم يعد بعن أو لأشياء بحذف الجار.\nمِنْ قَبْلِكُمْ متعلق بسألها وليس صفة لقوم، فإن ظرف الزمان لا يكون صفة للجثة ولا حالًا منها ولا خبرًا عنها. ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ أي بسببها حيث لم يأمروا بما سألوا جحودا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٣]</span>\nمَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣)\nمَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ رد وإنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية وهو أنهم إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها وخلوا سبيلها، فلا تركب ولا تحلب، وكان الرجل منهم يقول: إن شفيت فناقتي سائبة ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرًا فهو لألهتهم وإن ولدتهما قالوا وصلت الأنثى أخاها فلا يذبح لها الذكر، وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ظهره ولم يمنعوه من ماء ولا مرعى وقالوا: قد حمي ظهره، ومعنى ما جعل ما شرع ووضع، ولذلك تعدى إلى مفعول واحد وهو البحيرة ومن مزيدة. وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بتحريم ذلك ونسبته إلى الله ﷾. وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ أي الحلال من الحرام والمبيح من المحرم، أو الآمر من الناهي ولكنهم يقلدون كبارهم وفيه أن منهم من يعرف بطلان ذلك ولكن يمنعهم حب الرياسة وتقليد الآباء أن يعترفوا به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٤]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا بيان لقصور عقولهم وانهماكهم في التقليد وأن لا سند لهم سواه. أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ الواو للحال والهمزة دخلت عليها لإِنكار الفعل على هذه الحال، أي أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين، والمعنى أن الاقتداء إنما يصح بمن علم أنه عالم مهتد وذلك لا يعرف إلا بالحجة فلا يكفي التقليد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي إحفظوها والزموا إصلاحها، والجار مع المجرور جعل اسمًا","vol":"2","page":146},{"text":"لإِلزموا ولذلك نصب أنفسكم. وقرئ بالرفع على الابتداء. لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ لا يضركم الضلال إذا كنتم مهتدين، ومن الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته كما\nقال ﵊ «من رأى منكم منكرًا واستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» .\nوالآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم، وقيل كان الرجل إذا أسلم قالوا له سفهت آباءك فنزلت. ولا يَضُرُّكُمْ يحتمل الرفع على أنه مستأنف ويؤيده أن قرئ «لا يضيركم» والجزم على الجواب أو النهي لكنه ضمت الراء إتباعًا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة وتنصره قراءة من قرأ لاَ يَضُرُّكُمْ بالفتح، ولا يَضُرُّكُمْ بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره. إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أن أحدًا لا يؤاخذ بذنب غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ أي فيما أمرتم شهادة بينكم، والمراد بالشهادة الإِشهاد في الوصية وإضافتها إلى الظرف على الاتساع وقرئ «شَهَادَةً» بالنصب والتنوين على ليقم. إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إذا شارفه وظهرت أماراته وهو ظرف للشهادة. حِينَ الْوَصِيَّةِ بدل منه وفي إبداله تنبيه على أن الوصية مما ينبغي أن لا يتهاون فيه أو ظرف حضر. اثْنانِ فاعل شهادة ويجوز أن يكون خبرها على حذف المضاف.\nذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي من أقاربكم أو من المسلمين وهما صفتان لاثنان. أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ عطف على اثنان، ومن فسر الغير بأهل الذمة جعله منسوخًا فإن شهادته على المسلم لا تسمع إجماعًا. إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي سافرتم فيها. فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ أي قاربتم الأجل. تَحْبِسُونَهُما تقفونهما وتصبرونهما صفة لآخران والشرط بجوابه المحذوف المدلول عليه بقوله أو آخران من غيركم اعتراض، فائدته الدلالة على أنه ينبغي أن يشهد اثنان منكم فإن تعذر كما في السفر فمن غيركم، أو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن ارتبنا بالشاهدين فقال تحبسونهما. مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار. وقيل أي صلاة كانت. فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ إن ارتاب الوارث منكم. لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا مقسم عليه، وإن ارتبتم اعتراض يفيد اختصاص القسم بحال الارتياب. والمعنى لا نستبدل بالقسم أو بالله عرضًا من الدنيا أي لا نحلف بالله كاذبًا لطمع. وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى ولو كان المقسم له قريبًا منا، وجوابه أيضًا محذوف أي لا نشتري. وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ أي الشهادة التي أمرنا الله بإقامتها، وعن الشعبي أنه وقف على شهادة ثم ابتدأ الله بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه، وروي عنه بغيره كقولهم الله لأفعلن. إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ أي إن كتمنا. وقرئ «لَمِلاْثِمِين» بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدغام النون فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٧]</span>\nفَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)\nفَإِنْ عُثِرَ فإن اطلع. عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا أي فعلا ما أوجب إثمًا كتحريف. فَآخَرانِ فشاهدان آخران. يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ من الذين جنى عليهم وهم الورثة. وقرأ حفص اسْتَحَقَّ على البناء للفاعل وهو الأوليان. الْأَوْلَيانِ الاحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما وهو خبر محذوف أي: هما الأوليان أو خبر آخَرانِ أو مبتدأ خبره آخران، أو بدل منهما أو من الضمير في يقومان.","vol":"2","page":147},{"text":"وقرأ حمزة ويعقوب وأبو بكر عن عاصم الْأَوَّلِينَ على أنه صفة للذين، أو بدل منه أي من الأولين الذين استحق عليهم. وقرئ «الأولين» على التثنية وانتصابه على المدح والأولان وإعرابه إعراب الأوليان.\nفَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما أصدق منها وأولى بأن تقبل. وَمَا اعْتَدَيْنا وما تجاوزنا فيها الحق. إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ الواضعين الباطل موضع الحق، أو الظالمين أنفسهم إن اعتدينا. ومعنى الآيتين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته، أو يوصي إليهما احتياطًا فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخرين من غيرهم، ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة حلف آخران من أولياء الميت، والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فإنه لا يخلف الشاهد ولا يعارض يمينه بيمين الوارث وثابت إن كانا وصيين ورد اليمين إلى الورثة إما لظهور خيانة الوصيين فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته أو لتغيير الدعوى. إذ\nروي أن تميمًا الداري وعدي بن يزيد خرجا إلى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلمًا، فلما قدموا الشام مرض بديل فدون ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه ولم يخبرهما به، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله ومات، ففتشاه وأخذا منه إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشًا بالذهب فغيباه، فأصاب أهله الصحيفة فطالبوهما بالإِناء فجحدا فترافعوا إلى رسول الله ﷺ فنزلت\n: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية، فحلفهما رسول الله ﷺ بعد صلاة العصر عند المنبر وخلى سبيلهما، ثم وجد الإِناء في أيديهما فأتاهما بنو سهم في ذلك فقالا: قد اشتريناه منه ولكن لم يكن لنا عليه بينة فكرهنا أن نقربه فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فنزلت فَإِنْ عُثِرَ فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان فحلفا واستحقاه. ولعل تخصيص العدد فيهما لخصوص الواقعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٨]</span>\nذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)\nذلِكَ أي الحكم الذي تقدم أو تحليف الشاهد. أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها على نحو ما حملوها من غير تحريف وخيانة فيها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ أن ترد اليمين على المدعين. بعد أيمانهم فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة وإنما جمع الضمير لأنه حكم يعم الشهود كلهم. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ما توصون به سمع إجابة. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي فإن لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم قومًا فاسقين وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة. فقوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>[سورة المائدة (٥): آية ١٠٩]</span>\nيَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لاَ عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩)\nيَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ظرف له. وقيل بدل من مفعول واتقوا بدل الاشتمال، أو مفعول واسمعوا على حذف المضاف أي واسمعوا خبر يوم جمعهم، أو منصوب باضمار اذكر. فَيَقُولُ أي للرسل. مَاذَا أُجِبْتُمْ أي إجابة أجبتم، على أن ماذا في موضع المصدر، أو بأي شيء أجبتم فحذف الجار، وهذا السؤال لتوبيخ قومهم كما أن سؤال الموؤدة لتوبيخ الوائد ولذلك قالُوا لاَ عِلْمَ لَنا أي لا علم لنا بما لست تعلمه.\nإِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ فتعلم ما نعلمه مما أجابونا وأظهروا لنا وما لا نعلم مما أضمروا في قلوبهم، وفيه التشكي منهم ورد الأمر إلى علمه بما كابدوا منهم. وقيل المعنى لا علم لنا إلى جنب علمك، أو لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا وإنما الحكم للخاتمة. وقرئ «علام» بالنصب على أن الكلام قد تم بقوله إِنَّكَ أَنْتَ، أي إنك أنت الموصوف بصفاتك المعروفة وعلام منصوب على الاختصاص أو النداء. وقرأ أبو بكر وحمزة الغيوب بكسر الغين حيث وقع.","vol":"2","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-657>[سورة المائدة (٥): آية ١١٠]</span>\nإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)\nإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ بدل من يوم يجمع وهو على طريقة وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ والمعنى أنه ﷾ يوبخ الكفرة يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم وتعديد ما أظهر عليهم من الآيات فكذبتهم طائفة وسموهم سحرة، وغلا آخرون فاتخذوهم آلهة. أو نصب بإضمار اذكر. إِذْ أَيَّدْتُكَ قويتك وهو ظرف لنعمتي أو حال منه وقرئ «آيدتك» . بِرُوحِ الْقُدُسِ بجبريل ﵊، أو بالكلام الذي يحيا به الدين، أو النفس حياة أبدية ويطهر من الآثام ويؤيده قوله: تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي كائنًا في المهد وكهلًا، والمعنى تكلمهم في الطفولة والكهولة على سواء، والمعنى إلحاق حاله في الطفولية بحال الكهولية في كمال العقل والتكلم، وبه استدل على أنه سينزل فإنه رفع قبل أن يكتهل. وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي سبق تفسيره في سورة «آل عمران» . وقرأ نافع ويعقوب طائرًا ويحتمل الإِفراد والجمع كالباقر. وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ يعني اليهود حين هموا بقتله. إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ ظرف لكففت. فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي ما هذا الذي جئت به إلا سحر مبين. وقرأ حمزة والكسائي إلا «ساحر» فالإِشارة إلى عيسى ﵊.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١١ الى ١١٢]</span>\nوَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)\nوَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أي أمرتهم على ألسنة رسلي. أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي يجوز أن تكون أن مصدرية وأن تكون مفسرة. قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ مخلصون.\nإِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ منصوب بالذكر، أو ظرف لقالوا فيكون تنبيهًا على أن ادعاءهم الإِخلاص مع قولهم. هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ لم يكن بعد عن تحقيق واستحكام معرفة. وقيل هذه الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإِرادة لا على ما تقتضيه القدرة. وقيل المعنى هل يطيع ربك أي هل يجيبك، واستطاع بمعنى أطاع كاستجاب وأجاب. وقرأ الكسائي تستطيع ربك أي سؤال ربك، والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارف. والمائدة الخوان إذا كان عليه الطعام، من ماد الماء يميد إذا تحرك، أو من ماد إذا أعطاه كأنها تميد من تقدم إليه ونظيرها قولهم شجرة مطعمة. قالَ اتَّقُوا اللَّهَ من أمثال هذا السؤال. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بكمال قدرته وصحة نبوتي، أو صدقتم في ادعائكم الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٣ الى ١١٤]</span>\nقالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)","vol":"2","page":149},{"text":"قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها تمهيد عذر وبيان لما دعاهم إلى السؤال وهو أن يتمتعوا بالأكل منها.\nوَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال بكمال قدرته ﷾. وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا في ادعاء النبوة، أو أن الله يجيب دعوتنا. وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ إذا استشهدتنا أو من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر.\nقالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لما رأى أن لهم غرضًا صحيحًا في ذلك، أو أنهم لا يقلعون عنه فأراد إلزامهم الحجة بكمالها. اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا أي يكون يوم نزولها عيدًا نعظمه.\nوقيل العيد السرور العائد ولذلك سمي يوم العيد عيدًا. وقرئ «تكن» على جواب الأمر. لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا بدل من لنا بإعادة العامل أي عيدًا لمتقدمينا ومتأخرينا. روي: أنها نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيدًا. وقيل يأكل منها أولنا وآخرنا. وقرئ «لأولانا وأخرانا» بمعنى الأمة أو الطائفة. وَآيَةً عطف على عِيدًا. مِنْكَ صفة لها أي آية كائنة منك دالة على كمال قدرتك وصحة نبوتي. وَارْزُقْنا المائدة والشكر عليها. وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي خير من يرزق لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>[سورة المائدة (٥): آية ١١٥]</span>\nقالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)\nقالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ إجابة إلى سؤالكم. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم مُنَزِّلُها بالتشديد.\nفَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا أي تعذيبًا ويجوز أن يجعل مفعولًا به على السعة. لاَّ أُعَذِّبُهُ الضمير للمصدر، أو للعذاب إن أريد ما يعذب به على حذف حرف الجر. أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ أي من عالمي زمانهم أو العالمين مطلقًا فإنهم مسخوا قردة وخنازير، ولم يعذب بمثل ذلك غيرهم.\nروي: أنها نزلت سفرة حمراء بين غمامتين وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى ﵊ وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، ثم قام فتوضأ وصلى وبكى، ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسمًا وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة قال: ليس منهما ولكن اخترعه الله ﷾ بقدرته كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله، فقالوا: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله تعالى فاضطربت ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية ثم طارت المائدة، ثم عصوا بعدها فمسخوا.\nوقيل كانت تأتيهم أربعين يومًا غبًا يجتمع عليها الفقراء والأغنياء والصغار والكبار يأكلون حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظلها، ولم يأكل منها فقير إلا غني مدة عمره، ولا مريض إلا بريء ولم يمرض أبدًا، ثم أوحي الله تعالى إلى عيسى ﵇ أن اجعل مائدتي في الفقراء والمرضى دون الأغنياء والأصحاء، فاضطرب الناس لذلك فمسخ منهم ثلاثة وثمانون رجلًا. وقيل لما وعد الله إنزالها بهذه الشريطة استعفوا وقالوا: لا نريد فلم تنزل. وعن مجاهد أن هذا مثل ضربه الله لمقترحي المعجزات. وعن بعض الصوفية: المائدة هاهنا عبارة عن حقائق المعارف، فإنها غذاء الروح كما أن الأطعمة غذاء البدن وعلى هذا فلعل الحال أنهم رغبوا في حقائق لم يستعدوا للوقوف عليها، فقال لهم عيسى ﵊: إن حصلتم الإِيمان فاستعملوا التقوى حتى تتمكنوا من الاطلاع عليها، فلم يقلعوا عن السؤال وألحوا فيه فسأل لأجل اقتراحهم، فبين الله ﷾ أن إنزاله سهل ولكن فيه خطر وخوف عاقبة، فإن السالك إذا انكشف له ما هو أعلى من مقامه لعله لا يحتمله ولا يستقر له فيضل به ضلالًا بعيدا.","vol":"2","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-661>[سورة المائدة (٥): آية ١١٦]</span>\nوَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦)\nوَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ يريد به توبيخ الكفرة وتبكيتهم، ومن دون الله صفة لإِلهين أو صلة اتخذوني، ومعنى دون إما المغايرة فيكون فيه تنبيه على أن عبادة الله ﷾ مع عبادة غيره كلا عبادة، فمن عبده مع عبادتهما كأنه عبدهما ولم يعبده أو القصور، فإنهم لم يعتقدوا أنهما مستقلان باستحقاق العبادة وإنما زعموا أن عبادتهما توصل إلى عبادة الله ﷾ وكأنه قيل: اتخذوني وأمي إلهين متوصلين بنا إلى الله ﷾. قالَ سُبْحانَكَ أنزهك تنزيهًا من أن يكون لك شريك. مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ما ينبغي لي أن أقول قولًا لا يحق لي أن أقوله. إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ تعلم ما أخفيه في نفسي كما تعلم ما أعلنه، ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك. وقوله في نفسك للمشاكلة وقيل المراد بالنفس الذات. إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ تقرير للجملتين باعتبار منطوقه ومفهومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٧ الى ١١٨]</span>\nمَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)\nمَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ تصريح بنفي المستفهم عنه بعد تقديم ما يدل عليه. أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ عطف بيان للضمير في به، أو بدل منه وليس من شرط البدل جواز طرح المبدل منه مطلقًا ليلزم بقاء الموصول بلا راجع، أو خبر مضمر أو مفعوله مثل هو أو أعني، ولا يجوز إبداله من ما أمرتني به فإن المصدر لا يكون مفعول القول ولا أن تكون أن مفسرة لأن الأمر مسند إلى الله ﷾، وهو لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم والقول لا يفسر بل الجملة تحكي بعده إلا أن يؤول القول بالأمر فكأن قيل: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به أن اعْبُدُوا اللَّهَ. وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ أي رقيبًا عليهم أمنعهم أن يقولوا ذلك ويعتقدوه، أو مشاهدًا لأحوالهم من كفر وإيمان. فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي بالرفع إلى السماء لقوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ والتوفي أخذ الشيء وافيًا، والموت نوع منه قال الله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها. كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ المراقب لأحوالهم فتمنع من أردت عصمته من القول به بالارشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها بإرسال الرسل وإنزال الآيات. وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ مطلع عليه مراقب له.\nإِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ أي إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه، وفيه تنبيه على أنهم استحقوا ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك. وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فلا عجز ولا استقباح فإنك القادر القوي على الثواب والعقاب، الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم، فإن عذبت فعدل وإن غفرت ففضل. وعدم غفران الشرك بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته ليمنع الترديد والتعليق بأن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٩ الى ١٢٠]</span>\nقالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)","vol":"2","page":151},{"text":"قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ وقرأ نافع يَوْمِ بالنصب على أنه ظرف لقال وخبر هذا محذوف، أو ظرف مستقر وقع خبرًا والمعنى هذا الذي مر من كلام عيسى واقع يوم ينفع. وقيل إنه خبر ولكن بني على الفتح بإضافته إلى الفعل وليس بصحيح، لأن المضاف إليه معرب والمراد بالصدق الصدق في الدنيا فإن النافع ما كان حال التكليف. لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ بيان للنفع. لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تنبيه على كذب النصارى وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وإنما لم يقل ومن فيهن تغليبًا للعقلاء وقال وَما فِيهِنَّ اتباعًا لهم غير أولي العقل إعلامًا بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية والنزول عن رتبة العبودية، وإهانة لهم وتنبيهًا على المجانسة المنافية للألوهية، ولأن ما يطلق متناولًا للأجناس كلها فهو أولى بإرادة العموم.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا» .","vol":"2","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>(٦) سورة الأنعام</span>\nمكية غير ست آيات أو ثلاث آيات من قوله:\nقُلْ تَعالَوْا وهي مائة وخمس وستون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>[سورة الأنعام (٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أخبر بأنه ﷾ حقيق بالحمد، ونبه على أنه المستحق له على هذه النعم الجسام حمد أو لم يحمد، ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون، وجمع السموات دون الأرض وهي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات، وقدمها لشرفها وعلو مكانها وتقدم وجودها. وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ أنشأهما، والفرق بين خلق وجعل الذي له مفعول واحد أن الخلق فيه معنى التقدير والجعل فيه معنى التضمن. ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيهًا على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها، أو لأن المراد بالظلمة الضلال، وبالنور الهدى والهدى واحد والضلال متعدد، وتقديمها لتقدم الإِعدام على الملكات.\nومن زعم أن الظلمة عرض يضاد النور احتج بهذه الآية ولم يعلم أن عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل. ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ عطف على قوله الحمد لله على معنى أن الله ﷾ حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته، ويكون بربهم تنبيهًا على أنه خلق هذه الأشياء أسبابًا لتكونهم وتعيشهم، فمن حقه أن يحمد عليها ولا يكفر، أو على قوله خلق على معنى أنه ﷾ خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه. ومعنى ثم: استبعاد عدولهم بعد هذا البيان، والباء على الأول متعلقة بكفروا وصلة يعدلون محذوفة أي يعدلون عنه ليقع الإِنكار على نفس الفعل، وعلى الثاني متعلقة ب يَعْدِلُونَ والمعنى أن الكفار يعدلون بربهم الأوثان أي يسوونها به ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>[سورة الأنعام (٦): آية ٢]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ أي ابتدأ خلقكم منه، فإنه المادة الأولى وأن آدم الذي هو أصل البشر خلق منه، أو خلق أباكم فحذف المضاف. ثُمَّ قَضى أَجَلًا أجل الموت. وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ أجل القيامة. وقيل الأول ما بين الخلق والموت، والثاني ما بين الموت والبعث، فإن الأجل كما يطلق لآخر المدة يطلق لجملتها. وقيل الأول النوم والثاني الموت. وقيل الأول لمن مضى والثاني لمن بقي ولمن يأتي، وأجل نكرة خصصت بالصفة ولذلك استغني عن تقديم الخبر والاستئناف به لتعظيمه ولذلك نكر ووصف بأنه مسمى أي مثبت معين لا يقبل التغير، وأخبر عنه بأنه عند الله لا مدخل لغيره فيه يعلم ولا قدرة ولأنه المقصود بيانه.\nثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ استبعاد لامترائهم بعد ما ثبت أنه خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم، فإن من","vol":"2","page":153},{"text":"قدر على خلق المواد وجمعها وإيداع الحياة فيها وإبقائها ما يشاء كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيًا، فالآية الأولى دليل التوحيد والثانية دليل البعث، والامتراء الشك وأصله المري وهو استخراج اللبن من الضرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>[سورة الأنعام (٦): آية ٣]</span>\nوَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣)\nوَهُوَ اللَّهُ الضمير لله ﷾ واللَّهُ خبره. فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ متعلق باسم اللَّهُ والمعنى هو المستحق للعبادة فيهما لا غير، كقوله ﷾: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ أو بقوله: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ والجملة خبر ثان، أو هي الخبر واللَّهُ بدل، ويكفي لصحة الظرفية كون المعلوم فيهما كقولك رميت الصيد في الحرم إذا كنت خارجه والصيد فيه أو ظرف مستقر وقع خبرًا، بمعنى أنه ﷾ لكمال علمه بما فيهما كأنه فيهما، ويعلم سركم وجهركم بيان وتقرير له وليس متعلقًا بالمصدر لأن صفته لا تتقدم عليه. وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ من خير أو شر فيثيب عليه ويعاقب، ولعله أريد بالسر والجهر ما يخفى وما يظهر من أحوال الأنفس وبالمكتسب أعمال الجوارح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥)\nوَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مِنْ الأولى مزيدة للاستغراق والثانية للتبعيض، أي: ما يظهر لهم دليل قط من الأدلة أو معجزة من المعجزات أو آية من آيات القرآن. إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تاركين للنظر فيه غير ملتفتين إليه.\nفَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ يعني القرآن وهو كاللازم مما قبله كأنه قيل: إنهم لما كانوا معرضين عن الآيات كلها كذبوا به لما جاءهم، أو كالدليل عليه على معنى أنهم لما أعرضوا عن القرآن وكذبوا به وهو أعظم الآيات فكيف لا يعرضون عن غيره، ولذلك رتب عليه بالفاء. فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي سيظهر لهم ما كانوا به يستهزئون عند نزول العذاب بهم فِى الدنيا والآخرة، أَوْ عند ظهور الإِسلام وارتفاع أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>[سورة الأنعام (٦): آية ٦]</span>\nأَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)\nأَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ أي من أهل زمان، والقرن مدة أغلب أعمار الناس وهي سبعون سنة. وقيل ثمانون. وقيل القرن أهل عصر فيه نبي أو فائق في العلم. قلت المدة أو كثرت واشتقاقه من قرنت. مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ جعلنا لهم فيها مكانًا وقررناهم فيها وأعطيناهم من القوى والآلات ما تمكنوا بها من أنواع التصرف فيها. مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ما لم نجعل لكم من السعة وطول المقام يا أهل مكة ما لم نعطكم من القوة والسعة في المال والاستظهار في العدد والأسباب. وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ أي المطر أو السحاب، أو المظلة فطن مبدأ المطر منها. مِدْرارًا أي مغزارًا. وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فعاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار. فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ أي لم يغن ذلك عنهم شيئًا.\nوَأَنْشَأْنا وأحدثنا. مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ بدلًا منهم، والمعنى أنه ﷾ كما قدر على أن يهلك من قبلكم كعاد وثمود وينشئ مكانهم يعمر بهم بلاده يقدر أن يفعل ذلك بكم.","vol":"2","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨)\nوَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ مكتوبًا في ورق. فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ فمسوه، وتخصيص اللمس لأن التزوير لا يقع فيه فلا يمكنهم أن يقولوا إنما سكرت أبصارنا، ولأنه يتقدمه الإِبصار حيث لا مانع، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز فإنه قد يتجوز به للفحص كقوله: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ تعنتًا وعنادًا.\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ هلا أنزل معه ملك يكلمنا أنه نبي كقوله: لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا. وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ جواب لقولهم وبيان هو المانع مما اقترحوه والخلل فيه، والمعنى أن الملك لو أنزل بحيث عاينوه كما اقترحوا لحق إهلاكهم فإن سنة الله قد جرت بذلك فيمن قبلهم. ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ بعد نزوله طرفة عين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>[سورة الأنعام (٦): آية ٩]</span>\nوَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ (٩)\nوَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ جواب ثان إن جعل الهاء للمطلوب، وإن جعل للرسول فهو جواب اقتراح ثان، فإنهم تارة يقولون لولا أنزل عليه ملك، وتارة يقولون لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ ملائكة. والمعنى ولو جعلنا قرينًا لك ملكًا يعاينونه أو الرسول ملكًا لمثلناه رجلًا كما مثل جبريل في صورة دحية الكلبي، فإن القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك في صورته، وإنما رآهم كذلك الأفراد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوتهم القدسية، وللبسنا جواب محذوف أي ولو جعلناه رجلًا للبسنا أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم فيقولون مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مثلكم. وقرئ «لبسنا» بلام واحدة و«للبّسنا» بالتشديد للمبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)\nوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ تسلية لرسول الله ﷺ عما يرى من قومه. فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ فأحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به حيث أهلكوا لأجله، أو فنزل بهم وبال استهزائهم.\nقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ كيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال كي تعتبروا، والفرق بينه وبين قوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا أن السير ثمة لأجل النظر ولا كذلك ها هنا، ولذلك قيل معناه إباحة السير للتجارة وغيرها وإيجاب النظر في آثار الهالكين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nقُلْ لِمَنْ مَّا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)\nقُلْ لِمَنْ مَّا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقًا وملكًا، وهو سؤال تبكيت. قُلْ لِلَّهِ تقريرًا لهم وتنبيهًا على أنه المتعين للجواب بالإِنفاق، بحيث لا يمكنهم أن يذكروا غيره. كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ التزمها تفضلًا وإحسانًا والمراد بالرحمة ما يعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده بنصب الأدلة، وإنزال الكتب والإِمهال على الكفر. لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ استئناف وقسم للوعيد على إشراكهم وإغفالهم","vol":"2","page":155},{"text":"النظر أي: ليجمعنكم في القبور مبعوثين إلى يوم القيامة، فيجازيكم على شرككم. أو في يوم القيامة وإلى بمعنى في. وقيل بدل من الرحمة بدل البعض فإنه من رحمته بعثه إياكم وإنعامه عليكم. لاَ رَيْبَ فِيهِ في اليوم أو الجمع. الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بتضييع رأس مالهم. وهو الفطرة الأصلية والعقل السليم، وموضع الذين نصب على الذم أو رفع على الخبر أي: وأنتم الذين أو على الابتداء والخبر. فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ والفاء للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم، فإن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد وإغفال النظر أدى بهم إلى الاصرار على الكفر والامتناع من الإِيمان وَلَهُ عطف على لله. مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من السكنى وتعديته بفي كما في قوله تعالى: وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ والمعنى ما اشتملا عليه، أو من السكون أي ما سكن فيهما وتحرك فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر. وَهُوَ السَّمِيعُ لكل مسموع. الْعَلِيمُ بكل معلوم فلا يخفى عليه شيء، ويجوز أن يكون وعيدًا للمشركين على أقوالهم وأفعالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤]</span>\nقُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)\nقُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا إنكار لاتخاذ غير الله وليًا لا لاتخاذ الولي. فلذلك قدم وأولى الهمزة والمراد بالولي المعبود لأنه رد لمن دعاه إلى الشرك. فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما، أنا فطرتها أي ابتدأتها. وجره على الصفة لله فإنه بمعنى الماضي ولذلك قرئ «فطر» وقرئ بالرفع والنصب على المدح.\nوَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ يَرزق ولا يُرزق، وتخصيص الطعام لشدة الحاجة إليه. وقرئ «ولا يطعم» بفتح الياء وبعكس الأول على أن الضمير لغير الله، والمعنى كيف أشرك بمن هو فاطر السموات والأرض ما هو نازل عن رتبة الحيوانية، وببنائهما لفاعل على أن الثاني من أطعم بمعنى استطعم، أو على معنى أنه يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله: يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ. قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ لأن النبي ﷺ سابق أمته في الدين. وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وقيل لي ولا تكونَنَّ، ويجوز عطفه على قل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nقُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)\nقُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب، والشرط معترض بين الفعل والمفعول به وجوابه محذوف دل عليه الجملة.\nمَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ أي يصرف العذاب عنه. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم يُصْرَفْ عَلَى أن الضمير فيه لله ﷾. وقد قرئ بإظهاره والمفعول به محذوف، أو يومئذ بحذف المضاف. فَقَدْ رَحِمَهُ نجاه وأنعم عليه. وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ أي الصرف أو الرحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)\nوَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ببلية كمرض وفقر. فَلا كاشِفَ لَهُ فلا قادر على كشفه. إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ بنعمة كصحة وغنى. فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فكان قادرًا على حفظه وإدامته فلا يقدر غيره على دفعه كقوله تعالى: فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ.","vol":"2","page":156},{"text":"وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ تصوير لقهره وعلوه بالغلبة والقدرة. وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره وتدبيره.\nالْخَبِيرُ بالعباد وخفايا أحوالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>[سورة الأنعام (٦): آية ١٩]</span>\nقُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)\nقُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً نزلت حين قالت قريش: يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول الله. والشيء يقع على كل موجود، وقد سبق القول فيه في سورة «البقرة» . قُلِ اللَّهُ أي الله أكبر شهادة ثم ابتدأ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي هو شهيد بيني وبينكم، ويجوز أن يكون الله شهيد هو الجواب لأنه ﷾ إذا كان الشهيد كان أكبر شيء شهادة. وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ أي بالقرآن، واكتفى بذكر الإِنذار عن ذكر البشارة. وَمَنْ بَلَغَ عطف على ضمير المخاطبين، أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه من الأسود والأحمر، أو من الثقلين، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن بلغه إلى يوم القيامة، وفيه دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم، وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه. أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى تقرير لهم مع إنكار واستبعاد. قُلْ لاَّ أَشْهَدُ بما تشهدون. قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ أي بل أشهد أن لا إله إلا هو. وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ يعني الأصنام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ يعرفون رسول الله ﷺ بحليته المذكورة في التوراة والإِنجيل. كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ بحلاهم. الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين. فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ لتضييعهم ما به يكتسب الإِيمان.\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا كقولهم: الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ كأن كذبوا بالقرآن والمعجزات وسموها سحرًا. وإنما ذكر (أو) وهم وقد جمعوا بين الأمرين تنبيهًا على أن كلًا منهما وحده بالغ غاية الإِفراط في الظلم على النفس. إِنَّهُ الضمير للشأن. لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ فضلًا عمن لا أحد أظلم منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nوَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)\nوَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا منصوب بمضمر تهويلًا للأمر. ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، وقرأ يعقوب «يحشرهم» ويقول بالياء. الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أي تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولان والمراد من الاستفهام التوبيخ، ولعله يحال بينهم وبين آلهتهم حينئذ ليفقدوها في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها، ويحتمل أن يشاهدوهم ولكن لما لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم.\nثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا أي كفرهم، والمراد عاقبته وقيل معذرتهم التي يتوهمون أن يتخلصوا بها، من فتنت الذهب إذا خلصته. وقيل جوابهم وإنما سماه فتنة لأنه كذب، أو لأنهم قصدوا به الخلاص.\nوقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم لَمْ تكن بالتاء وفِتْنَتُهُمْ بالرفع على أنها الاسم، ونافع وأبو","vol":"2","page":157},{"text":"عمرو وأبو بكر عنه بالتاء والنصب على أن الاسم أَنْ قالُوا، والتأنيث للخبر كقولهم من كانت أمك والباقون بالياء والنصب. وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ يكذبون ويحلفون عليه مع علمهم بأنه لا ينفعهم من فرط الحيرة والدهشة، كما يقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها. وقد أيقنوا بالخلود. وقيل معناه ما كنا مشركين عند أنفسنا وهو لا يوافق قوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nانْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)\nانْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي بنفي الشرك عنها، وحمله على كذبهم في الدنيا تعسف يخل بالنظم ونظير ذلك قوله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وقرأ حمزة والكسائي ربنا بالنصب على النداء أو المدح. وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ من الشركاء.\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حين تتلو القرآن، والمراد أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم، اجتمعوا فسمعوا رسول الله ﷺ يقرأ القرآن فقالوا للنضر ما يقول، فقال: والذي جعلها بيته ما أدري ما يقول إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية، فقال أبو سفيان إني لأرى حقًا فقال أبو جهل كلا. وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أغطية جمع كنان وهو ما يستر الشيء. أَنْ يَفْقَهُوهُ كراهة أن يفقهوه. وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا يمنع من استماعه، وقد مر تحقيق ذلك في أول «البقرة» .\nوَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِها لفرط عنادهم واستحكام التقليد فيهم. حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ أي بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم جاءوك يجادلونك، وحتى هي التي تقع بعدها الجمل لا عمل لها، والجملة إذا وجوابه وهو يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ فإن جعل أصدق الحديث خرافات الأولين غاية التكذيب، ويجادلونك حال لمجيئهم، ويجوز أن تكون الجارة وإذا جاءوك في موضع الجر ويجادلونك حال ويقول تفسير له، والأساطير الأباطيل جمع أسطورة أو اسطارة أو أسطار جمع سطر، وأصله السطر بمعنى الخط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)\nوَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ أي ينهون الناس عن القرآن، أو الرسول ﷺ والإِيمان به. وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ بأنفسهم أو ينهون عن التعرض لرسول الله ﷺ وينأون عنه فلا يؤمنون به كأبي طالب. وَإِنْ يُهْلِكُونَ وما يهلكون بذلك. إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ أن ضرره لا يتعداهم إلى غيرهم.\nوَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ جوابه محذوف أي: لو تراهم حين يوقعون على النار حتى يعاينوها، أو يطلعون عليها، أو يدخلونها فيعرفون مقدار عذابها لرأيت أمرا شنيعا. وقرئ «وُقِفُواْ» على البناء للفاعل من وقف عليها وقوفًا. فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ تمنيًا للرجوع إلى الدنيا. وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ استئناف كلام منهم على وجه الإِثبات كقولهم: دعني ولا أعود، أي وأنا لا أعود تركتني، أو لم تتركني أو عطف على نرد أو حال من الضمير فيه فيكون في حكم التمني، وقوله: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ راجع إلى ما تضمنه التمني من الوعد، ونصبهما حمزة ويعقوب وحفص على الجواب بإضمار أن بعد الواو إجراء لها مجرى الفاء. وقرأ ابن عامر برفع الأول على العطف ونصب الثاني على الجواب.","vol":"2","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nبَلْ بَدا لَهُمْ مَّا كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)\nبَلْ بَدا لَهُمْ مَّا كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ الإِضراب عن إرادة الإِيمان المفهومة من التمني، والمعنى أنه ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم، أو قبائح أعمالهم فتمنوا ذلك ضجرًا لا عزمًا على أنهم لو ردوا لآمنوا.\nوَلَوْ رُدُّوا أي إلى الدنيا بعد الوقوف والظهور. لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر والمعاصي. وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما وعدوا به من أنفسهم.\nوَقالُوا عطف على لعادوا، أو على إنهم لكاذبون أو على نهوا، أو استئناف بذكر ما قالوه في الدنيا.\nإِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا الضمير للحياة وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)\nوَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ مجاز عن الحبس للسؤال والتوبيخ، وقيل معناه وقفوا على قضاء ربهم أو جزائه، أو عرفوه حق التعريف. قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ كأنه جواب قائل قال: ماذا قال ربهم حينئذ؟\nوالهمزة للتقريع على التكذيب، والإِشارة إلى البعث وما يتبعه من الثواب والعقاب. قالُوا بَلى وَرَبِّنا إقرار مؤكد باليمين لانجلاء الأمر غاية الجلاء. قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بسبب كفركم أو ببدله.\nقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ إذ فاتهم النعيم واستوجبوا العذاب المقيم ولقاء الله البعث وما يتبعه.\nحَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ غاية لكذبوا لا لخسر، لأن خسرانهم لا غاية له. بَغْتَةً فجأة ونصبها على الحال، أو المصدر فإنها نوع من المجيء. قالُوا يَا حَسْرَتَنا أي تعالي فهذا أوانك. عَلى مَا فَرَّطْنا قصرنا فِيها في الحياة الدنيا أضمرت وإن لم يجر ذكرها للعلم بها، أو في الساعة يعني في شأنها والإِيمان بها.\nوَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ تمثيل لاستحقاقهم آصار الآثام. أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ بئس شيئا يزرونه وزرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٢]</span>\nوَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢)\nوَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ أي وما أعمالها إلا لعب ولهو يلهي الناس ويشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية. وهو جواب لقولهم إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا. وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ لدوامها وخلوص منافعها ولذاتها، وقوله: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين لعب ولهو. وقرأ ابن عامر «ولدار الآخرة» . أَفَلا يَعْقِلُونَ أي الأمرين خير. وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ويعقوب بالتاء على خطاب المخاطبين به، أو تغليب الحاضرين على الغائبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٣]</span>\nقَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)\nقَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ معنى قد زيادة الفعل وكثرته كما في قوله:\nوَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نَائِلُهْ والهاء في أنه للشأن. وقرئ «لَيَحْزُنُكَ» من أحزن. فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ في الحقيقة. وقرأ نافع","vol":"2","page":159},{"text":"والكسائي لاَ يُكَذِّبُونَكَ من أكذبه إذا وجده كاذبًا، أو نسبه إلى الكذب. وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ولكنهم يجحدون بآيات الله ويكذبونها، فوضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أنهم ظلموا بجحودهم، أو جحدوا لتمرنهم على الظلم، والباء لتضمين الجحود معنى التكذيب.\nروي أن أبا جهل كان يقول: ما نكذبك وإنك عندنا لصادق وإنما نكذب ما جئتنا به. فنزلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٤]</span>\nوَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)\nوَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ تسلية لرسول الله ﷺ، وفيه دليل على أن قوله: لاَ يُكَذِّبُونَكَ، ليس لنفي تكذيبه مطلقًا. فَصَبَرُوا عَلى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا على تكذيبهم وإيذائهم فتأس بهم واصبر. حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا فيه إيماء بوعد النصر للصابرين. وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ لمواعيده من قوله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ الآيات. وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ أي بعض قصصهم وما كابدوا من قومهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٥]</span>\nوَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥)\nوَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ عظم وشق إِعْراضُهُمْ عنك وعن الإِيمان بما جئت به. فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ منفذًا تنفذ فيه إلى جوف الأرض فتطلع لهم آية، أو مصعدًا تصعد به إلى السماء فتنزل منها آية، وفي الأرض صفة لنفقًا وفي السماء صفة لسلما، ويجوز أن يكونا متعلقين بتبتغي، أو حالين من المستكن وجواب الشرط الثاني محذوف تقديره فافعل، والجملة جواب الأول والمقصود بيان حرصه البالغ على إسلام قومه، وأنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى أي ولو شاء الله جمعهم عَلَى الهدى لوفقهم للإِيمان حتى يؤمنوا ولكن لم تتعلق به مشيئته، فلا تتهالك عليه والمعتزلة أولوه بأنه لو شاء لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة. فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ بالحرص على ما لا يكون، والجزع في مواطن الصبر فإن ذلك من دأب الجهلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nإِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٣٧)\nإِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ إنما يجيب الذين يسمعون بفهم وتأمل لقوله: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ وهؤلاء كالموتى الذين لا يسمعون. وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ فيعلمهم حين لا ينفعهم الإِيمان. ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ للجزاء.\nوَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي آية بما اقترحوه، أو آية أخرى سوى ما أنزل من الآيات المتكاثرة لعدم اعتدادهم بها عنادًا. قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً مما اقترحوه، أو آية تضطرهم إلى الإِيمان كنتق الجبل، أو آية إن جحدوها هلكوا. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أن الله قادر على إنزالها، وأن إنزالها يستجلب عليهم البلاء، وأن لهم فيما أنزل مندوحة عن غيره. وقرأ ابن كثير يُنَزِّلَ بالتخفيف والمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٨]</span>\nوَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)","vol":"2","page":160},{"text":"وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ تدب على وجهها. وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ في الهواء، وصفه به قطعًا لمجاز السرعة ونحوها. وقرئ «ولا طائر» بالرفع على المحل. إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ\nمحفوظة أحوالها مقدرة أرزاقها وآجالها، والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره، ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزل آية. وجمع الأمم للحمل على المعنى. مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني اللوح المحفوظ، فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من الجليل والدقيق لم يهمل فيه أمر حيوان ولا جماد. أو القرآن فإنه قد دون فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلًا أو مجملًا، ومن مزيدة وشيء في موضع المصدر لا المفعول به، فإن فرط لا يتعدى بنفسه وقد عدي بفي إلى الكتاب. وقرئ «مَّا فَرَّطْنَا» بالتخفيف. ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ يعني الأمم كلها فينصف بعضها من بعض كما\nروي: أنه يأخذ للجماء من القرناء.\nوعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: حشرها موتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>[سورة الأنعام (٦): آية ٣٩]</span>\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ لا يسمعون مثل هذه الآيات الدالة على ربوبيته وكمال علمه وعظم قدرته سماعًا تتأثر به نفوسهم. وَبُكْمٌ لا ينطقون بالحق. فِي الظُّلُماتِ خبر ثالث أي خابطون في ظلمات الكفر، أو في ظلمة الجهل وظلمة العناد وظلمة التقليد، ويجوز أن يكون حالًا من المستكن في الخبر. مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ من يشأ الله إضلاله يضلله، وهو دليل واضح لنا على المعتزلة. وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بأن يرشده إلى الهدى ويحمله عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)\nقُلْ أَرَأَيْتَكُمْ استفهام تعجيب، والكاف حرف خطاب أكد به الضمير للتأكيد لا محل له من الإِعراب لأنك تقول: أرأيتك زيدًا ما شأنه فلو جعلت الكاف مفعولًا كما قاله الكوفيون لعديت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل، وللزم في الآية أن يقال: أرأيتموكم بل الفعل معلق أو المفعول محذوف تقديره: أرأيتكم آلهتكم تنفعكم. إذ تدعونها. وقرأ نافع أرأيتكم وأ رأيت وأرأيتم وأ فرأيتم وأ فرأيت وشبهها إذا كان قبل الراء همزة بتسهيل الهمزة التي بعد الراء، والكسائي يحذفها أصلًا والباقون يحققونها وحمزة إذا وقف وافق نافعًا. إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ كما أتى من قبلكم. أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ وهو لها ويدل عليه. أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ وهو تبكيت لهم. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن الأصنام آلهة وجوابه محذوف أي فادعوه.\nبَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ بل تخصونه بالدعاء كما حكي عنهم في مواضع، وتقديم المفعول لإِفادة التخصيص.\nفَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ أي ما تدعونه إلى كشفه. إِنْ شاءَ أي يتفضل عليكم ولا يشاء في الآخرة.\nوَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ وتتركون آلهتكم في ذلك الوقت لما ركز في العقول على أنه القادر على كشف الضر دون غيره، أو وتنسونه من شدة الأمر وهوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ أي قَبْلَكَ، وَمن زائدة. فَأَخَذْناهُمْ أي فكفروا وكذبوا المرسلين","vol":"2","page":161},{"text":"فأخذناهم. بِالْبَأْساءِ بالشدة والفقر. وَالضَّرَّاءِ والضر والآفات وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما. لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يتذللون لنا ويتوبون عن ذنوبهم.\nفَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا معناه نفي تضرعهم في ذلك الوقت مع قيام ما يدعوهم أي لم يتضرعوا. وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ استدراك على المعنى وبيان للصارف لهم عن التضرع وأنه: لا مانع لهم إلا قساوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nفَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥)\nفَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ من البأساء والضراء ولم يتعظوا به. فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من أنواع النعم مراوحة عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، وامتحانًا لهم بالشدة والرخاء إلزامًا للحجة وإزاحة للعلة، أو مكرًا بهم لما\nروي أنه ﵊ قال «مكر بالقوم ورب الكعبة»\n. وقرأ ابن عامر «فَتَحْنَا» بالتشديد في جميع القرآن ووافقه يعقوب فيما عدا هذا والذي في «الأعراف» . حَتَّى إِذا فَرِحُوا أعجبوا بِما أُوتُوا من النعم ولم يزيدوا غير البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه ﷾. أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ متحسرون آيسون.\nفَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي آخرهم بحيث لم يبق منهم أحد من دبره دبرًا ودبورًا إذا تبعه.\nوَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم فإن هلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم، نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٦ الى ٤٧]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ أصمكم وأعماكم. وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ بأن يغطي عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ أي بذلك، أو بما أخذ وختم عليه أو بأحد هذه المذكورات. انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ نكررها تارة من جهة المقدمات العقلية وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين. ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يعرضون عنها، وثم لاستبعاد الإِعراض بعد تصريف الآيات وظهورها.\nقُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً من غير مقدمة. أَوْ جَهْرَةً بتقدمة أمارة تؤذن بحلوله. وقيل ليلًا أو نهارا. وقرئ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً. هَلْ يُهْلَكُ أي ما يهلك به هلاك سخط وتعذيب. إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ولذلك صح الاستثناء المفرغ منه، وقرئ «يهلك» بفتح الياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)\nوَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ المؤمنين بالجنة. وَمُنْذِرِينَ الكافرين بالنار، ولم نرسلهم ليقترح عليهم ويتلهى بهم. فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ ما يجب إصلاحه على ما شرع لهم. فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العذاب. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بفوات الثواب.","vol":"2","page":162},{"text":"وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ جعل العذاب ماسًا لهم كأنه الطالب للوصول إليهم، واستغنى بتعريفه عن التوصيف. بِما كانُوا يَفْسُقُونَ بسبب خروجهم عن التصديق والطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nقُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)\nقُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ مقدوراته أو خزائن رزقه. وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ما لم يوح إلي ولم ينصب عليه دليل وهو من جملة المقول. وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ أي من جنس الملائكة، أو أقدر على ما يقدرون عليه. إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ تبرأ عن دعوى الألوهية والملكية، وادعى النبوة التي هي من كمالات البشر ردًا لاستبعادهم دعواه وجزمهم على فساد مدعاه. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ مثل للضال والمهتدي، أو الجاهل والعالم، أو مدعي المستحيل كالألوهية والملكية ومدعي المستقيم كالنبوة.\nأَفَلا تَتَفَكَّرُونَ فتهتدوا أو فتميزوا بين ادعاء الحق والباطل، أو فتعلموا أن اتباع الوحي مما لا محيص عنه.\nوَأَنْذِرْ بِهِ الضمير لما يوحى إلي. الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ هم المؤمنون المفرطون في العمل، أو المجوزون للحشر مؤمنًا كان أو كافرًا مقرًا به أو مترددًا فيه، فإن الإنذار ينجع فيهم دون الفارغين الجازمين باستحالته. لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ في موضع الحال من يحشروا فإن المخوف هو الحشر على هذه الحالة. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لكي يتقوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٢]</span>\nوَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)\nوَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ بعد ما أمره بإنذار غير المتقين ليتقوا أمره بإكرام المتقين وتقريبهم وأن لا يطردهم ترضية لقريش.\nروي أنهم قالوا: لو طردت هؤلاء الأعبد يعنون فقراء المسلمين كعمار وصهيب وخباب وسلمان. جلسنا إليك وحادثناك فقال: «ما أنا بطارد المؤمنين»، قالوا: فأقمهم عنا إذا جئناك قال «نعم» .\nوروي أن عمر ﵁ قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون فدعا بالصحيفة وبعلي رضي الله تعالى عنه ليكتب فنزلت.\nوالمراد بذكر الغداة والعشي الدوام، وقيل صلاتا الصبح والعصر.\nوقرأ ابن عامر بالغدوة هنا وفي الكهف. يُرِيدُونَ وَجْهَهُ حال من يدعون، أي يدعون ربهم مخلصين فيه قيد الدعاء بالإِخلاص تنبيهًا على أنه ملاك الأمر. ورتب النهي عليه إشعارًا بأنه يقتضي إكرامهم وينافي إبعادهم. مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي ليس عليك حساب إيمانهم فلعل إيمانهم عند الله أعظم من إيمان من تطردهم بسؤالهم طمعًا في إيمانهم لو آمنوا، أو ليس عليك اعتبار بواطنهم وإخلاصهم لما اتسموا بسيرة المتقين وإن كان لهم باطن غير مرضي كما ذكره المشركون وطعنوا في دينهم فحسابهم عليهم لا يتعداهم إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم. وقيل ما عليك من حساب رزقهم أي من فقرهم. وقيل الضمير للمشركين والمعنى: لا تؤاخذ بحسابهم ولا هم بحسابك حتى يهمك إيمانهم بحيث تطرد المؤمنين طمعًا فيه. فَتَطْرُدَهُمْ فتبعدهم وهو جواب النفي فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ جواب النهي ويجوز عطفه على فتطردهم على وجه التسبب وفيه نظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٣]</span>\nوَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)","vol":"2","page":163},{"text":"وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ومثل ذلك الفتن، وهو اختلاف أحوال الناس في أمور الدنيا. فَتَنَّا أي ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين فقدمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش بالسبق إلى الإِيمان. لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أي أهؤلاء من أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق لما يسعدهم دوننا، ونحن الأكابر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء. وهو إنكار لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير كقولهم: لَوْ كانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونا إِلَيْهِ. واللام للعاقبة أو للتعليل على أن فتنا متضمن معنى خذلنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ بمن يقع منه الإِيمان والشكر فيوفقه وبمن لا يقع منه فيخذله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٤]</span>\nوَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)\nوَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ الذين يؤمنون هم الذين يدعون ربهم وصفهم بالإِيمان بالقرآن واتباع الحجج بعد ما وصفهم بالمواظبة على العبادة، وأمره بأن يبدأ بالتسليم أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم ويبشرهم بسعة رحمة الله تعالى وفضله بعد النهي عن طردهم، إيذانًا بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرب ولا يطرد، ويعز ولا يذل، ويبشر من الله بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة.\nوقيل إن قومًا جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إنا أصبنا ذنوبًا عظامًا فلم يرد عليهم شيئًا فانصرفوا فنزلت.\nأَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا استئناف بتفسير الرحمة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالفتح على البدل منها. بِجَهالَةٍ في موضع الحال أي من عمل ذنبًا جاهلًا بحقيقة ما يتبعه من المضار والمفاسد، كعمر فيما أشار إليه، أو ملتبسًا بفعل الجهالة فإن ارتكاب ما يؤدي إلى الضرر من أفعال أهل السفه والجهل. ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ بعد العمل أو السوء. وَأَصْلَحَ بالتدارك والعزم على أن لا يعود إليه. فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فتحه من فتح الأول غير نافع على إضمار مبتدأ أو خبر أي فأمره أو فله غفرانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٥]</span>\nوَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)\nوَكَذلِكَ ومثل ذلك التفصيل الواضح. نُفَصِّلُ الْآياتِ أي آيات القرآن في صفة المطيعين والمجرمين المصرين منهم والأوابين. وليستبين سَبِيلُ المجرمين قرأ نافع بالتاء ونصب السبيل على معنى ولتستوضح يا محمد سبيلهم فتعامل كلا منهم بما يحق له فصلنا هذا التفصيل، وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم برفعه على معنى ولنبين سبيلهم، والباقون بالياء والرفع على تذكير السبيل فإنه يذكر ويؤنث، ويجوز أن يعطف على علة مقدرة أي نفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٦]</span>\nقُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)\nقُلْ إِنِّي نُهِيتُ صرفت وزجرت بما نصب لي من الأدلة وأنزل علي من الآيات في أمر التوحيد. أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عن عبادة ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله، أو ما تدعونها آلهة أي تسمونها. قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ تأكيد لقطع أطماعهم وإشارة إلى الموجب للنهي وعلة الامتناع عن متابعتهم واستجهال لهم، وبيان لمبدأ ضلالهم وأن ما هم عليه هوى وليس بهدى، وتنبيه لمن تحرى الحق على أن يتبع الحجة ولا يقلد. قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا أي إن اتبعت أهواءكم فقد ضللت. وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أي في شيء من الهدى حتى أكون من عدادهم، وفيه تعريض بأنهم كذلك.","vol":"2","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-702>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nقُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)\nقُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ تنبيه على ما يجب اتباعه بعد ما بين ما لا يجوز اتباعه. والبينة الدلالة الواضحة التي تفصل الحق من الباطل وقيل المراد بها القرآن والوحي، أو الحجج العقلية أو ما يعمها. مِنْ رَبِّي من معرفته وأنه لا معبود سواه، ويجوز أن يكون صفة لبينة. وَكَذَّبْتُمْ بِهِ الضمير لربي أي كذبتم به حيث أشركتم به غيره، أو للبينة باعتبار المعنى. مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعني العذاب الذي استعجلوه بقولهم:\nفَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ في تعجيل العذاب وتأخيره.\nيَقْضِي بِالْحَقِّ أي القضاء الحق، أو يصنع الحق ويدبره من قولهم قضى الدرع إذا صنعها، فيما يقضي من تعجيل وتأخير وأصل القضاء الفصل بتمام الأمر، وأصل الحكم المنع فكأنه منع الباطل. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم يَقُصُّ من قص الأثر، أو من قص الخبر. وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ القاضين.\nقُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي أي في قدرتي ومكنتي. مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب. لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ لأهلكتكم عاجلًا غضبًا لربي، وانقطع ما بيني وبينكم. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ في معنى الاستدراك كأنه قال: ولكن الأمر إلى الله ﷾ وهو أعلم بمن ينبغي أن يؤخذ وبمن ينبغي أن يمهل منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>[سورة الأنعام (٦): آية ٥٩]</span>\nوَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩)\nوَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ خزائنه جمع مفتح بفتح الميم، وهو المخزن أو ما يتوصل به إلى المغيبات مستعار من المفاتح الذي هو جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح، ويؤيده أنه قرئ «مفاتيح» والمعنى أنه المتوصل إلى المغيبات المحيط علمه بها. لاَ يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته، وفيه دليل على أنه ﷾ يعلم الأشياء قبل وقوعها. وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ عطف للأخبار عن تعلق علمه تعالى بالمشاهدات على الإِخبار عن اختصاص العلم بالمغيبات به. وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات. وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ معطوفات على ورقة وقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ بدل من الاستثناء الأول بدل الكل على أن الكتاب المبين علم الله ﷾، أو بدل الاشتمال إن أريد به اللوح وقرئت بالرفع للعطف على محل ورقة أو رفعًا على الابتداء والخبر إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٠]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)\nوَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ينيمكم فيه ويراقبكم، استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهم من المشاركة في زوال الإِحساس والتمييز فإن أصله قبض الشيء بتمامه. وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ كسبتم فيه خص الليل بالنوم والنهار بالكسب جريًا على المعتاد. ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ يوقظكم أطلق البعث ترشيحًا للتوفي فِيهِ في النهار. لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ بالموت. ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بالمجازاة عليه. وقيل الآية خطاب للكفرة، والمعنى أنكم ملقون كالجيف بالليل وكاسبون للآثام بالنهار، وأنه ﷾ مطلع على أعمالكم يبعثكم من القبور في شأن","vol":"2","page":165},{"text":"ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار، ليقضي الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم، ثم إليه مرجعكم بالحساب، ثم ينبئكم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ بالجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nوَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)\nوَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ملائكة تحفظ أعملكم، وهم الكرام الكاتبون، والحكمة فيه أن المكلف إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد كان أزجر عن المعاصي، وأن العبد إذا وثق بلطف سيده واعتمد على عفوه وستره لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين عليه. حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ملك الموت وأعوانه. وقرأ حمزة «توفاه» بالألف ممالة. وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ بالتواني والتأخير. وقرئ بالتخفيف، والمعنى: لا يجاوزون ما حد لهم بزيادة أو نقصان.\nثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ إلى حكمه وجزائه. مَوْلاهُمُ الذي يتولى أمرهم. الْحَقِّ العدل الذي لا يحكم إلا بالحق وقرئ بالنصب على المدح. أَلا لَهُ الْحُكْمُ يومئذ لا حكم لغيره فيه. وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة لا يشغله حساب عن حساب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nقُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)\nقُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ من شدائدهما، استعيرت الظلمة للشدة لمشاركتهما في الهول وإبطال الإِبصار فقيل لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب، أو من الخسف في البر والغرق في البحر.\nوقرأ يعقوب يُنَجِّيكُمْ بالتخفيف والمعنى واحد. تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً معلنين ومسرين، أو إعلانًا وإسرارًا وقرأ أبو بكر هنا وفي «الأعراف» وَخُفْيَةً بالكسر وقرئ «خِيفَةً» . لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ على إرادة القول أي تقولون لئن أنجيتنا. وقرأ الكوفيون «لئن أنجانا» ليوافق قوله تَدْعُونَهُ وهذه إشارة إلى الظلمة.\nقُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها شدده الكوفيون وهشام وخففه الباقون. وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ غم سواها. ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ تعودون إلى الشرك ولا توفون بالعهد، وإنما وضع تشركون موضع لا تشكرون تنبيهًا على أن من أشرك في عبادة الله ﷾ فكأنه لم يعبده رأسًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nقُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦)\nقُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ كما فعل بقوم نوح ولوط وأصحاب الفيل. أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كما أغرق فرعون، وخسف بقارون. وقيل من فوقكم أكابركم وحكامكم ومن تحت أرجلكم سفلتكم وعبيدكم. أَوْ يَلْبِسَكُمْ يخلطكم. شِيَعًا فرقا متحزبين على أهواء شتى، فينشب القتال بينكم قال:\nوَكَتِيبَهٌ لَبسْتُهَا بِكَتِيبَة ... حَتَّى إِذَا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يَدَي\nوَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ يقاتل بعضكم بعضًا. انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ بالوعد والوعيد.\nلَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ.","vol":"2","page":166},{"text":"وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ أي بالعذاب أو بالقرآن. وَهُوَ الْحَقُّ الواقع لا محالة أو الصدق. قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ بحفيظ وكل إلي أمركم فأمنعكم من التكذيب، أو أجازيكم إنما أنا منذر والله الحفيظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nلِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)\nلِكُلِّ نَبَإٍ خبر يريد به إما بالعذاب أو الإِيعاد به. مُسْتَقَرٌّ وقت استقرار ووقوع. وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عند وقوعه في الدنيا والآخرة.\nوَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ فلا تجالسهم وقم عنهم. حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أعاد الضمير على معنى الآيات لأنها القرآن. وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ بأن يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي. وقرأ ابن عامر يُنْسِيَنَّكَ بالتشديد. فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى بعد أن تذكره. مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي معهم، فوضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والاستعظام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>[سورة الأنعام (٦): آية ٦٩]</span>\nوَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)\nوَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ وما يلزم المتقين من قبائح أعمالهم وأقوالهم الذين يجالسونهم. مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ شيء مما يحاسبون عليه. وَلكِنْ ذِكْرى ولكن عليهم أن يذكروهم ذكرى ويمنعوهم عن الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها وهو يحتمل النصب على المصدر والرفع على ولكن عليهم ذكرى، ولا يجوز عطفه على محل من شيء لأن من حسابهم يأباه ولا على شيء لذلك ولأن من لا تزاد في الإِثبات.\nلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يجتنبون ذلك حياء أو كراهة لمساءتهم، ويحتمل أن يكون الضمير للذين يتقون والمعنى:\nلعلهم يثبتون على تقواهم ولا تنثلم بمجالستهم.\nروي: أن المسلمين قالوا لئن كنا نقوم كلما استهزءوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، ونطوف، فنزلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٠]</span>\nوَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)\nوَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا أي بنوا أمر دينهم على التشهي وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع عاجلًا وآجلًا، كعبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوه لعبًا ولهوًا حيث سخروا به، أو جعلوا عيدهم الذي جعل ميقات عبادتهم زمان لهو ولعب. والمعنى أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم، ويجوز أن يكون تهديدًا لهم كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ومن جعله منسوخًا بآية السيف حمله على الأمر بالكف عنها وترك التعرض لهم وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا حتى أنكروا البعث.\nوَذَكِّرْ بِهِ أي بالقرآن. أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ مخافة أن تسلم إلى الهلاك وترهن بسوء عملها. وأصل الأبسال والبسل المنع ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه، والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه وهذا بسل عليك أي حرام. لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ يدفع عنها العذاب. وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ وإن تفد كل فداء والعدل الفدية لأنها تعادل المفدي وها هنا الفداء وكل نصب على المصدرية. لاَّ يُؤْخَذْ مِنْها الفعل مسند إلى منها لا إلى ضميره بخلاف قوله: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ فإنه المفدى به. أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما","vol":"2","page":167},{"text":"كَسَبُوا\nأي سلموا إلى العذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة. لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ تأكيد وتفصيل لذلك، والمعنى هم بين ماء مغلي يتجرجر في بطونهم ونار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>[سورة الأنعام (٦): آية ٧١]</span>\nقُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١)\nقُلْ أَنَدْعُوا أنعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا ما لا يقدر على نفعنا وضرنا. وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا ونرجع إلى الشرك بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ فأنقذنا منه ورزقنا الإِسلام. كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ كالذي ذهبت به مردة الجن في المهامة، استفعال من هوى يهوي هويًا إذا ذهب. وقرأ حمزة «استهواه» بألف ممالة ومحل الكاف النصب على الحال من فاعل نُرَدُّ أي: مشبهين الذي استهوته، أو على المصدر أي ردًا مثل رد الذي استهوته. فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ متحيرًا ضالًا عن الطريق. لَهُ أَصْحابٌ لهذا المستهوى رفقة.\nيَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى إلى أن يهدوه الطريق المستقيم، أو إلى الطريق المستقيم وسماه هدى تسمية للمفعول بالمصدر. ائْتِنا يقولون له ائتنا. قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ الذي هو الإسلام. هُوَ الْهُدى وحده وما عداه ضلال. وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ من جملة المقول عطف على أن هدى الله، واللام لتعليل الأمر أي أمرنا بذلك لنسلم. وقيل هي بمعنى الباء وقيل هي زائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٢]</span>\nوَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)\nوَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ عطف على لنسلم أي للإسلام ولإقامة الصلاة، أو على موقعه كأنه قيل:\nوأمرنا أن نسلم وأن أقيموا الصلاة. روي: أن عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان، فنزلت.\nوعلى هذا كان أمر الرسول ﷺ بهذا القول إجابة عن الصديق رضي الله تعالى عنه تعظيمًا لشأنه وإظهارًا للاتحاد الذي كان بينهما. وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>[سورة الأنعام (٦): آية ٧٣]</span>\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ قائمًا بالحق والحكمة. وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ جملة اسمية قدم فيها الخبر أي قوله الحق يوم يقول، كقولك: القتال يوم الجمعة، والمعنى أنه الخالق للسموات والأرضين، وقوله الحق نافذ في الكائنات. وقيل يوم منصوب بالعطف على السموات أو الهاء في واتقوه، أو بمحذوف دل عليه بالحق. وقوله الحق مبتدأ وخبر أو فاعل يكون على معنى وحين يقول لقوله الحق أي لقضائه كن فيكون، والمراد به حين يكون الأشياء ويحدثها أو حين تقوم القيامة فيكون التكوين حشر الأموات وإحياءها. وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ كقوله ﷾: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي هو عالم الغيب. وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ كالفذلكة للآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)","vol":"2","page":168},{"text":"وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ هو عطف بيان لأبيه، وفي كتب التواريخ أن اسمه تارح فقيل هما علمان له كإسرائيل ويعقوب، وقيل العلم تارح وآزر وصف معناه الشيخ أو المعوج، ولعل منع صرفه لأنه أعجمي حمل على موازنه أو نعت مشتق من الآزر أو الوزر، والأقرب أنه علم أعجمي على فاعل كعابر وشالخ، وقيل اسم صنم يعبده فلقب به للزوم عبادته، أو أطلق عليه بحذف المضاف. وقيل المراد به الصنم ونصبه بفعل مضمر يفسره ما بعده أي أتعبد آزر ثم قال: أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً تفسيرًا وتقريرًا. ويدل عليه أنه قرئ «أزرًا»، تتخذ أصنامًا بفتح همزة آزر وكسرها وهو اسم صنم. وقرأ يعقوب بالضم على النداء وهو يدل على أنه علم. إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ عن الحق. مُبِينٍ ظاهر الضلالة.\nوَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ ومثل هذا التبصير نبصره، وهو حكاية حال ماضية. وقرئ: «ترى» بالتاء ورفع الملكوت ومعناه تبصره دلائل الربوبية. مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ربوبيتها وملكها. وقيل عجائبها وبدائعها والملكوت أعظم الملك والتاء فيه للمبالغة. وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ أي ليستدل وليكون، أو وفعلنا ذلك ليكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٦ الى ٧٧]</span>\nفَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)\nفَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي تفصيل وبيان لذلك. وقيل عطف على قال إبراهيم وكذلك نري اعتراض فإن أباه وقومه كانوا يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبههم على ضلالتهم ويرشدهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال، وجن عليه الليل ستره بظلامه والكواكب كان الزهرة أو المشتري وقوله: هذا رَبِّي على سبيل الوضع فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم ثم يكر عليه بالإِفساد، أو على وجه النظر والاستدلال، وإنما قاله زمان مراهقته أو أول أوان بلوغه. فَلَمَّا أَفَلَ أي غاب. قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فضلًا عن عبادتهم فإن الانتقال والاحتجاب بالأستار يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية.\nفَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا مبتدئًا في الطلوع. قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ استعجز نفسه واستعان بربه في درك الحق، فإنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه إرشادًا لقومه وتنبيهًا لهم على أن القمر أيضًا لتغير حاله لا يصلح للألوهية، وأن من اتخذه إلهًا فهو ضال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nفَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)\nفَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر وصيانة للرب عن شبهة التأنيث.\nهذا أَكْبَرُ كبره استدلالًا أو إظهارًا لشبهة الخصم. فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به، ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال:\nإِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وإنما احتج بالأفوال دون البزوغ مع أنه أيضًا انتقال لتعدد دلالته، ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nوَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)","vol":"2","page":169},{"text":"وَحاجَّهُ قَوْمُهُ وخاصموه في التوحيد. قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ في وحدانيته ﷾. وقرأ نافع وابن عامر بخلاف عن هشام بتخفيف النون. وَقَدْ هَدانِ إلى توحيده. وَلا أَخافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ أي لا أخاف معبوداتكم في وقت لأنها لا تضر بنفسها ولا تنفع. إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا أن يصيبني بمكروه من جهتها، ولعله جواب لتخويفهم إياه من آلهتهم وتهديد لهم بعذاب الله. وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا كأنه علة الاستثناء، أي أحاط به علمًا فلا يبعد أن يكون في علمه أن يحيق بي مكروه من جهتها. أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز.\nوَكَيْفَ أَخافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ولا يتعلق به ضر. وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ وهو حقيق بأن يخاف منه كل الخوف لأنه إشراك للمصنوع بالصانع، وتسوية بين المقدور العاجز بالقادر الضار النافع. مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا ما لم ينزل بإشراكه كتابًا، أو لم ينصب عليه دليلًا. فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ أي الموحدون أو المشركون، وإنما لم يقل أينا أنا أم أنتم احترازًا من تزكية نفسه. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما يحق أن يخاف منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٢]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)\nالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ استئناف منه أو من الله بالجواب عما استفهم عنه، والمراد بالظلم ها هنا الشرك لما\nروي أن الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة وقالوا:\nأينا لم يظلم نفسه فقال ﵊ «ليس ما تظنون إنما هو ما قال لقمان لابنه\nيا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» وليس الإِيمان به أن يصدق بوجود الصانع الحكيم ويخلط بهذا التصديق الإِشراك به.\nوقيل المعصية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>[سورة الأنعام (٦): آية ٨٣]</span>\nوَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)\nوَتِلْكَ إشارة إلى ما احتج به إبراهيم على قومه من قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ إلى قوله: وَهُمْ مُهْتَدُونَ أو من قوله: أَتُحاجُّونِّي إليه. حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ أرشدناه إليها أو علمناه إياها. عَلى قَوْمِهِ متعلق ب حُجَّتُنا إن جعل خبر تلك وبمحذوف إن جعل بدله أي: آتيناها إبراهيم حجة على قومه.\nنَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ في العلم والحكمة. وقرأ الكوفيون ويعقوب بالتنوين. إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في رفعه وخفضه. عَلِيمٌ بحال من يرفعه واستعداده له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٤ الى ٨٥]</span>\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًاّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا أي كلا منهما. وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ من قبل إبراهيم، عد هداه نعمة على إبراهيم من حيث إنه أبوه وشرف الوالد يتعدى إلى الولد. وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ الضمير لإبراهيم ﵊ إذ الكلام فيه. وقيل لنوح ﵇ لأنه أقرب ولأن يونس ولوطًا ليسا من ذرية إبراهيم، فلو كان لإبراهيم اختص البيان بالمعدودين في تلك الآية والتي بعدها والمذكورون في الآية الثالثة عطف على","vol":"2","page":170},{"text":"نوحا داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ أيوب بن أموص من أسباط عيص بن إسحاق. وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي ونجزي المحسنين جزاء مثل ما جزينا إبراهيم برفع درجاته وكثر أولاده والنبوة فيهم.\nوَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى هو ابن مريم وفي ذكره دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت. وَإِلْياسَ قيل هو إدريس جد نوح فيكون البيان مخصوصًا بمن في الآية الأولى. وقيل هو من أسباط هارون أخي موسى. كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ الكاملين في الصلاح وهو الإِتيان بما ينبغي والتحرز عما لا ينبغي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nوَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلًاّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)\nوَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ هو اليسع بن أخطوب. وقرأ حمزة والكسائي والليسع وعلى القراءتين هو علم أعجمي أدخل عليه اللام كما أدخل على اليزيد في قوله:\nرَأَيْتُ الوَلِيْدَ بن اليزيد مُبَارَكا ... شَدِيدًا بِأَعْبَاءِ الخِلاَفَةِ كَاهِلُهُ\nوَيُونُسَ هو يونس بن متى. وَلُوطًا هو ابن هاران أخي إبراهيم. وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ بالنبوة، وفيه دليل على فضلهم على من عداهم من الخلق.\nوَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ عطف على كُلًّا أو نُوحًا أي فضلنا كلًا منهم، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم فإن منهم من لم يكن نبيًا ولا مهديًا. وَاجْتَبَيْناهُمْ عطف على فَضَّلْنا أو هَدَيْنا وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تكرير لبيان ما هدوا إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩)\nذلِكَ هُدَى اللَّهِ إشارة إلى ما دانوا به. يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ دليل على أنه متفضل عليهم بالهداية. وَلَوْ أَشْرَكُوا أي ولو أشرك هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع فضلهم وعلو شأنهم. لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَعْمَلُونَ لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم بسقوط ثوابها.\nأُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يريد به الجنس. وَالْحُكْمَ الحكمة أو فصل الأمر على ما يقتضيه الحق. وَالنُّبُوَّةَ والرسالة. فَإِنْ يَكْفُرْ بِها أي بهذه الثلاثة. هؤُلاءِ يعني قريشًا. فَقَدْ وَكَّلْنا بِها أي بمراعاتها. قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورون ومتابعوهم. وقيل هم الأنصار أو أصحاب النبي ﷺ، أو كل من آمن به أو الفرس. وقيل الملائكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٠]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠)\nأُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ يريد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المتقدم ذكرهم. فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ فاختص طريقهم بالاقتداء والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها، فإنها ليست هدى مضافًا إلى الكل ولا يمكن التأسي بهم جميعًا. فليس فيه دليل على أنه ﵊ متعبد بشرع من قبله، والهاء في اقْتَدِهْ للوقف ومن أثبتها في الدرج ساكنة كابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم أجرى الوصل مجرى الوقف، ويحذف الهاء في الوصل خاصة حمزة والكسائي وأشبعها بالكسر ابن","vol":"2","page":171},{"text":"عامر برواية ابن ذكوان على أنها كناية المصدر وكسرها بغير إشباع برواية هشام. قُلْ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على التبليغ أو القرآن. أَجْرًا جعلًا من جهتكم كما لم يسأل من قبلي من النبيين، وهذا من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه. إِنْ هُوَ أي التبليغ أو القرآن أو الغرض. إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ إلا تذكيرًا وموعظة لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>[سورة الأنعام (٦): آية ٩١]</span>\nوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)\nوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وما عرفوه حق معرفته في الرحمة والإِنعام على العباد. إِذْ قالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ حين أنكروا الوحي وبعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وذلك من عظائم رحمته وجلائل نعمته أو في السخط على الكفار وشدة البطش بهم حين جسروا على هذه المقالة، والقائلون هم اليهود قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن بدليل نقض كلامهم، وإلزامهم بقوله: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ وقراءة الجمهور تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا بالتاء وإنما قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو حملًا على قالوا وما قدروا، وتضمن ذلك توبيخهم على سوء جهلهم بالتوراة وذمهم على تجزئتها بإبداء بعض انتخبوه وكتبوه في ورقات متفرقة وإخفاء بعض لا يشتهونه.\nوروي (أن مالك بن الصيف قاله لما أغضبه الرسول ﷺ بقوله: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين قال: نعم إن الله يبغض الحبر السمين، قال ﵊: فأنت الحبر السمين)\nوقيل هم المشركون وإلزامهم بإنزال التوراة لأنه كان من المشهورات الذائعة عندهم ولذلك كانوا يقولون لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ وَعُلِّمْتُمْ على لسان محمد ﷺ. مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ زيادة على ما في التوراة وبيانًا لما التبس عليكم وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم ونظيره إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وقيل الخطاب لمن آمن من قريش قُلِ اللَّهُ أي أنزله الله، أو الله أنزله. أمره بأن يجيب عنهم إشعارًا بأن الجواب متعين لا يمكن غيره، وتنبيهًا على أنهم بهتوا بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب. ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ في أباطيلهم فلا عليك بعد التبليغ وإلزام الحجة. يَلْعَبُونَ حال من هم الأول، والظرف صلة ذرهم أو يلعبون أو حال من مفعوله، أو فاعل يلعبون أو من هم الثاني والظرف متصل بالأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٢]</span>\nوَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)\nوَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ كثير الفائدة والنفع. مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يعني التوراة أو الكتب التي قبله. وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى عطف على ما دل عليه مبارك أي للبركات ولتنذر أو علة لمحذوف أي ولتنذر أهل أم القرى أنزلناه، وإنما سميت مكة بذلك لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم وأعظم القرى شأنًا.\nوقيل لأن الأرض دحيت من تحتها، أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس. وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء أي ولينذر الكتاب. وَمَنْ حَوْلَها أهل الشرق والغرب. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ فإن من صدق بالآخرة خاف العاقبة ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر حتى يؤمن بالنبي والكتاب، والضمير يحتملهما ويحافظ على الطاعة وتخصيص الصلاة لأنها عماد الدين وعلم الإِيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٣]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)","vol":"2","page":172},{"text":"وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فزعم أنه بعثه نبيًا كمسيلمة والأسود العنسي، أو اختلق عليه أحكامًا كعمرو بن لحي ومتابعيه. أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ كعبد الله بن سعد بن أبي سرح (كان يكتب لرسول الله ﷺ فلما نزلت وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ فلما بلغ قوله: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ\nقال عبد الله (فتبارك الله أحسن الخالقين) تعجبًا من تفصيل خلق الإِنسان فقال ﵊: اكتبها فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال لئن كان محمد صادقًا لقد أوحي إليّ كما أوحي إليه ولئن كان كاذبًا لقد قلت كما قال) .\nوَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ كالذين قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا. وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ حذف مفعوله لدلالة الظرف عليه أي ولو ترى الظالمين. فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ شَدَائده من غمره الماء إذا غشيه. وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ يقبض أرواحهم كالمتقاضي الملظ أو بالعذاب. أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ أي يقولون لهم أخرجوها إلينا من أجسادكم تغليظًا وتعنيفًا عليهم، أو أخرجوها من العذاب وخلصوها من أيدينا. الْيَوْمَ يريدون وقت الإِماتة، أو الوقت الممتد من الإِماتة إلى ما لا نهاية له.\nتُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أي الهوان يريدون العذاب المتضمن لشدة وإهانة، فإضافته إلى الهون لعراقته وتمكنه فيه. بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ كادعاء الولد والشريك له ودعوى النبوة والوحي كاذبا. وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٤]</span>\nوَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)\nوَلَقَدْ جِئْتُمُونا للحساب والجزاء. فُرادى منفردين عن الأموال والأولاد وسائر ما آثرتموه من الدنيا، أو عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم، وهو جمع فرد والألف للتأنيث ككسالى. وقرئ «فراد» كرخال و«فراد» كثلاث و«فردي» كسكرى. كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بدل منه أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو حال ثانية إن جوز التعدد فيها، أو حال من الضمير في فُرادى أي مشبهين ابتداء خلقكم عراة حفاة غرلًا بهما، أو صفة مصدر جِئْتُمُونا أي مجيئنا كما خلقناكم. وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْناكُمْ ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة. وَراءَ ظُهُورِكُمْ ما قدمتم منه شيئًا ولم تحتملوا نقيرًا.\nوَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ أي شركاء لله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم.\nلَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ أي تقطع وصلكم وتشتت جمعكم، والبين من الأضداد يستعمل للوصل والفصل. وقيل هو الظرف أسند إليه الفعل اتساعًا والمعنى: وقع التقطع بينكم، ويشهد له قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على إضمار الفاعل لدلالة ما قبله عليه، أو أقيم مقام موصوفة وأصله لقد تقطع ما بينكم وقد قرئ به. وَضَلَّ عَنْكُمْ ضاع وبطل. مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنها شفعاؤكم أو أن لا بعث ولا جزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٥]</span>\nإِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)\nإِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى بالنبات والشجر. وقيل المراد به الشقاق الذي في الحنطة والنواة. يُخْرِجُ الْحَيَّ يريد به ما ينمو من الحيوان والنبات ليطابق ما قبله. مِنَ الْمَيِّتِ\nمما لا ينمو كالنطف والحب.\nوَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ومخرج ذلك من الحيوان والنبات، ذكره بلفظ الاسم حملًا على فالق الحب فإن","vol":"2","page":173},{"text":"قوله: يخرج الحي واقع موقع البيان له. ذلِكُمُ اللَّهُ أي ذلكم المحيي المميت هو الذي يحق له العبادة.\nفَأَنَّى تُؤْفَكُونَ تصرفون عنه إلى غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٦]</span>\nفالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)\nفالِقُ الْإِصْباحِ شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل أو عن بياض النهار، أو شاق ظلمة الإِصباح وهو الغبش الذي يليه والإِصباح في الأصل مصدر أصبح إذا دخل في الصباح سمي به الصبح. وقرئ بفتح الهمزة على الجمع وقرئ «فَالِقُ الإصباح» بالنصب على المدح. وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه من سكن إليه إذا اطمأن إليه استئناسًا به، أو يسكن فيه الخلق من قوله تعالى: لِتَسْكُنُوا فِيهِ ونصبه بفعل دل عليه جاعل لا به، فإن في معنى الماضي. ويدل عليه قراءة الكوفيين وَجَعَلَ اللَّيْلَ حملًا على معنى المعطوف عليه، فإن فالق بمعنى فلق ولذلك قرئ به، أو به على أن المراد منه جعل مستمر في الأزمنة المختلفة وعلى هذا يجوز أن يكون وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ عطفًا على محل الليل ويشهد له قراءتهما بالجر والأحسن نصبهما بجعل مقدرا. وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي مجعولان. حُسْبانًا أي على أدوار مختلفة يحسب بهما الأوقات ويكونان علمي الحسبان، وهو مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب. وقيل جمع حساب كشهاب وشهبان. ذلِكَ إشارة إلى جعلهما حسبانًا أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم. تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الذي قهرهما وسيرهما على الوجه المخصوص. الْعَلِيمِ بتدبيرهما والأنفع من التداوير الممكنة لهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٧ الى ٩٨]</span>\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ خلقها لكم. لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ في ظلمات الليل في البر والبحر، وإضافتها إليهما للملابسة أو في مشتبهات الطرق وسماها ظلمات على الاستعارة، وهو إفراد لبعض منافعها بالذكر بعد ما أجملها بقوله لكم. قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ بيناها فصلًا فصلًا. لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فإنهم المنتفعون به.\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هو آدم ﵊. فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ أي فلكم استقرار في الأصلاب، أو فوق الأرض واستيداع في الأرحام، أو تحت الأرض أو موضع استقرار واستيداع، وقرأ ابن كثير والبصريان بكسر القاف على أنه اسم فاعل، والمستودع اسم مفعول أي فمنكم قار ومنكم مستودع، لأن الاستقرار منا دون الاستيداع. قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ذكر مع ذكر النجوم يعلمون لأن أمرها ظاهر، ومع ذكر تخليق بني آدم يفقهون لأن إنشاءهم من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض يحتاج إلى استعمال فطنة وتدقيق نظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>[سورة الأنعام (٦): آية ٩٩]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماء فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)\nوَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء من السحاب أو من جانب السماء. فَأَخْرَجْنا على تلوين الخطاب.\nبِهِ بالماء نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ نبت كل صنف من النبات والمعنى: إظهار القدرة في إنبات الأنواع المختلفة المفننة بماء واحد كما في قوله ﷾: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ.","vol":"2","page":174},{"text":"فَأَخْرَجْنا مِنْهُ من النبات أو الماء. خَضِرًا شيئًا أخضر يقال أخضر كأعور وعور، وهو الخارج من الحبة المتشعب. نُخْرِجُ مِنْهُ من الخضر. حَبًّا مُتَراكِبًا وهو السنبل. وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ أي وأخرجنا من النخل نخلًا من طلعها قنوان، أو من النخل شيء من طلعها قنوان، ويجوز أن يكون من النخل خبر قنوان ومن طلعها بدل منه والمعنى: وحاصلة من طلع النخل قنوان وهو الأعذاق جمع قنو كصنوان جمع صنو. وقرئ بضم القاف كذئب وذؤبان وبفتحها على أنه اسم جمع إذ ليس فعلان من أبنية الجمع. دانِيَةٌ قريبة من المتناول، أو ملتفة قريب بعضها من بعض، وإنما اقتصر على ذكرها عن مقابلها لدلالتها عليه وزيادة النعمة فيها. وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ عطف على نبات كل شيء. وقرأ نافع بالرفع على الإِبتداء أي ولكم أو ثم جنات أو من الكرم جنات، ولا يجوز عطفه على قِنْوانٌ إذ العنب لا يخرج من النخل. وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ أيضًا عطف على نبات أو نصب على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم. مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ حال من الرمان، أو من الجميع أي بعض ذلك متشابه وبعضه غير متشابه في الهيئة والقدر واللون والطعم. انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ أي ثمر كل واحد من ذلك. وقرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم، وهو جمع ثمرة كخشبة وخشب، أو ثمار ككتاب وكتب. إِذا أَثْمَرَ إذا أخرج ثمره كيف يثمر ضئيلًا لا يكاد ينتفع به.\nوَيَنْعِهِ وإلى حال نضجه أو إلى نضيجة كيف يعود ضخمًا ذا نفع ولذة، وهو في الأصل مصدر ينعت الثمر إذا أدركت. وقيل جمع يانع كتاجر وتجر. وقرئ بالضم وهو لغة فيه ويانعه. إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي لآيات دالة على وجود القادر الحكيم وتوحيده، فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المفننة من أصل واحد ونقلها من حال إلى حال لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها، ويرجح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها ولا يعوقه عن فعله ند يعارضه أو ضد يعانده، ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك به والرد عليه فقال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٠]</span>\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ أي الملائكة بأن عبدوهم وقالوا: الملائكة بنات الله. وسماهم جنًا لاجتنانهم تحقيرًا لشأنهم، أو الشياطين لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى، أو عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم، أو قالوا الله خالق الخير وكل نافع، والشيطان خالق الشر وكل ضار كما هو رأي الثنوية.\nومفعولا جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ والجن بدل من شُرَكاءَ أو شُرَكاءَ الجن ولِلَّهِ متعلق ب شُرَكاءَ، أو حال منه وقرئ الْجِنَّ بالرفع كأنه قيل: من هم فقيل الجن، والْجِنَّ بالجر على الإِضافة للتبيين. وَخَلَقَهُمْ حال بتقدير قد، والمعنى وقد علموا أن الله خالقهم دون الجن وليس من يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ. وقرئ وَخَلَقَهُمْ عطفًا على الْجِنَّ أي وما يخلقونه من الأصنام، أو على شركاء أي وجعلوا له اختلافهم للإِفك حيث نسبوه إليه. وَخَرَقُوا لَهُ افتعلوا وافتروا له. وقرأ نافع بتشديد الراء للتكثير. وقرئ «وحرفوا» أي وزوروا. بَنِينَ وَبَناتٍ فقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالت العرب الملائكة بنات الله. بِغَيْرِ عِلْمٍ من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه ويروا عليه دليلًا، وهو في موضع الحال من الواو، أو المصدر أي خرقًا بغير علم. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ وهو أن له شريكًا أو ولدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠١]</span>\nبَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)","vol":"2","page":175},{"text":"بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، أو إلى الظرف كقولهم: ثبت الغدر بمعنى أنه عديم النظير فيهما، وقيل معناه المبدع وقد سبق الكلام فيه، ورفعه على الخبر والمبتدأ محذوف أو على الابتداء وخبره. أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ أي من أين أو كيف يكون له ولد. وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ يكون منها الولد. وقرئ بالياء للفصل أو لأن الاسم ضمير الله أو ضمير الشأن. وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا تخفى عليه خافية، وإنما لم يقل به لتطرق التخصيص إلى الأول، وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه: (الأول) أنه من مبدعاته السموات والأرضون، وهي مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها وطول مدتها فهو أولى بأن يتعالى عنها، أو أن ولد الشيء نظيره ولا نظير له فلا ولد.\n(والثاني) أن المعقول من الولد ما يتولد من ذكر وأنثى متجانسين والله ﷾ منزه عن المجانسة.\n(والثالث) أن الولد كفؤ الوالد ولا كفؤ له لوجهين: الأول أن كل ما عداه مخلوقه فلا يكافئه. والثاني أنه ﷾ لذاته عالم بكل المعلومات ولا كذلك غيره بالإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٢ الى ١٠٣]</span>\nذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)\nذلِكُمُ إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصفات وهو مبتدأ. اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ أخبار مترادفة ويجوز أن يكون البعض بدلًا أو صفة والبعض خبرًا. فَاعْبُدُوهُ حكم مسبب عن مضمونها فإن من استجمع هذه الصفات استحق العبادة. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي وهو مع تلك الصفات متولي أموركم فكلوها إليه وتوسلوا بعبادته إلى إنجاح مآربكم ورقيب على أعمالكم فيجازيكم عليها.\nلاَّ تُدْرِكُهُ أي لا تحيط به. الْأَبْصارُ جمع بصر وهي حاسة النظر وقد يقال للعين من حيث إنها محلها واستدل به المعتزلة على امتناع الرؤية وهو ضعيف، إذ ليس الإِدراك مطلق الرؤية ولا النفي في الآية عامًا في الأوقات فلعله مخصوص ببعض الحالات ولا في الأشخاص، فإنه في قوة قولنا لا كل بصر يدركه مع أن النفي لا يوجب الامتناع. وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ يحيط علمه بها. وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ فيدرك ما لا تدركه الأبصار كالأبصار، ويجوز أن يكون من باب اللف أي لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير، فيكون اللطيف مستعارًا من مقابل الكثيف لما لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٤ الى ١٠٥]</span>\nقَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)\nقَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ البصائر جمع بصيرة وهي للنفس كالبصر للبدن، سميت بها الدلالة لأنها تجلي لها الحق وتبصرها به. فَمَنْ أَبْصَرَ أي أبصر الحق وآمن به. فَلِنَفْسِهِ أبصر لأن نفسه لها. وَمَنْ عَمِيَ عن الحق وضل. فَعَلَيْها وباله. وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وإنما أنا منذر والله ﷾ هو الحفيظ عليكم يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها، وهذا كلام ورد على لسان الرسول ﵊.\nوَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ومثل ذلك التصريف نصرف، وهو إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة من الصرف، وهو نقل الشيء من حال إلى حال. وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ أي وليقولوا درست صرفنا واللام لام العاقبة، والدرس القراءة والتعليم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست أي دارست أهل الكتاب وذاكرتهم، وابن عامر ويعقوب درست من الدروس أي قدمت هذه الآيات وعفت كقولهم أساطير الأولين. وقرئ «دَرُسْتَ» بضم الراء مبالغة في درست ودرست على البناء للمفعول بمعنى قرئت، أو عفيت ودارست بمعنى درست أو دارست اليهود محمدا ﷺ، وجاز إضمارهم بلا ذكر لشهرتهم بالدراسة، ودرسن أي عفون ودرس","vol":"2","page":176},{"text":"أي درس محمد ﷺ ودراسات أي قديمات أو ذوات درس كقوله تعالى: فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ. وَلِنُبَيِّنَهُ اللام على أصله لأن التبيين مقصود التصريف والضمير للآيات باعتبار المعنى، أو للقرآن وإن لم يذكر لكونه معلومًا أو للمصدر. لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فإنهم المنتفعون به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٦ الى ١٠٧]</span>\nاتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)\nاتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ بالتدين به. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ اعتراض أكد به إيجاب الاتباع، أو حال مؤكدة من ربك بمعنى منفردًا في الألوهية. وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ولا تحتفل بأقوالهم ولا تلتفت إلى آرائهم، ومن جعله منسوخًا بآية السيف حمل الإِعراض على ما يعم الكف عنهم.\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ توحيدهم وعدم إشراكهم. مَا أَشْرَكُوا وهو دليل على أنه ﷾ لا يريد إيمان الكافرين وأن مراده واجب الوقوع. وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا رقيبًا. وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ تقوم بأمورهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٨]</span>\nوَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)\nوَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي ولا تذكروا آلهتهم التي يعبدونها بما فيها من القبائح.\nفَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا تجاوزًا عن الحق إلى الباطل. بِغَيْرِ عِلْمٍ على جهالة بالله ﷾ وبما يجب أن يذكر به. وقرأ يعقوب عَدْوًا يقال عدا فلان عدوًاّ وعدوًا وعداءَ وعدوانًا.\nروي: أنه ﵊ كان يطعن في آلهتهم فقالوا لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهك، فنزلت.\nوقيل كان المسلمون يسبونها فنهوا لئلا يكون سبهم سببًا لسب الله ﷾، وفيه دليل على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلى الشر شر. كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ من الخير والشر بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه توفيقًا وتخذيلًا، ويجوز تخصيص العمل بالشر وكل أمة بالكفرة لأن الكلام فيهم، والمشبه به تزيين سب الله لهم. ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بالمحاسبة والمجازات عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٩ الى ١١٠]</span>\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ مصدر في موقع الحال، والداعي لهم إلى هذا القسم والتأكيد فيه التحكم على الرسول ﷺ في طلب الآيات واستحقار ما رأوا منها. لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ من مقترحاتهم. لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ هو قادر عليها يظهر منها ما يشاء وليس شيء منها بقدرتي وإرادتي. وَما يُشْعِرُكُمْ وما يدريكم استفهام إنكار. أَنَّها أي أن الآية المقترحة. إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ أي لا تدرون أنهم لا يؤمنون، أنكر السبب مبالغة في نفي المسبب، وفيه تنبيه على أنه ﷾ إنما لم ينزلها لعلمه بأنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وقيل لا مزيدة وقيل أن بمعنى لعل إذ قرئ لعلها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب إنها بالكسر كأنه قال: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبركم بما علم منهم والخطاب للمؤمنين فإنهم يتمنون مجيء الآية طمعًا في إيمانهم، فنزلت. وقيل للمشركين إذ قرأ ابن عامر وحمزة «لا تؤمنون»","vol":"2","page":177},{"text":"بالتاء وقرئ «وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم» فيكون إنكارًا لهم على حلفهم أي: وما يشعرهم أن قلوبهم حينئذٍ لم تكن مطبوعة كما كانت عند نزول القرآن وغيره من الآيات فيؤمنون بها.\nوَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ عطف على لا يؤمنون أي: وما يشعركم أنا حينئذ نقلب أفئدتهم عن الحق فلا يفقهونه، وأبصارهم فلا يبصرونه فلا يؤمنون بها. كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أي بما أنزل من الآيات. أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ وندعهم متحيرين لا نهديهم هداية المؤمنين. وقرئ. «وَيَقَلِّبُ» و«يذرهم» على الغيبة، و«تقلب» على البناء للمفعول والإِسناد إلى الأفئدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>[سورة الأنعام (٦): آية ١١١]</span>\nوَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)\nوَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا كما اقترحوا فقالوا: لولا أنزل علينا الملائكة فأتوا بآياتنا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا وقبلا جمع قبيل بمعنى كفيل أي: كفلاء بما بشروا به وأنذروا به، أو جمع قبيل الذي هو جمع قبيلة بمعنى جماعات، أو مصدر بمعنى مقابلة كقبلا وهو قراءة نافع وابن عامر، وهو على الوجوه حال من كل وإنما جاز ذلك لعمومه. وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لما سبق عليهم القضاء بالكفر. إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ استثناء من أعم الأحوال أي: لا يؤمنون في حال من الأحوال إلا حال مشيئة الله تعالى إيمانهم، وقيل منقطع وهو حجة واضحة على المعتزلة. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ أنهم لو أوتوا بكل آية لم يؤمنوا فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون، ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم مع أن مطلق الجهل يعمهم، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أنهم لا يؤمنون فيتمنون نزول الآية طمعًا في إيمانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٢ الى ١١٣]</span>\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا أي كما جعلنا لك عدوًا جعلنا لكل نبي سبقك عدوًا، وهو دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بفعل الله ﷾ وخلقه. شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مردة الفريقين، وهو بدل من عدوًا، أو أول مفعولي جَعَلْنا وعَدُوًّا مفعوله الثاني، ولكل متعلق به أو حال منه. يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإِنس، أو بعض الجن إلى بعض، وبعض الإِنس إلى بعض. زُخْرُفَ الْقَوْلِ الأباطيل المموهة منه من زخرفة إذا زينه. غُرُورًا مفعول له أو مصدر في موقع الحال. وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ إيمانهم. مَّا فَعَلُوهُ أي ما فعلوا ذلك يعني معاداة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وايحاء الزخارف، ويجوز أن يكون الضمير للايحاء أو الزخرف أو الغرور، وهو أيضًا دليل على المعتزلة. فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ وكفرهم.\nوَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عطف على غُرُورًا إن جعل علة، أو متعلق بمحذوف أي وليكون ذلك جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا. والمعتزلة لما اضطروا فيه قالوا: اللام لام العاقبة أو لام القسم كسرت لما لم يؤكد الفعل بالنون أو لام الأمر وضعفه أظهر، والصغو: الميل والضمير لما له الضمير في فعلوه. وَلِيَرْضَوْهُ لأنفسهم. وَلِيَقْتَرِفُوا وليكتسبوا. مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ من الآثام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٤]</span>\nأَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)","vol":"2","page":178},{"text":"أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا على إرادة القول أي: قل لهم يا محمد أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم ويفصل المحق منا من المبطل، و«غير» مفعول أَبْتَغِي وحَكَمًا حال منه ويحتمل عكسه، وحَكَمًا أبلغ من حاكم ولذلك لا يوصف به غير العادل. وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ القرآن المعجز.\nمُفَصَّلًا مبينًا فيه الحق والباطل بحيث ينفي التخليط والالتباس. وفيه تنبيه على أن القرآن بإعجازه وتقريره مغنٍ عن سائر الآيات. وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ تأييد لدلالة الإِعجاز على أن القرآن حق منزل من عند الله ﷾، يعلم أهل الكتاب به لتصديقه ما عندهم مع أنه ﵊ لم يمارس كتبهم ولم يخالط علماءهم، وإنما وصف جميعهم بالعلم لأن أكثرهم يعلمون ومن لم يعلم فهو متمكن منه بأدنى تأمل. وقيل المراد مؤمنون أهل الكتاب. وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم مُنَزَّلٌ بالتشديد. فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ في أنهم يعلمون ذلك، أو في أنه منزل لجحود أكثرهم وكفرهم به، فيكون من باب التهييج كقوله تعالى: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أو خطاب الرسول ﷺ لخطاب الأمة. وقيل الخطاب لكل أحد على معنى أن الأَدلة لما تعاضدت على صحته فلا ينبغي لأحد أن يمتري فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٥]</span>\nوَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)\nوَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده. صِدْقًا في الأخبار والمواعيد.\nوَعَدْلًا في الأقضية والأحكام ونصبهما يحتمل التمييز والحال والمفعول له. لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ لا أحد يبدل شيئًا منها بما هو أصدق وأعدل، أو لا أحد يقدر أن يحرفها شائعًا ذائعًا كما فعل بالتوراة على أن المراد بها القرآن، فيكون ضمانًا لها من الله ﷾ بالحفظ كقوله: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ أو لا نبي ولا كتاب بعدها ينسخها ويبدل أحكامها. وقرأ الكوفيون ويعقوب كَلِمَةُ رَبِّكَ أي ما تكلم به أو القرآن. وَهُوَ السَّمِيعُ لما يقولون. الْعَلِيمُ بما يضمرون فلا يهملهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٦]</span>\nوَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦)\nوَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ أي أكثر الناس يريد الكفار، أو الجهال أو أتباع الهوى. وقيل الأرض أرض مكة. يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن الطريق الموصل إليه، فإن الضال في غالب الأمر لا يأمر إلا بما فيه ضلال. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق، أو جهالاتهم وآراؤهم الفاسدة فإن الظن يطلق على ما يقابل العلم. وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يكذبون على الله ﷾ فيما ينسبون إليه كاتخاذ الولد وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه، وتحليل الميتة وتحريم البحائر، أو يقدرون أنهم على شيء وحقيقته ما يقال عن ظن وتخمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>[سورة الأنعام (٦): آية ١١٧]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي أعلم بالفريقين، ومَنْ موصولة أو موصوفة في محل النصب بفعل دل عليه أعلم لا به فإن أفعل لا ينصب الظاهر في مثل ذلك، أو استفهامية مرفوعة بالابتداء والخبر «يُضِلَّ» والجملة معلق عنها الفعل المقدر. وقرئ «مَن يَضِلُّ» أي يضله الله، فتكون من منصوبة بالفعل المقدر أو مجرورة بإضافة أعلم إليه أي: أعلم المضلين من قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ","vol":"2","page":179},{"text":"أو من أضللته إذا وجدته ضالًا، والتفضيل في العلم بكثرته وإحاطته بالوجوه التي يمكن تعلق العلم بها ولزومه وكونه بالذات لا بالغير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٨ الى ١١٩]</span>\nفَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)\nفَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحرمون الحلال ويحللون الحرام، والمعنى كلوا مما ذكر اسم الله على ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره أو مات حتف أنفه. إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ فإن الإِيمان بها يقتضي استباحة ما أحله الله ﷾ واجتناب ما حرمه.\nوَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وأي غرض لكم في أن تتحرجوا عن أكله وما يمنعكم عنه.\nوَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ مما لم يحرم بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر فَصَّلَ على البناء للمفعول، ونافع ويعقوب وحفص حَرَّمَ على البناء للفاعل. إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ مما حرم عليكم فإنه أيضًا حلال حال الضرورة. وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بتحليل الحرام وتحريم الحلال.\nقرأ الكوفيون بضم الياء والباقون بالفتح. بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ بتشبيههم من غير تعلق بدليل يفيد العلم. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ بالمجاوزين الحق إلى الباطل والحلال إلى الحرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٠ الى ١٢١]</span>\nوَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)\nوَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ ما يعلن وما يسر، أو ما بالجوارح وما بالقلب. وقيل الزنا في الحوانيت واتخاذ الأخدان. إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ يكتسبون.\nوَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ظاهر في تحريم متروك التسمية عمدًا أو نسيانًا، وإليه ذهب داود وعن أحمد مثله، وقال مالك والشافعي بخلافه\nلقوله ﵊ «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه»\nوفرق أبو حنيفة ﵀ بين العمد والنسيان وأوله بالميتة أو بما ذكر غير اسم الله عليه لقوله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ فإن الفسق ما أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ، والضمير لما ويجوز أن يكون للأكل الذي دل عليه ولا تأكلوا. وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ ليوسوسون. إِلى أَوْلِيائِهِمْ من الكفار. لِيُجادِلُوكُمْ بقولهم تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله الله، وهو يؤيد التأويل بالميتة. وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ في استحلال ما حرم. إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ فإن من ترك طاعة الله تعالى إلى طاعة غيره واتبعه في دينه فقد أشرك، وإنما حسن حذف الفاء فيه لأن الشرط بلفظ الماضي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٢]</span>\nأَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)\nأَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ مثل به من هداه الله ﷾ وأنقذه من الضلال وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء، فيميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل.\nوقرأ نافع ويعقوب مَيْتًا على الأصل. كَمَنْ مَثَلُهُ صفته وهو مبتدأ خبره. فِي الظُّلُماتِ وقوله: لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها حال من المستكن في الظرف لا من الهاء في مثله للفصل، وهو مثل لمن بقي على الضلالة لا","vol":"2","page":180},{"text":"يفارقها بحال. كَذلِكَ كما زين للمؤمنين إيمانهم. زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ والآية نزلت في حمزة وأبي جهل وقيل في عمر أو عمار وأبي جهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٣]</span>\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣)\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها أي كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها، وجَعَلْنا بمعنى صيرنا ومفعولاه أَكابِرَ مُجْرِمِيها على تقديم المفعول الثاني، أو في كل قرية أَكابِرَ ومُجْرِمِيها بدل ويجوز أن يكون مضافًا إليه إن فسر الجعل بالتمكين، وأفعل التفضيل إذا أضيف جاز فيه الإفراد والمطابقة ولذلك قرئ «أكبر مجرميها»، وتخصيص الأكابر لأنهم أقوى على استتباع الناس والمكر بهم. وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ لأن وباله يحيق بهم. وَما يَشْعُرُونَ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٤]</span>\nوَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)\nوَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ يعني كفار قريش لما\nروي: أن أبا جهل قال زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحي إليه، والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت\n: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ استئناف للرد عليهم بأن النبوة ليست بالنسب والمال وإنما هي بفضائل نفسانية يخص الله ﷾ بها من يشاء من عباده فيجتبي لرسالاته من علم أنه يصلح لها، وهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ ذل وحقارة بعد كبرهم. عِنْدَ اللَّهِ يوم القيامة وقيل تقديره من عند الله. وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ بسبب مكرهم أو جزاء على مكرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٥]</span>\nفَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)\nفَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يعرفه طريق الحق ويوفقه للإيمان. يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فيتسع له ويفسح فيه مجاله، وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة لحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه، وإليه أشار عليه أفضل الصلاة والسلام حين سئل عنه\nفقال «نور يقذفه الله ﷾ في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح»\nفقالوا: هل لذلك من أمارة يعرف بها فقال: نعم الإِنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله» . وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الإِيمان. وقرأ ابن كثير ضَيِّقًا بالتخفيف ونافع وأبو بكر عن عاصم حَرَجًا بالكسر أي شديد الضيق، والباقون بالفتح وصفًا بالمصدر. كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ شبهه مبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه، فإن صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة، ونبه به على أن الإِيمان يمتنع منه كما يمتنع الصعود.\nوقيل معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبوًا عن الحق وتباعدًا في الهرب منه، وأصل يصعد يتصعد وقد قرئ به وقرأ ابن كثير يَصَّعَّدُ وأبو بكر عن عاصم يصاعد بمعنى يتصاعد. كَذلِكَ أي كما يضيق صدره ويبعد قلبه عن الحق. يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ يجعل العذاب أو الخذلان عليهم، فوضع الظاهر موضع المضمر للتعليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٦ الى ١٢٧]</span>\nوَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)","vol":"2","page":181},{"text":"وَهذا إشارة إلى البيان الذي جاء به القرآن، أو إلى الإسلام أو إلى ما سبق من التوفيق والخذلان.\nصِراطُ رَبِّكَ الطريق الذي ارتضاه أو عادته وطريقه الذي اقتضته حكمته. مُسْتَقِيمًا لا عوج فيه، أو عادلًا مطردًا وهو حال مؤكدة كقوله وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا، أو مقيدة والعامل فيها معنى الإِشارة. قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ فيعلمون أن القادر هو الله ﷾ وأن كل ما يحدث من خير أو شر فهو بقضائه وخلقه، وأنه عالم بأحوال العباد حكيم عادل فيما يفعل بهم.\nلَهُمْ دارُ السَّلامِ دار الله أضاف الجنة إلى نفسه تعظيمًا لها، أو دار السلامة من المكاره أو دار تحيتهم فيها سلام. عِنْدَ رَبِّهِمْ في ضمانه أو ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنهها غيره. وَهُوَ وَلِيُّهُمْ مواليهم أو ناصرهم. بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بسبب أعمالهم أو متوليهم بجزائها فيتولى إيصاله إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>[سورة الأنعام (٦): آية ١٢٨]</span>\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)\nويوم نحشرهم جَمِيعًا نصب بإضمار اذكر أو نقول، والضمير لمن يحشر من الثقلين. وقرأ حفص عن عاصم وروح عن يعقوب يَحْشُرُهُمْ بالياء. يا مَعْشَرَ الْجِنِّ يعني الشياطين. قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ أي من إغوائهم وإضلالهم، أو منهم بأن جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم كقولهم استكثر الأمير من الجنود. وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ الذين أطاعوهم. رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ أي انتفع الإنس بالجن بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها، والجن بالإِنس بأن أطاعوهم وحصلوا مرادهم. وقيل استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز وعند المخاوف، واستمتاعهم بالإنس اعترافهم بأنهم يقدرون على إجارتهم. وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا أي البعث وهو اعتراف بما فعلوه من طاعة الشيطان واتباع الهوى وتكذيب البعث وتحسر على حالهم. قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ منزلكم أو ذات مثواكم. خالِدِينَ فِيها حال والعامل فيها مثواكم إن جعل مصدرًا، ومعنى الإضافة إن جعل مكانًا إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ إلا الأوقات التي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير وقيل إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ قبل الدخول كأنه قيل: النار مَثْوَاكُمْ أبدًا إلا ما أمهلكم. إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في أفعاله. عَلِيمٌ بأعمال الثقلين وأحوالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٩ الى ١٣٠]</span>\nوَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠)\nوَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا نكل بعضهم إلى بعض، أو نجعل بعضهم يتولى بعضا فيغويهم أو أولياء بعض وقرناءهم في العذاب كما كانوا في الدنيا. بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الكفر والمعاصي.\nمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ\nالرسل من الإِنس خاصة، لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك ونظيره يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ والمرجان يخرج من الملح دون العذب وتعلق بظاهره قوم وقالوا بعث إلى كل من الثقلين رسل من جنسهم. وقيل الرسل من الجن رسل الرسل إليهم لقوله تعالى: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا\nيعني يوم القيامة.\nلُوا\nجوابا. هِدْنا عَلى أَنْفُسِنا\nبالجرم والعصيان وهو اعتراف منهم بالكفر واستيجاب العذاب.","vol":"2","page":182},{"text":"غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ\nذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المخدجة، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذير للسامعين من مثل حالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣١ الى ١٣٢]</span>\nذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)\nذلِكَ إشارة إلى إرسال الرسل، وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك. أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ تعليل للحكم وأن مصدرية أو مخففة من الثقيلة أي: الأمر ذلك لانتفاء كون ربك أو لأن الشأن لم يكن ربك مهلك أهل القرى بسبب ظلم فعلوه، أو ملتبسين يظلم أو ظالمًا وهم غافلون لم ينبهوا برسول أو بدل من ذلك.\nوَلِكُلٍّ من المكلفين. دَرَجاتٌ مراتب مِمَّا عَمِلُوا من أعمالهم أو من جزائها، أو من أجلها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق به من ثواب أو عقاب. وقرأ ابن عامر بالتاء على تغليب الخطاب على الغيبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٣ الى ١٣٤]</span>\nوَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَّا يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)\nوَرَبُّكَ الْغَنِيُّ عن العباد والعبادة. ذُو الرَّحْمَةِ يترحم عليهم بالتكليف تكميلًا لهم ويمهلهم على المعاصي، وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتأسيس لما بعده وهو قوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي ما به إليكم حاجة إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيها العصاة. وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَّا يَشاءُ من الخلق. كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ أي قرنا بعد قرن لكنه أبقاكم ترحما عليكم.\nإِنَّ ما تُوعَدُونَ من البعث وأحواله. لَآتٍ لكائن لا محالة. وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ طالبكم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٥]</span>\nقُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)\nقُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ على غاية تمكنكم واستطاعتكم يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن، أو على ناحيتكم وجهتكم التي أنتم عليها من قولهم مكان ومكانة كمقام ومقامة. وقرأ أبو بكر عن عاصم مكاناتكم بالجمع في كل القرآن وهو أمر تهديد، والمعنى: اثبتوا على كفركم وعداوتكم. إِنِّي عامِلٌ ما كنت عليه من المصابرة والثبات على الإسلام، والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد كأن المهدد يريد تعذيبه مجمعًا عليه فيحمله بالأمر على ما يفضي به، إليه، وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر كالمأمور به الذي لا يقدر أن ينقضي عنه. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إن جعل مَنْ استفهامية بمعنى أينا تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار، فمحلها الرفع وفعل العلم معلق عنه وإن جعلت خبرية فالنصب ب تَعْلَمُونَ أي فسوف تعرفون الذي تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار، وفيه مع الإِنذار إنصاف في المقال وحسن الأدب، وتنبيه على وثوق المنذر بأنه محق. وقرأ حمزة والكسائي يَكُونَ بالياء لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي. إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وضع الظالمين موضع الكافرين لأنه أعم وأكثر فائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٦]</span>\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦)","vol":"2","page":183},{"text":"وَجَعَلُوا أي مشركو العرب. لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ خلق. مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ\nروي: أنهم كانوا يعينون شيئا؟ من حرث ونتاج لله ويصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وشيئًا منهما لآلهتهم وينفقونه على سدنتها ويذبحونه عندها، ثم إن رأوا ما عينوا لله أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها حبًا لآلهتهم.\nوفي قوله مِمَّا ذَرَأَ تنبيه على فرط جهالتهم فإنهم أشركوا الخالق في خلقه جمادًا لا يقدر على شيء، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له، وفي قوله بِزَعْمِهِمْ تنبيه على أن ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم الله به. وقرأ الكسائي بالضم في الموضعين وهو لغة فيه وقد جاء فيه الكسر أيضًا كالود والود. ساءَ مَا يَحْكُمُونَ حكمهم هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٧]</span>\nوَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧)\nوَكَذلِكَ ومثل ذلك التزيين في قسمة القربان. زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ بالوأد ونحرهم لآلهتهم. شُرَكاؤُهُمْ من الجن أو من السدنة، وهو فاعل زَيَّنَ. وقرأ ابن عامر زَيَّنَ على البناء للمفعول الذي هو القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولًا بينهما بمفعوله وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر كقوله:\nفَزَجَجْتُهَا بِمَزَجَة ... زَجَّ القلوصِ أَبِي مُزَادَه\nوقرئ بالبناء للمفعول وجر أولادهم ورفع شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه زَيَّنَ. لِيُرْدُوهُمْ ليهلكوهم بالإِغواء. وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين اسماعيل، أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به واللام للتعليل إن كان التزيين من الشياطين والعاقبة إن كان من السدنة. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ما فعل المشركون ما زين لهم، أو الشركاء التزيين أو الفريقان جميع ذلك. فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ افتراءهم أو ما يفترونه من الإفك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٨]</span>\nوَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)\nوَقالُوا هذِهِ إشارة إلى ما جعل لآلهتهم. أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ حرام فعل بمعنى مفعول، كالذبح يستوي فيه الواحد والكثير والذكر والأنثى. وقرئ «حِجْرٍ» بالضم وحرج أي مضيق. لاَّ يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء. بِزَعْمِهِمْ من غير حجة. وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها يعني البحائر والسوائب والحوامي. وَأَنْعامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا في الذبح وإنما يذكرون أسماء الأصنام عليها، وقيل لا يحجون على ظهورها. افْتِراءً عَلَيْهِ نصب على المصدر لأن ما قالوا تقول على الله ﷾، والجار متعلق ب قالُوا أو بمحذوف هو صفة له أو على الحال، أو على المفعول له والجار متعلق به أو بالمحذوف. سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ بسببه أو بدله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>[سورة الأنعام (٦): آية ١٣٩]</span>\nوَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)","vol":"2","page":184},{"text":"وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ يعنون أجنة البحائر والسوائب. خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا حلال للذكور خاصة دون الإِناث إن ولد حيًا لقوله: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ فالذكور والإِناث فيه سواء وتأنيث الخالصة للمعنى فإن ما في معنى الأجنة ولذلك وافق عاصم في رواية أبي بكر ابن عامر في تكن بالتاء، وخالفه هو وابن كثير في مَيْتَةً فنصب كغيرهم، أو التاء فيه للمبالغة كما في رواية الشعر أو هو مصدر كالعافية وقع موقع الخالص. وقرئ بالنصب على أنه مصدر مؤكد والخبر لِذُكُورِنا، أو حال من الضمير الذي في الظرف لا من الذي في لذكورنا ولا من الذكور لأنها لا تتقدم على العامل المعنوي ولا على صاحبها المجرور. وقرئ «خالص» بالرفع والنصب وخالِصَةٌ بالرفع والإِضافة إلى الضمير على أنه بدل من ما أو مبتدأ ثان والمراد به ما كان حيًا، والتذكير في فيه لأن المراد بالميتة ما يعم الذكر والأنثى فغلب الذكر. سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ أي جزاء وصفهم الكذب على الله ﷾ في التحريم والتحليل من قوله: وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٠]</span>\nقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)\nقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ يريد بهم العرب الذين كانوا يقتلون بناتهم مخافة السبي والفقر. وقرأ ابن كثير وابن عامر قَتَلُوا بالتشديد بمعنى التكثير. سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله ﷾ رازق أولادهم لا هم، ويجوز نصبه على الحال أو المصدر. وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ من البحائر ونحوها. افْتِراءً عَلَى اللَّهِ يحتمل الوجوه المذكورة في مثله. قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى الحق والصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤١]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ من الكروم. مَعْرُوشاتٍ مرفوعات على ما يحملها. وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ملقيات على وجه الأرض. وقيل المعروشات ما غرسه الناس فعرشوه وغير معروشات ما نبت في البراري والجبال. وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ ثمره الذي يؤكل في الهيئة والكيفية، والضمير للزرع والباقي مقيس عليه، أو للنخل والزرع داخل في حكمه لكونه معطوفًا عليه، أو للجميع على تقدير أكل ذلك أو كل واحد منهما ومختلفًا حالًا مقدرة لأنه لم يكن ذلك عند الإِنشاء. وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ يتشابه بعض أفرادهما في اللون والطعم ولا يتشابه بعضها. كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ من ثمر كل واحد من ذلك. إِذا أَثْمَرَ وإن لم يدرك ولم يينع بعد. وقيل فائدته رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله تعالى. وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ يريد به ما كان يتصدق به يوم الحصاد لا الزكاة المقدرة لأنها فرضت بالمدينة والآية مكية.\nوقيل الزكاة والآية مدنية والأمر بإيتائها يوم الحصاد ليهتم به حينئذ حتى لا يؤخر عن وقت الأداء وليعلم أن الوجوب بالإِدراك لا بالتنقية. وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي حَصادِهِ بكسر الحاء وهو لغة فيه.\nوَلا تُسْرِفُوا في التصدق كقوله تعالى: وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ لا يرتضي فعلهم.","vol":"2","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-763>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٢ الى ١٤٣]</span>\nوَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣)\nوَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا عطف على جنات أي وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح، أو ما يفرش المنسوج من شعره وصوفه ووبره. وقيل الكبار الصالحة للحمل والصغار الدانية من الأرض مثل الفرش المفروش عليها. كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ كلوا مما أحل لكم منه. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ في التحليل والتحريم من عند أنفسكم. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهرة العداوة.\nثَمانِيَةَ أَزْواجٍ بدل من حمولة وفرشًا، أو مفعول كلوا، ولا تتبعوا معترض بينهما أو فعل دل عليه أو حال من ما بمعنى مختلفة أو متعددة والزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه وقد يقال لمجموعهما والمراد الأول. مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ زوجين اثنين الكبش والنعجة، وهو بدل من ثمانية وقرئ «اثنان» على الابتداء. والضَّأْنِ اسم جنس كالإِبل وجمعه ضئين أو جمع ضائن كتاجر وتجر. وقرئ بفتح الهمزة وهو لغة فيه.\nوَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ التيس والعنز، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بالفتح وهو جمع ماعز كصاحب وصحب وحارس وحرس، وقرئ «المعزى» . قُلْ آلذَّكَرَيْنِ ذكر الضأن وذكر المعز. حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أم أنثييهما ونصب الذكرين والانثيين بحرم أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أو ما حملت إناث الجنسين ذكرًا كان أو أنثى نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ بأمرٍ معلوم يدل على أن الله تعالى حرم شيئًا من ذلك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى التحريم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٤]</span>\nوَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)\nوَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ كما سبق والمعنى إنكار أن الله حرم شيئًا من الأجناس الأربعة ذكرًا كان أو أنثى أو ما تحمل إناثها ردًا عليهم، فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة وإناثها تارة أخرى وأولادها كيف كانت تارة زاعمين أن الله حرمها. أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ بل أكنتم شاهدين حاضرين. إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا حين وصاكم بهذا التحريم إذ أنتم لا تؤمنون بنبي فلا طريق لكم إلى معرفة أمثال ذلك إلا المشاهدة والسماع. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، والمراد كبراؤهم المقررون لذلك، أو عمرو بن لحي بن قمعة المؤسس لذلك. لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٥]</span>\nقُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)\nقُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ أي في القرآن، أو فيما أوحي إلَّي مطلقًا، وفيه تنبيه على أن التحريم إنما يعلم بالوحي لا بالهوى. مُحَرَّمًا طعامًا محرمًا. عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أن يكون الطعام ميتة، وقرأ ابن كثير وحمزة تكون بالتاء لتأنيث الخبر، وقرأ ابن عامر بالياء، ورفع مَيْتَةً على أن كان هي","vol":"2","page":186},{"text":"التامة وقوله: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا عطف على أن مع ما في حيزه أي: إلا وجود ميتة أو دمًا مسفوحًا، أي مصبوبًا كالدم في العروق لا كالكبد والطحال. أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ فإن الخنزير أو لحمه قذر لتعوده أكل النجاسة أو خبيث مخبث أَوْ فِسْقًا عطف على لحم خنزير. وما بينهما اعتراض للتعليل. أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ صفة له موضحة وإنما سمي ما ذبح على اسم الصنم فسقًا لتوغله في الفسق، ويجوز أن يكون فسقًا مفعولًا له من أهل وهو عطف على يكون والمستكن فيه راجع إلى ما رجع إليه المستكن في يكون. فَمَنِ اضْطُرَّ فمن دعته الضرورة. إلى تناول شيء من ذلك غَيْرَ باغٍ على مضطر مثله وَلا عادٍ قدر الضرورة فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا يؤاخذه، والآية محكمة لأنها تدل على أنه لم يجد فيما أوحي إلى تلك الغاية محرمًا غير هذه، وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيء آخر فلا يصح الاستدلال بها على نسخ الكتاب بخبر الواحد ولا على حل الأشياء غيرها إلا مع الاستصحاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٦ الى ١٤٧]</span>\nوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)\nوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ كل ماله إصبع كالإبل والسباع والطيور. وقيل كل ذي مخلب وحافر وسمي الحافر ظفرًا مجازًا ولعل المسبب عن الظلم تعميم التحريم. وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما الثروب وشحوم الكلى والإِضافة لزيادة الربط. إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما إلا ما علقت بظهورهما. أَوِ الْحَوايا أو ما اشتمل على الأمعاء جمع حاوية، أو حاوياء كقاصعاء وقواصع، أو حوية كسفينة وسفائن. وقيل هو عطف على شحومهما وأو بمعنى الواو. أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ هو شحم الإِلية لاتصالها بالعصعص. ذلِكَ التحريم أو الجزاء. جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ بسبب ظلمهم. وَإِنَّا لَصادِقُونَ في الإِخبار أو الوعد والوعيد.\nفَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ يمهلكم على التكذيب فلا تغتروا بإمهاله فإنه لا يهمل. وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ حين ينزل، أو ذو رحمة واسعة على المطيعين وذو بأس شديد على المجرمين، فأقام مقامه ولا يرد بأسه لتضمنه التنبيه على إنزال البأس عليهم مع الدلالة على أنه لازب بهم لا يمكن رده عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٨]</span>\nسَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨)\nسَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إخبار عن مستقبل ووقوع مخبره يدل على إعجازه. لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ أي لو شاء خلاف ذلك مشيئة ارتضاه كقوله: فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ لما فعلنا نحن ولا آباؤنا، أرادوا بذلك أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله لا الاعتذار عن ارتكاب هذه القبائح بإرادة الله إياها منهم حتى ينهض ذمهم به دليلًا للمعتزلة ويؤيده ذلك قوله: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي مثل هذا التكذيب لك في أن الله تعالى منع من الشرك ولم يحرم ما حرموه كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ الرسل، وعطف آباؤنا على الضمير في أشركنا من غير تأكيد للفصل بلا. حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم. قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ من أمر معلوم يصح الاحتجاج به. على ما زعمتم. فَتُخْرِجُوهُ لَنا","vol":"2","page":187},{"text":"فتظهروه لنا. إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ما تتبعون في ذلك إلا الظن. وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ تكذبون على الله ﷾، وفيه دليل على المنع من اتباع الظن سيما في الأصول، ولعل ذلك حيث يعارضه قاطع إذ الآية فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٩ الى ١٥٠]</span>\nقُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)\nقُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات، أو بلغ بها صاحبها صحة دعواه وهي من الحج بمعنى القصد كأنها تقصد إثبات الحكم وتطلبه. فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ بالتوفيق لها والحمل عليها ولكن شاء هداية قوم وضلال آخرين.\nقُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ أحضروهم، وهو اسم فعل لا يتصرف عند أهل الحجاز، وفعل يؤنث ويجمع عند بني تميم وأصله عند البصريين: ها لم من لم إذا قصد حذفت الألف لتقدير السكون في اللام فإنه الأصل، وعند الكوفيين هل أم فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام، وهو بعيد لأن هل لا تدخل الأمر ويكون متعديًا كما في الآية ولازمًا كقوله هلم إلينا. الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا يعني قدوتهم فيه استحضرهم ليلزمهم الحجة ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم وأنه لا متمسك لهم كمن يقلدهم، ولذلك قيد الشهداء بالإِضافة ووصفهم بما يقتضي العهد بهم. فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ فلا تصدقهم فيه وبين لهم فساده فإن تسلميه موافقة لهم في الشهادة الباطلة. وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا من وضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن مكذب الآيات متبع الهوى لا غير، وأن متبع الحجة لا يكون إلا مصدقًا بها. وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ كعبدة الأوثان. وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يجعلون له عديلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥١]</span>\nقُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)\nقُلْ تَعالَوْا أمر من التعالي وأصله أن يقوله من كان في علو لمن كان في سفل فاتسع فيه بالتعميم.\nأَتْلُ أقرأ. مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ منصوب بأتل وما تحتمل الخبرية والمصدرية، ويجوز أن تكون استفهامية منصوبة بحرم والجملة مفعول أَتْلُ لأنه بمعنى أقل، فكأنه قيل أتل أي شيء حرم ربكم عَلَيْكُمْ متعلق ب حَرَّمَ أو أَتْلُ. أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ أي لا تشركوا به ليصح عطف الأمر عليه، ولا يمنعه تعليق الفعل المفسر ب مَا حَرَّمَ، فإن التحريم باعتبار الأوامر يرجع إلى أضدادها ومن جعل أن ناصبة فمحلها النصب بعليكم على أنه للإِغراء، أو البدل من مَا أو من عائده المحذوف على أن لا زائدة والجر بتقدير اللام، أو الرفع على تقدير المتلو أن لا تشركوا أو المحرم أن تشركوا. شَيْئًا يحتمل المصدر والمفعول. وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا أي وأحسنوا بهما إحسانًا وضعه موضع النهي عن الإِساءة إليهما للمبالغة وللدلالة على أن ترك الإِساءة في شأنهما غير كاف بخلاف غيرهما. وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ من أجل فقر ومن خشيته.\nكقوله: خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ منع لموجبية ما كانوا يفعلون لأجله واحتجاج عليه. وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ كبائر الذنوب أو الزنا. مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ بدل منه وهو مثل قوله ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ كالقود وقتل المرتد ورجم المحصن. ذلِكُمْ إشارة إلى","vol":"2","page":188},{"text":"ما ذكر مفصلًا. وَصَّاكُمْ بِهِ بحفظه. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ترشدون فإن كمال العقل هو الرشد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٢]</span>\nوَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)\nوَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ\nأي بالفعلة التي هي أحسن ما يفعل بماله كحفظه وتثميره.\nحَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ\nحتى يصير بالغًا، وهو جمع شدة كنعمة وأنعم أو شد كصر وأصر وقيل مفرد كأنك.\nوَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ\nبالعدل والتسوية. لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها\nإلا ما يسعها ولا يعسر عليها، وذكره عقيب الأمر معناه أن إيفاء الحق عسر عليكم فعليكم بما في وسعكم وما وراءه معفو عنكم.\nوَإِذا قُلْتُمْ\nفي حكومة ونحوها. فَاعْدِلُوا\nفيه. وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى\nولو كان المقول له أو عليه من ذوي قرابتكم. وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا\nيعني ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ\nتتعظون به، وقرأ حمزة وحفص والكسائي تَذَكَّرُونَ\nبتخفيف الذال حيث وقع إذا كان بالتاء والباقون بتشديدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٣]</span>\nوَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)\nوَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا الإِشارة فيه إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة. وقرأ حمزة والكسائي إن بالكسر على الاستئناف، وابن عامر ويعقوب بالفتح والتخفيف.\nوقرأ الباقون بها مشددة بتقدير اللام على أنه علة لقوله. فَاتَّبِعُوهُ وقرأ ابن عامر صِراطِي بفتح الياء، وقرئ «وهذا صراطي» «وهذا صراط ربكم» «وهذا صراط ربك» . وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ الأديان المختلفة أو الطرق التابعة للهوى، فإن مقتضى الحجة واحد ومقتضى الهوى متعدد لاختلاف الطبائع والعادات. فَتَفَرَّقَ بِكُمْ فتفرقكم وتزيلكم. عَنْ سَبِيلِهِ الذي هو اتباع الوحي واقتفاء البرهان. ذلِكُمْ الاتباع. وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الضلال والتفرق عن الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٤]</span>\nثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)\nثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ عطف على وَصَّاكُمْ، وثم للتراخي في الإخبار أو للتفاوت في الرتبة كأنه قيل: ذلكم وصاكم به قديمًا وحديثًا ثم أعظم من ذلك أَنَّا آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ. تَمامًا للكرامة والنعمة.\nعَلَى الَّذِي أَحْسَنَ على كل من أحسن القيام به، ويؤيده إن قرئ «على الذين أحسنوا» أو «على الذي أحسن تبليغه» وهو موسى عليه أفضل الصلاة والسلام، أو «تمامًا على ما أحسنه» أي أجاده من العلم والتشريع أي زيادة على علمه إتماما له. وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي «على الذي هو أحسن» أو على الوجه الذي هو أحسن ما يكون عليه الكتب. وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وبيانًا مفصلًا لكل ما يحتاج اليه في الدين، وهو عطف على تمام ونصبهما يحتمل العلة والحال والمصدر. وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ لعل بني إسرائيل. بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ أي بلقائه للجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٥ الى ١٥٦]</span>\nوَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦)","vol":"2","page":189},{"text":"وَهذا كِتابٌ يعني القرآن. أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ كثير النفع. فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بواسطة اتباعه وهو العمل بما فيه.\nأَنْ تَقُولُوا كراهة أن تقولوا علة لأنزلناه. إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا اليهود والنصارى، ولعل الاختصاص في إِنَّما لأن الباقي المشهور حينئذ من الكتب السماوية لم يكن غير كتبهم.\nوَإِنْ كُنَّا أن هي المخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبر كان أي وإنه كنا. عَنْ دِراسَتِهِمْ قراءتهم، لَغافِلِينَ لا ندري ما هي، أو لا نعرف مثلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٧]</span>\nأَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)\nأَوْ تَقُولُوا عطف على الأول. لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا ولذلك تلقفنا فنونًا من العلم كالقصص والأشعار والخطب على أنا أميون. فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ حجة واضحة تعرفونها. وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لمن تأمل فيه وعمل به. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ بعد أن عرف صحتها أو تمكن من معرفتها. وَصَدَفَ أعرض أو صد. عَنْها فضل أو أضل. سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ شدته. بِما كانُوا يَصْدِفُونَ بإعراضهم أو صدهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>[سورة الأنعام (٦): آية ١٥٨]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)\nهَلْ يَنْظُرُونَ أي ما ينتظرون يعني أهل مكة، وهم ما كانوا منتظرين لذلك ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبهوا بالمنتظرين. إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ ملائكة الموت أو العذاب. وقرأ حمزة والكسائي بالياء هنا وفي «النحل» . أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أي أمره بالعذاب، أو كل آية يعني آيات القيامة والهلاك الكلي لقوله: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعني أشراط الساعة\nوعن حذيفة بن اليمان والبراء بن عازب: (كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله ﷺ فقال: ما تذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة، قال: «إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفًا بالمشرق، وخسفًا بالمغرب، وخسفًا بجزيرة العرب، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ﵊، ونارًا تخرج من عدن) .\nيَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها كالمحتضر إذ صار الأمر عيانا والإيمان برهاني.\nوقرئ «تنفع» بالتاء لإِضافة الإِيمان إلى ضمير المؤنث. لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ صفة نفسًا. أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا عطف على آمَنَتْ والمعنى: أنه لا ينفع الإِيمان حينئذ نفسًا غير مقدمة إيمانها أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرًا، وهو دليل لمن لم يعتبر الإِيمان المجرد عن العمل وللمعتبر تخصيص هذا الحكم بذلك اليوم، وحمل الترديد على اشتراط النفع بأحد الأمرين على معنى لا ينفع نفسًا خلت عنها إيمانها، والعطف على لم تكن بمعنى لا ينفع نفسًا إيمانها الذي أحدثته حينئذ وإن كسبت فيه خيرًا. قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ وعيد لهم، أي: انتظروا إتيان أحد الثلاثة فإنا منتظرون له وحينئذ لنا الفوز وعليكم الويل.","vol":"2","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-776>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٩ الى ١٦٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)\nإِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ بددوه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، أو افترقوا فيه\nقال ﵊: «إفترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة\n، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة» . وقرأ حمزة والكسائي «فارقوا» أي باينوا. وَكانُوا شِيَعًا فرقًا تشيع كل فرقة إمامًا. لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أي من السؤال عنهم وعن تفرقهم، أو من عقابهم، أو أنت بريء منهم. وقيل هو نهي عن التعرض لهم وهو منسوخ بآية السيف. إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ يتولى جزاءهم. ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ بالعقاب.\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها أي عشر حسنات أمثالها فضلًا من الله. وقرأ يعقوب «عشرة» بالتنوين وأمثالها بالرفع على الوصف. وهذا أقل ما وعد من الأضعاف وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة وبغيرِ حساب ولذلك قيل: المراد بالعشر الكثرة دون العدد. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها قضية للعدل.\nوَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ بنقص الثواب وزيادة العقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦١]</span>\nقُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)\nقُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بالوحي والإِرشاد إلى ما نصب من الحجج. دِينًا بدل من محل إلى صراط إذ المعنى، هداني صراطًا كقوله: وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا أو مفعول فعل مضمر دل عليه الملفوظ. قِيَمًا فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من المستقيم باعتبار الزنة والمستقيم باعتبار الصيغة. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي قِيَمًا على أنه مصدر نعت به وكان قياسه قومًا كعوض فاعل لإِعلال فعله كالقيام. مِلَّةَ إِبْراهِيمَ عطف بيان لدينا. حَنِيفًا حال من إبراهيم. وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عطف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٦٢ الى ١٦٣]</span>\nقُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)\nقُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي عبادتي كلها، أو قرباني أو حجي. وَمَحْيايَ وَمَماتِي وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الإِيمان والطاعة، أو طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير، أو الحياة والممات أنفسهما. وقرأ نافع مَحْيايَ بإسكان الياء إجراء للوصل مجرى الوقف. لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ خالصة له لا أشرك فيها غيرًا. وَبِذلِكَ القول أو الإِخلاص. أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٤]</span>\nقُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)\nقُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا فأشركه في عبادتي وهو جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم. وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ حال في موضع العلة للإنكار والدليل له أي وكل ما سواه مربوب مثلي لا يصلح للربوبية. وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها فلا ينفعني في ابتغاء رب غيره ما أنتم عليه من ذلك. وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى جواب عن قولهم: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ. ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ يوم القيامة. فَيُنَبِّئُكُمْ بِما","vol":"2","page":191},{"text":"كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ\nبتبيين الرشد من الغي وتمييز المحق من المبطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>[سورة الأنعام (٦): آية ١٦٥]</span>\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ يخلف بعضكم بعضًا، أو خلفاء الله في أرضه تتصرفون فيها على أن الخطاب عام، أو خلفاء الأمم السالفة على أن الخطاب للمؤمنين. وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ في الشرف والغنى. لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ من الجاه والمال. إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لأن ما هو آت قريب أو لأنه يسرع إذا أراده. وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وصف العقاب ولم يضفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة تنبيهًا على أنه تعالى غفور بالذات معاقب بالعرض كثير الرحمة مبالغ فيها كثير العقوبة مسامح فيها.\nعن رسول الله ﷺ: «أنزلت عليَّ سورة الأنعام جملة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فمن قرأ الأنعام صلى عليه واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يومًا وليلة» .\nتم بحمد الله وحسن توفيقه طبع الجزء الثاني من تفسير البيضاوي في مطابع دار إحياء التراث العربي بيروت الزاهرة، أدامها الله لطبع المزيد من الكتب النافعة، ويليه الجزء الثالث وأوله سورة الأعراف، وآخر دعوانا أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين","vol":"2","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>محتوى الجزء الثاني من تفسير البيضاوي</span>\nسورة آل عمران ٥\nبيان إثبات علمه تعالى بالجزئيّات على وجه جزئيّ حتى على مذهب الفلاسفة ٦\nبيان معنى المحكم والمتشابه ٦\nبيان الرّدّ على تشبّث النّصارى بانتقال اقنوم العلم إلى المسيح ٦\nبيان صدق وعد الله نبيه بقوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ بما حصل ببدر وخيبر ٧\nبيان معنى كون رضوان الله أكبر وما هو المراد بالرّضوان ٨\nبيان معنى شهادة الله بأنه لا إله إلا هو ٩\nبيان الفرق بين التوحيد والإيمان والإسلام ٩\nبيان أن أول راية ترفع يوم القيامة راية اليهود ثم يفضحون ١١\nبيان ما ظهر للنبي ﷺ يوم الخندق من الآيات ١٢\nبيان نسب موسى ومريم ﵉ ١٣\nبيان معنى مسّ الشيطان للمولود حين وضعه ١٤\nبيان تكليم الملائكة لمريم وأنه لم تنبأ امرأة ١٦\nبيان المسيح وأصل معناه ١٧\nبيان معنى النسخ وأنّ شريعة المسيح فيها نسخ لما في التوراة ١٨\nبيان معنى قوله تعالى لعيسى ﵇ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وما ذهبت إليه النصارى في ذلك ١٩\nبيان المجادلة التي حصلت بين النبي وأساقف نجران ومعنى المباهلة ٢٠\nبيان تنازع اليهود والنصارى في إبراهيم ﵇ ٢١\nبيان كون إبراهيم ﵇ للمسلمين اختصاص باتباعه ٢٢\nبيان أنّ اليهود كانت تزعم أنّ أموال المسلمين كانت مباحة لهم في كتابهم ٢٣\nبيان أن الإسلام هو دين الفطرة وأنّ الطالب لغيره واقع في الخسران ٢٦\nبيان إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ للناس المسجد الحرام ومن بناه ٢٩\nبيان أن الأمر بالمعروف فرض كفاية وذكر شروطه ٣١\nبيان كون هذه الأمة خير الأمم والاستدلال على كون الإجماع حجة ٣٣\nبيان ما حصل قبل غزوة أحد من استشارة النبيّ لأصحابه ٣٦\nبيان ما حصل للنبي ﷺ في غزوة أحد من جرحه وكسر رباعيته وغير ذلك ٤١\nبيان ما حصل للمسلمين من النّصر بأحد وأسباب انهزامهم بعد ذلك ٤٣\nبيان الأمر بالمشاورة ٤٥","vol":"2","page":193},{"text":"بيان أن الإنسان غير الهيكل المحسوس وأنه جوهر مدرك بذاته ٤٨\nبيان أن الإِيمان يزيد وينقص ٤٩\nبيان أن الأنبياء لا يطلعون على الغيب إلّا بإعلام الله لهم ٥١\nبيان أن المعجزات جميعها توجب الإيمان وأن اليهود كذبوا في دعواهم التخصيص ٥٢\nبيان أن الاستدلال على وجود الباري طريقة تغير العالم ٥٤\nتفسير سورة النساء ٥٨\nبيان ما قيل في القراءات السبع من أن كلّ حرف منها منقول بالتواتر أم لا؟ ٥٨\nبيان ما قيل في قوله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ الآية وتحقيق ذلك من جهة العربية ٥٩\nبيان أن الشخص لا ينبغي له أن يعطي ما في يديه من المال لأهله يقعد ناظرا لما أعطاهم ٦٠\nبيان أن الإنسان الوصي يلزمه أن يحب لمن تحت رعايته ما يحبّه لبنيه ٦١\nبيان معنى الكلالة ٦٣\nبيان أن التوبة تقبل قبل الموت ٦٥\nبيان محرمات النكاح وأن الربيبة لا تحرم إلّا بالدخول بأمها ٦٧\nبيان عدم جواز نكاح الأمة إلّا بشروط وبيانها ٦٩\nبيان أن ثمان آيات في النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس ٧٠\nبيان الكبائر والاختلاف فيها ٧١\nبيان الميراث بالمخالفة ونسخه ٧٢\nبيان الحكم الذي يكون من أهل الرجل والمرأة في الشقاق ووظيفته ٧٣\nبيان أن الإسراف مذموم كالبخل ٧٤\nبيان أن الإنسان إن دعي لأمر لا ضرر فيه ينبغي له الإجابة ٧٤\nبيان الاحتجاج على المعتزلة والخوارج في منعهم جواز غفران الذنوب ٧٨\nبيان أن البخل والحسد شرّ الرذائل وأن بينهما تلازما وتجاذبا ٧٩\nبيان أن الناس مأمورون بطاعة الأمراء إذا حكموا بالعدل ٨٠\nبيان أن المرضي عليهم من الناس أربعة، وبيان ما تميز به كل فريق ٨٢\nبيان أن كل ما أصاب من بليّة فمن ذنب ٨٦\nبيان معنى سلامة القرآن من الاختلاف ٨٦\nبيان المواضع التي لا يستحسن فيها السلام ٨٨\nبيان القتل الخطأ وديته ٩٠\nبيان الدليل على صحة إيمان المكره وأنّ المجتهد يخطئ وأن خطأه مغتفر ٩١\nبيان قصر الصلاة ولو في سفر فيه أمن ٩٣\nبيان صلاة الخوف ٩٣\nبيان حكم من فعل العبادة لغرض شرعيّ ودنيويّ ٩٦","vol":"2","page":194},{"text":"بيان الخلة وكيف اتّخذ الله إبراهيم خليلا ٩٩\nبيان ما كانت العرب تفعله مع النساء وصغار الولدان من أكل حقوقهن ١٠٠\nبيان ما يجب على الشاهد من إقامة الحق ١٠٢\nبيان السبب في تغليظ عذاب المنافق وبيان النفاق الموجب للكفر ١٠٥\nبيان ما فعلته اليهود مع المسيح وكيف رفعه الله ١٠٧\nبيان نزول المسيح آخر الدنيا وإيمان كل العالم به ١٠٧\nبيان أن بعثة الأنبياء من ضروريات مصالح الخلق ١٠٩\nبيان أن النظريات ضروريات للملائكة ١١٠\nتفسير سورة المائدة ١١٣\nبيان ما كانت تفعله الجاهلية من الاستقسام بالأزلام ١١٤\nبيان الطيبات التي أحلّ أكلها ١١٥\nبيان أن المائدة من آخر القرآن نزولا وأنه لا نسخ فيها ١١٦\nبيان أنّ العدل ولو مع الكفار\nمقتضى التقوى وأن الجور مقتضى الهوى ١١٨\nبيان ما ذهب إليه بعض فرق النّصارى من قولهم المسيح هو الله ١٢٠\nبيان المدّة والأنبياء بين موسى وعيسى وبين عيسى ومحمد ﵈ ١٢١\nبيان إن موسى ﵇ مات بالتيه أو بعده ١٢٢\nفي بيان حدود قطّاع الطريق من المسلمين ١٢٥\nفي بيان تحريف اليهود ١٢٧\nفي بيان كفر من لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله ١٢٨\nفي بيان النهي عن موالاة الكفّار ١٣٠\nبيان الفرق التي ارتدت من العرب في أواخر حياة رسول الله ١٣١\nبيان أن من الأسرار الإِلهية ما يحرم إفشاؤه ١٣٥\nبيان المائدة التي نزلت من السماء وكلام بعض الصوفية فيها ١٥٠\nتفسير سورة الأنعام ١٥٣\nبيان من طلبت قريش إبعادهم عن النبي ﷺ ليجالسوه ونهي الله له عن ذلك ١٦٣\nبيان الخلاف في أبي سيدنا إبراهيم ١٦٩\nبيان ما يعتقده المشركون في الجن من الشركة ١٧٥\nبيان الأمر بالتسمية عند الذّبح ١٨٠\nبيان ما كانت تفعله الجاهلية من القسمة لشركائهم في الزرع والأنعام ١٨٤\nبيان ما حرّم على بني إسرائيل من الشحوم وغيرها ١٨٧\nبيان التفرق في الدين وأنه سنّة قديمة ١٩١","vol":"2","page":195},{"text":"[الجزء الثالث]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>(٧) سورة الأعراف</span>\nمكية غير ثمان آيات من قوله: وَسْئَلْهُمْ إلى قوله: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ محكمة كلها. وقيل إلا قوله تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وآيها مائتان وخمس أو ست آيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالمص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)\nالمص سبق الكلام في مثله.\nكِتابٌ خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب، أو خبر المص والمراد به السورة أو القرآن. أُنْزِلَ إِلَيْكَ صفته. فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي شك، فإن الشاك حرج الصدر أو ضيق قلب من تبليغه مخافة أن تكذب فيه، أو تقصر في القيام بحقه، وتوجيه النهي إليه للمبالغة كقولهم: لا أرينك ها هنا. والفاء تحتمل العطف والجواب فكأنه قيل: إذا أنزل إليك لتنذر به فلا يحرج صدرك. لِتُنْذِرَ بِهِ متعلق بأنزل أو بلا يكن لأنه إذا أيقن أنه من عند الله جسر على الإنذار، وكذا إذا لم يخفهم أو علم أنه موفق للقيام بتبليغه.\nوَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ يحتمل النصب بإضمار فعلها أي: لتنذر به وتذكر ذكرى فإنها بمعنى التذكير، والجر عطفًا على محل تنذر والرفع عطفًا على كِتابٌ أو خبر المحذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>[سورة الأعراف (٧): آية ٣]</span>\nاتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣)\nاتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعم القرآن والسنة لقوله ﷾: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يضلونكم مّنَ الجن والإِنس. وقيل الضمير في مِنْ دُونِهِ ل ما أُنْزِلَ أي: ولا تتبعوا من دون دين الله أولياء. وقرئ «ولا تبتغوا» . قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ أي تذكرًا قليلًا أو زمانًا قليلًا تذكرون حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره، و«مَا» مزيدة لتأكيد القلة وإن جعلت مصدرية لم ينتصب قَلِيلًا ب تَذَكَّرُونَ. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم تَذَكَّرُونَ بحذف التاء، وابن عامر «يتذكرون» على أن الخطاب بعد مع النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)\nوَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ كثيرا من القرى. أَهْلَكْناها أردنا إهلاك أهلها، أو أهلكناها بالخذلان. فَجاءَها فجاء أهلها. بَأْسُنا عذابنا. بَياتًا بائتين كقوم لوط، مصدر وقع موقع الحال. أَوْ هُمْ قائِلُونَ عطف عليه أي: قائلين نصف النهار كقوم شعيب، وإنما حذفت واو الحال استثقالًا لاجتماع حرفي عطف، فإنها واو عطف استعيرت للوصل لا اكتفاء بالضمير فإنه غير فصيح. وفي التعبيرين مبالغة في غفلتهم وأمنهم من العذاب، ولذلك خص الوقتين ولأنهما وقت دعة واستراحة فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع.","vol":"3","page":5},{"text":"فَما كانَ دَعْواهُمْ أي دعاؤهم واستغاثتهم، أو ما كانوا يدعونه من دينهم. إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه تحسرا عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nفَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧)\nفَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ عن قبول الرسالة وإجابتهم الرسل. وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ عما أجيبوا به، والمراد من هذا السؤال توبيخ للكفرة وتقريعهم، والمنفي في قوله: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ سؤال استعلام. أو الأول في موقف الحساب وهذا عند حصولهم على العقوبة.\nفَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ على الرسل حين يقولون لاَ عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، أو على الرسل والمرسل إليهم ما كانوا عليه. بِعِلْمٍ عالمين بظواهرهم وبواطنهم، أو بمعلومنا منهم. وَما كُنَّا غائِبِينَ عنهم فيخفى علينا شيء من أحوالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)\nوَالْوَزْنُ أي القضاء، أو وزن الأعمال وهو مقابلتها بالجزاء. والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان له لسان وكفتان، ينظر إليه الخلائق إظهارًا للمعدلة وقطعًا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وتشهد بها جوارحهم. ويؤيده ما\nروي: أن الرجل يؤتى به إلى الميزان فينشر عليه تسعة وتسعون سجلًا كل سجل مد البصر، فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة.\nوقيل توزن الأشخاص لما\nروي أنه ﵊ قال: «إنه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة» .\nيَوْمَئِذٍ خبر المبتدأ الذي هو الوزن.\nالْحَقُّ صفته، أو خبر محذوف ومعناه العدل السوي. فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ حسناته، أو ما يوزن به حسناته فهو جمع موزون أو ميزان وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن. فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالنجاة والثواب.\nوَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بتضييع الفطرة السليمة التي فطرت عليها، واقتراف ما عرضها للعذاب. بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ فيكذبون بدل التصديق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)\nوَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ أي مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها. وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ أسبابًا تعيشون بها، جمع معيشة. وعن نافع أنه همزة تشبيهًا بما الياء فيه زائدة كصحائف. قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ فيما صنعت إليكم.\nوَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي خلقنا أباكم آدم طينًا غير مصور ثم صورناه. نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره، أو ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم صورناه. ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وقيل ثم لتأخير الإخبار. فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ممن سجد لآدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nقالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)","vol":"3","page":6},{"text":"قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ أي أن تسجد ولا صلة مثلها في لِئَلَّا يَعْلَمَ، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود. وقيل الممنوع عن الشيء مضطر إلى خلافه فكأنه قيل: ما اضطرك إلى ألا تسجد. إِذْ أَمَرْتُكَ دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور. قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ جواب من حيث المعنى استأنف به استبعادًا لأن يكون مثله مأمورًا بالسجود لمثله كأنه قال: المانع أني خير منه، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر به. فهو الذي سن التكبر وقال بالحسن والقبح العقليين أولًا. خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ تعليل لفضله عليه، وقد غلط في ذلك بأن رأى الفضل كله باعتبار العنصر وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أي بغير واسطة، وباعتبار الصورة كما نبه عليه بقوله: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ وباعتبار الغاية وهو ملاكه ولذلك أمر الملائكة بسجوده لما بين لهم أنه أعلم منهم، وأن له خواص ليست لغيره، والآية دليل الكون والفساد وأن الشياطين أجسام كائنة، ولعل إضافة خلق الإنسان إلى الطين والشيطان إلى النار باعتبار الجزء الغالب.\nقالَ فَاهْبِطْ مِنْها من السماء أو الجنة. فَما يَكُونُ لَكَ فما يصح. أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها وتعصي فإنها مكان الخاشع والمطيع. وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة وأنه ﷾ إنما طرده وأهبطه لتكبره لا لمجرد عِصيانه. فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ممن أهانه الله لتكبره،\nقال ﵊ «من تواضع رفعه الله ومن تكبر وضعه الله» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nقالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)\nقالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أمهلني إلى يوم القيامة فلا تمتني، أو لا تعجل عقوبتي.\nقالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ يقتضي الإجابة إلى ما سأله ظاهرًا لكنه محمول على ما جاء مقيدًا بقوله تعالى: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو النفخة الأولى، أو وقت يعلم الله انتهاء أجله فيه، وفي إسعافه إليه ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nقالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧)\nقالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي أي بعد أن أمهلتني لاجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني بسبب إغوائك إياي بواسطتهم تسمية، أو حملًا على الغي، أو تكليفًا بما غويت لأجله والباء متعلقة بفعل القسم المحذوف لا بأقعدن فإن اللام تصد عنه وقيل الباء للقسم: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ ترصدًا بهم كما يقعد القطاع للسابلة صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ طريق الإِسلام ونصبه على الظرف كقوله:\nلدنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُه ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ\nوقيل تقديره على صراطك كقولهم: ضرب زيد الظهر والبطن.\nثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أي من جميع الجهات الأربع.\nمثل قصده إياهم بالتسويل والإِضلال من أي وجه يمكنه بإتيان العدو من الجهات الأربع، ولذلك لم يقل مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أرجلهم. وقيل لم يقل من فوقهم لأن الرحمة تنزل منه ولم يقل من تحتهم لأن الإِتيان منه يوحش الناس. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من بين أيديهم من قبل الآخرة، ومن خلفهم من قبل","vol":"3","page":7},{"text":"الدنيا، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من جهة حسناتهم وسيئاتهم. ويحتمل أن يقال من بين أيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز عنه، ومن خلفهم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ولا يقدرون، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم. وإنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الأخيرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم، ونظيره قولهم جلست عن يمينه. وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ مطيعين، وإنما قاله ظنًا لقوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ لما رأى فيهم مبدأ الشر متعددًا ومبدأ الخير واحدًا، وقيل سمعه من الملائكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nقالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)\nقالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مذءوما من ذأمه إذا ذمه. وقرئ «مذوما» كمسول في مسؤول أو كمكول في مكيل، من ذامه يذيمه ذيما. مَدْحُورًا مطرودًا. لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ اللام فيه لتوطئة القسم وجوابه:\nلَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ وهو ساد مسد جواب الشرط. وقرئ «لِمَنْ» بكسر اللام على أنه خبر لأملأن على معنى: لمن تبعك هذا الوعيد، أو علة لأخرج ولأملأن جواب قسم محذوف ومعنى منكم منك ومنهم فغلب المخاطب.\nوَيا آدَمُ أي وقلنا يا آدم. اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ وقرئ «هذي» وهو الأصل لتصغيره على ذيا والهاء بدل من الياء. فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ\nفتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم، وتكونا يحتمل الجزم على العطف والنصب على الجواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠]</span>\nفَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠)\nفَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أي فعل الوسوسة لأجلهما، وهي في الأصل الصوت الخفي كالهينمة والخشخشة ومنه وسوس الحلي. وقد سبق في سورة «البقرة» كيفية وسوسته. لِيُبْدِيَ لَهُما ليظهر لهما، واللام للعاقبة أو للغرض على أنه أراد أيضًا بوسوسته أن يسوءهما بانكشاف عورتيهما، ولذلك عبر عنهما بالسوأة. وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع.\nمَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما ما غطي عنهما من عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر، وإنما لم تقلب الواو المضمومة همزة في المشهور كما قلبت في أويصل تصغير واصل لأن الثانية مدة وقرئ «سوءاتهما» بحذف الهزة وإلقاء حركتها على الواو و«سوءاتهما» بقلبها واوًا وإدغام الواو الساكنة فيها.\nوَقالَ مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا إِلاَّ كراهة أن تكونا. مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة، واستدل به على فضل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وجوابه: أنه كان من المعلوم أن الحقائق لا تنقلب وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما أيضا ما للملائكة من الكمالات الفطرية، والاستغناء عن الأطعمة والأشربة، وذلك لا يدل على فضلهم مطلقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nوَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)","vol":"3","page":8},{"text":"وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ أي أقسم لهما على ذلك، وأخرجه على زنة المفاعلة للمبالغة.\nوقيل أقسما له بالقبول. وقيل أقسما عليه بالله أنه لمن الناصحين فأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة.\nفَدَلَّاهُما فنزلهما إلى الأكل من الشجرة، نبه به على أنه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة، فإن التدلية والإِدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل. بِغُرُورٍ بما غرهما به من القسم فإنهما ظنًا أن أحدًا لا يحلف بالله كاذبًا، أو ملتبسين بغرور. فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي فلما وجدا طعمها آخذين في الأكل منها أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية، فتهافت عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما.\nواختلف في أن الشجرة كانت السنبلة أو الكرم أو غيرهما، وأن اللباس كان نورًا أو حلة أو ظفرًا. وَطَفِقا يَخْصِفانِ أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة. عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ قيل كان ورق التين، وقرئ «يَخْصِفَانِ» من أخصف أي يخصفان أنفسهما ويخصفان من خصف ويخصفان وأصله يختصفان. وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ عتاب على مخالفة النهي، وتوبيخ على الاغترار بقول العدو. وفيه دليل على أن مطلق النهي للتحريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nقَالاَ رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤)\nقَالاَ رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا أضررناها بالمعصية والتعريض للإخراج من الجنة. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ دليل على أن الصغائر معاقب عليها إن لم تغفر. وقالت المعتزلة لا تجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر ولذلك قالوا: إنما قالا ذلك على عادة المقربين في استعظام الصغير من السيئات واستحقار العظيم من الحسنات.\nقالَ اهْبِطُوا الخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو لهما ولإِبليس. كرر الأمر له تبعًا ليعلم أنهم قرناء أبدًا وأخبر عما قال لهم متفرقًا. بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ في موضع الحال أي معتادين. وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ استقرار أي موضع استقرار. وَمَتاعٌ وتمتع. إِلى حِينٍ إلى أن تقضى آجالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nقالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)\nقالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ للجزاء وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان وَمِنْها تُخْرَجُونَ، وفي «الزخرف» كَذلِكَ تُخْرَجُونَ بفتح التاء وضم الراء.\nيا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا أي خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة، ونظيره قوله تعالى:\nوَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ. يُوارِي سَوْآتِكُمْ التي قصد الشيطان إبداءها، ويغنيكم عن خصف الورق.\nروي: أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها، فنزلت.\nولعله ذكر قصة آدم مقدمة لذلك حتى يعلم أن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإِنسان من الشيطان، وأنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم. وَرِيشًا ولباسًا تتجملون به، والريش الجمال. وقيل مالًا ومنه تريش الرجل إذا تموّل. وقرئ «رياشًا» وهو جمع ريش كشعب وشعاب. وَلِباسُ التَّقْوى خشية الله.\nوقيل الإِيمان. وقيل السمت الحسن. وقيل لباس الحرب ورفعه بالابتداء وخبره: ذلِكَ خَيْرٌ أو خير وذلك صفته كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وَلِباسُ التَّقْوى بالنصب عطفًا على لِباسًا. ذلِكَ أي إنزال اللباس. مِنْ آياتِ اللَّهِ الدالة على فضله ورحمته. لَعَلَّهُمْ","vol":"3","page":9},{"text":"يَذَّكَّرُونَ\nفيعرفون نعمته أو يتعظون فيتورعون عن القبائح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]</span>\nيا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)\nيا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ لا يمحننكم بأن يمنعكم دخول الجنة بإغوائكم. كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها، والنهي في اللفظ للشيطان، والمعنى نهيهم عن اتباعه والافتتان به. يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما حال من أَبَوَيْكُمْ أو من فاعل أَخْرَجَ وإسناد النزع إليه للتسبب. إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ تعليل للنهي وتأكيد للتحذير من فتنته، وقبيله جنوده ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا تقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا. إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بما أوجدنا بينهم من التناسب، أو بإرسالهم عليهم وتمكينهم من خذلانهم وحملهم على ما سولوا لهم. والآية مقصود القصة وفذلكة الحكاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>[سورة الأعراف (٧): آية ٢٨]</span>\nوَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٢٨)\nوَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً فعلة متناهية في القبح كعبادة الصنم وكشف العورة في الطواف. قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها اعتذروا واحتجوا بأمرين تقليد الآباء والافتراء على الله ﷾، فأعرض عن الأول لظهور فساده ورد الثاني بقوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ لأن عادته ﷾ جرت على الأمر بمحاسن الأفعال، والحث على مكارم الخصال. ولا دلالة عليه على أن قبح الفعل بمعنى ترتب الذم عليه آجلًا عقلي، فإن المراد بالفاحشة ما ينفر عنه الطبع السليم ويستنقصه العقل المستقيم. وقيل هما جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم لما فعلوها: لم فعلتم؟ فقالوا: وجدنا عليها آباءنا. فقيل ومن أين أخذ آباؤكم؟\nفقالوا: الله أمرنا بها. وعلى الوجهين يمتنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه لا مطلقًا. أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nقُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)\nقُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ بالعدل وهو الوسط من كل أمر المتجافي عن طرفي الإِفراط والتفريط. وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ وتوجهوا إلى عبادته مستقيمين غير عادلين إلى غيرها، أو أقيموها نحو القبلة. عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ في كل وقت سجود أو مكانه وهو الصلاة، أو في أي مسجد حضرتكم الصلاة ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. وَادْعُوهُ واعبدوه. مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي الطاعة فإن إليه مصيركم. كَما بَدَأَكُمْ كما أنشأكم ابتداء. تَعُودُونَ بإعادته فيجازيكم على أعمالكم فأخلصوا له العبادة، وإنما شبه الإِعادة بالإِبداء تقريرًا لإِمكانها والقدرة عليها. وقيل كما بدأكم من التراب تعودون إليه. وقيل كما بدأكم حفاة عراة غرلًا تعودون. وقيل كما بدأكم مؤمنًا وكافرًا يعيدكم.\nفَرِيقًا هَدى بأن وفقهم للإِيمان. وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ بمقتضى القضاء السابق. وانتصابه بفعل يفسره ما بعده أي وخذل فريقًا. إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تعليل لخذلانهم أو تحقيق","vol":"3","page":10},{"text":"لضلالهم. وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ يدل على أن الكافر المخطئ والمعاند سواء في استحقاق الذم، وللفارق أن يحمله على المقصر في النظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>[سورة الأعراف (٧): آية ٣١]</span>\nيا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)\nيا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ ثيابكم لمواراة عورتكم. عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ لطواف أو صلاة، ومن السنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة، وفيه دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ما طاب لكم.\nروي: أن بني عامر في أيام حجهم كانوا لا يأكلون الطعام إلا قوتًا ولا يأكلون دسمًا يعظمون بذلك حجهم فهم المسلمون به، فنزلت.\nوَلا تُسْرِفُوا بتحريم الحلال، أو بالتعدي إلى الحرام، أو بإفراط الطعام والشره عليه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. وقال علي بن الحسين بن واقد: قد جمع الله الطب في نصف آية فقال: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) . إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ أي لا يرتضي فعلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]</span>\nقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)\nقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ من الثياب وسائر ما يتجمل به. الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ من النبات كالقطن والكتان، والحيوان كالحرير والصوف، والمعادن كالدروع. وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ المستلذات من المآكل والمشارب. وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإِباحة، لأن الاستفهام في من للإنكار. قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بالأصالة والكفرة وإن شاركوهم فيها فتبع. خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يشاركهم فيها غيرهم، وانتصابها على الحال. وقرأ نافع بالرفع على أنها خبر بعد خبر. كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي كتفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nقُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)\nقُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما تزايد قبحه، وقيل ما يتعلق بالفروج. مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ جهرها وسرها. وَالْإِثْمَ وما يوجب الإثم تعميم بعد تخصيص، وقيل شرب الخمر. وَالْبَغْيَ الظلم، أو الكبر أفرده بالذكر للمبالغة. بِغَيْرِ الْحَقِّ متعلق بالبغي مؤكد له معنى. وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا تهكم بالمشركين، وتنبيه على تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بالإِلحاد في صفاته ﷾، والافتراء عليه كقولهم اللَّهُ أَمَرَنا بِها.\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ مدة، أو وقت لنزول العذاب بهم وهو وعيد لأهل مكة. فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ انقرضت مدتهم، أو حان وقتهم. لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ أي لا يتأخرون ولا يتقدمون أقصر وقت، أو لا يطلبون التأخر والتقدم لشدة الهول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nيا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)","vol":"3","page":11},{"text":"يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي شرط ذكره بحرف الشك للتنبيه على أن إتيان الرسل أمر جائز غير واجب كما ظنه أهل التعليم، وضمت إليها ما لتأكيد معنى الشرط ولذلك أكد فعلها بالنون وجوابه: فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ والمعنى فمن اتقى التكذيب وأصلح عمله منكم والذين كذبوا بآياتنا منكم، وإدخال الفاء في الخبر الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]</span>\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧)\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ممن تقول على الله ما لم يقله أو كذب ما قاله.\nأُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ مما كتب لهم من الأرزاق والآجال. وقيل الكتاب اللوح المحفوظ أي مما أثبت لهم فيه. حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ أي يتوفون أرواحهم، وهو حال من الرسل وحتى غاية لنيلهم وهي التي يبتدأ بعدها الكلام. قالُوا جواب إذا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها، وما وصلت بأين في خط المصحف وحقها الفصل لأنها موصولة. قالُوا ضَلُّوا عَنَّا غابوا عنا. وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ اعترفوا بأنهم كانوا ضالين فيما كانوا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nقالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)\nقالَ ادْخُلُوا أي قال الله تعالى لهم يوم القيامة، أو أحد من الملائكة. فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ أي كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم يوم القيامة. مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يعني كفار الأمم الماضية عن النوعين. فِي النَّارِ متعلق بادخلوا. كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ أي في النار. لَعَنَتْ أُخْتَها التي ضلت بالاقتداء بها. حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا أي تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار. قالَتْ أُخْراهُمْ دخولًا أو منزلة وهم الأتباع. لِأُولاهُمْ أي لأجل أولاهم إذ الخطاب مع الله لا معهم. رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ مضاعفًا لأنهم ضلوا وأضلوا. قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ أما القادة فبكفرهم وتضليلهم، وأما الأتباع فبكفرهم وتقليدهم. وَلكِنْ لاَّ تَعْلَمُونَ ما لكم أو ما لكل فريق. وقرأ عاصم بالياء على الانفصال.\nوَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ عطفوا كلامهم على جواب الله ﷾ «لاِخْرَاهُمْ» ورتبوه عليه أي فقد ثبت أن لا فضل لَكُمْ علينا وإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب. فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ من قول القادة أو من قول الفريقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)","vol":"3","page":12},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أي عن الإِيمان بها. لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ لأدعيتهم وأعمالهم أو لأزواجهم، كما تفتح لأعمال المؤمنين وأرواحهم لتتصل بالملائكة. والتاء في تفتح للتأنيث الأبواب والتشديد لكثرتها، وقرأ أبو عمرو بالتخفيف وحمزة والكسائي به وبالياء، لأن التأنيث غير حقيقي والفعل مقدم. وقرئ على البناء للفاعل ونصب الأبواب بالتاء على أن الفعل للآيات وبالياء لأن الفعل لله.\nوَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ أي حتى يدخل ما هو مثل في عظم الجرم وهو البعير فيما هو مثل في ضيق المسلك وهو ثقبة الإِبرة، وذلك مما لا يكون فكذا ما يتوقف عليه. وقرئ «الجمل» كالقمل، و«الجمل» كالنغر، و«الجمل» كالقفل، والجمل كالنصب، و«الجمل» كالحبل وهو الحبل الغليظ من القنب، وقيل حبل السفينة. وسم بالضم والكسر وفي سم المخيط وهو والخياط ما يخاط به كالحزام والمحزم. وَكَذلِكَ ومثل ذلك الجزاء الفظيع. نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ.\nلَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ فراش. وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ أغطية، والتنوين فيه للبدل عن الاعلال عند سيبويه، وللصرف عند غيره، وقرئ «غَوَاشٍ» على إلغاء المحذوف. وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ عبر عنهم بالمجرمين تارة وبالظالمين أخرى إشعارًا بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة، وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة والظلم مع التعذيب بالنار تنبيهًا على أنه أعظم الإِجرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ على عادته ﷾ في أن يشفع الوعيد بالوعد، وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وسعها اعتراض بين المبتدأ وخبره للترغيب في اكتساب النعيم المقيم بما يسعه طاقتهم ويسهل عليهم. وقرئ «لا تكلف نفس» .\nوَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أي نخرج من قلوبهم أسباب الغل، أو نطهرها منه حتى لا يكون بينهم إلا التواد.\nوعن على كرم الله وجهه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم.\nتَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ زيادة في لذتهم وسرورهم. وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا لما جزاؤه هذا. وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لولا هداية الله وتوفيقه، واللام لتوكيد النفي وجواب لَوْلاَ محذوف دل عليه ما قبله.\nوقرأ ابن عامر «ما كنا» بغير واو على أنها مبينة للأولى. لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فاهتدينا بإرشادهم.\nيقولون ذلك اغتباطًا وتبجحًا بأن ما علموه يقينًا في الدنيا صار لهم عين اليقين في الآخرة. وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ إذا رأوها من بعيد، أو بعد دخولها والمنادى له بالذات. أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي أعطيتموها بسبب أعمالكم، وهو حال من الجنة والعامل فيها معنى الإِشارة، أو خبر والجنة صفة تلكم وأن في المواقع الخمسة هي المخففة أو المفسرة لأن المناداة والتأذين من القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nوَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥)","vol":"3","page":13},{"text":"وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا إنما قالوه تبجحًا بحالهم وشماتة بأصحاب النار وتحسيرًا لهم، وإنما لم يقل ما وعدكم كما قال مَّا وَعَدَنا لأن ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصًا وعده بهم، كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنة. قالُوا نَعَمْ وقرأ الكسائي بكسر العين وهما لغتان. فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ قيل هو صاحب الصور. بَيْنَهُمْ بين الفريقين.\nأَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ وقرأ ابن كثير في رواية للبزي وابن عامر وحمزة والكسائي أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ بالتشديد والنصب. وقرئ «إِن» بالكسر على إرادة القول أو إجراء أذن مجرى قال.\nالَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ صفة للظالمين مقررة، أو ذم مرفوع أو منصوب. وَيَبْغُونَها عِوَجًا زيغًا وميلًا عما هو عليه، والعوج بالكسر في المعاني والأعيان ما لم تكن منتصبة، وبالفتح ما كان في المنتصبة، كالحائط والرمح. وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٦ الى ٤٧]</span>\nوَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًاّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)\nوَبَيْنَهُما حِجابٌ أي بين الفريقين لقوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ أو بين الجنة والنار ليمنع وصول أثر إحداهما إلى الأخرى. وَعَلَى الْأَعْرافِ وعلى أعراف الحجاب أي أعاليه، وهو السور المضروب بينهما جمع عرف مستعار من عرف الفرس وقيل العرف ما ارتفع من الشيء فإنه يكون لظهوره أعرف من غيره. رِجالٌ طائفة من الموحدين قصروا في العمل فيحبسون بين الجنة والنار حتى يقضي الله ﷾ فيهم ما يشاء وقيل قوم علت درجاتهم كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو الشهداء رضي الله تعالى عنهم، أو خيار المؤمنين وعلمائهم، أو ملائكة يرون في صورة الرجال. يَعْرِفُونَ كُلًّا من أهل الجنة والنار. بِسِيماهُمْ بعلامتهم التي أعلمهم الله بها كبياض الوجه وسواده، فعلى من سام إبله إذا أرسلها في المرعى معلمة، أو من وسم على القلب كالجاه من الوجه، وإنما يعرفون ذلك بالإلهام أو تعليم الملائكة.\nوَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي إذا نظروا إليهم سلموا عليهم. لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ حال من الواو على الوجه الأول ومن أصحاب على الوجوه الباقية.\nوَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا نعوذ بالله. رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي في النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)\nوَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ من رؤساء الكفرة. قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ كثرتكم أو جمعكم المال. وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ عن الحق، أو على الخلق. وقرئ «تستكثرون» من الكثرة.\nأَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ من تتمة قولهم للرجال، والإِشارة إلى ضعفاء أهل الجنة الذين كانت الكفرة يحتقرونهم في الدنيا ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ أي فالتفتوا إلى أصحاب الجنة وقالوا لهم ادخلوا وهو أوفق للوجوه الأخيرة، أو فقيل لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة بفضل الله ﷾ بعد أن حبسوا حتى أبصروا الفريقين وعرفوهم وقالوا لهم ما","vol":"3","page":14},{"text":"قالوا. قيل لما عيروا أصحاب النار أقسموا أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة فقال الله ﷾ أو بعض الملائكة هؤلاء الذين أقسمتم. وقرئ «أَدْخِلُواْ» و«دخلوا» على الاستئناف وتقديره دخلوا الجنة مقولًا لهم لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nوَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)\nوَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أي صبوه، وهو دليل على أن الجنة فوق النار. أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من سائر الأشربة ليلائم الإِفاضة، أو من الطعام كقوله: علفتها تبنا وماء باردًا. قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ منعهما عنهم منع المحرم من المكلف.\nالَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا كتحريم البحيرة والتصدية والمكاء حول البيت واللهو صرف الهم بما لا يحسن أن يصرف به، واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به. وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ نفعل بهم فعل الناسين فنتركهم في النار. كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا فلم يخطروه ببالهم ولم يستعدوا له. وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ وكما كانوا منكرين أنها من عند الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nوَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)\nوَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصلة. عَلى عِلْمٍ عالمين بوجه تفصيله حتى جاء حكيمًا، وفِيه دليل على أنه ﷾ عالم بعلم، أو مشتملًا على علم فيكون حالا من المفعول. وقرئ «فضلناه» أي على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك. هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ حال من الهاء.\nهَلْ يَنْظُرُونَ ينتظرون. إِلَّا تَأْوِيلَهُ إلا ما يؤول إليه أمره من تبين صدقه بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد. يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ تركوه ترك الناسي. قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ أي قد تبين أنهم جاءوا بالحق. فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا اليوم. أَوْ نُرَدُّ أو هل نرد إلى الدنيا. وقرئ بالنصب عطفًا على فَيَشْفَعُوا، أو لأن أَوْ بمعنى إلى أن، فعلى الأول المسؤول أحد الأمرين الشفاعة أو ردهم إلى الدنيا، وعلى الثاني أن يكون لهم شفعاء إما لأحد الأمرين أو لأمر واحد وهو الرد. فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ جوابِ الاستفهام الثاني وقرئ بالرفع أي فنحن نعمل. قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بصرف أعمارهم في الكفر. وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ بطل عنهم فلم ينفعهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٤]</span>\nإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)\nإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي في ستة أوقات كقوله: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ أو في مقدار ستة أيام، فإن المتعارف باليوم زمان طلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن حينئذ، وفي خلق","vol":"3","page":15},{"text":"الأشياء مدرجًا مع القدرة على إيجادها دفعة دليل للاختيار واعتبار للنظار وحث على التأني في الأمور. ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استوى أمره أو استولى، وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة لله بلا كيف، والمعنى: أن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزهًا عن الاستقرار والتمكن، والعرش الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه، أو للتشبيه بسرير الملك فإن الأمور والتدابير تنزل منه وقيل الملك. يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يغطيه به ولم يذكر عكسه للعلم به، أو لأن اللفظ يحتملهما ولذلك قرئ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ بنصب اللَّيْلَ ورفع النَّهارَ. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم بالتشديد فيه وفي «الرعد» للدلالة على التكرير. يَطْلُبُهُ حَثِيثًا يعقبه سريعًا كالطالب له لا يفصل بينهما شيء، والحثيث فعيل من الحث وهو صفة مصدر محذوف أو حال من الفاعل بمعنى حاثًا، أو المفعول بمعنى محثوثًا. وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ بقضائه وتصريفه ونصبها بالعطف على السموات ونصب مسخرات على الحال. وقرأ ابن عامر كلها بالرفع على الابتداء والخبر. أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ فإنه الموجد والمتصرف. تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ تعالى بالوحدانية في الألوهية وتعظم بالتفرد في الربوبية.\nوتحقيق الآية والله ﷾ أعلم، أن الكفرة كانوا متخذين أربابًا فبين لهم أن المستحق للربوبية واحد وهو الله ﷾، لأنه الذي له الخلق والأمر فإنه ﷾ خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير حكيم فأبدع الأفلاك ثم زينها بالكواكب كما أشار إليه بقوله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وعمد إلى إيجاد الأجرام السفلية فخلق جسمًا قابلًا للصور المتبدلة والهيئات المختلفة، ثم قسمها بصور نوعية متضادة الآثار والأفعال وأشار إليه بقوله وخلق الأرض أي ما في جهة السفل في يومين، ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة بتركيب موادها أولًا وتصويرها ثانيًا كما قال تعالى بعد قوله: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أي مع اليومين الأولين لقوله تعالى في سورة السجدة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثم لما تم له عالم الملك عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة، فدبر الأمر مِنَ السماء إِلَى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير الليالي والأيام، ثم صرح بما هو فذلكة التقرير ونتيجته فقال: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ثم أمرهم بأن يدعوه متذللين مخلصين فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)\nادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً أي ذوي تضرع وخفية فإن الإخفاء دليل الإخلاص. إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ المجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره، نبه به على أن الداعي ينبغي أن لا يطلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصعود إلى السماء. وقيل هو الصياح في الدعاء والاسهاب فيه.\nوعن النبي ﷺ، «سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ثم قرأ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» .\nوَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والمعاصي. بَعْدَ إِصْلاحِها ببعث الأنبياء وشرع الأحكام. وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ذوي خوف من الرد لقصور آمالكم وعدم استحقاقكم، وطمع في إجابته تفضلًا وإحسانًا لفرط رحمته إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ترجيح للطمع وتنبيه على ما يتوسل به إلى الإجابة، وتذكير قريب لأن الرحمة بمعنى الرحم، أو لأنه صفة محذوف أي أمر قريب، أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو الذي هو مصدر كالنقيض، أو الفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره.","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)\nوَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «الريح» على الوحدة. نَشْرًا جمع نشور بمعنى ناشر، وقرأ ابن عامر «نشرًا» بالتخفيف حيث وقع وحمزة والكسائي «نشرًا» بفتح النون حيث وقع على أنه مصدر في موقع الحال بمعنى ناشرات، أو مفعول مطلق فإن الإِرسال والنشر متقاربان. وعاصم بُشْرًا وهو تخفيف بشر جمع بشير وقد قرئ به وبُشْرًا بفتح الباء مصدر بشره بمعنى باشرات، أو للبشارة وبشرى. بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قدام رحمته، يعني المطر فإن الصبا تثير السحاب والشمال تجمعه والجنوب؟؟؟؟؟\nوالدبور تفرقه. حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ أي حملت، واشتقاقه من القلة فإن المقل للشيء يستقله. سَحابًا ثِقالًا بالماء جمعه لأن السحاب جمع بمعنى السحائب. سُقْناهُ أي السحاب وإفراد الضمير باعتبار اللفظ. لِبَلَدٍ مَيِّتٍ لأجله أو لإحيائه أو لسقيه. وقرئ «ميت» . فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ بالبلد أو بالسحاب أو بالسوق أو بالريح وكذلك. فَأَخْرَجْنا بِهِ ويحتمل فيه عود الضمير إلى الْماءَ، وإذا كان ل لِبَلَدٍ فالباء للإلصاق في الأول وللظرفية في الثاني، وإذا كان لغيره فهي للسببية فيهما. مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ من كل أنواعها. كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى الإشارة فيه إلى إخراج الثمرات، أو إلى إحياء البلد الميت أي كما نحييه بإحداث القوة النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات، نخرج الموتى من الأجداث ونحييها برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى والحواس. لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فتعلمون أن من قدر على ذلك قدر على هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>[سورة الأعراف (٧): آية ٥٨]</span>\nوَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)\nوَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ الأرض الكريمة التربة. يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ بمشيئته وتيسيره، عبر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه لأنه أوقعه في مقابلة. وَالَّذِي خَبُثَ أي كالحرة والسبخة. لاَ يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا قليلًا عديم النفع، ونصبه على الحال وتقدير الكلام، والبلد الذي خبث لا يخرج نباته إلا نكدًا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار مرفوعًا مستترا وقرئ «يخرج» أي يخرجه البلد فيكون إِلَّا نَكِدًا مفعولًا ونَكِدًا على المصدر أي ذا نكد ونَكِدًا بالإِسكان للتخفيف. كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ نرددها ونكررها. لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ نعمة الله فيتفكرون فيها ويعتبرون بها، والآية مثل لمن تدبر الآيات وانتفع بها، ولمن لم يرفع إليها رأسًا ولم يتأثر بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٩ الى ٦٠]</span>\nلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠)\nلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ جواب قسم محذوف، ولا تكاد تطلق هذه اللام إلا مع قد لأنها مظنة التوقع، فإن المخاطب إذا سمعها توقع وقوع ما صدر بها. ونوح بن لمك بن متوشلح بن إدريس أول نبي بعده، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين. فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي اعبدوه وحده لقوله تعالى: مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وقرأ الكسائي «غيره» بالكسر نعتًا أو بدلًا على اللفظ حيث وقع إذا كان قبل إله من التي تخفض. وقرئ بالنصب على الاستثناء. إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إن لم تؤمنوا، وهو وعيد وبيان للداعي إلى عبادته. واليوم يوم القيامة، أو يوم نزول الطوفان.\nقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ أي الأَشراف فإنهم يملؤون العيون رواء. إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ زوال عن الحق.","vol":"3","page":17},{"text":"مُبِينٍ بين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nقالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٦٢)\nقالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ أي شيء من الضلال، بالغ في النفي كما بالغوا في الإِثبات وعرض لهم به. وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ استدراك باعتبار ما يلزمه، وهو كونه على هدى كأنه قال: ولكني على هدى في الغاية لأني رسول من الله ﷾.\nأُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ صفات لرسول أو استئناف، ومساقها على الوجهين لبيان كونه رسولًا. وقرأ أبو عمرو أُبَلِّغُكُمْ بالتخفيف وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها أو لتنوع معانيها كالعقائد والمواعظ والأحكام، أو لأن المراد بها ما أوحي إليه وإلى الأنبياء قبله، كصحف شيث وإدريس وزيادة اللام في لكم للدلالة على إمحاض النصح لهم، وفي أعلم من الله تقريرًا لما أوعدهم به فإن معناه أعلم من قدرته وشدة بطشه، أو من جهته بالوحي أشياء لا علم لكم بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nأَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)\nأَوَعَجِبْتُمْ الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف أي أكذبتم وعجبتم. أَنْ جاءَكُمْ من أن جاءكم. ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ رسالة أو موعظة. عَلى رَجُلٍ على لسان رجل. مِنْكُمْ من جملتكم أو من جنسكم، فإنهم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. لِيُنْذِرَكُمْ عاقبة الكفر والمعاصي. وَلِتَتَّقُوا منهما بسبب الإنذار. وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بالتقوى، وفائدة حرف الترجي التنبيه على أن التقوى غير موجب والترحم من الله ﷾ تفضل، وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمن من عذاب الله تعالى.\nفَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ وهم من آمن به وكانوا أربعين رجلًا وأربعين امرأة. وقيل تسعة بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به. فِي الْفُلْكِ متعلق بمعه أو بأنجيناه، أو حال من الموصول أو من الضمير في معه. وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بالطوفان. إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ عمي القلوب غير مستبصرين، وأصله عميين فخفف وقرئ «عامين» والأول أبلغ لدلالته على الثبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nوَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦)\nوَإِلى عادٍ أَخاهُمْ عطف على نوحًا إلى قومه هُودًا عطف بيان لأخاهم والمراد به الواحد منهم، كقولهم يا أخا العرب للواحد منهم، فإنه هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وقيل هود بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح، ابن عم أبي عاد، وإنما جعل منهم لأنهم أفهم لقوله وأعرف بحاله وأرغب في اقتفائه. قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ استأنف به ولم يعطف كأنه جواب سائل قال: فما قال لهم حين أرسل؟ وكذلك جوابهم. أَفَلا تَتَّقُونَ عذاب الله، وكأن قومه كانوا أقرب من قوم نوح ﵊ ولذلك قال أفلا تتقون قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد.","vol":"3","page":18},{"text":"إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ متمكنًا في خفة عقل راسخًا فيها حيث فارقت دين قومك. وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٧ الى ٦٩]</span>\nقالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)\nأَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ سبق تفسيره. وفي إجابة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا والإِعراض عن مقابلتهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة، وهكذا ينبغي لكل ناصح، وفي قوله: وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين. وقرأ أبو عمرو أبلغكم في الموضعين في هذه السورة وفي «الأحقاف» مخففًا. وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ أي في مساكنهم، أو في الأرض بأن جعلكم ملوكًا فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض من رمل عالج إلى شجر عمان، خوفهم من عقاب الله ثم ذكرهم بإنعامه. وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً قامة وقوة. فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ تعميم بعد تخصيص. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nقالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)\nقالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والأعراض عما أشرك به آباؤهم انهماكًا في التقليد وحبًا لما ألفوه، ومعنى المجيء في أَجِئْتَنا إما المجيء من مكان اعتزل به عن قومه أو من السماء على التهكم، أو القصد على المجاز كقولهم ذهب يسبني. فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب المدلول عليه بقوله أَفَلا تَتَّقُونَ. إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فيه.\nقالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ قد وجب وحق عليكم، أو نزل عليكم على أن المتوقع كالواقع، مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ عذاب من الارتجاس وهو الاضطراب. وَغَضَبٌ إرادة انتقام. أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ أي في أشياء سميتموها آلهة وليس فيها معنى الإِلهية، لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل، وأنها لو استحقت كان استحقاقها بجعله تعالى إما بإنزال آية أو بنصب حجة، بين أن منتهى حجتهم وسندهم أن الأصنام تسمى آلهة من غير دليل يدل على تحقق المسمى، وإسناد الاطلاق إلى من لا يؤبه بقوله إظهارًا لغاية جهالتهم وفرط غباوتهم، واستدل به على أن الاسم هو المسمى وأن اللغات توقيفية إذ لو لم يكن كذلك لم يتوجه الذم والإِبطال بأنها أسماء مخترعة لم ينزل الله بها سلطانًا وضعفهما ظاهر. فَانْتَظِرُوا لما وضح الحق وأنتم مصرون على العناد نزول العذاب بكم. إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>[سورة الأعراف (٧): آية ٧٢]</span>\nفَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)\nفَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ في الدين. بِرَحْمَةٍ مِنَّا عليهم. وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي استأصلناهم. وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا وبين من هلك","vol":"3","page":19},{"text":"هو الإِيمان.\nروي أنهم كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم هودًا فكذبوه، وازدادوا عتوًا فأمسك الله القطر عنهم ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان الناس حينئذ مسلمهم ومشركهم إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه\nقيل بن عنز ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام وسيدهم معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه وهو بظاهر مكة أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرًا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان له، فلما رأى ذهولهم باللهو عما بعثوا له أهمه ذلك واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم فعلم القينتين:\nأَلاَ يَا قِيلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِم ... لَعَلَّ الله يُسْقِينَا الغَمَامَا\nفَيُسْقِي أَرْضَ عَادٍ إن عَادا ... قَد امْسوا مَا يُبينُونَ الكَلاَما\nحتى غنتا به، فأزعجهم ذلك فقال مرثد: والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله ﷾ سقيتم، فقالوا لمعاوية: احبسه عنا لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثًا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء يا قيل: اختر لنفسك ولقومك. فقال اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فخرجت على عاد من وادي المغيث فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله ﷾ فيها حتى ماتوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>[سورة الأعراف (٧): آية ٧٣]</span>\nوَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)\nوَإِلى ثَمُودَ قبيلة أخرى من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح.\nوقيل سموا به لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل. وقرئ مصروفًا بتأويل الحي أو باعتبار الأصل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. أَخاهُمْ صالِحًا صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي وقوله: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً استئناف لبيانها، وآية نصب على الحال والعامل فيها معنى الإشارة، ولكم بيان لمن هي له آية، ويجوز أن تكون ناقَةُ اللَّهِ بدلًا أو عطف بيان ولكم خبرًا عاملًا في آيَةً، وإضافة الناقة إلى الله لتعظيمها ولأنها جاءت من عنده بلا وسائط وأسباب معهودة ولذلك كانت آية. فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ العشب. وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ نهى عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر. فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ جواب للنهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nوَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥)\nوَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أرض الحجر. تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا أي تبنون في سهولها، أو من سهولة الأرض بما تعملون منها كاللبن والآجر. وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ","vol":"3","page":20},{"text":"بُيُوتًا\nوقرئ «تنحتون» بالفتح وتنحاتون بالإِشباع، وانتصاب بُيُوتًا على الحال المقدرة أو المفعول على أن التقدير بيوتًا من الجبال، أو تنحتون بمعنى تتخذون فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.\nقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ أي عن الإِيمان. لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي للذين استضعفوهم واستذلوهم. لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بدل من الذين استضعفوا بدل الكل إن كان الضمير لقومه وبدل البعض إن كان للذين. وقرأ ابن عامر وقال الملأ بالواو. أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالوه على الاستهزاء. قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ عدلوا به عن الجواب السوي الذي هو نعم تنبيهًا على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل ويخفى على ذوي رأي، وإنما الكلام فيمن آمن به ومن كفر فلذلك قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٦ الى ٧٧]</span>\nقالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يَا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)\nقالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ على وجه المقابلة، ووضعوا آمَنْتُمْ بِهِ موضع أُرْسِلَ بِهِ ردًا لما جعلوه معلومًا مسلمًا.\nفَعَقَرُوا النَّاقَةَ فنحروها. أسند إلى جميعهم فعل بعضهم للملابسة، أو لأنه كان برضاهم. وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ واستكبروا عن امتثاله، وهو ما بلغهم صالح ﵊ بقوله: فَذَرُوها. وَقالُوا يَا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nفَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)\nفَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ الزلزلة. فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ خامدين ميتين.\nروي: أنهم بعد عاد عمروا بلادهم وخلفوهم وكثروا، وعمروا أعمارًا طوالًا لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في خصب وسعة فعتوا وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحًا من أشرافهم فأنذرهم، فسألوه آية فقال أية آية تريدون قالوا: اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا فمن استجيب له اتبع، فخرج معهم فدعوا أصنامهم فلم تجبهم، ثم أشار سيدهم جندع بن عمرو إلى صخرة منفردة يقال لها الكاثبة وقال: له أخرج من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء فإن فعلت صدقناك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت ذلك لتؤمنن فقالوا: نعم، فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا وهم ينظرون، ثم نتجت ولدًا مثلها في العظم فآمن به جندع في جماعة، ومنع الباقين من الإِيمان ذؤاب بن عمرو والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صغر كاهنهم، فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وترد الماء غبًا فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها، ثم تتفحج فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون ويدخرون وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم وزينت عقرها لهم عنيزة أم غنم وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، فرقي سقبها جبلًا اسمه قارة فرغا ثلاثًا فقال صالح لهم ادركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه إذ انفجرت الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح: تصبح وجوهكم غدًا مصفرة وبعد غد محمرة واليوم الثالث مسودة، ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله إلى أرض فلسطين، ولما كان ضحوة اليوم الرابع تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا.","vol":"3","page":21},{"text":"فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ظاهره أن توليه عنهم كان بعد أن أبصرهم جاثمين، ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم كما\nخاطب رسول الله ﷺ أهل قليب بدر وقال: «إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا» .\nأو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)\nوَلُوطًا أي وأرسلنا لوطًا. إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ وقت قوله لهم أو واذكر لوطًا وإذ بدل منه. أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح. مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ما فعلها قبلكم أحد قط. والباء للتعدية ومن الأولى لتأكيد النفي والاستغراق، والثانية للتبعيض. والجملة استئناف مقرر للإِنكار كأنه وبخهم أولًا بإتيان الفاحشة ثم باختراعها فإنه أسوأ.\nإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بيان لقوله: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وهو أبلغ في الإِنكار والتوبيخ، وقرأ نافع وحفص «إنكم» على الإِخبار المستأنف، وشهوة مفعول له أو مصدر في موقع الحال وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة، وتنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع، لا قضاء الوطر. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ إضراب عن الإِنكار إلى الإِخبار عن حالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها وهي اعتياد الإِسراف في كل شيء، أو عن الإِنكار عليها إلى الذم على جميع معايبهم، أو عن محذوف مثل لا عذر لكم فيه بل أنتم قوم عادتكم الإِسراف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٢ الى ٨٤]</span>\nوَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)\nوَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ أي ما جاءوا بما يكون جوابًا عن كلامه، ولكنهم قابلوا نصحه بالأمر بإخراجه فيمن معه من المؤمنين من قريتهم والاستهزاء بهم فقالوا: إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أي من الفواحش.\nفَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ أي من آمن به. إِلَّا امْرَأَتَهُ استثناء من أهله فإنها كانت تسر الكفر. كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا والتذكير لتغليب الذكور.\nوَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا أي نوعًا من المطر عجيبًا وهو مبين بقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ\nروي: أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر مع عمه إبراهيم ﵇ إلى الشام نزل بالأردن، فأرسله الله إلى أهل سدوم ليدعوهم إلى الله وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة، فلم ينتهوا عنها فأمطر الله عليهم الحجارة فهلكوا.\nوقيل خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>[سورة الأعراف (٧): آية ٨٥]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا أي وأرسلنا إليهم، وهم أولاد مدين بن إبراهيم خليل الله شعيب بن ميكائيل","vol":"3","page":22},{"text":"ابن يسجر بن مدين، وكان يقال له خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لحسن مراجعته قومه. قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يريد المعجزة التي كانت له وليس في القرآن أنها ما هي، وما روي من محاربة عصا موسى ﵊ التنين وولادة الغنم التي دفعها إليه الدرع خاصة وكانت الموعودة له من أولادها، ووقوع عصا آدم على يده في المرات السبع متأخرة عن هذه المقاولة، ويحتمل أن تكون كرامة لموسى ﵇ أو إرهاصًا لنبوته. فَأَوْفُوا الْكَيْلَ أي آلة الكيل على الإِضمار، أو إطلاق الكيل على المكيال كالعيش على المعاش لقوله: وَالْمِيزانَ كما قال في سورة «هود» أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ أو الكيل ووزن الميزان، ويجوز أن يكون الميزان مصدرًا كالميعاد. وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ولا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال أشياءهم للتعميم تنبيهًا على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير والقليل والكثير. وقيل كانوا مكاسبين لا يدعون شيئًا إلا مكسوه. وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والحيف.\nبَعْدَ إِصْلاحِها بعد ما أصلح أمرها أو أهلها الأنبياء وأتباعهم بالشرائع، أو أصلحوا فيها والإِضافة إليها كالإِضافة في بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ. ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إشارة إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه، ومعنى الخيرية إما الزيادة مطلقًا أو في الإِنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nوَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)\nوَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ بكل طريق من طرق الدين كالشيطان، وصراط الحق وإن كان واحدًا لكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام، وكانوا إذا رأوا أحدًا يسعى فى شيء منها منعوه. وقيل كانوا يجلسون على المراصد فيقولون لمن يريد شعيبًا إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون لمن آمن به. وقيل كانوا يقطعون الطريق. وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني الذي قعدوا عليه فوضع الظاهر موضع المضمر بيانًا لكل صراط، ودلالة على عظم ما يصدون عنه وتقبيحًا لما كانوا عليه أو الإيمان بالله. مَنْ آمَنَ بِهِ أي بالله، أو بكل صراط على الأول، ومن مفعول تصدون على إعمال الأقرب ولو كان مفعول توعدون لقال وتصدونهم وتوعدون بما عطف عليه في موقع الحال من الضمير في تقعدوا. وَتَبْغُونَها عِوَجًا وتطلبون لسبيل الله عوجًا بإلقاء الشبه، أو وصفها للناس بأنها معوجة. وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا عَدَدَكُمْ أو عُدَدَكُمْ. فَكَثَّرَكُمْ بالبركة في النسل أو المال. وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ من الأمم قبلكم فاعتبروا بهم.\nوَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا فتربصوا. حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا أي بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين. وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ إذ لا معقب لحكمه ولا حيف فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)\nقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا","vol":"3","page":23},{"text":"أي ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب ﵊ لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر مطلقًا، لكن غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله. قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ أي كيف نعود فيها ونحن كارهون لها، أو أتعيدوننا في حال كراهتنا.\nقَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا قد اختلقنا عليه. إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها شرط جوابه محذوف دليله: قَدِ افْتَرَيْنا وهو بمعنى المستقبل لأنه لم يقع لكنه جعل كالواقع للمبالغة، وأدخل عليه قد لتقريبه من الحال أي قد افترينا الآن إن هممنا بالعود بعد الخلاص منها حيث نزعم أن لله تعالى ندًا، وأنه قد تبين لنا أن ما كنا عليه باطل وما أنتم عليه حق. وقيل إنه جواب قسم وتقديره: والله لقد افترينا. وَما يَكُونُ لَنا وما يصح لنا. أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا خذلاننا وارتدادنا، وفيه دليل على أن الكفر بمشيئة الله. وقيل أراد به حسم طمعهم في العود بالتعليق على ما لا يكون. وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أي أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم. عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا في أن يثبتنا على الإِيمان ويخلصنا من الأشرار. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ احكم بيننا وبينهم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة. أو أظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم ويتميز المحق من المبطل من فتح المشكل إذا بينه. وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ على المعنيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٠ الى ٩١]</span>\nوَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١)\nوَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا وتركتم دينكم. إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف وهو ساد مسد جواب الشرط والقسم الموطأ باللام.\nفَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ الزلزلة وفي سورة «الحجر» فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ولعلها كانت من مباديها.\nفَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ أي في مدينتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٢ الى ٩٣]</span>\nالَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)\nالَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا مبتدأ خبره كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي استؤصلوا كأن لم يقيموا بها والمغنى المنزل. الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ دينًا ودنيا لا الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا، فإنهم الرابحون في الدارين. وللتنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول واستأنف بالجملتين وأتى بهما اسميتين.\nفَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ قاله تأسفًا بهم لشدة حزنه عليهم ثم أنكر على نفسه فقال: فَكَيْفَ آسَى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ليسوا أهل حزن لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم، أو قاله اعتذارًا عن عدم شدة حزنه عليهم. والمعنى لقد بالغت في الإبلاغ والإِنذار وبذلت وسعي في النصح والإِشفاق فلم تصدقوا قولي، فكيف آسى عليكم. وقرئ «فكيف أيسي» بإمالتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٤ الى ٩٥]</span>\nوَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (٩٥)","vol":"3","page":24},{"text":"وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ بالبؤس والضر. لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ حتى يتضرعوا ويتذللوا.\nثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة السلامة والسعة ابتلاء لهم بالأمرين. حَتَّى عَفَوْا كثروا عَدَدًا وعُدَدًا يقال عفا النبات إذا كثر ومنه إعفاء اللحى. وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ كفرانًا لنعمة الله ونسيانًا لذكره واعتقادًا بأنه من عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء وقد مس آباءنا منه مثل ما مسنا. فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة. وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بنزول العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٦ الى ٩٧]</span>\nوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧)\nوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى يعني القرى المدلول عليها بقوله: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ وقيل مكة وما حولها. آمَنُوا وَاتَّقَوْا مكان كفرهم وعصيانهم. لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لوسعنا عليهم الخير ويسرناه لهم من كل جانب وقيل المراد المطر والنبات. وقرأ ابن عامر لَفَتَحْنا بالتشديد. وَلكِنْ كَذَّبُوا الرسل. فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الكفر والمعاصي.\nأَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى عطف على قوله: فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ وما بينهما اعتراض والمعنى:\nأبعد ذلك أمن أهل القرى. أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا تبييتًا أو وقت بيات أو مبيتًا أو مبيتين، وهو في الأصل مصدر بمعنى البيتوتة ويجيء بمعنى التبييت كالسلام بمعنى التسليم. وَهُمْ نائِمُونَ حال من ضميرهم البارز أو المستتر في بياتا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٨ الى ٩٩]</span>\nأَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩)\nأَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر أَوْ بالسكون على الترديد. أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى ضحوة النهار، وهو في الأصل ضوء الشمس إذا ارتفعت: وَهُمْ يَلْعَبُونَ يلهون من فرط الغفلة، أو يشتغلون بما لا ينفعهم.\nأَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ تكرير لقوله: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ومَكْرَ اللَّهِ استعارة لاستدراج العبد وأخذه مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ. فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ الذين خسروا بالكفر وترك النظر والاعتبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٠]</span>\nأَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (١٠٠)\nأَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أي يخلفون من خلا قبلهم ويرثون ديارهم، وإنما عدي يهد باللام لأنه بمعنى يبين. أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ أن الشأن لو نشاء أصبناهم بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم، وهو فاعل يهد ومن قرأه بالنون جعله مفعولًا. وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ عطف على ما دل عليه، أو لم يهد أي يغفلون عن الهداية أو منقطع عنه بمعنى ونحن نطبع، ولا يجوز عطفه على أصبناهم على","vol":"3","page":25},{"text":"أنه بمعنى وطبعنا لأنه في سياقه جواب لو لإفضائه إلى نفي الطبع عنهم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ سماع تفهم واعتبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠١ الى ١٠٢]</span>\nتِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)\nتِلْكَ الْقُرى يعني قرى الأمم المار ذكرهم. نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها حال إن جعل الْقُرى خبرًا وتكون إفادته بالتقييد بها، وخبر إن جعلت صفة ويجوز أن يكونا خبرين ومِنْ للتبعيض أي نقص بعض أنبائها، ولها أنباء غيرها لا نقصها. وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات. فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيئهم بها. بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ بما كذبوه من قبل الرسل بل كانوا مستمرين على التكذيب، أو فما كانوا ليؤمنوا مدة عمرهم بما كذبوا به أولًا حين جاءتهم الرسل، ولم تؤثر فيهم قط دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة، واللام لتأكيد النفي والدلالة على أنهم ما صلحوا للإِيمان لمنافاته لحالهم في التصميم على الكفر والطبع على قلوبهم. كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر. وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ لأكثر الناس، والآية اعتراض أو لأكثر الأمم المذكورين. مِنْ عَهْدٍ من وفاء عهد، فإن أكثرهم نقضوا ما عهد الله إليهم في الإِيمان والتقوى بإنزال الآيات ونصب الحجج، أو ما عهدوا إليه حين كانوا في ضر ومخافة مثل لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ أي علمناهم.\nلَفاسِقِينَ من وجدت زيدا ذا الحفاظ لدخول أن المخففة واللام الفارقة، وذلك لا يسوغ إلا في المبتدأ والخبر والأفعال الداخلة عليهما، وعند الكوفيين إن للنفي واللام بمعنى إلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٣ الى ١٠٥]</span>\nثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥)\nثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى الضمير للرسل في قوله: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ أو للأمم. بِآياتِنا يعني المعجزات. إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها بأن كفروا بها مكان الإِيمان الذي هو من حقها لوضوحها، ولهذا المعنى وضع ظلموا موضع كفروا. وفرعون لقب لمن ملك مصر ككسرى لمن ملك فارس وكان اسمه قابوس، وقيل الوليد بن مصعب بن الريان. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ.\nوَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إليك، وقوله: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ لعله جواب لتكذيبه إياه في دعوى الرسالة، وإنما لم يذكر لدلالة قوله فَظَلَمُوا بِها عليه وكان أصله حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ كما قرأ نافع فقلب لأمن الإِلباس كقوله: وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر. أو لأن ما لزمك فقد لزمته، أو للإغراق في الوصف بالصدق، والمعنى أنه حق واجب على القول الحق أن أكون أنا قائله لا يرضى إلا بمثلي ناطقًا به، أو ضمن حقيق معنى حريص، أو وضع على مكان الباء لإفادة التمكن كقولهم: رميت على القوس وجئت على حال حسنة، ويؤيده قراءة أبي بالباء. وقرئ «حقيق أن لا أقول» بدون على. قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ فخلهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطن آبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال.","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٦ الى ١٠٨]</span>\nقالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)\nقالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ من عند من أرسلك. فَأْتِ بِها فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك. إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في الدعوى.\nفَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ظاهر أمره لا يشك في أنه ثعبان وهو الحية العظيمة.\nروي: أنه لما ألقاها صارت ثعبانًا أشعر فاغرًا فاه بين لحييه ثمانون ذراعًا، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر. ثم توجه نحو فرعون فهرب منه وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، وصاح فرعون يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذه فعاد عصا.\nوَنَزَعَ يَدَهُ من جيبه أو من تحت إبطه. فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ أي بيضاء بياضًا خارجًا عن العادة تجتمع عليها النظارة، أو بيضاء للنظار لا أنها كانت بيضاء في جبلتها.\nروي: أنه ﵇ كان آدم شديد الأدمة، فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه ثم نزعها فإذا هي بيضاء نورانية غلب شعاعها شعاع الشمس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٩ الى ١١٢]</span>\nقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)\nقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ قيل قاله هو وأشراف قومه على سبيل التشاور في أمره، فحكى عنه في سورة الشعراء وعنهم ها هنا.\nيُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ تشيرون في أن نفعل.\nقالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ.\nيَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ كأنه اتفقت عليه آراؤهم فأشاروا به على فرعون، والإِرجاء التأخير أي أخر أمره، وأصله أرجئه كما قرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب من أرجأت، وكذلك «أرجئهوه» على قراءة ابن كثير على الأصل في الضمير، أو أرجهي من أرجيت كما قرأ نافع في رواية ورش وإسماعيل والكسائي، وأما قراءته في رواية قالون أَرْجِهْ بحذف الياء فللاكتفاء بالكسرة عنها، وأما قراءة حمزة وعاصم وحفص أَرْجِهْ بسكون الهاء فلتشبيه المنفصل بالمتصل وجعل أَرْجِهْ كابل في إسكان وسطه وأما قراءة ابن عامر برواية ابن ذكوان «أرجئه» بالهمزة وكسر الهاء فلا يرتضيه النحاة فإن الهاء لا تكسر إلا إذا كان قبلها كسرة أو ياء ساكنة، ووجهه أن الهمزة لما كانت تقلب ياء أجريت مجراها. وقرأ حمزة والكسائي «بكل سحار» فيه وفي «يونس» ويؤيده اتفاقهم عليه في «الشعراء» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٣ الى ١١٤]</span>\nوَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)\nوَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم. قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ استأنف به كأنه جواب سائل قال: ما قالوا إذ جاءوا؟ وقرأ ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم إِنَّ لَنا لَأَجْرًا على الإِخبار وإيجاب الأجر كأنهم قالوا لا بد لنا من أجر، والتنكير للتعظيم.\nقالَ نَعَمْ إن لكم لأجرًا. وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ عطف على ما سد مسده نَعَمْ وزيادة على","vol":"3","page":27},{"text":"الجواب لتحريضهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٥ الى ١١٦]</span>\nقالُوا يَا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)\nقالُوا يَا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ خيروا موسى مراعاة للأدب أو إظهارًا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله فنبهوا عليها بتغيير النظم إلى ما هو أبلغ وتعريف الخبر وتوسيط الفصل أو تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل فلذلك:\nقالَ بَلْ أَلْقُوا كرمًا وتسامحًا، أو ازدراء بهم ووثوقًا على شأنه. فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ بأن خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه. وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وأرهبوهم إرهابًا شديدًا كأنهم طلبوا رهبتهم. وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ في فنه.\nروي أنهم ألقوا حبالًا غلاظًا وخشبًا طوالًا كأنها حيات ملأت الوادي، وركب بعضها بعضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٧ الى ١١٩]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩)\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فألقاها فصارت حية. فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ أي ما يزورونه من الإِفك، وهو الصرف وقلب الشيء عن وجهه، ويجوز أن تكون ما مصدرية وهي مع الفعل بمعنى المفعول.\nروي: أنها لما تلقفت حبالهم وعصيهم وابتلعتها بأسرها أقبلت على الحاضرين فهربوا وازدحموا حتى هلك جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصًا كما كانت فقال السحرة: لو كان هذا سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا.\nوقرأ حفص عن عاصم تَلْقَفُ هاهنا وفي «طه» و«الشعراء» .\nفَوَقَعَ الْحَقُّ فثبت لظهور أمره. وَبَطَلَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ من السحر والمعارضة.\nفَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ أي صاروا أذلاء مبهوتين، أو رجعوا إلى المدينة أذلاء مقهورين، والضمير لفرعون وقومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٠ الى ١٢٢]</span>\nوَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)\nوَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ جعلهم ملقين على وجوههم تنبيهًا على أن الحق بهرهم واضطرهم إلى السجود بحيث لم يبق لهم تمالك، أو أن الله ألهمهم ذلك وحملهم عليه حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى وينقلب الأمر عليه، أو مبالغة في سرعة خرورهم وشدته.\nقالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ.\nرَبِّ مُوسى وَهارُونَ أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٣ الى ١٢٤]</span>\nقالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)\nقالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ بالله أو بموسى، والاستفهام فيه للإِنكار. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وروح عن يعقوب وهشام بتحقيق الهمزتين على الأصل. وقرأ حفص آمَنْتُمْ بِهِ على الإِخبار، وقرأ قنبل قالَ فِرْعَوْنُ، و«آمنتم» يبدل في حال الوصل من همزة الاستفهام واوا مفتوحة ويمد بعدها مدة في تقدير ألفين وقرأ في طه على الخبر بهمزة وألف وقرأ في الشعراء على الاستفهام بهمزة ومدة مطولة في تقدير","vol":"3","page":28},{"text":"ألفين، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزة الأولى وتليين الثانية. قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ أي إن هذا الصنيع لحيلة احتلتموها أنتم وموسى. فِي الْمَدِينَةِ في مصر قبل أن تخرجوا للميعاد. لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها يعنى القبط وتخلص لكم ولبني إسرائيل. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة ما فعلتم، وهو تهديد مجمل تفصيله: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ من كل شق طرفًا. ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ تفضيحًا لكم وتنكيلًا لأمثالكم. قيل إنه أول من سن ذلك فشرعه الله للقطاع تعظيما لجرمهم ولذلك سماه محاربة لله ورسوله، ولكن على التعاقب لفرط رحمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٥ الى ١٢٦]</span>\nقالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)\nقالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بالموت لا محالة فلا نبالي بوعيدك، أو إنا منقلبون إلى ربنا وثوابه إن فعلت بنا ذلك، كأنهم استطابوه شغفًا على لقاء الله، أو مصيرنا ومصيرك إلى ربنا فيحكم بيننا.\nوَما تَنْقِمُ مِنَّا وما تنكر منا. إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا وهو خير الأعمال وأصل المناقب ليس مما يتأتى لنا العدول عنه طلبًا لمرضاتك، ثم فزعوا إلى الله ﷾ فقالوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا أفض علينا صبرًا يغمرنا كما يفرغ الماء، أو صب علينا ما يطهرنا من الآثام وهو الصبر على وعيد فرعون. وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ثابتين على الإِسلام. قيل إنه فعل بهم ما أوعدهم به. وقيل إنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى: أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٧]</span>\nوَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧)\nوَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بتغيير الناس عليك ودعوتهم إلى مخالفتك. وَيَذَرَكَ عطف على يفسدوا، أو جواب الاستفهام بالواو كقول الحطيئة:\nأَلَمْ أَكُ جَارَكُم وَيَكُونُ بَيْني ... وَبَيْنَكُمْ المَوَدَّةُ وَالإِخَاءُ\nعلى معنى أيكون منك ترك موسى ويكون منه تركه إياك. وقرئ بالرفع على أنه عطف على أنذر أو استئناف أو حال. وقرئ بالسكون كأنه قيل: يفسدوا ويذرك كقوله تعالى: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ، وَآلِهَتَكَ معبوداتك قيل كان يعبد الكواكب. وقيل صنع لقومه أصنامًا وأمرهم أن يعبدوها تقربًا إليه ولذلك قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى وقرئ «إلا هتك» أي عبادتك. قالَ فرعون سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ كما كنا نفعل من قبل ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده. وقرأ ابن كثير ونافع سَنُقَتِّلُ بالتخفيف. وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ غالبون وهم مقهورون تحت أيدينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٨ الى ١٢٩]</span>\nقالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)\nقالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا لما سمعوا قول فرعون وتضجروا منه تسكينًا لهم إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ تسلية لهم وتقرير للأمر بالاستعانة بالله والتثبت في الأمر. وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ","vol":"3","page":29},{"text":"وعد لهم بالنصرة وتذكير لما وعدهم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وتحقيق له. وقرئ «والعاقبة» بالنصب عطف على اسم إن واللام في الْأَرْضَ تحتمل العهد والجنس.\nقالُوا أي بنو إسرائيل. أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بالرسالة بقتل الأبناء وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا بإعادته.\nقالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ تصريحا بما كنى عنه أولًا لما رأى أنهم لم يتسلوا بذلك، ولعله أتى بفعل الطمع لعدم جزمه بأنهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم.\nوقد روي أن مصر إنما فتح لهم في زمن داود ﵇\nفَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فيرى ما تعملون من شكر وكفران وطاعة وعصيان فيجازيكم على حسب ما يوجد منكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٠ الى ١٣١]</span>\nوَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (١٣١)\nوَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ بالجدوب لقلة الأمطار والمياه، والسنة غلبت على عام القحط لكثرة ما يذكر عنه ويؤرخ به، ثم اشتق منها فقيل أسنت القوم إذا قحطوا. وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ بكثرة العاهات.\nلَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ لكي يتنبهوا على أن ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم فيتعظوا، أو ترق قلوبهم بالشدائد فيفزعوا إلى الله ويرغبوا فيما عنده.\nفَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ من الخصب والسعة. قالُوا لَنا هذِهِ لأجلنا ونحن مستحقوها. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ جدب وبلاء. يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ يتشاءموا بهم ويقولوا: ما أصابتنا إلا بشؤمهم، وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة، فإن الشدائد ترقق القلوب وتذلل العرائك وتزيل التماسك سيما بعد مشاهدة الآيات، وهم لم تؤثر فيهم بل زادوا عندها عتوًا وانهماكًا في الغي، وإنما عرف الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق لكثرة وقوعها، وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات، ونكر السيئة وأتى بها مع حرف الشك لندورها وعدم القصد لها إلا بالتبع. أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي سبب خيرهم وشرهم عنده وهو حكمه ومشيئته، أو سبب شؤمهم عند الله وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها التي ساقت إليهم ما يسوؤهم. وقرئ «إنما طيرهم» وهو اسم الجمع وقيل هو جمع. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أن ما يصيبهم من الله تعالى أو من شؤم أعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٢ الى ١٣٣]</span>\nوَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)\nوَقالُوا مَهْما أصلها ما الشرطية ضمت إليها ما المزيدة للتأكيد، ثم قلبت ألفها هاء استثقالًا للتكرير.\nوقيل مركبة من مه الذي يصوت به الكاف وما الجزائية ومحلها الرفع على الابتداء أو النصب بفعل يفسره.\nتَأْتِنا بِهِ أي أيما شيء تحضرنا تأتنا به. مِنْ آيَةٍ بيان لمهما، وإنما سموها آية على زعم موسى لا لاعتقادهم ولذلك قالوا: لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أي لتسحر بها أعيننا وتشبه علينا، والضمير في به وبها لمهما ذكره قبل التبيين باعتبار اللفظ وأنثه بعده باعتبار المعنى.\nفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ماء طاف بهم وغشي أماكنهم وحروثهم من مطر أو سيل. وقيل الجدري، وقيل الموتان وقيل الطاعون. وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ قيل هو كبار القردان، وقيل أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها.\nوَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ\nروي: أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يقدر أحد أن يخرج من بيته، ودخل","vol":"3","page":30},{"text":"الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم فلم يدخل فيها قطرة، وركد على أراضيهم فمنعهم من الحرث والتصرف فيها، ودام ذلك عليهم أسبوعًا فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا فكشف عنهم ونبت لهم من الكلأ والزرع ما لم يعهد مثله ولم يؤمنوا، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت زروعهم وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب ففزعوا إليه ثانيًا فدعا وخرج إلى الصحراء، وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها فلم يؤمنوا، فسلط الله عليهم القمل فأكل ما أبقاه الجراد وكان يقع في أطعمتهم ويدخل بين أثوابهم وجلودهم فيمصها، ففزعوا إليه فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا يكشف ثوب ولا طعام إلا وجدت فيه، وكانت تمتلئ منها مضاجعهم وتثب إلى قدورهم وهي تغلي، وأفواههم عند التكلم ففزعوا إليه وتضرعوا، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم ثم نقضوا العهود، ثم أرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دمًا حتى كان يجتمع القبطي مع الإسرائيلي على إناء فيكون ما يلي القبطي دمًا وما يلي الإسرائيلي ماء، ويمص الماء من فم الإِسرائيلي فيصير دمًا في فيه.\nوقيل سلط الله عليهم الرعاف. آياتٍ نصب على الحال. مُفَصَّلاتٍ مبينات لا تشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته عليهم، أو مفصلات لامتحان أحوالهم إذ كان بين كل اثنتين منها شهر وكان امتداد كل واحدة أسبوعًا، وقيل إن موسى لبث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل. فَاسْتَكْبَرُوا عن الإِيمان. وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٤ الى ١٣٥]</span>\nوَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)\nوَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ يعني العذاب المفصل، أو الطاعون الذي أرسله الله عليهم بعد ذلك. قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ بعهده عندك وهو النبوة، أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك، وهو صلة لادع أو حال من الضمير فيه بمعنى ادع الله متوسلًا إليه بما عهد عندك، أو متعلق بفعل محذوف دل عليه التماسهم مثل اسعفنا إلى ما نطلب منك بحق ما عهد عندك أو قسم مجاب بقوله: لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن ولنرسلن.\nفَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إلى حد من الزمان هم بالغوه فمعذبون فيه أو مهلكون، وهو وقت الغرق أو الموت. وقيل إلى أجل عينوه لإِيمانهم. إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ جواب لما أي فلما كشفنا عنهم فاجؤوا النكث من غير تأمل وتوقف فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٦ الى ١٣٧]</span>\nفَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)\nفَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فأردنا الانتقام منهم. فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ أي البحر الذي لا يدرك قعره. وقيل لجته.\nبِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها. وقيل الضمير للنقمة المدلول عليها بقوله: فَانْتَقَمْنا.","vol":"3","page":31},{"text":"وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ بالاستعباد وذبح الأبناء من مستضعفيهم. مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا يعني أرض الشام ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة وتمكنوا في نواحيها. الَّتِي بارَكْنا فِيها بالخصب وسعة العيش. وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ومضت عليهم واتصلت بالانجاز عدته إياهم بالنصرة والتمكين وهو قوله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ إلى قوله: ما كانُوا يَحْذَرُونَ وقرئ «كلمات ربك» لتعدد المواعيد بِما صَبَرُوا بسبب صبرهم على الشدائد. وَدَمَّرْنا وخربنا. مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ من القصور والعمارات. وَما كانُوا يَعْرِشُونَ من الجنات أو ما كانوا يرفعون من البنيان كصرح هامان وقرأ ابن عامر وأبو بكر هنا وفي «النحل» يَعْرِشُونَ بالضم. وهذا آخر قصة فرعون وقومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٨]</span>\nوَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)\nوقوله: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ وَمَا بعده ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن مَنَّ الله عليهم بالنعم الجسام، وأراهم من الآيات العظام تسلية لرسول الله ﷺ مما رأى منهم، وإيقاظًا للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم.\nروي: أن موسى ﵇ عبر بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصاموه شكرًا.\nفَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ فمروا عليهم. يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ يقيمون على عبادتها، قيل كانت تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل، والقوم كانوا من العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم. وقيل من لخم، وقرأ حمزة والكسائي يَعْكُفُونَ بالكسر. قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا مثالًا نعبده. كَما لَهُمْ آلِهَةٌ يعبدونها، وما كافة للكاف. قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ وصفهم بالجهل المطلق وأكده لبعد ما صدر عنهم بعد ما رأوا من الآيات الكبرى عن العقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٩ الى ١٤٠]</span>\nإِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠)\nإِنَّ هؤُلاءِ إشارة إلى القوم. مُتَبَّرٌ مكسر مدمر. مَّا هُمْ فِيهِ يعني أن الله يهدم دينهم الذي هم عليه ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضًا وَباطِلٌ مضمحل. مَا كانُوا يَعْمَلُونَ من عبادتها وإن قصدوا بها التقرب إلى الله تعالى، وإنما بالغ في هذا الكلام بإيقاع هؤُلاءِ اسم إِنَّ والإِخبار عما هم فيه بالتبار وعما فعلوا بالبطلان، وتقديم الخبرين في الجملتين الواقعتين خبرًا لأن للتنبيه على أن الدمار لاحق لما هم فيه لا محالة، وأن الإِحباط الكلي لازب لما مضى عنهم تنفيرًا وتحذيرًا عما طلبوا.\nقالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا أطلب لكم معبودًا. وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ والحال أنه خصكم بنعم لم يعطها غيركم، وفيه تنبيه على سوء معاملتهم حيث قابلوا تخصيص الله إياهم من أمثالهم لما لم يستحقوه تفضلًا بأن قصدوا أن يشركوا به أخس شيء من مخلوقاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤١ الى ١٤٢]</span>\nوَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)\nوَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ واذكروا صنيعه معكم في هذا الوقت. وقرأ ابن عامر «أنجاكم» .\nيَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ استئناف لبيان ما أنجاهم منه، أو حال من المخاطبين، أو من آل فرعون أو منهما.","vol":"3","page":32},{"text":"يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ بدل منه مبين. وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ وفي الإِنجاء أو العذاب نعمة أو محنة عظيمة.\nوَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً ذا القعدة، وقرأ أبو عمرو ويعقوب «ووعدنا» . وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ من ذي الحجة. فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً بالغًا أربعين.\nروي: أنه ﵇ وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل ربه فأمره الله بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خلوف فيه فتسوك، فقالت الملائكة كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرًا.\nوقيل أمره بأن يتخلى ثلاثين بالصوم والعبادة ثم أنزل عليه التوراة في العشر وكلمه فيها. وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي كن خليفتي فيهم. وَأَصْلِحْ ما يجب أن يصلح من أمورهم أو كن مصلحًا. وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ولا تتبع من سلك الإِفساد ولا تطع من دعاك إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٣]</span>\nوَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)\nوَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا لوقتنا الذي وقتناه، واللام للاختصاص أي اختص مجيئه لميقاتنا. وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ من غير وسيط كما يكلم الملائكة، وفيما\nروي: أن موسى ﵇ كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة تنبيه على أن سماع كلامه القديم ليس من جنس كلام المحدثين.\nقالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ أرني نفسك بأن تمكنني من رؤيتك، أو تتجلى لي فأنظر إليك وأراك. وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، وخصوصًا ما يقتضي الجهل بالله ولذلك رده بقوله تعالى:\nلَنْ تَرانِي دون لن أرى أو لن أريك أو لن تنظر إليَّ، تنبيهًا على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على معد في الرائي لم يوجد فيه بعد، وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا: اجْعَلْ لَنا إِلهًا ولا يتبع سبيلهم كما قال لأخيه وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ والاستدلال بالجواب على استحالتها أشد خطأ إذ لا يدل الإِخبار عن عدم رؤيته إياه على أن لا يراه أبدًا وأن لا يراه غيره أصلًا فضلًا عن أن يدل على استحالتها ودعوى الضرورة فيه مكابرة أو جهالة بحقيقة الرؤية. قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي استدراك يريد أن يبين به أنه لا يطيقه، وفي تعليق الرؤية بالاستقرار أيضًا دليل على الجواز ضرورة أن المعلق على الممكن ممكن، والجبل قيل هو جبل زبير. فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ظهر له عظمته وتصدى له اقتداره وأمره. وقيل أعطى له حياة ورؤية حتى رآه. جَعَلَهُ دَكًّا مدكوكًا مفتتًا والدك والدق أخوان كالشك والشق، وقرأ حمزة والكسائي «دكاء» أي أرضًا مستوية ومنه ناقة دكاء التي لا سنام لها. وقرئ دَكًّا أي قطعًا جمع دكاء. وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا مغشيًا عليه من هول ما رأى. فَلَمَّا أَفاقَ قالَ تعظيمًا لما رأى. سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من الجراءة والإِقدام على السؤال من غير إذن. وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ مر تفسيره. وقيل معناه أنا أول من آمن بأنك لا ترى في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-859>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٤ الى ١٤٥]</span>\nقالَ يَا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)","vol":"3","page":33},{"text":"قالَ يَا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ اخترتك. عَلَى النَّاسِ أي الموجودين في زمانك، وهارون وإن كان نبيًا كان مأمورًا باتباعه ولم يكن كليمًا ولا صاحب شرع. بِرِسالاتِي يعني أسفار التوراة وقرأ ابن كثير ونافع «برسالتي» . وَبِكَلامِي وبتكليمي إياك. فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أعطيتك من الرسالة. وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على النعمة فيه. روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وإعطاء التوراة كان يوم النحر.\nوَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مما يحتاجون إليه من أمر الدين. مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ بدل من الجار والمجرور، أي وكتبنا له كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام. واختلف في أن الألواح كانت عشرة أو سبعة، وكانت من زمرد أو زبرجد، أو ياقوت أحمر أو صخرة صماء لينها الله لموسى فقطعها بيده وسقفها بأصابعه وكان فيها التوراة أو غيرها. فَخُذْها على إضمار القول عطفًا على كتبنا أو بدل من قوله: فَخُذْ ما آتَيْتُكَ والهاء للألواح أو لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء أو للرسالات. بِقُوَّةٍ بجد وعزيمة.\nوَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها أي بأحسن ما فيها كالصبر والعفو بالإضافة إلى الانتصار، والاقتصاص على طريقة الندب والحث على الأفضل كقوله تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ. أو بواجباتها فإن الواجب أحسن من غيره، ويجوز أن يراد بالأحسن البالغ في الحسن مطلقًا لا بالإضافة، وهو المأمور به كقولهم الصيف أحر من الشتاء. سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ دار فرعون وقومه بمصر خاوية على عروشها، أو منازل عاد وثمود وأضرابهم لتعتبروا فلا تفسقوا، أو دارهم في الآخرة وهي جهنم. وقرئ «سأوريكم» بمعنى سأبين لكم من أوريت الزند و«سأورثكم»، ويؤيده قوله: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٦ الى ١٤٧]</span>\nسَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)\nسَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ المنصوبة في الآفاق والأنفس. الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. وقيل سأصرفهم عن ابطالها وإن اجتهدوا كما فعل فرعون فعاد عليه بإعلائها أو بإهلاكهم. بِغَيْرِ الْحَقِّ صلة يتكبرون أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل، أو حال من فاعله. وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ منزلَة أو معجزة. لاَّ يُؤْمِنُوا بِها لعنادهم واختلال عقولهم بسبب انهماكهم في الهوى والتقليد وهو يؤيد الوجه الأول. وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا لاستيلاء الشيطنة عليهم.\nوقرأ حمزة والكسائي الرُّشْدِ بفتحتين وقرئ «الرشاد» وثلاثتها لغات كالسقم والسقم والسقام، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم للآيات، ويجوز أن ينصب ذلك على المصدر أي سأصرف ذلك الصرف بسببهما.\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ أي ولقائهم الدار الآخرة، أو ما وعد الله في الدار الآخرة.\nحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ لا ينتفعون بها. هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ إلا جزاء أعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٨ الى ١٤٩]</span>\nوَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)\nوَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ من بعد ذهابه للميقات. مِنْ حُلِيِّهِمْ التي استعاروا من القبط حين هموا","vol":"3","page":34},{"text":"بالخروج من مصر، وإضافتها إليهم لأنها كانت في أيديهم أو ملكوها بعد هلاكهم. وهو جمع حلي كثدي وثدي. وقرأ حمزة والكسائي بالكسر بالاتباع كدلي ويعقوب على الإِفراد. عِجْلًا جَسَدًا بدنا ذا لحم ودم، أو جسدًا من الذهب خاليًا من الروح ونصبه على البدل. لَهُ خُوارٌ صوت البقر.\nروي أن السامري لما صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل فصار حيًا.\nوقيل صاغه بنوع من الحيل فتدخل الريح جوفه وتصوت، وإنما نسب الاتخاذ إليهم وهو فعله إما لأنهم رضوا به أو لأن المراد اتخاذهم إياه إلهًا. وقرئ «جوار» أي صياح. أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا تقريع على فرط ضلالتهم وإخلالهم بالنظر، والمعنى ألم يروا حين اتخذوه إلهًا أنه لا يقدر على كلام ولا على إرشاد سبيل كآحاد البشر حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقوى والقدر. اتَّخَذُوهُ تكرير للذم أي اتخذوه إلهًا. وَكانُوا ظالِمِينَ واضعين الأشياء في غير مواضعها فلم يكن اتخاذ العجل بدعًا منهم.\nوَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ كناية عن اشتداد ندمهم فإن النادم المتحسر يعض يده غمًا فتصير يده مسقوطًا فيها. وقرئ «سُقِطَ» على بناء الفعل للفاعل بمعنى وقع العض فيها. وقيل معناه سقط الندم في أنفسهم.\nوَرَأَوْا وعلموا. أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا باتخاذ العجل. قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا بإنزال التوراة. وَيَغْفِرْ لَنا بالتجاوز عن الخطيئة. لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وقرأهما حمزة والكسائي بالتاء ورَبُّنا على النداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٠ الى ١٥١]</span>\nوَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)\nوَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا شديد الغضب وقيل حزينًا. قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي فعلتم بعدي حيث عبدتم العجل، والخطاب للعبدة أو أقمتم مقامي فلم تكفوا العبدة والخطاب لهارون والمؤمنين معه، وما نكرة موصوفة تفسر المستكن في بئس والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم، ومعنى من بعدي من بعد انطلاقي، أو من بعد ما رأيتم مني من التوحيد والتنزيه والحمل عليه والكف عما ينافيه. أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ أتركتموه غير تام، كأنه ضمن عجل معنى سبق فعدى تعديته، أو أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم موتي وغيرتم بعدي كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم. وَأَلْقَى الْأَلْواحَ طرحها من شدة الغضب وفرط الضجر حمية للدين.\nروي: أن التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفع ستة أسباعها وكان فيها تفصيل كل شيء وبقي سبع كان فيه المواعظ والأحكام.\nوَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ بشعر رأسه. يَجُرُّهُ إِلَيْهِ توهمًا بأنه قصر في كفهم، وهارون كان أكبر منه بثلاث سنين وكان حمولًا لينًا ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل. قالَ ابْنَ أُمَّ ذكر الأم ليرققه عليه وكانا من أب وأم. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم هنا وفي «طه» «يا ابن أم» بالكسر وأصله يا ابن أمي فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفًا كالمنادى المضاف إلى الياء، والباقون بالفتح زيادة في التخفيف لطوله أو تشبيهًا بخمسة عشر. إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي إزاحة لتوهم التقصير في حقه، والمعنى بذلت وسعي في كفهم حتى قهروني واستضعفوني وقاربوا قتلي. فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ فلا تفعل بي ما يشمتون بي لأجله. وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ معدودًا في عدادهم بالمؤاخذة أو نسبة التقصير.\nقالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي بما صنعت بأخي. وَلِأَخِي إن فرط في كفهم ضمه إلى نفسه في الاستغفار","vol":"3","page":35},{"text":"ترضية له ودفعًا للشماتة عنه. وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ بمزيد الإِنعام علينا. وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فأنت أرحم بنا منا على أنفسنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٢ الى ١٥٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)\nإِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وهو ما أمرهم به من قتل أنفسهم. وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهي خروجهم من ديارهم. وقيل الجزية. وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ على الله ولا فرية أعظم من فريتهم وهي قولهم هذا إلهكم وإله موسى، ولعله لم يفتر مثلها أحد قبلهم ولا بعدهم.\nوَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ من الكفر والمعاصي. ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها من بعد السيئات. وَآمَنُوا واشتغلوا بالإِيمان وما هو مقتضاه من الأعمال الصالحة. إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد التوبة. لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وإن عظم الذنب كجريمة عبدة العجل، وكثر كجرائم بني إسرائيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٤]</span>\nوَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)\nوَلَمَّا سَكَتَ سكن وقد قرئ به. عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ باعتذار هارون، أو بتوبتهم وفي هذا الكلام مبالغة وبلاغة من حيث أنه جعل الغضب الحامل له على ما فعل كالأمر به والمغري عليه حتى عبر عن سكونه بالسكوت. وقرئ «سَكَتَ» و«أسكت» على أن المسكت هو الله أو أخوه أو الذين تابوا. أَخَذَ الْأَلْواحَ التي ألقاها. وَفِي نُسْخَتِها وفيما نسخ فيها أي كتب، فعلة بمعنى مفعول كالخطبة وقيل فيما نسخ منها أي من الألواح المنكسرة. هُدىً بيان للحق. وَرَحْمَةٌ إرشاد إلى الصلاح والخير. لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ دخلت اللام على المفعول لضعف الفعل بالتأخير، أو حذف المفعول واللام للتعليل والتقدير يرهبون معاصي الله لربهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٥]</span>\nوَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)\nوَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ أي من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل إليه سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ\nروي أنه تعالى أمره أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فاختار من كل سبط ستة فزاد اثنان فقال:\nليتخلف منكم رجلان فتشاجروا فقال: إن لمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع وذهب مع الباقين، فلما دنوا من الجبل غشيه غمام فدخل موسى بهم الغمام وخروا سجدًا، فسمعوه تعالى يكلم موسى يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه وقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فأخذتهم الرجفة\nأي الصاعقة، أو رجفة الجبل فصعقوا منها. قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ تمنى هلاكهم وهلاكه، قبل أن يرى ما رأى أو بسبب آخر، أو عنى به أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم وبإغراقهم في البحر وغيرهما فترحمت عليهم بالانقاذ منها فإن ترحمت عليهم مرة أخرى لم يبعد من عميم إحسانك. أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا من العناد والتجاسر على طلب الرؤية، وكان ذلك قاله بعضهم. وقيل المراد بما فعل السفهاء عبادة العجل، والسبعون اختارهم موسى لميقات التوبة عنها فغشيتهم","vol":"3","page":36},{"text":"هيبة قلقوا منها ورجفوا حتى كادت تبين مفاصلهم، وأشرفوا على الهلاك فخاف عليهم موسى فبكى ودعا فكشفها الله عنهم. إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك حتى طمعوا في الرؤية، أو أوجدت في العجل خوارًا فزاغوا به. تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ ضلاله بالتجاوز عن حده أو باتباع المخايل. وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ هداه فيقوى بها إيمانه. أَنْتَ وَلِيُّنا القائم بأمرنا. فَاغْفِرْ لَنا بمغفرة ما قارفنا. وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٦]</span>\nوَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)\nوَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً حسن معيشة وتوفيق طاعة. وَفِي الْآخِرَةِ الجنة. إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ تبنا إليك من هاد يهود إذا رجع. وقرئ بالكسر من هاد يهيده إذا أماله، ويحتمل أن يكون مبنيًا للفاعل وللمفعول بمعنى أملنا أنفسنا وأملنا إليك، ويجوز أن يكون المضموم أيضًا مبنيًا للمفعول منه على لغة من يقول عود المريض. قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ تعذيبه. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في الدنيا المؤمن والكافر بل المكلف وغيره. فَسَأَكْتُبُها فسأثبتها في الآخرة، أو فسأكتبها كتبة خاصة منكم يا بني إسرائيل.\nلِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الكفر والمعاصي. وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ خصها بالذكر لإنافتها ولأنها كانت أشق عليهم. وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ فلا يكفرون بشيء منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٧]</span>\nالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)\nالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ مبتدأ خبره يأمرهم، أو خبر مبتدأ تقديره هم الذين، أو بدل من الذين يتقون بدل البعض أو الكل، والمراد من آمن منهم بمحمد ﷺ وإنما سماه رسولًا بالإِضافة إلى الله تعالى ونبيًا بالإِضافة إلى العباد. الْأُمِّيَّ الذي لا يكتب ولا يقرأ، وصفه به تنبيهًا على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته. الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ اسمًا وصفة. يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ مما حرم عليهم كالشحوم. وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ كالدم ولحم الخنزير أو كالربا والرشوة. وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ويخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة كتعيين القصاص في العمد والخطأ، وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض موضع النجاسة، وأصل الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه من الحراك لثقله. وقرأ ابن عامر «آصارهم» . فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وعظموه بالتقوية. وقرئ بالتخفيف وأصله المنع ومنه التعزير. وَنَصَرُوهُ لي. وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أي مع نبوته يعني القرآن، وإنما سماه نورًا لأنه بإعجازه ظاهر أمره مظهر غيره، أو لأنه كاشف الحقائق مظهر لها، ويجوز أن يكون معه متعلقًا باتبعوا أي واتبعوا النور المنزل مع اتباع النبي فيكون إشارة إلى اتباع الكتاب والسنة. أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالرحمة الأبدية، ومضمون الآية جواب دعاء موسى ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٨]</span>\nقُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)","vol":"3","page":37},{"text":"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ الخطاب عام، كان رسول الله ﷺ مبعوثًا إلى كافة الثقلين، وسائر الرسل إلى أقوامهم. جَمِيعًا حال من إليكم. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ صفة لله وإن حيل بينهما بما هو متعلق المضاف إليه لأنه كالتقدم عليه، أو مدح منصوب أو مرفوع، أو مبتدأ خبره لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ وهو على الوجوه. الأول بيان لما قبله فإن من ملك العالم كان هو الإِله لا غيره وفي: يُحيِي وَيُمِيتُ مزيد تقرير لاختصاصه بالألوهية. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل من كتبه ووحيه. وقرئ «وكلمته» على إرادة الجنس أو القرآن، أو عيسى تعريضًا لليهود وتنبيهًا على أن من لم يؤمن به لم يعتبر إيمانه، وإنما عدل عن التكلم إلى الغيبة لإجراء هذه الصفات الداعية إلى الإيمان به والاتباع له. وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ جعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين تنبيهًا على أن من صدقه ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو يعد في خطط الضلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٩ الى ١٦٠]</span>\nوَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)\nوَمِنْ قَوْمِ مُوسى يعنى من بني إسرائيل. أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يهدون الناس محقين أو بكلمة الحق.\nوَبِهِ بالحق. يَعْدِلُونَ بينهم في الحكم والمراد بها الثابتون على الإِيمان القائمون بالحق من أهل زمانه، أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة القرآن تنبيهًا على أن تعارض الخير والشر وتزاحم أهل الحق والباطل أمر مستمر. وقيل مؤمنو أهل الكتاب. وقيل قوم وراء الصين رآهم رسول الله ﷺ ليلة المعراج فآمنوا به.\nوَقَطَّعْناهُمُ وصيرناهم قطعًا متميزًا بعضهم عن بعض. اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مفعول ثان لقطع فإنه متضمن معنى صير، أو حال وتأنيثه للحمل على الأمة أو القطعة. أَسْباطًا بدل منه ولذلك جمع، أو تمييز له على أن كل واحدة من اثنتي عشرة أسباط فكأنه قيل: اثنتي عشرة قبيلة. وقرئ بكسر الشين وإسكانها. أُمَمًا على الأول بدل بعد بدل، أو نعت أسباط وعلى الثاني بدل من أسباط. وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ في التيه. أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ أي فضرب فانبجست وحذفه للإِيماء على أن موسى ﷺ لم يتوقف في الامتثال، وأن ضربه لم يكن مؤثرًا يتوقف عليه الفعل في ذاته مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ كل سبط. مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ ليقيهم حر الشمس. وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا أي وقلنا لهم كُلُواْ. مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ سبق تفسيره في سورة «البقرة» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦١ الى ١٦٢]</span>\nوَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)\nوَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ بإضمار اذكر والقرية بيت المقدس. وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا مثل ما في سورة «البقرة» معنى غير أن قوله فَكُلُوا فيها بالفاء أفاد تسبب","vol":"3","page":38},{"text":"سكناهم للأكل منها، ولم يتعرض له ها هنا اكتفاء بذكره ثمة، أو بدلالة الحال عليه وأما تقديم قوله قولوا على وادخلوا فلا أثر له في المعنى لأنه لا يوجب الترتيب وكذا الواو العاطفة بينهما. نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ وعد بالغفران والزيادة عليه بالإثابة، وإنما أخرج الثاني مخرج الاستئناف للدلالة على أنه تفضل محض ليس في مقابلة ما أمروا به. وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب «تغفر» بالتاء والبناء للمفعول، وخَطِيئاتِكُمْ بالجمع والرفع غير ابن عامر فإنه وحد وقرأ أبو عمرو «خطاياكم» .\nفَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ مضى تفسيره فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٣]</span>\nوَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)\nوَسْئَلْهُمْ للتقرير والتقريع بقديم كفرهم وعصيانهم، والإِعلام بما هو من علومهم التي لا تعلم إلا بتعليم أو وحي ليكون لك ذلك معجزة عليهم. عَنِ الْقَرْيَةِ عن خبرها وما وقع بأهلها. الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ قريبة منه وهي أيلة قرية بين مدين والطور على شاطئ البحر، وقيل مدين، وقيل طبرية. إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت، وإِذْ ظرف ل كانَتْ أو حاضِرَةَ أو للمضاف المحذوف أو بدل منه بدل اشتمال. إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ ظرف ل «يَعْدُونَ» أو بدل بعد بدل. وقرئ «يَعْدُونَ» وأصله يعتدون ويعدون من الإِعداد أي يعدون آلات الصيد يوم السبت، وقد نهوا أن يشتغلوا فيه بغير العبادة. يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا يوم تعظيمهم أمر السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة. وقيل اسم لليوم والإِضافة لاختصاصهم بإحكام فيه، ويؤيد الأول إن قرئ يوم إسباتهم، وقوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ\nوقرئ «لاَ يَسْبِتُونَ» من أسبت و«لاَ يَسْبِتُونَ» على البناء للمفعول بمعنى لا يدخلون في السبت، وشُرَّعًا حال من الحيتان ومعناه ظاهرة على وجه الماء من شرع علينا إذا دنا وأشرف. كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم. وقيل كذلك متصل بما قبله أي لا تأتيهم مثل إتيانهم يوم السبت، والباء متعلق ب يَعْدُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٤]</span>\nوَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)\nوَإِذْ قالَتْ عطف على إِذْ يَعْدُونَ. أُمَّةٌ مِنْهُمْ جماعة من أهل القرية يعني صلحاءهم الذين اجتهدوا في موعظتهم حتى أيسوا من اتعاظهم. لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ مخترمهم. أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا في الآخرة لتماديهم في العصيان، قالوه مبالغة في أن الوعظ لا ينفع فيهم، أو سؤالًا عن علة الوعظ ونفعه وكأنه تقاول بينهم أو قول من ارعوى عن الوعظ لمن لم يرعو منهم، وقيل المراد طائفة من الفرقة الهالكة أجابوا به وعاظهم ردًا عليهم وتهكمًا بهم. قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ جواب للسؤال أي موعظتنا إنهاء عذر إلى الله حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر. وقرأ حفص مَعْذِرَةً بالنصب على المصدر أو العلة أي اعتذرنا به معذرة ووعظناهم معذرة. وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ إذ اليأس لا يحصل إلا بالهلاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٥ الى ١٦٦]</span>\nفَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)\nفَلَمَّا نَسُوا تركوا ترك الناسي. مَا ذُكِّرُوا بِهِ ما ذكرهم به صلحاؤهم. أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بالاعتداء ومخالفة أمر الله. بِعَذابٍ بَئِيسٍ شديد فعيل من بؤس يبؤس بؤسًا إذا","vol":"3","page":39},{"text":"اشتد. وقرأ أبو بكر بَئِيسٍ على فيعل كضيغم، وابن عامر «بئس» بكسر الباء وسكون الهمز على أنه بئس كحذر، كما قرئ به فخفف عينه بنقل حركتها إلى الفاء ككبد في كبد، وقرأ نافع «بيس» على قلب الهمزة ياء كما قلبت في ذئب أو على أنه فعل الذم وصف به فجعل اسما، وقرئ «بيس» كريس على قلب الهمزة ثم ادغامها و«بيس» بالتخفيف كهين و«بائس» كفاعل. بِما كانُوا يَفْسُقُونَ بسبب فسقهم.\nفَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ تكبروا عن ترك ما نهوا عنه كقوله تعالى: وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ. قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ كقوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولًا بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك فمسخهم، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرًا وتفصيلًا للأولى.\nروي: أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين كرهوا مساكنتهم، فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق، فأصبحوا يومًا ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين فقالوا: إن لهم شأنًا فدخلوا عليهم فإذا هم قردة فلم يعرفوا أنسباءهم ولكن القردة تعرفهم، فجعلت تأتي أنسباءهم وتشم ثيابهم وتدور باكية حولهم ثم ماتوا بعد ثلاث.\nوعن مجاهد مسخت قلوبهم لا أبدانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٧ الى ١٦٨]</span>\nوَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)\nوَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ أي أعلم تفعل من الإيذان بمعناه كالتوعد والإِيعاد، أو عزم لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه بفعله وأجري مجرى فعل القسم ك عَلِمَ اللَّهُ وشَهِدَ اللَّهُ. ولذلك أجيب بجوابه وهو: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ والمعنى وإذ أوجب ربك على نفسه ليسلطن على اليهود. مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ كالإِذلال وضرب الجزية، بعث الله عليهم بعد سليمان ﵇ بختنصر فخرب ديارهم وقتل مقاتليهم وسبى نساءهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقي منهم، وكانوا يؤدونها إلى المجوس حتى بعث الله محمدا ﷺ ففعل ما فعل ثم ضرب عليهم الجزية فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر. إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ عاقبهم في الدنيا. وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب وآمن.\nوَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا وفرقناهم فيها بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم تتمة لأدبارهم حتى لا يكون لهم شوكة قط وأُمَمًا مفعول ثان أو حال. مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ صفة أو بدل منه وهم الذين آمنوا بالمدينة ونظراؤهم وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ تقديره ومنهم أناس من دون ذلك أي منحطون عن الصلاح، وهم كفرتهم وفسقتهم. وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ بالنعم والنقم. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ينهون فيرجعون عما كانوا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٩ الى ١٧٠]</span>\nفَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)\nفَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ من بعد المذكورين. فَخَلَفَ بدل سوء مصدر نعت به ولذلك يقع على الواحد والجمع. وقيل جمع وهو شائع في الشر والخلف بالفتح في الخير والمراد به الذين كانوا في عصر رسول الله ﷺ وَرِثُوا الْكِتابَ التوراة من أسلافهم يقرءونها ويقفون على ما فيها ... يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى حطام هذا الشيء الأدنى يعني الدنيا، وهو من الدنو أو الدناءة وهو ما كانوا يأخذون من الرشا في","vol":"3","page":40},{"text":"الحكومة وعلى تحريف الكلم، والجملة حال من الواو. وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه، وهو يحتمل العطف والحال والفعل مسند إلى الجار والمجرور، أو مصدر يأخذون. وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ حال من الضمير في لَنا أي: يرجون المغفرة مصرين على الذنب عائدين إلى مثله غير تائبين عنه. أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أي في الكتاب. أَنْ لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ عطف بيان للميثاق، أو متعلق به أي بأن يقولوا والمراد توبيخهم على البت بالمغفرة مع عدم التوبة والدلالة على أنه افتراء على الله وخروج عن ميثاق الكتاب. وَدَرَسُوا مَا فِيهِ عطف على أَلَمْ يُؤْخَذْ من حيث المعنى فإنه تقرير، أو على وَرِثُوا وهو اعتراض. وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ مما يأخذ هؤلاء. أَفَلا يَعْقِلُونَ فيعلموا ذلك ولا يستبدلوا الأدنى الدنيء المؤدي إلى العقاب بالنعيم المخلد، وقرأ نافع وابن عامر وحفص ويعقوب بالتاء على التلوين. وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ عطف على الذين يَتَّقُونَ وقوله: أَفَلا يَعْقِلُونَ اعتراض أو مبتدأ خبره: إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ على تقدير منهم، أو وضع الظاهر موضع المضمر تنبيهًا على أن الإِصلاح كالمانع من التضييع. وقرأ أبو بكر يُمَسِّكُونَ بالتخفيف وإفراد الإِقامة لإِنافتها على سائر أنواع التمسكات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧١]</span>\nوَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)\nوَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ أي قلعناه ورفعناه فوقهم وأصل النتق الجذب. كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ سقيفة وهي كل ما أظلك. وَظَنُّوا وتيقنوا. أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ ساقط عليهم لأن الجبل لا يثبت في الجو ولأنهم كانوا يوعدون به، وإنما أطلق الظن لأنه لم يقع متعلقه وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لثقلها فرفع الله الطور فوقهم.\nوقيل لهم إن قبلتم ما فيها وإلا ليقعن عليكم. خُذُوا على إضمار القول أي وقلنا خذوا أو قائلين خذوا.\nما آتَيْناكُمْ من الكتاب. بِقُوَّةٍ بجد وعزم على تحمل مشاقه، وهو حال من الواو. وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ بالعمل به ولا تتركوه كالمنسي. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٢ الى ١٧٤]</span>\nوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)\nوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنًا بعد قرن، ومِنْ ظُهُورِهِمْ بدل مِنْ بَنِي آدَمَ بدل البعض. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب «ذرياتهم» . وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أي ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الاقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قالُوا بَلى فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل ويدل عليه قوله: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أي كراهة أن تقولوا. إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ لم ننبه عليه بدليل.\nأَوْ تَقُولُوا عطف على أَنْ تَقُولُوا، وقرأ أبو عمرو كليهما بالياء لأن أول الكلام على الغيبة. إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكن من العلم به لا يصلح عذرًا. أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك. وقيل لما خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية كالذر وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق وألهمهم ذلك لحديث رواه عمر رضي الله تعالى عنه، وقد حققت الكلام فيه في شرحي لكتاب «المصابيح»، والمقصود من إيراد هذا الكلام هاهنا الزام","vol":"3","page":41},{"text":"اليهود بمقتضى الميثاق العام بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد وحملهم على النظر والاستدلال كما قال:\nوَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي عن التقليد واتباع الباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٥]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥)\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي على اليهود. نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا هو أحد علماء بني إسرائيل، أو أمية بن أبي الصلت فإنه كان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى مرسل رسولًا في ذلك الزمان، ورجا أن يكون هو فلما بعث محمد ﵇ حسده وكفر به، أو بلعم بن باعوراء من الكنعانيين أوتي علم بعض كتب الله، فَانْسَلَخَ مِنْها من الآيات بأن كفر بها وأعرض عنها. فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ حتى لحقه وقيل استتبعه. فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ فصار من الضالين.\nروي أن قومه سألوه أن يدعو على موسى ومن معه فقال: كيف أدعو على من معه الملائكة، فألحوا حتى دعا عليهم فبقوا في التيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٦ الى ١٧٧]</span>\nوَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)\nوَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ إلى منازل الأبرار من العلماء. بِها بسبب تلك الآيات وملازمتها. وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ مال إلى الدنيا أو إلى السفالة. وَاتَّبَعَ هَواهُ في إيثار الدنيا واسترضاء قومه وأعرض عن مقتضى الآيات، وإنما علق رفعه بمشيئة الله تعالى ثم استدرك عنه بفعل العبد، تنبيهًا على أن المشيئة سبب لفعله الموجب لرفعه وأن عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه، وأن السبب الحقيقي هو المشيئة وأن ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة في حصول المسبب من حيث أن المشيئة تعلقت به كذلك، وكان من حقه أن يقول ولكنه أعرض عنها فأوقع موقعه أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ، مبالغة وتنبيهًا على ما حمله عليه وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. فَمَثَلُهُ فصفته التي هي مثل في الخسة. كَمَثَلِ الْكَلْبِ كصفته في أخس أحواله وهو إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ أي يلهث دائمًا سواء حمل عليه بالزجر والطرد أو ترك ولم يتعرض له، بخلاف سائر الحيوانات لضعف فؤاده. واللهث إدلاع اللسان من التنفس الشديد والشرطية في موضع الحال والمعنى: لاهثًا في الحالتين، والتمثيل واقع موقع لازم التركيب الذي هو نفي الرفع ووضع المنزلة للمبالغة والبيان. وقيل لما دعا على موسى ﷺ خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب. ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ القصة المذكورة على اليهود فإنها نحو قصصهم. لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ تفكرًا يؤدي بهم إلى الاتعاظ.\nساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ أي مثل القوم، وقرئ سَاء مَثَل القوم على حذف المخصوص بالذم. الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم بها. وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ إما أن يكون داخلًا في الصلة معطوفًا على كذبوا بمعنى: الذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم، أو منقطعًا عنها بمعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فإن وباله لا يتخطاها، ولذلك قدم المفعول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٨ الى ١٧٩]</span>\nمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)","vol":"3","page":42},{"text":"مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ تصريح بأن الهدى والضلال من الله، وأن هداية الله تختص ببعض دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء والإِفراد في الأول والجمع في الثاني باعتبار اللفظ، والمعنى تنبيه على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم بخلاف الضالين، والاقتصار في الإِخبار عمن هداه الله بالمهتدي تعظيم لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنه في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم لو لم يحصل له غيره لكفاه وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها.\nوَلَقَدْ ذَرَأْنا خلقنا. لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يعني المصرين على الكفر في علمه تعالى.\nلَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها إذ لا يلقونها إلى معرفة الحق والنظر في دلائله. وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِها أي لا ينظرون إلى مَا خَلَقَ الله نظر اعتبار. وَلَهُمْ آذانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِها الآيات والمواعظ سماع تأمل وتذكر.\nأُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في عدم الفقه والإِبصار للاعتبار والاستماع للتدبر، أو في أن مشاعرهم وقواهم متوجهة إلى أسباب التعيش مقصورة عليها. بَلْ هُمْ أَضَلُّ فإنها تدرك ما يمكن لها أن تدرك من المنافع والمضار، وتجتهد في جلبها ودفعها غاية جهدها، وهم ليسوا كذلك بل أكثرهم يعلم أنه معاند فيقدم على النار. أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الكاملون في الغفلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٠ الى ١٨١]</span>\nوَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)\nوَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى لأنها دالة على معان هي أحسن المعاني، والمراد بها الألفاظ وقيل الصفات.\nفَادْعُوهُ بِها فسموه بتلك الأسماء. وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ واتركوا تسمية الزائغين فيها الذين يسمونه بما لا توقيف فيه، إذ ربما يوهم معنى فاسدًا كقولهم يا أبا المكارم يا أبيض الوجه، أو لا تبالوا بإنكارهم ما سمى به نفسه كقولهم: ما نعرف إلا رحمان اليمامة، أو وذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام واشتقاق أسمائها منها كاللات من «الله»، والعزى من «العزيز» ولا توافقوهم عليه أو أعرضوا عنهم فإن الله مجازيهم كما قال: سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ وقرأ حمزة هنا وفي «فصلت» يُلْحِدُونَ بالفتح يقال:\nلحد وألحد إذا مال عن القصد.\nوَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ذكر ذلك بعد ما بين أنه خلق للنار طائفة ضالين ملحدين عن الحق للدلالة على أنه خلق أيضًا للجنة أمة هادين بالحق عادلين في الأمر، واستدل به على صحة الإِجماع لأن المراد منه أن في كل قرن طائفة بهذه الصفة\nلقوله ﵊ «لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر الله»\n، إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن فائدة فإنه معلوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٢ الى ١٨٤]</span>\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ سنستدنيهم إلى الهلاك قليلًا قليلًا، وأصل الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة. مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ما نريد بهم وذلك أن تتواتر عليهم النعم فيظنوا أنها لطف من الله تعالى بهم، فيزدادوا بطرًا وانهماكًا في الغي حتى يحق عليهم كلمة العذاب.\nوَأُمْلِي لَهُمْ وأمهلهم عطف على سَنَسْتَدْرِجُهُمْ. إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ إن أخذي شديد، وإنما سماه كيدا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان.\nأَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ يعني محمدا ﷺ. مِنْ جِنَّةٍ من جنون.\nروي: أنه ﷺ صعد على","vol":"3","page":43},{"text":"الصفا فدعاهم فخذًا فخذًا يحذرهم بأس الله تعالى فقال قائلهم: إن صاحبكم لمجنون بات يهوت إلى الصباح، فنزلت.\nإِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ موضح انذاره بحيث لا يخفى على ناظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٥ الى ١٨٦]</span>\nأَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)\nأَوَلَمْ يَنْظُرُوا نظر استدلال. فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ مما يقع عليه اسم الشيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها ليدلهم على كمال قدرة صانعها، ووحدة مبدعها وعظم شأن مالكها، ومتولي أمرها ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ عطف على ملكوت وأن مصدرية أو مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن وكذا اسم يكون والمعنى: أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم، قبل مغافصة الموت ونزول العذاب. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ أي بعد القرآن. يُؤْمِنُونَ إذا لم يؤمنوا به، وهو النهاية في البيان كأنه إخبار عنهم بالطبع والتصميم على الكفر بعد إلزام الحجة والارشاد إلى النظر. وقيل هو متعلق بقوله: عسى أن يكون، كأنه قيل لعل أجلهم قد اقترب فما بالهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن، وماذا ينتظرون بعد وضوحه فإن لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا به.\nوقوله: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ كالتقرير والتعليل له. وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ بالرفع على الاستئناف، وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب بالياء لقوله مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ، وحمزة والكسائي به وبالجزم عطفًا على محل فَلا هادِيَ لَهُ، كأنه قيل: لا يهده أحد غيره وَيَذَرُهُمْ. يَعْمَهُونَ حال من هم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٧]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (١٨٧)\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أي عن القيامة، وهي من الأسماء الغالبة وإطلاقها عليها إما لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها، أو لأنها على طولها عند الله كساعة. أَيَّانَ مُرْساها متى إرسَاؤهَا أي إثباتها واستقرارها ورسو الشيء ثباته واستقراره، ومنه رسا الجبل وأرسى السفينة، واشتقاق أَيَّانَ من أي لأن معناه أي وقت، وهو من أويت إليه لأن البعض أو إلى الكل. قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي استأثر به لم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلا. لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها لا يظهر أمرها في وقتها. إِلَّا هُوَ والمعنى أن الخفاء بها مستمر على غيره إلى وقت وقوعها، واللام للتأقيت كاللام في قوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ. ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها، وكأنه إشارة إلى الحكمة في إخفائها. لاَ تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً إلا فجأة على غفلة، كما\nقال ﵊: «إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته في سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه» .\nيَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها عالم بها، فعيل من حفى عن الشيء إذا سأل عنه، فإن من بالغ في السؤال عن الشيء والبحث عنه استحكم علمه فيه، ولذلك عدي بعن. وقيل هي صلة يَسْئَلُونَكَ. وقيل هو من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشًا قالوا له: إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة، والمعنى يسألونك عنها كأنك حفي تتحفى بهم فتخصهم لأجل قرابتهم بتعليم وقتها. وقيل معناه كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه، من حفى بالشيء إذا فرح أي تكثره لأنه من الغيب الذي استأثر الله بعلمه. قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ كرره لتكرير يسألونك لما نيط به من هذه الزيادة وللمبالغة. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أن عِلْمُهَا عِندَ الله لم يؤته أحدًا من خلقه.","vol":"3","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-885>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٨]</span>\nقُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)\nقُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا جلب نفع ولا دفع ضر، وهو إظهار للعبودية والتبري من ادعاء العلم بالغيوب. إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ من ذلك فيلهمني إياه ويوفقني له، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ\nولو كنت أعلمه لخالفت حالي ما هي عليه من استكثار المنافع واجتناب المضار حتى لا يمسني سوء. إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ما أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة. لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فإنهم المنتفعون بهما، ويجوز أن يكون متعلقًا بال بَشِيرٌ ومتعلق ال نَذِيرٌ محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٩]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هو آدم. وَجَعَلَ مِنْها من جسدها من ضلع من أضلاعها، أو من جنسها كقوله: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا. زَوْجَها حواء. لِيَسْكُنَ إِلَيْها ليستأنس بها ويطمئن إليها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه، وإنما ذكر الضمير ذهابًا إلى المعنى ليناسب. فَلَمَّا تَغَشَّاها أي جامعها.\nحَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا خف عليها ولم تلق منه ما تلقى منه الحوامل غالبًا من الأذى، أو محمولًا خفيفًا وهو النطفة. فَمَرَّتْ بِهِ فاستمرت به أي قامت وقعدت، وقرئ «فمرت» بالتخفيف و«فاستمرت به» و«فمارت» من المور وهو المجيء والذهاب، أو من المرية أي فظنت الحمل وارتابت منه. فَلَمَّا أَثْقَلَتْ صارت ذات ثقل بكبر الولد في بطنها. وقرئ على البناء للمفعول أي أثقلها حملها. دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا ولدًا سويًا قد صلح بدنه. لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لك على هذه النعمة المجددة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٠ الى ١٩١]</span>\nفَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)\nفَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.\nأَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ يعني الأصنام. وقيل: لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب وما يدريك من أين يخرج، فخافت من ذلك وذكرته لآدم فهما منه ثم عاد إليها وقال: إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله أن يجعله خلقًا مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحرث، وكان اسمه حارثًا بين الملائكة فتقبلت، فلما ولدت سمياه عبد الحرث.\nوأمثال ذلك لا تليق بالأنبياء ويحتمل أن يكون الخطاب في خَلَقَكُمْ لآل قصي من قريش، فإنهم خلقوا من نفس قصي وكان له زوج من جنسه عربية قرشية وطلبا من الله الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم: عبد مناف، وعبد شمس، وعبد قصي، وعبد الدار. ويكون الضمير في يُشْرِكُونَ لهما ولأعقابهما المقتدين بهما. وقرأ نافع وأبو بكر «شركًا» أي شركة بأن أشركا فيه غيره أو ذوي شرك وهم الشركاء، وهم ضمير الأصنام جيء به على تسميتهم إياها آلهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٢ الى ١٩٣]</span>\nوَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)","vol":"3","page":45},{"text":"وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا أي لعبدتهم. وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ فيدفعون عنها ما يعتريها.\nوَإِنْ تَدْعُوهُمْ أي المشركين. إِلَى الْهُدى إلى الإسلام. لاَ يَتَّبِعُوكُمْ وقرأ نافع بالتخفيف وفتح الباء، وقيل الخطاب للمشركين وهم ضمير الأصنام أي: إن تدعوهم إلى أن يهدوكم لا يتبعوكم إلى مرادكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله. سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ وإنما لم يقل أم صمتم للمبالغة في عدم إفادة الدعاء من حيث إنه مسوى بالثبات على الصمات، أو لأنهم ما كانوا يدعونها لحوائجهم فكأنه قيل:\nسواء عليكم إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمات عن دعائهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-889>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٤ الى ١٩٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥)\nإِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة. عِبادٌ أَمْثالُكُمْ من حيث إنها مملوكة مسخرة. فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنهم آلهة، ويحتمل أنهم لما نحتوها بصور الأناسي قال لهم: إن قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء أمثالكم فلا يستحقون عبادتكم كما لا يستحق بعضكم عبادة بعض، ثم عاد عليه بالنقض فقال: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها وقرئ «إِنَّ الذين» بتخفيف «أَن» ونصب «عِبَادِ» على أنها نافية عملت عمل ما الحجازية ولم يثبت مثله، و«يَبْطِشُونَ» بالضم ها هنا وفي «القصص» و«الدخان» . قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ واستعينوا بهم في عداوتي. ثُمَّ كِيدُونِ فبالغوا فيما تقدرون عليه من مكر، وهي أنتم وشركاؤكم. فَلا تُنْظِرُونِ فلا تمهلون فإني لا أبالي بكم لوثوقي على ولاية الله تعالى وحفظه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٦ الى ١٩٨]</span>\nإِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (١٩٨)\nإِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ القرآن. وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ أي ومن عادته تعالى أن يتولى الصالحين من عباده فضلًا عن أنبيائه.\nوَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ من تمام التعليل لعدم مبالاته بهم.\nوَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوروا بصورة من ينظر إلى من يواجهه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٩ الى ٢٠٠]</span>\nخُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)\nخُذِ الْعَفْوَ أي خذ مَا عفا لك من أفعال الناس وتسهل ولا تطلب ما يشق عليهم، من العفو الذي هو ضد الجهد أو خُذِ الْعَفْوَ عن المذنبين أو الفضل وما يسهل من صدقاتهم، وذلك قبل وجوب الزكاة.\nوَأْمُرْ بِالْعُرْفِ المعروف المستحسن من الأفعال. وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ فلا تمارهم ولا تكافئهم بمثل","vol":"3","page":46},{"text":"أفعالهم، وهذه الآية جامعة لمكارم الأخلاق آمرة للرسول باستجماعها.\nوَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ينخسنك منه نخس أي وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به كاعتراء غضب وفكر، والنزغ والنسغ والنخس الغرز شبه وسوسته للناس إغراء لهم على المعاصي وإزعاجًا بغرز السائق ما يسوقه. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ يسمع استعاذتك. عَلِيمٌ يعلم ما فيه صلاح أمرك فيحملك عليه، أو سَمِيعٌ بأقوال من آذاك عَلِيمٌ بأفعاله فيجازيه عليها مغنيًا إياك عن الانتقام ومشايعة الشيطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠١ الى ٢٠٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)\nإِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ لمة منه، وهو اسم فاعل من طاف يطوف كأنها طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثر فيهم، أو من طاف به الخيال يطيف طيفًا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب «طيف» على أنه مصدر أو تخفيف طيف كلين وهين، والمراد بالشيطان الجنس ولذلك جمع ضميره. تَذَكَّرُوا مَا أَمَرَ الله بِهِ ونهى عنه. فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ بسبب التذكر مواقع الخطأ ومكايد الشيطان فيتحرزون عنها ولا يتبعونه فيها، والآية تأكيد وتقرير لما قبلها وكذا قوله:\nوَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ أي وإخوان الشياطين الذين لم يتقوا بمدهم الشياطين. فِي الغَيِّ بالتزيين والحمل عليه، وقرئ «يمدونهم» من أمد و«يمادونهم» كأنهم يعينونهم بالتسهيل والإغراء وهؤلاء يعينونهم بالاتباع والامتثال. ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ثم لا يمسكون عن اغوائهم حتى يردوهم، ويجوز أن يكون الضمير للإخوان أي لا يكفون عن الغي ولا يقصرون كالمتقين، ويجوز أن يراد بال «الإخوان» الشياطين ويرجع الضمير إلى الْجاهِلِينَ فيكون الخبر جاريًا على ما هو له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠٣ الى ٢٠٤]</span>\nوَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ مَا يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)\nوَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ من القرآن أو مما اقترحوه. قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها هلا جمعتها تقولًا من نفسك كسائر ما تقرؤه أو هلا طلبتها من الله. قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ مَا يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي لست بمختلق للآيات أو لست بمقترح لها. هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ هذا القرآن بصائر للقلوب بها يبصر الحق ويدرك الصواب. وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ سبق تفسيره.\nوَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ نزلت في الصلاة كانوا يتكلمون فيها فأمروا باستماع قراءة الإِمام والإِنصات له. وظاهر اللفظ يقتضي وجوبهما حيث يقرأ القرآن مطلقًا، وعامة العلماء على استحبابهما خارج الصلاة. واحتج به من لا يرى وجوب القراءة على المأموم وهو ضعيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠٥ الى ٢٠٦]</span>\nوَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)\nوَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ عام في الأذكار من القراءة والدعاء وغيرهما، أو أمر للمأموم بالقراءة سرًا بعد فراغ الإمام عن قراءته كما هو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه. تَضَرُّعًا وَخِيفَةً متضرعًا وخائفًا.\nوَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ومتكلمًا كلامًا فوق السر ودون الجهر فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص. بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ بأوقات الغدو والعشيات. وقرئ «والايصال» وهو مصدر آصل إذا دخل في الأصيل وهو مطابق","vol":"3","page":47},{"text":"للغدو. وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ عن ذكر الله.\nإِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني ملائكة الملأ الأعلى. لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وينزهونه. وَلَهُ يَسْجُدُونَ ويخصونه بالعبادة والتذلل لا يشركون به غيره، وهو تعريض بمن عداهم من المكلفين ولذلك شرع السجود لقراءته.\nوعن النبي ﷺ «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي فيقول: يا ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار»\nوعنه ﷺ «من قرأ سورة الأعراف جعل الله يوم القيامة بينه وبين إبليس سترًا وكان آدم شفيعًا له يوم القيامة» .","vol":"3","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-895>(٨) سورة الأنفال</span>\nمدنية وآياتها خمس وسبعون\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>[سورة الأنفال (٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ أي الغنائم يعني حكمها، وإنما سميت الغنيمة نفلًا لأنها عطية من الله وفضل كما سمي به ما يشرطه الإمام لمقتحم خطر عطية له وزيادة على سهمه. قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي أمرها مختص بهما يقسمها الرسول على ما يأمره الله به. وسبب نزوله اختلاف المسلمين في غنائم بدر أنها كيف تقسم ومن يقسم المهاجرون منهم أو الأنصار. وقيل شرط رسول الله ﷺ لمن كان له غناء أن ينفله، فتسارع شبانهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين ثم طلبوا نفلهم. وكان المال قليلًا. فقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا رِدْءًا لكم وفئة تنحازون إلينا، فنزلت فقسمها رسول الله ﷺ بينهم على السواء، ولهذا قيل:\nلا يلزم الإمام أن يفي بما وعد وهو قول الشافعي ﵁،\nوعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير فقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه، فأتيت به رسول الله ﷺ واستوهبته منه فقال: ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض فطرحته، وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي فما جاوزت إلا قليلًا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله ﷺ: سألتني السيف وليس لي وأنه قد صار لي فاذهب فخذه.\nوقرئ «يسألونك الأنفال» بحذف الهمزة والفاء حركتها على اللام وإدغام نون عن فيها، و«يسألونك الأنفال» أي يسألك الشبان ما شرطت لهم. فَاتَّقُوا اللَّهَ في الاختلاف والمشاجرة.\nوَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ الحال التي بينكم بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله وتسليم أمره إلى الله والرسول.\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيه. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإِن الإيمان يقتضي ذلك، أو إن كنتم كاملي الإيمان فإن كمال الإيمان بهذه الثلاثة: طاعة الأوامر، والاتقاء عن المعاصي، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢ الى ٤]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أي الكاملون في الإيمان. الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ فزعت لذكره استعظامًا له وتهيبًا من جلاله. وقيل هو الرجل يهم بمعصية فيقال له اتق الله فينزع عنها خوفًا من عقابه. وقرئ «وَجِلَتْ» بالفتح وهي لغة، وفَرَقَتْ أي خافت. وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا لزيادة المؤمن به، أو لاطمئنان النفس ورسوخ اليقين بتظاهر الأدلة، أو بالعمل بموجبها وهو قول من قال الإِيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية بناء على أن العمل داخل فيه. وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ يفوضون إليه أمورهم ولا يخشون ولا يرجون إلا إياه.","vol":"3","page":49},{"text":"الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.\nأُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل، ومحاسن أفعال الجوارح التي هي العيار عليها من الصلاة والصدقة، وحَقًّا صفة مصدر محذوف أو مصدر مؤكد كقوله: «هو عبد الله حَقّا» . لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ كرامة وعلو منزلة.\nوقيل درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم. وَمَغْفِرَةٌ لما فرط منهم. وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أعد لهم في الجنة لا ينقطع عدده ولا ينتهي أمده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>[سورة الأنفال (٨): آية ٥]</span>\nكَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥)\nكَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه الحال في كراهتهم إياها كحال إخراجك للحرب في كراهتهم له، وهي كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة. أو صفة مصدر الفعل المقدر في قوله: لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي الأنفال ثبتت لله والرسول ﷺ مع كراهتهم ثباتًا مثل ثبات إخراجك ربك من بيتك، يعني المدينة لأنها مهاجرة ومسكنه أو بيته فيها مع كراهتهم. وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ في موقع الحال أي أخرجك في حال كراهتهم، وذلك\nأن عير قريش أقبلت من الشأم وفيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكبًا منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل وعمرو بن هشام، فأخبر جبريل ﵇ رسول الله ﷺ فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقيها لكثرة المال وقلة الرجال، فلما خرجوا بلغ الخبر أهل مكة، فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول، عيركم أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبدًا، وقد رأت قبل ذلك بثلاث عاتكة بنت عبد المطلب أن ملكًا نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ثم حلق بها فلم يبق بيت في مكة إلا أصابه شيء منها، فحدثت بها العباس وبلغ ذلك أبا جهل فقال: ما ترضى رجالهم أن يتنبؤوا حتى تتنبأ نساؤهم، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة ومضى بهم إلى بدر وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسوقهم يومًا في السنة، وكان رسول الله ﷺ بوادي ذفران فنزل عليه جبريل ﵇ بالوعد بإحدى الطائفتين إما العير وإما قريش، فاستشار فيه أصحابه فقال بعضهم: هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له إنما خرجنا للعير، فردد عليهم وقال: أن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فغضب رسول الله ﷺ فقام أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وقالا فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة فقال: أنظر أمرك فامض فيه فو الله لو سرت إلى عدن أبين ما تخلف عنك رجل من الأنصار، ثم قال مقداد بن عمرو: امض لما أمرك الله فأنا معك حيثما أحببت، لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «أشيروا عليَّ أيها الناس» وهو يريد الأنصار لأنهم كانوا عددهم وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم برآء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فتخوف أن لا يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سعد بن معاذ فقال لكأنك تريدنا يا رسول الله فقال: أجل، قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى، فنشطه قوله ثم قال: «سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» .\nوقيل إنه ﵊ لما فرغ من بدر قيل له: عليك بالعير فناداه العباس وهو في وثاقه لا يصلح فقال له «لم» فقال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك، فكره بعضهم قوله.","vol":"3","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-899>[سورة الأنفال (٨): آية ٦]</span>\nيُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)\nيُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ في إيثارك الجهاد بإظهار الحق لإيثارهم تلقي العير عليه. بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ أنهم ينصرون أينما توجهوا بإعلام الرسول ﵊. كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ أي يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم إذ\nروي أنهم كانوا رجالة وما كان فيهم إلا فارسان،\nوفيه إيماء إلى أن مجادلتهم إنما كانت لفرط فزعهم ورعبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)\nوَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ على إضمار اذكر، وإحدى ثاني مفعولي يَعِدُكُمُ وقد أبدل منها.\nأَنَّها لَكُمْ بدل الاشتمال. وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ يعني العير فإنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسًا ولذلك يتمنونها ويكرهون ملاقاة النفير لكثرة عَدَدِهِمْ، وعُدَدِهِمْ والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك. وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ أي يثبته ويعليه. بِكَلِماتِهِ الموحى بها في هذه الحال، أو بأوامره للملائكة بالإمداد، وقرئ «بكلمته» . وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ويستأصلهم، والمعنى: أنكم تريدون أن تصيبوا مالًا ولا تلقوا مكروهًا، والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق وما يحصل لكم فوز الدارين.\nلِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أي فعل ما فعل وليس بتكرير، لأن الأول لبيان المراد وما بينه وبين مرادهم من التفاوت، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول على اختيار ذات الشوكة ونصرة عليها. وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nإِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)\nإِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ بدل من إِذْ يَعِدُكُمُ أو متعلق بقوله لِيُحِقَّ الْحَقَّ، أو على إضمار اذكر، واستغاثتهم أنهم لما علموا أن لا محيص عن القتال أخذوا يقولون: أي رب انصرنا على عدوك أغثنا يا غياث المستغيثين،\nوعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ﵇ نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: «اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» فما زال كذلك حتى سقط رداؤه فقال أبو بكر يا نبي الله: كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.\nفَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بأني ممدكم، فحذف الجار وسلط عليه الفعل وقرأ أبو عمرو بالكسر على إرادة القول أو إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من القول. بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ متبعين المؤمنين أو بعضهم بعضًا من أردفته أنا إذا جئت بعده، أو متبعين بعضهم بعض المؤمنين، أو أنفسهم المؤمنين من أردفته إياه فردفه. وقرأ نافع ويعقوب مُرْدِفِينَ بفتح الدال أي متبعين أو متبعين بمعنى أنهم كانوا مقدمة الجيش أو ساقتهم. وقرئ «مُرْدِفِينَ» بكسر الراء وضمها وأصله مرتدفين بمعنى مترادفين فأدغمت التاء في الدال فالتقى ساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل أو بالضم على الاتباع. وقرئ «بآلاف» ليوافق ما في سورة «آل عمران»، ووجه التوفيق بينه وبين المشهور أن المراد بالألف الذين كانوا على المقدمة أو الساقة، أو وجوههم وأعيانهم، أو من قاتل منهم واختلف في مقاتلتهم وقد روي أخبار تدل عليها.\nوَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي الإمداد إِلَّا بُشْرى إلا بشارة لكم بالنصر. وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ فيزول ما بها","vol":"3","page":51},{"text":"من الوجل لقلتكم وذلتكم. وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وإمداد الملائكة وكثرة العدد والأهب ونحوهما وسائط لا تأثير لها فلا تحسبوا النصر منها ولا تيأسوا منه بفقدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>[سورة الأنفال (٨): آية ١١]</span>\nإِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١)\nإِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ بدل ثان من إِذْ يَعِدُكُمُ لإِظهار نعمة ثالثة أو متعلق بالنصر أو بما في عند الله من معنى الفعل، أو بجعل أو بإضمار اذكر. وقرأ نافع بالتخفيف من أغشيته الشيء إذا غشيته إياه والفاعل على القراءتين هو الله تعالى وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «يغشاكم النعاس» بالرفع. أَمَنَةً مِنْهُ أمنا من الله، وهو مفعول له باعتبار المعنى فإن قوله يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ متضمن معنى تنعسون، و«يغشاكم» بمعناه، وال أَمَنَةً فعل لفاعله ويجوز أن يراد بها الإِيمان فيكون فعل المغشي، وأن تجعل على القراءة الأخيرة فعل النعاس على المجاز لأنها لأصحابه، أو لأنه كان من حقه أن لا يغشاهم لشدة الخوف فلما غشيهم فكأنه حصلت له أمنة من الله لولاها لم يغشهم كقوله:\nبهاب النَّوْمُ أنْ يَغْشَى عُيُونا ... تَهَابُكَ فَهُوَ نَفَّارٌ شَرُودُ\nوقرئ «أمنة» كرحمة وهي لغة. وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاء لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ من الحدث والجنابة.\nوَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ يعني الجنابة لأنها من تخييله، أو وسوسته وتخويفه إياهم من العطش.\nروي أنهم نزلوا في كثيب أغفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء وناموا فاحتلم أكثرهم وقد غلب المشركون على الماء، فوسوس إليهم الشيطان وقال: كيف تنصرون، وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون محدثين مجنبين وتزعمون أنكم أولياء الله، وفيكم رسوله فأشفقوا فأنزل الله المطر، فمطروا ليلًا حتى جرى الوادي واتخذوا الحياض على عدوته وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الوسوسة.\nوَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ بالوثوق على لطف الله بهم. وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ أي بالمطر حتى لا تسوخ في الرمل، أو بالربط على القلوب حتى تثبت في المعركة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>[سورة الأنفال (٨): آية ١٢]</span>\nإِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢)\nإِذْ يُوحِي رَبُّكَ بدل ثالث أو متعلق بيثبت. إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ في إعانتهم وتثبيتهم وهو مفعول يُوحِي. وقرئ بالكسر على إرادة القول أو إجراء الوحي مجراه. فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا بالبشارة أو بتكثير سوادهم، أو بمحاربة أعدائهم فيكون قوله: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ كالتفسير لقوله أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا، وفيه دليل على أنهم قاتلوا ومن منع ذلك جعل الخطاب فيه مع المؤمنين إما على تغيير الخطاب أو على أن قوله: سَأُلْقِي إلى قوله: كُلَّ بَنانٍ تلقين للملائكة ما يثبتون المؤمنين به كأنه قال:\nقولوا لهم قوْلي هذا. فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أعاليها التي هي المذابح أو الرؤوس. وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ أصابع أي جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)\nِكَ\nإشارة إلى الضرب أو الأمر به والخطاب للرسول، أو لكل أحد من المخاطبين قبل. أَنَّهُمْ","vol":"3","page":52},{"text":"شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ\nبسبب مشاقتهم لهما واشتقاقه من الشق لأن كلًا من المتعادين في شق خلاف شق الآخر كالمعاداة من العدوة والمخاصمة من الخصم وهو الجانب. مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ\nتقرير للتعليل أو وعيد بما أعد لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا.\nذلِكُمْ الخطاب فيه مع الكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع أي: الأمر ذلكم أو ذلكم واقع أو نصب يفعل دل عليه. فَذُوقُوهُ أو غيره مثل باشروا أو عليكم فتكون الفاء عاطفة. وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ عطف على ذلكم أو نصب على المفعول معه، والمعنى ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل لكم في الآخرة. ووضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على أن الكفر سبب العذاب الآجل أو الجمع بينهما.\nوقرئ وَأَنْ بالكسر على الاستئناف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا كثيرًا بحيث يرى لكثرتهم كأنهم يزحفون، وهو مصدر زحف الصبي إذا دب على مقعده قليلًا قليلًا، سمي به وجمع على زحوف وانتصابه على الحال. فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ بالانهزام فضلًا أن يكونوا مثلكم أو أقل منكم، والأظهر أنها محكمة مخصوصة بقوله: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ الآية، ويجوز أن ينتصب زحفًا حالًا من الفاعل والمفعول أي: إذا لقيتموهم متزاحفين يدبون إليكم وتدبون إليهم فلا تنهزموا، أو من الفاعل وحده ويكون إشعارًا بما سيكون منهم يوم حنين حين تولوا وهم إِثنا عشر ألفًا.\nوَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ يريد الكر بعد الفر وتغرير العدو، فإنه من مكايد الحرب.\nأَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ أو منحازًا إلى فئة أخرى من المسلمين على القرب ليستعين بهم، ومنهم من لم يعتبر القرب لما\nروى ابن عمر ﵄: أنه كان في سرية بعثهم رسول الله ﷺ ففروا إلى المدينة فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون فقال: «بل أنتم العكارون وأنا فئتكم» .\nوانتصاب متحرفًا ومتحيزًا على الحال وإلا لغو لا عمل لها، أو الاستثناء من المولين أي إلا رجلًا متحرفًا أو متحيزًا، ووزن متحير متفيعل لا متفعل وإلا لكان متحوزًا لأنه من حاز يحوز. فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ هذا إذا لم يزد العدو على الضعف لقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ الآية، وقيل الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرين معه في الحرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nفَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨)\nفَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ بقوتكم. وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ بنصركم وتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب في قلوبهم.\nروي: أنه لما طلعت قريش من العقنقل قال ﵊: هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني فأتاه جبريل ﵇ وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان تناول كفًا من الحصباء فرمى بها في وجوههم وقال «شاهت الوجوه»، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر فيقول الرجل قتلت وأسرت، فنزلت.\nوالفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم ولكن الله","vol":"3","page":53},{"text":"قتلهم. وَما رَمَيْتَ يا محمد رميًا توصله إلى أعينهم ولم تقدر عليه. إِذْ رَمَيْتَ أي إذ أتيت بصورة الرمي. وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أتى بما هو غاية الرمي فأوصلها إلى أعينهم جميعًا حتى انهزموا وتمكنتم من قطع دابرهم، وقد عرفت أن اللفظ يطلق على المسمى وعلى ما هو كماله والمقصود منه. وقيل معناه ما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم. وقيل إنه نزل في طعنة طعن بها أبي بن خلف يوم أحد ولم يخرج منه دم فجعل يخور حتى مات. أو رمية سهم رماه يوم خيبر نحو الحصن فأصاب كنانة بن أبي الحقيق على فراشه، والجمهور على الأول. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وَلكِنَّ بالتخفيف ورفع ما بعده في الموضعين. وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ومشاهدة الآيات فعل ما فعل. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لاستغاثتهم ودعائهم. عَلِيمٌ بنياتهم وأحوالهم.\nذلِكُمْ إشارة إلى البلاء الحسن، أو القتل أو الرمي، ومحله الرفع أي المقصود أو الأمر ذلكم وقوله:\nوَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ معطوف عليه أي المقصود إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم.\nوقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو مُوهِنُ بالتشديد، وحفص مُوهِنُ كَيْدِ بالإِضافة والتخفيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>[سورة الأنفال (٨): آية ١٩]</span>\nإِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)\nإِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم، وذلك أنهم حين أرادوا الخروج تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين. وَإِنْ تَنْتَهُوا عن الكفر ومعاداة الرسول فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لتضمنه سلامة الدارين وخير المنزلين. وَإِنْ تَعُودُوا لمحاربته.\nنَعُدْ لنصرته عليكم. وَلَنْ تُغْنِيَ ولن تدفع. عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ جماعتكم. شَيْئًا من الإغناء أو المضار.\nوَلَوْ كَثُرَتْ فئتكم. وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ بالنصر والمعونة. وقرأ نافع وابن عامر وحفص وَإِنْ بالفتح على تقدير ولأن الله مع المؤمنين كان ذلك. وقيل الآية خطاب للمؤمنين والمعنى: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن التكاسل في القتال والرغبة عما يستأثره الرسول فهو خير لكم وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار أو تهييج العدو، ولن تغني حينئذ كثرتكم إذا لم يكن الله معكم بالنصر فإنه مع الكاملين في إيمانهم ويؤيد ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ أي ولا تتولوا عن الرسول، فإن المراد من الآية الأمر بطاعته والنهي عن الإِعراض عنه، وذكر طاعة الله للتوطئة والتنبيه على أن طاعة الله في طاعة الرسول لقوله تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وقيل الضمير للجهاد أو للأمر الذي دل عليه الطاعة. وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ القرآن والمواعظ سماع فهم وتصديق.\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا كالكفرة والمنافقين الذين ادعوا السماع. وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ سماعًا ينتفعون به فكأنهم لا يسمعون رأسا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)","vol":"3","page":54},{"text":"إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ شر ما يدب على الأرض، أو شر البهائم. الصُّمُّ عن الحق. الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ إياه، عدهم من البهائم ثم جعلهم شرها لإِبطالهم ما ميزوا به وفضلوا لأجله.\nوَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا سعادة كتبت لهم أو انتفاعًا بالآيات. لَأَسْمَعَهُمْ سماع تفهم. وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ وقد علم أن لا خير فيهم. لَتَوَلَّوْا ولم ينتفعوا به، أو ارتدوا بعد التصديق والقبول. وَهُمْ مُعْرِضُونَ لعنادهم. وقيل كانوا يقولون للنبي ﷺ: أحي لنا قصيًا فإنه كان شيخًا مباركًا حتى يشهد لك ونؤمن بك. والمعنى لأسمعهم كلام قصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ بالطاعة. إِذا دَعاكُمْ وحد الضمير فيه لما سبق ولأن دعوة الله تسمع من الرسول.\nوروي أنه ﵊ مر على أبي وهو يصلي فدعاه فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك عن إجابتي قال: كنت أصلي، قال: «ألم تخبر فيما أوحي إلي»\nاسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ. واختلف فيه فقيل هذا لأن إجابته لا تقطع الصلاة فإن الصلاة أيضًا إجابة. وقيل لأن دعاءه كان لأمر لا يحتمل التأخير وللمصلي أن يقطع الصلاة لمثله وظاهر الحديث يناسب الأول. لِما يُحْيِيكُمْ من العلوم الدينية فإنها حياة القلب والجهل موته. قال:\nلاَ تعْجَبَنَّ الجَهُولَ حِلَّته ... فَذَاكَ مَيتٌ وَثَوْبُهُ كَفَن\nأو مما يورثكم الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد والأعمال، أو من الجهاد فإنه سبب بقائكم إذ لو تركوه لغلبهم العدو وقتلهم، أو الشهادة لقوله تعالى: بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب مما عسى يغفل عنه صاحبها، أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت أو غيره، أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه فيفسخ عزائمه ويغير مقاصده ويحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته، وبينه وبين الإِيمان إن قضى شقاوته. وقرئ بين المرّ بالتشديد على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الراء وإجراء الوصل الوقف على لغة من يشدد فيه. وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فيجازيكم بأعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٥]</span>\nوَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥)\nوَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً اتقوا ذنبًا يعمكم أثره كإقرار المنكر بين أظهركم والمداهنة في الأمر بالمعروف وافتراق الكلمة وظهور البدع والتكاسل في الجهاد على أن قوله لا تصيبن إما جواب الأمر على معنى أن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة بل تعمكم، وفيه أن جواب الشرط متردد فلا يليق به النون المؤكدة لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه كقوله تعالى: ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ وأما صفة ل فِتْنَةً، ولا للنفي وفيه شذوذ لأن النون لا تدخل المنفي في غير القسم، أو لنهي على إرادة القول كقوله:\nحتى إذا جن الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط\nوَإما جواب قسم محذوف كقراءة من قرأ لتصيبن وإن اختلفا في المعنى، ويحتمل أن يكون نهيًا بعد الأمر باتقاء الذنب عن التعرض للظلم فإن وباله يصيب الظالم خاصة ويعود عليه، ومن في منكم على الوجوه","vol":"3","page":55},{"text":"الأول للتبعيض وعلى الأخيرين للتبيين وفائدته التنبيه على أن الظلم منكم أقبح من غيركم. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٦]</span>\nوَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)\nوَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ أرض مكة يستضعفكم قريش، والخطاب للمهاجرين.\nوقيل للعرب كافة فإنهم كانوا أذلاء في أيدي فارس والروم. تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ كفار قريش أو من عداهم فإنهم كانوا جميعًا معادين لهم مضادين لهم. فَآواكُمْ إلى المدينة، أو جعل لكم مأوى تتحصنون به عن أعاديكم. وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ على الكفار أو بمظاهرة الأنصار، أو بإمداد الملائكة يوم بدر. وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من الغنائم. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ هذه النعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ بتعطيل الفرائض والسنن، أو بأن تضمروا خلاف ما تظهرون، أو بالغلول في المغانم.\nوروي: (أنه ﵊ حاصر بني قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوه الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحاء بأرض الشام، فأبى إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحًا لهم لأن عياله وماله في أيديهم، فبعثه إليهم فقالوا ما ترى هل ننزل على حكم سعد بن معاذ، فأشار إلى حلقه أنه الذبح، قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، فنزلت. فشد نفسه على سارية في المسجد وقال: والله لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشيًا عليه، ثم تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك فحل نفسك فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني، فجاءه فحله بيده فقال إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي فقال ﵊ يجزيك الثلث أن تتصدق به) .\nوأصل الخون النقص كما أن أصل الوفاء التمام، واستعماله في ضد الأمانة لتضمنه إياه. وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ فيما بينكم وهو مجزوم بالعطف على الأول أو منصوب على الجواب بالواو. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنكم تخونون، أو وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح.\nوَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ\nلأنهم سبب الوقوع في الإِثم أو العقاب، أو محنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم فلا يحملنكم حبهم على الخيانة كأبي لبابة. وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ\nلمن آثر رضا الله عليهم وراعى حدوده فيهم، فأنيطوا هممكم بما يؤديكم إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>[سورة الأنفال (٨): آية ٢٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل أو نصرًا يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين، أو مخرجًا من الشبهات، أو نجاة عما تحذرون في الدارين، أو ظهورًا يشهر أمركم ويبث صيتكم من قولهم بت أفعل كذا حتى سطع الفرقان أي","vol":"3","page":56},{"text":"الصبح. وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ويسترها. وَيَغْفِرْ لَكُمْ بالتجاوز والعفو عنكم. وقيل السيئات الصغائر والذنوب الكبائر. وقيل المراد ما تقدم وما تأخر لأنها في أهل بدر وقد غفرهما الله تعالى لهم. وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه وإحسان، وأنه ليس مما يوجب تقواهم عليه كالسيد إذا وعد عبده إنعامًا على عمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٠]</span>\nوَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)\nوَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا تذكار لما مكر قريش به حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في خلاصه. من مكرهم واستيلائه عليهم، والمعنى واذكر إذ يمكرون بك. لِيُثْبِتُوكَ بالوثاق أو الحبس، أو الإِثخان بالجرح من قولهم ضربه حتى أثبته لا حراك به ولا براح، وقرئ لِيُثْبِتُوكَ بالتشديد و«ليبيتوك» من البيات و«ليقيدوك» . أَوْ يَقْتُلُوكَ بسيوفهم. أَوْ يُخْرِجُوكَ من مكة، وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار ومبايعتهم فرقوا واجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا من نجد سمعت اجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيًا ونصحًا فقال أبو البحتري: رأيي أن تحبسوه في بيت وتسدوا منافذه غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها حتى يموت، فقال الشيخ بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم، فقال هشام بن عمرو رأيي أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم فلا يضركم ما صنع، فقال بئس الرأي يفسد قومًا غيركم ويقاتلكم بهم، فقال أبو جهل أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلامًا وتعطوه سيفًا صارمًا فيضربوه ضربة واحدة فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه. فقال صدق هذا الفتى فتفرقوا على رأيه، فأتى جبريل النبي ﵉ وأخبره الخبر وأمره بالهجرة، فبيت عليًا رضي الله تعالى عنه في مضجعه وخرج مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلى الغار. وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ برد مكرهم عليهم، أو بمجازاتهم عليه، أو بمعاملة الماكرين معهم بأن أخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقتلوا. وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره، وإسناد أمثال هذا مما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢)\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا هو قول النضر بن الحرث، وإسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم فإنه كان قاصهم، أو قول الذين ائتمروا في أمره ﵇ وهذا غاية مكابرتهم وفرط عنادهم، إذ لو استطاعوا ذلك فما منعهم أن يشاءوا وقد تحداهم وقرعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف فلم يعارضوا سورة مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا خصوصًا في باب البيان.\nإِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ما سطره الأولون من القصص.\nوَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ هذا أيضًا من كلام ذلك القائل أبلغ في الجحود.\nروي أنه لما قال النضر إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين قال له النبي ﷺ: «ويلك إنه كلام الله» فقال ذلك.\nوالمعنى إن كان هذا القرآن حقًا منزلًا فأمطر الحجارة علينا عقوبة على","vol":"3","page":57},{"text":"إنكاره، أو ائتنا بعذاب أليم سواه، والمراد منه التهكم وإظهار اليقين والجزم التام على كونه باطلًا. وقرئ «الحق» بالرفع على أن هُوَ مبتدأ غير فصل، وفائدة التعريف فيه الدلالة على أن المعلق به كونه حقًا بالوجه الذي يدعيه النبي ﷺ وهو تنزيله لا الحق مطلقًا لتجويزهم أن يكون مطابقًا للواقع غير منزل كأساطير الأولين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٣٤)\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ بيان لما كان الموجب لإِمهالهم والتوقف في إجابة دعائهم، واللام لتأكيد النفي والدلالة على أن تعذيبهم عذاب استئصال والنبي ﷺ بين أظهرهم خارج عن عادته غير مستقيم في قضائه، والمراد باستغفارهم إما استغفار من بقي فيهم من المؤمنين، أو قولهم اللهم غفرانك، أو فرضه على معنى لو استغفروا لم يعذبوا كقوله: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ.\nوَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وما لهم مما يمنع تعذيبهم متى زال ذلك وكيف لا يعذبون. وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وحالهم ذلك ومن صدهم عنه إلجاء رسول الله ﷺ والمؤمنين إلى الهجرة وإحصارهم عام الحديبية. وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ مستحقين ولاية أمره مع شركهم، وهو رد لما كانوا يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء. إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ من الشرك الذين لا يعبدون فيه غيره، وقيل الضميران لِلَّهِ. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أن لا ولاية لهم عليه كأنه نبه بالأكثر أن منهم من يعلم ويعاند، أو أراد به الكل كما يراد بالقلة العدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٥]</span>\nوَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)\nوَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ أي دعاؤهم أو ما يسمونه صلاة، أو ما يضعون موضعها. إِلَّا مُكاءً صفيرًا فعال من مكا يمكو إذا صفر. وقرئ بالقصر كالبكا. وَتَصْدِيَةً تصفيقًا تفعله من الصدا، أو من الصد على إبدال أحد حرفي التضعيف بالياء. وقرئ «صَلاَتِهِمْ» بالنصب على أنه الخبر المقدم، ومساق الكلام لتقرير استحقاقهم العذاب أو عدم ولايتهم للمسجد فإنها لا تليق بمن هذه صلاته.\nروي: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون.\nوقيل: كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبي ﷺ أن يصلي يخلطون عليه ويرون أنهم يصلون أيضًا. فَذُوقُوا الْعَذابَ يعني القتل والأسر يوم بدر، وقيل عذاب الآخرة واللام يحتمل أن تكون للعهد والمعهود: ائْتِنا بِعَذابٍ. بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ اعتقادا وعملا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>[سورة الأنفال (٨): آية ٣٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلًا من قريش يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر، أو في أبي سفيان استأجر ليوم أحد ألفين من العرب سوى من استجاش من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية. أو في أصحاب العير فإنه لما أصيب قريش","vol":"3","page":58},{"text":"ببدر قيل لهم أعينوا بهذا المال على حرب محمد لعلنا ندرك منه ثأرنا ففعلوا، والمراد ب سَبِيلِ اللَّهِ دينه واتباع رسوله. فَسَيُنْفِقُونَها بتمامها ولعل الأول إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال وهو إنفاق بدر، والثاني إخبار عن إنفاقهم فيما يستقبل وهو إنفاق أحد، ويحتمل أن يراد بهما واحد على أن مساق الأول لبيان غرض الإِنفاق ومساق الثاني لبيان عاقبته وإنه لم يقع بعد. ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ندمًا وغمًا لفواتها من غير مقصود جعل ذاتها تصير حسرة وهي عاقبة إنفاقها مبالغة. ثُمَّ يُغْلَبُونَ آخر الأمر وإن كان الحرب بينهم سجالًا قبل ذلك. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي الذين ثبتوا على الكفر منهم إذا أسلم بعضهم. إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ يساقون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nلِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)\nلِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ الكافر من المؤمن، أو الفساد من الصلاح. واللام متعلقة ب يُحْشَرُونَ أو يُغْلَبُونَ أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول الله ﷺ مما أنفقه المسلمون في نصرته، واللام متعلقة بقوله ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب لِيَمِيزَ من التمييز وهو أبلغ من الميز. وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض حتى يتراكبوا لفرط ازدحامهم، أو يضم إلى الكافر ما أنفقه ليزيد به عذابه كمال الكانزين. فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ كله. أُولئِكَ إشارة إلى الخبيث لأنه مقدر بالفريق الخبيث أو إلى المنفقين. هُمُ الْخاسِرُونَ الكاملون في الخسران لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم.\nقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني أبا سفيان وأصحابه والمعنى قل لأجلهم. إِنْ يَنْتَهُوا عن معاداة الرسول ﷺ بالدخول في الإسلام. يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ من ذنوبهم، وقرئ بالتاء والكاف على أنه خاطبهم و«يَغْفِرُ» على البناء للفاعل وهو الله تعالى. وَإِنْ يَعُودُوا إلى قتاله. فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ الذين تحزبوا على الأنبياء بالتدمير كما جرى على أهل بدر فليتوقعوا مثل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nوَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)\nوَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ لا يوجد فيهم شرك. وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وتضمحل عنهم الأديان الباطلة. فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر. فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيهم على انتهائهم عنه وإسلامهم. وعن يعقوب «تعملون» بالتاء على معنى فإن الله بِمَا تَعْمَلُونَ من الجهاد والدعوة إلى الإِسلام والإِخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإِيمان بصير، فيجازيكم ويكون تعليقه بانتهائهم دلالة على أنه كما يستدعي إثابتهم للمباشرة يستدعي إثابة مقاتليهم للتسبب.\nوَإِنْ تَوَلَّوْا ولم ينتهوا. فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ناصركم فثقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم. نِعْمَ الْمَوْلى لا يضيع من تولاه. وَنِعْمَ النَّصِيرُ لا يغلب من نصره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>[سورة الأنفال (٨): آية ٤١]</span>\nوَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)","vol":"3","page":59},{"text":"وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ أي الذي أخذتموه من الكفار قهرًا. مِنْ شَيْءٍ مما يقع عليه اسم الشيء حتى الخيط. فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ مبتدأ خبره محذوف أي: فثابت أن لله خمسه. وقرئ «فإن» بالكسر والجمهور على أن ذكر الله للتعظيم كما في قوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ. وأن المراد قسم الخمس على الخمسة المعطوفين وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فكأنه قال: فأن لله خمسه يصرف إلى هؤلاء الأخصين به. وحكمه بعده، باق غير أن سهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كما فعله الشيخان رضي الله تعالى عنهما. وقيل إلى الإمام. وقيل إلى الأصناف الأربعة. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه سقط سهمه وسهم ذوي القربى بوفاته وصار الكل مصروفًا إلى الثلاثة الباقية. وعن مالك رضي الله تعالى عنه الأمر فيه مفوض إلى رأي الإمام يصرفه إلى ما يراه أهم، وذهب أبو العالية إلى ظاهر الآية فقال يقسم ستة أقسام ويصرف سهم الله إلى الكعبة لما\nروي (أنه ﵊ كان يأخذ قبضة منه فيجعلها للكعبة ثم يقسم ما بقي على خمسة) .\nوقيل سهم الله لبيت المال. وقيل هو مضموم إلى سهم الرسول ﷺ. وذوو القربى: بنو هاشم، وبنو المطلب. لما\nروي أنه ﵊ قسم سهم ذوي القربى عليهما فقال له عثمان وجبير بن مطعم ﵄: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة، فقال ﵊: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام وشبك بين أصابعه» .\nوقيل بنو هاشم وحدهم. وقيل جميع قريش الغني والفقير فيه سواء. وقيل هو مخصوص بفقرائهم كسهم بن السبيل. وقيل الخمس كله لهم والمراد باليتامى والمساكين وابن السبيل من كان منهم والعطف للتخصيص. والآية نزلت ببدر. وقيل الخمس كان في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرًا من الهجرة. إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ متعلق بمحذوف دل عليه وَاعْلَمُوا أي:\nإن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم واقتنعوا بالأخماس الأربعة الباقية، فإن العلم العملي إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرد لأنه مقصود بالعرض والمقصود بالذات هو العمل. وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا محمد ﷺ من الآيات والملائكة والنصر. وقرئ عَبْدَنَا بضمتين أي الرسول ﷺ والمؤمنين. يَوْمَ الْفُرْقانِ يوم بدر فإنه فرق فيه بين الحق والباطل. يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ المسلمون والكافرون. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على نصر القليل على الكثير والإِمداد بالملائكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٢]</span>\nإِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)\nإِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا بدل من يَوْمَ الْفُرْقانِ، والعدوة بالحركات الثلاث شط الوادي وقد قرئ بها، والمشهور الضم والكسر وهو قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب. وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى البعدى من المدينة، تأنيث الأقصى وكان قياسه قلب الواو ياء كالدنيا والعليا تفرقة بين الإسم والصفة فجاء على الأصل كالقود وهو أكثر استعمالًا من القصيا. وَالرَّكْبُ أي العير أو قوادها. أَسْفَلَ مِنْكُمْ في مكان أسفل من مكانكم يعني الساحل، وهو منصوب على الظرف واقع موقع الخبر والجملة حال من الظرف قبله، وفائدتها الدلالة على قوة العدو واستظهارهم بالركب وحرصهم على المقاتلة عنها وتوطين نفوسهم على أن لا يخلوا مراكزهم ويبذلوا منتهى جهدهم، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم واستبعاد غلبتهم عادة، وكذا ذكر","vol":"3","page":60},{"text":"مراكز الفريقين فإن العدوة الدنيا كانت رخوة تسوخ فيها الأرجل ولا يمشي فيها إلا بتعب ولم يكن بها ماء، بخلاف العدوة القصوى وكذا قوله: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ أي لو تواعدتم أنتم وهم القتال ثم علمتم حالكم وحالهم لاختلفتم أنتم في الميعاد هيبة منهم، ويأسًا من الظفر عليهم ليتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح ليس إلا صنعًا من الله تعالى خارقًا للعادة فيزدادوا إيمانًا وشكرًا. وَلكِنْ جمع بينكم على هذه الحال من غير ميعاد. لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا حقيقًا بأن يفعل وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه.\nوقوله: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ بدل منه أو متعلق بقوله مفعولًا والمعنى:\nليموت من يموت عن بينة عاينها ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها لئلا يكون له حجة ومعذرة، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة. أو ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة على استعارة الهلاك والحياة للكفر والإِسلام، والمراد بمن هلك ومن حي المشارف للهلاك والحياة، أو من هذا حالة في علم الله وقضائه.\nوقرئ «ليَهْلَكَ» بالفتح وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر ويعقوب من حيي بفك الإِدغام للحمل على المستقبل. وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ بكفر من كفر وعقابه، وإيمان من آمن وثوابه، ولعل الجمع بين الوصفين لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nإِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)\nإِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا مقدر باذكر أو بدل ثان من يوم الفرقان، أو متعلق بعليم أي يعلم المصالح إذ بقللهم في عينك في رؤياك وهو أن تخبر به أصحابك فيكون تثبيتًا لهم وتشجيعًا على عدوهم.\nوَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ لجبنتم. وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ في أمر القتال وتفرقت آراؤكم بين الثبات والفرار.\nوَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعلم ما سيكون فيها وما يغير أحوالها.\nوَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا الضميران مفعولا يرى وقَلِيلًا حال من الثاني، وإنما قللهم في أعين المسلمين حتى قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لمن إلى جنبه أتراهم سبعين فقال أراهم مائة، تثبيتًا لهم وتصديقًا لرؤيا الرسول ﷺ.\nوَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ حتى قال أبو جهل: إن محمدًا وأصحابه أكلة جزور، وقللهم في أعينهم قبل التحام القتال ليجترؤوا عليهم ولا يستعدوا لهم، ثم كثرهم حتى يرونهم مثليهم لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم، وهذا من عظائم آيات تلك الوقعة فإن البصر وإن كان قد يرى الكثير قليلًا والقليل كثيرًا لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد، وإنما يتصور ذلك بصد الله الأبصار عن إبصار بعض دون بعض مع التساوي في الشروط.\nلِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا كرره لاختلاف الفعل المعلل به، أو لأن المراد بالأمر ثمة الاكتفاء على الوجه المحكي وها هنا إعزاز الإِسلام وأهله وإذلال الإشراك وحزبه. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)","vol":"3","page":61},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً حاربتم جماعة ولم يصفها لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار، واللقاء مما غلب في القتال. فَاثْبُتُوا للقائهم. وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا في مواطن الحرب داعين له مستظهرين بذكره مترقبين لنصره. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة، وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر الله، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد ويقبل عليه بشراشره فارغ البال واثقًا بأن لطفه لا ينفك عنه في شيء من الأحوال.\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا باختلاف الآراء كما فعلتم ببدر أو أحد. فَتَفْشَلُوا جواب النهي.\nوقيل عطف عليه ولذلك قرئ: «وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ» بالجزم، والريح مستعارة للدولة من حيث إنها في تمشي أمرها ونفاذه مشبهة بها في هبوبها ونفوذها. وقيل المراد بها الحقيقة فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثها الله\nوفي الحديث «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» .\nوَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بالكلاءة والنصرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٧]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني أهل مكة حين خرجوا منها لحماية العير. بَطَرًا فخرًا وأشرًا. وَرِئاءَ النَّاسِ ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة، وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة وافاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم فقال أبو جهل: لا والله حتى نقدم بدرًا ونشرب فيها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب، فوافوها ولكن سقوا كأس المنايا وناحت عليهم النوائح، فنهى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم بطرين مرائين، وأمرهم بأن يكونوا أهل تقوى وإخلاص من حيث إن النهي عن الشيء أمر بضده. وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ معطوف على بطرًا إن جعل مصدرًا في موضع الحال وكذا إن جعل مفعولًا له لكن على تأويل المصدر. وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ فيجازيكم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٨]</span>\nوَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨)\nوَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مقدر باذكر. أَعْمالَهُمْ في معاداة الرسول ﷺ وغيرها بأن وسوس إليهم.\nوَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ مقالة نفسانية والمعنى: أنه ألقى في روعهم وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون لكثرة عددهم وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات مجير لهم حتى قالوا: اللهم انصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين، ولكم خبر لا غالب أو صفته وليس صلته وإلا لانتصب كقولك: لا ضاربًا زيدًا عندنا. فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ أي تلاقى الفريقان. نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ رجع القهقرى أي بطل كيده وعاد ما خيل إليهم أنه مجيرهم سبب هلاكهم. وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ أي تبرأ منهم وخاف عليهم وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة، وقيل: لما اجتمعت قريش على المسير ذكرت ما بينهم وبين كنانة من الإِحنة وكاد ذلك يثنيهم،. فتمثل لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك الكناني وقال لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم وإني مجيركم من بني كنانة، فلما رأى الملائكة تنزل نكص وكان يده في يد الحرث بن هشام فقال له: إلى أين أتخذلنا في هذه الحالة فقال إني أرى ما لا ترون، ودفع في صدر الحارث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا هزم الناس سراقة فبلغه ذلك فقال: والله ما","vol":"3","page":62},{"text":"شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه الشيطان. وعلى هذا يحتمل أن يكون معنى قوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ إني أخافه أن يصيبني مكروه من الملائكة أو يهلكني ويكون الوقت هو الوقت الموعود إذ رأى فيه ما لم ير قبله، والأول ما قاله الحسن واختاره ابن بحر. وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ يجوز أن يكون من كلامه وأن يكون مستأنفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>[سورة الأنفال (٨): آية ٤٩]</span>\nإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)\nإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والذين لم يطمئنوا إلى الإِيمان بعد وبقي في قلوبهم شبهة. وقيل هم المشركون. وقيل المنافقون والعطف لتغاير الوصفين. غَرَّ هؤُلاءِ يعنون المؤمنين.\nدِينُهُمْ حتى تعرضوا لما لا يدي لهم به فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ جواب لهم. فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب لا يذل من استجار به وإن قل حَكِيمٌ يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل ويعجز عن إدراكه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)\nوَلَوْ تَرى ولو رأيت فإن لو تجعل المضارع ماضيًا عكس إن. إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ ببدر، وإذ ظرف ترى والمفعول محذوف أي ولو ترى الكفرة أو حالهم حينئذ، والملائكة فاعل يتوفى ويدل عليه قراءة ابن عامر بالتاء ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الله ﷿ وهو مبتدأ خبره يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ والجملة حال من الذين كفروا، واستغني فيه بالضمير عن الواو وهو على الأول حال منهم أو من الملائكة أو منهما لاشتماله على الضميرين. وَأَدْبارَهُمْ ظهورهم أو أستاههم، ولعل المراد تعميم الضرب أي يضربون ما أقبل منهم وما أدبر. وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ عطف على يضربون بإضمار القول أي ويقولون ذوقوا بشارة لهم بعذاب الآخرة. وقيل كانت معهم مقامع من حديد كلما ضربوا التهبت النار منها، وجواب لَوْ محذوف لتقطيع الأمر وتهويله.\nذلِكَ الضرب والعذاب. بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ بسبب ما كسبت من الكفر والمعاصي وهو خبر لذلك. وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ عطف على «ما» للدلالة على أن سببيته مقيدة بانضمامه إليه إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم لا أن لا يعذبهم بذنوبهم. فإن ترك التعذيب من مستحقه ليس بظلم شرعًا ولا عقلًا حتى ينتهض نفي الظلم سببًا للتعذيب وظلام التكثير لأجل العبيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٢ الى ٥٤]</span>\nكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)\nكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون وهو عملهم وطريقهم الذي دأبوا فيه أي داموا عليه. وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من قبل آل فرعون. كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تفسير لدأبهم. فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ كما أخذ هؤلاء. إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ لا يغلبه في دفعه شيء.","vol":"3","page":63},{"text":"ذلِكَ إشارة إلى ما حل بهم. بِأَنَّ اللَّهَ بسبب أن الله. لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ مبدلًا إياها بالنقمة. حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ يبدلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوأ، كتغيير قريش حالهم في صلة الرحم والكف عن تعرض الآيات والرسل بمعاداة الرسول ﵇ ومن تبعه منهم، والسعي في إراقة دمائهم والتكذيب بالآيات والاستهزاء بها إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد المبعث، وليس السبب عدم تغيير الله ما أنعم عليهم حتى يغيروا حالهم بل ما هو المفهوم له وهو جري عادته على تغييره متى يغيروا حالهم، وأصل يك يكون فحذفت الحركة للجزم ثم الواو لالتقاء الساكنين ثم النون لشبهه بالحروف اللينة تخفيفًا.\nوَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقولون. عَلِيمٌ بما يفعلون.\nكَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ تكرير للتأكيد ولما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله: بِآياتِ رَبِّهِمْ وبيان ما أخذ به آل فرعون. وقيل الأول لتشبيه الكفر والأخذ به والثاني لتشبيه التغيير في النعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم. وَكُلٌّ من الفرق المكذبة، أو من غرقى القبط وقتلى قريش. كانُوا ظالِمِينَ أنفسهم بالكفر والمعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦)\nإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا أصروا على الكفر ورسخوا فيه. فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ فلا يتوقع منهم إيمان، ولعله إخبار عن قوم مطبوعين على الكفر بأنهم لا يؤمنون، والفاء للعطف والتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقق المعطوف، وقوله: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بدل من الذين كفروا بدل البعض للبيان والتخصيص، وهم يهود قريظة عاهدهم رسول الله ﷺ أن لا يمالئوا عليه فأعانوا المشركين بالسلاح وقالوا: نسينا ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم. ومن لتضمين المعاهدة معنى الأخذ والمراد بالمرة مرة المعاهدة أو المحاربة.\nوَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ سبة الغدر ومغبته، أو لا يتقون الله فيه أو نصره للمؤمنين وتسليطه إياهم عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nفَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨)\nفَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فإما تصادفنهم وتظفرن بهم، فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ ففرق عن مناصبتك ونكل عنها بقتلهم والنكاية فيهم مَنْ خَلْفَهُمْ من وراءهم من الكفرة والتشريد تفريق على اضطراب. وقرئ «فشرذ» بالذال المعجمة وكأنه مقلوب شذر ومَنْ خَلْفَهُمْ، والمعنى واحد فإنه إذا شرد من وراءهم فقد فعل التشريد في الوراء. لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ لعل المشردين يتعظون.\nوَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ معاهدين. خِيانَةً نقض عهد بأمارات تلوح لك. فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ فاطرح إلَيْهِمْ عهدهم. عَلى سَواءٍ على عدل وطريق قصد في العداوة ولا تناجزهم الحرب فإنه يكون خيانة منك، أو على سواء في الخوف أو العلم بنقض العهد وهو في موضع الحال من النابذ على الوجه الأول أي ثابتًا على طريق سوي أو منه أو من المنبوذ إليهم أو منهما على غيره، وقوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخائِنِينَ تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال على طريقة الاستئناف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>[سورة الأنفال (٨): آية ٥٩]</span>\nوَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)\nوَلاَ تَحْسَبَنَّ خطاب للنبي ﷺ، وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا مفعولاه وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص","vol":"3","page":64},{"text":"بالياء على أن الفاعل ضمير أحد أو مَنْ خَلْفَهُمْ، أو الَّذِينَ كَفَرُوا والمفعول الأول أنفسهم فحذف للتكرار، أو على تقدير أن سَبَقُوا وهو ضعيف لأن أن المصدرية كالموصول فلا تحذف أو على إيقاع الفعل على إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ بالفتح على قراءة ابن عامر وأن لا صلة وسَبَقُوا حال بمعنى سابقين أي مفلتين، والأظهر أنه تعليل للنهي أي: لاَ تحسبنهم سبقوا فأفلتوا لأنهم لا يفوتون الله، أو لا يجدون طالبهم عاجزًا. عن إدراكهم وكذا إن كسرت إن إلا أنه تعليل على سبيل الاستئناف، ولعل الآية إزاحة لما يحذر به من نبذ العهد وإيقاظ العدو، وقيل نزلت فيمن أفلت من فل المشركين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nوَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)\nوَأَعِدُّوا أيها المؤمنون لَهُمْ لناقضي العهد أو الكفار. مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ من كل ما يتقوى به في الحرب.\nوعن عقبة بن عامر سمعته ﵊ يقول على المنبر «ألا إن القوة الرمي قالها ثلاثا»\nولعله ﵊ خصه بالذكر لأنه أقواه. وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، فعال بمعنى مفعول أو مصدر سمي به يقال ربط ربطًا ورباطًا ورابط مرابطة ورباطًا، أو جمع ربيط كفصيل وفصال. وقرئ «ربط الخيل» بضم الباء وسكونها جمع رباط وعطفها على القوة كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة. تُرْهِبُونَ بِهِ تخوفون به، وعن يعقوب تُرْهِبُونَ بالتشديد والضمير ل مَا اسْتَطَعْتُمْ أو للإِعداد.\nعَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ يعني كفار مكة. وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ من غيرهم من الكفرة. قيل هم اليهود وقيل المنافقون وقيل الفرس. لاَ تَعْلَمُونَهُمُ لا تعرفونهم بأعيانهم. اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ يعرفهم. وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ جزاؤه. وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ بتضييع العمل أو نقص الثواب.\nوَإِنْ جَنَحُوا مالوا ومنه الجناح. وقد يعدى باللام وإلى. لِلسَّلْمِ للصلح أو الاستسلام. وقرأ أبو بكر بالكسر. فَاجْنَحْ لَها وعاهد معهم وتأنيث الضمير لحمل السلم على نقيضها فيه. قال:\nالسلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع\nوقرئ «فاجْنُحْ» بالضم. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ولا تخف من إبطانهم خداعًا فيه، فإن الله يعصمك من مكرهم ويحيقه. بهم. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم. الْعَلِيمُ بنياتهم. والآية مخصوصة بأهل الكتاب لاتصالها بقصتهم وقيل عامة نسختها آية السيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nوَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)\nوَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ فإن محسبك الله وكافيك قال جرير:\nإِنِّي وَجَدْتُ مِنَ المَكَارِمْ حَسْبَكُم ... أَنْ تَلْبِسُوا حرَّ الثِيَابِ وَتَشْبَعُوا\nهُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ جميعًا.\nوَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ مع ما فيهم من العصبية والضغينة في أدنى شيء، والتهالك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا كنفس واحدة، وهذا من معجزاته ﷺ، وبيانه: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ أي تناهي عداوتهم إلى حد لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما فى الأرض","vol":"3","page":65},{"text":"من الأموال لم يقدر على الألفة والإِصلاح. وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بقدرته البالغة، فإنه المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء. إِنَّهُ عَزِيزٌ تام القدرة والغلبة لا يعصى عليه ما يريده. حَكِيمٌ يعلم أنه كيف ينبغي أن يفعل ما يريده، وقيل الآية في الأوس والخزرج كان بينهم محن لا أمد لها ووقائع هلكت فيها ساداتهم، فأنساهم الله ذلك وألف بينهم بالإسلام حتى تصافوا وصاروا أنصارا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ كافيك. وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أما في محل النصب على المفعول معه كقوله:\nإِذَا كَانت الهَيْجَاء وَاشْتَجَرَ القَنَا ... فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّد\nأو الجر عطفًا على المكني عند الكوفيين، أو الرفع عطفًا على اسم الله تعالى أي كفاك الله والمؤمنون.\nوالآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر، وقيل أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلًا وست نسوة، ثم أسلم عمر ﵁ فنزلت. ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت في إسلامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ بالغ في حثهم عليه، وأصله الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفي على الموت وقرئ «حرص» من الحرص. إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا شرط في معنى الأمر بمصابرة الواحد للعشرة، والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا بعون الله وتأييده. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر «تكن» بالتاء في الآيتين ووافقهم البصريان في وَإِنْ تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ. بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بسبب أنهم جهلة بالله واليوم الآخر لا يثبتون ثياب المؤمنين رجاء الثواب وعوالي الدرجات قَتَلُوا أو قُتِلُوا ولا يستحقون من الله إلا الهوان والخذلان.\nالْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ لما أوجب على الواحد مقاومة العشرة والثبات لهم وثقل ذلك عليهم خفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين، وقيل كان فيهم قلة فأمروا بذلك ثم لما كثروا خفف عنهم، وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة للدلالة على أن حكم القليل والكثير واحد والضعف ضعف البدن. وقيل ضعف البصيرة وكانوا متفاوتين فيها، وفيه لغتان الفتح وهو قراءة عاصم وحمزة والضم وهو قراءة الباقين. وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصر والمعونة فكيف لا يغلبون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>[سورة الأنفال (٨): آية ٦٧]</span>\nما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)\nما كانَ لِنَبِيٍّ وقرئ «للنبي» على العهد. أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى وقرأ البصريان بالتاء. حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ يكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه ويعز الإِسلام ويستولي أهله، من أثخنه المرض إذا","vol":"3","page":66},{"text":"أثقله وأصله الثخانة، وقرئ «يُثْخِنَ» بالتشديد للمبالغة. تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا حطامها بأخذكم الفداء.\nوَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ يريد لكم ثواب الآخرة أو سبب نيل ثواب الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه. وقرئ بجر الْآخِرَةَ على إضمار المضاف كقوله:\nأكلّ امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بِاللَّيْلِ نَارًا\nوَاللَّهُ عَزِيزٌ يغلب أولياءه على أعدائه. حَكِيمٌ يعلم ما يليق بكل حال ويخصه بها، كما أمر بالإِثخان ومنع عن الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين وخير بينه وبين المن لما تحولت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين.\nروي أنه ﵇ أتى يوم بدر بسبعين أسيرًا فيهم العباس وعقيل بن أبي طالب فاستشار فيهم فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: اضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، مكني من فلان- لنسيب له- ومكن عليًا وحمزة من أخويهما فلنضرب أعناقهم، فلم يهو ذلك رسول الله ﷺ وقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ومثلك يا عمر مثل نوح قال: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا فخير أصحابه فأخذوا الفداء، فنزلت فدخل عمر رضي الله تعالى عنه على رسول الله ﷺ فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: «يا رسول الله أخبرني فإن أجد بكاء بكيت وإلا تباكيت فقال: ابك على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة» .\nوالآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرون عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٨ الى ٦٩]</span>\nلَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)\nلَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح المحفوظ، وهو أن لا يعاقب المخطئ في اجتهاده أو أن لا يعذب أهل بدر أو قومًا بما لم يصرح لهم بالنهي عنه، أو أن الفدية التي أخذوها ستحل لهم. لَمَسَّكُمْ لنالكم. فِيما أَخَذْتُمْ من الفداء. عَذابٌ عَظِيمٌ\nروي أنه ﵇ قال: «لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ» .\nوذلك لأنه أيضًا أشار بالإثخان.\nفَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ من الفدية فإنها من جملة الغنائم. وقيل أمسكوا عن الغنائم فنزلت. والفاء للتسبب والسبب محذوف تقديره: أبحت لكم الغنائم فكلوا، وبنحوه تشبث من زعم أن الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة. حَلالًا حال من المغنوم أو صفة للمصدر أي أكلًا حلالًا، وفائدته إزاحة ما وقع في نفوسهم منه بسبب تلك المعاتبة، أو حرمتها على الأولين ولذلك وصفه بقوله: طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفته. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ غفر لكم ذنبكم رَحِيمٌ أباح لكم ما أخذتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى وقرأ أبو عمرو «من الأسارى» . إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا إيمانًا وإخلاصًا. يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ من الفداء.\nروي (أنها نزلت في العباس ﵁","vol":"3","page":67},{"text":"كلفه رسول الله ﷺ أن يفدي نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث فقال: يا محمد تركتني أتكفف قريشًا ما بقيت فقال: أين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك وقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم، فقال العباس:\nوما يدريك، قال: أخبرني به ربي تعالى، قال: فأشهد أنك صادق وَأَن لاَّ إله إِلاَّ الله وأنك رسوله والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل، قال العباس فأبدلني الله خيرًا من ذلك لي الآن عشرون عبدًا إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفًا وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربكم)\nيعني الموعود بقوله: وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nوَإِنْ يُرِيدُوا يعني الأسرى. خِيانَتَكَ نقض ما عاهدوك. فَقَدْ خانُوا اللَّهَ بالكفر ونقض ميثاقه المأخوذ بالعقل. مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ أي فأمكنك منهم كما فعل يوم بدر فإن أعادوا الخيانة فسيمكنك منهم. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا هم المهاجرون هاجروا أوطانهم حبًا لله ولرسوله. وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ فصرفوها في الكراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج. وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بمباشرة القتال. وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا هم الأنصار آووا المهاجرين إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم. أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب حتى نسخ بقوله:\nوَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ أو بالنصرة والمظاهرة. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا أي من توليهم في الميراث، وقرأ حمزة وَلايَتِهِمْ بالكسر تشبيهًا لها بالعمل والصناعة كالكتابة والإمارة كأنه بتوليه صاحبه يزاول عملًا. وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين. إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ عهد فإنه لا ينقض عهدهم لنصرهم عليهم. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في الميراث أو المؤازرة، وهو بمفهومه يدل على منع التوارث أو المؤازرة بينهم وبين المسلمين. إِلَّا تَفْعَلُوهُ إلا تفعلوا ما أمرتم به من التواصل بينكم وتولى بعضكم لبعض حتى في التوارث وقطع العلائق بينكم وبين الكفار. تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ تحصل فتنة فيها عظيمة، وهي ضعف الإيمان وظهور الكفر. وَفَسادٌ كَبِيرٌ في الدين وقرئ «كثير» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لما قسم المؤمنين ثلاثة أقسام بين أن الكاملين في الإيمان منهم هم الذين حققوا إيمانهم بتحصيل مقتضاه من الهجرة والجهاد","vol":"3","page":68},{"text":"وبذل المال ونصرة الحق، ووعد لهم الموعد الكريم فقال. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ لا تبعة له ولا منة فيه، ثم ألحق بهم في الأمرين من سيلحق بهم ويتسم بسمتهم فقال:\nوَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار. وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ في التوارث من الأجانب. فِي كِتابِ اللَّهِ في حكمه، أو في اللوح أو في القرآن واستدل به على توريث ذوي الأرحام. إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من المواريث والحكمة في إناطتها بنسبة الإِسلام والمظاهرة، أولًا واعتبار القرابة ثانيًا.\nعن النبي ﷺ: «من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة، وشاهد أنه بريء من النفاق، وأعطي عشر حسنات بعدد كل منافق ومنافقة، وكان العرش وحملته يستغفرون له أيام حياته» .","vol":"3","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-943>(٩) سورة براءة</span>\nمدنية وقيل إلا آيتين من قوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وهي آخر ما نزل ولها أسماء أخر، «التوبة» و«المقشقشة» و«البحوث» و«المبعثرة» و«المنقرة» و«المثيرة» و«الحافرة» و«المخزية» و«الفاضحة» و«المنكلة» و«المشردة» و«المدمدمة» و«سورة العذاب» لما فيها من التوبة للمؤمنين والقشقشة من النفاق وهي التبري منه، والبحث عن حال المنافقين وإثارتها، والحفر عنها وما يخزيهم ويفضحهم وينكلهم ويشردهم ويدمدم عليهم.\nوأيها مائة وثلاثون وقيل تسع وعشرون، وإنما تركت التسمية فيها لأنها نزلت لرفع الأمان وبسم الله أمان. وقيل كان النبي ﷺ إذا نزلت عليه سورة أو آية بين موضعها، وتوفي ولم يبين موضعها وكانت قصتها تشابه قصة الأنفال وتناسبها لأن في الأنفال ذكر العهود وفي براءة نبذها فضمت إليها. وقيل لما اختلفت الصحابة في أنهما سورة واحدة هي سابعة السبع الطوال أو سورتان تركت بينهما فرجة ولم تكتب بسم الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>[سورة التوبة (٩): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢)\nبَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي هذه براءة، ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف تقديره وأصله مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ويجوز أن تكون بَراءَةٌ مبتدأ لتخصصها بصفتها والخبر إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وقرئ بنصبها على اسمعوا براءة، والمعنى: أن الله ورسوله برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وإنما علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين للدلالة على أنه يجب عليهم نبذ عهود المشركين إليهم وإن كانت صادرة بإذن الله تعالى واتفاق الرسول فإنهما برئا منها، وذلك أنهم عاهدوا مشركي العرب فنكثوا إلا أناسًا منهم بنو ضمرة وبنو كنانة فأمرهم بنبذ العهد إلى الناكثين وأمهل المشركين أربعة أشهر ليسيروا أين شاؤوا فقال:\nفَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم لأنها نزلت في شوال. وقيل هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر لأن التبليغ كان يوم النحر لما\nروي (أنها لما نزلت أرسل رسول الله ﷺ عليا ﵁ راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم، وكان قد بعث أبا بكر رضي الله تعالى عنه أميرًا على الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي رضي الله تعالى عنه سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله ﷺ فلما لحقه قال: أمير أو مأمور قال مأمور، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر رضي الله تعالى عنه وحدثهم عن مناسكهم وقام علي ﵁ يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم، فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده) .\nولعل\nقوله ﷺ «لا يؤدي عني إلا رجل مني»\nليس على العموم، فإنه ﷺ بعث لأن يؤدي عنه كثير لم يكونوا من عترته، بل هو مخصوص بالعهود فإن عادة العرب أن لا يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل","vol":"3","page":70},{"text":"منها، ويدل عليه أنه\nفي بعض الروايات «لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي» .\nوَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ لا تفوتونه وإن أمهلكم. وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ بالقتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)\nوَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ أي إعلام فعال بمعنى الإِفعال كالأمان والعطاء، ورفعه كرفع بَراءَةٌ على الوجهين. يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يوم العيد لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، ولأن الإِعلام كان فيه ولما\nروي أنه ﷺ وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال «هذا يوم الحج الأكبر»\nوقيل يوم عرفة\nلقوله ﷺ «الحج عرفة» .\nووصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر، أو لأن المراد بالحج ما يقع في ذلك اليوم من أعماله فإنه أكبر من باقي الأعمال، أو لأن ذلك الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق عيده أعياد أهل الكتاب، أو لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين. أَنَّ اللَّهَ أي بأن الله. بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي من عهودهم. وَرَسُولِهِ عطف على المستكن في بَرِيءٌ، أو على محل أَنَّ واسمها في قراءة من كسرها إجراء للأذان مجرى القول، وقرئ بالنصب عطفًا على اسم أَن أو لأن الواو بمعنى مع ولا تكرير فيه، فإن قوله بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ إخبار بثبوت البراءة وهذه إخبار بوجوب الإِعلام بذلك ولذلك علقه بالناس ولم يخصه بالمعاهدين. فَإِنْ تُبْتُمْ من الكفر والغدر. فَهُوَ فالتوب خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عن التوبة أو ثبتم على التولي عن الإسلام والوفاء. فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ لا تفوتونه طلبًا ولا تعجزونه هربًا في الدنيا. وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ في الآخرة.\nإِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ استثناء من المشركين، أو استدراك فكأنه قيل لهم بعد أن أمروا بنبذ العهد إلى الناكثين ولكن الذين عاهدوا منهم. ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا من شروط العهد ولم ينكثوه أو لم يقتلوا منكم ولم يضروكم قط. وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا من أعدائكم فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إلى تمام مدتهم ولا تجروهم مجرى الناكثين. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من باب التقوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nفَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ (٦)\nفَإِذَا انْسَلَخَ انقضى، وأصل الانسلاخ خروج الشيء مما لابسه من سلخ الشاة. الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها. وقيل هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وهذا مخل بالنظم مخالف للإِجماع فإنه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم إذ ليس فيما نزل بعد ما ينسخها. فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الناكثين.\nحَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ من حل أو حرم. وَخُذُوهُمْ وأسروهم، والأخيذ الأسير. وَاحْصُرُوهُمْ واحبسوهم أو حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام. وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ كل ممر لئلا يتبسطوا في البلاد، وانتصابه على الظرف. فَإِنْ تابُوا عن الشرك بالإِيمان. وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ تصديقًا لتوبتهم وإيمانهم.","vol":"3","page":71},{"text":"فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشيء من ذلك، وفيه دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل للأمر أي فخلوهم لأن الله غفور رحيم غفر لهم ما قد سلف وعدلهم الثواب بالتوبة.\nوَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ المأمور بالتعرض لهم. اسْتَجارَكَ استأمنك وطلب منك جوارك.\nفَأَجِرْهُ فأمنه. حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر. ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ موضع أمنه إن لم يسلم، وأحدٌ رفع بفعل يفسره ما بعده لا بالابتداء لأن إن من عوامل الفعل. ذلِكَ الأمن أو الأمر.\nبِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ما الإيمان وما حقيقة ما تدعوهم إليه فلا بد من أمانهم ريثما يسمعون ويتدبرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>[سورة التوبة (٩): آية ٧]</span>\nكَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)\nكَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ استفهام بمعنى الإِنكار والاستبعاد لأن يكون لهم عهد ولا ينكثوه مع وغرة صدورهم، أو لأن يفي الله ورسوله بالعهد وهم نكثوه، وخبر يكون كيف وقدم للاستفهام أو للمشركين أو عند الله وهو على الأولين صفة لل عَهْدٌ أو ظرف له أو ل يَكُونُ، وكَيْفَ على الأخيرين حال من ال عَهْدٌ ولِلْمُشْرِكِينَ إن لم يكن خبرًا فتبيين. إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ هم المستثنون قبل ومحله النصب على الاستثناء أو الجر على البدل أو الرفع على أن الاستثناء منقطع أي: ولكن الذين عاهدتم منهم عند المسجد الحرام. فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ أي فتربصوا أمرهم فإن استقاموا على العهد فاستقيموا على الوفاء وهو كقوله فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ غير أنه مطلق وهذا مقيد وما تحتمل الشرطية والمصدرية إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ سبق بيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>[سورة التوبة (٩): آية ٨]</span>\nكَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًاّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨)\nكَيْفَ تكرار لاستبعاد ثباتهم على العهد أو بقاء حكمه مع التنبيه على العلة وحذف الفعل للعلم به كما في قوله:\nوَخَبَّرتماني أَنَّما الموْتُ بِالقُرَى ... فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبَةٌ وَقَلِيبُ\nأي فكيف مات. وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ أي وحالهم أنهم إن يظفروا بكم. لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ لا يراعوا فيكم. إِلًّا حلفًا وقيل قرابة قال حسان:\nلَعَمْرُكَ إِنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرَيْش ... كَإِلَّ السَّقْبِ مِنْ رَأَلِ النَّعَامِ\nوقيل ربوبية ولعله اشتق للحلف من الإِل وهو الجؤار لأنهم كانوا إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه، ثم استعير للقرابة لأنها تعقد بين الأقارب ما لا يعقده الحلف، ثم للربوبية والتربية. وقيل اشتقاقه من ألل الشيء إذا حدده أو من آل البرق إذا لمع. وقيل إنه عبري بمعنى الإِله لأنه قرئ إيلا كجبرئل وجبرئيل. وَلا ذِمَّةً عهدًا أو حقًا يعاب على إغفاله. يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ استئناف لبيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد المؤدية إلى عدم مراقبتهم عند الظفر، ولا يجوز جعله حالًا من فاعل لا يرقبوا فإنهم بعد ظهورهم لا يرضون ولأن المراد إثبات إرضائهم المؤمنين بوعد الإِيمان والطاعة والوفاء بالعهد في الحال، واستبطان الكفر والمعاداة بحيث إن ظفروا لم يبقوا عليهم والحالية تنافيه وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ ما تتفوه به أفواههم. وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ متمردون لا عقيدة تزعهم ولا مروءة تردعهم، وتخصيص الأكثر لما في بعض","vol":"3","page":72},{"text":"الكفرة من التفادي عن الغدر والتعفف عما يجر إلى أحدوثة السوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nاشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًاّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)\nاشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ استبدلوا بالقرآن. ثَمَنًا قَلِيلًا عرضًا يسيرًا وهو اتباع الأهواء والشهوات. فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ دينه الموصل إليه، أو سبيل بيته بحصر الحجاج والعمار، والفاء للدلالة على أن اشتراءهم أداهم إلى الصد. إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ عملهم هذا أو ما دل عليه قوله: لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً فهو تفسير لا تكرير. وقيل الأول عام في الناقضين وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود، أو الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ في الشرارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nفَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)\nفَإِنْ تابُوا عن الكفر. وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ فهم إخوانكم في الدين لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اعتراض للحث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين أو خصال التائبين.\nوَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وإن نكثوا ما بايعوا عليه من الإِيمان أو الوفاء بالعهود. وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ بصريح التكذيب وتقبيح الأحكام. فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أي فقاتلوهم، فوضع أئمة الكفر موضع الضمير للدلالة على أنهم صاروا بذلك ذوي الرئاسة والتقدم في الكفر أحقاء بالقتل. وقيل المراد بالأئمة رؤساء المشركين فالتخصيص إما لأن قتلهم أهم وهم أحق به أو للمنع من مراقبتهم. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وروح عن يعقوب أئمة بتحقيق الهمزتين على الأصل والتصريح بالياء لحن. إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ أي لا أيمان لهم على الحقيقة وإلا لما طعنوا ولم ينكثوا، وفيه دليل على أن الذمي إذا طعن في الإِسلام فقد نكث عهده، واستشهد به الحنفية على أن يمين الكافر ليست يمينًا وهو ضعيف لأن المراد نفي الوثوق عليها لا أنها ليست بأيمان لقوله تعالى وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وقرأ ابن عامر لا أيمان لهم بمعنى لا أمان أو لا إسلام، وتشبث به من لم يقبل توبة المرتد وهو ضعيف لجواز أن يكون بمعنى لا يؤمنون على الإِخبار عن قوم معينين أو ليس لهم إيمان فيراقبوا لأجله. لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ متعلق ب «بقاتلوا» أي ليكن غرضكم في المقاتلة أن ينتهوا عما هم عليه لا إيصال الأذية بهم كما هو طريقة المؤذين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>[سورة التوبة (٩): آية ١٣]</span>\nأَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)\nأَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا تحريض على القتال لأن الهمزة دخلت على النفي للإنكار فأفادت المبالغة في الفعل. نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ التي حلفوها مع الرسول ﵇ والمؤمنين على أن لا يعاونوا عليهم فعاونوا بني بكر على خزاعة. وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ حين تشاوروا في أمره بدار الندوة على ما مر ذكره في قوله:\nوَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وقيل هم اليهود نكثوا عهد الرسول وهموا بإخراجه من المدينة. وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بالمعاداة والمقاتلة لأنه ﵊ بدأهم بالدعوة وإلزام الحجة بالكتاب والتحدي","vol":"3","page":73},{"text":"به، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة والمقاتلة فما يمنعكم أن تعارضوهم وتصادموهم. أَتَخْشَوْنَهُمْ أتتركون قتالهم خشية أن ينالكم مكروه منهم. فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ فقاتلوا أعداءه ولا تتركوا أمره. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإِن قضية الإِيمان أن لا يخشى إلا منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nقاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)\nقاتِلُوهُمْ أمر بالقتال بعد بيان موجبه والتوبيخ على تركه والتوعد عليه. يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وعد لهم إن قاتلوهم بالنصر عليهم والتمكن من قتلهم وإذلالهم. وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ يعني بني خزاعة.\nوقيل بطونًا من اليمن وسبأ قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديدًا فشكوا إلى رسول الله ﷺ فقال: «أبشروا فإن الفرج قريب» .\nوَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ لما لقوا منهم وقد أوفى الله بما وعدهم والآية من المعجزات. وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ابتداء إخبار بأن بعضهم يتوب عن كفره وقد كان ذلك أيضا، وقرئ «وَيَتُوبَ» بالنصب على إضمار أن على أنه من جملة ما أجيب به الأمر فإن القتال كما تسبب لتعذيب قوم تسبب لتوبة قوم آخرين.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ بما كان وما سيكون. حَكِيمٌ لا يفعل ولا يحكم إلا على وفق الحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>[سورة التوبة (٩): آية ١٦]</span>\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)\nأَمْ حَسِبْتُمْ خطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال. وقيل للمنافقين وأَمْ منقطعة ومعنى الهمزة فيها التوبيخ على الحسبان. أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ولم يتبين الخلص منكم وهم الذين جاهدوا من غيرهم، نفى العلم وأراد نفي المعلوم للمبالغة فإنه كالبرهان عليه من حيث إن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه. وَلَمْ يَتَّخِذُوا عطف على جاهَدُوا داخل في الصلة. مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً بطانة يوالونهم ويَفشون إليهم أسرارهم. وما في لَمَّا من معنى التوقع منبه على أن تبين ذلك متوقع. وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يعلم غرضكم منه وهو كالمزيج لما يتوهم من ظاهر قوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>[سورة التوبة (٩): آية ١٧]</span>\nما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧)\nمَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ما صح لهم. أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شيئًا من المساجد فضلًا عن المسجد الحرام وقيل هو المراد وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر الجميع ويدل عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب بالتوحيد. شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ بإظهار الشرك وتكذيب الرسول، وهو حال من الواو والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة بيت الله وعبادة غيره.\nروي (أنه لما أسر العباس عيره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحم وأغلظ له علي رضي الله تعالى عنه في القول فقال: ما بالكم تذكرون «مساوينا» وتكتمون محاسننا إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني) فنزلت.\nأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ التي يفتخرون بها بما قارنها من الشرك. وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ لأجله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>[سورة التوبة (٩): آية ١٨]</span>\nإِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)","vol":"3","page":74},{"text":"إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ أي إنما تستقيم عَمَارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية ومن عمارتها تزيينها بالفرش وتنويرها بالسرج وإدامة العبادة والذكر ودرس العلم فيها وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا،\nوعن النبي ﷺ «قال الله تعالى إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره» .\nوإنما لم يذكر الإِيمان بالرسول ﷺ لما علم أن الإِيمان بالله قرينة وتمامه الإِيمان به ولدلالة قوله وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ عليه. وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ أي في أبواب الدين فإن الخشية عن المحاذير جبلية لا يكاد العاقل يتمالك عنها. فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ذكره بصيغة التوقع قطعًا لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم وتوبيخًا لهم بالقطع بأنهم مهتدون، فإن هؤلاء مع كمالهم إذا كان اهتداؤهم دائرًا بين عسى ولعل فما ظنك بأضدادهم، ومنعًا للمؤمنين أن يغتروا بأحوالهم ويتكلوا عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>[سورة التوبة (٩): آية ١٩]</span>\nأَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)\nأَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ السقاية والعمارة مصدر أسقى وعمر فلا يشبهان بالجثث بل لا بد من إضمار تقديره أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن. ويؤيد الأول قراءة من قرأ «سقاة الحاج وعمرة المسجد» والمعنى إنكار أن يشبه المشركون وأعمالهم المحبطة بالمؤمنين وأعمالهم المثبتة ثم قرر ذلك بقوله: لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وبين عدم تساويهم بقوله: وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي الكفرة ظلمة بالشرك ومعاداة الرسول ﵊ منهمكون في الضلالة فكيف يساوون الذين هداهم الله ووفقهم للحق والصواب، وقيل المراد بالظالمين الذين يسوون بينهم وبين المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)\nالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ أعلى رتبة وأكثر كرامة ممن لم تستجمع فيه هذه الصفات أو من أهل السقاية والعمارة عندكم. وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ بالثواب ونيل الحسنى عند الله دونكم.\nيُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها في الجنات. نَعِيمٌ مُقِيمٌ دائم، وقرأ حمزة يُبَشِّرُهُمْ بالتخفيف، وتنكير المبشر به إشعار بأنه وراء التعيين والتعريف.\nخالِدِينَ فِيها أَبَدًا أكد الخلود بالتأبيد لأنه قد يستعمل للمكث الطويل. إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ يستحقر دونه ما استوجبوه لأجله أو نعيم الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>[سورة التوبة (٩): آية ٢٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ نزلت في المهاجرين فإنهم لما أمروا بالهجرة","vol":"3","page":75},{"text":"قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبنائنا وعشائرنا وذهبت تجاراتنا وبقينا ضائعين. وقيل نزلت نهيًا عن موالاة التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة، والمعنى لا تتخذوهم أولياء يمنعونكم عن الإِيمان ويصدونكم عن الطاعة لقوله: إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ إن اختاروه وحرصوا عليه. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ بوضعهم الموالاة في غير موضعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>[سورة التوبة (٩): آية ٢٤]</span>\nقُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)\nقُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ أقرباؤكم مأخوذ من العشرة. وقيل من العشرة فإن العشيرة جماعة ترجع إلى عقد كعقد العشرة. وقرأ أبو بكر «وعشيراتكم» وقرئ «وعشائركم» .\nوَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها اكتسبتموها. وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها فوات وقت نفاقها. وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ الحب الاختياري دون الطبيعي فإنه لا يدخل تحت التكليف في التحفظ عنه. فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ جواب ووعيد والأمر عقوبة عاجلة أو آجلة. وقيل فتح مكة.\nوَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ لا يرشدهم، وفي الآية تشديد عظيم وقل من يتخلص منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>[سورة التوبة (٩): آية ٢٥]</span>\nلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)\nلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ يعني مواطن الحرب وهي مواقفها. وَيَوْمَ حُنَيْنٍ وموطن يوم حنين ويجوز أن يقدر في أيام مواطن أو يفسر الموطن بالوقت كمقتل الحسين ولا يمنع إبدال قوله: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ منه أن يعطف على موضع في مَواطِنَ فإنه لا يقتضي تشاركهما فيما أضيف إليه المعطوف حتى يقتضي كثرتهم وإعجابها إياهم في جمع المواطن. وحُنَيْنٍ واد بين مكة والطائف حارب فيه رسول الله ﷺ والمسلمون- وكانوا اثني عشر ألفًا، العشرة الذين حضروا فتح مكة وألفان انضموا إليهم من الطلقاء- هوازن وثقيفًا وكانوا أربعة آلاف فلما التقوا\nقال النبي ﷺ أو أبو بكر رضي الله تعالى عنه أو غيره من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة، إعجابًا بكثرتهم واقتتلوا قتالًا شديدًا فأدرك المسلمين إعجابهم واعتمادهم على كثرتهم فانهزموا حتى بلغ فلهم مكة وبقي رسول الله ﷺ في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذًا بلجامه وابن عمه أبو سفيان بن الحرث، وناهيك بهذا شهادة على تناهي شجاعته فقال للعباس- وكان صيّتا- «صيح بالناس»، فنادى: يا عباد الله يا أصحاب الشجرة يا أصحاب سورة البقرة، فكروا عنقًا واحدًا يقولون لبيك لبيك ونزلت الملائكة فالتقوا مع المشركين فقال ﷺ «هذا حين حمي الوطيس»، ثم أخذ كفا من تراب فرماهم ثم قال: «انهزموا ورب الكعبة» فانهزموا.\nفَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ أي الكثرة. شَيْئًا من الإِغناء أو من أمر العدو. وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ برحبها أي بسعتها لا تجدون فيها مفرًا تطمئن إليه نفوسكم من شدة الرعب أو لا تثبتون فيها كمن لا يسعه مكانه. ثُمَّ وَلَّيْتُمْ الكفار ظهوركم. مُدْبِرِينَ منهزمين والإِدبار الذهاب إلى خلف خلاف الإقبال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)","vol":"3","page":76},{"text":"ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ رحمته التي سكنوا بها وأمنوا. عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ الذين انهزموا وإعادة الجار للتنبيه على اختلاف حاليهما. وقيل هم الذين ثبتوا مع الرسول ﵊ ولم يفروا.\nوَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها بأعينكم أي الملائكة وكانوا خمسة آلاف أو ثمانية أو ستة عشر على اختلاف الأقوال. وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالقتل والأسر والسبي. وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ أي ما فعل بهم جزاء كفرهم في الدنيا.\nثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ منهم بالتوفيق للإسلام. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يتجاوز عنهم ويتفضل عليهم.\nروي (أن ناسا منهم جاءوا إلى رسول الله ﷺ وأسلموا وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا. وقد سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الابل والغنم ما لا يحصى. فقال ﷺ: اختاروا إما سباياكم وإما أموالكم؟ فقالوا ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا فقام رسول الله ﷺ وقال: إن هؤلاء جاءوا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئًا فمن كان بيده سبي وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضًا علينا حتى نصيب شيئًا فنعطيه مكانه فقالوا:\nرضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا إلينا فرفعوا أنهم قد رضوا) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>[سورة التوبة (٩): آية ٢٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ لخبث باطنهم أو لأنه يجب أن يجتنب عنهم كما يجتنب عن الأنجاس، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يتجنبون عن النجاسات فهم ملابسون لها غالبًا. وفيه دليل على أن ما الغالب نجاسته نجس. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أعيانهم نجسة كالكلاب. وقرئ «نَجْسٌ» بالسكون وكسر النون وهو ككبد في كبد وأكثر ما جاء تابعًا لرجس. فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ لنجاستهم، وإنما نهى عن الاقتراب للمبالغة أو للمنع عن دخول الحرم. وقيل المراد به النهي عن الحج والعمرة لا عن الدخول مطلقًا وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع. بَعْدَ عامِهِمْ هذا يعني سنة بَرَاءة وهي التاسعة.\nوقيل سنة حجة الوداع. وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فقرًا بسبب منعهم من الحرم وانقطاع ما كان لكم من قدومهم من المكاسب والأرفاق. فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من عطائه أو تفضله بوجه آخر وقد أنجز وعده بأن أرسل السماء عليهم مدرارًا ووفق أهل تبالة وجرش فأسلموا وامتاروا لهم، ثم فتح عليهم البلاد والغنائم وتوجه إليهم الناس من أقطار الأرض. وقرئ «عائلة» على أنها مصدر كالعافية أو حال. إِنْ شاءَ قيده بالمشيئة لتنقطع الآمال إلى الله تعالى ولينبه على أنه تعالى متفضل في ذلك وأن الغني الموعود يكون لبعض دون بعض وفي عام دون عام. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بأحوالكم. حَكِيمٌ فيما يعطي ويمنع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>[سورة التوبة (٩): آية ٢٩]</span>\nقاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩)\nقاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ أي لا يؤمنون بهما على ما ينبغي كما بيناه في أول «البقرة» فإن إيمانهم كلا إيمان. وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ما ثبت تحريمه بالكتاب والسنة وقيل رسوله هو الذي يزعمون اتباعه والمعنى أنهم يخالفون أصل دينهم المنسوخ اعتقادًا وعملًا. وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ الثابت الذي هو ناسخ سائر الأديان ومبطلها. مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بيان للذين لا يؤمنون. حَتَّى","vol":"3","page":77},{"text":"يُعْطُوا الْجِزْيَةَ\nما تقرر عليهم أن يعطوه مشتق من جزى دينه إذا قضاه. عَنْ يَدٍ حال من الضمير أي عن يد مؤاتية بمعنى منقادين، أو عن يدهم بمعنى مسلمين بأيديهم غير باعثين بأيدي غيرهم ولذلك منع من التوكيل فيه، أو عن غنى ولذلك قيل: لا تؤخذ من الفقير، أو عن يد قاهرة عليهم بمعنى عاجزين أذلاء أو من الجزية بمعنى نقدًا مسلمة عن يد إلى يد أو عن إنعام عليهم فإن إبقاءهم بالجزية نعمة عظيمة. وَهُمْ صاغِرُونَ أذلاء وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: تؤخذ الجزية من الذمي وتوجأ عنقه. ومفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب ويؤيده\nأن عمر رضي الله تعالى عنه لم يكن يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، أنه ﷺ أخذها من مجوس هجر. وأنه قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»\nوذلك لأنهم لهم شبهة كتاب فألحقوا بالكتابيين، وأما سائر الكفرة فلا تؤخذ منهم الجزية عندنا، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى تؤخذ منهم إلا مشركي العرب لما\nروى الزهري أنه ﷺ صالح عبدة الأوثان إلا من كان من العرب،\nوعند مالك رحمه الله تعالى تؤخذ من كل كافر إلا المرتد، وأقلها في كل سنة دينار سواء فيه الغني والفقير، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى على الغني ثمانية وأربعون درهمًا وعلى المتوسط نصفها وعلى الفقير الكسوب ربعها ولا شيء على الفقير غير الكسوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>[سورة التوبة (٩): آية ٣٠]</span>\nوَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)\nوَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ إنما قاله بعضهم من متقدميهم أو ممن كانوا بالمدينة، وإنما قالوا ذلك لأنه لم يبق فيهم بعد وقعة بختنصر من يحفظ التوراة، وهو لما أحياه الله بعد مائة عام أملى عليهم التوراة حفظًا فتعجبوا من ذلك وقالوا: ما هذا إلا أنه ابن الله. والدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية قرئت عليهم فلم يكذبوا مع تهالكهم على التكذيب. وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب عُزَيْرٌ بالتنوين على أنه عربي مخبر عنه بابن غير موصوف به وحذفه في القراءة الأخرى إما لمنع صرفه للعجمة والتعريف، أو لالتقاء الساكنين تشبيهًا للنون بحروف اللين أو لأن الابن وصف والخبر محذوف مثل معبودنا أو صاحبنا وهو مزيف لأنه يؤدي إلى تسليم النسب وإنكار الخبر المقدر. وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ هو أيضًا قول بعضهم، وإنما قالوه استحالة لأن يكون ولد بلا أب أو لأن يفعل ما فعله من إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى من لم يكن إلهًا. ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ إما تأكيد لنسبة هذا القول إليهم ونفي للتجوز عنها، أو إشعار بأنه قول مجرد عن برهان وتحقيق مماثل للمهمل الذي يوجد في الأفواه ولا يوجد مفهومه في الأعيان. يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي يضاهي قولهم قول الذين كفروا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. مِنْ قَبْلُ أي من قبلهم والمراد قدماؤهم على معنى أن الكفر قديم فيهم، أو المشركون الذين قالوا الملائكة بنات الله، أو اليهود على أن الضمير للنصارى، والمضاهاة المشابهة والهمز لغة فيه. وقرأ به عاصم ومنه قولهم امرأة ضهياء على فعيل للتي شابهت الرجال في أنها لا تحيض. قاتَلَهُمُ اللَّهُ دعاء عليهم بالإِهلاك فإن من قاتله الله هلك، أو تعجب من شناعة قولهم. أَنَّى يُؤْفَكُونَ كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nاتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢)\nاتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله أو بالسجود لهم. وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ بأن جعلوه ابنًا لله. وَما أُمِرُوا أي وما أمر المتخذون أو المتخذون","vol":"3","page":78},{"text":"أربابًا فيكون كالدليل على بطلان الاتخاذ. إِلَّا لِيَعْبُدُوا ليطيعوا. إِلهًا واحِدًا وهو الله تعالى وأما طاعة الرسول وسائر من أمر الله بطاعته فهو في الحقيقة طاعة الله. لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ صفة ثانية أو استئناف مقرر للتوحيد. سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ تنزيه له عن أن يكون له شريك.\nيُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا يخمدوا. نُورَ اللَّهِ حجته الدالة على وحدانيته وتقدسه عن الولد، أو القرآن أو نبوة محمد ﷺ. بِأَفْواهِهِمْ بشركهم أو بتكذيبهم. وَيَأْبَى اللَّهُ أي لا يرضى. إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ بإعلاء التوحيد وإعزاز الإِسلام. وقيل إنه تمثيل لحالهم في طلبهم إبطال نبوة محمد ﷺ بالتكذيب بحال من يطلب إطفاء نور عظيم منبث في الآفاق يريد الله أن يزيده بنفخه، وإنما صح الاستثناء المفرغ والفعل موجب لأنه في معنى النفي. وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ محذوف الجواب لدلالة ما قبله عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>[سورة التوبة (٩): آية ٣٣]</span>\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ كالبيان لقوله: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولذلك كرر وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ غير أنه وضع المشركون موضع الكافرون للدلالة على أنهم ضموا الكفر بالرسول إلى الشرك بالله، والضمير في لِيُظْهِرَهُ للدين الحق، أو للرسول ﵊ واللام في الدِّينِ للجنس أي على سائر الأديان فينسخها، أو على أهلها فيخذلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>[سورة التوبة (٩): آية ٣٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ يأخذونها بالرشا في الأحكام سمي أخذ المال أكلًا لأنه الغرض الأعظم منه. وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه. وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ يجوز أن يراد به الكثير من الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال والضن به وأن يراد المسلمون الذين يجمعون المال ويقتنونه ولا يؤدون حقه ويكون اقترانه بالمرتشين من أهل الكتاب للتغليظ، ويدل عليه أنه\nلما نزل كبر على المسلمين فذكر عمر رضي الله تعالى عنه لرسول الله ﷺ فقال: «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم»\n،\nوقوله ﵊: «ما أدى زكاته فليس بكنز»\nأي بكنز أوعد عليه، فإن الوعيد على الكنز مع عدم الإِنفاق فيما أمر الله أن ينفق فيه، وأما\nقوله ﷺ: «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها»\nونحوه فالمراد منها ما لم يؤد حقها\nلقوله ﵊ فيما أورده الشيخان مرويًا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره»\nفَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ هو الكي بهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>[سورة التوبة (٩): آية ٣٥]</span>\nيَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)\nيَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ أي يوم توقد النار ذات حمى شديد عليها، وأصله تحمى بالنار فجعل الإِحماء للنار مبالغة ثم حذفت النار وأسند الفعل إلى الجار والمجرور تنبيهًا على المقصود فانتقل من صيغة","vol":"3","page":79},{"text":"التأنيث إلى صيغة التذكير، وإنما قال عَلَيْها والمذكور شيئان لأن المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة كما\nقال علي رضي الله تعالى عنه: أربعة آلاف وما دونها نفقة وما فوقها كنز.\nوكذا قوله تعالى: وَلا يُنْفِقُونَها وقيل الضمير فيهما للكنوز أو للأموال فطن الحكم عام وتخصيصهما بالذكر لأنهما قانون التمول، أو للفضة وتخصيصها لقربها ودلالة حكمها على أن الذهب أولى بهذا الحكم. فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ لأن جمعهم وإمساكهم إياه كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية، أو لأنهم ازوروا عن السائل وأعرضوا عنه وولوه ظهورهم، أو لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة فإنها المشتملة على الأعضاء الرئيسية التي هي الدماغ والقلب والكبد، أو لأنها أصول الجهات الأربع التي هى مقاديم البدن ومآخيره وجنباه. هذا مَا كَنَزْتُمْ على إرادة القول. لِأَنْفُسِكُمْ لمنفعتها وكان عين مضرتها وسبب تعذيبها.\nفَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ أي وبال كنزكم أو ما تكنزونه وقرئ «تكنزون» بضم النون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]</span>\nإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)\nإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ أي مبلغ عددها. عِنْدَ اللَّهِ معمول عدة لأنها مصدر. اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ في اللوح المحفوظ، أو في حكمه وهو صفة لاثني عشر، وقوله: يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ متعلق بما فيه من معنى الثبوت أو بالكتاب إن جعل مصدرًا والمعنى: أن هذا أمر ثابت في نفس الأمر مذ خلق الله الأجرام والأزمنة. مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ واحد فرد وهو رجب وثلاثة سرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي تحريم الأشهر الأربعة هو الدين القويم دين إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام والعرب ورثوه منهما. فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بهتك حرمتها وارتكاب حرامها والجمهور على أن حرمة المقاتلة فيها منسوخة، وأولوا الظلم بارتكاب المعاصي فيهن فإنه أعظم وزرًا كارتكابها في الحرم وحال الإِحرام، وعن عطاء أنه لا يحل للناس أن يغزوا في الحرم وفي الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا ويؤيد الأول ما\nروى (أنه ﵊ حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوال وذي القعدة) .\nوَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً جميعًا وهو مصدر كف عن الشيء فإن الجميع مكفوف عن الزيادة وقع موقع الحال. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بشارة وضمان لهم بالنصرة بسبب تقواهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-970>[سورة التوبة (٩): آية ٣٧]</span>\nإِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)\nإِنَّمَا النَّسِيءُ أي تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرًا آخر حتى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد، وعن نافع برواية ورش إِنَّمَا النسي بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء فيها. وقرئ «النسي» بحذفها و«النسء» و«النساء» وثلاثتها مصادر نسأه إذا أخره. زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ لأنه تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه الله فهو كفر آخر ضموه إلى كفرهم. يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ضلالًا زائدًا. وقرأ حمزة والكسائي وحفص يُضَلُّ على البناء للمفعول، وعن يعقوب يُضَلُّ على أن الفعل لله تعالى. يُحِلُّونَهُ عَامًا يحلون المنسي من الأشهر الحرم سنة ويحرمون مكانه شهرًا آخر. وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا فيتركونه على حرمته. قيل: أول من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكناني كان يقوم على جمل في الموسم فينادي:\nإن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ثم ينادي في القبائل إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه.\nوالجملتان تفسير للضلال أو حال. لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ أي ليوافقوا عدة الأربعة المحرمة، واللام متعلقة","vol":"3","page":80},{"text":"بيحرمونه أو بما دل عليه مجموع الفعلين فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ بمواطأة العدة وحدها من غير مراعاة الوقت.\nزُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وقرئ على البناء للفاعل وهو الله تعالى، والمعنى خذلهم وأضلهم حتى حسبوا قبيح أعمالهم حسنًا. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ هداية موصلة إلى الاهتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ تباطأتم، وقرئ «تثاقلتم» على الأصل واثَّاقَلْتُمْ على الاستفهام للتوبيخ. إِلَى الْأَرْضِ متعلق به كأنه ضمن معنى الإِخلاد والميل فعدى بإلى، وكان ذلك في غزوة تبوك أمروا بها بعد رجوعهم من الطائف في وقت عسرة وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق عليهم. أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا وغرورها. مِنَ الْآخِرَةِ بدل الآخرة ونعيمها. فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فما التمتع بها. فِي الْآخِرَةِ في جنب الآخرة. إِلَّا قَلِيلٌ مستحقر.\nإِلَّا تَنْفِرُوا إن لا تنفروا إلى ما استنفرتم إليه. يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا بالإهلاك بسبب فظيع كقحط وظهور عدو. وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ويستبدل بكم آخرين مطيعين كأهل اليمن وأبناء فارس. وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا إذ لا يقدح تثاقلكم في نصر دينه شيئًا فإنه الغني عن كل شيء وفي كل أمر. وقيل الضمير للرسول ﷺ أي ولا تضروه فإن الله ﷾ وعد له بالعصمة والنصر ووعده حق. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا مددكما قال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-972>[سورة التوبة (٩): آية ٤٠]</span>\nإِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)\nإِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ أي إن لم تنصره فسينصره الله كما نصره. إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ ولم يكن معه إلا رجل واحد، فحذف الجزاء وأقيم ما هو كالدليل عليه مقامه، أو إن لم تنصروه فقد أوجب الله له النصر حتى نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذله في غيره، وإسناد الإِخراج إلى الكفرة لأن همهم بإخراجه أو قتله تسبب لإذن الله له بالخروج. وقرئ «ثَانِيَ اثنين» بالسكون على لغة من يجري المنقوص مجرى المقصور في الإعراب ونصبه على الحال. إِذْ هُما فِي الْغارِ بدل من إذ أخرجه بدل البعض إذ المراد به زمان متسع، والغار نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة مكثا فيه ثلاثًا. إِذْ يَقُولُ بدل ثان أو ظرف لثاني. لِصاحِبِهِ وهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا بالعصمة والمعونة.\nروي (أن المشركين طلعوا فوق الغار فأشفق أبو بكر رضي الله تعالى عنه على رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، فأعماهم الله عن الغار فجعلوا يترددون حوله فلم يروه) .\nوقيل لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت فنسجت عليه. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ أمنته التي تسكن عندها القلوب. عَلَيْهِ على النبي ﷺ، أو على صاحبه وهو الأظهر لأنه كان منزعجًا. وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها يعني الملائكة أنزلهم ليحرسوه في الغار أو ليعينوه على العدو يوم بدر والأحزاب وحنين، فتكون الجملة معطوفة على قوله نَصَرَهُ اللَّهُ. وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى يعني الشرك أو دعوة الكفر. وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا يعني التوحيد أو دعوة الإِسلام، والمعنى وجعل ذلك بتخليص","vol":"3","page":81},{"text":"الرسول ﷺ عن أيدي الكفار إلى المدينة فإنه المبدأ له، أو بتأييده إياه بالملائكة في هذه المواطن أو بحفظه ونصره له حيث حضر. وقرأ يعقوب وَكَلِمَةُ اللَّهِ بالنصب عطفًا على كلمة الَّذِينَ، والرفع أبلغ لما فيه من الإِشعار بأن كَلِمَةُ اللَّهِ عالية في نفسها وإن فاق غيرها فلا ثبات لتفوقه ولا اعتبار ولذلك وسط الفصل. وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ في أمره وتدبيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>[سورة التوبة (٩): آية ٤١]</span>\nانْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)\nانْفِرُوا خِفافًا لنشاطكم له. وَثِقالًا عنه لمشقته عليكم، أو لقلة عيالكم ولكثرتها أو ركبانًا ومشاة، أو خفافًا وثقالًا من السلاح، أو صحاحًا ومراضًا ولذلك\nلما قال ابن أم مكتوم لرسول الله ﷺ: أعلي أن أنفر قال «نعم» . حتى نزل لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ.\nوَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بما أمكن لكم منهما كليهما أو أحدهما. ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ من تركه. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الخير علمتم أنه خير، أو إن كنتم تعلمون أنه خير إذ إخبار الله تعالى به صدق فبادروا إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-974>[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nلَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣)\nلَوْ كانَ عَرَضًا أي لو كان ما دعوا إليه نفعًا دنيويًا. قَرِيبًا سهل المأخذ. وَسَفَرًا قاصِدًا متوسطًا. لَاتَّبَعُوكَ لوافقوك. وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ أي المسافة التي تقطع بمشقة. وقرئ بكسر العين والشين. وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ أي المتخلفون إذا رجعت من تبوك معتذرين. لَوِ اسْتَطَعْنا يقولون لو كان لنا استطاعة العدة أو البدن. وقرئ «لَوِ استطعنا» بضم الواو تشبيهًا لها بواو الضمير في قوله: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ. لَخَرَجْنا مَعَكُمْ ساد مسد جوابي القسم والشرط، وهذا من المعجزات لأنه إخبار عما وقع قبل وقوعه. يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بإيقاعها في العذاب، وهو بدل من سيحلفون لأن الحلف الكاذب إيقاع للنفس في الهلاك أو حال من فاعله. وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في ذاك لأنهم كانوا مستطيعين الخروج.\nعَفَا اللَّهُ عَنْكَ كناية لا عن خطئه في الإِذن فإن العفو من روادفه. لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ بيان لما كني عنه بالعفو ومعاتبة عليه، والمعنى لأي شيء أذنت لهم في القعود حين استأذنوك واعتلوا بأكاذيب وهلا توقفت.\nحَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في الاعتذار. وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ فيه. قيل إنما فعل رسول الله ﷺ شيئين لم يؤمر بهما، أخذه للفداء وإذنه للمنافقين فعاتبه الله عليهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nلاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)\nلاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي ليس من عادة المؤمنون: أن يستأذنوك في أن يجاهدوا فإن الخلص منهم يبادرون إليه ولا يتوقفون على الاذن فيه فضلًا أن يستأذنوك في التخلف عنه، أو أن يستأذنوك في التخلف كراهة أن يجاهدوا. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ شهادة لهم بالتقوى وعده لهم بثوابه.\nإِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ في التخلف. الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تخصيص الإيمان بالله ﷿","vol":"3","page":82},{"text":"واليوم الآخر في الموضعين للإِشعار بأن الباعث على الجهاد والوازع عنه الإِيمان وعدم الإِيمان بهما.\nوَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ يتحيرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>[سورة التوبة (٩): آية ٤٦]</span>\nوَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦)\nوَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ للخروج. عُدَّةً أهبة وقرئ «عده» بحذف التاء عند الإضافة كقوله:\nإِنَّ الخَلِيطَ أَجَدُّوا البَيْنَ فَانْجَرَدُوا ... وَأَخْلَفُوكَ عَدَّا الأمر الّذي وعدوا\nو«عده» بكسر العين بالإضافة و«عدة» بغيرها. وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ استدرك عن مفهوم قوله:\nوَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ كأنه قال ما خرجوا ولكن تثبطوا لأنه تعالى كره انبعاثهم أي نهوضهم للخروج.\nفَثَبَّطَهُمْ فحبسهم بالجبن والكسل. وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ تمثيل لإِلقاء الله كراهة الخروج في قلوبهم، أو وسوسة الشيطان بالأمر بالقعود، أو حكاية قول بعضهم لبعض، أو إذن الرسول ﵇ لهم والقاعدين يحتمل المعذورين وغيرهم وعلى الوجهين لا يخلو عن ذم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>[سورة التوبة (٩): آية ٤٧]</span>\nلَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَّا زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)\nلَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَّا زادُوكُمْ بخروجهم شيئًا. إِلَّا خَبالًا فسادًا وشرًا ولا يستلزم ذلك أن يكون لهم خبال حتى لو خرجوا زادوه لأن الزيادة باعتبار أعم العام الذي وقع منه الاستثناء، ولأجل هذا التوهم جعل الاستثناء منقطعًا وليس كذلك لأنه لا يكون مفرغًا. وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ولأسرعوا ركائبهم بينكم بالنميمة والتضريب، أو الهزيمة والتخذيل من وضع البعير وضعًا إذا أسرع. يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم أو الرعب في قلوبكم، والجملة حال من الضمير في «أوضعوا» . وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ضعفة يسمعون قولهم ويطيعونهم، أو نمامون يسمعون حديثكم للنقل إليهم. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ فيعلم ضمائرهم وما يتأتى منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nلَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩)\nلَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ تشتيت أمرك وتفريق أصحابك. مِنْ قَبْلُ يعني يوم أحد فطن ابن أبي وأصحابه كما تخلفوا عن تبوك بعد ما خرجوا مع الرسول ﷺ إلى ذي جدة أسفل من ثنية الوداع انصرفوا يوم أحد. وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ودبروا لك المكايد والحيل ودوروا الآراء في إبطال أمرك. حَتَّى جاءَ الْحَقُّ بالنصر والتأييد الإلهي. وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وعلا دينه. وَهُمْ كارِهُونَ أي على رغم منهم، والآيتان لتسلية الرسول ﷺ والمؤمنين على تخلفهم وبيان ما ثبطهم الله لأجله وكره انبعاثهم له وهتك أستارهم وكشف أسرارهم وإزاحة اعتذارهم تداركًا لما فوت الرسول ﷺ بالمبادرة إلى الأذن ولذلك عوتب عليه. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي في القعود. وَلا تَفْتِنِّي ولا توقعني في الفتنة أي في العصيان والمخالفة بأن لا تأذن لي، وفيه إشعار بأنه لا محالة متخلف أذن له أم لم يأذن، أو في الفتنة بسبب ضياع المال والعيال إذ لا كافل لهم بعدي. أو في الفتنة لنساء الروم لما\nروي: أن جد بن قيس قال: قد علمت الأنصار أني مولع بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر","vol":"3","page":83},{"text":"ولكني أعينك بمالي فاتركني.\nأَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف أو ظهور النفاق لا ما احترزوا عنه. وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ جامعًا لهم يوم القيامة، أو الآن لأن إحاطة أسبابها بهم كوجودها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nإِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)\nإِنْ تُصِبْكَ في بعض غزواتك. حَسَنَةٌ ظفر وغنيمة. تَسُؤْهُمْ لفرط حسدهم. وَإِنْ تُصِبْكَ في بعضها. مُصِيبَةٌ كسر أو شدة كما أصاب يوم أحد. يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ تبجحوا بانصرافهم واستحمدوا رأيهم في التخلف. وَيَتَوَلَّوْا عن متحدثهم بذلك ومجتمعهم له، أو عن الرسول ﷺ. وَهُمْ فَرِحُونَ مسرورون.\nقُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا إلا ما اختصنا بإثباته وإيجابه من النصرة، أو الشهادة أو ما كتب لأجلنا في اللوح المحفوظ لا يتغير بموافقتكم ولا بمخالفتكم. وقرئ «هل يصيبنا» و«هل يصيبنا» وهو من فيعل لا من فعل لأنه من بنات الواو لقولهم صاب السهم يصوب واشتقاقه من الصواب لأنه وقوع الشيء فيما قصد به. وقيل من الصوب. هُوَ مَوْلانا ناصرنا ومتولي أمورنا. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ لأن حقهم أن لا يتوكلوا على غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nقُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٣)\nقُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا تنتظرون بنا. إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إلا إحدى العاقبتين اللتين كل منهما حسنى العواقب: النصرة والشهادة. وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أيضًا إحدى السوأيين أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ بقارعة من السماء. أَوْ بِأَيْدِينا أو بعذاب بأيدينا وهو القتل على الكفر. فَتَرَبَّصُوا ما هو عاقبتنا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقبتكم.\nقُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ أمر في معنى الخبر، أي لن يتقبل منكم نفقاتكم أنفقتم طوعًا أو كرهًا. وفائدته المبالغة في تساوي الانفاقين في عدم القبول كأنهم أمروا بأن يمتحنوا فينفقوا وينظروا هل يتقبل منهم. وهو جواب قول جد بن قيس وأعينك بمالي. ونفي التقبل يحتمل أمرين أن لا يؤخذ منهم وأن لا يثابوا عليه وقوله: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ تعليل له على سبيل الاستئناف وما بعده بيان وتقرير له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nوَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥)\nوَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ أي وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم.\nوقرأ حمزة والكسائي «أن يقبل» بالياء لأن تأنيث النفقات غير حقيقي. وقرئ «يقبل» على أن الفعل لله. وَلا","vol":"3","page":84},{"text":"يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى\nمتثاقلين. وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ لأنهم لا يرجون بهما ثوابًا ولا يخافون على تركهما عقابًا.\nفَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ فإن ذلك استدراج ووبال لهم كما قال. إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها من المتاعب وما يرون فيها من الشدائد والمصائب.\nوَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة فيكون ذلك استدراجًا لهم. وأصل الزهوق الخروج بصعوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nوَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)\nوَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ إنهم لمن جملة المسلمين. وَما هُمْ مِنْكُمْ لكفر قلوبهم. وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين فيظهرون الإِسلام تقية.\nلَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً حصنا يلجئون إليه أَوْ مَغاراتٍ غيرانًا. أَوْ مُدَّخَلًا نفقًا ينجحرون فيه مفتعل من الدخول وقرأ يعقوب مُدَّخَلًا من مدخل. وقرئ «مُّدْخَلًا» أي مكانًا يدخلون فيه أنفسهم و«متدخلًا» و«مندخلًا» من تدخل واندخل لَوَلَّوْا إِلَيْهِ لأقبلوا نحوه. وَهُمْ يَجْمَحُونَ يسرعون إسراعًا لا يردهم شيء كالفرس الجموح. وقرئ «يجمزون» ومنه الجمازة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩)\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ يعيبك. وقرأ يعقوب يَلْمِزُكَ بالضم وابن كثير «يلامزك» . فِي الصَّدَقاتِ في قسمها. فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ قيل إنها نزلت في أبي الجواظ المنافق قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أنه يعدل.\nوقيل في ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج، كان رسول الله ﷺ يقسم غنائم حنين فاستعطف قلوب أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم فقال:\nاعدل يا رسول الله فقال: «ويلك إن لم أعدلْ فمن يعدل» .\nوإِذا للمفاجأة نائب مناب الفاء الجزائية.\nوَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ما أعطاهم الرسول من الغنيمة أو الصدقة، وذكر الله للتعظيم وللتنبيه على أن ما فعله الرسول ﵊ كان بأمره. وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ\nكفانا فضله سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ صدقة أو غنيمة أخرى. وَرَسُولُهُ فيؤتينا أكثر مما آتانا. إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ في أن يغنينا من فضله، والآية بأسرها في حيز الشرط، والجواب محذوف تقديره خَيْرًا لَّهُمْ. ثم بين مصارف الصدقات تصويبًا وتحقيقًا لما فعله الرسول ﷺ فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]</span>\nإِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)\nإِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ أي الزكوات لهؤلاء المعدودين دون غيرهم، وهو دليل على أن المراد باللمز لمزهم في قسم الزكوات دون الغنائم. والفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعًا من حاجته من الفقار كأنه أصيب فقاره. والمسكين من له مال أو كسب لا يكفيه من السكون كأن العجز أسكنه، ويدل عليه","vol":"3","page":85},{"text":"قوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ وأنه ﷺ كان يسأل المسكنة ويتعوذ من الفقر. وقيل بالعكس لقوله تعالى: أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ. وَالْعامِلِينَ عَلَيْها الساعين في تحصيلها وجمعها. وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ قوم أسلموا ونيتهم ضعيفة فيه فيستأنف قلوبهم أو أشراف قد يترتب بإعطائهم ومراعاتهم إسلام نظرائهم، وقد أعطى رسول الله ﷺ عيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس لذلك. وقيل أشراف يستألفون على أن يسلموا فإنه ﷺ كان يعطيهم والأصح أنه كان يعطيهم من خمس الخمس الذي كان خاص ماله وقد عد منهم من يؤلف قلبه بشيء منها على قتال الكفار ومانعي الزكاة. وقيل كان سهم المؤلفة لتكثير سواد الإسلام فلما أعزه الله وأكثر أهله سقط. وَفِي الرِّقابِ وللصرف في فك الرقاب بأن يعاون المكاتب بشيء منها على أداء النجوم. وقيل بأن تبتاع الرقاب فتعتق وبه قال مالك وأحمد أو بأن يفدي الأسارى. والعدول عن اللام إلى فِي للدلالة على أن الاستحقاق للجهة لا للرقاب. وقيل للايذان بأنهم أحق بها.\nوَالْغارِمِينَ والمديونين لأنفسهم في غير معصية ومن غير إسراف إذا لم يكن لهم وفاء، أو لإِصلاح ذات البين وإن كانوا أغنياء\nلقوله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني أو لعامل عليها»\nوَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وللصرف في الجهاد بالإِنفاق على المتطوعة وابتياع الكراع والسلاح. وقيل وفي بناء القناطر والمصانع. وَابْنِ السَّبِيلِ المسافر المنقطع عن ماله. فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ مصدر لما دل عليه الآية الكريمة أي فرض لهم الله الصدقات فريضة، أو حال من الضمير المستكن في لِلْفُقَراءِ. وقرئ بالرفع على تلك فَرِيضَةً. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يضع الأشياء في مواضعها، وظاهر الآية يقتضي تخصيص استحقاق الزكاة بالأصناف الثمانية ووجوب الصرف إلى كل صنف وجد منهم ومراعاة التسوية بينهم قضية للاشتراك وإليه ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه، وعن عمر وحذيفة وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين جواز صرفها إلى صنف واحد وبه قال الأئمة الثلاثة واختاره بعض أصحابنا، وبه كان يفتي شيخي ووالدي رحمهما الله تعالى على أن الآية بيان أن الصدقة لا تخرج منهم لا إيجاب قسمها عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>[سورة التوبة (٩): آية ٦١]</span>\nوَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١)\nوَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ يسمع كل ما يقال له ويصدقه، سمي بالجارحة للمبالغة كأنه من فرط استماعه صار جملته آلة السماع كما سمي الجاسوس عينًا لذلك، أو اشتق له فعل من أذن أذنًا إذا استمع كأنف وشلل. روي أنهم قالوا محمد أذن سامعه نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول. قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ تصديق لهم بأنه أذن ولكن لا على الوجه الذي ذموا به بل من حيث إنه يسمع الخير ويقبله، ثم فسر ذلك بقوله: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يصدق به لما قام عنده من الأدلة. وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ويصدقهم لما علم من خلوصهم، واللام مزيدة للتفرقة بين إيمان التصديق فإنه بمعنى التسليم وإيمان الأمان. وَرَحْمَةٌ أي وهو رحمة. لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ لمن أظهر الإِيمان حيث يقبله ولا يكشف سره، وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم جهلًا بحالكم بل رفقًا بكم وترحمًا عليكم. وقرأ حمزة وَرَحْمَةٌ بالجر عطفًا على خَيْرٍ. وقرئ بالنصب على أنها علة فعل دل عليه أُذُنُ خَيْرٍ أي يأذن لكم رحمة. وقرأ نافع أُذُنٌ بالتخفيف فيهما.\nوقرئ «أُذُنُ خَيْرٍ» على أن خَيْرٍ صفة له أو خبر ثان وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بإيذائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)","vol":"3","page":86},{"text":"يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ على معاذيرهم فيما قالوا أو تخلفوا. لِيُرْضُوكُمْ لترضوا عنهم والخطاب للمؤمنين. وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ أحق بالإِرضاء بالطاعة والوفاق، وتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين أو لأن الكلام في إيذاء الرسول ﷺ وإرضائه، أو لأن التقدير والله أحق أن يرضوه والرسول كذلك. إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ صدقًا.\nأَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ أن الشأن وقرئ بالتاء. مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يشاقق مفاعلة من الحد. فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها على حذف الخبر أي فحق أن له أو على تكرير أن للتأكيد ويحتمل أن يكون معطوفًا على أنه ويكون الجواب محذوفًا تقديره من يحادد الله ورسوله يهلك، وقرئ «فَإن» بالكسر. ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ يعني الهلاك الدائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٤ الى ٦٥]</span>\nيَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥)\nيَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ على المؤمنين. سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ وتهتك عليهم أستارهم، ويجوز أن تكون الضمائر للمنافقين فإن النازل فيهم كالنازل عليهم من حيث إنه مقروء ومحتج به عليهم، وذلك يدل على ترددهم أيضًا في كفرهم وأنهم لم يكونوا على بت في أمر الرسول ﷺ بشيء. وقيل إنه خبر في معنى الأمر. وقيل كانوا يقولونه فيما بينهم استهزاء لقوله: قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مبرز أو مظهر. مَّا تَحْذَرُونَ أي ما تحذرونه من إنزال السورة فيكم، أو ما تحذرون إظهاره من مساويكم.\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ\nروي: أن ركب المنافقين مروا على رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه هيهات هيهات، فأخبر الله تعالى به نبيه فدعاهم فقال: «قلتم كذا وكذا» فقالوا لا والله ما كنا في شيء من أمرك وأمر أصحابك ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر.\nقُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ توبيخًا على استهزائهم بمن لا يصح الاستهزاء به، وإلزامًا للحجة عليهم ولا تعبأ باعتذارهم الكاذب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>[سورة التوبة (٩): آية ٦٦]</span>\nلا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)\nلاَ تَعْتَذِرُوا لا تشتغلوا باعتذارتكم فإنها معلومة الكذب. قَدْ كَفَرْتُمْ قد أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول ﷺ والطعن فيه. بَعْدَ إِيمانِكُمْ بعد إظهاركم الإيمان. إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ لتوبتهم وإخلاصهم، أو لتجنبهم عن الإيذاء والاستهزاء. تعذّب طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ مصرين على النفاق أو مقدمين على الإِيذاء والاستهزاء. وقرأ عاصم بالنون فيهما. وقرئ بالياء وبناء الفاعل فيهما وهو الله «وإن تعف» بالتاء والبناء على المفعول ذهابًا إلى المعنى كأنه قال: أن ترحم طائفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nالْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨)\nالْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي متشابهة في النفاق والبعد عن الإِيمان كأبعاض الشيء","vol":"3","page":87},{"text":"الواحد. وقيل إنه تكذيب لهم في حلفهم بالله إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وتقرير لقولهم وَما هُمْ مِنْكُمْ وما بعده كالدليل عليه، فإنه يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين وهو قوله: يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ بالكفر والمعاصي.\nوَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ عن الإِيمان والطاعة. وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ عن المبار، وقبض اليد كناية عن الشح.\nنَسُوا اللَّهَ أغفلوا ذكر الله وتركوا طاعته. فَنَسِيَهُمْ فتركهم من لطفه وفضله. إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ الكاملون في التمرد والفسوق عن دائرة الخير.\nوَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها مقدرين الخلود. هِيَ حَسْبُهُمْ عقابًا وجزاء وفيه دليل على عظم عذابها. وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ أبعدهم من رحمته وأهانهم. وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ لا ينقطع والمراد به ما وعدوه أو ما يقاسونه من تعب النفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>[سورة التوبة (٩): آية ٦٩]</span>\nكَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩)\nكَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي أنتم مثل الذين، أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم. كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا بيان لتشبيههم بهم وتمثيل حالهم بحالهم. فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ نصيبهم من ملاذ الدنيا، واشتقاقه من الخلق بمعنى التقدير فإنه ما قدر لصاحبه. فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ ذم الأولين باستمتاعهم بحظوظهم المخدجة من الشهوات الفانية والتهائهم بها عن النظر في العاقبة والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية تمهيدًا لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم. وَخُضْتُمْ ودخلتم في الباطل. كَالَّذِي خاضُوا كالذين خاضوا، أو كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض الذي خاضوه.\nأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لم يستحقوا عليها ثوابًا في الدارين. وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ الذين خسروا الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>[سورة التوبة (٩): آية ٧٠]</span>\nأَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)\nأَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ أغرقوا بالطوفان. وَعادٍ أهلكوا بالريح. وَثَمُودَ أهلكوا بالرجفة. وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ أهلك نمروذ ببعوض وأهلك أصحابه. وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وأهل مدين وهم قوم شعيب أهلكوا بالنار يوم الظلة. وَالْمُؤْتَفِكاتِ قريات قوم لوط ائتفكت بهم أي انقلبت بهم فصار عاليها سافلها، وأمطروا حجارة من سجيل، وقيل قريات المكذبين المتمردين وائتفاكهن انقلاب أحوالهن من الخير إلى الشر. أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ يعني الكل. بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي لم يك من عادته ما يشابه ظلم الناس كالعقوبة بلا جرم. وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>[سورة التوبة (٩): آية ٧١]</span>\nوَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)\nوَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في مقابلة قوله الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في سائر الأمور.\nأُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ لا محالة فإن السين مؤكدة للوقوع. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب على كل شيء لا يمتنع","vol":"3","page":88},{"text":"عليه ما يريده. حَكِيمٌ يضع الأشياء مواضعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>[سورة التوبة (٩): آية ٧٢]</span>\nوَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)\nوَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً تستطيبها النفس أو يطيب فيها العيش\nوفي الحديث أنها قصور من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الأحمر.\nفِي جَنَّاتِ عَدْنٍ إقامة وخلود.\nوعنه ﵊ عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة النبيون والصديقون والشهداء يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك.\nومرجع العطف فيها يحتمل أن يكون إلى تعدد الموعود لكل واحد أو للجميع على سبيل التوزيع، أو إلى تغاير وصفه فكأنه وصفه أولًا بأنه من جنس ما هو أبهى الأماكن التي يعرفونها لتميل إليه طباعهم أول ما يقرع أسماعهم، ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش معرى عن شوائب الكدورات التي لا تخلو عن شيء منها أماكن الدنيا وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، ثم وصفه بأنه دار إقامة وثبات في جوار عليين لا يعتريهم فيها فناء ولا تغير، ثم وعدهم بما هو أكبر من ذلك فقال: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ لأنه المبدأ لكل سعادة وكرامة والمؤدي إلى نيل الوصول والفوز باللقاء،\nوعنه ﷺ: إن الله تعالى يقول لأهل الجنة هل رضيتم فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأي شيء من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا.\nذلِكَ أي الرضوان أو جميع ما تقدم. هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي تستحقر دونه الدنيا وما فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٣ الى ٧٤]</span>\nيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)\nيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف. وَالْمُنافِقِينَ بإلزام الحجة وإقامة الحدود. وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ في ذلك ولا تحابهم. وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مصيرهم.\nيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا\nروي أنه ﷺ أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المتخلفين فقال الجلاس بن سويد: لئن كان ما يقول محمد لإخواننا حقًا لنحن شر من الحمير، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فاستحضره فحلف بالله ما قاله فنزلت فتاب الجلاس وحسنت توبته.\nوَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وأظهروا الكفر بعد إظهار الإِسلام. وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا من فتك الرسول، وهو أن خمسة عشر منهم توافقوا عند مرجعه من تبوك أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذ تسنم العقبة بالليل، فأخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح فقال إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا، أو إخراجه وإخراج المؤمنين من المدينة أو بأن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله ﷺ. وَما نَقَمُوا وما أنكروا أو ما وجدوا ما يورث نقمتهم. إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فإن أكثر أهل المدينة كانوا محاويج في ضنك من العيش، فلما قدمهم رسول الله ﷺ أثروا بالغنائم وقتل للجلاس مولى فأمر رسول الله ﷺ بديته اثني عشر ألفًا فاستغنى. والاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل أو العلل. فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وهو الذي حمل الجلاس على التوبة والضمير في يَكُ","vol":"3","page":89},{"text":"للتوب. وَإِنْ يَتَوَلَّوْا بالإِصرار على النفاق. يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ بالقتل والنار. وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ فينجيهم من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-995>[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)\nوَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ\nنزلت في ثعلبة بن حاطب أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يرزقني مالا فقال ﵊: يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالًا لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له فاتخذ غنمًا، فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديًا وانقطع عن الجماعة والجمعة، فسأل عنه رسول الله ﷺ فقيل كثر ماله حتى لا يسعه واد فقال: يا ويح ثعلبة، فبعث رسول الله ﷺ مصدقين لأخذ الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه الكتاب الذي فيه الفرائض فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية فارجعا حتى أرى رأيي فنزلت، فجاء ثعلبة بالصدقة فقال النبي ﷺ: إن الله منعني أن أقبل منك فجعل يحثو التراب على رأسه فقال هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني، فقبض رسول الله ﷺ فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فلم يقبلها، ثم جاء إلى عمر رضي الله تعالى عنه في خلافته فلم يقبلها وهلك في زمان عثمان رضي الله تعالى عنه.\nفَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ منعوا حق الله منه. وَتَوَلَّوْا عن طاعة الله. وَهُمْ مُعْرِضُونَ وهم قوم عادتهم الإعراض عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٧ الى ٧٨]</span>\nفَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨)\nفَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ أي فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقًا وسوء اعتقاد في قلوبهم، ويجوز أن يكون الضمير للبخل والمعنى فأورثهم البخل نفاقًا متمكنًا في قلوبهم. إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ يلقون الله بالموت أو يلقون عملهم أي جزاءه وهو يوم القيامة بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصدق والصلاح. وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ وبكونهم كاذبين فيه فإن خلف الوعد متضمن للكذب مستقبح من الوجهين أو المقال مطلقا وقرئ «يَكْذِبُونَ» بالتشديد.\nأَلَمْ يَعْلَمُوا أي المنافقون أو من عاهد الله وقرئ بالتاء على الالتفات. أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ما أسروه في أنفسهم من النفاق أو العزم على الإخلاف. وَنَجْواهُمْ وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن، أو تسمية الزكاة جزية. وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ فلا يخفى عليه ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>[سورة التوبة (٩): آية ٧٩]</span>\nالَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)\nالَّذِينَ يَلْمِزُونَ ذم مرفوع أو منصوب أو بدل من الضمير في سرهم. وقرئ «يُلْمِزُونَ» بالضم.\nالْمُطَّوِّعِينَ المتطوعين. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ\nروي: أنه ﷺ حث على الصدقة، فجاء عبد الرحمن ابن عوف بأربعة آلاف درهم وقال كان لي ثمانية آلاف فأقرضت ربي أربعة وأمسكت لعيالي أربعة، فقال رسول الله ﷺ «بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت» فبارك الله له حتى صولحت إحدى امرأتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم، وتصدق عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع","vol":"3","page":90},{"text":"تمر فقال بت ليلتي أجر بالجرير على صاعين فتركت صاعًا لعيالي وجئت بصاع، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره على الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء ولقد كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنه أحب أن يذكر بنفسه ليعطى من الصدقات. فنزلت\n: وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ إلا طاقتهم. وقرئ بالفتح وهو مصدر جهد في الأمر إذا بالغ فيه. فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ يستهزئون بهم. سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ جازاهم على سخريتهم كقوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ على كفرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>[سورة التوبة (٩): آية ٨٠]</span>\nاسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠)\nاسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ يريد به التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم كما نص عليه بقوله:\nإِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.\nروي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من المخلصين سأل رسول الله ﷺ في مرض أبيه أن يستغفر له، ففعل ﵊ فنزلت، فقال ﵊: لأزيدن على السبعين فنزلت: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.\nوذلك لأنه ﵊ فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل فجوز أن يكون ذلك حدًا يخالفه حكم ما وراءه، فبين له أن المراد به التكثير دون التحديد، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة ونحوها في التكثير، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد فكأنّه العدد بأسره. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إشارة إلى أن اليأس من المغفرة وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا ولا قصور فيك بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنها. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ المتمردين في كفرهم، وهو كالدليل على الحكم السابق فإن مغفرة الكافر بالإِقلاع عن الكفر والإِرشاد إلى الحق، والمنهمك في كفره المطبوع عليه لا ينقلع ولا يهتدي، والتنبيه على عذر الرسول في استغفاره وهو عدم يأسه من إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم لقوله تعالى: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>[سورة التوبة (٩): الآيات ٨١ الى ٨٢]</span>\nفَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)\nفَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ بقعودهم عن الغزو خلفه يقال أقام خلاف الحي أي بعدهم، ويجوز أن يكون بمعنى المخالفة فيكون انتصابه على العلة أو الحال. وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيثارًا للدعة والخفض على طاعة الله، وفيه تعريض بالمؤمنين الذين آثروا عليها تحصيل رضاه ببذل الأموال والمهج. وَقالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ أي قال بعضهم لبعض أو قالوه للمؤمنين تثبيطًا. قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا وقد آثرتموها بهذه المخالفة. لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ أن مآبهم إليها، أو أنها كيف هي ما اختاروها بإيثار الدعة على الطاعة.\nفَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ إخبار عما يؤول إليه حالهم في الدنيا والآخرة أخرجه على صيغة الأمر للدلالة على أنه حتم واجب، ويجوز أن يكون الضحك والبكاء كنايتين عن السرور والغم والمراد من القلة العدم.","vol":"3","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1000>[سورة التوبة (٩): آية ٨٣]</span>\nفَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣)\nفَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فإن ردك إلى المدينة وفيها طائفة من المتخلفين يعني منافقيهم فإن كلهم لم يكونوا منافقين، أو من بقي منهم وكان المتخلفون اثني عشر رجلًا. فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ إلى غزوة أخرى بعد تبوك فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إخبار في معنى النهي للمبالغة. إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ تعليل له وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم وأَوَّلَ مَرَّةٍ هي الخرجة إلى غزوة تبوك. فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ أي المتخلفين لعدم لياقتهم للجهاد كالنساء والصبيان.\nوقرئ مع «الخلفين» على قصر الْخالِفِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٤ الى ٨٥]</span>\nوَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥)\nوَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا\nروي: (أن عبد الله بن أبي دعا رسول الله ﷺ في مرضه، فلما دخل عليه سأله أن يستغفر له ويكفنه في شعاره الذي يلي جسده ويصلي عليه فلما مات أرسل قميصه ليكفن فيه وذهب ليصلي عليه) فنزلت. وقيل صلى عليه ثم نزلت\n، وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه ونهى عن الصلاة عليه لأن الضن بالقميص كان مخلًا بالكرم ولأنه كان مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين أسر ببدر، والمراد من الصلاة الدعاء للميت والاستغفار له وهو ممنوع في حق الكافر ولذلك رتب النهي على قوله:\nماتَ أَبَدًا يعني الموت على الكفر فإن إحياء الكافر للتعذيب دون التمتع فكأنه لم يحيَ. وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ولا تقف عند قبره للدفن أو الزيارة. إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ تعليل للنهي أو لتأبيد الموت.\nوَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ تكرير للتأكيد والأمر حقيق به فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد والنفوس مغتبطة عليها. ويجوز أن تكون هذه في طريق غير الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nوَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧)\nوَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من القرآن ويجوز أن يراد بها بعضها. أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ بأن آمنوا بالله ويجوز أن تكون أن المفسرة. وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ ذوو الفضل والسعة. وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ الذين قعدوا لعذر.\nرَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ مع النساء جمع خالفه وقد يقال الخالفة للذي لا خير فيه. وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ما في الجهاد وموافقة الرسول من السعادة وما في التخلف عنه من الشقاوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nلكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)","vol":"3","page":92},{"text":"لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد من هو خير منهم. وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ منافع الدارين النصر والغنيمة في الدنيا والجنة والكرامة في الآخرة. وقيل الحور لقوله تعالى: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ وهي جمع خيرة تخفيف خيرة. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالمطالب.\nأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ بيان لما لهم من الخيرات الأخروية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1004>[سورة التوبة (٩): آية ٩٠]</span>\nوَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠)\nوَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ يعني أسدًا وغطفان استأذنوا في التخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال. وقيل هم رهط عامر بن الطفيل قالوا إن غزونا معك أغارت طيئ على أهالينا ومواشينا.\nوالمعذر إما من عذر في الأمر إذا قصر فيه موهمًا أن له عذرًا ولا عذر له، أو من اعتذر إذا مهد العذر بإدغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين، ويجوز كسر العين لالتقاء الساكنين وضمها للاتباع لكن لم يقرأ بهما.\nوقرأ يعقوب الْمُعَذِّرُونَ من أعذر إذا اجتهد في العذر. وقرئ «المعذرون» بتشديد العين والذال على أنه من تعذر بمعنى اعتذر وهو لحن إذ التاء لا تدغم في العين، وقد اختلف في أنهم كانوا معتذرين بالتصنع أو بالصحة فيكون قوله: وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في غيرهم وهم منافقو الأعراب كذبوا الله ورسوله في إدعاء الإِيمان وإن كانوا هم الأولين فكذبهم بالاعتذار. سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ من الأعراب أو من المعذرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره عَذابٌ أَلِيمٌ بالقتل والنار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩١ الى ٩٢]</span>\nلَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢)\nلَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى كالهرمى والزمنى. وَلا عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ لفقرهم كجهينة ومزينة وبني عذرة. حَرَجٌ إثمٌ في التأخر. إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بالإِيمان والطاعة في السر والعلانية كما يفعل الموالي الناصح، أو بما قدروا عليه فعلًا أو قولًا يعود على الإِسلام والمسلمين بالصلاح مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ أي ليس عليهم جناح ولا إلى معاتبتهم سبيل وإنما وضع المحسنين موضع الضمير للدلالة على أنهم منخرطون في سلك المحسنين غير معاتبين لذلك. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لهم أو للمسيء فكيف للمحسن.\nوَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ عطف على الضُّعَفاءِ أو على الْمُحْسِنِينَ،\nوهم البكاؤون سبعة من الأنصار: معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعلية بن زيد، أتوا رسول الله ﷺ وقالوا: قد نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغز معك، فقال ﵇: «لا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا وهم يبكون.\nوقيل هم بنو مقرن: معقل وسويد والنعمان. وقيل أبو موسى وأصحابه. قُلْتَ لاَ أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ حال من الكاف في أَتَوْكَ بإضمار قد. تَوَلَّوْا جواب إذا. وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ تسيل. مِنَ الدَّمْعِ أي دمعًا فإن من","vol":"3","page":93},{"text":"للبيان وهي مع المجرور في محل النصب على التمييز وهو أبلغ من يفيض دمعها، لأنه يدل على أن العين صارت دمعًا فياضًا. حَزَنًا نصب على العلة أو الحال أو المصدر لفعل دل عليه ما قبله. أَلَّا يَجِدُوا لئلا يجدوا متعلق ب حَزَنًا أو ب تَفِيضُ. مَا يُنْفِقُونَ في مغزاهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٣ الى ٩٤]</span>\nإِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)\nإِنَّمَا السَّبِيلُ بالمعاتبة. عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ واجدون الأهبة. رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ استئناف لبيان ما هو السبب لاستئذانهم من غير عذر وهو رضاهم بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف إيثارًا للدعة. وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ حتى غفلوا عن وخامة العاقبة. فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مغبته.\nيَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ في التخلف. إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ من هذه السفرة. قُلْ لاَّ تَعْتَذِرُوا بالمعاذير الكاذبة لأنه: لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ لن نصدقكم لأنه: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ أعلمنا بالوحي إلى نبيه بعض أخباركم وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد. وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ أتتوبون عن الكفر أم تثبتون عليه فكأنه استتابة وإمهال للتوبة. ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي إليه فوضع الوصف موضع الضمير للدلالة على أنه مطلع على سرهم وعلنهم لا يفوت عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم. فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بالتوبيخ والعقاب عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1007>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٥ الى ٩٦]</span>\nسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦)\nسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فلا تعاتبوهم فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ولا توبخوهم.\nإِنَّهُمْ رِجْسٌ لا ينفع فيهم التأنيب فإن المقصود منه التطهير بالحمل على الإنابة وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير فهو علة لإعراض وترك المعاتبة. وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ من تمام التعليل وكأنه قال: إنهم أرجاس من أهل النار لا ينفع فيهم التوبيخ فِى الدنيا والآخرة، أَوْ تعليل ثان والمعنى: أن النار كفتهم عتابًا فلا تتكلفوا عتابهم.\nجَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يجوز أن يكون مصدرًا وأن يكون علة.\nيَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ بحلفهم فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم. فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أي فإن رضاكم لا يستلزم رضا الله ورضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا في سخط الله وبصدد عقابه، وإن أمكنهم أن يلبسوا عليكم لا يمكنهم أن يلبسوا على الله فلا يهتك سترهم ولا ينزل الهوان بهم، والمقصود من الآية النهي عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم بعد الأمر بالإعراض وعدم الالتفات نحوهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٧ الى ٩٨]</span>\nالْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)","vol":"3","page":94},{"text":"الْأَعْرابُ أهل البدو. أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا من أهل الحضر لتوحشهم وقساوتهم وعدم مخالطتهم لأهل العلم وقلة استماعهم للكتاب والسنة. وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا وأحق بأن لا يعلموا. حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ الشرائع فرائضها وسنتها. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر. حَكِيمٌ فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم عقابًا وثوابًا.\nوَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ يعْدُّ مَا يُنْفِقُ يصرفه في سبيل الله ويتصدق به. مَغْرَمًا غرامة وخسرانًا إذ لا يحتسبه قربة عند الله ولا يرجو عليه ثوابًا وإنما ينفق رياء أو تقية. وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ دوائر الزمان ونوبه لينقلب الأمر عليكم فيتخلص من الانفاق. عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصون أو الإِخبار عن وقوع ما يتربصون عليهم، والدائرة في الأصل مصدر أو اسم فاعل من دار يدور وسمي به عقبة الزمان، والسَّوْءِ بالفتح مصدر أضيف إليه للمبالغة كقولك رجل صدق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو السَّوْءِ هنا. وفي الفتح بضم السين. وَاللَّهُ سَمِيعٌ لما يقولون عند الانفاق. عَلِيمٌ بما يضمرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>[سورة التوبة (٩): آية ٩٩]</span>\nوَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)\nوَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ سبب قُرُباتٍ وهي ثاني مفعولي يَتَّخِذُ، وعِنْدَ اللَّهِ صفتها أو ظرف ل يَتَّخِذُ. وَصَلَواتِ الرَّسُولِ وسبب صلواته لأنه ﷺ كان يدعو للمتصدقين ويستغفر لهم، ولذلك سن للمصدق عليه أن يدعو للمصدق عند أخذ صدقته لكن ليس له أن يصلي عليه كما\nقال ﷺ «اللهم صل على آل أبي أوفى»\n، لأنه منصبه فله أن يتفضل به على غيره. أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ شهادة من الله بصحة معتقدهم وتصديق لرجائهم على الاستئناف مع حرف التنبيه وإن المحققة للنسبة والضمير لنفقتهم وقرأ ورش قُرْبَةٌ بضم الراء. سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ وعد لهم بإحاطة الرحمة عليهم والسين لتحقيقه وقوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لتقريره. وقيل الأولى في أسد وغطفان وبني تميم والثانية في عبد الله ذي البجادين وقومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٠]</span>\nوَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)\nوَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ هم الذين صلوا إلى القبلتين أو الذين شهدوا بدرًا أو الذين أسلموا قبل الهجرة. وَالْأَنْصارِ أهل بيعة العقبة الأولى. وكانوا سبعة وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة صعب بن عمير. وقرئ بالرفع عطفًا على وَالسَّابِقُونَ. وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ اللاحقون بالسابقين من القبيلتين، أو من اتبعوهم بالإِيمان والطاعة إلى يوم القيامة. ﵃ بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم. وَرَضُوا عَنْهُ بما نالوا من نعمه الدينية والدنيوية. وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ وقرأ ابن كثير «من تحتها الأنهار» كما في سائر المواضع. خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>[سورة التوبة (٩): آية ١٠١]</span>\nوَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١)","vol":"3","page":95},{"text":"وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ أي وممن حول بلدتكم يعني المدينة. مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ هم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا نازلين حولها. وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عطف على مِمَّنْ حَوْلَكُمْ أو خبر لمحذوف صفته. مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ ونظيره في حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قوله:\nأَنَا ابنُ جَلا وَطَلاَّع الثنَايَا وعلى الأول صفة للمنافقين فصل بينها وبينه بالمعطوف على الخبر أو كلام مبتدأ لبيان تمرنهم وتمهرهم في النفاق. لاَ تَعْلَمُهُمْ لا تعرفهم بأعيانهم وهو تقرير لمهارتهم فيه وتنوقهم في تحامي مواقع التهم إلى حد أخفى عليك حالهم مع كمال فطنتك وصدق فراستك. نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ونطلع على أسرارهم إن قدروا أن يلبسوا عليك لم يقدروا أن يلبسوا علينا. سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ بالفضيحة والقتل أو بأحدهما وعذاب القبر، أو بأخذ الزكاة ونهك الأبدان. ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ إلى عذاب النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٢]</span>\nوَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)\nوَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ولم يعتذروا عن تخلفهم بالمعاذير الكاذبة، وهم طائفة من المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سَوَاري المسجد لما بلغهم ما نزل في المتخلفين،\nفقدم رسول الله ﷺ فدخل المسجد على عادته فصلى ركعتين فرآهم فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى تحلهم فقال: وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم فنزلت فأطلقهم.\nخَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا خلطوا العمل الصالح الذي هو إظهار الندم والاعتراف بالذنب بآخر سيئ هو التخلف وموافقة أهل النفاق، والواو إما بمعنى الباء كما في قولهم: بعت الشاء شاة ودرهمًا. أو للدلالة على أن كل واحد منهما مخلوط بالآخر. عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أن يقبل توبتهم وهي مدلول عليها بقوله اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1013>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]</span>\nخُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)\nخُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً\nروي: أنهم لما أُطْلِقُوا قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا فتصدق بها وطهرنا فقال: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا» فنزلت.\nتُطَهِّرُهُمْ من الذنوب أو حب المال المؤدي بهم إلى مثله. وقرئ «تُطَهّرُهُمْ» من أطهره بمعنى طهره و«تُطَهّرُهُمْ» بالجزم جوابًا للأمر. وَتُزَكِّيهِمْ بِها وتنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين. وَصَلِّ عَلَيْهِمْ واعطف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم.\nإِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم، وجمعها لتعدد المدعو لهم وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالتوحيد. وَاللَّهُ سَمِيعٌ باعترافهم. عَلِيمٌ بندامتهم.\nأَلَمْ يَعْلَمُوا الضمير إما للمتوب عليهم والمراد أن يمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتداد بصدقاتهم، أو لغيرهم والمراد به التحضيض عليهما. أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ إذا صحت وتعديته ب عَنْ لتضمنه معنى التجاوز. وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ يقبلها قبول من يأخذ شيئًا ليؤدي بدله. وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وأن من شأنه قبول توبة التائبين والتفضل عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]</span>\nوَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)","vol":"3","page":96},{"text":"وَقُلِ اعْمَلُوا ما شئتم. فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ فإنه لا يخفى عليه خيرًا كان أو شرًا. وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ فإنه تعالى لا يخفى عنهم كما رأيتم وتبين لكم. وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ بالموت.\nفَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بالمجازاة عليه.\nوَآخَرُونَ من المتخلفين. مُرْجَوْنَ مؤخرون أي موقوف أمرهم من أرجأته إذا أخرته. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص مُرْجَوْنَ بالواو وهما لغتان. لِأَمْرِ اللَّهِ في شأنهم. إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ إن أصروا على النفاق. وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ إن تابوا والترديد للعباد، وفيه دليل على أن كلا الأمرين بإرادة الله تعالى.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوالهم. حَكِيمٌ فيما يفعل بهم. وقرئ «والله غفور رحيم»، والمراد بهؤلاء كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، أمر الرسول ﷺ أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم، فلما رأوا ذلك أخلصوا نياتهم وفوضوا أمرهم إلى الله فرحمهم الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٧]</span>\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧)\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا عطف على وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ، أو مبتدأ خبره محذوف أي وفيمن وصفنا الذين اتخذوا أو منصوب على الاختصاص. وقرأ نافع وابن عامر بغير الواو ضِرارًا مضارة للمؤمنين.\nوروي: (أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف، فبنوا مسجدًا على قصد أن يؤمهم فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام فلما أتموه أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: إنا قد بنينا مسجدًا لذي الحاجة والعلة والليلة المطيرة والشاتية فصل فيه حتى نتخذه مصلى فأخذ ثوبه ليقوم معهم فنزلت، فدعا بمالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن والوحشي فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعل واتخذ مكانه كناسة) .\nوَكُفْرًا وتقوية للكفر الذي يضمرونه. وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ يريد الذي كانوا يجتمعون للصلاة في مسجد قباء. وَإِرْصادًا ترقبًا. لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ يعني الراهب فإنه قال لرسول الله ﷺ يوم أحد: لا أجد قومًا يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين حتى انهزم مع هوازن وهرب إلى الشام ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله ﷺ، ومات بقنسرين وحيدًا، وقيل كان يجمع الجيوش يوم الأحزاب فلما انهزموا خرج إلى الشام. ومِنْ قَبْلُ متعلق ب حارَبَ أو ب اتَّخَذُوا أي اتخذوا مسجدًا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف، لما\nروي أنه بني قبيل غزوة تبوك فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتيه فقال: أنا على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه فلما قفل كرر عليه. فنزلت\nوَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى ما أردنا ببنائه إلا الخصلة الحسنى أو الإرادة الحسنى وهي الصلاة والذكر والتوسعة على المصلين وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في حلفهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٨]</span>\nلاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)\nلاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا للصلاة. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى يعني مسجد قباء أسسه رسول الله ﷺ وصلى فيه أيام مقامه بقباء من الاثنين إلى الجمعة لأنه أوفق للقصة، أو مسجد رسول الله ﷺ\nلقول أبي سعيد ﵁: «سألت رسول الله ﷺ عنه فقال هو مسجدكم هذا مسجد المدينة» .\nمِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ من أيام وجوده ومن يعم الزمان والمكان كقوله:\nلِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنةِ الحَجَر ... أَقَوَيْنَ مِنْ حجَجِ وَمِنْ دَهرٍ","vol":"3","page":97},{"text":"أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ أولى بأن تصلي فيه. فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا من المعاصي والخصال المذمومة طلبًا لمرضاة الله ﷾، وقيل من الجنابة فلا ينامون عليها. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ يرضى عنهم ويدنيهم من جنابه تعالى إدناء المحب حبيبه.\nقيل لما نزلت مشى رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال ﵊: «أمؤمنون أنتم»؟ فسكتوا..\nفأعادها فقال عمر: إنهم مؤمنون وأنا معهم، فقال ﵊: «أترضون بالقضاء»؟ قالوا: نعم. قال ﵊: «أتصبرون على البلاء»؟ قالوا: نعم، قال: «أتشكرون في الرخاء»؟ قالوا: نعم. فقال ﷺ: «أنتم مؤمنون ورب الكعبة» . فجلس ثم قال: «يا معشر الأنصار إن الله ﷿ قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط»؟ فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1017>[سورة التوبة (٩): آية ١٠٩]</span>\nأَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)\nأَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ بنيان دينه. عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ على قاعدة محكمة هي التقوى من الله وطلب مرضاته بالطاعة. أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها. فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ فأدى به لخوره وقلة استمساكه إلى السقوط في النار، وإنما وضع شفا الجرف وهو ما جرفه الوادي الهائر في مقابلة التقوى تمثيلًا لما بنوا عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس، ثم رشحه بانهياره به في النار ووضعه في مقابلة الرضوان تنبيهًا على أن تأسيس ذلك على أمر يحفظه من النار ويوصله إلى رضوان الله ومقتضياته التي الجنة أدناها، وتأسيس هذا على ما هم بسببه على صدد الوقوع في النار ساعة فساعة ثم إن مصيرهم إلى النار لا محالة. وقرأ نافع وابن عامر أُسِّسَ على البناء للمفعول. وقرئ «أساس بنيانه» و«أَسَّسَ بُنْيَانَهُ» على الإِضافة و«أَسَّسَ» و«آساس» بالفتح والمد و«إساس» بالكسر وثلاثتها جمع أس، و«تَقْوَى» بالتنوين على أن الألف للإِلحاق لا للتأنيث كتترى، وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر جُرُفٍ بالتخفيف. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ إلى ما فيه صلاحهم ونجاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>[سورة التوبة (٩): آية ١١٠]</span>\nلاَ يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)\nلاَ يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا بناؤهم الذي بنوه مصدر أريد به المفعول وليس بجمع ولذلك قد تدخله التاء ووصف بالمفرد وأخبر عنه بقوله: رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ أي شكا ونفاقًا، والمعنى أن بناءهم هذا لا يزال سبب شكهم وتزايد نفاقهم فإنه حملهم على ذلك ثم لما هدمه الرسول ﷺ رسخ ذلك في قلوبهم وازداد بحيث لا يزول وسمه عن قلوبهم. إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ قطعًا بحيث لا يبقى لها قابلية الإدراك والإضمار وهو في غاية المبالغة والاستثناء. من أعم الأزمنة. وقيل المراد بالتقطع ما هو كائن بالقتل أو في القبر أو في النار. وقيل التقطع بالتوبة ندمًا وأسفًا. وقرأ يعقوب «إلى» بحرف الانتهاء وتَقَطَّعَ بمعنى تتقطع وهو قراءة ابن عامر وحمزة وحفص. وقرئ «يقطع» بالياء و«تُقَطَّعَ» بالتخفيف و«تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ» على خطاب الرسول، أو كل مخاطب ولو قطعت ولو قطعت على البناء للفاعل والمفعول. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بنياتهم. حَكِيمٌ فيما أمر بهدم بنيانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1019>[سورة التوبة (٩): آية ١١١]</span>\nإِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)","vol":"3","page":98},{"text":"إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ تمثيل لإثابة الله إياهم الجنة على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيله. يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ استئناف ببيان ما لأجله الشراء. وقيل يقاتلون في معنى الأمر. وقرأ حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول وقد عرفت أن الواو لا توجب الترتيب وأن فعل البعض قد يسند إلى الكل. وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا مصدر مؤكد لما دل عليه الشراء فإنه في معنى الوعد. فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ مذكورًا فيهما كما أثبت في القرآن. وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ مبالغة في الإِنجاز وتقرير لكونه حقًا. فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ فافرحوا به غاية الفرح فإنه أوجب لكم عظائم المطالب كما قال: وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1020>[سورة التوبة (٩): آية ١١٢]</span>\nالتَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)\nالتَّائِبُونَ رفع على المدح أي هم التائبون، والمراد بهم المؤمنون المذكورون ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره التائبون من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا لقوله: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أو خبره ما بعده أي التائبون عن الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال. وقرئ بالياء نصبًا على المدح أو جرًا صفة للمؤمنين. الْعابِدُونَ الذين عبدوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين. الْحامِدُونَ لنعمائه أو لما نابهم من السراء والضراء. السَّائِحُونَ الصائمون\nلقوله ﷺ «سياحة أمتي الصوم»\nشبه بها لأنه يعوق عن الشهوات أو لأنه رياضة نفسانية يتوصل بها إلى الاطلاع على حفايا الملك والملكوت، أو السائحون للجهاد أو لطلب العلم.\nالرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ في الصلاة. الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ بالإِيمان والطاعة. وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ عن الشرك والمعاصي، والعاطف فيه للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة كأنه قال: الجامعون بين الوصفين، وفي قوله تعالى: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ أي فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع للتنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل وهذا مجملها. وقيل إنه للايذان بأن التعداد قد تم بالسابع من حيث أن السبعة هو العدد التام والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه ولذلك سمي واو الثمانية. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يعني به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل، ووضع الْمُؤْمِنِينَ موضع ضميرهم للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك وحذف المبشر به للتعظيم كأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1021>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٣ الى ١١٤]</span>\nمَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)\nمَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ\nروي: أنه ﷺ قال لأبي طالب لما حضرته الوفاة:\n«قل كلمة أحاج لك بها عند الله» فأبى فقال ﵊: «لا أزال استغفر لك ما لم أنه عنه» فنزلت وقيل لما افتتح مكة خرج إلى الأبواء فزار قبر أمه ثم قام مستعبرًا فقال: «إني استأذنت رب في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل علي الآيتين» .\nوَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ بأن ماتوا على الكفر، وفيه دليل على جواز الاستغفار لاحيائهم فإنه طلب توفيقهم للإِيمان وبه دفع النقض باستغفار إبراهيم ﵊ لأبيه الكافر فقال:","vol":"3","page":99},{"text":"وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ وعدها إبراهيم أباه بقوله: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ أي لأطلبن مغفرتك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب ما قبله، ويدل عليه قراءة من قرأ «أباه»، أو «وعدها إبراهيم أبوه» وهي الوعد بالإِيمان فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ بأن مات على الكفر، أو أوحي إليه بأنه لن يؤمن تَبَرَّأَ مِنْهُ قطع استغفاره. إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ لكثير التأوه وهو كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه. حَلِيمٌ صبور على الأذى، والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له مع شكاسته عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٥ الى ١١٦]</span>\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا أي ليسميهم ضُلاَّلًا ويؤاخذهم مؤاخذتهم بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ للإِسلام. حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَّا يَتَّقُونَ حتى يبين لهم حظر ما يجب اتقاؤه، وكأنه بيان عذر الرسول ﵊ في قوله لعمه أو لمن استغفر لأسلافه المشركين قبل المنع. وقيل إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر ونحو ذلك، وفي الجملة دليل على أن الغافل غير مكلف. إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيعلم أمرهم في الحالين.\nإِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ لما منعهم عن الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولي قربى وتضمن ذلك وجوب التبرؤ عنهم رأسًا، بين لهم أن الله مالك كل موجود ومتولي أمره والغالب عليه ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصرة إلا منه، ليتوجهوا بشراشرهم إليه ويتبرؤوا مما عداه حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1023>[سورة التوبة (٩): آية ١١٧]</span>\nلَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧)\nلَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ من إذن المنافقين في التخلف أو برأهم عن علقة الذنوب كقوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وقيل: هو بعث على التوبة والمعنى: ما من أحد إلا وهو محتاج إلى التوبة حتى النبي ﷺ والمهاجرون والأنصار لقوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا إذ ما من أحد إلا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من تلك النقيصة وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده. الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ في وقتها هي حالهم في غزوة تبوك كانوا في عسرة الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد والزاد حتى قيل إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة والماء حتى شربوا الفظ. مِن بَعْدِ مَا كَادَ تزيغ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ عن الثبات على الإيمان أو اتباع الرسول ﵇ وفي كادَ ضمير الشأن أو ضمير القوم والعائد إليه الضمير في مِنْهُمْ. وقرأ حمزة وحفص يَزِيغُ بالياء لأن تأنيث القلوب غير حقيقي. وقرئ «من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم» يعني المتخلفين. ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ تكرير للتأكيد وتنبيه على أنه تاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة، أو المراد أنه تاب عليهم لكيدودتهم.\nإِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1024>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٨ الى ١١٩]</span>\nوَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)","vol":"3","page":100},{"text":"وَعَلَى الثَّلاثَةِ وتاب على الثلاثة كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع. الَّذِينَ خُلِّفُوا تخلفوا عن الغزو أو خلف أمرهم فإنهم المرجؤون. حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي برحبها لإِعراض الناس عنهم بالكلية وهو مثل لشدة الحيرة. وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ قلوبهم من فرط الوحشة والغم بحيث لا يسعها أنس ولا سرور. وَظَنُّوا وعلموا. أَنْ لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ من سخطه. إِلَّا إِلَيْهِ إلا إلى استغفاره. ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ بالتوفيق للتوبة. لِيَتُوبُوا أو أنزل قبول توبتهم ليعدوا من جملة التائبين، أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم. إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ لمن تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة. الرَّحِيمُ المتفضل عليهم بالنعم.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ فيما لا يرضاه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ في إيمانهم وعهودهم، أو في دين الله نية وقولا وعملا. وقرئ «من الصادقين» أي في توبتهم وإنابتهم فيكون المراد به هؤلاء الثلاثة وأضرابهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٠]</span>\nمَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)\nمَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ نهي عبر عنه بصيغة النفي للمبالغة. وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ولا يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه عنه ويكابدوا معه ما يكابده من الأهوال.\nروي: (أن أبا خيثمة بلغ بستانه، وكانت له زوجة حسناء فرشت له في الظل وبسطت له الحصير وقربت إليه الرطب والماء البارد، فنظر فقال: ظل ظليل، ورطب يانع وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله ﷺ في الضح والريح ما هذا بخير، فقام فرحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر كالريح، فمد رسول الله ﷺ طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب فقال: كن أبا خيثمة فكانه ففرح به رسول الله ﷺ واستغفر له)\nوفي لا يَرْغَبُوا يجوز النصب والجزم. ذلِكَ إشارة إلى ما دل عليه قوله ما كان من النهي عن التخلف أو وجوب المشايعة. بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم. لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ شيء من العطش. وَلا نَصَبٌ تعب. وَلا مَخْمَصَةٌ مجاعة. فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ ولا يدوسون. مَوْطِئًا مكانًا. يَغِيظُ الْكُفَّارَ يغضبهم وطؤه. وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا كالقتل والأسر والنهب. إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إلا استوجبوا به الثواب وذلك مما يوجب المشايعة. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ على إحسانهم، وهو تعليل ل كُتِبَ وتنبيه على أن الجهاد إحسان، أما في حق الكفار فلأنه سعى في تكميلهم بأقصى ما يمكن كضرب المداوي للمجنون، وأما في حق المؤمنين فلأنه صيانة لهم عن سطوة الكفار واستيلائهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>[سورة التوبة (٩): آية ١٢١]</span>\nوَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)\nوَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولو علاَّقة. وَلا كَبِيرَةً مثل ما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة. وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا في مسيرهم وهو كل منعرج ينفذ فيه السيل اسم فاعل من ودي إذا سال فشاع بمعنى الأرض. إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ أثبت لهم ذلك. لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ بذلك. أَحْسَنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ جزاء أحسن أعمالهم أو أحسن جزاء أعمالهم.","vol":"3","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1027>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٢]</span>\nوَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)\nوَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً وما استقام لهم أن ينفروا جميعًا لنحو غزو أو طلب علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعًا فإنه يخل بأمر المعاش. فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ فهلا نفر من كل جماعة كثيرة كقبيلة وأهل بلدة جماعة قليلة. لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ليتكلفوا الفقاهة فيه ويتجشموا مشاق تحصيلها. وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم وإنذارهم، وتخصيصه بالذكر لأنه أهم وفيه دليل على أن التفقه والتذكير من فروض الكفاية وأنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم فيه أن يستقيم ويقيم لا الترفع على الناس والتبسط في البلاد. لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ إرادة أن يحذروا عما ينذرون منه، واستدل به على أن أخبار الآحاد حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر فرقتها كي يتذكروا ويحذروا، فلو لم يعتبر الأخبار ما لم يتواتر لم يفد ذلك، وقد أشبعت القول فيه تقريرًا واعتراضًا في كتابي «المرصاد» . وقد قيل للآية معنى آخر وهو أنه لما نزل في المتخلفين ما نزل سبق المؤمنون إلى النفير وانقطعوا عن التفقه، فأمروا أن ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد ويبقى أعقابهم يتفقهون حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر، لأن الجدال بالحجة هو الأصل والمقصود من البعثة فيكون الضمير في ليتفقهوا ولينذروا لبواقي الفرق بعد الطوائف النافرة للغزو، وفي رجعوا للطوائف أي ولينذروا البواقي قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصلوا أيام غيبتهم من العلوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1028>[سورة التوبة (٩): آية ١٢٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ أمروا بقتال الأقرب منهم فالأقرب كما أمر رسول الله ﷺ أولًا بإنذار عشيرته الأقربين، فإن الأقرب أحق بالشفقة والاستصلاح. وقيل هم يهود حوالي المدينة كقريظة والنضير وخيبر. وقيل الروم فإنهم كانوا يسكنون الشأم وهو قريب من المدينة. وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً شدة وصبرًا على القتال. وقرئ بفتح الغين وضمها وهما لغتان فيها. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالحراسة والإعانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٤ الى ١٢٥]</span>\nوَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥)\nوَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ فمن المنافقين مَنْ يَقُولُ انكار واستهزاء. أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ السورة.\nإِيمانًا وقرئ «أَيُّكُمْ» بالنصب على إضمار فعل يفسره زادَتْهُ. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا بزيادة العلم الحاصل من تدبر السورة وانضمام الإِيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم. وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ بنزولها لأنه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم.\nوَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ كفر. فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ كفرًا بها مضمومًا إلى الكفر بغيرها. وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1030>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٦ الى ١٢٧]</span>\nأَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (١٢٧)","vol":"3","page":102},{"text":"أَوَلا يَرَوْنَ يعني المنافقين وقرئ بالتاء. أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ يبتلون بأصناف البليات، أو بالجهاد مع رسول الله ﷺ فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات. فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ لا ينتهون ولا يتوبون من نفاقهم. وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ولا يعتبرون.\nوَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ تغامزوا بالعيون إنكارًا لها وسخرية، أو غيظًا لما فيها من عيوبهم. هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ أي يقولون هل يراكم أحد إن قمتم من حضرة الرسول ﷺ، فإن لم يرهم أحد قاموا وإن يرهم أحد أقاموا. ثُمَّ انْصَرَفُوا عن حضرته مخافة الفضيحة. صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الإِيمان وهو يحتمل الإخبار والدعاء. بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم. قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ لسوء فهمهم أو لعدم تدبرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1031>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٨ الى ١٢٩]</span>\nلَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)\nلَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ من جنسكم عربي مثلكم. وقرئ «من أَنفُسِكُمْ» أي من أشرفكم.\nعَزِيزٌ عَلَيْهِ شديد شاق. مَا عَنِتُّمْ عنتكم ولقاؤكم المكروه. حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي على إيمانكم وصلاح شأنكم. بِالْمُؤْمِنِينَ منكم ومن غيركم. رَؤُفٌ رَحِيمٌ قدم الأبلغ منهما وهو الرؤوف لأن الرأفة شدة الرحمة محافظة على الفواصل.\nفَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإِيمان بك. فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ فإنه يكفيك معرتهم ويعينك عليهم. لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ كالدليل عليه. عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ فلا أرجو ولا أخاف إلا منه. وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الملك العظيم، أو الجسم العظيم المحيط الذي تنزل منه الأحكام والمقادير. وقرئ «العظيم» بالرفع. وعن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: أن آخر ما نزل هاتان الآيتان\nوعن النبي ﷺ: «ما نزل القرآن علي إلا آية آية وحرفًا حرفًا ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد، فإنهما أنزلتا علي ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة»\nوالله أعلم.","vol":"3","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>(١٠) سورة يونس</span>\nمكية وهي مائة وتسع آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>[سورة يونس (١٠): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢)\nالر فخمها ابن كثير ونافع برواية قالون وحفص وقرأ ورش بين اللفظين، وأمالها الباقون إجراء لألف الراء مجرى المنقلبة من الياء. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ إشارة إلى ما تضمنته السورة أو القرآن من الآي والمراد من الكتاب أحدهما، ووصفه بالحكيم لاشتماله على الحكم أو لأنه كلام حكيم، أو محكم آياته لم ينسخ شيء منها. أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا استفهام إنكار للتعجب وعَجَبًا خبر كان واسمه: أَنْ أَوْحَيْنا وقرئ بالرفع على أن الأمر بالعكس أو على «أن كان» تامة وأَنْ أَوْحَيْنا بدل من عَجَبًا، واللام للدلالة على أنهم جعلوه أعجوبة لهم يوجهون نحوه إنكارهم واستهزاءهم. إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم. قيل كانوا يقولون العجب أن الله تعالى لم يجد رسولًا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وهو من فرط حماقتهم وقصور نظرهم على الأمور العاجلة وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوة. هذا وإنه ﵊ لم يكن يقصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه إلا في المال وخفة الحال أعون شيء في هذا الباب، ولذلك كان أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله كذلك. وقيل تعجبوا من أنه بعث بشرًا رسولًا كما سبق ذكره في سورة «الأنعام» . أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ أن هي المفسرة أو المخففة من الثقيلة فتكون في موقع مفعول أوحينا. وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا عمم الإنذار إذ قلما من أحد ليس فيه ما ينبغي أن ينذر منه، وخصص البشارة بالمؤمنين إذ ليس للكفار ما يصح أن يبشروا به حقيقة أَنَّ لَهُمْ بأن لهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ سابقة ومنزلة رفيعة سميت قدما لأن السبق بها كما سميت النعمة يدًا لأنها تعطى باليد، وإضافتها إلى الصدق لتحققها والتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول والنية. قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا يعنون الكتاب وما جاء به الرسول ﵊. لَسِحْرٌ مُبِينٌ وقرأ ابن كثير والكوفيون «لساحر» على أن الإِشارة إلى الرسول ﷺ، وفيه اعتراف بأنهم صادفوا من الرسول ﷺ أمورًا خارقة للعادة معجزة إياهم عن المعارضة. وقرئ «ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1034>[سورة يونس (١٠): آية ٣]</span>\nإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣)\nإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ التي هي أصول الممكنات. فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يقدر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته ويهيئ بتحريكه أسبابها وينزلها منه، والتدبير النظر في أدبار الأمور لتجيء محمودة العاقبة. مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ تقرير لعظمته وعز جلاله، ورد على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وفيه إثبات الشفاعة لمن أذن له ذلِكُمُ اللَّهُ أي","vol":"3","page":104},{"text":"الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية. رَبَّكُمُ لا غير إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك.\nفَاعْبُدُوهُ وحدوه بالعبادة. أَفَلا تَذَكَّرُونَ تتفكرون أدنى تفكر فينبهكم على أنه المستحق للربوبية والعبادة لا ما تعبدونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>[سورة يونس (١٠): آية ٤]</span>\nإِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)\nإِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا بالموت أو النشور لا إلى غيره فاستعدوا للقائه. وَعْدَ اللَّهِ مصدر مؤكد لنفسه لأن قوله إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ وعد من الله. حَقًّا مصدر آخر مؤكد لغيره وهو ما دل عليه وَعْدَ اللَّهِ. إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ بعد بدئه وإهلاكه. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ أي بعدله أو بعدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم أو بإيمانهم لأنه العدل القويم كما أن الشرك ظلم عظيم وهو الأوجه لمقابلة قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ فإن معناه ليجزي الذين كفروا بشراب مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بسبب كفرهم، لكنه غير النظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإِبداء والإعادة هو الإثابة والعقاب واقع بالعرض، وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه ولذلك لم يعينه، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم. والآية كالتعليل لقوله تعالى: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فإنه لما كان المقصود من الإبداء والإعادة مجازاة الله المكلفين على أعمالهم كان مرجع الجميع إليه لا محالة، ويؤيده قراءة من قرأ إِنَّهُ يَبْدَؤُا بالفتح أي لأنه ويجوز أن يكون منصوبًا أو مرفوعًا بما نصب وَعْدَ اللَّهِ أو بما نصب حَقًّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1036>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً أي ذات ضياء وهو مصدر كقيام أو جمع ضوء كسياط وسوط والياء فيه منقلبة عن الواو. وقرأ ابن كثير برواية قنبل هنا وفي «الأنبياء» وفي «القصص»: «ضئاء» بهمزتين على القلب بتقديم اللام على العين. وَالْقَمَرَ نُورًا أي ذا نور أو سمي نورًا للمبالغة وهو أعم من الضوء كما عرفت، وقيل ما بالذات ضوء وما بالعرض نور، وقد نبه ﷾ بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها والقمر نيرًا بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها. وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ الضمير لكل واحد أي قدر مسير كل واحد منهما منازل، أو قدره ذا منازل أو للقمر وتخصيصه بالذكر لسرعة سيره ومعاينة منازله وإناطة أحكام الشرع به ولذلك علله بقوله: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ حساب الأوقات من الأشهر والأيام في معاملاتكم وتصرفاتكم. مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ إلا ملتبسًا بالحق مراعيًا فيه مقتضى الحكمة البالغة.\nنُفَصِلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها وقرأ ابن كثير والبصريان وحفص يُفَصِّلُ بالياء.\nإِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من أنواع الكائنات. لَآياتٍ على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته. لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ العواقب فإنه يحملهم على التفكر والتدبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1037>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨)","vol":"3","page":105},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا لا يتوقعونه لإنكارهم البعث وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها. وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا من الآخرة لغفلتهم عنها. وَاطْمَأَنُّوا بِها وسكنوا إليها مقصرين هممهم على لذائذها وزخارفها، أو سكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها. وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ لا يتفكرون فيها لانهماكهم فيما يضادها والعطف إما لتغاير الوصفين والتنبيه على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأسًا والانهماك في الشهوات بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلًا، وإما لتغاير الفريقين والمراد بالأولين من أنكر البعث ولم ير إلاَّ الحياة الدنيا وبالآخرين من أَلهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والاعداد له.\nأُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بما واظبوا عليه وتمرنوا به من المعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدي إلى الجنة، أو لإدراك الحقائق كما\nقال ﵊ «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» .\nأو لما يريدونه في الجنة، ومفهوم الترتيب وإن دل على أن سبب الهداية هو الإِيمان والعمل الصالح لكن دل منطوق قوله: بِإِيمانِهِمْ على استقلال الإِيمان بالسببية وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف له. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ استئناف أو خبر ثان أو حال من الضمير المنصوب على المعنى الأخير، وقوله: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ خبر أو حال أخرى منه، أو من الْأَنْهارُ أو متعلق ب تَجْرِي أو بيهدي.\nدَعْواهُمْ فِيها أي دعاؤهم. سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ اللهم إنا نسبحك تسبيحًا. وَتَحِيَّتُهُمْ ما يحيي به بعضهم بعضًا، أو تحية الملائكة إياهم. فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ وآخر دعائهم. أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي أن يقولوا ذلك، ولعل المعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثم حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات أو الله تعالى فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام، وأَنِ هي المخففة من الثقيلة وقد قرئ بها وينصب «الحمد» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1039>[سورة يونس (١٠): آية ١١]</span>\nوَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)\nوَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ ولو يسرعه إليهم. اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ وضع موضع تعجيله لهم بالخير إشعارًا بسرعة إجابته لهم في الخير حتى كأن استعجالهم به تعجيل لهم أو بأن المراد شر استعجلوه كقولهم فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ وتقدير الكلام، ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالًا كاستعجالهم بالخير، فحذف منه ما حذف لدلالة الباقي عليه. لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ لأميتوا وأهلكوا وقرأ ابن عامر ويعقوب لَقضى على البناء للفاعل وهو الله تعالى وقرئ «لقضينا» . فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ عطف على فعل محذوف دلت عليه الشرطية كأنه قيل: ولكن لا نعجل ولا نقضي فنذرهم إمهالا لهم واستدراجا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>[سورة يونس (١٠): آية ١٢]</span>\nوَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)","vol":"3","page":106},{"text":"وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لإزالته مخلصًا فيه. لِجَنْبِهِ ملقى لجنبه أي مضطجعًا. أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا وفائدة الترديد تعميم الدعاء لجميع الأحوال أو لأصناف المضار. فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ يعني مضى على طريقته واستمر على كفره أو مر عن موقف الدعاء لا يرجع إليه. كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن كما قال:\nوَنَحْرٌ مُشْرِقُ اللَّوْن ... كَأْن ثَدْيَاهُ حُقَّان\nإِلى ضُرٍّ مَسَّهُ إلى كشف ضر. كَذلِكَ مثل ذلك التزيين. زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ من الانهماك في الشهوات والإِعراض عن العبادات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ يا أهل مكة. لَمَّا ظَلَمُوا حين ظلموا بالتكذيب واستعمال القوى والجوارح لا على ما ينبغي وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالحجج الدالة على صدقهم وهو حال من الواو بإضمار قد أو عطف على ظلموا. وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادهم وخذلان الله لهم وعلمه بأنهم يموتون على كفرهم، واللام لتأكيد النفي. كَذلِكَ مثل ذلك الجزاء وهو إهلاكهم بسبب تكذيبهم للرسل وإصرارهم عليه بحيث تحقق أنه لا فائدة في إمهالهم نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ نجزي كل مجرم أو نجزيكم فوضع المظهر موضع الضمير للدلالة على كمال جرمهم وأنهم أعلام فيه.\nثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من يختبر. لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ أتعملون خيرًا أو شرًا فنعاملكم على مقتضى أعمالكم، وكيف معمول تعملون فإن معنى الاستفهام يحجب أن يعمل فيه ما قبله، وفائدته الدلالة على أن المعتبر في الجزاء جهات الأفعال وكيفياتها لا هي من حيث ذاتها ولذلك يحسن الفعل تارة ويقبح أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1042>[سورة يونس (١٠): آية ١٥]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنَا يعني المشركين. ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا بكتاب آخر نقرؤه ليس فيه ما نستبعده من البعث والثواب والعقاب بعد الموت، أو ما نكرهه من معايب آلهتنا. أَوْ بَدِّلْهُ بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى ولعلهم سألوا ذلك كي يسعفهم إليه فيلزموه. قُلْ مَا يَكُونُ لِي ما يصح لي. أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي من قبل نفسي وهو مصدر استعمل ظرفًا، وإنما اكتفي بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن آخر. إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ تعليل لما يكون فإن المتبع لغيره في أمر لا يستبد بالتصرف فيه، وجواب للنقض بنسخ بعض الآيات ببعض ورد لما عرضوا له بهذا السؤال من أن القرآن كلامه واختراعه ولذلك قيد التبديل في الجواب وسماه عصيانًا فقال: إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي أي بالتبديل. عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وفيه إيماء بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>[سورة يونس (١٠): آية ١٦]</span>\nقُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦)","vol":"3","page":107},{"text":"قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ غير ذلك. مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ ولا أعلمكم به على لساني، وعن ابن كثير «ولأدراكم» بلام التأكيد أي لَوْ شَاء الله مَا تلوته عليكم ولأعلمكم به على لسان غيري. والمعنى أنه الحق الذي لا محيص عنه لو لم أرسل به لأرسل به غيري. وقرئ «ولا أدرأكم» «ولا أدرأتكم» بالهمز فيهما على لغة من يقلب الألف المبدلة من الياء همزة، أو على أنه من الدرء بمعنى الدفع أي ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرءونني بالجدال، والمعنى أن الأمر بمشيئة الله تعالى لا بمشيئتي حتى اجعله على نحو ما تشتهونه ثم قرر ذلك بقوله: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مقدارًا عمر أربعين سنة. مِنْ قَبْلِهِ من قبل القرآن لا أتلوه ولا أعلمه، فإنه إشارة إلى أن القرآن معجز خارق للعادة فإن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يمارس فيها علمًا ولم يشاهد عالما ولم ينشئ قريضًا ولا خطبة، ثم قرأ عليهم كتابًا بزت فصاحته فصاحة كل منطيق وعلا من كل منثور ومنظوم، واحتوى على قواعد علمي الأصول والفروع وأعرب عن أقاصيص الأولين وأحاديث الآخرين على ما هي عليه علم أنه معلوم به من الله تعالى. أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أفلا تستعملون عقلوكم بالتدبر والتفكر فيه لتعلموا أنه ليس إلا من الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لاَ يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا تفاد مما أضافوه إليه كناية، أو تظليم للمشركين بافترائهم على الله تعالى في قولهم إنه لذو شريك وذو ولد. أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ فكفر بها. إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ فإنه جماد لا يقدر على نفع ولا ضر، والمعبود ينبغي أن يكون مثيبًا ومعاقبًا حتى تعود عبادته بجلب نفع أو دفع ضر. وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ الأوثان. شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا أو في الآخرة إن يكن بعث، وكأنهم كانوا شاكين فيه وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة الموجد الضار النافع إلى عبادة ما يعلم قطعًا أنه لا يضر ولا ينفع على توهم أنه ربما يشفع لهم عنده. قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ أتخبرونه. بِما لاَ يَعْلَمُ وهو أن له شريكا أو هؤلاء شفعاء عنده وما لا يعلمه العالم بجميع المعلومات لا يكون له تحقق ما وفيه تقريع وتهكم بهم. فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ حال من العائد المحذوف مؤكدة للنفي منبهة على أن ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله إما سماوي وإما أرضي، ولا شيء من الموجودات فيهما إلا وهو حادث مقهور مثلهم لا يليق أن يشرك به. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به. وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الموضعين في أول «النحل» و«الروم» بالتاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)\nوَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً موحدين على الفطرة أو متفقين على الحق، وذلك في عهد آدم ﵇ إلى أن قتل قابيلُ هابيلَ أو بعد الطوفان، أو على الضلال في فترة من الرسل. فَاخْتَلَفُوا باتباع الهوى والأباطيل، أو ببعثه الرسل عليهم الصلاة والسلام فتبعتهم طائفة وأصرت أخرى. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير الحكم بينهم أو العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة فإنه يوم الفصل والجزاء. لَقُضِيَ","vol":"3","page":108},{"text":"بَيْنَهُمْ\nعاجلًا. فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ بإهلاك المبطل وإبقاء المحق.\nوَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي من الآيات التي اقترحوها. فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ هو المختص بعلمه فلعله يعلم في إنزال الآيات المقترحة من مفاسد تصرف عن إنزالها. فَانْتَظِرُوا لنزول ما اقترحتموه. إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لما يفعل الله بكم بجحودكم ما نزل علي من الآيات العظام واقتراحكم غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>[سورة يونس (١٠): آية ٢١]</span>\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً صحة وسعة. مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ كقحط ومرض. إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا بالطعن فيها والاحتيال في دفعها. قيل قحط أهل مكة سبع سنين حتى كادوا يهلكون ثم ﵏ بالحيا فطفقوا يقدحون في آيات الله ويكيدون رسوله. قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا منكم قد دبر عقابكم قبل أن تدبروا كيدكم، وإنما دل على سرعتهم المفضل عليها كلمة المفاجأة الواقعة جوابًا لإذا الشرطية والمكر اخفاء الكيد، وهو من الله تعالى إما الاستدراج أو الجزاء على المكر. إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ تحقيق للانتقام وتنبيه على أن ما دبروا في إخفائه لم يخف على الحفظة فضلًا أن يخفى على الله تعالى، وعن يعقوب يمكرون بالياء ليوافق ما قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nهُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)\nهُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ يحملكم على السير ويمكنكم منه. وقرأ ابن عامر «ينشركم» بالنون والشين من النشر. فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ في السفن، وَجَرَيْنَ بِهِمْ بمن فيها، عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم وينكر عليهم. بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ لينة الهبوب. وَفَرِحُوا بِها بتلك الريح. جاءَتْها جواب إذا والضمير للفلك أو للريح الطيبة، بمعنى تلقتها. رِيحٌ عاصِفٌ ذات عصف شديدة الهبوب. وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ يجيء الموج منه. وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ أهلكوا وسدت عليهم مسالك الخلاص كمن أحاط به العدو. دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ من غير إشراك لتراجع الفطرة وزوال المعارض من شدة الخوف، وهو بدل من ظَنُّوا بدل اشتمال لأن دعاءهم من لوازم ظنهم.\nلَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ على إرادة القول أو مفعول دَعَوُا لأنه من جملة القول.\nفَلَمَّا أَنْجاهُمْ إجابة لدعائهم. إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ فاجؤوا الفساد فيها وسارعوا إلى ما كانوا عليه. بِغَيْرِ الْحَقِّ مبطلين فيه وهو احتراز عن تخريب المسلمين ديار الكفرة وإحراق زروعهم وقلع أشجارهم فإنها إفساد بحق. يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ فإن وباله عليكم أو أنه على أمثالكم أبناء جنسكم. مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا منفعة الحياة الدنيا لا تبقى ويبقى عقابها، ورفعه على أنه خبر بَغْيُكُمْ وعَلى أَنْفُسِكُمْ صلته، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك متاع الحياة الدنيا وعَلى أَنْفُسِكُمْ خبر بَغْيُكُمْ، ونصبه حفص على أنه مصدر مؤكد أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا أو مفعول البغي لأنه بمعنى الطلب فيكون الجار من صلته والخبر محذوف تقديره بغيكم متاع الحياة الدنيا محذور أو ضلال، أو مفعول","vol":"3","page":109},{"text":"فعل دل عليه البغي وعلى أنفسكم خبره. ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ في القِيامة. فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بأجزاء عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>[سورة يونس (١٠): آية ٢٤]</span>\nإِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)\nإِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا حالها العجيبة في سرعة تقضيها وذهاب نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها.\nكَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضًا. مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ من الزروع والبقول والحشيش. حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها حسنها وبهجتها. وَازَّيَّنَتْ تزينت بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة كعروس أخذت من ألوان الثياب والزين فتزينت بها، وَازَّيَّنَتْ أصله تزينت فأدغم وقد قرئ على الأصل «وازينت» على أفعلت من غير اعلال كاغيلت، والمعنى صارت ذات زينة «وازيانت» كابياضت. وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها متمكنون من حصدها ورفع غلتها.\nأَتاها أَمْرُنا ضرب زرعها ما يجتاحه. لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها فجعلنا زرعها. حَصِيدًا شبيهًا بما حصد من أصله. كَأَنْ لَمْ تَغْنَ كأن لم يغن زرعها أي لم يلبث، والمضاف محذوف في الموضعين للمبالغة وقرئ بالياء على الأصل. بِالْأَمْسِ فيما قبيله وهو مثل في الوقت القريب والممثل به مضمون الحكاية وهو زوال خضرة النبات فجأة وذهابه حطاما بعد ما كان غضًا والتف، وزين الأرض حتى طمع فيه أهله وظنوا أنه قد سلم من الجوائح لا الماء وإن وليه حرف التشبيه لأنه من التشبيه المركب. كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فإنهم المنتفعون به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦)\nوَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ دار السلامة من التقضي والآفة، أو دار الله وتخصيص هذا الاسم أيضًا للتنبيه على ذلك، أو دار يسلم الله والملائكة فيها على من يدخلها والمراد الجنة. وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ بالتوفيق. إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هو طريقها وذلك الإسلام والتدرع بلباس التقوى، وفي تعميم الدعوة وتخصيص الهداية بالمشيئة دليل على أن الأمر غير الإرادة وأن المصر على الضلالة لم يرد الله رشده.\nلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى المثوبة الحسنى. وَزِيادَةٌ وما يزيد على المثوبة تفضلًا لقوله: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وقيل الحسنى مثل حسناتهم والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وأكثر، وقيل الزيادة مغفرة من الله ورضوان، وقيل الحسنى الجنة والزيادة هي اللقاء. وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ لا يغشاها. قَتَرٌ غبرة فيها سواد. وَلا ذِلَّةٌ هوان، والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل النار أو لا يرهقهم ما يوجب ذلك من حزن وسوء حال. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون لا زوال فيها ولا انقراض لنعيمها بخلاف الدنيا وزخارفها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ مَّا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨)","vol":"3","page":110},{"text":"وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها عطف على قوله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى على مذهب من يجوز: في الدار زيد والحجرة عمرو، أو الَّذِينَ مبتدأ، والخبر جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها على تقدير: وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، أي أن تجازى سيئة بسيئة مثلها لا يزاد عليها، وفيه تنبيه على أن الزيادة هي الفضل أو التضعيف أو كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ، أو أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ وما بينهما اعتراض ف جَزاءُ سَيِّئَةٍ مبتدأ خبره محذوف أي فجزاء سيئة بمثلها واقع، أو بمثلها على زيادة الباء أو تقدير مقدر بمثلها. وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وقرئ بالياء. مَّا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ ما من أحد يعصمهم من سخط الله، أو من جهة الله ومن عنده كما يكون للمؤمنين. كَأَنَّما أُغْشِيَتْ غطيت. وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا لفرط سوادها وظلمتها ومظلمًا حال من الليل والعامل فيه أُغْشِيَتْ لأنه العامل في قِطَعًا وهو موصوف بالجار والمجرور، والعامل في الموصوف عامل في الصفة أو معنى الفعل في مِنَ اللَّيْلِ. وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب قِطَعًا بالسكون فعلى هذا يصح أن يكون مُظْلِمًا صفة له أو حالًا منه. أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ مما يحتج به الوعيدية. والجواب أن الآية في الكفار لاشتمال السيئات على الكفر والشرك ولأن الذين أحسنوا يتناول أصحاب الكبيرة من أهل القبلة فلا يتناولهم قسيمة.\nوَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يعني الفريقين جميعًا. ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ ألزموا مكانكم حتى تنظروا ما يفعل بكم. أَنْتُمْ تأكيد للضمير المنتقل إليه من عامله. وَشُرَكاؤُكُمْ عطف عليه وقرئ بالنصب على المفعول معه. فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم. وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ مَّا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ مجاز عن براءة ما عبدوه من عبادتهم فإنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم لأنها الآمرة بالإِشراك لا ما أشركوا به. وقيل ينطق الله الأصنام فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي يتوقعون منها. وقيل المراد بالشركاء الملائكة والمسيح وقيل الشياطين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1051>[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nفَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)\nفَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ فإنه العالم بكنه الحال. إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ إِنْ هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة. هُنالِكَ في ذلك المقام. تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ تختبر مَّا قَدَّمَتْ من عمل فتعاين نفعه وضره. وقرأ حمزة والكسائي «تتلو» من التلاوة أي تقرأ ذكر ما قدمت، أو من التلو أي تتبع عملها فيقودها إلى الجنة أو إلى النار. وقرئ «نبلو» بالنون ونصب كُلُّ وإبدال مَا منه والمعنى نختبرها أي نفعل بها فعل المختبر لحالها المتعرف لسعادتها وشقاوتها بتعرف ما أسلفت من أعمالها، ويجوز أن يراد به نصيب بالبلاء أي بالعذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر فتكون مَا منصوبة بنزع الخافض. وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ إلى جزائه إياهم بما أسلفوا. مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ربهم ومتولي أمرهم على الحقيقة لا ما اتخذوه مولى، وقرئ «الحق» بالنصب على المدح أو المصدر المؤكد. وَضَلَّ عَنْهُمْ وضاع عَنْهُمْ. مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ من أن آلهتهم تشفع لهم، أو ما كانوا يدعون أنها آلهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1052>[سورة يونس (١٠): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nقُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)\nقُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي منهما جميعًا فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية ومواد أرضية أو مَنْ كل واحد منهما توسعة عليكم. وقيل من لبيان من على حذف المضاف أي من أهل السماء","vol":"3","page":111},{"text":"والأرض. أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ أم من يستطيع خلقهما وتسويتهما، أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالها من أدنى شيء. وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ومن يحيي ويميت، أو من ينشئ الحيوان من النطفة والنطفة منه. وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ومن يلي تدبير أمر العالم وهو تعميم بعد تخصيص. فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه. فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ أنفسكم عقابه بإشراككم إياه ما لا يشاركه في شيء من ذلك.\nفَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ أي المتولي لهذه الأمور المستحق للعبادة هو ربكم الثابت ربوبيته لأنه الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم. فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ استفهام إنكار أي ليس بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله تعالى وقع في الضلال. فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عن الحق إلى الضلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1053>[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)\nكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي كما حقت الربوبية لله أو إن الحق بعده الضلال، أو أنهم مصروفون عن الحق كذلك حقت كلمة الله وحكمه. وقرأ نافع وابن عامر «كلمات» هنا وفي آخر السورة وفي «غافر» عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا تمردوا في كفرهم وخرجوا عن حد الاستصلاح. أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بدل من الكلمة، أو تعليل لحقيتها والمراد بها العدة بالعذاب.\nقُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ جعل الإعادة كالإبداء في الإلزام بها لظهور برهانها وإن لم يساعدوا عليها، ولذلك أمر الرسول ﷺ أن ينوب عنهم في الجواب فقال قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لأن لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها. فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ تصرفون عن قصد السبيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nقُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦)\nقُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ بنصب الحجج وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام والتوفيق للنظر والتدبر، وهدى كما يعدى بإلى لتضمنه معنى الانتهاء يعدى باللام للدلالة على أن المنتهي غاية الهداية وأنها لم تتوجه نحوه على سبيل الاتفاق ولذلك عدى بها ما أسند إلى الله تعالى. قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَّ يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى أم الذي لا يهتدي إلا أن يهدى من قولهم:\nهدي بنفسه إذا اهتدى، أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله وهذا حال أشراف شركائهم كالملائكة والمسيح وعزير، وقرأ ابن كثير وورش عن نافع وابن عامر يهدِّى بفتح الهاء وتشديد الدال. ويعقوب وحفص بالكسر والتشديد والأصل يهتدي فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين. وروى أبو بكر يهدي بإتباع الياء الهاء. وقرأ أبو عمرو بالإدغام المجرد ولم يبال بالتقاء الساكنين لأن المدغم في حكم المتحرك. وعن نافع برواية قالون مثله وقرئ «إِلا أَنْ يَهْدِى» للمبالغة فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ بما يقتضي صريح العقل بطلانه. وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ فيما يعتقدونه. إِلَّا ظَنًّا مستندًا إلى خيالات فارغة وأقيسة فاسدة كقياس الغائب على الشاهد والخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة، والمراد بالأكثر الجميع أو من ينتمي منهم إلى تمييز ونظر ولا يرضى بالتقليد الصرف. إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ من العلم والاعتقاد","vol":"3","page":112},{"text":"الحق. شَيْئًا من الإِغناء ويجوز أن يكون مفعولًا به ومِنَ الْحَقِّ حالًا منه، وفيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب والاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ وعيد على اتباعهم للظن وإعراضهم عن البرهان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nوَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)\nوَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ افتراء من الخلق. وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مطابقًا لما تقدمه من الكتب الإلهية المشهود على صدقها ولا يكون كذبًا كيف وهو لكونه معجزًا دونها عيَّارٌ عليها شاهد على صحتها، ونصبه بأنه خبر لكان مقدرًا أو علة لفعل محذوف تقديره: ولكن أنزله الله تصديق الذي.\nوقرئ بالرفع على تقدير ولكن هو تصديق. وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ وتفصيل ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع. لاَ رَيْبَ فِيهِ منتفيًا عنه الريب وهو خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك، ويجوز أن يكون حالًا من الكتاب فإنه مفعول في المعنى وأن يكون استئنافًا. مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ خبر آخر تقديره كائنًا من رب العالمين أو متعلق بتصديق أو تفصيل، ولا رَيْبَ فِيهِ اعتراض أو بالفعل المعلل بهما ويجوز أن يكون حالًا من الكتاب أو من الضمير في فِيهِ، ومساق الآية بعد المنع عن اتباع الظن لبيان ما يجب اتباعه والبرهان عليه.\nأَمْ يَقُولُونَ بل أيقولون. افْتَراهُ محمد ﷺ ومعنى الهمزة فيه للإنكار. قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البلاغة وحسن النظم وقوة المعنى على وجه الافتراء فإنكم مثلي في العربية والفصاحة وأشد تمرنًا في النظم والعبارة. وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به. مِنْ دُونِ اللَّهِ سوى الله تعالى فإنه وحده قادر على ذلك. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنه اختلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>[سورة يونس (١٠): آية ٣٩]</span>\nبَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)\nبَلْ كَذَّبُوا بل سارعوا إلى التكذيب. بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ بالقرآن أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه، أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علمًا من ذكر البعث والجزاء وسائر ما يخالف دينهم. وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ولم يقفوا بعد على تأويله ولم تبلغ أذهانهم معانيه، أو ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإِخبار بالغيوب حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ صدق أم كذب، والمعنى أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى ثم إنهم فاجؤوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفحصوا معناه ومعنى التوقع في لما أنه قد ظهر لهم بالآخرة إعجازه لما كرر عليهم التحدي فزادوا قواهم في معارضته فتضاءلت دونها، أو لما شاهدوا وقوع ما أخبر به طبقًا لأخباره مرارًا فلم يقلعوا عن التكذيب تمردًا وعنادًا. كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أنبياءهم. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1057>[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)\nوَمِنْهُمْ ومن المكذبين. مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ من يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند، أو من","vol":"3","page":113},{"text":"سيؤمن به ويتوب عن الكفر. وَمِنْهُمْ مَنْ لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ في نفسه لفرط غباوته وقلة تدبره، أو فيما يستقبل بل يموت على الكفر، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ بالمعاندين أو المصرين.\nوَإِنْ كَذَّبُوكَ وإن أصروا على تكذيبك بعد إلزام الحجة. فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ فتبرأ منهم فقد أعذرت، والمعنى لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم حقًا كان أو باطلًا. أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم، ولما فيه من إيهام الإِعراض عنهم وتخلية سبيلهم قيل إنه منسوخ بآية السيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لاَ يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لاَ يُبْصِرُونَ (٤٣)\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكن لا يقبلون كالأصم الذي لا يسمع أصلًا. أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ تقدر على إسماعهم. وَلَوْ كانُوا لاَ يَعْقِلُونَ ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم. وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه ولذلك لا توصف به البهائم، وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره وعقولهم لما كانت مؤفة بمعارضة الوهم ومشايعة الإلف والتقليد، تعذر إفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق.\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ يعاينون دلائل نبوتك ولكن لا يصدقونك. أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ تقدر على هدايتهم. وَلَوْ كانُوا لاَ يُبْصِرُونَ وإن انضم إلى عدم البصر عدم البصيرة فإن المقصود من الإبصار هو الاعتبار والاستبصار والعمدة في ذلك البصيرة، ولذلك يحدس الأعمى المستبصر ويتفطن لما لا يدركه البصير الأحمق. والآية كالتعليل للأمر بالتبري والإعراض عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)\nإِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا بسلب حواسهم وعقولهم. وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بإفسادها وتفويت منافعها عليهم، وفيه دليل على أن للعبد كسبًا وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت المجبرة، ويجوز أن يكون وعيدًا لهم بمعنى أن ما يحيق بهم يوم القيامة من العذاب عدل من الله لا يظلمهم به ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه. وقرأ أبو عمرو والكسائي بالتخفيف ورفع الناس.\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور لهول ما يرون، والجملة التشبيهية في موضع الحال أي يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة، أو صفة ليوم والعائد محذوف تقديره: كأن لم يلبثوا قبله أو لمصدر محذوف، أي: حشرًا كأن لم يلبثوا قبله. يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ يعرف بعضهم بعضًا كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلًا، وهذا أول ما نشروا ثم ينقطع التعارف لشدة الأمر عليهم وهي حال أخرى مقدرة، أو بيان لقوله: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا أو متعلق الظرف والتقدير يتعارفون يوم يحشرهم.\nقَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ استئناف للشهادة على خسرانهم والتعجب منه، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير في يتعارفون على إرادة القول. وَما كانُوا مُهْتَدِينَ لطرق استعمال ما منحوا من المعاون في تحصيل المعارف فاستكسبوا بها جهالات أدت بهم إلى الردى والعذاب الدائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٦ الى ٤٧]</span>\nوَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (٤٧)","vol":"3","page":114},{"text":"وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ نبصرنك. بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب في حياتك كما أراه يوم بدر. أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن نريك. فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فنريكه في الآخرة وهو جواب نَتَوَفَّيَنَّكَ وجواب نُرِيَنَّكَ محذوف مثل فذاك. ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا يَفْعَلُونَ مجاز عليه ذكر الشهادة وأراد نتيجتها ومقتضاها ولذلك رتبها على الرجوع ب ثُمَّ، أو مؤد شهادته على أفعالهم يوم القيامة.\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم الماضية. رَسُولٌ يبعث إليهم ليدعوهم إلى الحق. فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ بالبينات فكذبوه. قُضِيَ بَيْنَهُمْ بين الرسول ومكذبيه. بِالْقِسْطِ بالعدل فأنجي الرسول وأهلك المكذبون.\nوَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وقيل معناه لكل أمة يوم القيامة رسول تنسب إليه فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان قضى بينهم بإنجاء المؤمنين وعقاب الكفار لقوله: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>[سورة يونس (١٠): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ استبعادًا له واستهزاء به. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خطاب منهم للنبي ﷺ والمؤمنين.\nقُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا فكيف أملك لكم فأستعجل في جلب العذاب إليكم. إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ أن أملكه أو ولكن مَا شَاء الله من ذلك كائن. لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ مضروب لهلاكهم. إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ لا يتأخرون ولا يتقدمون فلا تستعجلون فسيحين وقتكم وينجز وعدكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ الذي تستعجلون به. بَياتًا وقت بيات واشتغال بالنوم. أَوْ نَهارًا حين كنتم مشتغلين بطلب معاشكم. مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ أي شيء من العذاب يستعجلونه، وكله مكروه لا يلائم الاستعجال وهو متعلق ب أَرَأَيْتُمْ لأنه بمعنى أخبروني، والمجرمون وضع موضع الضمير للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء العذاب لا أن يستعجلوه، وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا خطأه، ويجوز أن يكون الجواب ماذا كقولك إن أتيتك ماذا تعطيني وتكون الجملة متعلقة ب أَرَأَيْتُمْ أو بقوله:\nأَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ بمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإِيمان، وماذا يستعجل اعتراض ودخول حرف الاستفهام على «ثم» لإنكار التأخير. آلْآنَ على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب آلآن آمنتم به. وعن نافع آلْآنَ بحذف الهمزة والفاء حركتها على اللام. وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ تكذيبًا واستهزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)\nثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عطف على قيل المقدر. ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ المؤلم على الدوام. هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ من الكفر والمعاصي.","vol":"3","page":115},{"text":"وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ويستخبرونك. أَحَقٌّ هُوَ أحق ما تقول من الوعد أو ادعاء النبوة تقوله بجد أم باطل تهزل به قاله حيي بن أخطب لما قدم مكة، والأظهر أن الاستفهام فيه على أصله لقوله: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ وقيل إنه للإنكار ويؤيده أنه قرئ «آلحق هو» فإن فيه تعريضًا بأنه باطل، وأحق مبتدأ والضمير مرتفع به ساد مسد الخبر أو خبر مقدم والجملة في موضع النصب ب يَسْتَنْبِئُونَكَ. قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ إن العذاب لكائن أو ما ادعيته لثابت. وقيل كلا الضميرين للقرآن، وإي بمعنى نعم وهو من لوازم القسم ولذلك يوصل بواوه في التصديق فيقال إي والله ولا يقال إي وحده. وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ بفائتين العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>[سورة يونس (١٠): آية ٥٤]</span>\nوَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤)\nوَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ بالشرك أو التعدي على الغير مَّا فِي الْأَرْضِ من خزائنها وأموالها.\nلَافْتَدَتْ بِهِ لجعلته فدية لها من العذاب، من قولهم افتداه بمعنى فداه. وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ لأنهم بهتوا بما عاينوا مما لم يحتسبوه من فظاعة الأمر وهوله فلم يقدروا أن ينطقوا. وقيل أَسَرُّوا النَّدامَةَ أخلصوها لأن إخفاءها إخلاصها، أو لأنه يقال سر الشيء لخالصته من حيث إنها تخفى ويضن بها. وقيل أظهروها من قولهم أسر الشيء وأشره إذا أظهره. وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ليس تكريرًا لأن الأول قضاء بين الأنبياء ومكذبيهم والثاني مجازاة المشركين على الشرك أو الحكومة بين الظالمين والمظلومين، والضمير إنما يتناولهم لدلالة الظلم عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nأَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)\nأَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تقرير لقدرته تعالى على الإثابة والعقاب. أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ما وعده من الثواب والعقاب كائن لا خلف فيه. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ لأنهم لا يعلمون لقصور عقولهم إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا.\nهُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ في الدنيا فهو يقدر عليهما في العقبى لأن القادر لذاته لا تزول قدرته، والمادة القابلة بالذات للحياة والموت لهما أبدًا. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالموت أو النشور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1066>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nيَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)\nيَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أي قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية الكاشفة عن محاسن الأعمال ومقابحها المرغبة في المحاسن والزاجرة عن المقابح، والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد وهدى إلى الحق واليقين ورحمة للمؤمنين، حيث أنزلت عليهم فنجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإِيمان، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان، والتنكير فيها للتعظيم.\nقُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ بإنزال القرآن، والباء متعلقة بفعل يفسره قوله: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا فإن اسم الإشارة بمنزلة الضمير تقديره بفضل الله وبرحمته فليعتنوا أو فليفرحوا فبذلك فليفرحوا، وفائدة ذلك التكرير التأكيد والبيان بعد الإجمال وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح أو بفعل دل عليه قَدْ جاءَتْكُمْ، وذلك إشارة إلى مصدره أي فبمجيئها فليفرحوا والفاء بمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فيهما فليفرحوا","vol":"3","page":116},{"text":"أو للربط بما قبلها، والدلالة على أن مجيء الكتاب الجامع بين هذه الصفات موجب للفرح وتكريرها للتأكيد كقوله:\nوَإِذَا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فَاجْزَعِي وعن يعقوب «فلتفرحوا» بالتاء على الأصل المرفوض، وقد روي مرفوعا ويؤيده أنه قرئ «فافرحوا» .\nهُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من حطام الدنيا فإنها إلى الزوال قريب وهو ضمير ذلك. وقرأ ابن عامر تجمعون بالتاء على معنى فبذلك فليفرح المؤمنون فهو خير مما تجمعونه أيها المخاطبون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٩ الى ٦٠]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ (٦٠)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ جعل الرزق منزلًا لأنه مقدر في السماء محصل بأسباب منها، وما في موضع النصب ب أَنْزَلَ أو ب أَرَأَيْتُمْ فإنه بمعنى أخبروني، ولكم دل على أن المراد منه ما حل ولذلك وبخ على التبعيض فقال: فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا مثل: هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ [وعند قوله تعالى] مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ في التحريم والتحليل فتقولون ذلك بحكمه. أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ في نسبة ذلك إليه ويجوز أن تكون المنفصلة متصلة ب أَرَأَيْتُمْ وقل مكرر للتأكيد وأن يكون الاستفهام للإنكار، وأَمْ منقطعة ومعنى الهمزة فيها تقرير لافترائهم على الله.\nوَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي شيء ظنهم. يَوْمَ الْقِيامَةِ أيحسبون أن لا يجازوا عليه، وهو منصوب بالظن ويدل عليه أنه قرئ بلفظ الماضي لأنه كائن، وفي إبهام الوعيد تهديد عظيم إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حيث أنعم عليهم بالعقل وهداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ هذه النعمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>[سورة يونس (١٠): آية ٦١]</span>\nوَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)\nوَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ ولا تكون في أمر، وأصله الهمز من شأنت شأنه إذا قصدت قصده والضمير في وَما تَتْلُوا مِنْهُ له لأن تلاوة القرآن معظم شأن الرسول، أو لأن القراءة تكون لشأن فيكون التقدير من أجله ومفعول تتلو مِنْ قُرْآنٍ على أن مِنْ تبعيضية أو مزيدة لتأكيد النفي أو لل قُرْآنٍ، وإضماره قبل الذكر ثم بيانه تفخيم له أو لله. وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم، ولذلك ذكر حيث خص ما فيه فخامة وذكر حيث عم ما يتناول الجليل والحقير. إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا رقباء مطلعين عليه. إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ تخوضون فيه وتندفعون. وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ولا يبعد عنه ولا يغيب عن علمه، وقرأ الكسائي بكسر الزاي هنا وفي «سبأ» . مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ موازن نملة صغيرة أو هباء. فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أي في الوجود والإمكان فإن العامة لا تعرف ممكنًا غيرهما ليس فيهما ولا متعلقًا بهما، وتقديم الأرض لأن الكلام في حال أهلها والمقصود منه البرهان على إحاطة علمه بها. وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ كلام برأسه مقرر لما قبله وَلاَ نافية وأَصْغَرَ اسمها وفِي كِتابٍ خبرها. وقرأ","vol":"3","page":117},{"text":"حمزة ويعقوب بالرفع على الابتداء والخبر، ومن عطف على لفظ مِثْقالِ ذَرَّةٍ وجعل الفتح بدل الكسر لامتناع الصرف أو على محله مع الجار جعل الاستثناء منقطعًا، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٢ الى ٦٤]</span>\nأَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)\nأَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة. لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه.\nوَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لفوات مأمول. والآية كمجمل فسره قوله:\nالَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ وقيل الذين آمنوا وكانوا يتقون بيان لتوليهم إياه.\nُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\nوهو ما بشر به المتقين في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ وما يريهم من الرؤيا الصالحة وما يسنح لهم من المكاشفات، وبشرى الملائكة عند النزع. فِي الْآخِرَةِ\nبتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة بيان لتوليه لهم، ومحل الَّذِينَ آمَنُوا النصب أو الرفع على المدح أو على وصف الأولياء أو على الابتداء وخبره هُمُ الْبُشْرى\n. تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ\nأي لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده. لِكَ\nإشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين. وَالْفَوْزُ الْعَظِيمُ\nهذه الجملة والتي قبلها اعتراض لتحقيق المبشر به وتعظيم شأنه، وليس من شرطه أن يقع بعده كلام يتصل بما قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>[سورة يونس (١٠): آية ٦٥]</span>\nوَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)\nوَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إشراكهم وتكذيبهم وتهديدهم. وقرأ نافع يَحْزُنْكَ من أحزنه وكلاهما بمعنى.\nإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا استئناف بمعنى التعليل ويدل عليه القراءة بالفتح كأنه قيل لا تحزن بقولهم ولا تبال بهم لأن الغلبة لله جميعًا لا يملك غيره شيئًا منها فهو يقهرهم وينصرك عليهم. هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم. الْعَلِيمُ بعزماتهم فيكافئهم عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1071>[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nأَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)\nأَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من الملائكة والثقلين، وإذا كان هؤلاء الذين هم أشرف الممكنات عبيدًا لا يصلح أحد منهم للربوبية فما لا يعقل منها أحق أن لا يكون له ندًا أو شريكًا فهو كالدليل على قوله: وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ أي شركاء على الحقيقة وإن كان يسمونها شركاء، ويجوز أن يكون شُرَكاءَ مفعول يَدْعُونَ ومفعول يَتَّبِعُ محذوف دل عليه. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ أي ما يتبعون يقينًا وإنما يتبعون ظنهم أنها شركاء، ويجوز أن تكون مَا استفهامية منصوبة ب يَتَّبِعُ أو موصولة معطوفة على من وقرئ «تدعون» بالتاء الخطابية والمعنى: أي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين، أي أنهم لا يتبعون إلا الله ولا يعبدون غيره فما لكم لا تتبعونهم فيه كقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ فيكون إلزامًا بعد برهان وما بعده مصروف عن خطابه لبيان سندهم ومنشأ رأيهم.\nوَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يكذبون فيما ينسبون إلى الله أو يحزرون ويقدرون أنها شركاء تقديرًا باطلًا.\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا تنبيه على كمال قدرته وعظم نعمته المتوحد هو","vol":"3","page":118},{"text":"بهما ليدلهم على تفرده باستحقاق العبادة، وإنما قال مُبْصِرًا ولم يقل لتبصروا فيه تفرقة بين الظرف المجرد والظرف الذي هو سبب. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع تدبر واعتبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1072>[سورة يونس (١٠): آية ٦٨]</span>\nقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٦٨)\nقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا أي تبناه. سُبْحانَهُ تنزيه له عن التبني فإنه لا يصح إلا ممن يتصور له الولد وتعجب من كلمتهم الحمقاء. هُوَ الْغَنِيُّ علة لتنزيهه فإن اتخاذ الولد مسبب عن الحاجة. لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تقرير لغناه. إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا نفي لمعارض ما أقامه من البرهان مبالغة في تجهيلهم وتحقيقًا لبطلان قولهم، وبِهذا متعلق ب سُلْطانٍ أو نعت لَهُ أو ب عِنْدَكُمْ كأنه قيل:\nإن عندكم في هذا من سلطان. أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ توبيخ وتقريع على اختلافهم وجهلهم. وفيه دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة وأن العقائد لا بد لها من قاطع وأن التقليد فيها غير سائغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nقُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)\nقُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ باتخاذ الولد وإضافة الشريك إليه. لاَ يُفْلِحُونَ لا ينجون من النار ولا يفوزون بالجنة.\nمَتاعٌ فِي الدُّنْيا خبر مبتدأ محذوف أي افتراؤهم متاع في الدنيا يقيمون به رئاستهم في الكفر أو حياتهم أو تقلبهم، مَتاعٌ مبتدأ خبره محذوف أي لهم تمتع في الدنيا. ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ بالموت فيلقون الشقاء المؤبد. ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ بسبب كفرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>[سورة يونس (١٠): آية ٧١]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١)\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ خبره مع قومه. إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ عظم عليكم وشق.\nمَقامِي نفسي كقولك فعلت كذا لمكان فلان، أو كوني وإقامتي بينكم مدة مديدة أو قيامي على الدعوة.\nوَتَذْكِيرِي إياكم. بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ وثقت به. فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ فأعزموا عليه.\nوَشُرَكاءَكُمْ أي مع شركائكم ويؤيده القراءة بالرفع عطفًا على الضمير المتصل، وجاز من غير أن يؤكد للفصل وقيل إنه معطوف على أَمْرَكُمْ بحذف المضاف أي وأمر شركائكم. وقيل إنه منصوب بفعل محذوف تقديره وادعوا شركاءكم وقد قرئ به، وعن نافع فَأَجْمِعُوا من الجمع، والمعنى أمرهم بالعزم أو الاجتماع على قصده والسعي في إهلاكه على أي وجه يمكنهم ثقة بالله وقلة مبالاة بهم. ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ في قصدي. عَلَيْكُمْ غُمَّةً مستورًا واجعلوه ظاهرًا مكشوفًا، من غمه إذا ستره أو ثم لا يكن حالكم عليكم غمًا إذا أهلكتموني وتخلصتم من ثقل مقامي وتذكيري. ثُمَّ اقْضُوا أدوا. إِلَيَّ ذلك الأمر الذي تريدون بي، وقرئ «ثم أفضوا إليَّ» بالفاء أي انتهوا إلي بشركم أو ابرزوا إلي، من أفضى إذا خرج إلى الفضاء. وَلا تُنْظِرُونِ ولا تمهلوني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)","vol":"3","page":119},{"text":"فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن تذكيري. فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ يوجب توليكم لثقله عليكم واتهامكم إياي لأجله، أو يفوتني لتوليكم. إِنْ أَجْرِيَ ما ثوابي على الدعوة والتذكير. إِلَّا عَلَى اللَّهِ لا تعلق له بكم يثيبني به آمنتم أو توليتم. وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ المنقادين لحكمه لا أخالف أمره ولا أرجو غيره.\nفَكَذَّبُوهُ فأصروا على تكذيبه بعد ما ألزمهم الحجة وبين أن توليهم ليس إلا لعنادهم وتمردهم لا جرم حقت عليهم كلمة العذاب. فَنَجَّيْناهُ من الغرق. وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وكانوا ثمانين. وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ من الهالكين به. وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بالطوفان. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن كذب الرسول ﷺ وتسلية له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>[سورة يونس (١٠): آية ٧٤]</span>\nثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)\nثُمَّ بَعَثْنا أرسلنا. مِنْ بَعْدِهِ من بعد نوح. رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ كل رسول إلى قومه. فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات الواضحة المثبتة لدعواهم. فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر وخذلان الله إياهم. بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي بسبب تعودهم تكذيب الحق وتمرنهم عليه قبل بعثه الرسل عليهم الصلاة والسلام. كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ بخذلانهم لانهماكهم في الضلال واتباع المألوف، وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد وقد مر تحقيق ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)\nثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ من بعد هؤلاء الرسل. مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا بالآيات التسع.\nفَاسْتَكْبَرُوا عن اتباعهما. وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ معتادين الإجرام فلذلك تهاونوا برسالة ربهم واجترءوا على ردها.\nفَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا وعرفوه بتظاهر المعجزات الباهرة المزيلة للشك. قالُوا من فرط تمردهم. إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ظاهر أنه سحر، أو فائق في فنه واضح فيما بين إخوانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>[سورة يونس (١٠): آية ٧٧]</span>\nقالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)\nقالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ إنه لسحر فحذف المحكي المقول لدلالة ما قبله عليه، ولا يجوز أن يكون. أَسِحْرٌ هذا لأنهم بتوا القول بل هو استئناف بإنكار ما قالوه اللهم إلا أن يكون الاستفهام فيه للتقرير والمحكي مفهوم قولهم، ويجوز أن يكون معنى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ أتعيبونه من قولهم فلان يخاف القالة كقوله تعالى: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ فيستغني عن المفعول.\nوَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ من تمام كلام موسى للدلالة على أنه ليس بسحر فإنه لو كان سحرًا لاضمحل ولم يبطل سحر السحرة، ولأن العالم بأنه لا يفلح الساحر لا يسحر، أو من تمام قولهم إن جعل أسحر هذا محكيًا كأنهم قالوا أجئتنا بالسحر تطلب به الفلاح ولا يفلح الساحرون.","vol":"3","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1079>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧٨ الى ٨٠]</span>\nقالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)\nقالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا لتصرفنا واللفت والفتل أخوان. عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام.\nوَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ الملك فيها سمي بها لاتصاف الملوك بالكبر، أو التكبر على الناس باستتباعهم. وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ بمصدقين فيما جئتما به.\nوَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ وقرأ حمزة والكسائي بكل «سحار» . عَلِيمٍ حاذق فيه. فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>[سورة يونس (١٠): الآيات ٨١ الى ٨٢]</span>\nفَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)\nفَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أي الذي جئتم به هو السحر لا ما سماه فرعون وقومه سحرًا. وقرأ أبو عمرو السِّحْرُ على أن مَا استفهامية مرفوعة بالابتداء وجئتم به خبرها والسِّحْرُ بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف تقديره أهو السحر، أو مبتدأ خبره محذوف أي السحر هو. ويجوز أن ينتصب ما بفعل يفسره ما بعده وتقديره أي شيء أتيتم. إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ سيمحقه أو سيظهر بطلانه. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ لا يثبته ولا يقويه وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة له.\nوَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ ويثبته. بِكَلِماتِهِ بأوامره وقضاياه وقرئ «بكلمته» . وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>[سورة يونس (١٠): آية ٨٣]</span>\nفَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)\nفَما آمَنَ لِمُوسى أي في مبدأ أمره. إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ إلا أولاد من أولاد قومه بني إسرائيل دعاهم فلم يجيبوه خوفًا من فرعون إلا طائفة من شبانهم، وقيل الضمير ل فِرْعَوْنَ والذرية طائفة من شبانهم آمنوا به، أو مؤمن آل فرعون وامرأته آسية وخازنه وزوجته وماشطته عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أي مع خوف منهم، والضمير ل فِرْعَوْنَ وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء، أو على أن المراد ب فِرْعَوْنَ آله كما يقال: ربيعة ومضر، أو لل ذُرِّيَّةٌ أو للقوم. أَنْ يَفْتِنَهُمْ أن يعذبهم فرعون، وهو بدل منه أو مفعول خوف وإفراده بالضمير للدلالة على أن الخوف من الملأ كان بسببه. وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ لغالب فيها. وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ في الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٤ الى ٨٦]</span>\nوَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦)\nوَقالَ مُوسى لما رأى تخوف المؤمنين به. يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا فثقوا به واعتمدوا عليه. إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ مستسلمين لقضاء الله مخلصين له، وليس هذا من تعليق الحكم بشرطين، فإن المعلق بالإيمان وجوب التوكل فإنه المقتضي له، والمشروط بالإسلام حصوله فإنه لا يوجد مع التخليط ونظيره إن دعاك زيد فأجبه إن قدرت.\nفَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا لأنهم كانوا مؤمنين مخلصين ولذلك أجيبت دعوتهم. رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً","vol":"3","page":121},{"text":"موضع فتنة. لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي لا تسلطهم علينا فيفتنونا.\nوَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ من كيدهم ومن شؤم مشاهدتهم، وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي له أن يتوكل أولا لتجاب دعوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>[سورة يونس (١٠): آية ٨٧]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا أي اتخذا مباءة. لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا تسكنون فيها أو ترجعون إليها للعبادة. وَاجْعَلُوا أنتما وقومكما. بُيُوتَكُمْ تلك البيوت. قِبْلَةً مصلى وقيل مساجد متوجهة نحو القبلة يعني الكعبة، وكان موسى ﷺ يصلي إليها. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فيها، أمروا بذلك أول أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالنصرة في الدنيا والجنة في العقبى، وإنما ثنى الضمير أولًا لأن التبوأ للقوم واتخاذ المعابد مما يتعاطاه رؤوس القوم بتشاور، ثم جمع لأن جعل البيوت مساجد والصلاة فيها مما ينبغي أن يفعله كل أحد، ثم وحد لأن البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشريعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1084>[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nوَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩)\nوَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً ما يتزين به من الملابس والمراكب ونحوهما. وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وأنواعًا من المال. رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ دعاء عليهم بلفظ الأمر بما علم من ممارسة أحوالهم أنه لا يكون غيره كقولك: لعن الله إبليس. وقيل اللام للعاقبة وهي متعلقة ب آتَيْتَ ويحتمل أن تكون للعلة لأن إيتاء النعم على الكفر استدراج وتثبيت على الضلال، ولأنهم لما جعلوها سببًا للضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا فيكون رَبَّنا تكريرًا للأول تأكيدًا وتنبيهًا على أن المقصود عرض ضلالهم وكفرانهم تقدمة لقوله: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ أي أهلكها، والطمس المحق وقرئ اطْمِسْ بالضم. وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ أي واقسها اطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان. فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ جواب للدعاء أو دعاء بلفظ النهي، أو عطف على لِيُضِلُّوا وما بينهم دعاء معترض.\nقالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما يعني موسى وهارون لأنه كان يؤمن. فَاسْتَقِيما فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجة، ولا تستعجلا فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته.\nروي: أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة.\nوَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ طريق الجهلة في الاستعجال أو عدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله تعالى، وعن ابن عامر برواية ابن ذكوان وَلا تَتَّبِعانِّ بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين، وَلا تَتَّبِعانِّ من تبع وَلا تَتَّبِعانِّ أيضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٠ الى ٩١]</span>\nوَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)\nوَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ أي جوزناهم في البحر حتى بلغوا الشط حافظين لهم، وقرئ «جوزنا» وهو من فعل المرادف لفاعل كضعف وضاعف. فَأَتْبَعَهُمْ فأدركهم يقال تبعته حتى أتبعته. فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ","vol":"3","page":122},{"text":"بَغْيًا وَعَدْوًا\nباغين وعادين، أو للبغي والعدو وقرئ «وعدوا» . حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ لحقه. قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ أي بأنه. لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وقرأ حمزة والكسائي أنه بالكسر على إضمار القول أو الاستئناف بدلًا وتفسيرًا ل آمَنْتُ فنكب عن الإيمان أوان القبول وبالغ فيه حين لا يقبل.\nآلْآنَ أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك ولم يبق لك اختيار. وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ قبل ذلك مدة عمرك. وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ الضالين المضلين عن الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1086>[سورة يونس (١٠): آية ٩٢]</span>\nفَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢)\nفَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك طافيًا، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيل. وقرأ يعقوب نُنَجِّيكَ من أنجى، وقرئ «ننحيك» بالحاء أي نلقيك بناحية من الساحل. بِبَدَنِكَ في موضع الحال أي ببدنك عاريًا عن الروح، أو كاملًا سويًا أو عريانًا من غير لباس. أو بدرعك وكانت له درع من ذهب يعرف بها. وقرئ «بأبدانك» أي بأجزاء البدن كلها كقولهم هوى بإجرامه أو بدروعك كأنه كان مظاهرًا بينها. لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً لمن وراءك علامة وهم بنو إسرائيل إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيل إليهم أنه لا يهلك، حتى كذبوا موسى ﵇ حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطرحًا على ممرهم من الساحل، أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدك عبرة ونكالًا عن الطغيان، أو حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من عظم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور بعيد عن مظان الربوبية. وقرئ «لمن خلقك» أي لخالقك آية أي كسائر الآيات فإن إفراده إياك بالإِلقاء إلى الساحل دليل على أنه تعمد منه لكشف تزويرك وإماطة الشبهة في أمرك. وذلك دليل على كمال قدرته وعلمه وإرادته، وهذا الوجه أيضًا محتمل على المشهور. وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>[سورة يونس (١٠): آية ٩٣]</span>\nوَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)\nوَلَقَدْ بَوَّأْنا أنزلنا. بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ منزلًا صالحًا مرضيًا وهو الشأم ومصر. وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من اللذائذ. فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ فما اختلفوا في أمر دينهم إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا قرءوا التوراة وعلموا أحكامها، أو في أمر محمد ﷺ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا علموا صدقه بنعوته وتظاهر معجزاته. إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فيميز المحق من المبطل بالإِنجاء والإهلاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٤ الى ٩٥]</span>\nفَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥)\nفَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ من القصص على سبيل الفرض والتقدير. فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ فإنه محقق عندهم ثابت في كتبهم على نحو ما ألقينا إليك، والمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة وأن القرآن مصدق لما فيها، أو وصف أهل الكتاب بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إليه، أو تهييج الرسول ﷺ وزيادة تثبيته لا إمكان وقوع الشك له ولذلك\nقال ﵊: «لا أشك ولا أسأل» .\nوقيل الخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته أو لكل من يسمع أي إن كنت أيها","vol":"3","page":123},{"text":"السامع في شك مما نزلنا على لسان نبينا إليك، وفيه تنبيه على أن كل من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم. لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ واضحًا أنه لا مدخل للمرية فيه بالآيات القاطعة. فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ بالتزلزل عما أنت عليه من الجزم واليقين.\nوَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ أيضًا من باب التهييج والتثبيت وقطع الأطماع عنه كقوله فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٦ الى ٩٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)\nإِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ ثبتت عليهم. كَلِمَتُ رَبِّكَ بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في العذاب.\nلاَ يُؤْمِنُونَ إذ لا يكذب كلامه ولا ينتقض قضاؤه.\nوَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ فإن السبب الأصلي لإِيمانهم وهو تعلق إرادة الله تعالى به مفقود. حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ وحينئذ لا ينفعهم كما لا ينفع فرعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>[سورة يونس (١٠): آية ٩٨]</span>\nفَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨)\nفَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكناها آمنت قبل معاينة العذاب، ولم تؤخر إليها كما أخر فرعون. فَنَفَعَها إِيمانُها بأن يقبله الله منها ويكشف العذاب عنها. إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لكن قوم يونس ﵇. لَمَّا آمَنُوا أول ما رأوا أمارة العذاب ولم يؤخروه إلى حلوله. كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ويجوز أن تكون الجملة في معنى النفي لتضمن حرف التحضيض معناه، فيكون الاستثناء متصلًا لأن المراد من القرى أهاليها كأنه قال: ما آمن أهل قرية من القرى العاصية فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس، ويؤيده قراءة الرفع على البدل. وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ إلى آجالهم.\nروي: (أن يونس ﵇ بعث إلى أهل نينوى من الموصل، فكذبوه وأصروا عليه فوعدهم بالعذاب إلى ثلاث. وقيل إلى ثلاثين. وقيل إلى أربعين، فلما دنا الموعد أغامت السماء غيمًا أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشي مدينتهم، فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، وفرقوا بين كل والدة وولدها فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأخلصوا التوبة وأظهروا الإِيمان وتضرعوا إلى الله تعالى، فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>[سورة يونس (١٠): آية ٩٩]</span>\nوَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)\nوَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ بحيث لا يشذ منهم أحد. جَمِيعًا مجتمعين على الإِيمان لا يختلفون فيه، وهو دليل على القدرية في أنه تعالى لم يشأ إيمانهم أجمعين، وأن من شاء إيمانه يؤمن لا محالة، والتقييد بمشيئة الإلجاء خلاف الظاهر. أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ بما لم يشأ الله منهم. حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وترتيب الإكراه على المشيئة بالفاء وإيلاؤها حرف الاستفهام للإنكار، وتقديم الضمير على الفعل للدلالة على أن خلاف المشيئة مستحيل فلا يمكن تحصيله بالإكراه عليه فضلًا عن الحث والتحريض عليه إذ\nروي أنه كان حريصًا على إيمان قومه شديد الاهتمام به فنزلت.\nولذلك قرره بقوله:","vol":"3","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1092>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٠ الى ١٠١]</span>\nوَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ (١٠١)\nوَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ بالله. إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ إلا بإرادته وألطافه وتوفيقه فلا تجهد نفسك في هداها فإنه إلى الله. وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ العذاب أو الخذلان فإنه سببه. وقرئ بالزاي وقرأ أبو بكر «ونجعل» بالنون.\nعَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات، أو لا يعقلون دلائله وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع ويؤيد الأول قوله:\nقُلِ انْظُرُوا أي تفكروا. مَاذَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من عجائب صنعه لتدلكم على وحدته وكمال قدرته، وماذا إن جعلت استفهامية علقت انْظُرُوا عن العمل. وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ في علم الله وحكمه وَما نافية أو استفهامية في موضع النصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1093>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٢ الى ١٠٣]</span>\nفَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)\nفَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ مثل وقائعهم ونزول بأس الله بهم إذ لا يستحقون غيره من قولهم أيام العرب لوقائعها. قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ\nلذلك أو فانتظروا هلاكي إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ هلاككم.\nثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا عطف على محذوف دل عليه إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا كأنه قيل:\nنهلك الأمم ثم ننجي رسلنا ومن آمن بهم، على حكاية الحال الماضية. كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ كذلك الإِنجاء أو إنجاء كذلك ننجي محمدًا وصحبه حين نهلك المشركين، وحَقًّا عَلَيْنا اعتراض ونصبه بفعله المقدر. وقيل بدل من كذلك. وقرأ حفص والكسائي نُنَجِّي مخففا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٤ الى ١٠٥]</span>\nقُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)\nقُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب لأهل مكة. إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي وصحته. فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ فهذا خلاصة ديني اعتقادًا وعملًا فاعرضوها على العقل الصرف وانظروا فيها بعين الإِنصاف لتعلموا صحتها وهو أني لا أعبد ما تخلقونه وتعبدونه، ولكن أعبد خالقكم الذي هو يوجدكم ويتوفاكم. وإنما خص التوفي بالذكر للتهديد. وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بما دل عليه العقل ونطق به الوحي، وحذف الجار من أن يجوز أن يكون من المطرد مع أن وأن يكون من غيره كقوله:\nأَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِه ... فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَسَبِ\nوَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ عطف على أَنْ أَكُونَ غير أَنْ صلة أَنْ محكية بصيغة الأمر، ولا فرق بينهما في الغرض لأن المقصود وصلها بما يتضمن معنى المصدر لتدل معه عليه، وصيغ الأفعال كلها كذلك سواء الخبر منها والطلب، والمعنى وأمرت بالاستقامة في الدين والاستبداد فيه بأداء الفرائض، والانتهاء عن القبائح، أو في الصلاة باستقبال القبلة. حَنِيفًا حال من الدين أو الوجه. وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٦ الى ١٠٧]</span>\nوَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)","vol":"3","page":125},{"text":"وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ بنفسه إن دعوته أو خذلته. فَإِنْ فَعَلْتَ فإن دعوته فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر عن تبعة الدعاء.\nوَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ وإن يصبك به. فَلا كاشِفَ لَهُ يرفعه. إِلَّا هُوَ إلا الله. وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ فلا دافع. لِفَضْلِهِ الذي أرادك به ولعله ذكر الإرادة مع الخير والمس مع الضر مع تلازم الأمرين للتنبيه على أن الخير مراد بالذات وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول، ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد بهم من الخير لا استحقاق لهم عليه، ولم يستثن لأن مراد الله لا يمكن رده.\nيُصِيبُ بِهِ بالخير. مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ فتعرضوا لرحمته بالطاعة ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٨ الى ١٠٩]</span>\nقُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)\nقُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ رسوله أو القرآن ولم يبق لكم عذر. فَمَنِ اهْتَدى بالإِيمان والمتابعة. فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ لأن نفعه لها. وَمَنْ ضَلَّ بالكفر بهما. فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها لأن وبال الضلال عليها. وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ بحفيظ موكول إلى أمركم، وإنما أنا بشير ونذير.\nوَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ بالامتثال والتبليغ. وَاصْبِرْ على دعوتهم وتحمل أذيتهم. حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بالنصرة أو بالأمر بالقتال. وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ إذ لا يمكن الخطأ في حكمه لاطلاعه على السرائر اطلاعه على الظواهر.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة يونس أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بيونس وكذب به وبعدد من غرق مع فرعون» .","vol":"3","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1097>(١١) سورة هود</span>\nمكية وهي مائة وثلاث وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1098>[سورة هود (١١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)\nالر كِتابٌ مبتدأ وخبر أو كِتابٌ خبر مبتدأ محذوف. أُحْكِمَتْ آياتُهُ نظمت نظمًا محكمًا لا يعتريه إخلال من جهة اللفظ والمعنى، أو منعت من الفساد والنسخ فإن المراد آيات السورة وليس فيها منسوخ، أو أحكمت بالحجج والدلائل أو جعلت حكيمة منقول من حكم بالضم إذا صار حكيمًا لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية. ثُمَّ فُصِّلَتْ بالفوائد من العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار، أو بجعلها سورًا أو بالانزال نجمًا نجمًا، أو فصل فيها ولخص ما يحتاج إليه. وقرئ «ثُمَّ فُصّلَتْ» أي فرقت بين الحق والباطل وأحكمت آياته ثُمَّ فُصِّلَتْ على البناء للمتكلم، وثُمَّ للتفاوت في الحكم أو للتراخي في الأخبار. مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ صفة أخرى ل كِتابٌ، أو خبر بعد خبر أو صلة ل أُحْكِمَتْ أو فُصِّلَتْ، وهو تقرير لأحكامها وتفصيلها على أكمل ما ينبغي باعتبار ما ظهر أمره وما خفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1099>[سورة هود (١١): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nأَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)\nأَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ لأن لا تعبدوا. وقيل أن مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول، ويجوز أن يكون كلامًا مبتدأ للاغراء على التوحيد أو الأمر بالتبري من عبادة الغير كأنه قيل: ترك عبادة غير الله بمعنى الزموه أو اتركوها تركًا. إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ من الله. نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد.\nوَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ عطف على ألا تعبدوا. ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ثم توسلوا إلى مطلوبكم بالتوبة فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من الرجوع. وقيل استغفروا من الشرك ثم توبوا إلى الله بالطاعة، ويجوز أن يكون ثم لتفاوت ما بين الأمرين. يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا يعيشكم في أمن ودعة. إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو آخر أعماركم المقدرة، أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال والأرزاق والآجال، وإن كانت متعلقة بالأعمار لكنها مسماة بالإِضافة إلى كل أحد فلا تتغير. وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ويعط كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة، وهو وعد للموحد التائب بخير الدارين. وَإِنْ تَوَلَّوْا وإن تتولوا. فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ يوم القيامة، وقيل يوم الشدائد وقد ابتلوا بالقحط حتى أكلوا الجيف. وقرئ وَإِنْ تَوَلَّوْا من ولي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1100>[سورة هود (١١): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nإِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥)\nإِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ رجوعكم في ذلك اليوم وهو شاذ عن القياس. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر","vol":"3","page":127},{"text":"على تعذيبكم أشد عذاب وكأنه تقدير لكبر اليوم.\nأَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ يثنونها عن الحق وينحرفون عنه، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي ﷺ، أو يولون ظهورهم. وقرئ «يثنوني» بالياء والتاء من اثنوني، وهو بناء مبالغة. و«تثنون»، وأصله تثنونن من الثن وهو الكلأ الضعيف أراد به ضعف قلوبهم أو مطاوعة صدورهم للثني، و«يثنئن» من اثنأن كأبياض بالهمزة و«تثنوي» . لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ من الله بسرهم فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه. قيل إنها نزلت في طائفة من المشركين قالوا: إذا أرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وطوينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم.\nوقيل نزلت في المنافقين وفيه نظر إذ الآية مكية والنفاق حدث بالمدينة. أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ ألا حين يأوون إلى فراشهم ويتغطون بثيابهم. يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ في قلوبهم. وَما يُعْلِنُونَ بأفواههم يستوي في علمه سرهم وعلنهم فكيف يخفى عليه ما عسى يظهرونه. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بالأسرار ذات الصدور أو بالقلوب وأحوالها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1101>[سورة هود (١١): آية ٦]</span>\nوَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦)\nوَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها غذاؤها ومعاشها لتكفله إياه تفضلًا ورحمة، وإنما أتى بلفظ الوجوب تحقيقًا لوصوله وحملًا على التوكل فيه. وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها أماكنها في الحياة والممات، أو الأصلاب والأرحام أو مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل ومودعها من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة. كُلٌّ كل واحد من الدواب وأحوالها. فِي كِتابٍ مُبِينٍ مذكور في اللوح المحفوظ، وكأنه أريد بالآية بيان كونه عالمًا بالمعلومات كلها وبما بعدها بيان كونه قادرًا على الممكنات بأسرها تقريرًا للتوحيد ولما سبق من الوعد والوعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1102>[سورة هود (١١): آية ٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي خلقهما وما فيهما كما مر بيانه في «الأعراف»، أو ما في جهتي العلو والسفل وجمع السموات دون الأرض لاختلاف العلويات بالأصل والذات دون السفليات.\nوَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لا أنه كان موضوعًا على متن الماء، واستدل به على إمكان الخلاء وأن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم. وقيل كان الماء على متن الريح والله أعلم بذلك. لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا متعلق ب خَلَقَ أي خلق ذلك كخلق من خلق ليعاملكم معاملة المبتلي لأحوالكم كيف تعملون، فإن جملة ذلك أسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم وما تحتاج إليه أعمالكم ودلائل وأمارات تستدلون بها وتستنبطون منها، وإنما جاز تعليق فعل البلوى لما فيه من معنى العلم من حيث إنه طريق إليه كالنظر والاستماع، وإنما ذكر صيغة التفضيل والاختبار شامل لفرق المكلفين باعتبار الحسن والقبح للتحريض على أحاسن المحاسن، والتحضيض على الترقي دائمًا في مراتب العلم والعمل فإن المراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح ولذلك\nقال النبي ﷺ «أيكم أحسن عقلًا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله» .\nوالمعنى أيكم أكمل علمًا وعملًا. وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي ما البعث أو القول به أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان. وقرأ حمزة والكسائي «إلا ساحر» على أن الإِشارة إلى القائل. وقرئ إِنَّكُمْ بالفتح على تضمن قلت معنى ذكرت أو أن يكون أن بمعنى على أي ولئن قلت علَّكم مبعوثون، بمعنى توقعوا بعثكم ولا تبتوا بإنكاره لعدوه من قبيل ما لا حقيقة له مبالغة في إنكاره.","vol":"3","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1103>[سورة هود (١١): آية ٨]</span>\nوَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨)\nوَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ الموعود. إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ إلى جماعة من الأوقات قليلة. لَيَقُولُنَّ استهزاء. مَا يَحْبِسُهُ ما يمنعه من الوقوع. أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ كيوم بدر. لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ ليس العذاب مدفوعًا عنهم، ويَوْمَ منصوب بخبر لَيْسَ مقدم عليه وهو دليل على جواز تقديم خبرها عليها. وَحاقَ بِهِمْ وأحاط بهم وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقًا ومبالغة في التهديد. ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي العذاب الذي كانوا به يستعجلون، فوضع يَسْتَهْزِؤُنَ موضع يستعجلون لأن استعجالهم كان استهزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>[سورة هود (١١): الآيات ٩ الى ١١]</span>\nوَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)\nوَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ولئن أعطيناه نعمة بحيث يجد لذتها. ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ ثم سلبنا تلك النعمة منه. إِنَّهُ لَيَؤُسٌ قطوع رجاءه من فضل الله تعالى لقلة صبره وعدم ثقته به. كَفُورٌ مبالغ في كفران ما سلف له من النعمة.\nوَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ كصحة بعد سقم وغنى بعد عدم، وفي اختلاف الفعلين نكتة لا تخفى. لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي أي المصائب التي ساءتني. إِنَّهُ لَفَرِحٌ بطر بالنعم مغتر بها. فَخُورٌ على الناس مشغول عن الشكر والقيام بحقها، وفي لفظ الاذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفران والبطر بأدنى شيء لأن الذوق إدراك الطعم والمس مبتدأ الوصول.\nإِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا على الضراء إيمانًا بالله تعالى واستسلامًا لقضائه. وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ شكرًا لآلائه سابقها ولاحقها. أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم. وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أقله الجنة والاستثناء من الإنسان لأن المراد به الجنس فإذا كان محلى باللام أفاد الاستغراق ومن حمله على الكافر لسبق ذكرهم جعل الاستثناء منقطعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>[سورة هود (١١): آية ١٢]</span>\nفَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)\nفَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك وهو ما يخالف رأي المشركين مخافة ردهم واستهزائهم به، ولا يلزم من توقع الشيء لوجود ما يدعو إليه وقوعه لجواز أن يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرسل عن الخيانة في الوحي والثقة في التبليغ ها هنا. وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ وعارض لك أحيانًا ضيق صدرك بأن تتلوه عليهم مخافة. أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ ينفقه في الاستتباع كالملوك. أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ يصدقه وقيل الضمير في بِهِ مبهم يفسره أَنْ يَقُولُوا. إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ ليس عليك إلا الإِنذار بما أوحي إليك ولا عليك ردوا أو اقترحوا فما بالك يضيق به صدرك. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ فتوكل عليه فإنه عالم بحالهم وفاعل بهم جزاء أقوالهم وأفعالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>[سورة هود (١١): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لاَّ إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)","vol":"3","page":129},{"text":"أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أَمْ منقطعة والهاء ل ما يُوحى. قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في البيان وحسن النظم تحداهم أولًا بعشر سور ثم لما عجزوا عنها سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة، وتوحيد المثل باعتبار كل واحدة. مُفْتَرَياتٍ مختلقات من عند أنفسكم إن صح أني اختلقته من عند نفسي فإنكم عرب فصحاء مثلي تقدرون على مثل ما أقدر عليه بل أنتم أقدر لتعلمكم القصص والأشعار وتعودكم القريض والنظم.\nوَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى المعاونة على المعارضة. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنه مفترى فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ بإتيان ما دعوتم إليه، وجمع الضمير إما لتعظيم الرسول ﷺ أو لأن المؤمنين كانوا أيضًا يتحدونهم، وكان أمر الرسول ﷺ متناولًا لهم من حيث إنه يجب أتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصه الدليل، وللتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم فلا يغفلون عنه ولذلك رتب عليه قوله: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ملتبسًا بما لا يعلمه إلا الله ولا يقدر عليه سواه. وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ واعلموا أن لا إله إلا الله لأنه العالم القادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره، ولظهور عجز آلهتهم ولتنصيص هذا الكلام الثابت صدقة بإعجازه عليه، وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من بأس الله آلهتهم. فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ثابتون على الإسلام راسخون فيه مخلصون إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقًا، ويجوز أن يكون الكل خطابًا للمشركين والضمير في فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لمن استطعتم أي فإن لم يستجيبوا لكم إلى المظاهرة لعجزهم وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة فاعلموا أنه نظم لا يعلمه إلا الله، وأنه منزل من عنده وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق فهل أنتم داخلون في الإِسلام بعد قيام الحجة القاطعة، وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1107>[سورة هود (١١): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لاَ يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها بإحسانه وبره. نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا من الصحة والرئاسة وسعة الرزق وكثرة الأولاد. وقرئ «يوف» بالياء أي يوف الله و«توف» على البناء للمفعول و«نُوَفّ» بالتخفيف والرفع لأن الشرط ماض كقوله:\nوَإِنْ أَتَاهُ كَرِيمٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ... يقول لا غائب مالي وَلاَ حَرَمُ\nوَهُمْ فِيها لاَ يُبْخَسُونَ لا ينقصون شيئًا من أجورهم. والآية في أهل الرياء. وقيل في المنافقين. وقيل في الكفرة وغرضهم وبرهم.\nأُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ مطلقًا في مقابلة ما عملوا لأنهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة وبقيت لهم أوزار العزائم السيئة. وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها لأنه لم يبق لهم ثواب في الآخرة، أو لم يكن لأنهم لم يريدوا به وجه الله والعمدة في اقتضاء ثوابها هو الإِخلاص، ويجوز تعليق الظرف ب صَنَعُوا على أن الضمير ل الدُّنْيا. وَباطِلٌ في نفسه. مَا كانُوا يَعْمَلُونَ لأنه لم يعمل على ما ينبغي، وكأن كل واحدة من الجملتين علة لما قبلها. وقرئ «باطلًا» على أنه مفعول يعملون وما إبهامية أو في معنى المصدر كقوله:\nوَلاَ خَارِجًا مِنْ فيَّ زُور كَلاَمِ وبطل على الفعل.","vol":"3","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1108>[سورة هود (١١): آية ١٧]</span>\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (١٧)\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ برهان من الله يدله على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره، والهمزة لإنكار أن يعقب من هذا شأنه هؤلاء المقصرين هممهم وأفكارهم على الدنيا وأن يقارب بينهم في المنزلة، وهو الذي أغنى عن ذكر الخبر وتقديره أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ كمن كان يريد الحياة الدنيا، وهو حكم يعم كل مؤمن مخلص. وقيل المراد به النبي ﷺ وقيل مؤمنو أهل الكتاب. وَيَتْلُوهُ ويتبع ذلك البرهان الذي هو دليل العقل. شاهِدٌ مِنْهُ شاهد من الله يشهد بصحته وهو القرآن. وَمِنْ قَبْلِهِ وَمَن قَبل القرآن. كِتابُ مُوسى يعني التوراة فإنها أيضًا تتلوه في التصديق، أو البينة هو القرآن وَيَتْلُوهُ من التلاوة والشاهد جبريل، أو لسان الرسول ﷺ على أن الضمير له أو من التلو والشاهد ملك يحفظه. والضمير في يَتْلُوهُ إما لمن أو للبينة باعتبار المعنى وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى جملة مبتدأة. وقرئ كِتَابٌ بالنصب عطفًا على الضمير في يَتْلُوهُ أي يتلو القرآن شاهد ممن كان على بينة دالة على أنه حق كقوله: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ويقرأ من قبل القرآن التوراة. إِمامًا كتابًا مؤتمًا به في الدين. وَرَحْمَةً على المنزل عليهم لأنه الوصلة إلى الفوز بخير الدارين. أُولئِكَ إشارة إلى من كان على بينة. يُؤْمِنُونَ بِهِ بالقرآن. وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ من أهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله ﷺ. فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ يردها لا محالة. فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ من الموعد، أو القرآن وقرئ مِرْيَةٍ بالضم وهما الشك. إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ لقلة نظرهم واختلال فكرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>[سورة هود (١١): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩)\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا كأن أسند إليه ما لم ينزله أو نفى عنه ما أنزله. أُولئِكَ أي الكاذبون. يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ في الموقف بأن يحبسوا وتعرض أعمالهم. وَيَقُولُ الْأَشْهادُ من الملائكة والنبيين أو من جوارحهم، وهو جمع شاهد كأصحاب أو شهيد كأشراف جمع شريف. هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ تهويل عظيم مما يحيق بهم حينئذ لظلمهم بالكذب على الله.\nالَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن دينه. وَيَبْغُونَها عِوَجًا يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة. وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ والحال أنهم كافرون بالآخرة وتكريرهم لتأكيد كفرهم واختصاصهم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>[سورة هود (١١): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nأُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)\nأُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي ما كانوا معجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم. وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يمنعونهم من العقاب ولكنه أخر عقابهم إلى هذا اليوم ليكون أشد وأدوم.","vol":"3","page":131},{"text":"يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ استئناف وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يُضَّعف بالتشديد. مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ لتصامهم عن الحق وبغضهم له. وَما كانُوا يُبْصِرُونَ لتعاميهم عن آيات الله، وكأنه العلة لمضاعفة العذاب.\nوقيل هو بيان ما نفاه من ولاية الآلهة بقوله: وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ فإن ما لا يسمع ولا يبصر لا يصلح للولاية وقوله: يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ اعتراض.\nأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ\nباشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ\nمن الآلهة وشفاعتها، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما حصلوا فلم يبق معهم سوى الحسرة والندامة. لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ لا أحد أبين وأكثر خسرانًا منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1111>[سورة هود (١١): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ اطمأنوا إليه وخشعوا له من الخبت وهو الأرض المطمئنة. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون.\nمَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ الكافر والمؤمن. كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لتصامه عن إسماع كلام الله تعالى وتأبيه عن تدبر معانيه، وتشبيه المؤمن بالسميع والبصير لأن أمره بالضد فيكون كل واحد منهما مشبهًا باثنين باعتبار وصفين، أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين ضديهما والعاطف لعطف الصفة على الصفة كقوله:\nالصّائح فالغانم فالآئب وهذا من باب اللف والطباق. هَلْ يَسْتَوِيانِ هل يستوي الفريقان. مَثَلًا أي تمثيلًا أو صفة أو حالًا. أَفَلا تَذَكَّرُونَ بضرب الأمثال والتأمل فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>[سورة هود (١١): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ بأني لكم. قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة بالكسر على إرادة القول. نَذِيرٌ مُبِينٌ أبين لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص.\nأَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ بدل من إِنِّي لَكُمْ، أو مفعول مبين، ويجوز أن تكون أن مفسرة متعلقة ب أَرْسَلْنا أو ب نَذِيرٌ. إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ مؤلم وهو في الحقيقة صفة المعذب لكن يوصف به العذاب وزمانه على طريقة جد جده ونهاره صائم للمبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1113>[سورة هود (١١): آية ٢٧]</span>\nفَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)\nفَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَراكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنا لا مزية لك علينا تخصك بالنبوة ووجوب الطاعة. وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا أخساؤنا جمع أرذل فإنه بالغلبة صار مثل الاسم كالأكبر، أو أرذل جمع رذل. بادِيَ الرَّأْيِ ظاهر الرأي من غير تعمق من البدو، أو أول الرأي من البدء، والياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها. وقرأ أبو عمرو بالهمزة وانتصابه بالظرف على حذف المضاف أي: وقت حدوث بادي الرأي، والعامل فيه اتَّبَعَكَ. وإنما استرذلوهم لذلك أو لفقرهم فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرًا من","vol":"3","page":132},{"text":"الحياة الدنيا كان الأحظ بها أشرف عندهم والمحروم منها أرذل. وَما نَرى لَكُمْ لك ولمتبعيك. عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة. بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ إياك في دعوى النبوة وإياهم في دعوى العلم بصدقك فغلب المخاطب على الغائبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>[سورة هود (١١): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ أخبروني. إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي حجة شاهدة بصحة دعواي. وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ بإيتاء البينة أو النبوة. فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ فخفيت عليكم فلم تهدكم وتوحيد الضمير لأن البينة في نفسها هي الرحمة، أو لأن خفاءها يوجب خفاء النبوة، أو على تقدير فعميت بعد البينة وحذفها للاختصار أو لأنه لكل واحدة منهما. وقرأ حمزة والكسائي وحفص فَعُمِّيَتْ أي أخفيت. وقرئ «فعماها» على أن الفعل لله. أَنُلْزِمُكُمُوها أنكرهكم على الاهتداء بها. وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ لا تختارونها ولا تتأملون فيها، وحيث اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعًا وقدم الأعرف منهما جاز في الثاني الفصل والوصل.\nوَيا قَوْمِ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ على التبليغ وهو وإن لم يذكر فمعلوم مما ذكر. مَالًا جعلا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ فإنه المأمول منه. وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا جواب لهم حين سألوا طردهم. إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فيخاصمون طاردهم عنده، أو أنهم يلاقونه ويفوزون بقربه فكيف أطردهم. وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ بلقاء ربكم أو بأقدارهم أو في التماس طردهم، أو تتسفهون عليهم بأن تدعوهم أراذل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>[سورة هود (١١): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nوَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)\nوَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ بدفع انتقامه. إِنْ طَرَدْتُهُمْ وهم بتلك الصفة والمثابة. أَفَلا تَذَكَّرُونَ لتعرفوا أن التماس طردهم وتوقيف الإيمان عليه ليس بصواب.\nوَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ رزقه وأمواله حتى جحدتم فضلي. وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ عطف على عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ أي: ولا أقول لكم أنا أعلم الغيب حتى تكذبوني استبعادًا، أو حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب، وعلى الثاني يجوز عطفه على أقول. وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ حتى تقولوا ما أنت إلا بشر مثلنا. وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ ولا أقول في شأن من استرذلتموهم لفقرهم. لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا فإن ما أعده الله لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا. اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ إن قلت شيئًا من ذلك، والازدراء به افتعال من زرى عليه إذا عابه قلبت تاؤه دالًا لتجانس الراء في الجهر وإسناده إلى الأعين للمبالغة، والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرؤية من غير روية بما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>[سورة هود (١١): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nقالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)\nقالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا خاصمتنا. فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فأطلته أو أتيت بأنواعه. فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من","vol":"3","page":133},{"text":"العذاب. إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في الدعوى والوعيد فإن مناظرتك لا تؤثر فينا.\nقالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ عاجلًا أو آجلًا. وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ بدفع العذاب أو الهرب منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>[سورة هود (١١): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nوَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)\nوَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ شرط ودليل جواب والجملة دليل جواب قوله: إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ وتقدير الكلام إن كان الله يريد أن يغويكم، فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، ولذلك نقول لو قال الرجل أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت زيدًا فدخلت ثم كلمت لم تطلق، وهو جواب لما أوهموا من جداله كلام بلا طائل. وهو دليل على أن إرادة الله تعالى يصح تعلقها بالإِغواء وأن خلاف مراده محال. وقيل أَنْ يُغْوِيَكُمْ أن يهلككم من غوى الفصيل غوى إذا بشم فهلك. هُوَ رَبُّكُمْ هو خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فَيجازيكم على أعمالكم.\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وباله وقرئ «أَجْرامي» على الجمع. وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>[سورة هود (١١): الآيات ٣٦ إلي ٣٧]</span>\nوَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)\nوَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ فلا تحزن ولا تتأسف. بِما كانُوا يَفْعَلُونَ أقنطه الله تعالى من إيمانهم ونهاه أن يغتم بما فعلوه من التكذيب والإِيذاء.\nوَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ملتبسًا بأعيننا، عبر بكثرة آلة الحس الذي يحفظ به الشيء ويراعى عن الاختلال والزيغ عن المبالغة في الحفظ والرعاية على طريق التمثيل. وَوَحْيِنا إليك كيف تصنعها. وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ولا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم. إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ محكوم عليهم بالإِغراق فلا سبيل إلى كفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1119>[سورة هود (١١): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nوَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)\nوَيَصْنَعُ الْفُلْكَ حكاية حال ماضية. وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ استهزءوا به لعمله السفينة فإنه كان يعملها في برية بعيدة من الماء أوان عزته، وكانوا يضحكون منه ويقولون له: صرت نجارًا بعد ما كنت نبيًا. قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ إذا أخذكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. وقيل المراد بالسخرية الاستجهال.\nفَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ يعني به إياهم وبالعذاب الغرق. وَيَحِلُّ عَلَيْهِ وينزل عليه، أو يحل عليه حلول الدين الذي لا انفكاك عنه. عَذابٌ مُقِيمٌ دائم وهو عذاب النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1120>[سورة هود (١١): آية ٤٠]</span>\nحَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠)\nحَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا غاية لقوله وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وما بينهما حال من الضمير فيه أو حتى هي التي يبتدأ","vol":"3","page":134},{"text":"بعدها الكلام. وَفارَ التَّنُّورُ نبع الماء منه وارتفع كالقدر تفور، والتَّنُّورُ تنور الخبز ابتدأ منه النبوع على خرق العادة وكان في الكوفة في موضع مسجدها، أو في الهند أو بعين وردة من أرض الجزيرة وقيل التنور وجه الأرض أو أشرف موضع فيها. قُلْنَا احْمِلْ فِيها في السفينة. مِنْ كُلٍّ من كل نوع من الحيوانات المنتفع بها. زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ذكرًا وأنثى هذا على قراءة حفص والباقون أضافوا على معنى احمل اثنين من كل صنف ذكر وصنف أنثى. وَأَهْلَكَ عطف على زَوْجَيْنِ أو اثْنَيْنِ، والمراد امرأته وبنوه ونساؤهم.\nإِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بأنه من المغرقين يريد ابنه كنعان وأمه واعلة فإنهما كانا كافرين. وَمَنْ آمَنَ والمؤمنين من غيرهم. وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ قيل كانوا تسعة وسبعين زوجته المسلمة وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث ونساؤهم واثنان وسبعون رجلًا وامرأة من غيرهم.\nروي أنه ﵊ اتخذ السفينة في سنتين من الساج وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين وسمكها ثلاثين، وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في أسفلها الدواب والوحش وفي أوسطها الإِنس وفي أعلاها الطير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1121>[سورة هود (١١): آية ٤١]</span>\nوَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)\nوَقالَ ارْكَبُوا فِيها أي صيروا فيها وجعل ذلك ركوبًا لأنها في الماء كالمركوب في الأرض. بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها متصل ب ارْكَبُوا حال من الواو أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين باسم الله وقت إجرائها وإرسائها، أو مكانهما على أن المجرى والمرسى للوقت أو المكان أو المصدر، والمضاف محذوف كقولهم: آتيك خفوق النجم، وانتصابهما بما قدرناه حالًا ويجوز رفعهما ب بِسْمِ اللَّهِ على أن المراد بهما المصدر أو جملة مِنْ مبتدأ وخبر، أي إجراؤها بِسْمِ اللَّهِ على أن بِسْمِ اللَّهِ خبر أو صلة والخبر محذوف وهي إما جملة مقتضية لا تعلق لها بما قبلها أو حال مقدرة من الواو أو الهاء.\nوروي أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.\nويجوز أن يكون الاسم مقحمًا كقوله:\nثُم اسمُ السلامِ عليكُما. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم برواية حفص مَجْراها بالفتح من جرى وقرئ «مرساها» أيضًا من رسا وكلاهما يحتمل الثلاثة و«مجريها ومرسيها» بلفظ الفاعل صفتين لله. إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي لولا مغفرته لفرطاتكم ورحمته إياكم لما نجاكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1122>[سورة هود (١١): آية ٤٢]</span>\nوَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢)\nوَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ متصل بمحذوف دل عليه ارْكَبُوا فركبوا مسمين وهي تجري وهم فيها. فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ في موج من الطوفان، وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه كل موجة منها كجبل في تراكمها وارتفاعها، وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وكانت السفينة تجري في جوفه ليس بثابت، والمشهور أنه علا شوامخ الجبال خمسة عشر ذراعًا وإن صح فلعل ذلك قبل التطبيق. وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ كنعان، وقرئ «ابنها» و«ابنه» بحذف الألف على أن الضمير لامرأته، وكان ربيبه وقيل كان لغير رشدة لقوله تعالى: فَخانَتاهُما وهو خطأ إذ الأنبياء عصمن من ذلك والمراد بالخيانة الخيانة في الدين، وقرئ «ابناه» على الندبة ولكونها حكاية سوغ حذف الحرف. وَكانَ فِي مَعْزِلٍ عزل فيه نفسه عن أبيه أو عن دينه مفعل للمكان من عزله عنه إذا أبعده. يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا في السفينة، والجمهور كسروا الياء ليدل على ياء الإِضافة المحذوفة في جميع القرآن، غير ابن كثير فإنه وقف عليها في «لقمان» في الموضع الأول باتفاق الرواة وفي الثالث في رواية قنبل وعاصم فإنه فتح ها هنا اقتصارًا على الفتح من الألف المبدلة من ياء الإِضافة، واختلفت الرواية عنه في سائر المواضع وقد أدغم الباء في الميم أبو عمرو والكسائي وحفص لتقاربهما. وَلا","vol":"3","page":135},{"text":"تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ\nفي الدين والانعزال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1123>[سورة هود (١١): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nقالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لاَ عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)\nقالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ أن يغرقني قالَ لاَ عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ إلا الراحم وهو الله تعالى أَوْ إلّا مكان من ﵏ وهم المؤمنون، رد بذلك أن يكون اليوم معتصم من جبل ونحوه يعصم اللائذ به إلا معتصم المؤمنين وهو السفينة. وقيل لا عاصم بمعنى لا ذا عصمة كقوله: فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وقيل الاستثناء منقطع أي لكن من ﵀ يعصمه. وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ بين نوح وابنه أو بين ابنه والجبل. فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ فصار من المهلكين بالماء.\nوَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي نوديا بما ينادي به أولو العلم وأمرا بما يؤمرون به، تمثيلًا لكمال قدرته وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما بالأمر المطاع الذي يأمر المنقاد لحكمه المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته وخشية من أليم عقابه، والبلع النشف والإقلاع الإمساك. وَغِيضَ الْماءُ نقص. وَقُضِيَ الْأَمْرُ وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين. وَاسْتَوَتْ واستقرت السفينة. عَلَى الْجُودِيِّ جبل بالموصل وقيل بالشام وقيل بآمل.\nروي أنه ركب السفينة عاشر رجب ونزل عنها عاشر المحرم فصام ذلك اليوم فصار ذلك سنة.\nوَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ هلاكًا لهم، يقال: بعد بعدا وبعدا، إذا بعد بعدًا بعيدًا بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء، والآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحسن نظمها والدلالة على كنه الحال مع الإِيجاز الخالي عن الإِخلال، وفي إيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه مستغن عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره للعلم بأن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>[سورة هود (١١): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nوَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦)\nوَنادى نُوحٌ رَبَّهُ وأراد نداءه بدليل عطف قوله: فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي فإنه النداء. وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وإن كل وعد تعده حق لا يتطرق إليه الخلف، وقد وعدت أن تنجي أهلي فما حاله، أو فما له لم ينج، ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرقه. وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ لأنك أعلمهم وأعدلهم، أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم على أن الحاكم من الحكمة كالدارع من الدرع.\nقالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ لقطع الولاية بين المؤمن والكافر وأشار إليه بقوله: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فإنه تعليل لنفي كونه من أهله، وأصله إنه ذو عمل فاسد فجعل ذاته ذات العمل للمبالغة كقول الخنساء تصف ناقة:\nترتع مَا رتعت حَتى إِذَا ادْكَّرَت ... فإِنَّمَا هي إقبالٌ وإِدْبَارٌ\nثم بدل الفاسد بغير الصالح تصريحًا بالمناقضة بين وصفيهما وانتفاء ما أوجب النجاة لمن نجا من أهله عنه. وقرأ الكسائي ويعقوب إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أي عمل عملًا غير صالح. فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ما لا تعلم أصواب هو أم ليس كذلك، وإنما سمي نداءه سؤالًا لتضمن ذكر الوعد بنجاة أهله استنجازه","vol":"3","page":136},{"text":"في شأن ولده أو استفسار المانع للانجاز في حقه، وإنما سماه جهلًا وزجر عنه بقوله: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ لأن استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دله على الحال وأغناه عن السؤال، لكن أشغله حب الولد عنه حتى اشتبه عليه الأمر. وقرأ ابن كثير بفتح اللام والنون الشديدة وكذلك نافع وابن عامر غير أنهما كسرا النون على أن أصله تسألنني فحذفت نون الوقاية لاجتماع النونات وكسرت الشديدة للياء، ثم حذفت اكتفاء بالكسرة وعن نافع برواية رويس إثباتها في الوصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1125>[سورة هود (١١): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨)\nقالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ فيما يستقبل. مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ما لا علم لي بصحته. وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وإن لم تغفر لي ما فرط مني في السؤال. وَتَرْحَمْنِي بالتوبة والتفضل علي. أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ أعمالًا.\nقِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا انزل من السفينة مسلمًا من المكاره من جهتنا أو مسلمًا عليك. وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ ومباركًا عليك أو زيادات في نسلك حتى تصير آدما ثانيا. وقرئ «اهبط» بالضم «وبركة» على التوحيد وهو الخير النامي. وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وعلى أمم هم الذين معك، سموا أممًا لتحزبهم أو لتشعب الأمم منهم، أو وعلى أمم ناشئة ممن معك والمراد بهم المؤمنون لقوله: وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ أي وممن معك أمم سنمتعهم في الدنيا. ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة والمراد بهم الكفار من ذرية من معه. وقيل هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب، والعذاب ما نزل بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1126>[سورة هود (١١): آية ٤٩]</span>\nتِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)\nتِلْكَ إشارة إلى قصة نوح ومحلها الرفع بالابتداء وخبرها: مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أي بعضها. نُوحِيها إِلَيْكَ خبر ثان والضمير لها أي موحاة إليك، أو حال من ال أَنْباءِ أو هو الخبر ومِنْ أَنْباءِ متعلق به أو حال من الهاء في نُوحِيها. مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا خبر آخر أي مجهولة عندك وعند قومك من قبل ايحائنا إليك، أو حال من الهاء في نوحيها أو الكاف في إِلَيْكَ أي: جاهلًا أنت وقومك بها، وفي ذكرهم تنبيه على أنه لم يتعلمها إذ لم يخالط غيرهم وأنهم مع كثرتهم لما لم يسمعوها فكيف بواحد منهم. فَاصْبِرْ على مشاق الرسالة وأذية القوم كما صبر نوح. إِنَّ الْعاقِبَةَ في الدنيا بالظفر وفي الآخرة بالفوز. لِلْمُتَّقِينَ عن الشرك والمعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>[سورة هود (١١): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nوَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١)\nوَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا عطف على قوله نُوحًا إِلى قَوْمِهِ وهُودًا عطف بيان قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده. ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وقرئ بالجر حملًا على المجرور وحده. إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ على الله باتخاذ الأوثان شركاء وجعلها شفعاء.\nيا قَوْمِ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي خاطب كل رسول به قومه إزاحة للتهمة","vol":"3","page":137},{"text":"وتمحيضًا للنصيحة فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع. أَفَلا تَعْقِلُونَ أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل والصواب من الخطأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>[سورة هود (١١): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nوَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ مَا جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)\nوَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ اطلبوا مغفرة الله بالإِيمان ثم توسلوا إليها بالتوبة وأيضًا التبري من الغير إنما يكون بعد الإِيمان بالله والرغبة فيما عنده. يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا كثير الدر. وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ويضاعف قوتكم، وإنما رغبهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات. وقيل حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاثين سنة فوعدهم هود ﵇ على الإِيمان والتوبة بكثرة الأمطار وتضاعف القوة بالتناسل. وَلا تَتَوَلَّوْا ولا تعرضوا عما أدعوكم إليه. مُجْرِمِينَ مصرين على إجرامكم.\nقالُوا يا هُودُ مَا جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ بحجة تدل على صحة دعواك وهو لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات. وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا بتاركي عبادتهم. عَنْ قَوْلِكَ صادرين عن قولك حال من الضمير في تاركي. وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إقناط له من الإِجابة والتصديق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>[سورة هود (١١): الآيات ٥٤ الى ٥٦]</span>\nإِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)\nإِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ ما نقول إلا قولنا اعْتَراكَ أي أصابك من عراه يعروه إذا أصابه. بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ بجنون لسبك إياها وصدك عنها ومن ذلك تهذي وتتكلم لخرافات، والجملة مقول القول وإلا لغو لأن الاستثناء مفرغ. قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.\nمِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ أجاب به عن مقالتهم الحمقاء بأن أشهد الله تعالى على براءته من آلهتهم وفراغه عن إضرارهم تأكيدًا لذلك وتثبيتًا له، وأمرهم بأن يشهدوا عليه استهانة بهم، وأن يجتمعوا على الكيد في إهلاكه من غير إنظار حتى إذا اجتهدوا فيه ورأوا أنهم عجزوا عن آخرهم وهم الأقوياء الأشداء أن يضروه لم يبق لهم شبهة أن آلهتهم التي هي جماد لا يضر ولا ينفع لا تتمكن من إضراره انتقامًا منه، وهذا من جملة معجزاته فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة الفتاك العطاش إلى إراقة دمه بهذا الكلام ليس إلا لثقته بالله وتثبطهم عن إضراره ليس إلا بعصمته إياه ولذلك عقبه بقوله:\nإِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ تقريرًا له والمعنى أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لن تضروني فإني متوكل على الله واثق بكلاءته وهو مالكي ومالككم لا يحيق بي ما لم يرده، ولا تقدرون على ما لم يقدره ثم برهن عليه بقوله: مَّا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها أي إلا وهو مالك لها قادر عليها يصرفها على ما يريد بها والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك. إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي أنه على الحق والعدل لا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1130>[سورة هود (١١): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨)","vol":"3","page":138},{"text":"فَإِنْ تَوَلَّوْا فإن تتولوا. فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ فقد أديت ما علي من الإبلاغ وإلزام الحجة فلا تفريط مني ولا عذر لكم فقد أبلغتكم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم. وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ استئناف بالوعيد لهم بأن الله يهلكهم ويستخلف قومًا آخرين في ديارهم وأموالهم، أو عطف على الجواب بالفاء ويؤيده القراءة بالجزم على الموضع كأنه قيل: وإن تتولوا يعذرني ربي ويستخلف. وَلا تَضُرُّونَهُ بتوليكم. شَيْئًا من الضرر ومن جزم يستخلف أسقط النون منه. إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ رقيب فلا تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مجازاتكم، أو حافظ مستول عليه فلا يمكن أن يضره شيء.\nوَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا عذابنا أو أمرنا العذاب. نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وكانوا أربعة آلاف. وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ تكرير لبيان ما نجاهم منه وهو السموم، كانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطع أعضاءهم، أو المراد به تنجيتهم من عذاب الآخرة أيضًا، والتعريض بأن المهلكين كما عذبوا في الدنيا بالسموم فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>[سورة هود (١١): الآيات ٥٩ الى ٦٠]</span>\nوَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)\nوَتِلْكَ عادٌ أنث اسم الإِشارة باعتبار القبيلة أو لأن الإِشارة إلى قبورهم وآثارهم. جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ كفروا بها. وَعَصَوْا رُسُلَهُ لأنهم عصوا رسولهم ومن عصى رسولًا فكأنما عصي الكل لأنهم أمروا بطاعة كل رسول. وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يعني كبراءهم الطاغين وعَنِيدٍ من عند عندًا وعندًا وعنودًا إذا طغى، والمعنى عصوا من دعاهم إلى الإِيمان وما ينجيهم وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم.\nوَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم في العذاب.\nأَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ جحدوه أو كفروا نعمه أو كفروا به فحذف الجار. أَلا بُعْدًا لِعادٍ دعاء عليهم بالهلاك، والمراد به الدلالة على أنهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم بسبب ما حكي عنهم، وإنما كرر ألا وأعاد ذكرهم تفظيعًا لأمرهم وحثًا على الاعتبار بحالهم. قَوْمِ هُودٍ عطف بيان لعاد، وفائدته تمييزهم عن عاد الثانية عاد إرم، والإِيماء إلى أن استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1132>[سورة هود (١١): آية ٦١]</span>\nوَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)\nوَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ هو كونكم منها لا غيره فإنه خلق آدم ومواد النطف التي خلق نسله منها من التراب. وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها عمركم فيها واستبقاكم من العمر، أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها، وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم ويرثها منكم بعد انصرام أعماركم، أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها لغيركم.\nفَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ قريب الرحمة. مُجِيبٌ لداعيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>[سورة هود (١١): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nقالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)","vol":"3","page":139},{"text":"قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد أن تكون لنا سيدًا ومستشارًا في الأمور، أو أن توافقنا في الدين فلما سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا عنك. أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا على حكاية الحال الماضية. وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد والتبري عن الأوثان. مُرِيبٍ موقع في الريبة من أرابه، أو ذي ريبة على الإِسناد المجازي من أراب في الأمر.\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي بيان وبصيرة وحرف الشك باعتبار المخاطبين. وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً نبوة. فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ فمن يمنعني من عذابه إِنْ عَصَيْتُهُ في تبليغ رسالته والمنبع عن الإِشراك به. فَما تَزِيدُونَنِي إذن باستتباعكم إياي. غَيْرَ تَخْسِيرٍ غير أن تخسروني بإبطال ما منحني الله به والتعرض لعذابه، أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير أن أنسبكم إلى الخسران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1134>[سورة هود (١١): الآيات ٦٤ الى ٦٥]</span>\nوَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)\nوَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً انتصب آية على الحال وعاملها معنى الإِشارة، ولكم حال منها تقدمت عليها لتنكيرها. فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ترع نباتها وتشرب ماءها. وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ عاجل لا يتراخى عن مسكم لها بالسوء إلا يسيرًا وهو ثلاثة أيام.\nفَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ عيشوا في منازلكم أو في داركم الدنيا. ثَلاثَةَ أَيَّامٍ الأربعاء والخميس والجمعة ثم تهلكون. ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ أي غير مكذوب فيه فاتسع فيه بإجرائه مجرى المفعول به كقوله:\nوَيَوْمَ شَهِدْنَاهُ سُلِيمًَا وَعَامِرًا أو غير مكذوب على المجاز، وكأن الواعد قال له أفي بك فإن وفى به صدقة وإلا كذبه، أو وعد غير كذب على أنه مصدر كالمجلود والمعقول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1135>[سورة هود (١١): الآيات ٦٦ الى ٦٨]</span>\nفَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)\nفَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ أي ونجيناهم من خزي يومئذ وهو هلاكهم بالصيحة أو ذلهم وفضيحتهم يوم القيامة. وعن نافع يَوْمِئِذٍ بالفتح على اكتساب المضاف البناء من المضاف إليه هنا وفي «المعارج» في قوله: مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ القادر على كل شيء والغالب عليه.\nوَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ قد سبق تفسير ذلك في سورة «الأعراف» .\nكَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ نَوَنَّهُ أبو بكر ها هنا وفي «النجم» والكسائي في جميع القرآن وابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو في قوله: أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ ذهابًا إلى الحي أو الأب الأكبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1136>[سورة هود (١١): آية ٦٩]</span>\nوَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)","vol":"3","page":140},{"text":"وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ يعني الملائكة، قيل: كانوا تسعة، وقيل ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل.\nبِالْبُشْرى ببشارة الولد. وقيل بهلاك قوم لوط. قالُوا سَلامًا سلمنا عليك سلامًا ويجوز نصبه ب قالُوا على معنى ذكروا سلامًا. قالَ سَلامٌ أي أمركم أو جوابي سلام أو وعليكم سلام، رفعه إجابة بأحسن من تحيتهم. وقرأ حمزة والكسائي «سلم» وكذلك في «الذاريات» وهما لغتان كحرم وحرام وقيل المراد به الصلح.\nفَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فما أبطأ مجيئه به، أو فما أبطأ في المجيء به، أو فما تأخر عنه والجار في أَنْ مقدر أو محذوف والحنيذ المشوي بالرضف. وقيل الذي يقطر ودكه من حنذت الفرس إذا عرفته بالجلال لقوله: بِعِجْلٍ سَمِينٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>[سورة هود (١١): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nفَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١)\nفَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ لا يمدون إليه أيديهم. نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أنكر ذلك منهم وخاف أن يريدوا به مكروهًا، ونكر وأنكر واستنكر بمعنى والإِيجاس الإِدراك وقيل الإِضمار قالُوا له لما أحسوا منه أثر الخوف. لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ إنا ملائكة مرسلة إليهم بالعذاب، وإنما لم نمد إليه أيدينا لأنا لا نأكل.\nوَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ وراء الستر تسمع محاورتهم أو على رؤوسهم للخدمة. فَضَحِكَتْ سرورًا بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الفساد أو بإصابة رأيها فإنها كانت تقول لإِبراهيم: اضمم إليك لوطًا فإني أعلم أن العذاب ينزل بهؤلاء القوم. وقيل فضحكت فحاضت قال الشاعر:\nوَعَهْدِي بِسَلْمَى ضَاحِكًَا فِي لُبَابَة ... وَلَمْ يَعْدُ حُقًَا ثَدْيُهَا أَنْ تَحَلَّمَا\nومنه ضحكت السمرة إذا سال صمغها وقرئ بفتح الحاء. فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ نصبه ابن عامر وحمزة وحفص بفعل يفسره ما دل عليه الكلام وتقديره: ووهبناها من وراء إسحاق يعقوب. وقيل إنه معطوف على موضع بِإِسْحاقَ أو على لفظ إِسْحاقَ، وفتحته للجر فإنه غير مصروف ورد للفصل بينه وبين ما عطف عليه بالظرف. وقرأ الباقون بالرفع على أنه مبتدأ.\nوخبره الظرف أي ويَعْقُوبَ مولود من بعده. وقيل الوراء ولد الولد ولعله سمي به لأنه بعد الولد وعلى هذا تكون إضافته إلى إِسْحاقَ ليس من حيث أن يعقوب ﵊ وراءه، بل من حيث إنه وراء إبراهيم من جهته وفيه نظر. والاسمان يحتمل وقوعهما في البشارة كيحيى، ويحتمل وقوعهما في الحكاية بعد أن ولدا فسميا به، وتوجيه البشارة إليها للدلالة على أن الولد المبشر به يكون منها لا من هاجر ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>[سورة هود (١١): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nقالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)\nقالَتْ يَا وَيْلَتى يا عجبًا، وأصله في الشر فأطلق على كل أمر فظيع. وقرئ بالياء على الأصل.\nأَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ابنة تسعين أو تسع وتسعين. وَهذا بَعْلِي زوجي وأصله القائم بالأمر. شَيْخًا ابن مائة أو مائة وعشرين، ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة. وقرئ بالرفع على أنه خبر محذوف أي هو شيخ، أو خبر بعد خبر أو هو الخبر وبَعْلِي بدل. إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ يعني الولد من هرمين، وهو استعجاب من حيث العادة دون القدرة ولذلك:","vol":"3","page":141},{"text":"قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ منكرين عليها فإِن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة ومهبط المعجزات، وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع ولا حقيق بأن يستغربه عاقل فضلًا عمن نشأت وشابت في ملاحظة الآيات، وأهل البيت نصب على المدح أو النداء لقصد التخصيص كقولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. إِنَّهُ حَمِيدٌ فاعل ما يستوجب به الحمد. مَجِيدٌ كثير الخير والإحسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>[سورة هود (١١): الآيات ٧٤ الى ٧٦]</span>\nفَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)\nفَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ أي ما أوجس من الخيفة واطمأن قلبه بعرفانهم. وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بدل الورع. يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ يجادل رسلنا في شأنهم ومجادلته إياهم قوله: إِنَّ فِيها لُوطًا وهو إما جواب لما جيء به مضارعًا على حكاية الحال أو لأنه في سياق الجواب بمعنى الماضي كجواب لو، أو دليل جوابه المحذوف مثل اجترأ على خطابنا أو شرع في جدالنا، أو متعلق به أقيم مقامه مثل أخذ أو أقبل يجادلنا.\nإِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ غير عجول على الانتقام من المسيء إليه. أَوَّاهٌ كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس. مُنِيبٌ راجع إلى الله، والمقصود من ذلك بيان الحامل له على المجادلة وهو رقة قلبه وفرط ترحمه.\nيَا إِبْراهِيمُ على إرادة القول أي قالت الملائكة يَا إِبْراهِيمُ. أَعْرِضْ عَنْ هذا الجدال إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ قدره بمقتضى قضائه الأزلي بعذابهم وهو أعلم بحالهم. وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ مصروف بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>[سورة هود (١١): الآيات ٧٧ الى ٧٨]</span>\nوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)\nوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ ساءه مجيئهم لأنهم جاءوه في صورة غلمان فظن أنهم أناس فخاف عليهم أن يقصدهم قومه فيعجز عن مدافعتهم. وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وضاق بمكانهم صدره، وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه. وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ شديد من عصبه إذا شده.\nوَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ يسرعون إليه كأنهم يدفعون دفعًا لطلب الفاحشة من أضيافه. وَمِنْ قَبْلُ أي ومن قبل ذلك الوقت. كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الفواحش فتمرنوا بها ولم يستحيوا منها حتى جاءوا يهرعون لها مجاهرين. قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي فدى بهن أضيافه كرمًا وحمية، والمعنى هؤلاء بناتي فتزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل فلا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لحرمة المسلمات على الكفار فإنه شرع طارئ أو مبالغة في تناهي خبث ما يرومونه حتى إن ذلك أهون منه، أو إظهارًا لشدة امتعاضه من ذلك كي يرقوا له. وقيل المراد بالبنات نساؤهم فإن كل نبي أبو أمته من حيث الشفقة والتربية وفي حرف ابن مسعود وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وهو أب لهم هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ أنظف فعلًا وأقل فحشًا كقولك: الميتة أطيب من المغصوب وأحل منه. وقرئ أَطْهَرُ بالنصب على الحال على أن هُنَّ خبر بَناتِي كقولك: هذا أخي هو لا فصل فإنه لا يقع بين الحال وصاحبها. فَاتَّقُوا اللَّهَ بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم. وَلا تُخْزُونِ ولا تفضحوني من الخزي، أو ولا تخجلوني من الخزاية بمعنى الحياء. فِي ضَيْفِي في شأنهم فإن","vol":"3","page":142},{"text":"إخزاء ضيف الرجل إخزاؤه. أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1141>[سورة هود (١١): الآيات ٧٩ الى ٨٠]</span>\nقالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)\nقالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ من حاجة وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ وهو إتيان الذكران.\nقالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً لو قويت بنفسي على دفعكم. أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ إلى قوي أتمنع به عنكم. شبهه بركن الجبل في شدته.\nوعن النبي ﷺ «رحم الله أخي لوطًا كان يأوي إلى ركن شديد» .\nوقرئ «أَوْ آوِى» بالنصب بإضمار أن كأنه قال: لو أن لى بكم قوة أو أويًا وجواب لَوْ محذوف تقديره لدفعتكم\nروي أنه أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1142>[سورة هود (١١): آية ٨١]</span>\nقالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها مَا أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)\nقالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا فهون عليك ودعنا وإياهم، فخلاهم أن يدخلوا فضرب جبريل ﵇ بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم، فخرجوا يقولون النجاء النجاء فإن في بيت لوط سحرة. فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بالقطع من الإِسراء، وقرأ ابن كثير ونافع بالوصل حيث وقع في القرآن من السرى. بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ بطائفة منه. وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ولا يتخلف أو لا ينظر إلى ورائه والنهي في اللفظ لأحد وفي المعنى للوط. إِلَّا امْرَأَتَكَ استثناء من قوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ويدل عليه أنه قرئ فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك، وهذا إنما يصح على تأويل الالتفات بالتخلف فإنه إن فسر بالنظر إلى الوراء في الذهاب ناقض ذلك قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالرفع على البدل من أحد، ولا يجوز حمل القراءتين على الروايتين في أنه خلفها مع قومها أو أخرجها فلما سمعت صوت العذاب التفتت وقالت يا قوماه فأدركها حجر فقتلها، لأن القواطع لا يصح حملها على المعاني المتناقضة، والأولى جعل الاستثناء في القراءتين من قوله: وَلا يَلْتَفِتْ مثله في قوله تعالى: مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ ولا يبعد أن يكون أكثر القراء على غير الأفصح، ولا يلزم من ذلك أمرها بالالتفات بل عدم نهيها عنه استصلاحًا ولذلك علل على طريقة الاستئناف بقوله: إِنَّهُ مُصِيبُها مَا أَصابَهُمْ ولا يحسن جعل الاستثناء منقطعًا على قراءة الرفع. إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ كأنه علة الأمر بالإِسراء. أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ جواب لاستعجال لوط واستبطائه العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>[سورة هود (١١): الآيات ٨٢ الى ٨٣]</span>\nفَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)\nفَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا عذابنا أو أمرنا به، ويؤيده الأصل وجعل التعذيب مسببًا عنه بقوله: جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها فإنه جواب لما وكان حقه: جعلوا عاليها سافلها أي الملائكة المأمورون به، فأسند إلى نفسه من حيث إنه المسبب تعظيمًا للأمر فإنه\nروي: (أن جبريل ﵇ أدخل جناحه تحت مدائنهم ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة ثم قلبها عليهم) .\nوَأَمْطَرْنا عَلَيْها على المدن أو على شذاذها. حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ من طين متحجر لقوله: حِجارَةً مِنْ طِينٍ وأصله سنك كل فعرب.\nوقيل إنه من أسجله إذا أرسله أو أدر عطيته، والمعنى من مثل الشيء المرسل أو من مثل العطية في الإِدرار،","vol":"3","page":143},{"text":"أو من السجل أي مما كتب الله أن يعذبهم به وقيل أصله من سجين أي من جهنم فأبدلت نونه لامًا.\nمَنْضُودٍ نضد معدًا لعذابهم، أو نضد في الإِرسال بتتابع بعضه بعضًا كقطار الأمطار، أو نضد بعضه على بعض وألصق به.\nمُسَوَّمَةً معلمة للعذاب. وقيل معلمة ببياض وحمرةً. أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمى بها. عِنْدَ رَبِّكَ في خزائنه. وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ فإنهم بظلمهم حقيق بأن تمطر عليهم، وفيه وعيد لكل ظالم.\nوعنه ﵊ «أنه سأل جبريل ﵇ فقال: يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة» .\nوقيل الضمير للقرى أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في أسفارهم إلى الشام، وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1144>[سورة هود (١١): آية ٨٤]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا أراد أولاد مدين بن إبراهيم ﵊، أو أهل مدين وهو بلد بناه فسمي باسمه. قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ أمرهم بالتوحيد أولًا فإنه ملاك الأمر ثم نهاهم عما اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخل بحكمة التعاوض. إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ بسعة تغنيكم عن البخس، أو بنعمة حقها أن تتفضلوا على الناس شكرًا عليها لا أن تنقصوا حقوقهم، أو بسعة فلا تزيلوها بما أنتم عليه وهو في الجملة علة للنهي. وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ لا يشذ منه أحد منكم. وقيل عذاب مهلك من قوله: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ. والمراد عذاب يوم القيامة أو عذاب الاستئصال، ووصف اليوم بالإِحاطة وهي صفة العذاب لاشتماله عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>[سورة هود (١١): آية ٨٥]</span>\nوَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)\nوَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ صرح بالأمر بالإِيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة وتنبيهًا على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمدهم التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإِيفاء ولو بزيادة لا يتأتى بدونها. بِالْقِسْطِ بالعدل والسوية من غير زيادة ولا نقصان، فإن الازدياد إيفاء وهو مندوب غير مأمور به وقد يكون محظورًا.\nوَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ تعميم بعد تخصيص فإنه أعم من أن يكون في المقدار، أو في غيره وكذا قوله: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فإن العثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد. وقيل المراد بالبخس المكس كأخذ العشور في المعاملات، والعثو السرقة وقطع الطريق والغارة. وفائدة الحال إخراج ما يقصد به الإِصلاح كما فعله الخضر ﵇. وقيل معناه ولا تعثوا في الأرض مفسدين في أمر دينكم ومصالح آخرتكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1146>[سورة هود (١١): آية ٨٦]</span>\nبَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)\nبَقِيَّتُ اللَّهِ ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عما حرم عليكم. خَيْرٌ لَكُمْ مما تجمعون بالتطفيف. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بشرط أن تؤمنوا فإن خيريتها باستتباع الثواب مع النجاة وذلك مشروط بالإِيمان. أو إن كنتم مصدقين لي في قولي لكم. وقيل البقية الطاعة كقوله: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ وقرئ «تقية الله» بالتاء وهي تقواه التي تكف عن المعاصي.\nوَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أحفظكم عن القبائح، أو أحفظ عليكم أعمالكم فأجازيكم عليها وإنما أنا","vol":"3","page":144},{"text":"ناصح مبلغ وقد أعذرت حين أنذرت، أو لست بحافظ عليكم نعم الله لو لم تتركوا سوء صنيعكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1147>[سورة هود (١١): آية ٨٧]</span>\nقالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)\nقالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا من الأصنام، أجابوا به آمرهم بالتوحيد على الاستهزاء به والتهكم بصلواته والإِشعار بأن مثله لا يدعو إليه داع عقلي، وإنما دعاك إليه خطرات ووساوس من جنس ما تواظب عليه. وكان شعيب كثير الصلاة فلذلك جمعوا وخصوا الصلاة بالذكر. وقرأ حمزة والكسائي وحفص على الإفراد والمعنى: أصلواتك تأمرك بتكليف أن نترك، فحذف المضاف لأن الرجل لا يؤمر بفعل غيره. أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا عطف على ما أي وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا.\nوقرئ بالتاء فيهما على أن العطف على أَنْ نَتْرُكَ وهو جواب النهي عن التطفيف والأمر بالإِيفاء. وقيل كان ينهاهم عن تقطيع الدراهم والدنانير فأرادوا به ذلك. إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ تهكموا به وقصدوا وصفه بضد ذلك، أو عللوا إنكار ما سمعوا منه واستبعاده بأنه موسوم بالحلم والرشد المانعين عن المبادرة إلى أمثال ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1148>[سورة هود (١١): آية ٨٨]</span>\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي إشارة إلى ما آتاه الله من العلم والنبوة. وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال، وجواب الشرط محذوف تقديره فهل يسع مع هذا الإِنعام الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه، وأخالفه في أمره ونهيه. وهو اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء، والضمير في مِنْهُ لله أي من عنده وبإعانته بلا كد مني في تحصيله. وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ أي وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه لأستبد به دونكم، فلو كان صوابًا لآثرته ولم أعرض عنه فضلًا عن أن أنهى عنه، يقال خالفت زيدًا إلى كذا إذا قصدته وهو مول عنه، وخالفته عنه إذا كان الأمر بالعكس، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر ما دمت أستطيع الإِصلاح، فلو وجدت الصلاح فيما أنتم عليه لما نهيتكم عنه، ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا النسق شأن: وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة أهمها وأعلاها حق الله تعالى، وثانيها حق النفس، وثالثها حق الناس. وكل ذلك يقتضي أن آمركم بما أمرتكم به وأنهاكم عما نهيتكم عنه. وما مصدرية واقعة موقع الظرف وقيل خبرية بدل من الْإِصْلاحَ أي المقدار الذي استطعته، أو إصلاح ما استطعته فحذف المضاف. وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ وما توفيقي لإصابة الحق والصواب إلا بهدايته ومعونته. عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ فإنه القادر المتمكن من كل شيء وما عداه عاجز في حد ذاته، بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار، وفيه إشارة إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ. وَإِلَيْهِ أُنِيبُ إشارة إلى معرفة المعاد، وهو أيضًا يفيد الحصر بتقديم الصلة على الفعل. وفي هذه الكلمات طلب التوفيق لإِصابة الحق فيما يأتيه ويذره من الله تعالى، والاستعانة به في مجامع أمره والإِقبال عليه بشراشره، وحسم أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم وتهديدهم بالرجوع إلى الله للجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1149>[سورة هود (١١): الآيات ٨٩ الى ٩٠]</span>\nوَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)","vol":"3","page":145},{"text":"وَيا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ لا يكسبنكم. شِقاقِي معاداتي. أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ من الغرق. أَوْ قَوْمَ هُودٍ من الريح. أَوْ قَوْمَ صالِحٍ من الرجفة وأَنْ بصلتها ثاني مفعولي جرم، فإنه يعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب. وعن ابن كثير يَجْرِمَنَّكُمْ بالضم وهو منقول من المتعدي إلى مفعول واحد، والأول أفصح فإن أجرم أقل دورانًا على ألسنة الفصحاء. وقرئ مَثَلُ بالفتح لإِضافته إلى المبنى كقوله:\nلَمْ يُمْنع الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَت ... حَمَامَةٌ فِي غُصُون ذات ارْقَالِ\nوَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ زمانًا أو مكانًا فإن لم تعتبروا بمن قبلهم فاعتبروا بهم، أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوي فلا يبعد عنكم ما أصابهم، وإفراد البعيد لأن المراد وما إهلاكهم أو وما هم بشيء بعيد، ولا يبعد أن يسوي في أمثاله بين المذكر والمؤنث لأنها على زنة المصادر كالصهيل والشهيق.\nوَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ عما أنتم عليه. إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ عظيم الرحمة للتائبين. وَدُودٌ فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1150>[سورة هود (١١): آية ٩١]</span>\nقالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١)\nقالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ ما نفهم. كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ كوجوب التوحيد وحرمة البخس وما ذكرت دليلًا عليهما، وذلك لقصور عقولهم وعدم تفكرهم. وقيل قالوا ذلك استهانة بكلامه، أو لأنهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدة نفرتهم عنه. وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا لا قوة لك فتمتنع منا إن أردنا بك سوءًا، أو مهينًا لا عزّ لك، وقيل أعمى بلغة حمير وهو مع عدم مناسبته يرده التقييد بالظرف، ومنع بعض المعتزلة استنباء الأعمى قياسًا على القضاء والشهادة والفرق بين. وَلَوْلا رَهْطُكَ قومك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا لا لخوف من شوكتهم، فإن الرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة. لَرَجَمْناكَ لقتلناك برمي الأحجار أو بأصعب وجه. وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ فتمنعنا عزتك عن الرجم، وهذا ديدن السفيه المحجوج يقابل الحجج والآيات بالسب، والتهديد وفي إيلاء ضميره حرف النفي تنبيه على أن الكلام فيه لا في ثبوت العزة، وأن المانع لهم عن إيذائه عزة قومه ولذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1151>[سورة هود (١١): الآيات ٩٢ الى ٩٣]</span>\nقالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)\nقالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر بإشراككم به والإِهانة برسوله فلا تبقون علي لله وتبقون علي لرهطي، وهو يحتمل الإِنكار والتوبيخ والرد والتكذيب، وظِهْرِيًّا منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب. إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ فلا يخفى عليه شيء منها فيجازي عليها.\nوَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ سبق مثله في سورة «الأنعام» والفاء في ف سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثمة للتصريح بأن الإِصرار والتمكن فيما هم عليه سبب لذلك، وحذفها ها هنا لأنه جواب سائل قال: فماذا يكون بعد ذلك؟ فهو أبلغ في التهويل. وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ عطف على من يأتيه لا لأنه قسيم له كقولك: ستعلم الكاذب والصادق، بل لأنهم لما أو عدوه وكذبوه قال: سوف تعلمون من المعذب والكاذب مني ومنكم. وقيل كان قياسه ومن هو صادق لينصرف الأول إليهم والثاني إليه لكنهم","vol":"3","page":146},{"text":"لما كانوا يدعونه كاذبًا قال: ومن هو كاذب على زعمهم. وَارْتَقِبُوا وانتظروا ما أقول لكم. إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ منتظر فعيل بمعنى الراقب كالصريم، أو المراقب كالعشير أو المرتقب كالرفيع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1152>[سورة هود (١١): الآيات ٩٤ الى ٩٥]</span>\nوَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)\nوَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا إنما ذكره بالواو كما في قصة عاد إذ لم يسبقه ذكر وعد يجري مجرى السبب له بخلاف قصتي صالح ولوط فإنه ذكر بعد الوعد وذلك قوله: وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ وقوله: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ فلذلك جاء بفاء السببية. وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ قيل صاح بهم جبريل ﵇ فهلكوا. فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ميتين، وأصل الجثوم اللزوم في المكان.\nكَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها كأن لم يقيموا فيها. أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ شبههم بهم لأن عذابهم كان أيضًا بالصيحة، غير أن صيحتهم كانت من تحتهم وصيحة مدين كانت من فوقهم. وقرئ «بَعُدَتْ» بالضم على الأصل فإن الكسر تغيير لتخصيص معنى البعد بما يكون بسبب الهلاك، والبعد مصدر لهما والبعد مصدر المكسور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>[سورة هود (١١): الآيات ٩٦ الى ٩٧]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا بالتوراة أو المعجزات. وَسُلْطانٍ مُبِينٍ وهو المعجزات القاهرة أو العصا، وإفرادها بالذكر لأنها أبهرها، ويجوز أن يراد بهما واحد أي: ولقد أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وسلطانًا له على نبوته واضحًا في نفسه أو موضحًا إياها، فإن أبان جاء لازمًا ومتعديًا، والفرق بينهما أن الآية تعم الأمارة، والدليل القاطع والسلطان يخص بالقاطع والمبين يخص بما فيه جلاء.\nإِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ فاتبعوا أمره بالكفر بموسى أو فما تبعوا موسى الهادي إلى الحق المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلال والطغيان الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل لفرط جهالتهم وعدم استبصارهم. وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ مرشد أو ذي رشد، وإنما هو غي محض وضلال صريح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1154>[سورة هود (١١): الآيات ٩٨ الى ٩٩]</span>\nيَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)\nيَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلى النار كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال يقال قدم بمعنى تقدم.\nفَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحقيقه ونزل النار لهم منزلة الماء فسمى إتيانها موردًا ثم قال:\nوَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ أي بئس المورد الذي وردوه فإنه يراد لتبريد الأكباد وتسكين العطش والنار بالضد، والآية كالدليل على قوله: وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ فإن من كان هذه عاقبته لم يكن في أمره رشد، أو تفسير له على أن المراد بالرشيد ما يكون مأمون العاقبة حميدها.\nوَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي يلعنون في الدنيا والآخرة. بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ بئس العون المعان أو العطاء المعطى، وأصل الرفد ما يضاف إلى غيره ليعمده، والمخصوص بالذم محذوف أي رفدهم وهو اللعنة في الدارين.","vol":"3","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1155>[سورة هود (١١): الآيات ١٠٠ الى ١٠١]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)\nذلِكَ أي ذلك النبأ. مِنْ أَنْباءِ الْقُرى المهلكة. نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مقصوص عليك. مِنْها قائِمٌ من تلك القرى باق كالزرع القائم. وَحَصِيدٌ ومنها عافي الأثر كالزرع المحصود، والجملة مستأنفة وقيل حال من الهاء في نقصه وليس بصحيح إذ لا واو ولا ضمير.\nوَما ظَلَمْناهُمْ بإهلاكنا إياهم. وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بأن عرضوها له بارتكاب ما يوجبه. فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ فما نفعتهم ولا قدرت أن تدفع عنهم بل ضرتهم. آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ حين جاءهم عذابه ونقمته. وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ هلاك أو تخسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1156>[سورة هود (١١): الآيات ١٠٢ الى ١٠٣]</span>\nوَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)\nوَكَذلِكَ ومثل ذلك الأخذ. أَخْذُ رَبِّكَ وقرئ «أَخْذُ رَبّكَ» بالفعل وعلى هذا يكون محل الكاف النصب على المصدر. إِذا أَخَذَ الْقُرى أي أهلكها وقرئ «إِذ» لأن المعنى على المضي. وَهِيَ ظالِمَةٌ حال من الْقُرى وهي في الحقيقة لأهلها لكنها لما أقيمت مقامه أجريت عليها، وفائدتها الإِشعار بأنهم أخذوا بظلمهم وإنذار كل ظالم ظلم نفسه، أو غيره من وخامة العاقبة. إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ وجيع غير مرجو الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير.\nإِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما نزل بالأمم الهالكة أو فيما قصه الله تعالى من قصصهم. لَآيَةً لعبرة. لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ يعتبر به عظمته لعلمه بأن ما حاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة، أو ينزجر به عن موجباته لعلمه بأنها من إله مختار يعذب من يشاء ويرحم من يشاء. فإن من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم لم يقل بالفاعل المختار، وجعل تلك الوقائع لأسباب فلكية اتفقت في تلك الأيام لا لذنوب المهلكين بها. ذلِكَ إشارة إلى يوم القيامة وعذاب الآخرة دل عليه. يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ أي يجمع له الناس، والتغيير للدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم وأنه من شأنه لا محالة وأن الناس لا ينفكون عنه فهو أبلغ من قوله: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ومعنى الجمع له الجمع لما فيه من المحاسبة والمجازاة. وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ أي مشهود فيه أهل السموات والأرضين فاتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به كقوله: في مَحفَلِ مِنْ نَوَاصِي النَّاس مَشْهُود، أي كثير شاهدوه، ولو جعل اليوم مشهودًا في نفسه لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه فإن سائر الأيام كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1157>[سورة هود (١١): الآيات ١٠٤ الى ١٠٥]</span>\nوَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)\nوَما نُؤَخِّرُهُ أي اليوم. إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ إلا لانتهاء مدة معدودة متناهية على حذف المضاف وإرادة مدة التأجيل كلها بالأجل لا منتهاها فإنه غير معدود.\nيَوْمَ يَأْتِ أي الجزاء أو اليوم كقوله: أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ على أن يَوْمَ بمعنى حين أو الله ﷿ كقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ ونحوه. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة يَأْتِ","vol":"3","page":148},{"text":"بحذف الياء اجتزاء عنها بالكسر. لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ لا تتكلم بما ينفع وينجي من جواب أو شفاعة، وهو الناصب للظرف ويحتمل نصبه بإضمار اذكر أو بالانتهاء المحذوف. إِلَّا بِإِذْنِهِ إلا بإذن الله كقوله: لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وهذا في موقف وقوله: هذا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ في موقف آخر أو المأذون فيه هي الجوابات الحقة والممنوع عنه هي الأعذار الباطلة. فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وجبت له النار بمقتضى الوعيد. وَسَعِيدٌ وجبت له الجنة بموجب الوعد والضمير لأهل الموقف وإن لم يذكر لأنه معلوم مدلول عليه بقوله: لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ أو للناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1158>[سورة هود (١١): الآيات ١٠٦ الى ١٠٧]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ مَا شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧)\nفَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ الزفير إخراج النفس والشهيق رده، واستعمالهما في أول النهيق وآخره والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه روحه، أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير وقرئ شَقُوا بالضم.\nخالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ليس لارتباط دوامهم في النار بدوامهما فإن النصوص دالة على تأبيد دوامهم وانقطاع دوامهما. بل التعبير عن التأبيد والمبالغة بما كانت العرب يعبرون به عنه على سبيل التمثيل، ولو كان للارتباط لم يلزم أيضًا من زوال السموات والأرض زوال عذابهم ولا من دوامه دوامهما إلا من قبيل المفهوم، لأن دوامهما كالملزوم لدوامه، وقد عرفت أن المفهوم لا يقاوم المنطوق. وقيل المراد سموات الآخرة وأرضها ويدل عليه قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وإن أهل الآخرة لا بد لهم من مظل ومقل، وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه، ومن عرفه فإنما يعرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب فلا يجدي له التشبيه. إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ استثناء من الخلود في النار لأن بعضهم وهم فساق الموحدين يخرجون منها، وذلك كاف في صحة الاستثناء لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض، وهم المراد بالاستثناء الثاني فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم، فإن التأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم، ولا يقال فعلى هذا لم يكن قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ تقسيمًا صحيحًا لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه، لأن ذلك الشرط حيث التقسيم لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع وها هنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين، وأن حالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين، أو لأن أهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحيانًا، وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى من الجنة كالاتصال بجناب القدس والفوز برضوان الله ولقائه، أو من أصل الحكم والمستثنى زمان توقفهم في الموقف للحساب لأن ظاهره يقتضي أن يكونوا في النار حين يأتي اليوم، أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ إن كان الحكم مطلقًا غير مقيد باليوم، وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون الاستثناء من الخلود على ما عرفت. وقيل هو من قوله: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ وقيل إلا ها هنا بمعنى سوى كقولك على ألف إلا الألفان القديمان والمعنى سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السموات والأرض. إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ من غير اعتراض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>[سورة هود (١١): آية ١٠٨]</span>\nوَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ مَا شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)\nوَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ","vol":"3","page":149},{"text":"مَجْذُوذٍ\nغير مقطوع، وهو تصريح بأن الثواب لا ينقطع وتنبيه على أن المراد من الاستثناء في الثواب ليس الانقطاع، ولأجله فرق بين الثواب والعقاب بالتأبيد. وقرأ حمزة والكسائي وحفص سُعِدُوا على البناء للمفعول من سعده الله بمعنى أسعده، وعَطاءً نصب على المصدر المؤكد أي أعطوا عطاء أو الحال من الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1160>[سورة هود (١١): آية ١٠٩]</span>\nفَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)\nفَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ شك بعد ما أنزل عليك من مآل أمر الناس. مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ من عبادة هؤلاء المشركين في أنها ضلال مؤد إلى مثل ما حل بمن قبلهم ممن قصصت عليك سوء عاقبة عبادتهم، أو من حال ما يعبدونه في أنه يضر ولا ينفع. مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ استئناف معناه تعليل النهي عن المرية أي هم وآباؤهم سواء في الشرك، أي ما يعبدون عبادة إلا كعبادة آبائهم أو ما يعبدون شيئًا إلا مثل ما عبدوه من الأوثان، وقد بلغك ما لحق آباءهم من ذلك فسيلحقهم مثله، لأن التماثل في الأسباب يقتضي التماثل في المسببات، ومعنى كَما يَعْبُدُ كما كان يعبد فحذف للدلالة من قبل عليه. وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ حظهم من العذاب كآبائهم، أو من الرزق فيكون عذرًا لتأخير العذاب عنهم مع قيام ما يوجبه.\nغَيْرَ مَنْقُوصٍ حال من النصيب لتقييد التوفية فإنك تقول: وفيته حقه وتريد به وفاء بعضه ولو مجازا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>[سورة هود (١١): الآيات ١١٠ الى ١١١]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًاّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فآمن به قوم وكفر به قوم كما اختلف هؤلاء في القرآن. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يعني كلمة الإِنظار إلى يوم القيامة. لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بإنزال ما يستحقه المبطل ليتميز به عن المحق. وَإِنَّهُمْ وإن كفار قومك. لَفِي شَكٍّ مِنْهُ من القرآن. مُرِيبٍ موقع في الريبة.\nوَإِنَّ كُلًّا وإن كل المختلفين المؤمنين منهم والكافرين، والتنوين بدل من المضاف إليه. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر بالتخفيف مع الإِعمال اعتبارًا للأصل. لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ اللام الأولى موطئة لقسم والثانية للتأكيد أو بالعكس وما مزيدة بينهما للفصل. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة لَمَّا بالتشديد على أن أصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للادغام، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت أولاهن، والمعنى لمن الذين يوفينهم ربك جزاء أعمالهم. وقرئ لما بالتنوين أي جميعًا كقوله: أَكْلًا لَمًّا وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا على إن إِنْ نافية ولَمَّا بمعنى إلا وقد قرئ به. إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فلا يفوته شيء منه وإن خفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>[سورة هود (١١): آية ١١٢]</span>\nفَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)\nفَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ لما بين أمر المختلفين في التوحيد والنبوة، وأطنب في شرح الوعد والوعيد أمر رسوله ﷺ بالاستقامة مثل ما أمر بها وهي شاملة للاستقامة في العقائد كالتوسط بين التشبيه والتعطيل بحيث يبقى العقل مصونًا من الطرفين، والأعمال من تبليغ الوحي وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط وإفراط مفوت للحقوق ونحوها وهي في غاية العسر ولذلك\nقال ﵊ «شيبتني هود» .\nوَمَنْ تابَ مَعَكَ أي تاب من الشرك والكفر وآمن معك، وهو عطف على المستكن في استقم وإن لم يؤكد بمنفصل لقيام الفاصل مقامه. وَلا تَطْغَوْا ولا تخرجوا عما حد لكم. إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فهو","vol":"3","page":150},{"text":"مجازيكم عليه، وهو في معنى التعليل للأمر والنهي. وفي الآية دليل على وجوب اتباع النصوص من غير تصرف وانحراف بنحو قياس واستحسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>[سورة هود (١١): آية ١١٣]</span>\nوَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣)\nوَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ولا تميلوا إليهم أدنى ميل فإن الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم واستدامته. فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ بركونكم إليهم وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلمًا كذلك فما ظنك بالركون إلى الظالمين أي الموسومين بالظلم، ثم بالميل إليهم كل الميل، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيه، ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه، وخطاب الرسول ﷺ ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل، فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط فإنه ظلم على نفسه أو غيره بل ظلم في نفسه. وقرئ «تِرْكَنُواْ» «فَتِمَسَّكُمُ» بكسر التاء على لغة تميم و«تَرْكَنُواْ» على البناء للمفعول من أركنه. وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ من أنصار يمنعون العذاب عنكم والواو للحال. ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ أي ثم لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن يعذبكم ولا يبقي عليكم، وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه وأوجبه لهم، ويجوز أن يكون منزلًا منزلة الفاء لمعنى الاستبعاد، فإنه لما بين أن الله معذبهم وأن غيره لا يقدر على نصرهم أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1164>[سورة هود (١١): الآيات ١١٤ الى ١١٥]</span>\nوَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)\nوَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ غدوة وعشية وانتصابه على الظرف لأنه مضاف إليه. وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ وساعات منه قريبة من النهار، فإنه من أزلفه إذا قربه وهو جمع زلفة، وصلاة الغداة صلاة الصبح لأنها أقرب الصلاة من أول النهار، وصلاة العشية صلاة العصر، وقيل الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشي وصلاة الزلف المغرب والعشاء. وقرئ «زُلُفا» بضمتين وضمة وسكون كبسر وبسر في بسرة و«زلفى» بمعنى زلفة كقربي وقربة. إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ يكفرنها.\nوفي الحديث «إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر»\nوفي سبب النزول\n«أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال إني قد أصبت من امرأة غير أني لم آتها فنزلت» .\nذلِكَ إشارة إلى قوله فَاسْتَقِمْ وما بعده وقيل إلى القرآن. ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ عظة للمتعظين.\nوَاصْبِرْ على الطاعات وعن المعاصي. فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ عدول عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود ودليلًا على أن الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>[سورة هود (١١): الآيات ١١٦ الى ١١٧]</span>\nفَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧)\nفَلَوْلا كانَ فهلا كان. مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ من الرأي والعقل، أو أولو فضل وإنما سمي بَقِيَّةٍ لأن الرجل يستبقي أفضل ما يخرجه، ومنه يقال فلان من بقية القوم أي من خيارهم، ويجوز أن يكون مصدرًا كالتقية أي ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من العذاب، ويؤيده أنه قرئ «بقية» وهي المرة","vol":"3","page":151},{"text":"من مصدر بقاه يبقيه إذا راقبه. يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ لكن قليلًا منهم أنجيناهم لأنهم كانوا كذلك، ولا يصح اتصاله إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض. وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ ما أنعموا فيه من الشهوات واهتموا بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك. وَكانُوا مُجْرِمِينَ كافرين كأنه أراد أن يبين ما كان السبب لاستئصال الأمم السالفة، وهو فشو الظلم فيهم واتباعهم للهوى وترك النهي عن المنكرات مع الكفر، وقوله واتبع على معطوف مضمر دل عليه الكلام إذا المعنى: فلم ينهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا وكانوا مجرمين عطف على اتَّبَعَ أو اعترض. وقرئ «واتبع» أي وأتبعوا جزاء ما أترفوا فتكون الواو للحال، ويجوز أن تفسر به المشهورة ويعضده تقدم الإِنجاء.\nوَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ بشرك. وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ فيما بينهم لا يضمون إلى شركهم فسادًا وتباغيًا، وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد. وقيل الملك يبقى مع الشرك ولا يبقى مع الظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1166>[سورة هود (١١): الآيات ١١٨ الى ١١٩]</span>\nوَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)\nوَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً مسلمين كلهم، وهو دليل ظاهر على أن الأمر غير الإِرادة وأنه تعالى لم يرد الإِيمان من كل أحد وأن ما أراده يجب وقوعه. وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل لا تكاد تجد اثنين يتفقان مطلقًا.\nإِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ إلا ناسًا هداهم الله من فضله فاتفقوا على ما هو أصول دين الحق والعمدة فيه.\nوَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ إن كان الضمير ل النَّاسِ فالإِشارة إلى الاختلاف، واللام للعاقبة أو إليه وإلى الرحمة، وإن كان لمن فإلى الرحمة. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وعيد أو قوله للملائكة. لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أي من عصاتهما أَجْمَعِينَ أو منهما أجمعين لا من أحدهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>[سورة هود (١١): آية ١٢٠]</span>\nوَكُلًاّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)\nوَكُلًّا وكل نبأ. نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ نخبرك به. مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ بيان لكلا أو بدل منه، وفائدته التنبيه على المقصود من الاقتصاص وهو زيادة يقينه وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة واحتمال أذى الكفار، أو مفعول وَكُلًّا منصوب على المصدر بمعنى كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك ما نثبت به فؤادك من أنباء الرسل. وَجاءَكَ فِي هذِهِ السورة أو الأنباء المقتصة عليك. الْحَقُّ ما هو حق. وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى سائر فوائده العامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1168>[سورة هود (١١): الآيات ١٢١ الى ١٢٢]</span>\nوَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)\nوَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ على حالكم. إِنَّا عامِلُونَ على حالنا.\nوَانْتَظِرُوا بنا الدوائر. إِنَّا مُنْتَظِرُونَ أن ينزل بكم نحو ما نزل على أمثالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>[سورة هود (١١): آية ١٢٣]</span>\nوَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)","vol":"3","page":152},{"text":"وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خاصة لا يخفى عليه خافية مما فيهما. وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك إليه. وقرأ نافع وحفص يُرْجَعُ على البناء للمفعول. فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فإنه كافيك. وفي تقديم الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع العابد. وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أنت وهم فيجازي كلًا ما يستحقه. وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالياء هنا وفي آخر «النمل» .\nعن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح ومن كذب به وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من السعداء إن شاء الله تعالى» .","vol":"3","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1170>(١٢) سورة يوسف</span>\nمكية وآيها مائة وإحدى عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1171>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ تِلْكَ إشارة إلى آيات السورة وهي المراد ب الْكِتابِ، أي تلك الآيات آيات السورة الظاهر أمرها في الإِعجاز أو الواضحة معانيها، أو المبينة لمن تدبرها أنها من عند الله، أو لليهود ما سألوا إذ\nروي أن علماءهم قالوا لكبراء المشركين سلوا محمدًا لم أنتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف ﵇ فنزلت\n: إِنَّا أَنْزَلْناهُ أي الكتاب. قُرْآنًا عَرَبِيًّا سمى البعض قُرْآنًا لأنه في الأصل اسم جنس يقع على الكل والبعض وصار علمًا للكل بالغلبة، ونصبه على الحال وهو في نفسه إما توطئة للحال التي هي عَرَبِيًّا أو حال لأنه مصدر بمعنى مفعول، وعَرَبِيًّا صفة له أو حال من الضمير فيه أو حال بعد حال وفي كل ذلك خلاف. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ علة لإنزاله بهذه الصفة أي أنزلناه مجموعًا أو مقروءًا بلغتكم كي تفهموه وتحيطوا بمعانيه، أو تستعملوا فيه عقولكم فتعلموا أن اقتصاصه كذلك ممن لم يتعلم القصص معجز لا يتصور إلا بالإِيحاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>[سورة يوسف (١٢): آية ٣]</span>\nنَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣)\nنَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ أحسن الاقتصاص لأن اقتص على أبدع الأساليب، أو أحسن ما يقص لاشتماله على العجائب والحكم والآيات والعبر فعل بمعنى مفعول كالنقض والسلب، واشتقاقه من قص أثره إذا تبعه بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي بإيحائنا. هذَا الْقُرْآنَ يعني السورة، ويجوز أن يجعل هذا مفعول نقص على أن أحسن نصب على المصدر. وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك قط، وهو تعليل لكونه موحى وإن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1173>[سورة يوسف (١٢): آية ٤]</span>\nإِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)\nإِذْ قالَ يُوسُفُ بدل من أَحْسَنَ الْقَصَصِ إن جعل مفعولًا بدل الاشتمال، أو منصوب باضمار اذكر ويُوسُفُ عبري ولو كان عربيًا لصرف. وقرئ بفتح السين وكسرها على التلعب به لا على أنه مضارع بني للمفعول أو الفاعل من آسف لأن المشهورة شهدت بعجمته. لِأَبِيهِ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈\nوعنه عليه الصلاة السلام «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» .\nيَا أَبَتِ أصله يا أبي فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة ولذلك قلبها هاء في الوقف ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وكسرها لأنها عوض حرف يناسبها، وفتحها ابن عامر في كل القرآن","vol":"3","page":154},{"text":"لأنها حركة أصلها أو لأنه كان يا أبتا فحذف الألف وبقي الفتحة، وإنما جاز يا أبتا ولم يجز يا أبتي لأنه جمع بين العوض والمعوض. وقرئ بالضم إجراء لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويض، وإنما لم تسكن كأصلها لأنها حرف صحيح منزل منزلة الاسم فيجب تحريكها ككاف الخطاب. إِنِّي رَأَيْتُ من الرؤيا لا من الرؤية لقوله: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ ولقوله: هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.\nروي عن جابر رضي الله تعالى عنه (أن يهوديًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف، فسكت فنزل جبريل ﵇ فأخبره بذلك فقال إذا أخبرتك هل تسلم قال نعم، قال جريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له فقال اليهودي إي والله إنها لأسماؤها)\nرَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها فلا تكرير وإنما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1174>[سورة يوسف (١٢): آية ٥]</span>\nقالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)\nقالَ يَا بُنَيَّ تصغير ابن، صغرهَ للشفقة أو لصغر السن، لأنه كان ابن اثنتي عشرة سنة. وقرأ حفص هنا وفي «الصافات» بفتح الياء. لاَ تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا فيحتالوا لإِهلاكك حيلة، فهم يعقوب ﵇ من رؤياه أن الله يصطفيه لرسالته ويفوقه على إخوته، فخاف عليه حسدهم وبغيهم والرؤيا كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في النوم، فرق بينهما بحرفي التأنيث كالقربة والقربى وهي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ، فتتصور بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت إليه، وإنما عدى كاد باللام وهو متعد بنفسه لتضمنه معنى فعل يعدى به تأكيدًا ولذلك أكد بالمصدر وعلله بقوله: إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة لما فعل بآدم ﵇ وحواء فلا يألوا جهدًا في تسويلهم وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على الكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1175>[سورة يوسف (١٢): آية ٦]</span>\nوَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)\nوَكَذلِكَ أي وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالة على شرف وعز وكمال نفس. يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ للنبوة والملك أو لأمور عظام، والاجتباء من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك. وَيُعَلِّمُكَ كلام مبتدأ خارج عن التشبيه كأنه قيل وهو يعلمك. مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ من تعبير الرؤيا لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقة، وأحاديث النفس أو الشيطان إن كانت كاذبة. أو من تأويل غوامض كتب الله تعالى وسنن الأنبياء وكلمات الحكماء، وهو اسم جمع للحديث كأباطيل اسم جمع للباطل. وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بالنبوة أو بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة. وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ يريد به سائر بنيه، ولعله استدل على نبوتهم بضوء الكواكب أو نسله. كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ بالرسالة وقيل على إبراهيم بالخلة والإِنجاء من النار وعلى إسحاق بانقاذه من الذبح وفدائه بذبح عظيم. مِنْ قَبْلُ أي من قبلك أو من قبل هذا الوقت. إِبْراهِيمَ","vol":"3","page":155},{"text":"وَإِسْحاقَ\nعطف بيان لأبويك. إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ بمن يستحق الاجتباء. حَكِيمٌ يفعل الأشياء على ما ينبغي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>[سورة يوسف (١٢): آية ٧]</span>\nلَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)\nلَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ أي في قصتهم. آياتٌ دلائل قدرة الله تعالى وحكمته، أو علامات نبوتك وقرأ ابن كثير «آية» . لِلسَّائِلِينَ لمن سأل عن قصتهم، والمراد بإخوته بنو علاته العشرة وهم: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوى وزبالون ويشخر ودينة من بنت خالته ليا تزوجها يعقوب أولًا فلما توفيت تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف. وقيل جمع بينهما ولم يكن الجمع محرمًا حينئذ وأربعة آخرون: دان ونفتالي وجاد وأشر من سريتين زلفة وبلهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1177>[سورة يوسف (١٢): آية ٨]</span>\nإِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨)\nإِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ بنيامين وتخصيصه بالإِضافة لاختصاصه بالاخوة من الطرفين. أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وحده لأن أفعل من لا يفرق فيه بين الواحد وما فوقه، والمذكر وما يقابله بخلاف أخويه فإن الفرق واجب في المحلي جائز في المضاف. وَنَحْنُ عُصْبَةٌ والحال أنا جماعة أقوياء أحق بالمحبة من صغيرين لا كفاية فيهما، والعصبة والعصابة العشرة فصاعدًا سموًا بذلك لأن الأمور تعصب بهم. إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ لتفضيله المفضول أو لترك التعديل في المحبة.\nروي أنه كان أحب إليه لما يرى فيه من المخايل وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة بحيث لم يصبر عنه، فتبالغ حسدهم حتى حملهم على التعرض له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nاقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠)\nاقْتُلُوا يُوسُفَ من جملة المحكي بعد قوله إذ قالوا كأنهم اتفقوا على ذلك الأمر إِلاَّ مِن قال (لا تقتلوا يوسف) . وقيل إنما قاله شمعون أو دان ورضي به الآخرون.\nأَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا منكورة بعيدة من العمران، وهو معنى تنكيرها وإبهامها ولذلك نصبت كالظروف المبهمة. يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ جواب الأمر. والمعنى يصف لكم وجه أبيكم فيقبل بكليته عليكم ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا ينازعكم في محبته أحد. وَتَكُونُوا جزم بالعطف على يَخْلُ أو نصب بإضمار أن. مِنْ بَعْدِهِ من بعد يوسف أو الفراغ من أمره أو قتله أو طرحه. قَوْمًا صالِحِينَ تائبين إلى الله تعالى عما جنيتم أو صالحين مع أبيكم بصلح ما بينكم وبينه بعذر تمهدونه، أو صالحين في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم.\nقالَ قائِلٌ مِنْهُمْ يعني يهوذا وكان أحسنهم فيه رأيًا. وقيل روبيل. لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ فإن القتل عظيم. وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ في قعره، سمي بها لغيبوبته عن أعين الناظرين. وقرأ نافع في «غيابات» في الموضعين على الجمع كأنه لتلك الجب غيابات. وقرئ «غيبة» و«غيابات» بالتشديد. يَلْتَقِطْهُ يأخذه.\nبَعْضُ السَّيَّارَةِ بعض الذين يسيرون في الأَرض. إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ بمشورتي أو إن كنتم على أن تفعلوا ما يفرق بينه وبين أبيه.","vol":"3","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1179>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nقالُوا يا أَبانا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢)\nقالُوا يا أَبانا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ لم تخافنا عليه. وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ونحن نشفق عليه ونريد له الخير، أرادوا به استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم، والمشهور تَأْمَنَّا بالإدغام بإشمام. وعن نافع بترك الإِشمام ومن الشواذ ترك الإِدغام لأنهما من كلمتين و«تيمنا» بكسر التاء.\nأَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا إلى الصحراء. نرتع نتسع في أكل الفواكه ونحوها من الرتعة وهي الخصب.\nونلعب بالاستباق والانتضال. وقرأ ابن كثير نرتع بكسر العين على أنه من ارتعى يرتعي ونافع بالكسر والياء فيه وفي يَلْعَبْ. وقرأ الكوفيون ويعقوب بالياء والسكون على إسناد الفعل إلى يوسف. وقرئ «يَرْتَعْ» من أرتع ماشيته و«يَرْتَعِ» بكسر العين ويَلْعَبْ بالرفع على الابتداء. وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من أن يناله مكروه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1180>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nقالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ (١٤)\nقالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ لشدة مفارقته علي وقلة صبري عنه. وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ لأن الأرض كانت مذأبة. وقيل رأى في المنام أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره عليه، وقد همزها على الأصل ابن كثير ونافع في رواية قالون، وفي رواية اليزيدي وأبو عمرو وقفًا وعاصم وابن عامر وحمزة درجًا واشتقاقه من تذاءبت الريح إذا هبت من كل جهة. وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ لاشتغالكم بالرتع واللعب أو لقلة اهتمامكم بحفظه.\nقالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ اللام موطئة للقسم وجوابه: إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ ضعفاء مغبونون، أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسار والواو في وَنَحْنُ عُصْبَةٌ للحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1181>[سورة يوسف (١٢): آية ١٥]</span>\nفَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥)\nفَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وعزموا على إلقائه فيها، والبئر بئر بيت المقدس أو بئر بأرض الأردن أو بين مصر ومدين، أو على ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب وجواب لما محذوف مثل فعلوا به ما فعلوا من الأذى.\nفقد روي (أنهم لما برزوا به إلى الصحراء أخذوا يؤذونه ويضربونه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويستغيث فقال يهوذا: أما عاهدتموني أن لا تقتلوه فأتوا به إلى البئر، فدلوه فيها فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم، فقال: يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به فقالوا: ادع الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر يلبسوك ويؤنسوك، فلما بلغ نصفها ألقوه وكان فيها ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صخرة كانت فيها فقام عليها يبكي فجاءه جبريل بالوحي)\nكما قال: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ وكان ابن سبع عشرة سنة. وقيل كان مراهقًا أوحي إليه في صغره كما أوحي إلى يحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام.\nوفي القصص: أن إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل ﵇ بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب فجعله في تميمة علقها بيوسف فأخرجه جبريل ﵇ وألبسه إياه\nلَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا لتحدثنهم بما فعلوا بك وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ أنك يوسف لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم وطول العهد المغير للحلى والهيئات، وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر حين دخلوا عليه ممتارين فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ. بشره بما يؤول إليه أمره إيناسًا له","vol":"3","page":157},{"text":"وتطييبًا لقلبه. وقيل وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ متصل ب أَوْحَيْنا أي آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1182>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧)\nوَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً أي آخر النهار. وقرئ «عشيًا» وهو تصغير عشي و«عشى» بالضم والقصر جمع أعشى أي عشوا من البكاء. يَبْكُونَ متباكين.\nروي أنه لما سمع بكاءهم فزع وقال ما لكم يا بني وأين يوسف.\nقالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ نتسابق في العدو أو في الرمي، وقد يشترك الافتعال والتفاعل كالانتضال والتناضل. وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا بمصدق لنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ لسوء ظنك بنا وفرط محبتك ليوسف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>[سورة يوسف (١٢): آية ١٨]</span>\nوَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ (١٨)\nوَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ أي ذي كذب بمعنى مكذوب فيه، ويجوز أن يكون وصفًا بالمصدر للمبالغة وقرئ بالنصب على الحال من الواو أي جاءوا كاذبين و«كدب» بالدال غير المعجمة أي كدر أو طري. وقيل: أصله البياض الخارج على أظفار الأحداث فشبه به الدم اللاصق على القميص، وعلى قميصه في موضع النصب على الظرف أي فوق قميصه أو على الحال من الدم إن جوز تقديمها على المجرور.\nروي: أنه لما سمع بخبر يوسف صاح وسأل عن قميصه فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.\nولذلك قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا أي سهلت لكم أنفسكم وهونت في أعينكم أمرًا عظيمًا من السول وهو الاسترخاء.\nفَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل،\nوفي الحديث «الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق» .\nوَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ على احتمال ما تصفونه من إهلاك يوسف وهذه الجريمة كانت قبل استنبائهم إن صح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1184>[سورة يوسف (١٢): آية ١٩]</span>\nوَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يَا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩)\nوَجاءَتْ سَيَّارَةٌ رفقة يسيرون من مدين إلى مصر فنزلوا قريبًا من الجب وكان ذلك بعد ثلاث من إلقائه فيه. فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ الذي يرد الماء ويستقي لهم وكان مالك بن ذعر الخزاعي. فَأَدْلى دَلْوَهُ فأرسلها في الجب ليملأها فتدلى بها يوسف فلما رآه. قالَ يَا بُشْرى هذا غُلامٌ نادى البشرى بشارة لنفسه أو لقومه كأنه قال تعالى فهذا أوانك. وقيل هو اسم لصاحب له ناداه ليعينه على إخراجه. وقرأ غير الكوفيين «يا بشراي» بالإِضافة، وأمال فتحة الراء حمزة والكسائي. وقرأ ورش بين اللفظين وقرئ «يَا بُشْرى» بالإِدغام وهو لغة و«بشراي» بالسكون على قصد الوقف. وَأَسَرُّوهُ أي الوارد وأصحابه من سائر الرفقة. وقيل أخفوا أمره وقالوا لهم دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. وقيل الضمير لإخوة يوسف وذلك أن يهوذا كان يأتيه كل يوم بالطعام فأتاه يومئذ فلم يجده فيها فأخبره إخوته فأتوا الرفقة وقالوا: هذا غلامنا أبق منا فاشتروه، فسكت يوسف مخافة أن يقتلوه. بِضاعَةً نصب على الحال أي أخفوه متاعًا للتجارة، واشتقاقه من البضع فإنه ما","vol":"3","page":158},{"text":"بضع من المال للتجارة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ لم يخف عليه أسرارهم أو صنيع إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٠]</span>\nوَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)\nوَشَرَوْهُ وباعوه، وفي مرجع الضمير الوجهان أو اشتروه من اخوته. بِثَمَنٍ بَخْسٍ مبخوس لزيفه أو نقصانه. دَراهِمَ بدل من الثمن. مَعْدُودَةٍ قليلة فإنهم يزنون ما بلغ الأوقية ويعدون ما دونها. قيل كان عشرين درهمًا وقيل كان اثنين وعشرين درهمًا. وَكانُوا فِيهِ في يوسف. مِنَ الزَّاهِدِينَ الراغبين عنه والضمير في وَكانُوا إن كان للإِخوة فظاهر وإن كان للرفقة وكانوا بائعين فزهدهم فيه، لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به خائف من انتزاعه مستعجل في بيعه، وإن كانوا مبتاعين فلأنهم اعتقدوا أنه آبق وفيه متعلق بالزاهدين إن جعل اللام للتعريف، وإن جعل بمعنى الذي فهو متعلق بمحذوف يبينه الزَّاهِدِينَ لأن متعلق الصلة لا يتقدم على الموصول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1186>[سورة يوسف (١٢): آية ٢١]</span>\nوَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٢١)\nوَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر واسمه قطفير أو إطفير، وكان الملك يومئذ ريان بن الوليد العمليقي وقد آمن بيوسف ﵇ ومات في حياته. وقيل كان فرعون موسى عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ. والمشهور أنه من أولاد فرعون يوسف. والآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء.\nروي: أنه اشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة واستوزره الريان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.\nواختلف فيما اشتراه به من جعل شراءه به غير الأول: عشرون دينارًا وزوجا نعل وثوبان أبيضان. وقيل ملؤه فضة وقيل ذهبًا. لِامْرَأَتِهِ راعيل أو زليخا. أَكْرِمِي مَثْواهُ اجعلي مقامه عندنا كريمًا أي حسنًا والمعنى أحسني تعهده. عَسى أَنْ يَنْفَعَنا في ضياعنا وأموالنا ونستظهر به في مصالحنا. أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا نتبناه وكان عقيمًا لما تفرس فيه من الرشد، ولذلك قيل: أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر، وابنة شعيب التي قالت يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله تعالى عنهما. وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وكما مكنا محبته في قلب العزيز أو كما مكناه في منزله أو كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز مكنا له فيها. وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ عطف على مضمر تقديره ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه أي كان القصد في إنجائه وتمكينه إلى أن يقيم العدل ويدبر أمور الناس، ويعلم معاني كتب الله تعالى وأحكامه فينفذها، أو تعبير المنامات المنبهة على الحوادث الكائنة ليستعد لها ويشتغل بتدبيرها قبل أن تحل كما فعل لسنيه. وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ لا يرده شيء ولا ينازعه فيما يشاء أو على أمر يوسف أراد به إخوته شيئًا وأراد الله غيره فلم يكن إلا ما أراده. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أن الأمر كله بيده، أو لطائف صنعه وخفايا لطفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1187>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٢]</span>\nوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)\nوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ منتهى اشتداد جسمه وقوته وهو سن الوقوف ما بين الثلاثين والأربعين، وقيل سن الشباب ومبدؤه بلوغ الحلم. آتَيْناهُ حُكْمًا حكمة وهو العلم المؤيد بالعمل، أو حكمًا بين الناس.\nوَعِلْمًا يعني علم تأويل الأحاديث. وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ تنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ذلك جزاء","vol":"3","page":159},{"text":"على إحسانه في عمله وإتقانه في عنفوان أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٣]</span>\nوَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)\nوَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ طلبت منه وتمحلت أن يواقعها، من راد يرود إذا جاء وذهب لطلب شيء ومنه الرائد. وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ قيل كانت سبعة والتشديد للتكثير أو للمبالغة في الإِيثاق.\nوَقالَتْ هَيْتَ لَكَ أي أقبل وبادر، أو تهيأت والكلمة على الوجهين اسم فعل بني على الفتح كأين واللام للتبيين كالتي في سقيا لك. وقرأ ابن كثير بالضم وفتح الهاء تشبيهًا له بحيث، ونافع وابن عامر بالفتح وكسر الهاء كعيط. وقرأ هشام كذلك إلا أنه يهمز. وقد روي عنه ضم التاء وهو لغة فيه. وقرئ «هَيْتَ» كجير و«هئت» كجئت من هاء يهئ إذا تهيأ وقرئ «هيئت» وعلى هذا فاللام من صلته. قالَ مَعاذَ اللَّهِ أعوذ بالله معاذًا. إِنَّهُ إن الشأن. رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ سيدي قطفير أحسن تعهدي إذ قال لك في أَكْرِمِي مَثْواهُ فما جزاؤه أن أخونه في أهله. وقيل الضمير لله تعالى أي إنه خالقي أحسن منزلتي بأن عطف على قلبه فلا أعصيه. إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ المجازون الحسن بالسيئ. وقيل الزناة فإن الزنا ظلم على الزاني والمزني بأهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1189>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٤]</span>\nوَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)\nوَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها وقصدت مخالطته وقصد مخالطتها، والهم بالشيء قصده والعزم عليه ومنه الهمام وهو الذي إذا هم بالشيء أمضاه، والمراد بهمه ﵇ ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري، وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم، أو مشارفة الهم كقولك قتلته لو لم أخف الله. لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ في قبح الزنا وسوء مغبته لخالطها لشبق الغلمة وكثرة المبالغة، ولا يجوز أن يجعل وَهَمَّ بِها جواب لَوْلا فإنها في حكم أدوات الشرط فلا يتقدم عليها جوابها، بل الجواب محذوف يدل عليه. وقيل رأى جبريل ﵊. وقيل تمثل له يعقوب عاضًا على أنامله. وقيل قطفير. وقيل نودي يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء.\nكَذلِكَ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه، أو الأمر مثل ذلك. لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ خيانة السيد. وَالْفَحْشاءَ الزنا. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ الذين أخلصهم الله لطاعته. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بالكسر في كل القرآن إذا كان في أوله الألف واللام أي الذين أخلصوا دينهم لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1190>[سورة يوسف (١٢): آية ٢٥]</span>\nوَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥)\nوَاسْتَبَقَا الْبابَ أي تسابقا إلى الباب، فحذف الجار أو ضمن الفعل معنى الابتدار. وذلك أن يوسف فرَّ منها ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج. وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ اجتذبته من ورائه فانقد قميصه والقد الشق طولًا والقط الشق عرضًا. وَأَلْفَيا سَيِّدَها وصادفا زوجها. لَدَى الْبابِ قالَتْ مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ إيهامًا بأنها فرت منه تبرئة لساحتها عند زوجها وتغييره على يوسف وإغراءه به انتقامًا منه، وَمَا نافية أو استفهامية بمعنى أي شيء جزاءه إلا السجن.","vol":"3","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1191>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nقالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)\nقالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي طالبتني بالمؤاتاة، وإنما قال ذلك دفعًا لما عرضته له من السجن أو العذاب الأليم، ولو لم تكذب عليه لما قاله. وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها قيل ابن عم لها. وقيل ابن خال لها صبيًا في المهد.\nوعن النبي ﷺ «تكلم أربعة صغارًا ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم ﵇»\nوإنما ألقى الله الشهادة على لسان أهلها لتكون ألزم عليها. إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ لأنه يدل على أنها قدت قميصه من قدامه بالدفع عن نفسها، أو أنه أسرع خلفها فتعثر بذيله فانقد جيبه.\nوَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ لأنه يدل على أنها تبعته فاجتذبت ثوبه فقدته.\nوالشرطية محكية على إرادة القول أو على أن فعل الشهادة من القول، وتسميتها شهادة لأنها أدت مؤداها والجمع بين إن وكان على تأويل أن يعلم أنه كان ونحوه ونظيره قولك: إن أحسنت إلى اليوم فقد أحسنت إليك من قبل، فإن معناه أن تمنن علي بإحسانك أمنن عليك بإحساني لك السابق. وقرئ «مِن قَبْلُ» «وَمِنْ دُبُرٍ» بالضم لأنهما قطعا عن الإِضافة كقبل وبعد، وبالفتح كأنهما جعلا علمين للجهتين فمنعا الصرف وبسكون العين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1192>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nفَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)\nفَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ إن قولك مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا أو إن السوء أو إن هذا الأمر. مِنْ كَيْدِكُنَّ من حيلتكن والخطاب لها ولأمثالها أو لسائر النساء. إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ فإن كيد النساء ألطف وأعلق بالقلب وأشد تأثيرًا في النفس ولأنهن يواجهن به الرجال والشيطان يوسوس به مسارقة.\nيُوسُفُ حذف منه حرف النداء لقربه وتفطنه للحديث. أَعْرِضْ عَنْ هذا اكتمه ولا تذكره.\nوَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ يا راعيل. إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ من القوم المذنبين من خطئ إذا أذنب متعمدًا والتذكير للتغليب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1193>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٠]</span>\nوَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠)\nوَقالَ نِسْوَةٌ هي اسم لجمع امرأة وتأنيثه بهذا الاعتبار غير حقيقي ولذلك جرد فعله وضم النون لغة فيها. فِي الْمَدِينَةِ ظرف لقال أي أشعن الحكاية في مصر، أو صفة نسوة وكن خمسًا زوجة الحاجب والساقي والخباز والسجان وصاحب الدواب. امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ تطلب مواقعة غلامها إياها.\nوالْعَزِيزِ بلسان العرب الملك وأصل فتى فتي لقولهم فتيان والفتوة شاذة. قَدْ شَغَفَها حُبًّا شق شغاف قلبها وهو حجابه حتى وصل إلى فؤادها حبًا، ونصبه على التمييز لصرف الفعل عنه. وقرئ «شعفها» من شعف البعير إذا هنأه بالقطران فأحرقه. إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ في ضلال عن الرشد وبعد عن الصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>[سورة يوسف (١٢): آية ٣١]</span>\nفَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)","vol":"3","page":161},{"text":"فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ باغتيابهن، وإنما سماه مكرًا لأنهن أخفينه كما يخفي الماكر مكره، أو قلن ذلك لتريهن يوسف أو لأنها استكتمتهن سرها فأفشينه عليها. أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ تدعوهن قيل دعت أربعين امرأة فيهن الخمس المذكورات. وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ما يتكئن عليه من الوسائد. وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا حتى يتكئن والسكاكين بأيديهن فإذا خرج عليهن يبهتن ويشغلن عن نفوسهن فتقع أيديهن على أيديهن فيقطعنها فيبكتن بالحجة، أو يهاب يوسف مكرها إذا خرج وحده على أربعين امرأة في أيديهن الخناجر. وقيل متكأ طعامًا أو مجلس طعام فإنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب ترفًا ولذلك نهى عنه. قال جميل:\nفَظَللنا بِنِعْمَةٍ وَاتَكَأْنَا ... وَشَرِبْنَا الحَلاَلَ مِنْ قُللِهْ\nوقيل المتكأ طعام يحز حزًا كأن القاطع يتكئ عليه بالسكين. وقرئ «متكأ» بحذف الهمزة و«متكاء» بإشباع الفتحة كمنتزاح و«متكا» وهو الأترج أو ما يقطع من متك الشيء إذا بتكه و«متكأ» من تكئ يتكأ إذا اتكأ. وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ عظمنه وهبن حسنه الفائق.\nوعن النبي ﷺ «رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر»\nوقيل كان يرى تلألؤ وجهه على الجدران. وقيل أكبرن بمعنى حضن من أكبرت المرأة إذا حاضت لأنها تدخل الكبر بالحيض، والهاء ضمير للمصدر أو ليوسف ﵊ على حذف اللام أي حضن له من شدة الشبق كما قال المتنبي:\nخَفِ اللهَ وَاسْتُرْ ذَا الجَمَالَ بِبرقع ... فَإِنَ لحتَ حَاضَتْ فِي الخُدُورِ العَواتِقُ\nوَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ جرحنها بالسكاكين من فرط الدهشة. وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تنزيهًا له من صفات العجز وتعجبًا من قدرته على خلق مثله، وأصله «حاشا» كما قرأ أبو عمرو في الدرج فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفًا وهو حرف يفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء، فوضع موضع التنزيه واللام للبيان كما في قولك سقيا لك.\nوقرئ «حاش الله» بغير لام بمعنى براءة الله، و«حاشا لله» بالتنوين على تنزيله منزلة المصدر. وقيل «حاشا» فاعل من الحشا الذي هو الناحية وفاعله ضمير يوسف أي صار في ناحية الله مما يتوهم فيه. مَا هذا بَشَرًا لأن هذا الجمال غير معهود للبشر، وهو على لغة الحجاز في إعمال ما عمل ليس لمشاركتها في نفي الحال.\nوقرئ «بَشَرٌ» بالرفع على لغة تميم و«بشرى» أي بعبد مشترى لئيم. إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ فإن الجمع بين الجمال الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة من خواص الملائكة، أو لأن جماله فوق جمال البشر ولا يفوقه فيه إلا الملك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>[سورة يوسف (١٢): آية ٣٢]</span>\nقالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)\nقالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني في الافتنان به قبل أن تتصورنه حق تصوره، ولو تصورتنه بما عاينتن لعذرتنني أو فهذا هو الذي لمتنني فيه فوضع ذلك موضع هذا رفعًا لمنزلة المشار إليه. وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ فامتنع طلبًا للعصمة، أقرت لهن حين عرفت أنهن يعذرنها كي يعاونها على إلانة عريكته. وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ أي ما آمر به، فحذف الجار أو أمري إياه بمعنى موجب أمري فيكون الضمير ليوسف. لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ من الإذلاء وهو من صغر بالكسر يصغر صغرًا وصغارًا والصغير من صغر بالضم صغرا. وقرئ «لَّيَكُونُنَّ» وهو يخالف خط المصحف لأن النون كتبت فيه بالألف «كنسفعا» على حكم الوقف وذلك في الخفيفة لشبهها بالتنوين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nقالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)","vol":"3","page":162},{"text":"قالَ رَبِّ السِّجْنُ وقرأ يعقوب بالفتح على المصدر. أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ أي آثر عندي من مؤاتاتها زنًا نظرًا إلى العاقبة وإن كان هذا مما تشتهيه النفس وذلك مما تكرهه، وإسناد الدعوة إليهن جميعًا لأنهن خوفنه من مخالفتها وزين له مطاوعتها. أو دعونه إلى أنفسهن، وقيل إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا وإنما كان الأولى به أن يسأل الله العافية ولذلك رد رسول الله ﷺ على من كان يسأل الصبر. وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي وإن لم تصرف عني. كَيْدَهُنَّ في تحبيب ذلك إلي وتحسينه عندي بالتثبيت على العصمة. أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أمل إلى جانبهن أو إلى أنفسهن بطبعي ومقتضى شهوتي، والصبوة الميل إلى الهوى ومنه الصبا لأن النفوس تستطيبها وتميل إليها. وقرئ أَصْبُ من الصبابة وهي الشوق. وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه فإن الحكيم لا يفعل القبيح، أو من الذين لا يعملون بما يعلمون فإنهم والجهال سواء.\nفَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فأجاب الله دعاءه الذي تضمنه قوله: وَإِلَّا تَصْرِفْ. فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ فثبته بالعصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن وآثرها على اللذة المتضمنة للعصيان. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لدعاء الملتجئين إليه. الْعَلِيمُ بأحوالهم وما يصلحهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1197>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)\nثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ ثم ظهر للعزيز وأهله من بعد ما رأوا الشواهد الدالة على براءة يوسف كشهادة الصبي وقد القميص وقطع النساء أيديهن واستعصامه عنهن وفاعل بَدا مضمر يفسره.\nلَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ وذلك لأنها خدعت زوجها وحملته على سجنه زمانًا حتى تبصر ما يكون منه، أو يحسب الناس أنه المجرم فلبث في السجن سبع سنين. وقرئ بالتاء على أن بعضهم خاطب به العزيز على التعظيم أو العزيز ومن يليه، و«عتى» بلغة هذيل.\nوَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ أي أدخل يوسف السجن واتفق أنه أدخل حينئذ آخران من عبيد الملك شرابيه وخبازه للاتهام بأنهما يريدان أن يسماه. قالَ أَحَدُهُما يعني الشرابي. إِنِّي أَرانِي أي في المنام وهي حكاية حال ماضية. أَعْصِرُ خَمْرًا أي عنبًا وسماه خمرًا باعتبارِ ما يؤول إليه. وَقالَ الْآخَرُ أي الخباز. إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ تنهش منه. نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ من الذين يحسنون تأويل الرؤيا، أو من العالمين وإنما قالا ذلك لأنهما رأياه في السجن يذكر الناس ويعبر رؤياهم، أو من المحسنين إلى أهل السجن فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا إن كنت تعرفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1198>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nقالَ لاَ يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (٣٨)\nقالَ لاَ يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ أي بتأويل ما قصصتما علي، أو بتأويل الطعام يعني بيان ماهيته وكيفيته فإنه يشبه تفسير المشكل، كأنه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد ويرشدهما إلى الطريق القويم قبل أن يسعف إلى ما سألاه منه كما هو طريقة الأنبياء والنازلين منازلهم من العلماء في الهداية والإرشاد، فقدم ما يكون معجزة له من الإِخبار بالغيب ليدلهما على صدقه في الدعوة والتعبير. قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما أي","vol":"3","page":163},{"text":"ذلك التأويل. مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي بالإلهام والوحي وليس من قبيل التكهن أو التنجيم. إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ تعليل لما قبله أي علمني ذلك لأني تركت ملة أولئك.\nوَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أو كلام مبتدأ لتمهيد الدعوة وإظهار أنه من بيت النبوة لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه والوثوق عليه، ولذلك جوز للحامل أن يصف نفسه حتى يعرف فيقتبس منه، وتكرير الضمير للدلالة على اختصاصهم وتأكيد كفرهم بالآخرة. مَا كانَ لَنا ما صح لنا معشر الأنبياء. أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي شيء كان. ذلِكَ أي التوحيد. مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا بالوحي. وَعَلَى النَّاسِ وعلى سائر الناس يبعثنا لإرشادهم وتثبيتهم عليه. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ المبعوث إليهم. لاَ يَشْكُرُونَ هذا الفضل فيعرضون عنه ولا يتنبهون، أو من فضل الله علينا وعليهم بنصب الدلائل وإنزال الآيات ولكن أكثرهم لا ينظرون إليها ولا يستدلون بها فيلغونها كمن يكفر النعمة ولا يشكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1199>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nيا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَّآ أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٤٠)\nيا صاحِبَيِ السِّجْنِ أي يا ساكنيه، أو يا صاحبي فيه فأضافهما إليه على الاتساع كقوله:\nيَا سَارِقَ اللَّيْلَةَ أَهْلَ الدَّارِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ شتى متعددة متساوية الأقدام. خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ المتوحد بالألوهية. الْقَهَّارُ الغالب الذي لا يعادله ولا يقاومه غيره.\nمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ خطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر. إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَّآ أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ أي إلا أشياء باعتبار أسام أطلقتم عليها من غير حجة تدل على تحقق مسمياتها فيها فكأنكم لا تعبدون إلا الأسماء المجردة. والمعنى أنكم سميتم ما لم يدل على استحقاقه الألوهية عقل ولا نقل آلهة، ثم أخذتم تعبدونها باعتبار ما تطلقون عليها. إِنِ الْحُكْمُ ما الحكم في أمر العبادة. إِلَّا لِلَّهِ لأنه المستحق لها بالذات من حيث إنه الواجب لذاته الموجد للكل والمالك لأمره. أَمَرَ على لسان أنبيائه.\nأَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ الذي دلت عليه الحجج. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ الحق وأنتم لا تميزون المعوج عن القويم، وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة، بين لهم أولًا رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة، ثم برهن على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها لا تستحق الالهية فإن استحقاق العبادة إما بالذات وإما بالغير وكلا القسمين منتف عنها، ثم نص على ما هو الحق القويم والدين المستقيم الذي لا يقتضي العقل غيره ولا يرتضي العلم دونه. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ فيخبطون في جهالاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1200>[سورة يوسف (١٢): آية ٤١]</span>\nيا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١)\nيا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما يعني الشرابي. فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا كما كان يسقيه قبل ويعود إلى ما كان عليه. وَأَمَّا الْآخَرُ يريد به الخباز. فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ فقالا كذبنا فقال قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ أي قطع الأمر الذي تستفتيان فيه، وهو ما يؤول إليه أمركما ولذلك وحده، فإنهما وإن استفتيا في أمرين لكنهما أرادا استبانة عاقبة ما نزل بهما.","vol":"3","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1201>[سورة يوسف (١٢): آية ٤٢]</span>\nوَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)\nوَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا الظان يوسف إن ذكر ذلك عن اجتهاد وإن ذكره عن وحي فهو الناجي إلا أن يؤول الظن باليقين. اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ اذكر حالي عند الملك كي يخلصني. فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فأنسى الشرابي أن يذكره لربه، فأضاف إليه المصدر لملابسته له أو على تقدير ذكر أخبار ربه، أو أنسي يوسف ذكر الله حتى استعان بغيره، ويؤيده\nقوله ﵊ «رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لما لبث في السجن سبعًا بعد الخمس» .\nوالاستعانة بالعباد في كشف الشدائد وإن كانت محمودة في الجملة لكنها لا تليق بمنصب الأنبياء. فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ البضع ما بين الثلاث إلى التسع من البضع وهو القطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1202>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤)\nوَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ لما دنا فَرَجه رأى الملك سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات مهازيل فابتلعت المهازيل السمان. وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قد انعقد حبها. وَأُخَرَ يابِساتٍ وسبعًا أخر يابسات قد أدركت فالْتَوَتِ اليابسات على الخضر حتى غلبت عليها، وإنما استغنى عن بيان حالها بما قص من حال البقرات، وأجرى السمان على المميز دون المميز لأن التمييز بها ووصف السبع الثاني بالعجاف لتعذر التمييز بها مجردًا عن الموصوف فإنه لبيان الجنس، وقياسه عجف لأنه جمع عجفاء لكنه حمل على سِمانٍ لأنه نقيضه. يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ عبروها. إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا وهي الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها من العبور وهي المجاوزة، وعبرت الرؤيا عبارة أثبت من عبرتها تعبيرًا واللام للبيان أو لتقوية العامل فإن الفعل لما أخر عن مفعوله ضعف فقوي باللام كاسم الفاعل، أو لتضمن تَعْبُرُونَ معنى فعل يعدى باللام كأنه قيل: إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا.\nقالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي هذه أضغاث أحلام وهي تخاليطها جمع ضغث وأصله ما جمع من أخلاط النبات وحزم فاستعير للرؤيا الكاذبة، وإنما جمعوا للمبالغة في وصف الحلم بالبطلان كقولهم: فلان يركب الخيل، أو لتضمنه أشياء مختلفة. وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ يريدون بالأحلام المنامات الباطلة خاصة أي ليس لها تأويل عندنا، وإنما التأويل للمنامات الصادقة فهو كأنه مقدمة ثانية للعذر في جهلهم بتأويله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1203>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nوَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)\nوَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما من صاحبي السجن وهو الشرابي. وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ وتذكر يوسف بعد جماعة من الزمان مجتمعة أي مدة طويلة. وقرئ «إمة» بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة، و«أمه» أي نسيان يقال أمه يأمه أمها إذا نسي، والجملة اعتراض ومقول القول. أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ أي إلى من عنده علمه أو إلى السجن.","vol":"3","page":165},{"text":"يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أي فأرسل إلى يوسف فجاءه فقال يا يوسف، وإنما وصفه بالصديق وهو المبالغ في الصدق لأنه جرب أحواله وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه. أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ أي في رؤيا ذلك. لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أعود إلى الملك ومن عنده، أو إلى أهل البلد إذ قيل إن السجن لم يكن فيه. لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ تأويلها أو فضلك ومكانك، وإنما لم يبت الكلام فيهما لأنه لم يكن جازمًا بالرجوع فربما اخترم دونه ولا يعلمهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٤٧ الى ٤٩]</span>\nقالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)\nقالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا أي على عادتكم المستمرة وانتصابه على الحال بمعنى دائبين، أو المصدر بإضمار فعله أي تدأبون دأبًا وتكون الجملة حالًا. وقرأ حفص دَأَبًا بفتح الهمزة وكلاهما مصدر دأب في العمل. وقيل تَزْرَعُونَ أمر أخرجه في صورة الخبر مبالغة لقوله: فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ لئلا يأكله السوس، وهو على الأول نصيحة خارجة عن العبارة. إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ في تلك السنين.\nثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن فأسند إليهن على المجاز تطبيقًا بين المعبر والمعبر به. إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ تحرزون لبذور الزراعة.\nثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ يمطرون من الغيث أو يغاثون من القحط من الغوث.\nوَفِيهِ يَعْصِرُونَ ما يعصر كالعنب والزيتون لكثرة الثمار. وقيل يحلبون الضروع. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على تغليب المستفتي، وقرئ على بناء المفعول من عصره إذا أنجاه ويحتمل أن يكون المبني للفاعل منه أي يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضًا، أو من أعصرت السحابة عليهم فعدي بنزع الخافض أو بتضمينه معنى المطر.\nوهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة، ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب بالخصب، أو بأن السنة الإِلهية على أن يوسع على عباده بعد ما ضيق عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٠]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ بعد ما جاءه الرسول بالتعبير فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ليخرجه. قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إنما تأنى في الخروج وقدم سؤال النسوة وفحص حالهن لتظهر براءة ساحته ويعلم أنه سجن ظلمًا فلا يقدر الحاسد أن يتوسل به إلى تقبيح أمره. وفيه دليل على أنه ينبغي أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها.\nوعن النبي ﷺ «لو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإِجابة»\nوإنما قال فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ ولم يقل فاسأله أن يفتش عن حالهن تهييجًا له على البحث وتحقيق الحال، وإنما لم يتعرض لسيدته مع ما صنعت به كرما ومراعاة للأدب وقرئ «النسوة» بضم النون. إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ حين قلن لي أطع مولاتك، وفيه تعظيم كيدهن والاستشهاد بعلم الله عليه وعلى أنه بريء مما قذف به والوعيد لهن على كيدهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nقالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢)","vol":"3","page":166},{"text":"قالَ مَا خَطْبُكُنَّ قال الملك لهن ما شأنكن والخطب أمر يحق أن يخاطب فيه صاحبه. إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تنزيه له وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله. مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ من ذنب. قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ثبت واستقر من حصحص البعير إذا ألقى مباركهُ ليناخ قال:\nفَحَصْحَصَ فِي صُمَ الصفَا ثَفَنَاتِه ... وَنَاءَ بِسَلْمَى نَوأَة ثُمَّ صَمَّمَا\nأو ظهر من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه. وقرئ على البناء للمفعول. أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ في قولهِ: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ذلِكَ لِيَعْلَمَ قاله يوسف لما عاد إليه الرسول وأخبره بكلامهن أي ذلك التثبت ليعلم العزيز. أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ بظهر الغيب وهو حال من الفاعل أو المفعول أي لم أخنه وأنا غائب عنه، أو وهو غائب عني أو ظرف أي بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة. وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ لا ينفذه ولا يسدده، أو لا يهدي الخائنين بكيدهم فأوقع الفعل على الكيد مبالغة. وفيه تعريض براعيل في خيانتها زوجها وتوكيد لأمانته ولذلك عقبه بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٣]</span>\nوَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)\nوَما أُبَرِّئُ نَفْسِي أي لا أنزهها تنبيهًا على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله، بل إظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتوفيق. وعن ابن عباس أنه لما قال: لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال له جبريل ولا حين هممت فقال ذلك. إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ من حيث إنها بالطبع مائلة إلى الشهوات فتهم بها، وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كل الأوقات. إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إلا وقت رحمة ربي، أو إلا ما ﵀ من النفوس فعصمه من ذلك. وقيل الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإِساءة. وقيل الآية حكاية قول راعيل والمستثنى نفس يوسف وأضرابه. وعن ابن كثير ونافع بِالسُّوءِ على قلب الهمزة واوًا ثم الادغام. إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر هَمَّ النفس ويرحم من يشاء بالعصمة أو يغفر للمستغفر لذنبه المعترف على نفسه ويرحمه ما استغفره واسترحمه مما ارتكبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1208>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٤]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أجعله خالصًا لنفسي. فَلَمَّا كَلَّمَهُ أي فلما أتوا به فكلمه وشاهد منه الرشد والدهاء. قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ ذو مكانة ومنزلة. أَمِينٌ\nمؤتمن على كل شيء.\nروي أنه لما خرج من السجن اغتسل وتنظف ولبس ثيابًا جددًا، فلما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرية فقال الملك: ما هذا اللسان قال:\nلسان آبائي، وكان الملك يعرف سبعين لسانًا فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه فقال: أحب أن أسمع رؤياي منك، فحكاها ونعت له البقرات والسنابل وأماكنها على ما رآها فأجلسه على السرير وفوض إليه أمره.\nوقيل توفي قطفير في تلك الليالي فنصبه منصبه وزوج منه راعيل فوجدها عذراء وولد له منها أفرائيم وميشا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1209>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٥ الى ٥٧]</span>\nقالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)","vol":"3","page":167},{"text":"قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ ولني أمرها والأرض أرض مصر. إِنِّي حَفِيظٌ لها ممن لا يستحقها. عَلِيمٌ بوجوه التصرف فيه، ولعله ﵇ لما رأى أنه يستعمله في أمره لا محالة آثر ما تعم فوائده وتجل عوائده، وفيه دليل على جواز طلب التولية وإظهار أنه مستعد لها والتولي من يد الكافر إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به. وعن مجاهد أن الملك أسلم على يده.\nوَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ في أرض مصر. يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ ينزل من بلادها حيث يهوى وقرأ ابن كثير «نشاء» بالنون. نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ في الدنيا والآخرة. وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ بل نوفي أَجورهم عاجلًا وآجلًا. وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ الشرك والفواحش لعظمه ودوامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1210>[سورة يوسف (١٢): آية ٥٨]</span>\nوَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)\nوَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ\nروي: أنه لما استوزره الملك أقام العدل واجتهد في تكثير الزراعات وضبط الغلات، حتى دخلت السنون المجدبة وعم القحط مصر والشأم ونواحيهما، وتوجه إليه الناس فباعها أولًا بالدراهم والدنانير حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي والجواهر ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار، ثم برقابهم حتى استرقهم جميعًا ثم عرض الأمر على الملك فقال: الرأي رأيك فأعتقهم ورد عليهم أموالهم، وكان قد أصاب كنعان ما أصاب سائر البلاد فأرسل يعقوب بنيه- غير بنيامين- إليه للميرة.\nفَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أي عرفهم يوسف ولم يعرفوه لطول العهد ومفارقتهم إياه في سن الحداثة ونسيانهم إياه، وتوهمهم أنه هلك وبعد حاله التي رأوه عليها من حاله حين فارقوه وقلة تأملهم في حلاه من التهيب والاستعظام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1211>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٩ الى ٦١]</span>\nوَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (٦١)\nوَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ أصلحهم بعدتهم وأوقر ركائبهم بما جاءوا لأجله، والجهاز ما يعد من الأمتعة للنقلة كعدد السفر وما يحمل من بلدة إلى أخرى وما تزف به المرأة إلى زوجها وقرئ «بِجَهَازِهِمْ» بالكسر.\nقالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ\nروي: أنهم لما دخلوا عليه قال: من أنتم وما أمركم لعلكم عيون؟ قالوا:\nمعاذ الله إنما نحن بنو أب واحد وهو شيخ كبير صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب، قال كم أنتم؟ قالوا كنا اثني عشر فذهب أحدنا إلى البرية فهلك، قال: فكم أنتم ها هنا قالوا عشرة، قال: فأين الحادي عشر؟ قالوا:\nعند أبينا يتسلى به عن الهالك، قال: فمن يشهد لكم. قالوا: لا يعرفنا أحد ها هنا فيشهد لنا قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخيكم من أبيكم حتى أصدقكم، فاقترعوا فأصابت شمعون. وقيل كان يوسف يعطي لكل نفر حملًا فسألوه حملًا زائدًا لأخ لهم من أبيهم فأعطاهم وشرط عليهم أن يأتوه به ليعلم صدقهم.\nأَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ أتمه. وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ للضيف والمضيفين لهم وكان أحسن إنزالهم وضيافتهم.\nفَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ أي ولا تقربوني ولا تدخلوا دياري، وهو إما نهي أو","vol":"3","page":168},{"text":"نفي معطوف على الجزاء.\nقالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ سنجتهد في طلبه من أبيه. وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ذلك لا نتوانى فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٢]</span>\nوَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)\nوَقالَ لِفِتْيانِهِ لغلمانه الكيالين جمع فتى. وقرأ حمزة والكسائي وحفص لِفِتْيانِهِ على أنه جمع الكثرة ليوافق قوله: اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ فإنه وكل بكل رحل واحدا يعبي فيه بضاعتهم التي شروا بها الطعام، وكانت نعالًا وأدمًا وإنما فعل ذلك توسيعًا وتفضلًا عليهم وترفعًا من أن يأخذ ثمن الطعام منهم، وخوفًا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به. لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها لعلهم يعرفون حق ردها. أو لكي يعرفوها. إِذَا انْقَلَبُوا انصرفوا ورجعوا. إِلى أَهْلِهِمْ وفتحوا أوعيتهم. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1213>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nفَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)\nفَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ حكم بمنعه بعد هذا إن لم نذهب ببنيامين. فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ نرفع المانع من الكيل ونكتل ما نحتاج إليه. وقرأ حمزة والكسائي بالياء على إسناده إلى الأخ أي يكتل لنفسه فينضم اكتياله إلى اكتيالنا. وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من أن يناله مكروه.\nقالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ وقد قلتم في يوسف: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.\nفَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا فأتوكل عليه وأفوض أمري إليه، وانتصاب «حفظا» على التمييز وحافِظًا على قراءة حمزة والكسائي وحفص يحتمله والحال كقوله: لله دره فارسا، وقرئ «خير حافظ» و«خير الحافظين» .\nوَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمع علي مصيبتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٥]</span>\nوَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)\nوَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ وقرئ «رُدَّتْ» بنقل كسرة الدال المدغمة إلى الراء نقلها في بيع وقيل. قالُوا يا أَبانا مَا نَبْغِي ماذا نطلب هل من مزيد على ذلك أكرمنا وأحسن مثوانا وباع منا ورد علينا متاعنا. أو لا نطلب وراء ذلك إحسانًا أو لا نبغي في القول ولا نزيد فيما حكينا لك من إحسانه.\nوقرئ «ما تبغي» على الخطاب أي: أي شيء تطلب وراء هذا من الإِحسان، أو من الدليل على صدقنا؟\nهذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا استئناف موضح لقوله مَا نَبْغِي. وَنَمِيرُ أَهْلَنا معطوف على محذوف أي ردت إلينا فنستظهر بها ونمير أهلنا بالرجوع إلى الملك. وَنَحْفَظُ أَخانا عن المخاوف في ذهابنا وإيابنا. وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ وسق بعير باستصحاب أخينا، هذا إذا كانت مَا استفهامية فأما إذا كانت نافية احتمل ذلك واحتمل أن أن تكون الجمل معطوفة على مَا نَبْغِي، أي لا نبغي فيما نقول وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا.\nذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أي مكيل قليل لا يكفينا، استقلوا ما كيل لهم فأرادوا أن يضاعفوه بالرجوع إلى الملك ويزدادوا إليه ما يكال لأخيهم، ويجوز أن تكون الإِشارة إلى كيل بعير أي ذلك شيء قليل لا يضايقنا فيه","vol":"3","page":169},{"text":"الملك ولا يتعاظمه، وقيل إنه من كلام يعقوب ومعناه، إن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٦]</span>\nقالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)\nقالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ إذ رأيت منكم ما رأيت. حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ حتى تعطوني ما أتوثق به مِنْ عِندِ الله أي عهدًا مؤكدًا بذكر الله. لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جواب القسم إذ المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتنني به. إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك أو إلا أن تهلكوا جميعًا وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال والتقدير: لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم، أو من أعم العلل على أن قوله لتأتنني به، في تأويل النفي أي لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم كقولهم: أقسمت بالله إلا فعلت، أي ما أطلب إلا فعلك. فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ عهدهم. قالَ اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ من طلب الموثق وإتيانه. وَكِيلٌ رقيب مطلع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1216>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nوَقالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَّا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٦٨)\nوَقالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ لأنهم كانوا ذوي جمال وأبهة مشتهرين في مصر بالقربة والكرامة عند الملك، فخاف عليهم أن يدخلوا كوكبة واحدة فيعانوا، ولعله لم يوصهم بذلك في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين حينئذ، أو كان الداعي إليها خوفه على بنيامين. وللنفس آثار منها العين والذي يدل عليه\nقوله ﵊ في عوذته «اللهم إني أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة» .\nوَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ مما قضى عليكم بما أشرت به إليكم فإن الحذر لا يمنع القدر. إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يصيبكم لا محالة إن قضي عليكم سوءا ولا ينفعكم ذلك. عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ جمع بين الحرفين في عطف الجملة على الجملة لتقدم الصلة للاختصاص كأن الواو للعطف والفاء لإفادة التسبب، فإن فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم.\nوَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ أي من أبواب متفرقة في البلد. مَّا كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ رأي يعقوب واتباعهم له. مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ مما قضاه عليهم كما قال يعقوب ﵇. فسُرِقُوا وَأخذ بنيامين بوجدان الصواع في رحله وتضاعفت المصيبة على يعقوب. إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ استثناء منقطع أي ولكن حاجة في نفسه، يعني شفقته عليهم وحرازته من أن يعانوا. قَضاها أظهرها ووصى بها. وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ بالوحي ونصب الحجج، ولذلك قال وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ولم يغتر بتدبيره.\nوَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ سر القدر وأنه لا يغني عنه الحذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1217>[سورة يوسف (١٢): آية ٦٩]</span>\nوَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)\nوَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخاهُ ضم إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل\nروي: (أنه أضافهم","vol":"3","page":170},{"text":"فأجلسهم مثنى مثنى فبقي بنيامين وحيدًا فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيًا لجلس معي، فأجلسه معه على مائدته ثم قال: لينزل كل اثنين منكم بيتًا وهذا لا ثاني له فيكون معي فبات عنده وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك، قال: من يجد أخًا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وقالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ فلا تحزن افتعال من البؤس. بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في حقنا فيما مضى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1218>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nفَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ (٧١)\nفَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ المشربة. فِي رَحْلِ أَخِيهِ قيل كانت مشربة جعلت صاعًا يكال به وقيل. كانت تسقى الدواب بها ويكال بها وكانت من فضة. وقيل من ذهب وقرئ «وجعل» على حذف جواب فلما تقديره أمهلهم حتى انطلقوا. ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ نادى مناد. أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ لعله لم يقله بأمر يوسف ﵊ أو كان تعبية السقاية والنداء عليها برضا بنيامين. وقيل معناه إنكم لسارقون يوسف من أبيه أو أإنكم لسارقون، والعير القافلة وهو اسم الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تتردد، فقيل لأصحابها\nكقوله ﵊ «يا خيل الله اركبي» .\nوقيل جمع عير وأصله فعل كسقف فعل به ما فعل ببيض تجوز به لقافلة الحمير، ثم استعير لكل قافلة.\nقالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ أي شيء ضاع منكم؟ والفقد: غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه، وقرئ «تَفْقِدُونَ» من أفقدته إذا وجدته فقيدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1219>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nقالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣)\nقالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وقرئ «صاع» و«صوع» بالفتح والضم والعين والغين و«صواغ» من الصياغة. وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام جعلًا له. وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ كفيل أؤديه إلى من رده. وفيه دليل على جواز الجعالة وضمان الجعل قبل تمام العمل.\nقالُوا تَاللَّهِ قسم فيه معنى التعجب، التاء بدل من الباء مختصة باسم الله تعالى: لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم في كرتي مجيئهم ومداخلتهم للملك مما يدل على فرط أمانتهم كرد البضاعة التي جعلت في رحالهم وكعم الدواب لئلا تتناول زرعًا أو طعاما لأحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1220>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nقالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)\nقالُوا فَما جَزاؤُهُ فما جزاء السارق أو السرق أو ال صُواعَ على حذف المضاف. إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في ادعاء البراءة.\nقالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ أي جزاء سرقته أخذ من وجد فى رحله واسترقاقه، هكذا كان شرع يعقوب ﵊. وقوله فَهُوَ جَزاؤُهُ تقرير للحكم وإلزام له، أو خبر مَنْ والفاء لتضمنها معنى الشرط أو جواب لها على أنها شرطية. والجملة كما هي خبر جَزاؤُهُ على إقامة الظاهر فيها","vol":"3","page":171},{"text":"مقام الضمير كأنه قيل: جزاؤه من وجد فى رحله فهو هو. كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ بالسرقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1221>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٦]</span>\nفَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)\nفَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ فبدأ المؤذن. وقيل يوسف لأنهم ردوا إلى مصر. قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ بنيامين نفيا للتهمة. ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث. مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ وقرئ بضم الواو وبقلبها همزة. كَذلِكَ مثل ذلك الكيد. كِدْنا لِيُوسُفَ بأن علمناه إياه وأوحينا به إليه. ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ملك مصر لأن دينه الضرب وتغريم ضعف ما أخذ دون الاسترقاق وهو بيان للكيد.\nإِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك، فالاستثناء من أعم الأحوال ويجوز أن يكون منقطعا أي لكن أخذه بمشيئة الله تعالى وإذنه. نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بالعلم كما رفعنا درجته. وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ أرفع درجة منه، واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته إذ لو كان ذا علم لكان فوقه من هو أعلم منه. والجواب أن المراد كل ذي علم من الخلق لأن الكلام فيهم ولأن العليم هو الله ﷾، ومعناه الذي له العلم البالغ لغة ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا فوق كل العلماء عليم وهو مخصوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1222>[سورة يوسف (١٢): آية ٧٧]</span>\nقالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧)\nقالُوا إِنْ يَسْرِقْ بنيامين. فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ يعنون يوسف. قيل ورثت عمته من أبيها منطقة إبراهيم ﵇ وكانت تحضن يوسف وتحبه، فلما شب أراد يعقوب انتزاعه منها فشدت المنطقة على وسطه، ثم أظهرت ضياعها فتفحصُ عنها فوجدت محزومة عليه فصارت أحق به في حكمهم. وقيل كان لأبي أمه صنم فسرقه وكسره وألقاه في الجيف. وقيل كان في البيت عناق أو دجاجة فأعطاها السائل. وقيل دخل كنيسة وأخذ تمثالًا صغيرًا من الذهب. فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ أكنها ولم يظهرها لهم، والضمير للإجابة أو المقالة أو نسبة السرقة إليه وقيل إنها كناية بشريطة التفسير يفسرها قوله: قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا فإنه بدل من أسرها. والمعنى قال في نفسه أنتم شر مكانًا أي منزلة في السرقة لسرقتكم أخاكم، أو في سوء الصنيع مما كنتم عليه، وتأنيثها باعتبار الكلمة أو الجملة، وفيه نظر إذ المفسر بالجملة لا يكون إلا ضمير الشأن. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ وهو يعلم أن الأمر ليس كما تصفون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1223>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nقالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظالِمُونَ (٧٩)\nقالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا أي في السن أو القدر، ذكروا له حاله استعطافًا له عليه.\nفَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ بدله فإن أباه ثكلان على أخيه الهالك مستأنس به. إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إلينا فأتمم إحسانك، أو من المتعودين بالإِحسان فلا تغير عادتك.\nقالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ فإن أخذ غيره ظلم على فتواكم فلو أخذنا أحدكم مكانه. إِنَّا إِذًا لَظالِمُونَ في مذهبكم هذا، وإن مراده إن الله أذن في أخذ من وجدنا الصاع في رحله لمصلحته ورضاه عليه فلو أخذت غيره كنت ظالما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1224>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٠]</span>\nفَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠)","vol":"3","page":172},{"text":"فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ يئسوا من يوسف وإجابته إياهم، وزيادة السين والتاء للمبالغة. خَلَصُوا انفردوا واعتزلوا. نَجِيًّا متناجين، وإنما وحده لأنه مصدر أو بزنته كما قيل هو صديق، وجمعه أنجيه كندي وأندية. قالَ كَبِيرُهُمْ في السن وهو روبيل، أو في الرأي وهو شمعون وقيل يهوذا. أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ عهدًا وثيقًا، وأنما جعل حلفهم بالله موثقًا منه لأنه بإذن منه وتأكيد من جهته.\nوَمِنْ قَبْلُ ومن قبل هذا. مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ قصرتم في شأنه، وما مزيدة ويجوز أن تكون مصدرية في موضع النصب بالعطف على مفعول تعلموا، ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف، أو على اسم أَنَّ وخبره في يُوسُفَ أو مِنْ قَبْلُ أو الرفع بالابتداء والخبر مِنْ قَبْلُ وفيه نظر، لأن قَبْلُ إذا كان خبرًا أو صلة لا يقطع عن الإِضافة حتى لا ينقص وأن تكون موصولة أي: ما فرطتموه بمعنى ما قدمتموه في حقه من الجناية ومحله ما تقدم. فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ فلن أفارق أرض مصر. حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي في الرجوع. أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي أو يقضي لي بالخروج منها، أو بخلاص أخي منهم أو بالمقاتلة معهم لتخليصه.\nروي: أنهم كلموا العزيز في إطلاقه فقال روبيل: أيها الملك والله لتتركنا أو لأصيحن صيحة تضع منها الحوامل، ووقفت شعور جسده فخرجت من ثيابه فقال يوسف ﵇ لابنه: قم إلى جنبه فمسه، وكان بنو يعقوب ﵇ إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه. فقال روبيل من هذا إن في هذا البلد لبزرًا من بزر يعقوب.\nوَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ لأن حكمه لا يكون إلا بالحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1225>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨١ الى ٨٢]</span>\nارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢)\nارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ على ما شاهدناه من ظاهر الأمر. وقرئ «سَرَقَ» أي نسب إلى السرقة. وَما شَهِدْنا عليه. إِلَّا بِما عَلِمْنا بأن رأينا أن الصواع استخرج من وعائه. وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ لباطن الحال. حافِظِينَ فلا ندري أنه سرق أو سرق ودس الصواع في رحله، أو وما كنا للعواقب عالمين فلم ندر حين أعطيناك الموثق أنه سيسرق، أو أنك تصاب به كما أصبت بيوسف.\nوَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها يعنون مصر أو قرية بقربها لحقهم المنادي فيها، والمعنى أرسل إلى أهلها واسألهم عن القصة. وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وأصحاب العير التي توجهنا فيهم وكنا معهم. وَإِنَّا لَصادِقُونَ تأكيد في محل القسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1226>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٣ الى ٨٤]</span>\nقالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)\nقالَ بَلْ سَوَّلَتْ أي فلما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال لهم أخوهم قال: بَلْ سَوَّلَتْ أي سولت وسهلت. لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا أردتموه فقدرتموه، وإلا فما أدرى الملك أن السارق يؤخذ بسرقته. فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل. عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا بيوسف وبنيامين وأخيهما الذي توقف بمصر. إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بحالي وحالهم. الْحَكِيمُ في تدبيرهما.\nوَتَوَلَّى عَنْهُمْ وأعرض عنهم كراهة لما صادف منهم. وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ أي يا أسفا تعال فهذا أوانك، والأسف أشد الحزن والحسرة، والألف بدل من ياء المتكلم، وإنما تأسف على يوسف دون","vol":"3","page":173},{"text":"أخويه والحادث رزؤهما لأن رزأه كان قاعدة المصيبات وكان غضًا آخذًا بمجامع قلبه، ولأنه كان واثقًا بحياتهما دون حياته،\nوفي الحديث: «لم تعط أمة من الأمم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ عند المصيبة إلا أمة محمد ﷺ» .\nألا ترى إلى يعقوب ﵊ حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال يَا أَسَفى.\nوَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ لكثرة بكائه من الحزن كأن العبرة محقت سوادهما. وقيل ضعف بصره. وقيل عمي، وقرئ «مِنَ الحزن» وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع، ولعل أمثال ذلك لا تدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد،\nولقد بكى رسول الله ﷺ على ولده إبراهيم وقال:\n«القلب يجزع والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنما عليك يا إبراهيم لمحزونون» .\nفَهُوَ كَظِيمٌ مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا يظهره، فعيل بمعنى مفعول كقوله تعالى: وَهُوَ مَكْظُومٌ من كظم السقاء إذا شده على ملئه، أو بمعنى فاعل كقوله: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ من كظم الغيظ إذا اجترعه، وأصله كظم البعير جرته إذا ردها في جوفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1227>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٥]</span>\nقالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥)\nقالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ أي لا تفتأ ولا تزال تذكره تفجعًا عليه، فحذف لا كما في قوله:\nفَقُلْتُ يَمينَ الله أَبْرَح قَاعِدًا لأنه لا يلتبس بالإثبات، فإن القسم إذا لم يكن معه علامات الإثبات كان على النفي. حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا مريضًا مشفيًا على الهلاك. وقيل الحرض الذي أذا به هم أو مرض، وهو في الأصل مصدر ولذلك لا يؤنث ولا يجمع والنعت بالكسر كدنف ودنف. وقد قرئ به وبضمتين كجنب. أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ من الميتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1228>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nقالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧)\nلَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي\nهمي الذي لا أقدر الصبر عليه من البث بمعنى النشر. لَى اللَّهِ\nلا إلى أحد منكم ومن غيركم، فخلوني وشكايتي. أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ\nمن صنعه ورحمته فإنه لا يخيب داعيه ولا يدع الملتجئ إليه، أو من الله بنوع من الإلهام. الا تَعْلَمُونَ\nمن حياة يوسف. قيل رأى ملك الموت في المنام فسأله عنه فقال هو حي. وقيل علم من رؤيا يوسف أنه لا يموت حتى يخر له إخوته سجدًا.\nيا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ فتعرفوا منهما وتفحصوا عن حالهما والتحسس تطلب الإحساس: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه. وقرئ «مِن رَّوْحِ الله» أي من رحمته التي يحيي بها العباد. إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ بالله وصفاته فإن العارف المؤمن لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1229>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٨]</span>\nفَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)\nفَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ بعد ما رجعوا إلى مصر رجعة ثانية. مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ شدة الجوع. وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ رديئة أو قليلة ترد وتدفع رغبة عنها، من أزجيته إذا دفعته ومنه تزجية الزمان.","vol":"3","page":174},{"text":"قيل كانت دراهم زيوفًا وقيل صوفًا وسمنًا. وقيل الصنوبر والحبة الخضراء. وقيل الأقط وسويق المقل.\nفَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ فأتمم لنا الكيل. وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا برد أخينا أو بالمسامحة وقبول المزجاة، أو بالزيادة على ما يساويها. واختلف في أن حرمة الصدقة تعم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو تختص بنبينا ﷺ. إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ أحسن الجزاء والتصدق التفضل مطلقا، ومنه\nقوله ﵊ في القصر «هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» .\nلكنه اختص عرفًا بما يبتغي به ثواب من الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1230>[سورة يوسف (١٢): آية ٨٩]</span>\nقالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩)\nقالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ أي هل علمتم قبحه فتبتم عنه وفعلهم بأخيه إفراده عن يوسف وإذلاله حتى لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذلة. إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ قبحه فلذلك أقدمتم عليه أو عاقبته، وإنما قال ذلك تنصيحًا لهم وتحريضًا على التوبة، وشفقة عليهم لما رأى من عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريبًا. وقيل أعطوه كتاب يعقوب في تخليص بنيامين وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه فقال لهم ذلك، وإنما جهلهم لأن فعلهم كان فعل الجهال، أو لأنهم كانوا حينئذ صبيانا طياشين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1231>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٠ الى ٩١]</span>\nقالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١)\nقالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ استفهام تقرير ولذلك حقق بأن ودخول اللام عليه. وقرأ ابن كثير على الإِيجاب. قيل عرفوه بروائه وشمائله حين كلمهم به، وقيل تبسم فعرفوه بثناياه. وقيل رفع التاج عن رأسه فرأوا علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء وكانت لسارة ويعقوب مثلها. قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي من أبي وأمي ذكره تعريفًا لنفسه به، وتفخيمًا لشأنه وإدخالًا له في قوله: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا أي بالسلامة والكرامة. إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ أي يتق الله. وَيَصْبِرْ على البليات أو على الطاعات وعن المعاصي. فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وضع المحسنين موضع الضمير للتنبيه على أن المحسن من جمع بين التقوى والصبر.\nقالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا اختارك علينا بحسن الصورة وكمال السيرة. وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ والحال أن شأننا إنا كنا مذنبين بما فعلنا معك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1232>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٢ الى ٩٣]</span>\nقالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)\nقالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ لا تأنيب عليكم تفعيل من الثرب وهو الشحم الذي يغشى الكرش للإِزالة كالتجليد، فاستعير للتقريع الذي يمزق العرض ويذهب ماء الوجه. الْيَوْمَ متعلق بال تَثْرِيبَ أو بالمقدر للجار الواقع خبرا ل لاَ تَثْرِيبَ والمعنى لا أثربكم اليوم الذي هو مظنته فما ظنكم بسائر الأيام أو بقوله:\nيَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ لأنه صفح عن جريمتهم حينئذ واعترفوا بها. وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فإنه يغفر الصغائر والكبائر ويتفضل على التائب، ومن كرم يوسف ﵇ أنهم لما عرفوه أرسلوا إليه وقالوا: إنك تدعونا بالبكرة والعشي إلى الطعام ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال إن أهل مصر كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى ويقولون: سبحان من بلغ عبدًا بيع بعشرين درهمًا ما بلغ، ولقد شرفت بكم وعظمت في عيونهم حيث علموا أنكم اخوتي وأني من حفدة إبراهيم ﵇.","vol":"3","page":175},{"text":"اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا القميص الذي كان عليه. وقيل القميص المتوارث الذي كان في التعويذ.\nفَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا أي يرجع بصيرًا أي ذا بصر. وَأْتُونِي أنتم وأبي. بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ بنسائكم وذراريكم ومواليكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1233>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٤ الى ٩٥]</span>\nوَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)\nوَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ من مصر وخرجت من عمرانها. قالَ أَبُوهُمْ لمن حضره. إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ أوجده الله ريح ما عبق بقميصه من ريحه حين أقبل به إليه يهوذا من ثمانين فرسخًا. لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ تنسبوني إلى الفند وهو نقصان عقل يحدث من هرم، ولذلك لا يقال عجوز مفندة لأن نقصان عقلها ذاتي. وجواب لَوْلا محذوف تقديره لصدقتموني أو لقلت إنه قريب.\nقالُوا أي الحاضرون. تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ لفي ذهابك عن الصواب قدمًا بالإِفراط في محبة يوسف وإكثار ذكره والتوقع للقائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1234>[سورة يوسف (١٢): آية ٩٦]</span>\nفَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦)\nفَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ يهوذا\n. روي: أنه قال كما أحزنته بحمل قميصه الملطخ بالدم إليه فأفرحه بحمل هذا إليه.\nأَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ طرح البشير القميص على وجه يعقوب ﵇ أو يعقوب نفسه. فَارْتَدَّ بَصِيرًا عاد بصيرًا لما انتعش فيه من القوة. قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ من حياة يوسف ﵇، وإنزال الفرح. وقيل إني أعلم كلام مبتدأ والمقول لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، أو إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1235>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٧ الى ٩٨]</span>\nقالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)\nقالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ ومن حق المعترف بذنبه أن يصفح عنه ويسأله المغفرة.\nقالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ اخره إلى السحر أو إلى صلاة الليل أو إلى ليلة الجمعة تحريًا لوقت الإِجابة، أو إلى أن يستحل لهم من يوسف أو يعلم أنه عفا عنهم فإن عفو المظلوم شرط المغفرة. ويؤيده ما\nروي: أنه استقبل القبلة قائما يدعو وقام يوسف خلفه وقاموا خلفهما أذلة خاشعين حتى نزل جبريل وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة، وهو إن صح فدليل على نبوتهم، وأن ما صدر عنهم كان قبل استنبائهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1236>[سورة يوسف (١٢): آية ٩٩]</span>\nفَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)\nفَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ\nروي أنه وجه إليه رواحل وأموالًا ليتجهز إليه بمن معه، واستقبله يوسف والملك بأهل مصر وكان أولاده الذين دخلوا معه مصر اثنين وسبعين رجلًا وامرأة، وكانوا حين خرجوا مع موسى ﵊ ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلًا سوى الذرية والهرمى.\nآوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ضم إليه أباه وخالته واعتنقهما نزلها منزلة الأم تنزيل العم منزلة الأب في قوله: وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ","vol":"3","page":176},{"text":"وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ\nأو لأن يعقوب ﵇ تزوجها بعد أمه والرابة تدعى أمًا وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ من القحط وأصناف المكاره، والمشيئة متعلقة بالدخول المكيف بالأمن والدخول الأول كان في موضع خارج البلد حين استقبلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1237>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٠]</span>\nوَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)\nوَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا تحية وتكرمة له فإن السجود كان عندهم يجري مجراها.\nوقيل معناه خروا لأجله سجدًا لله شكرًا. وقيل الضمير لله تعالى والواو لأبويه وإخوته والرفع مؤخر عن الخرور وإن قدم لفظًا للاهتمام بتعظيمه لهما. وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ التى رأيتها أيام الصبا.\nقَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا صدقًا. وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ولم يذكر الجب لئلا يكون تثريبًا عليهم. وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ من البادية لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو. مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي أفسد بيننا وحرش، من نزغ الرائض الدابة إذا نخسها وحملها على الجري. إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ لطيف التدبير له إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته ويتسهل دونها. إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بوجود المصالح والتدابير. الْحَكِيمُ الذي يفعل كل شيء في وقته وعلى وجه يقتضي الحكمة.\nروي: أن يوسف طاف بأبيه عليهما الصلاة والسلام في خزائنه فلما أدخله خزانة القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل قال: أمرني جبريل ﵇ قال: أو ما تسأله قال: أنت أبسط مني إليه فاسأله فقال جبريل: الله أمرني بذلك. لقولك: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ قال فهلا خفتني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1238>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠١]</span>\nرَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)\nرَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ بعض الملك وهو ملك مصر. وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ الكتب أو الرؤيا، ومن أيضًا للتبعيض لأنه لم يؤت كل التأويل. فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما وانتصابه على أنه صفة المنادى أو منادى برأسه. أَنْتَ وَلِيِّي ناصري ومتولي أمري. فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أَوْ الذي يتولاني بالنعمة فيهما. تَوَفَّنِي مُسْلِمًا اقبضني. وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ من آبائي أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامة.\nروي أن يعقوب ﵇ أقام معه أربعًا وعشرين سنة ثم توفي وأوصى أن يدفن بالشام إلى جنب أبيه، فذهب به ودفنه ثمة ثم عاد وعاش بعده ثلاثًا وعشرين سنة، ثم تاقت نفسه إلى الملك المخلد فتمنى الموت فتوفاه الله طيبًا طاهرًا، فتخاصم أهل مصر في مدفنه حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في النيل بحيث يمر عليه الماء، ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرعًا فيه، ثم نقله موسى ﵊ إلى مدفن آبائه وكان عمره مائة وعشرين سنة، وقد ولد له من راعيل افرائيم وميشا وهو جد يوشع بن نون، ورحمة امرأة أيوب ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1239>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٢ الى ١٠٣]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)\nذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من نبأ يوسف ﵇، والخطاب فيه للرسول ﷺ وهو مبتدأ. مِنْ","vol":"3","page":177},{"text":"أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ\nخبران له. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ كالدليل عليهما والمعنى: أن هذا النبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي لأنك لم تحضر إخوة يوسف حين عزموا على ما هموا به من أن يجعلوه في غيابة الجب، وهم يمكرون به وبأبيه ليرسله معهم، ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحدًا سمع ذلك فتعلمته منه، وإنما حذف هذا الشق استغناء بذكره في غير هذه القصة كقوله: مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا.\nوَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ على إيمانهم وبالغت في إظهار الآيات عليهم. بِمُؤْمِنِينَ لعنادهم وتصميمهم على الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1240>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٤ الى ١٠٥]</span>\nوَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥)\nوَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ على الإنباء أو القرآن. مِنْ أَجْرٍ من جعل كما يفعله حملة الأخبار. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ عظة من الله تعالى. لِلْعالَمِينَ عامة.\nوَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ وكم من آية. والمعنى وكأي عدد شئت من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته وكمال قدرته وتوحيده. فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها على الآيات ويشاهدونها. وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. وقرئ وَالْأَرْضِ بالرفع على أنه مبتدأ خبره يَمُرُّونَ، فيكون لها الضمير في عَلَيْها وبالنصب على ويطئون الأرض. وقرئ و«الأرض يمشون عليها» أي يترددون فيها فيرون آثار الأمم الهالكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1241>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٦ الى ١٠٨]</span>\nوَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)\nوَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ في إقرارهم بوجوده وخالقيته. إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ بعبادة غيره أو باتخاذ الأحبار أربابًا. ونسبة التبني إليه تعالى، أو القول بالنور والظلمة أو النظر إلى الأسباب ونحو ذلك. وقيل الآية في مشركي مكة، وقيل في المنافقين. وقيل في أهل الكتاب.\nأَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ عقوبة تغشاهم وتشملهم. أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فجأة من غير سابقة علامة. وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بإتيانها غير مستعدين لها.\nقُلْ هذِهِ سَبِيلِي يعني الدعوة إلى التوحيد والإِعداد للمعاد ولذلك فسر السبيل بقوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ وقيل هو حال من الياء. عَلى بَصِيرَةٍ بيان وحجة واضحة غير عمياء. أَنَا تأكيد للمستتر في أَدْعُوا أو عَلى بَصِيرَةٍ لأنه حال منه أو مبتدأ خبره عَلى بَصِيرَةٍ. وَمَنِ اتَّبَعَنِي عطف عليه. وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وأنزهه تنزيهًا من الشركاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1242>[سورة يوسف (١٢): آية ١٠٩]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩)\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا رد لقولهم لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً وقيل معناه نفي استنباء النساء يُوحِي إِلَيْهِمُ كما يوحي إليك ويميزون بذلك عن غيرهم. وقرأ حفص نُوحِي في كل القرآن ووافقه","vol":"3","page":178},{"text":"حمزة والكسائي في سورة «الأنبياء» . مِنْ أَهْلِ الْقُرى لأن أهلها أعلم وأحلم من أهل البدو. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مّن المكذبين بالرسل والآيات فيحذروا تكذيبك، أو من من المشغوفين بالدنيا المتهالكين عليها فيقلعوا عن حبها. وَلَدارُ الْآخِرَةِ ولدار الحال أو الساعة أو الحياة الآخرة. خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك والمعاصي. أَفَلا يَعْقِلُونَ يستعملون عقولهم ليعرفوا أنها خير. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالتاء حملًا على قوله: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أي قل لهم أفلا تعقلون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1243>[سورة يوسف (١٢): آية ١١٠]</span>\nحَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)\nحَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ غاية محذوف دل عليه الكلام أي لا يغررهم تمادي أيامهم فإن من قبلهم أمهلوا حتى أى الرسل عن النصر عليهم في الدنيا، أو عن إيمانهم لانهماكهم في الكفر مترفهين متمادين فيه من غير وازع. وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون، أو كذبهم القوم بوعد الإِيمان. وقيل الضمير للمرسل إليهم أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم بالدعوة والوعيد. وقيل الأول للمرسل إليهم والثاني للرسل أي وظنوا أن الرسل قد كذبوا وأخلفوا فيما وعد لهم من النصر وخلط الأمر عليهم. وما روي عن ابن عباس ﵄: أن الرسل ظنوا أنهم أخلفوا ما وعدهم الله من النصر، إن صح فقد أراد بالظن ما يهجس في القلب على طريق الوسوسة. هذا وأن المراد به المبالغة في التراخي والإِمهال على سبيل التمثيل. وقرأ غير الكوفيين بالتشديد أي وظن الرسل أن القوم قد كذبوهم فيما أوعدوهم. وقرئ «كَذَّبُواْ» بالتخفيف وبناء الفاعل أي وظنوا أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به عند قومهم لما تراخى عنهم ولم يروا له أثرًا. جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ النبي والمؤمنين وإنما لم يعينهم للدلالة على أنهم الذين يستأهلون إن يشاء نجاتهم لا يشاركهم فيه غيرهم. وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب على لفظ الماضي المبني للمفعول وقرئ «فنجا» وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ إذا نزل بهم وفيه بيان للمشيئين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1244>[سورة يوسف (١٢): آية ١١١]</span>\nلَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ مَا كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)\nلَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ في قصص الأنبياء وأممهم أو في قصة يوسف وإخوته. عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ لذوي العقول. المبرأة من شوائب الإِلف والركون إلى الحس. مَا كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ما كان القرآن حديثًا يفترى. وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب الإِلهية. وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج اليه في الدين إذ ما من أمر ديني إلا وله سند من القرآن بوسط أو بغير وسط. وَهُدىً من الضلال. وَرَحْمَةً ينال بها خير الدارين. لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدقونه.\nوعن النبي ﷺ «علموا أرقاءكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوة أن لا يحسد مسلمًا» .","vol":"3","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1245>(١٣) سورة الرعد</span>\nمدنية وقيل مكية إلا قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية وهي ثلاث وأربعون آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1246>[سورة الرعد (١٣): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالمر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (١)\nالمر قيل معناه أنا الله أعلم وأرى. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني بالكتاب السورة وتِلْكَ إشارة إلى آياتها أي: تلك الآيات آيات السورة الكاملة أو القرآن. وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هو القرآن كله ومحله الجر بالعطف على الْكِتابِ عطف العام على الخاص أو إحدى الصفتين على الأخرى، أو الرفع بالابتداء وخبره الْحَقُّ والجملة كالحجة على الجملة الأولى، وتعريف الخبر وإن دل على اختصاص المنزل بكونه حقًا فهو أعم من المنزل صريحًا أو ضمنًا، كالمثبت بالقياس وغيره مما نطق المنزل بحسن اتباعه. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ لإِخلالهم بالنظر والتأمل فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1247>[سورة الرعد (١٣): آية ٢]</span>\nاللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)\nاللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ مبتدأ وخبر ويجوز أن يكون الموصول صفة والخبر يُدَبِّرُ الْأَمْرَ. بِغَيْرِ عَمَدٍ أساطين جمع عماد كإهاب وأهب، أو عمود كأديم وأدم وقرئ «عَمَدٍ» كرسل. تَرَوْنَها صفة ل عَمَدٍ أو استئناف للاستشهاد برؤيتهم السموات كذلك، وهو دليل على وجود الصانع الحكيم فإن ارتفاعها على سائر الأجسام السماوية لها في حقيقة الجرمية، واختصاصها بما يقتضي ذلك لا بد وأن يكون بمخصص ليس بجسم ولا جسماني يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته وعلى هذا المنهاج سائر ما ذكر من الآيات. ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ بالحفظ والتدبير. وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ذللهما لما أراد منهما كالحركة المستمرة على حد من السرعة ينفع في حدوث الكائنات وبقائها. كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى لمدة معينة يتم فيها أدواره، أو لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره وهي إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أمر ملكوته من الايجاد والإِعدام والإِحياء والإِماتة وغير ذلك. يُفَصِّلُ الْآياتِ ينزلها ويبينها مفصلة أو يحدث الدلائل واحدًا بعد واحد. لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ لكي تتفكروا فيها وتتحققوا كمال قدرته فتعلموا أن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قدر على الإعادة والجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1248>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)","vol":"3","page":180},{"text":"وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ بسطها طولًا وعرضًا لتثبت عليها الأقدام وينقلب عليها الحيوان. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ جبالًا ثوابت من رسا الشيء إذا ثبت، جمع راسيه والتاء للتأنيث على أنها صفة أجبل أو للمبالغة.\nوَأَنْهارًا ضمها إلى الجبال وعلق بهما فعلًا واحدًا من حيث إن الجبال أسباب لتولدها. وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ متعلق بقوله: جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أي وجعل فيها من جميع أنواع الثمرات صنفين اثنين كالحلو والحامض، والأسود والأبيض والصغير والكبير. يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يلبسه مكانه فيصير الجو مظلما بعد ما كان مضيئًا، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر يُغْشِي بالتشديد. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فيها فإن تكونها وتخصصها بوجه دون وجه دليل على وجود صانع حكيم دبر أمرها وهيأ أسبابها.\nوَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ بعضها طيبة وبعضها سبخة، وبعضها رخوة وبعضها صلبة، وبعضها تصلح للزرع دون الشجر وبعضها بالعكس. ولولا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجه دون وجه لم تكن كذلك، لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية وما يلزمها ويعرض لها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية، من حيث أنها متضامة متشاركة في النسب والأوضاع. وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ وبساتين فيها أنواع الأشجار والزروع، وتوحيد الزرع لأنه مصدر في أصله. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ بالرفع عطفًا على وَجَنَّاتٌ. صِنْوانٌ نخلات أصلها واحد. وَغَيْرُ صِنْوانٍ متفرقات مختلفات الأصول. وقرأ حفص بالضم وهو لغة بني تميم ك قِنْوانٌ في جمع قنو. تُسْقَى بِمَاء واحد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِى الأكل في الثمر شكلًا وقدرًا ورائحة وطعمًا، وذلك أيضًا مما يدل على الصانع الحكيم، فإن اختلافها مع اتحاد الأصول والأسباب لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار. وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب يُسْقى بالتذكير على تأويل ما ذكر، وحمزة والكسائي يفضل بالياء ليطابق قوله يُدَبِّرُ الْأَمْرَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يستعملون عقولهم بالتفكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>[سورة الرعد (١٣): آية ٥]</span>\nوَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥)\nوَإِنْ تَعْجَبْ يا محمد من إنكارهم البعث. فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ حقيق بأن يتعجب منه فإن من قدر على إنشاء ما قص عليك كانت الإِعادة أيسر شيء عليه، والآيات المعدودة كما هي دالة على وجود المبدأ فهي دالة على إمكان الإِعادة من حيث إنها تدل على كمال علمه وقدرته وقبول المواد لأنواع تصرفاته. أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بدل من قولهم أو مفعول له، والعامل في إذا محذوف دل عليه: أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ لأنهم كفروا بقدرته على البعث. وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ مقيدون بالضلال لا يرجى خلاصهم أو يغلون يوم القيامة. وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لا ينفكون عنها، وتوسيط الفصل لتخصيص الخلود بالكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1250>[سورة الرعد (١٣): آية ٦]</span>\nوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦)\nوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ بالعقوبة قبل العافية، وذلك لأنهم استعجلوا ما هددوا به من عذاب الدنيا استهزاء. وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لم يعتبروا بها ولم يجوزوا حلول مثلها عليهم، والمثلة بفتح الثاء وضمها كالصَدُقَة والصُدْقَة، العقوبة لأنها مثل المعاقب عليه، ومنه المثال للقصاص وأمثلت الرجل من صاحبه إذا اقتصصته منه. وقرئ «المثلات» بالتخفيف و«المثلات» بإتباع الفاء العين و«المثلات» بالتخفيف بعد الاتباع، و«المثلات» بفتح الثاء على أنها جمع مثلة كركبة","vol":"3","page":181},{"text":"وركبات. وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ مع ظلمهم أنفسهم، ومحله النصب على الحال والعامل فيه المغفرة والتقييد به دليل على جواز العفو قبل التوبة، فإن التائب ليس على ظلمه، ومن منع ذلك خص الظلم بالصغائر المكفرة لمجتنب الكبائر، أو أول المغفرة بالستر والإِمهال. وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ للكفار أو لمن شاء،\nوعن النبي ﷺ: «لولا عفو الله وتجاوزه لما هنأ أحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1251>[سورة الرعد (١٣): آية ٧]</span>\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧)\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ لعدم اعتدادهم بالآيات المنزلة عليه واقتراحًا لنحو ما أوتي موسى وعيسى ﵉. إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ مرسل للإنذار كغيرك من الرسل وما عليك إلا الإِتيان بما تصح به نبوتك من جنس المعجزات لا بما يقترح عليك. وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ نبي مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم يهديهم إلى الحق ويدعوهم إلى الصواب، أو قادر على هدايتهم وهو الله تعالى لكن لا يهدي إلا من يشاء هدايته بما ينزل عليك من الآيات. ثم أردف ذلك بما يدل على كمال علمه وقدرته وشمول قضائه وقدره، تنبيهًا على أنه تعالى قادر على إنزال ما اقترحوه وإنما لم ينزل لعلمه بأن اقتراحهم للعناد دون الاسترشاد، وأنه قادر على هدايتهم وإنما لم يهدهم لسبق قضائه بالكفر فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1252>[سورة الرعد (١٣): آية ٨]</span>\nاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨)\nاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى أي حملها أو ما تحمله على أي حال هو من الأحوال الحاضرة والمترقبة. وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وما تنقصه وما تزداده في الجنة والمدة والعدد، وأقصى مدة الحمل أربع سنين عندنا وخمس عند مالك وسنتان عند أبي حنيفة.\nروي أن الضحاك ولد لسنتين وهرم بن حيان لأربع سنين وأعلى عدده لا حد له.\nوقيل نهاية ما عرف به أربعة وإليه ذهب أبو حنيفة ﵁، وقال الشافعي ﵀ أخبرني شيخ باليمن أن امرأته ولدت بطونًا في كل بطن خمسة. وقيل المراد نقصان دم الحيض وازدياده، وغاض جاء متعديًا ولازمًا وكذا ازداد قال تعالى: وَازْدَادُوا تِسْعًا فإن جعلتهما لازمين تعين إما أن تكون مصدرية. وإسنادهما إلى الأرحام على المجاز فإنهما لله تعالى أو لما فيها. وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه كقوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فإنه تعالى خص كل حادث بوقت وحال معينين، وهيأ له أسبابا مسوقة إليه تقتضي ذلك. وقرأ ابن كثير هادٍ ووالٍ وو واقٍ\nوَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ بالتنوين في الوصل فإذا وقف وقف بالياء في هذه الأحرف الأربعة حيث وقعت لا غير، والباقون يصلون بالتنوين ويقفون بغير ياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1253>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٩ إلى ١٠]</span>\nعالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠)\nعالِمُ الْغَيْبِ الغائب عن الحس. وَالشَّهادَةِ الحاضر له. الْكَبِيرُ العظيم الشأن الذي لا يخرج عن علمه شيء. الْمُتَعالِ المستعلي على كل شيء بقدرته، أو الذي كبر عن نعت المخلوقين وتعالى عنه.\nسَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ في نفسه. وَمَنْ جَهَرَ بِهِ لغيره. وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ طالب للخفاء في مختبأ بالليل. وَسارِبٌ بارز. بِالنَّهارِ يراه كل أحد من سرب سروبًا إذا برز، وهو عطف على من أو مستخف على أَن من في معنى الإثنين كقوله:\nنكن مثل من يا ذئب يصطحبان","vol":"3","page":182},{"text":"كأنه قال سواء منكم اثنان مستخف بالليل وسارب بالنهار، والآية متصلة بما قبلها مقررة لكمال علمه وشموله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1254>[سورة الرعد (١٣): آية ١١]</span>\nلَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)\nلَهُ لمن أسر أو جهر أو استخفى أو سرب. مُعَقِّباتٌ ملائكة تعتقب في حفظه، جمع معقبة من عقبه مبالغة عقبه إذا جاء على عقبه كأن بعضهم يعقب بعضًا، أو لأنهم يعقبون أقواله وأفعاله فيكتبونها، أو اعتقب فأدغمت التاء في القاف والتاء للمبالغة، أو لأن المراد بالمعقبات جماعات. وقرئ «مَعَاقِيبُ» جمع معقب أو معقبة على تعويض الياء من حذف إحدى القافين. مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ من جوانبه أو من الأعمال ما قدم وأخر. يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ من بأسه متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له، أو يحفظونه من المضار أو يراقبون أحواله من أجل أمر الله تعالى. وقد قرئ به وقيل من بمعنى الباء. وقيل من أمر الله صفة ثانية ل مُعَقِّباتٌ. وقيل المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان يحفظونه في توهمه من قضاء الله تعالى. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ من العافية والنعمة. حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ فلا راد له فالعامل في إِذا ما دل عليه الجواب.\nوَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ممن يلي أمرهم فيدفع عنهم السوء، وفيه دليل على أن خلاف مراد الله تعالى محال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1255>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nهُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣)\nهُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا من أذاه. وَطَمَعًا في الغيث وانتصابهما على العلة بتقدير المضاف، أي إرادة خوف وطمع أو التأويل بالإِخافة والإِطماع، أو الحال من الْبَرْقَ أو المخاطبين على إضمار ذو، أو إطلاق المصدر بمعنى المفعول أو الفاعل للمبالغة. وقيل يخاف المطر من يضره ويطمع فيه من ينفعه.\nوَيُنْشِئُ السَّحابَ الغيم المنسحب في الهواء. الثِّقالَ وهو جمع ثقيلة وإنما وصف به السحاب لأنه اسم جنس في معنى الجمع.\nوَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ ويسبح سامعوه. بِحَمْدِهِ ملتبسين به فيضجون بسبحان الله والحمد لله، أو يدل الرعد بنفسه على وحدانية الله وكمال قدرته ملتبسًا بالدلالة على فضله ونزول رحمته.\nوعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: سئل النبي ﷺ عن الرعد فقال: «ملك موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب» .\nوَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ من خوف الله تعالى وإجلاله وقيل الضمير ل الرَّعْدُ. وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ فيهلكه. وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ حيث يكذبون رسول الله ﷺ فيما يصفه به من كمال العلم والقدرة والتفرد بالألوهية وإعادة الناس ومجازاتهم، والجدال التشدد في الخصومة من الجدل وهو الفتل، والواو إما لعطف الجملة على الجملة أو للحال فإنه\nروي أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد وفدا على رسول الله ﷺ قاصدين لقتله، فأخذه عامر بالمجادلة ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف، فتنبه له رسول الله ﷺ وقال: اللهم اكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، ورمى عامرًا بغدة فمات في بيت سلولية، وكان يقول غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية، فنزلت.\nوَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ المماحلة المكايدة لأعدائه، من محل فلان بفلان إذا كايده وعرضه للهلاك، ومنه تمحل إذا تكلف استعمال الحيلة،","vol":"3","page":183},{"text":"ولعل أصله المحل بمعنى القحط. وقيل فعال من المحل بمعنى القوة. وقيل مفعل من الحول أو الحيلة أعل على غير قياس ويعضده أنه قرئ بفتح الميم على أنه مفعل من حال يحول إذا احتال، ويجوز أن يكون بمعنى الفقار فيكون مثلًا في القوة والقدرة كقولهم: فساعد الله أشد وموساه أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1256>[سورة الرعد (١٣): آية ١٤]</span>\nلَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤)\nلَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ الدعاء الحق فإنه الذي يحق أن يعبد ويدعى إلى عبادته دون غيره، أو له الدعوة المجابة فإن من دعاه أجابه، ويؤيده ما بعده والْحَقِّ على الوجهين ما يناقض الباطل وإضافة ال دَعْوَةُ لما بينهما من الملابسة، أو على تأويل دعوة المدعو الحق. وقيل الْحَقِّ هو الله تعالى وكل دعاء إليه دعوة الحق، والمراد بالجملتين إن كانت الآية في أربد وعامر أن إهلاكهما من حيث لم يشعرا به محال من الله إجابة لدعوة رسوله ﷺ أو دلالة على أنه على الحق، وإن كانت عامة فالمراد وعيد الكفرة على مجادلة رسول الله ﷺ بحلول محاله بهم وتهديدهم بإجابة دعاء الرسول ﷺ عليهم، أو بيان ضلالهم وفساد رأيهم. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ أي والأصنام الذين يدعوهم المشركون، فحذف الراجع أو والمشركون الذين يدعون الأصنام فحذف المفعول لدلالة مِنْ دُونِهِ عليه. لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ من الطلبات. إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه. إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ يطلب منه أن يبلغه. وَما هُوَ بِبالِغِهِ لأنه جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته والإِتيان بغير ما جبل عليه وكذلك آلهتهم. وقيل شبهوا في قلة جدوى دعائهم لها بمن أراد أن يغترف الماء ليشربه فبسط كفيه ليشربه. وقرئ «تدعون» بالتاء وباسط بالتنوين. وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ في ضياع وخسار وباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1257>[سورة الرعد (١٣): آية ١٥]</span>\nوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥)\nوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا يحتمل أن يكون السجود على حقيقته فإنه يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثقلين، طوعًا حالتي الشدة والرخاء والكفرة كرهًا حال الشدة والضرورة.\nوَظِلالُهُمْ بالعرض وأن يراد به انقيادهم لإِحداث ما أراده منهم شاؤوا أو كرهوا، وانقياد ظلالهم لتصريفه إياها بالمد والتقليص وانتصاب طَوْعًا وَكَرْهًا بالحال أو العلة وقوله: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ظرف ل يَسْجُدُ والمراد بهما الدوام أو حال من الظلال، وتخصيص الوقتين لأن الظلال إنما تعظم وتكثر فيهما، والغدو جمع غداة كقنى جمع قناة، والْآصالِ جمع أصيل وهو ما بين العصر والمغرب. وقيل الغدو مصدر ويؤيده أنه قد قرئ و«الإِيصال» وهو الدخول في الأصيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1258>[سورة الرعد (١٣): آية ١٦]</span>\nقُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)\nقُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خالقهما ومتولي أمرهما. قُلِ اللَّهُ أجب عنهم بذلك إذ لا جواب لهم سواه، ولأنه البين الذي لا يمكن المراء فيه أو لقنهم الجواب به. قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ ثم ألزمهم بذلك لأن اتخاذهم منكر بعيد عن مقتضى العقل. أَوْلِياءَ لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا لا يقدرون على أن يجلبوا إليها نفعًا أو يدفعوا عنها ضرًا فكيف يستطيعون إنفاع الغير ودفع الضر عنه، وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاء أن يشفعوا لهم. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ المشرك","vol":"3","page":184},{"text":"الجاهل بحقيقة العبادة والموجب لها والموحد العالم بذلك. وقيل المعبود الغافل عنكم والمعبود المطلع على أحوالكم. أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ الشرك والتوحيد. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالياء. أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ بل أجعلوا والهمزة للإنكار وقوله: خَلَقُوا كَخَلْقِهِ صفة لشركاء داخلة في حكم الإِنكار.\nفَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ خلق الله وخلقهم، والمعنى أنهم ما اتخذوا لله شركاء خالقين مثله حتى يتشابه عليهم الخلق فيقولوا هؤلاء خلقوا كما خلق الله فاستحقوا العبادة كما استحقها، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلًا عما يقدر عليه الخالق. قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ أي لا خالق غيره فيشاركه في العبادة، جعل الخلق موجب العبادة ولازم استحقاقها ثم نفاه عمن سواه ليدل على قوله: وَهُوَ الْواحِدُ المتوحد بالألوهية. الْقَهَّارُ الغالب على كل شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1259>[سورة الرعد (١٣): آية ١٧]</span>\nأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧)\nأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء من السحاب أو من جانب السماء أو من السماء نفسها فإن المبادئ منها.\nفَسالَتْ أَوْدِيَةٌ أنهار جمع واد وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة فاتسع فيه، واستعمل للماء الجاري فيه وتنكيرها لأن المطر يأتي على تناوب بين البقاع. بِقَدَرِها بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضار أو بمقدارها في الصغر والكبر. فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رفعه والزبد وضر الغليان. رابِيًا عاليًا. وَمِمَّا توقدون عَلَيْهِ فِى النار يعم الفلزات كالذهب والفضة والحديد والنحاس على وجه التهاون بها إظهارًا لكبريائه.\nابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أي طلب حلى. أَوْ مَتاعٍ كالأواني وآلات الحرب والحرث، والمقصود من ذلك بيان منافعها. زَبَدٌ مِثْلُهُ أي ومما يوقدون عليه زبد مثل زبد الماء وهو خبثه، ومِنَ للابتداء أو للتبعيض وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالياء على أن الضمير للناس وإضماره للعلم به. كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ مثل الحق والباطل فإنه مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة فينتفع به أنواع المنافع، ويمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منافعه ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنى والآبار، وبالفلز الذي ينتفع به في صوغ الحلى واتخاذ الأمتعة المختلفة ويدوم ذلك مدة متطاولة، والباطل في قلة نفعه وسرعة زواله بزبدهما وبين ذلك بقوله: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً يجفأ به أي يرمي به السبيل والفلز المذاب وانتصابه على الحال وقرئ جفالًا والمعنى واحد. وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ كالماء وخلاصة الفلز. فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ينتفع به أهلها. كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لا لايضاح المشتبهات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1260>[سورة الرعد (١٣): آية ١٨]</span>\nلِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)\nلِلَّذِينَ اسْتَجابُوا للمؤمنين الذين استجابوا. لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى الإستجابة الحسنى. وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ وهم الكفرة واللام متعلقة بيضرب على أنه جعل ضرب المثل لشأن الفريقين ضرب المثل لهما.\nوقيل للذين استجابوا خبر الحسنى وهي المثوبة أو الجنة والذين لم يستجيبوا مبتدأ خبره. لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ وهو على الأول كلام مبتدأ لبيان مآل غير المستجيبين. أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وهو المناقشة فيه بأن يحاسب الرجل بذنبه لا يغفر منه شيء. وَمَأْواهُمْ مرجعهم. جَهَنَّمُ وَبِئْسَ","vol":"3","page":185},{"text":"الْمِهادُ\nالمستقر والمخصوص بالذم محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1261>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nأَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠)\nأَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ فيستجيب. كَمَنْ هُوَ أَعْمى عمى القلب لا يستبصر فيستجيب، والهمزة لإِنكار أن تقع شبهة في تشابههما بعد ما ضرب من المثل. إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ذوو العقول المبرأة عن مشايعة الألف ومعارضة الوهم.\nالَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا بلى، أو ما عهد الله تعالى عليهم في كتبه. وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ما وثقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى وبين العباد وهو تعميم بعد تخصيص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1262>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nوَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)\nوَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من الرحم وموالاة المؤمنين والإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويندرج في ذلك مراعاة جميع حقوق الناس. وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وعيده عمومًا. وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ خصوصًا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا.\nوَالَّذِينَ صَبَرُوا على ما تكرهه النفس ويخالفه الهوى. ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ طلبًا لرضاه لا لجزاء وسمعة ونحوهما. وَأَقامُوا الصَّلاةَ المفروضة. وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ بعضه الذي وجب عليهم إنفاقه.\nسِرًّا لمن لم يعرف بالمال. وَعَلانِيَةً لمن عرف به. وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ويدفعونها بها فيجازون الإِساءة بالإِحسان، أو يتبعون السيئة الحسنة فتمحوها. أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ عاقبة الدنيا وما ينبغي أن يكون مآل أهلها وهي الجنة، والجملة خبر الموصولات إن رفعت بالابتداء وإن جعلت صفات لأولي الألباب فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1263>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)\nجَنَّاتُ عَدْنٍ بدل من عُقْبَى الدَّارِ أو مبتدأ خبره يَدْخُلُونَها والعدن الإِقامة أي جنات يقيمون فيها، وقيل هو بطنان الجنة. وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ عطف على المرفوع في يدخلون، وإنما ساغ للفصل بالضمير الآخر أو مفعول معه والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة أو أن الموصوفين بتلك الصفات يقرن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم، وفي التقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد الأنساب لا تنفع. وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ من أبواب المنازل أو من أبواب الفتوح والتحف قائلين.\nسَلامٌ عَلَيْكُمْ بشارة بدوام السلامة. بِما صَبَرْتُمْ متعلق ب عَلَيْكُمْ أو بمحذوف أي هذا بما صبرتم لا ب سَلامٌ، فإن الخبر فاصل والباء للسببية أو للبدلية. فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ وقرئ «فَنِعْمَ» بفتح","vol":"3","page":186},{"text":"النون والأصل نعم فسكن العين بنقل كسرتها إلى الفاء وبغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1264>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٥]</span>\nوَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)\nوَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ يعني مقابلي الأولين. مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ من بعد ما أوثقوه به من الإقرار والقبول. وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالظلم وتهييج الفتن. أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ عذاب جهنم أو سوء عاقبة الدنيا لأنه في مقابلة عُقْبَى الدَّارِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1265>[سورة الرعد (١٣): آية ٢٦]</span>\nاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦)\nاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ يوسعه ويضيقه. وَفَرِحُوا أي أهل مكة. بِالْحَياةِ الدُّنْيا بما بسط لهم في الدنيا. وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ أي في جنب الآخرة. إِلَّا مَتاعٌ إلا متعة لا تدوم كعجالة الراكب وزاد الراعي، والمعنى أنهم أشروا بما نالوا من الدنيا ولم يصرفوه فيما يستوجبون به نعيم الآخرة واغتروا بما هو في جنبه نزر قليل النفع سريع الزوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1266>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٧ الى ٢٩]</span>\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات. وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ أقبل إلى الحق ورجَع عن العناد، وهو جواب يجري مجرى التعجب من قولهم كأنه قال قل لهم ما أعظم عنادكم إن الله يُضِلُّ مَن يَشَاءُ ممن كان على صفتكم، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية، ويهدي إليه من أناب بما جئت به بل بأدنى منه من الآيات.\nالَّذِينَ آمَنُوا بدل من مِنْ أو خبر مبتدأ محذوف. وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أنسًا به واعتمادًا عليه ورجاء منه، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته، أو بذكر دلائله الدالة على وجوده ووحدانيته أو بكلامه يعني القرآن الذي هو أقوى المعجزات. أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ تسكن إليه.\nالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مبتدأ خبره طُوبى لَهُمْ وهو فعلى من الطيب قلبت ياؤه واوًا لضمة ما قبلها مصدر لطاب كبشرى وزلفى، ويجوز فيه الرفع والنصب ولذلك قرئ وَحُسْنُ مَآبٍ بالنصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1267>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٠]</span>\nكَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠)\nكَذلِكَ مثل ذلك يعني إرسال الرسل قبلك. أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها تقدمتها. أُمَمٌ أرسلوا إليهم فليس ببدع إرسالك إليهم. لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لتقرأ عليهم الكتاب الذي أوحيناه إليك. وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ وحالهم أنهم يكفرون بالبليغ الرحمة الذي أحاطت بهم نعمته ووسعت كل شيء رحمته، فلم يشكروا نعمه وخصوصًا ما أنعم عليهم بإرسالك إليهم، وإنزال القرآن الذي هو مناط المنافع الدينية والدنياوية عليهم. وقيل نزلت في مشركي أهل مكة حين قيل لهم اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ. قُلْ هُوَ رَبِّي أي الرحمن خالقي ومتولي أمري. لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ لا مستحق للعبادة سواه.","vol":"3","page":187},{"text":"عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في نصرتي عليكم. وَإِلَيْهِ مَتابِ مرجعي ومرجعكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1268>[سورة الرعد (١٣): آية ٣١]</span>\nوَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١)\nوَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ شرط حذف جوابه والمراد منه تعظيم شأن القرآن، أو المبالغة في عناد الكفرة وتصميمهم أي: ولو أن كتابًا زعزعت به الجبال عن مقارها. أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ تصدعت من خشية الله عند قراءته أو شققت فجعلت أنهارًا وعيونًا. أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى فتسمع فتقرؤه، أو فتسمع وتجيب عند قراءته لكان هذا القرآن لأنه الغاية في الإِعجاز والنهاية في التذكير والإِنذار، أو لما آمنوا به كقوله: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ الآية. وقيل أن قريشًا قالوا يا محمد إن سرك أن نتبعك فسير بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتسع لنا فنتخذ فيها بساتين وقطائع، أو سخر لنا به الريح لنركبها ونتجر إلى الشام، أو ابعث لنا به قصي ابن كلاب وغيره من آبائنا ليكلمونا فيك، فنزلت. وعلى هذا فتقطيع الأرض قطعها بالسير. وقيل الجواب مقدم وهو قوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ وما بينهما اعتراض وتذكير كُلِّمَ خاصة لاشتمال الموتى على المذكر الحقيقي. بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا بل لله القدرة على كل شيءٍ وهو إضراب عما تضمنته لَوْ من معنى النفي أي: بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك، لعلمه بأنه لا تلين له شكيمتهم ويؤيد ذلك قوله: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم، وذهب أكثرهم إلى أن معناه أفلم يعلم لما\nروي أن عليًا وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين قرءوا «أفلم يتبين»،\nوهو تفسيره وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم لأنه مسبب عن العلم، فإن الميئوس عنه لا يكون إلا معلومًا ولذلك علقه بقوله: أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا فإن معناه نفي هدى بعض الناس لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم، وهو على الأول متعلق بمحذوف تقديره أفلم ييأس الذين آمنوا عن إيمانهم علمًا منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا أو ب آمَنُوا. وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا من الكفر وسوء الأعمال. قارِعَةٌ داهية تقرعهم وتقلقلهم. أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها. وقيل الآية في كفار مكة فإنهم لا يزالون مصابين بما صنعوا برسول الله ﷺ، فإنه ﵊ كان لا يزال يبعث السرايا عليهم فتغير حواليهم وتختطف مواشيهم، وعلى هذا يجوز أن يكون تحل خطابا للرسول ﵊ فإنه حل بجيشه قريبًا من دارهم عام الحديبية. حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ الموت أو القيامة أو فتح مكة. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ لامتناع الكذب في كلامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1269>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٢]</span>\nوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢)\nوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا تسلية لرسول الله ﷺ. ووعيد للمستهزئين به والمقترحين عليه، والإملاء أن يترك ملاوة من الزمان في دعة وأمن. ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ أي عقابي إياهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1270>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nأَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لاَ يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤)","vol":"3","page":188},{"text":"أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ رقيب عليها بِما كَسَبَتْ من خير أو شر لاَ يخفي عَلَيْهِ شَيْء من أعمالهم ولا يفوت عنده شيء من جزائهم، والخبر محذوف تقديره كمن ليس كذلك. وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ استئناف أو عطف على كَسَبَتْ إن جعلت «ما» مصدرية، أو لم يوحدوه وجعلوا عطف عليه ويكون الظاهر فيه موضع الضمير لتنبيه على أنه المستحق للعبادة وقوله: قُلْ سَمُّوهُمْ تنبيه على أن هؤلاء الشركاء لا يستحقونها، والمعنى صفوهم فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة. أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بل أتنبئونه. وقرئ «تنبئونه» بالتخفيف. بِما لاَ يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ بشركاء يستحقون العبادة لا يعلمهم، أو بصفات لهم يستحقونها لأجلها لا يعلمها وهو العالم بكل شيء. أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ أم تسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير حقيقة واعتبار معنى كتسمية الزنجي كافورًا وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإِعجاز. بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ تمويههم فتخيلوا أباطيل ثم خالوها حقًا، أو كيدهم للإسلام بشركهم. وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ سبيل الحق، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وَصُدُّوا بالفتح أي وصدوا الناس عن الإيمان، وقرئ بالكسر «وَصَدُ» بالتنوين. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ يخذله.\nفَما لَهُ مِنْ هادٍ يوفقه للهدى.\nلَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\nبالقتل والأسر وسائر ما يصيبهم من المصائب. وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ\nلشدته ودوامه. وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ\nمِن عذابه أو من رحمته. مِنْ واقٍ\nحافظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1271>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٥]</span>\nمَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥)\nمَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ صفتها التي هي مثل في الغرابة، وهو مبتدأ خبره محذوف عند سيبويه أي فيما قصصنا عليكم مثل الجنة وقيل خبره. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ على طريقة قولك صفة زيد أسمر، أو على حذف موصوف أي مثل الجنة جنة تجرى من تحتها الأنهار، أو على زيادة المثل وهو على قول سيبويه حال من العائد أو المحذوف أو من الصلة. أُكُلُها دائِمٌ لا ينقطع ثمرها. وَظِلُّها أي وظلها وكذلك لا ينسخ في الدنيا بالشمس تِلْكَ أي الجنة الموصوفة. عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا مآلهم ومنتهى أمرهم.\nوَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ لا غير، وفي ترتيب النظمين إطماع للمتقين وإقناط للكافرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1272>[سورة الرعد (١٣): آية ٣٦]</span>\nوَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)\nوَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني المسلمين من أهل الكتاب كابن سلام وأصحابه ومن آمن من النصارى وهم ثمانون رجلًا أربعون بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة، أو عامتهم فإنهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم. وَمِنَ الْأَحْزابِ يعني كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ بالعداوة ككعب بن الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب وأشياعهما. مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ وهو ما يخالف شرائعهم أو ما يوافق ما حرفوه منها. قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ جواب للمنكرين أي قل لهم إني أمرت فيما أنزل إلي بأن أعبد الله وأوحده، وهو العمدة في الدين ولا سبيل لكم إلى إنكاره، وأما ما تنكرونه لما يخالف شرائعكم فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإِلهية في جزئيات الأحكام. وقرئ «وَلاَ أُشْرِكُ» بالرفع على الاستئناف. إِلَيْهِ أَدْعُوا لا إلى غيره. وَإِلَيْهِ مَآبِ وإليه مرجعي للجزاء لا إلى غيره، وهذا هو القدر المتفق عليه بين الأنبياء، وأما ما عدا ذلك من التفاريع فمما يختلف بالأعصار والأمم فلا معنى لإنكاركم المخالفة فيه.","vol":"3","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1273>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nوَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨)\nوَكَذلِكَ ومثل ذلك الإنزال المشتمل على أصول الديانات المجمع عليها. أَنْزَلْناهُ حُكْمًا يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة. عَرَبِيًّا مترجمًا بلسان العرب ليسهل لهم فهمه وحفظه وانتصابه على الحال. وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ التي يدعونك إليها، كتقرير دينهم والصلاة إلى قبلتهم بعد ما حولت عنها.\nبَعْدَ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بنسخ ذلك. مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ ينصرك ويمنع العقاب عنك وهو حسم لأطماعهم وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم.\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ بشرًا مثلك. وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً نساء وأولادًا كما هي لك.\nوَما كانَ لِرَسُولٍ وما يصح له ولم يكن في وسعه. أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ تقترح عليه وحكم يلتمس منه. إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فإنه الملي بذلك. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ لكل وقت وأمد حكم يكتب على العباد على ما يقتضيه استصلاحهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1274>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nيَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩) وَإِنْ مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠)\nيَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ ينسخ ما يستصوب نسخه. وَيُثْبِتُ ما تقتضيه حكمته. وقيل يمحو سيئات التائب ويثبت الحسنات مكانها. وقيل يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلق به جزاء ويترك غيره مثبتًا أو يثبت ما رآه وحده في صميم قلبه. وقيل يمحو قرنًا ويثبت آخرين. وقيل يمحو الفاسدات الكائنات. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وَيُثْبِتُ بالتشديد. وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه.\nوَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ وكيفما دارت الحال أريناك بعض ما أوعدناهم أو توفيناك قبله. فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ لا غير. وَعَلَيْنَا الْحِسابُ للمجازاة لا عليك فلا تحتفل بإعراضهم ولا تستعجل بعذابهم فإنا فاعلون له وهذا طلائعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1275>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ أرض الكفرة. نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بما نفتحه على المسلمين منها.\nوَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ لا راد له وحقيقته الذي يعقب الشيء بالإِبطال، ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يقفو غريمه بالاقتضاء، والمعنى أنه حكم للإِسلام بالقبال وعلى الكفر بالإِدبار وذلك كائن لا يمكن تغييره، ومحل لا مع المنفي النصب على الحال أي يحكم نافذًا حكمه. وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ فيحاسبهم عما قليل في الآخرة بعد ما عذبهم بالقتل والاجلاء في الدنيا.\nوَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بأنبيائهم والمؤمنين منهم. فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا إذ لا يؤبه بمكر دون مكره فإنه القادر على ما هو المقصود منه دون غيره. يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ فيعد جزاءها. وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ","vol":"3","page":190},{"text":"لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ\nمن الحزبين حيثما يأتيهم العذاب المعد لهم وهم في غفلة منه، وهذا كالتفسير لمكر الله تعالى بهم، واللام تدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة. مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت.\nوقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو الكافر على إرادة الجنس، وقرئ «الكافرون» و«الذين كفروا» و«الكفر» أي أهله وسيعلم من أعلمه إذا أخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1276>[سورة الرعد (١٣): آية ٤٣]</span>\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قيل المراد بهم رؤساء اليهود. قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها. وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز، أو علم التوراة وهو ابن سلام وأضرابه، أو علم اللوح المحفوظ وهو الله تعالى، أي كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم ما في اللوح المحفوظ إلا هو شهيدًا بيننا فيخزي الكاذب منا، ويؤيده قراءة من قرأ وَمَنْ عِنْدَهُ بالكسر وعِلْمُ الْكِتابِ وعلى الأول مرتفع بالظرف فإنه معتمد على الموصول، ويجوز أن يكون مبتدأ والظرف خبره وهو متعين على الثاني. وقرئ «وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب» على الحرف والبناء للمفعول.\nعن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى، وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد الله» .","vol":"3","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1277>(١٤) سورة إبراهيم</span>\nمكية وهي اثنتان وخمسون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1278>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)\nالر كِتابٌ أي هو كتاب. أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ بدعائك إياهم إلى ما تضمنه. مِنَ الظُّلُماتِ من أنواع الضلال. إِلَى النُّورِ إلى الهدى. بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بتوفيقه وتسهيله مستعار من الاذن الذي هو تسهيل الحجاب، وهو صلة لِتُخْرِجَ أو حال من فاعله أو مفعوله. إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ بدل من قوله: إِلَى النُّورِ بتكرير العامل أو استئناف على أنه جواب لمن يسأل عنه، وإضافة الصراط إلى الله تعالى إما لأنه مقصده أو المظهر له وتخصيص الوصفين للتنبيه على أنه لا يذل سالكه ولا يخيب سابله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1279>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nاللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣)\nاللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ على قراءة نافع وابن عامر مبتدأ وخبر، أو اللَّهِ خبر مبتدأ محذوف والذي صفته وعلى قراءة الباقين عطف بيان ل الْعَزِيزِ لأنه كالعلم لاختصاصه بالمعبود على الحق. وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ وعيد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به مّنِ الظلمات إِلَى النور، والويل نقيض الوأل وهو النجاة، وأصله النصب لأنه مصدر إلا أنه لم يشتق منه فعل لكنه رفع لافادة الثبات.\nالَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ يختارونها عليها فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها من غيره. وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بتعويق الناس عن الإيمان. وقرئ «ويصدون» من أصده وهو منقول من صد صدودًا إذا تنكب وليس فصيحًا، لأن في صده مندوحة عن تكلف التعدية بالهمزة.\nوَيَبْغُونَها عِوَجًا ويبغون لها زيغًا ونكوبًا عن الحق ليقدحوا فيه، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير والموصول بصلته يحتمل الجر صفة للكافرين والنصب على الذم والرفع عليه أو على أنه مبتدأ خبره. أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل، والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله للمبالغة، أو للأمر الذي به الضلال فوصف به لملابسته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1280>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ إلا بلغة قومه الذي هو منهم وبعث فيهم. لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ما أمروا به فيفقهوه عنه بيسر وسرعة، ثم ينقلوه ويترجموه إلى غيرهم فإنهم أولى الناس إليه بأن يدعوهم وأحق بأن ينذرهم، ولذلك أمر النبي ﷺ بإنذار عشيرته أولًا، ولو نزل على من بعث إلى أمم مختلفة كتب على","vol":"3","page":192},{"text":"ألسنتهم استقل ذلك بنوع من الاعجاز، لكن أدى إلى إختلاف الكلمة وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلم الألفاظ ومعانيها، والعلوم المتشعبة منها وما في اتعاب القرائح وكد النفوس من القرب المقتضية لجزيل الثواب.\nوقرئ «بلسن» وهو لغة فيه كريش ورياش، ولسن بضمتين وضمة وسكون على الجمع كعمد وعمد. وقيل الضمير في قومه لمحمد ﷺ وأن الله تعالى أنزل الكتب كلها بالعربية، ثم ترجمها جبريل ﵇ أو كل نبي بلغة المنزل عليهم وذلك ليس بصحيح يرده قوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فإنه ضمير القوم، والتوراة والإنجيل ونحوهما لم تنزل لتبين للعرب. فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ فيخذله عن الإِيمان. وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ بالتوفيق له.\nوَهُوَ الْعَزِيزُ فلا يغلب على مشيئته. الْحَكِيمُ الذي لا يضل ولا يهدي إلا لحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1281>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا يعني اليد والعصا وسائر معجزاته. أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بمعنى أي أخرج لأن في الإرسال معنى القول، أو بأن أخرج فإن صيغ الأفعال سواء في الدلالة على المصدر فيصح أن توصل بها أن الناصبة. وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة وأيام العرب حروبها. وقيل بنعمائه وبلائه. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يصبر على بلائه ويشكر على نعمائه، فإنه إذا سمع بما أنزل على من قبل من البلاء وأفيض عليهم من النعماء اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر. وقيل المراد لكل مؤمن وإنما عبر عنه بذلك تنبيهًا على أن الصبر والشكر عنوان المؤمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1282>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٦]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أي اذكروا نعمته عليكم وقت إنجائه إياكم، ويجوز أن ينتصب ب عَلَيْكُمْ إن جعلت مستقرة غير صلة للنعمة، وذلك إذا أريدت بها العطية دون الأنعام، ويجوز أن يكون بدلًا من نِعْمَةَ اللَّهِ بدل الاشتمال. يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أحوال من آل فرعون، أو من ضمير المخاطبين والمراد بالعذاب ها هنا غير المراد به في سورة «البقرة» و«الأعراف» لأنه مفسر بالتذبيح والقتل ثمة ومعطوف عليه التذبيح ها هنا، وهو إما جنس العذاب أو استعبادهم أو استعمالهم بالأعمال الشاقة. وَفِي ذلِكُمْ من حيث إنه بإقدار الله إياهم وإمهالهم فيه. بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ابتلاء منه، ويجوز أن تكون الإِشارة إلى الانجاء والمراد بالبلاء النعمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1283>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)\nوَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ أيضًا من كلام موسى ﷺ، وتَأَذَّنَ بمعنى آذن كتوعد وأوعد غير أنه أبلغ لما في التفعل من معنى التكلف والمبالغة. لَئِنْ شَكَرْتُمْ يا بني إسرائيل ما أنعمت عليكم من الانجاء وغيره بالإِيمان والعمل الصالح. لَأَزِيدَنَّكُمْ نعمة إلى نعمة. وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ ما أنعمت عليكم. إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ فلعلي أعذبكم على الكفران عذابًا شديدًا ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد، والجملة مقول قول مقدر أو مفعول تَأَذَّنَ على أنه جار مجرى قَالَ لأنه ضرب منه.\nوَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا من الثقلين. فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عن شكركم.\nحَمِيدٌ مستحق للحمد في ذاته، محمود تحمده الملائكة وتنطق بنعمته ذرات المخلوقات، فما ضررتم","vol":"3","page":193},{"text":"بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الأنعام وعرضتموها للعذاب الشديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1284>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٩]</span>\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ من كلام موسى ﵊ أو كلام مبتدأ من الله. وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جملة وقعت اعتراضًا، أو الذين من بعدهم عطف على ما قبله ولا يعلمهم اعتراض، والمعنى أنهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلا الله، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كذب النسابون. جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ فعضوها غيظًا مما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام كقوله تعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ. أو وضعوها عليها تعجبًا منه أو استهزاء عليه كمن غلبه الضحك، أو إسكاتًا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأمرًا لهم باطباق الأفواه، أو أشاروا بها إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم: إِنَّا كَفَرْنا تنبيهًا على أن لا جواب لهم سواه أو ردوها في أفواه الأنبياء يمنعونهم من التكلم، وعلى هذا يحتمل أن يكون تمثيلًا. وقيل الأيدي بمعنى الأيادي أي ردوا أيادي الأنبياء التي هي مواعظهم وما أوحى إليهم من الحكم والشرائع في أفواههم، لأنهم إذا كذبوها ولم يقبلوها فكأنهم ردوها إلى حيث جاءت منه. وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ على زعمكم. وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ من الإيمان وقرئ «تدعونا» بالادغام. مُرِيبٍ موقع في الريبة أو ذي ريبة وهي قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الشيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1285>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٠]</span>\nقالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠)\nقالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ أدخلت همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام في المشكوك فيه لا في الشك. أي إنما ندعوكم إلى الله وهو لا يحتمل الشك لكثرة الأدلة وظهور دلالتها عليه. وأشاروا إلى ذلك بقولهم: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهو صفة أو بدل، وشَكٌّ مرتفع بالظرف. يَدْعُوكُمْ إلى الإِيمان ببعثه إيانا. لِيَغْفِرَ لَكُمْ أو يدعوكم إلى المغفرة كقولك: دعوته لينصرني، على إقامة المفعول له مقام المفعول به. مِنْ ذُنُوبِكُمْ بعض ذنوبكم وهو ما بينكم وبينه تعالى، فإن الإسلام يجبه دون المظالم، وقيل جيء بمن في خطاب الكفرة دون المؤمنين في جميع القرآن تفرقة بين الخطابين، ولعل المعنى فيه أن المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتبة على الإِيمان وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك فتتناول الخروج عن المظالم. وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى وقت سماه الله تعالى وجعله آخر أعماركم. قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا لا فضل لَكُمْ علينا فلم تخصون بالنبوة دوننا ولو شاء الله أن يبعث إلى البشر رسلًا لبعث من جنس أفضل. تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا بهذه الدعوى. فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يدل على فضلكم واستحقاقكم لهذه المزية، أو على صحة ادعائكم النبوة كأنهم لم يعتبروا ما جاءوا به من البينات والحجج واقترحوا عليهم آية أخرى تعنتا ولجاجا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1286>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nقالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى مَا آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)","vol":"3","page":194},{"text":"قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ سلموا مشاركتهم في الجنس وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله ومنه عليهم، وفيه دليل على أن النبوة عطائية وأن ترجيح بعض الجائزات على بعض بمشيئة الله تعالى. وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي ليس إلينا الإِتيان بالآيات ولا تستبد به استطاعتنا حتى نأتي بما اقترحتموه، وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله تعالى فيخص كل نبي بنوع من الآيات. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فلنتوكل عليه في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم، عمموا الأمر للاشعار بما يوجب التوكل وقصدوا به أنفسهم قصدًا أوليًا ألا ترى قوله تعالى:\nوَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ أي: أي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه. وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا التي بها نعرفه ونعلم أن الأمور كلها بيده. وقرأ أبو عمرو بالتخفيف هاهنا وفي «العنكبوت» . وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى مَا آذَيْتُمُونا جواب قسم محذوف أكدوا به توكلهم وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفار عليهم. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم المسبب عن إيمانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1287>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا حلفوا على أن يكون أحد الأمرين، إما إخراجهم للرسل أو عودهم إلى ملتهم، وهو بمعنى الصيرورة لأنهم لم يكونوا على ملتهم قط، ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ومن آمن معه فغلبوا الجماعة على الواحد. فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ أي إلى رسلهم. لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ على إضمار القول، أو إجراء الايحاء مجراه لأنه نوع منه.\nوَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي أرضهم وديارهم كقوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا. وقرئ «ليهلكن» «وليسكننكم» بالياء اعتبارًا لأوحى كقولك: أقسم زيد ليخرجن. ذلِكَ إشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين. لِمَنْ خافَ مَقامِي موقفي وهو الموقف الذي يقيم فيه العباد للحكومة يوم القيامة، أو قيامي عليه وحفظي لأعماله وقيل المقام مقحم.\nوَخافَ وَعِيدِ أي وعيدي بالعذاب أو عذابي الموعود للكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1288>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٥ الى ١٧]</span>\nوَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)\nوَاسْتَفْتَحُوا سألوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعدائهم من الفتاحة كقولِه:\nرَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وهو معطوف على فَأَوْحى والضمير للأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nوقيل للكفرة وقيل للفريقين. فإن كلهم سألوه أن ينصر المحق ويهلك المبطل. وقرئ بلفظ الأمر عطفًا على «ليهلكن» . وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ أي ففتح لهم فأفلح المؤمنون وخاب كل جبار عات متكبر على الله معاند للحق فلم يفلح، ومعنى الخيبة إذا كان الاستفتاح من الكفرة أو من القبيلين كان أوقع.\nمِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ أي من بين يديه فطنة مرصد بها واقف على شفيرها في الدنيا مبعوث إليها في الآخرة. وقيل من وراء حياته وحقيقته ما توارى عنك. وَيُسْقى مِنْ ماءٍ عطف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى وَيُسْقى مِنْ ماءٍ. صَدِيدٍ عطف بيان ل ماءٍ وهو ما يسيل من جلود أهل النار.\nيَتَجَرَّعُهُ يتكلف جرعه وهو صفة لماء، أو حال من الضمير في يُسْقى وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ ولا يقارب أن يسيغه فكيف يسيغه بل يغص به فيطول عذابه، والسوغ جواز الشراب على الحلق بسهولة وقبول","vol":"3","page":195},{"text":"نفس. وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي أسبابه من الشدائد فتحيط به من جميع الجهات. وقيل من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجله. وَما هُوَ بِمَيِّتٍ فيستريح. وَمِنْ وَرائِهِ ومن بين يديه.\nعَذابٌ غَلِيظٌ أي يستقبل في كل وقت عذابًا أشد مما هو عليه. وقيل هو الخلود في النار. وقيل حبس الأنفاس. وقيل الآية منقطعة عن قصة الرسل نازلة في أهل مكة طلبوا الفتح الذي هو المطر في سنيهم التي أرسل الله تعالى عليهم بدعوة رسوله، فخيب رجاءهم فلم يسقهم ووعد لهم أن يسقيهم في جهنم بدل سقياهم صديد أهل النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1289>[سورة إبراهيم (١٤): آية ١٨]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)\nمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليكم صفتهم التي هي مثل في الغرابة، أو قوله أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ وهو على الأول جملة مستأنفة لبيان مثلهم. وقيل أَعْمالُهُمْ بدل من ال مَثَلُ والخبر كَرَمادٍ. اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ حملته وأسرعت الذهاب به وقرأ نافع «الرياح» . فِي يَوْمٍ عاصِفٍ العصف اشتداد الريح وصف به زمانه للمبالغة كقولهم: نهاره صائم وليله قائم، شبه صنائعهم من الصدقة وصلة الرحم وإغاثة الملهوف وعتق الرقاب ونحو ذلك من مكارمهم في حبوطها وذهابها هباء منثورًا، لبنائها على غير أساس من معرفة الله تعالى والتوجه بها إليه، أو أعمالهم للأصنام برماد طيرته الريح العاصف. لاَّ يَقْدِرُونَ يوم القيامة. مِمَّا كَسَبُوا من أعمالهم. عَلى شَيْءٍ لحبوطه فلا يرون له أثرًا من الثواب وهو فذلكة التمثيل. ذلِكَ إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون. هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ فإنه الغاية في البعد عن طريق الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1290>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)\nأَلَمْ تَرَ خطاب للنبي ﷺ، والمراد به أمته. وقيل لكل واحد من الكفرة على التلوين. أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ بالحكمة والوجه الذي يحق أن تخلق عليه، وقرأ حمزة والكسائي «خالق السموات» . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يعدمكم ويخلق خلقًا آخر مكانكم، رتب ذلك على كونه خالقًا للسموات والأرض استدلالًا به عليه، فإن من خلق أصولهم وما يتوقف عليه تخليقهم ثم كونهم بتبديل الصور وتغيير الطبائع قدر أن يبدلهم بخلق آخر ولم يمتنع عليه ذلك كما قال:\nوَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ بمتعذر أو متعسر فإنه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومن كان هذا شأنه كان حقيقًا بأن يؤمن به ويعبد رجاء لثوابه وخوفًا من عقابه يوم الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1291>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢١]</span>\nوَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)\nوَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا أي يبرزون من قبورهم يوم القيامة لأمر الله تعالى ومحاسبته، أو لِلَّهِ على ظنهم فإنهم كانوا يخفون ارتكاب الفواحش ويظنون أنها تخفى على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم، وإنما ذكر بلفظ الماضي لتحقق وقوعه. فَقالَ الضُّعَفاءُ الأتباع جمع ضعيف يريد به ضعاف","vol":"3","page":196},{"text":"الرأي، وإنما كتبت بالواو على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو. لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لرؤوسائهم الذين استتبعوهم واستغووهم. إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا في تكذيب الرسل والاعراض عن نصائحهم، وهو جمع تابع كغائب وغيب، أو مصدر نعت به للمبالغة أو على إضمار مضاف. فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا دافعون عنا. مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من الأولى للبيان واقعة موقع الحال، والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله، ويجوز أن تكونا للتبعيض أي بعض شيء هو بعض عذاب الله، والإِعراب ما سبق ويحتمل أن تكون الأولى مفعولًا والثانية مصدرًا، أي فهل أنتم مغنون بعض العذاب بعض الإِغناء. قالُوا أي الذين استكبروا جوابًا عن معاتبة الأتباع واعتذارًا عما فعلوا بهم. لَوْ هَدانَا اللَّهُ للإيمان ووفقنا له. لَهَدَيْناكُمْ ولكن ضللنا فأضللناكم أي اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، أو لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم وأغنيناه عنكم كما عرضناكم له، لكن سد دوننا طريق الخلاص. سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مستويان علينا الجزع والصبر. مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ منجى ومهرب من العذاب، من الحيص وهو العدل على جهة الفرار، وهو يحتمل أن يكون مكانًا كالمبيت ومصدرًا كالمغيب، ويجوز أن يكون قوله سَواءٌ عَلَيْنا من كلام الفريقين ويؤيده ما\nروي أنهم يقولون: تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم، فيقولون تعالوا نصبر فيصبرون كذلك ثم يقولون سَواءٌ عَلَيْنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1292>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٢]</span>\nوَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)\nوَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أحكم وفرغ منه ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار خطيبًا في الأشقياء من الثقلين. إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وعدًا من حقه أن ينجز أو وعدًا أنجزه وهو الوعد بالبعث والجزاء. وَوَعَدْتُكُمْ وعد الباطل وهو أن لا بعث ولا حساب وإن كانا فالأصنام تشفع لكم. فَأَخْلَفْتُكُمْ جعل تبين خلف وعده كالاخلاف منه. وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ تسلط فألجئكم إلى الكفر والمعاصي. إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ إلا دعائي إياكم إليها بتسويلي وهو ليس من جنس السلطان ولكنه على طريقة قولهم: تحية بَيْنَهمْ ضَرْبٌ وجيع. ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعًا. فَاسْتَجَبْتُمْ لِي أسرعتم إجابتي. فَلا تَلُومُونِي بوسوستي فإن من صرح العداوة لا يلام بأمثال ذلك. وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ حيث أطعتموني إذ دعوتكم ولم تطيعوا ربكم لما دعاكم، واحتجت المعتزلة بأمثال ذلك على استقلال العبد بأفعاله وليس فيها ما يدل عليه، إذ يكفي لصحتها أن يكون لقدرة العبد مدخل ما في فعله وهو الكسب الذي يقوله أصحابنا. مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ بمغيثكم من العذاب. وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ بمغيثي وقرأ حمزة بكسر الياء على الأصل في التقاء الساكنين، وهو أصل مرفوض في مثله لما فيه. من اجتماع ياءين وثلاث كسرات مع أن حركة ياء الإضافة الفتح، فإذا لم تكسر وقبلها ألف فبالحري أن لا تكسر وقبلها ياء، أو على لغة من يزيد ياء على ياء الإضافة إجراء لها مجرى الهاء والكاف في: ضربته، وأعطيتكه، وحذف الياء اكتفاء بالكسرة. إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ «ما» إما مصدرية ومِنْ متعلقة بأشركتموني أي كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم أي في الدنيا بمعنى تبرأت منه واستنكرته كقوله: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ. أو موصولة بمعنى من نحو ما في قولهم: سبحان ما سخركن لنا، ومِنْ متعلقة ب كَفَرْتُ أي كفرت بالذي أشركتمونيه وهو الله تعالى بطاعتكم إياي فيما دعوتكم إليه من عبادة الأصنام وغيرها من قبل إشراككم، حين رددت أمره بالسجود لآدم ﵊ وأشرك منقول من شركت زيدًا للتعدية إلى مفعول ثان. إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ تتمة كلامه أو ابتداء كلام من الله تعالى وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين","vol":"3","page":197},{"text":"وإيقاظ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1293>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٣]</span>\nوَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)\nوَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بإذن الله تعالى وأمره والمدخلون هم الملائكة. وقرئ «وَأُدْخِلَ» على التكلم فيكون قوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ متعلقًا بقوله:\nتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أي تحييهم الملائكة فيها بالسلام بإذن ربهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1294>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كيف اعتمده ووضعه. كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، وهو تفسير لقوله ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا، ويجوز أن تكون كَلِمَةً بدلًا من مَثَلًا وكَشَجَرَةٍ صفتها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي كَشَجَرَةٍ، وأن تكون أول مفعولي ضرب إجراء له مجرى جعل وقد قرئت بالرفع على الابتداء. أَصْلُها ثابِتٌ في الأرض ضارب بعروقه فيها. وَفَرْعُها وأعلاها. فِي السَّماءِ ويجوز أن يريد وفروعها أي أفنائها على الاكتفاء بلفظ الجنس لاكتسابه الاستغراق من الإضافة.\nوقرئ «ثابت أصلها» والأول على أصله ولذلك قيل إنه أقوى ولعل الثاني أبلغ.\nتُؤْتِي أُكُلَها تعطي ثمرها. كُلَّ حِينٍ وقته الله تعالى لإِثمارها. بِإِذْنِ رَبِّها بإرادة خالقها وتكوينه. وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لأن في ضربها زيادة إفهام وتذكير، فإنه تصوير للمعاني وإدناء لها من الحس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1295>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٦]</span>\nوَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦)\nوَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ كمثل شجرة خبيثة اجْتُثَّتْ استؤصلت وأخذت جثتها بالكلية.\nمِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ لأن عروقها قريبة منه. مَا لَها مِنْ قَرارٍ استقرار. واختلف في الكلمة والشجرة ففسرت الكلمة الطيبة: بكلمة التوحيد ودعوة الإسلام والقرآن، والكلمة الخبيثة بالشرك بالله تعالى والدعاء إلى الكفر وتكذيب الحق، ولعل المراد بهما ما يعم ذلك فالكلمة الطيبة ما أعرب عن حق أو دعا إلى صلاح، والكلمة الخبيثة ما كان على خلاف ذلك وفسرت الشجرة الطيبة بالنخلة. وروي ذلك مرفوعًا وبشجرة في الجنة، والخبيثة بالحنظلة والكشوث، ولعل المراد بهما أيضًا ما يعم ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1296>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٢٧]</span>\nيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ (٢٧)\nيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فلا يزالون إذا فتنوا في دينهم كزكريا ويحيى ﵉ وجرجيس وشمعون والذين فتنهم أصحاب الأخدود. وَفِي الْآخِرَةِ فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف، ولا تدهشهم أهوال يوم القيامة.\nوروي (أنه ﷺ ذكر قبض روح المؤمن فقال: ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فذلك قوله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ.\nوَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ الذين","vol":"3","page":198},{"text":"ظلموا أنفسهم بالاقتصار على التقليد فلا يهتدون إلى الحق ولا يثبتون في مواقف الفتن. وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ من تثبيت بعض وإضلال آخرين من غير اعتراض عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٨ الى ٣٠]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا أي شكر نعمته كفرًا بأن وضعوه مكانه، أو بدلوا نفس النعمة كفرًا، فإنهم لما كفروها سلبت منهم فصاروا تاركين لها محصلين للكفر بدلها كأهل مكة، خلقهم الله تعالى وأسكنهم حرمه وجعلهم قوام بيته ووسع عليهم أبواب رزقه وشرفهم بمحمد ﷺ، فكفروا ذلك فقحطوا سبع سنين وأسروا وقتلوا يوم بدر وصاروا أذلاء، فبقوا مسلوبي النعمة وموصوفين بالكفر،\nوعن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما: هم الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين.\nوَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ الذين شايعوهم في الكفر. دارَ الْبَوارِ دار الهلاك بحملهم على الكفر.\nجَهَنَّمَ عطف بيان لها. يَصْلَوْنَها حال منها أو من القوم، أي داخلين فيها مقاسين لحرها، أو مفسر لفعل مقدر ناصب لجهنم. وَبِئْسَ الْقَرارُ أي وبئس المقر جهنم.\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ الذي هو التوحيد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بفتح الياء، وليس الضلال ولا الاضلال غرضهم في اتخاذ الأنداد لكن لما كان نتيجته جعل كالغرض. قُلْ تَمَتَّعُوا بشهواتكم أو بعبادة الأوثان فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها، وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لافضائه إلى المهدد به، وأن الأمرين كائنان لا محالة ولذلك علله بقوله: فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ وأن المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور به من آمر مطاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1298>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣١]</span>\nقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)\nقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا خصهم بالإضافة تنويهًا لهم وتنبيهًا على أنهم المقيمون لحقوق العبودية، ومفعول قُلْ محذوف يدل عليه جوابه: أي قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا. يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ فيكون إيذانًا بأنهم لفرط مطاوعتهم للرسول ﷺ بحيث لا ينفك فعلهم عن أمره، وأنه كالسبب الموجب له، ويجوز أن يقدرا بلام الأمر ليصح تعلق القول بهما وإنما حسن ذلك ها هنا ولم يحسن في قوله:\nمُحَمَّدٌ تفد نَفْسَكَ كُلُّ نَفْس ... إِذَا مَا خفت مِنْ أَمْرٍ تَبَالاَ\nلدلالة قل عليه. وقيل هما جوابًا أقيموا وأنفقوا مقامين مقامهما، وهو ضعيف لأنه لا بد من مخالفة ما بين الشرط وجوابه ولأن أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا كان الفاعل واحدًا. سِرًّا وَعَلانِيَةً منتصبان على المصدر أي إنفاق سر وعلانية، أو على الحال أي ذوي سر وعلانية، أو على الظرف أي وقتي سر وعلانية، والأحب إعلان الواجب وإخفاء المتطوع به. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره أو يفدى به نفسه. وَلا خِلالٌ ولا مخالة فيشفع لك خليل، أو من قبل أن يأتى يوم لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة وإنما ينتفع فيه بالانفاق لوجه الله تعالى. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالفتح فيهما على النفي العام.","vol":"3","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1299>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٢ الى ٣٤]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مبتدأ وخبر وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ تعيشون به وهو يشمل المطعوم والملبوس مفعول لأخرج ومِنَ الثَّمَراتِ بيان له وحال منه ويحتمل عكس ذلك ويجوز أن يراد به المصدر فينتصب بالعلة، أو المصدر لأن أخرج في معنى رزق. وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ بمشيئته إلى حيث توجهتم. وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ فجعلها معدة لانتفاعكم وتصرفكم وقيل تسخير هذه الأشياء تعليم كيفية اتخاذها.\nوَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ يدأبان في سيرهما وإنارتهما وإصلاح ما يصلحانه من المكونات.\nوَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم. وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ أي بعض جميع ما سألتموه يعني من كل شيء سألتموه شيئًا، فإن الموجود من كل صنف بعض ما في قدرة الله تعالى، ولعل المراد ب مَا سَأَلْتُمُوهُ ما كان حقيقًا بأن يسأل لاحتياج الناس إليه سئل أو لم يسأل، وما يحتمل أن تكون موصولة وموصوفة ومصدرية ويكون المصدر بمعنى المفعول. وقرئ «من كل» بالتنوين أي وآتاكم من كل شيء ما احتجتم إليه وسألتموه بلسان الحال، ويجوز أن تكون «ما» نافية في موقع الحال أي وآتاكم من كل شيء غير سائليه. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها لا تحصروها ولا تطيقوا عد أنواعها فضلًا عن أفرادها، فإنها غير متناهية. وفيه دليل على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإِضافة. إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ يظلم النعمة بإغفال شكرها، أو يظلم نفسه بأن يعرضها للحرمان. كَفَّارٌ شديد الكفران. وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1300>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ بلدة مكة. آمِنًا ذا أمن لمن فيها، والفرق بينه وبين قوله:\nاجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا أن المسؤول في الأول إزالة الخوف عنه وتصييره آمنًا، وفي الثاني جعله من البلاد الآمنة. وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ بعدني وإياهم، أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ واجعلنا منها في جانب وقرئ «واجنبنى» وهما على لغة نجد وأما أهل الحجاز فيقولون جنبني شره. وفيه دليل على أن عصمة الأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم وهو بظاهره، لا يتناول أحفاده وجميع ذريته. وزعم ابن عيينة أو أولاد إسماعيل ﵊ لم يعبدوا الصنم محتجًا به وإنما كانت لهم حجارة يدورون بها ويسمونها الدوار ويقولون البيت حجر فحيثما نصبنا حجرًا فهو بمنزلته.\nرَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فلذلك سألت منك العصمة واستعذت بك من إضلالهن، وإسناد الإِضلال إليهن باعتبار السببية كقوله تعالى: وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَمَنْ تَبِعَنِي على ديني. فَإِنَّهُ مِنِّي أي بعضي لا ينفك عني في أمر الدين. وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء، أو بعد التوفيق للتوبة. وفيه دليل على أن كل ذنب فلِلَّهِ أن يغفره حتى الشرك إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1301>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٣٧]</span>\nرَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)","vol":"3","page":200},{"text":"رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي أي بعض ذريتي أو ذرية من ذريتي فحذف المفعول وهم إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم. بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ يعني وادي مكة فإنها حجرية لا تنبت. عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ الذي حرمت التعرض له والتهاون به، أو لم يزل معظمًا ممنعًا يهابه الجبابرة، أو منع منه الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمي عتيقًا أي أعتق منه. ولو دعا بهذا الدعاء أول ما قدم فلعله قال ذلك باعتبار ما كان أو ما سيؤول إليه.\nروي أن هاجر كانت لسارة ﵂ فوهبتها لإبراهيم ﵇ فولدت منه إسماعيل ﵇، فغارت عليهما فناشدته أن يخرجهما من عندها فأخرجهما إلى أرض مكة فأظهر الله عين زمزم، ثم إن جرهم رأوا ثم طيورًا فقالوا لا طير إلا على الماء، فقصدوه فرأوهما وعندهما عين فقالوا أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت.\nرَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ اللام لام كي وهي متعلقة ب أَسْكَنْتُ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم.\nوتكرير النداء وتوسيطه للاشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثمة، والمقصود من الدعاء توفيقهم لها.\nوقيل لام الأمر والمراد هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإِقامة وسأل من الله تعالى أن يوفقهم لها. فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ أي أفئدة من أفئدة الناس، ومِنْ للتبعيض ولذلك قيل لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم ولحجت اليهود والنصارى، أو للابتداء كقولك: القلب مني سقيم أي أفئدة ناس. وقرأ هشام «أفئيدة» بخلف عنه بياء بعد الهمزة. وقرئ «آفدة» وهو يحتمل أن يكون مقلوب «أفئدة» كآدر في أدؤر وأن يكون اسم فاعل من أفدت الرحلة إذا عجلت أي جماعة يعجلون نحوهم «وأفدة» بطرح الهمزة للتخفيف، وإن كان الوجه فيه إخراجها بين بين ويجوز أن يكون من أفد. تَهْوِي إِلَيْهِمْ تسرع إليهم شوقًا وودادًا. وقرئ «تهوى» على البناء للمفعول من أهوى إليه غيره و«تهوى» من هوى يهوي إذا أحب، وتعديته بإلى لتضمنه معنى النزوع. وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ مع سكناهم واديًا لا نبات فيه. لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ تلك النعمة، فأجاب الله ﷿ دعوته فجعله حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء حتى توجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1302>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nرَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩)\nرَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَما نُعْلِنُ تعلم سرنا كما تعلم علننا، والمعنى إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا وأرحم بنا منا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطلب لكنا ندعوك إظهارًا لعبوديتك وافتقارًا إلى رحمتك واستعجالًا لنيل ما عندك. وقيل ما نخفي من وجد الفرقة وما نعلن من التضرع إليك والتوكل عليك، وتكرير النداء للمبالغة في التضرع واللجأ إلى الله تعالى. وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ لأنه العالم بعلم ذاتي يستوي نسبته إلى كل معلوم، ومن للاستغراق.\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ أي وهب لي وأنا كبير آيس من الولد، قيد الهبة بحال الكبر استعظامًا للنعمة وإظهارًا لما فيها من آلائه. إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ.\nروي أنه ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة وإسحاق لمائة واثنتي عشرة سنة.\nإِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ أي لمجيبه من قولك سمع الملك كلامي إذا اعتد به، وهو من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل أضيف إلى مفعوله أو فاعله على إسناد السماع إلى دعاء الله تعالى على المجاز، وفيه إشعار بأنه دعا ربه وسأل منه الولد فأجابه ووهب له سؤله حين ما وقع اليأس منه ليكون من أجل النعم وأجلاها.","vol":"3","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1303>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nرَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)\nرَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ معدلًا لها موَاظبًا عليها. وَمِنْ ذُرِّيَّتِي عطف على المنصوب في اجْعَلْنِي، والتبعيض لعلمه بإعلام الله أو استقراء عادته في الأمم الماضية أن يكون في ذريته كفار. رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ واستجب دعائي أو وتقبل عبادتي.\nرَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وقرئ «ولأبويّ»، وقد تقدم عذر استغفاره لهما. وقيل أراد بهما آدم وحواء.\nوَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ يثبت مستعار من القيام على الرجل كقولهم: قامت الحرب على ساق، أو يقوم إليه أهله فحذف المضاف أو أسند إليه قيامهم مجازا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1304>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣)\nوَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ خطاب لرسول الله ﷺ، والمراد به تثبيته على ما هو عليه من أنه تعالى مطلع على أحوالهم وأفعالهم لا يخفى عليه خافية، والوعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة، أو لكل من توهم غفلته جهلًا بصفاته واغترارًا بإمهاله. وقيل إنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم. إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ يؤخر عذابهم وعن أبي عمرو بالنون. لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ أي تشخص فيه أبصارهم فلا تقر في أماكنها من هول ما ترى.\nمُهْطِعِينَ أي مسرعين إلى الداعي، أو مقبلين بأبصارهم لا يطرفون هيبة وخوفًا، وأصل الكلمة هو الإِقبال على الشيء. مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ رافعيها. لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ بل تثبت عيونهم شاخصة لا تطرف، أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم. وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ خلاء أي خالية عن الفهم لفرط الحيرة والدهشة، ومنه يقال للأحمق وللجبان قلبه هواء أي لا رأي فيه ولا قوة قال زهير:\nمن الظلمان جؤجؤه هواء وقيل خالية عن الخير خاوية عن الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1305>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٤]</span>\nوَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤)\nوَأَنْذِرِ النَّاسَ يا محمد. يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ يعني يوم القيامة، أو يوم الموت فإنه أول أيام عذابهم، وهو مفعول ثان ل أَنْذِرِ. فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا بالشرك والتكذيب. رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أخر العذاب عنا أو ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى حد من الزمان قريب، أو أخر آجالنا وأبقنا مقدار ما نؤمن بك ونجيب دعوتك. نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ جواب للأمر ونظيره لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوالٍ على إرادة القول وَمَا لَكُمْ جواب القسم جاء بلفظ الخطاب على المطابقة دون الحكاية، والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت، ولعلهم أقسموا بطرًا وغرورًا أو دل عليه حالهم حيث بنوا شديدًا وأملوا بعيدًا. وقيل أقسموا أنهم لا ينتقلون إلى دار أخرى وأنهم إذا ماتوا لا يزالون على تلك الحالة إلى حالة أخرى كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ.","vol":"3","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1306>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nوَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦)\nوَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعاصي كعاد وثمود، وأصل سكن أن يعدى بفي كقرَّ وغني وأقام، وقد يستعمل بمعنى التبويء فيجري مجراه كقولك سكنت الدار. وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ بما تشاهدونه في منازلهم من آثار ما نزل بهم وما تواتر عندكم من أخبارهم. وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ من أحوالهم أي بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو صفات ما فعلوا وفعل بهم التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة.\nوَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ المستفرغ فيه جهدهم لإبطال الحق وتقرير الباطل. وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ومكتوب عنده فعلهم فهو مجازيهم عليه، أو عنده ما يمكرهم به جزاء لمكرهم وإبطالًا له. وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ في العظم والشدة. لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ مسوى لإزالة الجبال. وقيل إن نافية واللام مؤكدة لها كقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ على أن الجبال مثل لأمر النبي ﷺ ونحوه. وقيل مخففة من الثقيلة والمعنى أنهم مكروا ليزيلوا ما هو كالجبال الراسية ثباتًا وتمكنًا من آيات الله تعالى وشرائعه. وقرأ الكسائي لِتَزُولَ بالفتح والرفع على أنها المخففة واللام هي الفاصلة، ومعناه تعظيم مكرهم. وقرئ بالفتح والنصب على لغة من يفتح لام كي وقرئ و«إن كاد مكرهم» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1307>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٧]</span>\nفَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧)\nفَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ مثل قوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا، كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي وأصله مخلف رسله وعده فقدم المفعول الثاني إيذانًا بأنه لا يخلف الوعد أصلًا كقوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ وإذا لم يخلف وعده أحدًا فكيف يخلف رسله. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب لا يماكر قادر لا يدافع. ذُو انتِقامٍ لأوليائه من أعدائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1308>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٤٨]</span>\nيَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)\nيَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ بدل من يَوْمَ يَأْتِيهِمُ أو ظرف للانتقام، أو مقدر باذكر أو لا يخلف وعده. ولا يجوز أن ينتصب بمخلف لأن ما قبل أن لا يعمل فيما بعده. وَالسَّماواتُ عطف على الأرض وتقديره والسموات غير السموات، والتبديل يكون في الذات كقولك: بدلت الدراهم دنانير وعليه قوله:\nبَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها وفي الصفة كقولك بدلت الحلقة خاتمًا إذا أذبتها وغيرت شكلها، وعليه قوله: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ والآية تحتملهما،\nفعن علي رضي الله تعالى عنه: تبدل أرضًا من فضة وسموات من ذهب\n، وعن ابن مسعود وأنس رضي الله تعالى عنهما: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي تلك الأرض وإنما تغير صفاتها. ويدل عليه ما\nروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه ﵊ قال: «تبدل الأرض غير الأرض فتبسط وتمد مد الأديم العكاظي\nلاَّ تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا واعلم أنه لا يلزم على الوجه الأول أن يكون الحاصل بالتبديل أرضًا وسماء على الحقيقة، ولا يبعد على الثاني أن يجعل الله الأرض جهنم والسموات الجنة على ما أشعر به قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وقوله: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ. وَبَرَزُوا من أجداثهم لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ لمحاسبته ومجازاته، وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أن الأمر في غاية الصعوبة كقوله:","vol":"3","page":203},{"text":"لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ فإن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1309>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nوَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)\nوَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال كقوله:\nوَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ أو قرنوا مع الشياطين أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائغة والملكات الباطلة، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، وهو يحتمل أن يكون تمثيلًا لمؤاخذتهم على ما اقترفته أيديهم وأرجلهم. فِي الْأَصْفادِ متعلق ب مُقَرَّنِينَ أو حال من ضميره، والصفد القيد. وقيل الغل قال سلامة بن جندل:\nوَزَيْدُ الخَيْل قَدْ لاَقَى صِفَادًا ... يَعضُّ بِسَاعِدٍ وَبِعَظْمٍ سَاقَ\nوأصله الشد.\nسَرابِيلُهُمْ قمصانهم. مِنْ قَطِرانٍ وجاء قطران لغتين فيه، وهو ما يتحلب من الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإِبل الجربى فيحرق الجرب بحدته، وهو أسود منتن تشتعل فيه النار بسرعة تطلى به جلود أهل النار حتى يكون طلاؤه لهم كالقمص، ليجتمع عليهم لذع القطران ووحشة لونه ونتن ريحه مع إسراع النار في جلودهم، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، ويحتمل أن يكون تمثيلًا لما يحيط بجوهر النفس من الملكات الرديئة والهيئات الوحشية فيجلب إليها أنواعًا من الغموم والآلام، وعن يعقوب قَطِرانٍ والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره، والجملة حال ثانية أو حال من الضمير في مُقَرَّنِينَ.\nوَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ وتتغشاها لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق ولم يستعملوا في تدبره مشاعرهم وحواسهم التي خلقت فيها لأجله، كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة عن المعرفة مملوءة بالجهالات ونظيره قوله تعالى: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وقوله تعالى: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1310>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥١]</span>\nلِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١)\nلِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ أي يفعل بهم ذلك ليجزي كل نفس مجرمة. مَّا كَسَبَتْ أو كل نفس من مجرمة أو مطيعة لأنه إذا بين أن المجرمين يعاقبون لإجرامهم علم أن المطيعين يثابون لطاعتهم، ويتعين ذلك أن علق اللام ب بَرَزُوا. إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ لأنه لا يشغله حساب عن حساب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1311>[سورة إبراهيم (١٤): آية ٥٢]</span>\nهذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)\nهذا إشارة إلى القرآن أو السورة أو ما فيه العظة والتذكير أو ما وصفه من قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ.\nبَلاغٌ لِلنَّاسِ كفاية لهم في الموعظة. وَلِيُنْذَرُوا بِهِ عطف على محذوف أي لينصحوا ولينذروا بهذا البلاغ، فتكون اللام متعلقة بالبلاغ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف تقديره: ولينذروا به أنزل أو تلي. وقرئ بفتح الياء من نذر به إذا علمه واستعد له.\nوَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة عليه أو المنبهة على ما يدل عليه وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ فيرتدعوا عما يرديهم ويتدرعوا بما يحظيهم، واعلم أنه ﷾ ذكر لهذا","vol":"3","page":204},{"text":"البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب، تكميل الرسل للناس، واستكمال القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، واستصلاح القوة العملية الذي هو التدرع بلباس التقوى، جعلنا الله تعالى من الفائزين بهما.\nوعن النبي ﷺ «من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام وعدد من لم يعبدها» .","vol":"3","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1312>(١٥) سورة الحجر</span>\nمكية وهي تسع وتسعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1313>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢)\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ الإِشارة إلى آيات السورة والْكِتابِ هو السورة، وكذا القرآن وتنكيره للتفخيم أي آيات الجامع لكونه كتابًا كاملًا وقُرآنًا يبين الرشد من الغي بيانًا غريبًا.\nرُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ حين عاينوا حال المسلمين عند نزول النصر أو حلول الموت أو يوم القيامة. وقرأ نافع وعاصم رُبَما بالتخفيف، وقرئ «ربما» بالفتح والتخفيف وفيه ثمان لغات ضم الراء وفتحها مع التشديد والتخفيف وبتاء التأنيث ودونها، وما كافة تكفه عن الجر فيجوز دخوله على الفعل وحقه أن يدخل الماضي لكن لما كان المترقب في أخبار الله تعالى كالماضي في تحققه أجرى مجراه. وقيل:\nما نكرة موصوفة كقوله:\nرُبَّمَا تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأَمْ ... ر لَهُ فُرْجَةً كَحلِّ العِقَالِ\nومعنى التقليل فيه الإيذان بأنهم لو كانوا يودون الإِسلام مرة فبالحري أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه كل ساعة. وقيل تدهشهم أهوال القيامة فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات تمنوا ذلك، والغيبة في حكاية ودادتهم كالغيبة في قولك: حلف بالله ليفعلن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1314>[سورة الحجر (١٥): آية ٣]</span>\nذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)\nذَرْهُمْ دعهم. يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا بدنياهم. وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ويشغلهم توقعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال عن الاستعداد للمعاد. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ سوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءه، والغرض إقناط الرسول ﷺ من ارعوائهم وإيذانه بأنهم من أهل الخذلان، وإن نصحهم بعد اشتغال بما لا طائل تحته، وفيه إلزام للحجة وتحذير عن ايثار التنعم وما يؤدي إليه طول الأمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1315>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥)\nوَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ، والمستثنى جملة واقعة صفة لقرية، والأصل أن لا تدخلها الواو كقوله: إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ولكن لما شابهت صورتها الحال أدخلت تأكيدًا للصوقها بالموصوف.\nمَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ أي وما يستأخرون عنه، وتذكير ضمير أُمَّةٍ فيه للحمل على المعنى.","vol":"3","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1316>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)\nوَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ نادوا به النبي ﷺ على التهكم، ألا ترى إلى ما نادوه له وهو قولهم. إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ونظير ذلك قول فرعون: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، والمعنى إنك لتقول قول المجانين حين تدعي أن الله تعالى نزل عليك الذكر، أي القرآن.\nلَوْ مَا تَأْتِينا ركب لَوْ مع مَا كما ركبت مع لا لمعنيين امتناع الشيء لوجود غيره والتحضيض.\nبِالْمَلائِكَةِ ليصدقوك ويعضدوك على الدعوة كقوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا. أو للعقاب على تكذيبنا لك كما أتت الأمم المكذبة قبل. إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1317>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)\nمَا يُنَزِّلُ الملائكة بالياء ونصب الْمَلائِكَةَ على أن الضمير لله تعالى. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون وأبو بكر بالتاء والبناء للمفعول ورفع الملائكة. وقرئ «تنَزل» بمعنى تتنزل. إِلَّا بِالْحَقِّ إلا تنزيلًا ملتبسًا بالحق أي بالوجه الذي قدره واقتضته حكمته، ولا حكمة في أن تأتيكم بصور تشاهدونها فإنه لا يزيدكم إلا لبسًا، ولا في معاجلتكم بالعقوبة فإن منكم ومن ذراريكم من سبقت كلمتنا له بالإِيمان. وقيل الحق الوحي أو العذاب. وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ إِذًا جواب لهم وجزاء لشرط مقدر أي ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين.\nإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ رد لإِنكارهم واستهزائهم ولذلك أكده من وجوه وقرره بقوله: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ أي من التحريف والزيادة والنقص بأن جعلناه معجزًا مباينًا لكلام البشر، بحيث لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللسان، أو نفي تطرق الخلل إليه في الدوام بضمان الحفظ له كما نفى أن يطعن فيه بأنه المنزل له.\nوقيل الضمير في لَهُ للنبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1318>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ في فرقهم، جمع شيعة وهي الفرقة المتفقة على طريق ومذهب من شاعه إذا تبعه، وأصله الشياع وهو الحطب الصغار توقد به الكبار، والمعنى نبأنا رجالًا فيهم وجعلناهم رسلًا فيما بينهم.\nوَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ كما يفعل هؤلاء، وهو تسلية للنبي ﵊ وما للحال لا يدخل إلا مضارعًا بمعنى الحال، أو ماضيًا قريبًا منه وهذا على حكاية الحال الماضية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nكَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)\nكَذلِكَ نَسْلُكُهُ ندخله. فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ والسلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط، والرمح في المطعون والضمير للاستهزاء. وفيه دليل على أن الله يوجد الباطل في قلوبهم. وقيل ل الذِّكْرَ فإن الضمير الآخر في قوله:\nلاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ له وهو حال من هذا الضمير، والمعنى مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مكذبًا غير مؤمن به، أو بيان للجملة المتضمنة له، وهذا الاحتجاج ضعيف إذ لا يلزم من تعاقب","vol":"3","page":207},{"text":"الضمائر توافقها في المرجوع إليه ولا يتعين أن تكون الجملة حالًا من الضمير لجواز أن تكون حالًا من المجرمين، ولا ينافي كونها مفسرة للمعنى الأول بل يقويه. وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي سنة الله فيهم بأن خذلهم وسلك الكفر في قلوبهم، أو بإهلاك من كذب الرسل منهم فيكون وعيدا لأهل مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1320>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)\nوَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أي على هؤلاء المقترحين. بَابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ يصعدون إليها ويرون عجائبها طول نهارهم مستوضحين لما يرون، أو تصعد الملائكة وهم يشاهدونهم.\nلَقالُوا من غلوهم في العناد وتشكيكهم في الحق. إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا سدت عن الأبصار بالسحر من السكر، ويدل عليه قراءة ابن كثير بالتخفيف، أو حيرت من السكر ويدل عليه قراءة من قرأ «سكرت» . بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ قد سحرنا محمد بذلك كما قالوه عند ظهور غيره من الآيات، وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالة على البت بأن ما يرونه لا حقيقة له بل هو باطل خيل إليهم بنوع من السحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1321>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٦ الى ١٨]</span>\nوَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨)\nوَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا اثني عشر مختلفة الهيئات والخواص على ما دل عليه الرصد والتجربة مع بساطة السماء. وَزَيَّنَّاها بالأشكال والهيئات البهية. لِلنَّاظِرِينَ المعتبرين المستدلين بها على قدرة مبدعها وتوحيد صانعها.\nوَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس إلى أهلها ويتصرف في أمرها ويطلع على أحوالها.\nإِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ بدل من كل شيطان واستراق السمع اختلاسه سرًا، شبه به خطفتهم اليسيرة من قطان السموات لما بينهم من المناسبة في الجوهر أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنهم كانوا لا يحجبون عن السموات، فلما ولد عيسى ﵊ منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من كلها بالشهب. ولا يقدح فيه تكونها قبل المولد لجواز أن يكون لها أسباب أخر. وقيل الاستثناء منقطع أي ولكن من استرق السمع. فَأَتْبَعَهُ فتبعه ولحقه.\nشِهابٌ مُبِينٌ ظاهر للمبصرين، والشهاب شعلة نار ساطعة، وقد يطلق للكوكب والسنان لما فيهما من البريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1322>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)\nوَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها. وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ جبالًا ثوابت. وَأَنْبَتْنا فِيها في الأرض أو فيها وفي الجبال. مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مقدر بمقدار معين تقتضيه حكمته، أو مستحسن، مناسب من قولهم كلام موزون، أو ما يوزن ويقدر أو له وزن في أبواب النعمة والمنفعة.\nوَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ تعيشون بها من المطاعم والملابس. وقرئ «معائش» بالهمزة على التشبيه بشمائل: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ عطف على مَعايِشَ أو على محل لَكُمْ، ويريد به العيال والخدم","vol":"3","page":208},{"text":"والمماليك وسائر ما يظنون أنهم يرزقونهم ظنًا كاذبًا، فإن الله يرزقهم وإياهم، وفذلكة الآية الاستدلال يجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل معينين مختلفة الأجزاء في الوضع محدثة فيا أنواع النبات والحيوان المختلفة خلقة وطبيعة، مع جواز أن لا تكون كذلك على كمال قدرته وتناهي حكمته، والتفرد في الألوهية والامتنان على العباد بما أنعم عليهم في ذلك ليوحدوه ويعبدوه، ثم بالغ في ذلك وقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>[سورة الحجر (١٥): آية ٢١]</span>\nوَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)\nوَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ أي وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلًا لاقتداره أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد. وَما نُنَزِّلُهُ من بقاع القدرة. إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ حده الحكمة وتعلقت به المشيئة، فإن تخصيص بعضها بالإِيجاد في بعض الأوقات مشتملًا على بعض الصفات والحالات لا بد له من مخصص حكيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1324>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nوَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣)\nوَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ حوامل، شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم، أو ملقحات للشجر ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله:\nوَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تطيح الطوائح وقرئ «وأرسلنا الريح» على تأويل الجنس. فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ فجعلناه لكم سقيا.\nوَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ قادرين متمكنين من إخراجه، نفى عنهم ما أثبته لنفسه، أو حافظين في الغدران والعيون والآبار، وذلك أيضًا يدل على المدبر الحكيم كما تدل حركة الهواء في بعض الأوقات من بعض الجهات على وجه ينتفع به الناس، فإن طبيعة الماء تقتضي الغور فوقوفه دون حد لا بد له من سبب مخصص.\nوَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلة لها. وَنُمِيتُ بإزالتها وقد أول الحياة بما يعم الحيوان والنبات وتكرير الضمير للدلالة على الحصر. وَنَحْنُ الْوارِثُونَ الباقون إذا مات الخلائق كلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1325>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nوَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)\nوَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ من استقدم ولادة وموتًا ومن استأخر، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد، أو من تقدم في الإِسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة، أو تأخر لا يخفى علينا شيء من أحوالكم، وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته، فإن ما يدل على قدرته دليل على علمه. وقيل رغب رسول الله ﷺ في الصف الأول فازدحموا عليه فنزلت. وقيل إن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله ﷺ فتقدم بعض القوم لئلا ينظر إليها وتأخر بعض ليبصرها فنزلت.\nوَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ لا محالة للجزاء، وتوسيط الضمير للدلالة على أنه القادر والمتولي لحشرهم لا غير، وتصدير الجملة ب إِنَّ لتحقيق الوعد والتنبيه على أن ما سبق من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل الأشياء يدل على صحة الحكم كما صرح به بقوله: إِنَّهُ حَكِيمٌ باهر الحكمة متقن في أفعاله.\nعَلِيمٌ وسع علمه كل شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1326>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧)","vol":"3","page":209},{"text":"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ من طين يابس يصلصل أي يصوت إذا نقر. وقيل هو من صلصل إذا أنتن تضعيف صل. مِنْ حَمَإٍ طين تغير وأسود من طول مجاورة الماء، وهو صفة صلصال أي كائن مِنْ حَمَإٍ. مَسْنُونٍ مصور من سنه الوجه، أو منصوب لييبس ويتصور كالجواهر المذابة تصب في القوالب، من السن وهو الصب كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غير ذلك طورًا بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه، أو منتن من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به، فإن ما يسيل بينهما يكون منتنًا ويسمى السنين.\nوَالْجَانَّ أبا الجن. وقيل ابليس ويجوز أن يراد به الجنس كما هو الظاهر من الإِنسان، لأن تشعب الجنس لما كان من شخص واحد خلق من مادة واحدة كان الجنس بأسره مخلوقًا منها وانتصابه بفعل يفسره.\nخَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ من قبل خلق الإنسان. مِنْ نارِ السَّمُومِ من نار الحر الشديد النافذ في المسام، ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة كما لا يمتنع خلقها في الجواهر المجردة، فضلًا عن الأجساد المؤلفة التي الغالب فيها الجزء الناري، فإنها أقبل لها من التي الغالب فيها الجزء الأرضي، وقوله: مِنْ نارِ باعتبار الغالب كقوله: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ومساق الآية كما هو للدلالة على كمال قدرة الله تعالى وبيان بدء خلق الثقلين فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر، وهو قبول المواد للجمع والإحياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1327>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩)\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ واذكر وقت قوله: لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ عدلت خلقته وهيأته لنفخ الروح فيه. وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي حتى جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي، وأصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر، ولما كان الروح يتعلق أولًا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب وتفيض عليه الحيوانية فيسري حاملًا لها في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن، جعل تعلقه بالبدن نفخًا وإضافة الروح إلى نفسه لما مر في «النساء» . فَقَعُوا لَهُ فاسقطوا له. ساجِدِينَ أمر من وقع يقع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1328>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nفَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)\nفَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص، وقيل أكد بالكل للإِحاطة وبأجمعين للدلالة على أنهم سجدوا مجتمعين دفعة، وفيه نظر إذ لو كان الأمر كذلك كان الثاني حالًا لا تأكيدًا.\nإِلَّا إِبْلِيسَ إن جعل منقطعًا اتصل به قوله: أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ أي ولكن ابليس أبى وإن جعل متصلًا كان استئنافًا على أنه جواب سائل قال هلا سجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1329>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nقالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)\nقالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ أي غرض لك في أن لا تكون. مَعَ السَّاجِدِينَ لآدم.\nقالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد. لِبَشَرٍ جسماني كثيف وأنا ملك روحاني. خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وهو أخس العناصر وخلقتني من نار وهي أشرفها، استنقص آدم ﵇ باعتبار النوع والأصل وقد سبق الجواب عنه في سورة «الأعراف» .","vol":"3","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1330>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nقالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)\nقالَ فَاخْرُجْ مِنْها من السماء أو الجنة أو زمر الملائكة. فَإِنَّكَ رَجِيمٌ مطرود من الخير والكرامة، فإن من يطرد يرجم بالحجر أو شيطان يرجم بالشهب، وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته.\nوَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ هذا الطرد والإِبعاد. إِلى يَوْمِ الدِّينِ فإنه منتهى أمد اللعن، فإنه يناسب أيام التكليف ومنه زمان الجزاء وما في قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ بمعنى آخر ينسى عنده هذه. وقيل إنما حد اللعن به لأنه أبعد غاية يضر بها الناس، أو لأنه يعذب فيه بما ينسى اللعن معه فيصير كالزائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1331>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nقالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)\nقالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي فأخرني، والفاء متعلقة بمحذوف دل عليه فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أراد أن يجد فسحة في الإِغواء أو نجاة من الموت، إذ لا موت بعد وقت البعث فأجابه إلى الأول دون الثاني.\nقالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ المسمى فيه أجلك عند الله، أو انقراض الناس كلهم وهو النفخة الأولى عند الجمهور، ويجوز أن يكون المراد بالأيام الثلاثة يوم القيامة، واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات فعبر عنه أولًا بيوم الجزاء لما عرفته وثانيًا بيوم البعث، إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف واليأس عن التضليل، وثالثًا بالمعلوم لوقوعه في الكلامين، ولا يلزم من ذلك أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم ويبعث مع الخلائق في تضاعيفه، وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدل على منصب إبليس لأن خطاب الله له على سبيل الإهانة والإذلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1332>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nقالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)\nقالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي الباء للقسم وما مصدرية وجوابه. لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور كقوله: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وفي انعقاد القسم بأفعال الله تعالى خلاف. وقيل للسببية والمعتزلة أوّلوا الاغواء بالنسبة إلى الغي، أو التسبب له بأمره إياه بالسجود لآدم ﵇، أو بالإِضلال عن طريق الجنة واعتذروا عن إمهال الله له، وهو سبب لزيادة غيه وتسليط له على إغواء بني آدم بأن الله تعالى علم منه وممن تبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أمهل أو لم يمهل، وأن في إمهاله تعريضًا لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب، وضعف ذلك لا يخفى على ذوي الألباب. وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ولأحملنهم أجمعين على الغواية.\nإِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ الذين أخلصتهم لطاعتك وطهرتهم من الشوائب فلا يعمل فيهم كيدي.\nوقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بالكسر في كل القرآن أي الذين أخلصوا نفوسهم لله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1333>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nقالَ هَذَا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢)\nقالَ هَذَا صِراطٌ عَلَيَّ حقٌ علي أن أراعيه. مُسْتَقِيمٌ لا انحراف عنه، والإِشارة إلى ما تضمنه","vol":"3","page":211},{"text":"الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه، أو الإِخلاص على معنى أنه طريق عَلَيَّ يؤدي إِلى الوصول إليَّ من غير اعوجاج وضلال. وقرئ عَلَيَّ من علو الشرف.\nإِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ تصديق لإِبليس فيما استثناه وتغيير الوضع لتعظيم الْمُخْلَصِينَ، ولأن المقصود بيان عصمتهم وانقطاع مخالب الشيطان عنهم، أو تكذيب له فيما أوهم أن له سلطانًا على من ليس بمخلص من عباده، فإن منتهى تزيينه التحريض والتدليس كما قال: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعًا، وعلى الأول يدفع قول من شرط أن يكون المستثني أقل من الباقي لإِفضائه إلى تناقض الاستثناءين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1334>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nوَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)\nوَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ لموعد الغاوين أو المتبعين. أَجْمَعِينَ تأكيد للضمير أو حال والعامل فيها الموعد إن جعلته مصدرًا على تقدير مضاف، ومعنى الإضافة إن جعلته اسم مكان فإنه لا يعمل.\nلَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ يدخلون منها لكثرتهم، أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة وهي: جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية، ولعل تخصيص العدد لانحصار مجامع المهلكات في الركون إلى المحسوسات ومتابعة القوة الشهوية والغضبية، أو لأن أهلها سبع فرق. لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ من الأتباع. جُزْءٌ مَقْسُومٌ أفرز له، فأعلاها للموحدين العصاة، والثاني لليهود والثالث للنصارى والرابع للصابئين والخامس للمجوس والسادس للمشركين والسابع للمنافقين، وقرأ أبو بكر «جُزْء» بالتثقيل.\nوقرئ «جز» على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الزاي، ثم الوقف عليه بالتشديد ثم إجراء الوصل مجرى الوقف، ومنهم حال منه أو من المستكن في الظرف لا في مَقْسُومٌ لأن الصفة لا تعمل فيما تقدم موصوفها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1335>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦)\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ من أتباعه في الكفر والفواحش فإن غيرها مكفرة. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ لكل واحد جنة وعين أو لكل عدة منهما كقوله: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ثم قوله: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ وقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ الآية، وقرأ نافع وحفص وأبو عمرو وهشام وَعُيُونٍ والعيون بضم العين حيث وقع والباقون بكسر العين. ادْخُلُوها على إرادة القول، وقرئ بقطع الهمزة وكسر الخاء على أنه ماض فلا يكسر التنوين. بِسَلامٍ سالمين أو مسلما عليكم. آمِنِينَ من الآفة والزوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1336>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nوَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لاَ يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨)\nوَنَزَعْنا في الدنيا بما ألف بين قلوبهم، أو في الجنة بتطييب نفوسهم. ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ من حقد كان في الدنيا\nوعن علي رضي الله تعالى عنه: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، أو من التحاسد على درجات الجنة ومراتب القرب.\nإِخْوانًا حال من الضمير في جنات، أو فاعل ادخلوها أو الضمير في آمنين أو الضمير المضاف إليه، والعامل فيها معنى الإِضافة وكذا قوله: عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ويجوز أن يكونا صفتين لإِخوانًا أو حال من ضميره لأنه بمعنى متصافين، وأن يكون متقابلين حالًا من المستقر في على سرر.","vol":"3","page":212},{"text":"لاَ يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ استئناف أو حال بعد حال، أو حال من الضمير في متقابلين. وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ فإن تمام النعمة بالخلود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1337>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٤٩ الى ٥١]</span>\nنَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١)\nنَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ فذلكة ما سبق من الوعد والوعيد وتقرير له، وفي ذكر المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين من يتقي الذنوب بأسرها كبيرها وصغيرها، وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب ترجيح الوعد وتأكيده وفي عطف وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ على نَبِّئْ عِبادِي تحقيق لهما بما يعتبرون به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1338>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nإِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣)\nإِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا أي نسلم عليك سلامًا أو سلمنا سلامًا. قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ خائفون وذلك لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت، ولأنهم امتنعوا من الأكل والوجل اضطراب النفس لتوقع ما تكره.\nقالُوا لاَ تَوْجَلْ وقرئ «لا تأجل» من أوجله «ولا تواجل» من واجله بمعنى أوجله. إِنَّا نُبَشِّرُكَ استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، فإن المبشر لا يخاف منه. وقرأ حمزة نبشرك بفتح النون والتخفيف من البشر. بِغُلامٍ هو اسحاق ﵇ لقوله: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ. عَلِيمٍ إذا بلغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1339>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٤ الى ٥٦]</span>\nقالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦)\nقالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ تعجب من أن يولد له مع مس الكبر إياه، أو إنكار لأن يبشر به في مثل هذه الحالة وكذا قوله: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ أي فبأي أعجوبة تبشرون، أو فبأي شيء تبشرون فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء، وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة في كل القرآن على إدغام نون الجمع في نون الوقاية وكسرها وقرأ نافع بكسرها مخففة على حذف نون الجمع استثقالًا لإِجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية وكسرها على الياء. قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ بما يكون لا محالة، أو باليقين الذي لا لبس فيه أو بطريقة هي حق وهو قول الله تعالى وأمره. فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ من الآيسين من ذلك فإنه تعالى قادر على أن يخلق بشرًا من غير أبوين فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر، وكان استعجاب إبراهيم ﵇ باعتبار العادة دون القدرة ولذلك:\nقالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ المخطئون طريق المعرفة فلا يعرفون سعة رحمة الله تعالى وكمال علمه وقدرته كما قال تعالى: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ وقرأ أبو عمرو والكسائي يَقْنَطُ بالكسر، وقرئ بالضم وماضيهما قنط بالفتح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1340>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nقالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨)\nقالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ أي فما شأنكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة، ولعله علم أن كمال المقصود ليس البشارة لأنهم كانوا عددًا والبشارة لا تحتاج إلى العدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم ﵉، أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدؤوا بها.","vol":"3","page":213},{"text":"قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ يعني قوم لوط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1341>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥٩ الى ٦٠]</span>\nإِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠)\nإِلَّا آلَ لُوطٍ إن كان استثناء من قَوْمٍ كان منقطعًا إذ ال قَوْمٍ مقيد بالإِجرام وإن كان استثناء من الضمير في مُجْرِمِينَ كان متصلًا، والقوم والإِرسال شاملين للمجرمين، وآلَ لُوطٍ المؤمنين به وكأن المعنى: إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ أجرم كلهم إلا آل لوط منهم لنهلك المجرمين وننجي آل لوط منهم، ويدل عليه قوله: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ أي مما يعذب به القوم، وهو استئناف إذا اتصل الاستثناء ومتصل بآل لوط جار مجرى خبر لكن إذا انقطع وعلى هذا جاز أن يكون قوله:\nإِلَّا امْرَأَتَهُ استثناء من آلَ لُوطٍ، أو من ضميرهم، وعلى الأول لا يكون إلا من ضميرهم لاختلاف الحكمين اللهم إلا أن يجعل إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ اعتراضًا، وقرأ حمزة والكسائي لَمُنَجُّوهُمْ مخففًا. قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ الباقين مع الكفرة لتهلك معهم. وقرأ أبو بكر عن عاصم قَدَّرْنا هنا وفي «النمل» بالتخفيف، وإنما علق والتعليق من خواص أفعال القلوب لتضمنه معنى العلم. ويجوز أن يكون قَدَّرْنا أجري مجرى قلنا لأن التقدير بمعنى القضاء قول، وأصله جعل الشيء على مقدار غيره وإسنادهم إياه إلى أنفسهم. وهو فعل الله ﷾ لما لهم من القرب والاختصاص به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1342>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦١ الى ٦٤]</span>\nفَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤)\nفَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ تنكركم نفسي وتنفر عنكم مخافة أن تطرقوني بِشَرٍ.\nقالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بما يسرك ويشفي لك من عدوك، وهو العذاب الذي توعدتهم به فيمترون فيه.\nوَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ باليقين من عذابهم. وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما أخبرناك به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1343>[سورة الحجر (١٥): آية ٦٥]</span>\nفَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)\nفَأَسْرِ بِأَهْلِكَ فاذهب بهم في الليل، وقرأ الحجازيان بوصل الهمزة من السرى وهما بمعنى وقرئ «فسر» من السير. بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ في طائفة من الليل وقيل في آخره قال:\nافتَحِي البَابَ وَانْظُرِي فِي النُّجُوم ... كَمْ عَلَيْنَا مِنْ قِطَعٍ لَيْلٍ بَهِيمِ\nوَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وكن على أثرهم تذودهم وتسرع بهم وتطلع على حالهم. وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ لينظر ما وراءه فيرى من الهول ما لا يطيقه أو فيصيبه ما أصابهم أو ولا ينصرف أحدكم ولا يتخلف امرؤ لغرض فيصيبه العذاب. وقيل نهوا عن الالتفات ليوطنوا نفوسهم على المهاجرة. وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ إلى حيث أمركم الله بالمضي إليه، وهو الشام أو مصر فعدي وَامْضُوا إلى حَيْثُ وتُؤْمَرُونَ إلى ضميره ٠ المحذوف على الاتساع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1344>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nوَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)\nوَقَضَيْنا إِلَيْهِ أي وأوحينا إليه مقضيًا، ولذلك عدي بإلى. ذلِكَ الْأَمْرَ مبهم يفسره. أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ","vol":"3","page":214},{"text":"مَقْطُوعٌ\nومحله النصب على البدل منه وفي ذلك تفخيم للآمر وتعظيم له. وقرئ بالكسر على الاستئناف والمعنى: أنهم يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد. مُصْبِحِينَ داخلين في الصبح وهو حال من هؤلاء، أو من الضمير في مقطوع وجمعه للحمل على المعنى. ف أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ في معنى مدبري هؤلاء.\nوَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ سدوم. يَسْتَبْشِرُونَ بأضياف لوط طمعا فيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٦٨ الى ٦٩]</span>\nقالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩)\nقالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ بفضيحة ضيفي فإن من أسيء إلى ضيفه فقد أسيء إليه.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ في ركوب الفاحشة. وَلا تُخْزُونِ ولا تذلوني بسببهم من الخزي وهو الهوان، أو لا تخجلوني فيهم من الخزاية وهو الحياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1346>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nقالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١)\nقالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ على أن تجير منهم أحدًا أو تمنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرضون لكل احد وكان لوط يمنعهم عنه بقدر وسعه، أو عن ضيافة الناس وإنزالهم.\nقالَ هؤُلاءِ بَناتِي يعني نساء القوم فإن نبي كل أمة بمنزلة أبيهم، وفيه وجوه ذكرت في سورة «هود» .\nإِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ قضاء الوطر أو ما أقول لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1347>[سورة الحجر (١٥): آية ٧٢]</span>\nلَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)\nلَعَمْرُكَ قسم بحياة المخاطب والمخاطب في هذا القسم هو النبي ﵊ وقيل لوط ﵇ قالت الملائكة له ذلك، والتقدير لعمرك قسمي، وهو لغة في العمر يختص به القسم لإِيثار الأخف فيه لأنه كثير الدور على ألسنتهم. إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ لفي غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين خطئهم والصواب الذي يشار به إليهم. يَعْمَهُونَ يتحيرون فكيف يسمعون نصحك.\nوقيل الضمير لقريش والجملة اعتراض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1348>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٣ الى ٧٤]</span>\nفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)\nفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ يعني صيحة هائلة مهلكة. وقيل صيحة جبريل ﵇. مُشْرِقِينَ داخلين في وقت شروق الشمس.\nفَجَعَلْنا عالِيَها عالي المدينة أو عالي قراهم. سافِلَها وصارت منقلبة بهم. وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ من طين متحجر أو طين عليه كتاب من السجل، وقد تقدم مزيد بيان لهذه القصة في سورة «هود» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1349>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٥ الى ٧٧]</span>\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ للمتفكرين المتفرسين الذين يتثبّتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته.\nوَإِنَّها وإن المدينة أو القرى. لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ثابت يسلكه الناس ويرون آثارها.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بالله ورسله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1350>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nوَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩)","vol":"3","page":215},{"text":"وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ هم قوم شعيب كانوا يسكنون الغيضة فبعثه الله إليهم فكذبوه فأهلكوا بالظلة، والْأَيْكَةِ الشجرة المتكاثفة.\nفَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالإِهلاك. وَإِنَّهُما يعني سدوم والأيكة. وقيل الأيكة ومدين فإنه كان مبعوثًا إليهما فكان ذكر إحداهما منبهًا على الأخرى. لَبِإِمامٍ مُبِينٍ لبطريق واضح، والإِمام اسم ما يؤتم به فسمي به الطريق ومطمر البناء واللوح لأنها مما يؤتم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1351>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nوَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١)\nوَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ يعني ثمود، كذبوا صالحًا، ومن كذب واحدًا من الرسل فكأنما كذب الجميع، ويجوز أن يكون المراد بالمرسلين صالحًا ومن معه من المؤمنين، والْحِجْرِ واد بين المدينة والشأم يسكنونه.\nوَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ يعني آيات الكتاب المنزل على نبيهم، أو معجزاته كالناقة وسقيها وشربها ودرها، أو ما نصب لهم من الأدلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1352>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٢ الى ٨٤]</span>\nوَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)\nوَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ من الانهدام ونقب اللصوص وتخريب الأعداء لوثاقتها، أو من العذاب لفرط غفلتهم أو حسبانهم أن الجبال تحميهم منه.\nفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ من بناء البيوت الوثيقة واستكثار الأموال والعدد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1353>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٥ الى ٨٦]</span>\nوَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦)\nوَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ إلا خلقًا ملتبسًا بالحق لا يلائم استمرار الفساد ودوام الشرور، فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء وإزاحة فسادهم من الأرض. وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فينتقم الله لك فيها ممن كذبك. فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ولا تعجل بانتقام منهم وعاملهم معاملة الصفوح الحليم. وقيل هو منسوخ بآية السيف.\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الذي خلقك وخلقهم وبيده أمرك وأمرهم. الْعَلِيمُ بحالك وحالهم فهو حقيق بأن تكل ذلك إليه ليحكم بينكم، أو هو الذي خلقكم وعلم الأصلح لكم، وقد علم أن الصفح اليوم أصلح، وفي مصحف عثمان وأبَيِّ ﵄ «هو الخالق»، وهو يصلح للقليل والكثير والْخَلَّاقُ يختص بالكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1354>[سورة الحجر (١٥): آية ٨٧]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)\nوَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا سبع آيات وهي الفاتحة. وقيل سبع سور وهي الطوال وسابعتها «الأنفال» و«التوبة» فإنهما في حكم سورة ولذلك لم يفصل بينهما بالتسمية. وقيل «التوبة» وقيل «يونس» أو الحواميم السبع. وقيل سبع صحائف وهي الأسباع. مِنَ الْمَثانِي بيان للسبع والمثاني من التثنية، أو الثناء فإن كل ذلك مثنى تكرر قراءته، أو ألفاظه أو قصصه ومواعظه أو مثني عليه بالبلاغة والاعجاز، أو مثن على الله بما هو أهله من صفاته","vol":"3","page":216},{"text":"العظمى وأسمائه الحسنى، ويجوز أن يراد ب الْمَثانِي القرآن أو كتب الله كلها فتكون مِنَ للتبعيض.\nوَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ إن أريد بالسبع الآيات أو السور فمن عطف الكل على البعض أو العام على الخاص، وإن أريد به الأسباع فمن عطف أحد الوصفين على الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1355>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)\nلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ لا تطمح ببصرك طموح راغب. إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ أصنافًا من الكفار، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات. وفي حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه «من أوتي القرآن فرأى أن أحدًا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيمًا وعظم صغيرا» .\nوروي «أنه ﵊ وافى بأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجواهر وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله فقال لهم: لقد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع» .\nوَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أنهم لم يؤمنوا.\nوقيل إنهم المتمتعون به. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وتواضع لهم وارفق بهم.\nوَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1356>[سورة الحجر (١٥): آية ٩٠]</span>\nكَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)\nكَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ مثل العذاب الذي أنزلناه عليهم، فهو وصف لمفعول النذير أقيم مقامه والمقتسمون هم الإثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم لينفروا الناس عن الإِيمان بالرسول ﷺ فأهلكهم الله تعالى يوم بدر أو الرهط الذين اقتسموا أي تقاسموا على أن يبيتوا صالحًا ﵊ وقيل هو صفة مصدر محذوف يدل عليه. وَلَقَدْ آتَيْناكَ فإنه بمعنى أنزلنا إليك، والمقتسمون هم الذين جعلوا القرآن عضين حيث قالوا عنادًا: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما، أو قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، أو أهل الكتاب آمنوا ببعض كتبهم وكفروا ببعض على أن القرآن ما يقرءون من كتبهم، فيكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ، وقوله لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ الخ اعتراضًا ممدًا لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1357>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩١ الى ٩٣]</span>\nالَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)\nالَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أجزاء جمع عضة، وأصلها عضوة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء.\nوقيل فعلة من عضهته إذا بهته،\nوفي الحديث «لعن رسول الله ﷺ العاضهة والمستعضهة»\nوقيل أسحارًا وعن عكرمة المعضة السحر، وإنما جمع جمع السلامة جبرًا لما حذف منه والموصول بصلته صفة للمقتسمين أو مبتدأ خبره.\nفَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ من التقسيم أو النسبة إلى السحر فنجازيهم عليه.\nوقيل هو عام في كل ما فعلوا من الكفر والمعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1358>[سورة الحجر (١٥): آية ٩٤]</span>\nفَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)\nفَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ فاجهر به، من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارًا، أو فافرق به بين الحق والباطل، وأصله الإِبانة والتمييز وما مصدرية أو موصولة، والراجع محذوف أي بما تؤمر به من الشرائع. وَأَعْرِضْ عَنِ","vol":"3","page":217},{"text":"الْمُشْرِكِينَ\nولا تلتفت إلى ما يقولون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1359>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٥ الى ٩٦]</span>\nإِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)\nإِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بقمعهم وإهلاكهم.\nقيل كانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، يبالغون في إيذاء النبي ﷺ والاستهزاء به فقال جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ: أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظمًا لاخذه، فأصاب عرقًا في عقبه فقطعه فمات، وأومأ إلى أخمص العاص فدخل فيه شوكة فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى أنف عدي بن قيس فامتخط قيحًا فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، وإلى عيني الأسود بن المطلب فعمي:\nالَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقبة أمرهم في الدارين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1360>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٩٧ الى ٩٩]</span>\nوَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)\nوَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ من الشرك والطعن في القرآن والاستهزاء بك.\nفَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ فافزع إلى الله تعالى فيما نابك بالتسبيح والتحميد يكفك ويكشف الغم عنك، أو فنزهه عما يقولون حامدًا له على أن هداك للحق. وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ من المصلين،\nوعنه ﵊ (أنه كان إذا حَزبه أمر فزع إلى الصلاة) .\nوَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ أي الموت فإنه متيقن لحاقه كل حي مخلوق، والمعنى فاعبده ما دمت حيًا ولا تخلّ بالعبادة لحظة.\nعن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد ﷺ»\nوالله أعلم.","vol":"3","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1361>(١٦) سورة النحل</span>\nمكية غير ثلاث آيات في آخرها وهي مائة وثمان وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1362>[سورة النحل (١٦): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)\nأَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ كانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول ﷺ من قيام الساعة، أو إهلاك الله تعالى إياهم كما فعل يوم بدر استهزاءً وتكذيبًا، ويقولون إن صح ما تقوله فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت، والمعنى أن الأمر الموعود به بمنزلة الآتي المتحقق من حيث إنه واجب الوقوع، فلا تستعجلوا وقوعه فإنه لا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ تبرأ وجل عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على وفق قوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ والباقون بالياء على تلوين الخطاب، أو على أن الخطاب للمؤمنين أو لهم ولغيرهم، لما\nروي أنه لما نزلت أتى أمر الله فوثب النبي ﷺ ورفع الناس رؤوسهم فنزلت\nفَلا تَسْتَعْجِلُوهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1363>[سورة النحل (١٦): آية ٢]</span>\nيُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)\nيُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ بالوحي أو القرآن، فإنه يحيي به القلوب الميتة بالجهل، أو يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، وذكره عقيب ذلك إشارة إلى الطريق الذي به علم الرسول ﷺ ما تحقق موعدهم به ودنوه وإزاحة لاستبعادهم اختصاصه بالعلم به. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ينزل من أنزل، وعن يعقوب مثله وعنه «تنزل» بمعنى تتنزل. وقرأ أبو بكر «تنزل» على المضارع المبني للمفعول من التنزيل. مِنْ أَمْرِهِ بأمره أو من أجله. عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أن يتخذه رسولًا. أَنْ أَنْذِرُوا بأن أنذروا أي اعلموا من نذرت بكذا إذا علمته. أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ أن الشأن لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ، أو خوفوا أهل الكفر والمعاصي بأنه لا إِلهَ إِلَّا أَنَا وقوله فَاتَّقُونِ رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود، وأَنْ مفسرة لأن الروح بمعنى الوحي الدال على القول، أو مصدرية في موضع الجر بدلًا من الروح أو النصب بنزع الخافض، أو مخففة من الثقيلة. والآية تدل على أن نزول الوحي بواسطة الملائكة وأن حاصله التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية. وأن النبوة عطائية والآيات التي بعدها دليل على وحدانيته من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة، ولو كان له شريك لقدر على ذلك فيلزم التمانع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1364>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها","vol":"3","page":219},{"text":"وخصصها بحكمته. تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ منهما أو مما يفتقر في وجوده أو بقائه إليهما ومما لا يقدر على خلقهما. وفيه دليل على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام.\nخَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ جماد لا حس بها ولا حراك سيالة لا تحفظ الوضع والشكل. فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ منطيق مجادل. مُبِينٌ للحجة أو خصيم مكافح لخالقه قائل: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ.\nروي أن أُبَي بن خلف أتى النبي ﷺ بعظم رميم وقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ. فنزلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1365>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)\nوَالْأَنْعامَ الإِبل والبقر والغنم وانتصابها بمضمر يفسره. خَلَقَها لَكُمْ أو بالعطف على الإِنسان، وخلقها لكم بيان ما خلقت لأجله وما بعده تفصيل له. فِيها دِفْءٌ ما يدفأ به فيقي البرد. وَمَنافِعُ نسلها ودرها وظهورها، وإنما عبر عنها بالمنافع ليتناول عوضها. وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان، وتقديم الظرف للمحافظة على رؤوس الآي، أو لأن الكل منها هو المعتاد المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من سائر الحيوانات المأكولة فعلى سبيل التداوي أو التفكه.\nوَلَكُمْ فِيها جَمالٌ زينة. حِينَ تُرِيحُونَ تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي. وَحِينَ تَسْرَحُونَ تخرجونها بالغداة إلى المراعي فإن الأفنية تتزين بها في الوقتين ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها، وتقديم الاراحة لأن الجمال فيها أظهر فإنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. وقرئ «حينًا» على أن تُرِيحُونَ وتَسْرَحُونَ وصفان له بمعنى تُرِيحُونَ فيه وتَسْرَحُونَ فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1366>[سورة النحل (١٦): آية ٧]</span>\nوَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧)\nوَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أحمالكم. إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ أي إن لم تكن الأنعام ولم تخلق فضلًا أن تحملوها على ظهوركم إليه. إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إلا بكلفة ومشقة. وقرئ بالفتح وهو لغة فيه. وقيل المفتوح مصدر شق الأمر عليه وأصله الصدع والمكسور بمعنى النصف، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب. إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث رحمكم بخلقها لانتفاعكم وتيسير الأمر عليكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1367>[سورة النحل (١٦): آية ٨]</span>\nوَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٨)\nوَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ عطف على الْأَنْعامَ. لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً أي لتركبوها وتتزينوا بها زينة.\nوقيل هي معطوفة على محل لِتَرْكَبُوها وتغيير النظم لأن الزينة بفعل الخالق والركوب ليس بفعله، ولأن المقصود مِنْ خَلْقِهَا الركوب وأما التزين بها فحاصل بالعرض. وقرئ بغير واو وعلى هذا يحتمل أن يكون علة لِتَرْكَبُوها أو مصدرًا في موضع الحال من أحد الضميرين أي: متزينين أو متزينًا بها، واستدل به على حرمة لحومها ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبًا أن لا يقصد منه غيره أصلًا، ويدل عليه أن الآية مكية وعامة المفسرين والمحدثين على أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ لما فصل الحيوانات التي يحتاج إليها غالبًا احتياجًا ضروريًا أو غير ضروري أجمل غيرها، ويجوز أن يكون إخبارًا بأن له من الخلائق ما لا علم لنا به، وأن يراد به ما خلق في الجنة والنار مما لم يخطر على قلب بشر.","vol":"3","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1368>[سورة النحل (١٦): آية ٩]</span>\nوَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)\nوَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ بيان مستقيم الطريق الموصل إلى الحق، أو إقامة السبيل وتعديلها رحمة وفضلًا، أو عليه قصد السبيل يصل إليه من يسلكه لا محالة يقال سبيل قصد وقاصد أي مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه، والمراد من السَّبِيلِ الجنس ولذلك أضاف إليه ال قَصْدُ وقال:\nوَمِنْها جائِرٌ حائد عن القصد أو عن الله، وتغيير الأسلوب لأنه ليس بحق على الله تعالى أن يبين طرق الضلالة، أو لأن المقصود بيان سبيله وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. وقرئ و«منكم جائر» أي عن القصد. وَلَوْ شاءَ الله. لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل هداية مستلزمة للاهتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1369>[سورة النحل (١٦): آية ١٠]</span>\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ من السحاب أو من جانب السماء. مَآء لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ ما تشربونه، ولَكُمْ صلة أَنْزَلَ أو خبر شَرابٌ ومِنَ تبعيضية متعلقة به، وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه ولا بأس به لأن مياه العيون والآبار منه لقوله: فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ وقوله: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ. وَمِنْهُ شَجَرٌ ومنه يكون شجر يعني الشجر الذي ترعاه المواشي. وقيل كل ما نبت على الأرض شجر قال:\nيَعْلِفُهَا اللَّحْمَ إِذَا عَزَّ الشَّجَر ... وَالخَيْلُ فِي إِطْعَامِهَا اللَّحْم ضَرَر\nفِيهِ تُسِيمُونَ ترعون، من سامت الماشية وأسامها صاحبها، وأصله السومة وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1370>[سورة النحل (١٦): آية ١١]</span>\nيُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)\nيُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم. وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وبعض كلها إذا لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار، ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانيًا هو أشرف الأغذية، ومن هذا تقديم الزرع والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ على وجود الصانع وحكمته، فإن من تأمل أن الحبة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها ويخرج منه ساق الشجرة، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها. ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطباع مع اتحاد المواد ونسبة الطبائع السفلية والتأثيرات الفلكية إلى الكل، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد ولعل فصل الآية به لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1371>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)\nوَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ بأن هيأها لمنافعكم. مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ حال من الجميع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات لله تعالى خلقها ودبرها كيف شاء، أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره أو لحكمه، وفيه إيذان بالجواب عما عسى أن يقال إن المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب","vol":"3","page":221},{"text":"وأوضاعها، فإن ذلك إن سلم فلا ريب في أنها أيضًا ممكنة الذات والصفات واقعة على بعض الوجوه المحتملة، فلا بد لها من موجد مخصص مختار واجب الوجود دفعًا للدور والتسلسل، أو مصدر ميمي جمع لاختلاف الأنواع. وقرأ حفص والنجوم مسخرات على الابتداء والخبر فيكون تعميمًا للحكم بعد تخصيصه ورفع ابن عامر الشمس والقمر أيضًا. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ جمع الآية، وذكر العقل لأنها تدل أنواعًا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة غير محوجة إلى استيفاء فكر كأحوال النبات.\nوَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ عطف على اللَّيْلَ، أي وسخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات.\nمُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ أصنافه فإنها تتخالف باللون غالبًا. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ إن اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1372>[سورة النحل (١٦): آية ١٤]</span>\nوَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)\nوَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص. لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا هو السمك، ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم يسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله، ولإِظهار قدرته في خلقه عذبًا طريًا في ماء زعاق، وتمسك به مالك والثوري على أن من حلف أن لا يأكل لحمًا حنث بأكل السمك. وأجيب عنه بأن مبنى الإِيمان على العرف وهو لا يفهم منه عند الإِطلاق ألا ترى أن الله تعالى سمى الكافر دابة ولا يحنث الخالق على أن لا يركب دابة بركوبه. وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها كاللؤلؤ والمرجان أي تلبسها نساؤكم، فأسند إليهم لأنهن من جملتهم ولأنهن يتزين بها لأجلهم. وَتَرَى الْفُلْكَ السفن. مَواخِرَ فِيهِ جواري فيه تشقه بحيزومها، من المخر وهو شق الماء. وقيل صوت جري الفلك.\nوَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ من سعة رزقه بركوبها للتجارة. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي تعرفون نعم الله تعالى فتقومون بحقها، ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الأنعام من حيث أنه جعل المهالك سببًا للانتفاع وتحصيل المعاش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1373>[سورة النحل (١٦): آية ١٥]</span>\nوَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)\nوَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ جبالًا رواسي. أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ كراهة أن تميل بكم وتضطرب، وذلك لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة الطبع، وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك، أو أن تتحرك بأدنى سبب للتحريك فلما خلقت الجبال على وجهها تفاوتت جوانبها وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقر أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال. وَأَنْهارًا وجعل فيها أنهارًا لأن ألقى فيه معناه. وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ لمقاصدكم، أو إلى معرفة الله ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1374>[سورة النحل (١٦): آية ١٦]</span>\nوَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)\nوَعَلاماتٍ معالم يستدل بها السابلة من جبل وسهل وريح ونحو ذلك. وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ بالليل في البراري والبحار، والمراد بالنجم الجنس ويدل عليه قراءة وَبِالنَّجْمِ بضمتين وضمة وسكون على الجمع. وقيل الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي، ولعل الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب وتقديم النجم وإقحام الضمير","vol":"3","page":222},{"text":"للتخصيص كأنه قيل: وبالنجم خصوصًا هؤلاء خصوصًا يهتدون، فالاعتبار بذلك والشكر عليه ألزم لهم وأوجب عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1375>[سورة النحل (١٦): آية ١٧]</span>\nأَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)\nأَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ إنكار بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته وتناهي حكمته، والتفرد بخلق ما عدد من مبدعاته لأن يساويه ويستحق مشاركته ما لا يقدر على خلق شيء من ذلك بل على إيجاد شيء ما، وكان حق الكلام أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنه عكس تنبيهًا على أنهم بالإشراك بالله ﷾ جعلوه من جنس المخلوقات العجزة شبيهًا بها، والمراد بمن لا يخلق كل ما عبد من دون الله ﷾ مغلبًا فيه أولو العلم منهم أو الأصنام، وأجروها مجرى أولي العلم لأنهم سموها آلهة ومن حق الإِله أن يعلم، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق أو للمبالغة وكأنه قيل: إن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أَفَلا تَذَكَّرُونَ فتعرفوا فساد ذلك فإنه لجلائه كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1376>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nوَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩)\nوَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها لا تضبطوا عددها فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها، أتبع ذلك تعداد النعم وإلزام الحجة على تفرده باستحقاق العبادة تنبيهًا على أن وراء ما عَدَّدَ نعمًا لا تنحصر، وأن حق عبادته تعالى غير مقدور. إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ حيث يتجاوز عن التقصير في أداء شكرها. رَحِيمٌ لا يقطعها لتفريطكم فيه ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.\nوَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد وتزييف للشرك باعتبار العلم بعد تزييفه باعتبار القدرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1377>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)\nوالّذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله أي والآلهة الذين تعبدونهم من دونه. وقرأ أبو بكر «يَدْعُونَ» بالياء. وقرأ حفص ثلاثتها بالياء. لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق بين أنهم لا يخلقون شيئًا لينتج أنهم لا يشاركونه، ثم أكد ذلك بأن أثبت لهم صفات تنافي الألوهية فقال: وَهُمْ يُخْلَقُونَ لأنهم ذوات ممكنة مفتقرة الوجود إلى التخليق، والإِله ينبغي أن يكون واجب الوجود.\nأَمْواتٌ هم أموات لا تعتريهم الحياة، أو أموات حالًا أو مآلًا. غَيْرُ أَحْياءٍ بالذات ليتناول كل معبود، والإِله ينبغي أن يكون حيًا بالذات لا يعتريه الممات. وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ولا يعلمون وقت بعثهم، أو بعث عبدتهم فكيف يكون لهم وقت جزاء على عبادتهم، والإِله ينبغي أن يكون عالمًا بالغيوب مقدرًا للثواب والعقاب، وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1378>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)\nإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ تكرير للمدعى بعد إقامة الحجج. فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ","vol":"3","page":223},{"text":"مُسْتَكْبِرُونَ\n. بيان لما اقتضى إصرارهم بعد وضوح الحق وذلك عدم إيمانهم بالآخرة، فإن المؤمن بها يكون طالبًا للدلائل متأملًا فيما يسمع فينتفع به، والكافر بها يكون حاله بالعكس وإنكار قلوبهم ما لا يعرف إلا بالبرهان إتباعًا للأسلاف وركونًا إلى المألوف، فإنه ينافي النظر والاستكبار عن اتباع الرسول وتصديقه والالتفات إلى قوله، والأول هو العمدة في الباب ولذلك رتب عليه ثبوت الآخرين.\nلاَ جَرَمَ حقًا. أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ فيجازيهم، وهو في موضع الرفع ب جَرَمَ لأنه مصدر أن فعل. إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ فضلًا عن الذين استكبروا عن توحيده أو اتباع الرسول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1379>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ القائل بعضهم على التهكم أو الوافدون عليهم أو المسلمون. قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما تدعون نزوله، أو المنزل أساطير الأولين، وإنما سموه منزلًا على التهكم أو على الفرض أي على تقدير أنه منزل فهو أساطير الأولين لا تحقيق فيه، والقائلون قيل هم المقتسمون.\nلِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ أي قالوا ذلك إضلالًا للناس فحملوا أوزار ضلالهم كاملة فإن إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضلال. وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ وبعض أوزار ضلال من يضلونهم وهو حصة التسبب. بِغَيْرِ عِلْمٍ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، وفائدتها الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم، إذ كان عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين المحق والمبطل. أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ بئس شيئًا يزرونه فعلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1380>[سورة النحل (١٦): آية ٢٦]</span>\nقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (٢٦)\nقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي سووا منصوبات ليمكروا بها رسل الله عليهم الصلاة والسلام. فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فأتاها أمره من جهة العمد التي بنوا عليها بأن ضعضعت. فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وصار سبب هلاكهم. وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ لا يحتسبون ولا يتوقعون، وهو على سبيل التمثيل. وقيل المراد به نمروذ بن كنعان بنى الصرح ببابل سمكه خمسة آلاف ذراع ليترصد أمر السماء، فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1381>[سورة النحل (١٦): آية ٢٧]</span>\nثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧)\nثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ يذلهم أو يعذبهم بالنار كقوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ.\nوَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ أضاف إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإِضافتهم زيادة في توبيخهم. الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ تعادون المؤمنين في شأنهم. وقرأ نافع بكسر النون بمعنى تشاقونني فإن مشاقة المؤمنين كمشاقة الله ﷿. قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد فيشاقونهم ويتكبرون عليهم، أو الملائكة. إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ الذلة والعذاب. عَلَى الْكافِرِينَ وفائدة قولهم إظهار الشماتة بهم وزيادة الإِهانة، وحكايته لأن يكون لطفًا ووعظًا لمن سمعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1382>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nالَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)","vol":"3","page":224},{"text":"الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ وقرأ حمزة بالياء. وقرئ بإدغام التاء في التاء وموضع الموصول يحتمل الأوجه الثلاثة ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بأن عرضوها للعذاب المخلد. فَأَلْقَوُا السَّلَمَ فسالموا وأخبتوا حين عاينوا الموت. مَا كُنَّا قائلين ما كنا. نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ كفر وعدوان، ويجوز أن يكون تفسيرًا ل السَّلَمَ على أن المراد به القول الدال على الاستسلام. بَلى أي فتجيبهم الملائكة بلى. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فهو يجازيكم عليه، وقيل قوله: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ إلى آخر الآية استئناف ورجوع إلى شرح حالهم يوم القيامة، وعلى هذا أول من لم يجوز الكذب يومئذ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بأنا لم نكن في زعمنا واعتقادنا عاملين سوءا، واحتمل أن يكون الراد عليهم هو الله تعالى، أو أولوا العلم.\nفَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ كل صنف بابها المعد له. وقيل أبواب جهنم أصناف عذابها. خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ جهنم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1383>[سورة النحل (١٦): آية ٣٠]</span>\nوَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)\nوَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا يعني المؤمنين. مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا أي أنزل خيرًا، وفي نصبه دليل على أنهم لم يتلعثموا في الجواب، وأطبقوه على السؤال معترفين بالإِنزال على خلاف الكفرة.\nروي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي ﷺ، فإذا جاء الوافد من المقتسمين قالوا له ما قالوا وإذا جاء المؤمنين قالوا له ذلك.\nلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ مكافأة في الدنيا. وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ أي ولثوابهم في الآخرة خير منها، وهو عدة للذين اتقوا على قولهم، ويجوز أن يكون بما بعده حكاية لقولهم بدلًا وتفسيرًا ل خَيْرًا على أنه منتصب ب قالُوا. وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ دار الآخرة فحذفت لتقدم ذكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1384>[سورة النحل (١٦): آية ٣١]</span>\nجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها مَا يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)\nوقولِه: جَنَّاتُ عَدْنٍ خبر مبتدأ محذوف ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح. يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ من أنواع المشتهيات، وفي تقديم الظرف تنبيه على أن الإِنسان لا يجد جميع ما يريده إلا في الجنة. كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ مثل هذا الجزاء يجزيهم وهو يؤيد الوجه الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1385>[سورة النحل (١٦): آية ٣٢]</span>\nالَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)\nالَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي لأنه في مقابلة ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ. وقيل فرحين ببشارة الملائكة إياهم بالجنة، أو طيبين بقبض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى حضرة القدس. يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا يحيقكم بعد مكروه. ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حين تبعثون فإنها معدة لكم على أعمالكم. وقيل هذا التوفي وفاة الحشر لأن الأمر بالدخول حينئذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1386>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)","vol":"3","page":225},{"text":"ْ يَنْظُرُونَ\nما ينتظر الكفار المار ذكرهم. لَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ\nلقبض أرواحهم. وقرأ حمزة والكسائي بالياء. وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ\nالقيامة أو العذاب المستأصل. ذلِكَ\nمثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب. عَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ\nفأصابهم ما أصابوا. ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ\nبتدميرهم. لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ\nبكفرهم ومعاصيهم المؤدية إليه. فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا أي جزاء سيئات أعمالهم على حذف المضاف، أو تسمية الجزاء باسمها. وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وأحاط بهم جزاؤه والحيق لا يستعمل إلا في الشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1387>[سورة النحل (١٦): آية ٣٥]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥)\nوَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ إنما قالوا ذلك استهزاء أو منعًا للبعثة والتكليف متمسكين بأن ما شاء الله يجب وما لم يشأ يمتنع فما الفائدة فيها، أو إنكارًا لقبح ما أنكر عليهم من الشرك وتحريم البحائر ونحوها محتجين بأنها لو كانت مستقبحة لما شاء الله صدورها عنهم ولشاء خلافه، ملجئًا إليه لا اعتذارًا إذ لم يعتقدوا قبح أعمالهم، وفيما بعده تنبيه على الجواب عن الشبهتين. ذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ\nفأشركوا بالله وحرموا حله وردوا رسله. فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ إلا الإِبلاغ الموضح للحق وهو لا يؤثر في هدى من شاء الله هداه لكنه يؤدي إليه على سبيل التوسط، وما شاء الله وقوعه إنما يجب وقوعه لا مطلقًا بل بأسباب قدرها له، ثم بين أن البعثة أمر جرت به السنة الإِلهية في الأمم كلها سببًا لهدى من أراد اهتداءه وزيادة لضلال من أراد ضلاله، كالغذاء الصالح فإنه ينفع المزاج السوي ويقويه ويضر المنحرف ويفنيه بقوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1388>[سورة النحل (١٦): آية ٣٦]</span>\nوَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)\nوَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ يأمر بعبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت. فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وفقهم للإِيمان بإرشادهم. وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ إذ لم يوفقهم ولم يرد هداهم، وفيه تنبيه على فساد الشبهة الثانية لما فيه من الدلالة على أن تحقق الضلال وثباته بفعل الله تعالى وإرادته من حيث أنه قسم من هدى الله، وقد صرح به في الآية الأخرى. فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يا معشر قريش. فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ من عاد وثمود وغيرهم لعلكم تعتبرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1389>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nإِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٣٨)\nإِنْ تَحْرِصْ يا محمد. عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ من يريد ضلاله وهو المعني بمن حقت عليه الضلالة. وقرأ غير الكوفيين لاَّ يَهْدِي على البناء للمفعول وهو أبلغ. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ من ينصرهم بدفع العذاب عنهم.\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ عطف على وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا إيذانًا بأنهم كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث مقسمين عليه زيادة في البت على فساده، ولقد رد الله عليهم أبلغ رد فقال:\nبَلى يبعثهم. وَعْدًا مصدر مؤكد لنفسه وهو ما دل عليه بَلى فإن يبعث موعد من الله. عَلَيْهِ إنجازه لامتناع الخلف في وعده، أو لأن البعث مقتضى حكمته. حَقًّا صفة أخرى للوعد. وَلكِنَّ أَكْثَرَ","vol":"3","page":226},{"text":"النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ\nأنهم يبعثون إما لعدم علمهم بأنه من مواجب الحكمة التي جرت عادته بمراعاتها، وإما لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهمون امتناعه، ثم إنه تعالى بين الأمرين فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1390>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nلِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)\nلِيُبَيِّنَ لَهُمُ أي يبعثهم لِيُبَيِّنَ لَهُمُ. الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وهو الحق. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ فيما يزعمون، وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث المقتضي له من حيث الحكمة، وهو المميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل بالثواب والعقاب ثم قال:\nإِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وهو بيان إمكانه وتقريره أن تكوين الله بمحض قدرته ومشيئته لا توقف له على سبق المواد والمدد، وإلاَّ لزم التسلسل فكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادة ومثال أمكن له تكوينها إعادة بعده، ونصب ابن عامر والكسائي ها هنا وفي «يس» فيكون عطفًا على نقول أو جوابا للأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1391>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا هم رسول الله ﷺ وأصحابه المهاجرون ظلمهم قريش فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة وبعضهم إلى المدينة، أو المحبوسون المعذبون بمكة بعد هجرة رسول الله ﷺ وهم بلال وصهيب وخباب وعمار وعابس وأبو جندل وسهيل رضي الله تعالى عنهم، وقوله. فِي اللَّهِ أي في حقه ولوجهه. لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً مباءة حسنة وهي المدينة أو تبوئة حسنة. وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ مما يعجل لهم في الدنيا. وعن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه كان إذا أعطى رجلًا من المهاجرين عطاء قال له خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل. لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الضمير للكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم، أو للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.\nالَّذِينَ صَبَرُوا على الشدائد كأذى الكفار ومفارقة الوطن، ومحله النصب أو الرفع على المدح.\nوَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ منقطعين إلى الله مفوضين إليه الأمر كله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1392>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ رد لقول قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، أي جرت السنة الإِلهية بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشرًا يوحي إليه على ألسنة الملائكة، والحكمة في ذلك قد ذكرت في سورة «الأنعام» فإن شككتم فيه. فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ أهل الكتاب أو علماء الأخبار ليعلموكم.\nإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا ملكًا للدعوة العامة وقوله: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا معناه رسلًا إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل لم يبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة الرجال.\nورد بما روي: أنه ﵊ رأى جبريل صلوات الله عليه على صورته التي هو عليها مرتين.\nوعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم.","vol":"3","page":227},{"text":"بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ أي أرسلناهم بالبينات والزبر أي المعجزات والكتب، كأنه جواب: قائل قال: بم أرسلوا؟ ويجوز أن يتعلق بما أرسلنا داخلًا في الاستثناء مع رجالًا أي: وما أرسلنا إلا رجالًا بالبينات كقولك:\nما ضربت إلا زيدًا بالسوط، أو صفة لهم أي رجالًا ملتبسين بالبينات، أو بيوحي على المفعولية أو الحال من القائم مقام فاعله على أن قوله فاسألوا اعتراض، أو بلا تعلمون على أن الشرط للتبكيت والإِلزام. وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ أي القرآن وإنما سمي ذكرًا لأنه موعظة وتنبيه. لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ في الذكر بتوسط إنزاله إليك مما أمروا به ونهوا عنه، أو مما تشابه عليهم والتبيين أعم من أن ينص بالمقصود، أو يرشد إلى ما يدل عليه كالقياس. ودليل العقل. وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ وإرادة أن يتأملوا فيه فيتنبهوا للحقائق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1393>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nأَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)\nأَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أي المكرات السيئات وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الذين مكروا برسول الله ﷺ وراموا صد أصحابه عن الإِيمان. أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ كما خسف بقارون أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ بغتة من جانب السماء كما فعل بقوم لوط.\nأَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ أي متقلبين في مسايرهم ومتاجرهم. فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1394>[سورة النحل (١٦): آية ٤٧]</span>\nأَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)\nأَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ على مخافة بأن يهلك قومًا قبلهم فيتخوفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوفون، أو على أن ينقصهم شيئًا بعد شيء في أنفسهم وأحوالهم حتى يهلكوا من تخوفته إذا تنقصته. روي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر: ما تقولون فيها فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص، فقال هل تعرف العرب ذلك في أشعارها قال نعم، قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته:\nتَخَوَّفَ الرَحْلُ مِنْهَا تامكا قَرَدًا ... كَمَا تَخَوِّفَ عُود النَبْعَةِ السُّفُنُ\nفقال عمر عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا: وما ديواننا قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث لا يعاجلكم بالعقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1395>[سورة النحل (١٦): آية ٤٨]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨)\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ استفهام إنكار أي قد رأوا أمثال هذه الصنائع فما بالهم لم يتفكروا فيها ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه، وما موصولة مبهمة بيانها. يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ أي أو لم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيئة. وقرأ حمزة والكسائي «تَروْا» بالتاء وأبو عمرو «تتفيؤ» بالتاء.\nعَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ عن أيمانها وعن شمائلها أي عن جانبي كل واحد منها، استعارة من يمين الإِنسان وشماله، ولعل توحيد اليمين وجمع الشمائل باعتبار اللفظ والمعنى كتوحيد الضمير في ظلاله وجمعه في قوله: سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ وهما حالان من الضمير في ظلاله، والمراد من السجود الاستسلام سواء كان بالطبع أو الاختيار، يقال سجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل وسجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب أو سجدا حال من الظلال وَهُمْ داخِرُونَ حال من الضمير. والمعنى يرجع الظلال بارتفاع الشمس وانحدارها، أو باختلاف مشارقها ومغاربها بتقدير الله تعالى من جانب إلى جانب منقادة لما قدر لها من التفيؤ، أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد والأجرام في أنفسها أيضًا داخرة أي صاغرة منقادة لأفعال الله تعالى","vol":"3","page":228},{"text":"فيها، وجمع داخِرُونَ بالواو لأن من جملتها من يعقل، أو لأن الدخور من أوصاف العقلاء. وقيل المراد ب الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ يمين الفلك وهو جانبه الشرقي لأن الكواكب تظهر منه آخذة في الارتفاع والسطوع وشماله هو الجانب الغربي المقابل له من الأرض، فإن الظلال في أول النهار تبتدئ من المشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض، وعند الزوال تبتدئ من المغرب واقعة على الربع الشرقي من الأرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1396>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)\nوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي ينقاد انقيادًا يعم الانقياد لإرادته وتأثيره طبعًا والانقياد لتكليفه وأمره طوعًا ليصح إسناده إلى عامة أهل السموات والأرض وقوله: مِنْ دابَّةٍ بيان لهما لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية سواء كانت في أرض أو سماء. وَالْمَلائِكَةُ عطف على المبين به عطف جبريل على الملائكة للتعظيم، أو عطف المجردات على الجسمانيات، وبه احتج من قال إن الملائكة أرواح مجردة أو بيان لما في الأرض والملائكة تكرير لما في السموات وتعيين له إجلالًا وتعظيمًا، أو المراد بها ملائكتها من الحفظة وغيرهم، وما لما استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق من تغليبًا للعقلاء. وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ.\nيَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ يخافونه أن يرسل عذابًا من فوقهم، أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ. والجملة حال من الضمير في لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، أو بيان له وتقرير لأن من خاف الله تعالى لم يستكبر عن عبادته. وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ من الطاعة والتدبير، وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1397>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nوَقالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)\nوَقالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ذكر العدد مع أن المعدود يدل عليه دلالة على أن مساق النهي إليه، أو إيماءِ بأن الاثنينية تنافي الألوهية كما ذكر الواحد في قوله: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ للدلالة على أن المقصود إثبات الوحدانية دون الإِلهية، أو للتنبيه على أن الوحدة من لوازم الإِلهية. فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ نقل من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب وتصريحًا بالمقصود فكأنه قال: فأنا ذلك الإِله الواحد فإياي فارهبون لا غير.\nوَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقًا وملكًا. وَلَهُ الدِّينُ أي الطاعة. واصِبًا لازمًا لما تقرر من أنه الإله وحده والحقيق بأن يرهب منه. وقيل واصِبًا من الوصب أي وله الدين ذا كلفة. وقيل الدين الجزاء أي وله الجزاء دائمًا لا ينقطع ثوابه لمن آمن وعقابه لمن كفر. أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ولا ضار سواه كما لا نافع غيره كما قال تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1398>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٣ الى ٥٥]</span>\nوَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)\nوَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ أي وأي شيء اتصل بكم من نعمة فهو من الله، وَما شرطية أو موصولة متضمنة معنى الشرط باعتبار الإِخبار دون الحصول، فإن استقرار النعمة بهم يكون سببًا للإِخبار بأنها من الله لا لحصولها منه. ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة.","vol":"3","page":229},{"text":"ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ وهم كفاركم. بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ بعبادة غيره، هذا إذا كان الخطاب عامًا، فإن كان خاصًا بالمشركين كان من للبيان كأنه قال: إذا فريق وهم أنتم، ويجوز أن تكون من للتبعيض على أن يعتبر بعضهم كقوله تعالى: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ.\nلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ من نعمة الكشف عنهم كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة، أو إنكار كونها من الله تعالى. فَتَمَتَّعُوا أمر تهديد. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أغلظ وعيده، وقرئ فيمتعوا مبنيًا للمفعول عطفًا على لِيَكْفُرُوا، وعلى هذا جاز أن تكون اللام لام الأمر الوارد للتهديد والفاء للجواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1399>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nوَيَجْعَلُونَ لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧)\nوَيَجْعَلُونَ لِما لاَ يَعْلَمُونَ أي لآلهتهم التي لا علم لها لأنها جماد فيكون الضمير لِما، أو التي لا يعلمونها فيعتقدون فيها جهالات مثل أنها تنفعهم وتشفع لهم على أن العائد إلى ما محذوف، أو لجهلهم على أن ما مصدرية والمجعول له محذوف للعلم به. نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الزروع والأنعام. تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ من أنها آلهة حقيقة بالتقرب إليها وهو وعيد لهم عليه.\nوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ كانت خزاعة وكنانة يقولون الملائكة بنات الله. سُبْحانَهُ تنزيه له من قولهم، أو تعجب منه. وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ يعني البنين، ويجوز فيما يشتهون الرفع بالابتداء والنصب بالعطف على البنات على أن الجعل بمعنى الاختيار، وهو وإن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد لكنه لا يبعد تجويزه في المعطوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1400>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nوَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)\nوَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى أخبر بولادتها. ظَلَّ وَجْهُهُ صار أو دام النهار كله. مُسْوَدًّا من الكآبة والحياء من الناس. واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير. وَهُوَ كَظِيمٌ مملوء غيظًا من المرأة.\nيَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ يستخفى منهم. مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ. من سوء المبشر به عرفًا. أَيُمْسِكُهُ محدثًا نفسه متفكرًا في أن يتركه. عَلى هُونٍ ذل أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أي يخفيه فيه ويئده، وتذكير الضمير للفظ مَا وقرئ بالتأنيث فيهما. أَلا ساءَ مَا يَحْكُمُونَ حيث يجعلون لمن تعالى عن الولد ما هذا محله عندهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1401>[سورة النحل (١٦): آية ٦٠]</span>\nلِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)\nلِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ صفة السوء وهي الحاجة إلى الولد المنادية بالموت واستبقاء الذكور استظهارًا بهم وكراهة الإِناث ووأدهن خشية الإِملاق. وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق والجود الفائق والنزاهة عن صفات المخلوقين. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ المنفرد بكمال القدرة والحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1402>[سورة النحل (١٦): آية ٦١]</span>\nوَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)","vol":"3","page":230},{"text":"وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ بكفرهم ومعاصيهم. مَّا تَرَكَ عَلَيْها على الأرض، وإنما أضمرها من غير ذكر للدلالة الناس والدابة عليها. مِنْ دَابَّةٍ قط بشؤم ظلمهم. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه:\nكاد الجعل يهلك في حجره بذنب ابن آدم أو من دابة ظالمة. وقيل لو أهلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء.\nوَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى سماه لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا. فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ بل هلكوا أو عذبوا حينئذ لا محالة، ولا يلزم من عموم الناس وإضافة الظلم إليهم أن يكونوا كلهم ظالمين حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لجواز أن يضاف إليهم ما شاع فيهم وصدر عن أكثرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1403>[سورة النحل (١٦): آية ٦٢]</span>\nوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)\nوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ أي ما يكرهونه لأنفسهم من البنات والشركاء في الرياسة، والاستخفاف بالرسل وأراذل الأموال. وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ مع ذلك وهو. أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى أي عند الله كقوله:\nوَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى وقرئ «الكذب» جمع كذوب صفة للألسنة. لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ رد لكلامهم وإثبات لضده. وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ مقدمون إلى النار من أفرطته في طلب الماء إذا قدمته.\nوقرأ نافع بكسر الراء على أنه من الإِفراط في المعاصي. وقرئ بالتشديد مفتوحًا من فرطته في طلب الماء ومكسورًا من التفريط في الطاعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>[سورة النحل (١٦): آية ٦٣]</span>\nتَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣)\nتَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فأصروا على قبائحها وكفروا بالمرسلين. فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ أي في الدنيا، وعبر باليوم عن زمانها أو فهو وليهم حين كان يزين لهم، أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية أو آتية، ويجوز أن يكون الضمير لقريش أي زين الشيطان للكفرة المتقدمين أعمالهم وهو ولي هؤلاء اليوم يغريهم ويغويهم، وإن يقدر مضاف أي فهو ولي أمثالهم، والولي القرين أو الناصر فيكون نفيًا للناصر لهم على أبلغ الوجوه. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1405>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٤ الى ٦٥]</span>\nوَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)\nوَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ للناس. الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ من التوحيد والقدر وأحوال المعاد وأحكام الأفعال. وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ معطوفان على محل لتبين فإنهما فعلا المنزل بخلاف التبيين.\nوَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع تدبر وإنصاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1406>[سورة النحل (١٦): آية ٦٦]</span>\nوَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)\nوَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم. نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ استئناف لبيان العبرة، وإنما ذكر الضمير ووحده ها هنا للفظ وأنثه في سورة «المؤمنين» للمعنى، فإن الْأَنْعامِ اسم","vol":"3","page":231},{"text":"جمع ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على أفعال كأخلاق وأكياس، ومن قال إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فإن اللبن لبعضها دون جميعها أو لواحده أو له على المعنى، فإن المراد به الجنس. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب نُسْقِيكُمْ بالفتح هنا وفي «المؤمنين» . مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا فإنه يخلق من بعض أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهو الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن البهيمة إذا اعتلفت وانطبخ العلف في كرشها كان أسفله فرثًا وأوسطه لبنًا وأعلاه دمًا، ولعله إن صح فالمراد أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن، لأنهما لا يتكونان في الكرش بل الكبد يجذب صفاوة الطعام المنهضم في الكرش، ويبقي ثفله وهو الفرث ثم يمسكها ريثما يهضمها هضمًا ثانيًا فيحدث أخلاطًا أربعة معها مائية، فتميز القوة المميزة تلك المائية بما زاد على قدر الحاجة من المرتين وتدفعها إلى الكلية والمرارة والطحال، ثم يوزع الباقي على الأعضاء بحسبها فيجري إلى كل حقه على ما يليق به بتقدير الحكيم العليم، ثم إن كان الحيوان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لاستيلاء البرد والرطوبة على مزاجها، فيندفع الزائد أولًا إلى الرحم لأجل الجنين فإذا انفصل انصب ذلك الزائد أو بعضه إلى الضروع، فيبيض بمجاورة لحومها الغددية البيض فيصير لبنًا، ومن تدبر صنع الله تعالى في إحداث الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها والقوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به، اضطر إلى الإقرار بكمال حكمته وتناهي رحمته، ومِنْ الأولى تبعيضية لأن اللبن بعض ما في بطونها والثانية ابتدائية كقولك: سقيت من الحوض، لأن بين الفرث والدم المحل الذي يبتدأ منه الإِسقاء وهي متعلقة ب نُسْقِيكُمْ أو حال من لَبَنًا قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة. خالِصًا صافيًا لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث، أو مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه. سائِغًا لِلشَّارِبِينَ سهل المرور في حلقهم، وقرئ «سيّغا» بالتشديد والتخفيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1407>[سورة النحل (١٦): آية ٦٧]</span>\nوَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)\nوَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ متعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما، وقوله: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا استئناف لبيان الإِسقاء أو ب تَتَّخِذُونَ، ومنه تكرير للظرف تأكيدًا أو خبر لمحذوف صفته تَتَّخِذُونَ، أي وَمِن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه، وتذكير الضمير على الوجهين الأولين لأنه للمضاف المحذوف الذي هو العصير، أو لأن ال ثَمَراتِ بمعنى الثمر والسكر مصدر سمي به الخمر. وَرِزْقًا حَسَنًا كالتمر والزبيب والدبس والخل، والآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر فدالة على كراهتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنة. وقيل السكر النبيذ وقيل الطعم قال:\nجَعَلْتُ أَعْرَاضَ الكِرَامِ سُكْرًا أي تنقلت بأعراضهم. وقيل ما يسد الجوع من السكر فيكون الرزق ما يحصل من أثمانه. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل في الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1408>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٨ الى ٦٩]</span>\nوَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)\nوَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ألهمها وقذف في قلوبها، وقرئ «إلى النحل» بفتحتين. أَنِ اتَّخِذِي بأن اتخذي ويجوز أن تكون أَنِ مفسرة لأن في الإيحاء معنى القول، وتأنيث الضمير على المعنى فإن النحل مذكر. مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ذكر بحرف التبعيض لأنها لا تبني في كل جبل وكل","vol":"3","page":232},{"text":"شجر وكل ما يعرش من كرم أو سقف، ولا في كل مكان منها وإنما سمي ما تبنيه لتتعسل فيه بيتًا تشبيهًا ببناء الإنسان، لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة التي لا يقوى عليها حذاق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة، ولعل ذكره لتنبيه على ذلك وقرئ بُيُوتًا بكسر الباء، وقرأ ابن عامر وأبو بكر/ يَعْرُِشُونَ بضم الراء.\nثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ من كل ثمرة تشتهينها مرها وحلوها. فَاسْلُكِي ما أكلت. سُبُلَ رَبِّكِ في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلًا من أجوافك، أو فَاسْلُكِي الطرق التي ألهمك في عمل العسل، أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك سُبُلَ رَبِّكِ لا تتوعر عليك. ولا تلتبس. ذُلُلًا جمع ذلول وهي حال من السبل، أي مذللة ذللها الله تعالى وسهلها لك، أو من الضمير في أسلكي أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به. يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها كأنه عدل به عن خطاب النحل إلى خطاب الناس، لأنه محل الإِنعام عليهم والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم. شَرابٌ يعني العسل لأنه مما يشرب، واحتج به من زعم أن النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فتستحيل في بطنها عسلًا، ثم تقىء ادخارًا للشتاء، ومن زعم أنها تلتقط بأفواهها أجزاء طلية حلوة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار، وتضعها في بيوتها ادخارًا فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل فسر البطون بالأفواه. مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف سن النحل والفصل. فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية، أو مع غيره كما في سائر الأمراض، إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزء منه، مع أن التنكير فيه مشعر بالتبعيض، ويجوز أن يكون للتعظيم.\nوعن قتادة أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أخي يشتكي بطنه فقال: «اسقه العسل»، فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع فقال: «اذهب واسقه عسلًا فقد صدق الله وكذب بطن أخيك» . فسقاه فشفاه الله تعالى فبرأ فكأنما أنشط من عقال.\nوقيل الضمير للقرآن أو لما بين الله من أحوال النحل. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر علم قطعًا أنه لا بد له من خالق قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1409>[سورة النحل (١٦): آية ٧٠]</span>\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ بآجال مختلفة. وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ يعاد. إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أخسه يعني الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان القوة والعقل. وقيل هو خمس وتسعون سنة وقيل خمس وسبعون.\nلِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية في النسيان وسوء الفهم. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بمقادير أعماركم. قَدِيرٌ يميت الشاب النشيط ويبقى الهرم الفاني، وفيه تنبيه على أن تفاوت آجال الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم، ركب أبنيتهم وعدَّل أمزجتهم على قدر معلوم، ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لم يبلغ التفاوت هذا المبلغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1410>[سورة النحل (١٦): آية ٧١]</span>\nوَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)\nوَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فمنكم غني ومنكم فقير، ومنكم موال يتولون رزقهم ورزق غيرهم ومنكم مماليك حالهم على خلاف ذلك. فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ بمعطي رزقهم. عَلى مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ على مماليكهم فإن ما يردون عليهم رزقهم الذي جعله الله في أيديهم. فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ فالموالي والمماليك سواء في أن الله رزقهم، فالجملة لازمة للجملة المنفية أو مقررة لها، ويجوز أن تكون","vol":"3","page":233},{"text":"واقعة موقع الجواب كأنه قيل: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا في الرزق، على أنه رد وإنكار على المشركين فإنهم يشركون بالله بعض مخلوقاته في الألوهية ولا يرضون أن يشاركهم عبيدهم فيما أنعم الله عليهم فيساورهم فيه. أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ حيث يتخذون له شركاء، فإنه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم ويجحدوا أنه من عند الله، أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج بعد ما أنعم الله عليهم بإيضاحها، والباء لتضمن الجحود معنى الكفر. وقرأ أبو بكر «تجحدون» بالتاء لقوله: خَلَقَكُمْ وفَضَّلَ بَعْضَكُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1411>[سورة النحل (١٦): آية ٧٢]</span>\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا أي من جنسكم لتأنسوا بها ولتكون أولادكم مثلكم. وقيل هو خلق حواء من آدم. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وأولاد أولاد أو بنات، فإن الحافد هو المسرع في الخدمة والبنات يخدمن في البيوت أتم خدمة. وقيل هم الأختان على البنات. وقيل الربائب ويجوز أن يراد بها البنون أنفسهم والعطف لتغاير الوصفين. وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من اللذائذ أو الحلالات ومِنْ للتبعيض فإن المرزوق في الدنيا أنموذج منها. أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وهو أن الأصنام تنفعهم، أو أن من الطيبات ما يحرم كالبحائر والسوائب. وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ حيث أضافوا نعمه إلى الأصنام، أو حرموا ما أحل الله لهم، وتقديم الصلة على الفعل إما للاهتمام أو لإِيهام التخصيص مبالغة، أو للمحافظة على الفواصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1412>[سورة النحل (١٦): آية ٧٣]</span>\nوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)\nوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا من مطر ونبات، ورِزْقًا إن جعلته مصدرًا فشيئًا منصوب به وإلا فبدل منه. وَلا يَسْتَطِيعُونَ أن يتملكوه أو لا استطاعة لهم أصلًا، وجمع الضمير فيه وتوحيده في لاَ يَمْلِكُ لأن مَا مفرد في معنى الألهة، ويجوز أن يعود إلى الكفار أي ولا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون شيئًا من ذلك فكيف بالجماد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1413>[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nفَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٧٥)\nفَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ فلا تجعلوا له مثلًا تشركونه به، أو تقيسونه عليه فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ فساد ما تعولون عليه من القياس على أن عبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من عبادته وعظم جرمكم فيما تفعلون. وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك ولو علمتموه لما جرأتم عليه فهو تعليل للنهي، أو أنه يعلم كنه الأشياء وأنتم لا تعلمونه فدعوا رأيكم دون نصه، ويجوز أن يراد فلا تضربوا لله الأمثال فإنه يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون. ثم علمهم كيف يضرب فضرب مثلًا لنفسه ولمن عبد دونه فقال:\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ مثل ما يشرك به بالمملوك العاجز عن التصرف رأسًا ومثل نفسه بالحر المالك الذي رزقه الله مالًا كثيرًا فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف يشاء، واحتج بامتناع الاشتراك والتسوية بينهما مع تشاركهما في الجنسية والمخلوقية على امتناع التسوية بين الأصنام التي هي أعجز المخلوقات وبين الله الغني القادر على الإِطلاق.","vol":"3","page":234},{"text":"وقيل هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق، وتقييد العبد بالمملوكية للتمييز عن الحر فإنه أيضًا عبد الله وبسلب القدرة للتمييز عن المكاتب والمأذون وجعله قسيمًا للمالك المتصرف يدل على أن المملوك لا يملك، والأظهر أن مَنْ نكرة موصوفة ليطابق عَبْدًا، وجمع الضمير في يَسْتَوُونَ لأنه للجنسين فإن المعنى هل يستوي الأحرار والعبيد؟. الْحَمْدُ لِلَّهِ كل الحمد له، لا يستحقه غيره فضلًا عن العبادة لأنه مولى النعم كلها. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ فيضيفون نعمة إلى غيره ويعبدونه لأجلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1414>[سورة النحل (١٦): آية ٧٦]</span>\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ولد أخرس لا يَفْهمُ وَلا يُفْهِمُ. لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ من الصنائع والتدابير لنقصان عقله. وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ عيال وثقل على من يلي أمره. أَيْنَما يُوَجِّهْهُ حيثما يرسله مولاه في أمر، وقرئ «يوجه» على البناء للمفعول و«يوجه» بمعنى يتوجه كقوله أينما أوجه ألق سعدًا «وتوجه» بلفظ الماضي. لا يَأْتِ بِخَيْرٍ بنجح وكفاية مهم. هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ومن هو فهم منطيق ذو كفاية ورشد ينفع الناس بحثهم على العدل الشامل لمجامع الفضائل. وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو في نفسه على طريق مستقيم لا يتوجه إلى مطلب إلا ويبلغه بأقرب سعي، وإنما قابل تلك الصفات بهذين الوصفين لأنهما كمال ما يقابلهما، وهذا تمثيل ثان ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام لإِبطال المشاركة بينه وبينها أو للمؤمن والكافر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1415>[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٧ الى ٧٨]</span>\nوَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)\nوَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يختص به علمه لا يعلمه غيره، وهو ما غاب فيهما عن العباد بأن لم يكن محسوسًا ولم يدل عليه محسوس. وقيل يوم القيامة فإن علمه غائب عن أهل السموات والأرض. وَما أَمْرُ السَّاعَةِ وما أمر قيام الساعة في سرعته وسهولته. إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها. أَوْ هُوَ أَقْرَبُ أو أمرها أقرب منه بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة بل في الآن الذي تبتدئ فيه، فإنه تعالى يحيي الخلائق دفعة وما يوجد دفعة كان في آن، وأَوْ للتخيير أو بمعنى بل. وقيل معناه أن قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشيء الذي تقولون فيه هو كلمح البصر أو هو أقرب مبالغة في استقرابه. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر أن يحيي الخلائق دفعة كما قدر أن أحياهم متدرجًا، ثم دل على قدرته فقال: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ وقرأ الكسائي بكسر الهمزة على أنه لغة أو إتباع لما قبلها، أو حمزة بكسرها وكسر الميم والهاء مزيدة مثلها في أهراق. لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا جهالًا مستصحبين جهل الجمادية. وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أداة تتعلمون بها فتحسون بمشاعركم جزئيات الأشياء فتدركونها ثم تتنبهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بينها بتكرر الإِحساس حتى تتحصل لكم العلوم البديهية، وتتمكنوا من تحصيل المعالم الكسبية بالنظر فيها. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ كي تعرفوا ما أنعم عليكم طورًا بعد طور فتشكروه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1416>[سورة النحل (١٦): آية ٧٩]</span>\nأَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)","vol":"3","page":235},{"text":"أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ قرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بالتاء على أنه خطاب للعامة. مُسَخَّراتٍ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المؤاتية له. فِي جَوِّ السَّماءِ في الهواء المتباعد من الأرض.\nمَا يُمْسِكُهُنَّ فيه. إِلَّا اللَّهُ فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ تسخير الطير للطيران بأن خلقها خلقة يمكن معها الطيران، وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه وإمساكها في الهواء على خلاف طبعها. لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لأنهم هم المنتفعون بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1417>[سورة النحل (١٦): آية ٨٠]</span>\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٨٠)\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا موضعًا تسكنون فيه وقت إقامتكم كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر، فعل بمعنى مفعول. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا هي القباب المتخذة من الأدم، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر فإنها من حيث إنها نابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها. تَسْتَخِفُّونَها تجدونها خفيفة يخف عليكم حملها ونقلها. يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وقت تر حالكم. وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ ووضعها أو ضربها وقت الحضر أو النزول. وقرأ الحجازيان والبصريان يَوْمَ ظَعْنِكُمْ بالفتح وهو لغة فيه. وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها الصوف للضائنة والوبر للإبل والشعر للمعز، وإضافتها إلى ضمير الْأَنْعامِ لأنها من جملتها. أَثاثًا ما يلبس ويفرش. وَمَتاعًا ما يتجر به. إِلى حِينٍ إلى مدة من الزمان فإنها لصلابتها تبقى مدة مديدة، أو إلى حين، مماتكم أو إلى أن تقضوا منه أوطاركم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1418>[سورة النحل (١٦): آية ٨١]</span>\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ من الشجر والجبل والأبنية وغيرها. ظِلالًا تتقون بها حر الشمس.\nوَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا مواضع تسكنون بها من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها جمع كن. وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ ثيابًا من الصوف والكتان والقطن وغيرها. تَقِيكُمُ الْحَرَّ خصه بالذكر اكتفاء بأحد الضدين أو لأن وقاية الحر كانت أهم عندهم. وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ يعني الدروع والجواشن، والسربال يعم كل ما يلبس. كَذلِكَ كإتمام هذه النعم التي تقدمت. يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ أي تنظرون في نعمه فتؤمنون به وتنقادون لحكمه. وقرئ «تُسْلِمُونَ» من السلامة أي تشكرون فتسلمون من العذاب، أو تنظرون فيها فتسلمون من الشرك. وقيل «تُسْلِمُونَ» من الجراح بلبس الدروع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1419>[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٢ الى ٨٣]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)\nفَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا ولم يقبلوا منك. فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ فلا يضرك فإنما عليك البلاغ وقد بلغت، وهذا من إقامة السبب مقام المسبب.\nيَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي يعرف المشركون نعمة الله التي عددها عليهم وغيرها حيث يعترفون بها وبأنها من الله تعالى. ثُمَّ يُنْكِرُونَها بعبادتهم غير المنعم بها وقولهم إنها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب كذا أو بأعراضهم عن أداء حقوقها. وقيل نعمة الله نبوة محمد ﷺ عرفوها بالمعجزات ثم أنكروها عنادًا ومعنى ثم استبعاد الإنكار بعد المعرفة. وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ الجاحدون عنادًا، وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق","vol":"3","page":236},{"text":"لنقصان العقل أو التفريط في النظر، أو لم تقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف وإما لأنه يقام مقام الكل كما في قوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1420>[سورة النحل (١٦): آية ٨٤]</span>\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا وهو نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر. ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار إذ لا عذر لهم. وقيل في الرجوع إلى الدنيا. وثُمَّ لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع عن الاعتذار لما فيه من الإقناط الكلي على ما يمنون به من شهادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ولا هم يسترضون، من العتبى وهي الرضا وانتصاب يوم بمحذوف تقديره اذكر، أو خوفهم أو يحيق بهم ما يحيق وكذا قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1421>[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٥ الى ٨٦]</span>\nوَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦)\nوَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ عذاب جهنم. فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ أي العذاب. وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يمهلون. وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أوثانهم التي ادعوها شركاء، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه. قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ نعبدهم أو نطيعهم، وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك، أو التماس لأن يشطر عذابهم. فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ أي أجابوهم بالتكذيب في أنهم شركاء الله، أو أنهم ما عبدوهم حقيقة وإنما عبدوا أهواءهم كقوله تعالى: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ولا يمتنع إنطاق الله الأصنام به حينئذ، أو في أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم إياه كقوله: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1422>[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٧ الى ٨٨]</span>\nوَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)\nوَأَلْقَوْا وألقى الذين ظلموا. إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ الاستسلام لحكمه بعد الاستكبار في الدنيا.\nوَضَلَّ عَنْهُمْ وضاع عنهم وبطل. مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ من أن آلهتهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرؤوا منهم.\nالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بالمنع عن الإسلام والحمل على الكفر. زِدْناهُمْ عَذابًا لصدهم. فَوْقَ الْعَذابِ المستحق بكفرهم. بِما كانُوا يُفْسِدُونَ بكونهم مفسدين بصدهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1423>[سورة النحل (١٦): آية ٨٩]</span>\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني نبيهم فإن نبي كل أمة بعث منهم. وَجِئْنا بِكَ يا محمد. شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ على أمتك. وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ استئناف أو حال بإضمار قد.\nتِبْيانًا بيانًا بليغًا. لِكُلِّ شَيْءٍ من أمور الدين على التفصيل أو الإجمال بالإحالة إلى السنة أو القياس.\nوَهُدىً وَرَحْمَةً للجميع وإنما حرمان المحروم من تفريطه. وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ خاصة.","vol":"3","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1424>[سورة النحل (١٦): آية ٩٠]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ بالتوسط في الأمور اعتقادًا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر، وعملًا كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب، وخلقًا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير. وَالْإِحْسانِ إحسان الطاعات، وهو إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل أو بحسب الكيفية كما\nقال ﵊ «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .\nوَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه وهو تخصيص بعد تعميم للمبالغة. وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ عن الإِفراط في متابعة القوة الشهوية كالزنا فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها. وَالْمُنْكَرِ ما ينكر على متعاطيه في إثارة القوة الغضبية. وَالْبَغْيِ والاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم، فإنها الشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية، ولا يوجد من الإنسان شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث، ولذلك قال ابن مسعود ﵁: هي أجمع آية في القرآن للخير والشر. وصارت سبب إسلام عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين، ولعل إيرادها عقيب قوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ للتنبيه عليه. يَعِظُكُمْ بالأمر والنهي والميز بين الخير والشر. لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ تتعظون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1425>[سورة النحل (١٦): آية ٩١]</span>\nوَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)\nوَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ يعني البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ. وقيل كل أمر يجب الوفاء به ولا يلائمه قوله: إِذا عاهَدْتُمْ وقيل النذور، وقيل الإِيمان بالله وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ أي أيمان البيعة أو مطلق الأيمان. بَعْدَ تَوْكِيدِها بعد توثيقها بذكر الله تعالى، ومنه أكد بقلب الواو همزة وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا شاهدًا بتلك البيعة فإن الكفيل مراع لحال المكفول به رقيب عليه إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ من نقض الأيمان والعهود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1426>[سورة النحل (١٦): آية ٩٢]</span>\nوَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)\nوَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ما غزلته، مصدر بمعنى المفعول. مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ متعلق ب نَقَضَتْ أي نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام. أَنْكاثًا طاقات نكث فتلها جمع نكث، وانتصابه على الحال من غَزْلَها أو المفعول الثاني لنقضت فإنه بمعنى صيرت، والمراد به تشبيه الناقض بمن هذا شأنه.\nوقيل هي ريطة بنت سعد بن تيم القرشية فإنها كانت خرقاء تفعل ذلك. تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ حال من الضمير في وَلا تَكُونُوا، أو في الجار الواقع موقع الخبر أي لا تكونوا متشبهين بامرأة هذا شأنها، متخذي أيمانكم مفسدة ودخلًا بينكم، وأصل الدخل ما يدخل الشيء ولم يكن منه. أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ لأن تكون جماعة أزيد عددًا وأوفر مالًا من جماعة، والمعنى لا تغدروا بقوم لكثرتكم وقلتهم أو لكثرة منابذتهم وقوتهم كقريش، فإنهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم. إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ الضمير لأن تكون أمة لأنه بمعنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر.\nأتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة المؤمنين وضعفهم. وقيل","vol":"3","page":238},{"text":"الضمير للرباء وقيل للأمر بالوفاء. وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1427>[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٣ الى ٩٤]</span>\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤)\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً متفقة على الإِسلام. وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ بالخذلان. وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ بالتوفيق. وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ سؤال تبكيت ومجازاة.\nوَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيدًا ومبالغة في قبح المنهي.\nفَتَزِلَّ قَدَمٌ أي عن محجة الإسلام. بَعْدَ ثُبُوتِها عليها والمراد أقدامهم، وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحدة عظيم فكيف بأقدام كثيرة. وَتَذُوقُوا السُّوءَ العذاب في الدنيا. بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بصدكم عن الوفاء أو صدكم غيركم عنه، فإن من نقض البيعة وارتد جعل ذلك سنة لغيره. وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1428>[سورة النحل (١٦): آية ٩٥]</span>\nوَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)\nوَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ولا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله ﷺ. ثَمَنًا قَلِيلًا عرضًا يسيرًا، وهو ما كانت قريش يعدون لضعفاء المسلمين ويشترطون لهم على الارتداد. إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ من النصر والتغنيم في الدنيا والثواب في الآخرة. هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مما يعدونكم. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن كنتم من أهل العلم والتمييز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1429>[سورة النحل (١٦): آية ٩٦]</span>\nما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)\nمَا عِنْدَكُمْ من أعراض الدنيا. يَنْفَدُ ينقضي ويفنى. وَما عِنْدَ اللَّهِ من خزائن رحمته. باقٍ لا ينفد، وهو تعليل للحكم السابق ودليل على أن نعيم أهل الجنة باق. وليجزينّ الذين صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ على الفاقة وأذى الكفار، أو على مشاق التكاليف. وقرأ ابن كثير وعاصم بالنون. بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ بما يرجح فعله من أعمالهم كالواجبات والمندوبات، أو بجزاء أحسن من أعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1430>[سورة النحل (١٦): آية ٩٧]</span>\nمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)\nمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بينه بالنوعين دفعًا للتخصيص. وَهُوَ مُؤْمِنٌ إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب، وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب. فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً في الدنيا يعيش عيشًا طيبًا فإنه إن كان موسرًا فظاهر وإن كان معسرا يطيب عيشه بالقناعة والرضا بالقسمة وتوقع الأجر العظيم في الآخرة، بخلاف الكافر فإنه إن كان معسرًا فظاهر وإن كان موسرًا لم يدعه الحرص وخوف الفوات أن يتهنأ بعيشه. وقيل في الآخرة. وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ من الطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1431>[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٨ الى ١٠٠]</span>\nفَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)","vol":"3","page":239},{"text":"فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ إذا أردت قراءته كقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فاسأل الله أن يعيذك من وساوسه لئلا يوسوسك في القراءة، والجمهور على أنه للاستحباب. وفيه دليل على أن المصلي يستعيذ في كل ركعة لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياسًا، وتعقيبه لذكر العمل الصالح والوعد عليه إيذان بأن الاستعاذة عند القراءة من هذا القبيل.\nوعن ابن مسعود (قرأت على رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم فقال: قل أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ)\nإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ تسلط وولاية عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ على أولياء الله تعالى المؤمنين به والمتوكلين عليه فإنهم لا يطيعون أوامره ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرون على ندور وغفلة ولذلك أمروا بالاستعاذة فذكر السلطنة بعد الأمر باستعاذة لئلا يتوهم منه أن له سلطانًا.\nإِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ يحبونه ويطيعونه. وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ بالله أو بسبب الشيطان.\nمُشْرِكُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1432>[سورة النحل (١٦): آية ١٠١]</span>\nوَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (١٠١)\nوَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ بالنسخ فجعلنا الآية الناسخة مكان المنسوخة لفظًا أو حكمًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ من المصالح فلعل ما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة بعده فينسخه، وما لا يكون مصلحة حينئذ يكون مصلحة الآن فيثبته مكانه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو يُنَزِّلُ بالتخفيف. قالُوا أي الكفرة. إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ متقول على الله تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه، وهو جواب إِذا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ، اعتراض لتوبيخ الكفار على قولهم والتنبيه على فساد سندهم ويجوز أن يكون حالًا. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ حكمة الأحكام ولا يميزون الخطأ من الصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1433>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٢]</span>\nقُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)\nقُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ يعني جبريل ﵊، وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر كقولهم: حاتم الجود وقرأ ابن كثير رُوحُ الْقُدُسِ بالتخفيف وفي يُنَزِّلُ ونَزَّلَهُ\nتنبيه على أن إنزاله مدرجًا على حسب المصالح بما يقتضي التبديل. مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ملتبسًا بالحكمة. لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ليثبت الله الذين آمنوا على الإيمان بأنه كلامه، وأنهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم. وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ المنقادين لحكمه، وهما معطوفان على محل لِيُثَبِّتَ أي تثبيتًا وهداية وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد ذلك لغيرهم وقرئ لِيُثَبِّتَ بالتخفيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1434>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٣]</span>\nوَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)\nوَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ يعنون جبرًا الرومي غلام عامر بن الحضرمي. وقيل جبرًا ويسارًا كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان الرسول ﷺ يمر عليهما ويسمع ما يقرءانه.","vol":"3","page":240},{"text":"وقيل عائشًا غلام حويطب بن عبد العزى قد أسلم وكان صاحب كتب. وقيل سلمان الفارسي. لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ لغة الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه، مأخوذ من لحد القبر. وقرأ حمزة والكسائي يلحدون بفتح الياء والحاء، لسان أعجمي غير بين. وَهذا وهذا القرآن. لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ذو بيان وفصاحة، والجملتان مستأنفتان لإِبطال طعنهم، وتقريره يحتمل وجهين أحدهما: أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل، فكيف يكون ما تلقفه منه. وثانيهما: هب أنه تعلم منه المعنى باستماع كلامه لكن لم يتلقف منه اللفظ، لأن ذلك أعجمي وهذا عربي والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى فهو معجز من حيث اللفظ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة، فكيف تعلم جميع ذلك من غلام سوقي سمع منه في بعض أوقات مروره عليه كلمات أعجمية لعلهما لم يعرفا معناها، وطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1435>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٤ الى ١٠٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥)\nإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يصدقون أنها من عند الله. لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الحق أو إلى سبيل النجاة. وقيل إلى الجنة. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة، هددهم على كفرهم بالقرآن بعد ما أماط شبهتهم ورد طعنهم فيه، ثم قلب الأمر عليهم فقال:\nإِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لأنهم لا يخافون عقابًا يردعهم عنه. وَأُولئِكَ إشارة إلى الذين كفروا أو إلى قريش. هُمُ الْكاذِبُونَ أي الكاذبون على الحقيقة، أو الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله والطعن فيها بهذه الخرافات أعظم الكذب، أو الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة، أو الكاذبون في قولهم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ، إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1436>[سورة النحل (١٦): آية ١٠٦]</span>\nمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)\nمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ بدل من الذين لا يؤمنون وما بينهما اعتراض، أو من أُولئِكَ أو من الْكاذِبُونَ، أو مبتدأ خبره محذوف دل عليه قوله: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ويجوز أن ينتصب بالذم وأن تكون من شرطية محذوفة الجواب دل عليه قوله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على الافتراء أو كلمة الكفر، استثناء متصل لأن الكفر لغة يعم القول والعقد كالإِيمان. وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ لم تتغير عقيدته، وفيه دليل على أن الإِيمان هو التصديق بالقلب. وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا اعتقده وطاب به نفسًا. فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ إذ لا أعظم من جرمه.\nروي (أن قريشًا أكرهوا عمارًا وأبويه ياسرًا وسمية على الارتداد، فربطوا سمية بين بعيرين وجيء بحربة في قبلها وقالوا: أنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت، وقتلوا ياسرًا وهما أول قتيلين في الإِسلام، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرهًا فقيل: يا رسول الله إن عمارًا كفر فقال: كلا إن عمارا ملئ إيمانًا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار: رسول الله ﷺ وهو يبكي، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه ويقول: ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت. وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازًا للدين كما فعله أبواه لما روي (أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله ﷺ قال: فما تقول في فقال: أنت أيضًا فخلاه، وقال للآخر ما تقول في محمد قال: رسول الله ﷺ؟ قال فما تقول في؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه","vol":"3","page":241},{"text":"ثلاثًا فأعاد جوابه فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1437>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٧ الى ١٠٩]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩)\nذلِكَ إشارة إلى الكفر بعد الإِيمان أو الوعيد. بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ بسبب أنهم آثروها عليها. وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي الكافرين في علمه إلى ما يوجب ثبات الإيمان ولا يعصمهم من الزيغ.\nأُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ فأبت عن إدراك الحق والتأمل فيه. وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الكاملون في الغفلة إذ أغفلتهم الحالة الراهنة عن تدبر العواقب.\nلاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ إذ ضيعوا أعمارهم وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1438>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٠ الى ١١١]</span>\nثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (١١١)\nثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا أي عذبوا كعمار رضي الله تعالى عنه بالولاية والنصر، وثُمَّ لتباعد حال هؤلاء عن حال أولئك، وقرأ ابن عامر فُتِنُوا بالفتح أي من بعد ما عذبوا المؤمنين كالحضرمي أكره مولاه جبرًا، حتى ارتد ثم أسلما وهاجرا. ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا على الجهاد وما أصابهم من المشاق. إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد الهجرة والجهاد والصبر. لَغَفُورٌ، لما فعلوا قبل. رَحِيمٌ منعم عليهم مجازاة على ما صنعوا بعد.\nيَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ منصوب ب رَحِيمٌ أو باذكر. تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها تجادل عن ذاتها وتسعى في خلاصها لا يهمها شأن غيرها فتقول نفسي نفسي. وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ جزاء ما عملت. وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ لا ينقصون أجورهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1439>[سورة النحل (١٦): آية ١١٢]</span>\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً أي جعلها مثلًا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا، فأنزل الله بهم نقمته، أو لمكة. كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً لا يزعج أهلها خوف. يَأْتِيها رِزْقُها أقواتها. رَغَدًا واسعًا.\nمِنْ كُلِّ مَكانٍ من نواحيها. فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس. فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ استعار الذوق لإدراك أثر الضرر، واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف، وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له كقول كثير:\nغمرُ الرِّدَاءِ إِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكَا ... غلقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ المال","vol":"3","page":242},{"text":"فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لمَّا يلقى عليه، وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء نظرًا إلى المستعار له، وقد ينظر إلى المستعار كقوله:\nيُنَازِعْني رِدَائي عَبْدُ عَمْرو ... رُوَيْدَكَ يَا أَخَا عَمْرُو بن بَكْرِ\nلِي الشَّطرُ الَّذِي مَلَكت يَمِيني ... وَدُونَكَ فَاعْتَجِرْ مِنْهُ بِشَطْرٍ\nاستعار الرداء لسيفه ثم قال فاعتجر نظرًا إلى المستعار. بِما كانُوا يَصْنَعُونَ بصنيعهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1440>[سورة النحل (١٦): آية ١١٣]</span>\nوَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣)\nوَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ يعني محمدا ﷺ، والضمير لأهل مكة عاد إلى ذكرهم بعد ما ذكر مثلهم.\nفَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ أي حال التباسهم بالظلم والعذاب ما أصابهم من الجدب الشديد، أو وقعة بدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1441>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٤ الى ١١٥]</span>\nفَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)\nفَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا أمرهم بأكل ما أحل الله لهم وشكر ما أنعم عليهم بعد ما زجرهم عن الكفر وهددهم عليه بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم، صدًا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة. وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ تطيعون، أو إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادته.\nإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لما أمرهم بتناول ما أحل لهم عدد عليهم محرماته ليعلم أن ما عداها حل لهم، ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1442>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٦ الى ١١٧]</span>\nوَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧)\nوَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ كما قالوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا الآية، ومقتضى سياق الكلام وتصدير الجملة بإنما حصر المحرمات في الأجناس الأربعة إلا ما ضم إليه دليل: كالسباع والحمر الأهلية، وانتصاب الْكَذِبَ ب لاَ تَقُولُوا وهذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ بدل منه أو متعلق بتصف على إرادة القول أي: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقولوا هذا حلال وهذا حرام، أو مفعول لا تَقُولُوا، والْكَذِبَ منتصب ب تَصِفُ وما مصدرية أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب أي: لا تحرموا ولا تحللوا بمجرد قول تنطق به ألسنتكم من غير دليل، ووصف ألسنتهم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة وألسنتهم تصفها وتعرفها بكلامهم هذا، ولذلك عد من فصيح الكلام كقولهم: وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر. وقرئ «الكذب» بالجر بدلًا من «ما»، والْكَذِبَ جمع كذوب أو كذاب بالرفع صفة للألسنة وبالنصب على الذم أو بمعنى الكلم الكواذب. لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ تعليل لا يتضمن الغرض. إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ لما كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوب نفي عنهم الفلاح وبينه بقوله:","vol":"3","page":243},{"text":"مَتاعٌ قَلِيلٌ أي ما يفترون لأجله أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع عن قريب. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1443>[سورة النحل (١٦): آية ١١٨]</span>\nوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)\nوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا مَا قَصَصْنا عَلَيْكَ أي في سورة «الأنعام» في قوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ. مِنْ قَبْلُ متعلق ب قَصَصْنا أو ب حَرَّمْنا. وَما ظَلَمْناهُمْ بالتحريم. وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه، وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم وأنه كما يكون للمضرة يكون للعقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1444>[سورة النحل (١٦): آية ١١٩]</span>\nثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)\nثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ بسببها أو ملتبسين بها ليعم الجهل بالله وبعقابه وعدم التدبر في العواقب لغلبة الشهوة، والسوء يعم الافتراء على الله وغيره. ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد التوبة. لَغَفُورٌ لذلك السوء. رَحِيمٌ يثيب على الإنابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1445>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٠ الى ١٢٢]</span>\nإِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)\nإِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا مفرقة في أشخاص كثيرة كقوله:\nلَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أَنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدٍ\nوهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائغة بالحجج الدامغة، ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحله، أو لأنه كان وحده مؤمنًا وكان سائر الناس كفارًا. وقيل هي فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والنخبة من أمه إذا قصده، أو اقتدى به فإن الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ويقتدون بسيرته كقوله: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا. قانِتًا لِلَّهِ مطيعًا له قائمًا بأوامره. حَنِيفًا مائلًا عن الباطل. وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كما زعموا فإن قريشًا كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم.\nشاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ذكر بلفظ القلة للتنبيه على أنه كان لا يخل بشكر النعم القليلة فكيف بالكثيرة.\nاجْتَباهُ للنبوة. وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في الدعوة إلى الله. وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً بأن حببه إلى الناس حتى أن أرباب الملل يتولونه ويثنون عليه، ورزقه أولادًا طيبة وعمرًا طويلًا في السعة والطاعة. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ لمن أهل الجنة كما سأله بقوله: وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1446>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٣]</span>\nثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)\nثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد، وثُمَّ إما لتعظيمه والتنبيه على أن أَجَلَّ ما أوتي إبراهيم اتباع الرسول ﵇ ملته، أو لتراخي أيامه. أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا في التوحيد والدعوة إليه بالرفق وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى والمجادلة مع كل أحد على حسب فهمه وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بل كان قدوة الموحدين.","vol":"3","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1447>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٤]</span>\nإِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)\nإِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ تعظيم السبت، أو التخلي فيه للعبادة. عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي على نبيهم، وهم اليهود أمرهم موسى ﵇ أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فأبوا وقالوا: نريد يوم السبت لأنه تعالى فرغ فيه مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض، فألزمهم الله السبت وشدد الأمر عليهم. وقيل معناه إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه، فأحلوا الصيد فيه تارة وحرموه أخرى واحتالوا له الحيل، وذكرهم هنا لتهديد المشركين كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله. وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ بالمجازاة على الاختلاف، أو بمجازاة كل فريق بما يستحقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1448>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٥]</span>\nادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)\nادْعُ من بعثت إليهم. إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ إلى الإسلام. بِالْحِكْمَةِ بالمقالة المحكمة، وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة. وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الخطابات المقنعة والعبر النافعة، فالأولى لدعوة خواص الأمة الطالبين للحقائق والثانية لدعوة عوامهم. وَجادِلْهُمْ وجادل معانديهم. بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين وإيثار الوجه الأيسر، والمقدمات التي هي أشهر فإن ذلك أنفع في تسكين لهبهم وتبيين شغبهم. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي إنما عليك البلاغ والدعوة، وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فلا إليك بل الله أعلم بالضالين والمهتدين وهو المجازي لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1449>[سورة النحل (١٦): آية ١٢٦]</span>\nوَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)\nوَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ لما أمره بالدعوة وبين له طرقها أشار إليه وإلى من يتابعه بترك المخالفة، ومراعاة العدل مع من يناصبهم، فإن الدعوة لا تنفك عنه من حيث إنها تتضمن رفض العادات، وترك الشهوات والقدح في دين الأسلاف والحكم عليهم بالكفر والضلال.\nوقيل أنه ﵇ لما رأى حمزة وقد مثل به فقال: «والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك»، فنزلت.\nفكفر عن يمينه، وفيه دليل على أن للمقتص أن يماثل الجاني وليس له أن يجاوزه، وحث على العفو تعريضًا بقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ وتصريحًا على الوجه الآكد بقوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ أي الصبر. خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ من الانتقام للمنتقمين، ثم صرح بالأمر به لرسوله لأنه أولى الناس به لزيادة علمه بالله ووثوقه عليه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1450>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٧ الى ١٢٨]</span>\nوَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)\nوَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ إلا بتوفيقه وتثبيته. وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ على الكافرين أو على المؤمنين وما فعل بهم. وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ في ضيق صدر من مكرهم، وقرأ ابن كثير في ضَيْقٍ بالكسر هنا وفي «النمل» وهما لغتان كالقول والقيل، ويجوز أن يكون الضيق تخفيف ضيق.\nإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا المعاصي. وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ في أعمالهم بالولاية والفضل، أو مع الذين","vol":"3","page":245},{"text":"اتقوا الله بتعظيم أمره والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله بما أنعم عليه في دار الدنيا وإن مات في يوم تلاها أو ليلة كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية» .","vol":"3","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1451>(١٧) سورة بني إسرائيل</span>\nمكية وقيل إلا قوله تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ إلى آخر ثمان آيات وهي مائة وإحدى عشرة آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1452>[سورة الإسراء (١٧): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)\nسُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا سبحان اسم بمعنى التسبيح الذى هو التنزيه وقد يستعمل علمًا له فيقطع عن الإِضافة ويمنع عن الصرف قال:\nقَدْ قُلْتُ لَمَّا جَاءَني فَخْرُهُ ... سبحان من علقمة الفاخر\nوانتصابه بفعل متروك إظهاره، وتصدير الكلام به للتنزيه عن العجز عما ذكر بعد. وأَسْرى وسرى بمعنى، ولَيْلًا نصب على الظرف. وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء، ولذلك قرئ: «من الليل» أي بعضه كقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ. مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بعينه لما\nروي أنه ﵊ قال: «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذا أتاني جبريل بالبراق» .\nأو من الحرم وسماه المسجد الحرام لأنه كله مسجد أو لأنه محيط به، أو ليطابق المبدأ المنتهى. لما\nروي أنه ﷺ كان نائمًا في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ليلته، وقص القصة عليها وقال: «مثل لي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصليت بهم»، ثم خرج إلى المسجد الحرام وأخبر به قريشًا فتعجبوا منه استحالة، وارتد ناس ممن آمن به، وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: إن كان قال لقد صدق، فقالوا: أتصدقه على ذلك، قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق، واستنعته طائفة سافروا إلى بيت المقدس فجلى له فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أما النعت فقد أصاب فقالوا أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون إلى الثنية فصادفوا العير كما أخبر، ثم لم يؤمنوا وقالوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ وكان ذلك قبل الهجرة بسنة\n. واختلف في أنه كان في المنام أو في اليقظة بروحه أو بجسده، والأكثر على أنه أسرى بجسده إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السموات حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، ولذلك تعجب قريش واستحالوه، والاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفًا وستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية، وقد برهن في الكلام أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض وأن الله قادر على كل الممكنات فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي ﷺ، أو فيما يحمله، والتعجب من لوازم المعجزات. إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد. الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ببركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من لدن موسى ﵊، ومحفوف بالأنهار والأشجار. لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا","vol":"3","page":247},{"text":"كذهابه في برهة من الليل مسيرة شهر ومشاهدته بيت المقدس وتمثل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام له، ووقوفه على مقاماتهم، وصرف الكلام من الغيبة إلى التكلم لتعظيم تلك البركات والآيات. وقرئ «ليريه» بالياء. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوال محمد ﷺ. الْبَصِيرُ بأفعاله فيكرمه ويقربه على حسب ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1453>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nوَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)\nوَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا على أن لا تتخذوا كقولك: كتبت إليك أن أفعل كذا. وقرأ أبو عمرو بالياء على «أن لا يتخذوا» . مِنْ دُونِي وَكِيلًا ربًا تكلون إليه أموركم غيري.\nذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ نصب على الاختصاص أو النداء إن قرئ «أن لا تتخذوا» بالتاء على النهي يعني: قلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلًا، أو على أنه أحد مفعولي أَلَّا تَتَّخِذُوا ومِنْ دُونِي حال من وَكِيلًا فيكون كقوله: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من واو تَتَّخِذُوا، و«ذُرّيَّةِ» بكسر الذال. وفيه تذكير بأنعام الله تعالى عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق بحملهم مع نوح ﵇ في السفينة. إِنَّهُ إن نوحًا ﵇. كانَ عَبْدًا شَكُورًا يحمد الله تعالى على مجامع حالاته، وفيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره، وحث للذرية على الاقتداء به. وقيل الضمير لموسى ﵊.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1454>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)\nوَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ وأوحينا إليهم وحيا مقتضيا مبتوتًا. فِي الْكِتابِ في التوراة. لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ جواب قسم محذوف، أو قضينا على إجراء القضاء المبتوت مجرى القسم. مَرَّتَيْنِ إفسادتين أولادهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياء وقيل أرمياء. وثانيهما قتل زكريا ويحيى وقَصْدُ قتل عيسى ﵈. وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ولتستكبرن عن طاعة الله تعالى أو لتظلمن الناس.\nفَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما وعد عقاب أولاهما. بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا بختنصر عامل لهراسف على بابل وجنوده. وقيل جالوت الجزري. وقيل سنحاريب من أهل نينوى. أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ذوي قوة وبطش في الحرب شديد. فَجاسُوا فترددوا لطلبكم. وقرئ بالحاء المهملة وهما أخوان. خِلالَ الدِّيارِ وسطها للقتل والغارة فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم وحرقوا التوراة وخربوا المسجد. والمعتزلة لما منعوا تسليط الله الكافر على ذلك أولوا البعث بالتخلية وعدم المنع. وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا وكان وعد عقابهم لا بد أن يفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1455>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦]</span>\nثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)\nثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ أي الدولة والغلبة. عَلَيْهِمْ على الذين بعثوا عليكم، وذلك بأن ألقى الله في قلب بهمن بن اسفنديار لما ورث الملك من جده كشتاسف بن لهراسف شفقة عليهم، فرد أسراهم إلى الشام وملك دانيال عليهم فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر، أو بأن سلط الله داود ﵊ على جالوت فقتله وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا مما كنتم، والنفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر وهم المجتمعون للذهاب إلى العدو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1456>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧]</span>\nإِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)","vol":"3","page":248},{"text":"إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ لأن ثوابه لها. وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فإن وباله عليها، وإنما ذكرها باللام ازدواجًا. فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ وعد عقوبة المرة الآخرة. لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي بعثناهم لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي يجعلوها بادية آثار المساءة فيها، فحذف لدلالة ذكره أولًا عليه. وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر «ليسوء» على التوحيد، والضمير فيه للوعد أو للبعث أو لله، ويعضده قراءة الكسائي بالنون. وقرئ «لنسوأن» بالنون والياء والنون المخففة والمثقلة، و«لنسوأن» بفتح اللام على الأوجه الأربعة على أنه جواب إذا واللام في قوله: وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ متعلق بمحذوف هو بعثناهم. كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ليهلكوا. مَا عَلَوْا ما غلبوه واستولوا عليه أو مدة علوهم. تَتْبِيرًا ذلك بأن سلط الله عليهم الفرس مرة أخرى فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه جودرز، وقيل حردوس قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرا بينهم فوجد فيه دمًا يغلي فسألهم عنه فقالوا: دم قربان لم يقبل منا فقال: ما صدقوني فقتل عليه ألوفًا منهم فلم يهدأ الدم، ثم قال إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدًا، فقالوا: إنه دم يحيى فقال لمثل هذا ينتقم ربكم منكم، ثم قال يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك، فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أبقي أحدًا منهم فهدأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1457>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨]</span>\nعَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا (٨)\nعَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد المرة الآخرة. وَإِنْ عُدْتُمْ نوبة أخرى. عُدْنا مرة ثالثة إلى عقوبتكم وقد عادوا بتكذيب محمد ﷺ، وقصد قتله فعاد الله تعلى بتسليطه عليهم فقتل قريظة وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين هذا لهم في الدنيا. وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا محبسًا لا يقدرون على الخروج منها أبدا الآباد. وقيل بساطًا كما يبسط الحصير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1458>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٠)\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ للحالة أو الطريقة التي هي أقوم الحالات أو الطرق. وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وقرأ حمزة والكسائي وَيُبَشِّرُ بالتخفيف.\nوَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا عطف على أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، والمعنى أنه يبشر المؤمنين ببشارتين ثوابهم وعقاب أعدائهم، أو على يُبَشِّرُ بإضمار يخبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1459>[سورة الإسراء (١٧): آية ١١]</span>\nوَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (١١)\nوَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ ويدعو الله تعالى عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله، أو يدعوه بما يحسبه خيرًا وهو شر. دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ مثل دعائه بالخير. وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا يسارع إلى كل ما يخطر بباله لا ينظر عاقبته. وقيل المراد آدم ﵊ فإنه لما انتهى الروح إلى سرته ذهب لينهض فسقط.\nروي: أنه ﵇ دفع أسيرًا إلى سودة بنت زمعة فرحمته لأنينه فأرخت كتافه، فهرب فدعا عليها بقطع اليد ثم ندم فقال ﵇: اللهم إنما أنا بشر فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة له فنزلت.\nويجوز أن يريد بالإِنسان الكافر وبالدعاء استعجاله بالعذاب استهزاء كقول النضر بن الحرث: اللهم انصر خير الحزبين، اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ الآية. فأجيب له فضرب عنقه صبرًا يوم بدر.","vol":"3","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1460>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٢]</span>\nوَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢)\nوَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ تدلان على القادر الحكيم بتعاقبهما على نسق واحد بإمكان غيره.\nفَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ أي الآية التي هي الليل، بالإِشراق والإِضافة فيهما للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود.\nوَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً مضيئة أو مبصرة للناس من أبصره فبصر، أو مبصرًا أهله كقولهم: أجبن الرجل إذا كان أهله جبناء. وقيل الآيتان القمر والشمس، وتقدير الكلام وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين ومحو آية الليل التي هي القمر جعلها مظلمة في نفسها مطموسة النور، أو نقص نورها شيئًا فشيئًا إلى المحاق، وجعل آية النهار التي هي الشمس مبصرة جعلها ذات شعاع تبصر الأشياء بضوئها.\nلِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم وتتوصلوا به إلى استبانة أعمالكم.\nوَلِتَعْلَمُوا باختلافهما أو بحركاتهما. عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وجنس الحساب. وَكُلَّ شَيْءٍ تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا. فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا بيناه بيانًا غير ملتبس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1461>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٣]</span>\nوَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا (١٣)\nوَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ عمله وما قدر له كأنه طير إليه من عش الغيب ووكر القدر، لما كانوا يتيمنون ويتشاءمون بسنوح الطائر وبروحه، استعير لما هو سبب الخير والشر من قدر الله تعالى وعمل العبد.\nفِي عُنُقِهِ لزوم الطوق في عنقه. وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا هي صحيفة عمله أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله، فإن الأعمال الاختيارية تحدث في النفس أحوالًا ولذلك يفيد تكريرها لها ملكات، ونصبه بأنه مفعول أو حال من مفعول محذوف، وهو ضمير الطائر ويعضده قراءة يعقوب ويخرج من خرج و«يخرج» وقرئ «ويخرج» أي الله ﷿ يَلْقاهُ مَنْشُورًا لكشف الغطاء، وهما صفتان للكتاب، أو يَلْقاهُ صفة ومَنْشُورًا حال من مفعوله. وقرأ ابن عامر يَلْقاهُ على البناء للمفعول من لقيته كذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1462>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nاقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)\nاقْرَأْ كِتابَكَ على إرادة القول. كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا أي كفى نفسك، والباء مزيدة وحَسِيبًا تمييز وعلى صلته لأنه إما بمعنى الحاسب كالصريم بمعنى الصارم وضريب القداح بمعنى ضاربها من حسب عليه كذا أو بمعنى الكافي فوضع موضع الشهيد، لأنه يكفي المدعي ما أهمه، وتذكيره على أن الحساب والشهادة مما يتولاه الرجال أو على تأويل النفس بالشخص.\nمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها لا ينجي اهتداؤه غيره ولا يردي ضلاله سواه. وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ولا تحمل نفس حاملة وزرًا وزر نفس أخرى، بل إنما تحمل وزرها.\nوَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا يبين الحجج ويمهد الشرائع فيلزمهم الحجة، وفيه دليل على أن لا وجوب قبل الشرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1463>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٦]</span>\nوَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦)\nوَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً\nوإذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم لإنفاذ قضائنا السابق، أو دنا وقته المقدر كقولهم: إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة. أَمَرْنا مُتْرَفِيها\nمتنعميها بالطاعة على لسان رسول","vol":"3","page":250},{"text":"بعثناه إليهم، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده، فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة والتمرد في العصيان، فيدل على الطاعة من طريق المقابلة، وقيل أمرناهم بالفسق لقوله: فَفَسَقُوا فِيها\nكقولك أمرته فقرأ، فإنه لا يفهم منه إلا الأمر بالقراءة على أن الأمر مجاز من الحمل عليه، أو التسبب له بأن صب عليهم من النعم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق، ويحتمل أن لا يكون له مفعول منوي كقولهم: أمرته فعصاني. وقيل معناه كثرنا يقال: أمرت الشيء وآمرته فأمر إذا كثرته،\nوفي الحديث «خير المال سكة مأبورة، ومهرة مأمورة»\n، أي كثيرة النتاج. وهو أيضًا مجاز من معنى الطلب، ويؤيده قراءة يعقوب «آمرنا» ورواية أَمَرْنا\nعن أبي عمرو، ويحتمل أن يكون منقولًا من أمر بالضم أمارة أي جعلناهم أمراء، وتخصيص المترفين لأن غيرهم يتبعهم ولأنهم أسرع إلى الحماقة وأقدر على الفجور. فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ\nيعني كلمة العذاب السابقة بحلوله، أو بظهور معاصيهم أو بانهماكهم في المعاصي. فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا\nأهلكناها بإهلاك أهلها وتخريب ديارهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1464>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)\nوَكَمْ أَهْلَكْنا وكثيرًا أهلكنا. مِنَ الْقُرُونِ بيان لكم وتمييز له. مِنْ بَعْدِ نُوحٍ كعاد وثمود.\nوَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا يدرك بواطنها وظواهرها فيعاقب عليها، وتقديم الخبير لتقدم متعلقه.\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ مقصورًا عليها همه. عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإِرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واجد جميع ما يهواه وليعلم أن الأمر بالمشيئة والهم فضل. ولِمَنْ نُرِيدُ بدل من له بدل البعض. وقرئ «ما يشاء» والضمير فيه لله تعالى حتى يطابق المشهورة. وقيل لِمَنْ فيكون مخصوصًا بمن أراد الله تعالى به ذلك. وقيل الآية في المنافقين كانوا يراءون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها. ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا مطرودًا من رحمة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1465>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًاّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)\nوَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها حقها من السعي وهو الإِتيان بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه لا التقرب بما يخترعون بآرائهم. وفائدة اللام اعتبار النية والإِخلاص. وَهُوَ مُؤْمِنٌ إيمانًا صحيحًا لا شرك معه ولا تكذيب فإنه العمدة. فَأُولئِكَ الجامعون للشروط الثلاثة. كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا من الله تعالى أي مقبولًا عنده مثابا عليه، فطن شكر الله الثواب على الطاعة.\nكُلًّا كل واحد من الفريقين، والتنوين بدل من المضاف إليه. نُمِدُّ بالعطاء مرة بعد أخرى ونجعل آنفه مددًا لسالفه. هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ بدل من كُلًّا. مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ من معطاه متعلق ب نُمِدُّ. وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ممنوعًا لا يمنعه في الدنيا من مؤمن ولا كافر تفضلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1466>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nانْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لاَّ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)\nانْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ في الرزق، وانتصاب كَيْفَ ب فَضَّلْنا على الحال.","vol":"3","page":251},{"text":"وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا أي التفاوت في الآخرة أكبر، لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها.\nلاَّ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ الخطاب للرسول ﷺ والمراد به أمته أو لكل أحد. فَتَقْعُدَ فتصير من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة، أو فتعجز من قولهم قعد عن الشيء إذا عجز عنه. مَذْمُومًا مَخْذُولًا جامعًا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين والخذلان من الله تعالى، ومفهومه أن الموحد يكون ممدوحًا منصورا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1467>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٣]</span>\nوَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)\nوَقَضى رَبُّكَ وأمر أمرًا مقطوعا به. أَلَّا تَعْبُدُوا بأن لا تعبدوا. إِلَّا إِيَّاهُ لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإِنعام، وهو كالتفصيل لسعي الآخرة. ويجوز أن تكون أن مفسرة ولا ناهية. وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وبأن تحسنوا، أو وأحسنوا بالوالدين إحسانًا لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش، ولا يجوز أن تتعلق الباء بالإِحسان لأن صلته لا تتقدم عليه. إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما إِمَّا هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيدًا ولذلك صح لحوق النون المؤكدة للفعل، وأحدهما فاعل يَبْلُغَنَّ وبدل على قراءة حمزة والكسائي من ألف «يبلغان» الراجع إلى «الوالدين»، وكلاهما عطف على أحدهما فاعلًا أو بدلًا ولذلك لم يجز أن يكون تأكيدًا للألف، ومعنى عِنْدَكَ أن يكونا في كنفك وكفالتك. فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ فلا تتضجر مما يستقذر منهما وتستثقل من مؤنتهما، وهو صوت يدل على تضجر. وقيل هو اسم الفعل الذي هو أتضجر، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين وتنوينه في قراءة نافعٍ وحفص للتنكير. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالفتح على التخفيف. وقرئ به منونًا وبالضم للاتباع كمنذ منونًا وغير منون، والنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الايذاء قياسًا بطريق الأولى. وقيل عرفًا كقولك: فلان لا يملك النقير والقطمير، ولذلك منع رسول الله ﷺ حذيفة من قتل أبيه وهو في صف المشركين، نهى عما يؤذيهما بعد الأمر بالإِحسان بهما. وَلا تَنْهَرْهُما ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ.\nوقيل النهي والنهر والنهم أخوات. وَقُلْ لَهُما بدل التأفيف والنهر. قَوْلًا كَرِيمًا جميلًا لا شراسة فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1468>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٤]</span>\nوَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (٢٤)\nوَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ تذلل لهما وتواضع فيهما، وجعل للذل جناحًا كما جعل لبيد في قوله:\nوَغَدَاةَ رِيحٍ قَدْ كشفت وَقرة ... إِذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمَالِ زِمَامُهَا\nللشمال يدًا أو للقرة زمامًا، وأمره بخفضه مبالغة أو أراد جناحه كقوله تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وإضافته إلى الذل للبيان والمبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود، والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل. وقرئ «الذل» بالكسر وهو الانقياد والنعت منه ذلول. مِنَ الرَّحْمَةِ من فرط رحمتك عليهما لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله تعالى إليهما بالأمس. وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما وادع الله تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتف برحمتك الفانية وإن كانا كافرين لأن من الرحمة أن يهديهما. كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا رحمة مثل رحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري وفاء بوعدك للراحمين.\nروي: أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: إن أبوي بلغا من الكبر أني أَلي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما. قال: لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما) .","vol":"3","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1469>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٥]</span>\nرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)\nرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ من قصد البر إليهما واعتقاد ما يجب لهما من التوقير، وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالًا. إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ قاصدين للصلاح. فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ للتوابين.\nغَفُورًا ما فرط منهم عند حرج الصدر من أذية أو تقصير، وفيه تشديد عظيم، ويجوز أن يكون عامًا لكل تائب، ويندرج فيه الجاني على أبويه التائب من جنايته لوروده على أثره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1470>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)\nوَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ من صلة الرحم وحسن المعاشرة والبر عليهم. وقال أبو حنيفة: حقهم إذا كانوا محارم فقراء أن ينفق عليهم. وقيل المراد بذي القربى أقارب الرسول ﷺ. وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا بصرف المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الإِسراف، وأصل التبذير التفريق. «و\nعن النبي ﷺ أنه قال لسعد وهو يتوضأ: ما هذا السرف قال: أو في الوضوء سرف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار» .\nإِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أمثالهم في الشرارة فإن التضييع والاتلاف شر، أو أصدقاءهم وأتباعهم لأنهم يطيعونهم في الإِسراف والصرف في المعاصي.\nروي: أنهم كانوا ينحرون الإِبل ويتياسرون عليها ويبذرون أموالهم في السمعة، فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بالإِنفاق في القربات.\nوَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا مبالغًا في الكفر به فينبغي أن لا يطاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1471>[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٨]</span>\nوَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)\nوَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ وإن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد، ويجوز أن يراد بالإِعراض عنهم أن لا ينفعهم على سبيل الكناية. ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها لانتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك فتعطيه، أو منتظرين له وقيل معناه لفقد رزق من ربك ترجوه أن يفتح لك فوضع الابتغاء موضعه لأنه مسبب عنه، ويجوز أن يتعلق بالجواب الذي هو قوله تعالى: فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا أي فقل لهم قولًا لينًا ابتغاء رحمة الله برحمتك عليهم بإجمال القول لهم، والميسور من يسر الأمر مثل سَعُدَ الرَّجل ونحس، وقيل القول الميسور الدعاء لهم بالميسور وهو اليسر مثل أغناكم الله تعالى ورزقنا الله وإياكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1472>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nوَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)\nوَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر، نهى عنهما آمرًا بالاقتصاد بينهما الذي هو الكرم. فَتَقْعُدَ مَلُومًا فتصير ملومًا عند الله وعند الناس بالإِسراف وسوء التدبير. مَحْسُورًا نادمًا أو منقطعًا بك لا شيء عندك من حسرة السفر إذا بلغ منه.\nوعن جابر (بينا رسول الله ﷺ جالس أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعًا، فقال ﷺ من ساعة إلى ساعة فعد إلينا، فذهب إلى أمه فقالت: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل ﷺ داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانًا وأذن بلال وانتظروه للصلاة فلم يخرج فأنزل الله ذلك) ثم سلاه بقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ\nيوسعه ويضيقه بمشيئته التابعة للحكمة البالغة فليس ما يرهقك من الإِضافة إلا لمصلحتك. إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا يعلم سرهم وعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم، ويجوز أن يراد أن البسط","vol":"3","page":253},{"text":"والقبض من أمر الله تعالى العالم بالسرائر والظواهر، فأما العباد فعليهم أن يقتصدوا، أو أنه تعالى يبسط تارة ويقبض أخرى فاستنوا بسنته ولا تقبضوا كل القبض ولا تبسطوا كل البسط، وأن يكون تمهيدا لقوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1473>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣١]</span>\nوَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا (٣١)\nوَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ مخافة الفاقة، وقتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم مخافة الفقر فنهاهم عنه وضمن لهم أرزاقهم فقال: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا ذنبًا كبيرًا لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع، وال خِطْأً الإثم يقال خطئ خطأ كأثم إثمًا، وقرأ ابن عامر خِطْأً وهو اسم من اخطأ يضاد الصواب، وقيل لغة فيه كمثل ومثل وحذر وحذر. وقرأ ابن كثير «خطاء» بالمد والكسر وهو إما لغة فيه أو مصدر خاطأ وهو وإن لم يسمع لكنه جاء تخاطأ في قوله:\nتَخَاطَأَهُ القَناصُ حَتَّى وَجَدْتُه ... وَخَرْطُومُهُ فِي مَنْقعِ المَاءِ رَاسِب\nوهو مبني عليه وقرئ «خطاء» بالفتح والمد وخطا بحذف الهمزة مفتوحًا ومكسورًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1474>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٢]</span>\nوَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢)\nوَلا تَقْرَبُوا الزِّنى بالعزم والإِتيان بالمقدمات فضلًا عن أن تباشروه. إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً فعلة ظاهرة القبح زائدته. وَساءَ سَبِيلًا وبئس طريقًا طريقه، وهو الغصب على الابضاع المؤدي إلى قطع الأنساب وهيج الفتن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1475>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٣]</span>\nوَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣)\nوَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان: وزنا بعد إحصان، وقتل مؤمن معصوم عمدًا. وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا غير مستوجب للقتل. فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ للذي يلي أمره بعد وفاته وهو الوارث. سُلْطانًا تسلطًا بالمؤاخذة بمقتضى القتل على من عليه، أو بالقصاص على القاتل فإن قوله تعالى مَظْلُومًا بدل على أن القتل عمد عدوان فإن الخطأ لا يسمى ظلمًا. فَلا يُسْرِفْ أي القاتل. فِي الْقَتْلِ بأن يقتل من لا يستحق قتله، فإن العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك أو الولي بالمثلة، أو قتل غير القاتل ويؤيد الأول قراءة أبي «فلا تسرفوا» . وقرأ حمزة والكسائي «فلا تسرف» على خطاب أحدهما. إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا علة النهي على الاستئناف والضمير إما للمقتول فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله وفي الآخرة بالثواب، وإما لوليه فإن الله تعالى نصره حيث أوجب القصاص له وأمر الولاة بمعونته، وإما للذي يقتله الولي إسرافًا بإيجاب القصاص أو التعزير والوزر على المسرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1476>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٤]</span>\nوَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤)\nوَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ فضلًا أن تتصرفوا فيه. إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا بالطريقة التي هي أحسن.\nحَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ غاية لجواز التصرف الذي دل عليه الاستثناء. وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ بما عاهدكم الله من تكاليفه، أو ما عاهدتموه وغيره. إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا مطلوبًا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو مسؤولًا عنه يسأل الناكث ويعاتب عليه لم نكثت، أو يسأل العهد تبكيتًا للناكث كما يقال للموءودة بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، فيكون تخييلًا ويجوز أن يراد أن صاحب العهد كان مسؤولا.","vol":"3","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1477>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٥]</span>\nوَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)\nوَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ ولا تبخسوا فيه وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ بالميزان السوي، وهو رومي عرب ولا يقدح ذلك في عربية القرآن، لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإِعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيًا. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف هنا وفي «الشعراء» . ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا وأحسن عاقبة تفعيل من آل إذا رجع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1478>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٦]</span>\nوَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦)\nوَلا تَقْفُ ولا تتبع وقرئ «وَلاَ تَقْفُ» من قاف أثره إذا قفاه ومنه القافة. مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ما لم يتعلق به علمك تقليدًا أو رجمًا بالغيب، واحتج به من منع اتباع الظن وجوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند، سواء كان قطعًا أو ظنًا واستعماله بهذا المعنى سائغ شائع. وقيل إنه مخصوص بالعقائد. وقيل بالرمي وشهادة الزور ويؤيده\nقوله ﵊ «من قفا مؤمنًا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج» .\nوقول الكميت:\nوَلاَ أَرْمِي البَرِيء بِغَيْرِ ذَنْب ... وَلاَ أَقْفُو الحَواصِنَ إِنْ قفينا\nإِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ أي كل هذه الأعضاء فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها، هذا وإن أولاء وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لذا وهو يعم القبيلين جاء لغيرهم كقوله:\nوَالعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأَيَامِ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا في ثلاثتها ضمير كل أي كان كل واحد منها مسؤولًا عن نفسه، يعني عما فعل به صاحبه، ويجوز أن يكون الضمير في عنه لمصدر لا تَقْفُ أو لصاحب السمع والبصر. وقيل مَسْؤُلًا مسند إلى عَنْهُ كقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والمعنى يسأل صاحبه عنه، وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم، وفيه دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية. وقرئ وَالْفُؤادَ بقلب الهمزة واوًا بعد الضمة ثم إبدالها بالفتح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1479>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nوَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)\nوَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا أي ذا مرح وهو الاختيال. وقرئ مَرَحًا وهو باعتبار الحكم أبلغ وإن كان المصدر آكد من صريح النعت. إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ لن تجعل فيها خرقًا بشدة وطأتك. وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا بتطاولك وهو تهكم بالمختال، وتعليل للنهي بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى ليس في التذلل.\nكُلُّ ذلِكَ إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة. من قوله تعالى: لاَّ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنها المكتوبة في ألواح موسى ﵇. كانَ سَيِّئُهُ يعني المنهي عنه فإن المذكورات مأمورات ومناه. وقرأ الحجازيان والبصريان سَيِّئُهُ على أنها خبر كانَ والاسم ضمير كُلُّ، وذلِكَ إشارة إلى ما نهى عنه خاصة وعلى هذا قوله: عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا بدل من سَيِّئُهُ أو صفة لها محمولة على المعنى، فإنه بمعنى سيئا وقد قرئ به، ويجوز أن ينتصب مكروهًا على الحال من المستكن في كانَ أو في الظرف على أنه صفة سَيِّئُهُ، والمراد به المبغوض المقابل","vol":"3","page":255},{"text":"للمرضى لا ما يقابل المراد لقيام القاطع على أن الحوادث كلها واقعة بإرادته تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1480>[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٩]</span>\nذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)\nذلِكَ إشارة إلى الأحكام المتقدمة. مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به. وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، فإن من لا قصد له بطل عمله ومن قصد بفعله أو تركه غيره ضاع سعيه، وأنه رأس الحكمة وملاكها، ورتب عليه أولًا ما هو عائده الشرك في الدنيا وثانيًا ما هو نتيجته في العقبى فقال تعالى: فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا تلوم نفسك.\nمَدْحُورًا مبعدًا من رحمة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1481>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٠]</span>\nأَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)\nأَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ خطاب لمن قالوا الملائكة بنات الله، والهمزة للإنكار والمعنى: أفخصكم ربكم بأفضل الأولاد وهم البنون. وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا بنات لنفسه وهذا خلاف ما عليه عقولكم وعادتكم. إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا بإضافة الأولاد إليه، وهي خاصة بعض الأجسام لسرعة زوالها، ثم بتفضيل أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون ثم بجعل الملائكة الذين هم من أشرف خلق الله أدونهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1482>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)\nوَلَقَدْ صَرَّفْنا كررنا هذا المعنى بوجوه من التقرير. فِي هذَا الْقُرْآنِ في مواضع منه، ويجوز أن يراد بهذا القرآن إبطال إضافة البنات إليه على تقدير: ولقد صرفنا هذا القول في هذا المعنى أو أوقعنا التصريف فيه، وقرئ «صَرَفْنَا» بالتخفيف. لِيَذَّكَّرُوا ليتذكروا وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الفرقان لِيَذَّكَّرُوا من الذكر الذي هو بمعنى التذكر. وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا عن الحق وقلة طمأنينة إليه. قُلْ لَّوْ كان معه آلهة كما تَقُولُونَ أيها المشركون، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم بالياء فيه وفيما بعده على أن الكلام مع الرسول ﷺ، ووافقهما نافع وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب في الثانية على أن الأولى مما أمر الرسول ﷺ، أن يخاطب به المشركين، والثانية مما نزه به نفسه عن مقالتهم. إِذًا لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا جواب عن قولهم وجزاء ل لَوْ والمعنى: لطلبوا إلى من هو مالك الملك سبيلًا بالمعازة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، أو بالتقرب إليه والطاعة لعلمهم بقدرته وعجزهم كقولهم تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1483>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nسُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)\nسُبْحانَهُ ينزه تنزيهًا. وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا تعاليًا. كَبِيرًا متباعدًا غاية البعد عما يقولون، فإنه في أعلى مراتب الوجود وهو كونه واجب الوجود والبقاء لذاته، واتخاذ الولد من أدنى مراتبه فإنه من خواص ما يمتنع بقاؤه.\nتُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ينزهه عما هو من لوازم الإِمكان وتوابع الحدوث بلسان الحال حيث تدل بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم الواجب لذاته. وَلكِنْ","vol":"3","page":256},{"text":"لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ\nأيها المشركون لإِخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم تسبيحهم، ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك بين اللفظ والدلالة لإسناده إلى ما يتصور منه اللفظ وإلى ما لا يتصور منه وعليهما عند من جوز إطلاق اللفظ على معنييه. وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وأبو بكر «يسبح» بالياء. إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم. غَفُورًا لمن تاب منكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1484>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nوَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)\nوَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم.\nمَسْتُورًا ذا ستر كقوله تعالى: وَعْدُهُ مَأْتِيًّا وقولهم سيل مفعم، أو مستورًا عن الحس، أو بحجاب آخر لا يفهمون ولا يفهمون أنهم لا يفهمون نفى عنهم أن يفهموا ما أنزل عليهم من الآيات بعد ما نفي عنهم التفقه للدلالات المنصوبة في الأنفس والآفاق تقريرًا له وبيانًا لكونهم مطبوعين على الضلالة كما صرح به بقوله:\nوَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً تكنها وتحول دونها عن إدراك الحق وقبوله. أَنْ يَفْقَهُوهُ كراهة أن يفقهوه، ويجوز أن يكون مفعولًا لما دل عليه قوله: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أي منعناهم أن يفقهوه.\nوَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا يمنعهم عن استماعه. ولما كان القرآن معجزًا من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ. وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ واحدًا غير مشفوع به آلهتهم، مصدر وقع موقع الحال وأصله يحد وحده بمعنى واحدًا وحده. وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا هربًا من استماع التوحيد ونفرة أو تولية، ويجوز أن يكون جمع نافر كقاعد وقعود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1485>[سورة الإسراء (١٧): آية ٤٧]</span>\nنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)\nنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ بسببه ولأجله من الهزء بك وبالقرآن. إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ظرف ل أَعْلَمُ وكذا. وَإِذْ هُمْ نَجْوى أي نحن أعلم بغرضهم من الاستماع حين هم مستمعون إليك مضمرون له وحين هم ذوو نجوى يتناجون به، ونَجْوى مصدر ويحتمل أن يكون جمع نجى. إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا مقدر باذكر، أو بدل من إِذْ هُمْ نَجْوى على وضع الظَّالِمُونَ موضع الضمير للدلالة على أن تناجيهم بقولهم هذا من باب الظلم، والمسحور هو الذي سُحِرَ فزال عقله. وقيل الذي له سحر وهو الرئة أي إلا رجلًا يتنفس ويأكل ويشرب مثلكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1486>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)\nانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ مثلوك بالشاعر والساحر والكاهن والمجنون. فَضَلُّوا عن الحق في جميع ذلك. فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى طعن موجه فيتهافتون ويخبطون كالمتحير في أمره لا يدري ما يصنع أو إلى الرشاد. وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا حطامًا. أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا على الإِنكار والاستبعاد لما بين غضاضة الحي ويبوسة الرميم، من المباعدة والمنافاة، والعامل في إذا ما دل عليه مبعوثون لا نفسه لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها وخَلْقًا مصدر أو حال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1487>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nقُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)","vol":"3","page":257},{"text":"قُلِ جوابًا لهم. كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا.\nأَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ أي مما يكبر عندكم عن قبول الحياة لكونه أبعد شيء منها، فإن قدرته تعالى لا تقصر عن إحيائكم لاشتراك الأجسام في قبول الأعراض، فكيف إذا كنتم عظامًا مرفوتة وقد كانت غضة موصوفة بالحياة قبل والشيء أقبل لما عهد فيه مما لم يعهد. فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَكُنتم ترابًا وما هو أبعد منه من الحياة. فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ فسيحركونها نحوك تعجبًا واستهزاء. وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا فإن كل ما هو آت قريب، وانتصابه على الخبر أو الظرف أي يكون في زمان قريب، وأَنْ يَكُونَ اسم عَسى أو خبره والاسم مضمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1488>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٢]</span>\nيَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا (٥٢)\nيَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ أي يوم يبعثكم فتنبعثون، استعار لهما الدعاء والاستجابة للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما، وأن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء. بِحَمْدِهِ حال منهم أي حامدين الله تعالى على كمال قدرته كما قيل إنهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، أو منقادين لبعثه انقياد الحامدين عليه. وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا وتستقصرون مدة لبثكم في القبور كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ، أو مدة حياتكم لما ترون من الهول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1489>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nوَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)\nوَقُلْ لِعِبادِي يعني المؤمنين. يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الكلمة التي هي أحسن ولا يخاشنوا المشركين. إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ يهيج بينهم المراء والشر فلعل المخاشنة بهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد. إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا ظاهر العداوة.\nرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ تفسير ل الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وما بينهما اعتراض أي قولوا لهم هذه الكلمة ونحوها ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار، فإنه يهيجهم على الشر مع أن ختام أمرهم غيب لا يعلمه إلا الله. وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا موكولًا إليك أمرهم تقسرهم على الإِيمان وإنما أرسلناك مبشرًا ونذيرًا فدارهم ومر أصحابك بالاحتمال منهم.\nوروي أن المشركين أفرطوا في إيذائهم فشكوا إلى رسول الله ﷺ فنزلت.\nوقيل شتم عمر رضي الله تعالى عنه رجل منهم فهم به فأمره الله بالعفو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1490>[سورة الإسراء (١٧): آية ٥٥]</span>\nوَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (٥٥)\nوَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وبأحوالهم فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء، وهو رد لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيًا، وأن يكون العراة الجوع أصحابه. وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ بالفضائل النفسانية والتبري عن العلائق الجسمانية، لا بكثرة الأموال والأتباع حتى داود ﵇ فإن شرفه بما أوحى إليه من الكتاب لا بما أوتيه من الملك. قيل هو إشارة إلى تفضيل رسول الله ﷺ وقوله: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا تنبيه على وجه تفضيله وهو أنه خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم المدلول عليه بما كتب في الزبور من أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وتنكيره ها هنا وتعريفه في قوله: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ لأنه في الأصل فعول للمفعول كالحلوب، أو المصدر كالقبول ويؤيده قراءة حمزة بالضم وهو","vol":"3","page":258},{"text":"كالعباس أو الفضل، أو لأن المراد وآتينا داود بعض الزبر، أو بعضًا من الزبور فيه ذكر الرسول ﵊.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1491>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nقُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا (٥٧)\nقُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنها آلهة. مِنْ دُونِهِ كالملائكة والمسيح وعزير. فَلا يَمْلِكُونَ فلا يستطيعون. كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ كالمرض والفقر والقحط. وَلا تَحْوِيلًا ولا تحويل ذلك منكم إلى غيركم.\nأُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ هؤلاء الآلهة يبتغون إلى الله القرابة بالطاعة. أَيُّهُمْ أَقْرَبُ بدل من واو يَبْتَغُونَ أي يبتغي من هو أقرب منهم إلى الله الوسيلة فكيف بغير الأقرب. وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ كسائر العباد فكيف تزعمون أنهم آلهة. إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا حقيقًا بأن يحذره كل أحد حتى الرسل والملائكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1492>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nوَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٥٨) وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا (٥٩)\nوَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ بالموت والاستئصال. أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا بالقتل وأنواع البلية. كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ في اللوح المحفوظ. مَسْطُورًا مكتوبًا.\nوَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ وما صرفنا عن إرسال الآيات التي اقترحها قريش. إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ إلا تكذيب الأولين الذين هم أمثالهم في الطبع كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك، واستوجبوا الاستئصال على ما مضت به سنتنا وقد قضينا أن لا نستأصلهم، لأن منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن. ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة فقال:\nوَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ بسؤالهم. مُبْصِرَةً بينة ذات أبصار أو بصائر، أو جاعلتهم ذوي بصائر وقرئ بالفتح. فَظَلَمُوا بِها فكفروا بها، أو فظلموا أنفسهم بسبب عقرها. وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ أي بالآيات المقترحة. إِلَّا تَخْوِيفًا من نزول العذاب المستأصل، فإن لم يخافوا نزل أو بغير المقترحة كالمعجزات وآيات القرآن إلا تخويفًا بعذاب الآخرة، فإن أمر من بعثت إليهم مؤخر إلى يوم القيامة، والباء مزيدة أو في موقع الحال والمفعول محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1493>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٠]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا (٦٠)\nوَإِذْ قُلْنا لَكَ واذكر إذ أوحينا إليك. إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ فهم في قبضة قدرته، أو أحاط بقريش بمعنى أهلكهم من أحاط بهم العدو، فهي بشارة بوقعة بدر والتعبير بلفظ الماضي لتحقق وقوعه، وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ليلة المعراج وتعلق به من قال أنه كان في المنام، ومن قال إنه كان في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية. أو عام الحديبية حين رأى أنه دخل مكة. وفيه أن الآية مكية إلا أن يقال رآها بمكة وحكاها حينئذ،","vol":"3","page":259},{"text":"ولعله رؤيا رآها في وقعة بدر لقوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا ولما\nروي (أنه لما ورد ماءه قال لكأني أنظر إلى مصارع القوم هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، فتسامعت به قريش واستسخروا منه) .\nوقيل رأى قومًا من بني أمية يرقون منبره وينزون عليه نزو القردة فقال: «هذا حظهم من الدنيا يعطونه بإسلامهم»، وعلى هذا كان المراد بقوله: إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ما حدث في أيامهم. وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ عطف على الرُّؤْيَا وهي شجرة الزقوم، لما سمع المشركون ذكرها قالوا إن محمدًا يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول ينبت فيها الشجر، ولم يعلموا أن من قدر أن يحمي وبر السَمَنْدَل من أن تأكله النار، وأحشاء النعامة من أذى الجمر وقطع الحديد المحماة الحمر التي تبتلعها، قدر أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها. ولعنها في القرآن لعن طاعميها وصفت به على المجاز للمبالغة، أو وصفها بأنها في أصل الجحيم فإنه أبعد مكان من الرحمة، أو بأنها مكروهة مؤذية من قولهم طعام ملعون لما كان ضارًا، وقد أولت بالشيطان وأبي جهل والحكم بن أبي العاصي، وقرأت بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي والشجرة الملعونة في القرآن كذلك. وَنُخَوِّفُهُمْ بأنواع التخويف. فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا إلا عتوًا متجاوز الحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1494>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا (٦٢)\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا لمن خلقته من طين، فنصب بنزع الخافض، ويجوز أن يكون حالًا من الراجع إلى الموصول أي خلقته وهو طين، أو منه أي أأسجد له وأصله طين. وفيه على الوجوه الثلاثة إيماء بعلة الإنكار.\nقالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ الكاف لتأكيد الخطاب لا محل له من الإِعراب، وهذا مفعول أول والذي صفته والمفعول الثاني محذوف لدلالة صلته عليه، والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسجود له لم كرمته علي. لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كلام مبتدأ واللام موطئة للقسم وجوابه: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا أي لأستأصلنهم بالاغواء إلا قليلًا لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم، من أحتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلًا، مأخوذ من الحنك وإنما علم أن ذلك يتسهل له إما استنباطًا من قول الملائكة أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها مع التقرير، أو تفرسًا من خلقه ذا وهم وشهوة وغضب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1495>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nقالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا (٦٤)\nقالَ اذْهَبْ امض لما قصدته وهو طرد وتخلية بينه وبين ما سولت له نفسه. فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب على الغائب، ويجوز أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات. جَزاءً مَوْفُورًا مكملًا من قولهم فر لصاحبك عرضه، وانتصاب جزاء على المصدر بإضمار فعله أو بما في جَزاؤُكُمْ من معنى تجازون، أو حال موطئة لقوله مَوْفُورًا.\nوَاسْتَفْزِزْ واستخفف. مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ أن تستفزه والفز الخفيف. بِصَوْتِكَ بدعائك إلى الفساد. وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ وصح عليهم من الجلبة وهي الصياح. بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ بأعوانك من راكب وراجل، والخيل الخيالة ومنه\nقوله ﵊ «يا خيل الله اركبي»\nوالرجل اسم جمع للراجل","vol":"3","page":260},{"text":"كالصحب والركب، ويجوز أن يكون تمثيلًا لتسلطه على من يغويه بمغوار صوت على قوم فاستفزهم من أماكنهم وأجلب عليهم بجنده حتى استأصلهم. وقرأ حفص وَرَجِلِكَ بالكسر وغيره بالضم وهما لغتان كندس وندس ومعناه: وجمعك الرجل. وقرئ «ورجالك» «ورجالك» . وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام والتصرف فيها على ما لا ينبغي. وَالْأَوْلادِ بالحث على التوصل إلى الولد بالسبب المحرم، والإِشراك فيه بتسميته عبد العزيز، والتضليل بالحمل على الأديان الزائغة والحرف الذميمة والأفعال القبيحة. وَعِدْهُمْ المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة والاتكال على كرامة الآباء وتأخير التوبة لطول الأمل. وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا اعتراض لبيان مواعيده الباطلة، والغرور تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1496>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٥]</span>\nإِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)\nإِنَّ عِبادِي يعني المخلصين، وتعظيم الإِضافة والتقييد في قوله: إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ يخصصهم لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أي على إغوائهم قدرة. وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا يتوكلون عليه في الاستعاذة منك على الحقيقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1497>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nرَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا (٦٧)\nرَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي هو الذي يجري. لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ الريح وأنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم. إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل عليكم ما تعسر من أسبابه.\nوَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ خوف الغرق. ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ ذهب عن خواطركم كل من تدعونه في حوادثكم. إِلَّا إِيَّاهُ وحده فإنكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه فلا تدعون لكشفه إلا إياه، أو ضل كل من تعبدونه عن إغاثتكم إلا الله. فَلَمَّا نَجَّاكُمْ من الغرق. إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ عن التوحيد. وقيل اتسعتم في كفران النعمة كقول ذي الرمة:\nعَطَاء فَتَى تَمَكَّنَ فِي المَعَالي ... فَأَعْرَضَ فِي المَكَارِمِ وَاسْتَطَالاَ\nوَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا كالتعليل للإعراض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1498>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٨]</span>\nأَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)\nأَفَأَمِنْتُمْ الهمزة فيه للإِنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره: أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإِعراض، فإن من قدر أن يهلككم في البحر بالغرق قادر أن يهلككم في البر بالخسف وغيره. أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أن يقلبه الله وأنتم عليه، أو يقلبه بسببكم فبكم حال أو صلة ليخسف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنون فيه وفي الأربعة التي بعده، وفي ذكر الجانب تنبيه على أنهم لما وصلوا الساحل كفروا وأعرضوا وأن الجوانب والجهات في قدرته سواء لا معقل يؤمن فيه من أسباب الهلاك. أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ريحًا تحصب أي ترمي بالحصباء ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا يحفظكم من ذلك فإنه لا راد لفعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1499>[سورة الإسراء (١٧): آية ٦٩]</span>\nأَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)","vol":"3","page":261},{"text":"أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ في البحر. تارَةً أُخْرى بخلق دواع تلجئكم إلى أن ترجعوا فتركبوه.\nفَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ لا تمر بشيء إلا قصفته أي كسرته. فَيُغْرِقَكُمْ وعن يعقوب بالتاء على إسناده إلى ضمير الرِّيحِ. بِما كَفَرْتُمْ بسبب إشراككم أو كفرانكم نعمة الإِنجاء. ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا مطالبًا يتبعنا بانتصار أو صرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1500>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٠]</span>\nوَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠)\nوَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ بحسن الصورة والمزاج الأعدل واعتدال القامة والتمييز بالعقل والإِفهام بالنطق والإِشارة والخط والتهدي، أو أسباب المعاش والمعاد والتسلط على ما في الأرض والتمكن من الصناعات وانسياق الأسباب والمسببات العلوية والسفلية إلى ما يعود عليهم بالمنافع إلى غير ذلك مما يقف الحصر دون إحصائه ومن ذلك ما ذكره ابن عباس وهو أن كل حيوان يتناول طعامه بفيه إلا الإنسان فإنه يرفعه إليه بيده وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ على الدواب والسفن من حملته حملا إذا جعلت له ما يركبه أو حملناهم فيهما حتى لم تخسف بهم الأرض ولم يغرقهم الماء وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ المستلذات مما يحصل بفعلهم وبغير فعلهم. وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا بالغلبة والاستيلاء أو بالشرف والكرامة، والمستثنى جنس الملائكة عليهم الصلاة والسلام أو الخواص منهم، ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس عدم تفضيل بعض أفراده والمسألة موضع نظر، وقد أول الكثير بالكل وفيه تعسف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1501>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧١]</span>\nيَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)\nيَوْمَ نَدْعُوا نصب بإضمار اذكر أو ظرف لما دل عليه وَلا يُظْلَمُونَ، وقرئ «يدعو» و«يدعي» و«يدعو» على قلب الألف واوًا في لغة من يقول أفعو في أفعى، أو على أن الواو علامة الجمع كما في قوله:\nوَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أو ضميره وكل بدل منه والنون محذوفة لقلة المبالاة بها فإنها ليست إلا علامة الرفع، وهو قد يقدر كما في «يدعي» . كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب أو دين. وقيل بكتاب أعمالهم التي قدموها فيقال يا صاحب كتاب كذا، أي تنقطع علقة الأنساب وتبقى نسبة الأعمال. وقيل بالقوى الحاملة لهم على عقائدهم وأفعالهم. وقيل بأمهاتهم جمع أم كخف وخفاف، والحكمة في ذلك، إجلال عيسى ﵇ وإظهار شرف الحسن والحسين ﵄، وأن لا يفتضح أولاد الزنا. فَمَنْ أُوتِيَ من المدعوين. كِتابَهُ بِيَمِينِهِ أي كتاب عمله. فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ ابتهاجًا وتبجحًا بما يرون فيه. وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ولا ينقصون من أجورهم أدنى شيء، وجمع اسم الإشارة والضمير لأن من أوتي في معنى الجمع، وتعليق القراءة بإيتاء الكتاب باليمين يدل على أن مَنْ أُوتِىَ كتابه بِشِمَالِهِ إذا اطلع على ما فيه غشيهم من الخجل والحيرة ما يحبس ألسنتهم عن القراءة، ولذلك لم يذكرهم مع أن قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1502>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٢]</span>\nوَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)\nوَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى أيضًا مشعر بذلك فإن الأعمى لا يقرأ الكتاب، والمعنى ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب لا يبصر رشده كان في الآخرة أعمى لا يرى طريق النجاة. وَأَضَلُّ سَبِيلًا منه في الدنيا لزوال الاستعداد وفقدان الآلة والمهلة. وقيل لأن الاهتداء بعد لا ينفعه والأعمى مستعار","vol":"3","page":262},{"text":"من فاقد الحاسة. وقيل الثاني للتفضيل من عمي بقلبه كالأجهل والأبله ولذلك لم يمله أبو عمرو ويعقوب، فإن أفعل التفضيل تمامه بمن فكانت ألفه في حكم المتوسطة كما في أعمالكم بخلاف النعت، فإن ألفه واقعة في الطرف لفظًا وحكمًا فكانت معرضة للامالة من حيث إنها تصير ياء في التثنية، وقد أمالهما حمزة والكسائي وأبو بكر، وقرأ ورش بين بين فيهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1503>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٣]</span>\nوَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)\nوَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ نزلت في ثقيف قالوا لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالًا نفتخر بها على العرب لا نعشر ولا نحشر ولا نجبى في صلاتنا، وكل ربًا لنا فهو لنا وكل ربًا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإن قالت العرب لم فعلت ذلك فقل إن الله أمرني.\nوقيل في قريش قالوا لا نمكنك من استلام الحجر حتى تلم بآلهتنا وتمسها بيدك. وإن هي المخففة واللام هي الفارقة والمعنى: أن الشأن قاربوا بمبالغتهم أن يوقعوك في الفتنة بالاستنزال. عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ من الأحكام لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ غير ما أوحينا إليك. وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك بافتتانك وليًا لهم بريئًا من ولايتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1504>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nوَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥)\nوَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ ولولا تثبيتنا إياك. لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا لقاربت أن تميل إلى اتباع مرادهم، والمعنى أنك كنت على صدد الركون إليهم لقوة خدعهم وشدة احتيالهم لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب من الركون فضلًا أن تركن إليهم، وهو صريح في أنه ﵊ ما هَمَّ بإجابتهم مع قوة الدواعي إليها، ودليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه.\nإِذًا لَأَذَقْناكَ أي لو قاربت لأذقناك. ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ضعف ما نعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك لأن خطأ الخطير أخطر، وكان أصل الكلام عذابًا ضعفًا في الحياة وعذابًا ضعفًا في الممات بمعنى مضاعفًا، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت كما يضاف موصوفها. وقيل الضعف من أسماء العذاب. وقيل المراد ب ضِعْفَ الْحَياةِ عذاب الآخرة وَضِعْفَ الْمَماتِ عذاب القبر. ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا يدفع العذاب عنك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1505>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٦ الى ٧٧]</span>\nوَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (٧٧)\nوَإِنْ كادُوا وإن كاد أهل مكة. لَيَسْتَفِزُّونَكَ ليزعجوك بمعاداتهم. مِنَ الْأَرْضِ أرض مكة.\nلِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ ولو خرجت لا يبقون بعد خروجك. إِلَّا قَلِيلًا إلا زمانًا قليلًا، وقد كان كذلك فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته بسنة. وقيل الآية: نزلت في اليهود حسدوا مقام النبي بالمدينة فقالوا: الشام مقام الأنبياء فإن كنت نبيًا فالحق بها حتى نؤمن بك، فوقع ذلك في قلبه فخرج مرحلة فنزلت، فرجع ثم قتل منهم بنو قريظة وأجلي بنو النضير بقليل. وقرئ «لا يلبثوا» منصوبًا ب إِذًا على أنه معطوف على جملة قوله: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ لا على خبر كاد فإن إذا لا تعمل إذا كان معتمد ما بعدها على ما قبلها وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وحفص خِلافَكَ وهو لغة فيه قَالَ الشاعر:\nعفت الدَّيَار خِلافَهُمْ فَكَأَنَّمَا ... بسط الشَّوَاطِبَ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا","vol":"3","page":263},{"text":"سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا نصب على المصدر أي سن الله ذلك سنة، وهو أن يهلك كل أمة أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم، فالسنة لله وإضافتها إلى الرسل لأنها من أجلهم ويدل عليه. وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا أي تغييرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1506>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٨]</span>\nأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨)\nأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ لزوالها ويدل عليه\nقوله ﵊ «أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر» .\nوقيل لغروبها وأصل التركيب للانتقال ومنه الدالك فإن الدالك لا تستقر يده، وكذا كل ما تركب من الدال واللام: كدلج ودلح ودلع ودلف ودله. وقيل الدلوك من الدلك لأن الناظر إليها يدلك عينيه ليدفع شعاعها، واللام للتأقيت مثلها في: لثلاث خلون إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ إلى ظلمته وهو وقت صلاة العشاء الأخيرة. وَقُرْآنَ الْفَجْرِ وصلاة الصبح، سميت قرآنًا لأنه ركنها كما سميت ركوعًا وسجودًا، واستدل به على وجوب القراءة فيها ولا دليل فيه لجواز أن يكون التجوز لكونها مندوبة فيها، نعم لو فسر بالقراءة في صلاة الفجر دل الأمر بإقامتها على الوجوب فيها نصًا وفي غيرها قياسًا. إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، أو شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء والنوم الذي هو أخو الموت بالانتباه أو كثير من المصلين أو من حقه أن يشهده الجم الغفير، والآية جامعة للصلوات الخمس إن فسر الدلوك بالزوال ولصلوات الليل وحدها إن فسر بالغروب. وقيل المراد بالصلاة صلاة المغرب وقوله لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ بيان لمبدأ الوقت ومنتهاه، واستدل به على أن الوقت يمتد إلى غروب الشفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1507>[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٩]</span>\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩)\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ وبعض الليل فاترك الهجود للصلاة والضمير لل قُرْآنَ. نافِلَةً لَكَ فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة، أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه بك. عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا\nمقامًا يحمده القائم فيه وكل من عرفه، وهو مطلق في كل مقام يتضمن كرامة والمشهور أنه مقام الشفاعة. لما\nروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه ﵊ قال: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي»\nولإِشعاره بأن الناس يحمدونه لقيامه فيه وما ذاك إلا مقام الشفاعة، وانتصابه على الظرف بإضمار فعله أي فيقيمك مقامًا أو بتضمين يَبْعَثَكَ معناه، أو الحال بمعنى أن يبعثك ذا مقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1508>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nوَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (٨١)\nوَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي أي في القبر. مُدْخَلَ صِدْقٍ إِدخالًا مرضيًا. وَأَخْرِجْنِي أي منه عند البعث.\nمُخْرَجَ صِدْقٍ إخراجًا ملقى بالكرامة. وقيل المراد إدخال المدينة والإخراج من مكة. وقيل إدخاله مكة ظاهرًا عليها وإخراجه منها آمنًا من المشركين. وقيل إدخاله الغار وإخراجه منه سالمًا. وقيل إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة وإخراجه منه مؤديًا حقه. وقيل إدخاله في كل ما يلابسه من مكان أو أمر وإخراجه منه.\nوقرئ «مُدْخَلَ» و«مُخْرَجَ» بالفتح على معنى أدخلني فأدخل دخولًا وأخرجني فأخرج خروجًا. وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا حجة تنصرني على من خالفني أو ملكًا ينصر الإِسلام على الكفر، فاستجاب له بقوله: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ. وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ الإسلام وَزَهَقَ الْباطِلُ وذهب وهلك الشرك من زهق روحه إذا خرج. إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا","vol":"3","page":264},{"text":"مضمحلًا غير ثابت،\nعن ابن مسعود ﵁ (أنه ﵊ دخل مكة يوم الفتح وفيها ثلاثمائة وستون صنمًا ينكت بمخصرته في عين كل واحد منها فيقول جاء الحق وزهق الباطل، فينكب لوجهه حتى ألقى جميعها وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من صفر فقال: يا علي ارم به فصعد فرمى به فكسره) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1509>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٢]</span>\nوَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسارًا (٨٢)\nوَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ما هو في تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم كالدواء الشافي للمرضى، ومِنَ للبيان فإن كله كذلك. وقيل إنه للتبعيض والمعنى أن منه ما يشفي من المرض كالفاتحة وآيات الشفاء. وقرأ البصريان نُنَزِّلُ بالتخفيف. وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا لتكذيبهم وكفرهم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1510>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٣ الى ٨٤]</span>\nوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (٨٤)\nوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ بالصحة والسعة أَعْرَضَ عن ذكر الله. وَنَأى بِجانِبِهِ لوى عطفه وبعد بنفسه عنه كأنه مستغن مستبد بأمره، ويجوز أن يكون كناية عن الاستكبار لأنه من عادة المستكبرين، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان هنا وفي «فصلت» وناء على القلب أو على أنه بمعنى نهض. وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ من مرض أو فقر. كانَ يَؤُسًا شديد اليأس من روح الله.\nقُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ قل كل أحد يعمل على طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة، أو جوهر روحه وأحواله التابعة لمزاج بدنه. فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا أسد طريقًا وأبين منهجًا، وقد فسرت الشاكلة بالطبيعة والعادة والدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1511>[سورة الإسراء (١٧): آية ٨٥]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا (٨٥)\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبره. قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي من الإبداعيات الكائنة بكن من غير مادة وتولد من أصل كأعضاء جسده، أو وجد بأمره وحدث بتكوينه على أن السؤال عن قدمه وحدوثه. وقيل مما استأثر الله بعلمه. لما\nروي: أن اليهود قالوا لقريش سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة.\nوقيل الروح جبريل وقيل خلق أعظم من الملك وقيل القرآن، ومن أمر ربي معناه من وحيه. وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا تستفيدونه بتوسط حواسكم، فإن اكتساب العقل للمعارف النظرية. إنما هو من الضروريات المستفادة من إحساس الجزئيات، ولذلك قيل من فقد حسًا فقد فقد علمًا. ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس ولا شيئًا من أحواله المعروفة لذاته، وهو إشارة إلى أن الروح مما لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به، فلذلك اقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى في جواب: وما رب العالمين بذكر بعض صفاته.\nروي: أنه ﵊ لما قال لهم ذلك قالوا: أنحن مختصون بهذا الخطاب؟ فقال: بل نحن وأنتم، فقالوا: ما أعجب شأنك ساعة تقول وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا\n. وساعة تقول هذا فنزلت\nوَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وما قالوه لسوء فهمهم لأن الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير والحق ما تسعه القوة البشرية بل ما ينتظم به معاشه ومعاده، وهو بالإضافة إلى معلومات الله التي لا نهاية لها قليل ينال به خير الدارين وهو بالإضافة إليه كثيرا.","vol":"3","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1512>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nوَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)\nوَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ اللام الأولى موطئة للقسم ولَنَذْهَبَنَّ جوابه النائب مناب جزاء الشرط. والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا من يتوكل علينا استرداده مسطورًا محفوظًا.\nإِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فإنها إن نالتك فلعلها تسترده عليك، ويجوز أن يكون استثناء منقطعًا بمعنى ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، فيكون امتنانًا بابقائه بعد المنة في تنزيله. إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا كإرساله وإنزال الكتاب عليه وإبقائه في حفظه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1513>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nقُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (٨٩)\nقُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ في البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى.\nلاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وفيهم العرب العرباء وأَرباب البيان وأهل التحقيق، وهو جواب قسم محذوف دل عليه اللام الموطئة، ولولا هي لكان جواب الشرط بلا جزم لكون الشرط ماضيًا كقول زهير:\nوإن أتاه خليل يوم مَسْأَلَة ... يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالي وَلاَ حَرَمُ\nوَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ولو تظاهروا على الإِتيان به، ولعله لم يذكر الملائكة لأن إتيانهم بمثله لا يخرجه عن كونه معجزًا، ولأنهم كانوا وسائط في إتيانه، ويجوز أن تكون الآية تقريرًا لقوله: ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا.\nوَلَقَدْ صَرَّفْنا كررنا بوجوه مختلفة زيادة في التقرير والبيان. لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ من كل معنى هو كالمثل في غرابته ووقوعه موقعها في الأنفس. فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا إلا جحودًا، وإنما جاز ذلك ولم يجز: ضربت إلا زيدًا لأنه متأول بالنفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1514>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٠ الى ٩١]</span>\nوَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا (٩١)\nوَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا تعنتًا واقتراحًا بعد ما لزمتهم الحجة ببيان إعجاز القرآن وانضمام غيره من المعجزات إليه. وقرأ الكوفيون ويعقوب تَفْجُرَ بالتخفيف والأرض أرض مكة والينبوع عين لا ينضب ماؤها يفعول من نبع الماء كيعبوب من عب الماء إذا زخر.\nأَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا أو يكون لك بستان يشتمل على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1515>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٢ الى ٩٣]</span>\nأَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)\nأَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا يعنون قوله تعالى: أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ وهو كقطع لفظًا ومعنى، وقد سكنه ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب في جميع القرآن إلا في «الروم»","vol":"3","page":266},{"text":"وابن عامر إلا في هذه السورة، وأبو بكر ونافع في غيرهما وحفص فيما عدا «الطور»، وهو إما مخفف من المفتوح كسدرة وسدر أو فعل بمعنى مفعول كالطحن. أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا كفيلًا بما تدعيه أي شاهدًا على صحته ضامنًا لدركه، أو مقابلًا كالعشير بمعنى المعاشر وهو حال من الله وحال الملائكة محذوفة لدلالتها عليها كما حذف الخبر في قوله: فإنِّي وَقَيَّارٌ بها لَغَرِيبُ. أو جماعة فيكون حالا من الْمَلائِكَةِ.\nأَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ من ذهب وقد قرئ به وأصله الزينة. أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ في معارجها. وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ وحده. حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ وكان فيه تصديقك. قُلْ سُبْحانَ رَبِّي تعجبا من اقتراحاتهم أو تنزيها لله من أن يأتي أو يتحكم عليه أو يشاركه أحد في القدرة، وقرأ ابن كثير وابن عامر: «قال سبحان ربي» أي قال الرسول: هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا كسائر الناس. رَسُولًا كسائر الرسل وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم على ما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم ولا لهم أن يتحكموا على الله حتى تتخيروها علي هذا هو الجواب المجمل وأما التفصيل فقد ذكر في آيات أخر كقوله: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ، وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1516>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٤ الى ٩٥]</span>\nوَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)\nوَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى أي وما منعهم الإيمان بعد نزول الوحي وظهور الحق.\nإِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا إلا قولهم هذا، والمعنى أنه لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن إلا أنكارهم أن يرسل الله بشرًا.\nقُلْ جوابًا لشبهتهم. لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ كما يمشي بنو آدم. مُطْمَئِنِّينَ ساكنين فيها. لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه، وأما الإِنس فعامتهم عماة عن إدراك الملك والتلقف منه، فإن ذلك مشروط بنوع من التناسب والتجانس، وملكًا يحتمل أن يكون حالًا من رسولًا وأن يكون موصوفًا به وكذلك بشرًا والأول أوفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1517>[سورة الإسراء (١٧): آية ٩٦]</span>\nقُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)\nقُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على أنى رسول الله إليكم بإظهاره المعجزة على وفق دعواي، أو على أني بلغت مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم وأنكم عاندتم وشهيدًا نصب على الحال أو التمييز. إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا يعلم أحوالهم الباطنة منها والظاهرة فيجازيهم عليها، وفيه تسلية للرسول ﷺ وتهديد للكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1518>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٧ الى ٩٨]</span>\nوَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)\nوَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ يهدونه. وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ يسحبون عليها أو يمشون بها.\nروي (أنه قيل لرسول الله ﷺ كيف يمشون على وجوههم قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وُجُوهِهِمْ)\nعُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم، لأنهم في دنياهم لم يستبصروا بالآيات والعبر وتصاموا عن استماع الحق وأبوا أن ينطقوا بالصدق، ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى","vol":"3","page":267},{"text":"النار مؤفي القوى والحواس. مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ سكن لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم. زِدْناهُمْ سَعِيرًا توقدًا بأن نبدل جلودهم ولحومهم فتعود ملتهبة مستعرة، كأنهم لما كذبوا بالإِعادة بعد الإِفناء جزاهم الله بأن لا يزالوا على الإِعادة والإِفناء وإليه أشار بقوله:\nذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا لأن الإِشارة إلى ما تقدم من عذابهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1519>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٩ الى ١٠٠]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا (١٠٠)\nأَوَلَمْ يَرَوْا أو لم يعلموا. أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ فإنهم ليسوا أشد خلقًا منهن ولا الإعادة أصعب عليه من الإبداء. وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لاَّ رَيْبَ فِيهِ هو الموت أو القيامة. فَأَبَى الظَّالِمُونَ مع وضوح الحق. إِلَّا كُفُورًا إلا جحودًا.\nقُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي خزائن رزقه وسائر نعمه، وأنتم مرفوع بفعل يفسره ما بعده كقول حاتم: لو ذات سوار لطمتني. وفائدة هذا الحذف والتفسير المبالغة مع الإِيجاز والدلالة على الاختصاص. إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ لبخلتم مخافة النفاد بالإنفاق إذ لا أحد إلا ويختار النفع لنفسه ولو آثر غيره بشيء فإنما يؤثره لعوض يفوقه فهو إذن بخيل بالإضافة إلى جود الله تعالى وكرمه هذا وإن البخلاء أغلب فيهم. وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا بخيلًا لأن بناء أمره على الحاجة والضنة بما يحتاج إليه وملاحظة العوض فيما يبذله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1520>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠١]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (١٠١)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفجار الماء من الحجر وانفلاق البحر ونتق الطور على بني إسرائيل. وقيل الطوفان والسنون ونقص الثمرات مكان الثلاثة الأخيرة.\nوعن صفوان أن يهوديًا سأل النبي ﷺ عنها فقال: أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لاَ تَعْدُواْ فِي السبت، فقبل اليهودي يده ورجله.\nفعلى هذا المراد بالآيات الأحكام العامة للملل الثابتة في كل الشرائع، سميت بذلك لأنها تدل على حال من يتعاطى متعلقها في الآخرة من السعادة أو الشقاوة.\nوقوله وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا\n، حكم مستأنف زائد على الجواب ولذلك غير فيه سياق الكلام. فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فقلنا له سلهم من فرعون ليرسلهم معك، أو سلهم عن حال دينهم ويؤيده قراءة رسول الله ﷺ «فسأَل» على لفظ المضي بغير همز وهو لغة قريش وإِذْ متعلق بقلنا أو سأل على هذه القراءة أو فاسأل يا محمد بني إسرائيل عما جرى بين موسى وفرعون إذ جاءهم، أو عن الآيات ليظهر للمشركين صدقك أو لتتسلى نفسك، أو لتعلم أنه تعالى لو أتى بما اقترحوا لأصروا على العناد والمكابرة كمن قبلهم، أو ليزداد يقينك لأن تظاهر الأدلة يوجب قوة اليقين وطمأنينة القلب وعلى هذا كان إِذْ نصبا ب آتَيْنا أو بإضمار يخبروك على أنه جواب الأمر، أو بإضمار اذكر على الاستئناف. فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا سحرت فتخبط عقلك.","vol":"3","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1521>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٢]</span>\nقالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)\nقالَ لَقَدْ عَلِمْتَ يا فرعون وقرأ الكسائي بالضم على إخباره عن نفسه. مَا أَنْزَلَ هؤُلاءِ يعني الآيات. إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ بينات تبصرك صدقي ولكنك تعاند وانتصابه على الحال. وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا مصروفًا عن الخير مطبوعًا على الشر من قولهم: ما ثبرك عن هذا، أي ما صرفك أو هالكًا قارع ظنه بظنه وشتان ما بين الظنين فإن ظن فرعون كذب بحت وظن موسى يحوم حول اليقين من تظاهر أماراته. وقرئ «وإن أخالك يا فرعون لمثبورًا» على إن المخففة واللام هي الفارقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1522>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]</span>\nفَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)\nفَأَرادَ فرعون. أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ أن يستخف موسى وقومه وينفيهم. مِنَ الْأَرْضِ أرض مصر أو الأرض مطلقًا بالقتل والاستئصال. فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا فعكسنا عليه مكره فاستفززناه وقومه بالإِغراق.\nوَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ من بعد فرعون أو إغراقه. لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ التي أراد أن يستفزكم منها. فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ الكرة أو الحياة أو الساعة أو الدار الآخرة يعني قيام القيامة. جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا مختلطين إياكم وإياهم ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم، واللفيف الجماعات من قبائل شتى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1523>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]</span>\nوَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)\nوَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ أي وما أنزلنا القرآن إلا ملتبسًا بالحق المقتضي لإنزاله، وما نزل على الرسول إلا ملتبسًا بالحق الذي اشتمل عليه. وقيل وما أنزلناه من السماء إلا محفوظًا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظًا بهم من تخليط الشياطين. ولعله أراد به نفي اعتراء البطلان له أول الأمر وآخره وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّرًا للمطيع بالثواب. وَنَذِيرًا للعاصي بالعقاب فلا عليك إلا التبشير والإنذار.\nوَقُرْآنًا فَرَقْناهُ نزلناه مفرقًا منجمًا. وقيل فرقنا فيه الحق من الباطل فحذف الجار كما في قوله: ويومًا شهدناه، وقرئ بالتشديد لكثرة نجومه فإنه نزل في تضاعيف عشرين سنة. لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ على مهل وتؤدة فإنه أيسر للحفظ وأعون في الفهم وقرئ بالفتح وهو لغة فيه. وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا على حسب الحوادث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1524>[سورة الإسراء (١٧): آية ١٠٧]</span>\nقُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا (١٠٧)\nقُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا فإن إيمانكم بالقرآن لا يزيده كمالًا وامتناعكم عنه لا يورثه نقصًا وقوله:\nإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ تعليل له أي إن لم تؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منكم وهم العلماء الذين قرءوا الكتب السابقة وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة، وتمكنوا من الميز بين المحق والمبطل، أو رأوا نعتك وصفة ما أنزل إليك في تلك الكتب، ويجوز أن يكون تعليلًا ل قُلْ على سبيل التسلية كأنه قيل.\nتسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم. إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ القرآن. يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا يسقطون على وجوههم تعظيمًا لأمر الله أو شكرًا لإِنجاز وعده في تلك الكتب ببعثة محمد ﷺ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل وإنزال القرآن عليه.","vol":"3","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1525>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠٨ الى ١٠٩]</span>\nوَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)\nوَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا عن خلف الموعد. إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا إنه كان وعده كائنًا لا محالة.\nوَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ كرره لاختلاف الحال والسبب فإن الأول للشكر عند إنجاز الوعد والثاني لما أثر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية الله، وذكر الذقن لأنه أول ما يلقى الأرض من وجه الساجد، واللام فيه لاختصاص الخرور به. وَيَزِيدُهُمْ سماع القرآن خُشُوعًا كما يزيدهم علما ويقينا بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1526>[سورة الإسراء (١٧): آية ١١٠]</span>\nقُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠)\nقُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ\nنزلت حين سمع المشركون رسول الله يقول: يا الله يا رحمن فقالوا إنه ينهانا أن نعبد إليهن وهو يدعو إلهًا آخر.\nأو قالت اليهود: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثره الله في التوراة، والمراد على الأول هو التسوية بين اللفظين بأنهما يطلقان على ذات واحدة وإن اختلف اعتبار إطلاقهما، والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود المطلق وعلى الثاني أنهما سيان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود وهو أجود لقوله: أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى والدعاء في الآية بمعنى التسمية وهو يتعدى إلى مفعولين حذف أولهما استغناء عنه وأو للتخيير والتنوين في أَيًّا عوض عن المضاف إليه، وما صلة لتأكيد ما في أَيًّا من الإِبهام، والضمير في فَلَهُ للمسمى لأن التسمية له لا للاسم، وكان أصل الكلام أَيًّا مَّا تَدْعُوا فهو حسن، فوضع موضعه فله الأسماء الحسنى للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه وكونها حسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام. وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ بقراءة صلاتك حتى تسمع المشركين، فإن ذلك يحملهم على السب واللغو فيها. وَلا تُخافِتْ بِها حتى لا تسمع من خلفك من المؤمنين. وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ بين الجهر والمخافتة. سَبِيلًا وسطًا فإن الاقتصاد في جميع الأمور محبوب.\nروي أن أبا بكر ﵁ كان يخفت ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي، وعمر ﵁ كان يجهر ويقول أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما نزلت أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يرفع قليلًا وعمر أن يخفض قليلًا.\nوقيل معناه لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها بأسرها وابتغ بين ذلك سبيلًا بالإِخفات نهارا والجهر ليلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1527>[سورة الإسراء (١٧): آية ١١١]</span>\nوَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)\nوَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ في الألوهية. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ولي يواليه من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته نفي عنه أن يكون له ما يشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختيارًا واضطرارًا، وما يعاونه ويقويه، ورتب الحمد عليه للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد لأنه الكامل الذات المنفرد بالإِيجاد، المنعم على الإطلاق وما عداه ناقص مملوك نعمة، أو منعم عليه ولذلك عطف عليه قوله: وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد واجتهد في العبادة والتحميد ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقه في ذلك.","vol":"3","page":270},{"text":"روي أنه ﷺ كان إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية، وعنه ﵇ «من قرأ سورة بني إسرائيل فرق قلبه عند ذكر الوالدين، كان له قنطار في الجنة»\nوالقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.","vol":"3","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1528>(١٨) سورة الكهف</span>\nمكية وقيل إلا قوله (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) الآية وهي مائة وإحدى عشرة آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1529>[سورة الكهف (١٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ يعني القرآن، رتب استحقاق الحمد على إنزاله تنبيهًا على أنه أعظم نعمائه، وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد.\nوَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا شيئًا من العوج باختلال في اللفظ وتناف في المعنى، أو انحراف من الدعوة إلى جناب الحق وهو في المعاني كالعوج في الأعيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1530>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nقَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)\nقَيِّمًا مستقيمًا معتدلًا لا إفراط فيه ولا تفريط، أو قَيِّمًا بمصالح العباد فيكون وصفًا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال، أو على الكتب السابقة يشهد بصحتها، وانتصابه بمضمر تقديره جعله قيمًا أو على الحال من الضمير في لَهُ، أو من الْكِتابَ على أن الواو وَلَمْ يَجْعَلْ للحال دون العطف، إذ لو كان للعطف لكان المعطوف فاصلًا بين أبعاض المعطوف عليه ولذلك قيل فيه تقديم وتأخير وقرئ «قَيِّمًا» . لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا أي لينذر الذين كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا، فحذف المفعول الأول اكتفاء بدلالة القرينة واقتصارًا على الغرض المسوق إليه. مِنْ لَدُنْهُ صادرًا من عنده، وقرأ أبو بكر بإسكان الدال كإسكان الباء من سبع مع الإشمام ليدل على أصله، وكسر النون لالتقاء الساكنين وكسر الهاء للإِتباع. وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا هو الجنة.\nماكِثِينَ فِيهِ في الأجر. أَبَدًا بلا انقطاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1531>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا (٥)\nوَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا خصهم بالذكر وكرر الإنذار متعلقًا بهم استعظامًا لكفرهم، وإنما لم يذكر المنذر به استغناء بتقدم ذكره.\nمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ أي بالولد أو باتخاذه أو بالقول، والمعنى أنهم يقولونه عن جهل مفرط وتوهم كاذب، أو تقليد لما سمعوه من أوائلهم من غير علم بالمعنى الذي أرادوا به، فإنهم كانوا يطلقون الأب والابن بمعنى المؤثر والأثر. أو بالله إذ لو علموه لما جوزوا نسبة الاتخاذ إليه. وَلا لِآبائِهِمْ الذين تقولوه بمعنى","vol":"3","page":272},{"text":"التبني. كَبُرَتْ كَلِمَةً عظمت مقالتهم هذه في الكفر لما فيها من التشبيه والتشريك، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه ويخلفه إلى غير ذلك من الزيغ، وكَلِمَةً نصب على التمييز وقرئ بالرفع على الفاعلية والأول أبلغ وأدل على المقصود. تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ صفة لها تفيد استعظام اجترائهم على إخراجها من أفواههم، والخارج بالذات هو الهواء الحامل لها. وقيل صفة محذوف هو المخصوص بالذم لأن كبر ها هنا بمعنى بئس وقرئ «كَبُرَتْ» بالسكون مع الإِشمام. إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1532>[سورة الكهف (١٨): آية ٦]</span>\nفَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)\nفَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ قاتلها. عَلى آثارِهِمْ إذا ولوا عن الإِيمان، شبهه لما يداخله من الوجد على توليهم بمن فارقته أعزته فهو يتحسر على آثارهم ويبخع نفسه وجدًا عليهم. وقرئ «باخع نَّفْسَكَ» على الإِضافة. إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ بهذا القرآن. أَسَفًا للتأسف عليهم أو متأسفًا عليهم، والأسف فرط الحزن والغضب. وقرئ «أن» بالفتح على لأن فلا يجوز إعمال باخِعٌ إلا إذا جعل حكاية حال ماضية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1533>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nإِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ مَا عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (٨)\nإِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ من الحيوان والنبات والمعادن. زِينَةً لَها ولأهلها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا في تعاطيه، وهو من زهد فيه ولم يغتر به وقنع منه بما يزجي به أيامه وصرفه على ما ينبغي، وفيه تسكين لرسول الله ﷺ.\nوَإِنَّا لَجاعِلُونَ مَا عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا تزهيد فيه، والجرز الأرض التي قطع نباتها. مأخوذ من الجرز وهو القطع، والمعنى إنا لنعيد ما عليها من الزينة ترابًا مستويًا بالأرض ونجعله كصعيد أملس لا نبات فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1534>[سورة الكهف (١٨): آية ٩]</span>\nأَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا (٩)\nأَمْ حَسِبْتَ بل أحسبت. أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ في إبقاء حياتهم مدة مديدة. كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا وقصتهم بالإِضافة إلى خلق ما على الأرض من الأجناس والأنواع الفائتة للحصر على طبائع متباعدة وهيئات متخالفة تعجب الناظرين من مادة واحدة، ثم ردها إليها ليس بعجيب مع أنه من آيات الله كالنزر الحقير. والْكَهْفِ الغار الواسع في الجبل. والرَّقِيمِ اسم الجبل أو الوادي الذي فيه كهفهم، أو اسم قريتهم أو كلبهم. قال أمية بن أبي الصلت:\nوَلَيْسَ بِهَا إِلاَّ الرَّقِيمُ مُجَاوِرا ... وَصَيْدَهُمُو وَالقَوْمُ فِي الكَهْفِ هُجّدٌ\nأو لوح رصاصي أو حجري رقمت فيه أسماؤهم وجعل على باب الكهف. وقيل أصحاب الرقيم قوم آخرون كانوا ثلاثة خرجوا يرتادون لأهلهم، فأخذتهم السماء فأووا إلى الكهف فانحطت صخرة وسدت بابه.\nفقال أحدهم اذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله يرحمنا ببركته، فقال أحدهم: استعملت أجراء ذات يوم فجاء رجل وسط النهار وعمل في بقيته مثل عملهم فأعطيته مثل أجرهم، فغضب أحدهم وترك أجره فوضعته في جانب البيت، ثم مر بي بقر فاشتريت به فصيلة فبلغت ما شاء الله، فرجع إلي بعد حين شيخًا ضعيفًا لا أعرفه وقال: إن لي عندك حقًا وذكره لي حتى عرفته فدفعتها إليه جميعًا، اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا، فانصدع الجبل حتى رأوا الضوء. وقال آخر: كان فِيَّ فضل وأصابت الناس شدة، فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفًا فقلت: والله ما هو دون نفسك فأبت وعادت ثم رجعت ثلاثًا، ثم ذكرت لزوجها فقال أجيبي له وأغيثي عيالك، فأتت وسلمت إلي نفسها فلما تكشفتها وهممت بها ارْتَعَدَتْ فقلت: ما لكِ قالت أخاف الله،","vol":"3","page":273},{"text":"فقلت لها: خفته في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ملتمسها، اللهم إن كنت فعلته لوجهك فافرج عنا، فانصدع حتى تعارفوا. وقال الثالث كان لي أبوان هرمان وكانت لي غنم وكنت أطعمهما وأسقيهما ثم أرجع إلى غني فحبسني ذات يوم غيث فلم أبرح حتى أمسيت، فأتيت أهلي وأخذت محلبي فحلبت فيه ومضيت إليهما، فوجدتهما نائمين فشق علي أن أوقظهما، فتوقعت جالسًا ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما. اللهم إن كنت فعلته لوجهك فافرج عنا. ففرج الله عنهم فخرجوا وقد رفع ذلك نعمان بن بشير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1535>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nإِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)\nإِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ يعني فتية من أشراف الروم أرادهم دقيانوس على الشرك فأبوا وهربوا إلى الكهف، فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من العدو. وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا من الأمر الذي نحن عليه من مفارقة الكفار. رَشَدًا نصير بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا كله رشدًا كقولك: رأيت منك أسدًا وأصل التهيئة إحداث هيئة الشيء.\nفَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أي ضربنا عليهم حجابًا يمنع السماع بمعنى أنمناهم إنامة لا تنبههم فيها الأصوات، فحذف المفعول كما حذف في قولهم: بنى على امرأته. فِي الْكَهْفِ سِنِينَ ظرفان لضربنا.\nعَدَدًا أي ذوات عدد، ووصف السنين به يحتمل التكثير والتقليل، فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1536>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣)\nثُمَّ بَعَثْناهُمْ أيقظناهم. لِنَعْلَمَ ليتعلق علمنا تعلقًا حاليًا مطابقًا لتعلقه أولًا تعلقًا استقباليًا. أَيُّ الْحِزْبَيْنِ المختلفين منهم أو من غيرهم في مدة لبثهم. أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا ضبط أمد الزمان لبثهم وما في أي من معنى الاستفهام علق عنه لنعلم، فهو مبتدأ وأَحْصى خبره. وهو فعل ماضٍ وأَمَدًا مفعول له ولِما لَبِثُوا حال منه أو مفعول له، وقيل إنه المفعول واللام مزيدة وما موصولة وأَمَدًا تمييز، وقيل أَحْصى اسم تفضيل من الإِحصاء بحذف الزوائد كقولهم: هو أحصى للمال وأفلس من ابن المذلق، وأَمَدًا نصب بفعل دل عليه أَحْصى كقوله:\nوَأضرب مِنَّا بِالسُّيُوفِ القَوَانِسَا نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ بالصدق. إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ شبان جمع فتى كصبي وصبية. آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً بالتثبيت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1537>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)\nوَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ وقويناها بالصبر على هجر الوطن والأهل والمال، والجراءة على إظهار الحق والرد على دقيانوس الجبار. إِذْ قامُوا بين يديه. فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا والله لقد قلنا قولًا ذا شطط أي ذا بعد عن الحق مفرط في الظلم.","vol":"3","page":274},{"text":"هؤُلاءِ مبتدأ. قَوْمُنَا عطف بيان. اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً خبره، وهو إخبار في معنى إنكار.\nلَوْلا يَأْتُونَ هلا يأتون. عَلَيْهِمْ على عبادتهم. بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ببرهان ظاهر فإن الدين لا يؤخذ إلا به، وفيه دليل على أن ما لا دليل عليه من الديانات مردود وأن التقليد فيه غير جائز. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا بنسبة الشريك إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1538>[سورة الكهف (١٨): آية ١٦]</span>\nوَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (١٦)\nوَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ خطاب بعضهم لبعض. وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ عطف على الضمير المنصوب، أي وإذ اعتزلتم القوم ومعبوديهم إلا الله، فإنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون الأصنام كسائر المشركين. ويجوز أن تكون مَا مصدرية على تقدير وإذ اعتزلتموهم وعبادتهم إلا عبادة الله، وأن تكون نافية على أنه إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد معترض بين إِذِ وجوابه لتحقيق اعتزالهم. فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ يبسط الرزق لكم ويوسع عليكم. مِنْ رَحْمَتِهِ في الدارين. وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ما ترتفقون به أي تنتفعون، وجزمهم بذلك لنصوع يقينهم وقوة وثوقهم بفضل الله تعالى، وقرأ نافع وابن عامر مِرفَقًا بفتح الميم وكسر الفاء وهو مصدر جاء شاذًا كالمرجع والمحيض فإن قياسه الفتح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1539>[سورة الكهف (١٨): آية ١٧]</span>\nوَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)\nوَتَرَى الشَّمْسَ لو رأيتهم، والخطاب لرسول الله ﷺ، أو لكل أحد. إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم، لأن الكهف كان جنوبيًا، أو لأن الله تعالى زورها عنهم. وأصله تتزاور فأدغمت التاء في الزاي، وقرأ الكوفيون بحذفها وابن عامر ويعقوب «تزور» كتحمر، وقرئ «تزوار» كتحمار وكلها من الزور بمعنى الميل. ذاتَ الْيَمِينِ جهة اليمين وحقيقتها الجهة ذات اسم اليمين. وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ تقطعهم وتصرم عنهم. ذاتَ الشِّمالِ يعني يمين الكهف وشماله لقوله: وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ أي وهم في متسع من الكهف، يعني في وسطه بحيث ينالهم روح الهواء ولا يؤذيهم كرب الغار ولا حر الشمس، وذلك لأن باب الكهف في مقابلة بنات نعش، وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان ومغربه، والشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأيمن وهو الذي يلي المغرب، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جانبيه، ويحلل عفونته ويعدل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ويبلي ثيابهم. ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ أي شأنهم وإيواؤهم إلى كهف شأنه كذلك، أو إخبارك قصتهم، أو ازورار الشمس عنهم وقرضها طالعة وغاربة من آيات الله. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ بالتوفيق. فَهُوَ الْمُهْتَدِ الذي أصاب الفلاح، والمراد به إما الثناء عليهم أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة ولكن المنتفع بها من وفقه الله للتأمل فيها والاستبصار بها. وَمَنْ يُضْلِلْ ومن يخذله. فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا من يليه ويرشده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1540>[سورة الكهف (١٨): آية ١٨]</span>\nوَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)\nوَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا لانفتاح عيونهم أو لكثرة تقلبهم. وَهُمْ رُقُودٌ نيام. وَنُقَلِّبُهُمْ في رقدتهم.","vol":"3","page":275},{"text":"ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ كيلا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم على طول الزمان. وقرئ «ويقلبهم» بالياء والضمير لله تعالى، و«تَقَلُبَهُمْ» على المصدر منصوبًا بفعل يدل عليه تحسبهم أي وترى تقلبهم. وَكَلْبُهُمْ هو كلب مروا به فتبعهم فطردوه فأنطقه الله تعالى فقال: أنا أحب أحباء الله فناموا وأنا أحرسكم. أو كلب راع مروا به فتبعهم وتبعه الكلب، ويؤيده قراءة من قرأ: «وكالبهم» أي وصاحب كلبهم. باسِطٌ ذِراعَيْهِ حكاية حال ماضية ولذلك أعمل اسم الفاعل. بِالْوَصِيدِ بفناء الكهف، وقيل الوصيد الباب، وقيل العتبة. لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ فنظرت إليهم، وقرئ «لَو اطلعت» بضم الواو. لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا لهربت منهم، وفِرارًا يحتمل المصدر لأنه نوع من التولية والعلة والحال. وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا خوفًا يملأ صدرك بما ألبسهم الله من الهيبة أو لعظم أجرامهم وانفتاح عيونهم. وقيل لوحشة مكانهم. وعن معاوية ﵁ أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال: لو كشفت لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليس لك ذلك قد منع الله تعالى منه من هو خير منك فقال لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا فلم يسمع وبعث ناسًا فلما دخلوا جاءت ريح فأحرقتهم. وقرأ الحجازيان لَمُلِئْتَ بالتشديد للمبالغة وابن عامر والكسائي ويعقوب رُعْبًا بالتثقيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1541>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)\nوَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ وكما أنمناهم آية بعثناهم آية على كمال قدرتنا. لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ ليسأل بعضهم بعضًا فتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم فيزدادوا يقينًا على كمال قدرة الله تعالى، ويستبصروا به أمر البعث ويشكروا ما أنعم الله به عليهم. قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ بناء على غالب ظنهم لأن النائم لا يحصي مدة نومه ولذلك أحالوا العلم إلى الله تعالى. قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ويجوز أن يكون ذلك قول بعضهم وهذا إنكار الآخرين عليهم. وقيل إنهم دخلوا الكهف غدوة وانتبهوا ظهيرة وظنوا أنهم في يومهم أو اليوم الذي بعده قالوا ذلك، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا هذا ثم لما علموا أن الأمر ملتبس لا طريق لهم إلى علمه أخذوا فيما يهمهم وقالوا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ والورق الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة، وقرأ أبو بكر وأبو عمرو وحمزة وروح عن يعقوب بالتخفيف. وقرئ بالتثقيل وإدغام القاف في الكاف وبالتخفيف مكسور الواو مدغمًا وغير مدغم، ورد المدغم لالتقاء الساكنين على غير حده، وحملهم له دليل على أن التزود رأي المتوكلين والمدينة طرسوس. فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أي أهلها. أَزْكى طَعامًا أحل وأطيب أو أكثر وأرخص. فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وليتكلف اللطف في المعاملة حتى لا يغبن، أو في التخفي حتى لا يعرف. وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ولا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور.\nإِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ أي يطلعوا عليكم أو يظفروا بكم، والضمير للأهل المقدر في أَيُّها. يَرْجُمُوكُمْ يقتلوكم بالرجم. أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ أو يصيروكم إليها كرهًا من العود بمعنى الصيرورة. وقيل كانوا أولًا على دينهم فآمنوا. وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا إن دخلتم في ملتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1542>[سورة الكهف (١٨): آية ٢١]</span>\nوَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)","vol":"3","page":276},{"text":"وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ وكما أنمناهم وبعثناهم لتزداد بصيرتهم أطلعنا عليهم. لِيَعْلَمُوا ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم. أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث أو الموعود الذي هو البعث. حَقٌّ لأن نومهم وانتباهم كحال من يموت ثم يبعث. وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيها وأن القيامة لا ريب في إمكانها، فإن من توفى نفوسهم وأمسكها ثلاثمائة سنين حافظًا أبدانها عن التحلل والتفتت، ثم أرسلها إليها قدر أن يتوفى نفوس جميع الناس ممسكًا إياها إلى أن يحشر أبدانهم فيردها عليها. إِذْ يَتَنازَعُونَ ظرف ل أَعْثَرْنا أي أعثرنا عليهم حين يتنازعون. بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ أمر دينهم، وكان بعضهم يقول تبعث الأرواح مجردة وبعضهم يقول يبعثان معًا ليرتفع الخلاف ويتبين أنهما يبعثان معًا، أو أمر الفتية حين أماتهم الله ثانيًا بالموت فقال بعضهم، ماتوا وقال آخرون ناموا نومهم أول مرة، أو قالت طائفة نبني عليهم بنيانًا يسكنه الناس ويتخذونه قرية، وقال آخرون لنتخذن عليهم مسجدًا يصلى فيه كما قال تعالى: فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا وقوله رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ اعتراض إما من الله ردًا على الخائضين في أمرهم من أولئك المتنازعين أو من المتنازعين في زمانهم، أو من المتنازعين فيهم على عهد الرسول ﷺ، أو من المتنازعين للرد إلى الله بعد ما تذكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم فلم يتحقق لهم ذلك.\nحكي أن المبعوث لما دخل السوق وأخرج الدراهم وكان عليها اسم دقيانوس اتهموه بأنه وجد كنزًا فذهبوا به إلى الملك. وكان نصرانيًا موحدًا. فقص عليه القصص، فقال بعضهم: إن آباءنا أخبرونا أن فتية فروا بدينهم من دقيانوس فلعلهم هؤلاء، فانطلق الملك وأهل المدينة من مؤمن وكافر وأبصروهم وكلموهم، ثم قالت الفتية للملك نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإِنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم فماتوا فدفنهم الملك في الكهف وبني عليهم مسجدًا. وقيل لما انتهوا إلى الكهف قال لهم الفتى مكانكم حتى أدخل أولًا لئلا يفزعوا، فدخل فعمي عليهم المدخل فبنوا ثم مسجدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1543>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٢]</span>\nسَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)\nسَيَقُولُونَ أي الخائضون في قصتهم في عهد الرسول ﷺ من أهل الكتاب والمؤمنين. ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ أي هم ثلاثة رجال يربعهم كلبهم بانضمامه إليهم. قيل هو قول اليهود وقيل هو قول السيد من نصارى نجران وكان يعقوبيًا. وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ قاله النصارى أو العاقب منهم وكان نسطوريًا. رَجْمًا بِالْغَيْبِ يرمون رميًا بالخبر الخفي الذي لا مطلع لهم عليه وإتيانًا به، أو ظنًا بالغيب من قولهم رجم بالظن إذا ظن وإنما لم يذكر بالسين اكتفاء بعطفه على ما هو فيه. وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ إنما قاله المسلمون بإخبار الرسول لهم عن جبريل عليهما الصلاة والسلام وإيماء الله تعالى إليه بأن أتبعه قوله قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ وأتبع الأولين قوله رجمًا بالغيب وبأن أثبت العلم بهم لطائفة بعد ما حصر أقوال الطوائف في الثلاثة المذكورة، فإن عدم إيراد رابع في نحو هذا المحل دليل العدم مع أن الأصل ينفيه، ثم رد الأولين بأن أتبعهما قوله رَجْمًا بِالْغَيْبِ ليتعين الثالث وبأن أدخل فيه الواو على الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيهًا لها بالواقعة حالًا من المعرفة، لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت.\nوعن علي ﵁ هم سبعة وثامنهم كلبهم وأسماؤهم: يمليخا ومكشلينيا","vol":"3","page":277},{"text":"ومشلينيا هؤلاء أصحاب يمين الملك، ومرنوش ودبرنوش وشاذنوش أصحاب يساره وكان يستشيرهم، والسابع الراعي الذي وافقهم واسم كلبهم قطمير واسم مدينتهم أفسوس.\nوقيل الأقوال الثلاثة لأهل الكتاب والقليل منهم. فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِرًا فلا تجادل في شأن الفتية إلاَّ جدالًا ظاهرًا غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما في القرآن من غير تجهيل لهم والرد عليهم. وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ولا تسأل أحدًا منهم عن قصتهم سؤال مسترشد فإن فيما أوحي إليك لمندوحة من غيره، مع أنه لا علم لهم بها ولا سؤال متعنت تريد تفضيح المسؤول وتزييف ما عنده فإنه مخل بمكارم الأخلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1544>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nوَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا (٢٤)\nوَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نهي تأديب من الله تعالى لنبيه\nحين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين، فسألوه فقال: «ائتوني غدًا أخبركم»\nولم يستثن فأبطأ عليه الوحي بضعة عشر يومًا حتى شق عليه وكذبته قريش. والاستثناء من النهي أي ولا تقولن لأجل شيء تعزم عليه إني فاعله فيما يستقبل إلا ب أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، أي إلا ملتبسًا بمشيئته قائلًا إن شاء الله أو إلا وقت أن يشاء الله أن تقوله بمعنى أن يأذن لك فيه، ولا يجوز تعليقه بفاعل لأن استثناء اقتران المشيئة بالفعل غير سديد واستثناء اعتراضها دونه لا يناسب النهي وَاذْكُرْ رَبَّكَ مشيئة ربك وقل إن شاء الله. كما\nروي أنه لما نزل قال ﵊: «إن شاء الله» .\nإِذا نَسِيتَ إذا فرط منك نسيان لذلك ثم تذكرته. وعن ابن عباس ولو بعد سنة ما لم يحنث، ولذلك جوز تأخير الاستثناء عنه. وعامة الفقهاء على خلافه لأنه لو صح ذلك لم يتقرر إقرار ولا طلاق ولا عتاق ولم يعلم صدق ولا كذب، وليس في الآية والخبر أن الاستثناء المتدارك به من القول السابق بل هو من مقدر مدلول به عليه، ويجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه، أو اذكر ربك وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به ليبعثك على التدارك، أو اذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي. وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي يدلني. لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا لأقرب رشدًا وأظهر دلالة على أني نبي من نبأ أصحاب الكهف. وقد هداه لأعظم من ذلك كقصص الأنبياء المتباعدة عنه أيامهم، والإِخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام الساعة، أو لأقرب رشدًا وأدنى خيرا من المنسي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1545>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٥]</span>\nوَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)\nوَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا يعني لبثهم فيه أحياء مضروبًا على آذانهم، وهو بيان لما أجمل قبل. وقيل إنه حكاية كلام أهل الكتاب فإنهم اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم فقال بعضهم ثلاثمائة وقال بعضهم ثلاثمائة وتسع سنين. وقرأ حمزة والكسائي ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ بالإِضافة على وضع الجمع موضع الواحد، ويحسنه ها هنا أن علامة الجمع فيه جبر لما حذف من الواحد وأن الأصل في العدد إضافته إلى الجمع ومن لم يضف أبدل السنين من ثلاثمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1546>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٦]</span>\nقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)\nقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ له ما غاب فيهما وخفي من أحوال أهلهما، فلا خلق يخفى عليه علمًا. أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ذكر بصيغة التعجب للدلالة على أن أمره في الإِدراك خارج عما","vol":"3","page":278},{"text":"عليه إدراك السامعين والمبصرين، إذ لا يحجبه شيء ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف وصغير وكبير وخفي وجلي، والهاء تعود إلى الله ومحله الرفع على الفاعليه والباء مزيده عند سيبويه وكان أصله أبصر أي صار ذا بصر، ثم نقل إلى صيغة الأمر بمعنى الإنشاء، فبرز الضمير لعدم لياق الصيغة له أو لزيادة الباء كما في قوله تعالى وَكَفى بِهِ والنصب على المفعولية عند الأخفش والفاعل ضمير المأمور وهو كل أحد والباء مزيدة إن كانت الهمزة للتعدية ومعدية إن كانت للصيرورة. مَّا لَهُمْ الضمير لأهل السموات والأرض. مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ من يتولى أمورهم. وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ في قضائه. أَحَدًا منهم ولا بجعل له فيه مدخلًا. وقرأ ابن عامر وقالون عن يعقوب بالتاء والجزم على نهي كل أحد عن الإِشراك، ثم لما دل اشتمال القرآن على قصة أصحاب الكهف من حيث إنها من المغيبات بالإضافة إلى الرسول ﷺ على أنه وحي معجز أمره أن يداوم درسه ويلازم أصحابه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1547>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)\nوَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ من القرآن، ولا تسمع لقولهم: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ.\nلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ لا أحد يقدر على تبديلها وتغييرها غيره. وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ملتجأ عليه إن هممت به.\nوَاصْبِرْ نَفْسَكَ واحبسها وثبتها. مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ في مجامع أوقاتهم، أو في طرفي النهار. وقرأ ابن عامر «بالغدوة» وفيه أن غدوة علم في الأكثر فتكون اللام فيه على تأويل التنكير.\nيُرِيدُونَ وَجْهَهُ رضا الله وطاعته. وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ولا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم، وتعديته بعن لتضمينه معنى نبأ. وقرئ «ولا تعد عينيك» «وَلاَ تَعْدُ» من أعداه وعداه. والمراد نهي الرسول ﷺ أن يزدري بفقراء المؤمنين وتعلو عينه عن رثاثة زيهم طموحًا إلى طراوة زي الأغنياء. تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا حال من الكاف في المشهورة ومن المستكن في الفعل في غيرها. وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ من جعلنا قلبه غافلًا.\nعَنْ ذِكْرِنا كأمية بن خلف في دعائك إلى طرد الفقراء عن مجلسك لصناديد قريش. وفيه تنبيه على أن الداعي له إلى هذا الاستدعاء غفلة قلبه عن المعقولات وانهماكه في المحسوسات، حتى خفي عليه أن الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد، وأنه لو أطاعه كان مثله في الغباوة. والمعتزلة لما غاظهم إسناد الإِغفال إلى الله تعالى قالوا: إنه مثل أجبنته إذا وجدته كذلك أو نسبته إليه، أو من أغفل إبله إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بذكرنا كقلوب الذين كتبنا في قلوبهم الإِيمان، واحتجوا على أن المراد ليس ظاهر ما ذكر أولًا بقوله: وَاتَّبَعَ هَواهُ وجوابه ما مر غير مرة. وقرئ «أَغْفَلْنَا» بإسناد الفعل إلى القلب على معنى حسبنا قلبه غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة. وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا أي تقدمًا على الحق ونبذًا له وراء ظهره يقال: فرس فرط أي متقدم للخيل ومنه الفرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1548>[سورة الكهف (١٨): آية ٢٩]</span>\nوَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)\nوَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ الحق ما يكون من جهة الله لا ما يقتضيه الهوى، ويجوز أن يكون الحق خبر مبتدأ محذوف ومِنْ رَبِّكُمْ حالًا. فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ لا أبالي بإيمان من آمن ولا كفر من كفر، وهو لا يقتضي استقلال العبد بفعله فإنه وإن كان بمشيئته فمشيئته ليست بمشيئته. إِنَّا أَعْتَدْنا","vol":"3","page":279},{"text":"هيأنا. لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها فسطاطها، شبه به ما يحيط بهم من النار. وقيل السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط. وقيل سرادقها دخانها وقيل حائط من نار وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا من العطش. يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ كالجسد المذاب. وقيل كدرديّ الزيت وهو على طريقة قوله: فأعتبوا بالصيلم. يَشْوِي الْوُجُوهَ إذا قدم ليشرب من فرط حرارته، وهو صفة ثانية لماء أو حال من المهل أو الضمير في الكاف.\nبِئْسَ الشَّرابُ المهل. وَساءَتْ النار. مُرْتَفَقًا متكأ وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد، وهو لمقابلة قوله وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا وإلا فلا ارتفاق لأهل النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1549>[سورة الكهف (١٨): آية ٣٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا خبر إن الأولى هي الثانية بما في حيزها، والراجع محذوف تقديره من أحسن عملًا منهم أو مستغنى عنه بعموم من أحسن عملًا كما هو مستغنى عنه في قولك: نعم الرجل زيد، أو واقع موقعه الظاهر فإن من أحسن عملًا لا يحسن اطلاقه على الحقيقة إلا على الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1550>[سورة الكهف (١٨): آية ٣١]</span>\nأُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)\nأُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وما بينهما اعتراض وعلى الأول استئناف لبيان الأجر أو خبر ثان. يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ الأولى للابتداء والثانية للبيان صفة ل أَساوِرَ، وتنكيره لتعظيم حسنها من الإِحاطة به وهو جمع أسورة أو أسوار في جمع سوار. وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا لأن الخضرة أحسن الألوان وأكثرها طراوة. مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ نمارق من الديباج وما غلظ منه جمع بين النوعين للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ على السرر كما هو هيئة المتنعمين. نِعْمَ الثَّوابُ الجنة ونعيمها. وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا متكأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1551>[سورة الكهف (١٨): آية ٣٢]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢)\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا للكافر والمؤمن. رَجُلَيْنِ حال رجلين مقدرين أو موجودين هما أخوان من بني إسرائيل كافر اسمه قطروس ومؤمن اسمه يهوذا، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطرا، فاشترى الكافر بها ضياعًا وعقارًا وصرفها المؤمن في وجوه الخير، وآل أمرهما إلى ما حكاه الله تعالى. وقيل الممثل بهما أخوان من بني مخزوم كافر وهو الأسود بن عبد الأشد ومؤمن وهو أبو سلمة عبد الله زوج أم سلمة قبل رسول الله ﷺ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ بستانين. مِنْ أَعْنابٍ من كروم والجملة بتمامها بيان للتمثيل أو صفة للرجلين. وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجعلنا النخل محيطة بهما مؤزرًا بها كرومهما، يقال حفه القوم إذا أطافوا به وحففته بهم إذا جعلتهم حافين حوله فتزيده الباء مفعولًا ثانيًا كقولك: غشيته به. وَجَعَلْنا بَيْنَهُما وسطهما.\nزَرْعًا ليكون كل منهما جامعًا للأقوات والفواكه متواصل العمارة على الشكل الحسن والترتيب الأنيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1552>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nكِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)\nكِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ثمرها، وإفراد الضمير لإِفراد كِلْتَا وقرئ «كل الجنتين آتى أكله» . وَلَمْ","vol":"3","page":280},{"text":"تَظْلِمْ مِنْهُ\nولم تنقص من أكلها. شَيْئًا يعهد في سائر البساتين فإن الثمار تتم في عام وتنقص في عام غالبًا. وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا ليدوم شربهما فإنه الأصل ويزيد بهاؤهما، وعن يعقوب وَفَجَّرْنا بالتخفيف.\nوَكانَ لَهُ ثَمَرٌ أنواع من المال سوى الجنتين من ثمر ماله إذا كثره. وقرأ عاصم بفتح الثاء والميم، وأبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم والباقون بضمهما وكذلك في قوله وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ يراجعه في الكلام من حار إذا رجع. أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا حَشَمًا وأعوانًا. وقيل أولادًا ذكورًا لأنهم الذين ينفرون معه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1553>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nوَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا (٣٦)\nوَدَخَلَ جَنَّتَهُ بصاحبه يطوف به فيها ويفاخره بها، وإفراد الجنة لأن المراد ما هو جنته وما متع به من الدنيا تنبيهًا على أن لا جنة له غيرها ولا حظ له في الجنة التى وُعِدَ المتقون، أو لاتصال كل واحدة من جنتيه بالأخرى، أو لأن الدخول يكون في واحدة واحدة. وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ضار لها بعجبه وكفره قالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ أن تفنى. هذِهِ الجنة. أَبَدًا لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بمهلته.\nوَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً كائنة. وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي بالبعث كما زعمت. لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها من جنته، وقرأ الحجازيان والشامي «منهما» أي من الجنتين. مُنْقَلَبًا مرجعًا وعاقبة لأنها فانية وتلك باقية، وإنما أقسم على ذلك لاعتقاده أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه لاستئهاله واستحقاقه إياه لذاته وهو معه أينما تلقاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1554>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nقالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)\nقالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ لأنه أصل مادتك أو مادة أصلك. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ فإنها مادتك القريبة. ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ثم عدلك وكملك إنسانًا ذكرًا بالغًا مبلغ الرجال. جعل كفره بالبعث كفرًا بالله تعالى لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى، ولذلك رتب الإِنكار على خلقه إياه من التراب فإن من قدر على بدء خلقه منه قدر أن يعيده منه.\nلكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا أصله لكن أنا فحذفت الهمزة بنقل الحركة أو دونه فتلاقت النونان فكان الإِدغام، وقرأ ابن عامر ويعقوب في رواية بالألف في الوصل لتعويضها من الهمزة أو لإِجراء الوصل مجرى الوقف، وقد قرئ «لكنا أنا» على الأصل وهو ضمير الشأن وهو بالجملة الواقعة خبرًا له خبر «أنا» أو ضمير اللَّهُ واللَّهُ بدله وربي خبره والجملة خبر «أنا» والاستدراك من أكفرت كأنه قال: أنت كافر بالله لكني مؤمن به، وقد قرئ «لكن هو الله ربي ولكن أنا لا إله إلا هو ربي» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1555>[سورة الكهف (١٨): آية ٣٩]</span>\nوَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا (٣٩)\nوَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ وهلا قلت عند دخولها. مَا شاءَ اللَّهُ الأمر ما شاء أو ما شاء كائن على أن ما موصولة، أو أي شيء شاء الله كان على أنها شرطية والجواب محذوف إقرارًا بأنها وما فيها بمشيئة الله إن شاء أبقاها وإن شاء أبادها. لاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وقلت لا قوة إلا بالله اعترافًا بالعجز على نفسك والقدرة لله، وإن ما تيسر لك من عمارتها وتدبير أمرها فبمعونته وإقداره.\nوعن النبي ﷺ «من رأى شيئًا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره» .\nإِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا يحتمل أن يكون فصلًا وأن يكون","vol":"3","page":281},{"text":"تأكيدا للمفعول الأول، وقرئ «أَقُلْ» بالرفع على أنه خبر أَنَا والجملة مفعول ثاني ل تَرَنِ، وفي قوله وَوَلَدًا دليل لمن فسر النفر بالأولاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1556>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nفَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)\nفَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ في الدنيا أو في الآخرة لإِيماني وهو جواب الشرط. وَيُرْسِلَ عَلَيْها على جنتك لكفرك. حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ مرامي جمع حسبانة وهي الصواعق. وقيل هو مصدر بمعنى الحساب والمراد به التقدير بتخريبها أو عذاب حساب الأعمال السيئة. فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أرضًا ملساء يزلق عليها باستئصال نباتها وأشجارها.\nأَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا أي غائرًا في الأرض مصدر وصف به كالزلق. فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا للماء الغائر ترددًا في رده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1557>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)\nوَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ وأهلك أمواله حسبما توقعه صاحبه وأنذره منه، وهو مأخوذ من أحاط به العدو فإنه إذا أحاط به غلبه وإذا غلبه أهلكه، ونظيره أتى عليه إذا أهلكه من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعليًا عليهم.\nفَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ظهرًا لبطن تلهفًا وتحسرًا. عَلى مَا أَنْفَقَ فِيها في عمارتها وهو متعلق ب يُقَلِّبُ لأن تقليب الكفين كناية عن الندم فكأنه قيل: فأصبح يندم، أو حال أي متحسرًا على ما أنفق فيها. وَهِيَ خاوِيَةٌ ساقطة. عَلى عُرُوشِها بأن سقطت عروشها على الأرض وسقطت الكروم فوقها عليها. وَيَقُولُ عطف على يُقَلِّبُ أو حال من ضميره. يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا كأنه تذكر موعظة أخيه وعلم أنه أتى من قبل شركه فتمنى لو لم يكن مشركًا فلم يهلك الله بستانَه، ويحتمل أن يكون توبة من الشرك وندمًا على ما سبق منه.\nوَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ وقرأ حمزة والكسائي بالياء لتقدمه. يَنْصُرُونَهُ يقدرون على نصره بدفع الإِهلاك أو رد المهلك أو الإِتيان بمثله. مِنْ دُونِ اللَّهِ فإِنه القادر على ذلك وحده. وَما كانَ مُنْتَصِرًا وما كان ممتنعًا بقوته عن انتقام الله منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1558>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٤]</span>\nهُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)\nهُنالِكَ في ذلك المقام وتلك الحال. الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ النصرة له وحدة لا يقدر عليها غيره تقديرًا لقوله وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ أو ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة كما نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن ويعضده قوله: هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا أي لأوليائه. وقرأ حمزة والكسائي بالكسر ومعناها السلطان والملك أي هنالك السلطان له لا يغلب ولا يمنع منه، أو لا يعبد غيره كقوله تعالى فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فيكون تنبيهًا على أن قوله يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ كان عن اضطرار وجزع مما دهاه.\nوقيل هُنالِكَ إشارة إلى الآخرة وقرأ أبو عمرو والكسائي الحق بالرفع صفة للولاية، وقرئ بالنصب على المصدر المؤكد، وقرأ عاصم وحمزة عُقْبًا بالسكون، وقرئ «عقبى» وكلها بمعنى العاقبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1559>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٥]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)","vol":"3","page":282},{"text":"وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا واذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا في زهرتها وسرعة زوالها أو صفتها الغريبة. كَماءٍ هي كماء ويجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا ل اضْرِبْ على أنه بمعنى صير. أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فالتفت بسببه وخالط بعضه بعضًا من كثرته وتكاثفه، أو نجع في النبات حتى روى ورف وعلى هذا كان حقه فاختلط بنبات الأرض لكنه لما كان كل من المختلطين موصوفًا بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته. فَأَصْبَحَ هَشِيمًا مهشومًا مكسورًا. تَذْرُوهُ الرِّياحُ تفرقه، وقرئ «تذريه» من أذرى والمشبه به ليس الماء ولا حاله بل الكيفية المنتزعة من الجملة، وهي حال النبات المنبت بالماء يكون أخضر وارفًا ثم هشيمًا تطيره الرياح فيصير كأن لم يكن. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الإِنشاء والإِفناء.\nمُقْتَدِرًا قادرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1560>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٦]</span>\nالْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)\nالْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا يتزين بها الإِنسان في دنياه وتفنى عنه عما قريب. وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ وأعمال الخيرات التي تبقى له ثمرتها أبد الآباد، ويندرج فيها ما فسرت به من الصلوات الخمس وأعمال الحج وصيام رمضان وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والكلام الطيب. خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ من المال والبنين. ثَوابًا عائدة. وَخَيْرٌ أَمَلًا لأن صاحبها ينال بها في الآخرة ما كان يؤمل بها في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1561>[سورة الكهف (١٨): آية ٤٧]</span>\nوَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)\nوَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ واذكر يوم نقلعها ونسيرها في الجو، أو نذهب بها فنجعلها هباء منبثًا. ويجوز عطفه على عِنْدَ رَبِّكَ أي الباقيات الصالحات خير عند الله ويوم القيامة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير بالتاء والبناء للمفعول وقرئ «تسير» من سارت. وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً بادية برزت من تحت الجبال ليس عليها ما يسترها، وقرئ «وترى» على بناء المفعول. وَحَشَرْناهُمْ وجمعناهم إلى الموقف، ومجيئه ماضيًا بعد نُسَيِّرُ وَتَرَى لتحقق الحشر أو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير ليعاينوا ويشاهدوا ما وعد لهم، وعلى هذا تكون الواو للحال بإضمار قد. فَلَمْ نُغادِرْ فلم نترك. مِنْهُمْ أَحَدًا يقال غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر لترك الوفاء والغدير لما غادره السيل، وقرئ بالياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1562>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)\nعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ\nشبه حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان لا ليعرفهم بل ليأمر فيهم.\nًّا\nمصطفين لا يحجب أحد أحدا. قَدْ جِئْتُمُونا\nعلى إضمار القول على وجه يكون حالًا أو عاملًا في يوم نسير. ما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ\nعراة لا شيء معكم من المال والولد كقوله وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى أو أحياء كخلقتكم الأولى لقوله: لْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا\nوقتًا لإنجاز الوعد بالبعث والنشور وأن الأنبياء كذبوكم به، وبل للخروج من قصة إلى أخرى.\nوَوُضِعَ الْكِتابُ صحائف الأعمال في الأيمان والشمائل أو في الميزان وقيل هو كناية عن وضع","vol":"3","page":283},{"text":"الحساب. فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ خائفين. مِمَّا فِيهِ من الذنوب. وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ينادون هلكتهم التي هلكوها من بين الهلكات. مالِ هذَا الْكِتابِ تعجبًا من شأنه. لاَ يُغادِرُ صَغِيرَةً هنة صغيرة. وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها إلا عددها وأحاط بها. وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضِرًا مكتوبًا في الصحف. وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا فيكتب عليه ما لم يفعل أو يزيد في عقابه الملائم لعمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1563>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٠]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كرره في مواضع لكونه مقدمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحال، وها هنا لما شنع على المفتخرين واستقبح صنيعهم قرر ذلك بأنه من سنن إبليس، أو لما بين حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها وكان سبب الاغترار بها حب الشهوات وتسويل الشيطان. زهدهم أولًا في زخارف الدنيا بأنها عرضة الزوال والأعمال الصالحة خير وأبقى من أنفسها وأعلاها، ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة وهكذا مذهب كل تكرير في القرآن. كانَ مِنَ الْجِنِّ حال بإضمار قد أو استئناف للتعليل كأنه قيل: ما له لم يسجد فقيل كَانَ مِنَ الجن. فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ فخرج عن أمره بترك السجود والفاء للسبب، وفيه دليل على أن الملك لا يعصى أَلبتة وإنما عصى إبليس لأنه كان جنيًا في أصله والكلام المستقصى فيه في سورة «البقرة» . أَفَتَتَّخِذُونَهُ أعقيب ما وجد منه تتخذونه والهمزة للإِنكار والتعجب. وَذُرِّيَّتَهُ أولاده أو أتباعه، وسماهم ذرية مجازًا. أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي. وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا من الله تعالى، إبليس وذريته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1564>[سورة الكهف (١٨): آية ٥١]</span>\nما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)\nما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ. نفي إحضار إبليس وذريته خلق السموات والأرض وإحضار بعضهم خلق بعض ليدل على نفي الاعتضاد بهم في ذلك كما صرح به بقوله: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا أي أعوانًا ردًا لاتخاذهم أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله شركاء له في العبادة، فإن استحقاق العبادة من توابع الخالقية والاشتراك فيه يستلزم الاشتراك فيها، فوضع الْمُضِلِّينَ موضع الضمير ذمًا لهم واستبعادًا للاعتضاد بهم. وقيل الضمير للمشركين والمعنى: ما أشهدتهم خلق ذلك وما خصصتهم بعلوم لا يعرفها غيرهم حتى لو آمنوا تبعهم الناس كما يزعمون، فلا تلتفت إلى قولهم طمعًا في نصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضد بالمضلين لديني. ويعضده قراءة من قرأ وَما كُنْتُ على خطاب الرسول ﷺ، وقرئ «مُتَّخِذًا المضلين» على الأصل و«عَضُدًا» بالتخفيف و«عَضُدًا» بالاتباع و«عَضُدًا» كخدم جمع عاضد من عضده إذا قواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1565>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٢]</span>\nوَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)\nوَيَوْمَ يَقُولُ أي الله تعالى للكافرين وقرأ حمزة بالنون. نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنهم شركائي وشفعاؤكم ليمنعوكم من عذابي، وإضافة الشركاء على زعمهم للتوبيخ والمراد ما عبد من دونه، وقيل إبليس وذريته. فَدَعَوْهُمْ فنادوهم للإِغاثة. فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ فلم يغيثوهم. وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ بين الكفار وآلهتهم. مَوْبِقًا مهلكًا يشتركون فيه وهو النار، أو عداوة هي في شدتها هلاك كقول عمر ﵁:\nلا يكن حبك كلفًا ولا بغضك تلفا. وموبقا اسم مكان أو مصدر من وبق يوبق وبقا إذا هلك. وقيل البين الوصل أي وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكًا يوم القيامة.","vol":"3","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1566>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nوَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)\nوَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا فأيقنوا. أَنَّهُمْ مُواقِعُوها مخالطوها واقعون فيها. وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا انصرافًا أو مكانًا ينصرفون إليه.\nوَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ من كل جنس يحتاجون إليه. وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ يتأتى منه الجدل. جَدَلًا خصومة بالباطل وانتصابه على التمييز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1567>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٥]</span>\nوَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥)\nوَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا من الإِيمان. إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وهو الرسول الداعي والقرآن المبين.\nوَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ ومن الاستغفار من الذنوب. إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ إلا طلب أو انتظار أو تقدير أن تأتيهم سنة الأولين، وهي الاستئصال فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ عذاب الآخرة. قُبُلًا عيانًا. وقرأ الكوفيون قُبُلًا بضمتين وهو لغة فيه أو جمع قبيل بمعنى أنواع، وقرئ بفتحتين وهو أيضًا لغة يقال لقيته مقابلة وقبلًا وقبلًا وقبليًا، وانتصابه على الحال من الضمير أو الْعَذابُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1568>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٦]</span>\nوَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)\nوَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ للمؤمنين والكافرين. وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات، والسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها تعنتًا. لِيُدْحِضُوا بِهِ ليزيلوا بالجدال. الْحَقَّ عن مقره ويبطلوه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها وذلك قولهم للرسل مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ونحو ذلك. وَاتَّخَذُوا آياتِي يعني القرآن. وَما أُنْذِرُوا وإنذارهم أو والذي أنذروا به من العقاب. هُزُوًا استهزاء. وقرئ «هزأ» بالسكون وهو ما يستهزأ به على التقديرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1569>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ بالقرآن. فَأَعْرَضَ عَنْها فلم يتدبرها ولم يتذكر بها. وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ من الكفر والمعاصي ولم يتفكر في عاقبتهما. إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً تعليل لإِعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم. أَنْ يَفْقَهُوهُ كراهة أن يفقهوه، وتذكير الضمير وإفراده للمعنى. وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا يمنعهم أن يستمعوه حق استماعه. وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا تحقيقًا ولا تقليدًا لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون وإذا كما عرفت جزاء وجواب للرسول ﷺ على تقدير قوله ما لي لا أدعوهم، فإن حرصه ﷺ على إسلامهم يدل عليه.\nوَرَبُّكَ الْغَفُورُ البليغ المغفرة. ذُو الرَّحْمَةِ الموصوف بالرحمة. لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ استشهاد على ذلك بإمهال قريش مع إفراطهم في عداوة رسول الله ﷺ. بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ وهو يوم","vol":"3","page":285},{"text":"بدر أو يوم القيامة. لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا منجًا ولا ملجأ، يقال وأل إذا نجا ووأل إليه إذا لجأ إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1570>[سورة الكهف (١٨): آية ٥٩]</span>\nوَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)\nوَتِلْكَ الْقُرى يعني قرى عاد وثمود وأضرابهم، وَتِلْكَ مبتدأ خبره. أَهْلَكْناهُمْ أو مفعول مضمر مفسر به، والْقُرى صفته ولا بد من تقدير مضاف في أحدهما ليكون مرجع الضمائر. لَمَّا ظَلَمُوا كقريش بالتكذيب والمراء وأنواع المعاصي. وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا لإِهلاكهم وقتًا لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فليعتبروا بهم ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم، وقرأ أبو بكر لِمَهْلِكِهِمْ بفتح الميم واللام أي لهلاكهم، وحفص بكسر اللام حملًا على ما شذ من مصادر يفعل كالمرجع والمحيض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1571>[سورة الكهف (١٨): آية ٦٠]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)\nوَإِذْ قالَ مُوسى مقدر باذكر. لِفَتاهُ يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف عليهم الصلاة والسلام فإنه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سماه فتاه وقيل لعبده. لا أَبْرَحُ أي لا أزال أسير فحذف الخبر لدلالة حاله وهو السفر وقوله: حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ من حيث إنها تستدعي ذا غاية عليه، ويجوز أن يكون أصله لا يبرح مسيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فانقلب الضمير والفعل وأن يكون لا أَبْرَحُ هو بمعنى لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه فلا يستدعي الخبر، ومَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وُعِدَ لقاء الخضر فيه. وقيل البحران موسى وخضر عليهما الصلاة والسلام فإن موسى كان بحر علم الظاهر والخضر كان بحر علم الباطن.\nوقرئ «مِجْمَعَ» بكسر الميم على الشذوذ من يفعل كالمشرق والمطلع أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا أو أسير زمانًا طويلًا، والمعنى حتى يقع إما بلوغ المجمع أو مضي الحقب أو حتى أبلغ إلا أن أمضي زمانًا أتيقن معه فوات المجمع، والحقب الدهر وقيل ثمانون سنة وقيل سبعون.\nروي: أن موسى ﵊ خطب الناس بعد هلاك القبط ودخوله مصر خطبة بليغة فأعجب بها فقيل له: هل تعلم أحدًا أعلم منك فقال: لا، فأوحى الله إليه بل أعلم منك عبدنا الخضر وهو بمجمع البحرين، وكان الخضر في أيام افريدون وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقي إلى أيام موسى.\nوقيل إن موسى ﵇ سأل ربه أي عبادك أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ينساني، قال فأي عبادك أقضى، قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال فأي عبادك أعلم قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى، فقال إن كان في عبادك أعلم مني فادللني عليه، قال أعلم منك الخضر قال: أين أطلبه، قال على الساحل عند الصخرة، قال كيف لي به قال تأخذ حوتًا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك، فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1572>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nفَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا (٦٢)\nفَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما أي مجمع البحرين وبَيْنِهِما ظرف أضيف إليه على الاتساع أو بمعنى الوصل. نَسِيا حُوتَهُما نسي موسى ﵊ أن يطلبه ويتعرف حاله، ويوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر.\nروي: إن موسى ﵇ رقد فاضطرب الحوت المشوي ووثب في البحر معجزة لموسى أو الخضر.\nوقيل توضأ يوشع من عين الحياة فانتضح الماء عليه فعاش ووثب في الماء.\nوقيل نسيا تفقد أمره وما يكون منه أمارة على الظفر بالمطلوب فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا فاتخذ الحوت","vol":"3","page":286},{"text":"طريقه في البحر مسلكًا من قوله وَسارِبٌ بِالنَّهارِ. وقيل أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه، ونصبه على المفعول الثاني وفي البحر حال منه أو من السبيل ويجوز تعلقه باتخذ.\nفَلَمَّا جاوَزا مجمع البحرين. قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا ما نتغدى به. لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا قيل لم ينصب حتى جاوز الموعد فلما جاوزه وسار الليلة والغد إلى الظهر ألقي عليه الجوع والنصب. وقيل لم يعي موسى في سفر غيره ويؤيده التقييد باسم الإشارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1573>[سورة الكهف (١٨): آية ٦٣]</span>\nقالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)\nقالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا أرأيت ما دهاني إذ أوينا. إِلَى الصَّخْرَةِ يعني الصخرة التي رقد عندها موسى.\nوقيل هي الصخرة التي دون نهر الزيت. فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت منه. وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان فإن أَنْ أَذْكُرَهُ بدل من الضمير، وقرئ «أن أذكركه» . وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها لكنه لما ضرى بمشاهدة أمثالها عند موسى وألفها قل اهتمامه بها، ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان هضمًا لنفسه أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان. وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا سبيلًا عجبًا وهو كونه كالسرب أو اتخاذ عجبًا، والمفعول الثاني هو الظرف وقيل هو مصدر فعله المضمر أي قال في آخر كلامه، أو موسى في جوابه عجبًا تعجبًا من تلك الحال. وقيل الفعل لموسى أي اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1574>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٤ الى ٦٥]</span>\nقالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)\nقالَ ذلِكَ أي أمر الحوت. مَا كُنَّا نَبْغِ نطلب لأنه أمارة المطلوب. فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه. قَصَصًا يقصان قصصًا أي يتبعان آثارهما اتباعًا، أو مقتصين حتى أتيا الصخرة.\nفَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا الجمهور على أنه الخضر ﵇ واسمه بليا بن ملكان، وقيل اليسع، وقيل إلياس. آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا هي الوحي والنبوة. وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا مما يختص بنا ولا يعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1575>[سورة الكهف (١٨): آية ٦٦]</span>\nقالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)\nقالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ على شرط أن تعلمني، وهو في موضع الحال من الكاف.\nمِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا علمًا ذا رشد وهو إصابة الخير، وقرأ البصريان بفتحتين وهما لغتان كالبخل والبخل، وهو مفعول تُعَلِّمَنِ ومفعول عُلِّمْتَ العائد المحذوف وكلاهما منقولان من علم الذي له مفعول واحد، ويجوز أن يكون رشدًا علة لأتبعك أو مصدرًا بإضمار فعله، ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه.","vol":"3","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1576>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nقالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)\nقالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا نفى عنه استطاعة الصبر معه على وجوه من التأكيد كأنها مما لا يصح ولا يستقيم وعلل ذلك واعتذر عنه بقوله.\nوَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا أي وكيف تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك، وخبرًا تمييز أو مصدر لأَن لم تحط به بمعنى لم تخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1577>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nقالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)\nقالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا معك غير منكر عليك. وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا عطف على صابرًا أي ستجدني صابرًا وغير عاص، أو على ستجدني. وتعليق الوعد بالمشيئة إما للتيمن وخلفه ناسيًا لا يقدح في عصمته أو لعلمه بصعوبة الْامر، فإن مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديد فلا خلف، وفيه دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى.\nقالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني ولم تعلم وجه صحته. حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا حتى أبتدئك ببيانه، وقرأ نافع وابن عامر فَلا تَسْئَلْنِي بالنون الثقيلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1578>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧١ الى ٧٢]</span>\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)\nفَانْطَلَقا على الساحل يطلبان السفينة، حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها أخذ الخضر فأسًا فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها. قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها. وقرئ «لِتُغَرِّقْ» بالتشديد للتكثير. وقرأ حمزة والكسائي «ليغرق أهلها» على إسناده إلى الأهل. لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا أتيت أمرًا عظيمًا من أمر الأمر إذا عظم.\nقالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا تذكير لما ذكره قبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1579>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٣]</span>\nقالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)\nقالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ بالذي نسيته أو بشيء نسيته، يعني وصيته بأن لا يعترض عليه أو بنسياني إياها، وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها. وقيل أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة. وقيل إنه من معاريض الكلام والمراد شيء آخر نسيه.\nوَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ولا تغشني عسرًا من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي، فإن ذلك يعسر على متابعتك وعُسْرًا مفعول ثان لترهق فانه يقال: رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه، وقرئ عُسْرًا بضمتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1580>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٤]</span>\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)\nفَانْطَلَقا أي بعد ما خرجا من السفينة. حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قيل فتل عنقه، وقيل ضرب برأسه الحائط، وقيل أضجعه فذبحه والفاء للدلالة على أنه كما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف حال ولذلك: قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ أي طاهرة من الذنوب، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ورويس عن يعقوب «زاكية» والأول أبلغ، وقال أبو عمرو الزاكية التي لم تذنب قط والزكية التي أذنبت ثم غفرت، ولعله اختار","vol":"3","page":288},{"text":"الأول لذلك فإنها كانت صغيرة ولم تبلغ الحلم أو أنه لم يرها قد أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسًا فتقاد بها، نبه به على أن القتل إنما يباح حدًا أو قصاصًا وكلا الأمرين منتف، ولعل تغيير النظم بأن جعل خرقها جزاء، واعتراض موسى ﵊ مستأنفًا في الأولى وفي الثانية قتله من جملة الشرط واعتراضه جزاء، لأن القتل أقبح والاعتراض عليه أدخل فكان جديرًا بأن يجعل عمدة الكلام ولذلك فصله بقوله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا أي منكرًا، وقرأ نافع في رواية قالون وورش وابن عامر ويعقوب وأبو بكر نُكْرًا بضمتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1581>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nقالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)\nقالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا زاد فيه لَكَ مكافحة بالعتاب على رفض الوصية، ووسمًا بقلة الثبات والصبر لما تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار ولم يرعو بالتذكير أول مرة حتى زاد في الاستنكار ثاني مرة.\nقالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي وإن سألت صحبتك، وعن يعقوب «فلا تصحبني» أي فلا تجعلني صاحبك. قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا قد وجدت عذرًا من قبلي لما خالفتك ثلاث مرات.\nوعن رسول الله ﷺ «رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب» .\nوقرأ نافع مِنْ لَدُنِّي بتحريك النون والاكتفاء بها عن نون الدعامة كقوله: قِدْنِي مِنْ نَصْرِ الحَبِيبَينِ قُدى. وأبو بكر لَدُنِّي بتحريك النون وإسكان الضاد من عضد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1582>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٧]</span>\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قَرْيَةٍ أنطاكية وقيل أبلة البصرة. وقيل باجروان أرمينية. اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما وقرئ يُضَيِّفُوهُما من أضافه يقال ضافه إذا نزل به ضيفًا وأضافه وضيفه أنزله، وأصل التركيب للميل يقال ضاف السهم عن الغرض إذا مال. فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ يداني أن يسقط فاستعيرت الإِرادة للمشارفة كما استعير لها الهم والعزم قال:\nيُرِيدُ الرُّمْح صَدْرَ أَبِي بَرَاء ... وَيَعْدِلُ عَنْ دِمَاءِ بَني عَقِيلِ\nوقال:\nإِنَّ دَهْرًا يَلُمُّ شَمْلي بجمل ... لزمانٌ يَهُمُّ بِالإِحْسَانِ\nوانقض انفعل من قضضته إذا كسرته، ومنه انقضاض الطير والكواكب لهويه، أو أفعل من النقض.\nوقرئ «أَن يَنقَض» و«أن ينقاص» بالصاد المهملة من انقاصت السن إذا انشقت طولًا. فَأَقامَهُ بعمارته أو بعمود عمده به، وقيل مسحه بيده فقام. وقيل نقضه وبناه. قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا تحريضًا على أخذ الجعل لينتعشا به، أو تعريضًا بأنه فضول لما في لَوْ من النفي كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه، واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ عند البصريين، وقرأ ابن كثير والبصريان «لتخذت» أي لأخذت وأظهر ابن كثير ويعقوب وحفص الدال وأدغمه الباقون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1583>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٨]</span>\nقالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)\nقالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ الإِشارة إلى الفراق الموعود بقوله فَلا تُصاحِبْنِي أو إلى الاعتراض","vol":"3","page":289},{"text":"الثالث، أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته، وإضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع، وقد قرئ على الأصل. سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا بالخبر الباطن فيما لم تستطع الصبر عليه لكونه منكرًا من حيث الظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1584>[سورة الكهف (١٨): آية ٧٩]</span>\nأَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)\nأَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ لمحاويج، وهو دليل على أن المسكين يطلق على من يملك شيئًا إذا لم يكفه. وقيل سموا مساكين لعجزهم عن دفع الملك أو لزمانتهم فإنها كانت لعشرة إخوة خمسة زمني وخمسة يعملون في البحر. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها أن أجعلها ذات عيب. وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ قدامهم أو خلفهم وكان رجوعهم عليه، واسمه جلندى بن كركر، وقيل منوار بن جلندي الأزدي. يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا من أصحابها. وكان حق النظم أن يتأخر قوله فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها عن قوله وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ لأن إرادة التعيب مسببة عن خوف الغصب وإنما قدم للعناية أو لأن السبب لما كان مجموع الأمرين خوف الغصب ومسكنة الملاك رتبه على أقوى الجزأين وأدعاهما وعقبه بالآخر على سبيل التقييد والتتميم، وقرئ «كل سفينة صالحة» والمعنى عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1585>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nوَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)\nوَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما أن يغشيهما. طُغْيانًا وَكُفْرًا لنعمتهما بعقوقه فيلحقهما شرًا، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر، أو يعديهما بعلته فيرتدا بإضلاله، أو بممالأته على طغيانه وكفره حبّا له. وإنما خشي ذلك لأن الله تعالى أعلمه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن نجدة الحروري كتب إليه كيف قتله وقد نهى النبي ﷺ عن قتل الولدان، فكتب إليه إن كنت علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل. وقرئ «فخاف ربك» أي فكره كراهة من خاف سوء عاقبته، ويجوز أن يكون قوله فَخَشِينا حكاية قول الله ﷿.\nفَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ أن يرزقهما ولدا خيرا منه. زَكاةً طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة. وَأَقْرَبَ رُحْمًا رحمة وعطفًا على والديه. قيل ولدت لهما جارية فتزوجها نبي فولدت له نبيًا هدى الله به أمة من الأمم، وقرأ نافع وأبو عمرو يُبْدِلَهُما بالتشديد وابن عامر ويعقوب وعاصم رُحْمًا بالتخفيف، وانتصابه على التمييز والعامل اسم التفضيل وكذلك زَكاةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1586>[سورة الكهف (١٨): آية ٨٢]</span>\nوَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)\nوَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ قيل اسمهما أصرم وصريم، واسم المقتول جيسور.\nوَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما من ذهب وفضة، روي ذلك مرفوعًا والذم على كنزهما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لمن لا يؤدي زكاتهما وما تعلق بهما من الحقوق. وقيل من كتب العلم. وقيل كان لوح من ذهب مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب،","vol":"3","page":290},{"text":"وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا تنبيه على أن سعيه ذلك كان لصلاحه. قيل كان بينهما وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء وكان سياحًا واسمه كاشح. فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما أي الحلم وكمال الرأي. وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ مرحومين من ربك، ويجوز أن يكون علة أو مصدرًا لأراد فإن إرادة الخير رحمة. وقيل متعلق بمحذوف تقديره فعلت ما فعلت رحمة من ربك، ولعل إسناد الإِرادة أولًا إلى نفسه لأنه المباشر للتعييب وثانيًا إلى الله وإلى نفسه لأن التبديل بإهلاك الغلام وإيجاد الله بدله، وثالثًا إلى الله وحده لأنه لا مدخل له في بلوغ الغلامين. أو لأن الأول في نفسه شر، والثالث خير، والثاني ممتزج. أو لاختلاف حال العارف في الالتفات إلى الوسائط. وَما فَعَلْتُهُ وما فعلت ما رأيته. عَنْ أَمْرِي عن رأيي وإنما فعلته بأمر الله ﷿، ومبني ذلك على أنه إذا تعارض ضرران يجب تحمل أهونهما لدفع أعظمهما، وهو أصل ممهد غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة. ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا أي ما لم تستطع فحذف التاء تخفيفًا.\nومن فوائد هذة القصة أن لا يعجب المرء بعلمه ولا يبادر إلى إنكار ما لم يستحسنه، فلعل فيه سرًا لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقابل وأن ينبه المجرم على جرمه ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره ثم يهاجر عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1587>[سورة الكهف (١٨): آية ٨٣]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ يعني إسكندر الرومي ملك فارس والروم. وقيل المشرق والمغرب ولذلك سمي ذا القرنين، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها، وقيل لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس، وقيل كان له قرنان أي ضفيرتان، وقيل كان لتاجه قرنان. ويحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته كما يقال الكبش للشجاع كأنه ينطح أقرانه. واختلف في نبوته مع الاتفاق على إيمانه وصلاحه، والسائلون هم اليهود سألوه امتحانًا أو مشركو مكة. قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا خطاب للسائلين والهاء لذي القرنين. وقيل لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1588>[سورة الكهف (١٨): آية ٨٤]</span>\nإِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)\nإِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أي مكنا له أمره من التصرف فيها كيف شاء فحذف المفعول. وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أراده وتوجه إليه. سَبَبًا وصلة توصله إليه من العلم والقدرة والآلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1589>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٥ الى ٨٦]</span>\nفَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)\nفَأَتْبَعَ سَبَبًا أي فأراد بلوغ المغرب فاتبع سببًا يوصله إليه، وقرأ الكوفيون وابن عامر بقطع الألف مخففة التاء.\nحَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ذات حمأ من حمئت البئر إذا صارت ذات حمأة. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر «حامية» أي حارة، ولا تنافي بينهما لجواز أن تكون العين جامعة للوصفين أو «حمية» على أن ياءها مقلوبة عن الهمزة لكسر ما قبلها. ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال وَجَدَها تَغْرُبُ ولم يقل كانت تغرب. وقيل إن ابن عباس سمع معاوية يقرأ «حامية» فقال «حمئة» فبعث معاوية إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب قال في ماء وطين كذلك نجده في التوراة وَوَجَدَ عِنْدَها عند تلك العين. قَوْمًا قيل كان لباسهم جلود","vol":"3","page":291},{"text":"الوحش وطعامهم ما لفظه البحر، وكانوا كفارًا فخيره الله بين أن يعذبهم أو يدعوهم إلى الإِيمان كما حكى بقوله قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ أي بالقتل على كفرهم. وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا بالإِرشاد وتعليم الشرائع. وقيل خيره الله بين القتل والأسر وسماه إحسانًا في مقابلة القتل ويؤيده الأول قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1590>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٧ الى ٨٨]</span>\nقالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا (٨٨)\nقالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا أي فاختار الدعوة وقال: أما من دعوته فظلم نفسه بالإِصرار على كفره أو استمر على ظلمه الذي هو الشرك فنعذبه أنا ومن معي في الدنيا بالقتل، ثم يعذبه الله في الآخرة عذابًا منكرًا لم يعهد مثله.\nوَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وهو ما يقتضيه الإِيمان. فَلَهُ في الدارين. جَزاءً الْحُسْنى فعلته الحسنى. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص جَزاءً منونًا منصوبًا على الحال أي فله المثوبة الحسنى مجزيًا بها، أو على المصدر لفعله المقدر حالًا أي يجزي بها جزاء أو التمييز، وقرئ منصوبًا غير منون على أن تنوينه حذف لالتقاء الساكنين ومنونًا مرفوعًا على أنه المبتدأ والْحُسْنى بدله، ويجوز أن يكون أَمَّا وأَمَّا للتقسيم دون التخيير أي ليكن شأنك معهم إما التعذيب وإما الإِحسان، فالأول لمن أصر على الكفر والثاني لمن تاب عنه، ونداء الله إياه إن كان نبيًا فبوحي وإن كان غيره فبإلهام أو على لسان نبي. وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا بما نأمر به. يُسْرًا سهلًا ميسرًا غير شاق وتقديره ذا يسر، وقرئ بضمتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1591>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٩ الى ٩١]</span>\nثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)\nثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ثم أتبع طريقًا يوصله إلى المشرق.\nحَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ يعني الموضع الذي تطلع الشمس عليه أولًا من معمورة الأرض، وقرئ بفتح اللام على إضمار مضاف أي مكان مطلع الشمس فإنه مصدر. وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا من اللباس أو البناء، فإن أرضهم لا تمسك الأبنية أو أنهم اتخذوا الأسراب بدل الأبنية.\nكَذلِكَ أي أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكان وبسطة الملك، أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير والاختيار. ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف لوجد أو نَجْعَلْ أو صفة قوم أي على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم الشمس في الكفر والحكم. وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ من الجنود والآلات والعدد والأسباب. خُبْرًا علمًا تعلق بظواهره وخفاياه، والمراد أن كثرة ذلك بلغت مبلغًا لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1592>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٢ الى ٩٣]</span>\nثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لاَّ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)\nثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا يعني طريقًا ثالثًا معترضًا بين المشرق والمغرب آخذًا من الجنوب إلى الشمال.\nحَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بين الجبلين المبني بينهما سده وهمًا جبلا أرمينية وأذربيجان. وقيل جبلان منيفان في أواخر الشمال في منقطع أرض الترك من ورائهما يأجوج ومأجوج. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب بَيْنَ السَّدَّيْنِ بالضم وهما لغتان. وقيل المضموم لما خلقه الله تعالى والمفتوح لما عمله الناس لأنه في الأصل مصدر سمي به حدث يحدثه الناس. وقيل بالعكس وبين ها هنا مفعول به","vol":"3","page":292},{"text":"وهو من الظروف المتصرفة. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لاَّ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم. وقرأ حمزة والكساء «لا يفقهون» أي لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لتلعثمهم فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1593>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٤ الى ٩٦]</span>\nقالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)\nقالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ قال مترجمهم وفي مصحف ابن مسعود قال «الذين من دونهم» . إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قبيلتان من ولد يافث بن نوح، وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجبل. وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف. وقيل عربيان من أج الظليم إذا أسرع وأصلهما الهمز كما قرأ عاصم ومنع صرفهما للتعريف والتأنيث. مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أي في أرضنا بالقتل والتخريب وإتلاف الزرع. قيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابسًا إلا احتملوه، وقيل كانوا يأكلون الناس. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا جعلا نخرجه من أموالنا. وقرأ حمزة والكسائي «خراجًا» وكلاهما واحد كالنول والنوال. وقيل الخراج على الأرض والذمة والخرج المصدر. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا يحجز دون خروجهم علينا وقد ضمه من ضم السَّدَّيْنِ غير حمزة والكسائي.\nقالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ما جعلني فيه مكينًا من المال والملك خير مما تبذلون لي من الخراج ولا حاجة بي إليه. وقرأ ابن كثير «مكنني» على الأصل. فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أي بقوة فعلة أو بما أتقوى به من الآلات. أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا حاجزًا حصينًا وهو أكبر من السد من قولهم ثوب مردم إذا كان رقاعا فوق رقاع.\nآتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ قطعه والزبرة القطعة الكبيرة، وهو لا ينافي رد الخراج والاقتصار على المعونة لأن الإِيتاء بمعنى المناولة، ويدل عليه قراءة أبي بكر رَدْمًا ائتونى بكسر التنوين موصولة الهمزة على معنى جيئوني بزبر الحديد، والباء محذوفة حذفها في أمرتك الخير ولأن إعطاء الآلة من الإِعانة بالقوة دون الخراج على العمل. حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ بين جانبي الجبلين بتنضيدها. وقرأ ابن كثير وابن عامر والبصريان بضمتين، وأبو بكر بضم الصاد وسكون الدال، وقرئ فتح الصاد وضم الدال وكلها لغات من الصدف وهو الميل لأن كلًا منهما منعزل عن الآخر ومنه التصادف للتقابل. قالَ انْفُخُوا أي قال للعملة انفخوا في الأكوار والحديد. حَتَّى إِذا جَعَلَهُ جعل المنفوخ فيه. نَارًا كالنار بالإِحماء. قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا أي آتوني قطرًا أي نحاسًا مذابًا أفرغ عليه قطرًا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه. وبه تمسك البصريون على أن إعمال الثاني من العاملين المتوجهين نحو معمول واحد أولى، إذ لو كان قطرا مفعول آتوني لأضمر مفعول أفرغ حذرًا من الإِلباس. وقرأ حمزة وأبو بكر قال أتوني موصولة الألف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1594>[سورة الكهف (١٨): آية ٩٧]</span>\nفَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)\nفَمَا اسْطاعُوا بحذف التاء حذرًا من تلاقي متقاربين. وقرأ حمزة بالإِدغام جامعًا بين الساكنين على غير حده. وقرئ بقلب السين صادًا. أَنْ يَظْهَرُوهُ أن يعلوه بالصعود لارتفاعه وانملاسه. وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا لثخنه وصلابته. وقيل حفر للأساس حتى بلغ الماء، وجعله من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى ساوى أعلى الجبلين، ثم وضع المنافيخ حتى صارت كالنار فصب النحاس المذاب عليه فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلًا صلدًا. وقيل بناه من الصخور مرتبطًا بعضها ببعض بكلاليب من حديد ونحاس مذاب في تجاويفها.","vol":"3","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1595>[سورة الكهف (١٨): آية ٩٨]</span>\nقالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)\nقالَ هذا هذا السد أو الأقدار على تسويته. رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي على عباده. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، أو بقيام الساعة بأن شارف يوم القيامة. جَعَلَهُ دَكًّا مدكوكًا مبسوطًا مسوى بالأرض، مصدر بمعنى مفعول ومنه جمل أدك لمنبسط السنام. وقرأ الكوفيون دكاء بالمد أي أرضًا مستوية. وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا كائنًا لا محالة وهذا آخر حكاية قول ذي القرنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1596>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٩ الى ١٠١]</span>\nوَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)\nوَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وجعلنا بعض يأجوج ومأجوج حين يخرجون مما وراء السد يموجون في بعض مزدحمين في البلاد، أو يموج بعض الخلق في بعض فيضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى ويؤيده قوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ لقيام الساعة. فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا للحساب والجزاء.\nوَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا وأبرزناها وأظهرناها لهم.\nالَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتوحيد والتعظيم. وَكانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا استماعًا لذكري وكلامي لإِفراط صممهم عن الحق، فإن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به وهؤلاء كأنهم أصمت مسامعهم بالكلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1597>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٢]</span>\nأَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)\nأَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أفظنوا والاستفهام للإِنكار. أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي اتخاذهم الملائكة والمسيح.\nمِنْ دُونِي أَوْلِياءَ معبودين نافعهم، أو لا أعذبهم به فحذف المفعول الثاني كما يحذف الخبر للقرينة، أوسد أن يتخذوا مسد مفعوليه وقرئ «أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ» أي أفكافيهم في النجاة، وإن بما في حيزها مرتفع بأنه فاعل حسب، فإن النعت إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل أو خبر له. إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا ما يقام للنزيل، وفيه تهكم وتنبيه على أن لهم وراءها من العذاب ما تستحقر دونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1598>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]</span>\nقُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)\nقُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا نصب على التمييز وجمع لأنه من أسماء الفاعلين أو لتنوع أعمالهم.\nالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ضاع وبطل لكفرهم وعجبهم كالرهابنة فإنهم خسروا دنياهم وأخراهم، ومحله الرفع على الخبر المحذوف فإنه جواب السؤال أو الجر على البدل أو النصب على الذم.\nوَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا بعجبهم واعتقادهم أنهم على الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1599>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)\nأُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ بالقرآن أو بدلائله المنصوبة على التوحيد والنبوة. وَلِقائِهِ بالبعث على ما هو عليه أو لقاء عذابه. فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ بكفرهم فلا يثابون عليها. فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ","vol":"3","page":294},{"text":"وَزْنًا\nفنزدري بهم ولا نجعل لهم مقدارًا واعتبارًا، أو لا نضع لهم ميزانًا يوزن به أعمالهم لانحباطها.\nذلِكَ أي الأمر ذلك وقوله: جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ جملة مبينة له ويجوز أن يكون ذلِكَ مبتدأ والجملة خبره والعائد محذوف أي جزاؤهم به، أو جزاؤهم بدله وجَهَنَّمُ خبره أو جَزاؤُهُمْ خبره وجَهَنَّمُ عطف بيان للخبر. بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا أي بسبب ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1600>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لاَ يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (١٠٨)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا فيما سبق من حكم الله ووعده، والْفِرْدَوْسِ أعلى درجات الجنة، وأصله البستان الذي يجمع الكرم والنخل.\nخالِدِينَ فِيها حال مقدرة. لاَ يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا تحولًا إذ لا يجدون أطيب منها حتى تنازعهم إليه أنفسهم، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1601>[سورة الكهف (١٨): آية ١٠٩]</span>\nقُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)\nقُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا ما يكتب به، وهو اسم ما يمد الشيء كالحبر للدواة والسليط للسراج.\nلِكَلِماتِ رَبِّي لكلمات علمه وحكمته. لَنَفِدَ الْبَحْرُ لنفد جنس البحر بأمره لأن كل جسم متناه. قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي فإنها غير متناهية لا تنفد كعلمه، وقرأ حمزة والكسائي بالياء. وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ بمثل البحر الموجود. مَدَدًا زيادة ومعونة، لأن مجموع المتناهين متناه بل مجموع ما يدخل في الوجود من الأجسام لا يكون إلا متناهيًا للدلائل القاطعة على تناهي الأبعاد، والمتناهي ينفد قبل أن ينفد غير المتناهي لا محالة.\nوقرئ «ينفد» بالياء و«مَدَدًا» بكسر الميم جمع مدة وهي ما يستمده الكاتب ومدادًا. وسبب نزولها أن اليهود قالوا في كتابكم وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وتقرؤون وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1602>[سورة الكهف (١٨): آية ١١٠]</span>\nقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)\nقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ لا أدعي الإِحاطة على كلماته. يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وإنما تميزت عنكم بذلك. فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ يؤمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه. فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا يرتضيه الله. وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا بأن يرائيه أو يطلب منه أجرًا.\nروي أن جندب بن زهير قال لرسول الله ﷺ: إني لأعمل العمل لله فإذا أطلع عليه سرني فقال: «إن الله لا يقبل ما شورك فيه» . فنزلت تصديقًا له وعنه ﵊ «اتقوا الشرك الأصغر» قالوا وما الشرك الأصغر قال «الرياء» .\nوالآية جامعة لخلاصتي العلم والعمل وهما التوحيد والإِخلاص في الطاعة.\nوعن النبي ﷺ «من قرأها عند مضجعه كان له نورًا في مضجعه يتلألأ إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم، فإن كان مضجعه بمكة كان له نورًا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ» .\nوعنه ﵊ «من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نورًا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلها كانت له نورًا من الأرض إلى السماء» .","vol":"3","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1603>محتوى الجزء الثالث من تفسير البيضاوي</span>\nتفسير سورة الأعراف ٥\nبيان أن الوزن في الآخرة هل هو لصحائف الأعمال أم للأشخاص؟ ٦\nبيان غلط إبليس في دعواه الأفضلية على آدم ٧\nبيان ما استدلّ به على أن الملائكة أفضل من الأنبياء والجواب عنه ٨\nبيان معنى السرف المذموم ١١\nبيان معنى إخراج الغل من صدور أهل الجنة ١٣\nبيان الأعراف وأهلها ١٤\nبيان الإبداع الذي تفرّد به الباري في مخلوقاته ١٥\nبيان نسب نوح ﵇ ١٧\nبيان نسب هود ﵇ ١٨\nبيان ما فعل الله بعاد وما فعلوا ١٩\nبيان نسب صالح ﵇ ٢٠\nبيان ما فعلت ثمود وما فعل بهم ٢١\nقوم لوط وعملهم ٢٢\nبيان نسب مدين وشعيب ﵇ ٢٢\nبيان حال عصا موسى حين ألقاها عند فرعون ٢٧\nبيان ما أرسل على قوم فرعون من الآيات ٣٠\nبيان الدليل على جواز رؤية الله تعالى ٣٣\nبيان ما فعله السامري من صوغ العجل ٣٤\nبيان أن بعثته ﷺ إلى كافة الثقلين ٣٧\nبيان القرية التي أهلكت بسبب الصيد في السبت ٣٩\nبيان ما عذب به أهل القرية من المسخ ٤٠\nبيان أخذ الله الميثاق على بني آدم وما قيل في ذلك ٤١\nبيان الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها وكيفية ضلاله ٤٢\nبيان ما فعله إبليس مع حواء حين حملت والطعن في ذلك ٤٥\nتفسير سورة الأنفال ٤٩\nبيان السبب في غزوة بدر ٥١\nبيان محاصرة بني قريظة ٥٦","vol":"3","page":297},{"text":"بيان قسمة المغانم وما فيها من الخلاف ٦٠\nبيان ما فعله إبليس مع قريش حين أرادوا غزوة بدر ٦٢\nبيان ما فعله النبي مع عمه العباس حين دفعه الفداء في غزوة بدر ٦٧\nتفسير سورة براءة ٧٠\nبيان غزوة حنين وما أصاب المؤمنين فيها ٧٦\nبيان الجزية ومن تؤخذ منه ٧٧\nبيان التشديد على منع الزكاة ٧٩\nبيان الغار الذي ذهب إليه ﷺ وما فعله المشركون ٨١\nبيان الأصناف الذين تصرف إليهم الزكاة وذكر الخلاف في تعميمهم ٨٥\nبيان الصدقات التي تصدق بها المؤمنون وعابهم عليها المنافقون ٩٠\nبيان مسجد الضرار وما بني لأجله ٩٧\nبيان الدليل على أن أخبار الآحاد حجة ١٠٢\nتفسير سورة يونس ١٠٤\nبيان جملة ما احتوى عليه القرآن ١٠٧\nبيان الدليل على أن للعبد كسبًا ١١٣\nبيان أن الإنسان وإن عظم شأنه بعيد عن مظان الربوبية ١٢٢\nبيان بعث يونس ﵇ إلى أهل نينوى وما فعلوه ١٢٤\nتفسير سورة هود ١٢٧\nبيان حكم التعليق بشرطين ١٣٣\nبيان ما أبداه هود ﵇ من المعجزة ١٣٨\nبيان أن حال أهل الموقف لا يخلو عن السعادة والشقاوة وربما اجتمع الأمران لواحد ١٤٨\nتفسير سورة يوسف ﵇ ١٥٤\nبيان جهة البئر الذي رمي به يوسف ﵇ ١٥٦\nبيان ما كان عليه يوسف ﵇ من الحسن ١٦٢\nبيان ما كان عليه يوسف ﵇ من معرفة اللغات ١٦٧\nبيان ما كان عليه يوسف ﵇ من كرم الأخلاق ١٧٥\nتفسير سورة الرعد ١٨٠\nبيان ما فعله أربد وعامر بن الطفيل مع رسول الله ﷺ وما فعل بهما ١٨٣\nبيان ما اقترحته قريش على النبي ﷺ من الآيات ١٨٨\nتفسير سورة إبراهيم ﵇ ١٩٢\nبيان حال هاجر أمّ إسماعيل ﵇ ٢٠١\nتفسير سورة الحجر ٢٠٦","vol":"3","page":298},{"text":"بيان قبول المواد للجمع والإحياء ٢٠٩\nبيان ما ورد في فضل من أوتي القرآن ٢١٧\nتفسير سورة النحل ٢١٩\nبيان ما يعتري الحبة عند بذرها مما يدل على عجيب صنع الحكيم جل شأنه ٢٢١\nبيان حال الغذاء بعد استقراره في الجوف إلى أن يكون دما ولبنا ٢٣١\nبيان ما فعلته قريش من التعذيب لعمار وأبويه ٢٤١\nبيان حصر المحرمات في أجناس أربعة وما ضم إليها ٢٤٣\nتفسير سورة بني إسرائيل (الإسراء) ٢٤٧\nبيان ما فعله بختنصر ببني إسرائيل ٢٤٧\nبيان حجة من منع التقليد والرد عليه ٢٥٥\nبيان حجة من قال: إن الإسراء كان مناما والردّ عليه ٢٥٨\nبيان ما قالته ثقيف للنبي ﷺ وأباه ٢٦٢\nبيان أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة ٢٦٤\nتفسير سورة الكهف ٢٧٢\nبيان من دخلوا غارا فسد عليهم وخلصوا بتوسلهم بأعمالهم الصالحة ٢٧٣\nبيان ما طلبته صناديد قريش من إبعاد فقراء المهاجرين عن مجلس النبي ﷺ ٢٧٩\nبيان حال الأخوين اللذين مات والدهما وافترق حالهما في اليسار والفقر ٢٨٠\nبيان الذي دعا موسى ﵇ إلى سؤاله الاجتماع بالخضر ٢٨٦\nتم بحمد الله وحسن توفيقه طبع الجزء الثالث من تفسير البيضاوي في مطابع دار إحياء التراث العربي- بيروت الزاهرة أدامها الله لطبع المزيد من الكتب النافعة ويليه الجزء الرابع وأوله سورة مريم ولله الحمد والمنة","vol":"3","page":299},{"text":"[الجزء الرابع]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1604>(١٩) سورة مريم</span>\nمكية إلا آية السجدة وهي ثمان أو تسع وتسعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1605>[سورة مريم (١٩): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nكهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)\nكهيعص أمال أبو عمرو الهاء لأن ألفات أسماء التهجي ياءات وابن عامر وحمزة الياء، والكسائي وأبو بكر كليهما، ونافع بين بين ونافع وابن كثير وعاصم يظهرون دال الهجاء عند الذال، والباقون يدغمونها.\nذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ خبر ما قبله إن أول السورة أو بالقرآن، فإنه مشتمل عليه أو خبر محذوف أي:\nهذا المتلو ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ، أو مبتدأ حذف خبره أي فيما يتلى عليك ذكرها، وقرئ «ذِكْرُ رَحْمَةِ» على الماضي و«ذكر» على الأمر. عَبْدَهُ مفعول الرحمة أو الذكر على أن الرحمة فاعله على الاتساع كقولك:\nذكرني جود زيد. زَكَرِيَّا بدل منه أو عطف بيان له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1606>[سورة مريم (١٩): آية ٣]</span>\nإِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣)\nإِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا لأن الإِخفاء والجهر عند الله سيان، والإِخفاء أشد إخباتًا وأكثر إخلاصًا أو لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبر، أو لئلا يطلع عليه مواليه الذين خافهم، أو لأن ضعف الهرم أخفى صوته. واختلف في سنه حينئذ فقيل ستون، وقيل سبعون، وقيل خمس وسبعون، وقيل خمس وثمانون، وقيل تسع وتسعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1607>[سورة مريم (١٩): آية ٤]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)\nقالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي تفسير للنداء والوهن الضعف، وتخصيص العظم لأنه دعامة البدن وأصل بنائه ولأنه أصلب ما فيه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن وتوحيده لأن المراد به الجنس، وقرئ «وهن» و«وهن» بالضم والكسر ونظيره كمل بالحركات الثلاث. وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا شبه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ النار وانتشاره وفشوه في الشعر باشتعالها، ثم أخرجه مخرج الاستعارة وأسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو مكان الشيب مبالغة، وجعله مميزًا إيضاحًا للمقصود، واكتفى باللام على الإِضافة للدلالة على أن علم المخاطب بتعين المراد يغني عن التقيد. وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا بل كلما دعوتك استجبت لي وهو توسل بما سلف معه من الاستجابة، وتنبيه على أن المدعو له وإن لم يكن معتادًا فإجابته معتادة، وأنه تعالى عوده بالإِجابة وأطمعه فيها، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1608>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)\nوَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ يعني بني عمه وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا خلافته على أمته","vol":"4","page":5},{"text":"ويبدلوا عليهم دينهم. مِنْ وَرائِي بعد موتي، وعن ابن كثير بالمد والقصر بفتح الياء وهو متعلق بمحذوف، أو بمعنى الموالى أي خفت فعل الموالي من ورائي، أو الذين يلون الأمر من ورائي. وقرئ «خفت الوالي من ورائي» أي قلوا وعجزوا عن إقامة الدين بعدي، أو خفوا ودرجوا قدامي، فعلى هذا كان الظرف متعلقًا ب خِفْتُ. وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا لا تلد. فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ فإن مثله لا يرجى إلا من فضلك وكمال قدرتك، فإني وامرأتي لا نصلح للولادة. وَلِيًّا من صلبي.\nيَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ صفتان له وجزمهما أبو عمرو والكسائي على أنهما جواب الدعاء، والمراد وراثة الشرع والعلم فإن الأنبياء لا يورثون المال. وقيل يرثني الحبورة فإنه كان حبرًا، ويرث من آل يعقوب الملك، وهو يعقوب بن إسحاق عليهما الصلاة والسلام. وقيل يعقوب كان أخا زكريا أو عمران بن ماثان من نسل سليمان ﵇. وقرئ «يرثني وارث آل يعقوب» على الحال من أحد الضميرين، و«أويرث» بالتصغير لصغره، و«وارث من آل يعقوب» على أنه فاعل يَرِثُنِي وهذا يسمى التجريد في علم البيان لأنه جرد عن المذكور أولًا مع أنه المراد. وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ترضاه قولا وعملا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1609>[سورة مريم (١٩): آية ٧]</span>\nيا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)\nيا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى جواب لندائه ووعد بإجابة دعائه وإنما تولى تسميته تشريفًا له.\nلَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا لم يسم أحد بيحيى قبله، وهو شاهد بأن التسمية بالأسامي الغريبة تنويه للمسمى. وقيل سميًا شبيهًا كقوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا لأن المتماثلين يتشاركان في الاسم، والأظهر أنه أعجمي وإن كان عربيًا فمنقول عن فعل كيعيش ويعمر. وقيل سمي به لأنه حيي به رحم أمه، أو لأن دين الله حيي بدعوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1610>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nقالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)\nقالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا جساوة وقحولًا في المفاصل، وأصله عتوو كقعود فاستثقلوا توالي الضمتين والواوين فكسروا التاء فانقلبت الواو الأولى ياء، ثم قلبت الثانية وأدغمت وقرأ حمزة والكسائي وحفص عِتِيًّا بالكسر، وإنما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافًا بأن المؤثر فيه كمال قدرته وأن الوسائط عند التحقيق ملغاة ولذلك: قالَ أي الله تعالى أو الملك المبلغ للبشارة تصديقًا له. كَذلِكَ الأمر كذلك، ويجوز أن تكون الكاف منصوبة ب- قالَ في:\nقالَ رَبُّكَ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره. هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ويؤيد الأول قراءة من قرأ وهُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي الأمر كما قلت، أو كما وعدت وهو على ذلك يهون علي، أو كما وعدت وهو على هين لا أحتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب، ومفعول قال الثاني محذوف. وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا بل كنت معدومًا صرفًا، وفيه دليل على أن المعدوم ليس بشيء، وقرأ حمزة والكسائي «وقد خلقناك» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1611>[سورة مريم (١٩): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)\nقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً علامة أعلم بها وقوع ما بشرتني به. قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا سَوِيُّ الخَلْقِ ما بك من خرس ولا بكم، وإنما ذكر الليالي هنا والأيام في «آل عمران» للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس والتجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام ولياليهن.","vol":"4","page":6},{"text":"فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ من المصلى أو من الغرفة. فَأَوْحى إِلَيْهِمْ فأومأ إليهم لقوله إِلَّا رَمْزًا. وقيل كتب لهم على الأرض. أَنْ سَبِّحُوا صلوا أو نزهوا ربكم. بُكْرَةً وَعَشِيًّا طرفي النهار، ولعله كان مأمورًا بأن يسبح ويأمر قومه بأن يوافقوه، وأَنْ تحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون مفسرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1612>[سورة مريم (١٩): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nيا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣)\nيَا يَحْيى على تقدير القول. خُذِ الْكِتابَ التوراة. بِقُوَّةٍ بجد واستظهار بالتوفيق. وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا يعني الحكمة وفهم التوراة، وقيل النبوة أحكم الله عقله في صباه واستنبأه.\nوَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا ورحمة منا عليه أو رحمة وتعطفًا في قلبه على أبويه وغيرهما عطف على الحكم.\nوَزَكاةً وطهارة من الذنوب أو صدقة أي تصدق الله به على أبويه، أو مكنه ووفقه للتصدق على الناس.\nوَكانَ تَقِيًّا مطيعًا متجنبًا عن المعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1613>[سورة مريم (١٩): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)\nوَبَرًّا بِوالِدَيْهِ\nوبارًا بهما. وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا\nعاقًا أو عاصي ربه.\nوَسَلامٌ عَلَيْهِ\nمن الله. يَوْمَ وُلِدَ\nمن أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم. وَيَوْمَ يَمُوتُ\nمن عذاب القبر. وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا\nمن عذاب النار وهول القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1614>[سورة مريم (١٩): آية ١٦]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (١٦)\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ\nفي القرآن. مَرْيَمَ\nيعني قصتها. إِذِ انْتَبَذَتْ\nاعتزلت، بدل من مَرْيَمَ\nبدل الاشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها، أو بدل الكل لأن المراد ب مَرْيَمَ\nقصتها وبالظرف الأمر الواقع فيه وهما واحد، أو ظرف لمضاف مقدر وقيل إِذِ\nبمعنى أن المصدرية كقولك: أكرمتك إذ لم تكرمني فتكون بدلًا لا محالة. مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا\nشرقي بيت المقدس، أو شرقي دارها، ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة ومكانًا ظرف أو مفعول لأن انْتَبَذَتْ\nمتضمن معنى أتت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1615>[سورة مريم (١٩): آية ١٧]</span>\nفَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)\nفَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا\nسترًا. فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا\nقيل قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض متحجبة بشيء يسترها. وكانت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه إذا طهرت. فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل ﵇ متمثلًا بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه، ولعله لتهييج شهوتها به فتنحدر نطفتها إلى رحمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1616>[سورة مريم (١٩): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nقالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (١٩)\nقالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ\nمن غاية عفافها. إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا\nتتقي الله وتحتفل بالاستعاذة، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فإني عائذة منك، أو فتتعظ بتعويذي أو فلا تتعرض لي، ويجوز أن يكون للمبالغة أي إن كنت تقيًا متورعًا فإني أتعوذ منك فكيف إذا لم تكن كذلك.","vol":"4","page":7},{"text":"قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ\nالذي استعذت به. لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا\nأي لأكون سببًا في هبته بالنفخ في الدرع، ويجوز أن يكون حكاية لقول الله تعالى، ويؤيده قراءة أبي عمرو والأكثر عن نافع ويعقوب بالياء.\nزَكِيًّا\nطاهرًا من الذنوب أو ناميًا على الخير أي مترقيًا من سن إلى سن على الخير والصلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1617>[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nقالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)\nقالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يباشرني رجل بالحلال، فإن هذه الكنايات إنما تطلق فيه، أما الزنا فإنما يقال فيه خبث بها وفجر ونحو ذلك ويعضده عطف قوله: وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا عليه وهو فعول من البغي قلبت واوه ياء وأدغمت ثم كسرت الغين اتباعًا ولذلك لم تلحقه التاء، أو فعيل بمعنى فاعل ولم تلحقه التاء لأنه للمبالغة، أو للنسب كطالق.\nقالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ أي ونفعل ذلك لنجعله آية أو لنبين به قدرتنا ولنجعله، وقيل عطف على ليهب على طريقة الالتفات. آيَةً لِلنَّاسِ علامة لهم وبرهانًا على كمال قدرتنا. وَرَحْمَةً مِنَّا على العباد يهتدون بإرشاده. وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا أي تعلق به قضاء الله في الأزل، أو قدر وسطر في اللوح أو كان أمرًا حقيقًا بأن يقضى ويفعل لكونه آية ورحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1618>[سورة مريم (١٩): آية ٢٢]</span>\nفَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا (٢٢)\nفَحَمَلَتْهُ بأن نفخ في درعها فدخلت النفخة في جوفها وكان مدة حملها سبعة أشهر، وقيل ستة، وقيل ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانية غيره، وقيل ساعة كما حملته نبذته وسنها ثلاث عشرة سنة، وقيل عشر سنين وقد حاضت حيضتين. فَانْتَبَذَتْ بِهِ فاعتزلت وهو في بطنها كقوله:\nتَدُوسُ بِنَا الجَماجِم وَالتَرِيبَا والجار والمجرور في موضع الحال. مَكانًا قَصِيًّا بعيدًا من أهلها وراء الجبل وقيل أقصى الدار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1619>[سورة مريم (١٩): آية ٢٣]</span>\nفَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)\nفَأَجاءَهَا الْمَخاضُ فألجأها المخاض، وهو في الأصل منقول من جاء لكنه خص به في الاستعمال كآتى في أعطى وقرئ «المخاض» بالكسر وهما مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج.\nإِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة، وهو ما بين العرق والغصن وكانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا خضرة وكان الوقت شتاء، والتعريف إما للجنس أو للعهد إذ لم يكن ثم غيرها وكانت كالمتعالم عند الناس، ولعله تعالى ألهمها ذلك ليريها من آياته ما يسكن روعتها ويطعمها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها. قالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا استحياء من الناس ومخافة لومهم، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر مِتُّ من مات يموت. وَكُنْتُ نَسْيًا ما من شأنه أن ينسى ولا يطلب ونظيره الذبح لما يذبح، وقرأ حمزة وحفص بالفتح وهو لغة فيه أو مصدر سمي به، وقرئ به وبالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته. مَنْسِيًّا منسي الذكر بحيث لا يخطر ببالهم وقرئ بكسر الميم على الاتباع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1620>[سورة مريم (١٩): آية ٢٤]</span>\nفَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)\nفَناداها مِنْ تَحْتِها عيسى، وقيل جبريل كان يقبل الولد، وقيل تحتها أسفل من مكانها. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص وروح مِنْ تَحْتِها بالكسر والجر على أن في نادى ضمير أحدهما، وقيل الضمير","vol":"4","page":8},{"text":"في تحتها للنخلة. أَلَّا تَحْزَنِي أي لا تحزني أو بأن لا تحزني. قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا جدولًا. هكذا روي مرفوعا، وقيل سيدا من السرو وهو عيسى ﵊.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1621>[سورة مريم (١٩): آية ٢٥]</span>\nوَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)\nوَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ وأميليه إليك، والباء مزيدة للتأكيد أو افعلي الهز والأمالة به، أو هُزِّي الثمرة بهزه والهز تحريك بجذب ودفع. تُساقِطْ عَلَيْكِ تتساقط فأدغمت التاء الثانية في السين وحذفها حمزة، وقرأ يعقوب بالياء وحفص تُساقِطْ من ساقطت بمعنى أسقطت، وقرئ «تتساقط» و«تسقط» و«يسقط» فالتاء للنخلة والياء للجذع. رُطَبًا جَنِيًّا تمييز أو مفعول.\nروي أنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمر وكان الوقت شتاء، فهزتها فجعل الله تعالى لها رأسًا وخوصًا ورطبًا.\nوتسليتها بذلك لما فيه من المعجزات الدالة على براءة ساحتها فإن مثلها لا يتصور لمن يرتكب الفواحش، والمنبهة لمن رآها على أن من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء قدر أن يحبلها من غير فحل، وأنه ليس ببدع من شأنها مع ما فيه من الشراب والطعام ولذلك رتب عليه الأمرين فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1622>[سورة مريم (١٩): آية ٢٦]</span>\nفَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)\nفَكُلِي وَاشْرَبِي أي من الرطب وماء السرى أو من الرطب وعصيره. وَقَرِّي عَيْنًا وطيبي نفسك وارفضي عنها ما أحزنك، وقرئ «وقَرى» بالكسر وهو لغة نجد، واشتقاقه من القرار فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، أو من القر فإن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة ولذلك يقال قرة العين للمحبوب وسخنتها للمكروه. فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فإن تري آدميا، وقرئ «ترئن» على لغة من يقول لبأت بالحج لتآخ بين الهمزة وحرف اللين. فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا صمتا وقد قرئ به، أو صيامًا وكانوا لا يتكلمون في صيامهم. فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا بعد أن أخبرتكم بنذري وإنما أكلم الملائكة وأناجي ربي. وقيل أخبرتهم بنذرها بالإِشارة وأمرها بذلك لكراهة المجادلة والاكتفاء بكلام عيسى ﵊ فإنه قاطع في قطع الطاعن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1623>[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nفَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)\nفَأَتَتْ بِهِ أي مع ولدها. قَوْمَها راجعة إليهم بعد ما طهرت من النفاس. تَحْمِلُهُ حاملة إياه.\nقالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا أي بديعًا منكرًا من فري الجلد.\nيَآ أُخْتَ هارُونَ يعنون هارون النبي ﵊ وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة، وقيل كانت من نسله وكان بينهما ألف سنة. وقيل هو رجل صالح أو طالح كان في زمانهم شبهوها به تهكمًا أو لما رأوا قبل من صلاحها أو شتموها به. مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا تقرير لأن ما جاءت به فري، وتنبيه على أن الفواحش من أولاد الصالحين أفحش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1624>[سورة مريم (١٩): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nفَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)\nفَأَشارَتْ إِلَيْهِ إلى عيسى ﵊ أي كلموه ليجيبكم. قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي","vol":"4","page":9},{"text":"الْمَهْدِ صَبِيًّا\nولم نعهد صبيًا في المهد كلمه عاقل، وكانَ زائدة والظرف صلة من، وصَبِيًّا حال من المستكن فيه أو تامة أو دائمة كقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا أو بمعنى صار.\nقالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ أنطقه الله تعالى به أولًا لأنه أول المقامات والرد على من يزعم ربوبيته. آتانِيَ الْكِتابَ الإِنجيل. وَجَعَلَنِي نَبِيًّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1625>[سورة مريم (١٩): الآيات ٣١ الى ٣٣]</span>\nوَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)\nوَجَعَلَنِي مُبارَكًا نفاعًا معلمًا للخير، والتعبير بلفظ الماضي إما باعتبار ما سبق في قضائه، أو بجعل المحقق وقوعه كالواقع وقيل أكمل الله عقله واستنبأه طفلا. أَيْنَ ما كُنْتُ حيث كنت. وَأَوْصانِي وأمرني.\nبِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ زكاة المال إن ملكته أو تطهير النفس عن الرذائل. مَا دُمْتُ حَيًّا.\nوَبَرًّا بِوالِدَتِي وبارًا بها عطف على مُبارَكًا، وقرئ بالكسر على أنه مصدر وصف به أو منصوب بفعل دل عليه أوصاني، أي وكلفني برًا ويؤيده القراءة بالكسر والجر عطفًا على بِالصَّلاةِ. وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا عند الله من فرط تكبره.\nوَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا كما هو على يحيى والتعريف للعهد والأظهر أنه للجنس والتعريض باللعن على أعدائه، فإنه لما جعل جنس السلام على نفسه عرض بأن ضده عليهم كقوله تعالى: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى فإنه تعريض بأن العذاب على من كذب وتولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1626>[سورة مريم (١٩): آية ٣٤]</span>\nذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)\nذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أي الذي تقدم نعته هو عيسى ابن مريم لا ما يصفه النصارى، وهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني حيث جعله موصوفًا بأضداد ما يصفونه ثم عكس الحكم.\nقَوْلَ الْحَقِّ خبر محذوف أي هو قول الحق الذي لا ريب فيه، والإِضافة للبيان والضمير للكلام السابق أو لتمام القصة. وقيل صفة عِيسَى أو بدل أو خبر ثان ومعناه كلمة الله. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قَوْلَ بالنصب على أنه مصدر مؤكد. وقرئ «قال الحق» وهو بمعنى القول. الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ في أمره يشكون أو يتنازعون، فقالت اليهود ساحر وقالت النصارى ابن الله وقرئ بالتاء على الخطاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1627>[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nمَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)\nمَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ تكذيب للنصارى وتنزيه لله تعالى عما بهتوه. إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ تبكيت لهم، فإن من إذا أراد شيئًا أوجده ب كُنْ كان منزهًا عن شبه الخلق إلى الحاجة في اتخاذ الولد بإحبال الإِناث، وقرأ ابن عامر فَيَكُونَ بالنصب على الجواب.\nوَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ سبق تفسيره في سورة «آل عمران»، وقرأ الحجازيان والبصريان وَإِنَّ بالفتح على ولأن وقيل إنه معطوف على بِالصَّلاةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1628>[سورة مريم (١٩): آية ٣٧]</span>\nفَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)\nفَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ اليهود والنصارى أو فرق النصارى: نسطورية قالوا إنه ابن الله،","vol":"4","page":10},{"text":"ويعقوبية قالوا هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء، وملكانية قالوا هو عبد الله ونبيه. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ من شهود يوم عظيم هوله وحسابه وجزاؤه، وهو يوم القيامة أو من وقت الشهود أو من مكانه فيه، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وهو أن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وآرابهم وأرجلهم بالكفر والفسق، أو من وقت الشهادة أو من مكانها. وقيل هو ما شهدوا به في عيسى وأمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1629>[سورة مريم (١٩): آية ٣٨]</span>\nأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨)\nأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ تعجب معناه أن استماعهم وأبصارهم. يَوْمَ يَأْتُونَنا أي يوم القيامة جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صمًا عميًا في الدنيا، أو التهديد بما سيسمعون ويبصرون يومئذ. وقيل أمر بأن يسمعهم ويبصرهم مواعيد ذلك اليوم وما يحيق بهم فيه، والجار والمجرور على الأول في موضع الرفع وعلى الثاني في موضع النصب لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أوقع الظالمين موقع الضمير إشعارًا بأنهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم، وسجل على إغفالهم بأنه ضلال بين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1630>[سورة مريم (١٩): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nوَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)\nوَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ يوم يتحسر الناس المسيء على إساءته والمحسن على قلة إحسانه. إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار، وإذ بدل من اليوم أو ظرف للحسرة. وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ حال متعلقة بقوله فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وما بينهما اعتراض، أو ب أَنْذِرْهُمْ أي أنذرهم غافلين غير مؤمنين، فتكون حالًا متضمنة للتعليل.\nإِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها لا يبقى غيرنا عليها وعليهم ملك ولا ملك، أو نتوفى الأرض ومن عليها بالإِفناء والإِهلاك توفي الوارث لإِرثه. وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ يردون للجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1631>[سورة مريم (١٩): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا ملازمًا للصدق، أو كثير التصديق لكثرة ما صدق به من غيوب الله تعالى وآياته وكتبه ورسله. نَبِيًّا استنبأه الله.\nإِذْ قالَ\nبدل من إِبْراهِيمَ وما بينهما اعتراض، أو متعلق ب كانَ أو ب صِدِّيقًا نَبِيًّا. لِأَبِيهِ يا أَبَتِ\nالتاء معوضة من ياء الإِضافة ولذلك لا يقال يا أبتي ويقال يا أبتا، وإنما تذكر للاستعطاف ولذلك كررها. لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ\nفيعرف حالك ويسمع ذكرك ويرى خضوعك. وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا\nفي جلب نفع أو دفع ضر، دعاه إلى الهدى وبين ضلاله واحتج عليه أبلغ احتجاج وأرشقه برفق وحسن أدب، حيث لم يصرح بضلاله بل طلب العلة التي تدعوه إلى عبادة ما يستخف به العقل الصريح ويأبى الركون إليه، فضلًا عن عبادته التي هي غاية التعظيم، ولا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإِنعام العام وهو الخالق الرازق المحيي المميت المعاقب المثيب، ونبه على أن العاقل ينبغي أن يفعل ما يفعل لغرض صحيح، والشيء لو كان حيًا مميزًا سميعًا بصيرًا مقتدرًا على النفع والضر ولكن كان ممكنًا، لاستنكف العقل القويم من عبادته وإن كان أشرف الخلق كالملائكة والنبيين لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة، فكيف إذا كان جمادًا لا يسمع ولا يبصر، ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى الحق القويم والصراط المستقيم لما لم يكن محظوظًا من العلم الإِلهي مستقلًا بالنظر السوي فقال:","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1632>[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nيا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤)\nيا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا ولم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق، بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق، ثم ثبطه عما كان عليه بأنه مع خلوه عن النفع مستلزم للضر، فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان من حيث إنه الآمر به فقال:\nيا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ولما استهجن ذلك بين وجه الضر فيه بأن الشيطان مستعص على ربك المولي للنعم كلها بقوله: إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص وكل عاص حقيق بأن تسترد منه النعم وينتقم منه، ولذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته وما يجر إليه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1633>[سورة مريم (١٩): آية ٤٥]</span>\nيا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)\nيا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا قرينًا في اللعن والعذاب تليه ويليك، أو ثابتًا في موالاته فإنه أكبر من العذاب كما أن رضوان الله أكبر من الثواب. وذكر الخوف والمس وتنكير العذاب إما للمجاملة أو لخفاء العاقبة، ولعل اقتصاره على عصيان الشيطان من بين جناياته لإِرتقاء همته في الربانية، أو لأنه ملاكها أو لأنه من حيث إنه نتيجة معاداته لآدم وذريته منبه عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1634>[سورة مريم (١٩): آية ٤٦]</span>\nقالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)\nقالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ قابل استعطافه ولطفه في الارشاد بالفظاظة وغلظة العناد فناداه باسمه ولم يقابل يَا أَبَتِ: بيا بني، وأخره وقدم الخبر على المبتدأ وصدره بالهمزة لإِنكار نفس الرغبة على ضرب من التعجب، كأنها مما لا يرغب عنها عاقل ثم هدده فقال: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عن مقالك فيها أو الرغبة عنها. لَأَرْجُمَنَّكَ بلساني يعني الشتم والذم أو بالحجارة حتى تموت، أو تبعد مني. وَاهْجُرْنِي عطف على ما دل عليه لَأَرْجُمَنَّكَ أي فاحذرني واهجرني. مَلِيًّا زمانًا طويلًا من الملاوة أو مليًا بالذهاب عني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1635>[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nقالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)\nقالَ سَلامٌ عَلَيْكَ توديع ومتاركة ومقابلة للسيئة بالحسنة، أي لا أصيبك بمكروه ولا أقول لك بعد ما يؤذيك ولكن: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي لعله يوفقك للتوبة والإِيمان، فإن حقيقة الاستغفار للكافر إستدعاء التوفيق لما يوجب مغفرته وقد مر تقريره في سورة التوبة إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا بليغًا في البر والإِلطاف.\nوَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ بالمهاجرة بديني. وَأَدْعُوا رَبِّي وأعبده وحده. عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا خائبًا ضائع السعي مثلكم في دعاء آلهتهم، وفي تصدير الكلام ب عَسى التواضع وهضم النفس، والتنبيه على أن الإِجابة والإِثابة تفضل غير واجبتين، وأن ملاك الأمر خاتمته وهو غيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1636>[سورة مريم (١٩): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nفَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًاّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)\nفَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ بالهجرة إلى الشام. وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ بدل من فارقهم من الكفرة، قيل إنه لما قصد الشام أتى أولًا حران وتزوج بسارة وولدت له إسحاق وولد منه يعقوب، ولعل","vol":"4","page":12},{"text":"تخصيصهما بالذكر لأنهما شجرتا الأنبياء أو لأنه أراد أن يذكر إسماعيل بفضله على الانفراد. وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا وكلا منهما أو منهم.\nوَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا النبوة والأموال والأولاد. وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا يفتخر بهم الناس ويثنون عليهم، استجابة لدعوته وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ والمراد باللسان ما يوجد به، ولسان العرب لغتهم وإضافته إلى الصدق وتوصيفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يثنون عليهم، وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار وتحول الدول وتبدل الملل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1637>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥١ الى ٥٣]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا موحدًا أخلص عبادته عن الشرك والرياء، أو أسلم وجهه لله وأخلص نفسه عما سواه، وقرأ الكوفيون بالفتح على أن الله أخلصه. وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا أرسله الله إلى الخلق فأنبأهم عنه ولذلك قدم رَسُولًا مع أنه أخلص وأعلى.\nوَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ من ناحيته اليمنى من اليمين، وهي التي تلي يمين موسى من جانبه الميمون من اليمن بأن تمثل له الكلام من تلك الجهة. وَقَرَّبْناهُ تقريب تشريف شبهه بمن قربه الملك لمناجاته. نَجِيًّا مناجيًا حال من أحد الضميرين. وقيل مرتفعًا من النجوة وهو الارتفاع. لما\nروي أنه رفع فوق السموات حتى سمع صرير القلم.\nوَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا من أجل رحمتنا أو بعض رحمتنا. أَخاهُ معاضدة أخيه وموازرته إجابة لدعوته وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي فإنه كان أسن من موسى، وهو مفعول أو بدل على تقدير أن تكون مِنْ للتبعيض. هارُونَ عطف بيان له. نَبِيًّا حال منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1638>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ ذكره بذلك لأنه المشهور به والموصوف بأشياء في هذا الباب لم تعهد من غيره، وناهيك أنه وعد الصبر على الذبح فقال: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فوفى. وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا يدل على أن الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته.\nوَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ اشتغالًا بالأهم وهو أن يقبل الرجل على نفسه ومن هو أقرب الناس إليه بالتكميل، قال الله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا. وقيل أهله أمته فإن الأنبياء آباء الأمم. وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا لاستقامة أقواله وأفعاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1639>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا (٥٧)\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ وهو سبط شيث وجد أبي نوح ﵈، واسمه أخنوخ واشتقاق إدريس من الدرس يرده منع صرفه، نعم لا يبعد أن يكون معناه في تلك اللغة قريبًا من ذلك فلقب به لكثرة درسه، إذ\nروي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأنه أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب.\nإِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا.","vol":"4","page":13},{"text":"وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا يعني شرف النبوة والزلفى عند الله، وقيل الجنة، وقيل السماء السادسة أو الرابعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1640>[سورة مريم (١٩): آية ٥٨]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)\nأُولئِكَ إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس ﵈. الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بأنواع النعم الدينية والدنيوية مِنَ النَّبِيِّينَ بيان للموصول. مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ بدل منه بإعادة الجار، ويجوز أن تكون مِنَ فيه للتبعيض لأن المنعم عليهم أعم من الأنبياء وأخص من الذرية. وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ أي ومن ذرية من حملنا خصوصًا، وهم من عدا إدريس فإن إبراهيم كان من ذرية سام بن نوح. وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ الباقون. وَإِسْرائِيلَ عطف على إِبْراهِيمَ أي ومن ذرية إسرائيل، وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية. وَمِمَّنْ هَدَيْنا ومن جملة من هديناهم إلى الحق. وَاجْتَبَيْنا للنبوة والكرامة. إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا خبر ل أُولئِكَ إن جعلت الموصول صفته، واستئناف إن جعلته خبره لبيان خشيتهم من الله وإخباتهم له مع ما لهم من علو الطبقة في شرف النسب وكمال النفس والزلفى من الله تعالى.\nوعن النبي ﵊ «اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكو فتباكوا» .\nوالبكي جمع باك كالسجود في جمع ساجد. وقرئ «يتلى» بالياء لأن التأنيث غير حقيقي، وقرأ حمزة والكسائي بُكِيًّا بكسر الباء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1641>[سورة مريم (١٩): آية ٥٩]</span>\nفَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)\nفَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ فعقبهم وجاء بعدهم عقب سوء يقال خلف صدق بالفتح، وخلف سوء بالسكون. أَضاعُوا الصَّلاةَ تركوها أو أخروها عن وقتها. وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ كشرب الخمر واستحلال نكاح الأخت من الأب والانهماك في المعاصي.\nوعن علي ﵁ في قوله وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ: من بنى الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور.\nفَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا شرًا كقوله:\nفَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمِد النَاس أَمْرَه ... وَمَنْ يَغْو لاَ يعْدَمْ عَلَى الغَيِّ لاَئِمًا\nأو جزاء غي كقوله تعالى: يَلْقَ أَثامًا أو غيًا عن طريق الجنة، وقيل هو واد في جهنم يستعيذ منه أوديتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1642>[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nإِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)\nإِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا يدل على أن الآية في الكفرة. فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب على البناء للمفعول من أدخل. وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ولا ينقصون شيئًا من جزاء أعمالهم، ويجوز أن ينصب شَيْئًا على المصدر، وفيه تنبيه على أن كفرهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم.\nجَنَّاتِ عَدْنٍ بدل من الجنة بدل البعض لاشتمالها عليها، أو منصوب على المدح، وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وعدن لأنه المضاف إليه في العلم أو علم للعدن بمعنى الإِقامة كبرة ولذلك صح وصف ما أضيف إليه بقوله: الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ أي وعدها إياهم وهي غائبة عنهم، أو وهم غائبون عنها، أو وعدهم بإيمانهم بالغيب. إِنَّهُ إن الله. كانَ وَعْدُهُ الذي هو الجنة. مَأْتِيًّا يأتيها أهلها الموعود لهم لا محالة، وقيل هو من أتى إليه إحسانًا أي مفعولًا منجزًا.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1643>[سورة مريم (١٩): آية ٦٢]</span>\nلاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)\nلاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا فضول كلام. إِلَّا سَلامًا ولكن يسمعون قولًا يسلمون فيه من العيب والنقيصة، أو تسليم الملائكة عليهم أو تسليم بعضهم، على بعض على الاستثناء المنقطع، أو على أن معنى التسليم إن كان لغوًا فلا يسمعون لغوًا سواه كقوله:\nوَلاَ عَيْبَ فِيهِم غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنَّ فُلُولٌ من قراع الكتائب\nأو على أن معناه الدعاء بالسلامة وأهلها أغنياء عنه فهو من باب اللغو ظاهرًا وإنما فائدته الإِكرام.\nوَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا على عادة المتنعمين والتوسط بين الزهادة والرغابة، وقيل المراد دوام الرزق ودروره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1644>[سورة مريم (١٩): آية ٦٣]</span>\nتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)\nتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم كما يبقى على الوارث مال مورثه، والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التملك والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع، ولا تبطل برد ولا إسقاط. وقيل يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا زيادة في كرامتهم، وعن يعقوب نُورِثُ بالتشديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1645>[سورة مريم (١٩): آية ٦٤]</span>\nوَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)\nوَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ حكاية قول جبريل ﵊ حين استبطأه رسول الله ﷺ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه فأبطأ عليه خمسة عشر يومًا، وقيل أربعين يومًا حتى قال المشركون ودعه ربه وقلاه، ثم نزل ببيان ذلك. والتنزل النزول على مهل لأنه مطاوع نزل وقد يطلق بمعنى النزول مطلقًا كما يطلق نزل بمعنى أنزل، والمعنى وما ننزل وقتًا غب وقت إلا بأمر الله على ما تقتضيه حكمته، وقرئ «وما يتنزل» بالياء والضمير للوحي. لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحايين لا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته. وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا تاركًا لك أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة رآها فيه. وقيل أول الآية حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، والمعنى وما ننزل الجنة إلا بأمر الله ولطفه، وهو مالك الأمور كلها السالفة والمترقبة والحاضرة فما وجدناه وما نجده من لطفه وفضله وقوله وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا تقرير من الله لقولهم أي وما كان ربك نسيًا لأعمال العاملين وما وعد لهم من الثواب عليها وقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1646>[سورة مريم (١٩): آية ٦٥]</span>\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما بيان لامتناع النسيان عليه، وهو خبر محذوف أو بدل من رَبِّكَ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ خطاب للرسول ﷺ مرتب عليه، أي لما عرفت ربك بأنه لا ينبغي له أن ينساك، أو أعمال العمال فأقبل على عبادته واصطبر عليها ولا تتشوش بإبطاء الوحي وهزء الكفرة، وإنما عدي باللام لتضمنه معنى الثبات للعبادة فيما يورد عليه من الشدائد والمشاق كقولك للمحارب: اصطبر لقرنك. هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا مثلًا يستحق أن يسمى إلهًا أو أحدًا سمي الله فإن المشركين وإن سموا الصنم إلهًا لم يسموه الله قط، وذلك لظهور أحديته تعالى، وتعالى ذاته عن المماثلة بحيث لم يقبل اللبس والمكابرة، وهو تقرير للأمر","vol":"4","page":15},{"text":"أي إذا صح أن لا أحد مثله ولا يستحق العبادة غيره لم يكن بد من التسليم لأمره والاشتغال بعبادته والاصطبار على مشاقها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1647>[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nوَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)\nوَيَقُولُ الْإِنْسانُ المراد به الجنس بأسره فإن المقول مقول فيما بينهم وإن لم يقله كلهم كقولك: بنو فلان قتلوا فلانًا والقاتل واحد منهم، أو بعضهم المعهود وهم الكفرة أو أبي بن خلف فإنه أخذ عظامًا بالية ففتها وقال: يزعم محمد أنا نبعث بعد ما نموت. أَإِذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا من الأرض أو من حال الموت، وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإِنكار لأن المنكر كون ما بعد الموت وقت الحياة، وانتصابه بفعل دل عليه أُخْرَجُ لا به فإن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها، وهي ها هنا مخلصة للتوكيد مجردة عن معنى الحال كما خلصت الهمزة واللام في يا ألله للتعويض فساغ اقترانها بحرف الاستقبال. وروي عن ابن ذكوان إِذا ما مِتُّ بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.\nأَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ عطف على يَقُولُ، وتوسيط همزة الإِنكار بينه وبين العاطف مع أن الأصل أن يتقدمهما للدلالة على أن المنكر بالذات هو المعطوف وأن المعطوف عليه إنما نشأ منه فإنه لو تذكر وتأمل:\nأَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا بل كان عَدَمًا صرفًا، لم يقل ذلك فإنه أعجب من جمع المواد بعد التفريق وإيجاد مثل ما كان فيها من الأعراض. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وقالون عن يعقوب يَذْكُرُ من الذكر الذي يراد به التفكر، وقرئ «يتذكر» على الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1648>[سورة مريم (١٩): آية ٦٨]</span>\nفَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)\nفَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ أقسم باسمه تعالى مضافًا إلى نبيه تحقيقًا للأمر وتفخيمًا لشأن رسول الله ﷺ.\nوَالشَّياطِينَ عطف أو مفعول معه لما\nروي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم كل مع شيطانه في سلسلة\n، وهذا وإن كان مخصوصًا بهم ساغ نسبته إلى الجنس بأسره، فإنهم إذا حشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا جميعًا معهم. ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ ليرى السعداء ما نجاهم الله منه فيزدادوا غبطة وسرورًا، وينال الأشقياء ما ادخروا لمعادهم عدة ويزدادوا غيظًا من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتهم عليهم جِثِيًّا على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع، أو لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التواصل إلى الثواب والعقاب، وأهل الموقف جاثون لقوله تعالى وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً على المعتاد في مواقف التقاول، وإن كان المراد بالإِنسان الكفرة فلعلهم يساقون جثاة من الموقف إلى شاطئ جهنم إهانة بهم، أو لعجزهم عن القيام لما عراهم من الشدة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص جِثِيًّا بكسر الجيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1649>[سورة مريم (١٩): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠)\nثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ من كل أمة شاعت دينًا. أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا من كان أعصى وأعتى منهم فنطرحهم فيها، وفي ذكر الأشد تنبيه على أنه تعالى يعفو كثيرًا من أهل العصيان ولو خص ذلك بالكفرة فالمراد أنه يميز طوائفهم أعتاهم فأعتاهم ويطرحهم في النار على الترتيب، أو يدخل كلا طبقتها التي تليق به، وأَيُّهُمْ مبني على الضم عند سيبويه لأن حقه أن يبنى كسائر الموصولات، لكنه أعرب حملًا","vol":"4","page":16},{"text":"على كُلِّ وبعض للزوم الإِضافة وإذا حذف صدر صلته زاد نقصه فعاد إلى حقه منصوب المحل بننزعن، ولذلك قرئ منصوبًا ومرفوع عند غيره إما بالإِبتداء على أنه استفهامي وخبره أَشَدُّ، والجملة محكية وتقدير الكلام: لَنَنْزِعَنَّ من كل شيعة الذين يقال فيهم أيهم أشد، أو معلق عنها لننزعن لتضمنه معنى التمييز اللازم للعلم، أو مستأنفة والفعل واقع على مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ على زيادة من أو على معنى لننزعن بعض كل شيعة، وإما بشيعة لأنها بمعنى تشيع وعلى للبيان أو متعلق بافعل وكذا الباء في قوله:\nثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا أي لنحن أعلم بالذين هم أولى بالصلي، أو صليهم أولى بالنار. وهم المنتزعون ويجوز أن يراد بهم وبأشدهم عتيًا رؤساء الشيع فإن عذابهم مضاعف لضلالهم وإضلالهم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص صِلِيًّا بكسر الصاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1650>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧١ الى ٧٢]</span>\nوَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)\nوَإِنْ مِنْكُمْ وما منكم التفات إلى الإِنسان ويؤيده أنه قرئ «وَإِن منهم» . إِلَّا وارِدُها إلا واصلها وحاضر دونها يمر بها المؤمنون وهي خامدة وتنهار بغيرهم.\nوعن جابر ﵁ أنه ﵇ سئل عنه فقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار، فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة» .\nوأما قوله تعالى: أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ فالمراد عن عذابها. وقيل ورودها الجواز على الصراط فإنه ممدود عليها. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا كان ورودهم واجبًا أوجبه الله على نفسه وقضى به بأن وعد به وعدًا لا يمكن خلفه. وقيل أقسم عليه.\nثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا فيساقون إلى الجنة وقرأ الكسائي ويعقوب ننجي بالتخفيف، وقرئ ثم بفتح الثاء أي هناك. وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا منهارًا بهم كما كانوا، وهو دليل على أن المراد بالورود الجثو حواليها وإن المؤمنين يفارقون الفجرة إلى الجنة بعد تجاثيهم، وتبقى الفجرة فيها منهارًا بهم على هيئاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1651>[سورة مريم (١٩): آية ٧٣]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ مرتلات الألفاظ مبينات المعاني بنفسها أو ببيان الرسول ﷺ أو واضحات الإِعجاز. قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لأجلهم أو معهم. أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ المؤمنين والكافرين. خَيْرٌ مَقامًا موضع قيام أو مكانًا. وقرأ ابن كثير بالضم أي موضع إقامة ومنزل. وَأَحْسَنُ نَدِيًّا مجلسًا ومجتمعًا والمعنى أنهم لما سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن معارضتها والدخل عليها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا والاستدلال بزيادة حظهم فيها على فضلهم وحسن حالهم عند الله تعالى، لقصور نظرهم على الحال وعلمهم بظاهر من الحياة الدنيا فرد عليهم ذلك أيضًا مع التهديد نقضًا بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1652>[سورة مريم (١٩): آية ٧٤]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا (٧٤)\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا وكَمْ مفعول أَهْلَكْنا ومِنْ قَرْنٍ بيانه، وإنما سمي أهل كل عصر قرنًا أي مقدمًا من قرن الدابة. وهو مقدمها لأنه يتقدم من بعده، وهم أحسن صفة لكم وأَثاثًا تمييز عن النسبة وهو متاع البيت. وقيل هو ما جد منه والخرثي ما رث والرئي المنظر فعل من الرؤية لما يرى كالطحن والخبز، وقرأ نافع وابن عامر «ريا» على قلب الهمزة وإدغامها أو على أنه من الري الذي هو النعمة، وقرأ أبو بكر «رييا» على القلب، وقرئ «ريا» بحذف الهمزة و«زيا» من الزي وهو الجمع","vol":"4","page":17},{"text":"فإنه محاسن مجموعة، ثم بين أن تمتيعهم استدراج وليس بإكرام وإنما العيار على الفضل والنقص ما يكون في الآخرة بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1653>[سورة مريم (١٩): آية ٧٥]</span>\nقُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)\nقُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا فيمده ويمهله بطول العمر والتمتع به، وإنما أخرجه على لفظ الأمر إيذانًا بأن إمهاله مما ينبغي أن يفعله استدراجًا وقطعًا لمعاذيره كقوله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وكقوله أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ غاية المد. وقيل غاية قول الذين كفروا للذين آمنوا أي قالوا أي الفريقين خير حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يوعدون. إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ تفصيل للموعود فإنه إما العذاب في الدنيا وهو غلبة المسلمين عليهم وتعذيبهم إياهم قتلًا وأسرًا وإما يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والنكال. فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا من الفريقين بأن عاينوا الأمر على عكس ما قدروه وعاد ما متعوا به خذلانًا ووبالًا عليهم، وهو جواب الشرط والجملة محكية بعد حَتَّى. وَأَضْعَفُ جُنْدًا أي فئة وأنصارًا قابل به أحسن نديًا من حيث إن حسن النادي باجتماع وجوه القوم وأعيانهم وظهور شوكتهم واستظهارهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1654>[سورة مريم (١٩): آية ٧٦]</span>\nوَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)\nوَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً عطف على الشرطية المحكية بعد القول كأنه لما بين أن إمهال الكافر وتمتيعه بالحياة الدنيا ليس لفضله، أراد أن يبين أن قصور حظ المؤمن منها ليس لنقصه بل لأن الله ﷿ أراد به ما هو خير له وعوضه منه، وقيل عطف على فليمدد لأنه في معنى الخبر كأنه قيل من كان في الضلالة يزيد الله في ضلاله ويزيد المقابل له هداية. وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ الطاعات التي تبقى عائدتها أبد الآباد، ويدخل فيها ما قيل من الصلوات الخمس وقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا عائدة مما متع به الكفرة من النعم المخدجة الفانية التي يفتخرون بها سيما ومآلها النعيم المقيم ومآل هذه الحسرة والعذاب الدائم كما أشار إليه بقوله: وَخَيْرٌ مَرَدًّا والخير ها هنا إما لمجرد الزيادة أو على طريقة قولهم الصيف أحر من الشتاء، أي أبلغ في حره منه في برده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1655>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٧ الى ٧٨]</span>\nأَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨)\nأَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا نزلت في العاص بن وائل كان لخباب عليه مال فتقاضاه فقال له: لا حتى تكفر بمحمد فقال: لا والله لا أكفر بمحمد حيًا ولا ميتًا ولا حين تبعث، قال فإذا بعثت جئتني فيكون لي ثم مال وولد فأعطيك. ولما كانت الرؤية أقوى سند الإِخبار استعمل أرأيت بمعنى الإِخبار، والفاء على أصلها في التعقيب والمعنى: أخبر بقصة هذا الكافر عقب حديث أولئك. وقرأ حمزة والكسائي «ولدًا» وهو جمع ولد كأسد في أسد أو لغة فيه كالعرب والعرب.\nأَطَّلَعَ الْغَيْبَ أقد بلغ من عظمة شأنه إلى أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالًا وولدًا وتألى عليه. أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا أو اتخذ من عالم الغيب عهدًا بذلك فإنه لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين. وقيل العهد كلمة الشهادة والعمل الصالح فإن وعد الله بالثواب عليهما كالعهد عليه.","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1656>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧٩ الى ٨٠]</span>\nكَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا (٨٠)\nكَلَّا ردع وتنبيه على أنه مخطئ فيما تصوره لنفسه. سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ سنظهر له أنا كتبنا قوله على طريقة قوله:\nإذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة أي تبين أني لم تلدني لئيمة، أو سننتقم منه انتقام من كتب جريمة العدو وحفظها عليه فإن نفس الكتابة لا تتأخر عن القول لقوله تعالى: مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا ونطول له من العذاب ما يستأهله، أو نزيد عذابه ونضاعفه له لكفره وافترائه واستهزائه على الله جلت عظمته، ولذلك أكده بالمصدر دلالة على فرط غضبه عليه. وَنَرِثُهُ بموته. مَا يَقُولُ يعني المال والولد. وَيَأْتِينا يوم القيامة. فَرْدًا لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا فضلًا أن يؤتى ثم زائدًا وقيل فَرْدًا رافضًا لهذا القول منفردًا عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1657>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨١ الى ٨٢]</span>\nوَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)\nوَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ليتعززوا بهم حيث يكونون لهم وصلة إلى الله وشفعاء عنده.\nكَلَّا ردع وإنكار لتعززهم بها. سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ستجحد الآلهة عبادتهم ويقولون ما عبدتمونا لقوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أو سينكر الكفرة لسوء العاقبة أنهم عبدوها لقوله تعالى:\nثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا يؤيد الأول إذا فسر الضد بضد العز، أي ويكونون عليهم ذلًا، أو بضدهم على معنى أنها تكون معونة في عذابهم بأن توقد بها نيرانهم، أو جعل الواو للكفرة أي يكونون كافرين بهم بعد أن كانوا يعبدونها وتوحيده لوحدة المعنى الذي به مضادتهم، فإنهم بذلك كالشيء الواحد ونظيره\nقوله ﵊ «وهم يد على من سواهم» .\nوقرئ كَلَّا بالتنوين على قلب الألف نونًا في الوقف قلب ألف الإِطلاق في قوله:\nأَقِلي اللَّوْمَ عَاذِلُ وَالعِتَابَنْ أو على معنى كل هذا الرأي كلا وكلا على إضمار فعل يفسره ما بعده أي سيجحدون كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1658>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٣ الى ٨٤]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)\nأَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ بأن سلطناهم عليهم أو قيضنا لهم قرناء. تَؤُزُّهُمْ أَزًّا تهزهم وتعزيهم على المعاصي بالتسويلات وتحبيب الشهوات، والمراد تعجيب رسول الله ﷺ من أقاويل الكفرة وتماديهم في الغي وتصميمهم على الكفر بعد وضوح الحق على ما نطقت به الآيات المتقدمة.\nفَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ بأن يهلكوا حتى تستريح أنت والمؤمنون من شرورهم وتطهر الأرض من فسادهم.\nإِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ أيام آجالهم. عَدًّا والمعنى لا تعجل بهلاكهم فإنه لم يبقى لهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1659>[سورة مريم (١٩): آية ٨٥]</span>\nيَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا (٨٥)\nيَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ نجمعهم. إِلَى الرَّحْمنِ إلى ربهم الّذي غمرهم برحمته، ولاختيار هذا الاسم في هذه السورة شأن ولعله لأن مساق هذا الكلام فيها لتعداد نعمه الجسام وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها وَفْدًا وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1660>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nوَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٨٧)\nوَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ كما تساق البهائم. إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا عطاشًا فإن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش، أو كالدواب التي ترد الماء.\nلاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ الضمير فيها للعباد المدلول عليها بذكر القسمين وهو الناصب لليوم. إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا إلا من تحلى بما يستعد به ويستأهل أن يشفع للعصاة من الإِيمان والعمل الصالح على ما وعد الله تعالى، أو إلا من اتخذ من الله إذنًا فيها كقوله تعالى: لاَّ تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ من قولهم: عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به، ومحله الرفع على البدل من الضمير أو النصب على تقدير مضاف أي إلا شفاعة من اتخذ، أو على الاستثناء. وقيل الضمير للمجرمين والمعنى: لا يملكون الشفاعة فيهم إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا يستعد به أن يشفع له بالإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1661>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٨ الى ٩٠]</span>\nوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠)\nوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا الضمير يحتمل الوجهين لأن هذا لما كان مقولًا فيما بين الناس جاز أن ينسب إليهم.\nلَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا على الالتفات للمبالغة في الذم والتسجيل عليهم بالجراءة على الله تعالى، والإِد بالفتح والكسر العظيم المنكر والإِدة الشدة وأدنى الأمر، وآدنى أثقلني وعظم عليَّ.\nتَكادُ السَّماواتُ وقرأ نافع والكسائي بالياء. يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ يتشققن مرة بعد أخرى، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وأبو بكر ويعقوب «ينفطرن»، والأول أبلغ لأن التفعل مطاوع فعل والانفعال مطاوع فعل ولأن أصل التفعل التكلف. وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا تهد هدًا أو مهدودة، أو لأنها تهد أي تكسر وهو تقرير لكونه أدا، والمعنى: أن هول هذه الكلمة وعظمها بحيث لو تصورت بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام وتفتت من شدتها، أو أن فظاعتها مجلبة لغضب الله بحيث لولا حلمه لخرب العالم وبدد قوائمه غضبًا على من تفوه بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1662>[سورة مريم (١٩): الآيات ٩١ الى ٩٢]</span>\nأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)\nأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا يحتمل النصب على العلة ل تَكادُ أو ل هَدًّا على حذف اللام وإفضاء الفعل إليه، والجر بإضمار اللام أو بالإِبدال من الهاء في منه والرفع على أنه خبر محذوف تقديره الموجب لذلك أَنْ دَعَوْا، أو فاعل هَدًّا أي هدها دعاء الولد للرحمن وهو من دعا بمعنى سمي المتعدي إلى مفعولين، وإنما اقتصر على المفعول الثاني ليحيط بكل ما دعي له ولدًا، أو من دعا بمعنى نسب الذي مطاوعه ادعى إلى فلان إذا انتسب إليه.\nوَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ولا يليق به اتخاذ الولد ولا ينطلب له لو طلب مثلا له لأنه","vol":"4","page":20},{"text":"مستحيل، ولعل ترتيب الحكم بصفة الرحمانية للإِشعار بأن كل ما عداه نعمة ومنعم عليه فلا يجانس من هو مبدأ النعم كلها ومولي أصولها وفروعها، فكيف يمكن أن يتخذه ولدًا ثم صرح به في قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1663>[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٣ الى ٩٥]</span>\nإِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (٩٥)\nإِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ما منهم. إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا إلا وهو مملوك له يأوي إليه بالعبودية والانقياد، وقرئ «آتِ الرحمن» على الأصل.\nلَقَدْ أَحْصاهُمْ حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يخرجون عن حوز علمه وقبضة قدرته. وَعَدَّهُمْ عَدًّا عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم فإن كل شيء عنده بمقدار.\nوَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا منفردًا عن الاتباع والأنصار فلا يجانسه شيء من ذلك ليتخذه ولدًا ولا يناسبه ليشرك به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1664>[سورة مريم (١٩): الآيات ٩٦ الى ٩٧]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض منهم لأسبابها،\nوعن النبي ﷺ «إذا أحب الله عبدًا يقول لجبريل أحببت فلانًا فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم توضع له المحبة في الأرض» .\nوالسين إما لأن السورة مكية وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعدهم ذلك إذا دجا الإسلام، أو لأن الموعود في القيامة حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل.\nفَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ بأن أنزلناه بلغتك، والباء بمعنى على أو على أصله لتضمن يَسَّرْناهُ معنى أنزلناه أي أنزلناه بلغتك. لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ الصائرين إلى التقوى. وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا\nأشداء الخصومة آخذين في كل لديد، أي شق من المراء لفرط لجاجهم فبشر به وأنذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1665>[سورة مريم (١٩): آية ٩٨]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ تخويف للكفرة وتجسير للرسول ﷺ على إنذارهم. هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ هل تشعر بأحد منهم وتراه. أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا وقرئ تَسْمَعُ من أسمعت والركز الصوت الخفي، وأصل التركيب هو الخفاء ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض، والركاز المال المدفون.\nعن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة مريم أعطي عشر حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق به ويحيى ومريم وعيسى وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورين فيها وبعدد من دعا الله في الدنيا ومن لم يدع الله» .","vol":"4","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1666>(٢٠) سورة طه</span>\nمكية وهي مائة أربع وثلاثون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1667>[سورة طه (٢٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطه (١)\nطه فخمها قالون وابن كثير وابن عامر وحفص ويعقوب على الأصل، وفخم الطاء وحده أبو عمرو وورش لاستعلائه وأمالهما الباقون. وهما من أسماء الحروف. وقيل معناه يا رجل على لغة عك، فإن صح فلعل أصله يا هذا فتصرفوا فيه بالقلب والاختصار والاستشهاد بقوله:\nإِنَّ السفاهَةَ طَاهَا في خَلائِقِكُمْ ... لاَ قَدَّسَ الله أَخْلاقَ المَلاَعِين\nضعيف لجواز أن يكون قسمًا كقوله حم لا ينصرون، وقرئ طه على أنه أمر للرسول ﷺ بأن يطأ الأرض بقدميه، فإنه كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه وأن أصله طأ فقلبت همزته هاء أو قلبت في يطأ الفًا كقوله: لا هناك المرتع. ثم بني عليه الأمر وضم إليه هاء السكت وعلى هذا يحتمل أن يكون أصل طه طأها والألف مبدلة من الهمزة والهاء كناية الأرض، لكن يرد ذلك كتابتهما على صورة الحرف وكذا التفسير بيا رجل أو اكتفى بشطري الكلمتين وعبر عنهما باسمهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1668>[سورة طه (٢٠): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣)\nما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى خبر طه إن جعلته مبتدأ على أنه مؤول بالسورة، أو الْقُرْآنَ والقرآن فيه واقع موقع العائد وجوابه إن جعلته مقسمًا به ومنادى له إن جعلته نداء، واستئناف إن كانت جملة فعلية أو اسمية بإضمار مبتدأ، أو طائفة من الحروف محكية والمعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك على كفر قريش إذ ما عليك إلا أن تبلغ، أو بكثرة الرياضة وكثرة التهجد والقيام على ساق. والشقاء شائع بمعنى التعب ومنه أشقى من رائض المهر، وسيد القوم أشقاهم. ولعله عدل إليه للإِشعار بأنه أنزل عليه ليسعد. وقيل رد وتكذيب للكفرة، فإنهم لما رأوا كثرة عبادته قالوا إنك لتشقى بترك ديننا وإن القرآن أنزل عليك لتشقى به.\nإِلَّا تَذْكِرَةً لكن تذكيرًا، وانتصابها على الاستثناء المنقطع، ولا يجوز أن يكون بدلًا من محل لِتَشْقى لاختلاف الجنسين ولا مفعولًا له ل أَنْزَلْنا، فإن الفعل الواحد لا يتعدى إلى علتين. وقيل هو مصدر في موقع الحال من الكاف أو القرآن، أو مفعول له على أن لِتَشْقى متعلق بمحذوف هو صفة القرآن أي ما أنزلنا عليك القرآن المنزل لتتعب بتبليغه إلا تذكرة. لِمَنْ يَخْشى لمن في قلبه خشية ورقة تتأثر بالإِنذار، أو لمن علم الله منه أنه يخشى بالتخويف منه فإنه المنتفع به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1669>[سورة طه (٢٠): آية ٤]</span>\nتَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤)\nتَنْزِيلًا نصب بإضمار فعله أو ب يَخْشى، أو على المدح أو البدل من تَذْكِرَةً إن جعل حالًا،","vol":"4","page":22},{"text":"وإن جعل مفعولًا له لفظًا أو معنى فلا لأن الشيء لا يعلل بنفسه ولا بنوعه. مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى مع ما بعده إلى قوله لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى تفخيم لشأن المنزل بفرط تعظيم المنزل بذكر أفعاله وصفاته على الترتيب الذي هو عند العقل، فبدأ بخلق الأرض والسموات التي هي أصول العالم، وقدم الأرض لأنها أقرب إلى الحس وأظهر عنده من السموات العلى، وهو جمع العليا تأنيث الأعلى، ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات وتدبير أمرها بأن قصد العرش فأجرى منه الأحكام والتقادير، وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسب ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1670>[سورة طه (٢٠): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦)\nالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى ليدل بذلك على كمال قدرته وإرادته، ولما كانت القدرة تابعة للإرادة وهي لا تنفك عن العلم عقب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليات الأمور وخفياتها على سواء فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1671>[سورة طه (٢٠): آية ٧]</span>\nوَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧)\nوَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى أي وإن تجهر بذكر الله ودعائه فاعلم أنه غني عن جهرك فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى منه، وهو ضمير النفس. وفيه تنبيه على أن شرع الذكر والدعاء والجهر فيما ليس لإِعلام الله بل لتصوير النفس بالذكر ورسوخه فيها ومنعها عن الاشتغال بغيره وهضمها بالتضرع والجؤار، ثم إنه لما ظهر بذلك أنه المستجمع لصفات الألوهية بين أنه المتفرد بها والمتوحد بمقتضاها فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1672>[سورة طه (٢٠): آية ٨]</span>\nاللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)\nاللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ومن في مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ صلة ل تَنْزِيلًا أو صفة لَهُ، والانتقال من التكلم إلى الغيبة للتفنن في الكلام وتفخيم المنزل من وجهين إسناد إنزاله إلى ضمير الواحد العظيم الشأن، ونسبته إلى المختص بصفات الجلال والإِكرام والتنبيه على أنه واجب الإِيمان به والانقياد له من حيث أنه كلام من هذا شأنه، ويجوز أن يكون أنزلنا حكاية كلام جبريل والملائكة النازلين معه. وقرئ الرَّحْمنُ على الجر صفة لمن خلق فيكون عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى خبر محذوف، وكذا إن رفع الرَّحْمنُ على المدح دون الإِبتداء، ويجوز أن يكون خبرًا ثانيًا، والثرى الطبقة الترابية من الأرض وهي آخر طبقاتها، والْحُسْنى تأنيث الأحسن، وفضل أسماء الله تعالى على سائر الأسماء في الحسن لدلالتها على معان هي أشرف المعاني وأفضلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1673>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nوَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠)\nوَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى قفى تمهيد نبوته ﷺ بقصة موسى ليأتم به في تحمل أعباء النبوة وتبليغ الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل.\nإِذْ رَأى نَارًا ظرف لل حَدِيثُ لأنه حدث أو مفعول لأذكر. قيل إنه استأذن شعيبًا عليهما الصلاة والسلام في الخروج إلى أمه، وخرج بأهله فلما وافى وادي طوى وفيه الطور ولد له ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته إذ رأى من جانب الطور نارًا. فَقالَ لِأَهْلِهِ","vol":"4","page":23},{"text":"امْكُثُوا\nأقيموا مكانكم. وقرأ حمزة «لأهله امكثوا ها هنا»، وفي «القصص» بضم الهاء في الوصل والباقون بكسرها. إِنِّي آنَسْتُ نَارًا أبصرتها إبصارًا لا شبهة فيه، وقيل الإيناس إبصار ما يؤنس به. لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ بشعلة من النار وقيل جمرة. أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً هاديًا يدلني على الطريق أو يهديني أبواب الدين، فإن أفكار الأبرار مائلة إليها في كل ما يعن لهم. ولما كان حصولهما مترتبًا بني الأمر فيهما على الرجاء بخلاف الإيناس، فإنه كان محققًا ولذلك حققه لهم ليوطنوا أنفسهم عليه، ومعنى الاستعلاء في عَلَى النَّارِ أن أهلها مشرفون عليها أو مستعلون المكان القريب منها كما قال سيبويه في: مررت بزيد إنه لصوق بمكان يقرب منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1674>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nفَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢)\nفَلَمَّا أَتاها أي النار وجد نارًا بيضاء تتقد في شجرة خضراء. نُودِيَ يا مُوسى.\nإِنِّي أَنَا رَبُّكَ فتحه ابن كثير وأبو عمرو أي بأني وكسره الباقون بإضمار القول أو إجراء النداء مجراه، وتكرير الضمير للتوكيد والتحقيق. قيل إنه لما نودي قال: من المتكلم قال: إني أنا الله، فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع الجهات وبجميع الأعضاء. وهو إشارة إلى أنه ﵊ تلقى من ربه كلامه تلقيًا روحانيًا، ثم تمثل ذلك الكلام لبدنه وانتقل إلى الحس المشترك فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهة. فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أمره بذلك لأن الحفوة تواضع وأدب ولذلك طاف السلف حافين. وقيل لنجاسة نعليه فإنهما كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل معناه فرغ قلبك من الأهل والمال. إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ تعليل للأمر باحترام البقعة والمقدس يحتمل المعنيين.\nطُوىً عطف بيان للوادي ونونه ابن عامر والكوفيون بتأويل المكان. وقيل هو كثني من الطي مصدر ل نُودِيَ أو الْمُقَدَّسِ أي: نودي نداءين أو قدس مرتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1675>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)\nوَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك للنبوة وقرأ حمزة «وإنا اخترناك» . فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى للذي يوحى إليك، أو للوحي واللام تحتمل التعلق بكل من الفعلين.\nإِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي بدل مما يوحى دال على أنه مقصور على تقرير التوحيد الذي هو منتهى العلم والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل. وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي خصها بالذكر وأفردها بالأمر للعلة التي أناط بها إقامتها، وهو تذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره. وقيل لِذِكْرِي لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لأن أذكرك بالثناء، أو لِذِكْرِي خاصة لا ترائي بها ولا تشوبها بذكر غيري. وقيل لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي. لما\nروي أنه ﵊ قال «من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها إن الله تعالى يقول وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1676>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nإِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لاَّ يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦)\nإِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ كائنة لا محالة. أَكادُ أُخْفِيها أريد إخفاء وقتها، أو أقرب أن أخفيها فلا أقول إنها آتية ولولا ما في الأخبار بإتيانها من اللطف وقطع الأعذار لما أخبرت به، أو أكاد أظهرها من أخفاه إذا سلب خفاءه، ويؤيده القراءة بالفتح من خفاه إذا أظهره. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى متعلق ب آتِيَةٌ أو ب","vol":"4","page":24},{"text":"أُخْفِيها على المعنى الأخير.\nفَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها عن تصديق الساعة، أو عن الصلاة. مَنْ لاَّ يُؤْمِنُ بِها نهي الكافر أن يصد موسى ﵊ عنها، والمراد نهيه أن ينصد عنها كقولهم: لا أرينك ها هنا، تنبيهًا على أَن فطرته السليمة لو خليت بحالها لاختارها ولم يعرض عنها، وأنه ينبغي أن يكون راسخًا في دينه فإن صد الكافر إنما يكون بسبب ضعفه فيه. وَاتَّبَعَ هَواهُ ميل نفسه إلى اللذات المحسوسة المخدجة فقصر نظره عن غيرها.\nفَتَرْدى فتهلك بالانصداد بصده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1677>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨)\nوَما تِلْكَ استفهام يتضمن استيقاظًا لما يريه فيها من العجائب. بِيَمِينِكَ حال من معنى الإِشارة، وقيل صلة تِلْكَ. يَا مُوسى تكرير لزيادة الاستئناس والتنبيه.\nقالَ هِيَ عَصايَ وقرئ «عصي» على لغة هذيل. أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع. وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وأخبط الورق بها على رؤوس غنمي، وقرئ «أهش» وكلاهما من هش الخبز يهش إذا انكسر لهشاشته، وقرئ بالسين من الهس وهو زجر الغنم أي أنحى عليها زاجرًا لها.\nوَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى حاجات أخر مثل أن كان إذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته، وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل به، وإذا قصر الرشاء وصله بها، وإذا تعرضت السباع لغنمه قاتل بها، وكأنه ﷺ فهم أن المقصود من السؤال أن يذكر حقيقتها وما يرى من منافعها، حتى إذا رآها بعد ذلك على خلاف تلك الحقيقة ووجد منها خصائص أخرى خارقة للعادة مثل أن تشتعل شعبتاه بالليل كالشمع، وتصيران دلوًا عند الاستقاء، وتطول بطول البئر وتحارب عنه إذا ظهر عدو، وينبع الماء بركزها، وينضب بنزعها وتورق وتثمر إذا اشتهى ثمرة فركزها، على أن ذلك آيات باهرة ومعجزات قاهرة أحدثها الله فيها لأجله وليست من خواصها، فذكر حقيقتها ومنافعها مفصلًا ومجملًا على معنى أنها من جنس العصي تنفع منافع أمثالها ليطابق جوابه الغرض الذي فهمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1678>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nقالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١)\nقالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى قيل لما ألقاها انقلبت حية صفراء بغلظ العصا ثم تورمت وعظمت فلذلك سماها جانًا تارة نظرًا إلى المبدأ وثعبانًا مرة باعتبار المنتهى، وحية أخرى باعتبار الاسم الذي يعم الحالين. وقيل كانت في ضخامة الثعبان وجلادة الجان ولذلك قال كَأَنَّها جَانٌّ.\nقالَ خُذْها وَلا تَخَفْ فإنه لما رآها حية تسرع وتبتلع الحجر والشجر خاف وهرب منها. سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى هيئتها وحالتها المتقدمة، وهي فعلة من السير تجوز بها للطريقة والهيئة وانتصابها على نزع الخافض أو على أن أعاد منقول من عاده بمعنى عاد إليه، أو على الظرف أي سنعيدها في طريقتها أو على تقدير فعلها أي سنعيد العصا بعد ذهابها تسير سيرتها الأولى فتنتفع بها ما كنت تنتفع قبل. قيل لما قال له ربه ذلك اطمأنت نفسه حتى أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1679>[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٢ الى ٢٤]</span>\nوَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤)","vol":"4","page":25},{"text":"وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ إلى جنبك تحت العضد يقال لكل ناحيتين جناحان كجناحي العسكر، استعارة من جناحي الطائر سميا بذلك لأنه يجنحهما عند الطيران. تَخْرُجْ بَيْضاءَ كأنها مشعة. مِنْ غَيْرِ سُوءٍ من غير عاهة وقبح، كني به عن البرص كما كنى بالسوأة عن العورة لأن الطباع تعافه وتنفر عنه. آيَةً أُخْرى معجزة ثانية وهي حال من ضمير تَخْرُجْ بَيْضاءَ أو من ضميرها، أو مفعول بإضمار خذ أو دونك.\nلِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى متعلق بهذا المضمر أو بما دل عليه آية أو القصة التي دللنا بها، أو فعلنا ذلك لِنُرِيَكَ والْكُبْرى صفة آياتِنَا أو مفعول «نريك» ومِنْ آياتِنَا حال منها.\nاذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ بهاتين الآيتين وادعه إلى العبادة. إِنَّهُ طَغى عصى وتكبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1680>[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٥ الى ٢٨]</span>\nقالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)\nقالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي لما أمره الله بخطب عظيم وأمر جسيم سأله أن يشرح صدره ويفسح قلبه لتحمل أعبائه والصبر على مشاقه، والتلقي لما ينزل عليه ويسهل الأمر له بإحداث الأسباب ورفع الموانع، وفائدة لي إبهام المشروح والميسر أولًا، ثم رفعه بذكر الصدر والأمر تأكيدًا ومبالغة.\nوَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي فإنما يحسن التبليغ من البليغ وكان في لسانه رتة من جمرة أدخلها فاه، وذلك أن فرعون حمله يومًا فأخذ بلحيته ونتفها، فغضب وأمر بقتله فقالت آسية: إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة ووضعها في فيه. ولعل تبييض يده كان لذلك.\nوقيل احترقت يده فاجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ، ثم لما دعاه قال إلى أي رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنه. واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ومن لم يقل احتج بقوله هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا وقوله وَلا يَكادُ يُبِينُ وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه مطلقًا بل عقدة تمنع الإِفهام ولذلك نكرها وجعل يفقهوا جواب الأمر، ومن لساني يحتمل أن يكون صفة عقدة وأن يكون صلة احلل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1681>[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٩ الى ٣٢]</span>\nوَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)\nوَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي يعينني على ما كلفتني به، واشتقاق الوزير إما من الوزر لأنه يحمل الثقل عن أميره، أو من الوزر وهو الملجأ لأن الأمير يعتصم برأيه ويلتجئ إليه في أموره، ومنه الموازرة وقيل أصله أزير من الأزر بمعنى القوة، فعيل بمعنى مفاعل كالعشير والجليس قلبت همزته واوًا كقلبها في موازر. ومفعولًا اجعل وَزِيرًا، وهارُونَ قدم ثانيهما للعناية به ولِي صلة أو حال أو لِي وَزِيرًا وهارُونَ عطف بيان للوزير، أو وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ولِي تبيين كقوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. وأَخِي على الوجوه بدل من هارُونَ أو مبتدأ خبره.\nاشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي على لفظ الأمر وقرأهما ابن عامر بلفظ الخبر على أنهما جواب الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1682>[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nكَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا (٣٥)\nكَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا فإن التعاون يهيج الرغبات ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده.\nإِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا عالمًا بأحوالنا وأن التعاون مما يصلحنا، وأن هارون نعم المعين لي فيما أمرتني به.","vol":"4","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1683>[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nقالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨)\nقالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى أي مسؤولك، فعل بمعنى مفعول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول.\nوَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى أي أنعمنا عليك في وقت آخر.\nإِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ بإلهام أو في منام أو على لسان نبي في وقتها أو ملك. لا على وجه النبوة. كما أوحي إلى مريم. مَا يُوحى ما لا يعلم إلا بالوحي، أو مما ينبغي أن يوحى ولا يخل به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1684>[سورة طه (٢٠): آية ٣٩]</span>\nأَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩)\nأَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ بأن اقذفيه، أو أي اقذفيه لأن الوحي بمعنى القول. فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ والقذف يقال للإِلقاء وللوضع كقوله تعالى: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وكذلك الرمي كقوله: غُلاَمٌ رَمَاهُ الله بِالحُسْنِ يَافِعًا. فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ لما كان إلقاء البحر إياه إلى الساحل أمرًا واجب الحصول لتعلق الإرادة به، جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمره بذلك وأخرج الجواب مخرج الأمر، والأولى أن تجعل الضمائر كلها لموسى مراعاة للنظم، فالمقذوف في البحر والملقى إلى الساحل وإن كان التابوت بالذات فموسى بالعرض.\nيَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عَدُوٌّ للمبالغة، أو لأن الأول باعتبار الواقع والثاني باعتبار المتوقع. قيل إنها جعلت في التابوت قطنًا ووضعته فيه ثم قبرته وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر فدفعه الماء إليه فأداه إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسًا على رأسها مع امرأته آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج ففتح فإذا هو صبي أصبح الناس وجهًا فأحبه حبًا شديدًا كما قال ﷾:\nوَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي أي محبة كائنة مني قد زرعتها في القلوب بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك فلذلك أحبك فرعون، ويجوز أن يتعلق مِنِّي ب أَلْقَيْتُ أي أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وظاهر اللفظ أن اليم ألقاه بساحله وهو شاطئه لأن الماء يسحله فالتقط منه، لكن لا يبعد أن يؤول الساحل بجنب فوهة نهره. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي لتربى ويحسن إليك وأنا راعيك وراقبك، والعطف على علة مضمرة مثل ليتعطف عليك، أو على الجملة السابقة بإضمار فعل معلل مثل فعلت ذلك. وقرئ وَلِتُصْنَعَ بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر وَلِتُصْنَعَ بالنصب وفتح التاء أي وليكون عملك على عين مني لئلا تخالف به عن أمري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1685>[سورة طه (٢٠): آية ٤٠]</span>\nإِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠)\nإِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ظرف ل أَلْقَيْتُ أو لِتُصْنَعَ أو بدل من إِذْ أَوْحَيْنا على أن المراد بها وقت متسع. فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ وذلك لأنه كان لا يقبل ثدي المراضع، فجاءت أخته مريم متفحصة خبره فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها فقالت هَلْ أَدُلُّكُمْ فجاءت بأمه فقبل ثديها. فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ وفاء بقولنا إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك. وَلا تَحْزَنَ هي بفراقك أو أنت على فراقها وفقد إشفاقها. وَقَتَلْتَ نَفْسًا نفس القبطي الذي استغاثه عليه الإِسرائيلي. فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ غم قتله خوفًا","vol":"4","page":27},{"text":"من عقاب الله تعالى واقتصاص فرعون بالمغفرة والأمن منه بالهجرة إلى مدين. وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا وابتليناك ابتلاء، أو أنواعًا من الابتلاء على أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بالتاء كحجوز وبدور في حجزة وبدرة، فخلصناك مرة بعد أخرى وهو إجمال لما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن ومفارقة الألاّف، والمشي راجلًا على حذر وفقد الزاد وأجر نفسه إلى غير ذلك أوله ولما سبق ذكره. فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ لبثت فيهم عشر سنين قضاء لأوفى الأجلين، ومدين على ثمان مراحل من مصر. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ قدرته لأن أكلمك وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر، أو على مقدار من السن يوحى فيه إلى الأنبياء. يَا مُوسى كرره عقيب ما هو غاية الحكاية للتنبيه على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1686>[سورة طه (٢٠): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢)\nوَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي واصطفيتك لمحبتي مثله فيما خوله من الكرامة بمن قربه الملك واستخلصه لنفسه.\nاذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي بمعجزاتي. وَلا تَنِيا ولا تفترا ولا تقصرا، وقرئ تَنِيا بكسر التاء.\nفِي ذِكْرِي لا تنسياني حيثما تقلبتما. وقيل في تبليغ ذكري والدعاء إليّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1687>[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٣ إليَّ ٤٤]</span>\nاذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤)\nاذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى أمر به أولًا موسى ﵊ وحده وهاهنا إياه وأخاه فلا تكرير.\nقيل أوحى إلى هارون أن يتلقى موسى، وقيل سمع بمقبله فاستقبله.\nفَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا مثل هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة حذرًا أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليكما، أو احترامًا لما له من حق التربية عليك. وقيل كنياه وكان له ثلاث كنى: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة. وقيل عداه شبابًا لا يهرم بعده وملكًا لا يزول إلا بالموت. لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى متعلق ب اذْهَبا أو «قولا» أي: باشرا الأمر على رجائكما. وطمعكما أنه يثمر ولا يخيب سعيكما، فإن الراجي مجتهد والآيس متكلف، والفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد مع علمه بأنه لا يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من الآيات والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم، ولذلك قدم الأول أي إن لم يتحقق صدقكما ولم يتذكر فلا أقل من أن يتوهمه فيخشى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1688>[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nقَالاَ رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لاَ تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦)\nقَالاَ رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة، من فرط إذا تقدم ومنه الفارط وفرس فرط يسبق الخيل. وقرئ «يَفْرُطَ» من أفرطته إذا حملته على العجلة، أي نخاف أن يحمله حامل من استكبار أو خوف على الملك أو شيطان إنسي أو جني على المعاجلة بالعقاب، و«يَفْرُطَ» من الإِفراط في الأذية. أَوْ أَنْ يَطْغى أو أن يزداد طغيانًا فيتخطى إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب.\nقالَ لاَ تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالحفظ والنصر. أَسْمَعُ وَأَرى ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأحدث في كل ما يصرف شره عنكما ويوجب نصرتي لكما، ويجوز أن لا يقدر شيء على معنى إنني حافظكما سامعًا ومبصرًا، والحافظ إذا كان قادرًا سميعًا بصيرًا تم الحفظ.","vol":"4","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1689>[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nفَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)\nفَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ أطلقهم. وَلا تُعَذِّبْهُمْ بالتكاليف الصعبة وقتل الولدان، فإنهم كانوا في أيدي القبط يستخدمونهم ويتعبونهم في العمل ويقتلون ذكور أولادهم في عام دون عام، وتعقيب الإِتيان بذلك دليل على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإِيمان، ويجوز أن يكون للتدريج في الدعوة. قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ جملة مقررة لما تضمنه الكلام السابق من دعوى الرسالة، وإنما وحد الآية وكان معه آيتان لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها لا الإِشارة إلى وحدة الحجة وتعددها، وكذلك قوله: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ، فَأْتِ بِآيَةٍ، قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى وسلام الملائكة وخزنة الجنة على المهتدين، أو السلامة في الدارين لهم.\nإِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أن عذاب المنزلين على المكذبين للرسل، ولعل تغيير النظم والتصريح بالوعيد والتوكيد فيه لأن التهديد في أول الأمر أهم وأنجع وبالواقع أليق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1690>[سورة طه (٢٠): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nقالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠)\nقالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى أن بعد ما أتياه وقالا له ما أمرا به، ولعله حذف لدلالة الحال عليه فإن المطيع إذا أمر بشيء فعله لا محالة، وإنما خاطب الاثنين وخص موسى ﵊ بالنداء لأنه الأصل وهارون وزيره وتابعه، أو لأنه عرف أن له رتة ولأخيه فصاحة فأراد أن يفحمه ويدل عليه قوله أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ.\nقالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ من الأنواع خَلْقَهُ صورته وشكله الذي يطابق كماله الممكن له، أو أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، فقدم المفعول الثاني لأنه المقصود بيانه. وقيل أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة زوجا. وقرئ خَلَقَهُ صفة للمضاف إليه أو المضاف على شذوذ فيكون المفعول الثاني محذوفًا أي: أعطى كل مخلوق ما يصلحه. ثُمَّ هَدى ثم عرفه كيف يرتفق بما أعطي وكيف يتوصل به إلى بقائه وكماله اختيارًا أو طبعًا، وهو جواب في غاية البلاغة لاختصاره وإعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها، ودلالته على أن الغني القادر بالذات المنعم على الإِطلاق هو الله تعالى وأن جميع ما عداه مفتقر إليه منعم عليه في حد ذاته وصفاته وأفعاله، ولذلك بهت الذي كفر وأفحم عن الدخل عليه فلم ير إِلاَّ صَرْفَ الكلام عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1691>[سورة طه (٢٠): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nقالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢)\nقالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة.\nقالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي أي هو غيب لا يعلمه إلا هو وإنما أنا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به.\nفِي كِتابٍ مثبت في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون تمثيلًا لتمكنه في علمه بما استحفظه العالم وقيده بالكتبة ويؤيده. لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى والضلال أن تخطئ الشيء في مكانه فلم تهتد إليه، والنسيان أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك، وهما محالان على العالم بالذات، ويجوز أن يكون سؤاله دخلًا على إحاطة قدرة الله تعالى بالأشياء كلها وتخصيصه ابعاضها بالصور والخواص المختلفة، بأن ذلك يستدعي علمه بتفاصيل الأشياء وجزئياتها، والقرون الخالية مع كثرتهم وتمادي مدتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط علمه بهم","vol":"4","page":29},{"text":"وبأجزائهم وأحوالهم فيكون معنى الجواب: أن علمه تعالى محيط بذلك كله وأنه مثبت عنده لا يضل ولا ينسى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1692>[سورة طه (٢٠): آية ٥٣]</span>\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣)\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا مرفوع صفة ل رَبِّي أو خبر لمحذوف أو منصوب على المدح. وقرأ الكوفيون هنا وفي «الزخرف» مَهْدًا أي كالمهد تتمدونها، وهو مصدر سمي به، والباقون مهادًا وهو اسم ما يمهد كالفراش أو جمع مهد ولم يختلفوا في الذي في «النبأ» . وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها. وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء مطرًا.\nفَأَخْرَجْنا بِهِ عدل به عن لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى، تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة وإيذانًا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته، وعلى هذا نظائره كقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماء فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ الآية. أَزْواجًا أصنافًا سميت بذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض. مِنْ نَباتٍ بيان أو صفة لأزواجًا وكذلك: شَتَّى ويحتمل أن يكون صفة ل نَباتٍ فإنه من حيث إنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد والجمع، وهو جمع شتيت كمريض ومرضى أي متفرقات في الصور والأغراض والمنافع يصلح بعضها للناس وبعضها للبهائم فلذلك قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1693>[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nكُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥)\nكُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ وهو حال من ضمير فَأَخْرَجْنا على إرادة القول أي أخرجنا أصناف النبات قائلين كُلُوا وَارْعَوْا، والمعنى معديها لانتفاعكم بالأكل والعلف آذنين فيه. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل وارتكاب القبائح جمع نهية.\nمِنْها خَلَقْناكُمْ فإن التراب أصل خلقة أول آبائكم وأول مواد أبدانكم. وَفِيها نُعِيدُكُمْ بالموت وتفكيك الأجزاء. وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الصور السابقة ورد الأرواح إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1694>[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nوَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧)\nوَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا بصرناه إياها أو عرفناه صحتها. كُلَّها تأكيد لشمول الأنواع أو لشمول الأفراد، على أن المراد بآياتنا آيات معهودة وهي الآيات التسع المختصة بموسى، أو أنه ﵇ أراه آياته وعدد عليه ما أوتي غيره من المعجزات فَكَذَّبَ موسى من فرط عناده. وَأَبى الإِيمان والطاعة لعتوه..\nقالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا أرض مصر. بِسِحْرِكَ يا مُوسى هذا تعلل وتحير ودليل على أنه علم كونه محقًا حتى خاف منه على ملكه، فإن الساحر لا يقدر أن يخرج ملكًا مثله من أرضه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1695>[سورة طه (٢٠): آية ٥٨]</span>\nفَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً (٥٨)\nفَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ مثل سحرك. فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا وعدًا لقوله: لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا","vol":"4","page":30},{"text":"أَنْتَ\nفإن الإِخلاف لا يلائم الزمان والمكان وانتصاب. مَكانًا سُوىً بفعل دل عليه المصدر لا به لأنه موصوف، أو بأنه بدل من مَوْعِدًا على تقدير مكان مضاف إليه وعلى هذا يكون طباق الجواب في قوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1696>[سورة طه (٢٠): آية ٥٩]</span>\nقالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)\nقالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ من حيث المعنى فإن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه في ذلك اليوم، أو بإضمار مثل مكان موعدكم مكان يوم الزينة كما هو على الأول، أو وعدكم وعد يوم الزينة، وقرئ «يوم» بالنصب وهو ظاهر في أن المراد بهما المصدر، ومعنى سُوىً منتصفًا يستوي مسافته إلينا وإليك وهو في النعت كقولهم: قوم عدي في الشذوذ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب بالضم، وقيل في يَوْمُ الزِّينَةِ يوم عاشوراء، أو يوم النيروز، أو يوم عيد كان لهم في كل عام، وإنما عينه ليظهر الحق ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد ويشيع ذلك في الأقطار. وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى عطف على ال يَوْمُ أو الزِّينَةِ، وقرئ على البناء للفاعل بالتاء على خطاب فرعون والياء على أن فيه ضمير ال يَوْمُ أو ضمير فِرْعَوْنُ على أن الخطاب لقومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1697>[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nفَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١)\nفَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ما يكاد به يعني السحرة وآلاتهم. ثُمَّ أَتى الموعد.\nقالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا بأن تدعوا آياته سحرًا. فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ فيهلككم ويستأصلكم، وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب بالضم من الاسحات وهو لغة نجد وتميم، والسحت لغة الحجاز. وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى كما خاب فرعون، فإنه افترى واحتال ليبقى الملك عليه فلم ينفعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1698>[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nفَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣)\nفَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي تنازعت السحرة في أمر موسى حين سمعوا كلامه فقال بعضهم: ليس هذا من كلام السحرة. وَأَسَرُّوا النَّجْوى بأن موسى إن غلبنا اتبعنا أو تنازعوا واختلفوا فيما يعارضون به موسى وتشاوروا في السر. وقيل الضمير لفرعون وقومه وقوله:\nقالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ تفسير ل أَسَرُّوا النَّجْوى كأنهم تشاوروا في تلفيقه حذرًا أن يغلبا فيتبعهما الناس، وهذانِ اسم إن على لغة بلحرث بن كعب فإنهم جعلوا الألف للتثنية وأعربوا المثنى تقديرًا. وقيل اسمها ضمير الشأن المحذوف وهذانِ لَساحِرانِ خبرها. وقيل إِنْ بمعنى نعم وما بعدها مبتدأ وخبر وفيهما إن اللام لا تدخل خبر المبتدأ. وقيل أصله إنه هذان لهما ساحران فحذف الضمير وفيه أن المؤكد باللام لا يليق به الحذف، وقرأ أبو عمرو «أن هذين» وهو ظاهر، وابن كثير وحفص إِنْ هذانِ\nعلى أنها هي المخففة واللام هي الفارقة أو النافية واللام بمعنى إلا. يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بالاستيلاء عليها. بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما لقوله إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ. وقيل أرادوا أهل طريقتكم وهم بنو إسرائيل فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم لقول موسى فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ. وقيل الطريقة اسم لوجوه القوم وأشرافهم من حيث إنهم قدوة لغيرهم.","vol":"4","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1699>[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٤ الى ٦٥]</span>\nفَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) قالُوا يَا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥)\nفَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ فأزمعوه واجعلوه مجمعًا عليه لا يتخلف عنه واحد منكم. وقرأ أبو عمرو فَأَجْمِعُوا ويعضده قوله فَجَمَعَ كَيْدَهُ والضمير في قالُوا إن كان للسحرة فهو قول بعضهم لبعض.\nثُمَّ ائْتُوا صَفًّا مصطفين لأنه أهيب في صدور الرائين. قيل كانوا سبعين ألفًا مع كل واحد منهم حبل عصا وأقبلوا عليه إقبالة واحدة. وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى فاز بالمطلوب من غلب وهو اعتراض.\nقالُوا يَا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى أي بعد ما أتوا مراعاة للأدب وأَنْ بما بعده منصوب بفعل مضمر أو مرفوع بخبرية محذوف، أي اختر إلقاءك أولًا أو إلقاءنا أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1700>[سورة طه (٢٠): آية ٦٦]</span>\nقالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦)\nقالَ بَلْ أَلْقُوا مقابلة أدب بأدب وعدم مبالاة بسحرهم، وإسعافًا إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء بذكر الأول في شقهم وتغيير النظم إلى وجه أبلغ، ولأن يبرزوا ما معهم ويستنفذوا أقصى وسعهم ثم يظهر الله سلطانه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه. فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى أي فألقوا فإذا حبالهم وعصيهم، وهي للمفاجأة والتحقيق أنها أيضًا ظرفية تستدعي متعلقًا ينصبها وجملة تضاف إليها، لكنها خصت بأن يكون المتعلق فعل المفاجأة والجملة ابتدائية والمعنى: فألقوا ففاجأ موسى ﵊ وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك بأنهم لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطربت فخيل إليه أنها تتحرك. وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان وروح «تخيل» بالتاء على إسناده إلى ضمير الحبال والعصي، وإبدال أنها تَسْعى منه بدل الاشتمال، وقرئ «يخيل» بالياء على إسناده إلى الله تعالى، و«تخيل» بمعنى تتخيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1701>[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٧ الى ٦٩]</span>\nفَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩)\nفَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى فأضمر فيها خوفًا من مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلة البشرية، أو من أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه.\nقُلْنا لاَ تَخَفْ ما توهمت. إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى تعليل للنهي وتقرير لغلبته مؤكدًا بالاستئناف، وحرف التحقيق وتكرير الضمير وتعريف الخبر ولفظ العلو الدال على الغلبة الظاهرة وصيغة التفضيل.\nوَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ أبهمه ولم يقل عصاك تحقيرًا لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويدة التي في يدك، أو تعظيمًا لها أي لا تحتفل بكثرة هذه الأجرام وعظمها فإن في يمينك ما هو أعظم منها أثرًا فألقه. تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا تبتلعه بقدرة الله تعالى، وأصله تتلقف فحذفت إحدى التاءين، وتاء المضارعة تحتمل التأنيث والخطاب على إسناد الفعل إلى المسبب. وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان بالرفع على الحال أو الاستئناف وحفص بالجزم والتخفيف على أنه من لقفته بمعنى تلقفته. إِنَّما صَنَعُوا أن الذي زوروا وافتعلوا.\nكَيْدُ ساحِرٍ وقرئ بالنصب على أن ما كافة وهو مفعول صنعوا. وقرأ حمزة والكسائي «سحر» بمعنى ذي سحر، أو بتسمية الساحر سحرًا على المبالغة، أو بإضافة الكيد إلى السحر للبيان كقولهم: علم فقه، وإنما وحد الساحر لأن المراد به الجنس المطلق ولذلك قال: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ أي هذا الجنس وتنكير الأول","vol":"4","page":32},{"text":"لتنكير المضاف كقول العجاج:\nيَوْمَ تَرَى النُّفُوسُ مَا أَعَدَّت ... فِي سَعْيِ دُنْيَا طَالَما قَدْ مَدَّتْ\nكأنه قيل إنما صنعوا كيد سحري. حَيْثُ أَتى حيث كان وأين أقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1702>[سورة طه (٢٠): آية ٧٠]</span>\nفَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠)\nفَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا أي فألقى فتلقفت فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر وإنما هو آية من آيات الله ومعجزة من معجزاته، فألقاهم ذلك على وجوههم سجدًا لله توبة عما صنعوا وإعتابًا وتعظيمًا لما رأوا. قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى قدم هارون لكبر سنه أو لروي الآية، أو لأن فرعون ربى موسى في صغره فلو اقتصر على موسى أو قدم ذكره لربما توهم أن المراد فرعون وذكر هارون على الاستتباع. روي أنهم رأوا في سجودهم الجنة ومنازلهم فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1703>[سورة طه (٢٠): آية ٧١]</span>\nقالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى (٧١)\nقالَ آمَنْتُمْ لَهُ أي لموسى واللام لتضمن الفعل معنى الاتباع. وقرأ قنبل وحفص آمَنْتُمْ لَهُ على الخبر والباقون على الاستفهام. قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ في الإِيمان له. إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ لعظيمكم في فنكم وأعلمكم به أو لأستاذكم. الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ وأنتم تواطأتم على ما فعلتم. فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ اليد اليمنى والرجل اليسرى، ومن ابتدائية كأن القطع ابتدأ من مخالفة العضو العضو وهي مع المجرور بها في حيز النصب على الحال، أي لأقطعنها مختلفات وقرئ «لأقطعن» «ولأصلبن» بالتخفيف.\nوَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ شبه تمكن المصلوب بالجذع بتمكن المظروف بالظرف وهو أول من صلب.\nوَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا يريد نفسه وموسى لقوله آمَنْتُمْ لَهُ واللام مع الإِيمان في كتاب الله لغير الله أراد به توضيع موسى والهزء به، فإنه لم يكن من التعذيب في شيء. وقيل رب موسى الذي آمنوا به. أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى وأدوم عقابا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1704>[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nقالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣)\nقالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ لن نختارك. عَلى مَا جاءَنا موسى به، ويجوز أن يكون الضمير فيه لما. مِنَ الْبَيِّناتِ المعجزات الواضحات. وَالَّذِي فَطَرَنا عطف على ما جاءنا أو قسم. فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ ما أنت قاضيه أي صانعه أو حاكم به. إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا إنما تصنع ما تهواه، أو تحكم بما تراه في هذه الدنيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى فهو كالتعليل لما قبله والتمهيد لما بعده. وقرئ «تقضى هذه الحياة الدنيا» كقولك: صيم يوم الجمعة.\nإِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا من الكفر والمعاصي. وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ من معارضة المعجزة. روي أنهم قالوا لفرعون أرنا موسى نائمًا فوجدوه تحرسه العصا فقالوا ما هذا بسحر فإن الساحر إذا نام بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه. وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى جزاء أو خير ثوابًا وأبقى عقابًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1705>[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٤ الى ٧٦]</span>\nإِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)","vol":"4","page":33},{"text":"إِنَّهُ إن الأمر. مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا بأن يموت على كفره وعصيانه. فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيها فيستريح. وَلا يَحْيى حياة مهنأة.\nوَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ في الدنيا. فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى المنازل الرفيعة.\nجَنَّاتُ عَدْنٍ بدل من الدرجات. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها حال والعامل فيها معنى الإِشارة أو الاستقرار. وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى تطهر من أدناس الكفر والمعاصي، والآيات الثلاث يحتمل أن تكون من كلام السحرة وأن تكون ابتداء كلام من الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1706>[سورة طه (٢٠): آية ٧٧]</span>\nوَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى (٧٧)\nوَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي أي من مصر. فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فاجعل لهم، من قولهم ضرب له في ماله سهمًا أو فاتخذ من ضرب اللبن إذا عمله. فِي الْبَحْرِ يَبَسًا يابسًا مصدر وصف به يقال يبس يبسًا ويبسًا كسقم سقمًا وسقمًا، ولذلك وصف به المؤنث فقيل شاة يبس للتي جف لبنها، وقرئ «يبْسا» وهو إما مخفف منه أو وصف على فعل كصعب أو جمع يابس كصحب وصف به الواحد مبالغة كقوله:\nكَأَنَّ قُتُودَ رَحْلِي حِينَ ضَمَّت ... حَوَالِبَ غُرزًا وَمَعِيَ جِيَاعًا\nأو لتعدده معنى فإنه جعل لكل سبط منهم طريقًا. لاَّ تَخافُ دَرَكًا حال من المأمور أي آمنا من أن يدرككم العدو، أو صفة ثانية والعائد محذوف، وقرأ حمزة «لا تخف» على أنه جواب الأمر. وَلا تَخْشى استئناف أي وأنت لا تخشى، أو عطف عليه والألف فيه للإِطلاق كقوله وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا أو حال بالواو والمعنى ولا تخشى الغرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1707>[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nفَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩)\nفَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ وذلك إن موسى ﵇ خرج بهم أول الليل فَأُخْبِرَ فرعون بذلك فقص أثرهم، والمعنى فأتبعهم فرعون نفسه ومعه جنوده فحذف المفعول الثاني. وقيل فَأَتْبَعَهُمْ بمعنى فأتبعهم ويؤيده القراءة به والباء للتعدية وقيل الباء مزيدة والمعنى: فاتبعهم جنوده وذادهم خلفهم. فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ الضمير لجنوده أوله ولهم، وفيه مبالغة ووجازة أي: غشيهم ما سمعت قصته ولا يعرف كنهه إلا الله. وقرئ «فغشاهم ما غشاهم» أي غطاهم ما غطاهم والفاعل هو الله تعالى أو ما غشاهم أو فرعون لأنه الذي ورطهم للهلاك.\nوَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى أي أضلهم في الدين وما هداهم وهو تهكم به في قوله وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ أو أضلهم في البحر وما نجا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1708>[سورة طه (٢٠): آية ٨٠]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠)\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك فرعون على إضمار قلنا، أو للذين منهم في عهد النبي ﵊ بما فعل بآبائهم. قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ فرعون وقومه. وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ بمناجاة موسى وإنزال التوراة عليه، وإنما عد المواعدة إليهم وهي لموسى أوله وللسبعين المختارين للملابسة. وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى يعني في التيه.","vol":"4","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1709>[سورة طه (٢٠): الآيات ٨١ الى ٨٢]</span>\nكُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى (٨٢)\nكُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ لذائذه أو حلالاته، وقرأ حمزة والكسائي «أنجيتكم» «وواعدتكم» و«ما رزقتكم» على التاء. وقرئ «ووعدتكم» «ووعدناكم»، والأيمن بالجر على الجوار مثل: جحر ضب خرب.\nوَلا تَطْغَوْا فِيهِ فيما رزقناكم بالإِخلال بشكره والتعدي لما حد الله لكم فيه كالسرف والبطر والمنع عن المستحق. فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي فيلزمكم عذابي ويجب لكم من حل الدين إذا وجب أداؤه. وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى فقد تردى وهلك، وقيل وقع في الهاوية، وقرأ الكسائي «يحل» ويَحْلِلْ بالضم من حل يحل إذا نزل.\nوَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ عن الشرك. وَآمَنَ بما يجب الإِيمان به. وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى ثم استقام على الهدى المذكور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1710>[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٣ الى ٨٤]</span>\nوَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)\nوَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى سؤال عن سبب العجلة يتضمن إنكارها من حيث إنها نقيصة في نفسها انضم إليها إغفال القوم وإيهام التعظم عليهم فلذلك أجاب موسى عن الأمرين وقدم جواب الإِنكار لأنه أهم.\nقالَ موسى. هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي أي ما تقدمتهم إلا بخطًا يسيرة لا يعتد بها عادة وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة يتقدم بها الرفقة بعضهم بعضًا. وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى فإن المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بعهدك توجب مرضاتك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1711>[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٥ الى ٨٦]</span>\nقالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)\nقالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ ابتليناهم بعبادة العجل بعد خروجك من بينهم وهم الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفًا. وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ باتخاذ العجل والدعاء إلى عبادته، وقرئ «وَأَضَلَّهُمْ» أي أشدهم ضلالًا لأنه كان ضالًا مضلًا، وإن صح أنهم أقاموا على الدين بعد ذهابه عشرين ليلة وحسبوها بأيامها أربعين وقالوا قد أكملنا العدة ثم كان أمر العجل، وإن هذا الخطاب كان له عند مقدمه إذ ليس في الآية ما يدل عليه كان ذلك إخبارًا من الله له عن المترقب بلفظ الواقع على عادته، فإن أصل وقوع الشيء أن يكون في علمه ومقتضى مشيئته، والسَّامِرِيُّ منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة. وقيل كان علجا من كرمان. وقيل من أهل باجرما واسمه موسى بن ظفر وكان منافقًا.\nفَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ بعد ما استوفى الأربعين وأخذ التوراة غَضْبانَ عليهم. أَسِفًا حزينًا بما فعلوا. قالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا وبأن يعطيكم التوراة فيها هدى ونور. أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أي الزمان يعني زمان مفارقته لهم. أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ يجب عليكم. غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ","vol":"4","page":35},{"text":"بعبادة ما هو مثل في الغباوة. فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي وعدكم إياي بالثبات على الإِيمان بالله والقيام على ما أمرتكم به، وقيل هو من أخلفت وعده إذا وجدت الخلف فيه، أي فوجدتم الخلف في وعدي لكم بالعود بعد الأربعين، وهو لا يناسب الترتيب على الترديد ولا على الشق الذي يليه ولا جوابهم له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1712>[سورة طه (٢٠): الآيات ٨٧ الى ٨٩]</span>\nقالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٨٩)\nقالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا بأن ملكنا أمرنا إذ لو خلينا وأمرنا ولم يسول لنا السامري لما أخلفناه، وقرأ نافع وعاصم بِمَلْكِنا بالفتح وحمزة والكسائي بالضم وثلاثتها في الأصل لغات في مصدر ملكت الشيء. وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ حملنا أحمالًا من حلى القبط التي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس. وقيل استعاروا لعيد كان لهم، ثم لم يردوا عند الخروج مخافة أن يعلموا به، وقيل: هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم فأخذوه ولعلهم سموها أوزارًا لأنها آثام، فإن الغنائم لم تكن تحل بعد أو لأنهم كانوا مستأمنين وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي. فَقَذَفْناها أي في النار.\nفَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ أي ما كان معه منها.\nروي أنهم لما حسبوا أن العدة قد كملت قال لهم السامري:\nإنما أخلف موسى ميعادكم لما معكم من حلى القوم وهو حرام عليكم، فالرأي أن نحفر حفيرة ونسجر فيها نارًا ونقذف كل ما معنا فيها ففعلوا.\nوقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر وروح حُمِّلْنا بالفتح والتخفيف.\nفَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا من تلك الحلي المذابة. لَهُ خُوارٌ صوت العجل. فَقالُوا يعني السامري ومن افتتن به أول ما رآه. هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ أي فنسيه موسى وذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري أي ترك ما كان عليه من إظهار الإِيمان.\nأَفَلا يَرَوْنَ أفلا يعلمون. أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا أنه لا يرجع إليهم كلامًا ولا يرد عليهم جوابًا.\nوقرئ يَرْجِعُ بالنصب وفيه ضعف لأن أن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين. وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ولا يقدر على إنفاعهم وإضرارهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1713>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٠ الى ٩١]</span>\nوَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١)\nوَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ من قبل رجوع موسى ﵊، أو قول السامري كأنه أول ما وقع عليه بصره حين طلع من الحفرة توهم ذلك وبادرَ تحذيرهم. يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ بالعجل. وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ لا غيره. فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي في الثبات على الدين.\nقالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ على العجل وعبادته. عاكِفِينَ مقيمين. حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى وهذا الجواب يؤيد الوجه الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1714>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٢ الى ٩٤]</span>\nقالَ يا هارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)\nقالَ يا هارُونُ أي قال له موسى حين رجع. مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا بعبادة العجل.","vol":"4","page":36},{"text":"أَلَّا تَتَّبِعَنِ أن تتبعني في الغضب لله والمقاتلة مع من كفر به، أو أن تأتي عقبي وتلحقني و«لا» مزيدة كما في قوله مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ. أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي بالصلابة في الدين والمحاماة عليه.\nلَ يَا بْنَ أُمَ\nخص الأم استعطافًا وترقيقًا، وقيل لأنه كان أخاه من الأم والجمهور على أنهما كانا من أب وأم. تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي\nأي بشعر رأسي قبض عليهما يجره إليه من شدة غيظه وفرط غضبه لله، وكان ﵊ حديدًا خشنًا متصلبًا في كل شيء فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل.\nِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ\nلو قاتلت أو فارقت بعضهم ببعض. لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي\nحين قلت اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ فإن الإِصلاح كان في حفظ الدهماء والمداراة لهم إلى أن ترجع إليهم فتتدارك الأمر برأيك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1715>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٥ الى ٩٦]</span>\nقالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)\nقالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ أي ثم أقبل عليه وقال له منكرًا ما خطبك أي ما طلبك له وما الذي حملك عليه، وهو مصدر خطب الشيء إذا طلبه.\nقالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب أي علمت بما لم تعلموه وفطنت لما لم تفطنوا له، وهو أن الرسول الذي جاءك روحاني لا يمس أثره شيئًا إلا أحياه، أو رأيت ما لم تروه وهو أن جبريل ﵊ جاءك على فرس الحياة. وقيل إنما عرفه لأن أمه ألقته حين ولدته خوفًا من فرعون وكان جبريل يغذوه حتى استقل. فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ من تربة موطئه والقبضة المرة من القبض فأطلق على المقبوض كضرب الأمير، وقرئ بالصاد والأول للأخذ بجميع الكف والثاني للأخذ بأطراف الأصابع ونحوهما الخضم والقضم، والرسول جبريل ﵊ ولعله لم يسمه لأنه لم يعرف أنه جبريل أو أراد أن ينبه على الوقت وهو حين أرسل إليه ليذهب به إلى الطور. فَنَبَذْتُها في الحلي المذاب أو في جوف العجل حتى حيي. وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي زينته وحسنته لي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1716>[سورة طه (٢٠): آية ٩٧]</span>\nقالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لاَ مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)\nقالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ عقوبة على ما فعلت. أَنْ تَقُولَ لاَ مِساسَ خوفًا من أن يمسك أحد فتأخذك الحمى ومن مسك فتتحامى الناس ويتحاموك وتكون طريدًا وحيدا كالوحش النافر، وقرئ «لاَ مِسَاسَ» كفجار وهو علم للمسة. وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا في الآخرة. لَنْ تُخْلَفَهُ لن يخلفكه الله وينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك في الدنيا، وقرأ ابن كثير والبصريان بكسر اللام أي لن تخلف الواعد إياه وسيأتيك لا محالة، فحذف المفعول الأول لأن المقصود هو الموعد ويجوز أن يكون من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفا، وقرئ بالنون على حكاية قول الله. وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا ظللت على عبادته مقيمًا فحذف اللام الأولى تخفيفًا، وقرئ بكسر الظاء على نقل حركة اللام إليها. لَنُحَرِّقَنَّهُ أي بالنار ويؤيده قراءة لَنُحَرِّقَنَّهُ، أو بالمبرد على أنه مبالغة في حرق إذ برد بالمبرد ويعضده قراءة لَنُحَرِّقَنَّهُ. ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ ثم لنذرينه رمادًا أو مبرودا وقرئ بضم السين. فِي الْيَمِّ نَسْفًا فلا يصادف منه شيء والمقصود من ذلك زيادة عقوبته وإظهار غباوة المفتتنين به لمن له أدنى نظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1717>[سورة طه (٢٠): آية ٩٨]</span>\nإِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)\n.","vol":"4","page":37},{"text":"إِنَّما إِلهُكُمُ المستحق لعبادتكم. اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ إذ لا أحد يماثله أو يدانيه في كمال العلم والقدرة. وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا وسع علمه كل ما يصح أن يعلم لا العجل الذي يصاغ ويحرق وإن كان حيًا في نفسه كان مثلًا في الغباوة، وقرئ وَسِعَ فيكون انتصاب عِلْمًا على المفعولية لأنه وإن انتصب على التمييز في المشهورة لكنه فاعل في المعنى فلما عدي الفعل بالتضعيف إلى المفعولين صار مفعولا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1718>[سورة طه (٢٠): آية ٩٩]</span>\nكَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩)\nكَذلِكَ مثل ذلك الاقتصاص يعني اقتصاص قصة موسى ﵊. نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ مَا قَدْ سَبَقَ من أخبار الأمور الماضية والأمم الدارجة تبصرة لك وزيادة في علمك وتكثيرًا لمعجزاتك وتنبيهًا وتذكيرًا للمستبصرين من أمتك. وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا كتابًا مشتملًا على هذه الأقاصيص والأخبار حقيقًا بالتفكر والاعتبار، والتنكير فيه للتعظيم. وقيل ذكرًا جميلًا وصيتًا عظيمًا بين الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1719>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٠ الى ١٠١]</span>\nمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١)\nمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ عن الذكر الذي هو القرآن الجامع لوجوه السعادة والنجاة وقيل عن الله. فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا عقوبة ثقيلة فادحة على كفره، وذنوبه سماها وِزْرًا تشبيهًا في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يفدح الحامل وينقض ظهره، أو إثمًا عظيمًا.\nخالِدِينَ فِيهِ في الوزر أو في حمله، والجمع فيه والتوحيد في أعرض للحمل على المعنى واللفظ.\nوَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا أي بئس لهم ففيه ضمير مبهم يفسره حِمْلًا، والمخصوص بالذم محذوف أي ساء حملًا وزرهم، واللام في لَهُمْ للبيان كما في هَيْتَ لَكَ ولو جعلت ساءَ بمعنى أحزن والضمير الذي فيه للوزر أشكل أمر اللام ونصب حِمْلًا ولم يفد مزيد معنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1720>[سورة طه (٢٠): آية ١٠٢]</span>\nيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)\nيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وقرأ أبو عمرو بالنون على إسناد النفخ إلى الآمر به تعظيمًا له أو للنافخ. وقرئ بالياء المفتوحة على أن فيه ضمير الله أو ضمير إسرافيل وإن لم يجر ذكره لأنه المشهور بذلك، وقرئ «فِى الصور» وهو جمع صورة وقد سبق بيان ذلك وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ وقرئ «ويحشر المجرمون» زُرْقًا زرق العيون وصفوا بذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، لأن الروم كانوا أعدى أعدائهم وهم زرق العين ولذلك قالوا في صفة العدو: أسود الكيد، أصهب السبال، أزرق العين أو عميًا، فإن حدقة الأعمى تزراق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1721>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]</span>\nيَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا (١٠٤)\nيَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ يخفضون أصواتهم لما يملأ صدورهم من الرعب والهول والخفت خفض الصوت وإخفاؤه. إِنْ ما لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا أي في الدنيا يستقصرون مدة لبثهم فيها لزوالها، أو لاستطالتهم مدة الآخرة أو لتأسفهم عليها لما عاينوا الشدائد وعلموا أنهم استحقوها على إضاعتها في قضاء الأوطار واتباع الشهوات، أو في القبر لقوله وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ إلى آخر الآيات.\nنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وهو مدة لبثهم. إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أعدلهم رأيًا أو عملًا. إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا استرجاح لقول من يكون أشد ثقالا منهم.","vol":"4","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1722>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٥ الى ١٠٧]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لاَّ تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (١٠٧)\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ عن مآل أمرها وقد سأل عنها رجل من ثقيف. فَقُلْ لهم. يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها.\nفَيَذَرُها فيذر مقارها، أو الأرض وإضمارها من غير ذكر لدلالة الْجِبالِ عليها كقوله: مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ. قَاعًا خاليًا صَفْصَفًا مستويًا كأن أجزاءها على صف واحد.\nلاَّ تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا اعوجاجًا ولا نتوًا إن تأملت فيها بالقياس الهندسي، وثلاثتها أحوال مترتبة فالأولان باعتبار الإِحساس والثالث باعتبار المقياس ولذلك ذكر العوج بالكسر وهو يخص بالمعاني، والأمت وهو النتوء اليسير وقيل لا ترى استئناف مبين للحالين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1723>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٠٨ الى ١٠٩]</span>\nيَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)\nيَوْمَئِذٍ أي يوم إذ نسفت على إضافة اليوم إلى وقت النسف، ويجوز أن يكون بدلًا ثانيًا من يوم القيامة. يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ داعي الله إلى المحشر، قيل هو إسرافيل يدعو الناس قائمًا على صخرة بيت المقدس فيقبلون من كل أوب إلى صوبه لاَ عِوَجَ لَهُ لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه. وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ خفضت لمهابته. فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا صوتًا خفيًا ومنه الهميس لصوت أخفاف الإِبل، وقد فسر الهمس بخفق أقدامهم ونقلها إلى المحشر.\nيَوْمَئِذٍ لاَّ تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ الاستثناء من الشفاعة أي إلا شفاعة من أذن له أو من أعم المفاعيل، أي إلا من أذن في أن يشفع له فإن الشفاعة تنفعه، فَ مَنْ على الأول مرفوع على البدلية وعلى الثاني منصوب على المفعولية وأَذِنَ يحتمل أن يكون من الاذن ومن الأذن. وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا أي ورضي لمكانه عند الله قوله في الشفاعة أو رضي لأجله قول الشافع في شأنه، أو قوله لأجله وفي شأنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1724>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٠ الى ١١١]</span>\nيَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)\nيَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ما تقدمهم من الأحوال. وَما خَلْفَهُمْ وما بعدهم مما يستقبلونه. وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ولا يحيط علمهم بمعلوماته، وقيل بذاته وقيل الضمير لأحد الموصولين أو لمجموعهما، فإنهم لم يعلموا جميع ذلك ولا تفصيل ما علموا منه.\nوَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ذلت وخضعت له خضوع العناة وهم الأساري في يد الملك القهار، وظاهرها يقتضي العموم ويجوز أن يراد بها وجوه المجرمين فتكون اللام بدل الإِضافة ويؤيده. وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا وهو يحتمل الحال والاستئناف لبيان ما لأجله عنت وجوههم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1725>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٢ الى ١١٣]</span>\nوَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (١١٢) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)\nوَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ بعض الطاعات. وَهُوَ مُؤْمِنٌ إذ الإِيمان شرط في صحة الطاعات وقبول","vol":"4","page":39},{"text":"الخيرات. فَلا يَخافُ ظُلْمًا منع ثواب مستحق بالوعد وَلا هَضْمًا ولا كسرًا منه بنقصان أو جزاء ظلم وهضم لأنه لم يظلم غيره ولم يهضم حقه، وقرئ «فلا يخف» على النهي.\nوَكَذلِكَ عطف على كذلك نقص أي مثل ذلك الإِنزال أو مثل إنزال هذه الآيات المتضمنة للوعيد.\nأَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا كله على هذه الوتيرة. وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ مكررين فيه آيات الوعيد. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ المعاصي فتصير التقوى لهم ملكة. أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا عظة واعتبارًا حين يسمعونها فتثبطهم عنها، ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم والإحداث إلى القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1726>[سورة طه (٢٠): آية ١١٤]</span>\nفَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)\nفَتَعالَى اللَّهُ في ذاته وصفاته عن مماثلة المخلوقين لا يماثل كلامه كلامهم كما لا تماثل ذاته ذاتهم.\nالْمَلِكُ النافذ أمره ونهيه الحقيق بأن يرجى وعده ويخشى وعيده. الْحَقُّ في ملكوته يستحقه لذاته، أو الثابت في ذاته وصفاته وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ نهي عن الاستعجال في تلقي الوحي من جبريل ﵇ ومساوقته في القراءة حتى يتم وحيه بعد ذكر الإِنزال على سبيل الاستطراد. وقيل نهي عن تبليغ ما كان مجملًا قبل أن يأتي بيانه. وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا أي سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال فإن ما أوحى إليك تناله لا محالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1727>[سورة طه (٢٠): آية ١١٥]</span>\nوَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)\nوَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ ولقد أمرناه يقال تقدم الملك إليه وأوعز إليه وعزم عليه وعهد إليه إذا أمره، واللام جواب قسم محذوف وإنما عطف قصة آدم على قوله وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ\nللدلالة على أن أساس بني آدم على العصيان وعرقهم راسخ في النسيان. مِنْ قَبْلُ من قبل هذا الزمان. فَنَسِيَ العهد ولم يعن به حتى غفل عنه، أو ترك ما وصي به من الاحتراز عن الشجرة. وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا تصميم رأي وثباتًا على الأمر إذ لو كان ذا عزيمة وتصلب لم يزله الشيطان ولم يستطع تغريره، ولعل ذلك كان في بدء أمره قبل أن يجرب الأمور ويذوق شريها وأريها.\nوعن النبي ﷺ «لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه وقد قال الله تعالى وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا» .\nوقيل عزمًا على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمده ونَجِدْ وإن كان من الوجود الّذي بمعنى العلم ف لَهُ عَزْمًا مفعولاه، وإن كان من الوجود المناقض للعدم فله حال من عزمًا أو متعلق بنجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1728>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٦ الى ١١٧]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧)\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ مقدر باذكر أي اذكر حاله في ذلك الوقت ليتبين لك أنه نسي ولم يكن من أولي العزيمة والثبات. فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قد سبق القول فيه. أَبى جملة مستأنفة لبيان ما منعه من السجود وهو الاستكبار وعلى هذا لا يقدر له مفعول مثل السجود المدلول عليه بقوله فَسَجَدُوا لأن المعنى أظهر الإباءة عن المطاوعة.\nفَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما فلا يكونن سببًا لإِخراجكما، والمراد نهيهما عن أن يكون بحيث يتسبب الشيطان إلى إخراجهما. مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى أفرده بإسناد الشقاء إليه بعد إشراكهما في الخروج اكتفاء باستلزام شقائه شقاءها من حيث إنه قيم عليها ومحافظة على الفواصل، أو لأن المراد بالشقاء التعب في طلب المعاش وذلك وظيفة الرجال ويؤيده قوله.","vol":"4","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1729>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٨ الى ١١٩]</span>\nإِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩)\nإِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى.\nوَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى فإنه بيان وتذكير لما له في الجنة من أسباب الكفاية وأقطاب الكفاف التي هي الشبع والري والكسوة والسكن مستغنيًا عن اكتسابها والسعي في تحصيل أغراض ما عسى ينقطع ويزول منها بذكر نقائضها، ليطرق سمعه بأصناف الشقوة المحذر عنها، والعاطف وإن ناب عن أن لكنه ناب من حيث إنه عامل لا من حيث إنه حرف تحقيق فلا يمتنع دخوله على أن امتناع دخول إن عليه. وقرأ نافع وأبو بكر وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا بكسر الهمزة والباقون بفتحها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1730>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٠ الى ١٢٢]</span>\nفَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢)\nفَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ فانتهى إليه وسوسته. قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ الشجرة التي من أكل منها خلد ولم يمت أصلًا. فأضافها إلى الخلد أي الخلود لأنها سببه بزعمه. وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلى لا يزول ولا يضعف.\nفَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أخذا يلزقان الورق على سوآتهما للتستر وهو ورق التين وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ بأكل الشجرة. فَغَوى فضل عن المطلوب وخاب حيث طلب الخلد بأكل الشجرة، أو عن المأمور به أو عن الرشد حيث اغتر بقول العدو. وقرئ «فغوى» من غوى الفصيل إذا أتخم من اللبن وفي النعي عليه بالعصيان والغواية مع صغر زلته تعظيم للزلة وزجر بليغ لأولاده عنها.\nثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ اصطفاه وقربه بالحمل على التوبة والتوفيق لها من أجبى إلى كذا فاجتبيته مثل جليت على العروس فاجتليتها، وأصل معنى الكلمة الجمع. فَتابَ عَلَيْهِ فقبل توبته لما تاب. وَهَدى إلى الثبات على التوبة والتشبث بأسباب العصمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1731>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٣ الى ١٢٤]</span>\nقالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤)\nقالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا الخطاب لآدم وحواء، أوله ولإِبليس ولما كانا أصليَّ الذرية خاطبهما مخاطبتهم فقال: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ لأمر المعاش كما عليه الناس من التجاذب والتحارب، أو لاختلال حال كل من النوعين بواسطة الآخر ويؤيد الأول قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً كتاب ورسول. فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ في الدنيا. وَلا يَشْقى في الآخرة.\nوَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي عن الهدى الذاكر لي والداعي إلى عبادتي. فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ضيقًا مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، وقرئ «ضنكى» كسكرى، وذلك لأن مجامع همته ومطامح نظره تكون إلى أعراض الدنيا متهالكًا على ازديادها خائفًا على انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة مع أنه تعالى قد يضيق بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإِيمان كما قال وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا الآيات، وقيل هو الضريع والزقوم في النار، وقيل عذاب القبر وَنَحْشُرُهُ قرئ بسكون الهاء على لفظ الوقف وبالجزم عطفًا على محل فَإِنَّ لَهُ","vol":"4","page":41},{"text":"مَعِيشَةً ضَنْكًا\nلأنه جواب الشرط. يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى أعمى البصر أو القلب ويؤيد الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1732>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٥ الى ١٢٧]</span>\nقالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)\nقالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا وقد أمالهما حمزة والكسائي لأن الألف منقلبة من الياء، وفرق أبو عمرو بأن الأول رأس الآية ومحل الوقف فهو جدير بالتغيير.\nقالَ كَذلِكَ أي مثل ذلك فعلت ثم فسره فقال: أَتَتْكَ آياتُنا واضحة نيرة. فَنَسِيتَها فعميت عنها وتركتها غير منظور إليها. وَكَذلِكَ ومثل تركك إياها. الْيَوْمَ تُنْسى تترك في العمى والعذاب.\nوَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ بالانهماك في الشهوات والإِعراض عن الآيات. وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ بل كذب بها وخالفها. وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ وهو الحشر على العمى، وقيل عذاب النار أي وللنار بعد ذلك أَشَدُّ وَأَبْقى من ضنك العيش أو منه ومن العمى، ولعله إذا دخل النار زال عماه ليرى محله وحاله أو مما فعله من ترك الآيات والكفر بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1733>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٢٨ الى ١٢٩]</span>\nأَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)\nأَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ مسند إلى الله تعالى أو الرسول أو ما دل عليه. كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أي إهلاكنا إياهم أو الجملة بمضمونها، والفعل على الأولين معلق يجري مجرى أعلم ويدل عليه القراءة بالنون.\nيَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ويشاهدون آثار هلاكهم. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي.\nوَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وهي العدة بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الآخرة. لَكانَ لِزامًا لكان مثل ما نزل بعاد وثمود لازمًا لهؤلاء الكفرة، وهو مصدر وصف به أو اسم آلة سمي به اللازم لفرط لزومه كقولهم لزاز خصم. وَأَجَلٌ مُسَمًّى عطف على كلمة أي ولولا العدة بتأخير العذاب وأجل مسمى لأعمارهم، أو لعذابهم وهو يوم القيامة أو يوم بدر لكان العذاب لزامًا والفصل للدلالة على استقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب، ويجوز عطفه على المستكن في كان أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1734>[سورة طه (٢٠): آية ١٣٠]</span>\nفَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠)\nفَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وصل وأنت حامد لربك على هدايته وتوفيقه، أو نزهه عن الشرك وسائر ما يضيفون إليه من النقائص حامدًا له على ما ميزك بالهدى معترفًا بأنه المولى للنعم كلها. قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يعني الفجر. وَقَبْلَ غُرُوبِها يعني الظهر والعصر لأنهما في آخر النهار أو العصر وحده.\nوَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ ومن ساعاته جمع أنا بالكسر والقصر، أو أناء بالفتح والمد. فَسَبِّحْ يعني المغرب والعشاء وإنما قدم زمان الليل لاختصاصه بمزيد الفضل فإن القلب فيه أجمع والنفس أميل إلى الاستراحة فكانت العبادة فيه أحمز ولذلك قال ﷾: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا. وَأَطْرافَ النَّهارِ تكرير لصلاتي الصبح والمغرب إرادة الاختصاص، ومجيئه بلفظ الجمع لأمن الإِلباس كقوله:\nظهرا هما مِثْل ظُهُورِ التِرْسَيْنِ","vol":"4","page":42},{"text":"أو أمر بصلاة الظهر فإنه نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الآخر وجمعه باعتبار النصفين أو لأن النهار جنس، أو بالتطوع في أجزاء النهار. لَعَلَّكَ تَرْضى متعلق ب سَبِّحْ أي سبح في هذه الأوقات طمعًا أن تنال عند الله ما به ترضي نفسك. وقرأ الكسائي وأبو بكر بالبناء للمفعول أي يرضيك ربك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1735>[سورة طه (٢٠): آية ١٣١]</span>\nوَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١)\nوَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي نظر عينيك. إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ استحسانًا له وتمنيا أن يكون لك مثله. أَزْواجًا مِنْهُمْ وأصنافًا من الكفرة، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير في به والمفعول منهم أي إلى الذي متعنا به، وهو أصناف بعضهم أو ناسًا منهم. زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا منصوب بمحذوف دل عليه مَتَّعْنا أو بِهِ على تضمينه معنى أعطينا، أو بالبدل من محل بِهِ أو من أَزْواجًا بتقدير مضاف ودونه، أو بالذم وهي الزينة والبهجة. وقرأ يعقوب بالفتح وهو لغة كالجهرة في الجهرة، أو جمع زاهر وصف لهم بأنهم زاهرو الدنيا لتنعمهم وبهاء زيهم بخلاف ما عليه المؤمنون الزهاد. لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ لنبلوهم ونختبرهم فيه، أو لنعذبهم في الآخرة بسببه. وَرِزْقُ رَبِّكَ وما ادخر لك في الآخرة، أو ما رزقك من الهدى والنبوة. خَيْرٌ مما منحهم في الدنيا. وَأَبْقى فإنه لا ينقطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1736>[سورة طه (٢٠): آية ١٣٢]</span>\nوَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)\nوَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ أمره بأن يأمر أهل بيته أو التابعين له من أمته بالصلاة بعد ما أمر بها ليتعاونوا على الاستعانة بها على خصاصتهم ولا يهتموا بأمر المعيشة ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة. وَاصْطَبِرْ عَلَيْها وداوم عليها. لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا أي أن ترزق نفسك ولا أهلك. نَحْنُ نَرْزُقُكَ وإياهم ففرغ بالك لأم الآخرة. وَالْعاقِبَةُ المحمودة. لِلتَّقْوى لذوي التقوى.\nروي «أنه ﵊ كان إذا أصاب أهله ضرٌ أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1737>[سورة طه (٢٠): آية ١٣٣]</span>\nوَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣)\nوَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ بآية تدل على صدقه في ادعاء النبوة، أو بآية مقترحة إنكارًا لما جاء به من الآيات، أو للاعتداد به تعنتًا وعنادًا فألزمهم بإتيانه بالقرآن الذي هو أم المعجزات وأعظمها وأبقاها، لأن حقيقة المعجزة اختصاص مدعي النبوة بنوع من العلم أو العمل على وجه خارق للعادة، ولا شك أن العلم أصل العمل وأعلى منه قدرًا وأبقى أثرًا فكذا ما كان من هذا القبيل، ونبههم أيضًا على وجه أبين من وجوه إعجاز المختصة بهذا الباب فقال: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى من التوراة والإِنجيل وسائر الكتب السماوية، فإن اشتمالها على زبدة ما فيها من العقائد والأحكام الكلية مع أن الآتي بها أُميّ لم يرها ولم يتعلم ممن علمها إعجاز بين، وفيه إشعار بأنه كما يدل على نبوته برهان لما تقدمه من الكتب من حيث أنه معجز وتلك ليست كذلك، بل هي مفتقرة إلى ما يشهد على صحتها. وقرئ «الصحف» بالتخفيف وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بالتاء والباقون بالياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1738>[سورة طه (٢٠): الآيات ١٣٤ الى ١٣٥]</span>\nوَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥)\nوَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ من قبل محمّد ﵊ أو البينة والتذكير لأنها في معنى","vol":"4","page":43},{"text":"البرهان، أو المراد بها القرآن. لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ بالقتل والسبي في الدنيا. وَنَخْزى بدخول النار يوم القيامة، وقد قرئ بالبناء للمفعول فيهما.\nقُلْ كُلٌّ أي كل واحد منا ومنكم. مُتَرَبِّصٌ منتظر لما يؤول إليه أمرنا وأمركم. فَتَرَبَّصُوا وقرئ «فتمتعوا» . فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ المستقيم، وقرئ «السواء» أي الوسط الجيد و«السوءى» و«السوء» أي الشر، و«السوي» هو تصغيره. وَمَنِ اهْتَدى من الضلالة ومَنْ في الموضعين للاستفهام ومحلها الرفع بالابتداء، ويجوز أن تكون الثانية موصولة بخلاف الأولى لعدم العائد فتكون معطوفة على محل الجملة الاستفهامية المعلق عنها الفعل على أن العلم بمعنى المعرفة أو على أصحاب أو على الصراط على أن المراد به النبي ﷺ.\nوعنه ﷺ «من قرأ طه أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين» .","vol":"4","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1739>(٢١) سورة الأنبياء</span>\nمكية وآيها مائة واثنتا عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1740>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)\nاقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ بالإِضافة إلى ما مضى أو عند الله لقوله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَراهُ قَرِيبًا وقوله وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أو لأن كل ما هو آت قريب وإنما البعيد ما انقرض ومضى، واللام صلة ل اقْتَرَبَ أو تأكيد للإِضافة وأصله اقترب حساب الناس ثم اقترب للناس الحساب ثم اقترب للناس حسابهم، وخص الناس بالكفار لتقييدهم بقوله: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ أي في غفلة عن الحساب. مُعْرِضُونَ عن التفكر فيه وهما خبران للضمير، ويجوز أن يكون الظرف حالًا من المستكن في مُعْرِضُونَ.\nمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ ينبههم عن سنة الغفلة والجهالة. مِنْ رَبِّهِمْ صفة ل ذِكْرٍ أو صلة ل يَأْتِيهِمْ. مُحْدَثٍ تنزيله ليكرر على أسماعهم التنبيه كي يتعظوا، وقرئ بالرفع حملًا على المحل. إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ يستهزئون به ويستسخرون منه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور والتفكر في العواقب وَهُمْ يَلْعَبُونَ حال من الواو وكذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1741>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣]</span>\nلاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)\nلاهِيَةً قُلُوبُهُمْ أي استمعوه جامعين بين الاستهزاء والتلهي والذهول عن التفكر فيه، ويجوز أن يكون من واو يَلْعَبُونَ وقرئت بالرفع على أنها خبر آخر للضمير. وَأَسَرُّوا النَّجْوَى بالغوا في إخفائها أو جعلوها بحيث خفي تناجيهم بها. الَّذِينَ ظَلَمُوا بدل من واو وَأَسَرُّوا للإِيماء بأنهم ظالمون فيما أسروا به، أو فاعل له والواو لعلامة الجمع أو مبتدأ والجملة المتقدمة خبره وأصله وهؤلاء أسروا النجوى فوضع الموصول موضعه تسجيلًا على فعلهم بأنه ظلم أو منصوب على الذم. هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ بأمره في موضع النصب بدلًا من النَّجْوَى، أو مفعولًا لقول مقدر كأنهم استدلوا بكونه بشرًا على كذبه في ادعاء الرسالة لاعتقادهم أن الرسول لا يكون إلا ملكًا، واستلزموا منه أن ما جاء به من الخوارق كالقرآن سحر فأنكروا حضوره، وإنما أسروا به تشاورًا في استنباط ما يهدم أمره ويظهر فساده للناس عامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1742>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nقالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)","vol":"4","page":45},{"text":"قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ جهرًا كان أو سرًا فضلًا عما أسروا به فهو آكد من قوله قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولذلك اختير هاهنا وليطابق قوله وَأَسَرُّوا النَّجْوَى في المبالغة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص قالَ بالإِخبار عن الرسول ﷺ. وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فلا يخفى عليه ما يسرون ولا ما يضمرون.\nبَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ إضراب لهم عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام ثم إلى أنه كلام افتراه، ثم إلى أنه قول شاعر والظاهر أن بَلْ الأولى لتمام حكاية والإِبتداء بأخرى أو للإِضراب عن تحاورهم في شأن الرسول ﷺ وما ظهر عليه من الآيات إلى تقاولهم في أمر القرآن، والثانية والثالثة لإِضرابهم عن كونه أباطيل خيلت إليه وخلطت عليه إلى كونه مفتريات اختلقها من تلقاء نفسه، ثم إلى أنه كلام شعري يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها ويرغبه فيها، ويجوز أن يكون الكل من الله تنزيلًا لأقوالهم في درج الفساد لأن كونه شعرًا أبعد من كونه مفترى لأنه مشحون بالحقائق والحكم وليس فيه ما يناسب قول الشعراء، وهو من كونه أحلامًا لأنه مشتمل على مغيبات كثيرة طابقت الواقع والمفتري لا يكون كذلك بخلاف الأحلام، ولأنهم جربوا رسول الله ﷺ نيفًا وأربعين سنة وما سمعوا منه كذبًا قط، وهو أبعد من كونه سحرًا لأنه يجانسه من حيث إنهما من الخوارق. فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ أي كما أرسل به الأولون مثل اليد البيضاء والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى، وصحة التشبيه من حيث إن الإِرسال يتضمن الإِتيان بالآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1743>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧)\nما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ من أهل قرية. أَهْلَكْناها باقتراح الآيات لما جاءتهم. أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ لو جئتهم بها وهم أعتى منهم، وفيه تنبيه على أن عدم الإتيان بالمقترح للإِبقاء عليهم إذ لو أتى به ولم يؤمنوا استوجبوا عذاب الاستئصال كمن قبلهم.\nوَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ جواب لقولهم هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب عن حال الرسل المتقدمة ليزول عنهم الشبهة والإِحالة عليهم إما للإلزام فإن المشركين كانوا يشاورونهم في أمر النبي ﵊ ويثقون بقولهم، أو لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم وإن كانوا كفارًا. وقرأ حفص نُوحِي بالنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1744>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nوَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠)\nوَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ نفي لما اعتقدوا أنها من خواص الملك عن الرسل تحقيقًا لأنهم كانوا أبشارًا مثلهم. وقيل جواب لقولهم مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ وَما كانُوا خالِدِينَ تأكيد وتقرير له فإن التعيش بالطعام من توابع التحليل المؤدي إلى الفناء وتوحيد الجسد لا إرادة الجنس، أو لأنه مصدر في الأصل أو على حذف المضاف أو تأويل الضمير بكل واحد وهو جسم ذو لون فلذلك لا يطلق على الماء والهواء، ومنه الجساد للزعفران. وقيل جسم ذو تركيب لأن أصله لجمع الشيء واشتداده.\nثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ أي في الوعد. فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ يعني المؤمنين بهم ومن في إبقائه حكمة","vol":"4","page":46},{"text":"كمن سيؤمن هو أو أحد من ذريته، ولذلك حميت العرب من عذاب الاستئصال. وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ في الكفر والمعاصي.\nلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ يا قريش كِتابًا يعني القرآن. فِيهِ ذِكْرُكُمْ صيتكم كقوله وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ أو موعظتكم أو ما تطلبون به حسن الذكر من مكارم الأخلاق. أَفَلا تَعْقِلُونَ فتؤمنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1745>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nوَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣)\nوَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ واردة عن غضب عظيم لأن القصم كسر يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم.\nكانَتْ ظالِمَةً صفة لأهلها وصفت بها لما أقيمت مقامه. وَأَنْشَأْنا بَعْدَها بعد إهلاك أهلها. قَوْمًا آخَرِينَ مكانهم.\nفَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا فلما أدركوا شدة عذابنا إدراك المشاهد المحسوس، والضمير للأهل المحذوف.\nإِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ يهربون مسرعين راكضين دوابهم، أو مشبهين بهم من فرط إسراعهم.\nلاَ تَرْكُضُوا على إرادة القول أي قيل لهم استهزاء لا تركضوا إما بلسان الحال أو المقال، والقائل ملك أو من ثم من المؤمنين. وَارْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ من التنعم والتلذذ والإِتراف إبطار النعمة.\nوَمَساكِنِكُمْ التي كانت لكم. لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ غدا عن أعمالكم أو تعذبون فإن السؤال من مقدمات العذاب، أو تقصدون للسؤال والتشاور في المهام والنوازل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1746>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nقالُوا يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ (١٥)\nقالُوا يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ لما رأوا العذاب ولم يروا وجه النجاة فلذلك لم ينفعهم. وقيل إن أهل حضور من قرى اليمن بعث إليهم نبي فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر فوضع السيف فيهم فنادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء فندموا وقالوا ذلك.\nفَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ فما زالوا يرددون ذلك، وإنما سماه دعوى لأن المولول كأنه يدعو الويل ويقول: يا ويل تعال فهذا أوانك، وكل من تِلْكَ ودَعْواهُمْ يحتمل الاسمية والخبرية. حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا مثل الحصيد وهو النبت المحصود ولذلك لم يجمع. خامِدِينَ ميتين من خمدت النار وهو مع حَصِيدًا منزلة المفعول الثاني كقولك: جعلته حلوًا حامضًا إذ المعنى: وجعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود أو صفة له أو حال من ضميره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1747>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧)\nوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة للنظار وتذكرة لذوي الاعتبار وتسببًا لما ينتظم به أمور العباد في المعاش والمعاد، فينبغي أن يتسلقوا بها إلى تحصيل الكمال ولا يغتروا بزخارفها فإنها سريعة الزوال.\nلَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا ما يتلهى به ويلعب. لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا من جهة قدرتنا، أو من عندنا مما يليق بحضرتنا من المجردات لا من الأجسام المرفوعة والأجرام المبسوطة كعادتكم في رفع السقوف وتزويقها وتسوية الفرش وتزيينها، وقيل اللهو الولد بلغة اليمن وقيل الزوجة والمراد به الرد على النصارى إِنْ كُنَّا","vol":"4","page":47},{"text":"فاعِلِينَ\nذلك ويدل على جواب الجواب المتقدم. وقيل أَنْ نافية والجملة كالنتيجة للشرطية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1748>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٨]</span>\nبَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)\nبَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ إِضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه لذاته عن اللعب أي بل من شأننا أن نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من عداده اللهو. فَيَدْمَغُهُ فيمحقه، وإنما استعار لذلك القذف وهو الرمي البعيد المستلزم لصلابة المرمى، والدمغ الذي هو كسر الدماغ بحيث يشق غشاؤه المؤدي إلى زهوق الروح تصويرا لإبطاله به ومبالغة فيه، وقرئ «فَيَدْمَغُهُ» بالنصب كقوله:\nسَأَتْرُكْ مَنْزِلي لَبَنِي تَمِيم ... وَأَلْحَقُ بالحِجَازِ فَأَسْتَرِيحا\nووجهه مع بعده الحمل على المعنى والعطف على «الحق» . فَإِذا هُوَ زاهِقٌ هالك والزهوق ذهاب الروح وذكره لترشيح المجاز. وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ مما تصفونه به مما لا يجوز عليه، وهو في موضع الحال وما مصدرية أو موصولة أو موصوفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1749>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفْتُرُونَ (٢٠)\nوَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقًا وملكًا. وَمَنْ عِنْدَهُ يعني الملائكة المنزلين منه لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك، وهو معطوف على مَنْ فِي السَّماواتِ وإفراده للتعظيم أو لأنه أعم منه من وجه، أو المراد به نوع من الملائكة متعال عن التبوؤ في السماء والأرض أو مبتدأ خبره: لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ لا يتعظمون عنها. وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ولا يعيون منها، وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور تنبيهًا على أن عبادتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا يستحسرون.\nيُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ينزهونه ويعظمونه دائمًا. لاَ يَفْتُرُونَ حال من الواو في يُسَبِّحُونَ وهو استئناف أو حال من ضمير قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1750>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢١ الى ٢٣]</span>\nأَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لاَّ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)\nأَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً بل اتخذوا والهمزة لإِنكار اتخاذهم. مِنَ الْأَرْضِ صفة لآلهة أو متعلقة بالفعل على معنى الابتداء، وفائدتها التحقير دون التخصيص. هُمْ يُنْشِرُونَ الموتى وهم وإن لم يصرحوا به لكن لزم ادعاؤهم لها الإِلهية، فإن من لوازمها الاقتدار على جميع الممكنات والمراد به تجهيلهم والتهكم بهم، وللمبالغة في ذلك زيد الضمير الموهم لاختصاص الانشار بهم.\nلَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ غير الله، وصف ب إِلَّا لتعذر الاستثناء لعدم شمول ما قبلها لما بعدها ودلالته على ملازمة الفساد لكون الآلهة فيهما دونه، والمراد ملازمته لكونها مطلقًا أو معه حملًا لها على غير كما استثنى بغير حملًا عليها، ولا يجوز الرفع على البدل لأنه متفرع على الاستثناء ومشروط بأن يكون في كلام غير موجب. لَفَسَدَتا لبطلتا لما يكون بينهما من الاختلاف والتمانع، فإنها إن توافقت في المراد تطاردت عليه القدر وإن تخالفت فيه تعاوقت عنه. فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ المحيط بجميع الأجسام الذي هو محل التدابير ومنشأ التقادير. عَمَّا يَصِفُونَ من اتخاذ الشريك والصاحبة والولد.\nلاَّ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لعظمته وقوة سلطانه وتفرده بالألوهية والسلطنة الذاتية. وَهُمْ يُسْئَلُونَ لأنهم","vol":"4","page":48},{"text":"مملوكون مستعبدون والضمير لل آلِهَةٌ أو للعباد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1751>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٢٤]</span>\nأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)\nأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً كرره استعظامًا لكفرهم واستفظاعًا لأمرهم وتبكيتًا وإظهارًا لجهلهم، أو ضمًا لإِنكار ما يكون لهم سندًا من النقل إلى إنكار ما يكون لهم دليلًا من العقل على معنى أوجدوا آلهة ينشرون الموتى فاتخذوهم آلهة، لما وجدوا فيهم من خواص الألوهية، أو وجدوا في الكتب الإِلهية الأمر بإشراكهم فاتخذوهم متابعة للأمر، ويعضد ذلك أنه رتب على الأول ما يدل على فساده عقلًا وعلى الثاني ما يدل على فساده نقلًا. قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ على ذلك إما من العقل أو من النقل، فإنه لا يصح القول بما لا دليل عليه كيف وقد تطابقت الحجج على بطلانه عقلًا ونقلًا. هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي من الكتب السماوية فانظروا هل تجدون فيها إلا الأمر بالتوحيد والنهي عن الإِشراك، والتوحيد لما لم يتوقف على صحته بعثة الرسل وإنزال الكتب صح الاستدلال فيه بالنقل ومَنْ مَعِيَ أمته ومَنْ قَبْلِي الأمم المتقدمة وإضافة ال ذِكْرُ إليهم لأنه عظتهم، وقرئ بالتنوين والإعمال وبه وب مِنْ الجارة على أن مع اسم هو ظرف كقبل وبعد وشبههما وبعدمها. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ولا يميزون بينه وبين الباطل، وقرئ «الحق» بالرفع على أنه خبر محذوف وسط للتأكيد بين السبب والمسبب. فَهُمْ مُعْرِضُونَ عن التوحيد واتباع الرسول من أجل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1752>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢٥ الى ٢٧]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ تعميم بعد تخصيص، فإن ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي من حيث إنه خبر لاسم الإِشارة مخصوص بالموجود بين أظهرهم وهو الكتب الثلاثة، وقرأ حفص وحمزة والكسائي نُوحِي إِلَيْهِ بالنون وكسر الحاء والباقون بالياء وفتح الحاء.\nوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله سُبْحانَهُ تنزيه له عن ذلك. بَلْ عِبادٌ بل هم عباد من حيث إنهم مخلوقون وليسوا بالأولاد. مُكْرَمُونَ مقربون وفيه تنبيه على مدحض القوم، وقرئ بالتشديد.\nلاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ لا يقولون شيئًا حتى يقوله كما هو ديدن العبيد المؤدبين، وأصله لا يسبق قولهم قوله فنسب السبق إليه وإليهم، وجعل القول محله وأداته تنبيهًا على استهجان السبق المعرض به للقائلين على الله ما لم يقله، وأنيبت اللام على الإِضافة اختصارًا وتجافيًا عن تكرير الضمير، وقرئ «لاَ يَسُبقُونَهُ» بالضم من سابقته فسبقته أسبقه. وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ لا يعملون قط ما لم يأمرهم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1753>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nيَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)\nيَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ لا تخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا، وهو كالعلة لما قبله والتمهيد لما بعده فإنهم لإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم ويراقبون أحوالهم. وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى أن يشفع له مهابة منه. وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ عظمته ومهابته. مُشْفِقُونَ مرتعدون، وأصل الخشية خوف مع تعظيم","vol":"4","page":49},{"text":"ولذلك خص بها العلماء. والإِشفاق خوف مع اعتناء فإن عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر وإن عدي بعلى فبالعكس.\nوَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ من الملائكة أو من الخلائق. إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ يريد به نفي النبوة وادعاء ذلك عن الملائكة وتهديد المشركين بتهديد مدعي الربوبية. كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ من ظلم بالإشراك وادعاء الربوبية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1754>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٠]</span>\nأَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠)\nأَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أو لم يعلموا، وقرأ ابن كثير بغير واو. أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا ذات رتق أو مرتوقتين، وهو الضم والالتحام أي كانتا شيئًا واحدًا وحقيقة متحدة. فَفَتَقْناهُما بالتنويع والتمييز، أو كانت السموات واحدة ففتقت بالتحريكات المختلفة حتى صارت أفلاكًا، وكانت الأرضون واحدة فجعلت باختلاف كيفياتها وأحوالها طبقات أو أقاليم. وقيل كانَتا بحيث لا فرجة بينهما ففرج. وقيل كانَتا رَتْقًا لا تمطر ولا تنبت ففتقناهما بالمطر والنبات، فيكون المراد ب السَّماواتِ سماء الدنيا وجمعها باعتبار الآفاق أو السَّماواتِ بأسرارها على أن لها مدخلًا ما في الأمطار، والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظرًا فإن الفتق عارض مفتقر إلى مؤثر واجب ابتداء أو بوسط، أو استفسارًا من العلماء ومطالعة للكتب، وإنما قال كانَتا ولم يقل كن لأن المراد جماعة السموات وجماعة الأرض. وقرئ «رَتْقًا» بالفتح على تقدير شيئًا رتقًا أي مرتوقًا كالرفض بمعنى المرفوض. وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ وخلقنا من الماء كل حيوان كقوله تعالى اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ وذلك لأنه من أعظم مواده أو لفرط احتياجه إليه وانتفاعه به بعينه، أو صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا يحيا دونه. وقرئ «حيًا» على أنه صفة كُلَّ أو مفعول ثان، والظرف لغو والشيء مخصوص بالحيوان. أَفَلا يُؤْمِنُونَ مع ظهور الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1755>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nوَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢)\nوَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ ثابتات من رسا الشيء إذا ثبت. أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ كراهة أن تميل بهم وتضطرب، وقيل لأن لا تميد فحذف لا لأمن الإِلباس. وَجَعَلْنا فِيها في الأرض أو الرواسي. فِجاجًا سُبُلًا مسالك واسعة وإنما قدم فجاجًا وهو وصف له ليصير حالًا فيدل على أنه حين خلقها خلقها كذلك، أو ليبدل منها سُبُلًا فيدل ضمنًا على أنه خلقها ووسعها للسابلة مع ما يكون فيه من التوكيد. لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ إلى مصالحهم.\nوَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا عن الوقوع بقدرته أو الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيئته، أو استراق السمع بالشهب. وَهُمْ عَنْ آياتِها عن أحوالها الدالة على وجود الصانع ووحدته وكمال قدرته وتناهي حكمته التي يحس ببعضها ويبحث عن بعضها في علمي الطبيعة والهيئة. مُعْرِضُونَ غير متفكرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1756>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٣٣]</span>\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بيان لبعض تلك الآيات. كُلٌّ فِي فَلَكٍ أي كل واحد منهما، والتنوين بدل من المضاف إليه والمراد بالفلك الجنس كقولهم: كساهم الأمير حلة. يَسْبَحُونَ يسرعون على سطح الفلك إسراع السابح على سطح الماء، وهو خبر كُلٌّ والجملة حال من الشَّمْسَ","vol":"4","page":50},{"text":"وَالْقَمَرَ\n، وجاز إنفرادهما بها لعدم اللبس والضمير لهما، وإنما جمع باعتبار المطالع وجعل الضمير واو العقلاء لأن السباحة فعلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1757>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nوَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)\nوَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ نزلت حين قالوا نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون وفي معناه قوله:\nفَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا ... سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا\nوالفاء لتعلق الشرط بما قبله والهمزة لإِنكاره بعد ما تقرر ذلك.\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ذائقة مرارة مفارقتها جسدها، وهو برهان على ما أنكروه. وَنَبْلُوكُمْ ونعاملكم معاملة المختبر. بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ بالبلايا والنعم. فِتْنَةً ابتلاء مصدر من غير لفظه. وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ فنجازيكم حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر، وفيه إيماء بأن المقصود من هذه الحياة والابتلاء والتعريض للثواب والعقاب تقريرا لما سبق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1758>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nوَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)\nوَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ ما يتخذونك. إِلَّا هُزُوًا إلا مهزوءًا به ويقولون: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ أي بسوء، وإنما أطلقه لدلالة الحال فإن ذكر العدو لا يكون إلا بسوء. وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ بالتوحيد أو بإرشاد الخلق ببعث الرسل وإنزال الكتب رحمة عليهم أو بالقرآن. هُمْ كافِرُونَ منكرون فهم أحق أن يهزأ بهم، وتكرير الضمير للتأكيد والتخصيص ولحيلولة الصلة بينه وبين الخبر.\nخُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ كأنه خلق منه لفرط استعجاله وقلة ثباته كقولك: خلق زيد من الكرم، جعل ما طبع عليه بمنزلة المطبوع وهو منه مبالغة في لزومه له ولذلك قيل: إِنه على القلب ومن عجلته مبادرته إلى الكفر واستعجال الوعيد.\nروي أنها نزلت في النضر بن الحرث حين استعجل العذاب.\nسَأُرِيكُمْ آياتِي نقماتي في الدنيا كوقعة بدر وفي الآخرة عذاب النار. فَلا تَسْتَعْجِلُونِ بالإِتيان بها، والنهي عما جبلت عليه نفوسهم ليقعدوها عن مرادها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1759>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ وقت وعد العذاب أو القيامة. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعنون النبي ﵊ وأصحابه ﵃.\nلَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ محذوف الجواب وحِينَ مفعول يَعْلَمُ أي: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلون منه بقولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ وهو حين تحيط بهم النار من كل جانب بحيث لا يقدرون على دفعها ولا يجدون ناصرًا يمنعها لما استعجلوا، ويجوز أن يترك مفعول يَعْلَمُ ويضمر لحين فعل بمعنى: لو كان لهم علم لما استعجلوا يعلمون","vol":"4","page":51},{"text":"بطلان ما هم عليه حين لا يكفون، وإنما وضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على ما أوجب لهم ذلك.\nبَلْ تَأْتِيهِمْ العدة أو النار أو الساعة. بَغْتَةً فجأة مصدر أو حال. وقرئ بفتح الغين. فَتَبْهَتُهُمْ فتغلبهم أو تحيرهم. وقرئ الفعلان بالياء والضمير ل الْوَعْدُ أو ال حِينَ وكذا في قوله: فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها لأن الوعد بمعنى النار أو العدة والحين بمعنى الساعة، ويجوز أن يكون ل النَّارَ أو لل بَغْتَةً.\nوَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يمهلون وفيه تذكير بإمهالهم في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1760>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)\nوَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ تسلية لرسول الله ﷺ. فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وعد له بأن ما يفعلونه به يحيق بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا يعني جزاءه.\nقُلْ يا محمد للمستهزئين. مَنْ يَكْلَؤُكُمْ يحفظكم. بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ من بأسه إن أراد بكم، وفي لفظ الرَّحْمنِ تنبيه على أن لا كالئ غير رحمته العامة وأن اندفاعه بمهلته بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ لا يخطرونه ببالهم فضلًا أن يخافوا بأسه حتى إذا كلؤا منه عرفوا الكالئ. وصلحوا للسؤال عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1761>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nأَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤)\nأَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا بل ألهم آلهة تمنعهم من العذاب تتجاوز منعنا، أو من عذاب يكون من عندنا والإِضرابان عن الأمر بالسؤال على الترتيب، فإنه عن المعرض الغافل عن الشيء بعيد وعن المعتقد لنقيضه أبعد. لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ استئناف بإبطال ما اعتقدوه فإن من لا يقدر على نصر نفسه ولا يصحبه نصر من الله فكيف ينصر غيره.\nبَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ إضراب عما توهموا ببيان ما هو الداعي إلى حفظهم وهو الاستدراج والتمتيع بما قدر لهم من الأعمار، أو عن الدلالة على بطلانه ببيان ما أوهمهم ذلك، وهو أنه تعالى متعهم بالحياة الدنيا وأمهلهم حتى طالت أعمارهم فحسبوا أن لا يزالوا كذلك وأنه بسبب ما هم عليه ولذلك عقبه بما يدل على أنه أمل كاذب فقال: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ أرض الكفرة. نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بتسليط المسلمين عليها، وهو تصوير لما يجريه الله تعالى على أيدي المسلمين. أَفَهُمُ الْغالِبُونَ رسول الله والمؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1762>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nقُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦)\nقُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ بما أوحي إلي. وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ وقرأ ابن عامر ولا تسمع الصم على خطاب النبي ﷺ، وقرئ بالياء على أن فيه ضميره، وإنما سماهم الصُّمُّ ووضعه موضع ضميرهم للدلالة على تصامهم وعدم انتفاعهم بما يسمعون. إِذا مَا يُنْذَرُونَ منصوب ب يَسْمَعُ أو ب الدُّعاءَ والتقييد به لأن الكلام في الإِنذار أو للمبالغة في تصامهم وتجاسرهم.","vol":"4","page":52},{"text":"وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ أدنى شيء، وفيه مبالغات ذكر المس وما في النفحة من معنى القلة، فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء والبناء الدال على المرة. مِنْ عَذابِ رَبِّكَ من الذي ينذرون به. لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ لدعوا على أنفسهم بالويل واعترفوا عليها بالظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1763>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٤٧]</span>\nوَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)\nوَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ العدل توزن بها صحائف الأعمال. وقيل وضع الموازين تمثيل لإِرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال بالعدل، وإفراد الْقِسْطَ لأنه مصدر وصف به للمبالغة. لِيَوْمِ الْقِيامَةِ لجزاء يوم القيامة أو لأهله، أو فيه كقولك: جئت لخمس خلون من الشهر. فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا من حقها أو من الظلم. وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أي وإن كان العمل أو الظلم مقدار حبة، ورفع نافع مِثْقالَ على كانَ التامة. أَتَيْنا بِها أحضرناها، وقرئ «آتينا» بمعنى جازينا بها من الإِيتاء فإنه قريب من أعطينا، أو من المؤاتاة فإنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء وأثبنا من الثواب وجئنا، والضمير للمثقال وتأنيثه لإِضافته إلى ال حَبَّةٍ. وَكَفى بِنا حاسِبِينَ إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1764>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٤٨ الى ٥٠]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ أي الكتاب الجامع لكونه فارقًا بين الحق والباطل، وَضِياءً يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، وَذِكْرًا يتعظ به المتقون أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع. وقيل الْفُرْقانَ النصر، وقيل فلق البحر وقرئ «ضِيَاء» . بغير واو على أنه حال من الْفُرْقانَ.\nالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ صفة لِلْمُتَّقِينَ أو مدح لهم منصوب أو مرفوع. بِالْغَيْبِ حال من الفاعل أو المفعول. وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ خائفون وفي تصدير الضمير وبناء الحكم عليه مبالغة وتعريض.\nوَهذا ذِكْرٌ يعني القرآن. مُبارَكٌ كثير خيره. أَنْزَلْناهُ على محمد ﵊. أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ استفهام توبيخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1765>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥١ الى ٥٣]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣)\nوَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ الاهتداء لوجوه الصلاح وإضافته ليدل على أنه رشد مثله وأن له شأنا.\nوقرئ رُشْدَهُ وهو لغة. مِنْ قَبْلُ من قبل موسى وهارون أو محمّد ﵊. وقيل من قبل استنبائه أو بلوغه حيث قال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ علمنا أنه أهل لما آتيناه، أو جامع لمحاسن الأوصاف ومكارم الخصال وفيه إشارة إلى أن فعله ﷾ باختيار وحكمة وأنه عالم بالجزئيات.\nإِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ متعلق ب آتَيْنا أو ب رُشْدَهُ أو بمحذوف: أي اذكر من أوقات رشده وقت قوله: مَا هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ تحقير لشأنها وتوبيخ على إجلالها، فإن التمثال صورة لا روح فيها لا يضر ولا ينفع، واللام للاختصاص لا للتعدية فإن تعدية العكوف بعلى. والمعنى أنتم فاعلون العكوف لها ويجوز أن يؤول بعلى أو يضمن العكوف معنى العبادة.","vol":"4","page":53},{"text":"قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ فقلدناهم وهو جواب عما لزم الاستفهام من السؤال عما اقتضى عبادتها وحملهم عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1766>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٤ الى ٥٦]</span>\nقالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)\nقالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ منخرطين في سلك ضلال لا يخفى على عاقل لعدم استناد الفريقين إلى دليل، والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه على حق.\nقالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ كأنهم لاستبعادهم تضليله إياهم ظنوا أن ما قاله إنما قاله على وجه الملاعبة، فقالوا أبجد تقوله أم تلعب به.\nقالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ إضراب عن كونه لاعبًا بإقامة البرهان على ما ادعاه وهن للسموات والأرض أو للتماثيل، وهو أدخل في تضليلهم وإلزام الحجة عليهم. وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ أي المذكور من التوحيد. مِنَ الشَّاهِدِينَ من المتحققين له والمبرهنين عليه، فإن الشاهد من تحقق الشيء وحققه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1767>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nوَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)\nوَتَاللَّهِ وقرئ بالباء وهي الأصل والتاء بدل من الواو المبدلة منها وفيها تعجب. لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ لأجتهدن في كسرها، ولفظ الكيد وما في التاء من التعجب لصعوبة الأمر وتوقفه على نوع من الحيل. بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا عنها. مُدْبِرِينَ إلى عيدكم ولعله قال ذلك سرًا.\nفَجَعَلَهُمْ جُذاذًا قطاعًا فعال بمعنى مفعول كالحطام من الجذ وهو القطع. وقرأ الكسائي بالكسر وهو لغة، أو جمع جذيذ كخفاف وخفيف. وقرئ بالفتح و«جذذًا» جمع جذيذ و«جذذا» جمع جذة. إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ للأصنام كسر غيره واستبقاه وجعل الفأس على عنقه. لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ لأنه غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لتفرده واشتهاره بعداوة آلهتهم فيحاجهم بقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ فيحجهم، أو أنهم يرجعون إلى الكبير فيسألونه عن كاسرها إذ من شأن المعبود أن يرجع إليه في حل العقد فيبكتهم بذلك، أو إلى الله أي يَرْجِعُونَ إلى توحيده عند تحققهم عجز آلهتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1768>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٩ الى ٦١]</span>\nقالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)\nقالُوا حين رجعوا. مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ بجرأته على الآلهة الحقيقة بالإِعظام، أو بإفراطه في حطمها أو بتوريط نفسه للهلاك.\nقالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يعيبهم فلعله فعله ويذكر ثاني مفعولي سمع، أو صفة ل فَتًى مصححة لأن يتعلق به السمع وهو أبلغ في نسبة الذكر إليه. يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ خبر محذوف أي هو إبراهيم، ويجوز أن يرفع بالفعل لأن المراد به الاسم.\nقالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ بمرأى منهم بحيث تتمكن صورته في أعينهم تمكن الراكب على المركوب. لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ بفعله أو قوله أو يحضرون عقوبتنا له.","vol":"4","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1769>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nقالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يَآ إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)\nقالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يَآ إِبْراهِيمُ حين أحضروه.\nقالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ أسند الفعل إليه تجوزًا لأن غيظه لما رأى من زيادة تعظيمهم له تسبب لمباشرته إياه، أو تقريرًا لنفسه مع الاستهزاء والتبكيت على أسلوب تعريضي كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته بخط رشيق: أأنت كتبت هذا فقلت بل كتبته أنت، أو حكاية لما يلزم من مذهبهم جوازه، وقيل إنه في المعنى متعلق بقوله إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ وما بينهما اعتراض أو إلى ضمير فَتًى أو إِبْراهِيمُ، وقوله كَبِيرُهُمْ هذا مبتدأ وخبر ولذلك وقف على فعله. وما\nروي أنه ﵊ قال «لإِبراهيم ثلاث كذبات»\nتسمية للمعاريض كذبًا لما شابهت صورتها صورته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1770>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦٤ الى ٦٥]</span>\nفَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)\nفَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ وراجعوا عقولهم. فَقالُوا فقال بعضهم لبعض. إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ بهذا السؤال أو بعبادة من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لا من ظلمتموه بقولكم إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ.\nثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ انقلبوا إلى المجادلة بعد ما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعليًا على أعلاه. وقرئ «نُكِّسُواْ» بالتشديد و«نكسوا» أي نكسوا أنفسهم. لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ فكيف تأمرنا بسؤالها وهو على إرادة القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1771>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٦٦ الى ٦٨]</span>\nقالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨)\nقالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ إنكار لعبادتهم لها بعد اعترافهم بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر فإنه ينافي الألوهية.\nأُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تضجر منه على إصرارهم بالباطل البين، وأُفٍّ صوت المتضجر ومعناه قبحًا ونتنًا واللام لبيان المتأفف له. أَفَلا تَعْقِلُونَ قبح صنيعكم.\nقالُوا أخذا في المضارة لما عجزوا عن المحاجة. حَرِّقُوهُ فإن النار أهول ما يعاقب به. وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ بالانتقام لها. إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ إن كنتم ناصرين لها نصرًا مؤزرًا، والقائل فيهم رجل من أكراد فارس اسمه هيون خسف به الأرض وقيل نمروذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1772>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٦٩]</span>\nقُلْنا يَا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩)\nقُلْنا يَا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ ذات برد وسلام أي ابردي بردا غير ضار، وفيه مبالغات جعل النار المسخرة لقدرته مأمورة مطيعة وإقامة كُونِي ذات برد مقام أبردي، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل نصب سَلامًا بفعله أي وسلمنا سلامًا عليه.\nروي أنهم بنوا حظيرة بكوثى وجمعوا فيها نارًا عظيمة ثم وضعوه في المنجنيق مغلولًا فرموا به فيها فقال له جبريل: هل لك حاجة، فقال:\nأما إليك فلا فقال: فسل ربك فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فجعل الله تعالى- ببركة قوله- الحظيرة","vol":"4","page":55},{"text":"روضة ولم يحترق منه إلا وثاقه، فاطلع عليه نمروذ من الصرح فقال إني مقرب إلى إلهك فذبح أربعة آلاف بقرة وكف عن إبراهيم ﵇. وكان إذ ذاك ابن ست عشرة سنة وانقلاب النار هواء طيبًا ليس ببدع غير أنه هكذا على خلاف المعتاد فهو إذن من معجزاته.\nوقيل كانت النار بحالها لكنه ﷾ دفع عنه أذاها كما ترى في السمندل ويشعر به قوله على إبراهيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1773>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nوَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١)\nوَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا مكرًا في إضراره. فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ أخسر من كل خاسر لما عاد سعيهم برهانًا قاطعًا على أنهم على الباطل وإبراهيم على الحق وموجبًا لمزيد درجته واستحقاقهم أشد العذاب.\nوَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ أي من العراق إلى الشام وبركاته العامة أن أكثر الأنبياء بعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعهم التي هي مبادي الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية. وقيل كثرة النعم والخصب الغالب.\nروي أنه ﵇ نزل بفلسطين ولوط ﵇ بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1774>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًاّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣)\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً عطية فهي حال منهما أو ولد ولد، أو زيادة على ما سأل وهو إسحاق فتختص بيعقوب ولا بأس به للقرينة. وَكُلًّا يعني الأربعة. جَعَلْنا صالِحِينَ بأن وفقناهم للصلاح وحملناهم عليه فصاروا كاملين.\nوَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يقتدى بهم. يَهْدُونَ الناس إلى الحق. بِأَمْرِنا لهم بذلك وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين. وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ ليحثوهم عليها فيتم كمالهم بانضمام العمل إلى العلم، وأصله أن تفعل الخيرات ثم فعلا الخيرات ثم فِعْلَ الْخَيْراتِ وكذلك قوله: وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وهو من عطف الخاص على العام للتفضيل، وحذفت تاء الإِقامة المعوضة من إحدى الألفين لقيام المضاف إليه مقامها.\nوَكانُوا لَنا عابِدِينَ موحدين في العبادة ولذلك قدم الصلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1775>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nوَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)\nوَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا حكمة أو نبوة أو فصلًا بين الخصوم. وَعِلْمًا بما ينبغي علمه للأنبياء.\nوَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ قرية سدوم. الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ يعني اللواطة وصفها بصفة أهلها أو أسندها إليها على حذف المضاف وإقامتها مقامه ويدل عليه: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ فإنه كالتعليل له.\nوَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا في أهل رحمتنا أو جنتنا. إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1776>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٦ الى ٧٧]</span>\nوَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)\nوَنُوحًا إِذْ نادى إذ دعا الله سبحانه على قومه بالهلاك. مِنْ قَبْلُ من قبل المذكورين. فَاسْتَجَبْنا","vol":"4","page":56},{"text":"لَهُ\nدعاءه. فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ من الطوفان أو أذى قومه، والكرب الغم الشديد.\nوَنَصَرْناهُ مطاوع انتصر أي جعلناه منتصرًا. مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ لاجتماع الأمرين تكذيب الحق والانهماك في الشر، ولعلهما لم يجتمعا في قوم إلا وأهلكهم الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1777>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nوَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًاّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩)\nوَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ في الزرع، وقيل في كرم تدلت عناقيده. إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ رعته ليلًا. وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما عالمين.\nفَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ الضمير للحكومة أو للفتوى وقرئ «فأفهمناها» .\nروي أن داود حكم بالغنم لصاحب الحرث فقال سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة: غير هذا أرفق بهما فأمر بدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأشعارها والحرث إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود إلى ما كان ثم يترادان.\nولعلهما قالا اجتهادا والأول نظير قول أبي حنيفة في العبد الجاني والثاني مثل قول الشافعي بغرم الحيلولة في العبد المغصوب إذا أبق، وحكمه في شرعنا عند الشافعي وجوب ضمان المتلف بالليل إذ المعتاد ضبط الدواب ليلًا\nوهكذا قضى النبي ﷺ لما دخلت ناقة البراء حائطًا وأفسدته فقال «على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية حفظها بالليل» .\nوعند أبي حنيفة لا ضمان إِلاَّ أن يكون معها حافظ\nلقوله ﷺ «جرح العجماء جبار» .\nوَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح فيه. وقيل على أن كل مجتهد مصيب وهو مخالف لمفهوم قوله تعالى: فَفَهَّمْناها ولولا النقل لاحتمل توافقهما على أن قوله ففهمناها لإِظهار ما تفضل عليه في صغره. وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ يقدسن الله معه إما بلسان الحال أو بصوت يتمثل له، أو بخلق الله تعالى فيها الكلام. وقيل يسرن معه من السباحة وهو حال أو استئناف لبيان وجه التسخير ومَعَ متعلقة ب سَخَّرْنا أو يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ عطف على الْجِبالَ أو مفعول معه.\nوقرئ بالرفع على الإِبتداء أو العطف على الضمير على ضعف. وَكُنَّا فاعِلِينَ لأمثاله فليس ببدع منا وإن كان عجبا عندكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1778>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٨٠]</span>\nوَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠)\nوَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ عمل الدرع وهو في الأصل اللباس قال:\nالبِسْ لَكُل حَالَة لَبُوسهَا ... إِمَّا نعيمها وَإِمَا بُوسها\nقيل كانت صفائح فحلقها وسردها. لَكُمْ متعلق بعلم أو صفة ل لَبُوسٍ ليحصنكم مّن بَأْسِكُمْ بدل منه بدل الاشتمال بإعادة الجار، والضمير لداود ﵇ أو ل لَبُوسٍ وفي قراءة ابن عامر وحفص بالتاء للصنعة أو ل لَبُوسٍ على تأويل الدرع وفي قراءة أبي بكر ورويس بالنون لله ﷿ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ذلك أمر أخرجه في صورة الاستفهام للمبالغة والتقريع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1779>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨١ الى ٨٢]</span>\nوَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)","vol":"4","page":57},{"text":"وَلِسُلَيْمانَ وسخرنا له ولعل اللام فيه دون الأول لأن الخارق فيه عائد إلى سليمان نافع له، وفي الأول أمر يظهر في الجبال والطير مع داود وبالإِضافة إليه. الرِّيحَ عاصِفَةً شديدة الهبوب من حيث إنها تبعد بكرسيه في مدة يسيرة كما قال تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وكانت رخاء في نفسها طيبة. وقيل كانت رخاء تارة وعاصفة أخرى حسب إرادته. تَجْرِي بِأَمْرِهِ بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأولى أو حال من ضميرها. إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها إلى الشام رواحًا بعد ما سارت به منه بكرة. وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ فنجريه على ما تقتضيه الحكمة.\nوَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ في البحار ويخرجون نفائسها، وَمِنَ عطف على الرِّيحَ أو مبتدأ خبره ما قبله وهي نكرة موصوفة. وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ ويتجاوزون ذلك إلى أعمال أخر كبناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة كقوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ. وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ أن يزيغوا عن أمره أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1780>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٣ الى ٨٤]</span>\nوَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)\nوَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ بأني مسني الضر، وقرئ بالكسر على إضمار القول أو تضمين النداء معناه والضُّرُّ بالفتح شائع في كل ضرر، وبالضم خاص بما في النفس كمرض وهزال. وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى بذلك عن عرض المطلوب لطفًا في السؤال، وكان روميًا من ولد عيص بن إسحاق استنبأه الله وكثر أهله وماله فابتلاه الله بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله، والمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو سبعًا وسبعة أشهر وسبع ساعات.\nروي أن امرأته ما خير بنت ميشا بن يوسف، أو رحمة بنت افراثيم بن يوسف قالت له يومًا: لو دعوت الله فقال: كم كانت مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة فقال: أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي.\nفَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ بالشفاء من مرضه. وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ بأن ولد له ضعف ما كان أو أحيي ولده وولد له منهم نوافل. رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ رحمة على أيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كما أثيب، أو لرحمتنا للعابدين فإنا نذكرهم بالإِحسان ولا ننساهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1781>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٥ الى ٨٦]</span>\nوَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)\nوَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ يعني إلياس، وقيل يوشع، وقيل زكريا سمي به لأنه كان ذا حظ من الله تعالى أو تكفل أمته أو له ضعف عمل أنبياء زمانه وثوابهم، والكفل يجيء بمعنى النصيب والكفالة والضعف. كُلٌّ كل هؤلاء. مِنَ الصَّابِرِينَ على مشاق التكاليف وشدائد النوب.\nوَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا يعني النبوة أو نعمة الآخرة. إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ الكاملين في الصلاح وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن صلاحهم معصوم عن كدر الفساد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1782>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٧ الى ٨٨]</span>\nوَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لاَّ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)","vol":"4","page":58},{"text":"وَذَا النُّونِ وصاحب الحوت يونس بن متى إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا لقومه لما برم بطول دعوتهم وشدة شكيمتهم وتمادي إصرارهم مهاجرًا عنهم، قبل أن يؤمر وقيل وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم بتوبتهم ولم يعرف الحال فظن أنه كذبهم وغضب من ذلك، وهو من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم بالمهاجرة لخوفهم لحوق العذاب عندها وقرئ «مغضبًا» . فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ لن نضيق عليه أو لن نقضي عليه بالعقوبة من القدر، ويعضده أنه قرئ مثقلًا أو لن نعمل فيه قدرتنا وقيل هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمرنا، أو خطرة شيطانية سبقت إلى وهمه فسميت ظنًا للمبالغة. وقرئ بالياء وقرأ يعقوب على البناء للمفعول وقرئ به مثقلًا. فَنادى فِي الظُّلُماتِ في الظلمة الشديدة المتكاثفة أو ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. أَنْ لاَّ إِلهَ إِلَّا أَنْتَ بأنه لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ.\nسُبْحانَكَ من أن يعجزك شيء. إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لنفسي بالمبادرة إلى المهاجرة.\nوعن النبي ﵊ «ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له» .\nفَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات كان في بطنه. وقيل ثلاثة أيام والغم غم الالتقام وقيل غم الخطيئة. وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ من غموم دعوا الله فيها بالإِخلاص وفي الإمام: «نجي» ولذلك أخفى الجماعة النون الثانية فإنها تخفى مع حروف الفم، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بتشديد الجيم على أن أصله نُنْجِي فحذفت النون الثانية كما حذفت التاء الثانية في تَظاهَرُونَ، وهي وإن كانت فاء فحذفها أوقع من حذف حرف المضارعة التي لمعنى ولا يقدح فيه اختلاف حركتي النونين فإن الداعي إلى الحذف اجتماع المثلين مع تعذر الإِدغام وامتناع الحذف في تتجافى، لخوف اللبس. وقيل هو ماض مجهول أسند إلى ضمير المصدر وسكن آخره تخفيفًا ورد بأنه لا يسند إلى المصدر والمفعول مذكور والماضي لا يسكن آخره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1783>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٩ الى ٩٠]</span>\nوَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)\nوَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا وحيدًا بلا ولد يرثني. وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ فإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي به.\nفَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ أي أصلحناها للولادة بعد عقرها أو ل زَكَرِيَّا بتحسين خلقها وكانت حردة. إِنَّهُمْ يعني المتوالدين أو المذكورين من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nكانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يبادرون إلى أبواب الخير. وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا ذوي رغب ورهب، أو راغبين في الثواب راجين للإِجابة، أو في الطاعة وخائفين العقاب أو المعصية. وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ مخبتين أو دائبين الوجل، والمعنى أنهم نالوا من الله ما نالوا بهذه الخصال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1784>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩١ الى ٩٢]</span>\nوَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)\nوَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها من الحلال والحرام يعني مريم. فَنَفَخْنا فِيها أي في عيسى ﵊ فيها أي أحييناه في جوفها، وقيل فعلنا النفخ فيها. مِنْ رُوحِنا من الروح الذي هو بأمرنا وحده أو من جهة روحنا يعني جبريل ﵊. وَجَعَلْناها وَابْنَها أي قصتهما أو حالهما ولذلك وحد قوله: آيَةً لِلْعالَمِينَ فإن من تأمل حالهما تحقق كمال قدرة الصانع تعالى.","vol":"4","page":59},{"text":"إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أي إن ملة التوحيد والإِسلام ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها فكونوا عليها. أُمَّةً واحِدَةً غير مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا مشاركة لغيرها في صحة الاتباع. وقرئ «أُمَتُكُمْ» بالنصب على البدل و«أُمَّةٌ» بالرفع على الخبر وقرئتا بالرفع عن أنهما خبران. وَأَنَا رَبُّكُمْ لا إله لكم غيري. فَاعْبُدُونِ لا غير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1785>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٣ الى ٩٤]</span>\nوَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤)\nوَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ صرفه إلى الغيبة التفاتًا لينعى على الذين تفرقوا في الدين وجعلوا أمره قطعًا موزعة بقبيح فعلهم إلى غيرهم. كُلٌّ من الفرق المتحزبة. إِلَيْنا راجِعُونَ فنجازيهم.\nفَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بالله ورسله. فَلا كُفْرانَ فلا تضييع. لِسَعْيِهِ استعير لمنع الثواب كما استعير الشكر لإِعطائه ونفي الجنس للمبالغة. وَإِنَّا لَهُ لسعيه. كاتِبُونَ مثبتون في صحيفة عمله لا يضيع بوجه ما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1786>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٥]</span>\nوَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥)\nوَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ وممتنع على أهلها غير متصور منهم. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي «وَحِرْمٌ» بكسر الحاء وإسكان الراء وقرئ «حرم» . أَهْلَكْناها حكمنا بإهلاكها أو وجدناها هالكة. أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ رجوعهم إلى التوبة أو الحياة ولا صلة، أو عدم رجوعهم للجزاء وهو مبتدأ خبره حرام أو فاعل له ساد مسد خبره أو دليل عليه وتقديره: توبتهم أو حياتهم أو عدم بعثهم، أو لأنهم لاَ يَرْجِعُونَ ولا ينيبون وَحَرامٌ خبر محذوف أي وحرام عليها ذاك وهو المذكور في الآية المتقدمة ويؤيده القراءة بالكسر. وقيل حَرامٌ عزم وموجب عليهم أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1787>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٦ الى ٩٧]</span>\nحَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧)\nحَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ متعلق ب حَرامٌ أو بمحذوف دل الكلام عليه، أو ب لاَ يَرْجِعُونَ أي يستمر الامتناع أو الهلاك أو عدم الرجوع إلى قيام الساعة وظهور أماراتها: وهو فتح سد يأجوج ومأجوج وهي حتى التي يحكى الكلام بعدها، والمحكي هي الجملة الشرطية. وقرأ ابن عامر ويعقوب فُتِحَتْ بالتشدد. وَهُمْ يعني يأجوج ومأجوج أو الناس كلهم. مِنْ كُلِّ حَدَبٍ نشز من الأرض، وقرئ «جدث» وهو القبر. يَنْسِلُونَ يسرعون من نسلان الذئب وقرئ بضم السين.\nوَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ وهو القيامة. فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا جواب الشرط و«إذا» للمفاجأة تسد مسد الفاء الجزائية كقوله تعالى: إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ فإذا جاءت الفاء معها تظاهرتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، والضمير للقصة أو مبهم يفسره الأبصار. يَا وَيْلَنا مقدر بالقول واقع موقع الحال من الموصول. قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا لم نعلم أنه حق. بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ لأنفسنا بالإِخلال بالنظر وعدم الاعتداد بالنذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1788>[سورة الأنبياء (٢١): آية ٩٨]</span>\nإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨)\n.","vol":"4","page":60},{"text":"إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يحتمل الأوثان وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم، لما\nروي أنه ﵊ لما تلا الآية على المشركين قال له ابن الزبعري: قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيرًا والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة، فقال ﷺ: «بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك» فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الآية.\nوعلى هذا يعم الخطاب ويكون مَا مؤولًا بمن أو بما يعمه، ويدل عليه ما\nروي أن ابن الزبعري قال: هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله فقال ﷺ «بل لكل من عبد من دون الله» .\nويكون قوله إِنَّ الَّذِينَ بيانًا للتجوز أو التخصيص تأخر عن الخطاب. حَصَبُ جَهَنَّمَ ما يرمي به إليها وتهيج به من حصبه بحصبه إذا رماه بالحصباء وقرئ بسكون الصاد وصفًا بالمصدر. أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ استئناف أو بدل من حَصَبُ جَهَنَّمَ واللام معوضة من على للاختصاص والدلالة على أن ورودهم لأجلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1789>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٩ الى ١٠٠]</span>\nلَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لاَ يَسْمَعُونَ (١٠٠)\nلَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوها لأن المؤاخذ بالعذاب لا يكون إلهًا. وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ لا خلاص لهم عنها.\nلَهُمْ فِيها زَفِيرٌ أنين وتنفس شديد وهو من إضافة فعل البعض إلى الكل للتغلب إن أريد ب مَا تَعْبُدُونَ الأصنام. وَهُمْ فِيها لاَ يَسْمَعُونَ من الهول وشدة العذاب. وقيل لاَ يَسْمَعُونَ ما يسرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1790>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠١ الى ١٠٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)\nإِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أي الخصلة الحسنى وهي السعادة أو التوفيق بالطاعة أو البشرى بالجنة. أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لأنهم يرفعون إلى أعلى عليين.\nروي أن عليًا كرم الله وجهه خطب وقرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن الجراح، ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه ويقول:\nلاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَها\nوهو بدل من مُبْعَدُونَ أو حال من ضميره سيق للمبالغة في إبعادهم عنها، والحسيس صوت يحس به. وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ دائمون في غاية التنعم وتقديم الظرف للاختصاص والاهتمام به.\nلاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ النفخة الأخيرة لقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أو الانصراف إلى النار أو حين يطبق على النار أو يذبح الموت. وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ تستقبلهم مهنئين لهم. هذا يَوْمُكُمُ يوم ثوابكم وهو مقدر بالقول. الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1791>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١٠٤]</span>\nيَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤)\nيَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ مقدر باذكر أو ظرف لاَ يَحْزُنُهُمُ، أو تَتَلَقَّاهُمُ أو حال مقدرة من العائد المحذوف من تُوعَدُونَ، والمراد بالطي ضد النشر أو المحو من قولك اطو عني هذا الحديث، وذلك لأنها","vol":"4","page":61},{"text":"نشرت مظلة لبني آدم فإذا انتقلوا قوضت عنهم، وقرئ بالياء والتاء والبناء للمفعول. كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ طيًا كطي الطومار لأجل الكتابة أو لما يكتب أو كتب فيه، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص على الجمع أي للمعاني الكثيرة المكتوبة فيه. وقيل «السجل» ملك يطوي كتب الأعمال إذا رفعت إليه أو كاتب كان لرسول الله ﷺ. وقرئ «السجل» كالدلو و«السجل» كالعتل وهما لغتان فيه. كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ أي نعيد ما خلقناه مبتدأ إعادة مثل بدئنا إياه في كونهما إيجادًا عن العدم، أو جمعًا بين الأجزاء المتبددة والمقصود بيان صحة الإِعادة بالقياس على الإِبداء لشمول الإِمكان الذاتي المصحح للمقدورية. وتناول القدرة القديمة لهما على السواء، و«ما» كافة أو مصدرية وأول مفعول ل بَدَأْنا أو لفعل يفسره نُعِيدُهُ أو موصولة والكاف متعلقة بمحذوف يفسره نُعِيدُهُ أي نعيد مثل الذي بدأنا وأول خلق ظرف ل بَدَأْنا أو حال من ضمير الموصول المحذوف. وَعْدًا مقدر بفعله تأكيدًا ل نُعِيدُهُ أو منتصب به لأنه عدة بالإِعادة. عَلَيْنا أي علينا إنجازه. إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ذلك لا محالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1792>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]</span>\nوَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦)\nوَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ في كتاب داود ﵇. مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أي التوراة، وقيل المراد ب الزَّبُورِ جنس الكتب المنزل وب الذِّكْرِ اللوح المحفوظ. أَنَّ الْأَرْضَ أي أرض الجنة أو الأَرض المقدسة. يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ يعني عامة المؤمنين أو الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها، أو أمة محمّد ﷺ.\nإِنَّ فِي هذا أي فيما ذكر من الأخبار والمواعظ والمواعيد لَبَلاغًا لكفاية أو لسبب بلوغ إلى البغية.\nلِقَوْمٍ عابِدِينَ همهم العبادة دون العادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1793>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]</span>\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ لأن ما بعثت به سبب لإسعادهم وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم، وقيل كونه رحمة للكفار أمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال.\nقُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أي ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد، وذلك لأن المقصود الأصلي من بعثته مقصور على التوحيد فالأولى لقصر الحكم على الشيء والثانية على العكس.\nفَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ مخلصون العبادة لله تعالى على مقتضى الوحي المصدق بالحجة، وقد عرفت أن التوحيد مما يصح إثباته بالسمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1794>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١٠٩ الى ١١١]</span>\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١)\nفَإِنْ تَوَلَّوْا عن التوحيد. فَقُلْ آذَنْتُكُمْ أي أعلمتكم ما أمرت به أو حربي لكم. عَلى سَواءٍ مستوين في الإِعلام به أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به، أو في المعاداة أو إيذانا على سواء.\nوقيل أعلمتكم أني على سَواءٍ أي عدل واستقامة رأي بالبرهان النير. وَإِنْ أَدْرِي وما أدري. أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ من غلبة المسلمين أو الحشر لكنه كائن لا محالة.","vol":"4","page":62},{"text":"إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ ما تجاهرون به من الطعن في الإِسلام. وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ من الإِحن والأحقاد للمسلمين فيجازيكم عليه.\nوَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وما أدري لعل تأخير جزائكم استدراج لكم وزيادة في افتتانكم أو امتحان لينظر كيف تعملون. وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ وتمتع إلى أجل مقدر تقتضيه مشيئته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1795>[سورة الأنبياء (٢١): آية ١١٢]</span>\nقالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ (١١٢)\nقالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل المقتضى لاستعجال العذاب والتشديد عليهم، وقرأ حفص قالَ على حكاية قول رسول الله ﷺ. وقرئ «رَبُّ» بالضم و«ربي احكم» على بناء التفضيل و«احكم» من الأحكام. وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ كثير الرحمة على خلقه. الْمُسْتَعانُ المطلوب منه المعونة.\nعَلى مَا تَصِفُونَ من الحال بأن الشوكة تكون لهم وأن راية الإِسلام تخفق أيامًا ثم تسكن، وأن الموعد به لو كان حقًا لنزل بهم فأجاب الله تعالى دعوة رسوله ﷺ فخيب أمانيهم ونصر رسوله ﷺ عليهم، وقرئ بالياء.\nوعن النبي ﷺ «من قرأ اقترب حاسبه الله حسابًا يسيرًا وصافحه وسلم عليه كل نبي ذكر اسمه في القرآن»\nوالله تعالى أعلم.","vol":"4","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1796>(٢٢) سورة الحج</span>\nمكية إلا ست آيات من (هذانِ خَصْمانِ) إلى (صِراطِ الْحَمِيدِ) وآيها ثمان وسبعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1797>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ تحريكها للأشياء على الإِسناد المجازي، أو تحريك الأشياء فيها فأضيفت إليها إضافة معنوية بتقدير في أو إضافة المصدر إلى الظرف على إجرائه مجرى المفعول به.\nوقيل هي زلزلة تكون قبيل طلوع الشمس من مغربها وإضافتها إلى الساعة لأنها من أشراطها. شَيْءٌ عَظِيمٌ هائل علل أمرهم بالتقوى بفظاعة الساعة ليتصوروها بعقولهم ويعلموا أنه لا يؤمنهم منها سوى التدرع بلباس التقوى فيبقوا على أنفسهم ويتقوها بملازمة التقوى.\nيَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ\nتصوير لهولها والضمير لل زَلْزَلَةَ، ويَوْمَ\nمنصوب ب تَذْهَلُ\n، وقرئ «تَذْهَلُ» و«تَذْهَلُ» مجهولًا ومعروفًا أي تذهلها الزلزلة، والذهول الذهاب عن الأمر بدهشة، والمقصود الدلالة على أن هولها بحيث إذا دهشت التي ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه وذهلت عنه، و«مَا» موصولة أو مصدرية. وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها\nجنينها. وَتَرَى النَّاسَ سُكارى\nكأنهم سكارى. وَما هُمْ بِسُكارى\nعلى الحقيقة. وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ\nفأرهقهم هوله بحيث طير عقولهم وأذهب تمييزهم، وقرئ «تَرَى» من أريتك قائمًا أو رؤيت قائما بنصب الناس ورفعه على أنه نائب مناب الفاعل، وتأنيثه على تأويل الجماعة وإفراده بعد جمعه لأن الزلزلة يراها الجميع، وأثر السكر إنما يراه كل أحد على غيره وقرأ حمزة والكسائي «سكرى» كعطشى إجراء للسكر مجرى العلل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1798>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ نزلت في النضر بن الحرث وكان جدلًا يقول الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، ولا بعث بعد الموت هي تعمه وأضرابه. وَيَتَّبِعُ في المجادلة أو في عامة أحواله. كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ متجرد للفساد وأصله العري.\nكُتِبَ عَلَيْهِ على الشيطان. أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ تبعه والضمير للشأن. فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ خبر لمن أو جواب له، والمعنى كتب عليه إضلال من يتولاه لأنه جبل عليه، وقرئ بالفتح على تقدير فشأنه أنه يضله لا على العطف فإنه يكون بعد تمام الكلام. وقرئ بالكسر في الموضعين على حكاية المكتوب أو إضمار القول أو","vol":"4","page":64},{"text":"تضمين الكتب معناه. وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ بالحمل على ما يؤدي إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1799>[سورة الحج (٢٢): آية ٥]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ من إمكانه وكونه مقدورا، وقرئ «مّنَ البعث» بالتحريك كالجلب. فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ أي فانظروا في بدء خلقكم فإنه يزيح ريبكم فإنا خلقناكم. مِنْ تُرابٍ بخلق آدم منه، أو الأغذية التي يتكون منها المني. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ مني من النطف وهو الصب. ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ قطعة من الدم جامدة. ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ قطعة من اللحم وهي في الأصل قدر ما يمضغ. مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ مسواة لا نقص فيها ولا عيب وغير مسواة أو تامة وساقطة أو مصورة وغير مصورة. لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن ما قبل التغير والفساد والتكون مرة قبلها أخرى، وأن من قدر على تغييره وتصويره أولًا قدر على ذلك ثانيًا، وحذف المفعول إيماء إلى أن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وحكمته ما لا يحيط به الذكر. وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ أن نقره. إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو وقت الوضع وأدناه بعد ستة أشهر وأقصاه أربع سنين، وقرئ «ونقر» بالنصب وكذا قوله: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا عطفًا على «نبيِّن» كأن خلقهم مدرجًا لغرضين تبيين القدرة وتقريرهم في الأرحام حتى يولدوا وينشئوا ويبلغوا حد التكليف، وقرئا بالياء رفعًا ونصبًا ويقر بالياء وَنُقِرُّ من قررت الماء إذا صببته، وطِفْلًا حال أجريت على تأويل كل واحد أو للدلالة على الجنس أو لأنه في الأصل مصدر. ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ كمالكم في القوة والعقل جمع شدة كالأنعم جمع نعمة كأنها شدة في الأمور. وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى عند بلوغ الأشد أو قبله. وقرئ يُتَوَفَّى أو يتوفاه الله تعالى. وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وهو الهرم والخرف، وقرئ بسكون الميم.\nلِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما علمه وينكر ما عرفه، والآية استدلال ثان على إمكان البعث بما يعتري الإِنسان في أسنانه من الأمور المختلفة والأحوال المتضادة، فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره. وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً ميتة يابسة من همدت النار إذا صارت رمادًا. فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ تحركت بالنبات. وَرَبَتْ وانتفخت، وقرئ «وربأت» أي ارتفعت. وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ من كل صنف بَهِيجٍ حسن رائق، وهذه دلالة ثالثة كررها الله تعالى في كتابه لظهورها وكونها مشاهدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1800>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)\nذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من خلق الإِنسان في أطوار مختلفة وتحويله على أحوال متضادة، وإحياء الأرض بعد موتها وهو مبتدأ خبره: بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ أي بسبب أنه الثابت في نفسه الذي به تتحقق الأشياء. وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وأنه يقدر على إحيائها وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة. وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لأن قدرته لذاته الذي نسبته إلى الكل على سواء، فلما دلت المشاهدة على قدرته على إحياء بعض الأموات لزم اقتداره على إحياء كلها.","vol":"4","page":65},{"text":"وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيها فإن التغير من مقدمات الانصرام وطلائعه. وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1801>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ تكرير للتأكيد ولما نيط به من الدلالة بقوله: وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ على أنه لا سند له من استدلال أو وحي، أو الأول في المقلدين وهذا في المقلدين، والمراد بالعلم العلم الفطري ليصح عطف ال هُدىً وال كِتابٍ عليه.\nثانِيَ عِطْفِهِ متكبرًا وثني العطف كناية عن التكبر كليّ الجيد، أو معرضًا عن الحق استخفافًا به.\nوقرئ بفتح العين أي مانع تعطفه. لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ علة للجدال، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس بفتح الياء على أن إعراضه عن الهدى المتمكن منه بالإِقبال على الجدال الباطل خروج من الهدى إلى الضلال، وأنه من حيث مؤداه كالغرض له. لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وهو ما أصابه يوم بدر. وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ المحروق وهو النار.\nذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ على الالتفات، أو إرادة القول أي يقال له يوم القيامة ذلك الخزي والتعذيب بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي. وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وإنما هو مجاز لهم على أعمالهم المبالغة لكثرة العبيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1802>[سورة الحج (٢٢): آية ١١]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ على طرف من الدين لاَ ثَبَاتَ له فيه كالذي يكون على طرف الجيش، فإن أحس بظفر قر وإلا فر. فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ\nروي أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة، فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرًا سريا وولدت امرأته غلامًا سويًا وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرًا واطمأن، وإن كان الأمر بخلافه قال ما أصبت إلا شرًا وانقلب.\nوعن أبي سعيد أن يهوديًا أسلم فأصابته مصائب فتشاءم بالإِسلام، فأتى النبي ﷺ فقال: أقلني فقال «إن الإِسلام لا يقال» فنزلت.\nخَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ بذهاب عصمته وحبوط عمله بالارتداد، وقرئ «خاسرًا» بالنصب على الحال والرفع على الفاعلية ووضع الظاهر موضع الضمير تنصيصًا على خسرانه أو على أنه خبر محذوف. ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ إذ لا خسران مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1803>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nيَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)\nيَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَما لاَ يَنْفَعُهُ يعبد جمادًا لا يضر بنفسه ولا ينفع. ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ عن المقصد مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضالًا.\nيَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ بكونه معبودًا لأنه يوجب القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة. أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ الذي يتوقع بعبادته وهو الشفاعة والتوسل بها إلى الله تعالى، واللام معلقة ل يَدْعُوا من حيث إنه بمعنى","vol":"4","page":66},{"text":"يزعم والزعم قول مع اعتقاد، أو داخلة على الجملة الواقعة مقولًا إجراء له مجرى يقول: أي يقول الكافر ذلك بدعاء وصراخ حين يرى استضراره به، أو مستأنفة على أن يدعو تكرير للأول ومن مبتدأ خبره لَبِئْسَ الْمَوْلى الناصر. وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ الصاحب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1804>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤) مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥)\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ من إثابة الموحد الصالح وعقاب المشرك الطالح لا دافع له ولا مانع.\nمَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ كلام فيه اختصار والمعنى: أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان يظن خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه. وقيل المراد بالنصر الرزق والضمير لمن.\nفَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه بأن يفعل كل ما يفعله الممتلئ غيظًا، أو المبالغ جزعًا حتى يمد حبلًا إلى سماء بيته فيختنق من قطع إذا اختنق، فإن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه. وقيل فليمدد حبلًا إلى سماء الدنيا ثم ليقطع به المسافة حتى يبلغ عنانها فيجتهد في دفع نصره أو تحصيل رزقه. وقرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر لِيَقْطَعَ بكسر اللام. فَلْيَنْظُرْ فليتصور في نفسه.\nهَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ فعله ذلك وسماه على الأول كيدًا لأنه منتهى ما يقدر عليه. مَا يَغِيظُ غيظه أو الذي يغيظه من نصر الله. وقيل نزلت في قوم مسلمين استبطئوا نصر الله لاستعجالهم وشدة غيظهم على المشركين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1805>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)\nوَكَذلِكَ ومثل ذلك الإنزال. أَنْزَلْناهُ أنزلنا القرآن كله. آياتٍ بَيِّناتٍ واضحات. وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي ولأن الله يهدي به أو يثبت على الهدى. مَنْ يُرِيدُ هدايته أو إثباته أنزله كذلك مبينا.\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بالحكومة بينهم وإظهار المحق منهم على المبطل، أو الجزاء فيجازي كلا ما يليق به ويدخله المحل المعد له، وإنما أدخلت إن على كل واحد من طرفي الجملة لمزيد التأكيد. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ عالم به مراقب لأحواله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1806>[سورة الحج (٢٢): آية ١٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ (١٨)\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يتسخر لقدرته ولا يتأنى عن تدبيره، أو يدل بذلته على عظمة مدبره، ومن يجوز أن يعم أولي العقل وغيرهم على التغليب فيكون قوله: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ إفرادًا لها بالذكر لشهرتها واستبعاد ذلك منها. وقرئ «والدواب» بالتخفيف كراهة التضعيف أو الجمع بين الساكنين. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عطف عليها إن جوز إعمال اللفظ الواحد في","vol":"4","page":67},{"text":"كل واحد من مفهوميه، وإسناده باعتبار أحدهما إلى أمر وباعتبار الآخر إلى آخر، فإن تخصيص الكثير يدل على خصوص المعنى المسند إليهم، أو مبتدأ خبره محذوف يدل عليه خبر قسيمه نحو حق له الثواب، أو فاعل فعل مضمر أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة. وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ بكفره وإبائه عن الطاعة، ويجوز أن يجعل «وكثير» تكريرًا للأول مبالغة في تكثير المحقوقين بالعذاب أن يعطف به على الساجدين بالمعنى العام موصوفًا بما بعده. وقرئ «حَقّ» بالضم و«حقًا» بإضمار فعله. وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ بالشقاوة فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ يكرمه بالسعادة، وقرئ بالفتح بمعنى الإِكرام. إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ من الإكرام والإهانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1807>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nهذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)\nهذانِ خَصْمانِ أي فوجان مختصمان. ولذلك قال: اخْتَصَمُوا حملًا على المعنى ولو عكس لجاز، والمراد بها المؤمنون والكافرون. فِي رَبِّهِمْ في دينه أو في ذاته وصفاته. وقيل تخاصمت اليهود والمؤمنون فقال اليهود: نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بمحمد ونبيكم وبما أَنزَلَ الله مِن كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم كفرتم به حسدًا فنزلت. فَالَّذِينَ كَفَرُوا فصل لخصومتهم وهو المعني بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ. قُطِّعَتْ لَهُمْ قدرت لهم على مقادير جثثهم، وقرئ بالتخفيف. ثِيابٌ مِنْ نارٍ نيران تحيط بهم إحاطة الثياب. يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ حال من الضمير في لَهُمْ أو خبر ثان، والحميم الماء الحار.\nيُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ أي يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم فتذاب به أحشاؤهم كما تذاب به جلودهم، والجملة حال من الْحَمِيمُ أو من ضميرهم. وقرئ بالتشديد للتكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1808>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nوَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢)\nوَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ سياط منه يجلدون بها جمع مقمعة وحقيقتها ما يقمع به أي يكف بعنف.\nكُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها من النار. مِنْ غَمٍّ من غمومها بدل من الهاء بإعادة الجار. أُعِيدُوا فِيها أي فخرجوا أعيدوا لأن الإِعادة لا تكون إلا بعد الخروج، وقيل يضربهم لهيب النار فيرفعهم إلى أعلاها فيضربون بالمقامع فيهوون فيها. وَذُوقُوا أي وقيل لهم ذُوقُواْ. عَذابَ الْحَرِيقِ أي النار البالغة في الإِحراق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1809>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤)\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ غير الأسلوب فيه وأسند الإِدخال إلى الله تعالى وأكده بإن إحمادًا لحال المؤمنين وتعظيمًا لشأنهم. يُحَلَّوْنَ فِيها من حليت المرأة إذا ألبستها الحلي، وقرئ بالتخفيف والمعنى واحد. مِنْ أَساوِرَ صفة مفعول محذوف وأَساوِرَ جمع أسورة وهو جمع سوار. مِنْ ذَهَبٍ بيان له. وَلُؤْلُؤًا عطف عليها لا على ذَهَبٍ لأنه لم يعهد السوار","vol":"4","page":68},{"text":"منه إلا أن يراد المرصعة به، ونصبه نافع وعاصم عطفًا على محلها أو إضمار الناصب مثل ويؤتون، وروى حفص بهمزتين وترك أبو بكر والسوسي عن أبي عمرو الهمزة الأولى، وقرئ «لؤلوًا» بقلب الثانية واوًا و«لوليا» بقلبهما واوين ثم قلب الثانية ياء و«ليليا» بقلبهما ياءين و«لول» كأدل. وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ غير أسلوب الكلام فيه للدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة، أو للمحافظة على هيئة الفواصل.\nوَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وهو قولهم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ أو كلمة التوحيد. وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ المحمود نفسه أو عاقبته وهو الجنة، أو الحق أو المستحق لذاته الحمد وهو الله ﷾ وصراطه الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1810>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لا يريد به حالًا ولا استقبالًا وإنما يريد به استمرار الصد منهم كقولهم: فلان يعطي ويمنع، ولذلك حسن عطفه على الماضي. وقيل هو حال من فاعل كَفَرُوا وخبر إِنَّ محذوف دل عليه آخر الآية أي معذبون. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على اسم الله وأَوَّلَهُ الحنفية بمكة واستشهدوا بقوله: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ أي المقيم والطارئ، على عدم جواز بيع دورها وإجارتها، وهو مع ضعفه معارض بقوله تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وشراء عمر ﵁ دار السجن فيها من غير نكير، وسَواءً خبر مقدم والجملة مفعول ثان ل جَعَلْناهُ إن جعل لِلنَّاسِ حالًا من الهاء وإلا فحال من المستكن فيه، ونصبه حفص على أنه المفعول أو الحال والْعاكِفُ مرتفع به، وقرئ «العاكف» بالجر على أنه بدل من الناس. وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول، وقرئ بالفتح من الورود. بِإِلْحادٍ عدول عن القصد بِظُلْمٍ بغير حق وهما حالان مترادفان، أو الثاني بدل من الأول بإعادة الجار أو صلة له: أي ملحدًا بسبب الظلم كالإِشراك واقتراف الآثام نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ جواب ل مَنْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1811>[سورة الحج (٢٢): آية ٢٦]</span>\nوَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)\nوَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أي واذكر إذ عيناه وجعلناه له مباءة. وقيل اللام زائدة ومكان ظرف أي وإذ أنزلناه فيه. قيل رفع البيت إلى السماء وانطمس أيام الطوفان فأعلمه الله مكانه بريح أرسلها فكنست ما حوله فبناه على أسه القديم. أَنْ لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ أَنْ مفسرة ل بَوَّأْنا من حيث إنه تضمن معنى تعبدنا لأن التبوئة من أجل العبادة، أو مصدرية موصولة بالنهي أي: فعلنا ذلك لئلا تشرك بعبادتي وطهر بيتي من الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلي فيه، ولعله عبر عن الصلاة بأركانها للدلالة على أن كل واحد منها مستقل باقتضاء ذلك كيف وقد اجتمعت، وقرئ يُشْرَكَ بالياء وقرأ نافع وحفص وهشام بَيْتِيَ بفتح الياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1812>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)\n.","vol":"4","page":69},{"text":"وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ ناد فيهم وقرئ «وَآذّن» . بِالْحَجِّ بدعوة الحج والأمر به.\nروي أنه ﵊ صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس حجوا بيت ربكم، فأسمعه الله من أصلاب الرجال وأرحام النساء فيما بين المشرق والمغرب ممن سبق في علمه أن يحج.\nوقيل الخطاب لرسول الله ﷺ أمر بذلك في حجة الوداع. يَأْتُوكَ رِجالًا مشاة جمع راجل كقائم وقيام، وقرئ بضم الراء مخفف الجيم ومثقلة و«رجالي» كعجالى. وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ أي وركبانًا على كل بعير مهزول أتعبه بعد السفر فهزله. يَأْتِينَ صفة ل ضامِرٍ محمولة على معناه، وقرئ «يأتون» صفة للرجال والركبان أو استئناف فيكون الضمير ل النَّاسِ.\nمِنْ كُلِّ فَجٍّ طريق. عَمِيقٍ بعيد، وقرئ «معيق» يقال بئر بعيدة العمق والمعق بمعنى.\nلِيَشْهَدُوا ليحضروا. مَنافِعَ لَهُمْ دينية ودنيوية، وتنكيرها لأن المراد بها نوع من المنافع مخصوص بهذه العبادة. وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عند إعداد الهدايا والضحايا وذبحها. وقيل كنى بالذكر عن النحر لأن ذبح المسلمين لا ينفك عنه تنبيهًا على أنه المقصود مما يتقرب به إلى الله تعالى. فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ هي عشر ذي الحجة، وقيل أيام النحر. عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ علق الفعل بالمرزوق وبينه بالبهيمة تحريضًا على التقرب وتنبيهًا على مقتضى الذكر. فَكُلُوا مِنْها من لحومها أمر بذلك إباحة وإزاحة لما عليه أهل الجاهلية من التحرج فيه، أو ندبًا إلى مواساة الفقراء ومساواتهم، وهذا في المتطوع به دون الواجب.\nوَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الذي أصابه بؤس أي شدة. الْفَقِيرَ المحتاج، والأمر فيه للوجوب وقد قيل به في الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1813>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)\nثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ثم ليزيلوا وسخهم بقص الشارب والأظفار ونتف الإِبط والاستحداد عند الإِحلال.\nوَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ما ينذرون من البر في حجهم، وقيل مواجب الحج. وقرأ أبو بكر بفتح الواو وتشديد الفاء. وَلْيَطَّوَّفُوا طواف الركن الذي به تمام التحلل فإنه قرينة قضاء التفث، وقيل طواف الوداع. وقرأ ابن عامر وحده بكسر اللام فيهما. بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ القديم لأنه أول بيت وضع للناس، أو المعتق من تسلط الجبابرة فكم من جبار رسا إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى، وأما الحجاج فإنما قصد إخراج ابن الزبير منه دون التسلط عليه.\nذلِكَ خبر محذوف أي الأمر ذلك وهو وأمثاله تطلق للفصل بين كلامين. وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ أحكامه وسائر ما لا يحل هتكه، أو الحرم وما يتعلق بالحج من التكاليف. وقيل الكعبة والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم. فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ فالتعظيم خَيْرٌ لَهُ. عِنْدَ رَبِّهِ ثوابًا. وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ إلا المتلو عليكم تحريمه، وهو ما حرم منها لعارض: كالميتة وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله فلا تحرموا منها غير ما حرمه الله كالبحيرة والسائبة. فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان كما تجتنب الأنجاس، وهو غاية المبالغة في النهي عن تعظيمها والتنفير عن عبادتها.\nوَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ تعميم بعد تخصيص فإن عبادة الأوثان رأس الزور، كأنه لما حث على تعظيم الحرمات أتبعه ذلك ردًا لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب وتعظيم الأوثان والإِفتراء على الله تعالى بأنه حكم بذلك. وقيل شهادة الزور لما\nروي أنه ﵊ قال «عدلت شهادة الزور الإِشراك بالله تعالى ثلاثًا وتلا هذه الآية» .\nوالزُّورِ من الزور وهو الإِنحراف كما أن الإِفك من الإِفك وهو الصرف، فإن","vol":"4","page":70},{"text":"الكذب منحرف مصروف عن الواقع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1814>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nحُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)\nحُنَفاءَ لِلَّهِ مخلصين له. غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وهما حالان من الواو. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ لأنه سقط من أوج الإِيمان إلى حضيض الكفر. فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ فإن الأهواء الرديئة توزع أفكاره، وقرأ نافع وحده فَتَخْطَفُهُ بفتح الخاء وتشديد الطاء. أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ بعيد فإن الشيطان قد طوح به في الضلالة وأو للتخيير كما في قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ، أو للتنويع فإن المشركين من لا خلاص له أصلًا، ومنهم من يمكن خلاصه بالتوبة لكن على بعد، ويجوز أن يكون من التشبيهات المركبة فيكون المعنى: ومن يشرك بالله فقد هلكت نفسه هلاكًا يشبه أحد الهلاكين.\nذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ دين الله أو فرائض الحج ومواضع نسكه، أو الهدايا لأنها من معالم الحج وهو أوفق لظاهر ما بعده، وتعظيمها أن تختارها حسانًا سمانًا غالية الأثمان.\nروي أنه ﷺ أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب\n، وأن عمر رضي الله تعالى عنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار.\nفَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ فإن تعظيمها منه من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات والعائد إلى من وذكر القلوب لأنها منشأ التقوى والفجور أو الآمرة بهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1815>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٣]</span>\nلَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)\nلَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أي لكم فيها منافع درها ونسلها وصوفها وظهرها إلى أن تنحر، ثم وقت نحرها منتهية إلى البيت أي ما يليه من الحرم، وثُمَّ تحتمل التراخي في الوقت والتراخي في الرتبة، أي لكم فيها منافع دنيوية إلى وقت النحر وبعده منافع دينية أعظم منها، وهو على الأولين إما متصل بحديث الْأَنْعامِ والضمير فيه لها أو المراد على الأول لكم فيها منافع دينية تنتفعون بها إلى أجل مسمى هو الموت، ثم محلها منتهية إلى البيت العتيق الذي ترفع إليه الأعمال أو يكون فيه ثوابها وهو البيت المعمور أو الجنة، وعلى الثاني لَكُمْ فِيها مَنافِعُ التجارات في الأسواق إلى وقت المراجعة ثم وقت الخروج منها منتهية إلى الكعبة بالإحلال بطواف الزيارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1816>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى مَا أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ ولكل أهل دين. جَعَلْنا مَنْسَكًا متعبدًا أو قربانًا يتقربون به إلى الله، وقرأ حمزة والكسائي بالكسر أي موضع نسك. لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ دون غيره ويجعلوا نسيكتهم لوجهه، علل الجعل به تنبيهًا على أن المقصود من المناسك تذكر المعبود. عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ عند ذبحها، وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون نعمًا. فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا أخلصوا التقرب أو الذكر ولا تشوبوه بالإِشراك. وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ المتواضعين أو المخلصين فإن الإِخبات صفتهم.\nالَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ هيبة منه لإِشراق أشعة جلاله عليها. وَالصَّابِرِينَ عَلى مَا أَصابَهُمْ من الكلف والمصائب. وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ في أوقاتها، وقرئ «والمقيمين الصلاة» على الأصل.","vol":"4","page":71},{"text":"وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ في وجوه الخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1817>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]</span>\nوَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)\nوَالْبُدْنَ جمع بدنة كخشب وخشبة، وأصله الضم وقد قرئ به وإنما سميت بها الإِبل لعظم بدنها مأخوذة من بدن بدانة، ولا يلزم من مشاركة البقرة لها في أجزائها عن سبعة\nبقوله ﵇ «البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة»\nتناول اسم البدنة لها شرعًا، بل الحديث يمنع ذلك وانتصابه بفعل يفسره. جَعَلْناها لَكُمْ ومن رفعه جعله مبتدأ. مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ من أعلام دينه التي شرعها الله تعالى. لَكُمْ فِيها خَيْرٌ منافع دينية ودنيوية. فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها بأن تقولوا عند ذبحها الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك. صَوافَّ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وقرئ «صوافن» من صفن الفرس إذا قام على ثلاث وعلى طرف حافر الرابعة لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث، وقرئ «صوافنا» بإبدال التنوين من حرف الإِطلاق عند الوقف و«صوافي» أي خوالص لوجه الله، و«صوافي» بسكون الياء على لغة من يسكن الياء مطلقًا كقولهم: أعط القوس باريها. فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها سقطت على الأرض وهو كناية عن الموت.\nفَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ الراضي بما عنده وبما يعطى من غير مسألة ويؤيده قراءة «القنع»، أو السائل من قنعت إليه قنوعًا إذا خضعت له في السؤال. وَالْمُعْتَرَّ والمعترض بالسؤال، وقرئ «والمعتري» يقال عره وعراه واعتره واعتراه. كَذلِكَ مثل ما وصفنا من نحرها قيامًا. سَخَّرْناها لَكُمْ مع عظمها وقوتها حتى تأخذوها منقادة فتعقلوها وتحبسوها صافة قوائمها ثم تطعنون في لبانها. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إنعامنا عليكم بالتقرب والإخلاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1818>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٧]</span>\nلَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)\nلَنْ يَنالَ اللَّهَ لن يصيب رضاه ولن يقع منه موقع القبول. لُحُومُها المتصدق بها. وَلا دِماؤُها المهراقة بالنحر من حيث إنها لحوم ودماء. وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ ولكن يصيبه ما يصحبه من تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى تعظيم أمره تعالى والتقرب إليه والإِخلاص له، وقيل كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا القرابين لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله تعالى فهم به المسلمون فنزلت. كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ كرره تذكيرًا للنعمة وتعليلًا له بقوله: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ أي لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره فتوحدوه بالكبرياء. وقيل هو التكبير عند الإِحلال أو الذبح. عَلى مَا هَداكُمْ أرشدكم إلى طريق تسخيرها وكيفية التقرب بها، وما تحتمل المصدرية والخبرية وعَلى متعلقة ب لِتُكَبِّرُوا لتضمنه معنى الشكر. وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ المخلصين فيما يأتونه ويذرونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1819>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)\nإِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا غائلة المشركين، وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون يُدافِعُ أي يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ في أمانة الله. كَفُورٍ لنعمته كمن يتقرب إلى الأصنام بذبيحته فلا يرتضي فعلهم ولا ينصرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1820>[سورة الحج (٢٢): آية ٣٩]</span>\nأُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)\n.","vol":"4","page":72},{"text":"أُذِنَ رخص، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي على البناء للفاعل وهو الله. لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ المشركين والمأذون فيه محذوف لدلالته عليه، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء أي للذين يقاتلهم المشركون. بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا بسبب أنهم ظلموا وهم أصحاب رسول الله ﷺ كان المشركون يؤذونهم وكانوا يأتونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت. وهي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية. وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ وعد لهم بالنصر كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1821>[سورة الحج (٢٢): آية ٤٠]</span>\nالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)\nالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني مكة. بِغَيْرِ حَقٍّ بغير موجب استحقوه به. إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ على طريقة قول النابغة:\nوَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنَّ فُلُولٌ من قراع الكتائب\nوقيل منقطع. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين. لَهُدِّمَتْ لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل، وقرأ نافع دفاع وقرأ نافع وابن كثير لَهُدِّمَتْ بالتخفيف.\nصَوامِعُ صوامع الرهبانية. وَبِيَعٌ بيع النصارى. وَصَلَواتٌ كنائس اليهود، سميت بها لأنها يصلى فيها، وقيل أصلها صلوتا بالعبرانية فعربت. وَمَساجِدُ مساجد المسلمين. يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا صفة للأربع أو لمساجد خصت بها تفضيلًا. وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ من ينصر دينه، وقد أنجز وعده بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم وأورثهم أرضهم وديارهم. إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على نصرهم. عَزِيزٌ لا يمانعه شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1822>[سورة الحج (٢٢): آية ٤١]</span>\nالَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)\nالَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وصف للذين أخرجوا وهو ثناء قبل بلاء، وفيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين إذ لم يستجمع ذلك غيرهم من المهاجرين. وقيل بدل ممن ينصره. وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ فإن مرجعها إلى حكمه، وفيه تأكيد لما وعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1823>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٢ الى ٤٤]</span>\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤)\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ تسلية له ﷺ بأن قومه إن كذبوه فهو ليس بأوحدي في التكذيب، فإن هؤلاء قد كذبوا رسلهم قبل قومه.\nوَكُذِّبَ مُوسى غير فيه النظم وبنى الفعل للمفعول لأن قومه بنو إسرائيل، ولم يكذبوه وإنما كذبه القبط ولأن تكذيبه كان أشنع وآياته كانت أعظم وأشيع. فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ فأمهلتهم حتى انصرمت آجالهم المقدرة. ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي إنكاري عليهم بتغيير النعمة محنة والحياة هلاكًا والعمارة خرابًا.","vol":"4","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1824>[سورة الحج (٢٢): آية ٤٥]</span>\nفَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)\nفَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها بإهلاك أهلها، وقرأ البصريان بغير لفظ التعظيم. وَهِيَ ظالِمَةٌ أي أهلها.\nفَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ساقطة حيطانها على سقوفها بأن تعطل بنيانها فخرت سقوفها ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، أو خالية مع بقاء عروشها وسلامتها فيكون الجار متعلقًا ب خاوِيَةٌ، ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر أي هي خالية وهي على عروشها أي: مطلة عليها بأن سقطت وبقيت الحيطان مائلة مشرفة عليها، والجملة معطوفة على أَهْلَكْناها لا على وَهِيَ ظالِمَةٌ فإنها حال والإِهلاك ليس حال خوائها فلا محل لها إن نصبت كأي بمقدر يفسره أَهْلَكْناها وإن رفعته بالإِبتداء فمحلها الرفع. وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ عطف على قَرْيَةٍ أي وكم بئر عامرة في البوادي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها، وقرئ بالتخفيف من أعطله بمعنى عطله. وَقَصْرٍ مَشِيدٍ مرفوع أو مجصص أخليناه عن ساكنيه، وذلك يقوي أن معنى خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها خالية مع بقاء عروشها، وقيل المراد ب بِئْرٍ بئر في سفح جبل بحضرموت وبقصر قصر مشرف على قلته كانا لقوم حنظلة بن صفوان من قوم صالح فلما قتلوه أهلكهم الله تعالى وعطلهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1825>[سورة الحج (٢٢): آية ٤٦]</span>\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لاَ تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ حث لهم على أن يسافروا ليروا مصارع المهلكين فيعتبروا، وهم وإن كانوا قد سافروا فلم يسافروا لذلك. فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يجب أن يعقل من التوحيد بما حصل لهم من الاستبصار والاستدلال. أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ما يجب أن يسمع من الوحي والتذكير بحال من شاهدوا آثارهم. فَإِنَّها الضمير للقصة أو مبهم يفسره الأبصار. وفي تَعْمَى راجع إليه والظاهر أقيم مقامه. لاَ تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ عن الاعتبار أي ليس الخلل في مشاعرهم وإنما أيفت عقولهم باتباع الهوى والانهماك في التقليد، وذكر الصُّدُورِ للتأكيد ونفي التجوز وفضل التنبيه على أن العمى الحقيقي ليس المتعارف الذي يخص البصر. قيل لما نزل وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى\nقال ابن أم مكتوم يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى فنزلت\nفَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1826>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)\nوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ المتوعد به. وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ لامتناع الخلف في خبره فيصيبهم ما أوعدهم به ولو بعد حين لكنه صبور لا يعجل بالعقوبة. وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ بيان لتناهي صبره وتأنيه حتى استقصر المدد الطوال، أو لتمادي عذابه وطول أيامه حقيقة، أو من حيث إن أيام الشدائد مستطالة، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء.\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ وكم من أهل قرية فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب، ورجع الضمائر والأحكام مبالغة في التعميم والتهويل وإنما عطف الأولى بالفاء وهذه بالواو، لأن الأولى بدل من قوله فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ وهذه في حكم ما تقدمها من الجملتين لبيان أن المتوعد به يحيق بهم لا محالة وأن تأخيره لعادته تعالى. أَمْلَيْتُ لَها كما أمهلتكم. وَهِيَ ظالِمَةٌ مثلكم. ثُمَّ أَخَذْتُها بالعذاب. وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ وإلى حكمي مرجع الجميع.","vol":"4","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1827>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٩ الى ٥١]</span>\nقُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)\nقُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أوضح لكم ما أنذركم به، والاقتصار على الإِنذار مع عموم الخطاب وذكر الفريقين لأن صدر الكلام ومساقه للمشركين، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظهم.\nفَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لما بدر منهم. وَرِزْقٌ كَرِيمٌ هي الجنة وال كَرِيمٌ من كل نوع ما يجمع فضائله.\nوَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا بالرد والإِبطال. مُعاجِزِينَ مسابقين مشاقين للساعين فيها بالقبول والتحقيق، من عاجزه فأعجزه وعجزه إذا سابقه فسبقه لأن كلا من المتسابقين يطلب إعجاز الآخر عن اللحوق به، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو معجزين على أنه حال مقدرة. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ النار الموقدة، وقيل اسم دركة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1828>[سورة الحج (٢٢): آية ٥٢]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵈، ولذلك شبه النبي ﷺ علماء أمته بهم، فالنبي أعم من الرسول ويدل عليه\nأنه ﵊ سئل عن الأنبياء فقال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، قيل فكم الرسل منهم قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جمًا غفيرًا»\nوقيل الرسول من جمع إلى المعجزة كتابًا منزلًا عليه، والنبي غير الرسول من لا كتاب له. وقيل الرسول من يأتيه الملك بالوحي، والنبي يقال له ولمن يوحى إليه في المنام. إِلَّا إِذا تَمَنَّى زور في نفسه ما يهواه. أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ في تشهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا كما\nقال ﵊ «وإنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» .\nفَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فيبطله ويذهب به بعصمته عن الركون إليه والإِرشاد إلى ما يزيحه. ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الناس. حَكِيمٌ فيما يفعله بهم، قيل حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت. وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقربهم إليه واستمر به ذلك حتى كان في ناديهم فنزلت عليه سورة وَالنَّجْمِ فأخذ يقرؤها فلما بلغ وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه سهوًا إلى أن قال: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، ففرح به المشركون حتى شايعوه بالسجود لمَّا سجد في آخرها، بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد، ثم نبهه جبريل ﵇ فاغتم لذلك فعزاه الله بهذه الآية.\nوهو مردود عند المحققين وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإِيمان عن المتزلزل فيه، وقيل تمنى قرأ كقوله:\nتَمَنَّى كِتَابَ الله أَوَّلَ لَيْلِه ... تَمني دَاودَ الزبُورَ عَلَى رسلِ\nوأمنيته قراءته وإلقاء الشيطان فيها أن تكلم بذلك رافعًا صوته بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبي ﷺ. وقد رد أيضًا بأنه يخل بالوثوق على القرآن ولا يندفع بقوله فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ لأنه أيضًا يحتمله، والآية تدل على جواز السهو على الأنبياء وتطرق الوسوسة إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1829>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nلِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)","vol":"4","page":75},{"text":"لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ علة لتمكين الشيطان منه، وذلك يدل على أن الملقى أمر ظاهر عرفه المحق والمبطل. فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق. وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ المشركين. وَإِنَّ الظَّالِمِينَ يعني الفريقين فوضع الظاهر موضع ضميرهم قضاء عليهم بالظلم. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ عن الحق أو عن الرسول والمؤمنين.\nوَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أن القرآن هو الحق النازل من عند الله، أو تمكين الشيطان من الإِلقاء هو الحق الصادر من الله لأنه مما جرت به عادته في الإِنس من لدن آدم. فَيُؤْمِنُوا بِهِ بالقرآن أو بالله. فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ بالانقياد والخشية. وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا فيما أشكل. إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هو نظر صحيح يوصلهم إلى ما هو الحق فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1830>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nوَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦)\nوَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ في شك. مِنْهُ من القرآن أو الرسول، أو مما ألقى الشيطان في أمنيته يقولون ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها. حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ القيامة أو أشراطها أو الموت. بَغْتَةً فجأة. أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ يوم حرب يقتلون فيه كيوم بدر، سمي به لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كالعقم، أو لأن المقاتلين أبناء الحرب فإذا قتلوا صارت عقيمًا، فوصف اليوم بوصفها اتساعًا أو لأنه لا خير لهم فيه، ومنه الريح العقيم لما لم تنشئ مطرًا ولم تلقح شجرًا، أو لأنه لا مثل له لقتال الملائكة فيه، أو يوم القيامة على أن المراد ب السَّاعَةُ غيره أو على وضعه، موضع ضميرها للتهويل.\nالْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ التنوين فيه ينوب عن الجملة التي دلت عليها الغاية أي: يوم تزول مريتهم. يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بالمجازاة، والضمير يعم المؤمنين والكافرين لتفصيله بقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1831>[سورة الحج (٢٢): آية ٥٧]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧)\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وإدخال الفاء في خبر الثاني دون الأول تنبيه على أن إثابة المؤمنين بالجنات تفضل من الله تعالى، وأن عقاب الكافرين مسبب عن أعمالهم فلذلك قال لَهُمْ عَذابٌ ولم يقل: هم في عذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1832>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا في الجهاد. أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا الجنة ونعيمها، وإنما سوى بين من قتل في الجهاد ومن مات حتف أنفه في الوعد لاستوائهما في القصد وأصل العمل.\nروي أن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا فنزلت.\nوَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فإنه يرزق بغير حساب.","vol":"4","page":76},{"text":"لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ هو الجنة فيها ما يحبونه. وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ بأحوالهم وأحوال معادهم.\nحَلِيمٌ لا يعاجل في العقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1833>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٠]</span>\nذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)\nذلِكَ أي الأمر ذلك. وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ولم يزد في الاقتصاص، وإنما سمي الإِبتداء بالعقاب الذي هو الجزاء للازدواج أو لأنه سببه. ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ بالمعاودة إلى العقوبة. لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ لا محالة. إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ للمنتصر حيث اتبع هواه في الانتقام وأعرض عما ندب الله إليه بقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وفيه تعريض بالحث على العفو والمغفرة، فإنه تعالى مع كمال قدرته وتعالى شأنه لما كان يعفو ويغفر فغيره بذلك أولى، وتنبيه على أنه تعالى قادر على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1834>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)\nذلِكَ أي ذلك النصر. بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ بسبب أن الله تعالى قادر على تغليب الأمور بعضها على بعض، جار عادته على المداولة بين الأشياء المتعاندة ومن ذلك إيلاج أحد المَلَوَيْنِ في الآخر، بأن يزيد فيه ما ينقص منه، أو بتحصيل ظلمة الليل في مكان ضوء النهار بتغييب الشمس وعكس ذلك باطلاعها. وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يسمع قول المعاقب والمعاقب. بَصِيرٌ يرى أفعالهما فلا يهملهما.\nذلِكَ الوصف بكمال القدرة والعلم. بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الثابت في نفسه الواجب لذاته وحده، فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان أن يكون مبدأ لكل ما يوجد سواه عالمًا بذاته وبما عداه، أو الثابت الإِلهية ولا يصلح لها إلا من كان قادرًا عالمًا. وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلهًا، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر بالتاء على مخاطبة المشركين، وقرأ بالبناء للمفعول فتكون الواو لما فإنه في معنى الآلهة. هُوَ الْباطِلُ المعدوم في حد ذاته، أو باطل الألوهية. وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ على الأشياء. الْكَبِيرُ على أن يكون له شريك لا شيء أعلى منه شأنًا وأكبر منه سلطانا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1835>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء استفهام تقرير ولذلك رفع. فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً عطف على أَنْزَلَ إذ لو نصب جوابًا لدل على نفي الاخضرار كما في قولك: ألم تر أني جئتك فتكرمني، والمقصود إثباته وإنما عدل به عن صيغة الماضي للدلالة على بقاء أثر المطر زمانًا بعد زمان. إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ يصل علمه أو لطفه إلى كل ما جل ودق. خَبِيرٌ بالتدابير الظاهرة والباطنة.\nلَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقًا وملكًا. وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ في ذاته عن كل شيء.\nالْحَمِيدُ المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1836>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦)","vol":"4","page":77},{"text":"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جعلها مذللة لكم معدة لمنافعكم. وَالْفُلْكَ عطف على مَا أو على اسم أَنَّ، وقرئ بالرفع على الابتداء. تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ حال منها أو خبر.\nوَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ من أن تقع أو كراهة أن تقع بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك. إِلَّا بِإِذْنِهِ إلا بمشيئته وذلك يوم القيامة، وفيه رد لاستمساكها بذاتها فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها. إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث هيأ لهم أسباب الاستدلال وفتح عليهم أبواب المنافع ودفع عنهم أنواع المضار.\nوَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ بعد أن كنتم جمادًا عناصر ونطفًا. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ إذا جاء أجلكم. ثُمَّ يُحْيِيكُمْ في الآخرة. إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ لجحود لنعم الله مع ظهورها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1837>[سورة الحج (٢٢): آية ٦٧]</span>\nلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧)\nلِكُلِّ أُمَّةٍ أهل دين. جَعَلْنا مَنْسَكًا متعبدًا أو شريعة تعبدوا بها، وقيل عيدا. هُمْ ناسِكُوهُ ينسكونه. فَلا يُنازِعُنَّكَ سائر أرباب الملل. فِي الْأَمْرِ في أمر الدين أو النسائك لأنهم بين جهال وأهل عناد، أو لأن أمر دينك أظهر من أن يقبل النزاع، وقيل المراد نهي الرسول ﷺ عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى نزاعهم، فإنها إنما تنفع طالب الحق وهؤلاء أهل مراء، أو عن منازعتهم كقولك: لا يضار بك زيد، وهذا إنما يجوز في أفعال المغالبة للتلازم، وقيل نزلت في كفار خزاعة قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله، وقرئ فَلاَ ينزعنك على تهييج الرسول والمبالغة في تثبيته على دينه على أنه من نازعته فنزعته إذا غلبته. وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إلى توحيده وعبادته.\nإِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ طريق إلى الحق سوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1838>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦٨ الى ٦٩]</span>\nوَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)\nوَإِنْ جادَلُوكَ وقد ظهر الحق ولزمت الحجة. فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ من المجادلة الباطلة وغيرها فيجازيكم عليها، وهو وعيد فيه رفق.\nاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يفصل بين المؤمنين منكم والكافرين بالثواب والعقاب. يَوْمَ الْقِيامَةِ كما فصل في الدنيا بالحجج والآيات. فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من أمر الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1839>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ فلا يخفى عليه شيء. إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ هو اللوح كتبه فيه قبل حدوثه فلا يهمنك أمرهم مع علمنا به وحفظنا له. إِنَّ ذلِكَ إن الإِحاطة به وإثباته في اللوح المحفوظ، أو الحكم بينكم. عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لأن علمه مقتضى ذاته المتعلق بكل المعلومات على سواء.","vol":"4","page":78},{"text":"وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا حجة تدل على جواز عبادته. وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ حصل لهم من ضرورة العقل أو استدلاله. وَما لِلظَّالِمِينَ وما للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم. مِنْ نَصِيرٍ يقرر مذهبهم أو يدفع العذاب عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1840>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٢]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا من القرآن. بَيِّناتٍ واضحات الدلالة على العقائد الحقية والأحكام الإِلهية.\nتَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ الانكار لفرط نكيرهم للحق وغيظهم لأباطيل أخذوها تقليدًا، وهذا منتهى الجهالة وللإِشعار بذلك وضع الذين كفروا موضع الضمير أو ما يقصدونه من الشر يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا يثبون ويبطشون بهم. قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ من غيظكم على التالين وسطوتكم عليهم، أو مما أصابكم من الضجر بسبب ما تلوا عليكم. النَّارُ أي هو النار كأنه جواب سائل قال: ما هو، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره: وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقرئ بالنصب على الاختصاص وبالجر بدلًا من شر فتكون الجملة استئنافًا كما إذا رفعت خبرًا أو حالًا منها. وَبِئْسَ الْمَصِيرُ النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1841>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ بين لكم حال مستغربة أو قصة رائعة ولذلك سماها مثلًا، أو جعل لله مثل أي مثل في استحقاق العبادة. فَاسْتَمِعُوا لَهُ للمثل أو لشأنه استماع تدبر وتفكر. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الأصنام، وقرأ يعقوب بالياء وقرئ به مبنيًا للمفعول والراجع إلى الموصول محذوف على الأولين.\nلَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا لا يقدرون على خلقه مع صغره لأن لَنْ بما فيها من تأكيد النفي دالة على منافاة ما بين المنفي والمنفي عنه، والذباب من الذب لأنه يذب وجمعه أذبة وذبان. وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ أي للخلق هو بجوابه المقدر في موضع حال جيء به للمبالغة، أي لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه فكيف إذا كانوا منفردين. وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ جهلهم غاية التجهيل بأن أشركوا إلهًا قدر على المقدورات كلها وتفرد بإيجاد الموجودات بأسرها- تماثيل هي أعجز الأشياء، وبين ذلك بأنها لا تقدر على خلق أقل الأحياء وأذلها ولو اجتمعوا له، بل لا تقوى على مقاومة هذا الأقل الأذل وتعجز عن ذبه عن نفسها واستنقاذ ما يختطفه من عندها. قيل كانوا يطلونها بالطيب والعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله. ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ عابد الصنم ومعبوده، أو الذباب يطلب ما يسلب عن الصنم من الطيب والصنم يطلب الذباب منه السلب، أو الصنم والذباب كأنه يطلبه ليستنقذ منه ما يسلبه ولو حققت وجدت الصنم أضعف بدرجات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1842>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٤ الى ٧٦]</span>\nمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)\nمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ما عرفوه حق معرفته حيث أشركوا به وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة. إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على خلق الممكنات بأسرها. عَزِيزٌ لا يغلبه شيء وآلهتهم التي يعبدونها عاجزة","vol":"4","page":79},{"text":"عن أقلها مقهورة من أذلها.\nاللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا يتوسطون بينه وبين الأنبياء بالوحي. وَمِنَ النَّاسِ يدعون سائرهم إلى الحق ويبلغون إليهم ما نزل عليهم، كأنه لما قرر وحدانيته في الألوهية ونفى أن يشاركه غيره في صفاتها بين أن له عبادًا مصطفين للرسالة يتوسل بإجابتهم والإِقتداء بهم إلى عبادة الله ﷾، وهو أعلى المراتب ومنتهى الدرجات لمن سواه من الموجودات تقريرًا للنبوة وتزييفًا لقولهم مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى، والملائكة بنات الله تعالى، ونحو ذلك. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ مدرك للأشياء كلها.\nيَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ عالم بواقعها ومترقبها. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ وإليه ترجع الأمور كلها لأنه مالكها بالذات لا يسأل عما يفعل من الاصطفاء وغيره وهم يسألون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1843>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا في صلاتكم، أمرهم بهما لأنهم ما كانوا يفعلونها أول الإِسلام، أو صلوا وعبر عن الصلاة بهما لأنهما أعظم أركانها، أو اخضعوا لله وخروا له سجدًا. وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ بسائر ما تعبدكم به. وَافْعَلُوا الْخَيْرَ وتحروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون كنوافل الطاعات وصلة الأرحام ومكارم الأخلاق. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي افعلوا هذه كلها وأنتم راجون الفلاح غير متيقنين له واثقين على أعمالكم، والآية آية سجدة عندنا لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود\nولقوله ﵊ «فضلت سورة الحج بسجدتين من لم يسجدهما فلا يقرأها» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1844>[سورة الحج (٢٢): آية ٧٨]</span>\nوَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)\nوَجاهِدُوا فِي اللَّهِ أي لله ومن أجله أعداء دينه الظاهرة كأهل الزيغ والباطنة كالهوى والنفس.\nوعنه ﵊ أنه رجع من غزوة تبوك فقال «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» .\nحَقَّ جِهادِهِ أي جهادًا فيه حقًا خالصًا لوجهه فعكس وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة كقولك: هو حق عالم، وأضيف الجهاد إلى الضمير اتساعًا أو لأنه مختص بالله من حيث إنه مفعول لوجه الله تعالى ومن أجله. هُوَ اجْتَباكُمْ اختاركم لدينه ولنصرته، وفيه تنبيه على المقتضى للجهاد والداعي إليه وفي قوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أي ضيق بتكليف ما يشتد القيام به عليكم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم في تركه، أو إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به من حيث شق عليهم\nلقوله ﵊ «إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم» .\nوقيل ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجًا بأن رخص لهم في المضايق وفتح عليهم باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه والأروش والديات في حقوق العباد مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ منتصبة على المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبلها بحذف المضاف أي: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، أو على الإِغراء أو على الاختصاص، وإنما جعله أباهم لأنه أبو رسول الله ﷺ وهو كالأب لأمته من حيث أنه سبب لحياتهم الأبدية ووجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة، أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته فغلبوا على غيرهم. هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ من قبل القرآن في الكتب المتقدمة. وَفِي هذا وفي القرآن، والضمير لله تعالى ويدل عليه أنه قرئ «الله سماكم»، أو ل إِبْراهِيمَ وتسميتهم بمسلمين في","vol":"4","page":80},{"text":"القرآن وإن لم تكن منه كانت بسبب تسميته من قبل في قوله وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ. وقيل وفي هذا تقديره وفي هذا بيان تسميته إياكم مسلمين. لِيَكُونَ الرَّسُولُ يوم القيامة متعلق بسماكم. شَهِيدًا عَلَيْكُمْ بأنه بلغكم فيدل على قبول شهادته لنفسه اعتمادًا على عصمته، أو بطاعة من أطاع وعصيان من عصى.\nوَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ بتبليغ الرسل إليهم. فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فتقربوا إلى الله تعالى بأنواع الطاعات لما خصكم بهذا الفضل والشرف. وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ وثقوا به في مجامع أموركم ولا تطلبوا الإِعانة والنصرة إلا منه. هُوَ مَوْلاكُمْ ناصركم ومتولي أموركم فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ هو إذ لا مثل له سبحانه في الولاية والنصرة، بل لا مولى ولا نصير سواه في الحقيقة.\nعن النبي ﵊ «من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي» .","vol":"4","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1845>(٢٣) سورة المؤمنون</span>\nمكية وهي مائة وتسع عشرة آية عند البصريين وثماني عشرة عند الكوفيين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1846>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢)\nقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قد فازوا بأمانيهم وقد تثبت المتوقع كما أن لما تنفيه وتدل على ثباته إذا دخلت على الماضي، ولذلك تقربه من الحال ولما كان المؤمنون متوقعين ذلك من فضل الله صدرت بها بشارتهم، وقرأ ورش عن نافع قَدْ أَفْلَحَ بإلقاء حركة الهمزة على الدال وحذفها، وقرئ «أفلحوا» على لغة: أكلوني البراغيث، أو على الإِبهام والتفسير، و«أَفْلَحَ» بالضم اجتزاء بالضمة عن الواو و«أَفْلَحَ» على البناء للمفعول.\nالَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ خائفون من الله ﷾ متذللون له ملزمون أبصارهم مساجدهم.\nروي أنه ﷺ كان يصلي رافعًا بصره إلى السماء، فلما نزلت رمى ببصره نحو مسجده وأنه رأى رجلًا يعبث بلحيته فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1847>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣ الى ٥]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥)\nوَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ عما لا يعنيهم من قول أو فعل. مُعْرِضُونَ لما بهم من الجد ما شغلهم عنه، وهو أبلغ من الذين لا يلهون من وجوه جعل الجملة اسمية وبناء الحكم على الضمير، والتعبير عنه بالاسم وتقديم الصلة عليه وإقامة الإِعراض مقام الترك ليدل على بعدهم عنه رأسًا مباشرة وتسببًا وميلًا وحضورًا، فإن أصله أن يكون في عرض غير عرضه وكذلك قوله:\nوَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة ليدل على أنهم بلغوا الغاية في القيام على الطاعات البدنية والمالية والتجنب عن المحرمات وسائر ما توجب المروءة اجتنابه، والزكاة تقع على المعنى والعين والمواد الأول لأن الفاعل فاعل الحدث لا المحل الذي هو موقعه أو الثاني على تقدير مضاف.\nوَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ لا يبذلونها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1848>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nإِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧)\nإِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ زوجاتهم أو سرياتهم، وعَلى صلة ل حافِظُونَ من قولك احفظ على عنان فرسي، أو حال أي حافظوها في كافة الأحوال إلا في حال التزوج أو التسري، أو بفعل دل عليه غير ملومين وإنما قال: ما إجراء للمماليك مجرى غير العقلاء إذ الملك أصل شائع فيه وإفراد","vol":"4","page":82},{"text":"ذلك بعد تعميم قوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ لأن المباشرة أشهى الملاهي إلى النفس وأعظمها خطرًا. فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ الضمير لحافظون، أو لمن دل عليه الاستثناء أي فإن بذلوها لأزواجهم أو إمائهم فإنهم غير ملومين على ذلك.\nفَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ المستثنى. فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ الكاملون في العدوان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1849>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)\nوَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ لما يؤتمنون عليه ويعاهدون من جهة الحق أو الخلق. راعُونَ قائمون بحفظها وإصلاحها، وقرأ ابن كثير هنا وفي «المعارج» لأمانتهم على الإِفراد ولأمن الإِلباس أو لأنها في الأصل مصدر.\nوَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ يواظبون عليها ويؤدونها في أوقاتها، ولفظ الفعل فيه لما في الصلاة من التجدد والتكرر ولذلك جمعه غير حمزة والكسائي، وليس ذلك تكريرًا لما وصفهم به أولًا فإن الخشوع في الصلاة غير المحافظة عليها، وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1850>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nأُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)\nأُولئِكَ الجامعون لهذه الصفات. هُمُ الْوارِثُونَ الأحقاء بأن يسموا وُرَّاثًا دون غيرهم.\nالَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها تفخيمًا لها وتأكيدًا، وهي مستعارة لاستحقاقهم الفردوس من أعمالهم، وإن كان بمقتضى وعده مبالغة فيه. وقيل إنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث فوتوها على أنفسهم لأنه تعالى خلق لكل إنسان منزلًا في الجنة ومنزلًا في النار. هُمْ فِيها خالِدُونَ أنث الضمير لأنه اسم للجنة أو لطبقتها العليا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1851>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣)\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ من خلاصة سلت من بين الكدر. مِنْ طِينٍ متعلق بمحذوف لأنه صفة ل سُلالَةٍ أو من بيانية أو بمعنى سُلالَةٍ لأنها في معنى مسلولة فتكون ابتدائية كالأولى، والإنسان آدم ﵇ خلق من صفوة سلت من الطين، أو الجنس فإنهم خلقوا من سلالات جعلت نطفًا بعد أدوار.\nوقيل المراد بالطين آدم لأنه خلق منه والسلالة نطفته.\nثُمَّ جَعَلْناهُ ثم جعلنا نسله فحذف المضاف. نُطْفَةً بأن خلقناه منها أو ثم جعلنا السلالة نطفة، وتذكير الضمير على تأويل الجوهر أو المسلول أو الماء. فِي قَرارٍ مَكِينٍ مستقر حصين يعني الرحم، وهو في الأصل صفة للمستقر وصف به المحل للمبالغة كما عبر عنه بالقرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1852>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٤ الى ١٦]</span>\nثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)\nثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء. فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فصيرناها قطعة لحم. فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا بأن صلبناها. فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا مما بقي من المضغة أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها، واختلاف العواطف لتفاوت الاستحالات والجمع لاختلافها في الهيئة والصلابة، وقرأ ابن","vol":"4","page":83},{"text":"عامر وأبو بكر على التوحيد فيهما اكتفاء باسم الجنس عن الجمع، وقرئ بإفراد أحدهما وجمع الآخر. ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ وهو صورة البدن أو الروح أو القوى بنفخه فيه أو المجموع، وثُمَّ لما بين الخلقين من التفاوت، واحتج به أبو حنيفة على أن من غصب بيضة أفرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ لأنه خلق آخر. فَتَبارَكَ اللَّهُ فتعالى شأنه في قدرته وحكمته. أَحْسَنُ الْخالِقِينَ المقدرين تقديرًا فحذف المميز لدلالة الْخالِقِينَ عليه.\nثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ لصائرون إلى الموت لا محالة، ولذلك ذكر النعت الذي للثبوت دون اسم الفاعل وقد قرئ به.\nثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ للمحاسبة والمجازاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1853>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١٧]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧)\nوَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ سموات لأنها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل بالنعل وكل ما فوقه مثله فهو طريقه، أو لأنها طرق الملائكة أو الكواكب فيها مسيرها. وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ عن ذلك المخلوق الذي هو السموات أو عن جميع المخلوقات. غافِلِينَ مهملين أمرها بل نحفظها عن الزوال والاختلال وتدبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1854>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nوَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)\nوَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ بتقدير يكثر نفعه ويقل ضرره، أو بمقدار ما علمنا من صلاحهم.\nفَأَسْكَنَّاهُ فجعلناه ثابتًا مستقرًا. فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ على إزالته بالإِفساد أو التصعيد أو التعميق بحيث يتعذر استنباطه. لَقادِرُونَ كما كنا قادرين على إنزاله، وفي تنكير ذَهابٍ إيماء إلى كثرة طرقه ومبالغة في الإِيعاد به ولذلك جعل أبلغ من قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ.\nفَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ بالماء. جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها في الجنات. فَواكِهُ كَثِيرَةٌ تتفكهون بها. وَمِنْها ومن الجنات ثمارها وزروعها. تَأْكُلُونَ تغذيًا أو ترتزقون وتحصلون معايشكم من قولهم:\nفلان يأكل من حرفته، ويجوز أن يكون الضميران لل نَخِيلٍ وال أَعْنابٍ أي لكم في ثمراتها أنواع من الفواكه الرطب والعنب والتمر والزبيب والعصير والدبس وغير ذلك وطعام تأكلونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1855>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٢٠]</span>\nوَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)\nوَشَجَرَةً عطف على جَنَّاتٍ وقرئت بالرفع على الإِبتداء أي: ومما أنشأنا لكم به شجرة. تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ جبل موسى ﵇ بين مصر وأيلة، وقيل بفلسطين وقد يقال له طور سينين ولا يخلو من أن يكون الطور للجبل وسيناء اسم بقعة أضيف إليها، أو المركب منهما علم له كإمرئ القيس ومنع صرفه للتعريف والعجمة أو التأنيث على تأويل البقعة لا للألف لأنه فيعال كديماس من السيناء بالمد وهو الرفعة، أو بالقصر وهو النور أو ملحق بفعلال كعلباء من السين إذ لا فعلاء بألف التأنيث بخلاف سَيْناءَ على قراءة الكوفيين والشامي ويعقوب فإنه فيعال ككيسان أو فعلاء كصحراء لا فعلال إذ ليس في كلامهم، وقرئ بالكسر والقصر. تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أي تنبت ملتبسًا بالدهن ومستصحبًا له، ويجوز أن تكون الباء صلة معدية ل تَنْبُتُ كما في قولك: ذهبت بزيد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب في رواية تنبِتُ وهو إما من أنبت بمعنى","vol":"4","page":84},{"text":"نبت كقول زهير:\nرَأَيْتُ ذوي الحَاجَاتِ عِنْدَ بُيُوتِهِم ... قطينا لهم حتّى أَنْبَتَ البَقْلُ\nأو على تقدير تَنْبُتُ زيتونها ملتبسا بالدهن، وقرئ على البناء للمفعول وهو كالأول وتثمر بالدهن وتخرج بالدهن وتخرج الدهن وتنبت بالدهان. وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ معطوف على الدهن جار على إعرابه عطف أحد وصفي الشيء على الآخر أي: تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج منه وكونه إدامًا يصبغ فيه الخبز أي: يغمس فيه للائتدام، وقرئ «وصباغ» كدباغ في دبغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1856>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nوَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)\nوَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً تعتبرون بحالها وتستدلون بها. نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها من الألبان أو من العلف، فإن اللبن يتكون منه فمن للتبعيض أو للإِبتداء، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب نُسْقِيكُمْ بفتح النون. وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ في ظهورها وأصوافها وشعورها. وَمِنْها تَأْكُلُونَ فتنتفعون بأعيانها.\nعَلَيْها\nوعلى الأنعام فإن منها ما يحمل عليه كالإِبل والبقر، وقيل المراد الإِبل لأنها هي المحمول عليها عندهم والمناسب للفلك فإنها سفائن البر قال ذو الرمة:\nسَفِينَةُ بَرٍ تَحْتَ خَدّي زِمَامُهَا فيكون الضمير فيه كالضمير في وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ. عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ\nفي البر والبحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1857>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ إلى آخر القصص مسوق لبيان كفران الناس ما عدد عليهم من النعم المتلاحقة وما حاق بهم من زوالها. مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ استئناف لتعليل الأمر بالعبادة، وقرأ الكسائي غَيْرُهُ بالجر على اللفظ. أَفَلا تَتَّقُونَ أفلا تخافون أن يزيل عنكم نعمه فيهلككم ويعذبكم برفضكم عبادته إلى عبادة غيره وكفرانكم نعمه التي لا تحصونها.\nفَقالَ الْمَلَأُ الأشراف. الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لعوامهم. مَا هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ أن يطلب الفضل عليكم ويسودكم. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ أن يرسل رسولًا. لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً رسلًا. مَّا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ يعنون نوحًا ﵇ أي ما سمعنا به أنه نبي، أو ما كلمهم به من الحث على عبادة الله ﷾ ونفي إله غيره، أو من دعوى النبوة وذلك إما لفرط عنادهم أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة.\nإِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ أي جنون ولأجله يقول ذلك فَتَرَبَّصُوا بِهِ فاحتملوه وانتظروا. حَتَّى حِينٍ لعله يفيق من جنونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1858>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nقالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)\n.","vol":"4","page":85},{"text":"قالَ بعد ما أيس من إيمانهم. رَبِّ انْصُرْنِي بإهلاكهم إو بإنجاز ما وعدتهم من العذاب. بِما كَذَّبُونِ بدل تكذيبهم إياي أو بسببه.\nفَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا بحفظنا نحفظه أن تخطئ فيه أو يفسده عليك مفسد. وَوَحْيِنا وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع. فَإِذا جاءَ أَمْرُنا بالركوب أو نزول العذاب. وَفارَ التَّنُّورُ.\nروي أنه قيل لنوح إذا فار الماء من التنور اركب أنت ومن معك، فلما نبع الماء منه أخبرته امرأته فركب ومحله في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة.\nوقيل عين وردة من الشام وفيه وجوه أخر ذكرتها في «هود» . فَاسْلُكْ فِيها فادخل فيها يقال سلك فيه وسلك غيره قال تعالى مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ.\nمِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ من كل أمتي الذكر والأنثى واحدين مزدوجين، وقرأ حفص مِنْ كُلٍّ بالتنوين أي من كل نوع زوجين واثنين تأكيد. وَأَهْلَكَ وأهل بيتك أو من آمن معك. إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ أي القول من الله تعالى بإهلاكه لكفره، وإنما جيء بعلى لأن السابق ضار كما جيء باللام حيث كان نافعًا في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى. وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا بالدعاء لهم بالإنجاء.\nإِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ لا محالة لظلمهم بالإِشراك والمعاصي، ومن هذا شأنه لا يشفع له ولا يشفع فيه كيف وقد أمره بالحمد على النجاة منهم بهلاكهم بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1859>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٨ الى ٣٠]</span>\nفَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)\nفَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ كقوله: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.\nوَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي في السفينة أو في الأرض. مُنْزَلًا مُبارَكًا يتسبب لمزيد الخير في الدارين على قراءة أبي بكر، وقرئ «مُنزَلًا» بمعنى إنزالًا أو موضع إنزال. وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ثناء مطابق لدعائه أمره بأن يشفعه به مبالغة فيه وتوسلًا به إلى الإِجابة، وإنما أفرده بالأمر والمعلق به أن يستوي هو ومن معه إظهارًا لفضله وإشعارًا بأن في دعائه مندوحة عن دعائهم فإنه يحيط بهم.\nإِنَّ فِي ذلِكَ فيما فعل بنوح وقومه. لَآياتٍ يستدل بها ويعتبر أولو الاستبصار والاعتبار. وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم، أو ممتحنين عبادنا بهذه الآيات وَإِنْ هي المخففة واللام هي الفارقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1860>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢)\nثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ هم عاد أو ثمود.\nفَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ هو هود أو صالح، وإنما جعل القرن موضع الإِرسال ليدل على أنه لم يأتهم من مكان غير مكانهم وإنما أوحي إليه وهو بين أظهرهم. أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ تفسير لأرسلنا أي قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله. أَفَلا تَتَّقُونَ عذاب الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1861>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nوَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٣٤)","vol":"4","page":86},{"text":"وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا لعله ذكر بالواو لأن كلامهم لم يتصل بكلام الرسول ﷺ بخلاف قول قوم نوح حيث استؤنف به، فعلى تقدير سؤال. وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ بلقاء ما فيها من الثواب والعقاب، أو بمعادهم إلى الحياة الثانية بالبعث وَأَتْرَفْناهُمْ ونعمناهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بكثرة الأموال والأولاد. مَا هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ في الصِفة والحالة. يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ تقرير للمماثلة و«ما» خبرية والعائد إلى الثاني منصوب محذوف أو مجرور حذف مع الجار لدلالة ما قبله عليه.\nوَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ فيما يأمركم به. إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ حيث أذللتم أنفسكم، وإِذًا جزاء للشرط وجواب للذين قاولوهم من قومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1862>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nأَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦)\nأَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا مجردة عن اللحوم والأعصاب. أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ من الأجداث أو من العدم تارة أخرى إلى الوجود، وأَنَّكُمْ تكرير للأول أكد به لما طال الفصل بينه وبين خبره، أو أنكم لمخرجون مبتدأ خبره الظرف المقدم، أو فاعل للفعل المقدر جوابًا للشرط والجملة خبر الأول أي: أنكم إخراجكم إذا متم، أو إنكم إذا متم وقع إخراجكم ويجوز أن يكون خبر الأول محذوفًا لدلالة خبر الثاني عليه لا أن يكون الظرف لأن اسمه جثة. هَيْهاتَ هَيْهاتَ بعد التصديق أو الصحة. لِما تُوعَدُونَ أو بعد ما توعدون، واللام للبيان كما في هَيْتَ لَكَ كأنهم لما صوتوا بكلمة الاستبعاد قيل: فما له هذا الاستبعاد؟ قالوا لِما تُوعَدُونَ. وقيل هَيْهاتَ بمعنى البعد، وهو مبتدأ خبره لِما تُوعَدُونَ، وقرئ بالفتح منونًا للتنكير، وبالضم منونًا على أنه جمع هيهة وغير منون تشبيهًا بقبل وبالكسر على الوجهين، وبالسكون على لفظ الوقف وبإبدال التاء هاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1863>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nإِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)\nإِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أصله إن الحياة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا فأقيم الضمير مقام الأولى لدلالة الثانية عليها حذرًا عن التكرير وإشعارًا بأن تعينها مغن عن التصريح بها كقوله:\nهِيَ النَّفْسُ مَا حَمَّلْتهَا تَتَحَمَّلُ ومعناه لا حياة إلا هذه الحياة لأن إِنْ نافية دخلت على هِيَ التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فكانت مثل لا التي تنفي ما بعدها نفي الجنس. نَمُوتُ وَنَحْيا يموت بعضنا ويولد بعض. وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت.\nإِنْ هُوَ ما هو. إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فيما يدعيه من إرساله له وفيما يعدنا من البعث.\nوَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ بمصدقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1864>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣٩ الى ٤١]</span>\nقالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)\nقالَ رَبِّ انْصُرْنِي عليهم وانتقم لي منهم. بِما كَذَّبُونِ بسبب تكذيبهم إياي.","vol":"4","page":87},{"text":"قالَ عَمَّا قَلِيلٍ عن زمان قليل و«ما» صلة لتوكيد معنى القلة، أو نكرة موصوفة. لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ على التكذيب إذا عاينوا العذاب.\nفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ صيحة جبريل صاح عليهم صيحة هائلة تصدعت منها قلوبهم فماتوا، واستدل به على أن القرن قوم صالح. بِالْحَقِّ بالوجه الثابت الذي لا دافع له، أو بالعدل من الله كقولك فلان يقضي بالحق. أو بالوعد الصدق. فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً شبههم في دمارهم بغثاء السيل وهو حميله كقول العرب: سال به الوادي، لمن هلك. فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يحتمل الإِخبار والدعاء، وبعدًا مصدر بعد إذا هلك، وهو من المصادر التي تنصب بأفعال لا يستعمل إظهارها، واللام لبيان من دعي عليه بالبعد، ووضع الظاهر موضع ضميرهم للتعليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1865>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٢ الى ٤٤]</span>\nثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ مَا جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ (٤٤)\nثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ هي قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم.\nمَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها الوقت الّذي حد لهلاكها ومِنْ مزيدة للاستغراق. وَما يَسْتَأْخِرُونَ الأجل.\nثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا متواترين واحدًا بعد واحد من الوتر وهو الفرد، والياء بدل من الواو كتولج وتيقور والألف للتأنيث لأن الرسل جماعة، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالتنوين على أنه مصدر بمعنى المواترة وقع حالًا، وأماله حمزة وابن عامر والكسائي. كُلَّ مَا جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ إضافة الرسول مع الإِرسال إلى المرسل ومع المجيء إلى المرسل إليهم لأن الإِرسال الذي هو مبدأ الأمر منه والمجيء الذي هو منتهاه إليهم.\nفَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا في الإِهلاك. وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لم نبق منهم إلا حكايات يسمر بها، وهو اسم جمع للحديث أو جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به تلهيًا. فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1866>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ (٤٦)\nثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا بالآيات التسع. وَسُلْطانٍ مُبِينٍ وحجة واضحة ملزمة للخصم، ويجوز أن يراد به العصا وأفرادها لأنها أول المعجزات وأمها، تعلقت بها معجزات شتى: كانقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وحراستها ومصيرها شمعة وشجرة خضراء مثمرة ورشاء ودلوًا، وأن يراد به المعجزات وبالآيات الحجج وأن يراد بهما المعجزات فإنها آيات للنبوة وحجة بينة على ما يدعيه النبي ﷺ.\nإِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا على الإِيمان والمتابعة. وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ متكبرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1867>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٧ الى ٤٩]</span>\nفَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)\nفَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا ثنى البشر لأنه يطلق للواحد كقوله بَشَرًا سَوِيًّا\nكما يطلق للجمع كقوله:\nفَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ولم يثن المثل لأنه في حكم المصدر، وهذه القصص كما نرى تشهد بأن قصارى شبه المنكرين للنبوة قياس حال الأنبياء على أحوالهم لما بينهم من المماثلة في الحقيقة وفساده يظهر للمستبصر","vol":"4","page":88},{"text":"بأدنى تأمل، فإن النفوس البشرية وإن تشاركت في أصل القوى والإِدراك لكنها متباينة الأقدام فيهما، وكما ترى في جانب النقصان أغبياء لا يعود عليهم الفكر برادة، يمكن أن يكون في طرف الزيادة أغنياء عن التفكر والتعلم في أكثر الأشياء وأغلب الأحوال، فيدركون ما لا يدرك غيرهم ويعلمون ما لا ينتهي إليه علمهم، وإليه أشار بقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. وَقَوْمُهُما يعني بني إسرائيل.\nلَنا عابِدُونَ خادمون منقادون كالعباد.\nفَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ بالغرق في بحر قلزم.\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة. لَعَلَّهُمْ لعل بني إسرائيل، ولا يجوز عود الضمير إلى فِرْعَوْنَ وقومه لأن التوراة نزلت بعد إغراقهم. يَهْتَدُونَ إلى المعارف والأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1868>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٠]</span>\nوَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)\nوَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً بولادتها إياه من غير مسيس فالآية أمر واحد مضاف إليهما، أو جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ آية بأن تكلم في المهد وظهرت منه معجزات أخر وَأُمَّهُ آية بأن ولدت من غير مسيس فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها. وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ أرض بيت المقدس فإنها مرتفعة أو دمشق أو رملة فلسطين أو مصر فإن قراها على الربى، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء وقرئ «رُبَاوةَ» بالضم والكسر. ذاتِ قَرارٍ مستقر من الأرض منبسطة. وقيل ذات ثمار وزروع فإن ساكنيها يستقرون فيها لأجلها. وَمَعِينٍ وماء معين ظاهر جار، فعيل من معن الماء إذا جرى وأصله الابعاد في الشيء، أو من الماعون وهو المنفعة لأنه نفاع، أو مفعول من عانه إذا أدركه بعينه لأنه لظهوره مدرك بالعيون وصف ماءها بذلك لأنه الجامع لأسباب التنزه وطيب المكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1869>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥١]</span>\nيا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)\nيا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ نداء وخطاب لجميع الأنبياء لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على معنى أن كلًا منهم خوطب به في زمانه، فيدخل تحته عيسى دخولًا أوليًا ويكون ابتداء كلام ذكر تنبيهًا على أن تهيئة أسباب التنعم لم تكن له خاصة، وأن إباحة الطيبات للأنبياء شرع قديم واحتجاجًا على الرهبانية في رفض الطيبات، أو حكاية لما ذكر لعيسى وأمه عند إيوائهما إلى الربوة ليقتديا الرسل في تناول ما رزقا. وقيل النداء له ولفظ الجمع للتعظيم والطيبات ما يستلذ به من المباحات.\nوقيل الحلال الصافي القوام فالحلال ما لا يعصى الله فيه والصافي ما لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل. وَاعْمَلُوا صالِحًا فإنه المقصود منكم والنافع عند ربكم. إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فأجازيكم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1870>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٥٢]</span>\nوَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)\nوَإِنَّ هذِهِ أي ولأن هذِهِ والمعلل به فَاتَّقُونِ، أو واعلموا أن هذه، وقيل إنه معطوف على بِما تَعْمَلُونَ وقرأ ابن عامر بالتخفيف والكوفيون بالكسر على الاستئناف. أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ملتكم ملة واحدة أي متحدة في الاعتقاد وأصول الشرائع، أو جماعتكم جماعة واحدة متفقة على الإِيمان والتوحيد في العبادة ونصب أُمَّةً على الحال. وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ في شق العصا ومخالفة الكلمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1871>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nفَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)\n.","vol":"4","page":89},{"text":"فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ فتقطعوا أمر دينهم وجعلوه أديانًا مختلفة، أو فتفرقوا وتحزبوا وأمرهم منصوب بنزع الخافض أو التمييز، والضمير لما دل عليه الأمة من أربابها أولها. زُبُرًا قطعًا جمع زبور الذي بمعنى الفرقة ويؤيده القراءة بفتح الباء فإنه جمع زبرة وهو حال من أمرهم أو من الواو، أو مفعول ثان لتقطعوا فإنه متضمن معنى جعل. وقيل كتبًا من زبرت الكتاب فيكون مفعولًا ثانيًا، أو حالًا من أمرهم على تقدير مثل كتب، وقرئ بتخفيف الباء كرسل في «رُسُلُ» . كُلُّ حِزْبٍ من المتحزبين. بِما لَدَيْهِمْ من الدين.\nفَرِحُونَ معجبون معتقدون أنهم على الحق.\nفَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ في جهالتهم شبهها بالماء الذي يغمر القامة لأنهم مغمورون فيها أو لاعبون بها، وقرئ في «غمراتهم» . حَتَّى حِينٍ إلى أن يقتلوا أو يموتوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1872>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nأَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)\nأَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ أن ما نعطيهم ونجعله لهم مددًا، مِنْ مالٍ وَبَنِينَ بيان لما وليس خبرًا له، فإنه غير معاتب عليه وإنما المعاتب عليه اعتقادهم أن ذلك خير لهم خبره.\nنُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ والراجع محذوف والمعنى: أيحسبون أن الذي نمدهم به نسارع به لهم فيما فيه خيرهم وإكرامهم بَلْ لاَّ يَشْعُرُونَ بل هم كالبهائم لا فطنة لهم ولا شعور ليتأملوا فيه فيعلموا أن ذلك الإِمداد استدراجٍ لا مسارعة في الخير، وقرئ «يمدهم» على الغيبة وكذلك «يسارع» و«يسرع» ويحتمل أن يكون فيهما ضمير الممد به و«يسارع» مبنيا للمفعول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1873>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٥٧ الى ٦١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١)\nإِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ من خوف عذابه. مُشْفِقُونَ حذرون.\nوَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ المنصوبة والمنزلة. يُؤْمِنُونَ بتصديق مدلولها.\nوَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ شركًا جليًا ولا خفيًا.\nوَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا يعطون ما أعطوه من الصدقات، وقرئ «يأتون ما أتوا» أي يفعلون ما فعلوا من الطاعات. وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ خائفة أن لا يقبل منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذ به. أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ لأن مرجعهم إليه، أو من أن مرجعهم إليه وهو يعلم ما يخفي عليهم.\nأُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها، أو يسارعون في نيل الخيرات الدنيوية الموعودة على صالح الأعمال بالمبادرة إليها كقوله تعالى: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا فيكون إثباتًا لهم ما نفي عن أضدادهم. وَهُمْ لَها سابِقُونَ لأجلها فاعلون السبق أو سابقون الناس إلى الطاعة أو الثواب أو الجنة، أو سابقونها أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا كقوله تعالى: هُمْ لَها عامِلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1874>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nوَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣)\nوَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها قدر طاقتها يريد به التحريض على ما وصف به الصالحين وتسهيله على","vol":"4","page":90},{"text":"النفوس. وَلَدَيْنا كِتابٌ يريد به اللوح أو صحيفة الأعمال. يَنْطِقُ بِالْحَقِّ بالصدق لا يوجد فيه ما يخالف الواقع. وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ بزيادة عقاب أو نقصان ثواب.\nبَلْ قُلُوبُهُمْ قلوب الكفرة. فِي غَمْرَةٍ في غفلة غامرة لها. مِنْ هذا من الذي وصف به هؤلاء أو من كتاب الحفظة. وَلَهُمْ أَعْمالٌ خبيثة مِنْ دُونِ ذلِكَ متجاوزة لما وصفوا به أو متخطية عما هم عليه من الشرك. هُمْ لَها عامِلُونَ معتادون فعلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1875>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٤ الى ٦٥]</span>\nحَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ (٦٥)\nحَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ متنعميهم. بِالْعَذابِ يعني القتل يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم الرسول ﷺ فقال: «اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» . فقحطوا حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحرقة. إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ فاجؤوا الصراخ بالاستغاثة، وهو جواب الشرط والجملة مبتدأ بعد حتى ويجوز أن يكون الجواب.\nلا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ فإنه مقدر بالقول أي قيل لهم لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ. إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ تعليل للنهي أي لاَ تجأروا فإنه لا ينفعكم إذ لا تمنعون منا، أو لا يلحقكم نصر ومعونة من جهتنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1876>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nقَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)\nقَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ يعني القرآن. فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ تعرضون مدبرين عن سماعها وتصديقها والعمل بها، والنكوص الرجوع قهقرى.\nمُسْتَكْبِرِينَ بِهِ الضمير للبيت وشهرة استكبارهم وافتخارهم بأنهم قوامه أغنت عن سبق ذكره، أو لآياتي فإنها بمعنى كتابي والباء متعلقة ب مُسْتَكْبِرِينَ لأنه بمعنى مكذبين، أو لأن استكبارهم على المسلمين حدث بسبب استماعه أو بقوله: سامِرًا أي تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه، وهو في الأصل مصدر جاء على لفظ الفاعل كالعاقبة، وقرئ «سمرًا» جمع سامر تَهْجُرُونَ من الهجر بالفتح إما بمعنى القطيعة أو الهذيان، أي تعرضون عن القرآن أو تهذون في شأنه أو الهجر بالضم أي الفحش، ويؤيد الثاني قراءة نافع تَهْجُرُونَ من أهجر وقرئ «تهجرون» على المبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1877>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٨ الى ٧٠]</span>\nأَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠)\nأَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أي القرآن ليعلموا أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ بإعجاز لفظه ووضوح مدلوله. أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ من الرسول والكتاب، أو من الأمن من عذاب الله تعالى فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون كإسماعيل وأعقابه فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه.\nأَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ بالأمانة والصدق وحسن الخلق وكمال العلم مع عدم التعلم إلى غير ذلك مما هو صفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ دعواه لأحد هذه الوجوه إذ لا وجه له غيرها، فإن إنكار الشيء قطعًا أو ظنًا إنما يتجه إذا ظهر امتناعه بحسب النوع أو الشخص أو بحث عما يدل عليه أقصى ما يمكن فلم يوجد.\nأَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ فلا يبالون بقوله وكانوا يعلمون أنه ﷺ أرجحهم عقلًا وأدقهم نظرًا. بَلْ جاءَهُمْ","vol":"4","page":91},{"text":"بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ\nلأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم فلذلك أنكروه، وإنما قيد الحكم بالأكثر لأنه كان منهم من ترك الإِيمان استنكافًا من توبيخ قومه أو لقلة فطنته وعدم فكرته لا كراهة للحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1878>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ٧١]</span>\nوَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)\nوَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ بأن كان في الواقع آلهة شتى. لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ كما سبق تقريره في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا. وقيل لو اتبع الحق أهواءهم وانقلب باطلًا لذهب ما قام به العالم فلم يبق، أو لو اتبع الحق الذي جاء به محمد ﷺ أهواءهم وانقلب شركًا لجاء الله بالقيامة وأهلك العالم من فرط غضبه، أو لو اتبع الله أهواءهم بأن أنزل ما يشتهونه من الشرك والمعاصي لخرج عن الألوهية ولم يقدر أن يمسك السموات والارض وَهُوَ على أصل المعتزلة. بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أو صيتهم، أو الذكر الذي تمنوه بقولهم لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وقرئ «بذكراهم» . فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ لا يلتفتون إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1879>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nأَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)\nأَمْ تَسْأَلُهُمْ قيل إنه قسيم قوله أَمْ بِهِ جِنَّةٌ. خَرْجًا أجرًا على أداء الرسالة. فَخَراجُ رَبِّكَ رزقه في الدنيا أو ثوابه في العقبى. خَيْرٌ لسعته ودوامه ففيه مندوحة لك عن عطائهم والخرج بإزاء الدخل يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك، والخراج غالب في الضريبة على الأرض ففيه إشعار بالكثرة واللزوم فيكون أبلغ ولذلك عبر به عن عطاء الله إياه، وقرأ ابن عامر «خرجا فخرج» وحمزة والكسائي «خراجًا فخراج» للمزاوجة.\nوَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ تقرير لخيرية خراجه تعالى.\nوَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تشهد العقول السليمة على استقامته لا عوج فيه يوجب اتهامهم له، واعلم أنه سبحانه ألزمهم الحجة وأزاح العلة في هذه الآيات بأن حصر أقسام ما يؤدي إلى الإِنكار والاتهام وبين انتفاءها ما عدا كراهة الحق وقلة الفطنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1880>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nوَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)\nوَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ عن الصراط السوي. لَناكِبُونَ لعادلون عنه فإن خوف الآخرة أقوى البواعث على طلب الحق وسلوك طريقه.\nوَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ يعني القحط. لَلَجُّوا لثبتوا واللجاج التمادي في الشيء.\nفِي طُغْيانِهِمْ إفراطهم في الكفر والاستكبار عن الحق وعداوة الرسول والمؤمنين. يَعْمَهُونَ عن الهدى،\nروي أنهم قحطوا حتى أكلوا العلهز فجاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين قال: بلى فقال: قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1881>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٦ الى ٧٧]</span>\nوَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)\nوَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ يعني القتل يوم بدر. فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ بل أقاموا على عتوهم","vol":"4","page":92},{"text":"واستكبارهم، واستكان استفعل من الكون لأن المفتقر انتقل من كون إلى كون أو افتعل من السكون أشبعت فتحته. وَما يَتَضَرَّعُونَ وليس من عادتهم التضرع وهو استشهاد على ما قبله.\nحَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ يعني الجوع فإنه أشد من القتل والأسر. إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ متحيرون آيسون من كل خير حتى جاءك أعتاهم يستعطفك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1882>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٨ الى ٨٠]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠)\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ لتحسوا بها ما نصب من الآيات. وَالْأَفْئِدَةَ لتتفكروا فيها وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية. قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ تشكرونها شكرًا قليلًا لأن العمدة في شكرها استعمالها فيما خلقت لأجله، والإذعان لمانحها من غير إشراك وما صلة للتأكيد.\nوَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ خلقكم وبثكم فيها بالتناسل. وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم.\nوَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ويختص به تعاقبهما لا يقدر عليه غيره فيكون ردًا لنسبته إلى الشمس حقيقة أو لأمره وقضائه تعاقبهما، أو انتقاص أحدهما وازدياد الآخر. أَفَلا تَعْقِلُونَ بالنظر والتأمل أن الكل منا وأن قدرتنا تعم الممكنات كلها وأن البعث من جملتها، وقرئ بالياء على أن الخطاب السابق لتغليب المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1883>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨١ الى ٨٣]</span>\nبَلْ قالُوا مِثْلَ مَا قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)\nبَلْ قالُوا أي كفار مكة. مِثْلَ مَا قالَ الْأَوَّلُونَ آباؤهم ومن دان بدينهم.\nقالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ استبعادًا ولم يتأملوا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ أيضًا ترابًا فخلقوا.\nلَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ إلا أكاذيبهم التي كتبوها، جمع أسطورة لأنه يستعمل فيما يتلهى به كالأعاجيب والأضاحيك. وقيل جمع أسطار جمع سطر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1884>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٤ الى ٨٥]</span>\nقُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥)\nقُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن كنتم من أهل العلم أو من العالمين بذلك، فيكون استهانة بهم وتقريرًا لفرط جهالتهم حتى جهلوا مثل هذا الجلي الواضح إلزامًا بما لا يمكن لمن له مسكة من العلم إنكاره، ولذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا فقال.\nسَيَقُولُونَ لِلَّهِ لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر إلى الإِقرار بأنه خالقها. قُلْ أي بعد ما قالوه. أَفَلا تَذَكَّرُونَ فتعلمون أن من فطر الأرض ومن فيها ابتداء قادر على إيجادها ثانيًا، فإن بدء الخلق ليس أهون من إعادته. وقرئ «تتذكرون» على الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1885>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٨٦ الى ٨٩]</span>\nقُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)","vol":"4","page":93},{"text":"قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ فإنها أعظم من ذلك. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قرأ أبو عمرو ويعقوب بغير لام فيه وفيما بعده على ما يقتضيه لفظ السؤال. قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ عقابه فلا تشركوا به بعض مخلوقاته ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته.\nقُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ملكه غاية ما يمكن وقيل خزائنه. وَهُوَ يُجِيرُ يغيث من يشاء ويحرسه. وَلا يُجارُ عَلَيْهِ ولا يغاث أحد ولا يمنع منه، وتعديته بعلى لتضمين معنى النصرة. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.\nسَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ فمن أين تخدعون فتصرفون عن الرشد مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1886>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٠ الى ٩٢]</span>\nبَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)\nبَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ من التوحيد والوعد بالنشور. وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ حيث أنكروا ذلك.\nمَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ لتقدسه عن مماثلة أحد. وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ يساهمه في الألوهية. إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ جواب محاجتهم وجزاء شرط حذف لدلالة ما قبله عليه، أي لو كان معه آلهة كما تقولون لذهب كل منهم بما خلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخرين وظهر بينهم التحارب والتغالب كما هو حال ملوك الدنيا، فلم يكن بيده وحده ملكوت كل شيء واللازم باطل بالإِجماع والاستقراء وقيام البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجب واحد. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ من الولد والشريك لما سبق من الدليل على فساده.\nعالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ خبر مبتدأ محذوف وقد جره ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وحفص على الصفة، وهو دليل آخر على نفي الشريك بناء على توافقهم في أنه المنفرد بذلك ولهذا رتب عليه.\nفَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ بالفاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1887>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٣ الى ٩٥]</span>\nقُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥)\nقُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي إن كان لا بد من أن تريني لأن ما والنون للتأكيد. مَا يُوعَدُونَ من العذاب في الدنيا والآخرة.\nرَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قرينًا لهم في العذاب، وهو إما لهضم النفس أو لأن شؤم الظلمة قد يحيق بمن وراءهم كقوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً عن الحسن أنه تعالى أخبر نبيه ﵇ أنه له في أمته نقمة ولم يطلعه على وقتها فأمره بهذا الدعاء وتكرير النداء، وتصدير كل واحد من الشرط والجزاء به فضل تضرع وجؤار.\nوَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ لكنا نؤخره علمنا بأن بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون، أو لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم، ولعله رد لإِنكارهم الموعود واستعجالهم له استهزاء به. وقيل قد أراه: وهو قتل بدر أو فتح مكة.","vol":"4","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1888>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٦ الى ٩٨]</span>\nادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)\nادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ وهو الصفح عنها والإِحسان في مقابلتها لكن بحيث لم يؤد إلى وهن في الدين. وقيل هي كلمة التوحيد والسيئة الشرك. وقيل هو الأمر بالمعروف والسيئة المنكر وهو أبلغ من أدفع بالحسنة السيئة لما فيه من التنصيص على التفضيل. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ بما يصفونك به أو بوصفهم إياك على خلاف حالك وأقدر على جزائهم فكل إلينا أمرهم.\nوَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وساوسهم، وأصل الهمز النخس ومنه مهماز الرائض، شبه حثهم الناس على المعاصي بهمز الراضة للدواب على المشي والجمع للمرات أو لتنوع الوساوس أو لتعدد المضاف إليه.\nوَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ يحوموا حولي في شيء من الأحوال، وتخصيص حال الصلاة وقراءة القرآن وحلول الأجل لأنها أحرى الأحوال بأن يخاف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1889>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٩ الى ١٠٠]</span>\nحَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)\nحَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ متعلق ب يَصِفُونَ، وما بينهما اعتراض لتأكيد الإِغضاء بالاستعاذة بالله من الشيطان أن يزله عن الحلم ويغريه على الانتقام أو بقوله إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. قالَ تحسرًا على ما فرط فيه من الإِيمان والطاعة لما اطلع على الأمر. رَبِّ ارْجِعُونِ ردوني إلى الدنيا والواو لتعظيم المخاطب.\nوقيل لتكرير قوله ارجعني كما قيل في قفا وأطرقا.\nلَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ في الإِيمان الذي تركته أي لعلي آتي الإِيمان وأعمل فيه، وقيل في المال أو في الدنيا.\nوعنه ﵊ «قال إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا أنرجعك إلى الدنيا، فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدومًا إلى الله تعالى، وأما الكافر فيقول رب ارجعون» .\nكَلَّا ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها. إِنَّها كَلِمَةٌ معنى قوله رَبِّ ارْجِعُونِ الخ، والكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض. هُوَ قائِلُها لا محالة لتسلط الحسرة عليه. وَمِنْ وَرائِهِمْ أمامهم والضمير للجماعة.\nبَرْزَخٌ حائل بينهم وبين الرجعة. إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يوم القيامة، وهو إقناط كلي عن الرجوع إلى الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا وإنما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1890>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠١ الى ١٠٣]</span>\nفَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣)\nفَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ لقيام الساعة والقراءة بفتح الواو وبه وبكسر الصاد يؤيد أن الصُّورِ أيضًا جمع الصورة. فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ تنفعهم لزوال التعاطف والتراحم من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ أو يفتخرون بها. يَوْمَئِذٍ كما يفعلون اليوم. وَلا يَتَساءَلُونَ ولا يسأل بعضهم بعضًا لاشتغاله بنفسه، وهو لا يناقض قوله وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ لأنه عند النفخة وذلك يعد المحاسبة، أو دخول أهل الجنة الجنة والنار النار.\nفَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ موزونات عقائده وأعماله، أي فمن كانت له عقائد وأعمال صالحة يكون لها وزن عند الله تعالى وقدر. فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالنجاة والدرجات.","vol":"4","page":95},{"text":"وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ومن لم يكن له ما يكون له وزن، وهم الكفار لقوله تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا. فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ غبنوها حيث ضيعوا زمان استكمالها وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها. فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ بدل من الصلة أو خبر ثان «لأولئك» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1891>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٤ الى ١٠٦]</span>\nتَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦)\nتَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ تحرقها واللفح كالنفح إلا أنه أشد تأثيرًا. وَهُمْ فِيها كالِحُونَ من شدة الاحتراق والكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان، وقرئ «كلحون» .\nأَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ على إضمار القول أي يقال لهم أَلَمْ تَكُنْ. فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ تأنيب وتذكير لهم بما استحقوا هذا العذاب لأجله.\nقالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا ملكتنا بحيث صارت أحوالنا مؤدية إلى سوء العاقبة، وقرأ حمزة والكسائي «شقاوتنا» بالفتح كالسعادة وقرئ بالكسر كالكتابة. وَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ عن الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1892>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]</span>\nرَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)\nرَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها من النار. فَإِنْ عُدْنا إلى التكذيب. فَإِنَّا ظالِمُونَ لأنفسنا.\nقالَ اخْسَؤُا فِيها اسكتوا سكوت هوان في النار فإنها ليست مقام سؤال من خسأت الكلب إذا زجرته فخسأ. وَلا تُكَلِّمُونِ في رفع العذاب أو لا تكلمون رأسًا. قيل إن أهل النار يقولون ألف سنة: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا، فيجابون حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي فيقولون ألفًا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ، فيجابون ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ فيقولون ألفا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، فيجابون إِنَّكُمْ ماكِثُونَ، فيقولون ألفًا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ، فيجابون أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ، فيقولون ألفًا رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا، فيجابون أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ فيقولون ألفًا رَبِّ ارْجِعُونِ، فيجابون اخْسَؤُا فِيها ثم لا يكون لهم فيها إلا زفير وشهيق وعواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1893>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٠٩ الى ١١١]</span>\nإِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١)\nإِنَّهُ إن الشأن وقرئ بالفتح أي لأنه. كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يعني المؤمنين، وقيل الصحابة وقيل أهل الصفة. يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.\nفَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا هزؤا وقرأ نافع وحمزة والكسائي هنا وفي «ص» بالضم، وهما مصدر سخر زيدت فيهما ياء النسب للمبالغة، وعند الكوفيين المكسور بمعنى الهزء والمضموم من السخرة بمعنى الانقياد والعبودية. حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي من فرط تشاغلكم بالاستهزاء بهم فلم تخافوني في أوليائي. وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ استهزاء بهم.\nإِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا على أذاكم. أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ فوزهم بمجامع مراداتهم مخصوصين به، وهو ثاني مفعولي جَزَيْتُهُمُ. وقرأ حمزة والكسائي بالكسر استئنافًا.","vol":"4","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1894>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١١٢ الى ١١٤]</span>\nقالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)\nقالَ أي الله أو الملك المأمور بسؤالهم، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي على الأمر للملك أو لبعض رؤساء أهل النار. كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ أحياء أو أمواتًا في القبور. عَدَدَ سِنِينَ تمييز لكم.\nقالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ استقصارًا لمدة لبثهم فيها بالنسبة إلى خلودهم في النار، أو لأنها كانت أيام سرورهم وأيام السرور قصار، أو لأنها منقضية والمنقضي في حكم المعدوم. فَسْئَلِ الْعادِّينَ الذين يتمكنون من عد أيامها إن أردت تحقيقها فإنا لما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكرها وإحصائها، أو الملائكة الذين يعدون أعمار الناس ويحصون أعمالهم. وقرئ «العادين» بالتخفيف أي الظلمة فإنهم يقولون ما نقول، و«العاديين» أي القدماء المعمرين فإنهم أيضًا يستقصرون.\nقالَ وفي قراءة حمزة والكسائي «قل» . إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ تصديق لهم في مقالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1895>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٥]</span>\nأَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لاَ تُرْجَعُونَ (١١٥)\nأَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا توبيخ على تغافلهم، وعَبَثًا حال بمعنى عابثين أو مفعول له أي: لم نخلقكم تلهيًا بكم وإنما خلقناكم لنتعبدكم ونجازيكم على أعمالكم وهو كالدليل على البعث. وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لاَ تُرْجَعُونَ معطوف على أَنَّما خَلَقْناكُمْ أو عَبَثًا، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1896>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١١٦ الى ١١٧]</span>\nفَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لاَ بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧)\nفَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ الذي يحق له الملك مطلقًا فإن من عداه مملوك بالذات مالك بالعرض من وجه دون وجه وفي حال دون حال. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فإن ما عداه عبيد له. رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ الذي يحيط بالأجرام وينزل منه محكمات الأقضية والأحكام، ولذلك وصفه بالكرم أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين.\nوقرئ بالرفع على أنه صفة الرب.\nوَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ يعبده إفرادًا أو إشراكًا. لاَ بُرْهانَ لَهُ بِهِ صفة أخرى ل إِلهًا لازمة له فإن الباطل لا برهان به، جيء بها للتأكيد وبناء الحكم عليه تنبيهًا على أن التدين بما لا دليل عليه ممنوع فضلًا عما دل الدليل على خلافه، أو اعتراض بين الشرط والجزاء لذلك: فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ فهو مجاز له مقدار ما يستحقه. إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكافِرُونَ إن الشأن وقرئ بالفتح على التعليل أو الخبر أي حسابه عدم الفلاح. بدأ السورة بتقرير فلاح المؤمنين وختمها بنفي الفلاح عن الكافرين، ثم أمر رسوله بأن يستغفره ويسترحمه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1897>[سورة المؤمنون (٢٣): آية ١١٨]</span>\nوَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)\nوَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة المؤمنين بشرته الملائكة بالروح والريحان وما تقر به عينه عند نزول ملك الموت» .\nوعنه ﵊ أنه قال «لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ حتى ختم العشر» .\nوروي «أن أولها وآخرها من كنوز الجنة، من عمل بثلاث آيات من أولها واتعظ بأربع من آخرها فقد نجا وأفلح» .","vol":"4","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1898>(٢٤) سورة النور</span>\nمدينة وهي أربع وستون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1899>[سورة النور (٢٤): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)\nسُورَةٌ أي هذه سورة أو فيما أوحينا إليك سورة. أَنْزَلْناها صفتها ومن نصبها جعله مفسرًا لناصبها فلا يكون له محل إلا إذا قدر اتل أو دونك نحوه وَفَرَضْناها وفرضنا ما فيها من الأحكام، وشدده ابن كثير وأبو عمرو لكثرة فرائضها أو المفروض عليهم، أو للمبالغة في إيجابها. وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ واضحات الدلالة لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فتتقون المحارم وقرئ بتخفيف الذال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1900>[سورة النور (٢٤): آية ٢]</span>\nالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)\nالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي أو فيما فرضنا أو أنزلنا حكمهما وهو الجلد، ويجوز أن يرفعا بالإِبتداء والخبر:\nفَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ والفاء لتضمنها معنى الشرط إذ اللام بمعنى الّذي، وقرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من نصب سورة لأجل الأمر والزان بلا ياء، وإنما قدم الزَّانِيَةُ لأن الزنا في الأغلب يكون بتعرضها للرجل وعرض نفسها عليه ولأن مفسدته تتحقق بالإِضافة إليها، والجلد ضرب الجلد وهو حكم يخص بمن ليس بمحصن لما دل على أن حد المحصن هو الرجم، وزاد الشافعي عليه تغريب الحر سنة\nلقوله ﵊ «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»\n، وليس في الآية ما يدفعه لينسخ أحدهما الآخر نسخًا مقبولًا أو مردودًا، وله في العبد ثلاثة أقوال. والإِحصان: بالحرية والبلوغ والعقل والإِصابة في نكاح صحيح، واعتبرت الحنفية الإِسلام أيضًا وهو مردود برجمه ﵊ يهوديين، ولا يعارضه «من أشرك بالله فليس بمحصن» إذ المراد بالمحصن الذي يقتص له من المسلم. وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة. فِي دِينِ اللَّهِ في طاعته وإقامة حده فتعطلوه أو تسامحوا فيه، ولذلك\nقال ﵊ «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها» .\nوقرأ ابن كثير بفتح الهمزة وقرئت بالمد على فعالة.\nإِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَإِن الإِيمان يقتضي الجد في طاعة الله تعالى والاجتهاد في إقامة حدوده وأحكامه، وهو من باب التهييج. وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ زيادة في التنكيل فإن التفضيح قد ينكل أكثر مما ينكل التعذيب، وال طائِفَةٌ فرقة يمكن أن تكون حافة حول شيء من الطوف وأقلها ثلاثة وقيل واحدًا واثنان، والمراد جمع يحصل به التشهير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1901>[سورة النور (٢٤): آية ٣]</span>\nالزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)\nالزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ إذ الغالب أن المائل إلى الزنا","vol":"4","page":98},{"text":"لا يرغب في نكاح الصوالح والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء، فإن المشاكلة علة للألفة والتضام، والمخالفة سبب للنفرة والافتراق. وكان حق المقابلة أن يقال والزانية لا تنكح إلا من هو زان أو مشرك. لكن المراد بيان أحوال الرجال في الرغبة فيهن، لأن الآية نزلت في ضعفة المهاجرين لما هموا أن يتزوجوا بغايا يكرين أنفسهن لينفقن عليهم من أكسابهن على عادة الجاهلية ولذلك قدم الزاني. وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لأنه تشبه بالفساق وتعرض للتهمة وتسبب لسوء القالة والطعن في النسب وغير ذلك من المفاسد، ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة. وقيل النفي بمعنى النهي، وقد قرئ به والحرمة على ظاهرها والحكم مخصوص بالسبب الذي ورد فيه، أو منسوخ بقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فإنه يتناول المسافحات، ويؤيده\nأنه ﵊ سئل عن ذلك فقال: «أوله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال»\n، وقيل المراد بالنكاح الوطء فيؤول إلى نهي الزاني عن الزنا إلا بزانية، والزانية أن يزني بها إلا زان وهو فاسد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1902>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ يقذفونهن بالزنا لوصف المقذوفات بالإِحصان، وذكرهن عقيب الزواني واعتبار أربعة شهداء بقوله: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً والقذف بغيره مثل يا فاسق ويا شارب الخمر يوجب التعزير كقذف غير المحصن، والإِحصان ها هنا بالحرية والبلوغ والعقل والإِسلام والعفة عن الزنا ولا فرق فيه بين الذكر والأنثى، وتخصيص الْمُحْصَناتِ لخصوص الواقعة أو لأن قذف النساء أغلب وأشنع، ولا يشترط اجتماع الشهود عند الآداء ولا تعتبر شهادة زوج المقذوفة خلافًا لأبي حنيفة، وليكن ضربه أخف من ضرب الزنا لضعف سببه واحتماله ولذلك نقص عدده. وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أي شهادة كانت لأنه مفتر، وقيل شهادتهم في القذف ولا يتوقف ذلك على استيفاء الجلد خلافًا لأبي حنيفة فَإِنْ الأمر بالجلد والنهي عن القبول سيان في وقوعهما جوابًا للشرط لا ترتيب بينهما فيترتبان عليه دفعة، كيف وحاله قبل الجلد أسوأ مما بعده. أَبَدًا ما لم يتب، وعند أبي حنيفة إلى آخر عمره. وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ المحكوم بفسقهم.\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا عن القذف. مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا أعمالهم بالتدارك، ومنه الاستسلام للحد أو الاستحلال من المقذوف، والاستثناء راجع إلى أصل الحكم وهو اقتضاء الشرط لهذه الأمور ولا يلزمه سقوط الحد به كما قيل، لأن من تمام التوبة الاستسلام له أو الاستحلال ومحل المستثنى النصب على الاستثناء، وقيل إلى النهي ومحله الجر على البدل من هم في لهم، وقيل إلى الأخيرة ومحله النصب لأنه من موجب وقيل منقطع متصل بما بعده. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ علة للاستثناء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1903>[سورة النور (٢٤): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧)\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ نزلت في هلال بن أمية رأى رجلًا على فراشه، وأنفسهم بدل من شهداء أو صفة لهم على أن إلا بمعنى غير. فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ فالواجب شهادة أحدهم أو فعليهم شهادة أحدهم، وأَرْبَعُ نصب على المصدر وقد رفعه حمزة والكسائي وحفص على أنه خبر «شهادة» . بِاللَّهِ متعلق بشهادات لأنها أقرب وقيل بشهادة لتقدمها. إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ أي فيما رماها به من الزنا، وأصله على أنه فحذف الجار وكسرت إن وعلق العامل عنه باللام تأكيدًا.","vol":"4","page":99},{"text":"وَالْخامِسَةُ والشهادة الخامسة. أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ في الرمي هذا لعان الرجل وحكمه سقوط حد القذف عنه، وحصول الفرقة بينهما بنفسه فرقة فسخ عندنا\nلقوله ﵊ «المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا»\n. وتفريق الحاكم فرقة طلاق عند أبي حنيفة ونفي الولد أن تعرض له فيه وثبوت حد الزنا على المرأة لقوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1904>[سورة النور (٢٤): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nوَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)\nوَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أي الحد. أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ فيما رماني به.\nوَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ في ذلك ورفع الخامسة بالإِبتداء وما بعدها الخبر أو بالعطف على أن تشهد، ونصبها حفص عطفًا على أَرْبَعَ. وقرأ نافع ويعقوب أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ وأَنَّ غَضَبَ اللَّهِ بتخفيف النون فيهما وكسر الضاد وفتح الباء من غَضَبَ ورفع الهاء من اسم اللَّهِ، والباقون بتشديد النون فيهما ونصب التاء وفتح الضاد وجر الهاء.\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ متروك الجواب للتعظيم أي لفضحكم وعاجلكم بالعقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1905>[سورة النور (٢٤): آية ١١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١)\nإِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بأبلغ ما يكون من الكذب، من الإِفك، وهو الصرف لأنه قول مأفوك عن وجهه، والمراد ما أفك به على عائشة رضي الله تعالى عنها. وذلك أنه ﵊ استصحبها في بعض الغزوات فأذن ليلة في القفول بالرحيل، فمشت لقضاء حاجة ثم عادت إلى الرحل فلمست صدرها فإذا عقد من جرع ظفار قد انقطع، فرجعت لتلتمسه فظن الذي كان يرحلها أنها دخلت الهودج فرحله على مطيتها وسار، فلما عادت إلى منزلها لم تجد ثمة أحدًا فجلست كي يرجع إليها منشد، وكان صفوان بن المعطل السلمي ﵁ قد عرس وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلها فعرفها فأناخ راحلته فركبتها فقادها حتى أتيا الجيش فاتهمت به. عُصْبَةٌ مِنْكُمْ جماعة منكم وهي من العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة، يريد عبد الله بن أبي، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم، وهي خبر إن وقوله: لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ مستأنف والخطاب للرسول ﷺ وأبي بكر وعائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهم والهاء للإِفك. بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لاكتسابكم به الثواب العظيم وظهور كرامتكم على الله بإنزال ثماني عشرة آية في براءتكم، وتعظيم شأنكم وتهويل الوعيد لمن تكلم فيكم والثناء على من ظن بكم خيرا. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ لكل جزاء ما اكتسب بقدر ما خاض فيه مختصًا به. وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ معظمه وقرأ يعقوب بالضم وهو لغة فيه. مِنْهُمْ من الخائضين وهو ابن أبي فإنه بدأ به وأذاعه عداوة لرسول الله ﷺ، أو هو وحسان ومسطح فإنهما شايعاه بالتصريح به وَالَّذِي بمعنى الذين. لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ في الآخرة أو في الدنيا بأن جلدوا وصار ابن أبي مطرودًا مشهورًا بالنفاق، وحسان أعمى أشل اليدين، ومسطح مكفوف البصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1906>[سورة النور (٢٤): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣)","vol":"4","page":100},{"text":"لَوْلا هلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات كقوله تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ. وإنما عدل فيه من الخطاب إلى الغيبة مبالغة في التوبيخ وإشعارًا بأن الإِيمان يقتضي ظن الخير بالمؤمنين والكف عن الطعن فيهم وذب الطاعنين عنهم كما يذبونهم عن أنفسهم.\nوإنما جاز الفصل بين لَوْلا وفعله بالظرف لأنه منزل منزلته من حيث إنه لا ينفك عنه وذلك يتسع فيه ما لا يتسع في غيره، وذلك لأن ذكر الظرف أهم فإن التحضيض على أن لا يخلوا بأوله. وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ كما يقول المستيقن المطلع على الحال.\nلَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ من جملة المقول تقريرًا لكونه كذبًا فإن ما لا حجة عليه كذب عند الله أي في حكمه، ولذلك رتب الحد عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1907>[سورة النور (٢٤): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لولا هذه لامتناع الشيء لوجود غيره، والمعنى لولا فضل الله عليكم في الدنيا بأنواع النعم التي من جملتها الإِمهال للتوبة وَرَحْمَتُهُ في الآخرة بالعفو والمغفرة المقدران لكم. لَمَسَّكُمْ عاجلًا. فِيما أَفَضْتُمْ خضتم. فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ يستحقر دونه اللوم والجلد.\nإِذْ ظرف لَمَسَّكُمْ أو أَفَضْتُمْ. تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ يأخذه بعضكم من بعض بالسؤال عنه يقال تلقى القول كتلقفه وتلقنه، قرئ «تتلقونه» على الأصل وتَلَقَّوْنَهُ من لقيه إذا لقفه وتَلَقَّوْنَهُ بكسر حرف المضارعة وتَلَقَّوْنَهُ من إلقائه بعضهم على بعض، وتَلَقَّوْنَهُ و«تألقونه» من الألق والألق وهو الكذب، و«تثقفونه» من ثقفته إذا طلبته فوجدته و«تقفونه» أي تتبعونه. وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ أي وتقولون كلامًا مختصًا بالأفواه بلا مساعدة من القلوب. مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ لأنه ليس تعبيرًا عن علم به في قلوبكم كقوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ. وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا سهلًا لا تبعة له. وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ في الوزر واستجرار العذاب، فهذه ثلاثة آثام مترتبة علق بها مس العذاب العظيم، تلقي الإِفك بألسنتهم والتحدث به من غير تحقق واستصغارهم لذلك وهو عند الله عظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1908>[سورة النور (٢٤): الآيات ١٦ الى ١٨]</span>\nوَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)\nوَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنا ما ينبغي وما يصح لنا. أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا يجوز أن تكون الإِشارة إلى القول المخصوص وأن تكون إلى نوعه، فإن قذف آحاد الناس محرم شرعًا فضلًا عن تعرض الصديقة ابنة الصديق حرمة رسول الله ﷺ. سُبْحانَكَ تعجب من ذلك الإِفك أو ممن يقول ذلك، وأصله أن يذكر عند كل متعجب تنزيهًا لله تعالى من أن يصعب عليه مثله ثم كثر فاستعمل لكل متعجب، أو تنزيه لله تعالى من أن تكون حرمة نبيه فاجرة فإن فجورها ينفر عنه ويخل بمقصود الزواج بخلاف كفرها فيكون تقريرًا لما قبله وتمهيدًا لقوله: هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ لعظمة المبهوت عليه فإن حقارة الذنوب وعظمها باعتبار متعلقاتها.\nيَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ كراهة أن تعودوا أو في أن تعودوا. أَبَدًا ما دمتم أحياء مكلفين. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإِن الإِيمان يمنع عنه وفيه تهييج وتقريع.\nوَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتعظوا وتتأدبوا. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالأحوال كلها. حَكِيمٌ في تدابيره ولا يجوز الكشخنة على نبيه ولا يقرره عليها.","vol":"4","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1909>[سورة النور (٢٤): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠)\nإِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ يريدون أَنْ تَشِيعَ أن تنشر الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ بالحد والسعير إلى غير ذلك. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى الضمائر. وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فعاقبوا في الدنيا على ما دل عليه الظاهر والله سبحانه يعاقب على ما في القلوب من حب الإِشاعة.\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة ولذا عطف قوله: وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ على حصول فضله ورحمته عليهم وحذف الجواب وهو مستغنى عنه بذكره مرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1910>[سورة النور (٢٤): آية ٢١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ بإشاعة الفاحشة، وقرئ بفتح الطاء وقرأ نافع والبزي وأبو عمرو وأبو بكر وحمزة بسكونها. وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ بيان لعلة النهي عن اتباعه، و«الفحشاء» ما أفرط قبحه، و«المنكر» ما أنكره الشرع. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بتوفيق التوبة الماحية للذنوب وشرع الحدود المكفرة لها مَا زَكى ما طهر من دنسها. مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا آخر الدهر. وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ بحمله على التوبة وقبولها. وَاللَّهُ سَمِيعٌ لمقالهم. عَلِيمٌ بنياتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1911>[سورة النور (٢٤): آية ٢٢]</span>\nوَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)\nوَلا يَأْتَلِ ولا يحلف افتعال من الألية، أو ولا يقصر من الألو، ويؤيد الأول أنه قرئ ولا «يتأل» .\nوأنه نزل في أبي بكر الصديق ﵁ وقد حلف أن لا ينفق على مسطح بعد وكان ابن خالته وكان من فقراء المهاجرين. أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ في الدين. وَالسَّعَةِ في المال. وفيه دليل على فضل أبي بكر وشرفه رضي الله تعالى عنه. أَنْ يُؤْتُوا على أن لا يُؤْتُوا، أو في أَنْ يُؤْتُوا. وقرئ بالتاء على الالتفات. أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صفات لموصوف واحد، أي ناسًا جامعين لها لأن الكلام فيمن كان كذلك، أو لموصوفات أقيمت مقامها فيكون أبلغ في تعليل المقصود. وَلْيَعْفُوا عما فرط منهم. وَلْيَصْفَحُوا بالإِغماض عنه. أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مع كمال قدرته فتخلقوا بأخلاقه.\nروي أنه ﵊ قرأها على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: بلى أحب ورجع إلى مسطح نفقته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1912>[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)\n.","vol":"4","page":102},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ العفائف. الْغافِلاتِ عما قذفن به. الْمُؤْمِناتِ بالله وبرسوله استباحة لعرضهن وطعنًا في الرسول ﵊ والمؤمنين كابن أبي. لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لما طعنوا فيهن. وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ لعظم ذنوبهم، وقيل هو حكم كل قاذف ما لم يتب، وقيل مخصوص بمن قذف أزواج النبي ﷺ ولذلك قال ابن عباس ﵄: لا توبة له، ولو فتشت وعيدات القرآن لم تجد أغلظ مما نزل في إفك عائشة رضي الله تعالى عنها.\nيَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ظرف لما في لهم من معنى الاستقرار لا للعذاب لأنه موصوف، وقرأ حمزة والكسائي بالياء للتقدم والفصل. أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعترفون بها بإنطاق الله تعالى إياها بغير اختيارهم، أو بظهور آثاره عليها وفي ذلك مزيد تهويل للعذاب.\nيَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ جزاءهم المستحق. وَيَعْلَمُونَ لمعاينتهم الأمر. أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ الثابت بذاته الظاهر ألوهيته لا يشاركه في ذلك غيره ولا يقدر على الثواب والعقاب سواه، أو ذو الحق البين أي العادل الظاهر عدله ومن كان هذا شأنه ينتقم من الظالم للمظلوم لا محالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1913>[سورة النور (٢٤): آية ٢٦]</span>\nالْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)\nالْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أي الخبائث يتزوجن الخباث وبالعكس وكذلك أهل الطيب فيكون كالدليل على قوله: أُولئِكَ يعني أهل بيت النبي ﷺ أو الرسول وعائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهم. مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ إذ لو صدق لم تكن زوجته ﵇ ولم يقرر عليها، وقيل الْخَبِيثاتُ وَالطَّيِّباتُ من الأقوال والإِشارة إلى «الطيبين» والضمير في يَقُولُونَ للآفكين، أي مبرؤون مما يقولون فيهم أو لِلْخَبِيثِينَ والْخَبِيثاتُ أي مبرؤون من أن يقولوا مثل قولهم. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يعني الجنة، ولقد برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف ﵇ بشاهد من أهلها، وموسى ﵊ من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، ومريم بإنطاق ولدها، وعائشة ﵂ بهذه الآيات الكريمة مع هذه المبالغة، وما ذلك إلا لإِظهار منصب الرسول ﷺ وإعلاء منزلته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1914>[سورة النور (٢٤): آية ٢٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ التي لا تسكنونها فإن الآجر والمعير أيضًا لا يدخلان إلا بإذن. حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا تستأذنوا من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره، فإن المستأذن مستعلم للحال مستكشف أنه هل يراد دخوله أو يؤذن له، أو من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش فإن المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا له استأنس، أو تتعرفوا هل ثم إنسان من الإنس. وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها بأن تقولوا السلام عليكم أأدخل.\nوعنه ﵊ «التسليم أن يقول السلام عليكم، أأدخل؟ ثلاث مرات، فإن أذن له دخل وإلا رجع» .\nذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أي الاستئذان أو التسليم خير لكم من أن تدخلوا بغتة، أو من تحية الجاهلية كان الرجل منهم إذا دخل بيتًا غير بيته قال: حييتم صباحًا أو حييتم مساء ودخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف.\nوروي أن رجلًا قال للنبي ﷺ «أأستأذن على أمي، قال: نعم، قال: إنها ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت، قال: أتحب أن تراها عريانة، قالا:\nلا، قال: فاستأذن» .\nلَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ متعلق بمحذوف أي أنزل عليكم، أو قيل لكم هذا إرادة أن تذكروا","vol":"4","page":103},{"text":"وتعملوا بما هو أصلح لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1915>[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nفَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩)\nفَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا يأذن لكم. فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ حتى يأتي من يأذن لكم فإن المانع من الدخول ليس الاطلاع على العورات فقط بل وعلى ما يخفيه الناس عادة مع أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه محظور، واستثنى ما إذا عرض فيه حرق أو غرق أو كان فيه منكر ونحوها. وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ولا تلحوا. هُوَ أَزْكى لَكُمْ الرجوع أطهر لكم عما لا يخلو الإِلحاح والوقوف على الباب عنه من الكراهة وترك المروءة، أو أنفع لدينكم ودنياكم. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فيعلم ما تأتون وما تذرون مما خوطبتم به فيجازيكم عليه. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ كالربط والحوانيت والخانات والخانقات. فِيها مَتاعٌ استمتاع. لَكُمْ كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الأمتعة والجلوس للمعاملة، وذلك استثناء من الحكم السابق لشموله البيوت المسكونة وغيرها. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ وعيد لمن دخل مدخلًا لفساد أو تطلع على عورات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1916>[سورة النور (٢٤): آية ٣٠]</span>\nقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠)\nقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ أي ما يكون نحو محرم. وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ ما ملكت أيمانهم، ولما كان المستثنى منه كالشاذ النادر بخلاف الغض أطلقه وقيد الغض بحرف التبعيض، وقيل حفظ الفروج ها هنا خاصة سترها. ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ أنفع لهم أو أطهر لما فيه من البعد عن الريبة.\nإِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ لا يخفى عليه إجالة أبصارهم واستعمال سائر حواسهم وتحريك جوارحهم وما يقصدون بها، فليكونوا على حذر منه في كل حركة وسكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1917>[سورة النور (٢٤): آية ٣١]</span>\nوَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)\nوَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه من الرجال.\nوَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ بالتستر أو التحفظ عن الزنا، وتقديم الغض لأن النظر بريد الزنا. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ كالحلي والثياب والأصباغ فضلًا عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدى له. إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن في سترها حرجًا، وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف أو ما يعم المحاسن الخلقية والتزيينية، والمستثنى هو الوجه والكفان لأنها ليست بعورة والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة","vol":"4","page":104},{"text":"وتَحَمُّلِ الشهادة. وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ سترًا لأعناقهن. وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وهشام بضم الجيم. وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ كرره لبيان من يحل له الإِبداء ومن لا يحل له. إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ فإنهم المقصودون بالزينة ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج بكره. أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ لكثرة مداخلتهم عليهن واحتياجهن إلى مداخلتهم وقلة توقع الفتنة من قبلهم لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب، ولهم أن ينظروا منهن ما يبدو عند المهنة والخدمة وإنما لم يذكر الأعمام والأخوال لأنهم في معنى الإخوان أو لأن الأحوط أن يتسترن عنهم حذرا أن يصفوهن لأبنائهم أَوْ نِسائِهِنَّ يعني المؤمنات فإن الكافرات لا يتحرجن عن وصفهن للرجال أو النساء كلهن، وللعلماء في ذلك خلاف. أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ يعم الإِماء والعبيد، لما\nروي «أنه ﵊ أتى فاطمة بعبد وهبه لها وعليها ثوب، إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها فقال ﵊: إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك» .\nوقيل المراد بها.\nالإِماء وعبد المرأة كالأجنبي منها. أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أي أولي الحاجة إلى النساء وهم الشيوخ الهم والممسوحون، وفي المجبوب والخصي خلاف وقيل البله الذين يتبعون الناس لفضل طعامهم ولا يعرفون شيئًا من أمور النساء، وقرأ ابن عامر وأبو بكر غير بالنصب على الحال. أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ لعدم تمييزهم من الظهور بمعنى الاطلاع، أو لعدم بلوغهم حد الشهوة من الظهور بمعنى الغلبة والطفل جنس وضع موضع الجمع اكتفاء بدلالة الوصف. وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال فإن ذلك يورث ميلًا في الرجال، وهو أبلغ من النهي عن إظهار الزينة وأدل على المنع من رفع الصوت. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إذ لا يكاد يخلوا أحد منكم من تفريط سيما في الكف عن الشهوات، وقيل توبوا مما كنتم تفعلونه، في الجاهلية فإنه وإن جب بالإِسلام لكنه يجب الندم عليه والعزم على الكف عنه كلما يتذكر، وقرأ ابن عامر «أيه المؤمنون» وفي «الزخرف» يا أَيُّهَ الساحر وفي «الرحمن» أَيُّهَ الثقلان بضم الهاء في الوصل في الثلاثة والباقون بفتحها، ووقف أبو عمرو والكسائي عليهن بالألف، ووقف الباقون بغير الألف. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بسعادة الدارين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1918>[سورة النور (٢٤): آية ٣٢]</span>\nوَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)\nوَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ لما نهى عما عسى أن يفضي إلى السفاح المخل بالنسب المقتضي للألفة وحسن التربية ومزيد الشفقة المؤدية إلى بقاء النوع بعد الزجر عنه مبالغة فيه عقبه بأمر النكاح الحافظ له والخطاب للأولياء والسادة، وفيه دليل على وجوب تزويج المولية والمملوك وذلك عند طلبهما، وإشعار بأن المرأة والعبد لا يستبدان به إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى، و«أيامى» مقلوب أيايم كيتامى، جمع أيم وهو العزب ذكرًا كان أو أنثى بكرًا كان أو ثيبًا قال:\nفَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكح وَإِنْ تَتَأْيَّمِي ... وَإِنْ كُنْت أَفْتى مِنْكُم أَتَأَيَّم\nوتخصيص الصَّالِحِينَ لأن إحصان دينهم والاهتمام بشأنهم أهم، وقيل المراد الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه، إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ رد لما عسى أن يمنع من النكاح، والمعنى لا يمنعن فقر الخاطب أو المخطوبة من المناكحة فإن في فضل الله غنية عن المال فإنه غاد ورائح، أو وعد من الله بالإِغناء\nلقوله ﷺ «اطلبوا الغنى في هذه الآية» .\nلكن مشروط بالمشيئة كقوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ. وَاللَّهُ واسِعٌ ذو سعة لا تنفد نعمته إذ لا تنتهي قدرته. عَلِيمٌ يبسط الرزق ويقدر على ما تقتضيه حكمته.","vol":"4","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1919>[سورة النور (٢٤): آية ٣٣]</span>\nوَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)\nوَلْيَسْتَعْفِفِ وليجتهد في العفة وقمع الشهوة. الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكاحًا أسبابه، ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به أو بالوجدان التمكن منه. حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فيجدوا ما يتزوجون به. وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ المكاتبة وهو أن يقول الرجل لمملوكه كاتبتك على كذا من الكتاب لأن السيد كتب على نفسه عتقه إذا أدى المال، أو لأنه مما يكتب لتأجيله أو من الكتب بمعنى الجمع لأن العوض فيه يكون منجمًا بنجوم بضم بعضها إلى بعض. مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ عبدًا كان أو أمة والموصول بصلته مبتدأ خبره فَكاتِبُوهُمْ أو مفعول لمضمر هذا تفسيره والفاء لتضمن معنى الشرط، والأمر فيه للندب عند أكثر العلماء لأن الكتابة معاوضة تتضمن الارفاق فلا تجب كغيرها واحتجاج الحنفية بإطلاقه على جواز الكتابة الحالية ضعيف لأن المطلق لا يعم مع أن العجز عن الأداء في الحال يمنع صحتها كما في السلم فيما لا يوجد عند المحل. إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا أمانة وقدرة على أداء المال بالاحتراف، وقد روي مثله مرفوعًا. وقيل صلاحًا في الدين. وقيل مالًا وضعفه ظاهر لفظ ومعنى وهو شرط الأمر فلا يلزم من عدمه عدم الجواز.\nوَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ أمر للموالي كما قبله بأن يبذلوا لهم شيئًا من أموالهم، وفي معناه حط شيء من مال الكتابة وهو للوجوب عند الأكثر ويكفي أقل ما يتمول.\nوعن علي رضي الله تعالى عنه يحط الربع\n، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الثلث، وقيل ندب لهم إلى الإنفاق عليهم بعد أن يؤدوا ويعتقوا، وقيل أمر لعامة المسلمين بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة ويحل للمولى وإن كان غنيًا، لأنه لا يأخذه صدقة كالدائن والمشتري، ويدل عليه\nقوله ﵊ في حديث بريرة «هو لها صدقة ولنا هدية» .\nوَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ إماءكم. عَلَى الْبِغاءِ على الزنا، كانت لعبد الله بن أبي ست جوار يكرههن على الزنا وضرب عليهن الضرائب فشكا بعضهن إلى رسول الله ﷺ فنزلت. إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا تعففًا شرط للإِكراه فإنه لا يوجد دونه، وإن جعل شرطًا للنهي لم يلزم من عدمه جواز الإِكراه لجواز أن يكون ارتفاع النهي بامتناع المنهي عنه، وإيثار إن على إذا لأن إرادة التحصن من الإِماء كالشاذ النادر. لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي لهن أوله إن تاب، والأول أوفق للظاهر ولما في مصحف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: من بعد إكراههن لهن غفور رحيم ولا يرد عليه أن المكرهة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة لأن الإِكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات ولذلك حرم على المكره القتل وأوجب عليه القصاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1920>[سورة النور (٢٤): آية ٣٤]</span>\nوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)\nوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ يعني الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت فيها الأحكام والحدود، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بالكسر في هذا وفي «الطلاق» لأنها واضحات تصدقها الكتب المتقدمة والعقول المستقيمة من بين بمعنى تبين، أو لأنها بينت الأحكام والحدود. وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ أو ومثلًا من أمثال من قبلكم أي وقصة عجيبة مثل قصصهم، وهي قصة عائشة رضي الله تعالى عنها فإنها كقصة يوسف ومريم. وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ يعني ما وعظ به في تلك الآيات، وتخصيص المتقين لأنهم المنتفعون بها وقيل المراد بالآيات القرآن والصفات المذكورة صفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1921>[سورة النور (٢٤): آية ٣٥]</span>\nاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)","vol":"4","page":106},{"text":"اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولًا وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف كقولك: زيد كرم بمعنى ذو كرم، أو على تجوز إما بمعنى منور السموات والأرض وقد قرئ به فإنه تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار أو بالملائكة والأنبياء. أو مدبرهما من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم لأنهم يهتدون به في الأمور. أو موجدهما فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره وأصل الظهور هو الوجود كما أن أصل الخفاء هو العدم، والله ﷾ موجود بذاته موجد لما عداه. أو الذي به تدرك أو يدرك أهلها من حيث إنه يطلق على الباصرة لتعلقها به أو لمشاركتها له في توقف الإِدراك عليه ثم على البصيرة لأنها أقوى إدراكًا فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات الموجودات والمعدومات، وتغوص في بواطنها وتتصرف فيها بالتركيب والتحليل، ثم إن هذه الإِدراكات ليست لذاتها وإلا لما فارقتها فهي إذن من سبب يفيضها عليها وهو الله ﷾ إبتداء أو بتوسط من الملائكة والأنبياء ولذلك سموا أنوارًا، ويقرب منه قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه هادي من فيهما فهم بنوره يهتدون، وإضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه أو لاشتمالها على الأنوار الحسية والعقلية وقصور الإِدراكات عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما. مَثَلُ نُورِهِ صفة نوره العجيبة الشأن، وإضافته إلى ضميره ﷾ دليل على أن إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره. كَمِشْكاةٍ كصفة مشكاة، وهي الكوة الغير النافذة. وقرأ الكسائي برواية الدوري بالإِمالة. فِيها مِصْباحٌ سراج ضخم ثاقب، وقيل المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل والمصباح الفتيلة المشتعلة. الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ في قنديل من الزجاج. الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ مضيء متلألئ كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب إلى الدرء وفعيل كمريق من الدرء فإنه يدفع الظلام بضوئه، أو بعض ضوئه بعضًا من لمعانه إلا أنه قلبت همزته ياء ويدل عليه قراءة حمزة وأبي بكر على الأصل، وقراءة أبي عمرو والكسائي «درىء» كشريب وقد قرئ به مقلوبًا. يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ أي إبتداء ثقوب المصباح من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه بأن رويت ذبالته بزيتها، وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثم إبدال الزيتونة عنها تفخيم لشأنها، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالياء والبناء للمفعول من أوقد وحمزة والكسائي وأبو بكر بالتاء كذلك على إسناده إلى الزُّجاجَةُ بحذف المضاف، وقرئ «توقد» من تتوقد ويوقد بحذف التاء لاجتماع زيادتين وهو غريب. لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ تقع الشمس عليها حينًا بعد حين بل بحيث تقع عليها طول النهار كالتي تكون على قلة، أو صحراء واسعة فإن ثمرتها تكون أنضج وزيتها أصفى، أو لا نابتة في شرق المعمورة وغربها بل في وسطها وهو الشام فإن زيتونه أجود الزيتون، أو لا في مضحى تشرق الشمس عليها دائمًا فتحرقها أو في مقيأة تغيب عنها دائمًا فتتركها نيئًا\nوفي الحديث «لا خير في شجرة ولا نبات في مقيأة ولا خير فيهما في مضحى» .\nيَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ أي يكاد يضيء بنفسه من غير نار لتلألئه وفرط وبيصه. نُورٌ عَلى نُورٍ نور متضاعف فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت وزهرة القنديل وضبط المشكاة لأشعته، وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه، الأول: أنه تمثيل للهدى الذي دلت عليه الآيات المبينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة، أو تشبيه للهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح، وإنما ولي الكاف المشكاة لاشتمالها عليه، وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس، أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث فيها من مصباحها، ويؤيده قراءة أبي: «مثل نور المؤمن»، أو تمثيل لما منح الله به عباده من القوى الداركة الخمس المترتبة التي منوط بها المعاش والمعاد وهي: الحساسة التي تدرك بها المحسوسات","vol":"4","page":107},{"text":"بالحواس الخمس، والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت، والعاقلة التي تدرك الحقائق الكلية، والمفكرة وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم تعلم، والقوة القدسية التي تتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء المعنية بقوله تعالى:\nوَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا بالأشياء الخمسة المذكورة في الآية وهي: «المشكاة»، و«الزجاجة»، و«المصباح»، و«الشجرة»، و«الزيت»، فإن الحساسة كالمشكاة لأن محلها كالكوى ووجهها إلى الظاهر لا تدرك ما وراءها وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات، والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب وضبطها للأنوار العقلية وإنارتها بما تشمل عليه من المعقولات، والعاقلة كالمصباح لإِضاءتها بالإِدراكات الكلية والمعارف الإِلهية، والمفكرة كالشجرة المباركة لتأديتها إلى ثمرات لا نهاية لها الزيتونة المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصابيح التي لا تكون شرقية ولا غربية لتجردها عن اللواحق الجسمية، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة في القبيلين منتفعة من الجانبين، والقوة القدسية كالزيت فإنها لصفائها وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف من غير تفكر ولا تعلم، أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك فإنها في بدء أمرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها كالمشكاة، ثم تنتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات بحيث تتمكن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها قابلة للأنوار، وذلك التمكن إن كان بفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة وإن كان بالحدس فكالزيت، وإن كان بقوة قدسية فكالتي يكاد زيتها يضيء لأنها تكاد تعلم ولو لم تتصل بملك الوحي والإِلهام الذي مثله النار من حيث إن العقول تشتعل عنه، ثم إذا حصلت لها العلوم بحيث تتمكن من استحضارها متى شاءت كانت كالمصباح، فإذا استحضرتها كانت نورًا على نور. يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ لهذا النور الثاقب. مَنْ يَشاءُ فإن الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تمامها.\nوَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ إدناء للمعقول من المحسوس توضيحًا وبيانًا. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ معقولًا كان أو محسوسًا ظاهرًا كان أو خفيًا، وفيه وعد ووعيد لمن تدبرها ولمن لم يكترث بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1922>[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)\nفِي بُيُوتٍ متعلق بما قبله أي كمشكاة في بعض بيوت، أو توقد في بعض بيوت فيكون تقييد للممثل به بما يكون تحبيرًا ومبالغة فيه فإن قناديل المساجد تكون أعظم، أو تمثيلًا لصلاة المؤمنين أو أبدانهم بالمساجد، ولا ينافي جمع البيوت وحدة المشكاة إذ المراد بها ماله هذا الوصف بلا اعتبار وحدة ولا كثرة أو بما بعده وهو يسبح، وفيها تكرير مؤكد لا بيذكر لأنه من صلة أن لا فلا يعمل فيما قبله أو بمحذوف مثل سبحوا في بيوت، والمراد بها المساجد لأن الصفة تلائمها. وقيل المساجد الثلاثة والتنكير للتعظيم. أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ بالبناء أو التعظيم. وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ عام فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله والمباحثة في أحكامه. يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ينزهونه أي يصلون له فيها بالغدوات والعشيات، والغدو مصدر أطلق للوقت ولذلك حسن اقترانه بالآصال وهو جمع أصيل، وقرئ «والابصال» وهو الدخول في الأصيل وقرأ ابن عامر وأبو بكر «يسبح» بالفتح على إسناده إلى أحد الظروف الثلاثة ورفع رجال بما يدل عليه، وقرئ تسبح بالتاء مكسورًا لتأنيث الجمع ومفتوحًا على إسناده إلى أوقات الغدو.\nرِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ لا تشغلهم معاملة رابحة. وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ مبالغة بالتعميم بعد التخصيص إن أريد به مطلق المعارضة، أو بإفراد ما هو الأهم من قسمي التجارة فإن الربح يتحقق بالبيع ويتوقع بالشراء، وقيل المراد بالتجارة الشراء فإنه أصلها ومبدؤها، وقيل الجلب لأنه الغالب فيها ومنه يقال","vol":"4","page":108},{"text":"تجر في كذا إذا جلبه وفيه إيماء بأنهم تجار. وَإِقامِ الصَّلاةِ عوض فيه الإِضافة من التاء المعوضة عن العين الساقطة بالإِعلال كقوله:\nوَأَخْلَفُوكَ عد الأَمرِ الَّذِي وَعَدُوا وَإِيتاءِ الزَّكاةِ ما يجب إخراجه من المال للمستحقين. يَخافُونَ يَوْمًا مع ما هم عليه من الذكر والطاعة. تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ تضطرب وتتغير من الهول، أو تتقلب أحوالها فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه وتبصر الأبصار ما لم تكن تبصر، أو تتقلب القلوب مع توقع النجاة وخوف الهلاك والأبصار من أي ناحية يؤخذ بهم ويؤتى كتابهم.\nلِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ متعلق بيسبح أو لا تلهيهم أو يخافون. أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا أحسن جزاء ما عملوا الموعود لهم من الجنة. وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أشياء لم يعدهم بها على أعمالهم ولم تخطر ببالهم. وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ تقرير للزيادة وتنبيه على كمال القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الإِحسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1923>[سورة النور (٢٤): آية ٣٩]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩)\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ والذين كفروا حالهم على ضد ذلك فإن أعمالهم التي يحسبونها صالحة نافعة عند الله يجدونها لاغية مخيبة في العاقبة كالسراب، وهو ما يرى في الفلاة من لمعان الشمس عليها وقت الظهيرة فيظن أنه ماء يسرب أي يجري، والقيعة بمعنى القاع وهو الأرض الخالية عن النبات وغيره المستوية، وقيل جمعه كجار وجيرة وقرئ «بقيعات» كديمات في ديمة. يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً أي العطشان وتخصيصه لتشبيه الكافر به في شدة الخيبة عند مسيس الحاجة. حَتَّى إِذا جاءَهُ جاء ما توهمه ماء أو موضعه. لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا مما ظنه. وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ عقابه أو زبانيته أو وجده محاسبًا إياه. فَوَفَّاهُ حِسابَهُ استعراضًا أو مجازاة. وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ لا يشغله حساب عن حساب.\nروي أنها نزلت في عتبة ابن ربيعة بن أمية تعبد في الجاهلية والتمس الدين فلما جاء الإِسلام كفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1924>[سورة النور (٢٤): آية ٤٠]</span>\nأَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)\nأَوْ كَظُلُماتٍ عطف على كَسَرابٍ وأَوْ للتخيير فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب، ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب، أو للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب وإن كانت قبيحة فكالظلمات، أو للتقسيم باعتبار وقتين فإنها كالظلمات في الدنيا وكالسراب في الآخرة. فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ذي لج أي عميق منسوب إلى اللج وهو معظم الماء.\nيَغْشاهُ يغشى البحر. مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ أي أمواج مترادفة متراكمة. مِنْ فَوْقِهِ من فوق الموج الثاني.\nسَحابٌ غطى النجوم وحجب أنوارها، والجملة صفة أخرى لل بَحْرٍ. ظُلُماتٌ أي هذه ظلمات.\nبَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وقرأ ابن كثير ظُلُماتٌ بالجر على إبدالها من الأولى أو بإضافة ال سَحابٌ إليها في رواية البزي. إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ وهي أقرب ما يرى إليه. لَمْ يَكَدْ يَراها لم يقرب أن يراها فضلًا أن يراها كقول ذي الرمة:\nإِذَا غَيَّرَ النَّأَي المُحِبِّينَ لَمْ يَكد ... رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ\nوالضمائر للواقع في البحر وإن لم يجر ذكره لدلالة المعنى عليه. وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا ومن لم","vol":"4","page":109},{"text":"يقدر له الهداية ولم يوفقه لأسبابها. فَما لَهُ مِنْ نُورٍ بخلاف الموفق الذي له نور على نور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1925>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)\nأَلَمْ تَرَ ألم تعلم علمًا يشبه المشاهدة في اليقين والوثاقة بالوحي أو الاستدلال. أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ينزه ذاته عن كل نقص وآفة أهل السموات والأرض، ومَنْ لتغليب العقلاء أو الملائكة والثقلان بما يدل عليه من مقال أو دلالة حال. وَالطَّيْرُ على الأول تخصيص لما فيها من الصنع الظاهر والدليل الباهر ولذلك قيدها بقوله: صَافَّاتٍ فإن إعطاء الأجرام الثقيلة ما به تقوى على الوقوف في الجو باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرة الصانع تعالى ولطف تدبيره.\nكُلٌّ كل واحد مما ذكر أو من الطير. قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ أي قد علم الله دعاءه وتنزيهه اختيارًا أو طبعًا لقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ أو علم كل على تشبيه حاله في الدلالة على الحق والميل إلى النفع على وجه يخصه بحال من علم ذلك مع أنه لا يبعد أن يلهم الله تعالى الطير دعاء وتسبيحًا كما ألهمها علومًا دقيقة في أسباب تعيشها لا تكاد تهتدي إليها العقلاء. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإنه الخالق لهما وما فيهما من الذوات والصفات والأفعال من حيث إنها ممكنة واجبة الانتهاء إلى الواجب. وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ مرجع الجميع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1926>[سورة النور (٢٤): آية ٤٣]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣)\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا يسوقه ومنه البضاعة المزجاة فإنه يزجيها كل أحد. ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ بأن يكون قزعًا فيضم بعضه إلى بعض، وبهذا الاعتبار صح بينه إذ المعنى بين أجزائه، وقرأ نافع برواية ورش يُؤَلِّفُ غير مهموز. ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا متراكمًا بعضه فوق بعض. فَتَرَى الْوَدْقَ المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ من فتوقه جمع خلل كجبال في جبل، وقرئ من «خلله» . وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ من الغمام وكل ما علاك فهو سماء. مِنْ جِبالٍ فِيها من قطع عظام تشبه الجبال في عظمها أو جمودها. مِنْ بَرَدٍ بيان للجبال والمفعول محذوف أي يُنَزِّلُ مبتدأ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ بردًا، ويجوز أن تكون من الثانية أو الثالثة للتبعيض واقعة موقع المفعول، وقيل المراد بالسماء المظلة وفيها جبال من برد كما في الأرض جبال من حجر، وليس في العقل قاطع يمنعه والمشهور أن الأبخرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبقة الباردة من الهواء وقوي البرد هناك اجتمع وصار سحابًا، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطرًا، وإن اشتد فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجًا وإِلا نزل بردًا، وقد يبرد الهواء بردًا مفرطًا فينقبض وينعقد سحابًا. ينزل منه المطر أو الثلج وكل ذلك لا بد أن يستند إلى إرادة الواجب الحكيم لقيام الدليل على أنها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالها وأوقاتها وإليها أشار بقوله: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ والضمير لل بَرَدٍ. يَكادُ سَنا بَرْقِهِ ضوء برقه، وقرئ بالمد بمعنى العلو وبإدغام الدال في السين «وبرقه» بضم الباء وفتح الراء وهو جمع برقة وهي المقدار من البرق كالغرفة وبضمها للاتباع. يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ بأبصار الناظرين إليه من فرط الإِضاءة وذلك أقوى دليل على كمال قدرته من حيث إنه توليد للضد من الضد، وقرئ «يَذْهَبُ» على زيادة الباء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1927>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nيُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)","vol":"4","page":110},{"text":"يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ بالمعاقبة بينهما أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور أو بما يعم ذلك. إِنَّ فِي ذلِكَ فيما تقدم ذكره. لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ لدلالة على وجود الصانع القديم وكمال قدرته وإحاطة علمه ونفاذ مشيئته وتنزهه عن الحاجة وما يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة.\nوَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ حيوان يدب على الأرض. وقرأ حمزة والكسائي «خالق كل دابة» بالإِضافة. مِنْ ماءٍ هو جزء مادته، أو ماء مخصوص هو النطفة فيكون تنزيلًا للغالب منزلة الكل إذ من الحيوانات ما يتولد عن النطفة، وقيل مِنْ ماءٍ متعلق ب دَابَّةٍ وليس بصلة ل خَلَقَ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ كالحية وإنما سمي الزحف مشيًا على الاستعارة أو المشاكلة. وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ كالإِنس والطير.\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ كالنعم والوحش ويندرج فيه ما له أكثر من أربع كالعناكب فإن اعتمادها إذا مشت على أربع، وتذكير الضمير لتغليب العقلاء والتعبير بمن عن الأصناف ليوافق التفصيل الجملة والترتيب لتقديم ما هو أعرف في القدرة. يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشاءُ مما ذكر ومما لم يذكر بسيطًا ومركبًا على اختلاف الصور والأعضاء والهيئات والحركات والطبائع والقوى والأفعال مع اتحاد العنصر بمقتضى مشيئته. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيفعل ما يشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1928>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٦ الى ٤٨]</span>\nلَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)\nلَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ للحقائق بأنواع الدلائل. وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ بالتوفيق للنظر فيها والتدبر لمعانيها. إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هو دين الإِسلام الموصل إلى درك الحق والفوز بالجنة.\nوَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ نزلت في بشر المنافق خاصم يهوديًا فدعاه إلى كعب بن الأشرف وهو يدعوه إلى النبي ﷺ. وقيل في مغيرة بن وائل خاصم عليّا ﵁ في أرض فأبى أن يحاكمه إلى رسول الله ﷺ. وَأَطَعْنا أي وأطعناهما. ثُمَّ يَتَوَلَّى بالامتناع عن قبول حكمه. فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ بعد قولهم هذا. وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى القائلين بأسرهم فيكون إعلامًا من الله تعالى بأن جميعهم وإن آمنوا بلسانهم لم تؤمن قلوبهم، أو إلى الفريق منهم وسلب الإيمان عنهم لتوليهم، والتعريف فيه للدلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفتهم وهم المخلصون في الإِيمان والثابتون عليه.\nوَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أي ليحكم النبي ﷺ فإنه الحاكم ظاهرًا والمدعو إليه، وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه ﷺ في الحقيقة حكم الله تعالى إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ فاجأ فريق منهم الإِعراض إذا كان الحق عليهم لعلمهم بأنك لا تحكم لهم، وهو شرح للتولي ومبالغة فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1929>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nوَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)\nوَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ أي الحكم لا عليهم. يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم، و","vol":"4","page":111},{"text":"إِلَيْهِ صلة ل يَأْتُوا أو ل مُذْعِنِينَ وتقديمه للاختصاص.\nأَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ كفر أو ميل إلى الظلم. أَمِ ارْتابُوا بأن رأوا منك تهمة فزال يقينهم وثقتهم بك.\nأَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ في الحكومة. بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول، ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محققًا عندهم أو متوقعًا وكلاهما باطل، لأن منصب نبوته وفرط أمانته ﷺ يمنعه فتعين الأول وظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف والفصل لنفي ذلك عن غيرهم سيما المدعو إلى حكمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1930>[سورة النور (٢٤): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nإِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢)\nإِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ على عادته تعالى في اتباع ذكر المحق المبطل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي، وقرئ قَوْلَ بالرفع ولِيَحْكُمَ على البناء للمفعول وإسناده إلى ضمير مصدره على معنى ليفعل الحكم.\nوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما يأمرانه أو في الفرائض والسنن. وَيَخْشَ اللَّهَ على ما صدر عنه من الذنوب. وَيَتَّقْهِ فيما بقي من عمره، وقرأ يعقوب وقالون عن نافع بلا ياء وأبو بكر وأبو عمرو بسكون الهاء، وحفص بسكون القاف فشبه تقه بكتف وخفف والهاء ساكنة في الوقف بالاتفاق. فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ بالنعيم المقيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1931>[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ\nإنكار للامتناع عن حكمه. لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ\nبالخروج عن ديارهم وأموالهم.\nلَيَخْرُجُنَ\nجواب ل أَقْسَمُوا\nعلى الحكاية. قُلْ لاَّ تُقْسِمُوا\nعلى الكذب. طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ\nأي المطلوب منكم طاعة معروفة لا اليمين على الطاعة النفاقية المنكرة. أو طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ\nأمثل منها أو لتكن طاعة، وقرئت بالنصب على أطيعوا طاعة. إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ\nفلا يخفى عليه سرائركم.\nقُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أمر بتبليغ ما خاطبهم الله به على الحكاية مبالغة في تبكيتهم. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ أي على محمد ﷺ. مَا حُمِّلَ من التبليغ. وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ من الامتثال. وَإِنْ تُطِيعُوهُ في حكمه. تَهْتَدُوا إلى الحق. وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ التبليغ الموضح لما كلفتم به، وقد أدى وإنما بقي مَّا حُمِّلْتُمْ فإن أديتم فلكم وإن توليتم فعليكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1932>[سورة النور (٢٤): آية ٥٥]</span>\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥)\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ خطاب للرسول ﷺ وللأمة أوله ولمن معه ومن للبيان لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ليجعلنهم خلفاء متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم، وهو جواب قسم مضمر تقديره وعدهم الله وأقسم ليستخلفنهم، أو الوعد في تحققه منزل منزلة القسم. كَمَا اسْتَخْلَفَ","vol":"4","page":112},{"text":"الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ\nيعني بني إسرائيل استخلفهم في مصر والشام بعد الجبابرة، وقرأ أبو بكر بضم التاء وكسر اللام وإذا ابتدأ ضم الألف والباقون بفتحهما وإذا ابتدءوا كسروا الألف. وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وهو الإِسلام بالتقوية والتثبيت. وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ من الأعداء، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بالتخفيف. أَمْنًا منهم وكان رسول الله ﷺ وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ثم هاجروا إلى المدينة وكان يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى أنجز الله وعده فأظهرهم على العرب كلهم وفتح لهم بلاد الشرق والغرب، وفيه دليل على صحة النبوة للإِخبار عن الغيب على ما هو به وخلافة الخلفاء الراشدين إذ لم يجتمع الموعود والموعود عليه لغيرهم بالإِجماع. وقيل الخوف من العذاب والأمن منه في الآخرة.\nيَعْبُدُونَنِي حال من الذين لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد، أو استئناف ببيان المقتضي للاستخلاف والأمن. لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا حال من الواو أي يعبدونني غير مشركين. وَمَنْ كَفَرَ ومن ارتد أو كفر هذه النعمة. بَعْدَ ذلِكَ كبعد الوعد أو حصول الخلافة. فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الكاملون في فسقهم حيث ارتدوا بعد وضوح مثل هذه الآيات، أو كفروا تلك النعمة العظيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1933>[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في سائر ما أمركم به ولا يبعد عطف ذلك على أطيعوا الله فإن الفاصل وعد على المأمور به، فيكون تكرير الأمر بطاعة الرسول ﷺ للتأكيد وتعليق الرحمة بها أو بالمندرجة هي فيه بقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ كما علق به الهدى.\nلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ لا تحسبن يا محمد الكفار معجزين لله عن إدراكهم وإهلاكهم، وفِي الْأَرْضِ صلة مُعْجِزِينَ. وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء على أن الضمير فيه لمحمّد ﷺ، والمعنى كما هو في القراءة بالتاء أو الَّذِينَ كَفَرُوا فاعل والمعنى ولا يحسبن الكفار في الأرض أحدًا معجزًا لله، فيكون مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ مفعوليه أو لا يحسبونهم مُعْجِزِينَ فحذف المفعول الأول لأن الفاعل والمفعولين لشيء واحد فاكتفى بذكر اثنين عن الثالث. وَمَأْواهُمُ النَّارُ عطف عليه من حيث المعنى كأنه قيل: الذين كفروا ليسوا بمعجزين ومأواهم النار، لأن المقصود من النهي عن الحسبان تحقيق نفي الإِعجاز.\nوَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ المأوى الّذي يصيرون إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1934>[سورة النور (٢٤): آية ٥٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ رجوع إلى تتمة الأحكام السالفة بعد الفراغ من الإِلهيات الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيرها والوعد عليها والوعيد على الإِعراض عنها، والمراد به خطاب الرجال والنساء غلب فيه الرجال لما روي أن غلام أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كرهته فنزلت.\nوقيل أرسل رسول الله ﷺ مدلج بن عمرو الأنصاري وكان غلامًا وقت الظهيرة ليدعو عمر، فدخل وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لوددت أن الله ﷿ نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذن، ثم انطلق معه إلى النبي ﷺ فوجده وقد أنزلت هذه الآية: وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ\nوالصبيان الذين لم يبلغوا من الأحرار فعبر عن البلوغ بالاحتلام لأنه أقوى دلائله. ثَلاثَ مَرَّاتٍ في اليوم والليلة مرة. مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ لأنه وقت القيام من","vol":"4","page":113},{"text":"المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة، ومحله النصب بدلًا من ثلاث مرات أو الرفع خبرًا لمحذوف أي هي من قبل صلاة الفجر. وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ أي ثيابكم لليقظة للقيلولة. مِنَ الظَّهِيرَةِ بيان للحين. وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ لأنه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف. ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ أي هي ثلاث أوقات يختل فيها تستركم، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره ما بعده وأصل العورة الخلل ومنها أعور المكان ورجل أعور. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي ثَلاثَ بالنصب بدلًا من ثَلاثَ مَرَّاتٍ. لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان، وليس فيه ما ينافي آية الاستئذان فينسخها لأنه في الصبيان ومماليك المدخول عليه وتلك في الأحرار البالغين. طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ أي هم طوافون استئناف ببيان العذر المرخص في ترك الاستئذان وهو المخالطة وكثرة المداخلة، وفيه دليل على تعليل الأحكام وكذا في الفرق بين الأوقات الثلاثة وغيرها بأنها عورات. بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ بعضكم طائف على بعض أو يطوف بعضكم على بعض. كَذلِكَ مثل ذلك التبيين. يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي الأحكام.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوالكم. حَكِيمٌ فيما شرع لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1935>[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٩ الى ٦٠]</span>\nوَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)\nوَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الذين بلغوا من قبلهم في الأوقات كلها، واستدل به من أوجب استئذان العبد البالغ على سيدته، وجوابه أن المراد بهم المعهودون الذين جعلوا قسيمًا للمماليك فلا يندرجون فيهم. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ كرره تأكيدًا ومبالغة في الأمر بالاستئذان.\nوَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ العجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحمل. اللَّاتِي لاَ يَرْجُونَ نِكاحًا لا يطمعن فيه لكبرهن. فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ أي الثياب الظاهرة كالجلباب، والفاء فيه لأن اللام في الْقَواعِدُ بمعنى اللاتي أو لوصفها بها. غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ غير مظهرات زينة مما أمرن بإخفائه في قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ وأصل التبرج التكلف في إظهار ما يخفى من قولهم: سفينة بارجة لا غطاء عليها، والبرج سعة العين بحيث يرى بياضها محيطًا بسوادها كله لا يغيب منه شيء، إلا أنه خص بكشف المرأة زينتها ومحاسنها للرجال. وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ من الوضع لأنه أبعد من التهمة. وَاللَّهُ سَمِيعٌ لمقالتهن للرجال. عَلِيمٌ بمقصودهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1936>[سورة النور (٢٤): آية ٦١]</span>\nلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)\nلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ نفي لما كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء حذرًا من استقذارهم، أو أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح ويبيح لهم التبسط فيه إذا خرج إلى الغزو وخلفهم على المنازل مخافة أن لا يكون ذلك من طيب قلب، أو من إجابة من دعوهم إلى","vol":"4","page":114},{"text":"بيوت آبائهم وأولادهم وأقاربهم فيطعمونهم كراهة أن يكونوا كلًا عليهم، وهذا إنما يكون إذا علم رضا صاحب البيت بإذن أو قرينة أو كان في أول الإِسلام ثم نسخ بنحو قوله لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ. وقيل نفي للحرج عنهم في القعود عن الجهاد وهو لا يلائم ما قبله ولا ما بعده. وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم فيدخل فيها بيوت الأولاد لأن بيت الولد كبيته\nلقوله ﵇ «أنت ومالك لأبيك»\n،\nوقوله ﵇ «إن أطيب ما يأكل المؤمن من كسبه وإن ولده من كسبه» .\nأَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ وهو ما يكون تحت أيديكم وتصرفكم من ضيعة أو ماشية وكالة أو حفظًا. وقيل بيوت المماليك والمفاتح جمع مفتح وهو ما يفتح به وقرئ «مفتاحه» . أَوْ صَدِيقِكُمْ أو بيوت صديقكم فإنهم أرضى بالتبسط في أموالهم وأسر به، وهو يقع على الواحد والجمع كالخليط، هذا كله إنما يكون إذا علم رضا صاحب البيت بإذن أو قرينة ولذلك خصص هؤلاء فإنه يعتاد التبسط بينهم، أو كان ذلك في أول الإِسلام فنسخ فلا احتجاج للحنفية به على أن لا قطع بسرقة مال المحرم. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا مجتمعين أو متفرقين نزلت في بني ليث ابن عمرو من كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده. أو في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا معه. أو في قوم تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الطبائع في القذارة والنهمة. فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا من هذه البيوت فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ على أهلها الذين هم منكم دينًا وقرابة. تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثابتة بأمره مشروعة من لدنه، ويجوز أن تكون صلة للتحية فإنه طلب الحياة وهي من عنده تعالى وانتصابها بالمصدر لأنها بمعنى التسليم. مُبارَكَةً لأنها يرجى بها زيادة الخير والثواب. طَيِّبَةً تطيب بها نفس المستمع.\nوعن أنس رضي الله تعالى عنه أنه ﵊ قال لي «متى لقيت أحدًا من أمتي فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين» .\nكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ كرره ثلاثًا لمزيد التأكيد وتفخيم الأحكام المختتمة به وفصل الأولين بما هو المقتضى لذلك وهذا بما هو المقصود منه فقال: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي الحق والخير في الأمور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1937>[سورة النور (٢٤): آية ٦٢]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أي الكاملون في الإيمان. الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ من صميم قلوبهم. وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأمور، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة وقرئ «أمر جميع» . لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ يستأذنوا رسول الله ﷺ فيأذن لهم، واعتباره في كمال الإِيمان لأنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص فيه عن المنافق فإن ديدنه التسلل والفرار، ولتعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه ولذلك أعاده مؤكدًا على أسلوب أبلغ فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة وأن الذهاب بغير إذن ليس كذلك. فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ما يعرض لهم من المهام، وفيه أيضًا مبالغة وتضييق الأمر. فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ تفويض للأمر إلى رأي الرسول ﷺ، واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه ومن منع ذلك قيد المشيئة بأن تكون تابعة لعلمه بصدقه فكأن المعنى: فائذن لمن علمت أن له عذرًا. وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ بعد الإِذن فإن الاستئذان ولو لعذر قصور لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لفرطات العباد.","vol":"4","page":115},{"text":"رَحِيمٌ بالتيسير عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1938>[سورة النور (٢٤): آية ٦٣]</span>\nلاَّ تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣)\nلاَّ تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضًا في جواز الإِعراض والمساهلة في الإِجابة والرجوع بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته ﵇ واجبة والمراجعة بغير إذنه محرمة. وقيل لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضًا باسمه ورفع الصوت به والنداء من وراء الحجرات، ولكن بلقبه المعظم مثل يا نبي الله، ويا رسول الله مع التوقير والتواضع وخفض الصوت، أو لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض فلا تبالوا بسخطه فإن دعاءه موجب، أو لا تجعلوا دعاءه ربه كدعاء صغيركم كبيركم يجيبه مرة ويرده أخرى فإن دعاءه مستجاب. قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ ينسلون قليلًا قليلًا من الجماعة ونظير تسلل تدرج وتدخل. لِواذًا ملاوذة بأن يستتر بعضكم ببعض حتى يخرج، أو يلوذ بمن يؤذن له فينطلق معه كأنه تابعه وانتصابه على الحال وقرئ بالفتح. فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ يخالفون أمره بترك مقتضاه ويذهبون سمتًا خلاف سمته، وعَنْ لتضمنه معنى الإِعراض أو يصدون عن أمره دون المؤمنين من خالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه، وحذف المفعول لأن المقصود بيان المخالف والمخالف عنه والضمير لله تعالى، فإن الأمر له في الحقيقة أو للرسول فإنه المقصود بالذكر. أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ محنة في الدنيا. أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة واستدل به على أن الأمر للوجوب فإنه يدل على أن ترك مقتضى الأمر مقتض لأحد العذابين، فإن الأمر بالحذر عنه يدل على خشية المشروط بقيام المقتضي له وذلك يستلزم الوجوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1939>[سورة النور (٢٤): آية ٦٤]</span>\nأَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)\nأَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أيها المكلفون من المخالفة والموافقة والنفاق والإِخلاص، وإنما أكد علمه ب قَدْ لتأكيد الوعيد. وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ يوم يرجع المنافقون إليه للجزاء، ويجوز أن يكون الخطاب أيضًا مخصوصًا بهم على طريق الإِلتفات، وقرأ يعقوب بفتح الياء وكسر الجيم.\nفَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا من سوء الأعمال بالتوبيخ والمجازاة عليه. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يخفى عليه خافية.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي» .","vol":"4","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1940>(٢٥) سورة الفرقان</span>\nمكية وآيها سبع وسبعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1941>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)\nتَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ تكاثر خيره من البركة وهي كثرة الخير، أو تزايد على كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، فإن البركة تتضمن معنى الزيادة، وترتيبه عن إنزاله الْفُرْقانَ لما فيه من كثرة الخير أو لدلالته على تعاليه. وقيل دام من بروك الطير على الماء ومنه البركة لدوام الماء فيها، وهو لا يتصرف فيه ولا يستعمل إلا لله تعالى والْفُرْقانَ مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما سمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل بتقريره أو المحق والمبطل بإعجازه أو لكونه مفصولًا بعضه عن بعض في الإنزال، وقرئ «على عباده» وهم رسول الله ﷺ وأمته كقوله تعالى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ أو الأنبياء على أن الْفُرْقانَ اسم جنس للكتب السماوية. لِيَكُونَ العبد أو الفرقان. لِلْعالَمِينَ للجن والإِنس. نَذِيرًا منذرًا أو إنذارًا كالنكير بمعنى الإِنكار، هذه الجملة وإن لم تكن معلومة لكنها لقوة دليلها أجريت مجرى المعلوم وجعلت صلة.\nالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بدل من الأول أو مدح مرفوع أو منصوب. وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا كزعم النصارى. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ كقول الثنوية أثبت له الملك مطلقًا ونفى ما يقوم مقامه وما يقاومه فيه ثم نبه على ما يدل عليه فقال: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ أحدثه إحداثًا مراعى فيه التقدير حسب إرادته كخلقه الإِنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة. فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا فقدره وهيأه لما أراد منه من الخصائص والأفعال، كتهيئة الإِنسان للإِدراك والفهم والنظر والتدبير واستنباط الصنائع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك، أو فَقَدَّرَهُ للبقاء إلى أجل مسمى. وقد يطلق الخلق لمجرد الإِيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق فيكون المعنى وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده حتى لا يكون متفاوتًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1942>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا (٣) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا (٤)\nوَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لما تضمن الكلام إثبات التوحيد والنبوة أخذ في الرد على المخالفين فيهما.\nلاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ لأن عبدتهم ينحتونهم ويصورونهم. وَلا يَمْلِكُونَ ولا يستطيعون.\nلِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا دفع ضر. وَلا نَفْعًا ولا جلب نفع. وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا ولا يملكون إماتة أحد وإحياءه أولًا وبعثه ثانيًا ومن كان كذلك فبمعزل عن الأُلوهية لعرائه عن لوازمها واتصافه بما ينافيها، وفيه تنبيه على أن الإِله يجب أن يكون قادرًا على البعث والجزاء.","vol":"4","page":117},{"text":"وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ كذب مصروف عن وجهه. افْتَراهُ اختلقه. وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ أي اليهود فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم وهو يعبر عنها بعبارته، وقيل جبر ويسار وعداس وقد سبق في قوله إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ. فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا بجعل الكلام المعجز إِفْكٌ مختلقًا متلقفًا من اليهود.\nوَزُورًا بنسبة ما هو بريء منه إليه وأتى وجاء يطلقان بمعنى فعل فيعديان تعديته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1943>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)\nوَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ما سطره المتقدمون. اكْتَتَبَها كتبها لنفسه أو استكتبها، وقرئ على البناء للمفعول لأنه أمي وأصله: اكتتبها كاتب له، فحذف اللام وأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب ثم حذف الفاعل وبني الفعل للضمير فاستتر فيه. فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ليحفظها فإنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب أو لتكتب.\nقُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأنه أعجزكم عن آخِركم بفصاحته وتضمنه أخبارًا عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار فكيف تجعلونه أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته عليها واستحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1944>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)\nوَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ ما لهذا الذي يزعم الرسالة وفيه استهانة وتهكم. يَأْكُلُ الطَّعامَ كما نأكل.\nوَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لطلب المعاش كما نمشي، والمعنى إن صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا، وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأحوال نفسانية كما أشار إليه تعالى بقوله قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا لنعلم صدقه بتصديق الملك.\nأَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ فيستظهر به ويستغني عن تحصيل المعاش. أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها هذا على سبيل التنزل أي إن لم يلق إليه كنز فلا أقل من أن يكون له بستان كما للدهاقين والمياسير فيتعيش بريعه، وقرأ حمزة والكسائي بالنون والضمير للكفار. وَقالَ الظَّالِمُونَ وضع الظَّالِمُونَ موضع ضميرهم تسجيلًا عليهم بالظلم فيما قالوه. إِنْ تَتَّبِعُونَ ما تتبعون. إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا سحر فغلب على عقله، وقيل ذا سحر وهو الرئة أي بشرًا لا ملكا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1945>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)\nانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي قالوا فيك الأقوال الشاذة واخترعوا لك الأحوال النادرة. فَضَلُّوا عن الطريق الموصل إلى معرفة خواص النبي والمميز بينه وبين المتنبي فخبطوا خبط عشواء. فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى القدح في نبوتك أو إلى الرشد والهدى.","vol":"4","page":118},{"text":"تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ في الدنيا. خَيْرًا مِنْ ذلِكَ مما قالوا لكن أخره إلى الآخرة لأنه خير وأبقى. جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ بدل من خَيْرًا. وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا عطف على محل الجزاء، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر بالرفع لأن الشرط إذا كان ماضيًا جاز في جزائه الجزم والرفع كقوله:\nوَإِنَّ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ... يَقُولُ لا غائب مالي ولا حَرَمُ\nويجوز أن يكون استئنافًا بوعد ما يكون له في الآخرة، وقرئ بالنصب على أنه جواب بالواو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1946>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nبَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)\nبَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوية وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فطعنوا فيك لفقرك، أو فلذلك كذبوك لا لما تمحلوا من المطاعن الفاسدة، أو فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب ويصدقونك بما وعد الله لك في الآخرة، أو فلا تعجب من تكذيبهم إياك فإنه أعجب منه. وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا نارًا شديدة الاستعار، وقيل هو اسم لجهنم فيكون صرفه باعتبار المكان.\nإِذا رَأَتْهُمْ إِذا كانت بمرأى منهم\nكقوله ﵇ «لا تتراءى ناراهما»\nأي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز والتأنيث لأنه بمعنى النار أو جهنم. مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ هو أقصى ما يمكن أن يرى منه. سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا صوت تغيظ، شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه، هذا وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبنية أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر. وقيل إن ذلك لزبانيتها فنسب إليها على حذف المضاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1947>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا (١٣) لاَّ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)\nوَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا في مكان ومنها بيان تقدم فصار حالًا. ضَيِّقًا لزيادة العذاب فإن الكرب مع الضيق والروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها كعرض السموات والأرض. مُقَرَّنِينَ قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل. دَعَوْا هُنالِكَ في ذلك المكان. ثُبُورًا هلاكًا أي يتمنون الهلاك وينادونه فيقولون تعال يا ثبوراه فهذا حينك.\nلاَّ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا أي يقال لهم ذلك. وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا لأن عذابكم أنواع كثيرة كل نوع منها ثبور لشدته، أو لأنه يتجدد لقوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ أو لأنه لا ينقطع فهو في كل وقت ثبور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1948>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nقُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا (١٦)\nقُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الإِشارة إلى العذاب والاستفهام والتفضيل والترديد للتقريع مع التهكم أو إلى ال كَنْزٌ وال جَنَّةٌ، والراجع إلى الموصول محذوف وإضافة ال جَنَّةُ إلى الْخُلْدِ للمدح أو للدلالة على خلودها، أو التمييز عن جنات الدنيا. كانَتْ لَهُمْ في علم الله أو اللوح، أو لأن ما وعده الله تعالى في تحققه كالواقع. جَزاءً على أعمالهم بالوعد. وَمَصِيرًا ينقلبون إليه، ولا يمنع كونها جزاء لهم أن يتفضل بها على غيرهم برضاهم مع جواز أن يراد بالمتقين من يتقي الكفر والتكذيب","vol":"4","page":119},{"text":"لأنهم في مقابلتهم.\nلَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ ما يشاءونه من النعيم، ولعله تقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبته إذ الظاهر أن الناقص لا يدرك شأو الكامل بالتشهي، وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة.\nخالِدِينَ حال من أحد ضمائرهم. كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا الضمير في كانَ ل ما يَشاؤُنَ والوعد الموعود أي: كان ذلك موعودا حقيقًا بأن يسأل ويطلب، أو مسؤولًا سأله الناس في دعائهم رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ. أو الملائكة بقولهم رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ، وما في عَلى من معنى الوجوب لامتناع الخلف في وعده تعالى ولا يلزم منه الإِلجاء إلى الإِنجاز، فإن تعلق الإِرادة بالوعود مقدم على الوعد الموجب للإنجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1949>[سورة الفرقان (٢٥): آية ١٧]</span>\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)\nويوم نحشرهم للجزاء، وقرئ بكسر الشين وقرأ ابن كثير ويعقوب وحفص بالياء. وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعم كل معبود سواه تعالى، واستعمال مَا إما لأن وضعه أعم ولذلك يطلق لكل شبح يرى ولا يعرف، أو لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبودهم أو لتغليب الأصنام تحقيرًا أو اعتبار الغلبة عبادها، أو يخص الملائكة وعزيرًا والمسيح بقرينة السؤال والجواب، أو الأصنام ينطقها الله أو تتكلم بلسان الحال كما قيل في كلام الأيدي والأرجل. فَيَقُولُ أي للمعبودين وهو على تلوين الخطاب، وقرأ ابن عامر بالنون.\nأَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ لإِخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد النصيح، وهو استفهام تقريع وتبكيت للعبدة، وأصله أأضللتم أم ضَلُّوا فغير النظم ليلي حرف الاستفهام المقصود بالسؤال وهو المتولي للفعل دونه لأنه لا شبهه فيه وإلا لما توجه العتاب، وحذف صلة الضل مبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1950>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nقالُوا سُبْحانَكَ مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا (١٩)\nقالُوا سُبْحانَكَ تعجبًا مما قيل لهم لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون، أو جمادات لا تقدر على شيء أو إشعارًا بأنهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده فكيف يليق بهم إضلال عبيده، أو تنزيهًا لله تعالى عن الأنداد. مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا ما يصح لنا. أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ للعصمة أو لعدم القدرة فكيف يصح لنا أن ندعو غيرنا أن يتولى أحدا دونك، وقرئ نَتَّخِذَ على البناء للمفعول من اتخذ الذي له مفعولان كقوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ومفعوله الثاني مِنْ أَوْلِياءَ ومِنْ للتبعيض وعلى الأول مزيدة لتأكيد النفي. وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ بأنواع النعم فاستغرقوا في الشهوات. حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ حتى غفلوا عن ذكرك أو التذكر لآلائك والتدبر في آياتك، وهو نسبة للضلال إليهم من حيث إنه بكسبهم وإسناد له إلى ما فعل الله بهم فحملهم عليه، وهو عين ما ذهبنا إليه فلا ينتهض حجة علينا للمعتزلة.\nوَكانُوا في قضائك. قَوْمًا بُورًا هالكين مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع، أو جمع بائر كعائذ وعوذ.\nفَقَدْ كَذَّبُوكُمْ التفات إلى العبدة بالاحتجاج والإِلزام على حذف القول والمعنى فقد كذبكم المعبودون. بِما تَقُولُونَ في قولكم إنهم آلهة أو هؤلاء أضلونا والباء بمعنى في، أو مع المجرور بدل من","vol":"4","page":120},{"text":"الضمير، وعن ابن كثير بالياء أي: كَذَّبُوكُمْ بقولهم سُبْحانَكَ مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا. فَمَا يَسْتَطِيعُونَ أي المعبودون وقرأ حفص بالتاء على خطاب العابدين. صَرْفًا دفعًا للعذاب عنكم، وقيل حيلة من قولهم إنه ليتصرف أي يحتال. وَلا نَصْرًا يعينكم عليه. وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ أيها المكلفون. نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا هي النار والشرط وإن عم كل من كفر أو فسق لكنه في اقتضاء الجزاء مقيد بعدم المزاحم وفاقًا، وهو التوبة والإِحباط بالطاعة إجماعًا وبالعفو عندنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1951>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٠]</span>\nوَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)\nوَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ أي إلا رسلًا إنهم فحذف الموصوف لدلالة المرسلين عليه وأقيمت الصفة مقامه كقوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، ويجوز أن تكون حالًا اكتفى فيها بالضمير وهو جواب لقولهم مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ.\nوقرئ «يَمْشُونَ» أي تمشيهم حوائجهم أو الناس. وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ أيها الناس. لِبَعْضٍ فِتْنَةً ابتلاء ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء، والمرسلين بالمرسل إليهم ومناصبتهم لهم العداوة وإيذائهم لهم، وهو تسلية لرسول الله ﷺ على ما قالوه بعد نقضه، وفيه دليل على القضاء والقدر. أَتَصْبِرُونَ علة للجعل والمعنى وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً لنعلم أيكم يصبر ونظيره قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، أو حث على الصبر على ما افتتنوا به. وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا بمن يصبر أو بالصواب فيما يبتلي به وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1952>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢١]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)\nوَقالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لا يأملون. لِقاءَنا بالخير لكفرهم بالبعث، أولا يخافون لِقاءَنا بالشر على لغة تهامة، وأصل اللقاء الوصول إلى الشيء ومنه الرؤية فإنه وصول إلى المرئي، والمراد به الوصول إلى جزائه ويمكن أن يراد به الرؤية على الأول. لَوْلا هلا. أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ فتخبرنا بصدق محمد ﷺ، وقيل فيكونوا رسلًا إلينا. أَوْ نَرى رَبَّنا فيأمرنا بتصديقه واتباعه. لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي في شأنها حتى أرادوا لها ما يتفق لأفراد من الأنبياء الذين هم أكمل خلق الله في أكمل أوقاتها وما هو أعظم من ذلك.\nوَعَتَوْا وتجاوزوا الحد في الظلم. عُتُوًّا كَبِيرًا بالغًا أقصى مراتبه حيث عاينوا المعجزات القاهرة فأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية، واللام جواب قسم محذوف وفي الاستئناف بالجملة حسن وإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم كقوله:\nوَجَارَةُ جَسَّاسٍ أَبأنا بِنَابِهَا ... كُلَيْبًا عَلَتْ نَاب كليب بواؤها\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1953>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nيَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لاَ بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا (٢٣)\nيَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ ملائكة الموت أو العذاب، ويَوْمَ نصب باذكر أو بما دل عليه. لاَ بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ فإنه بمعنى يمنعون البشرى أو يعدمونها، ويَوْمَئِذٍ تكرير أو خبر ولِلْمُجْرِمِينَ تبيين أو خبر ثان أو ظرف لما يتعلق به اللام، أو ل بُشْرى إن قدرت منونة غير مبنية مع لا فإنها لا تعمل، ولِلْمُجْرِمِينَ إما عام يتناول حكمه حكمهم من طريق البرهان ولا يلزم من نفي البشرى لعامة المجرمين حينئذ نفي البشرى بالعفو والشفاعة في وقت آخر، وإما خاص وضع موضع ضميرهم تسجيلًا على جرمهم","vol":"4","page":121},{"text":"وإشعارًا بما هو المانع للبشرى والموجب لما يقابلها. وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا عطف على المدلول أي ويقول الكفرة حينئذ، هذه الكلمة استعاذة وطلبًا من الله تعالى أن يمنع لقاءهم وهي مما كانوا يقولون عند لقاء عدو أو هجوم مكروه، أو تقولها الملائكة بمعنى حراما محرما عليكم الجنة أو البشرى. وقرئ «حجْرًا» بالضم وأصله الفتح غير أنه لما اختص بموضع مخصوص غير كقعدك وعمرك ولذلك لا يتصرف فيه ولا يظهر ناصبه، ووصفه ب مَحْجُورًا للتأكيد كقولهم: موت مائت.\nوَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا أي وعمدنا إلى ما عملوا في كفرهم من المكارم كقرى الضيف وصلة الرحم وإغاثة الملهوف فأحبطناه لفقد ما هو شرط اعتباره، وهو تشبيه حالهم وأعمالهم بحال قوم استعصوا على سلطانهم فقدم إلى أشيائهم فمزقها وأبطلها ولم يبق لها أثرًا، وال هَباءً غبار يرى في شعاع يطلع من الكوة من الهبوة وهي الغبار، ومَنْثُورًا صفته شبه عملهم المحبط بالهباء في حقارته وعدم نفعه ثم بالمنثور منه في انتثاره بحيث لا يمكن نظمه أو تفرقه نحو أغراضهم التي كانوا يتوجهون به نحوها، أو مفعول ثالث من حيث إنه كالخبر بعد الخبر كقوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1954>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٢٤]</span>\nأَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)\nأَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا مكانًا يستقر فيه أكثر الأوقات للتجالس والتحادث. وَأَحْسَنُ مَقِيلًا مكانًا يؤوى إليه للاسترواح بالأزواج والتمتع بهن تجوزًا له من مكان القيلولة على التشبيه، أو لأنه لا يخلو من ذلك غالبًا إذ لا نوم في الجنة وفي أحسن رمز إلى ما يتميز به مقيلهم من حسن الصور وغيره من التحاسين، ويحتمل أن يراد بأحدهما المصدر أو الزمان إشارة إلى أن مكانهم وزمانهم أطيب ما يتخيل من الأمكنة والأزمنة، والتفضيل إما لإِرادة الزيادة مطلقًا أو بالإِضافة إلى ما للمترفين في الدنيا.\nروي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1955>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)\nوَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ أصله تتشقق فحذفت التاء، وأدغمها ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب.\nبِالْغَمامِ بسبب طلوع الغمام منها وهو الغمام المذكور في قوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ. وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا في ذلك الغمام بصحائف أعمال العباد، وقرأ ابن كثير «وننزل» وقرئ «ونزلت» «وأنزل» «وَنُزِّلَ الملائكة» بحذف نون الكلمة.\nالْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ الثابت له لأن كل ملك يبطل يومئذ ولا يبقى إلا ملكه فهو الخبر ولِلرَّحْمنِ صلته، أو تبيين ويَوْمَئِذٍ مفعول الْمُلْكُ لا الْحَقُّ لأنه متأخر أو صفته والخبر يَوْمَئِذٍ أو لِلرَّحْمنِ. وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا شديدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1956>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢٧ الى ٢٩]</span>\nوَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (٢٩)\nوَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ من فرط الحسرة، وعض اليدين وأكل البنان وحرق الأسنان ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما، والمراد ب الظَّالِمُ الجنس.\nوقيل عقبة بن أبي معيط كان يكثر مجالسة النبي ﷺ، فدعاه إلى ضيافته فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل، وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال صبأت فقال: لا، ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحيت منه","vol":"4","page":122},{"text":"فشهدت له، فقال لا أرضى منك إلا أن تأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه، فوجده ساجدًا في دار الندوة ففعل ذلك، فقال ﵊: لا ألقاك خارجًا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فأسر يوم بدر فأمر عليًا فقتله وطعن أبَيًا بِأُحُدْ في المبارزة فرجع إلى مكة ومات.\nيَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا طريقًا إلى النجاة أو طريقًا واحدًا وهو طريق الحق ولم تتشعب بي طرق الضلالة.\nيَا وَيْلَتى وقرئ بالياء على الأصل. لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا يعني من أضله وفلان كناية عن الأعلام كما أن هنا كناية عن الأجناس.\nلَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ عن ذكر الله أو كتابه أو موعظة الرسول، أو كلمة الشهادة. بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وتمكنت منه. وَكانَ الشَّيْطانُ يعني الخليل المضل أو إبليس لأنه حمله على مخالته ومخالفة الرسول، أو كل من تشيطن من جن وإنس. لِلْإِنْسانِ خَذُولًا يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك ثم يتركه ولا ينفعه، فعول من الخذلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1957>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nوَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)\nوَقالَ الرَّسُولُ محمد يومئذ أو في الدنيا بثًا إلى الله تعالى. يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي قريشًا. اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا بأن تركوه وصدوا عنه،\nوعنه ﵊ «من تعلم القرآن وعلق مصحفه ولم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقًا به يقول: يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورًا اقض بيني وبينه»\nأو هجروا ولغوا فيه إذا سمعوه أو زعموا أنه هجر وأساطير الأولين، فيكون أصله مَهْجُورًا فيه فحذف الجار ويجوز أن يكون بمعنى الهجر كالمجلود والمعقول، وفيه تخويف لقومه فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب.\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ كما جعلناه لك فاصبر كما صبروا، وفيه دليل على أنه خالق الشر، والعدو يحتمل الواحد والجمع. وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا إلى طريق قهرهم. وَنَصِيرًا لك عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1958>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٣٢]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أي أنزل عليه كخبر بمعنى أخبر لئلا يناقض قوله: جُمْلَةً واحِدَةً دفعة واحدة كالكتب الثلاثة، وهو اعتراض لا طائل تحته لأن الإِعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقًا مع أن للتفريق فوائد منها ما أشار إليه بقوله: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ أي كذلك أنزلناه مفرقا لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه، لأن حاله يخالف حال موسى وداود وعيسى حيث كان ﵊ أميًا وكانوا يكتبون، فلو ألقي عليه جملة لعيل بحفظه، ولعله لم يستتب له فإن التلقف لا يتأتى إلا شيئًا فشيئًا، ولأن نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وغوص في المعنى، ولأنه إذا نزل منجمًا وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه، ولأنه إذا نزل به جبريل حالًا بعد حال يثبت به فؤاده ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية، فإنه يعين على البلاغة، وكذلك صفة مصدر محذوف والإِشارة إلى إنزاله مفرقًا فإنه مدلول عليه بقوله لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ويحتمل أن يكون من تمام كلام الكفرة ولذلك وقف عليه فيكون حالًا والإِشارة إلى الكتب السابقة، واللام على الوجهين متعلق بمحذوف. وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وقرأناه عليك شيئًا بعد شيء على تؤدة وتمهل في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفليجها.","vol":"4","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1959>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nوَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)\nوَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ سؤال عجيب كأنه مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك. إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ الدامغ له في جوابه. وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا وبما هو أحسن بيانًا أو معنى من سؤالهم، أو لا يَأْتُونَكَ بحال عجيبة يقولون هلا كانت هذه حاله إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا وما هو أحسن كشفًا لما بعثت له.\nالَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أي مقلوبين أو مسحوبين عليها، أو متعلقة قلوبهم بالسفليات متوجهة وجوههم إليها.\nوعنه ﵊ «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف، صنف على الدواب وصنف على الأقدام وصنف على الوجوه»\nوهو ذم منصوب أو مرفوع أو مبدأ خبره. أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا والمفضل عليه هو الرسول ﷺ على طريقة قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ كأنه قيل إن حاملهم على هذه الأسئلة تحقير مكانه وتضليل سبيله ولا يعلمون حالهم ليعلموا أنهم شر مكانًا وأضل سبيلًا، وقيل إنه متصل بقوله أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي للمبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1960>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٥ الى ٣٧]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٣٧)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا يوازره في الدعوة وإعلاء الكلمة ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة، لأن المتشاركين في الأمر متوازرون عليه.\nفَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا يعني فرعون وقومه. بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا أي فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم، فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود منها وهو إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم والتعقيب باعتبار الحكم لا الوقوع، وقرئ «فدمرتهم» «فدمراهم» «فدمرانهم» على التأكيد بالنون الثقيلة.\nوَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ كذبوا نوحًا ومن قبله، أو نوحًا وحده ولكن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب الكل أو بعثة الرسل مطلقًا كالبراهمة. أَغْرَقْناهُمْ بالطوفان. وَجَعَلْناهُمْ وجعلنا إغراقهم أو قصتهم. لِلنَّاسِ آيَةً عبرة. وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا يحتمل التعميم والتخصيص فيكون وضعًا للظاهر موضع المضمر تظليما لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1961>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nوَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًاّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًاّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا (٣٩)\nوَعادًا وَثَمُودَ عطف على هم في جَعَلْناهُمْ أو على «الظالمين» لأن المعنى ووعدنا الظالمين، وقرأ حمزة وحفص «وثمود» على تأويل القبيلة. وَأَصْحابَ الرَّسِّ قوم كان يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم شعيبًا فكذبوه، فبينما هم حول الرس وهي البئر الغير المطوية فانهارت فخسف بهم وبديارهم. وقيل الرَّسِّ قرية بفلج اليمامة كان فيها بقايا ثمود فبعث إليهم نبي فقتلوه فهلكوا. وقيل الأخدود وقيل بئر بأنطاكية قتلوا","vol":"4","page":124},{"text":"فيها حبيبًا النجار، وقيل هم أصحاب حنظلة بن صفوان النبي ابتلاهم الله تعالى بطير عظيم كان فيها من كل لون، وسموها عنقاء لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتخ أو دمخ وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إذا أعوزها الصيد، ولذلك سميت مغربًا فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ثم أنهم قتلوه فأهلكوا.\nوقيل هم قوم كذبوا نبيهم ورسوه أي دسوه في بئر. وَقُرُونًا وأهل أعصار قيل القرن أربعون سنة وقيل سبعون وقيل مائة وعشرون. بَيْنَ ذلِكَ إشارة إلى ما ذكر. كَثِيرًا لا يعلمها إلا الله.\nوَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين إنذارًا وإعذارًا فلما أصروا أهلكوا كما قال: وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا فتتناه تفتيتًا ومنه التبر لفتات الذهب والفضة، وَكُلًّا الأول منصوب بما دل عليه ضَرَبْنا كأنذرنا والثاني ب تَبَّرْنا لأنه فارغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1962>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٠]</span>\nوَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)\nوَلَقَدْ أَتَوْا يعني قريشًا مروا مرارًا في متاجرهم إلى الشام. عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ يعني سدوم عظمى قرى قوم لوط أمطرت عليها الحجارة. أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها في مرار مرورهم فيتعظوا بما يرون فيها من آثار عذاب الله. بَلْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُورًا بل كانوا كفرة لا يتوقعون نشورًا ولا عاقبة فلذلك لم ينظروا ولم يتعظوا فمروا بها كما مرت ركابهم، أو لا يأملون نشورًا كما يأمله المؤمنون طمعًا في الثواب، أو لا يخافونه على اللغة التهامية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1963>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)\nوَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ما يتخذونك إلا موضع هزء أو مهزوءًا به. أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا محكي بعد قول مضمر والإِشارة للاستحقار، وإخراج بعث الله رسولًا في معرض التسليم يجعله صلة وهم على غاية الإنكار تهكم واستهزاء ولولاه لقالوا أهذا الذي زعم أنه بعثه الله رسولًا.\nإِنْ إنه كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا ليصرفنا عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدعاء إلى التوحيد وكثرة ما يوردها مما يسبق إلى الذهن بأنها حجج ومعجزات. لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها ولَوْلا في مثله تقيد الحكم المطلق من حيث المعنى دون اللفظ. وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا كالجواب لقولهم إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا فإنه يفيد نفي ما يلزمه ويكون الموجب له، وفيه وعيد ودلالة على أنه لا يهملهم وإن أمهلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1964>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nأَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)\nأَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ بأن أطاعه وبنى عليه دينه لا يسمع حجة ولا يبصر دليلًا، وإنما قدم المفعول الثاني للعناية به. أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا حفيظًا تمنعه عن الشرك والمعاصي وحاله هذا فالاستفهام الأول للتقرير والتعجيب والثاني للإِنكار.\nأَمْ تَحْسَبُ بل أتحسب. أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ فتجدي لهم الآيات أو الحجج فتهتم بشأنهم وتطمع في إيمانهم، وهو أشد مذمة مما قبله حتى حق بالإِضراب عنه إليه، وتخصيص الأكثر لأنه كان","vol":"4","page":125},{"text":"منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكبارًا وخوفًا على الرئاسة. إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات. بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا من الأنعام لأنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار، ولأنها إن لم تعتقد حقًا ولم تكتسب خيرًا لم تعتقد باطلًا ولم تكتسب شرًا، بخلاف هؤلاء ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن وصد الناس عن الحق، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم وهؤلاء مقصرون ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1965>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)\nأَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ ألم تنظر إلى صنعه. كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ كيف بسطه أو ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك، فغير النظم إشعارًا بأنه المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه، أو ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس: يسخن الجو ويبهر البصر، ولذلك وصف به الجنة فقال وَظِلٍّ مَمْدُودٍ. وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثابتًا من السكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد. ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الأجرام، أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها.\nثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا أي أزلناه بإيقاع الشمس موقعه لما عبر عن أحداثه بالمد بمعنى التسيير عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الذي هو في معنى الكف. قَبْضًا يَسِيرًا قليلًا قليلًا حسبما ترتفع الشمس لينتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق، وثُمَّ في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها، وقيل مَدَّ الظِّلَّ لما بنى السماء بلا نير، ودحا الأرض تحتها فألقت عليها ظلها ولو شاء لجعله ثابتًا على تلك الحالة، ثم خلق الشمس عليه دليلًا، أي مسلطًا عليه مستتبعًا إياه كما يستتبع الدليل المدلول، أو دليل الطريق من يهديه فإنه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها، ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا شيئًا فشيئًا إلى أن تنتهي غاية نقصانه، أو قَبْضًا سهلًا عند قيام الساعة بقبض أسبابه من الأجرام المظلة والمظل عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1966>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا (٤٧)\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا شبه ظلامه باللباس في ستره. وَالنَّوْمَ سُباتًا راحة للأبدان بقطع المشاغل، وأصل السبت القطع أو موتًا كقوله: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ لأنه قطع الحياة ومنه المسبوت للميت. وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا ذا نشور أي انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش، أو بعث من النوم بعث الأموات فيكون إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور. وعن لقمان ﵇ يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1967>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماء طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)","vol":"4","page":126},{"text":"وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ وقرأ ابن كثير على التوحيد إرادة للجنس. نَشْرًا ناشرات للحساب جمع نشور، وقرأ ابن عامر بالسكون على التخفيف وحمزة والكسائي به وبفتح النون على أنه مصدر وصف به وعاصم بُشْرًا تخفيف بشر جمع بشور بمعنى مبشر بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يعني قدام المطر. وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً طَهُورًا مطهرًا لقوله لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ. وهو اسم لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به.\nقال ﵊ «التراب طهور المؤمن»،\n«طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعًا إحداهن بالتراب» .\nوقيل بليغًا في الطهارة وفعول وإن غلب في المعنيين لكنه قد جاء للمفعول كالضبوث وللمصدر كالقبول وللاسم كالذنوب، وتوصيف الماء به إشعارًا بالنعمة فيه وتتميم للمنة فيما بعده فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته، وتنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها فبواطنهم بذلك أولى.\nلِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا بالنبات وتذكير مَيْتًا لأن البلدة في معنى البلد، ولأنه غير جار على الفعل كسائر أبنية المبالغة فأجرى مجرى الجامد. وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا يعني أهل البوادي الذين يعيشون بالحيا ولذلك نكر الأنعام والأناسي، وتخصيصهم لأن أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار، والمنافع فيهم وبما حولهم من الأنعام غنية عن سقيا السماء وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب غالبًا مع أن مساق هذه الآيات كما هو للدلالة على عظم القدرة، فهو لتعداد أنواع النعمة والأنعام قنية الإِنسان وعامة منافعهم وعلية معايشهم منوطة بها، ولذلك قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها إحياء الأرض فإنه سبب لحياتها وتعيشها، وقرئ «نسفيه» بالفتح وسقى وأسقى لغتان، وقيل أسقاه جعل له سقيًا «وَأَنَاسِيَّ» بحذف ياء وهو جمع إنسي أو إنسان كظرابي في ظربان على أن أصله أناسين فقلبت النون ياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1968>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٠]</span>\nوَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (٥٠)\nوَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وسائر الكتب، أو المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطل وغيرهما، وعن ابن عباس ﵁:\n«ما عام أمطر من عام ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء وتلا هذه الآية» أو في الأنهار والمنافع.\nلِيَذَّكَّرُوا ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك ويقوموا بشكره، أو ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم. فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها، أو جحودها بأن يقولوا مطرنا بنوء كذا، ومن لا يرى الأمطار إلا من الأنواء كان كافرًا بخلاف من يرى أنها من خلق الله، والأنواء وسائط وأمارات بجعله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1969>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nوَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا (٥٢)\nوَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا نبيًا ينذر أهلها فيخف عليك أعباء النبوة لكن قَصَرْنَا الأمر عليك إجلالًا لك وتعظيمًا لشأنك وتفضيلًا لك على سائر الرسل، فَقَابِل ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق.\nفَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فيما يريدونك عليه، وهو تهييج له ﵊ وللمؤمنين. وَجاهِدْهُمْ بِهِ بالقرآن أو بترك طاعتهم الذي يدل عليه فلا تطع، والمعنى أنهم يجتهدون في إبطال حقك فقابلهم","vol":"4","page":127},{"text":"بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم. جِهادًا كَبِيرًا لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف، أو لأن مخالفتهم ومعاداتهم فيما بين أظهرهم مع عتوهم وظهورهم، أو لأنه جهاد مع كل الكفرة لأنه مبعوث إلى كافة القرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1970>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٥٣]</span>\nوَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)\nوَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان من مرج دابته إذا خلاها.\nهذا عَذْبٌ فُراتٌ قامع للعطش من فرط عذوبته. وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ بليغ الملوحة، وقرئ «مِلْحٌ» على فعل ولعل أصله مالح فخفف كبرد في بارد. وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا حاجزًا من قدرته. وَحِجْرًا مَحْجُورًا وتنافرًا بليغًا كأن كلًا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوذ للمتعوذ عنه، وقيل حدا محدودًا وذلك كدجلة تدخل البحر فتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها، وقيل المراد بالبحر العذب النهر العظيم مثل النيل وبالبحر الملح البحر الكبير وبالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض فتكون القدرة في الفصل واختلاف الصفة مع أن مقتضى طبيعة أجزاء كل عنصر أن تضامت وتلاصقت وتشابهت في الكيفية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1971>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا يعني الذي خمر به طينة آدم، أو جعله جزءًا من مادة البشر لتجتمع وتسلس وتقبل الأشكال والهيئات بسهولة، أو النطفة. فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا أي قسمه قسمين ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم، وذوات صهر أي إناثًا يصاهر بهن كقوله تعالى: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى.\nوَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا حيث خلق من مادة واحدة بشرًا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين، وربما يخلق من نطفة واحدة توأمين ذكرًا وأنثى.\nوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ يعني الأصنام أو كل ما عبد من دون الله إذ ما من مخلوق يستقل بالنفع والضر. وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك والمراد ب الْكافِرُ الجنس أو أبو جهل. وقيل هينًا مهينًا لا وقع له عنده من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك فيكون كقوله وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1972>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا للمؤمنين والكافرين.\nقُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ على تبليغ الرسالة الذي يدل عليه إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ إلا فعل مَن شَاء. أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أن يتقرب إليه ويطلب الزلفى عنده بالإِيمان والطاعة، فصور ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود فعله واستثناه منه قلعًا لشبهة الطمع وإظهارًا لغاية الشفقة، حيث اعتد بإنفاعك نفسك بالتعرض للثواب والتخلص عن العقاب أجرًا وافيًا مرضيًا به مقصورًا عليه، وإشعارًا بأن طاعتهم تعود عليه بالثواب من حيث إنها بدلالته. وقيل الاستثناء منقطع معناه لكن مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إلى ربه سبيلا فليفعل.","vol":"4","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1973>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nوَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)\nوَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ في استكفاء شرورهم والإِغناء عن أجورهم، فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم. وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ونزهه عن صفات النقصان مثنيًا عليه بأوصاف الكمال طالبًا لمزيد الأنعام بالشكر على سوابغه. وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بطن. خَبِيرًا مطلعًا فلا عليك أن آمنوا أو كفروا.\nالَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ قد سبق الكلام فيه، ولعل ذكره زيادة تقرير لكونه حقيقًا بأن يتوكل عليه من حيث إنه الخالق للكل والمتصرف فيه، وتحريض على الثبات والتأني في الأمر فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ أمره في كل مراد خلق الأشياء على تؤدة وتدرج، والرَّحْمنُ خبر للذي إن جعلته مبتدأ ولمحذوف إن جعلته صفة للحي، أو بدل من المستكن في اسْتَوى وقرئ بالجر صفة للحي. فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا فاسأل عما ذكر من الخلق والاستواء عالمًا يخبرك بحقيقته وهو الله تعالى، أَوْ جبريل أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه، وقيل الضمير للرحمن والمعنى إن أنكروا إطلاقه على الله تعالى فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم، وعلى هذا يجوز أن يكون الرَّحْمنُ مبتدأ والخبر ما بعده والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالياء لتضمنه معنى الاعتناء. وقيل إنه صلة خَبِيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1974>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا (٦٠) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله، أو لأنهم ظنوا أنه أراد به غيره ولذلك قالوا: أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا أي للذي تأمرناه يعني تأمرنا بسجوده أو لأمرك لنا من غير عرفان. وقيل لأنه كان معربًا لم يسمعوه. وقرأ حمزة والكسائي «يأمرنا» بالياء على أنه قول بعضهم لبعض.\nوَزادَهُمْ أي الأمر بالسجود لِلرَّحْمنِ. نُفُورًا عن الإِيمان.\nتَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا يعني البروج الاثني عشر سميت به وهي القصور العالية لأنها للكواكب السيارة كالمنازل لسكانها واشتقاقه من التبرج لظهوره. وَجَعَلَ فِيها سِراجًا يعني الشمس لقوله وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا. وقرأ حمزة والكسائي «سرجًا» وهي الشمس والكواكب الكبار. وَقَمَرًا مُنِيرًا مضيئا بالليل، وقرئ «وَقَمَرًا» أي ذا قمر وهو جمع قمراء ويحتمل أن يكون بمعنى القمر كالرشد والرشد والعرب والعرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1975>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٢]</span>\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا (٦٢)\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه، أو بأن يعتقبا لقوله تعالى: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ. وهي للحالة من خلف كالركبة والجلسة.\nلِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ بأن يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أن لا بد له من صانع حكيم واجب الذات رحيم على العباد. أَوْ أَرادَ شُكُورًا أن يشكر الله تعالى على ما فيه من النعم، أو ليكونا وقتين للمتذكرين الشاكرين من فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخرة، وقرأ حمزة أَنْ يَذَّكَّرَ من ذكر بمعنى تذكر وكذلك ليذكروا ووافقه الكسائي فيه.","vol":"4","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1976>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nوَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا (٦٤)\nوَعِبادُ الرَّحْمنِ مبتدأ خبره أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ أو: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ وإضافتهم إلى الرَّحْمنِ للتخصيص والتفضيل، أو لأنهم الراسخون في عبادته على أن عباد جمع عابد كتاجر وتجار.\nهَوْنًا هينين أو مشيًا هينًا مصدر وصف به والمعنى أنهم يمشون بسكينة وتواضع وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا تسلمًا منكم ومتاركة لكم لا خير بيننا ولا شر، أو سدادًا من القول يسلمون فيه من الإِيذاء والإِثم، ولا ينافيه آية القتال لتنسخه فإن المراد به الإِغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام.\nوَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا في الصلاة، وتخصيص البيتوتة لأن العبادة بالليل أحمز وأبعد عن الرياء وتأخير القيام للروي وهو جمع قائم أو مصدر أجري مجراه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1977>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nوَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٦٦)\nوَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا لازمًا ومنه الغريم لملازمته، وهو إيذان بأنهم مع حسن مخالطتهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق وجلون من العذاب مبتهلون إلى الله تعالى في صرفه عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم.\nإِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا أي بئست مستقرًا، وفيها ضمير مبهم يفسره المميز والمخصوص بالذم ضمير محذوف به ترتبط الجملة باسم إن، أو أحزنت وفيها ضمير اسم أن ومستقرًا حال أو تمييز والجملة تعليل للعلة الأولى أو تعليل ثان وكلاهما يحتملان الحكاية والإِبتداء من الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1978>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٧]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧)\nوَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا لم يجاوزوا حد الكرم. وَلَمْ يَقْتُرُوا ولم يضيقوا تضييق الشحيح.\nوقيل الإِسراف هو الإِنفاق في المحارم والتقتير منع الواجب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء ونافع وابن عامر والكوفيون بضم الياء وكسر التاء من أقتر، وقرئ بالتشديد والكل واحد. وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا وسطًا عدلًا سمي به لاستقامة الطرفين كما سمي سواء لاستوائهما، وقرئ بالكسر وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص وهو خبر ثان أو حال مؤكدة، ويجوز أن يكون الخبر بين ذلك لغوًا، وقيل إنه اسم كانَ لكنه مبني لإِضافته إلى غير متمكن وهو ضعيف لأنه بمعنى القوام فيكون كالإِخبار بالشيء عن نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1979>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٦٨ الى ٦٩]</span>\nوَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا (٦٩)\nوَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ أي حرمها بمعنى حرم قتلها. إِلَّا بِالْحَقِّ متعلق القتل المحذوف، أو بلا يقتلون وَلا يَزْنُونَ نفى عنهم أمهات المعاصي بعد ما أثبت لهم أصول الطاعات إظهارًا لكمال إيمانهم وإشعارًا بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك، وتعريضًا للكفرة بأضداده ولذلك عقبه بالوعيد تهديدًا لهم فقال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا جزاء إثم أو إثما بإضمار الجزاء، وقرئ «أيامًا» أي شدائد يقال يوم ذو أيام أي صعب.","vol":"4","page":130},{"text":"يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ بدل من يَلْقَ لأنه في معناه كقوله:\nمَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا فِي دِيَارِنَا ... تجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا\nوقرأ أبو بكر بالرفع على الاستئناف أو الحال وكذلك: وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا وابن كثير ويعقوب يضعف بالجزم وابن عامر بالرفع فيهما مع التشديد وحذف الأَلف في «يضعف»، وقرئ «وَيَخْلُدْ» على بناء المفعول مخففا، وقرئ مثقلًا وتضعيف العذاب مضاعفته لانضمام المعصية إلى الكفر ويدل عليه قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1980>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nإِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتابًا (٧١)\nإِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعتهم، أو يبدل ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة. وقيل بأن يوفقه لأضداد ما سلف منه، أو بأن يثبت له بدل كل عقاب ثوابًا. وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا فلذلك يعفو عن السيئات ويثيب على الحسنات.\nوَمَنْ تابَ عن المعاصي بتركها والندم عليها. وَعَمِلَ صالِحًا يتلافى به ما فرط، أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعة. فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ يرجع إلى الله بذلك. مَتابًا مرضيًا عند الله ماحيًا للعقاب محصلًا للثواب، أو يتوب متابًا إلى الله الذي يحب التائبين ويصطنع بهم أو فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعًا حسنًا وهو تعميم بعد تخصيص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1981>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nوَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا (٧٣)\nوَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ لا يقيمون الشهادة الباطلة، أو لا يحضرون محاضر الكذب فإن مشاهدة الباطل شركة فيه. وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ ما يجب أن يلقى ويطرح. مَرُّوا كِرامًا معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه، ومن ذلك الإِغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية فيما يستهجن التصريح به.\nوَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ بالوعظ أو القراءة. لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا لم يقيموا عليها غير واعين لها ولا متبصرين بما فيها كمن لا يسمع ولا يبصر، بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية، فالمراد من النفي نفي الحال دون الفعل كقولك: لا يلقاني زيد مسلمًا. وقيل الهاء للمعاصي المدلول عليها بِاللَّغْوِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1982>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٤]</span>\nوَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤)\nوَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل، فإن المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سر بهم قلبه وقرت بهم عينه لما يرى من مساعدتهم له في الدين وتوقع لحوقهم به في الجنة، ومِنْ إبتدائية أو بيانية كقولك: رأيت منك أسدًا، وقرأ حمزة وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر «وذريتنا» وقرأ ابن عامر والحرميان وحفص ويعقوب وَذُرِّيَّاتِنا بالألف، وتنكير ال أَعْيُنٍ لإِرادة تنكير ال قُرَّةَ تعظيمًا وتقليلها لأن المراد أعين المتقين وهي قليلة بالإِضافة إلى عيون غيرهم. وَاجْعَلْنا","vol":"4","page":131},{"text":"لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا\nيقتدون بنا في أمر الدين بإضافة العلم والتوفيق للعمل، وتوحيده إما للدلالة على الجنس وعدم اللبس كقوله ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا أو لأنه مصدر في أصله، أو لأن المراد واجعل كل واحد منا، أو لأنهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم. وقيل جمع آم كصائم وصيام ومعناه قاصدين لهم مقتدين بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1983>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nأُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٧٦)\nأُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ أعلى مواضع الجنة وهي اسم جنس أريد به الجمع كقوله تعالى: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ وللقراءة بها، وقيل هي من أسماء الجنة. بِما صَبَرُوا بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات ورفض الشهوات وتحمل المجاهدات. وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا دعاء بالتعمير والسلامة أي يحييهم الملائكة ويسلمون عليهم، أو يحيي بعضهم بعضا ويسلم عليه، أو تبقية دائمة وسلامة من كل آفة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر يُلَقَّوْنَ من لقي.\nخالِدِينَ فِيها لا يموتون فيها ولا يخرجون. حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا مقابل ساءَتْ مُسْتَقَرًّا معنى ومثله إعرابا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1984>[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٧]</span>\nقُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا (٧٧)\nقُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي ما يصنع بكم من عبأت الجيش إذا هيأته أو لا يعتد بكم. لَوْلا دُعاؤُكُمْ لولا عبادتكم فإن شرف الإنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة وإلا فهو وسائر الحيوانات سواء. وقيل معناه ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة وما إن جعلت استفهامية فمحلها النصب على المصدر كأنه قيل: أي عبء يعبأ بكم. فَقَدْ كَذَّبْتُمْ بما أخبرتكم به حيث خالفتموه. وقيل فقد قصرتم في العبادة من قولهم: كذب القتال إذا لم يبالغ فيه. وقرئ «فقد كذب الكافرون» أي الكافرون منكم لأن توجه الخطاب إلى الناس عامة بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب. فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا يكون جزاء التكذيب لازما يحيق بكم لا محالة، أو أثره لازما بكم حتى يكبكم في النار، وإنما أضمر من غير ذكر للتهويل والتنبيه على أنه لا يكتنهه الوصف، وقيل المراد قتل يوم بدر وأنه لوزم بين القتلى لزاما، وقرئ «لزاما» بالفتح بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الفرقان لقي الله وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها وأدخل الجنة بغير نصب» .","vol":"4","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1985>(٢٦) سورة الشعراء</span>\nمكية إِلا قَوْلُهُ تَعَالَى (وَالشُّعَراءُ يَتَبِعُهُمُ الغَاوُونَ) إلى آخرها وهي مائتان وست أو سبع وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1986>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)\nطسم قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالإِمالة، ونافع بين بين كراهة للعود إلى الياء المهروب منها، وأظهر نونه حمزة لأنه في الأصل منفصل عما بعده.\nتِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ الظاهر إعجازه وصحته، والإِشارة إلى السورة أو القرآن على ما قرر في أول «البقرة» .\nلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ قاتل نفسك، وأصل البخع أن يبلغ بالذبح النخاع وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى حد الذبح، وقرئ «باخع نَّفْسَكَ» بالإِضافة، ولعل للإِشفاق أي أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة.\nأَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ لئلا يؤمنوا أو خيفة أن لا يؤمنوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1987>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nإِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦)\nإِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً دلالة ملجئة إلى الإِيمان أو بلية قاسرة عليه. فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ منقادين وأصله فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع وترك الخبر على أصله.\nوقيل لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم. وقيل المراد بها الرؤساء أو الجماعات من قولهم:\nجاءنا عنق من الناس لفوج منهم، وقرئ «خاضعة» وظلت عطف على نُنَزِّلْ عطف وأكن على فأصدق لأنه لو قيل أنزلنا بدله لصح.\nوَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ موعظة أو طائفة من القرآن. مِنَ الرَّحْمنِ يوحيه إلى نبيه. مُحْدَثٍ مجدد إنزاله لتكرير التذكير وتنويع التقرير. إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ إلا جددوا إعراضًا عنه وإصرارًا على ما كانوا عليه.\nفَقَدْ كَذَّبُوا أي بالذكر بعد إعراضهم وأمعنوا في تكذيبه بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به المخبر به عنهم ضمنًا في قوله: فَسَيَأْتِيهِمْ أي إذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة. أَنْباءُ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من أنه كان حقًا أم باطلًا، وكان حقيقًا بأن يصدق ويعظم قدره أو يكذب فيستخف أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1988>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ أو لم ينظروا إلى عجائبها. كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ صنف كَرِيمٍ","vol":"4","page":133},{"text":"محمود كثير المنفعة، وهو صفة لكل ما يحمد ويرضى، وهاهنا يحتمل أن تكون مقيدة لما يتضمن الدلالة على القدرة، وأن تكون مبينة منبهة على أنه ما من نبت إلا وله فائدة إما وحده أو مع غيره، وكُلِّ لإِحاطة الأزواج وكَمْ لكثرتها.\nإِنَّ فِي ذلِكَ إن في إنبات تلك الأصناف أو في كل واحد. لَآيَةً على أن منبتها تام القدرة والحكمة، سابغ النعمة والرحمة. وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ في علم الله وقضائه فلذلك لا ينفعهم أمثال هذه الآيات العظام.\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب القادر على الانتقام من الكفرة. الرَّحِيمُ حيث أمهلهم أو العزيز في انتقامه ممن كفر الرحيم لمن تاب وآمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1989>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١)\nوَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى مقدر باذكر أو ظرف لما بعده. أَنِ ائْتِ أي ائْتِ أو بأن ائْتِ.\nالْقَوْمَ الظَّالِمِينَ بالكفر واستعباد بني إسرائيل وذبح أولادهم.\nقَوْمَ فِرْعَوْنَ بدل من الأول أو عطف بيان له، ولعل الإِقتصار على القوم للعلم بأن فرعون كان أولى بذلك. أَلا يَتَّقُونَ استئناف أتبعه إرساله إليهم للإِنذار تعجيبًا له من إفراطهم في الظلم واجترائهم عليه، وقرئ بالتاء على الالتفات إليهم زجرًا لهم وغضبًا عليهم، وهم وإن كان غيبًا حينئذ أجروا مجرى الحاضرين في كلام المرسل إليهم من حيث إنه مبلغه إليهم وإسماعه مبدأ إسماعهم، مع ما فيه من مزيد الحث على التقوى لمن تدبره وتأمل مورده، وقرئ بكسر النون اكتفاء بها عن ياء الإِضافة، ويحتمل أن يكون بمعنى ألا يا ناس اتقون كقوله: ألا يا اسجدوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1990>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)\nقالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ رتب استدعاء ضم أخيه إليه وإشراكه له في الأمر على الأمور الثلاثة: خوف التكذيب، وضيق القلب انفعالًا عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق، لأنها إذا اجتمعت مسة الحاجة إلى معين يقوي قلبه وينوب منابه متى تعتريه حبسة حتى لا تختل دعوته ولا تنبتر حجته، وليس ذلك تعللًا منه وتوقفًا في تلقي الأمر، بل طلبًا لما يكون معونة على امتثاله وتمهيد عذره فيه، وقرأ يعقوب وَيَضِيقُ وَلا يَنْطَلِقُ بالنصب عطفًا على يُكَذِّبُونِ فيكونان من جملة ما خاف منه.\nوَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ أي تبعة ذنب فحذف المضاف أو سمي باسمه، والمراد قتل القبطي وإنما سماه ذنبًا على زعمهم، وهذا اختصار قصته المبسوطة في مواضع. فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ به قبل أداء الرسالة، وهو أيضًا ليس تعللًا وإنما هو استدفاع للبلية المتوقعة، كما إن ذاك استمداد واستظهار في أمر الدعوة وقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1991>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥ الى ١٧]</span>\nقالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧)\nقالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إجابة له إلى الطلبتين بوعده لدفع بلائهم اللازم ردعه عن الخوف، وضم أخيه إليه في الإِرسال، والخطاب في فَاذْهَبا على تغليب الحاضر لأنه معطوف على الفعل الذي يدل عليه","vol":"4","page":134},{"text":"كَلَّا كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت والذي طلبته. إِنَّا مَعَكُمْ يعني موسى وهارون وفرعون. مُسْتَمِعُونَ سامعون لما يجري بينكما وبينه فأظهر كما عليه، مثل نفسه تعالى بمن حضر مجادلة قوم استماعًا لما يجري بينهم وترقبًا لإِمداد أوليائه منهم، مبالغة في الوعد بالإِعانة، ولذلك تجوز بالاستماع الذي هو بمعنى الإِصغاء للسمع الذي هو مطلق إدراك الحروف والأصوات، وهو خبر ثان أو الخبر وحده مَعَكُمْ لغو.\nْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ\nأفرد الرسول لأنه مصدر وصف به فإنه مشترك بين المرسل والرسالة، قال الشاعر:\nلَقَدْ كَذبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُم ... بِسِرٍ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ\nولذلك ثنى تارة وأفرد أخرى، أو لاتحادهما للأخوة أو لوحدة المرسل والمرسل به، أو لأنه أراد أن كل واحد منا.\nأَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ أي أرسل لتضمن الرسول معنى الإِرسال المتضمن معنى القول، والمراد خلهم ليذهبوا معنا إلى الشام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1992>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nقالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩)\nقالَ أي فرعون لموسى بعد ما أتياه فقالا له ذلك. أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا في منازلنا. وَلِيدًا طفلًا سمي به لقربه من الولادة. وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ قيل لبث فيهم ثلاثين سنة ثم خرج إلى مدين عشر سنين ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله ثلاثين، ثم بقي بعد الغرق خمسين.\nوَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ يعني قتل القبطي، وبخه به معظمًا إياه بعد ما عدد عليه نعمته، وقرئ فعلتك بالكسر لأنها كانت قتلة بالوكز. وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ بنعمتي حتى عمدت إلى قتل خواصي، أو ممن تكفرهم الآن فإنه ﵇ كان يعايشهم بالتقية فهو حال من إحدى التاءين، ويجوز أن يكون حكمًا مبتدأ عليه بأنه من الكافرين بآلهيته أو بنعمته لما عاد عليه بالمخالفة، أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1993>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nقالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢)\nقالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ من الجاهلين وقد قرئ به، والمعنى من الفاعلين فعل أولي الجهل والسفه، أو من الخاطئين لأنه لم يتعمد قتله، أو من الذاهلين عما يؤول إليه الوكز لأنه أراد به التأديب، أو الناسين من قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما.\nفَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا حكمة. وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ رد أولًا بذلك ما وبخه به قدحًا في نبوته ثم كر على ما عد عليه من النعمة ولم يصرح برده لأنه كان صدقًا غير قادح في دعواه، بل نبه على أنه كان في الحقيقة نقمة لكونه مسببًا عنها فقال.\nوَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي وتلك التربية نعمة تمنها علي ظاهرًا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل وقصدهم بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي إليك وحصولي في تربيتك. وقيل إنه مقدر بهمزة الإنكار أي أو تلك نعمة تمنها علي وهي أَنْ عَبَّدْتَ، ومحل أَنْ عَبَّدْتَ الرفع على أنه خبر محذوف أو بدل نِعْمَةٌ أو الجر بإضمار الباء أو النصب بحذفها. وقيل تلك إشارة إلى خصلة شنعاء","vol":"4","page":135},{"text":"مبهمة وأَنْ عَبَّدْتَ عطف بيانها والمعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة تَمُنُّها علي، وإنما وحد الخطاب في تمنها وجمع فيما قبله لأن المنة كانت منه وحده، والخوف والفرار منه ومن ملئه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1994>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nقالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥)\nقالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ لما سمع جواب ما طعن به فيه ورأى أنه لم يرعو بذلك شرع في الاعتراض على دعواه فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسل.\nقالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا عرفه بأظهر خواصه وآثاره لما امتنع تعريف الأفراد إلا بذكر الخواص والأفعال وإليه أشار بقوله:\nإِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي إن كنتم موقنين الأشياء محققين لها علمتم أن هذه الأجرام المحسوسة ممكنة لتركبها وتعددها وتغير أحوالها، فلها مبدئ واجب لذاته وذلك المبدئ لا بد وأن يكون مبدأ لسائر الممكنات ما يمكن أن يحس بها وما لا يمكن وإلا لزم تعدد الواجب، أو استغناء بعض الممكنات عنه وكلاهما محال ثم ذلك الواجب لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية لامتناع التعريف بنفسه وبما هو داخل فيه لاستحالة التركيب في ذاته.\nقالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ جوابه سألته عن حقيقته وهو يذكر أفعاله، أو يزعم أنه رَبُّ السَّماواتِ وهي واجبة متحركة لذاتها كما هو مذهب الدهرية، أو غير معلوم افتقارها إلى مؤثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1995>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nقالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)\nقالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ عدولًا إلى ما لا يمكن أن يتوهم فيه مثله ويشك في افتقاره إلى مصور حكيم ويكون أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمل.\nقالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ أسأله عن شيء ويجيبني عن آخر، وسماه رسولًا على السخرية.\nقالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما تشاهدون كل يوم أنه يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع تنتظم به أمور الكائنات. إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ إن كان لكم عقل علمتم أن لا جواب لكم فوق ذلك لا ينهم أولًا، ثم لما رأى شدة شكيمتهم خاشنهم وعارضهم بمثل مقالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1996>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nقالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠)\nقالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ عدولًا إلى التهديد عن المحاجة بعد الانقطاع وهكذا ديدن المعاند المحجوج، واستدل به على ادعائه الألوهية وإنكاره الصانع وأن تعجبه بقوله أَلا تَسْتَمِعُونَ من نسبة الربوبية إلى غيره، ولعله كان دهريًا اعتقد أن من ملك قطرًا أو تولى أمره بقوة طالعه استحق العبادة من أهله، واللام في الْمَسْجُونِينَ للعهد أي ممن عرفت حالهم في سجوني فإنه كان يطرحهم في هوة عميقة حتى يموتوا ولذلك جعل أبلغ من لأسجننك.\nقالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أي أتفعل ذلك ولو جئتك بشيء يبين صدق دعواي، يعني المعجزة فإنها","vol":"4","page":136},{"text":"الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته والدلالة على صدق مدعي نبوته، فالواو للحال وليها الهمزة بعد حذف الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1997>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣١ الى ٣٣]</span>\nقالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)\nقالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في أن لك بينة أو في دعواك، فإن مدعي النبوة لا بُدَّ له من حجة.\nفَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ظاهر ثعبانيته واشتقاق الثعبان من ثعبت الماء فانثعب إذا فجرته فانفجر.\nوَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ\nروي أن فرعون لما رأى الآية الأولى قال فهل غيرها، فأخرج يده قال فما فيها فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1998>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nقالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥)\nقالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ مستقرين حوله فهو ظرف وقع موقع الحال. إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ فائق في علم السحر.\nيُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ بهره سلطان المعجزة حتى حطه عن دعوى الربوبية إلى مؤامرة القوم وائتمارهم وتنفيرهم عن موسى وإظهار الاستشعار عن ظهوره واستيلائه على ملكه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1999>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nقالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)\nقالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ أي أخر أمرهما، وقيل إحبسهما. وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ شرطًا يحشرون السحرة.\nيَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ يفضلون عليه في هذا الفن وأمالها ابن عامر وأبو عمرو والكسائي، وقرئ «بكل ساحر» .\nفَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ لما وقت به من ساعات يوم معين وهو وقت الضحى من يوم الزينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2000>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣٩ الى ٤٢]</span>\nوَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)\nوَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ فيه استبطاء لهم في الاجتماع حثًا على مبادرتهم إليه كقول تأبط شرًا:\nهَلْ أَنْتَ بَاعِثٌ دِينَارٍ لحَاجَتِنَا ... أَوْ عَبْدَ رَبٍّ أَخَا عَوْنِ بن مِخْرَاقِ\nأي ابعث أحدهما إلينا سريعًا.\nلَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ لعلنا نتبعهم في دينهم إن غلبوا والترجي باعتبار الغلبة","vol":"4","page":137},{"text":"المقتضية للاتباع، ومقصودهم الأصلي أن لا يتبعوا موسى لا أن يتبعوا السحرة فساقوا الكلام مساق الكناية لأنهم إذا اتبعوهم لم يتبعوا موسى ﵊.\nفَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ التزم لهم الأجر والقربة عنده زيادة عليه إن غلبوا فإذا على ما يقتضيه من الجواب والجزاء، وقرئ «نِعْمَ» بالكسر وهما لغتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2001>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٤٣ الى ٤٥]</span>\nقالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)\nقالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ أي بعد ما قالوا له إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ، ولم يرد به أمرهم بالسحر والتمويه بل الإِذن في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة توسلًا به إلى إظهار الحق.\nفَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ أقسموا بعزته على أن الغلبة لهم لفرط اعتقادهم في أنفسهم، أو لإِتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر.\nفَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ تبتلع، وقرأ حفص تَلْقَفْ بالتخفيف. مَا يَأْفِكُونَ ما يقلبونه عن وجهه بتمويههم وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، أو إفكهم تسمية للمأفوك به مبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2002>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٤٦ الى ٤٨]</span>\nفَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨)\nفَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ لعلمهم بأن مثله لا يتأتى بالسحر، وفيه دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق يخيل شيئًا لا حقيقة له، وأن التبحر في كل فن نافع. وإنما بدل الخرور بالإِلقاء ليشاكل ما قبله ويدل على أنهم لما رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أنفسهم كأنهم أخذوا فطرحوا على وجوههم، وأنه تعالى ألقاهم بما خولهم من التوفيق.\nقالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ بدل من «ألقي» بدل الاشتمال أو حال بإضمار قد.\nرَبِّ مُوسى وَهارُونَ إبدال للتوضيح ودفع التوهم والإِشعار على أن الموجب لإِيمانهم ما أجراه على أيديهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2003>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٤٩]</span>\nقالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)\nقالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فعلمكم شيئًا دون شيء ولذلك غلبكم، أو فواعدكم على ذلك وتواطأتم عليه، وأراد به التلبيس على قومه كي لا يعتقدوا أنهم آمنوا عن بصيرة وظهور حق، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وروح «أأمنتم» بهمزتين. فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وبال ما فعلتم وقوله:\nلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ بيان له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2004>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nقالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)\nقالُوا لاَ ضَيْرَ لا ضرر علينا في ذلك. إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بما توعدنا به فإن الصبر عليه محاء","vol":"4","page":138},{"text":"للذنوب موجب للثواب والقرب من الله تعالى، أو بسبب من أسباب الموت والقتل أنفعها وأرجاها.\nإِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا لأن كنا. أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ من أتباع فرعون، أو من أهل المشهد والجملة في المعنى تعليل ثان لنفي الضمير، أو تعليل للعلة المتقدمة. وقرئ «إِن كُنَّا» على الشرط لهضم النفس وعدم الثقة بالخاتمة، أو على طريقة المدل بأمره نحو إن أحسنت إليك فلا تنس حقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2005>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٥٢]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي وذلك بعد سنين أقامها بين أظهرهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتوًا وفسادًا، وقرأ ابن كثير ونافع أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي بكسر النون ووصل الألف من سرى وقرئ «أن سر» من السير. إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ يتبعكم فرعون وجنوده وهو علة الأمر بالإِسراء أي أسر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين كان لكم تقدم عليهم بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر فيدخلون مدخلكم فأطبقه عليهم فأغرقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2006>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥٣ الى ٥٦]</span>\nفَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦)\nفَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ حين أخبر بسراهم. فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ العساكر ليتبعوهم.\nإِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ على إرادة القول وإنما استقلهم وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفًا بالإِضافة إلى جنوده، إذ\nروي أنه خرج وكانت مقدمته سبعمائة ألف والشرذمة الطائفة القليلة، ومنها ثوب شراذم لما بلي وتقطع\n، وقَلِيلُونَ باعتبار أنهم أسباط كل سبط منهم قليل.\nوَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ لفاعلون ما يغيظنا.\nوَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ وإنا لجمع من عادتنا الحذر واستعمال الحزم في الأمور، أشار أولًا إلى عدم ما يمنع اتباعهم من شوكتهم ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عداوتهم ووجوب التيقظ في شأنهم حثًا عليه، أو اعتذر بذلك إلى أهل المدائن كي لا يظن به ما يكسر سلطانه، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان والكوفيون حاذِرُونَ والأول للثبات والثاني للتجدد، وقيل الحاذر المؤدي في السلاح وهو أيضًا من الحذر لأن ذلك إنما يفعل حذرا، وقرئ «حادرون» بالدال المهملة أي أقوياء قال:\nأُحِبُّ الصَّبِيَ السُّوءَ مِنْ أَجْلِ أُمِّهِ ... وَأُبْغِضُهُ مِنْ بُغْضِهَا وَهُوَ حَادِرٌ\nأو تامو السلاح فإن ذلك يوجب حدارة في أجسامهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2007>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٥٧ الى ٦٠]</span>\nفَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)\nفَأَخْرَجْناهُمْ بأن خلقنا داعية الخروج بهذا السبب فحملتهم عليه. مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.\nوَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ يعني المنازل الحسنة والمجالس البهية.\nكَذلِكَ مثل ذلك الإِخراج أخرجنا فهو مصدر، أو مثل ذلك المقام الذي كان لهم على أنه صفة مقام، أو الأمر كذلك فيكون خبر المحذوف. وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ.\nفَأَتْبَعُوهُمْ وقرئ «فَأَتْبَعُوهُم» . مُشْرِقِينَ داخلين في وقت شروق الشمس.","vol":"4","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2008>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦١ الى ٦٤]</span>\nفَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)\nفَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ تقاربا بحيث رأى كل واحد منهما الآخر، وقرئ «تراءت الفئتان» قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ لملحقون، وقرئ «لَمُدْرَكُونَ» من أدرك الشيء إذا تتابع ففني، أي: لمتتابعون في الهلاك على أيديهم.\nقالَ كَلَّا لن يدركوكم فإن الله وعدكم بالخلاص منهم. إِنَّ مَعِي رَبِّي بالحفظ والنصرة.\nسَيَهْدِينِ طريق النجاة منهم،\nروي أن مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى فقال: أين أمرت فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون، فقال: أمرت بالبحر ولعلي أومر بما أصنع.\nفَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ بحر القلزم أو النيل. فَانْفَلَقَ أي فضرب فانفلق وصار اثني عشر فرقًا بينها مسالك. فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ كالجبل المنيف الثابت في مقره فدخلوا في شعابها كل سبط في شعب.\nوَأَزْلَفْنا وقربنا. ثَمَّ الْآخَرِينَ فرعون وقومه حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2009>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٥ الى ٦٨]</span>\nوَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)\nوَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ بحفظ البحر على تلك الهيئة إلى أن عبروا.\nثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ بإطباقه عليهم.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وأية آية. وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وما تنبه عليها أكثرهم إذ لم يؤمن بها أحد ممن بقي في مصر من القبط، وبنو إسرائيل بعد ما نجوا سألوا بقرة يعبدونها واتخذوا العجل وقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً.\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ المنتقم من أعدائه. الرَّحِيمُ بأوليائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2010>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٩ الى ٧١]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١)\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ على مشركي العرب. نَبَأَ إِبْراهِيمَ.\nإِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ سألهم ليريهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة.\nقالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ فأطالوا جوابهم بشرح حالهم معه تبجحًا به وافتخارًا، و«نظل» ها هنا بمعنى ندوم. وقيل كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2011>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٢ الى ٧٤]</span>\nقالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)\nقالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ يسمعون دعاءكم أو يسمعونكم تدعون فحذف ذلك لدلالة. إِذْ تَدْعُونَ عليه","vol":"4","page":140},{"text":"وقرئ «يَسْمَعُونَكُمْ» أي يسمعونكم الجواب عن دعائكم ومجيئه مضارعًا مع إِذْ على حكاية الحال الماضية استحضارًا لها.\nأَوْ يَنْفَعُونَكُمْ على عبادتكم لها. أَوْ يَضُرُّونَ من أعرض عنها.\nقالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ أضربوا عن أن يكون لهم سمع أو يتوقع منهم ضر أو نفع، والتجؤوا إلى التقليد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2012>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٥ الى ٧٧]</span>\nقالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧)\nقالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فإن التقدم لا يدل على الصحة ولا ينقلب به الباطل حقًا.\nفَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي يريد أنهم أعداء لعابديهم من حيث إنهم يتضررون من جهتهم فوق ما يتضرر الرجل من جهة عدوه، أو إن المغري بعبادتهم أعدى أعدائهم وهو الشيطان، لكنه صور الأمر في نفسه تعريضًا لهم فإنه أنفع في النصح من التصريح، وإشعارًا بأنها نصيحة بدأ بها نفسه ليكون أدعى إلى القبول، وإفراد العدو لأنه في الأصل مصدر أو بمعنى النسب. إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ استثناء منقطع أو متصل على أن الضمير لكل معبود عبدوه وكان من آبائهم من عبد الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2013>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٧٨ الى ٧٩]</span>\nالَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)\nالَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له من أمور المعاش والمعاد كما قال وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى هداية مدرجة من مبدأ إيجاده إلى منتهى أجله يتمكن بها من جلب المنافع ودفع المضار، مبدؤها بالنسبة إلى الإِنسان هداية الجنين إلى امتصاص دم الطمث من الرحم، ومنتهاها الهداية إلى طريق الجنة والتنعم بلذائذها، والفاء للسببية إن جعل الموصول مبتدأ وللعطف إن جعل صفة رب العالمين فيكون اختلاف النظم لتقدم الخلق واستمرار الهداية وقوله:\nوَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ على الأول مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما قبله عليه وكذا اللذان بعده، وتكرير الموصول على الوجهين للدلالة على أن كل واحدة من الصلات مستقلة باقتضاء الحكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2014>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٠ الى ٨١]</span>\nوَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)\nوَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ عطف على يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ لأنه من روادفهما من حيث إن الصحة والمرض في الأغلب يتبعان المأكول والمشروب، وإنما لم ينسب المرض إليه تعالى لأن المقصود تعديد النعم، ولا ينتقض بإسناد الإِماتة إليه فإن الموت من حيث إنه لا يحس به لا ضرر فيه وإنما لضرر في مقدماته وهي المرض، ثم إنه لأهل الكمال وصلة إلى نيل المحاب التي تستحقر دونها الحياة الدنيوية وخلاص من أنواع المحن والبليات، ولأن المرض في غالب الأمر إنما يحدث بتفريط من الإِنسان في مطاعمه ومشاربه وبما بين الأخلاط والأركان من التنافي والتنافر، والصحة إنما تحصل باستحفاظ اجتماعها والاعتدال المخصوص عليها قهرًا وذلك بقدرة الله العزيز العليم.\nوَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ في الآخرة.","vol":"4","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2015>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٢ الى ٨٣]</span>\nوَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)\nوَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ذكر ذلك هضمًا لنفسه وتعليمًا للأمة أن يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر، وطلب لأن يغفر لهم ما يفرط منهم واستغفارًا لما عسى يندر منه من الصغائر، وحمل الخطيئة على كلماته الثلاث: إِنِّي سَقِيمٌ، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا، وقوله «هي أختي»، ضعيف لأنها معاريض وليست خطايا.\nرَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا كمالا في العلم والعمل أستعد به لخلافة الحق ورئاسة الخلق. وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ووفقني للكمال في العمل لأنتظم به في عداد الكاملين في الصلاح الذين لا يشوب صلاحهم كبير ذنب ولا صغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2016>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٤ الى ٨٦]</span>\nوَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)\nوَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ جاهًا وحسن صيت في الدنيا يبقى أثره إلى يوم الدين، ولذلك ما من أمة إلا وهم محبون له مثنون عليه، أو صادقًا من ذريتي يجدد أصل ديني ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه وهو محمّد ﷺ.\nوَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ في الآخرة وقد مر معنى الوراثة فيها.\nوَاغْفِرْ لِأَبِي بالهداية والتوفيق للإِيمان. إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ طريق الحق وإن كان هذا الدعاء بعد موته فلعله كان لظنه أنه كان يخفي الإِيمان تقية من نمرود ولذلك وعده به، أو لأنه لم يمنع بعد من الاستغفار للكفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2017>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٧ الى ٨٩]</span>\nوَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)\nوَلا تُخْزِنِي بمعاتبتي على ما فرطت، أو بنقص رتبتي عن رتبة بعض الوارث، أو بتعذيبي لخفاء العاقبة وجواز التعذيب عقلًا، أو بتعذيب والدي، أو ببعثه في عداد الضالين وهو من الخزي بمعنى الهوان، أو من الخزاية بمعنى الحياء. يَوْمَ يُبْعَثُونَ الضمير للعباد لأنهم معلومون أو ل الضَّالِّينَ.\nيَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أي لا ينفعان أحدًا إلا مخلصًا سليم القلب عن الكفر وميل المعاصي وسائر آفاته، أو لا ينفعان إلا مال من هذا شأنه وبنوه حيث أنفق ماله في سبيل البر، وأرشد بنيه إلى الحق وحثهم على الخير وقصد بهم أن يكونوا عباد الله مطيعين شفعاء له يوم القيامة. وقيل الاستثناء مما دل عليه المال والبنون أي لا ينفع غنى إلاَّ غناه. وقيل منقطع والمعنى لكن سلامة مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ تنفعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2018>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٠ الى ٩٣]</span>\nوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)\nوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ بحيث يرونها من الموقف فيتبجحون بأنهم المحشورون إليها.\nوَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ فيرونها مكشوفة ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها، وفي اختلاف الفعلين","vol":"4","page":142},{"text":"ترجيح لجانب الوعد.\nوَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شفعاؤكم. هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ بدفع العذاب عنكم. أَوْ يَنْتَصِرُونَ بدفعه عن أنفسهم لأنهم وآلهتهم يدخلون النار كما قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2019>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٤ الى ٩٥]</span>\nفَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)\nفَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ أي الآلهة وعبدتهم، والكبكبة تكرير الكب لتكرير معناه كأن من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها.\nوَجُنُودُ إِبْلِيسَ متبعوه من عصاة الثقلين، أو شياطينه. أَجْمَعُونَ تأكيد لل جُنُودُ إن جعل مبتدأ خبره ما بعده أو للضمير وما عطف عليه وكذا الضمير المنفصل وما يعود إليه في قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2020>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٦ الى ٩٨]</span>\nقالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨)\nقالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ على أن الله ينطق الأصنام فتخاصم العبدة ويؤيده الخطاب في قوله:\nإِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ أي في استحقاق العبادة، ويجوز أن تكون الضمائر للعبدة كما في قالُوا والخطاب للمبالغة في التحسر والندامة، والمعنى أنهم مع تخاصمهم في مبدأ ضلالهم معترفون بانهماكهم في الضلالة متحسرون عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2021>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٩٩ الى ١٠٢]</span>\nوَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)\nوَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء.\nوَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ إِذِ الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين، أو فما لنا من شافعين ولا صديق ممن نعدهم شفعاء وأصدقاء، أو وقعنا في مهلكة لا يخلصنا منها شافع ولا صديق، وجمع الشافع ووحد ال صَدِيقٍ لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق، أو لأن ال صَدِيقٍ الواحد يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء، أو لإِطلاق ال صَدِيقٍ على الجمع كالعدو لأنه في الأصل مصدر كالحنين والصهيل.\nفَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً تمن للرجعة أقيم فيه «لو» مقام ليت لتلاقيهما في معنى التقدير، أو شرط حذف جوابه. فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جواب التمني أو عطف على كَرَّةً أي: لو أن لنا أن نكر فنكون من المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2022>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]</span>\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)\nإِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما ذكر من قصة إبراهيم. لَآيَةً لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر، فإنها جاءت على أنظم ترتيب وأحسن تقرير، يتفطن المتأمل فيها لغزارة علمه لما فيها من الإِشارة إلى أصول العلوم الدينية والتنبيه على دلائلها وحسن دعوته للقوم وحسن مخالقته معهم وكمال إشفاقه عليهم وتصور الأمر في نفسه، وإطلاق الوعد والوعيد على سبيل الحكاية تعريضًا وإيقاظًا لهم ليكون أدعى لهم إلى الاستماع والقبول. وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ أكثر قومه. مُؤْمِنِينَ به.","vol":"4","page":143},{"text":"وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ القادر على تعجيل الانتقام. الرَّحِيمُ بالإِمهال لكي يؤمنوا هم أو أحد من ذريتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2023>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٥ الى ١٠٨]</span>\nكَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)\nكَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ال قَوْمُ مؤنثة ولذلك تصغر على قويمة وقد مر الكلام في تكذيبهم المرسلين.\nإِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ لأنه كان منهم. أَلا تَتَّقُونَ الله فتتركوا عبادة غيره.\nإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ مشهور بالأمانة فيكم.\nفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به من التوحيد والطاعة لله سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2024>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٩ الى ١١١]</span>\nوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)\nوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ على ما أنا عليه من الدعاء والنصح. مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ.\nفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ كرره للتأكيد والتنبيه على دلالة كل واحد من أمانته وحسم طمعه على وجوب طاعته فيما يدعوهم إليه فكيف إذا اجتمعا، وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص بفتح الياء في أَجْرِيَ في الكلمات الخمس.\nقالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ الأقلون جاهًا ومالًا جمع الأرذل على الصحة، وقرأ يعقوب «وأتباعك» وهو جمع تابع كشاهد وأشهاد أو تبع كبطل وأبطال، وهذا من سخافة عقلهم وقصور رأيهم على الحطام الدنيوية، حتى جعلوا اتباع المقلين فيها مانعًا عن اتباعهم وإيمانهم بما يدعوهم إليه ودليلًا على بطلانه، وأشاروا بذلك إلى أن اتباعهم ليس عن نظر وبصيرة وإنما هو لتوقع مال ورفعة فلذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2025>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١٢ الى ١١٥]</span>\nقالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)\nقالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إنهم عملوه إخلاصًا أو طمعًا في طعمة وما عليَّ إلا اعتبار الظاهر.\nإِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي ما حسابهم على بواطنهم إلا على الله فإنه المطلع عليها. لَوْ تَشْعُرُونَ لعلمتم ذلك ولكنكم تجهلون فتقولون ما لا تعلمون.\nوَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ جواب لما أوهم قولهم من استدعاء طردهم وتوقيف إيمانهم عليه حيث جعلوا اتباعهم المانع عنه وقوله:\nإِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ كالعلة له أي ما أنا إلا رجل مبعوث لإِنذار المكلفين عن الكفر والمعاصي سواء كانوا أعزاء أو أذلاء فكيف يليق بي في طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء، أو ما عليَّ إلا إنذاركم إنذارًا بينًا بالبرهان الواضح فلا عليَّ أن أطردهم لاسترضائكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2026>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١٦ الى ١١٨]</span>\nقالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)","vol":"4","page":144},{"text":"قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ عما تقول. لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ من المشتومين أو المضروبين بالحجارة.\nقالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ إظهارًا لما يدعو عليهم لأجله وهو تكذيب الحق لا تخويفهم له واستخفافهم عليه.\nفَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا فاحكم بيني وبينهم من الفتاحة. وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ من قصدهم أو شؤم عملهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2027>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١١٩ الى ١٢٢]</span>\nفَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)\nفَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ المملوء.\nثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ بعد إنجائه. الْباقِينَ من قومه.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً شاعت وتواترت. وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ.\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2028>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٣ الى ١٢٦]</span>\nكَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦)\nكَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ أنثه باعتبار القبيلة وهو في الأصل اسم أبيهم.\nإِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2029>[سورة الشعراء (٢٦): آية ١٢٧]</span>\nوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧)\nوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ تصدير القصص بها دلالة على أن البعثة مقصورة على الدعاء إلى معرفة الحق والطاعة فيما يقرب المدعو إلى ثوابه ويبعده عن عقابه، وكان الأنبياء متفقين على ذلك وإن اختلفوا في بعض التفاريع مبرئين عن المطامع الدنيئة والأغراض الدنيوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2030>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٨ الى ١٣١]</span>\nأَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١)\nأَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ بكل مكان مرتفع، ومنه ريع الأرض لارتفاعها. آيَةً علمًا للمارة. تَعْبَثُونَ ببنائها إذ كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم فلا يحتاجون إليها أو بروج الحمام، أو بنيانًا يجتمعون إليه للعبث بمن يمر عليهم، أو قصورًا يفتخرون بها.\nوَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ مآخذ الماء وقيل قصورًا مشيدة وحصونًا. لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ فتحكمون بنيانها.\nوَإِذا بَطَشْتُمْ بسيف أو سوط. بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ متسلطين غاشمين بلا رأفة ولا قصد تأديب ونظر في العاقبة.\nفَاتَّقُوا اللَّهَ بترك هذه الأشياء. وَأَطِيعُونِ فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2031>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٣٢ الى ١٣٥]</span>\nوَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)","vol":"4","page":145},{"text":"وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ كرره مرتبًا على إمداد الله تعالى إياهم بما يعرفونه من أنواع النعم تعليلًا وتنبيهًا على الوعد عليه بدوام الإِمداد والوعيد على تركه بالإِنقطاع، ثم فصل بعض تلك النعم كما فصل بعض مساويهم المدلول عليها إجمالًا بالإِنكار في أَلا تَتَّقُونَ مبالغة في الإِيقاظ والحث على التقوى فقال.\nأَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ثم أوعدهم فقال.\nإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ في الدنيا والآخرة، فإنه كما قدر على الإِنعام قدر على الإِنتقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2032>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٣٦ الى ١٣٩]</span>\nقالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)\nقالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ فإنا لا نرعوي عما نحن عليه، وتغيير شق النفي عما تقتضيه المقابلة للمبالغة في قلة اعتدادهم بوعظه.\nإِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأوليين، أو ما خلقنا هذا إلا خلقهم نحيا ونموت مثلهم ولا بعث ولا حساب، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة خُلُقُ الْأَوَّلِينَ بضمتين أي ما هذا الذي جئت به إلا عادة الأولين كانوا يلفقون مثله، أو ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين وعادتهم ونحن بهم مقتدون، أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة قديمة لم تزل الناس عليها.\nوَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ على ما نحن عليه.\nفَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ بسبب التكذيب بريح صرصر. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2033>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤٠ الى ١٤٨]</span>\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤)\nوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨)\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.\nوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ إنكار لأن يتركوا كذلك أو تذكير للنعمة في تخلية الله إياهم وأسباب تنعمهم آمنين ثم فسره بقوله:\nفِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.\nوَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ لطيف لين للطف التمر، أو لأن النخل أنثى وطلع إناث النخل ألطف وهو ما يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو، أو متدل منكسر من كثرة الحمل، وإفراد ال نَخْلٍ لفضله على سائر أشجار الجنات أو لأن المراد بها غيرها من الأشجار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2034>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤٩ الى ١٥٢]</span>\nوَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢)\nوَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ بطرين أو حاذقين من الفراهة وهي النشاط، فإن الحاذق يعمل","vol":"4","page":146},{"text":"بنشاط وطيب قلب. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «فرهين» وهو أبلغ من «فارهين» .\nفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ استعير الطاعة التي هي انقياد الأمر لامتثال الأمر، أو نسب حكم الآمر إلى أمره مجازًا.\nالَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وصف موضح لإِسرافهم ولذلك عطف: وَلا يُصْلِحُونَ على يفسدون دلالة على خلوص فسادهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2035>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥٣ الى ١٥٤]</span>\nقالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)\nقالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ الذين سحروا كثيرًا حتى غلب على عقلهم، أو من ذوي السحر وهي الرئة أي من الأناسي فيكون مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تأكيدًا له. فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2036>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥٥ الى ١٥٨]</span>\nقالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨)\nقالَ هذِهِ ناقَةٌ أي بعد ما أخرجها الله من الصخرة بدعائه كما اقترحوها. لَها شِرْبٌ نصيب من الماء كالسقي والقيت للحظ من السقي والقوت وقرئ بالضم. وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فاقتصروا على شربكم ولا تزاحموها في شربها.\nوَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ كضرب وعقر. فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ عظم اليوم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب.\nفَعَقَرُوها أسند العقر إلى كلهم لأن عاقرها إنما عقرها برضاهم ولذلك أخذوا جميعًا. فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ على عقرها خوفًا من حلول العذاب لا توبة، أو عند معاينة العذاب ولذلك لم ينفعهم.\nفَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ أي العذاب الموعود. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ في نفي الإِيمان عن أكثرهم في هذا المعرض إيماء بأنه لو آمن أكثرهم أو شطرهم لما أخذوا بالعذاب، وإن قريشًا إنما عصموا من مثله ببركة من آمن منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2037>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٥٩ الى ١٦٦]</span>\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣)\nوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦)\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.\nوَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ أتأتون من بين من عداكم من العالمين الذكران لا يشارككم فيه غيركم، أو أتأتون الذكران من أولاد آدم مع كثرتهم وغلبة الإِناث فيهم كأنهن قد أعوزنكم، فالمراد ب الْعالَمِينَ على الأول كل من ينكح وعلى الثاني الناس.","vol":"4","page":147},{"text":"وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ لأجل استمتاعكم. رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ للبيان إن أريد به جنس الإناث، أو للتبعيض إن أريد به العضو المباح منهن فيكون تعريضًا بأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم أيضًا. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ متجاوزون عن حد الشهوة حيث زادوا على سائر الناس بل الحيوانات، أو مفرطون في المعاصي وهذا من جملة ذاك، أو أحقاء بأن توصفوا بالعدوان لارتكابكم هذه الجريمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2038>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٧ الى ١٦٨]</span>\nقالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨)\nقالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ عما تدعيه أو عن نهينا وتقبيح أمرنا. لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ من المنفيين من بين أظهرنا، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على عنف وسوء حال.\nقالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ من المبغضين غاية البغض لا أقف عن الإِنكار عليه بالإِبعاد، وهو أبلغ من أن يقول إِنِّي لِعَمَلِكُمْ قال لدلالته على أنه معدود في زمرتهم مشهور بأنه من جملتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2039>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٩ الى ١٧١]</span>\nرَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٧١)\nرَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ أي من شؤمه وعذابه.\nفَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ أهل بيته والمتبعين له على دينه بإخراجهم من بينهم وقت حلول العذاب بهم.\nإِلَّا عَجُوزًا هي امرأة لوط. فِي الْغابِرِينَ مقدرة في الباقين في العذاب إذ أصابها حجر في الطريق فأهلكها لأنها كانت مائلة إلى القوم راضية بفعلهم. وقيل كائنة فيمن بقي في القرية فإنها لم تخرج مع لوط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2040>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٢ الى ١٧٥]</span>\nثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)\nثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ أهلكناهم.\nوَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا وقيل أمطر الله على شذاذ القوم حجارة فأهلكهم. فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ اللام فيه للجنس حتى يصح وقوع المضاف إليه فاعل ساء والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2041>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٦ الى ١٨١]</span>\nكَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠)\nأَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١)\nكَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ الأيكة غيضة تنبت ناعم الشجر يريد غيضة بقرب مدين تسكنها طائفة فبعث الله إليهم شعيبًا كما بعثه إلى مدين وكان أجنبيًا منهم فلذلك قال:\nإِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ ولم يقل أخوهم شعيب. وقيل الأيكة شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهو المقل، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر «ليكة» بحذف الهمزة وإبقاء حركتها على اللام وقرئت كذلك مفتوحة على أنها ليكة وهي اسم بلدتهم، وإنما كتبت ها هنا وفي ص بغير ألف اتباعًا للفظ.\nإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ.","vol":"4","page":148},{"text":"أَوْفُوا الْكَيْلَ أتموه. وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ الناقصين حقوق الناس بالتطفيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2042>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨٢ الى ١٨٤]</span>\nوَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)\nوَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ بالميزان السوي، وهو وإن كان عربيًا فإن كان من القسط ففعلاس بتكرير العين وإلا ففعلال. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف. وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ولا تنقصوا شيئًا من حقوقهم. وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بالقتل والغارة وقطع الطريق.\nوَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ وذوي الجبلة الأولين يعني من تقدمهم من الخلائق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2043>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨٥ الى ١٨٧]</span>\nقالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)\nقالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أتوا بالواو للدلالة على أنه جامع بين وصفين متنافيين للرسالة مبالغة في تكذيبه. وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ في دعواك.\nفَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ قطعة منها، ولعله جواب لما أشعر به الأمر بالتقوى من التهديد. وقرأ حفص بفتح السين. إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2044>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٨٨ الى ١٩٠]</span>\nقالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠)\nقالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ وبعذابه منزل عليكم ما أوجبه لكم عليه في وقته المقدر له لا محالة.\nفَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ على نحو ما اقترحوا بأن سلط الله عليهم الحر سبعة أيام حتى غلت أنهارهم وأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا. إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2045>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩١ الى ١٩٦]</span>\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)\nوَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ هذا آخر القصص السبع المذكورة على سبيل الاختصار تسلية لرسول الله ﷺ وتهديدًا للمكذبين به، وإطراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرسل به، واقتراحهم له استهزاء وعدم مبالاة به يدفع أن يقال إنه كان بسبب اتصالات فلكية أو كان إبتلاء لهم لا مؤاخذة على تكذيبهم.\nوَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ.\nعَلى قَلْبِكَ تقرير لحقية تلك القصص وتنبيه على إعجاز القرآن ونبوة محمّد ﷺ، فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيًا من الله ﷿، والقلب إن أراد به الروح فذاك وإن أراد به العضو فتخصيصه، لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولًا على الروح ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ فينتقش بها لوح المتخيلة، والرُّوحُ الْأَمِينُ جبريل ﵇ فإنه أمين الله على وحيه. وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي بتشديد الزاي ونصب الرُّوحُ الْأَمِينُ. لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ عما يؤدي إلى عذاب من فعل أو ترك.","vol":"4","page":149},{"text":"بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ واضح المعنى لئلا يقولوا ما نصنع بما لا نفهمه فهو متعلق ب نَزَلَ، ويجوز أن يتعلق بالمنذرين أي لتكون ممن أنذروا بلغة العرب وهم هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد عليهم الصلاة والسلام.\nوَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ وإن ذكره أو معناه لفي الكتب المتقدمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2046>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٧ الى ١٩٩]</span>\nأَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَّا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)\nأَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً على صحة القرآن أو نبوة محمد ﷺ. أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ أن يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم وهو تقرير لكونه دليلًا. وقرأ ابن عامر تكن بالتاء وآيَةً بالرفع على أنها الاسم والخبر لَهُمْ وأَنْ يَعْلَمَهُ بدل أو الفاعل وأَنْ يَعْلَمَهُ بدل لَهُمْ حال، أو أن الاسم ضمير القصة وآيَةً خبر أَنْ يَعْلَمَهُ والجملة خبر تكن.\nوَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ كما هو زيادة في إعجازه أو بلغة العجم.\nفَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَّا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ لفرط عنادهم واستكبارهم، أو لعدم فهمهم واستنكافهم من اتباع العجم، والْأَعْجَمِينَ جمع أعجمي على التخفيف ولذلك جمع جمع السلامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2047>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٠ الى ٢٠٣]</span>\nكَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)\nكَذلِكَ سَلَكْناهُ أدخلناه. فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ والضمير للكفر المدلول عليه بقوله مَّا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ فتدل الآية على أنه بخلق الله، وقيل للقرآن أي أدخلناه فيها فعرفوا معانيه وإعجازه ثم لم يؤمنوا به عنادًا.\nلاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ الملجئ إلى الإِيمان.\nفَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً في الدنيا والآخرة. وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بإتيانه.\nفَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ تحسرًا وتأسفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2048>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٤ الى ٢٠٧]</span>\nأَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ مَّا كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)\nأَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ فيقولون أمطر عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء، فَأْتِنا بِما تَعِدُنا، وحالهم عند نزول العذاب طلب النظرة.\nأَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ مَّا كانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يُمَتَّعُونَ لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب وتخفيفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2049>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٠٨ الى ٢٠٩]</span>\nوَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩)\nوَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ أنذروا أهلها إلزامًا للحجة.\nذِكْرى تذكرة ومحلها النصب على العلة أو المصدر لأنها في معنى الإِنذار، أو الرفع على أنها صفة","vol":"4","page":150},{"text":"مُنْذِرُونَ بإضمار ذوو، أو بجعلهم ذكرى لإِمعانهم في التذكرة، أو خبر محذوف والجملة اعتراضية. وَما كُنَّا ظالِمِينَ فنهلك غير الظالمين، أو قبل الإنذار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2050>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٠ الى ٢١٣]</span>\nوَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)\nوَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ كما زعم المشركون أنه من قبيل ما يلقي الشياطين على الكهنة.\nوَما يَنْبَغِي لَهُمْ وما يصح لهم أن يتنزلوا به. وَما يَسْتَطِيعُونَ وما يقدرون.\nإِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لكلام الملائكة. لَمَعْزُولُونَ لأنه مشروط بمشاركة في صفاء الذات وقبول فيضان الحق والانتقاش بالصور الملكوتية، ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات لا تقبل ذلك والقرآن مشتمل على حقائق ومغيبات لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة.\nفَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ تهييج لإِزدياد الإِخلاص ولطف لسائر المكلفين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2051>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٤ الى ٢١٦]</span>\nوَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)\nوَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ الأقرب منهم فالأقرب فإن الاهتمام بشأنهم أهم.\nروي أنه لما نزلت صعد الصفا وناداهم فخذًا فخذًا حتى اجتمعوا إليه فقال: «لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلًا أكنتم مصدقي» قالوا نعم قال: «فإني نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عذاب شديد» .\nوَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لين جانبك لهم مستعار من خفض الطائر جناحه إذا أراد أن ينحط، ومِنَ للتبيين لأن من اتبع أعم ممن اتبع لدين أو غيره، أو للتبعيض على أن المراد مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المشارفون للإِيمان أو المصدقون باللسان.\nفَإِنْ عَصَوْكَ ولم يتبعوك. فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ مما تعملونه أو من أعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2052>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢١٧ الى ٢٢٠]</span>\nوَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)\nوَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الذي يقدر على قهر أعدائه ونصر أوليائه يكفك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم. وقرأ نافع وابن عامر «فتوكل» على الإِبدال من جواب الشرط.\nالَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ\nإلى التهجد.\nوَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ وترددك في تصفح أحوال المجتهدين\nكما روي أنه ﵇ لما نسخ قيام فرض الليل طاف ﵇ تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصًا على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع بها من دندنتهم بذكر الله وتلاوة القرآن. أو تصرفك فيما بين المصلين بالقيام والركوع والسجود والقعود إذا أممتهم، وإنما وصفه الله تعالى بعلمه بحاله التي بها يستأهل ولايته بعد وصفه بأن من شأنه قهر أعدائه ونصر أوليائه تحقيقًا للتوكل وتطمينًا لقلبه عليه.\nإِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لما تقوله. الْعَلِيمُ بما تنويه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2053>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢١ الى ٢٢٣]</span>\nهَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣)","vol":"4","page":151},{"text":"هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ لما بين أن القرآن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين أكد ذلك بأن بين أن محمّدا ﷺ لا يصح أن يتنزلوا عليه من وجهين: أحدهما أنه إنما يكون على شرير كذاب كثير الإِثم، فإن اتصال الإِنسان بالغائبات لما بينهما من التناسب والتواد وحال محمّد ﷺ على خلاف ذلك. وثانيهما قوله:\nيُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ أي الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنونًا وأمارات لنقصان علمهم، فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها كما\nجاء في الحديث «الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة»\nولا كذلك محمّد ﷺ، فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى وقد طابق كلها، وقد فسر الأكثر بالكل لقوله تعالى: كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. والأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني. وقيل الضمائر للشياطين أي يلقون السمع إلى الملأ الأعلى قبل أن يرجموا فيختطفون منهم بعض المغيبات ويوحون به إلى أوليائهم أو يلقون مسموعهم منهم إلى أوليائهم وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إليهم إذ يسمعونهم لا على نحو ما تكلمت به الملائكة لشرارتهم، أو لقصور فهمهم أو ضبطهم أو إفهامهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2054>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢٤ الى ٢٢٦]</span>\nوَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)\nوَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ وأتباع محمّد ﷺ ليسوا كذلك، وهو استئناف أبطل كونه ﵊ شاعرا وقرره بقوله:\nأَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ لأن أكثر مقدماتهم خيالات لا حقيقة لها، وأغلب كلماتهم في النسيب بالحرم والغزل والابتهار وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب والوعد الكاذب والافتخار الباطل ومدح من لا يستحقه والإطراء فيه، وإليه أشار بقوله:\nوَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ وكأنه لما كان إعجاز القرآن من جهة اللفظ والمعنى، وقد قدحوا في المعنى بأنه مما تنزلت به الشياطين، وفي اللفظ بأنه من جنس كلام الشعراء تكلم في القسمين وبين منافاة القرآن لهما ومضادة حال الرسول ﷺ لحال أربابهما. وقرأ نافع يَتَّبِعُهُمُ على التخفيف، وقرئ بالتشديد وتسكين العين تشبيها لبعضه بعضا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2055>[سورة الشعراء (٢٦): آية ٢٢٧]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)\nإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله تعالى والحث على طاعته، ولو قالوا هجوا أرادوا به الانتصار ممن هجاهم ومكافحة هجاة المسلمين كعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت والكعبين،\nوكان ﵊ يقول لحسان «قل وروح القدس معك» .\nوعن كعب بن مالك أنه ﵊ قال له «اهجهم فو الّذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل»\nوَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ تهديد شديد لما في سيعلم من الوعيد البليغ وفي الذين ظلموا من الإطلاق والتعميم، وفي أي منقلب ينقلبون أي بعد الموت من الإيهام والتهويل، وقد تلاها أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما حين عهد","vol":"4","page":152},{"text":"إليه، وقرئ «أي منفلت ينفلتون» من الانفلات وهو النجاة والمعنى: أن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا عن عذاب الله وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وبعدد من كذب بعيسى وصدق بمحمّد عليهم الصلاة والسلام» .","vol":"4","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2056>(٢٧) سورة النمل</span>\nمكية وهي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2057>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)\nطس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ الإِشارة إلى آي السورة، والكتاب المبين إما اللوح المحفوظ وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن فهو يبينه للناظرين فيه، وتأخيره باعتباره تعلق علمنا به وتقديمه في الحجر باعتبار الوجود، أو القرآن وإبانته لما أودع فيه من الحكم والأحكام، أو لصحته بإعجازه وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى وتنكيره للتعظيم. وقرئ وكتاب بالرفع على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.\nهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ حالان من ال آياتُ والعامل فيهما معنى الإِشارة، أو بدلان منها أو خبران آخران أو خبران لمحذوف.\nالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ الذين يعملون الصالحات من الصلاة والزكاة. وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ من تتمة الصلة والواو للحال أو للعطف، وتغيير النظم للدلالة على قوة يقينهم وثباته وأنهم الأوحدون فيه، أو جملة اعتراضية كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة، فإن تحمل المشاق إنما يكون لخوف العاقبة والوثوق على المحاسبة وتكرير الضمير للاختصاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2058>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)\nإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ زين لهم أعمالهم القبيحة بأن جعلها مشتهاة للطبع محبوبة للنفس، أو الأعمال الحسنة التي وجب عليهم أن يعملوها بترتيب المثوبات عليها. فَهُمْ يَعْمَهُونَ عنها لا يدركون ما يتبعها من ضر أو نفع.\nأُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ كالقتل والأسر يوم بدر. وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ أشد الناس خسرانًا لفوات المثوبة واستحقاق العقوبة.\nوَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ لتؤتاه. مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ أي حكيم وأي عليم، والجمع بينهما مع أن العلم داخل في الحكمة لعموم العلم ودلالة الحكمة على اتقان الفعل والإِشعار بأن علوم القرآن منها ما هي حكمة كالعقائد والشرائع ومنها ما ليس كذلك كالقصص والأخبار عن المغيبات، ثم شرع في بيان بعض تلك العلوم بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2059>[سورة النمل (٢٧): آية ٧]</span>\nإِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)","vol":"4","page":154},{"text":"إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا أي اذكر قصته إِذْ قالَ ويجوز أن يتعلق ب عَلِيمٍ. سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أي عن حال الطريق لأنه قد ضله، وجمع الضمير إن صح أنه لم يكن معه غير امرأته لما كنى عنها بالأهل، والسين للدلالة على بعد المسافة والوعد بالإِتيان وإن أبطأ. أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ شعلة نار مقبوسة، وإضافة الشهاب إليه لأنه قد يكون قبسًا وغير قبس، ونونه الكوفيون ويعقوب على أن ال قَبَسٍ بدل منه أو وصف له لأنه بمعنى المقبوس، والعدتان على سبيل الظن ولذلك عبر عنهما بصيغة الترجي في «طه»، والترديد للدلالة على أنه إن لم يظفر بهما لم يعدم، أحدهما بناء على ظاهر الأمر أو ثقة بعادة الله تعالى أنه لا يكاد يجمع حرمانين على عبده. لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ رجاء أن تستدفئوا بها والصلاء النار العظيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2060>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nفَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)\nفَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ أي بُورِكَ فإن النداء فيه معنى القول، أو ب أَنْ بُورِكَ على أنها مصدرية أو مخففة من الثقيلة، والتخفيف وإن اقتضى التعويض بلا أو قد أو السين أو سوف لكنه دعاء وهو يخالف غيره في أحكام كثيرة. مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها مَنْ في مكان النَّارِ وهو البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ ومن حول مكانها والظاهر أنه عام في كل من في تلك الأرض، وفي ذلك الوادي وحواليها من أرض الشام الموسومة بالبركات لكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم أحياء وأمواتًا وخصوصًا تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى. وقيل المراد موسى والملائكة الحاضرون، وتصدير الخطاب بذلك بشارة بأنه قد قضى له أمر عظيم تنتشر بركته في أقطار الشأم.\nوَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ من تمام ما نودي به لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبيهًا وللتعجيب من عظمة ذلك الأمر، أو تعجب من موسى لما دهاه من عظمته.\nيا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الهاء للشأن وأَنَا اللَّهُ جملة مفسرة له، أو للمتكلم وأَنَا خبره واللَّهُ بيان له. الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ صفتان لله ممهدتان لما أراد أن يظهره، يريد أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية الفاعل كل ما أفعله بحكمة وتدبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2061>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)\nوَأَلْقِ عَصاكَ عطف على بُورِكَ أي نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك، ويدل عليه قوله وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ بعد قوله أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ بتكرير أن. فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك باضطراب.\nكَأَنَّها جَانٌّ حية خفيفة سريعة، وقرئ «جأن» على لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين. وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ولم يرجع من عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار، وإنما رعب لظنه أن ذلك الأمر أريد به ويدل عليه قوله: يَا مُوسى لاَ تَخَفْ أي من غيري ثقة بي أو مطلقًا لقوله: إِنِّي لاَ يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ أي حين يوحى إليهم من فرط الاستغراق فإنهم أخوف الناس أي من الله تعالى، أو لا يكون لهم عندي سوء عاقبة فيخافون منه.\nإِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ استثناء منقطع استدرك به ما يختلج في الصدر من نفي الخوف عن كلهم، وفيهم من فرطت منه صغيرة فإنهم وإن فعلوها أتبعوا فعلها ما يبطلها ويستحقون به من الله مغفرة ورحمة فإنه لا يخاف أيضًا، وقصد تعريض موسى بوكزه القبطي. وقيل متصل وثم بدل مستأنف معطوف على محذوف أي مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ ذنبه بالتوبة.","vol":"4","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2062>[سورة النمل (٢٧): آية ١٢]</span>\nوَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (١٢)\nوَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ لأنه كان بمدرعة صوف لا كم لها. وقيل الجيب القميص لأنه يجاب أي يقطع. تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آفة كبرص. فِي تِسْعِ آياتٍ في جملتها أو معها على أن التسع هي، الفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم ولمن عد العصا واليد من التسع أن يعد الأخيرين واحدًا ولا يعد الفلق لأنه لم يبعث به إلى فرعون.\nأو اذهب في تسع آيات على أنه استئناف بالإِرسال فيتعلق به. إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وعلى الأولين يتعلق بنحو مبعوثًا أو مرسلًا. إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ تعليل للإرسال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2063>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nفَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)\nفَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا بأن جاءهم موسى بها. مُبْصِرَةً بينة اسم فاعل أطلق للمفعول، إشعارا بأنها لفرط اجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما يبصر، أو ذات تبصر من حيث إنها تهدي والعمي لا تهتدي فضلًا عن أن تهدي، أو مبصرة كل من نظر إليها وتأمل فيها. وقرئ «مُبْصِرَةً» أي مكانًا يكثركم فيه التبصر. قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ واضح سحريته.\nوَجَحَدُوا بِها وكذبوا بها. وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ وقد استيقنتها لأن الواو للحال. ظُلْمًا لأنفسهم.\nوَعُلُوًّا ترفعًا عن الإِيمان وانتصابهما على العلة من جَحَدُوا. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وهو الإِغراق في الدنيا والإِحراق في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2064>[سورة النمل (٢٧): آية ١٥]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)\nوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا طائفة من العلم وهو علم الحكم والشرائع، أو علمًا أي علم. وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ عطفه بالواو إشعارًا بأن ما قالاه بعض ما أتيا به في مقابلة هذه النعمة كأنه قال: ففعلا شكرًا له ما فعلا وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ. الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ يعني من لم يؤت علمًا أو مثل علمهما، وفيه دليل على فضل العلم وشرف أهله حيث شكرا على العلم وجعلاه أساس الفضل ولم يعتبرا دونه ما أوتيا من الملك الذي لم يؤت غيرهما، وتحريض للعالم على أن يحمد الله تعالى على ما آتاه من فضله وأن يتواضع ويعتقد أنه وإن فضل على كثير فقد فضل عليه كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2065>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)\nوَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ النبوة أو العلم أو الملك بأن قام مقامه في ذلك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر. وَقالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تشهيرًا لنعمة الله وتنويهًا بها ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير وغير ذلك من عظائم ما أوتيه، والنطق والمنطق في المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفردًا كان أو مركبًا وقد يطلق لكل ما يصوت به على التشبيه، أو التبع كقولهم نطقت الحمامة ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد، فإن الأصوات الحيوانية من حيث إنها تابعة للتخيلات منزلة منزلة العبارات سيما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض بحيث يفهمها ما من جنسه،","vol":"4","page":156},{"text":"ولعل سليمان ﵊ مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية التخيل الذي صوته والغرض الذي توخاه به. ومن ذلك ما حكي أنه مر ببلبل يصوت ويترقص فقال: يقول إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء، وصاحت فاختة فقال: إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا، فلعله كان صوت البلبل عن شبع وفراغ بال وصياح الفاختة عن مقاساة شدة وتألم قلب، والضمير في عُلِّمْنا وَأُوتِينا له ولأبيه عليهما الصلاة والسلام أوله وحده على عادة الملوك لمراعاة قواعد السياسة، والمراد مِنْ كُلِّ شَيْءٍ كثرة ما أوتي كقولك:\nفلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء. إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ الذي لا يخفى على أحد.\nوَحُشِرَ وجمع لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبسون بحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2066>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nحَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)\nحَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ واد بالشام كثير النمل، وتعدية الفعل إليه ب عَلى إما لأن إتيانهم كان من عال أو لأن المراد قطعة من قولهم: أتى على الشيء إذا أنفده وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا أخريات الوادي. قالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت عنهم مخافة حطمهم فتبعها غيرها فصاحت صيحة نبهت بها ما بحضرتها من النمال فتبعتها، فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم ولذلك أجروا مجراهم مع أنه لا يمتنع أن خلق الله ﷾ فيها العقل والنطق.\nلاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ نهي لهم عن الحطم، والمراد نهيها عن التوقف بحيث يحطمونها كقولهم: لا أرينك ها هنا، فهو استئناف أو بدل من الأمر لا جواب له فإن النون لا تدخله في السعة. وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بأنهم يحطمونكم إذ لو شعروا لم يفعلوا كأنها شعرت عصمة الأنبياء من الظلم والإِيذاء. وقيل استئناف أي فهم سليمان والقوم لا يشعرون.\nفَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها تعجبًا من حذرها وتحذيرها واهتدائها إلى مصالحها، وسرورًا بما خصه الله تعالى به من إدراك همسها وفهم غرضها ولذلك سأل توفيق شكره. وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أي اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، أي أكفه وأرتبطه لا ينفلت عني بحيث لا أنفك عنه، وقرأ البزي وورش بفتح ياء أَوْزِعْنِي. الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ أدرج فيه ذكر والديه تكثيرًا للنعمة أو تعميمًا لها، فإن النعمة عليهما نعمة عليه والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما سيما الدينية. وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ إتمامًا للشكر واستدامة للنعمة. وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ في عدادهم الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2067>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١)\nوَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ وتعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد. فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ أم منقطعة كأنه لما لم يره ظن أنه حاضر ولا يراه لساتر أو غيره فقال: ما لي لا أراه، ثم احتاط فلاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول أهو غائب كأنه يسأل عن صحة ما لاح له.\nلَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا كنتف ريشه وإلقائه في الشمس، أو حيث النمل يأكله أو جعله مع ضده في قفص. أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ليعتبر به أبناء جنسه. أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ بحجة تبين عذره، والحلف في الحقيقة","vol":"4","page":157},{"text":"على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث لكن لما اقتضى ذلك وقوع أحد الأمور الثلاثة ثلث المحلوف عليه بعطفه عليهما، وقرأ ابن كثير أو «ليأتينني» بنونين الأولى مفتوحة مشددة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2068>[سورة النمل (٢٧): آية ٢٢]</span>\nفَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)\nفَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ زمانًا غير مديد يريد به الدلالة على سرعة رجوعه خوفًا منه، وقرأ عاصم بفتح الكاف. فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ يعني حال سبأ، وفي مخاطبته إياه بذلك تنبيه له على أن في أدنى خلق الله تعالى من أحاط علمًا بما لم يحط به لتتحاقر إليه نفسه ويتصاغر لديه علمه، وقرئ بإدغام الطاء في التاء بإطباق وبغير إطباق. وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ وقرأ ابن كثير برواية البزي وأبو عمرو وغير مصروف على تأويل القبيلة أو البلدة والقواس بهمزة ساكنة. بِنَبَإٍ يَقِينٍ بخبر متحقق\nروي أنه ﵊ لما أتم بناء بيت المقدس تجهز للحج فوافى الحرم وأقام بها ما شاء، ثم توجه إلى اليمن فخرج من مكة صباحًا فوافى صنعاء ظهيرة فأعجبته نزاهة أرضها فنزل بها ثم لم يجد الماء. وكان الهدهد رائده لأنه يحسن طلب الماء.\nفتفقده لذلك فلم يجده إذ حلق حين نزل سليمان فرأى هدهدًا واقعًا فانحط إليه فتواصفا وطار معه لينظر ما وصف له، ثم رجع بعد العصر وحكى ما حكى، ولعل في عجائب قدرة الله وما خص به خاصة عباده أشياء أعظم من ذلك يستكبرها من يعرفها ويستنكرها من ينكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2069>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nإِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤)\nإِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ يعني بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان، والضمير لسبأ أو لأهلها.\nوَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الملوك. وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ عظمه بالنسبة إليها أو إلى عروش أمثالها.\nوقيل كان ثلاثين ذراعًا في ثلاثين عرضًا وسمكا، أو ثمانين في ثمانين من ذهب وفضة مكللًا بالجواهر.\nوَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ كأنهم كانوا يعبدونها. وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ عبادة الشمس وغيرها من مقابح أعمالهم. فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ عن سبيل الحق والصواب. فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2070>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nأَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)\nأَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ فصدهم لئلا يسجدوا أو زين لهم أن لا يسجدوا على أنه بدل من أَعْمالَهُمْ، أو لاَ يَهْتَدُونَ إلى أن يسجدوا بزيادة لا. وقرأ الكسائي ويعقوب إِلا بالتخفيف على أنها للتنبيه ويا للنداء ومناداه محذوف أي: ألا يا قوم اسجدوا كقوله:\nوَقَالَتْ أَلاَ يَا اسْمَعْ أَعِظكَ بِخطَّةٍ ... فَقُلْتُ سَمِيعًا فَانْطِقِي وَأَصِيبِي\nوعلى هذا صح أن يكون استئنافًا من الله أو من سليمان والوقف على لاَ يَهْتَدُونَ، فيكون أمرًا بالسجود وعلى الأول ذمًا على تركه وعلى الوجهين يقتضي وجوب السجود في الجملة لا عند قراءتها، وقرئ «هلا» و«هلا» بقلب الهمزة هاء و«ألا تسجدون» و«هلا تسجدون» على الخطاب. الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ وصف له تعالى بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود من التفرد بكمال القدرة والعلم حثًا على سجوده وردًا على من يسجد لغيره، والْخَبْءَ ما خفي في غيره","vol":"4","page":158},{"text":"وإخراجه إظهاره، وهو يعم إشراق الكواكب وإنزال الأمطار وإنبات النبات بل الإِنشاء فإنه إخراج ما في الشيء بالقوة إلى الفعل والإِبداع، فإنه إخراج ما في الإِمكان والعدم إلى الوجوب والوجود ومعلوم أنه يختص بالواجب لذاته. وقرأ حفص والكسائي مَا تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ بالتاء.\nاللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي هو أول الأجرام وأعظمها والمحيط بجملتها فبين العظيمين بون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2071>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nقالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨)\nقالَ سَنَنْظُرُ سنعرف من النظر بمعنى التأمل. أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ أي أم كذبت والتغيير للمبالغة ومحافظة الفواصل.\nاذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ثم تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه. فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ ماذا يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ من القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2072>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nقالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)\nقالَتْ أي بعد ما ألقى إليها. يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ لكرم مضمونه أو مرسله، أو لأنه كان مختومًا أو لغرابة شأنه إذ كانت مستلقية في بيت مغلقة الأبواب فدخل الهدهد من كوة وألقاه على نحرها بحيث لم تشعر به.\nإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ استئناف كأنه قيل لها ممن هو وما هو فقالت إنه، أي إن الكتاب أو العنوان من سليمان وَإِنَّهُ أي وإن المكتوب أو المضمون. وقرئ بالفتح على الإِبدال من كِتابٌ أو التعليل لكرمه.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\nأَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ أنِ مفسرة أو مصدرية فتكون بصلتها خبر محذوف أي هو أو المقصود أن لا تعلوا أو بدل من كِتابٌ. وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين أو منقادين، وهذا كلام في غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الصانع تعالى وصفاته صريحًا أو التزامًا، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل والأمر بالإِسلام الجامع لأمهات الفضائل، وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاء للتقليد فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الدلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2073>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nقالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣)\nقالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أجيبوني في أمري الفتي واذكروا ما تستصوبون فيه. مَا كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا ما أبت أمرًا. حَتَّى تَشْهَدُونِ إلا بمحضركم استعطفتهم بذلك ليمالئوها على الإِجابة.\nقالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ بالأجساد والعدد. وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ نجدة وشجاعة. وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ موكول. فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ من المقاتلة أو الصلح نطعك ونتبع رأيك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2074>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nقالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)","vol":"4","page":159},{"text":"قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة. أَفْسَدُوها تزييف لما أحست منهم من الميل إلى المقاتلة بادعائهم القوى الذاتية والعرضية، وإشعار بأنها ترى الصلح مخافة أن يتخطى سليمان خططهم فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم وعماراتهم، ثم أن الحرب سجال لا تدري عاقبتها. وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً بنهب أموالهم وتخريب ديارهم إلى غير ذلك من الإِهانة والأسر. وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ تأكيد لما وصفت من حالهم وتقرير بأن ذلك من عاداتهم الثابتة المستمرة، أو تصديق لها من الله ﷿.\nوَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ بيان لما ترى تقديمه في المصالحة، والمعنى إني مرسلة رسلًا بهدية أدفعه بها عن ملكي. فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ من حاله حتى أعمل بحسب ذلك.\nروي أنها بعثت منذر بن عمرو في وفد وأرسلت معهم غلمانًا على زي الجواري وجواري على زي الغلمان، وحُقًا فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب وقالت: إن كان نبيًا ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقبًا مستويًا وسلك في الخرزة خيطًا، فلما وصلوا إلى معسكره ورأوا عظمة شأنه تقاصرت إليهم نفوسهم، فلما وقفوا بين يديه وقد سبقهم جبريل بالحال فطلب الحق وأخبر عما فيه، فأمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة وأمر دودة بيضاء فأخذت الخيط ونفذت في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه ثم رد الهدية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2075>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nفَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧)\nفَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ أي الرسول أو ما أهدت إليه وقرئ «فلما جاءوا» . قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ خطاب للرسول ومن معه، أو للرسول والمرسل على تغليب المخاطب. وقرأ حمزة ويعقوب بالإدغام وقرئ بنون واحدة وبنونين وحذف الياء. فَما آتانِيَ اللَّهُ من النبوة والملك الذي لا مزيد عليه، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص بفتح الياء والباقون بإسكانها وبإمالتها الكسائي وحده. خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ فلا حاجة لي إلى هديتكم ولا وقع لها عندي. بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنكم لا تعلمون إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا فتفرحون بما يهدى إليكم حبًا لزيادة أموالكم، أو بما تهدونه افتخارًا على أمثالكم، والإِضراب عن إنكار الإِمداد بالمال عليه وتقليله إلى بيان السبب الذي حملهم عليه، وهو قياس حاله على حالهم في قصور الهمة بالدنيا والزيادة فيها.\nارْجِعْ أيها الرسول. إِلَيْهِمْ إلى بلقيس وقومها. فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِها لا طاقة لهم بمقاومتها ولا قدرة لهم على مقابلتها وقرئ «بهم» . وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها من سبأ. أَذِلَّةً بذهاب ما كانوا فيه من العز. وَهُمْ صاغِرُونَ أسراء مهانون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2076>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nقالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)\nقالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها أراد بذلك أن يريها بعض ما خصه الله تعالى به من العجائب الدالة على عظم القدرة وصدقه في دعوى النبوة، ويختبر عقلها بأن ينكر عرشها فينظر أتعرفه أم تنكره؟.\nقَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ فإنها إذا أتت مسلمة لم يحل أخذه إلا برضاها.\nقالَ عِفْرِيتٌ خبيث مارد. مِنَ الْجِنِّ بيان له لأنه يقال للرجل الخبيث المنكر المعفر أقرانه، وكان اسمه ذكوان أو صخرا. أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ من مجلسك للحكومة وكان يجلس إلى نصف","vol":"4","page":160},{"text":"النهار. وَإِنِّي عَلَيْهِ على حمله. لَقَوِيٌّ أَمِينٌ لا أختزل منه شيئًا ولا أبدله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2077>[سورة النمل (٢٧): آية ٤٠]</span>\nقالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)\nقالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ آصف بن برخيا وزيره، أو الخضر أو جبريل ﵉ أو ملك أيده الله به، أو سليمان ﵇ نفسه فيكون التعبير عنه بذلك للدلالة على شرف العلم وأن هذه الكرامة كانت بسببه والخطاب في: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ للعفريت كأنه استبطأه فقال له ذلك، أو أراد إظهار معجزة في نقله فتحداهم أولًا ثم أراهم أنه يتأتى له مالًا يتأتى لعفاريت الجن فضلًا عن غيرهم، والمراد ب الْكِتابِ جنس الكتب المنزلة أو اللوح، وآتِيكَ في الموضعين صالح للفعلية والاسمية، «والطرف» تحريك الأجفان للنظر فوضع موضعه ولما كان الناظر يوصف بإرسال الطرف كما في قوله:\nوَكُنْت إِذَا أَرْسَلْت طَرْفَكَ رَائِدا ... لِقَلْبِكَ يَوْمًا أَتْعَبَتْكَ المَنَاظِرُ\nوصف برد الطرف والطرف بالارتداد، والمعنى أنك ترسل طرفك نحو شيء فقبل أن ترده أحضر عرشها بين يديك، وهذا غاية في الإِسراع ومثل فيه. فَلَمَّا رَآهُ أي العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ حاصلًا بين يديه.\nقالَ تلقيًا للنعمة بالشكر على شاكلة المخلصين من عباد الله تعالى هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي تفضل به عليَّ من غير استحقاق، والإِشارة إلى التمكن من إحضار العرش في مدة إرتداد الطرف من مسيرة شهرين بنفسه أو غيره، والكلام في إمكان مثله قد مر في آية «الإسراء» . لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ بأن أراه فضلًا من الله تعالى بلا حول مني ولا قوة وأقوم بحقه. أَمْ أَكْفُرُ بأن أجد نفسي في البين، أو أقصر في أداء مواجبه ومحلها النصب على البدل من الياء. وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لأنه به يستجلب لها دوام النعمة ومزيدها ويحط عنها عبء الواجب ويحفظها عن وصمة الكفران. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ عن شكره. كَرِيمٌ بالإنعام عليه ثانيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2078>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nقالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)\nقالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها بتغيير هيئته وشكله. نَنْظُرْ جواب الأمر، وقرئ بالرفع على الاستئناف.\nأَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ إلى معرفته أو الجواب الصواب، وقيل إلى الإِيمان بالله ورسوله إذا رأت تقدم عرشها وقد خلفته مغلقة عليه الأبواب موكلة عليها الحراس.\nفَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ تشبيهًا عليها زيادة في امتحان عقلها إذ ذكرت عنده بسخافة العقل.\nقالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ولم تقل هو هو الاحتمال أن يكون مثله وذلك من كمال عقلها. وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ من تتمة كلامها كأنها ظنت أنه أراد بذلك اختبار عقلها وإظهار معجزة لها فقالت: وأوتينا العلم بكمال قدرة الله وصحة نبوتك قبل هذه الحالة، أو المعجزة مما تقدم من الآيات. وقيل إنه من كلام سليمان ﵇ وقومه وعطفوه على جوابها لما فيه من الدلالة على إيمانها بالله ورسوله حيث جوزت أن يكون ذلك عرشها تجويزا غالبا، وإحضاره ثمة من المعجزات التي لا يقدر عليها غير الله تعالى ولا تظهر إلا على يد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أي وأوتينا العلم بالله وقدرته وصحة ما جاء به من عنده قبلها وكنا منقادين لحكمه ولم نزل على دينه، ويكون غرضهم فيه التحدث بما أنعم الله عليهم من التقدم في ذلك شكرا الله تعالى.","vol":"4","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2079>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nوَصَدَّها مَا كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)\nوَصَدَّها مَا كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي وصدها عبادتها الشمس عن التقدم إلى الإِسلام، أو وصدها الله عن عبادتها بالتوفيق للإِيمان. إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ وقرئ بالفتح على الإِبدال من فاعل صدها على الأول، أي صدها نشؤها بين أظهر الكفار أو التعليل له.\nلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ\nالقصر وقيل عرصة الدار. لَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها\nروي أنه أمر قبل قدومها ببناء قصر صحنه من زجاج أبيض وأجرى من تحته الماء وألقى فيه حيوانات البحر ووضع سريره في صدره فجلس عليه، فلما أبصرته ظنته ماء راكدًا فكشفت عن ساقيها.\nوقرأ ابن كثير برواية قنبل «سأقيها» بالهمز حملًا على جمعه سئوق وأسؤق. الَ إِنَّهُ\nإن ما تظنينه ماء. رْحٌ مُمَرَّدٌ\nمملس. نْ قَوارِيرَ\nمن الزجاج.\nلَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي\nبعبادتي الشمس، وقيل بظني بسليمان فإنها حسبت أنه يغرقها في اللجة.\nأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ\nفيما أمر به عباده وقد، اختلف في أنه تزوجها أو زوجها من ذي تبع ملك همدان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2080>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٥ الى ٤٧]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ بأن اعبدوا الله، وقرئ بضم النون على اتباعها الباء. فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ ففاجؤوا التفرق والاختصام فآمن فريق وكفر فريق، والواو لمجموع الفريقين.\nقالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالعقوبة فتقولون ائتنا بما تعدنا. قَبْلَ الْحَسَنَةِ قبل التوبة فتؤخرونها إلى نزول العقاب فإنهم كانوا يقولون إن صدق إيعاده تبنا حينئذ. لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قبل نزوله.\nلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بقبولها فإنها لا تقبل حينئذ.\nقالُوا اطَّيَّرْنا تشاءمنا. بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ إِذ تتابعت علينا الشدائد، أو وقع بيننا الافتراق منذ اخترعتم دينكم. قالَ طائِرُكُمْ سببكم الذي جاء منه شركم. عِنْدَ اللَّهِ وهو قدره أو عملكم المكتوب عنده. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ تختبرون بتعاقب السراء والضراء، والإِضراب من بيان طائرهم الذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2081>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩)\nوَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ تسعة أنفس، وإنما وقع تمييزًا للتسعة باعتبار المعنى، والفرق بينه وبين النفر أنه من الثلاثة أو السبعة إلى العشرة، والنفر من الثلاثة إلى التسعة. يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ أي شأنهم الإِفساد الخالص عن شوب الصلاح.","vol":"4","page":162},{"text":"قالُوا أي قال بعضهم لبعض. تَقاسَمُوا بِاللَّهِ أمر مقول أو خبر وقع بدلًا أو حالًا بإضمار قد.\nلَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ لنباغتن صالحًا وأهله ليلًا. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على خطاب بعضهم لبعض، وقرئ بالياء على أن تقاسموا خبر. ثُمَّ لَنَقُولَنَّ فيه القراءات الثلاث. لِوَلِيِّهِ لولي دمه. مَا شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ فضلًا أن تولينا إهلاكهم، وهو يحتمل المصدر والزمان والمكان وكذا مَهْلِكَ في قراءة حفص فإن مفعلًا قد جاء مصدرًا كمرجع. وقرأ أبو بكر بالفتح فيكون مصدرًا. وَإِنَّا لَصادِقُونَ ونحلف إنا لصادقون، أو والحال إِنَّا لَصادِقُونَ فيما ذكرنا لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفًا، أو لأنا ما شهدنا مهلكهم وحده بل مهلكه ومهلكهم كقولك ما رأيت ثمة رجلًا بل رجلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2082>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nوَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)\nوَمَكَرُوا مَكْرًا بهذه المواضعة. وَمَكَرْنا مَكْرًا بأن جعلناها سببًا لإِهلاكهم. وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بذلك،\nروي أنه كان لصالح في الحجر مسجد في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فذهبوا إلى الشعب ليقتلوه، فوقع عليهم صخرة حيالهم فطبقت عليهم فم الشعب فهلكوا ثمة وهلك الباقون في أماكنهم بالصيحة\nكما أشار إليه قوله:\nفَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ وكانَ إن جعلت ناقصة فخبرها كَيْفَ وأَنَّا دَمَّرْناهُمْ استئناف أو خبر محذوف لا خبر كانَ لعدم العائد، وإن جعلتها تامة ف- كَيْفَ حال. وقرأ الكوفيون ويعقوب أَنَّا دَمَّرْناهُمْ بالفتح على أنه خبر محذوف أو بدل من اسم كانَ أو خبر له وكَيْفَ حال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2083>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nفَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)\nفَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً خالية من خوى البطن إذا خلا، أو ساقطة منهدمة من خوى النجم إذا سقط، وهي حال عمل فيها معنى الإشارة. وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. بِما ظَلَمُوا بسبب ظلمهم.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فيتعظون.\nوَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا صالحًا ومن معه. وَكانُوا يَتَّقُونَ الكفر والمعاصي فلذلك خصوا بالنجاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2084>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)\nوَلُوطًا واذكر لوطًا، أو وأرسلنا لوطًا لدلالة ولقد أرسلنا عليه. إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ بدل على الأول وظرف على الثاني. أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ تعلمون فحشها من بصر القلب واقتراف القبائح من العالم بقبحها أقبح، أو يبصرها بعضكم من بعض لأنهم كانوا يعلنون بها فتكون أفحش.\nأَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً بيان لإتيانهم الفاحشة وتعليله بالشهوة للدلالة على قبحه، والتنبيه على أن الحكمة في المواقعة طلب النسل لا قضاء الوطر. مِنْ دُونِ النِّساءِ اللاتي خلقن لذلك. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ تفعلون فعل من يجهل قبحها، أو يكون سفيهًا لا يميز بين الحسن والقبيح، أو تجهلون العاقبة والتاء فيه لكون الموصوف به في معنى المخاطب.","vol":"4","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2085>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٦ الى ٥٨]</span>\nفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)\nفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أي يتنزهون عن أفعالنا، أو عن الأقذار ويعدون فعلنا قذرًا.\nفَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ قدرنا كونها من الباقين في العذاب.\nوَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ مر مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2086>[سورة النمل (٢٧): آية ٥٩]</span>\nقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)\nقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمر رسوله ﷺ. بعد ما قص عليه القصص الدالة على كمال قدرته وعظم شأنه وما خص به رسله من الآيات الكبرى والانتصار من العدا- بتحميده والسلام على المصطفين من عباده شكرًا على ما أنعم عليهم، أو علمه ما جهل من أحوالهم وعرفانًا لفضلهم وحق تقدمهم واجتهادهم في الدين، أو لوطًا بأن يحمده على هلاك كفرة قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الفواحش والنجاة من الهلاك. آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ إلزام لهم وتهكم بهم وتسفيه لرأيهم، إذ من المعلوم أن لا خير فيما أشركوه رأسًا حتى يوازن بينه وبين من هو مبدأ كل خير. وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب بالياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2087>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٠]</span>\nأَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماء فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ مَّا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)\nأَمَّنْ بل أمن خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ التي هي أصول الكائنات ومبادئ المنافع. وقرأ «أمن» بالتخفيف على أنه بدل من الله. وَأَنْزَلَ لَكُمْ لأجلكم. مِنَ السَّماءِ ماء فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ عدل به من الغيبة إلى التكلم لتأكيد اختصاص الفعل بذاته، والتنبيه على أن إنبات الحدائق البهية المختلفة الأنواع المتباعدة الطباع من المواد المتشابهة لا يقدر عليه غيره كما أشار إليه بقوله: مَّا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها شجر الحدائق وهي البساتين من الإحداق وهو الإحاطة. أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ أغيره يقرن به ويجعل له شريكًا، وهو المنفرد بالخلق والتكوين. وقرئ «أإلهًا» بإضمار فعل مثل أتدعون أو أتشركون وبتوسيط مدة بين الهمزتين وإخراج الثانية بين بين. بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ عن الحق الذي هو التوحيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2088>[سورة النمل (٢٧): آية ٦١]</span>\nأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٦١)\nأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا بدل من أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وجعلها قرارًا بإبداء بعضها من الماء وتسويتها بحيث يتأتى استقرار الإِنسان والدواب عليها. وَجَعَلَ خِلالَها وسطها. أَنْهارًا جارية. وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ جبالًا تتكون فيها المعادن وتنبع من حضيضها المنابع. وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ العذب والمالح، أو خليجي فارس والروم. حاجِزًا برزخًا وقد مر بيانه في سورة «الفرقان» . أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق فيشركون به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2089>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nأَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)","vol":"4","page":164},{"text":"أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ المضطر الذي أحوجه شدة ما به إلى اللجإ إلى الله تعالى من الاضطرار، وهو إفتعال من الضرورة واللام فيه للجنس لا للاستغراق فلا يلزم منه إجابة كل مضطر. وَيَكْشِفُ السُّوءَ ويدفع عن الإِنسان ما يسوءه. وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ خلفاء فيها بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها ممن قبلكم. أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ الذي خصكم بهذه النعم العامة والخاصة. قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ أي تذكرون آلاءه تذكرًا قليلًا، وما مزيدة والمراد بالقلة العدم أو الحقارة المزيحة للفائدة. وقرأ أبو عمرو وهشام وروح بالياء وحمزة والكسائي وحفص بالتاء وتخفيف الذال.\nأَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بالنجوم وعلامات الأرض، وال ظُلُماتِ ظلمات الليالي وإضافتها إلى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ للملابسة، أو مشتبهات الطرق يقال طريقة ظلماء وعمياء للتي لا منار بها. وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يعني المطر، ولو صح أن السبب الأكثر في تكون الرياح معاودة الأدخنة الصاعدة من الطبقة الباردة لإِنكسار حرها وتمويجها الهواء فلا شك أن الأسباب الفاعلية والقابلية لذلك من خلق الله تعالى، والفاعل للسبب فعل للمسبب. أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يقدر على مثل ذلك. تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ تعالى الله القادر الخالق عن مشاركة العاجز المخلوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2090>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٤]</span>\nأَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤)\nأَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ والكفرة وإن أنكروا الإِعادة فهم محجوجون بالحجج الدالة عليها. وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي بأسباب سماوية وأرضية. أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يفعل ذلك. قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ على أن غيره يقدر على شيء من ذلك. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إشراككم فإن كمال القدرة من لوازم الألوهية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2091>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٥]</span>\nقُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)\nقُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ لما بين اختصاصه تعالى بالقدرة التامة الفائقة العامة أتبعه ما هو كاللازم له، وهو التفرد بعلم الغيب والاستثناء منقطع، ورفع المستثنى على اللغة التميمية للدلالة على أنه تعالى إن كان ممن في السموات والأرض ففيها من يعلم الغيب مبالغة في نفيه عنهم، أو متصل على أن المراد ممن فى السموات والأرض من تعلق علمه بها واطلع عليها اطلاع الحاضر فيها، فإنه يعم الله تعالى وأولي العلم من خلقه وهو موصول أو موصوف. وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ متى ينشرون مركبة من «أي» «وآن»، وقرئت بكسر الهمزة والضمير لمن وقيل للكفرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2092>[سورة النمل (٢٧): آية ٦٦]</span>\nبَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦)\nبَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ لما نفى عنهم علم الغيب وأكد ذلك بنفي شعورهم بما هو مآلهم لا محالة بالغ فيه، بأن أضرب عنه وبين أن ما انتهى وتكامل فيه أسباب علمهم من الحجج والآيات وهو أن القيامة كائنة لا محالة لا يعلمونه كما ينبغي. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها كمن تحير في الأمر لا يجد عليه دليلًا.\nبَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ لا يدركون دلائلها لاختلال بصيرتهم، وهذا وإن اختص بالمشركين ممن في السموات","vol":"4","page":165},{"text":"والأرض نسب إلى جميعهم كما يسند فعل البعض إلى الكل، والإِضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم، وقيل الأول إضراب عن نفي الشعور بوقت القيامة عنهم إلى وصفهم باستحكام علمهم في أمر الآخرة تهكمًا بهم، وقيل أدرك بمعنى انتهى واضمحل من قولهم أدركت الثمرة لأن تلك غايتها التي عندها تعدم. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص بَلِ ادَّارَكَ بمعنى تتابع حتى استحكم، أو تتابع حتى انقطع من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وأبو بكر «أدرك» وأصلهما تفاعل وافتعل. وقرئ «أأدرك» و«أم أدرك» بهمزتين «وءاأدرك» بألف بينهما و«بل أدرك» و«بل تدارك» و«بلى أأدرك» و«بلى أأدرك» و«أم أدرك» و«أم تدارك»، وما فيه استفهام صريح أو مضمن من ذلك فإنكار وما فيه بلى فإثبات لشعورهم وتفسير له بالإِدراك على التهكم، وما بعده إضراب عن التفسير مبالغة في نفيه ودلالة على أن شعورهم بها أنهم شاكون فيها بَلِ إنهم مِنْها عَمُونَ أوْ رَدَّ وإنكار لشعورهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2093>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ كالبيان لعمههم والعامل في إذا ما دل عليه أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ، وهو نخرج لا مخرجون لأن كلًا من الهمزة وإن واللام مانعة من عمله فيما قبلها، وتكرير الهمزة للمبالغة في الإِنكار، والمراد بالإِخراج الإِخراج من الأجداث أو من حال الفناء إلى الحياة، وقرأ نافع «إذا كنا» بهمزة واحدة مكسورة، وقرأ ابن عامر والكسائي «إننا لمخرجون» بنونين على الخبر.\nلَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ من قبل وعد محمّد ﷺ، وتقديم هذا على نحن لأن المقصود بالذكر هو البعث وحيث أخر فالمقصود به المبعوث. إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ التي هي كالأسمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2094>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)\nقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ تهديد لهم على التكذيب وتخويف بأن ينزل بهم مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم، والتعبير عنهم ب الْمُجْرِمِينَ ليكون لطفًا بالمؤمنين في ترك الجرائم.\nوَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ على تكذبيهم وإعراضهم. وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ في حرج صدر، وقرأ ابن كثير بكسر الضاد وهما لغتان، وقرئ ضيق أي أمر ضيق. مِمَّا يَمْكُرُونَ من مكرهم فإن الله يعصمك من الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2095>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧١ الى ٧٢]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ العذاب الموعود. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.\nقُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ تبعكم ولحقكم، واللام مزيدة للتأكيد أو الفعل مضمن معنى فعل يتعدى باللام مثل دنا. وقرئ بالفتح وهو لغة فيه. بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ حلوله وهو عذاب يوم بدر، وعسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك كالجزم بها وإنما يطلقونها إظهارًا لوقارهم وإشعارًا بأن الرمز منهم كالتصريح من غيرهم وعليه جرى وعد الله تعالى ووعيده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2096>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٣ الى ٧٥]</span>\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥)","vol":"4","page":166},{"text":"وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ لتأخير عقوبتهم على المعاصي، والفضل والفاضلة الأفضال وجمعها فضول وفواضل. وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ لا يعرفون حق النعمة فيه فلا يشكرونه بل يستعجلون بجهلهم وقوعه.\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ما تخفيه وقرئ بفتح التاء من كننت أي سترت. وَما يُعْلِنُونَ من عداوتك فيجازيهم عليه.\nوَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ خافية فيهما، وهما من الصفات الغالبة والتاء فيهما للمبالغة كما في الراوية، أو اسمان لما يغيب ويخفى كالتاء في عافية وعاقبة. إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ بين أو مُبِينٍ ما فيه لما يطالعه، والمراد اللوح أو القضاء على الاستعارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2097>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٦ الى ٧٨]</span>\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ كالتشبيه والتنزيه وأحوال الجنة والنار وعزير والمسيح.\nوَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فإنهم المنتفعون به.\nإِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بين بني إسرائيل. بِحُكْمِهِ بما يحكم به وهو الحق، بحكمته ويدل عليه أنه قرئ بحكمه. وَهُوَ الْعَزِيزُ فلا يرد قضاؤه. الْعَلِيمُ بحقيقة ما يقضى فيه، وحكمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2098>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧٩ الى ٨١]</span>\nفَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)\nفَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ولا تبال بمعاداتهم. إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ وصاحب الحق حقيق بالوثوق بحفظ الله ونصره.\nإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى تعليل اخر للأمر بالتوكل من حيث إنه يقطع طعمه عن مشايعتهم ومعاضدتهم رأسًا، وإنما شبهوا بالموتى لعدم انتفاعهم باستماع ما يتلى عليهم كما شبهوا بالصم في قوله: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ فإن إسماعهم في هذه الحالة أبعد. وقرأ ابن كثير وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ.\nوَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ حيث الهداية لا تحصل إلا بالبصر. وقرأ حمزة وحده «وما أنت تهدي العمي» . إِنْ تُسْمِعُ أي ما يجدي إسماعك. إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا من هو في علم الله كذلك.\nفَهُمْ مُسْلِمُونَ مخلصون مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2099>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٢]</span>\nوَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢)\nوَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ إذا دنا وقوع معناه وهو ما وعدوا به من البعث والعذاب. أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ وهي الجساسة روي أن طولها ستون ذراعًا ولها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان، لا يفوتها","vol":"4","page":167},{"text":"هارب ولا يدركها طالب.\nوروي أنه ﵊ سئل من أين مخرجها فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله، يعني المسجد الحرام.\nتُكَلِّمُهُمْ من الكلام، وقيل من الكلم إذ قرئ «تُكَلّمُهُمْ» .\nوروي أنها تخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما الصلاة والسلام، فتنكت بالعصا في مسجد المؤمن نكتة بيضاء فيبيض وجهه، وبالخاتم في أنف الكافر نكتة سوداء فيسود وجهه.\nأَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا خروجها وسائر أحوالها فإنها من آيات الله تعالى، وقيل القرآن، وقرأ الكوفيون أن الناس بالفتح. لاَ يُوقِنُونَ لا يتيقنون، وهو حكاية معنى قولها أو حكايتها لقول الله ﷿ أو علة خروجها، أو تكلمها على حذف الجار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2100>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٣ الى ٨٥]</span>\nوَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أَمَّا ذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥)\nوَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا يعني يوم القيامة. مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا بيان للفوج أي فوجًا مكذبين، ومِنْ الأولى للتبعيض لأن أمة كل نبي وأهل كل قرن شامل للمصدقين والمكذبين. فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا، وهو عبارة عن كثرة عددهم وتباعد أطرافهم.\nحَتَّى إِذا جاؤُ إلى المحشر. قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا الواو للحال أي أكذبتم بها بادئ الرأي غير ناظرين فيها نظرًا يحيط علمكم بكنهها وأنها حقيقة بالتصديق أو التكذيب، أو للعطف أي أجمعتم بين التكذيب بها وعدم إلقاء الأذهان لتحققها. أَمَّا ذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أم أي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك، وهو للتبكيت إذ لم يفعلوا غير التكذيب من الجهل فلا يقدرون أن يقولوا فعلنا غير ذلك.\nوَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ حل بهم العذاب الموعود وهو كبهم في النار بعد ذلك. بِما ظَلَمُوا بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله. فَهُمْ لاَ يَنْطِقُونَ باعتذار لشغلهم بالعذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2101>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٦]</span>\nأَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)\nأَلَمْ يَرَوْا ليتحقق لهم التوحيد ويرشدهم إلى تجويز الحشر وبعثة الرسل، لأن تعاقب النور والظلمة على وجه مخصوص غير متعين بذاته لا يكون إلا بقدرة قاهر، وأن من قدر على إبدال الظلمة بالنور في مادة واحدة قدر على إبدال الموت بالحياة في مواد الأبدان، وأن من جعل النهار ليبصروا فيه سببًا من أسباب معاشهم لعله لا يخل بما هو مناط جميع مصالحهم في معاشهم ومعادهم. أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ بالنوم والقرار. وَالنَّهارَ مُبْصِرًا فإن أصله ليبصروا فيه فبولغ فيه بجعل الإِبصار حالًا من أحواله المجعول عليها بحيث لا ينفك عنها. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لدلالتها على الأمور الثلاثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2102>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٧]</span>\nوَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧)\nوَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ في الصور أو القرن، وقيل إنه تمثيل لانبعاث الموتى بانبعاث الجيش إذا نفخ في البوق. فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من الهول وعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه. إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع بأن يثبت قلبه. قيل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وقيل الحور والخزنة وحملة العرش، وقيل الشهداء، وقيل موسى ﵊ لأنه صعق مرة ولعل المراد ما يعم ذلك.\nوَكُلٌّ أَتَوْهُ حاضرون الموقف بعد النفخة الثانية، أو راجعون إلى أمره وقرأ حمزة وحفص أَتَوْهُ على","vol":"4","page":168},{"text":"الفعل، وقرئ «أتاه» على التوحيد للفظ الكل. داخِرِينَ صاغرين وقرئ «دخرين» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2103>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٨]</span>\nوَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨)\nوَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ثابتة في مكانها. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ في السرعة، وذلك لأن الأجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد لا تكاد تبين حركتها. صُنْعَ اللَّهِ مصدر مؤكد لنفسه وهو لمضمون الجملة المتقدمة كقوله وَعَدَ اللَّهُ. الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أحكم خلقه وسواه على ما ينبغي. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ عالم بظواهر الأفعال وبواطنها فيجازيكم عليها كما قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2104>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٩ الى ٩٠]</span>\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها إذ ثبت له الشريف بالخسيس والباقي بالفاني وسبعمائة بواحدة، وقيل خَيْرٌ مِنْها أي خير حاصل من جهتها وهو الجنة، وقرأ ابن كثير وأبو عمر وهشام خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُونَ بالياء والباقون بالتاء. وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ يعني به خوف عذاب يوم القيامة، وبالأول ما يلحق الإِنسان من التهيب لما يرى من الأهوال والعظائم ولذلك يعم الكافر والمؤمن، وقرأ الكوفيون بالتنوين لأن المراد فزع واحد من أفزاع ذلك اليوم، وآمن يتعدى بالجار وبنفسه كقوله أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ. وقرأ الكوفيون ونافع يَوْمَئِذٍ بفتح الميم والباقون بكسرها.\nوَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قيل بالشرك. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ فكبوا فيها على وجوههم، ويجوز أن يراد بالوجوه أنفسهم كما أريدت بالأيدي في قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على الالتفات أو بإضمار القول أي قيل لهم ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2105>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٩١ الى ٩٢]</span>\nإِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)\nإِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها أمر الرسول ﷺ بأن يقول لهم ذلك بعد ما بين المبدأ والمعاد وشرح أحوال القيامة، إشعارًا بأنه قد أتم الدعوة وقد كملت وما عليه بعد إلا الاشتغال بشأنه والاستغراق في عبادة ربه، وتخصيص مكة بهذه الإِضافة تشريف لها وتعظيم لشأنها وقرئ «التي حرمها» .\nوَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقًا وملكًا. وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ المنقادين أو الثابتين على ملة الإسلام.\nوَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ وأن أواظب على تلاوته لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شيئًا فشيئًا، أو اتباعه وقرئ «واتل عليهم» «وأن أتل» . فَمَنِ اهْتَدى باتباعه إياي في ذلك، فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ فإن منافعه عائدة إليه.\nوَمَنْ ضَلَّ بمخالفتي. فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ فلا علي من وبال ضلاله شيء إذ مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ وقد بلغت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2106>[سورة النمل (٢٧): آية ٩٣]</span>\nوَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)\nوَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمة النبوة أو على ما علمني ووفقني للعمل به. سَيُرِيكُمْ آياتِهِ القاهرة في","vol":"4","page":169},{"text":"الدنيا كوقعة بدر وخروج دابة الأرض، أو في الآخرة. فَتَعْرِفُونَها أنها آيات الله ولكن حين لا تنفعكم المعرفة. وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فلا تحسبوا أن تأخير عذابكم لغفلته عن أعمالكم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالياء.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة طس كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق سليمان وكذب به وهودًا وصالحًا وإبراهيم وشعيبًا، ويخرج من قبره وهو ينادي لا إله إلا الله» .","vol":"4","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2107>(٢٨) سورة القصص</span>\nمكية وقيل إلا قوله تعالى (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) إلى قوله (لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ) وهي ثمان وثمانون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2108>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)\nطسم.\nتِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ.\nنَتْلُوا عَلَيْكَ نقرؤه بقراءة جبريل، ويجوز أن يكون بمعنى ننزله مجازًا. مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بعض نبئهما مفعول نَتْلُوا. بِالْحَقِّ محقين. لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لأنهم المنتفعون به.\nإِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ استئناف «مبين» لذلك البعض، والأرض أرض مصر. وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا فرقًا يشيعونه فيما يريد، أو يشيع بعضهم بعضًا في طاعته أو أصنافًا في استخدامه استعمل كل صنف في عمل، أو أحزابًا بأن أغرى بينهم العداوة كي لا يتفقوا عليه. يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ وهم بنو إسرائيل، والجملة حال من فاعل جَعَلَ أو صفة ل شِيَعًا أو استئناف، وقوله: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ بدل منها، كان ذلك لأن كاهنًا قال له يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده، وذلك كان من غاية حمقه فإنه لو صدق لم يندفع بالقتل وإن كذب فما وجهه. إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فلذلك اجترأ على قتل خلق كثير من أولاد الأنبياء لتخيل فاسد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2109>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)\nوَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ أن نتفضل عليهم بإنقاذهم من بأسه، وَنُرِيدُ حكاية حال ماضية معطوفة على إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ من حيث إنهما واقعان تفسيرا لل نَبَإِ، أو حال من يَسْتَضْعِفُ ولا يلزم من مقارنة الإِرادة للاستضعاف مقارنة المراد له، لجواز أن يكون تعلق الإِرادة به حينئذ تعلقًا استقباليًا مع أن منة الله بخلاصهم لما كانت قريبة الوقوع منه جاز أن تجري مجرى المقارن. وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً مقدمين في أمر الدين. وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ لما كان في ملك فرعون وقومه.\nوَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أرض مصر والشام، وأصل التمكين أن تجعل للشيء مكانًا يتمكن فيه ثم استعير للتسليط وإِطلاق الأمر. وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ من بني إسرائيل. مَّا كانُوا يَحْذَرُونَ من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم. وقرأ حمزة والكسائي ويري بالياء وفِرْعَوْنَ وَهامانَ","vol":"4","page":171},{"text":"وَجُنُودَهُما\nبالرفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2110>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨)\nوَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى بإلهام أو رؤيا. أَنْ أَرْضِعِيهِ ما أمكنك إخفاؤه. فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ بأن يحس به. فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ في البحر يريد النيل. وَلا تَخافِي عليه ضيعة ولا شدة. وَلا تَحْزَنِي لفراقه.\nإِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ عن قريب بحيث تأمنين عليه. وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ\nروي أنها لما ضربها الطلق دعت قابلة من الموكلات بحبالى بني إسرائيل فعالجتها، فلما وقع موسى على الأرض هالها نور بين عينيه وارتعشت مفاصلها ودخل حبه في قلبها بحيث منعها من السعاية، فأرضعته ثلاثة أشهر ثم ألح فرعون في طلب المواليد واجتهد العيون في تفحصها فأخذت له تابوتًا فقذفته في النيل.\nفَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا تعليل لالتقاطهم إياه بما هو عاقبته ومؤداه تشبيهًا له بالغرض الحامل عليه. وقرأ حمزة والكسائي وَحَزَنًا. إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ في كل شيء فليس ببدع منهم أن قتلوا ألوفًا لأجله ثم أخذوه يربونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون، أو مذنبين فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم على أيديهم، فالجملة اعتراض لتأكيد خطئهم أو لبيان الموجب لما ابتلوا به، وقرئ «خاطين» تخفيف خاطِئِينَ أو «خاطين» الصواب إلى الخطأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2111>[سورة القصص (٢٨): آية ٩]</span>\nوَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩)\nوَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ أي لفرعون حين أخرجته من التابوت. قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ هو قرة عين لنا لأنهما لما رأياه أخرج من التابوت أحباه، أو لأنه كانت له ابنة برصاء وعالجها الأطباء بريق حيوان بحري يشبه الإِنسان فلطخت برصها بريقه فبرئت،\nوفي الحديث أنه قال: لك لا لي.\nولو قال هو لي كما هو لك لهداه الله كما هداها. لاَ تَقْتُلُوهُ خطاب بلفظ الجمع للتعظيم. عَسى أَنْ يَنْفَعَنا فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع، وذلك لما رأت من نور بين عينيه وارتضاعه إبهامه لبنًا وبرء البرصاء بريقه. أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا أو نتبناه فإنه أهل له. وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ حال من الملتقطين أو من القائلة والمقول له أي وهم لا يشعرون أنهم على الخطأ في التقاطه أو في طمع النفع منه والتبني له، أو من أحد ضميري نتخذه على أن الضمير للناس أي وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ أنه لغيرنا وقد تبنيناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2112>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١)\nوَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا صفرًا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون كقوله تعالى: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ أي خلاء لا عقول فيها، ويؤيده أنه قرئ «فرغًا» من قولهم دماؤهم بينهم فرغ أي هدر، أو من الهم لفرط وثوقها بوعد الله تعالى أو سماعها أن فرعون عطف عليه وتبناه. إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أنها كادت لتظهر بموسى أي بأمره وقصته من فرط الضجر أو الفرح لتبنيه.\nلَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها بالصبر والثبات. لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ من المصدقين بوعد الله، أو من الواثقين","vol":"4","page":172},{"text":"بحفظه لا بتبني فرعون وعطفه. وقرئ «مؤسى» إجراء للضمة في جوار الواو مجرى ضمتها في استدعاء همزها همز واو وجوه وهو علة الربط، وجواب لَوْلا محذوف دل عليه ما قبله.\nوَقالَتْ لِأُخْتِهِ مريم. قُصِّيهِ اتبعي أثره وتتبعي خبره. فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ عن بعد وقرئ «عن جانب» «وعن جنب» وهو بمعناه. وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ أنها تقص أو أنها أخته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2113>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (١٣)\nوَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ ومنعناه أن يرتضع من المرضعات، جمع مرضع أو مرضع وهو الرضاع، أو موضعه يعني الثدي. مِنْ قَبْلُ من قبل قصها أثره. فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ لأجلكم. وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ لا يقصرون في إرضاعه وتربيته،\nروي أن هامان لما سمعه قال: إنها لتعرفه وأهله فخذوها حتى تخبر بحاله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون، فأمرها فرعون أن تأتي بمن يكفله فأتت بأمها وموسى على يد فرعون يبكي وهو يعلله، فلما وجد ريحها استأنس والتقم ثديها فقال لها: من أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وأجرى عليها، فرجعت به إلى بيتها من يومها\n، وهو قوله تعالى:\nفَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بولدها. وَلا تَحْزَنَ بفراقه. وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ علم مشاهدة.\nوَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أن وعده حق فيرتابون فيه، أو أن الغرض الأصلي من الرد علمها بذلك وما سواه تبع، وفيه تعريض بما فرط منها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2114>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)\nوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ مبلغه الذي لا يزيد عليه نشؤه وذلك من ثلاثين إلى أربعين سنة فإن العقل يكمل حينئذ.\nوروي أنه لم يبعث نبي إلا على رأس الأربعين سنة.\nوَاسْتَوى قده أو عقله. آتَيْناهُ حُكْمًا أي نبوة. وَعِلْمًا بالدين، أو علم الحكماء والعلماء وسمتهم قبل استنبائه، فلا يقول ولا يفعل ما يستجهل فيه، وهو أوفق لنظم القصة لأن الاستنباء بعد الهجرة في المراجعة. وَكَذلِكَ ومثل ذلك الذي فعلنا بموسى وأمه. نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ على إحسانهم.\nوَدَخَلَ الْمَدِينَةَ ودخل مصر آتيًا من قصر فرعون وقيل منف أو حائين، أو عين شمس من نواحيها.\nعَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها في وقت لا يعتاد دخولها ولا يتوقعونه فيه، قيل كان وقت القيلولة وقيل بين العشاءين. فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ أحدهما ممن شايعه على دينه وهم بنو إسرائيل والآخر من مخالفيه وهم القبط، والإِشارة على الحكاية. فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي هو مِنْ عَدُوِّهِ فسأله أن يغيثه بالإِعانة ولذلك عدى ب عَلى وقرئ «استعانه» . فَوَكَزَهُ مُوسى فضرب القبطي بجمع كفه، وقرئ فلكزه أي فضرب به صدره. فَقَضى عَلَيْهِ فقتله وأصله فأنهى حياته من قوله وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ. قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ لأنه لم يؤمر بقتل الكفار أو لأنه كان مأمونًا فيهم فلم يكن له اغتيالهم، ولا يقدح ذلك في عصمته لكونه خطأ، وإنما عده من عمل الشيطان وسماه ظلمًا","vol":"4","page":173},{"text":"واستغفر منه على عادتهم في استعظام محقرات فرطت منهم. إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2115>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)\nقالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بقتله. فَاغْفِرْ لِي ذنبي. فَغَفَرَ لَهُ لاستغفاره. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ لذنوب عباده. الرَّحِيمُ بهم.\nقالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ قسم محذوف الجواب أي أقسم بإنعامك علي بالمغفرة وغيرها لأتوبن.\nفَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ أو استعطاف أي بحق إنعامك على أعصمني فلن أكون معينًا لمن أدت معاونته إلى جرم. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه لم يستثن فابتلي به مرة أخرى، وقيل معناه بما أنعمت علي من القوة أعين أولياءك فلن أستعملها في مظاهرة أعدائك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2116>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nفَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يَا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)\nفَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ يترصد الاستقادة. فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيثه مشتق من الصراخ. قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ بين الغواية لأنك تسببت لقتل رجل وتقاتل آخر.\nفَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما لموسى والإِسرائيلي لأنه لم يكن على دينهما ولأن القبط كانوا أعداء لبني إسرائيل. قالَ يَا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ قاله الإِسرائيلي لأنه لما سماه غويًا ظن أنه يبطش عليه، أو القبطي وكأنه توهم من قوله أنه الذي قتل القبطي بالأمس لهذا الإسرائيلي.\nإِنْ تُرِيدُ ما تريد. إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ تطاول على الناس ولا تنظر في العواقب. وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ بين الناس فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن، ولما قال هذا انتشر الحديث وارتقى إلى فرعون وملئه وهموا بقتله فخرج مؤمن آل فرعون وهو ابن عمه ليخبره كما قال تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2117>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nوَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يَا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢)\nوَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى يسرع صفة رجل، أو حال منه إذا جعل من أقصى المدينة صفة له لا صلة لجاء لأن تخصيصه بها يلحقه بالمعارف. قالَ يَا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ يتشاورون بسببك، وإنما سمي التشاور ائتمارًا لأن كلًا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر. فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ اللام للبيان وليس صلة ل النَّاصِحِينَ لأن معمول الصلة لا يتقدم الموصول.\nفَخَرَجَ مِنْها من المدينة. خائِفًا يَتَرَقَّبُ لحوق طالب. قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ خلصني منهم واحفظني من لحوقهم.\nوَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قبالة مدين قرية شعيب، سميت باسم مدين بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ولم تكن في سلطان فرعون وكان بينها وبين مصر مسيرة ثمان. قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ توكلًا على الله وحسن ظن به، وكان لا يعرف الطريق فعن له ثلاث طرق فأخذ في أوسطها وجاء الطلاب","vol":"4","page":174},{"text":"عقيبه فأخذوا في الآخرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2118>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nوَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)\nوَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وصل إليه وهو بئر كانوا يسقون منها. وَجَدَ عَلَيْهِ وجد فوق شفيرها. أُمَّةً مِنَ النَّاسِ جماعة كثيرة مختلفين. يَسْقُونَ مواشيهم. وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ في مكان أسفل من مكانهم.\nامْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ تمنعان أغنامهما عن الماء لئلا تختلط بأغنامهم. قالَ مَا خَطْبُكُما ما شأنكما تذودان.\nقالَتا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ تصرف الرعاة مواشيهم عن الماء حذرًا عن مزاحمة الرجال، وحذف المفعول لأن الغرض هو بيان ما يدل على عفتهما ويدعوه إلى السقي لهما ثم دونه. وقرأ أبو عمرو وابن عامر يُصْدِرَ أي ينصرف. وقرئ «الرعاء» بالضم وهو اسم جمع كالرخال. وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ كبير السن لا يستطيع أن يخرج للسقي فيرسلنا اضطرارًا.\nفَسَقى لَهُما مواشيهما رحمة عليهما. قيل كانت الرعاة يضعون على رأس البئر حجرًا لا يقله إلا سبعة رجال أو أكثر فأقله وحده مع ما كان به من الوصب والجوع وجراحة القدم، وقيل كانت بئرًا أخرى عليها صخرة فرفعها واستقى منها. ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ لأي شيء أنزلت إلي.\nمِنْ خَيْرٍ قليل أو كثير وحمله الأكثرون على الطعام. فَقِيرٌ محتاج سائل ولذلك عدى باللام، وقيل معناه إني لما أنزلت إلى من خير الدين صرت فقيرًا في الدنيا، لأنه كان في سعة عند فرعون والغرض منه إظهار التبجح والشكر على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2119>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)\nفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ أي مستحيية متخفرة. قيل كانت الصغرى منهما وقيل الكبرى واسمها صفوراء أو صفراء وهي التي تزوجها موسى ﵇. قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ ليكافئك.\nأَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنا جزاء سقيك لنا، ولعل موسى ﵊ إنما أجابها ليتبرك برؤية الشيخ ويستظهر بمعرفته لا طمعًا في الأجر، بل\nروي أنه لما جاءه قدم إليه طعامًا فامتنع عنه وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا حتى قال له شعيب ﵊: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا. هذا وأن كل من فعل معروفًا فأهدي بشيء لم يحرم أخذه.\nفَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يريد فرعون وقومه.\nقالَتْ إِحْداهُما يعني الّتي استدعته. يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ لرعي الغنم. إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ تعيل شائع يجري مجرى الدليل على أنه حقيق بالاستئجار وللمبالغة فيه، جعل خَيْرَ اسمًا وذكر الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه امرؤ مجرب معروف.\nروي أن شعيبًا قال لها وما أعلمك بقوته وأمانته فذكرت إقلال الحجر وأنه صوب رأسه حتى بلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2120>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nقالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)","vol":"4","page":175},{"text":"قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي أي تأجر نفسك مني أو تكون لي أجيرًا، أو تثيبني من أجرك الله. ثَمانِيَ حِجَجٍ ظرف على الأولين ومفعول به على الثالث بإضمار مضاف أي رعية ثماني حجج. فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا عملت عشر حجج. فَمِنْ عِنْدِكَ فإتمامه من عندك تفضلًا لا من عندي إلزاما عليك. وهذا استدعاء العقد لا نفسه، فلعله جرى على أجرة معينة وبمهر آخر أو برعية الأجل الأول ووعد له أن يوفي الأخير إن تيسر له قبل العقد، وكانت الأغنام للمزوجة مع أنه يمكن اختلاف الشرائع في ذلك. وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ بإلزام إتمام العشر أو المناقشة في مراعاة الأوقات واستيفاء الأعمال، واشتقاق المشقة من الشق فإن ما يصعب عليك يشق عليك اعتقادك في إطاقته ورأيك في مزاولته. سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ في حسن المعاملة ولين الجانب والوفاء بالمعاهدة.\nقالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أي ذلك الذي عاهدتني فيه قائم بيننا لا نخرج عنه. أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ أطولهما أو أقصرهما. قَضَيْتُ وفيتك إياه. فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ لا تعتدي علي بطلب الزيادة فكما لا أطالب بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة على الثمان، أو فلا أكون متعديًا بترك الزيادة عليه كقولك لا إثم علي، وهو أبلغ في إثبات الخيرة وتساوي الأجلين في القضاء من أن يقال إن قضيت الأقصر فلا عدوان علي. وقرئ «أَيَّمَا» كقوله:\nتَنَظَّرْت نَصْرًا وَالسماكين أَيُّمَا ... عَليَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُه\nوأي الأجلين ما قضيت فتكون ما مزيدة لتأكيد الفعل أي: أي الأجلين جردت عزمي لقضائه، وعدوان بالكسر. وَاللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ من المشارطة. وَكِيلٌ شاهد حفيظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2121>[سورة القصص (٢٨): آية ٢٩]</span>\nفَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)\nفَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ بامرأته. روي أنه قضى أقصى الأجلين ومكث بعد ذلك عنده عشرًا أخرى ثم عزم على الرجوع. آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نَارًا أبصر من الجهة التي تلي الطور. قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ بخبر الطريق. أَوْ جَذْوَةٍ عود غليظ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن.\nقال:\nبَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنُ لَهَا ... جَزلَ الجذى غَيْرَ خوارٍ وَلاَ دَعِرٍ\nوقال آخر:\nوَأَلْقَى عَلى قَبس مِنْ النَّارِ جَذْوَة ... شَدِيدًا عَلَيْهِ حَرُّهَا وَالتِهَابُهَا\nولذلك بينه بقوله: مِنَ النَّارِ وقرأ عاصم بالفتح وحمزة بالضم وكلها لغات. لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ تستدفئون بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2122>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nفَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)","vol":"4","page":176},{"text":"فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ أتاه النداء من الشاطئ الأيمن لموسى. فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ متصل بالشاطئ أو صلة ل نُودِيَ. مِنَ الشَّجَرَةِ بدل من شاطئ بدل الاشتمال لأنها كانت ثابتة على الشاطئ. أَنْ يا مُوسى أي يا موسى. إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ هذا وإن خالف ما في «طه» «والنمل» لفظًا فهو طبقه في المقصود.\nوَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ أي فألقاها فصارت ثعبانا واهتزت فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ. كَأَنَّها جَانٌّ في الهيئة والجثة أو في السرعة. وَلَّى مُدْبِرًا منهزمًا من الخوف. وَلَمْ يُعَقِّبْ ولم يرجع. يَا مُوسى نودي يا موسى. أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ من المخاوف، فإنه لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2123>[سورة القصص (٢٨): آية ٣٢]</span>\nاسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٣٢)\nاسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ أدخلها. تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ عيب. وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ يديك المبسوطتين تتقي بهما الحية كالخائف الفزع بإدخال اليمنى تحت عضد اليسرى وبالعكس، أو بإدخالهما في الجيب فيكون تكريرًا لغرض آخر وهو أن يكون ذلك في وجه العدو إظهار جراءة ومبدأ لظهور معجزة، ويجوز أن يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا حية استعارة من حال الطائر فإنه إذا خاف نشر جناحيه وإذا أمن واطمأن ضمهما إليه. مِنَ الرَّهْبِ من أجل الرهب أي إذا عراك الخوف فافعل ذلك تجلدًا وضبطًا لنفسك. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر بضم الراء وسكون الهاء، وقرئ بضمهما، وقرأ حفص بالفتح والسكون والكل لغات. فَذانِكَ إشارة إلى العصا واليد، وشدده ابن كثير وأبو عمرو ورويس. بُرْهانانِ حجتان وبرهان فعلان لقولهم أبره الرجل إذا جاء بالبرهان من قولهم بره الرجل إذا ابيض، ويقال برهاء وبرهرهة للمرأة البيضاء وقيل فعلال لقولهم برهن. مِنْ رَبِّكَ مرسلًا بهما. إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ فكانوا أحقاء بأن يرسل إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2124>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥)\nقالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ بها.\nوَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا معينًا وهو في الأصل اسم ما يعان به كالدفء، وقرأ نافع «ردًا» بالتخفيف. يُصَدِّقُنِي بتخليص الحق وتقرير الحجة وتزييف الشبهة. إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ولساني لا يطاوعني عند المحاجة، وقيل المراد تصديق القوم لتقريره وتوضيحه لكنه أسند إليه إسناد الفعل إلى السبب، وقرأ عاصم وحمزة يُصَدِّقُنِي بالرفع على أنه صفة والجواب محذوف.\nقالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ سنقويك به فإن قوة الشخص بشدة اليد على مزاولة الأمور، ولذلك يعبر عنه باليد وشدتها بشدة العضد. وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا غلبة أو حجة. فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما باستيلاء أو حجاج. بِآياتِنا متعلق بمحذوف أي اذهبا بآياتنا، أو ب نَجْعَلُ أي نسلطكما بها، أو بمعنى «لا يصلون» أي تمتنعون منهم، أو قسم جوابه «لا يصلون»، أو بيان ل الْغالِبُونَ في قوله: أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ بمعنى أنه صلة لما بينه أو صلة له على أن اللام فيه للتعريف لا بمعنى الّذي.","vol":"4","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2125>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nفَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا مَا هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)\nفَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا مَا هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً سحر تختلقه لم يفعل قبل مثله، أو سحر تعمله ثم تفتريه على الله أو سحر موصوف بالإِفتراء كسائر أنواع السحر. وَما سَمِعْنا بِهذا يعنون السحر أو ادعاء النبوة. فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ كائنًا في أيامهم.\nوَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ فيعلم أني محق وأنتم مبطلون. وقرأ ابن كثير «قال» بغير واو لأنه قال ما قاله جوابًا لمقالهم، ووجه العطف أن المراد حكاية القولين ليوازن الناظر بينهما فيميز صحيحهما من الفاسد. وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ العاقبة المحمودة فإن المراد بالدار الدنيا وعاقبتها الأصلية هي الجنة لأنها خلقت مجازًا إلى الآخرة، والمقصود منها بالذات هو الثواب والعقاب إنما قصد بالعرض.\nوقرأ حمزة والكسائي يَكُونَ بالياء. إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ لا يفوزون بالهدى في الدنيا وحسن العاقبة في العقبى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2126>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لاَ يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي نفى علمه بإله غيره دون وجوده إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه، ولذلك أمر ببناء الصرح ليصعد إليه ويتطلع على الحال بقوله: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى كأنه توهم أنه لو كان لكان جسمًا في السماء يمكن الترقي إليه ثم قال: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ أو أراد أن يبني له رصدًا يترصد منه أوضاع الكواكب فيرى هل فيها ما يدل على بعثة رسول وتبدل دولة، وقيل المراد بنفي العلم نفي المعلوم كقوله تعالى:\nأَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لاَ يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ فإن معناه بما ليس فيهن، وهذا من خواص العلوم الفعلية فإنها لازمة لتحقق معلوماتها فيلزم من انتفائها انتفاؤها، ولا كذلك العلوم الانفعالية، قيل أول من اتخذ الآجر فرعون ولذلك أمر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة مع ما فيه من تعظم ولذلك نادى هامان باسمه بيا في وسط الكلام.\nوَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ بغير استحقاق. وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لاَ يُرْجَعُونَ بالنشور.\nوقرأ نافع وحمزة والكسائي بفتح الياء وكسر الجيم.\nفَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ كما مر بيانه، وفيه فخامة وتعظيم لشأن الآخذ واستحقار للمأخوذين كأنه أخذهم مع كثرتهم في كف وطرحهم في اليم، ونظيره: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ. فَانْظُرْ يا محمد. كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وحذر قومك عن مثلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2127>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لاَ يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)","vol":"4","page":178},{"text":"وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً قدوة للضلال بالحمل على الإِضلال، وقيل بالتسمية كقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا، أو بمنع الألطاف الصارفة عنه. يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ إلى موجباتها من الكفر والمعاصي. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لاَ يُنْصَرُونَ بدفع العذاب عنهم.\nوَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً طردًا عن الرحمة، أو لعن اللاعنين يلعنهم الملائكة والمؤمنون. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ من المطرودين، أو ممن قبح وجوههم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2128>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٣]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة. مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى أقوام نوح وهود وصالح ولوط.\nبَصائِرَ لِلنَّاسِ أنوارًا لقلوبهم تتبصر بها الحقائق وتميز بين الحق والباطل. وَهُدىً إلى الشرائع التي هي سبل الله تعالى. وَرَحْمَةً لأنهم لو عملوا بها نالوا رحمة الله ﷾. لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ليكونوا على حال يرجى منهم التذكر، وقد فسر بالإِرادة وفيه ما عرفت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2129>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ يريد الوادي، أو الطور فإنه كان في شق الغرب من مقام موسى، أو الجانب الغربي منه والخطاب لرسول الله ﷺ أي ما كنت حاضرًا. إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ إذ أوحينا إليه الأمر الذي أردنا تعريفه. وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ للوحي إليه أو على الوحي إليه، وهم السبعون المختارون الميقات، والمراد الدلالة على أن إخباره عن ذلك من قبيل الإِخبار عن المغيبات التي لا تعرف إِلا بالوحي ولذلك استدرك عنه بقوله:\nوَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أي ولكنا أوحينا إليك لأنا أنشأنا قرونًا مختلفة بعد موسى فتطاولت عليهم المدد، فحرفت الأخبار وتغيرت الشرائع واندرست العلوم، فحذف المستدرك وأقام سببه مقامه. وَما كُنْتَ ثاوِيًا مقيمًا. فِي أَهْلِ مَدْيَنَ شعيب والمؤمنين به. تَتْلُوا عَلَيْهِمْ تقرأ عليهم تعلمًا منهم. آياتِنا التي فيها قصتهم. وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ إياك ومخبرين لك بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2130>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٦]</span>\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا لعل المراد به وقت ما أعطاه التوراة وبالأول حين ما استنبأه لأنهما المذكوران في القصد. وَلكِنْ علمناك. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وقرئت بالرفع على هذه رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ.\nلِتُنْذِرَ قَوْمًا متعلق بالفعل المحذوف. مَّا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى، وهي خمسمائة وخمسون سنة، أو بينك وبين إسماعيل، على أن دعوة موسى وعيسى كانت مختصة ببني إسرائيل وما حواليهم. لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يتعظون.","vol":"4","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2131>[سورة القصص (٢٨): آية ٤٧]</span>\nوَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)\nوَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا لَوْلا الأولى امتناعية والثانية تحضيضية واقعة في سياقها، لأنها إنما أجيبت بالفاء تشبيهًا لها بالأمر مفعول يقولوا المعطوف على تصيبهم بالفاء المعطية معنى السببيّة المنبهة على أن القول هو المقصود بأن يكون سببًا لانتفاء ما يجاب به، وأنه لا يصدر عنهم حتى تلجئهم العقوبة والجواب محذوف والمعنى: لولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم ربنا هلا أرسلت إلينا رسولًا يبلغنا آياتك فنتبعها ونكون من المصدقين، ما أرسلناك أي إنما أرسلناك قطعًا لعذرهم وإلزامًا للحجة عليهم. فَنَتَّبِعَ آياتِكَ يعني الرسول المصدق بنوع من المعجزات.\nوَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2132>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nفَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩)\nفَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى من الكتاب جملة واليد والعصا وغيرها اقتراحًا وتعنتًا. أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ يعني أبناء جنسهم في الرأي والمذهب وهم كفرة زمان موسى، أو كان فرعون عربيًا من أولاد عاد. قالُوا سِحْرانِ يعني موسى وهارون، أو موسى ومحمّدا ﵉. تَظاهَرا تعاونًا بإظهار تلك الخوارق أو بتوافق الكتابين. وقرأ الكوفيون «سحران» بتقدير مضاف أو جعلهما سحرين مبالغة، أو إسناد تظاهرهما إلى فعلهما دلالة على سبب الإعجاز. وقرئ ظاهرًا على الإِدغام. وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ أي بكل منهما أو بكل الأنبياء.\nقُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما مما أنزل على موسى وعلى محمد ﷺ وإضمارهما لدلالة المعنى، وهو يؤيد أن المراد بالساحرين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنا ساحران مختلقان، وهذا من الشروط التي يراد بها الإِلزام والتبكيت، ولعل مجيء حرف الشك للتهكم بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2133>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nفَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)\nفَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ دعاءك إِلى الإِتيان بالكتاب الأهدى فحذف المفعول للعلم به، ولأن فعل الاستجابة يعدى بنفسه إلى الدعاء وباللام إلى الداعي، فإذا عدي إليه حذف الدعا غالبًا كقوله:\nوَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ\nفَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ إذ لو اتبعوا حجة لأتوا بها. وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ استفهام بمعنى النفي. بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ في موضع الحال للتأكيد أو التقييد، فإن هوى النفس قد يوافق الحق. إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى.\nوَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ أتبعنا بعضه بعضًا في الإِنزال ليتصل التذكير، أو في النظم لتتقر الدعوة بالحجة والمواعظ بالمواعيد والنصائح بالعبر. لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فيؤمنون ويطيعون.","vol":"4","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2134>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وقيل في أربعين من أهل الانجيل اثنان وثلاثون جاءوا مع جعفر من الحبشة وثمانية من الشام، والضمير في مِنْ قَبْلِهِ للقرآن كالمستكن في:\nوَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ أي بأنه كلام الله تعالى. إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به. إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ استئناف آخر للدلالة على أن إيمانهم به ليس مما أحدثوه حينئذٍ، وإنما هو أمر تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة وكونهم على دين الإِسلام قبل نزول القرآن، أو تلاوته عليهم باعتقادهم صحته في الجملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2135>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nأُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)\nأُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ مرة على إيمانهم بكتابهم ومرة على إيمانهم بالقرآن. بِما صَبَرُوا بصبرهم وثباتهم على الإِيمانين، أو على الإِيمان بالقرآن قبل النزول وبعده، أو على أذى المشركين ومن هاجرهم من أهل دينهم. وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ويدفعون بالطاعة المعصية\nلقوله ﷺ «أتبع السيئة الحسنة تمحها» .\nوَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ في سبيل الخير.\nوَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ تكرمًا. وَقالُوا للاغين. لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ متاركة لهم وتوديعًا، أو دعاء لهم بالسلامة عما هم فيه. لاَ نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ لا نطلب صحبتهم ولا نريدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2136>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nإِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٥٧)\nإِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ لا تقدر على أن تدخلهم في الإِسلام. وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ فيدخله في الإِسلام. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ بالمستعدين لذلك. والجمهور على\nأنها نزلت في أبي طالب فإنه لما احتضر جاءه رسول الله ﷺ وقال: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، قال: يا ابن أخي قد علمت إنك لصادق ولكن أكره أن يقال خدع عند الموت.\nوَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا نخرج منها. نزلت في الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، أتى النبي ﷺ فقال: نحن نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من أرضنا فرد الله عليهم بقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا أو لم نجعل مكانهم حرمًا ذا أمن بحرمة البيت الذي فيه يتناحر العرب حوله وهم آمنون فيه. يُجْبى إِلَيْهِ يحمل إليه ويجمع فيه، وقرأ نافع ويعقوب في رواية بالتاء. ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ من كل أوب. رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا فإذا كان هذا حالهم وهم عبدة الأصنام فكيف نعرضهم للتخوف والتخطف إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة التوحيد. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ جهلة لا يتفطنون له ولا يتفكرون ليعلموه، وقيل إنه متعلق بقوله مِنْ لَدُنَّا أي قليل منهم يتدبرون فيعلمون أن ذلك رزق من عند الله، وأكثرهم لا يعلمون إذ لو علموا لما خافوا غيره، وانتصاب رِزْقًا على المصدر من معنى يُجْبى، أو حال من ال ثَمَراتُ لتخصصها بالإِضافة، ثم بين أن الأمر","vol":"4","page":181},{"text":"بالعكس فإنهم أحقاء بأن يخافوا من بأس الله على ما هم عليه بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2137>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩)\nوَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها أي وكم من أهل قرية كانت حالهم كحالهم في الأمن وخفض العيش حتى أشروا فدمر الله عليهم وخرب ديارهم. فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ خاوية. لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا من السكنى إذ لا يسكنها إلا المارة يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، أو لا يبقى من يسكنها من شؤم معاصيهم.\nوَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وسائر متصرفاتهم، وانتصاب مَعِيشَتَها بنزع الخافض أو بجعلها ظرفًا بنفسها كقولك: زيد ظني مقيم، أو بإضمار زمان مضاف إليها أو مفعولًا على تضمين بطرت معنى كفرت.\nوَما كانَ رَبُّكَ وما كانت عادته. مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها في أصلها التي هي أعمالها، لأن أهلها تكون أفطن وأنبل. رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا لإِلزام الحجة وقطع المعذرة. وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ بتكذيب الرسل والعتو في الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2138>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nوَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)\nوَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ من أسباب الدنيا. فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها تمتعون وتتزينون به مدة حياتكم المنقضية. وَما عِنْدَ اللَّهِ وهو ثوابه. خَيْرٌ في نفسه من ذلك لأنه لذة خالصة وبهجة كاملة. وَأَبْقى لأنه أبدى. أَفَلا تَعْقِلُونَ فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وقرأ أبو عمرو بالياء وهو أبلغ في الموعظة.\nأَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا وعدًا بالجنة فإن حسن الوعد بحسن الموعود. فَهُوَ لاقِيهِ مدركه لا محالة لامتناع الخلف في وعده، ولذلك عطفه بالفاء المعطية معنى السببية. كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا الذي هو مشوب بالآلام مكدر بالمتاعب مستعقب بالتحسر على الانقطاع. ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ للحساب أو العذاب، وثُمَّ للتراخي في الزمان أو الرتبة، وقرأ نافع وابن عامر في رواية والكسائي ثُمَّ هُوَ بسكون الهاء تشبيهًا للمنفصل بالمتصل، وهذه الآية كالنتيجة للتي قبلها ولذلك رتبت عليها بالفاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2139>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ مَا كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣)\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ عطف على يوم القيامة أو منصوب باذكر. فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أي الذين كنتم تزعمونهم شركائي، فحذف المفعولان لدلالة الكلام عليهما.\nقالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بثبوت مقتضاه وحصول مؤداه وهو قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وغيره من آيات الوعيد. رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أي هؤُلاءِ الَّذِينَ أغويناهم فحذف الراجع إلى الموصول. أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا أي أَغْوَيْناهُمْ فغووا غيًا مثل ما غوينا، وهو استئناف للدلالة على أنهم غووا باختيارهم وأنهم لم يفعلوا بهم إلا وسوسة وتسويلًا، ويجوز أن يكون الَّذِينَ صفة","vol":"4","page":182},{"text":"وأَغْوَيْناهُمْ الخبر لأجل ما اتصل به فإفادة زيادة على الصفة وهو وإن كان فضلة لكنه صار من اللوازم.\nتَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ومما اختاروه من الكفر هوى منهم، وهو تقرير للجملة المتقدمة ولذلك خلت عن العاطف وكذا. مَا كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ أي ما كانوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون أهواءهم. وقيل مَا مصدرية متصلة ب تَبَرَّأْنا أي تبرأنا من عبادتهم إيانا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2140>[سورة القصص (٢٨): آية ٦٤]</span>\nوَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)\nوَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ من فرط الحيرة. فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ لعجزهم عن الإِجابة والنصرة.\nوَرَأَوُا الْعَذابَ لازمًا بهم. لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ لوجه من الحيل يدفعون به العذاب، أو إلى الحق لما رأوا العذاب وقيل لَوْ للتمني أي تمنوا أنهم كانوا مهتدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2141>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦)\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ عطف على الأول فإنه تعالى يسأل أولًا عن إشراكهم به ثم عن تكذيبهم الأنبياء.\nفَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فصارت الأنباء كالعمي عليهم لا تهتدي إليهم، وأصله فعموا عن الأنباء لكنه عكس مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يقبض ويرد عليه من خارج فإذا أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره، والمراد بالأنباء ما أجابوا به الرسل أو ما يعمها وغيرها، فإذا كانت الرسل يتتعتعون في الجواب عن مثل ذلك من الهول ويفوضون إلى علم الله تعالى فما ظنك بالضلال من أممهم، وتعدية الفعل بعلى لتضمنه معنى الخفاء. فَهُمْ لاَ يَتَساءَلُونَ لا يسأل بعضهم بعضًا عن الجواب لفرط الدهشة والعلم بأنه مثله في العجز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2142>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nفَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)\nفَأَمَّا مَنْ تابَ من الشرك. وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا. وجمع بين الإِيمان والعمل الصالح. فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ عند الله وعسى تحقيق على عادة الكرام، أو ترج من التائب بمعنى فليتوقع أن يفلح.\nوَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ لا موجب عليه ولا مانع له. مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ أي التخير كالطيرة بمعنى التطير، وظاهرة نفي الاختيار عنهم رأسًا والأمر كذلك عند التحقيق، فإن اختيار العباد مخلوق باختيار الله منوط بدواع لا اختيار لهم فيها، وقيل المراد أنه ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه ولذلك خلا عن العاطف، ويؤيده ما روي أنه نزل في قولهم لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. وقيل مَا موصولة مفعول ل يَخْتارُ والراجع إليه محذوف والمعنى: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة أي الخير والصلاح. سُبْحانَ اللَّهِ تنزيه له أن ينازعه أحد أو يزاحم اختياره اختيار. وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ عن إشراكهم أو مشاركة ما يشركونه به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2143>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nوَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)","vol":"4","page":183},{"text":"وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ كعداوة الرسول وحقده. وَما يُعْلِنُونَ كالطعن فيه.\nوَهُوَ اللَّهُ المستحق للعبادة. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لا أحد يستحقها إلا هو. لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ لأنه المولى للنعم كلها عاجلها وآجلها يحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا بقولهم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ ابتهاجًا بفضله والتذاذًا بحمده. وَلَهُ الْحُكْمُ القضاء النافذ في كل شيء. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالنشور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2144>[سورة القصص (٢٨): آية ٧١]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا دائمًا من السرد وهو المتابعة والميم مزيدة كميم دلامص.\nإِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بإِسكان الشمس تحت الأرض أو تحريكها حول الأفق الغائر. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ كان حقه هل إله فذكر ب مَنْ على زعمهم أن غيره آلهة. وعن ابن كثير «بضئاء» بهمزتين. أَفَلا تَسْمَعُونَ سماع تدبر واستبصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2145>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ باسكانها في وسط السماء أو تحريكها على مدار فوق الأفق. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ استراحة عن متاعب الأشغال، ولعله لم يصف الضياء بما يقابله لأن الضوء نعمة في ذاته مقصود بنفسه ولا كذلك الليل، ولأن منافع الضوء أكثر مما يقابله ولذلك قرن به أَفَلا تَسْمَعُونَ وبالليل. أَفَلا تُبْصِرُونَ لأن استفادة العقل من السمع اكثر من استفادته من البصر.\nوَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ في الليل وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ في النهار بأنواع المكاسب. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2146>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٤ الى ٧٥]</span>\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ تقريع بعد تقريع للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله من الإِشراك به، أو الأول لتقرير فساد رأيهم والثاني لبيان أنه لم يكن عن سند وإنما كان محض تشه وهوى.\nوَنَزَعْنا وأخرجنا. مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا وهو نبيهم يشهد عليهم بما كانوا عليه. فَقُلْنا للأمم.\nهاتُوا بُرْهانَكُمْ على صحة ما كنتم تدينون به. فَعَلِمُوا حينئذ. أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ في الألوهية لا يشاركه فيها أحد. وَضَلَّ عَنْهُمْ وغاب عنهم غيبة الضائع. مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ من الباطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2147>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٦ الى ٧٨]</span>\nإِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)","vol":"4","page":184},{"text":"إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى كان ابن عمه يصهر بن قاهث بن لاوي وكان ممن آمن به. فَبَغى عَلَيْهِمْ فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت أمره، أو تكبر عليهم أو ظلمهم. قيل وذلك حين ملكه فرعون على بني إسرائيل، أو حسدهم لما\nروي أنه قال لموسى ﵇: لك الرسالة ولهارون الحبورة وأنا في غير شيء إلى متى أصبر قال موسى هذا صنع الله.\nوَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ من الأموال المدخرة. مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ مفاتيح صناديقه جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به، وقيل خزائنه وقياس واحدها المفتح. لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ\nخبر إن والجملة صلة ما وهو ثاني مفعولي آتى، وناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله، والعصبة والعصابة الجماعة الكثيرة واعصوصبوا اجتمعوا. وقرئ «لينوء» بالياء على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه. إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ منصوب ب «تنوء» . لاَ تَفْرَحْ لا تبطر والفرح بالدنيا مذموم مطلقًا لأنه نتيجة حبها والرضا بها والذهول عن ذهابها، فإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح كما قيل:\nأَشد الغَمَّ عِنْدِي فِي سُرُور ... تَيَقّن عَنْهُ صَاحِبهُ انتِقَالاَ\nولذلك قال تعالى: وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وعلل النهي ها هنا بكونه مانعًا من محبة الله تعالى فقال:\nإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ أي بزخارف الدنيا.\nوَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ من الغنى. الدَّارَ الْآخِرَةَ بصرفه فيما يوجبها لك فإن المقصود منه أن يكون وصلة إليها. وَلا تَنْسَ ولا تترك ترك المنسي. نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وهو أن تحصل بها آخرتك وتأخذ منها ما يكفيك. وَأَحْسِنْ إلى عباد الله. كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ فيما أنعم الله عليك. وقيل أَحْسِنْ بالشكر والطاعة كَما أَحْسَنَ إليك بالإِنعام. وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ بأمر يكون علة للظلم والبغي، نهي له عما كان عليه من الظلم والبغي. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ لسوء أفعالهم.\nقالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي فضلت به على الناس واستوجبت به التفوق عليهم بالجاه والمال، وعَلى عِلْمٍ في موضع الحال وهو علم التوراة وكان أعلمهم بها، وقيل هو الكيمياء وقيل علم التجارة والدهقنة وسائر المكاسب، وقيل العلم بكنوز يوسف، وعِنْدِي صفة له أو متعلق ب أُوتِيتُهُ كقولك:\nجاز هذا عندي أي في ظني واعتقادي. أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا تعجب وتوبيخ على اغتراره بقوته وكثرة ماله مع علمه بذلك لأنه قرأه في التوراة وسمعه من حفاظ التواريخ، أو رد لادعائه للعلم وتعظمه به بنفي هذا العلم عنه أي أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعى ولم يعلم هذا حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين. وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ سؤال استعلام فإنه تعالى مطلع عليها أو معاتبة فإنهم يعذبون بها بغتة، كأنه لما هدد قارون بذكر إهلاك من قبله ممن كانوا أقوى منه واغنى أكد ذلك بأن بين أنه لم يكن مطلعًا على ما يخصهم بل الله مطلع على ذنوب المجرمين كلهم معاقبهم عليها لا محالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2148>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٩ الى ٨٠]</span>\nفَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠)","vol":"4","page":185},{"text":"فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ كما قيل إنه خرج على بغلة شهباء عليه الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه. قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا على ما هو عادة الناس من الرغبة. يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارُونُ تمنوا مثله لا عينه حذرًا عن الحسد. إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ من الدنيا.\nوَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بأحوال الآخرة للمتمنين. وَيْلَكُمْ دعاء بالهلاك استعمل للزجر عما لا يرتضى. ثَوابُ اللَّهِ في الآخرة. خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا مما أوتي قارون بل من الدنيا وما فيها.\nوَلا يُلَقَّاها الضمير فيه للكلمة التي تكلم بها العلماء أو لل ثَوابُ، فإنه بمعنى المثوبة أو الجنة أو للإيمان والعمل الصالح فإنهما في معنى السيرة والطريقة. إِلَّا الصَّابِرُونَ على الطاعات وعن المعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2149>[سورة القصص (٢٨): آية ٨١]</span>\nفَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١)\nفَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ\nروي أنه كان يؤذي موسى ﵇ كل وقت وهو يداريه لقرابته حتى نزلت الزكاة، فصالحه عن كل ألف على واحد فحسبه فاستكثره، فعمد إلى أن يفضح موسى بين بني إسرائيل ليرفضوه، فبرطل بغية لترميه بنفسها فلما كان يوم العيد قام موسى خطيبًا فقال: من سرق قطعناه، ومن زنى غير محصن جلدناه ومن زنى محصنًا رجمناه، فقال قارون ولو كنت قال: ولو كنت، قال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة فأحضرت، فناشدها موسى ﵇ بالله أن تصدق فقالت: جعل لي قارون جعلًا على أن أرميك بنفسي، فخر موسى شاكيًا منه إلى ربه فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت فقال: يا أرض خذيه فأخذته إلى ركبتيه، ثم قال خذيه فأخذته إلى وسطه، ثم قال خذيه فأخذته إلى عنقه، ثم قال خذيه فخسفت به وكان قارون يتضرع إليه في هذه الأحوال فلم يرحمه، فأوحى الله إليه ما أفظك استرحمك مرارًا فلم ترحمه، وعزتي وجلالي لو دعاني مرة لأجبته، ثم قال بنو إسرائيل: إنما فعله ليرثه، فدعا الله تعالى حتى خسف بداره وأمواله.\nفَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ أعوان مشتقة من فأوت رأسه إذا ميلته. يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فيدفعون عنه عذابه. وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ الممتنعين منه من قولهم نصره من عدوه فانتصر إذا منعه منه فامتنع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2150>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٢ الى ٨٣]</span>\nوَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)\nوَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ منزلته. بِالْأَمْسِ منذ زمان قريب. يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ يَبْسُطُ وَيَقْدِرُ بمقتضى مشيئته لا لكرامة تقتضي البسط ولا لهوان يوجب القبض، ووَيْكَأَنَّ عند البصريين مركب من «وي» للتعجب «وكأن» للتشبيه والمعنى: ما أشبه الأمر أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق. وقيل من «ويك» بمعنى ويلك و«أن» تقديره ويك اعلم أن الله. لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا فلم يعطنا ما تمنينا. لَخَسَفَ بِنا لتوليده فينا ما ولده فيه فخسف بنا لأجله. وقرأ حفص بفتح الخاء والسين. وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكافِرُونَ لنعمة الله أو المكذبون برسله وبما وعدوا لهم ثواب الآخرة.\nتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ إشارة تعظيم كأنه قال: تلك الّتي سمعت خبرها وبلغك وصفها، والدَّارُ صفة والخبر: نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ غلبة وقهرا. وَلا فَسادًا ظلما على الناس كما أراد فرعون وقارون. وَالْعاقِبَةُ المحمودة. لِلْمُتَّقِينَ ما لا يرضاه الله.","vol":"4","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2151>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٤ الى ٨٥]</span>\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥)\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ذاتا وقدرا ووصفا. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ وضع فيه الظاهر موضع الضمير تهجينا لحالهم بتكرير إسناد السيئة إليهم. إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ أي إلا مثل ما كانوا يعملون فحذف المثل وأقيم ما كانُوا يَعْمَلُونَ مقامة مبالغة في المماثلة.\nإِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه. لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ أي معاد وهو المقام المحمود الّذي وعدك أن يبعثك فيه، أو مكة الّتي اعتدت بها على أنه من العادة رده إليها يوم الفتح، كأنه لما حكم بأن الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وأكد ذلك بوعد المحسنين ووعيد المسيئين وعده بالعاقبة الحسنى في الدارين.\nروي أنه لما بلغ جحفة في مهاجره اشتاق إلى مولده ومولد آبائه فنزلت.\nقُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وما يستحقه من الثواب والنصر ومن منتصب بفعل يفسره أعلم. وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وما استحقه من العذاب والإذلال يعني به نفسه والمشركين، وهو تقرير للوعد السابق وكذا قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2152>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nوَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)\nوَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ أي سيردك إلى معادك كما ألقى إليك الكتاب وما كنت ترجوه.\nإِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ولكن ألقاه رحمة منه، ويجوز أن يكون استثناء محمولا على المعنى كأنه قال: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة. فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ بمداراتهم والتحمل عنهم والإجابة إلى طلبتهم.\nوَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ عن قراءتها والعمل بها. بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وقرئ يَصُدُّنَّكَ من أصد. وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إلى عبادته وتوحيده. وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بمساعدتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2153>[سورة القصص (٢٨): آية ٨٨]</span>\nوَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)\nوَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ هذا وما قبله للتهييج وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لَهُمْ. لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ إلا ذاته فإن ما عداه ممكن هالك في حد ذاته معدوم. لَهُ الْحُكْمُ القضاء النافذ في الخلق. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ للجزاء بالحق.\nعن النبي ﷺ «من قرأ طسم القصص كان له من الأجر بعدد من صدق موسى وكذب ولم يبق ملك في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه صادقا» .","vol":"4","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2154>(٢٩) سورة العنكبوت</span>\nمكية وآيها تسع وستون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2155>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢)\nالم سبق القول فيه، ووقوع الاستفهام بعده دليل استقلاله بنفسه أو بما يضمر معه.\nأَحَسِبَ النَّاسُ الحسبان مما يتعلق بمضامين الجمل للدلالة على جهة ثبوتها ولذلك اقتضى مفعولين متلازمين أو ما يسد مسدهما كقوله: أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ\nفإن معناه أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمَنَّا، فالترك أول مفعوليه وغير مفتونين من تمامه ولقولهم آمَنَّا هو الثاني كقولك:\nحسبت ضربه للتأديب، أو أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم آمَنَّا بل يمتحنهم الله بمشاق التكاليف، كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات ووظائف الطاعات وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق والثابت في الدين من المضطرب فيه، ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات، فإن مجرد الإِيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب.\nروي أنها نزلت في ناس من الصحابة جزعوا من أذى المشركين\n، وقيل في عمار وقد عذب في الله تعالى، وقيل في مهجع مولى عمر بن الخطاب رماه عامر بن الحضرمي بسهم يوم بدر فقتله فجزع عليه أبواه وامرأته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2156>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤)\nوَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ متصل ب أَحَسِبَ أو ب لاَ يُفْتَنُونَ، والمعنى أن ذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافه. فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ فليتعلقن علمه بالامتحان تعلقًا حاليًا يتميز به الذين صدقوا في الإِيمان والذين كذبوا فيه، وينوط به ثوابهم وعقابهم لذلك وقيل المعنى وليميزن أو ليجازين، وقرئ «وليعلمن» من الإِعلام أي وليعرفنهم الله الناس أو لَيَسِمَنَّهُمْ بِسِمَةٍ يَعرفون بها يوم القيامة كبياض الوجوه وسوادها.\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الكفر والمعاصي فإن العمل يعم أفعال القلوب والجوارح. أَنْ يَسْبِقُونا أن يفوتونا فلا نقدر أن نجازيهم على مساويهم وهو ساد مسد مفعولي حَسِبَ لاشتماله على مسند ومسند إليه ويجوز أن يضمن حَسِبَ معنى قدر أو أم منقطعة والإِضراب فيها لأن هذا الحسبان أبطل من الأول ولهذا عقبه بقوله: ساءَ مَا يَحْكُمُونَ أي بئس الذي يحكمونه، أو حكمًا يحكمونه حكمهم هذا فحذف المخصوص بالذم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2157>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٥]</span>\nمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)\nمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ في الجنة، وقيل المراد بلقاء الله الوصول إلى ثوابه، أو إلى العاقبة من الموت","vol":"4","page":188},{"text":"والبعث والحساب والجزاء على تمثيل حاله بحال عبد قدم على سيده بعد زمان مديد وقد اطلع السيد على أحواله، فأما أن يلقاه ببشر لما رضي من أفعاله أو بسخط لما سخط منها. فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ فإن الوقت المضروب للقائه. لَآتٍ لجاء وإذا كان وقت اللقاء آتيًا كان اللقاء كائنًا لا محالة، فليبادر ما يحقق أمله ويصدق رجاءه أو ما يستوجب به القربة والرضا. وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوال العباد. الْعَلِيمُ بعقائدهم وأفعالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2158>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)\nوَمَنْ جاهَدَ نفسه بالصبر على مضض الطاعة والكف عن الشهوات. فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ لأن منفعته لها. إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فلا حاجة به إلى طاعتهم، وإنما كلف عباده رحمة عليهم ومراعاة لصلاحهم.\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ الكفر بالإِيمان والمعاصي بما يتبعها من الطاعات. وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أي أحسن جزاء أعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2159>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا بإيتائهما فعلًا ذا حسن، أو كأنه في ذاته حسن لفرط حسنه ووصى يجري مجرى أمر معنى وتصرفًا، وقيل هو بمعنى قال، أي وقلنا له أحسن بوالديك حُسْنًا، وقيل حُسْنًا منتصب بفعل مضمر على تقدير قول مفسر للتوصية أي قلنا أولهما أو افعل بهما حُسْنًا وهو أوفق لما بعده وعليه يحسن الوقف على بِوالِدَيْهِ، وقرئ حُسْنًا و«إحسانًا» . وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بإلهيته عبر عن نفيها بنفي العلم بها إشعارًا بأن ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه وإن لم يعلم بطلانه فضلًا عما علم بطلانه. فَلا تُطِعْهُما في ذلك فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا بد من إضمار القول إن لم يضمر قبل. إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ مرجع من آمن منكم ومن أشرك ومن بر بوالديه ومن عق.\nفَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بالجزاء عليه، والآية نزلت في سعد بن أبي وقاص وأمه حمنة، فإنها لما سمعت بإسلامه حلفت أنها لا تنتقل من الضح ولا تطعم ولا تشرب حتى يرتد ولبثت ثلاثة أيام كذلك وكذا التي في «لقمان» و«الأحقاف» .\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ في جملتهم والكمال في الصلاح منتهى درجات المؤمنين ومتمنى أنبياء الله المرسلين، أو في مدخلهم وهو الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2160>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ بأن عذبهم الكفرة على الإِيمان. جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ ما يصيبه من أذيتهم في الصرف عن الإِيمان. كَعَذابِ اللَّهِ في الصرف عن الكفر. وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ فتح وغنيمة. لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ في الدين فأشركونا فيه، والمراد المنافقون أو قوم ضعف إيمانهم","vol":"4","page":189},{"text":"فارتدوا من أذى المشركين ويؤيد الأول. أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ من الإِخلاص والنفاق.\nوَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بقلوبهم. وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ فيجازي الفريقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2161>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا الَّذِي نسلكه في ديننا. وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ إن كان ذلك خطيئة أو إن كان بعث ومؤاخذة، وإنما أمروا أنفسهم بالحمل عاطفين على أمرهم بالاتباع مبالغة في تعليق الحمل بالاتباع والوعد بتخفيف الأوزار عنهم إن كانت تشجيعًا لهم عليه، وبهذا الاعتبار رد عليهم وكذبهم بقوله: وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ من الأولى للتبيين والثانية مزيدة والتقدير: وما هم بحاملين شيئًا من خطاياهم.\nوَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ أثقال ما اقترفته أنفسهم. وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وأثقالًا أخر معها لما تسببوا له بالإِضلال والحمل على المعاصي من غير أن ينقص من أثقال من تبعهم شيء. وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ سؤال تقريع وتبكيت. عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ من الأباطيل التي أضلوا بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2162>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا بعد المبعث، إِذ\nروي أنه بعث على رأس الأربعين ودعا قومًا تسعمائة وخمسين وعاش بعد الطوفان ستين\n، ولعل اختيار هذه العبارة للدلالة على كمال العدد فإن تسعمائة وخمسين قد يطلق على ما يقرب منه ولما في ذكر الألف من تخييل طول المدة إلى السامع، فإن المقصود من القصة تسلية رسول الله ﷺ وتثبيته على ما يكابده من الكفرة واختلاف المميزين لما في التكرير من البشاعة. فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ طوفان الماء وهو لما طاف بكثرة من سيل أو ظلام أو نحوهما.\nوَهُمْ ظالِمُونَ بالكفر.\nفَأَنْجَيْناهُ أي نوحا ﵇. وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ ومن أركب معه من أولاده وأتباعه وكانوا ثمانين. وقيل ثمانية وسبعين وقيل عشرة نصفهم ذكور ونصفهم إناث. وَجَعَلْناها أي السفينة أو الحادثة.\nآيَةً لِلْعالَمِينَ يتعظون ويستدلون بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2163>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)\nوَإِبْراهِيمَ عطف على نُوحًا أو نصب بإضمار اذكر، وقرئ بالرفع على تقدير ومن المرسلين إبراهيم. إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ ظرف لأرسلنا أي أرسلناه حين كمل عقله وتم نظره بحيث عرف الحق وأمر الناس به، أو بدل منه بدل اشتمال إن قدر باذكر. وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مما أنتم عليه. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الخير والشر وتميزون ما هو خير مما هو شر، أو كنتم تنظرون في الأمور بنظر العلم دون نظر الجهل.","vol":"4","page":190},{"text":"إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا وتكذبون كذبًا في تسميتها آلهة وادعاء شفاعتها عند الله تعالى، أو تعملونها وتنحتونها للإِفك وهو استدلال على شرارة ما هم عليه من حيث إنه زور وباطل، وقرئ «تخلقون» من خلق للتكثير و«تخلقون» من تخلق للتكلف، و«إِفْكًا» على أنه مصدر كالكذب أو نعت بمعنى خلقًا ذا إفك. إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا دليل ثان على شرارة ذلك من حيث إنه لا يجدي بطائل، ورِزْقًا يحتمل المصدر بمعنى لا يستطيعون أن يرزقوكم وأن يراد المرزوق وتنكيره للتعميم. فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ كله فإنه المالك له. وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ متوسلين إلى مطالبكم بعبادته مقيدين لما حفكم من النعم بشكره، أو مستعدين للقائه بهما، فإنه: إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وقرئ بفتح التاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2164>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nوَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)\nوَإِنْ تُكَذِّبُوا وإن تكذبوني. فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ من قبلي من الرسل فلم يضرهم تكذيبهم وإنما ضر أنفسهم حيث تسبب لما حل بهم من العذاب فكذا تكذيبكم. وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ الذي يزال معه الشك وما عليه أن يصدق ولا يكذب، فالآية وما بعدها من جملة قصة إِبْراهِيمَ إلى قوله فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ويحتمل أن تكون اعتراضًا بذكر شأن النبي ﷺ وقريش وهدم مذهبهم والوعيد على سوء صنيعهم، توسط بين طرفي قصته من حيث إن مساقها لتسلية رسول الله ﷺ والتنفيس عنه، بأن أباه خليل الله صلوات الله عليهما كان ممنوًا بنحو ما مني به من شرك القوم وتكذيبهم وتشبيه حاله فيهم بحال إبراهيم في قومه.\nأَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ من مادة ومن غيرها، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالتاء على تقدير القول وقرئ «يبدأ» . ثُمَّ يُعِيدُهُ إخبار بالإِعادة بعد الموت معطوف على أَوَلَمْ يَرَوْا لا على يُبْدِئُ، فإن الرؤية غير واقعة عليه ويجوز أن تؤول الإعادة بأن ينشئ في كل سنة مثل ما كان في السنة السابقة من النبات والثمار ونحوهما وتعطف على يُبْدِئُ. إِنَّ ذلِكَ الإِشارة إلى الإِعادة أو إلى ما ذكر من الأمرين. عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ إذ لا يفتقر في فعله إلى شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2165>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)\nقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ حكاية كلام الله لإِبراهيم أو محمد عليهما الصلاة والسلام. فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ على اختلاف الأجناس والأحوال. ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ بعد النشأة الأولى الّتي هي الإبداء، فإنه والإِعادة نشأتان من حيث أن كلًا اختراع وإخراج من العدم، والإِفصاح باسم الله مع إيقاعه مبتدأ بعد إضماره في بدأ والقياس الاقتصار عليه للدلالة على أن المقصود بيان الإِعادة، وأن من عرف بالقدرة على الإِبداء ينبغي أن يحكم له بالقدرة على الإِعادة لأنها أهون والكلام في العطف ما مر، وقرئ «النشاءة» كالرآفة. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لأن قدرته لذاته ونسبة ذاته إلى كل الممكنات على سواء فيقدر على النشأة الأخرى كما قدر على النشأة الأولى.\nيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه. وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ رحمته. وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ تردون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2166>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nوَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣)","vol":"4","page":191},{"text":"وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ربكم عن إدراككم. فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ إن فررتم من قضائه بالتواري في الأرض أو الهبوط في مهاويها، والتحصن فِي السَّماءِ أو القلاع الذاهبة فيها وقيل ولا من في السماء كقول حسان:\nأَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ الله مِنْكُم ... وَيَمْدَحهُ وَيَنْصُرهُ سَوَاء\nوَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ يحرسكم عن بلاء يظهر من الأرض أو ينزل من السماء ويدفعه عنكم.\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ بدلائل وحدانيته أو بكتبه. وَلِقائِهِ بالبعث. أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أي ييأسون منها يوم القيامة، فعبر عنه بالماضي للتحقق والمبالغة، أو أيسوا في الدنيا لإنكار البعث والجزاء.\nوَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بكفرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2167>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٤]</span>\nفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)\nفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ قوم إبراهيم له. وقرئ بالرفع على أنه الاسم والخبر. إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ وكان ذلك قول بعضهم لكن لما قيل فيهم ورضي به الباقون أسند إلى كلهم. فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ أي فقذفوه في النار فأنجاه الله منها بأن جعلها عليه بردًا وسلامًا. إِنَّ فِي ذلِكَ في إنجائه منها. لَآياتٍ هي حفظه من أذى النار وإخمادها مع عظمها في زمان يسر وإنشاء روض مكانها. لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لأنهم المنتفعون بالتفحص عنها والتأمل فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2168>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٥]</span>\nوَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)\nوَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها، وثاني مفعولي اتَّخَذْتُمْ محذوف ويجوز أن تكون مودة المفعول الثاني بتقدير مضاف أي اتخذتم أوثانا سبب المودة بينكم أو بتأويلها بالمودودة، وقرأها نافع وابن عامر وأبو بكر منونة ناصبة بينكم والوجه ما سبق، وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس مرفوعة مضافة على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة بينكم، والجملة صفة أَوْثانًا أو خبر إن على أن مَا مصدرية أو موصولة والعائد محذوف وهو المفعول الأول، وقرئت مرفوعة منونة ومضافة بفتح بَيْنِكُمْ كما قرئ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وقرئ «إنما مودة بينكم» . ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أي يقوم التناكر والتلاعن بينكم، أو بينكم وبين الأوثان على تغليب المخاطبين كقوله تعالى: وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا.\nوَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ يخلصونكم منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2169>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nفَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)\nفَآمَنَ لَهُ لُوطٌ هو ابن أخيه وأول من آمن به، وقيل إنه آمن به حين رأى النار لم تحرقه. وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ من قومي. إِلى رَبِّي إلى حيث أمرني. إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الذي يمنعني من أعدائي. الْحَكِيمُ","vol":"4","page":192},{"text":"الذي لا يأمرني إلا بما فيه صلاحي.\nروي أنه هاجر من كوثى من سواد الكوفة مع لوط وامرأته سارة ابنة عمه إلى حران، ثم منها إلى الشام فنزل فلسطين ونزل لوط سدوم.\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ولدًا ونافلة حين أيس من الولادة من عجوز عاقر ولذلك لم يذكر إسماعيل. وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ فكثر منهم الأنبياء. وَالْكِتابَ يريد به الجنس ليتناول الكتب الأربعة.\nوَآتَيْناهُ أَجْرَهُ على هجرته إلينا. فِي الدُّنْيا بإعطاء الولد في غير أوانه، والذرية الطيبة واستمرار النبوة فيهم وانتماء أهل الملل إليه والثناء والصلاة عليه إلى آخر الدهر. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ لفي عداد الكاملين في الصلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2170>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٢٨]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨)\nوَلُوطًا عطف على إبراهيم أو على ما عطف عليه. إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ الفعلة البالغة في القبح، وقرأ الحرميان وابن عامر وحفص بهمزة مكسورة على الخبر والباقون على الاستفهام وأجمعوا على الاستفهام في الثاني. مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ استئناف مقرر لفاحشتها من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع وتحاشت عنه النفوس حتى أقدموا عليها لخبث طينتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2171>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nأَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)\nأَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال أو بالفاحشة حتى انقطعت الطرق، أو تقطعون سبيل النسل بالإِعراض عن الحرث وإتيان ما ليس بحرث. وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ في مجالسكم الغاصة بأهلها ولا يقال للنادى إلا لما فيه أهله. الْمُنْكَرَ كالجماع والضراط وحل الإِزار وغيرها من القبائح عدم مبالاة بها. وقيل الخذف ورمي البنادق. فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في استقباح ذلك أو في دعوى النبوة المفهومة من التوبيخ.\nقالَ رَبِّ انْصُرْنِي بإنزال العذاب. عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ بابتداع الفاحشة وسنها فيمن بعدهم، وصفهم بذلك مبالغة في استنزال العذاب وإشعارًا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2172>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢)\nوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى بالبشارة بالولد والنافلة. قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ قرية سدوم والإِضافة لفظية لأن المعنى على الاستقبال. إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ تعليل لإِهلاكهم لهم بإصرارهم وتماديهم في ظلمهم الذي هو الكفر وأنواع المعاصي.\nقالَ إِنَّ فِيها لُوطًا اعتراض عليهم بأن فيها من لم يظلم، أو معارضة للموجب بالمانع وهو كون النبي بين أظهرهم. قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ تسليم لقوله مع ادعاء مزيد العلم به وأنهم ما كانوا غافلين عنه، وجواب عنه بتخصيص الأهل بمن عداه وأهله أو تأقيت الإِهلاك بإخراجهم منها، وفيه تأخير","vol":"4","page":193},{"text":"للبيان عن الخطاب. إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ الباقين في العذاب أو القرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2173>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٣]</span>\nوَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لاَ تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣)\nوَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ جاءته المساءة والغم بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء، وأَنْ صلة لتأكيد الفعلين واتصالهما. وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته كقولهم ضاقت يده وبإزائه رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقًا له، وذلك لأن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع. وَقالُوا لما رأوا فيه أثر الضجرة. لاَ تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ على تمكنهم منا. إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب لَنُنَجِّيَنَّهُ ومُنَجُّوكَ بالتخفيف ووافقهم أبو بكر وابن كثير في الثاني، وموضع الكاف الجر على المختار ونصب أَهْلَكَ بإضمار فعل أو بالعطف على محلها باعتبار الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2174>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nإِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)\nإِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ عذابًا منها سمي بذلك لأنه يقلق المعذب من قولهم ارتجز إذا ارتجس أي اضطرب، وقرأ ابن عامر مُنْزِلُونَ بالتشديد. بِما كانُوا يَفْسُقُونَ بسبب فسقهم.\nوَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً هي حكايتها الشائعة أو آثار الديار الخربة، وقيل الحجارة الممطرة فإنها كانت باقية بعد وقيل بقية أنهارها المسودة. لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار، وهو متعلق ب تَرَكْنا أو آيَةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2175>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧)\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وافعلوا ما ترجون به ثوابه فأقيم المسبب مقام السبب، وقيل إنه من الرجاء بمعنى الخوف. وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.\nفَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ الزلزلة الشديدة وقيلة صيحة جبريل لأن القلوب ترجف لها. فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ في بلدهم أو دورهم ولم يجمع لأمن اللبس. جاثِمِينَ باركين على الركب ميتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2176>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٣٨]</span>\nوَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)\nوَعادًا وَثَمُودَ منصوبان بإضمار اذكر أو فعل دل عليه ما قبله مثل أهلكنا، وقرأ حمزة وحفص ويعقوب وَثَمُودَ غير منصرف على تأويل القبيلة. وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ أي تبين لكم بعض مساكنهم، أو إهلاكهم من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها. وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ من الكفر والمعاصي. فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ السوي الذي بينه الرسل لهم. وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ متمكنين من النظر والاستبصار ولكنهم لم يفعلوا، أو متبينين أن العذاب لا حق بهم بإخبار الرسل لهم ولكنهم لجوا حتى هلكوا.","vol":"4","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2177>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nوَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلًاّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)\nوَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ معطوف على عادًا وتقديم قارُونَ لشرف نسبه. وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ فائتين بل أدركهم أمر الله من سبق طالبه إذا فاته.\nفَكُلًّا من المذكورين. أَخَذْنا بِذَنْبِهِ عاقبناه بذنبه. فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ريحًا عاصفًا فيها حصباء، أو ملكًا رماهم بها كقوم لوط. وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ كمدين وثمود. وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ كقارون. وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا كقوم نوح وفرعون وقومه. وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ليعاملهم معاملة الظالم فيعاقبهم بغير جرم إذ ليس ذلك من عادته ﷿. وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بالتعريض للعذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2178>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤١]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)\nمَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ فيما اتخذوه معتمدًا ومتكلًا. كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا فيما نسجته في الوهن والخور بل ذاك أوهن فإن لهذا حقيقة وانتفاعًا ما، أو مثلهم بالإضافة إلى الموحد كمثلها بالإضافة إلى رجل بنى بيتًا من حجر وجص، والعنكبوت يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، والتاء فيه كتاء طاغوت ويجمع على عناكيب وعناكب وعكاب وعكبة وأعكب. وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لا بيت أوهن وأقل وقاية للحر والبرد منه. لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يرجعون إلى علم لعلموا أن هذا مثلهم وأن دينهم أوهن من ذلك، ويجوز أن يكون المراد ببيت العنكبوت دينهم سماه به تحقيقًا للتمثيل فيكون المعنى: وإن أوهن ما يعتمد به في الدين دينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2179>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٢]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)\nإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ على إضمار القول أي قل للكفرة إن الله يعلم، وقرأ البصريان بالياء حملًا على ما قبله وما استفهامية منصوبة ب تَدْعُونَ ويَعْلَمُ معلقة عنها ومِنْ للتبيين أو نافية ومِنْ مزيدة وشَيْءٍ مفعول يَدْعُونَ أو مصدرية وشَيْءٍ مصدر أو موصولة مفعول ليعلم ومفعول يَدْعُونَ عائدها المحذوف، والكلام على الأولين تجهيل لهم وتوكيد للمثل وعلى الأخيرين وعيد لهم. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تعليل على المعنيين فإن من فرط الغباوة إشراك ما لا يعد شيئًا بمن هذا شأنه، وأن الجماد بالإِضافة إلى القادر القاهر على كل شيء البالغ في العلم وإتقان الفعل الغاية كالمعدوم، وأن من هذا وصفه قادر على مجازاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2180>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nوَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)\nوَتِلْكَ الْأَمْثالُ يعني هذا المثل ونظائره. نَضْرِبُها لِلنَّاسِ تقريبًا لما بعد من أفهامهم. وَما يَعْقِلُها ولا يعقل حسنها وفائدتها. إِلَّا الْعالِمُونَ الذين يتدبرون الأشياء على ما ينبغي.\nوعنه ﷺ أنه تلا هذه الآية","vol":"4","page":195},{"text":"فقال: «العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه» .\nخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ محقًا غير قاصد به باطلًا، فإن المقصود بالذات من خلقها إفادة الخير والدلالة على ذاته وصفاته كما أشار إليه بقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لأنهم المنتفعون به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2181>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٤٥]</span>\nاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)\nاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ تقربًا إلى الله تعالى بقراءته وتحفظًا لألفاظه واستكشافًا لمعانيه، فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه. وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ بأن تكون سببًا للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها من حيث إنها تذكر الله وتورث النفس خشية منه.\nروي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول الله ﷺ الصلوات ولا يدع شيئًا من الفواحش إلا ارتكبه، فوصف له ﵇ فقال: «إن صلاته ستنهاه» فلم يلبث أن تاب.\nوَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وللصلاة أكبر من سائر الطاعات، وإنما عبر عنها به للتعليل بأن اشتمالها على ذكره هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات ناهية عن السيئات، أو ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ منه ومن سائر الطاعات فيجازيكم به أحسن المجازاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2182>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٦ الى ٤٧]</span>\nوَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧)\nوَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا بالخصلة التي هي أحسن كمعارضة الخشونة باللين والغضب بالكظم والمشاغبة بالنصح، وقيل هو منسوخ بآية السيف إذ لا مجادلة أشد منه وجوابه أنه آخر الدواء، وقيل المراد به ذو العهد منهم. إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بالإِفراط في الاعتداء والعناد أو بإثبات الولد وقولهم يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ أو بنبذ العهد ومنع الجزية. وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ هو من المجادلة بالتي هي أحسن.\nوعن النبي ﷺ «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وبكتبه ورسله فإن قالوا باطلًا لم تصدقوهم وإن قالوا حقًا لم تكذبوهم» .\nوَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ مطيعون له خاصة وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أَرْبَابًا من دون الله.\nوَكَذلِكَ ومثل ذلك الإِنزال. أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ وحيًا مصدقًا لسائر الكتب الإلهية وهو تحقيق لقوله: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ هم عبد الله بن سلام وأضرابه، أو من تقدم عهد الرسول ﷺ من أهل الكتاب. وَمِنْ هؤُلاءِ ومن العرب أو أهل مكة أو ممن في عهد الرسول من أهل الكتابين. مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بالقرآن. وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا مع ظهورها وقيام الحجة عليها. إِلَّا الْكافِرُونَ إلا المتوغلون في الكفر فإن جزمهم به يمنعهم عن التأمل فيما يفيد لهم صدقها لكونها معجزة بالإضافة إلى الرسول ﷺ كما أشار إليه بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2183>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩)\nوَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ فإن ظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم","vol":"4","page":196},{"text":"الشريفة على أمي لم يعرف بالقراءة والتعلم خارق للعادة، وذكر اليمين زيادة تصوير للمنفي ونفي للتجوز في الإِسناد. إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ أي لو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا لعله تعلمه أو التقطه من كتب الأولين الأقدمين، وإنما سماهم مبطلين لكفرهم أو لارتيابهم بانتفاء وجه واحد من وجوه الإعجاز المتكاثرة، وقيل لارتاب أهل الكتاب لوجدانهم نعتك على خلاف ما في كتبهم فيكون إبطالهم باعتبار الواقع دون المقدر.\nبَلْ هُوَ بل القرآن آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يحفظونه لا يقدر أحد على تحريفه.\nوَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ المتوغلون في الظلم بالمكابرة بعد وضوح دلائل إعجازها حتى لم يعتدوا بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2184>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)\nوَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رَّبّهِ مثل ناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى، وقرأ نافع وابن عامر والبصريان وحفص آياتٌ. قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ينزلها كما يشاء لست أملكها فآتيكم بما تقترحونه.\nإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ليس من شأني إلا الإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات.\nأَوَلَمْ يَكْفِهِمْ آية مغنية عما اقترحوه. أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ تدوم تلاوته عليهم متحدين به فلا يزال معهم آية ثابتة لا تضمحل بخلاف سائر الآيات، أو يتلى عليهم يعني اليهود بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك. إِنَّ فِي ذلِكَ الكتاب الذي هو آية مستمرة وحجة مبينة. لَرَحْمَةً لنعمة عظيمة. وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وتذكرة لمن همه الإِيمان دون التعنت.\nوقيل إن أناسًا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ بكتف كتب فيها بعض ما يقول اليهود، «فقال كفى بها ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم» فنزلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2185>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nقُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (٥٣)\nقُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا بصدقي وقد صدقني بالمعجزات، أو بتبليغي مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم ونصحي ومقابلتكم إياي بالتكذيب والتعنت. يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فلا يخفى عليه حالي وحالكم.\nوَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وهو ما يعبد من دون الله. وَكَفَرُوا بِاللَّهِ منكم. أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإِيمان.\nوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ بقولهم: أمطر عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لكل عذاب أو قوم. لَجاءَهُمُ الْعَذابُ عاجلًا. وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً فجأة في الدنيا كوقعة بدر أو الآخرة عند نزول الموت بهم. وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بإتيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2186>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)\nيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ستحيط بهم يوم يأتيهم العذاب، أو هي كالمحيطة","vol":"4","page":197},{"text":"بهم الآن لإِحاطة الكفر والمعاصي التي توجبها بهم، واللام للعهد على وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على موجب الإِحاطة، أو للجنس فيكون استدلالًا بحكم الجنس على حكمهم.\nيَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ ظرف لَمُحِيطَةٌ أو مقدر مثل كان كيت وكيت. مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ من جميع جوانبهم. وَيَقُولُ الله أو بعض ملائكته بأمره لقراءة ابن كثير وابن عامر والبصريين بالنون. ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي جزاءه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2187>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nيا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧)\nيا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ\nأي إذا لم يتسهل لكم العبادة في بلدة ولم يتيسر لكم إظهار دينكم فهاجروا إلى حيث يتمشى لكم ذلك،\nوعنه ﵊: «من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو كان شبرًا استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد ﵉» .\nوالفاء جواب شرط محذوف إذ المعنى إن أرضي واسعة إن لم تخلصوا العبادة لي في أرض فأخلصوها في غيرها.\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ تناله لا محالة. ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ للجزاء ومن هذا عاقبته ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له وقرأ أبو بكر بالياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2188>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ لننزلنهم. مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا علالي، وقرأ حمزة والكسائي «لنثوينهم» أي لنقيمنهم من الثواء فيكون انتصاب غرفًا لإجرائه مجرى لننزلنهم، أو بنزع الخافض أو تشبيه الظرف المؤقت بالمبهم. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ وقرئ «فنعم» والمخصوص بالمدح محذوف دل عليه ما قبله.\nالَّذِينَ صَبَرُوا على أذية المشركين والهجرة للدين إلى غير ذلك من المحن والمشاق. وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ولا يتوكلون إلا على الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2189>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)\nوَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا لا تطيق حمله لضعفها أو لا تدخره، وإنما تصبح ولا معيشة عندها.\nاللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ ثم إنها مع ضعفها وتوكلها وإياكم مع قوتكم واجتهادكم سواء في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله، لأن رزق الكل بأسباب هو المسبب لها وحده فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة، فإنهم لما أمروا بالهجرة قال بعضهم كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة فنزلت. وَهُوَ السَّمِيعُ لقولكم هذا. الْعَلِيمُ بضميركم.\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ المسؤول عنهم أهل مكة. لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود. فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ يصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك.","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2190>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (٦٣)\nاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ يحتمل أن يكون الموسع له والمضيق عليه واحدًا على أن البسط والقبض على التعاقب وألا يكون على وضع الضمير موضع من يشاء وإبهامه لأن من يشاء مبهم.\nإِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعلم مصالحهم ومفاسدهم.\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ معترفين بأنه الموجد للممكنات بأسرها أصولها وفروعها، ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي لا يقدر على شيء من ذلك.\nقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على ما عصمك من مثل هذه الضلالة، أو على تصديقك وإظهار حجتك. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ فيتناقضون حيث يقرون بأنه المبدئ لكل ما عداه ثم إنهم يشركون به الصنم، وقيل لا يعقلون ما تريد بتحميدك عند مقالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2191>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٤]</span>\nوَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)\nوَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إشارة تحقير وكيف لا وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة. إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ إلا كما يلهى ويلعب به الصبيان يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون متعبين. وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لهي دار الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت عليها، أو هي في ذاتها حياة للمبالغة، والْحَيَوانُ مصدر حين سمي به ذو الحياة وأصله حييان فقلبت الياء الثانية واوًا وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة ولذلك اختير عليها ها هنا. لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ لم يؤثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة والحياة فيها عارضة سريعة الزوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2192>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nفَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)\nفَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ متصل بما دل عليه شرح حالهم أي هم على ما وصفوا به من الشرك فإذا ركبوا البحر. دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين حيث لا يذكرون إلا الله ولا يدعون سواه لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو. فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ فاجؤوا المعاودة إلى الشرك.\nلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ اللام فيه لام كي أي يشركون ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة. وَلِيَتَمَتَّعُوا باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها، أو لام الأمر على التهديد ويؤيده قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وقالون عن نافع وَلِيَتَمَتَّعُوا بالسكون. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقبة ذلك حين يعاقبون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2193>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨)\nأَوَلَمْ يَرَوْا يعني أهل مكة. أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا أي جعلنا بلدهم مصونًا عن النهب والتعدي آمنًا","vol":"4","page":199},{"text":"أهله عن القتل والسبي. وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ يختلسون قتلًا وسبيًا إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب. أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ أبعد هذه النعمة المكشوفة وغيرها مما لا يقدر عليه إلا الله يؤمنون بالصنم أو الشيطان. وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ حيث أشركوا به غيره وتقديم الصلتين للاهتمام أو الاختصاص على طريق المبالغة.\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا بأن زعم أن له شريكًا. أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ يعني الرسول أو الكتاب، وفي لَمَّا تسفيه لهم بأن لم يتوافقوا ولم يتأملوا قط حين جاءهم بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه. أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ تقرير لثوائهم كقوله:\nأَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا أي ألا يستوجبون الثواء فيها وقد افتروا مثل هذا الكذب على الله وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب، أو لاجترائهم أي ألم يعلموا أن فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ حتى اجترءوا مثل هذه الجراءة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2194>[سورة العنكبوت (٢٩): آية ٦٩]</span>\nوَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)\nوَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا في حقنا وإطلاق المجاهدة ليعم جهاد الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعه.\nلَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا سبل السير إلينا والوصول إلى جنابنا، أو لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير وتوفيقًا لسلوكها كقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً\nوفي الحديث «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» .\nوَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ بالنصر والإِعانة.\nقال رسول الله ﷺ «من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل المؤمنين والمنافقين» .","vol":"4","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2195>(٣٠) سورة الروم</span>\nمكية إلا قوله (فسبحان الله) الآية وآيها ستون أو تسع وخمسون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2196>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)\nبِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)\nالم.\nغُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ أرض العرب منهم لأنها الأرض المعهودة عندهم، أو في أدنى أرضهم من العرب واللام بدل من الإِضافة. وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ من إضافة المصدر إلى المفعول، وقرئ «غَلَبِهِمْ» وهو لغة كالجلب والجلب. سَيَغْلِبُونَ.\nفِي بِضْعِ سِنِينَ\nروي أن فارس غزوا الروم فوافوهم بأذرعات وبصرى، وقيل بالجزيرة وهي أدنى أرض الروم من الفرس فغلبوا عليهم وبلغ الخبر مكة ففرح المشركون وشمتوا بالمسلمين وقالوا: أنتم والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن عليكم فنزلت، فقال لهم أبو بكر: لا يقرن الله أعينكم فو الله لتظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: كذبت اجعل بيننا أجلًا أناحبك عليه، فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعلا الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر ﵁ رسول الله ﷺ فقال البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل، فجعلاه مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي من جرح رسول الله ﷺ بعد قفوله من أحد وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أبي، وجاء به إلى رسول الله ﷺ فقال تصدق به.\nواستدلت به الحنفية على جواز العقود الفاسدة في دار الحرب، وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار، والآية من دلائل النبوة لأنها إخبار عن الغيب. وقرئ «غَلَبَت» بالفتح و«سَيُغْلِبُونَ» بالضم ومعناه أن الروم غلبوا على ريف الشام والمسلمون سيغلبونهم، وفي السنة التاسعة من نزوله غزاهم المسلمون وفتحوا بعض بلادهم وعلى هذا تكون إضافة الغلب إلى الفاعل. لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ من قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين، ومن بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين أي له الأمر حين غلبوا وحين يغلبون ليس شيء منهما إلا بقضائه، وقرئ «مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ» من غير تقدير مضاف إليه كأنه قيل قبلًا وبعدًا أي أولًا وآخرًا. وَيَوْمَئِذٍ ويوم تغلب الروم. يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ.\nبِنَصْرِ اللَّهِ من له كتاب على من لا كتاب له لما فيه من انقلاب التفاؤل وظهور صدقهم فيما أخبرا به المشركين وغلبتهم في رهانهم وازدياد يقينهم وثباتهم في دينهم، وقيل بنصر الله المؤمنين بإظهار صدقهم أو بأن ولي بعض أعدائهم بعضًا حتى تفانوا. يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى. وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ينتقم من عباده بالنصر عليهم تارة ويتفضل عليهم بنصرهم أخرى.","vol":"4","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2197>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧)\nوَعْدَ اللَّهِ مصدر مؤكد لنفسه لأن ما قبله في معنى الوعد. لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ لامتناع الكذب عليه تعالى. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ وعده ولا صحة وعده لجهلهم وعدم تفكرهم.\nيَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا ما يشاهدونه منها والتمتع بزخارفها. وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ التي هي غايتها والمقصود منها. هُمْ غافِلُونَ لا تخطر ببالهم، وهُمْ الثانية تكرير للأولى أو مبتدأ وغافِلُونَ خبره والجملة خبر الأولى، وهو على الوجهين مناد على تمكن غفلتهم عن الآخرة المحققة لمقتضى الجملة المتقدمة المبدلة من قوله: لاَّ يَعْلَمُونَ تقريرًا لجهالتهم وتشبيهًا لهم بالحيوانات المقصور إدراكها من الدنيا ببعض ظاهرها، فإن من العلم بظاهرها معرفة حقائقها وصفاتها وخصائصها وأفعالها وأسبابها وكيفية صدورها منها وكيفية التصرف فيها ولذلك نكر ظاهرًا، وأما باطنها فإنها مجاز إلى الآخرة ووصلة إلى نيلها وأنموذج لأحوالها وإشعارًا بأنه لا فرق بين عدم العلم والعلم الذي يختص بظاهر الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2198>[سورة الروم (٣٠): آية ٨]</span>\nأَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨)\nأَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أو لم يحدثوا التفكر فيها، أو أَوَ لَمْ يَتَفَكْرُوا في أمر أنفسهم فإنها أقرب إليهم من غيرها ومرآة يجتلى فيها للمستبصر ما يجتلى له في الممكنات بأسرها ليتحقق لهم قدرة مبدعها على إعادتها مثل قدرته على إبدائها. ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ متعلق بقول أو علم محذوف يدل عليه الكلام. وَأَجَلٍ مُسَمًّى تنتهي عنده ولا تبقى بعده. وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ بلقاء جزائه عند انقضاء الأجل المسمى أو قيام الساعة. لَكافِرُونَ جاحدون يحسبون أن الدنيا أبدية وأن الآخرة لا تكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2199>[سورة الروم (٣٠): آية ٩]</span>\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ تقرير لسيرهم في أقطار الأرض ونظرهم في آثار المدمرين قبلهم. كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً كعاد وثمود. وَأَثارُوا الْأَرْضَ وقلبوا وجهها لاستنباط المياه واستخراج المعادن وزرع البذور وغيرها. وَعَمَرُوها وعمروا الأرض. أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها من عمارة أهل مكة إياها فإنهم أهل واد غير ذي زرع لا تبسط لهم في غيرها، وفيه تهكم بهم من حيث إنهم مغترون بالدنيا مفتخرون بها وهم أضعف حالًا فيها، إذ مدار أمرها على التبسط في البلاد والتسلط على العباد والتصرف في أقطار الأرض بأنواع العمارة وهم ضعفاء ملجؤون إلى دار لا نفع لها. وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات أو الآيات الواضحات. فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ليفعل بهم ما تفعل الظلمة فيدمرهم من غير جرم ولا تذكير. وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث عملوا ما أدى إلى تدميرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2200>[سورة الروم (٣٠): آية ١٠]</span>\nثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)\nثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أي ثم كان عاقبتهم العاقبة السُّواى أو الخصلة السُّواى،","vol":"4","page":202},{"text":"فوضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما اقتضى أن تكون تلك عاقبتهم وأنهم جاءوا بمثل أفعالهم، والسُّواى تأنيث الأسوأ كالحسنى أو مصدر كالبشرى نعت به. أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ علة أو بدل أو عطف بيان ل السُّواى، أو خبر كان والسُّواى مصدر أساؤوا أو مفعوله بمعنى، ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الذين اقترفوا الخطيئة أن طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ حتى كذبوا بآيات الله واستهزءوا بها، ويجوز أن تكون السُّواى صلة الفعل وأَنْ كَذَّبُوا تابعها والخبر محذوف للإبهام والتهويل، وأن تكون أَنْ مفسرة لأن الإِساءة إذا كانت مفسرة بالتكذيب والاستهزاء كانت متضمنة معنى القول، وقرأ ابن عامر والكوفيون عاقِبَةَ بالنصب على أن الاسم السُّواى وأَنْ كَذَّبُوا على الوجوه المذكورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2201>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nاللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)\nاللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ينشئهم. ثُمَّ يُعِيدُهُ يبعثهم. ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ للجزاء والعدول إلى الخطاب للمبالغة في المقصود، وقرأ أبو بكر وأبو عمرو وروح بالياء على الأصل.\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ يسكتون متحرين آيسين يقال ناظرته فأبلس إذا سكت وآيس من أن يحتج ومنه الناقة المبلاس التي لا ترغو، وقرئ بفتح اللام من أبلسه إذا أسكته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2202>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)\nوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ ممن أشركوهم بالله. شُفَعاءُ يجيرونهم من عذاب الله، ومجيئه بلفظ الماضي لتحققه. وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ يكفرون بآلهتهم حين يئسوا منهم، وقيل كانوا في الدنيا كافرين بسببهم، وكتب في المصحف شفعواء وعلمواء بني إسرائيل بالواو وكذا السُّواى بالألف إثباتًا للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها.\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ أي المؤمنون والكافرون لقوله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2203>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦)\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ أرض ذات أزهار وأنهار. يُحْبَرُونَ يسرون سرورا تهللت له وجوههم.\nوَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ مدخلون لا يغيبون عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2204>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nفَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)\nفَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ إخبار في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى والثناء عليه في هذه الأوقات التي تظهر فيها قدرته وتتجدد فيها نعمته، أو دلالة على أن ما يحدث فيها من الشواهد الناطقة بتنزهه واستحقاقه الحمد ممن له تمييز من أهل السموات والأرض، وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح لأن آثار القدرة والعظمة فيهما أظهر، وتخصيص الحمد بالعشي الذي هو آخر النهار من عشى العين إذا نقص نورها والظهيرة التي هي وسطه لأن تجدد النعم فيهما أكثر،","vol":"4","page":203},{"text":"ويجوز أن يكون عَشِيًّا معطوفا على حِينَ تُمْسُونَ وقوله وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اعتراضًا.\nوعن ابن عباس أن الآية جامعة للصلوات الخمس تُمْسُونَ صلاتا المغرب والعشاء، وتُصْبِحُونَ صلاة الفجر، وعَشِيًّا صلاة العصر، وتُظْهِرُونَ صلاة الظهر. ولذلك زعم الحسن أنها مدنية لأنه كان يقول كان الواجب بمكة ركعتين في أي وقت اتفقتا وإنما فرضه الخمس بالمدينة، والأكثر على أنها فرضت بمكة.\nوعنه ﵊ «من سره أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل فسبحان الله حين تمسون الآية» .\nوعنه ﵊ «من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته في ليلته، ومن قاله حين يمسي أدرك ما فاته في يومه» .\nوقرئ «حينًا تمسون» و«حينًا تصبحون» أي تمسون فيه وتصبحون فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2205>[سورة الروم (٣٠): آية ١٩]</span>\nيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)\nيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كالإِنسان من النطفة والطائر من البيضة. وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ كالنطفة والبيضة، أو يعقب الحياة الموت وبالعكس. وَيُحْيِ الْأَرْضَ بالنبات. بَعْدَ مَوْتِها يبسها. وَكَذلِكَ ومثل ذلك الإخراج. تُخْرَجُونَ من قبوركم فإنه أيضا تعقيب للحياة الموت، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2206>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ أي في أصل الإِنشاء لأنه خلق أصلهم منه. ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ثم فاجأتم وقت كونكم بشرًا منتشرين في الأرض.\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لأن حواء خلقت من ضلع آدم وسائر النساء خلقن من نطف الرجال، أو لأنهن من جنسهم لا من جنس آخر. لِتَسْكُنُوا إِلَيْها لتميلوا إليها وتألفوا بها فإن الجنسية علة للضم والاختلاف سبب للتنافر. وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ أي بين الرجال والنساء، أو بين أفراد الجنس. مَوَدَّةً وَرَحْمَةً بواسطة الزواج حال الشبق وغيرها بخلاف سائر الحيوانات نظمًا لأمر المعاش، أو بأن تعيش الإِنسان متوقف على التعارف والتعاون المحوج إلى التواد والتراحم، وقيل المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد كقوله تعالى: وَرَحْمَةً مِنَّا. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فيعلمون ما في ذلك من الحكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2207>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٢]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢)\nوَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ لغاتكم بأن علم كل صنف لغته أو ألهمه وضعها وأقدره عليها، أو أجناس نطقكم وأشكاله فإنك لا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفية. وَأَلْوانِكُمْ بياض الجلد وسواده، أو تخطيطات الأعضاء وهيئاتها وألوانها، وحلاها بحيث وقع التمايز والتعارف حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور الملاقية لهما في التخليق يختلفان في شيء من ذلك لا محالة.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ لا تكاد تخفى على عاقل من ملك أو إنس أو جن، وقرأ حفص بكسر اللام ويؤيد قوله: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ.","vol":"4","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2208>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٣]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)\nوَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية وتقوي القوى الطبيعية وطلب معاشكم فيهما، أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار فلف وضم بين الزمانين والفعلين بعاطفين إشعارًا بأن كلًا من الزمانين وإن اختص بأحدهما فهو صالح للآخر عند الحاجة، ويؤيده سائر الآيات الواردة فيه. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع تفهم واستبصار فإن الحكمة فيه ظاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2209>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٤]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)\nوَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ مقدر بأن المصدرية كقوله:\nأَلا أَيّهذا الزَّاجِرِي أَحضُرَ الوَغَى ... وأَنْ أشَهدَ اللذاتِ هَلْ أنتَ مُخلِدي\nأو الفعل فيه منزلة المصدر كقولهم: تَسْمَعُ بِالْمِعيديِّ خَيرٌ مِنْ أن تراه، أو صفة لمحذوف تقديره آية يريكم بها البرق كقوله:\nفَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا ... أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِي العَيْشَ أَكْدَحُ\nخَوْفًا من الصاعقة للمسافر. وَطَمَعًا في الغيث للمقيم، ونصبهما على العلة لفعل يلزم المذكور فإن إراءتهم تستلزم رؤيتهم أوله على تقدير مضاف نحو إرادة خوف وطمع، أو تأويل الخوف والطمع بالإِخافة والإِطماع كقولك فعلته رغمًا للشيطان، أو على الحال مثل كَلَّمْتُهُ شِفَاهًا. وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً وقرئ بالتشديد. فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بالنبات. بَعْدَ مَوْتِها يبسها. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يستعملون عقولهم في استنباط أسبابها وكيفية تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع وحكمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2210>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦)\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ قيامهما بإقامته لهما وإرادته لقيامهما في حيزيهما المعينين من غير مقيم محسوس، والتعبير بالأمر للمبالغة في كمال القدرة والغنى عن الآلة. ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ عطف على أَنْ تَقُومَ على تأويل مفرد كأنه قيل: ومن آياته قيام السموات والأرض بأمره ثم خروجكم من القبور إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً واحدة فيقول أيها الموتى اخرجوا، والمراد تشبيه سرعة ترتب حصول ذلك على تعلق إرادته بلا توقف واحتياج إلى تجشم عمل بسرعة ترتب إجابة الداعي المطاع على دعائه، وثم إما لتراخي زمانه أو لعظم ما فيه ومن الأرض متعلق بدعا كقولك: دعوته من أسفل الوادي فطلع إلي لا بتخرجون لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها، وإِذا الثانية للمفاجأة ولذلك نابت مناب الفاء في جواب الأولى.\nوَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ منقادون لفعله فيهم لا يمتنعون عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2211>[سورة الروم (٣٠): آية ٢٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)","vol":"4","page":205},{"text":"وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ بعد هلاكهم. وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ والإِعادة أسهل عليه من الأصل بالإِضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم وإلا فهما عليه سواء ولذلك قيل الهاء ل الْخَلْقَ، وقيل أَهْوَنُ بمعنى هين وتذكير هو لأهون أو لأن الإِعادة بمعنى أن يعيد. وَلَهُ الْمَثَلُ الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامة والحكمة التامة ومن فسره بقول لا إله إلا الله أراد به الوصف بالوحدانية. الْأَعْلى الذي ليس لغيره ما يساويه أو يدانيه. فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يصفه به ما فيها دلالة ونطقًا. وَهُوَ الْعَزِيزُ القادر الذي لا يعجز عن إبداء ممكن وإعادته. الْحَكِيمُ الذي يجري الأفعال على مقتضى حكمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2212>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)\nضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ منتزعًا من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم. هَلْ لَكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من مماليككم. مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ من الأموال وغيرها. فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ فتكونون أنتم وهم فيه شرعًا يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم وأنها معارة لكم، ومِنْ الأولى للابتداء والثانية للتبعيض والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي. تَخافُونَهُمْ أن يستبدوا بتصرف فيه.\nكَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض. كَذلِكَ مثل ذلك التفصيل. نُفَصِّلُ الْآياتِ نبينها فإن التفصيل مما يكشف المعاني ويوضحها. لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال.\nبَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بالإِشراك. أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ جاهلين لا يكفهم شيء فإن العالم إذا اتبع هواه ربما ردعه علمه. فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ فمن يقدر على هدايته. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يخلصونهم من الضلالة ويحفظونهم عن آفاتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2213>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)\nفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فقومه له غير ملتفت أو ملتفت عنه، وهو تمثيل للإقبال والاستقامة عليه والاهتمام به. فِطْرَتَ اللَّهِ خلقته نصب على الإِغراء أو المصدر لما دل عليه ما بعدها. الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها خلقهم عليها وهي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه، أو ملة الإِسلام فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها، وقيل العهد المأخوذ من آدم وذريته. لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ لا يقدر أحد أن يغيره أو ما ينبغي أن يغير. ذلِكَ إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو الفطرة إن فسرت بالملة. الدِّينُ الْقَيِّمُ المستقيم الذي لا عوج فيه. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ استقامته لعدم تدبرهم.\nمُنِيبِينَ إِلَيْهِ راجعين إليه من أناب إذا رجع مرة بعد أخرى، وقيل منقطعين إليه من الناب وهو حال من الضمير في الناصب المقدر لفطرة الله أو في أقم لأن الآية خطاب للرسول ﷺ والأمة لقوله: وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ غير أنها صدرت بخطاب الرسول ﷺ تعظيما له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2214>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٢]</span>\nمِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)\nمِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ بدل من المشركين وتفريقهم اختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم،","vol":"4","page":206},{"text":"وقرأ حمزة والكسائي فارقوا بمعنى تركوا دينهم الذي أمروا به. وَكانُوا شِيَعًا فرقًا تشايع كل إمامها الذي أضل دينها. كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ مسرورون ظنًا بأنه الحق، ويجوز أن يجعل فرحون صفة كل على أن الخبر مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2215>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nوَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)\nوَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ شدة. دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ راجعين إليه من دعاء غيره. ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً خلاصًا من تلك الشدة. إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ فاجأ فريق منهم بالإِشراك بربهم الذي عافاهم.\nلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ اللام فيه للعاقبة وقيل للأمر بمعنى التهديد لقوله: فَتَمَتَّعُوا غير أنه التفت فيه مبالغة وقرئ و«ليتمتعوا» . فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة تمتعكم، وقرئ بالياء التحتية على أن تمتعوا ماض.\nأَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا حجة وقيل ذا سلطان أي ملكًا معه برهان. فَهُوَ يَتَكَلَّمُ تكلم دلالة كقوله كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ أو نطق. بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ بإشراكهم وصحته، أو بالأمر الذي بسببه يشركون به في ألوهيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2216>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً نعمة من صحة وسعة. فَرِحُوا بِها بطروا بسببها. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ شدة. بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ بشؤم معاصيهم. إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ فاجؤوا القنوط من رحمته وقرأ الكسائي وأبو عمرو بكسر النون.\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ فما لهم لم يشكروا ولم يحتسبوا في السراء والضراء كالمؤمنين. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2217>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٨]</span>\nفَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)\nفَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ كصلة الرحم، واحتج به الحنفية على وجوب النفقة للمحارم وهو غير مشعر به.\nوَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ما وظف لهما من الزكاة، والخطاب لرسول الله ﷺ أو لمن بسط له ولذلك رتب على ما قبله بالفاء. ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ذاته أو جهته أي يقصدون بمعروفهم إياه خالصًا، أو جهة التقرب إليه لا جهة أخرى. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ حيث حصلوا بما بسط لهم النعيم المقيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2218>[سورة الروم (٣٠): آية ٣٩]</span>\nوَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)\nوَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا زيادة محرمة في المعاملة أو عطية يتوقع بها مزيد مكافأة، وقرأ ابن كثير بالقصر بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا. لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ ليزيد ويزكو في أموالهم. فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ فلا","vol":"4","page":207},{"text":"يزكو عنده ولا يبارك فيه، وقرأ نافع ويعقوب لتربو أي لتزيدوا أو لتصيروا ذوي ربا. وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ تبتغون به وجهه خالصًا فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ذوو الأضعاف من الثواب ونظير المضعف المقوي والموسر لذي القوة واليسار، أو الذين ضعفوا ثوابهم وأموالهم ببركة الزكاة، وقرئ بفتح العين وتغييره عن سنن المقابلة عبارة ونظمًا للمبالغة، والالتفات فيه للتعظيم كأنه خاطب به الملائكة وخواص الخلق تعريفًا لحالهم، أو للتعميم كأنه قال: فمن فعل ذلك فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ، والراجع منه محذوف إن جعلت مَا موصولة تقديره المضعفون به، أو فَمُؤْتُوه أولئك هم المضعفون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2219>[سورة الروم (٣٠): آية ٤٠]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ أثبت له لوازم الألوهية ونفاها رأسًا عما اتخذوه شركاء له من الأصنام وغيرها مؤكدًا بالإنكار على ما دل عليه البرهان والعيان ووقع عليه الوفاق، ثم استنتج من ذلك تقدسه عن أن يكون له شركاء فقال: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ويجوز أن تكون الكلمة الموصولة صفة والخبر هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ والرابط مِنْ ذلِكُمْ لأنه بمعنى من أفعاله، ومِنْ الأولى والثانية تفيد أن شيوع الحكم في جنس الشركاء والأفعال والثالثة مزيدة لتعميم المنفي وكل منها مستقلة بتأكيد لتعجيز الشركاء، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2220>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)\nظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ كالجدب والموتان وكثرة الحرق والغرق وإخفاق الغاصة ومحق البركات وكثرة المضار، أو الضلالة والظلم. وقيل المراد بالبحر قرى السواحل وقرئ و«البحور» . بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ بشؤم معاصيهم أو بكسبهم إياه، وقيل ظهر الفساد فى البر بقتل قابيل أخاه وفي البحر بأن جلندا ملك عمان كان يأخذ كل سفينة غصبًا. لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا بعض جزائه فإن تمامه في الآخرة واللام للعلة أو للعاقبة. وعن ابن كثير ويعقوب لِنُذِيقَهُمْ بالنون. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عما هم عليه.\nقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ لتشاهدوا مصداق ذلك وتتحققوا صدقه.\nكانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ استئناف للدلالة على أن سوء عاقبتهم كان لفشو الشرك وغلبته فيهم، أو كان الشرك في أكثرهم وما دونه من المعاصي في قليل منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2221>[سورة الروم (٣٠): آية ٤٣]</span>\nفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)\nفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ البليغ الاستقامة. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ لا يقدر أن يرده أحد، وقوله: مِنَ اللَّهِ متعلق ب يَأْتِيَ، ويجوز أن يتعلق ب مَرَدَّ لأنه مصدر على معنى لا يرده الله لتعلق إرادته القديمة بمجيئه. يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ يتصدعون أي يتفرقون فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ كما قال\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2222>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)\nمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أي وباله وهو النار المؤبدة. وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ يسوون منزلًا في الجنة، وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على الاختصاص.","vol":"4","page":208},{"text":"لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ علة ل يَمْهَدُونَ أو ل يَصَّدَّعُونَ، والاقتصار على جزاء المؤمنين للإِشعار بأنه المقصود بالذات والاكتفاء على فحوى قوله: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكافِرِينَ فإن فيه إثبات البغض لهم والمحبة للمؤمنين، وتأكيد اختصاص الصلاح المفهوم من ترك ضميرهم إلى التصريح بهم تعليل له ومن فضله دال على أن الإِثابة تفضل محض، وتأويله بالعطاء أو الزيادة على الثواب عدول عن الظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2223>[سورة الروم (٣٠): آية ٤٦]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ الشمال والصبا والجنوب فإنها رياح الرحمة وأما الدبور فريح العذاب، ومنه\nقوله ﵊ «اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا»\nوقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي الريح على إرادة الجنس. مُبَشِّراتٍ بالمطر. وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ يعني المنافع التابعة لها، وقيل الخصب التابع لنزول المطر المسبب عنها أو الروح الذي هو مع هبوبها والعطف على علة محذوفة دل عليها مُبَشِّراتٍ أو عليها باعتبار المعنى، أو على يُرْسِلَ بإضمار فعل معلل دل عليه. وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني تجارة البحر. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ولتشكروا نعمة الله تعالى فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2224>[سورة الروم (٣٠): آية ٤٧]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)\nلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا\nبالتدمير. كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ\nإشعار بأن الانتقام لهم وإظهار لكرامتهم حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم،\nوعنه ﵊ «ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقًا على الله أن يرد عنه نار جهنم ثم تلا ذلك» .\nوقد يوقف على قًّا\nعلى أنه متعلق بالانتقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2225>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nاللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)\nاللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ متصلًا تارة. فِي السَّماءِ في سمتها. كَيْفَ يَشاءُ سائرًا أو واقفًا مطبقًا وغير مطبق من جانب دون جانب إلى غير ذلك. وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا قطعًا تارة أخرى، وقرأ ابن عامر بالسكون على أنه مخفف أو جمع كسفة أو مصدر وصف به. فَتَرَى الْوَدْقَ المطر. يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ في التارتين. فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني بلادهم وأراضيهم. إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ لمجيء الخصب.\nوَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ المطر. مِنْ قَبْلِهِ تكرير للتأكيد والدلالة على تطاول عهدهم بالمطر واستحكام يأسهم، وقيل الضمير للمطر أو السحاب أو الإِرسال. لَمُبْلِسِينَ لآيسين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2226>[سورة الروم (٣٠): آية ٥٠]</span>\nفَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)","vol":"4","page":209},{"text":"فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ أثر الغيث من النبات والأشجار وأنواع الثمار ولذلك جمعه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص. كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وقرئ بالتاء على إسناده إلى ضمير الرحمة. إِنَّ ذلِكَ يعني إن الذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها. لَمُحْيِ الْمَوْتى لقادر على إحيائهم فإنه إحداث لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى الحيوانية، كما أن إحياء الأرض إحداث لمثل ما كان فيها من القوى النباتية، هذا ومن المحتمل أن يكون من الكائنات الراهنة ما يكون من مواد تفتتت وتبددت من جنسها في بعض الأعوام السالفة. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لأن نسبة قدرته إلى جميع الممكنات على سواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2227>[سورة الروم (٣٠): آية ٥١]</span>\nوَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)\nوَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا فرأوا الأثر أو الزرع فإنه مدلول عليه بما تقدم، وقيل السحاب لأنه إذا كان مُصْفَرًّا لم يمطر واللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط وقوله: لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ جواب سد مسد الجزاء ولذلك فسر بالاستقبال. وهذه الآية ناعية على الكفار بقلة تثبتهم وعدم تدبرهم وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله ويلتجئوا إليه بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم ولا ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر والاستدامة بالطاعة إذا أصابهم برحمته ولم يفرطوا في الاستبشار وأن يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار ولا يكفروا نعمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2228>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nفَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)\nفَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى وهم مثلهم لما سدوا عن الحق مشاعرهم. وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ قيد الحكم به ليكون أشد استحالة، فإن الأصم المقبل وإن لم يسمع الكلام يفطن منه بواسطة الحركات شيئًا، وقرأ ابن كثير بالياء مفتوحة ورفع الصُّمَّ.\nوَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ سماهم عميًا لفقدهم المقصود الحقيقي من الأبصار أو لعمى قلوبهم، وقرأ حمزة وحده «تهدي العمي» . إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فإن إيمانهم يدعوهم إلى تلقي اللفظ وتدبر المعنى، ويجوز أن يراد بالمؤمن المشارف للإِيمان. فَهُمْ مُسْلِمُونَ لما تأمرهم به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2229>[سورة الروم (٣٠): آية ٥٤]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ أي ابتدأكم ضعفاء وجعل الضعف أساس أمركم كقوله خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا أو خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة. ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً وذلك إذا بلغتم الحلم أو تعلق بأبدانكم الروح. ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً إذا أخذ منكم السن، وفتح عاصم وحمزة الضاد في جميعها والضم أقوى لقول ابن عمر ﵄: قرأتها على رسول الله ﷺ «من ضعف فأقرأني من ضُعف» . وهما لغتان كالفُقُر والفُقر والتنكير مع التكرير لأن المتأخر ليس عين المتقدم. يَخْلُقُ مَا يَشاءُ من ضعف وقوة وشبية وشيبة. وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ فإن الترديد في الأحوال المختلفة مع إمكان غيره دليل العلم والقدرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2230>[سورة الروم (٣٠): آية ٥٥]</span>\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ القيامة سميت بها لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة","vol":"4","page":210},{"text":"وصارت علما لها بالغلبة كالكوكب للزهرة. يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا والبعث وانقطاع عذابهم،\nوفي الحديث «ما بين فناء الدنيا والبعث أربعون»\nوهو محتمل للساعات والأيام والأعوام. غَيْرَ ساعَةٍ استقلوا مدة لبثهم إضافة إلى مدة عذابهم في الآخرة أو نسيانًا. كَذلِكَ مثل ذلك الصرف عن الصدق والتحقيق. كانُوا يُؤْفَكُونَ يصرفون في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2231>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٦ الى ٥٧]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)\nوَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ من الملائكة والإِنسَ. لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ في علمه أو قضائه، أو ما كتبه لكم أي أوجبه أو اللوح أو القرآن وهو قوله: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ. إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ ردوا بذلك ما قالوه وحلفوا عليه. فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ الذي أنكرتموه. وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ أنه حق لتفريطكم في النظر، والفاء لجواب شرط محذوف تقديره: إن كنتم منكرين البعث فهذا يومه، أي فقد تبين بطلان إنكاركم.\nفَيَوْمَئِذٍ لاَّ تنفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وقرأ الكوفيون بالياء لأن المعذرة بمعنى العذر، أو لأن تأنيثها غير حقيقي وقد فصل بينهما. وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ لا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم أي إزالة عتبهم من التوبة والطاعة كما دعوا إليه في الدنيا من قولهم استعتبني فلان فأعتبته أي استرضاني فأرضيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2232>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nوَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩)\nوَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ولقد وصفناهم فيه بأنواع الصفات التي هي في الغرابة كالأمثال، مثل صفة المبعوثين يوم القيامة فيما يقولون وما يقال لهم وما لا يكون لهم من الانتفاع بالمعذرة والاستعتاب، أو بينا لهم من كل مثل ينبههم على التوحيد والبعث وصدق الرسول. وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ من آيات القرآن. لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا من فرط عنادهم وقساوة قلوبهم. إِنْ أَنْتُمْ يعنون الرسول والمؤمنين.\nإِلَّا مُبْطِلُونَ مزورون.\nكَذلِكَ مثل ذلك الطبع. يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لا يطلبون العلم ويصرون على خرافات اعتقدوها فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق ويوجب تكذيب المحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2233>[سورة الروم (٣٠): آية ٦٠]</span>\nفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)\nفَاصْبِرْ على أذاهم. إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بنصرتك وإظهار دينك على الدين كله. حَقٌّ لا بد من إنجازه. وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ ولا يحملنك على الخفة والقلق. الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ بتكذيبهم وإيذائهم فإنهم شاكون ضالون لا يستبدع منهم ذلك. وعن يعقوب بتخفيف النون، وقرئ «ولا يستحقنك» أي لا يزيغنك فيكونوا أحق بك مع المؤمنين.\nعن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ملك سبح الله بين السماء والأرض وأدرك ما ضيع في يومه وليلته» .","vol":"4","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2234>(٣١) سورة لقمان</span>\nمكية إلا آية وهي (الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة) فإن وجوبهما بالمدينة وهو ضعيف لأنه لا ينافي شرعيتهما بمكة وقيل إلا ثلاثًا من قوله ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام) وهي أربع وثلاثون آية، وقيل ثلاث وثلاثون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2235>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)\nالم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ سبق بيانه في «يونس» .\nهُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ حالان من الآيات والعامل فيهما معنى الإِشارة، ورفعهما حمزة على الخبر بعد الخبر أو الخبر لمحذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2236>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)\nالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ بيان لإِحسانهم أو تخصيص لهذه الثلاثة من شعبه لفضل اعتداد بها وتكرير الضمير للتوكيد ولما حيل بينه وبين خبره.\nأُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ لاستجماعهم العقيدة الحقة والعمل الصالح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2237>[سورة لقمان (٣١): آية ٦]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ما يلهي عما يعني كالأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتبار بها والمضاحك وفضول الكلام، والإِضافة بمعنى من وهي تبيينية إن أراد بالحديث المنكر وتبعيضية إن أراد به الأعم منه. وقيل نزلت في النضر بن الحرث اشترى كتب الأعاجم وكان يحدث بها قريشًا ويقول:\nإن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار والأكاسرة. وقيل كان يشتري القيان ويحملهن على معاشرة من أراد الإِسلام ومنعه عنه. لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه أو قراءة كتابه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء بمعنى ليثبت على ضلاله ويزيد فيه. بِغَيْرِ عِلْمٍ بحال ما يشتريه أو بالتجارة حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن. وَيَتَّخِذَها هُزُوًا ويتخذ السبيل سخرية، وقد نصبه حمزة والكسائي ويعقوب وحفص عطفًا على لِيُضِلَّ. أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ لإِهانتهم الحق باستئثار الباطل عليه.","vol":"4","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2238>[سورة لقمان (٣١): آية ٧]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧)\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا متكبرًا لا يعبأ بها. كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها مشابهًا حاله حال من لم يسمعها. كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا مشابهًا من في أذنيه ثقل لا يقدر أن يسمع، والأولى حال من المستكن في وَلَّى أو في مُسْتَكْبِرًا، والثانية بدل منها أو حال من المستكن في لَمْ يَسْمَعْها ويجوز أن يكونا استئنافين، وقرأ نافع فِي أُذُنَيْهِ. فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أعلمه بأن العذاب يحيق به لا محالة وذكر البشارة على التهكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2239>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ أي لهم نعيم الجنات فعكس للمبالغة.\nخالِدِينَ فِيها حال من الضمير في لَهُمْ أو من جَنَّاتُ النَّعِيمِ والعامل ما تعلق به اللام. وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا مصدران مؤكدان الأول لنفسه والثاني لغيره لأن قوله لَهُمْ جَنَّاتُ وعد وليس كل وعد حقًا. وَهُوَ الْعَزِيزُ. الذي لا يغلبه شيء فيمنعه عن إنجاز وعده ووعيده. الْحَكِيمُ الذي لا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2240>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nخَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)\nخَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها قد سبق في «الرعد» . وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ جبالا شوامخ.\nأَنْ تَمِيدَ بِكُمْ كراهة أن تميد بكم، فإن تشابه أجزائها يقتضي تبدل أحيازها وأوضاعها لامتناع اختصاص كل منها لذاته أو لشيء من لوازمه بحيز ووضع معينين. وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماء فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ من كل صنف كثير المنفعة وكأنه استدل بذلك على عزته التي هي كمال القدرة، وحكمته التي هي كمال العلم، ومهد به قاعدة التوحيد وقررها بقوله:\nهذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ هذا الذي ذكر مخلوقه فماذا خلق آلهتكم حتى استحقوا مشاركته، وماذا نصب ب خَلْقُ أو ما مرتفع بالابتداء وخبره ذا بصلته فَأَرُونِي معلق عنه. بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ إضراب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الذي لا يخفى على ناظر، ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظالمون بإشراكهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2241>[سورة لقمان (٣١): آية ١٢]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)\nوَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ يعني لقمان بن باعوراء من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته، وعاش حتى أدرك داود ﵊ وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه، والجمهور على أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًا.\nوالحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الإِنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها. ومن حكمته أنه صحب داود شهورًا وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها فلما أتمها لبسها وقال:\nنعم لبوس الحرب أنت فقال: الصمت حكم وقليل فاعله، وأن داود ﵇ قال له يومًا كيف أصبحت فقال أصبحت في يدي غيري، فتفكر داود فيه فصعق صعقة. وأنه أمره بأن يذبح شاة ويأتي بأطيب مضغتين منها فأتى باللسان والقلب، ثم بعد أيام أمره بأن يأتي بأخبث مضغتين منها فأتى بهما أيضًا فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب شيء","vol":"4","page":213},{"text":"إذا طابا وأخبث شيء إذا خبثا. أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ لأن أشكر أو أي أشكر فإن إيتاء الحكمة في معنى القول. وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لأن نفعه عائد إليها وهو دوام النعمة واستحقاق مزيدها. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ لا يحتاج إلى الشكر. حَمِيدٌ حقيق بالحمد وإن لم يحمد، أو محمود ينطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2242>[سورة لقمان (٣١): آية ١٣]</span>\nوَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)\nوَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ أنعم أو أشكم أو ماثان. وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ تصغير إشفاق، وقرأ ابن كثير هنا وفي يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ بإسكان الياء، وحفص فيهما وفي يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ بفتح الياء ومثله البزي في الأخير وقرأ الباقون في الثلاثة بكسر الياء. لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ قيل كان كافرًا فلم يزل به حتى أسلم، ومن وقف على لاَ تُشْرِكْ جعل بالله قسمًا. إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا منه ومن لا نعمة منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2243>[سورة لقمان (٣١): آية ١٤]</span>\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا ذات وهن أو تهن وهنا عَلى وَهْنٍ أي تضعف ضعفًا فوق ضعف فإنها لا تزال يتضاعف ضعفها والجملة في موضع الحال، وقرئ بالتحريك يقال وهن يهن وهنا ووهن يوهن وهنا. وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ وفطامه في انقضاء عامين وكانت ترضعه في تلك المدة، وقرئ «وفصله في عامين» وفيه دليل على أن أقصى مدة الرضاع حولان. أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ تفسير ل وَصَّيْنَا أو علة له أو بدل من والديه بدل الاشتمال، وذكر الحمل والفصال في البين اعتراض مؤكد للتوصية في حقها خصوصًا ومن ثم\nقال ﵊ لمن قال مَنْ أُبِرّ «أمك ثم أمك ثم أمك ثم قال بعد ذلك أباك» .\nإِلَيَّ الْمَصِيرُ فأحاسبك على شكرك وكفرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2244>[سورة لقمان (٣١): آية ١٥]</span>\nوَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)\nوَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ باستحقاقه الإِشراك تقليدًا لهما، وقيل أراد بنفي العلم به نفيه. فَلا تُطِعْهُما في ذلك. وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا صحابًا معروفًا يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم. وَاتَّبِعْ في الدين سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ بالتوحيد والإِخلاص في الطاعة. ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ مرجعك ومرجعهما. فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ\nبأن أجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما، والآيتان معترضتان في تضاعيف وصية لقمان تأكيدًا لما فيها من النهي عن الشرك كأنه قال: وقد وصينا بمثل ما وصى به، وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك فإنهما مع أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم والطاعة لا يجوز أن يستحقاه في الإِشراك فما ظنك بغيرهما ونزولهما في سعد بن أبي وقاص وأمه مكثت لإسلامه ثلاثًا لم تطعم فيها شيئًا، ولذلك قيل من أناب إليه أبو بكر ﵁ فإنه أسلم بدعوته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2245>[سورة لقمان (٣١): آية ١٦]</span>\nيا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)\nيا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أي أن الخصلة من الإِحسان أو الإِساءة إن تك مثلًا في الصغر كحبة الخردل. ورفع نافع مِثْقالَ على أن الهاء ضمير القصة وكان تامة وتأنيثها لإِضافة المثقال إلى الحبة كقول الشاعر:\nكما شرقت صدر القناة من الدم","vol":"4","page":214},{"text":"أو لأن المراد به الحسنة أو السيئة. فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ في أخفى مكان وأحرزه كجوف صخرة أو أعلاه كمحدب السموات أو أسفله كمقعر الأرض. وقرئ بكسر الكاف من وكن الطائر إذا استقر في وكنته. يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يحضرها فيحاسب عليها. إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ يصل علمه إلى كل خفي. خَبِيرٌ عالم بكنهه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2246>[سورة لقمان (٣١): آية ١٧]</span>\nيا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)\nيا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ تكميلًا لنفسك. وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ تكِميلًا لغيرك. وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ من الشدائد سيما في ذلك. إِنَّ ذلِكَ إشارة إلى الصبر أو إلى كل ما أمر به. مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ مما عزمه الله من الأمور أي قطعه قطع إيجاب مصدر أطلق للمفعول، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل من قوله فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أي جد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2247>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nوَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)\nوَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ لا تمله عنهم ولا تولهم صفحة وجهك كما يفعله المتكبرون من الصعر وهو داء يعتري البعير فيلوي عنقه. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي ولا تصاعر، وقرئ «وَلاَ تُصَعّرْ» والكل واحد مثل علاه وأعلاه وعالاه. وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا أي فرحًا مصدر وقع موقع الحال أي تمرح مرحًا أو لأجل المرح وهو البطر. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ علة للنهي وتأخير ال فَخُورٍ وهو مقابل للمصعر خده والمختال للماشي مرحًا لتوافق رؤوس الآي.\nوَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ توسط فيه بين الدبيب والإسراع.\nوعنه ﵊: «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن»\n، وقول عائشة في عمر ﵄ كان إذا مشى أسرع فالمراد ما فوق دبيب المتماوت، وقرئ بقطع الهمزة من أقصد الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية. وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ وانقص منه واقصر. إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ أوحشها. لَصَوْتُ الْحَمِيرِ والحمار مثل في الذم سيما نهاقه ولذلك يكنى عنه فيقال طويل الأذنين، وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوته ثم إخراجه مخرج الإِستعارة مبالغة شديدة وتوحيد الصوت لأن المراد تفضيل الجنس في النكير دون الآحاد أو لأنه مصدر في الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2248>[سورة لقمان (٣١): آية ٢٠]</span>\nأَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠)\nأَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ بأن جعله أسبابًا محصلة لمنافعكم. وَما فِي الْأَرْضِ بأن مكنكم من الإِنتفاع به بوسط أو غير وسط وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً محسوسة ومعقولة ما تعرفونه وما لا تعرفونه وقد مر شرح النعمة وتفصيلها في الفاتحة، وقرئ «وأصبغ» بالإبدال وهو جار في كل سين اجتمع من الغين أو الخاء أو القاف كصلخ وصقر، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص نِعَمَهُ بالجمع والإِضافة.\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ في توحيده وصفاته. بِغَيْرِ عِلْمٍ مستفاد من دليل. وَلا هُدىً راجع إلى رسول. وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ أنزله الله بل بالتقليد كما قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2249>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)","vol":"4","page":215},{"text":"وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وهو منع صريح من التقليد في الأصول. أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ يحتمل أن يكون الضمير لَهُمْ ولآبائهم. إِلى عَذابِ السَّعِيرِ إلى ما يؤول إليه من التقليد أو الإِشراك وجواب لو محذوف مثل لاتبعوه، والإِستفهام للإنكار والتعجب.\nوَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ بأن فوض أمره إليه وأقبل بشراشره عليه من أسلمت المتاع إلى الزبون، ويؤيده القراءة بالتشديد وحيث عدى باللام فلتضمن معنى الإخلاص. وَهُوَ مُحْسِنٌ في عمله. فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى تعلق بأوثق ما يتعلق به، وهو تمثيل للمتوكل المشتغل بالطاعة بمن أراد أن يترقى إلى شاهق جبل فتمسك بأوثق عرى الحبل المتدلي منه. وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ إذ الكل صائر إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2250>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nوَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤)\nوَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ فإنه لا يضرك في الدنيا والآخرة، وقرئ «فَلاَ يَحْزُنكَ» من أحزن وليس بمستفيض. إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ في الدارين. فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا بالإِهلاك والتعذيب. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فمجازٍ عليه فضلًا عما في الظاهر.\nنُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا تمتيعًا أو زمانًا قليلًا فإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل. ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ يثقل عليهم ثقل الأجرام الغلاظ أو يضم إلى الإحراق الضغط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2251>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره بحيث اضطروا إلى إذعانه. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على إلزامهم والجائهم إلى الإِعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم.\nبَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أن ذلك يلزمهم.\nلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يستحق العبادة فيهما غيره إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن حمد الحامدين.\nالْحَمِيدُ المستحق للحمد وإن لم يحمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2252>[سورة لقمان (٣١): آية ٢٧]</span>\nوَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)\nوَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ولو ثبت كون الأشجار أقلامًا، وتوحيد شَجَرَةٍ لأن المراد تفصيل الآحاد. وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ والبحر المحيط بسعته مدادًا ممدودًا بسبعة أبحر، فأغنى عن ذكر المداد يمده لأنه من مد الدواة وأمدها، ورفعه للعطف على محل أن ومعموليها ويمده حال أو للابتداء على أنه مستأنف أو الواو للحال، ونصبه البصريان بالعطف على اسم أَنَّ أو إضمار فعل يفسره يَمُدُّهُ، وقرئ «تمده» «ويمده» بالياء والتاء. مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ بكتبها بتلك الأقلام بذلك المداد وإيثار جمع القلة للإشعار بأن ذلك لا يفي بالقليل فكيف بالكثير. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء. حَكِيمٌ لا يخرج عن علمه وحكمته أمر، والآية جواب لليهود سألوا رسول الله ﷺ أو أمروا وفد قريش أن يسألوه عن قوله تعالى: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وقد أنزل التوراة وفيها علم كل شيء.","vol":"4","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2253>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٨ الى ٣٠]</span>\nمَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)\nمَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إلا كخلقها وبعثها إذ لا يشغله شأن عن شأن لأنه يكفي لوجود الكل تعلق إرادته الواجبة مع قدرته الذاتية كما قال إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.\nإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يسمع كل مسموع بَصِيرٌ يبصر كل مبصر لا يشغله إدراك بعضها عن بعض فكذلك الخلق.\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي كل من النيرين يجري في فلكه. إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى منتهى معلوم الشمس إلى آخر السنة والقمر إلى آخر الشهر.\nوقيل إلى يوم القيامة والفرق بينه وبين قوله لِأَجَلٍ مُسَمًّى أن ال أَجَلٍ ها هنا منتهى الجري وثمة غرضه حقيقة أو مجازًا وكلا المعنيين حاصل في الغايات. وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ عالم بكنهه.\nذلِكَ إشارة إلى الذي ذكر من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع واختصاص الباري بها.\nبِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ بسبب أنه الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته، أو الثابت إلهيته. وَأَنَّ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطل المعدوم في حد ذاته لأنه لا يوجد ولا يتصف إلا بجعله أو الباطل إلهيته، وقرأ البصريان والكوفيون غير أبي بكر بالياء. وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ مترفع على كل شيء ومتسلط عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2254>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ بإحسانه في تهيئة أسبابه وهو استشهاد آخر على باهر قدرته وكمال حكمته وشمول إنعامه والباء للصلة أو الحال، وقرئ «الفلك» بالتثقيل و«بنعمات الله» بسكون العين، وقد جوز في مثله الكسر والفتح والسكون. لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ دلائله. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ على المشاق فيتعب نفسه بالتفكر في الأفاق والأنفس. شَكُورٍ يعرف النعم ويتعرف مانحها، أو للمؤمنين فإن الإِيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر.\nوَإِذا غَشِيَهُمْ علاهم وغطاهم. مَوْجٌ كَالظُّلَلِ كما يظل من جبل أو سحاب أو غيرهما، وقرئ كالظلال جمع ظلة كقلة وقلال. دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد بما دهاهم من الخوف الشديد. فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ مقيم على الطريق القصد الذي هو التوحيد، أو متوسط في الكفر لانزجاره بعض الانزجار. وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ غدار فإنه نقض للعهد الفطري، أو لما كان في البحر والختر أشد الغدر. كَفُورٍ للنعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2255>[سورة لقمان (٣١): آية ٣٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ لاَ يقضي عنه، وقرئ «لا يجزئ» من","vol":"4","page":217},{"text":"أجزأ إذا أغنى والراجع إلى الموصوف محذوف أي لا يجزى فيه. وَلا مَوْلُودٌ عطف على والِدٌ أو مبتدأ خبره. هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا وتغيير النظم للدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزي، وقطع طمع من توقع من المؤمنين أن ينفع أباه الكافر في الآخرة. إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالثواب والعقاب. حَقٌّ لا يمكن خلفه.\nفَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ الشيطان بأن يرجيكم التوبة والمغفرة فيجسركم على المعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2256>[سورة لقمان (٣١): آية ٣٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)\nإِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ علم وقت قيامها. لما\nروي أن الحرث بن عمرو أتى رسول الله ﷺ فقال:\nمتى قيام الساعة؟ وإني قد ألقيت حباتي في الأرض فمتى السماء تمطر؟ وحمل امرأتي أذكر أم أنثى؟ وما أعمل غدًا وأين أموت؟ فنزلت.\nوعنه ﵊ «مفاتح الغيب خمس» وتلا هذه الآية. وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ\nفي إبانه المقدر له والمحل المعين له في علمه، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بالتشديد. وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ أذكر أم أنثى أتام أم ناقص. وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا من خير أو شر وربما تعزم على شيء وتفعل خلافه. وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ كما لا تدري في أي وقت تموت.\nروي أن ملك الموت مر على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظم إليه، فقال الرجل من هذا؟ قال: ملك الموت فقال كأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل فقال الملك: كان دوام نظري إليه تعجبًا منه إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك»\n، وإنما جعل العلم لله تعالى والدراية للعبد لأن فيها معنى الحيلة فيشعر بالفرق بين العلمين، ويدل على أنه إن أعمل حيلة وأنفذ فيها وسعه لم يعرف ما هو الحق به من كسبه وعاقبته فكيف بغيره مما لم ينصب له دليل عليه، وقرئ «بأية أرض» وشبه سيبويه تأنيثها بتأنيث كل في كُلُّهُنَّ. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ يعلم الأشياء كلها. خَبِيرٌ يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها.\nوعنه ﵊ «من قرأ سورة لقمان كان له لقمان رفيقًا يوم القيامة، وأعطي من الحسنات عشرًا عشرًا بعدد من عمل بالمعروف ونهى عن المنكر» .","vol":"4","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2257>(٣٢) سورة السجدة</span>\nمكية وآيها ثلاثون آية وقيل تسع وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2258>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)\nالم إن جعل اسمًا للسورة أو القرآن فمبتدأ خبره:\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ على أن التنزيل بمعنى المنزل، وإن جعل تعديدًا للحروف كان تَنْزِيلُ خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره: لاَ رَيْبَ فِيهِ فيكون مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ حالًا من الضمير في فِيهِ لأن المصدر لا يعمل فيما بعد الخبر، ويجوز أن يكون خبرًا ثانيًا ولا رَيْبَ فِيهِ حال من الْكِتابِ، أو اعتراض والضمير فيه لمضمون الجملة ويؤيده قوله:\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ فإنه إنكار لكونه من رب العالمين وقوله: بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فإنه تقرير له، ونظم الكلام على هذا أنه أشار أولًا إلى إعجازه، ثم رتب عليه أن تنزيله من رب العالمين، وقرر ذلك بنفي الريب عنه، ثم أضرب عن ذلك إلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك إنكارًا له وتعجيبًا منه، فإن أَمْ منقطعة ثم أضرب عنه إلى إثبات أنه الحق المنزل من الله وبين المقصود من تنزيله فقال: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ إذ كانوا أهل الفترة. لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ بإنذارك إياهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2259>[سورة السجده (٣٢): آية ٤]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤)\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ مر بيانه في «الأعراف» . مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ مَا لَكُمْ إذا جاوزتم رضا الله أحد ينصركم ويشفع لكم، أو مَا لَكُمْ سواه ولي ولا شفيع بل هو الذي يتولى مصالحكم وينصركم في مواطن نصركم على أن الشفيع متجوز به للناصر، فإذا خذلكم لم يبق لكم ولي ولا ناصر. أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ بمواعظ الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2260>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nيُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)\nيُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية كالملائكة وغيرها نازلة آثارها إلى الأرض. ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ثم يصعد إليه ويثبت في علمه موجودًا. فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ في برهة من الزمان متطاولة يعني بذلك استطالة ما بين التدبير والوقوع، وقيل يدبر الأمر بإظهاره في اللوح فينزل به الملك ثم يعرج إليه في زمان هو كألف سنة، لأن مسافة نزوله وعروجه مسيرة ألف سنة فإن ما بين","vol":"4","page":219},{"text":"السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة. وقيل يقضي قضاء ألف سنة فينزل به الملك ثم يعرج بعد الألف لألف آخر. وقيل يدبر الأمر إلى قيام الساعة ثم يعرج إليه الأمر كله يوم القيامة. وقيل يدبر المأمور به من الطاعات منزلًا من السماء إلى الأرض بالوحي، ثم لا يعرج إليه خالصًا كما يرتضيه إلا في مدة متطاولة لقلة المخلصين والأعمال الخلص، وقرئ «يَعْرُجُ» و«يَعْدُونَ» .\nذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فيدبر أمرهما على وفق الحكمة. الْعَزِيزُ الغالب على أمره. الرَّحِيمُ على العباد في تدبيره، وفيه إيماء بأنه يراعي المصالح تفضلًا وإحسانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2261>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nالَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٩)\nالَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ خلقة موفرًا عليه ما يستعد له ويليق به على وفق الحكمة والمصلحة، وخلقه بدل من كل بدل الاشتمال وقل علم كيف يخلقه من قولهم قيمة المرء ما يحسنه أي يحسن معرفته، وخَلَقَهُ مفعول ثان. وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام على الوصف فالشيء على الأول مخصوص بمنفصل وعلى الثاني بمتصل. وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ يعني آدم. مِنْ طِينٍ.\nثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ذريته سميت بذلك لأنها تنسل منه أي تنفصل. مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ممتهن.\nثُمَّ سَوَّاهُ قَوَّمَّهُ بتصوير أعضائه على ما ينبغي. وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ إضافة إلى نفسه تشريفًا له وإشعارًا بأنه خلق عجيب، وأن له شأنًا له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية ولأجله قيل من عرف نفسه فقد عرف ربه. وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ خصوصًا لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا. قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ تشكرون شكرا قليلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2262>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)\nوَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي صرنا ترابا مخلوطا بتراب الأرض لا نتميز منه، أو غبنا فيها.\nوقرئ «ضَلَلْنَا» بالكسر من ضل يضل «وصللَنا» من صل اللحم إذا أنتن، وقرأ ابن عامر «إذا» على الخبر والعامل فيه ما دل عليه. أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو: نبعث أو يجدد خلقنا. وقرأ نافع والكسائي ويعقوب «أنا» على الخبر، والقائل أبي بن خلف وإسناده إلى جميعهم لرضاهم به. بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ بالبعث أو بتلقي ملك الموت وما بعده. كافِرُونَ جاحدون.\nقُلْ يَتَوَفَّاكُمْ يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئًا ولا يبقي منكم أحدًا، والتفعل والإِستفعال يلتقيان كثيرًا كتقصيته واستقصيته وتعجلته واستعجلته. مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ بقبض أرواحكم وإحصاء آجالكم. ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ للحساب والجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2263>[سورة السجده (٣٢): آية ١٢]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)\nوَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ من الحياء والخزي. رَبَّنا قائلين ربنا. أَبْصَرْنا ما وعدتنا. وَسَمِعْنا منك تصديق رسلك. فَارْجِعْنا إلى الدنيا. نَعْمَلْ صالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ إذ لم يبق لنا","vol":"4","page":220},{"text":"شك بما شاهدنا، وجواب لَوْ محذوف تقديره لرأيت أمرًا فظيعًا، ويجوز أن تكون للتمني والمضي فيها وفي إِذِ لأن الثابت في علم الله بمنزلة الواقع، ولا يقدر ل تَرى مفعول لأن المعنى لو يكون منك رؤية في هذا الوقت، أو يقدر ما دل عليه صلة إذ والخطاب للرسول ﷺ أو لكل أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2264>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)\nوَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح بالتوفيق له. وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ثبت قضائي وسبق وعيدي وهو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وذلك تصريح بعدم إيمانهم لعدم المشيئة المسبب عن سبق الحكم بأنهم من أهل النار، ولا يدفعه جعل ذوق العذاب مسببًا عن نسيانهم العاقبة وعدم تفكرهم فيها بقوله:\nفَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا فإنه من الوسائط والأسباب المقتضية له. إِنَّا نَسِيناكُمْ تركناكم من الرحمة، أو في العذاب ترك المنسي وفي استئنافه وبناء الفعل على أن واسمها تشديد في الانتقام منهم.\nوَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ كرر الأمر للتأكيد ولما نيط به من التصريح بمفعوله وتعليله بأفعالهم السيئة من التكذيب والمعاصي كما علله بتركهم تدبر أمر العاقبة والتفكر فيها دلالة على أن كلًا منهما يقتضي ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2265>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nإِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)\nإِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها وعظوا بها. خَرُّوا سُجَّدًا خوفًا من عذاب الله. وَسَبَّحُوا نزهوه عما لا يليق به كالعجز عن البعث. بِحَمْدِ رَبِّهِمْ حامدين له شكرًا على ما وفقهم للإسلام وآتاهم الهدى. وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عن الإيمان والطاعة كم يفعل من يصر مستكبرًا.\nتَتَجافى جُنُوبُهُمْ ترتفع وتتنحى. عَنِ الْمَضاجِعِ الفرش ومواضع النوم. يَدْعُونَ رَبَّهُمْ داعين إياه. خَوْفًا من سخطه وَطَمَعًا في رحمته.\nوعن النبي ﷺ في تفسيرها «قيام العبد من الليل» .\nوعنه ﵊ «إذا جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد جاء منادٍ ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعًا إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس»\nوقيل كان أناس من الصحابة يصلون من المغرب إلى العشاء فنزلت فيهم. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ في وجوه الخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2266>[سورة السجده (٣٢): آية ١٧]</span>\nفَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)\nفَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ مما تقر به عيونهم.\nوعنه ﵊ «يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بَلْهَ ما أطلعتهم عليه، اقرءوا إن شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ» .\nوقرأ حمزة ويعقوب أُخْفِيَ لَهُمْ على أنه مضارع أخفيت، وقرئ «نخفي» و«أخفي» والفاعل للكل هو الله، «وقرأت أَعْيُنِ»","vol":"4","page":221},{"text":"لاختلاف أنواعها والعلم بمعنى المعرفة وما موصوله أو استفهامية معلق عنها الفعل. جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي جزوا جزاء أو أخفي للجزاء فإن إخفاءه لعلو شأنه. وقيل هذا لقوم أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2267>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nأَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)\nأَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا خارجًا عن الإِيمان لاَّ يَسْتَوُونَ في الشرف والمثوبة تأكيد وتصريح والجمع للحمل على المعنى.\nأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى فإنها المأوى الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة، وقيل المأوى جنة من الجنان. نُزُلًا سبق في سورة «آل عمران» . بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بسبب أعمالهم أو على أعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2268>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)\nوَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ مكان جنة المأوى للمؤمنين. كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها عبارة عن خلودهم فيها. وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ إهانة لهم وزيادة في غيظهم.\nوَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى عذاب الدنيا يريد ما محنوا به من السنة سبع سنين والقتل والأسر.\nدُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ عذاب الآخرة. لَعَلَّهُمْ لعل من بقي منهم. يَرْجِعُونَ يتوبون عن الكفر. روي أن الوليد بن عقبة فاخر عليا ﵁ يوم بدر فنزلت هذه الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2269>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٢ الى ٢٤]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤)\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها فلم يتفكر فيها، وثُمَّ لاستبعاد الإعراض عنها مع فرط وضوحها وإرشادها إلى أسباب السعادة بعد التذكير بها عقلًا كما في بيت الحماسة.\nوَلاَ يَكْشِفُ الغُمَاءَ إِلاَّ ابْن حرَّة ... يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورها\nإِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ فكيف ممن كان أظلم من كل ظالم.\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ كما آتيناك. فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ في شك. مِنْ لِقائِهِ من لقائك الكتاب كقوله: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ فإنا آتيناك من الكتاب مثل ما آتيناه منه فليس ذلك ببدع لم يكن قط حتى ترتاب فيه، أو من لقاء موسى الكتاب أو من لقائك موسى.\nوعنه ﵊ «رأيت ليلة أسري بي موسى ﷺ رجلًا آدم طوالًا جعدًا كأنه من رجال شنوءة» .\nوَجَعَلْناهُ أي المنزل على موسى. هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ.","vol":"4","page":222},{"text":"وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ الناس إلى ما فيه من الحكم والأحكام. بِأَمْرِنا إياهم به أو بتوفيقنا له.\nلَمَّا صَبَرُوا وقرأ حمزة والكسائي ورويس لَمَّا صَبَرُوا أي لصبرهم على الطاعة أو عن الدنيا. وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ لإمعانهم فيها النظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2270>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦)\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يقضي فيميز الحق من الباطل بتمييز المحق من المبطل. فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين.\nأَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ الواو للعطف على منوي من جنس المعطوف والفاعل ضمير ما دل عليه. كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ أي كثرة من أهلكناهم من القرون الماضية، أو ضمير الله بدليل القراءة بالنون.\nيَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ يعني أهل مكة يمرون في متاجرهم على ديارهم، وقرئ «يَمْشُونَ» بالتشديد. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ سماع تدبر واتعاظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2271>[سورة السجده (٣٢): آية ٢٧]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ التي جرز نباتها أي قطع وأزيل لا التي لا تنبت لقوله:\nفَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا وقيل اسم موضع باليمن. تَأْكُلُ مِنْهُ من الزرع. أَنْعامُهُمْ كالتين والورق.\nوَأَنْفُسُهُمْ كالحب والثمر. أَفَلا يُبْصِرُونَ فيستدلون به على كمال قدرته وفضله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2272>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩)\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ النصر أو الفصل بالحكومة من قوله رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في الوعد به.\nقُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ وهو يوم القيامة فإنه يوم نصر المؤمنين على الكفرة والفصل بينهم. وقيل يوم بدر أو يوم فتح مكة، والمراد بالذين كفروا المقتولون منهم فيه فإنهم لا ينفعهم إيمانهم حال القتل ولا يمهلون وانطباقه جوابًا على سؤالهم من حيث المعنى باعتبار ما عرف من غرضهم، فإنهم لما أرادوا به الاستعجال تكذيبًا واستهزاء أجيبوا بما يمنع الاستعجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2273>[سورة السجده (٣٢): آية ٣٠]</span>\nفَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)\nفَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ولا تبال بتكذيبهم، وقيل هو منسوخ بآية السيف. وَانْتَظِرْ النصرة عليهم. إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ الغلبة عليك، وقرئ بالفتح على معنى أنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم أو أن الملائكة ينتظرونه.\nعن النبي ﷺ من قرأ «ألم تنزيل، وتبارك الذي بيده الملك أعطي من الأجر كأنما أحيا ليلة القدر» .\nوعنه «من قرأ «ألم تنزيل في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام» .","vol":"4","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2274>(٣٣) سورة الأحزاب</span>\nمدينة وآيها ثلاث وسبعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2275>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ناداه بالنبي وأمره بالتقوى تعظيمًا له وتفخيمًا لشأن التقوى، والمراد به الأمر بالثبات عليه ليكون مانعًا له عما نهى عنه بقوله: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ فيما يعود بوهن في الدين.\nروي أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم وقام معهم بن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس فقالوا له: ارفض ذكر آلهتنا وقل إن لها شفاعة وندعك وربك فنزلت.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا بالمصالح والمفاسد. حَكِيمًا لا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2276>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nوَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)\nوَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ كالنهي عن طاعتهم. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا فموحٍ إليك ما تصلح به أعمالك ويغني عن الاستماع إلى الكفرة، وقرأ أبو عمرو بالياء على أن الواو ضمير الكفرة والمنافقين أي أن الله خبير بمكايدهم فيدفعها عنك.\nوَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وكل أمرك إلى تدبيره. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا موكولًا إليه الأمور كلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2277>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤]</span>\nمَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)\nمَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ أي ما جمع قلبين في جوف لأن القلب معدن الروح الحيواني المتعلق بالنفس الإنساني أولا ومنع القوى بأسرها وذلك يمنع التعدد. وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ وما جمع الزوجية والأمومة في امرأة ولا الدعوة والبنوة في رجل، والمراد بذلك رد ما كانت العرب تزعم من أن اللبيب الأريب له قلبان ولذلك قيل لأبي معمر أو جميل بن أسد الفهري ذو القلبين، والزوجة المظاهر عنها كالأم ودعي الرجل ابنه ولذلك كانوا يقولون لزيد بن حارثة الكلبي عتيق رسول الله ﷺ ابن محمد، أو المراد نفي الأمومة والبنوة عن المظاهر عنها والمتبنى ونفي القلبين لتمهيد أصل يحملان عليه. والمعنى كما لم يجعل الله قلبين في جوف لأدائه إلى التناقض وهو أن يكون كل منهما أصلًا لكل القوى وغير أصل لم يجعل الزوجة والدعي اللذين لا ولادة بينهما وبينه أمه وابنه اللذين بينهما وبينه ولادة، وقرأ أبو عمرو «اللاي» بالياء وحده على أن أصله اللاء بهمزة فخففت وعن الحجازيين مثله، وعنهما وعن يعقوب بالهمز وحده، وأصل تظهرون تتظهرون فأدغمت التاء الثانية في الظاء. وقرأ ابن عامر تظاهرون بالإدغام وحمزة والكسائي بالحذف وعاصم تَظاهَرُونَ من ظاهر، وقرئ «تظهرون» من ظهر بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد و«تظهرون» من الظهور. ومعنى الظهار: أن يقول للزوجة: أنت علي","vol":"4","page":224},{"text":"كظهر أمي، مأخوذ من الظهر باعتبار اللفظ كالتلبية من لبيك وتعديته بمن لتضمنه معنى التجنب لأنه كان طلاقًا في الجاهلية وهو في الإِسلام يقتضي الطلاق أو الحرمة إلى أداء الكفارة كما عدي آلى بها، وهو بمعنى حلف وذكر الظهر للكناية عن البطن الذي هو عموده فإن ذكره يقارب ذكر الفرج، أو للتغليظ في التحريم فإنهم كانوا يحرمون إتيان المرأة وظهرها إلى السماء، وأدعياء جمع دعي على الشذوذ وكأنه شبه بفعيل بمعنى فاعل فجمع جمعه. ذلِكُمْ إشارة إلى ما ذكر أو إلى الأخير. قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ\nلا حقيقة له في الأعيان كقول الهاذي. وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ ما له حقيقة عينية مطابقة له. وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ سبيل الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2278>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥]</span>\nادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)\nادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ أنسبوهم إليهم، وهو أفراد للمقصود من أقواله الحقة وقوله: هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ تعليل له، والضمير لمصدر ادْعُوهُمْ وأَقْسَطُ افعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقًا من القسط بمعنى العدل ومعناه البالغ في الصدق. فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فتنسبوهم إليهم. فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ أي فهم إخوانكم في الدين. وَمَوالِيكُمْ وأولياؤكم فيه فقولوا هذا أخي ومولاي بهذا التأويل. وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ ولا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين قبل النهي أو بعده على النسيان أو سبق اللسان. وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ولكن الجناح فيما تعمدت قلوبكم أو ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح. وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا لعفوه عن المخطئ. واعلم أن التبني لا عبرة به عندنا وعند أبي حنيفة يوجب عتق مملوكه ويثبت النسب لمجهوله الذي يمكن إلحاقه به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2279>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦]</span>\nالنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٦)\nالنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ في الأمور كلها فإنه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس، فلذلك أطلق فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم وأمره أنفذ عليهم من أمرها وشفقتهم عليه أتم من شفقتهم عليها.\nروي: أنه ﵊ أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج فقال ناس: نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت.\nوقرئ «وهو أب لهم» أي في الدين فإن كل نبي أب لأمته من حيث أنه أصل فيما به الحياة الأبدية ولذلك صار المؤمنون إخوة. وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ منزلات منزلتهن في التحريم واستحقاق التعظيم وفيما عدا ذلك فكالأجنبيات، ولذلك قالت عائشة ﵂: لسنا أمهات النساء. وَأُولُوا الْأَرْحامِ وذوو القرابات. بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ في التوارث وهو نسخ لما كان في صدر الإِسلام من التوارث بالهجرة والموالاة في الدين. فِي كِتابِ اللَّهِ في اللوح أو فيما أنزل، وهو هذه الآية أو آية المواريث أو فيم فرض الله. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ بيان لأولي الأرحام، أو صلة لأولي أي أولوا الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة. إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا استثناء من أعم ما يقدر الأولوية فيه من النفع والمراد بفعل المعروف التوصية أو منقطع كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا كان ما ذكر في الآيتين ثابتًا في اللوح أو القرآن. وقيل في التوراة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2280>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٨)\nوَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ مقدر باذكر وميثاقهم عهودهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم.\nوَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ خصهم بالذكر لأنهم مشاهير أرباب الشرائع وقدم نبينا","vol":"4","page":225},{"text":"﵊ تعظيمًا له وتكريمًا لشأنه. وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا عظيم الشأن أو مؤكدًا باليمين، والتكرير لبيان هذا الوصف تعظيما له.\nلِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ أي فعلنا ذلك ليسأل الله يوم القيامة الأنبياء الذين صدقوا عهدهم عما قالوه لقومهم، أو تصديقهم إياهم تبكيتًا لهم أو المصدقين لهم عن تصديقهم فإن مصدق الصادق صادق، أو المؤمنين الذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عهدهم. وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا عطف على أَخَذْنا من جهة أن بعثة الرسل وأخذ الميثاق منهم لإِثابة المؤمنين، أو على ما دل عليه ليسأل كأنه قال فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2281>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ يعني الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير وكانوا زهاء اثني عشر ألفًا. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا ريح الصبا. وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها الملائكة.\nروي أنه ﵊ لما سمع بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة ثم خرج إليهم في ثلاثة آلاف والخندق بينه وبينهم، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى بعث الله عليهم ريحًا باردة في ليلة شاتية، فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وأطفأت نيرانهم وقلعت خيامهم وماجت الخيل بعضها في بعض وكبرت الملائكة في جوانب العسكر، فقال طليحة بن خويلد الأسدي أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجاء النجاء فانهزموا من غير قتال.\nوَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من حفر الخندق، وقرأ البصريان بالياء أي بما يعمل المشركون من التحزب والمحاربة. بَصِيرًا رائيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2282>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٠]</span>\nإِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)\nإِذْ جاؤُكُمْ بدل من إذ جاءتكم. مِنْ فَوْقِكُمْ من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان. وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش. وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصًا. وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ رعبًا فإن الرئة تنتفخ من شدة الروع فيرتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، وهي منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب. وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا الأنواع من الظن فظن المخلصون الثبت القلوب أن الله منجز وعده في إعلاء دينه، أو ممتحنهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال والضعاف القلوب والمنافقون ما حكي عنهم، والألف مزيدة في أمثاله تشبيهًا للفواصل بالقوافي وقد أجرى نافع وابن عامر وأبو بكر فيها الوصل مجرى الوقف، ولم يزدها أبو عمرو وحمزة ويعقوب مطلقا وهو القياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2283>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nهُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢)\nهُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ اختبروا فظهر المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل. وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا من شدة الفزع وقرئ «زِلْزَالًا» بالفتح.\nوَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ضعف اعتقاد. مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ من الظفر وإعلاء الدين. إِلَّا غُرُورًا وعدا باطلًا. قيل قائله معتب بن قشير قال يعدنا محمد بفتح فارس والروم وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقًا ما هذا إلا وعد غرور.","vol":"4","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2284>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٣]</span>\nوَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرارًا (١٣)\nوَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يعني أوس بن قيظي وأتباعه. يا أَهْلَ يَثْرِبَ أهل المدينة، وقيل هو اسم أرض وقعت المدينة في ناحية منها. لاَ مُقامَ لا موضع قيام. لَكُمْ ها هنا، وقرأ حفص بالضم على أنه مكان أو مصدر من أقام. فَارْجِعُوا إلى منازلكم هاربين، وقيل المعنى لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى الشرك وأسلموه لتسلموا، أو لا مقام لكم بيثرب فارجعوا كفارًا ليمكنكم المقام بها. وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ للرجوع. يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ غير حصينة وأصلها الخلل، ويجوز أن يكون تخفيف العورة من عورت الدار إذا اختلت وقد قرئ بها. وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ بل هي حصينة. إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا أي وما يريدون بذلك إلا الفرار من القتال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2285>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٤]</span>\nوَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيرًا (١٤)\nوَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ دخلت المدينة أو بيوتهم. مِنْ أَقْطارِها من جوانبها وحذف الفاعل للإِيماء بأن دخول هؤلاء المتحزبين عليهم ودخول غيرهم من العساكر سيان في اقتضاء الحكم المرتب عليه. ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ الردة ومقاتلة المسلمين. لَآتَوْها لأعطوها، وقرأ الحجازيان بالقصر بمعنى لجاءوها وفعلوها. وَما تَلَبَّثُوا بِها بالفتنة أو بإعطائها. إِلَّا يَسِيرًا ريثما يكون السؤال والجواب، وقيل ما لبثوا بالمدينة بعد تمام الارتداد إلا يسيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2286>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nوَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٦)\nوَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ يعني بني حارثة عاهدوا رسول الله ﷺ يوم أحد حين فشلوا ثم تابوا أن لا يعودوا لمثله. وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا عن الوفاء به مجازى عليه.\nقُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ فإنه لا بد لكل شخص من حتف أنف، أو قتل في وقت معين سبق به القضاء وجرى عليه القلم. وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي وإن نفعكم الفرار مثلا فمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعًا، أو زمانًا قليلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2287>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nقُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٨)\nقُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً أي أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كما في قوله:\nمتقلدًا سيفًا ورمحًا أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع. وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا ينفعهم. وَلا نَصِيرًا يدفع الضر عنهم.\nقَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ المثبطين عن رسول الله ﷺ وهم المنافقون. وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ من","vol":"4","page":227},{"text":"ساكني المدينة. هَلُمَّ إِلَيْنا قربوا أنفسكم إلينا وقد ذكر أصله في «الأنعام» . وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا إلا إتيانًا أو زمانًا أو بأسًا قليلًا، فإنهم يعتذرون ويتثبطون ما أمكن لهم، أو يخرجون مع المؤمنين ولكن لا يقاتلون إلا قليلًا كقوله مَّا قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا وقيل إنه من تتمة كلامهم ومعناه لا يأتي أصحاب محمد حرب الأحزاب ولا يقاومونهم إلا قليلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2288>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ١٩]</span>\nأَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)\nأَشِحَّةً عَلَيْكُمْ بخلاء عليكم بالمعاونة أو النفقة في سبيل الله أو الظفر أو الغنيمة، جمع شحيح ونصبها على الحال من فاعل يَأْتُونَ أو الْمُعَوِّقِينَ أو على الذم. فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ في أحداقهم. كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ كنظر المغشي عليه أو كدوران عينيه، أو مشبهين به أو مشبهة بعينه. مِنَ الْمَوْتِ من معالجة سكرات الموت خوفًا ولواذًا بك. فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ وحيزت الغنائم. سَلَقُوكُمْ ضربوكم. بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ ذربة يطلبون الغنيمة، والسلق البسط بقهر باليد أو باللسان.\nأَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ نصب على الحال أو الذم، ويؤيده قراءة الرفع وليس بتكرير لأن كلا منهما مقيد من وجه. أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا إخلاصًا. فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ فأظهر بطلانها إذ لم تثبت لهم أعمال فتبطل أو أبطل تصنعهم ونفاقهم. وَكانَ ذلِكَ الإِحباط. عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا هينًا لتعلق الإرادة به وعدم ما يمنعه عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2289>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٠]</span>\nيَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ مَّا قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلًا (٢٠)\nيَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا أي هؤلاء لجبنهم يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا ففروا إلى داخل المدينة. وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ كرة ثانية. يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ تمنوا أنهم خارجون إلى البدو حاصلون بين الأعراب. يَسْئَلُونَ كل قادم من جانب المدينة. عَنْ أَنْبائِكُمْ عما جرى عليكم.\nوَلَوْ كانُوا فِيكُمْ هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال. مَّا قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا رياء وخوفًا من التعيير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2290>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢١]</span>\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد، أو هو في نفسه قدوة يحسن التأسي به كقولك في البيضة عشرون منا حديدًا أي هي في نفسها هذا القدر من الحديد، وقرأ عاصم بضم الهمزة وهو لغة فيه. لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي ثواب الله أو لقاءه ونعيم الآخرة، أو أيام الله واليوم الآخر خصوصًا. وقيل هو كقولك أرجو زيدًا وفضله، فإن الْيَوْمَ الْآخِرَ داخل فيها بحسب الحكم والرجاء يحتمل الأمل والخوف ولِمَنْ كانَ صلة لحسنة أو صفة لها. وقيل بدل من لَكُمْ والأكثر على أن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا وقرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية إلى ملازمة الطاعة، فإن المؤتسي بالرسول من كان كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2291>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٢]</span>\nوَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)","vol":"4","page":228},{"text":"وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ الآية،\nوقوله ﵊ «سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم» .\nوقوله ﵊: إنهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر»\nوقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الراء وفتح الهمزة. وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ظهر صدق خبر الله ورسوله أو صدقًا في النصرة والثواب كما صدقا في البلاء، وإظهار الاسم للتعظيم. وَما زادَهُمْ فيه ضمير لَمَّا رَأَوُاْ، أو الخطب أو البلاء. إِلَّا إِيمانًا بالله ومواعيده. وَتَسْلِيمًا لأوامره ومقاديره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2292>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)\nمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ من الثبات مع الرسول ﷺ والمقاتلة لإِعلاء الدين من صدقني إذا قال لك الصدق، فإن المعاهد إذا وفى بعهده فقد صدق فيه. فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر، والنحب النذر واستعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان. وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ الشهادة كعثمان وطلحة ﵄. وَما بَدَّلُوا العهد ولا غيروه. تَبْدِيلًا شيئًا من التبديل.\nروي أن طلحة ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد حتى أصيبت يده فقال ﵊: «أوجب طلحة»\nوفيه تعريض لأهل النفاق ومرض القلب بالتبديل، وقوله:\nلِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ تعليل للمنطوق والمعرض به، فكأن المنافقين قصدوا بالتبديل عاقبة السوء كما قصد المخلصون بالثبات والوفاء العاقبة الحسنى، والتوبة عليهم مشروطة بتوبتهم أو المراد بها التوفيق للتوبة. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا لمن تاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2293>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٥]</span>\nوَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)\nوَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني الأحزاب. بِغَيْظِهِمْ متغيظين. لَمْ يَنالُوا خَيْرًا غير ظافرين وهما حالان بتداخل أو تعاقب. وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ بالريح والملائكة. وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا على إحداث ما يريده. عَزِيزًا غالبًا على كل شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2294>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٦]</span>\nوَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)\nوَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ ظاهروا الأحزاب. مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني قريظة. مِنْ صَياصِيهِمْ من حصونهم جمع صيصية وهي ما يتحصن به ولذلك يقال لقرن الثور والظبى وشوكة الديك. وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ الخوف وقرئ بالضم. فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وقرئ بضم السين\nروي: أن جبريل أتى رسول الله صلّى الله عليهما وسلّم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب فقال: أتنزع لأمتك والملائكة لم يضعوا السلاح إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم فأذن في الناس أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فحاصرهم إحدى وعشرين أو خمسًا وعشرين حتى جهدهم الحصار فقال لهم: تنزلون على","vol":"4","page":229},{"text":"حكمي فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فحكم سعد بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم ونسائهم، فكبر النبي ﵊ فقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة، فقتل منهم ستمائة أو أكثر وأسر منهم سبعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2295>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٧]</span>\nوَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)\nوَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ مزارعهم. وَدِيارَهُمْ حصونهم. وَأَمْوالَهُمْ نقودهم ومواشيهم وأثاثهم.\nروي أنه ﵊ جعل عقارهم للمهاجرين فتكلم فيه الأنصار فقال: إنكم في منازلكم وقال عمر ﵁: أما تخمس كما خمست يوم بدر فقال: لا إنما جعلت هذه لي طعمة.\nوَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها كفارس والروم، وقيل خيبر وقيل كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا فيقدر على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2296>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا السعة والتنعم فيها. وَزِينَتَها زخارفها.\nفَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ أعطكن المتعة. وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا طلاقًا من غير ضرار وبدعة.\nروي أنهن سألنه ثياب الزينة وزيادة النفقة فنزلت. فبدأ بعائشة ﵂ فخيرها فاختارت الله ورسوله، ثم اختارت الباقيات اختيارها فشكر الله لهن ذلك فأنزل\nلاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وتعليق التسريح بإرادتهن الدنيا وجعلها قسيمًا لإِرادتهن الرسول يدل على أن المخيرة إذا اختارت زوجها لم تطلق خلافًا لزيد والحسن ومالك وإحدى الروايتين عن علي، ويؤيده\nقول عائشة ﵂ «خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه» .\nولم يعده طلاقًا وتقديم التمتع على التسريح المسبب عنه من الكرم وحسن الخلق. قيل لأن الفرقة كانت بإرادتهن كاختيار المخيرة نفسها فإنه طلقة رجعية عندنا وبائنة عند الحنفية، واختلف في وجوبه للمدخول بها وليس فيه ما يدل عليه، وقرئ «أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ» بالرفع على الاستئناف.\nوَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا يستحقر دونه الدنيا وزينتها ومن للتبيين لأنهن كلهن كن محسنات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2297>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nيا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)\nيا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ بكبيرة. مُبَيِّنَةٍ ظاهر قبحها على قراءة ابن كثير وأبي بكر والباقون بكسر الياء. يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه، لأن الذنب منهن أقبح فإن زيادة قبحه تتبع زيادة فضل المذنب والنعمة عليه ولذلك جعل حد الحر ضعفي حد العبد، وعوتب الأنبياء بما لا يعاتب به غيرهم وقرأ البصريان «يضعف» على البناء للمفعول، ورفع الْعَذابُ وابن كثير وابن عامر «نضعف» بالنون وبناء الفاعل ونصب الْعَذابُ. وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا لا يمنعه عن التضعيف كونهن نساء النبي وكيف وهو سببه.\nوَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ ومن يدم على الطاعة. لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ولعل ذكر الله للتعظيم أو لقوله: وَتَعْمَلْ","vol":"4","page":230},{"text":"صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ\nمرة على الطاعة ومرة على طلبهن رضا النبي ﵊ بالقناعة وحسن المعاشرة. وقرأ حمزة والكسائي «ويعمل» بالياء حملًا على لفظ «من ويؤتها» على أن فيه ضمير اسم الله، وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا في الجنة زيادة على أجرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2298>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٢]</span>\nيا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)\nيا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ أصل أحد وحد بمعنى الواحد، ثم وضع في النفي العام مستويًا فيه المذكر والمؤنث والواحد والكثير، والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل. إِنِ اتَّقَيْتُنَّ مخالفة حكم الله ورضا رسوله. فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فلا تجئن بقولكن خاضعًا لينًا مثل قول المريبات. فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ فجور، وقرئ بالجزم عطفًا على محل فعل النهي على أنه نهى مريض القلب عن الطمع عقيب نهيهن عن الخضوع بالقول. وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا حسنًا بعيدًا عن الريبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2299>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٣]</span>\nوَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)\nوَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ من وقر يقر وقارًا أو من قر يقر حذفت الأولى من راءي اقررن ونقلت كسرتها إلى القاف، فاستغني عن همزة الوصل ويؤيده قراءة نافع وعاصم بالفتح من قررت أقر وهو لغة فيه، ويحتمل أن يكون من قار يقار إذا اجتمع. وَلا تَبَرَّجْنَ ولا تتبخترن في مشيكن. تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى تبرجًا مثل تبرج النساء في أيام الجاهلية القديمة، وقيل هي ما بين آدم ونوح، وقيل الزمان الذي ولد فيه إبراهيم ﵊ كانت المرأة تلبس درعًا من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وقيل الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإِسلام، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق في الإِسلام ويعضده\nقوله ﵊ لأبي الدرداء ﵁ «إن فيك جاهلية، قال جاهلية كفر أو إسلام قال بل جاهلية كفر» .\nوَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في سائر ما أمركن به ونهاكن عنه. إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ الذنب المدنس لعرضكم وهو تعليل لأمرهن ونهيهن على الاستئناف ولذلك عمم الحكم. أَهْلَ الْبَيْتِ نصب على النداء أو المدح.\nوَيُطَهِّرَكُمْ عن المعاصي. تَطْهِيرًا واستعارة الرجس للمعصية والترشيح بالتطهير للتنفير عنها، وتخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما ﵃ لما\nروي «أنه ﵊ خرج ذات غدوة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجلس فأتت فاطمة ﵂ فأدخلها فيه، ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء الحسن والحسين ﵄ فأدخلهما فيه ثم قال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ»،\nوالاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون إجماعهم حجة ضعيف لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها، والحديث يقتضي أنهم من أهل البيت لا أنه ليس غيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2300>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٤]</span>\nوَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)\nوَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ من الكتاب الجامع بين الأمرين وهو تذكير بما أنعم الله عليهن من حيث جعلهن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي وما شاهدن من برحاء الوحي مما يوجب قوة الإِيمان والحرص على الطاعة حثًا على الانتهاء والائتمار فيما كلفن به. إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا يعلم ويدبر ما يصلح في الدين ولذلك خيركن ووعظكن، أو يعلم من يصلح لنبوته ومن يصلح أن يكون أهل بيته.","vol":"4","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2301>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]</span>\nإِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)\nإِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الداخلين في السلم المنقادين لحكم الله. وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ المصدقين بما يجب أن يصدق به. وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ المداومين على الطاعة. وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ في القول والعمل وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ على الطاعات وعن المعاصي. وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ المتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم. وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ بما وجب في مالهم. وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ الصوم المفروض. وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ عن الحرام. وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ بقلوبهم وألسنتهم. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً لما اقترفوا من الصغائر لأنهن مكفرات. وَأَجْرًا عَظِيمًا على طاعتهم، والآية وعد لهن ولأمثالهم على الطاعة والتدرع بهذه الخصال.\nروي: أن أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن بخير فما فينا خير نذكر به فنزلت.\nوقيل: لما نزل فيهن ما نزل قال نساء المسلمين فما نزل فينا شيء فنزلت. وعطف الاناث على الذكور لاختلاف الجنسين وهو ضروري، وعطف الزوجين على الزوجين لتغاير الوصفين فليس بضروري ولذلك ترك في قوله مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ وفائدته الدلالة على أن إعداد المعد لهم للجمع بين هذه الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2302>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]</span>\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا (٣٦)\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ ما صح له. إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أي قضى رسول الله، وذكر الله لتعظيم أمره والإِشعار بأن قضاءه قضاء الله، لأنه نزل في زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب خطبها رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة فأبت هي وأخوها عبد الله. وقيل في أم كلثوم بنت عقبة وهبت نفسها للنبي ﷺ فزوجها من زيد. أَن تَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ أن يختاروا من أمرهم شيئًا بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعًا لاختيار الله ورسوله، والخيرة ما يتخير وجمع الضمير الأول لعموم مؤمن ومؤمنة من حيث إنهما في سياق النفي، وجمع الثاني للتعظيم. وقرأ الكوفيون وهشام «يَكُونَ» بالياء. وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا بين الانحراف عن الصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2303>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]</span>\nوَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)\nوَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بتوفيقه للإسلام وتوفيقك لعتقه واختصاصه. وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بما وفقك الله فيه وهو زيد بن حارثة. أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ زينب. وذلك:\nأنه ﵊ أبصرها بعد ما أنكحها إياه فوقعت في نفسه فقال سبحان الله مقلب القلوب، وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرت لزيد ففطن لذلك ووقع في نفسه كراهة صحبتها، فأتى النبي ﵊ وقال: أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: ما لك أرابك منها شيء، فقال: لا والله ما رأيت منها إلا خيرًا ولكنها لشرفها تتعظم علي، فقال له:\nأمسك عليك زوجك. وَاتَّقِ اللَّهَ في أمرها فلا تطلقها ضرارًا وتعللًا بتكبرها.\nوَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وهو نكاحها إن طلقها أو إرادة طلاقها. وَتَخْشَى النَّاسَ تعييرهم إياك به. وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ إن","vol":"4","page":232},{"text":"كان فيه ما يخشى، والواو للحال، وليست المعاتبة على الإِخفاء وحده فإنه حسن بل على الإخفاء مخافة قالة الناس وإظهار ما ينافي إضماره، فإن الأولى في أمثال ذلك أن يصمت أو يفوض الأمر إلى ربه. فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا حاجة بحيث ملها ولم يبق له فيها حاجة وطلقها وانقضت عدتها. زَوَّجْناكَها وقيل قضاء الوطر كناية عن الطلاق مثل لا حاجة لي فيك. وقرئ «زوجتكها»، والمعنى أنه أمر بتزويجها منه أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد. ويؤيده أنها كانت تقول لسائر نساء النبي ﷺ: إن الله تعالى تولى إنكاحي وأنتن زوجكن أولياؤكن. وقيل كان زيد السفير في خطبتها وذلك ابتلاء عظيم وشاهد بين على قوة إيمانه. لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا علة للتزويج، وهو دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد إلا ما خصه الدليل وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ أمره الذي يريده مَفْعُولًا مكونًا لا محالة كما كان تزويج زينب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2304>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nمَّا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)\nمَّا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ قسم له وقدر من قولهم فرض له في الديوان، ومنه فروض العسكر لأرزاقهم. سُنَّةَ اللَّهِ سن ذلك سنة. فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ من الأنبياء، وهو نفي الحرج عنهم فيما أباح لهم. وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا قضاء مقضيًا وحكمًا مبتوتًا.\nالَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ صفة للذين خلوا أو مدح لهم منصوب أو مرفوع، وقرئ «رسالة الله» .\nوَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ تعريض بعد تصريح. وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا كافيًا للمخاوف أو محاسبًا فينبغي أن لا يخشى إلا منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2305>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٠]</span>\nمَّا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)\nمَّا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ على الحقيقة فيثبت بينه وبينه ما بين الوالد وولده من حرمة المصاهرة وغيرها، ولا ينتقض عمومه بكونه أبا للطاهر والقاسم وإبراهيم لأنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال ولو بلغوا كانوا رجاله لا رجالهم. وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وكل رسول أبو أمته لا مطلقًا بل من حيث إنه شفيق ناصح لهم، واجب التوقير والطاعة عليهم وزيد منهم ليس بينه وبينه ولادة. وقرئ «رَسُولُ الله» بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ولكن بالتشديد على حذف الخبر أي وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ من عرفتم أنه لم يعش له ولد ذكر.\nوَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وآخرهم الذي ختمهم أو ختموا به على قراءة عاصم بالفتح، ولو كان له ابن بالغ لاق بمنصبه أن يكون نبيًا كما\nقال ﵊ في إبراهيم حين توفى: لو عاش لكان نبيًا\n، ولا يقدح فيه نزول عيسى بعده لأنه إذا نزل كان على دينه، مع أن المراد منه أنه آخر من نبىء. وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا فيعلم من يليق بأن يختم به النبوة وكيف ينبغي شأنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2306>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا يغلب الأوقات ويعم الأنواع بما هو أهله من التقديس والتحميد والتهليل والتمجيد.\nوَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا أول النهار وآخره خصوصًا، وتخصيصهما بالذكر للدلالة على فضلهما على سائر الأوقات لكونهما مشهودين كأفراد التسبيح من جملة الأذكار لأنه العمدة فيها. وقيل الفعلان موجهان","vol":"4","page":233},{"text":"إليهما. وقيل المراد بالتسبيح الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2307>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nهُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)\nهُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ بالرحمة. وَمَلائِكَتُهُ بالاستغفار لكم والاهتمام بما يصلحكم، والمراد بالصلاة المشترك وهو العناية بصلاح أمركم وظهور شرفكم مستعار من الصلو. وقيل الترحم والانعطاف المعنوي مأخوذ من الصلاة المشتملة على الانعطاف الصوري الذي هو الركوع والسجود، واستغفار الملائكة ودعاؤهم للمؤمنين ترحم عليهم سيما وهو السبب للرحمة من حيث إنهم مجابو الدعوة. لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ من ظلمات الكفر والمعصية إلى نوري الإِيمان والطاعة. وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا حيث اعتنى بصلاح أمرهم وإنافة قدرهم واستعمل في ذلك ملائكته المقربين.\nتَحِيَّتُهُمْ من إضافة المصدر إلى المفعول أي يحيون. يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ يوم لقائه عند الموت أو الخروج من القبور، أو دخول الجنة. سَلامٌ إخبار بالسلامة عن كل مكروه وآفة. وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا هي الجنة، ولعل اختلاف النظم لمحافظة الفواصل والمبالغة فيما هو أهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2308>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا (٤٦)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا على من بعثت إليهم بتصديقهم وتكذيبهم ونجاتهم وضلالهم وهو حال مقدرة. وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.\nوَداعِيًا إِلَى اللَّهِ إلى الإِقرار به وبتوحيده وما يجب الإِيمان به من صفاته. بِإِذْنِهِ بتيسيره وأطلق له من حيث أنه من أسبابه وقيد به الدعوة إيذانًا بأنه أمر صعب لا يتأتى إلا بمعونة من جناب قدسه. وَسِراجًا مُنِيرًا يستضاء به عن ظلمات الجهالات ويقتبس من نوره أنوار البصائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2309>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nوَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)\nوَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا على سائر الأمم أو على جزاء أعمالهم، ولعله معطوف على محذوف مثل فراقب أحوال أمتك.\nوَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ تهييج له على ما هو عليه من مخالفتهم. وَدَعْ أَذاهُمْ إيذاءهم إياك ولا تحتفل به، أو إيذاءك إياهم مجازاة أو مؤاخذة على كفرهم، ولذلك قيل إنه منسوخ. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فإنه يكفيكهم. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا موكولًا إليه الأمر في الأحوال كلها، ولعله تعالى لما وصفه بخمس صفات قابل كلا منها بخطاب يناسبه، فحذف مقابل الشاهد وهو الأمر بالمراقبة لأن ما بعده كالتفصيل له، وقابل المبشر بالأمر ببشارة المؤمنين والنذير بالنهي عن مراقبة الكفار والمبالاة بأذاهم والداعي إلى الله بتيسيره بالأمر بالتوكل عليه والسراج المنير بالاكتفاء به فإن من أناره الله برهانًا على جميع خلقه كان حقيقًا بأن يكتفى به عن غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2310>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٤٩)","vol":"4","page":234},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ تجامعوهن، وقرأ حمزة والكسائي بألف وضم التاء. فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ أيام يتربصن فيها بأنفسهن. تَعْتَدُّونَها تستوفون عددها من عددت الدراهم فاعتدها كقولك: كلته فاكتاله، أو تعدونها. والإِسناد إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق الأزواج كما أشعر به فما لكم، وعن ابن كثير تَعْتَدُّونَها مخففًا على إبدال إحدى الدالين بالياء أو على أنه من الاعتداء بمعنى تعتدون فيها، وظاهره يقتضي عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة وتخصيص المؤمنات والحكم عام للتنبيه على أن من شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيرا لنطفته، وفائدة ثم إزاحة ما عسى أن يتوهم تراخي الطلاق ريثما تمكن الإِصابة كما يؤثر في النسب يؤثر في العدة. فَمَتِّعُوهُنَّ أي إن لم يكن مفروضًا لها فإن الواجب للمفروض لها نصف المفروض دون المتعة ويجوز أن يؤول التمتيع بما يعمهما، أو الأمر بالمشترك بين الوجوب والندب فإن المتعة سنة للمفروض لها. وَسَرِّحُوهُنَّ أخرجوهن من منازلكم إذ ليس لكم عليهن عدة. سَراحًا جَمِيلًا من غير ضرار ولا منع حق، ولا يجوز تفسيره بالطلاق السني لأنه مرتب على الطلاق والضمير لغير المدخول بهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2311>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٠]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ مهورهن لأن المهر أجر على البضع، وتقييد الإِحلال له بإعطائها معجلة لا لتوقف الحل عليه بل لإيثار الأفضل له كتقييد إحلال المملوكة بكونها مسبية بقوله: وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ فإن المشتراة لا يتحقق بدء أمرها وما جرى عليها، وتقييد القرائب بكونها مهاجرات معه في قوله: وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ويحتمل تقييد الحل بذلك في حقه خاصة ويعضده\nقول أم هانئ بنت أبي طالب: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله هذه الآية فلم أحل له لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء.\nوَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ نصب بفعل يفسره ما قبله أو عطف على ما سبق، ولا يدفعه التقييد بأن التي للاستقبال فإن المعنى بالإحلال الإعلام بالحل أي: أعلمناك حل امرأة مؤمنة تهب لك نفسها ولا تطلب مهرًا إن اتفق ولذلك نكرها. واختلف في اتفاق ذلك والقائل به ذكر أربعًا: ميمونة بنت الحرث، وزينب بنت خزيمة الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم. وقرئ «أَن» بالفتح أي لأن وهبت أو مدة أن وهبت كقولك: اجلس ما دام زيد جالسًا. إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها شرط للشرط الأول في استيجاب الحل فإن هبتها نفسها منه لا توجب له حلها إلا بإرادته نكاحها، فإنها جارية مجرى القبول والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ النبي مكررًا، ثم الرجوع إليه في قوله: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إيذان بأنه مما خص به لشرف نبوته وتقرير لاستحقاق الكرامة لأجله. واحتج به أصحابنا على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة لأن اللفظ تابع للمعنى وقد خص ﵊ بالمعنى فيختص باللفظ، والاستنكاح طلب النكاح والرغبة فيه، وخالِصَةً مصدر مؤكد أي خلص إحلالها أو إحلال ما أحللنا لك على القيود المذكورة خلوصًا لك، أو حال من الضمير في وَهَبَتْ أو صفة لمصدر محذوف أي هبة خالصة. قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ من شرائط العقد ووجوب القسم والمهر بالوطء حيث لم يسم. وَما مَلَكَتْ","vol":"4","page":235},{"text":"أَيْمانُهُمْ\nمن توسيع الأمر فيها أنه كيف ينبغي أن يفرض عليهم، والجملة اعتراض بين قوله: لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ومتعلقه وهو خالِصَةً للدلالة على أن الفرق بينه وبين الْمُؤْمِنِينَ في نحو ذلك لا لمجرد قصد التوسيع عليه، بل لمعان تقتضي التوسيع عليه والتضييق عليهم تارة وبالعكس أخرى. وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا لما يعسر التحرز عنه. رَحِيمًا بالتوسعة في مظان الحرج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2312>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥١]</span>\nتُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)\nتُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ تؤخرها وتترك مضاجعتها. وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وتضم إليك من تشاء وتضاجعها، أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص تُرْجِي بالياء والمعنى واحد. وَمَنِ ابْتَغَيْتَ طلبت. مِمَّنْ عَزَلْتَ طلقت بالرجعة. فَلا جُناحَ عَلَيْكَ في شيء من ذلك.\nذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ذلك التفويض إلى مشيئتك أقرب إلى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعًا، لأن حكم كلهن فيه سواء، ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلًا منك وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن به نفوسهن، وقرئ «تَقَرَّ» بضم التاء و«أَعْيُنُهُنَّ» بالنصب و«تَقَرَّ» بالبناء للمفعول و«كُلُّهُنَّ» تأكيد نون يَرْضَيْنَ، وقرئ بالنصب تأكيدًا لهن. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ فاجتهدوا في إحسانه. وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا بذات الصدور. حَلِيمًا لا يعاجل بالعقوبة فهو حقيق بأن يتقى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2313>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٢]</span>\nلا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)\nلا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ بالياء لأن تأنيث الجمع غير حقيقي، وقرأ البصريان بالتاء. مِنْ بَعْدُ من بعد التسع وهو في حقه كالأربع في حقنا، أو من بعد اليوم حتى لو ماتت واحدة لم يحل له نكاح أخرى. وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ فتطلق واحدة وتنكح مكانها أخرى ومِنْ مزيدة لتأكيد الاستغراق. وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ حسن الأزواج المستبدلة، وهو حال من فاعل تَبَدَّلَ دون مفعوله وهو مِنْ أَزْواجٍ لتوغله في التنكير، وتقديره مفروضًا إعجابك بهن واختلف في أن الآية محكمة أو منسوخة بقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ على المعنى الثاني فإنه وإن تقدمها قراءة فهو مسبوق بها نزولًا. وقيل المعنى لا يحل لك النساء من بعد الأجناس الأربعة اللاتي نص على إحلالهن لك ولا أن تبدل بهن أزواجًا من أجناس أخر.\nإِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ استثناء من النساء لأنه يتناول الأزواج والإِماء، وقيل منقطع. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا فتحفظوا أمركم ولا تتخطوا ما حد لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2314>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)\n.","vol":"4","page":236},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلا وقت أن يؤذن لكم أو إلا مأذونًا لكم.\nإِلى طَعامٍ متعلق ب يُؤْذَنَ لأنه متضمن معنى يدعى للإشعار بأنه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة وإن أذن كما أشعر به قوله: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ غير منتظرين وقته، أو إدراكه حال من فاعل لاَ تَدْخُلُوا أو المجرور في لَكُمْ. وقرئ بالجر صفة لطعام فيكون جاريًا على غير من هوله بلا إبراز الضمير، وهو غير جائز عند البصريين وقد أمال حمزة والكسائي إناه لأنه مصدر أنى الطعام إذا أدرك. وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا تفرقوا ولا تمكثوا، ولأنه خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ فيدخلون ويقعدون منتظرين لإِدراكه، مخصوصة بهم وبأمثالهم وإلا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بالإِذن لغير الطعام ولا اللبث بعد الطعام لمهم. وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ لحديث بعضكم بعضًا، أو لحديث أهل البيت بالتسمع له عطف على ناظِرِينَ أو مقدر بفعل أي: ولا تدخلوا أو ولا تمكثوا مستأنسين. إِنَّ ذلِكُمْ اللبث كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ لتضييق المنزل عليه وعلى أهله وإشغاله بما لا يعنيه. فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ من إخراجكم بقوله: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ يعني أن إخراجكم حق فينبغي أن لا يترك حياء كما لم يتركه الله ترك الحيي فأمركم بالخروج، وقرئ «لاَ يَسْتَحْىِ» بحذف الياء الأولى وإلقاء حركتها على الحاء. وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا شيئا ينتفع به. فَسْئَلُوهُنَّ المتاع. مِنْ وَراءِ حِجابٍ ستر.\nروي «أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت» .\nوقيل أنه ﵊ كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل يد عائشة ﵂ فكره النبي ﷺ ذلك فنزلت.\nذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ من الخواطر النفسانية الشيطانية. وَما كانَ لَكُمْ وما صح لكم. أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ أن تفعلوا ما يكرهه. وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا من بعد وفاته أو فراقه، وخص التي لم يدخل بها، لما\nروي أن أشعث بن قيس تزوج المستعيذة في أيام عمر ﵁ فهم برجمها، فأخبر بأنه ﵊ فارقها قبل أن يمسها فتركها من غير نكير.\nإِنَّ ذلِكُمْ يعني إيذاءه ونكاح نسائه. كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ذنبًا عظيمًا، وفيه تعظيم من الله لرسوله وإيجاب لحرمته حيًا وميتًا ولذلك بالغ في الوعيد عليه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2315>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nإِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لاَّ جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)\nإِنْ تُبْدُوا شَيْئًا كنكاحهن على ألسنتكم. أَوْ تُخْفُوهُ في صدوركم. فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا فيعلم ذلك فيجازيكم به، وفي هذا التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل ومبالغة في الوعيد.\nلاَّ جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ استثناء لمن لا يجب الاحتجاب عنهم.\nروي: أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: يا رسول الله أو نكلمهن أيضًا من وراء حجاب فنزلت.\nوإنما لم يذكر العم والخال لأنهما بمنزلة الوالدين ولذلك سمى العم أبا في قوله وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ أو لأنه كره ترك الاحتجاب عنهما مخافة أن يصفا لأبنائهما. وَلا نِسائِهِنَّ يعني نساء المؤمنات. وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ من العبيد والإماء، وقيل من الإِماء خاصة وقد مر في سورة «النور» . وَاتَّقِينَ اللَّهَ فيما أمرتن به. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا لا يخَفى عليه خافية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2316>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٦]</span>\nإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)\n.","vol":"4","page":237},{"text":"إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ اعتنوا أنتم أيضًا فإنكم أولى بذلك وقولوا اللهم صلي على محمد. وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وقولوا السلام عليك أيها النبي وقيل وانقادوا لأوامره، والآية تدل على وجوب الصلاة والسلام عليه في الجملة، وقيل تجب الصلاة كلما جرى ذكره\nلقوله ﵊ «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي»\nوقوله «من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله»\n، وتجوز الصلاة على غيره تبعًا. وتكره استقلالًا لأنه في العرف صار شعارًا لذكر الرسول ﷺ ولذلك كره أن يقال محمّد ﷿ وإن كان عزيزًا وجليلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2317>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)\nإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يرتكبون ما يكرهانه من الكفر والمعاصي، أو يؤذون رسول الله بكسر رباعيته وقولهم شاعر مجنون ونحو ذلك وذكر الله للتعظيم له. ومن جوز إطلاق اللفظ على معنيين فسره بالمعنيين باعتبار المعمولين. لَعَنَهُمُ اللَّهُ أبعدهم من رحمته. فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا يهينهم مع الإِيلام.\nوَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا بغير جناية استحقوا بها الإِيذاء. فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ظاهرًا. قيل إنها نزلت في منافقين كانوا يؤذون عليا ﵁، وقيل في أهل الإِفك، وقيل في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2318>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٩]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة، ومِنْ للتبعيض فإن المرأة ترخي بعض جلبابها وتتلفع ببعض ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ يميزن من الإِماء والقينات. فَلا يُؤْذَيْنَ فلا يؤذيهن أهل الريبة بالتعرض لهن. وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا لما سلف. رَحِيمًا بعباده حيث يراعي مصالحهم حتى الجزئيات منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2319>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٠]</span>\nلَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلًا (٦٠)\nلَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ عن نفاقهم. وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ضعف إيمان وقلة ثبات عليه، أو فجور عن تزلزلهم في الدين أو فجورهم. وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ يرجفون أخبار السوء عن سرايا المسلمين ونحوها من إرجافهم، وأصله التحريك من الرجفة وهي الزلزلة سمي به الإِخبار الكاذب لكونه متزلزلًا غير ثابت. لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ لنأمرنك بقتالهم وإجلائهم، أو ما يضطرهم إلى طلب الجلاء. ثُمَّ لاَ يُجاوِرُونَكَ عطف على لَنُغْرِيَنَّكَ، وثُمَّ للدلالة على أن الجلاء ومفارقة جوار الرسول أعظم ما يصيبهم. فِيها في المدينة. إِلَّا قَلِيلًا زمانًا أو جوارًا قليلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2320>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nمَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)\nمَلْعُونِينَ نصب على الشتم أو الحال والاستثناء شامل له أيضًا أي: لاَ يُجاوِرُونَكَ إلا ملعونين، ولا","vol":"4","page":238},{"text":"يجوز أن ينتصب عن قوله: أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها.\nسُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ مصدر مؤكد أي سن الله ذلك في الأمم الماضية، وهو أن يقتل الذين نافقوا الأنبياء وسعوا في وهنهم بالإِرجاف ونحوه أَيْنَما ثُقِفُوا. وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا لأنه لا يبدلها ولا يقدر أحد أن يبدلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2321>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٣]</span>\nيَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)\nيَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ عن وقت قيامها استهزاء وتعنتًا او امتحانًا. قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ لم يطلع عليه ملكًا ولا نبيًا. وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا شيئًا قريبًا أو تكون الساعة عن قريب وانتصابه على الظرف، ويجوز أن يكون التذكير لأن السَّاعَةِ في معنى اليوم، وفيه تهديد للمستعجلين وإسكات للمتعنتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2322>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٤ الى ٦٦]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لاَّ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦)\nإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا نارًا شديدة الاتقاد.\nخالِدِينَ فِيها أَبَدًا لاَّ يَجِدُونَ وَلِيًّا يحفظهم. وَلا نَصِيرًا يدفع العذاب عنهم.\nيَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ تصرف من جهة إلى جهة كاللحم يشوى بالنار، أو من حال إلى حال، وقرئ «تَقَلُّبُ» بمعنى تتقلب و«تَقَلُّبُ» ومتعلق الظرف. يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا فلن نبتلي بهذا العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2323>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nوَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)\nوَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا يعنون قادتهم الذين لقنوهم الكفر، وقرأ ابن عامر ويعقوب «ساداتنا» على جمع الجمع للدلالة على الكثرة. فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا بما زينوا لنا.\nرَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ مثلي ما آتيتنا منه لأنهم ضلوا وأضلوا. والعنهم لَعْنًا كَثِيرًا كثير العدد، وقرأ عاصم بالباء أي لعنًا هو أشد اللعن وأعظمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2324>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا فأظهر براءته من مقولهم يعني مؤداه ومضمونه، وذلك أن قارون حرض امرأة على قذفه بنفسها فعصمه الله كما مر في «القصص»، او اتهمه ناس بقتل هارون لما خرج معه إلى الطور فمات هناك، فحملته الملائكة ومروا به حتى رأوه غير مقتول. وقيل أحياه الله فأخبرهم ببراءته، أو قذفوه بعيب في بدنه من برص أو أدرة لفرط تستره حياء فأطلعهم الله على أنه بريء منه. وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ذا قربة ووجاهة، وقرئ «وكان عبد الله وجيهًا» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2325>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ في ارتكاب ما يكرهه فضلًا عما يؤذي رسوله. وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا","vol":"4","page":239},{"text":"قاصدًا إلى الحق من سد يسد سدادًا، والمراد النهي عن ضده كحديث زينب من غير قصد.\nيُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ يوفقكم للأعمال الصالحة، أو يصلحها بالقبول والإِثابة عليها. وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ويجعلها مكفرة باستقامتكم في القول والعمل. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الأوامر والنواهي. فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا يعيش في الدنيا حميدًا وفي الآخرة سعيدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2326>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٢]</span>\nإِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)\nإِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة، وسماها أمانة من حيث إنها واجبة الأداء، والمعنى أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام وكانت ذات شعور وإدراك لأبين أن يحملنها، وأشفقن منها وحملها الإنسان مع ضعف بنيته ورخاوة قوته لا جرم فاز الراعي لها والقائم بحقوقها بخير الدارين. إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا حيث لم يف بها ولم يراع حقها. جَهُولًا بكنه عاقبتها، وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب. وقيل المراد ب الْأَمانَةَ الطاعة التى تعم الطبيعية والاختيارية، وبعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره، وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها ومنه قولهم حامل الأمانة ومحتملها لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته، فيكون الإِباء عنه اتيانًا بما يمكن أن يتأتى منه والظلم والجهالة الخيانة والتقصير. وقيل إنه تعالى لما خلق هذه الأجرام خلق فيها فهمًا وقال لها: إني فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني فيها، ونارًا لمن عصاني، فقلن نحن مسخرات على ما خلقتنا لا نحتمل فريضة ولا نبتغي ثوابًا ولا عقابًا، ولما خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله، وكان ظلومًا لنفسه بتحمله ما يشق عليها جهولًا بوخامة عاقبته، ولعل المراد ب الْأَمانَةَ العقل أو التكليف، وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن، وبإبائهن الإِباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد، وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلومًا جهولًا لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية، وعلى هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمنًا على القوتين حافظًا لهما عن التعدي ومجاوزة الحد، ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2327>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٧٣]</span>\nلِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)\nلِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ تعليل للحمل من حيث إنه نتيجته كالتأديب للضرب في ضربته تأديبًا، وذكر التوبة في الوعد إشعار بأنه كونهم ظلومًا جهولًا في جبلتهم لا يخليهم عن فرطات. وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا حيث تاب عن فرطاتهم وأثاب بالفوز على طاعاتهم.\nقال ﵊ «من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله أو ما ملكت يمينه أعطي الأمان من عذاب القبر» .","vol":"4","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2328>(٣٤) سورة سبأ</span>\nمكية وقيل إلا قوله: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) الآية، وآيها أربع وخمسون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2329>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقًا ونعمة، فله الحمد في الدنيا لكمال قدرته وعلى تمام نعمته. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ لأن ما في الآخرة أيضًا كذلك، وليس هذا من عطف المقيد على المطلق فإن الوصف بما يدل على أنه المنعم بالنعم الدنيوية قيد الحمد بها، وتقديم الصلة للاختصاص فإن النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها ولا كذلك نعم الآخرة. وَهُوَ الْحَكِيمُ الذي أحكم أمور الدارين. الْخَبِيرُ ببواطن الأشياء.\nيَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ كالغيث ينفذ في موضع وينبع في آخر، وكالكنوز والدفائن والأموات. وَما يَخْرُجُ مِنْها كالحيوان والنبات والفلزات وماء العيون. وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كالملائكة والكتب والمقادير والأرزاق والأنداء والصواعق. وَما يَعْرُجُ فِيها كالملائكة وأعمال العباد والأبخرة والأدخنة. وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ للمفرطين في شكر نعمته مع كثرتها، أو في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائتة للحصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2330>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ إنكار لمجيئها أو استبطاء استهزاء بالوعد به. قُلْ بَلى رد لكلامهم وإثبات لما نفوه. وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ تكرير لإِيجابه مؤكدًا بالقسم مقررًا لوصف المقسم به بصفات تقرر إمكانه وتنفي استبعاده على ما مر غير مرة، وقرأ حمزة والكسائي «علام الغيب» للمبالغة، ونافع وابن عامر ورويس عالِمِ الْغَيْبِ بالرفع على أنه خبر محذوف أو مبتدأ خبره. لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وقرأ الكسائي لاَ يَعْزُبُ بالكسر. وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ جملة مؤكدة لنفي العزوب، ورفعهما بالابتداء ويؤيده القراءة بالفتح على نفي الجنس، ولا يجوز عطف المرفوع على مِثْقالُ والمفتوح على ذَرَّةٍ بأنه فتح في موضع الجر لامتناع الصرف لأن الاستثناء يمنعه، اللهم إلا إذا جعل الضمير في عَنْهُ للغيب وجعل المثبت في اللوح خارجًا عنه لظهوره على المطالعين له فيكون المعنى لا ينفصل عن الغيب شيء إلا مسطورًا في اللوح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2331>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nلِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)","vol":"4","page":241},{"text":"لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ علة لقوله لَتَأْتِيَنَّكُمْ وبيان لما يقتضي إتيانها. أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ لا تعب فيه ولا مَنٌ عليه.\nوَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا بإبطال وتزهيد الناس فيها. مُعاجِزِينَ مسابقين كي يفوتونا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو معجزين أي مثبطين عن الإِيمان من أراده. أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ من سيّئ العذاب.\nأَلِيمٌ مؤلم، ورفعه ابن كثير ويعقوب وحفص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2332>[سورة سبإ (٣٤): آية ٦]</span>\nوَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)\nوَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ويعلم أولو العلم من الصحابة ومن شايعهم من الأمة، أو من مسلمي أهل الكتاب. الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ القرآن. هُوَ الْحَقَّ ومن رفع الْحَقَّ جعل هو مبتدأ والْحَقَّ خبره والجملة ثاني مفعولي يَرَى، وهو مرفوع مستأنف للاستشهاد بأولي العلم على الجهلة الساعين في الآيات. وقيل منصوب معطوف على لِيَجْزِيَ أي وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق عيانًا كما علموه الآن برهانًا وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الذي هو التوحيد والتدرع بلباس التقوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2333>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا قال بعضهم لبعض. هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يعنون محمدًا ﵊.\nيُنَبِّئُكُمْ يحدثكم بأعجب الاعاجيب. إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ إنكم تنشؤون خلقًا جديدًا بعد أن تمزق أجسادكم كل تمزيق وتفريق بحيث تصير ترابًا، وتقديم الظرف للدلالة على البعد والمبالغة فيه، وعامله محذوف دل عليه ما بعده فإن ما قبله لم يقارنه وما بعده مضاف إليه، أو محجوب بينه وبينه بأن ومُمَزَّقٍ يحتمل أن يكون مكانًا بمعنى إذا مزقتم وذهبت بكم السيول كل مذهب وطرحتم كل مطرح وجَدِيدٍ بمعنى فاعل من جد كحديد من حد، وقيل بمعنى مفعول من جد النساج الثوب إذا قطعه.\nأَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه، واستدل بجعلهم إياه قسيم الافتراء غير معتقدين صدقه على أن بين الصدق والكذب واسطة، وهو كل خبر لا يكون عن بصيرة بالمخبر عنه وضعفه بين لأن الافتراء أخص من الكذب. بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ رد من الله تعالى عليهم ترديدهم وإثبات لهم ما هو أفظع من القسمين، وهو الضلال البعيد عن الصواب بحيث لا يرجى الخلاص منه وما هو مؤداه من العذاب، وجعله رسيلًا له في الوقوع ومقدمًا عليه في اللفظ للمبالغة في استحقاقهم له، والبعد في الأصل صفة الضال ووصف الضلال به على الإسناد المجازي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2334>[سورة سبإ (٣٤): آية ٩]</span>\nأَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)\nأَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ تذكير بما يعاينونه مما يدل على كمال قدرة الله وما يحتمل فيه إزاحة لاسَتحالتهم الإِحياء حتى جعلوه افتراء وهزءا، وتهديدًا عليها والمعنى أعموا فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السماء والأرض ولم يتفكروا أهم أشد خلقًا، أم السماء، وإنا إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا، لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات. وقرأ حمزة والكسائي يشأ ويخسف ويسقط بالياء لقوله: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ. والكسائي وحده بإدغام الفاء في الباء وحفص كِسَفًا بالتحريك. إِنَّ فِي ذلِكَ النظر والتفكر فيهما","vol":"4","page":242},{"text":"وما يدلان عليه. لَآيَةً لدلالة. لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ راجع إلى ربه فإنه يكون كثير التأمل في أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2335>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)\nوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا أي على سائر الأنبياء وهو ما ذكر بعد، أو على سائر الناس فيندرج فيه النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن. يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ رجعي معه التسبيح أو النوحة على الذنب، وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل ما فيها، أو سيري معه حيث سار. وقرئ «أوبي» من الأوب أي ارجعي في التسبيح كلما رجع فيه، وهو بدل من فَضْلًا أو من آتَيْنا بإضمار قولنا أو قلنا. وَالطَّيْرَ عطف على محل الجبال ويؤيده القراءة بالرفع عطفًا على لفظها تشبيهًا للحركة البنائية العارضة بالحركة الإِعرابية أو على فَضْلًا، أو مفعول معه ل أَوِّبِي وعلى هذا يجوز أن يكون الرفع بالعطف على ضميره وكان الأصل: ولقد آتينا داود منا فضلًا تأويب الجبال والطير، فبدل بهذا النظم لما فيه من الفخامة والدلالة على عظم شأنه وكبرياء سلطانه، حيث جعل الجبال والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها. وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ جعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق بآلاته أو بقوته.\nأَنِ اعْمَلْ أمرناه أن اعمل ف أَنِ مفسرة أو مصدرية. سابِغاتٍ دروعا واسعات، وقرئ «صابغات» وهو أول من اتخذها. وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وقدر في نسجها بحيث يتناسب حلقها، أو قدر مساميرها فلا تجعلها دقاقًا فتقلق ولا غلاظًا فتنخرق.\nورد بأن دروعه لم تكن مسمرة\nويؤيده قوله: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ.\nوَاعْمَلُوا صالِحًا الضمير فيه لداود وأهله. إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فأجازيكم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2336>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)\nوَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ أي وسخرنا له الريح، وقرئ «الريح» بالرفع أي ولسليمان الريح مسخرة وقرئ «الرياح» . غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ جريها بالغداة مسيرة شهر وبالعشي كذلك، وقرئ «غدوتها» «وروحتها» . وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ النحاس المذاب أساله له من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع، ولذلك سماه عينًا وكان ذلك باليمن. وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ عطف على الرِّيحَ وَمِنَ الْجِنِّ حال مقدمة، أو جملة مِنَ مبتدأ وخبر. بِإِذْنِ رَبِّهِ بأمره. وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ ومن يعدل منهم. عَنْ أَمْرِنا عما أمرناه من طاعة سليمان، وقرئ «يَزِغْ» من أزاغه. نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ عذاب الآخرة.\nيَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ قصور حصينة ومساكن شريفة سميت بها لأنها يذب عنها ويحارب عليها. وَتَماثِيلَ وصورًا هي تماثيل للملائكة والأنبياء على ما اعتادوا من العبادات ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم وحرمة التصاوير شرع مجدد.\nروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.\nوَجِفانٍ وصحاف. كَالْجَوابِ كالحياض الكبار جمع جابية من الجباية وهي من الصفات الغالبة كالدابة. وَقُدُورٍ راسِياتٍ ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها. اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا حكاية عما قيل لهم وشُكْرًا نصب على العلة أي:\nاعملوا له واعبدوه شكرًا، أو المصدر لأن العمل له شكرًا أو الوصف له أو الحال أو المفعول به. وَقَلِيلٌ مِنْ","vol":"4","page":243},{"text":"عِبادِيَ الشَّكُورُ\nالمتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته ومع ذلك لا يوفى حقه، لأن توفيقه الشكر نعمة تستدعي شكرًا آخر لا إلى نهايته، ولذلك قيل الشكور من يرى عجزه عن الشكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2337>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nفَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤) لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)\nفَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ أي على سليمان. مَا دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ ما دل الجن وقيل آله. إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ أي الأرضة أضيفت إلى فعلها، وقرئ بفتح الراء وهو تأثر الخشبة من فعلها يقال: أرضت الأرضة الخشبة أرضًا فأرضت أرضًا مثل أكلت القوادح الأسنان أكلًا فأكلت أكلًا. تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ عصاه من نسأت البعير إذا طردته لأنها يطرد بها، وقرئ بفتح الميم وتخفيف الهمزة قلبًا وحذفًا على غير قياس إذ القياس إخراجها بين بين، و«منساءته» على مفعالة كميضاءة في ميضأة و«من سأته» أي طرف عصاه مستعار من سأت القوس، وفيه لغتان كما في قحة وقحة، وقرأ نافع وأبو عمرو مِنْسَأَتَهُ بألف بدلًا من الهمزة وابن ذكوان بهمزة ساكنة وحمزة إذا وقف جعلها بين بين. فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ علمت الجن بعد التباس الأمر عليهم.\nأَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ أنهم لو كانوا يعلمون الغيب كما يزعمون لعلموا موته حينما وقع فلم يلبثوا بعده حولًا في تسخيره إلى أن خرَّ، أو ظهرت الجن وأن بما في حيزه بدل منه أي ظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب. وذلك أن داود أسس بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليهما الصلاة والسلام فمات قبل تمامه، فوصى به إلى سليمان ﵇ فاستعمل الجن فيه فلم يتم بعد إذ دنا أجله وأعلم به، فأراد أن يعمي عليهم موته ليتموه فدعاهم فبنوا عليه صرحًا من قوارير ليس له باب، فقام يصلي متكئًا على عصاه فقبض روحه وهو متكئ عليها، فبقي كذلك حتى أكلتها الأرضة فخرَّ ثم فتحوا عنه وأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت يومًا وليلة مقدارًا فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة، وكان عمره ثلاثًا وخمسين سنة وملك وهو ابن ثلاثة عشرة سنة، وابتدأ عمارة بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ لأولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ومنع الصرف عنه ابن كثير وأبو عمرو لأنه صار اسم القبيلة، وعن ابن كثير قلب همزته ألفًا ولعله أخرجه بين بين فلم يؤده الراوي كما وجب. فِى مساكنهم في مواضع سكناهم، وهي باليمن يقال لها مأرب، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث، وقرأ حمزة وحفص بالإِفراد والفتح، والكسائي بالكسر حملًا على ما شذ من القياس كالمسجد والمطلع. آيَةٌ علامة دالة على وجود الصانع المختار، وأنه قادر على ما يشاء من الأمور العجيبة مجاز للمحسن والمسيء معاضدة للبرهان السابق كما في قصتي داود وسليمان ﵉. جَنَّتانِ بدل من آيَةٌ أو خبر محذوف تقديره الآية جنتان، وقرئ بالنصب على المدح والمراد جماعتان من البساتين.\nعَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ جماعة عن يمين بلدهم وجماعة عن شماله كل واحدة منهما في تقاربها وتضامهما كأنها جنة واحدة، أو بستانًا كُلِ رجل منهم عن يمين مسكنه وعن شماله. كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ حكاية لما قال لهم نبيهم، أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك. بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ استئناف للدلالة على موجب الشكر، أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور فرطات من يشكره. وقرئ الكل بالنصب على المدح. قيل كانت أخصب البلاد وأطيبها لم يكن فيها عاهة ولا هامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2338>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nفَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧)","vol":"4","page":244},{"text":"فَأَعْرَضُوا عن الشكر. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ سيل الأمر العرم أي الصعب من عرم الرجل فهو عارم، وعرم إذا شرس خلقه وصعب، أو المطر الشديد أو الجرذ، أضاف إليه ال سَيْلَ لأنه نقب عليهم سكرًا ضربته لهم بلقيس فحقنت به ماء الشجر وتركت فيه ثقبًا على مقدار ما يحتاجون إليه، أو المسناة التي عقدت سكرًا على أنه جمع عرمة وهي الحجارة المركومة، وقيل اسم وادٍ جاء السيل من قبله وكان ذلك بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ثمر بشع فإن الخمط كل نبت أخذ طعمًا من مرارة، وقيل الأراك أو كل شجر لا شوك له، والتقدير أكل أكل خمط فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في كونه بدلًا، أو عطف بيان. وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ معطوفان على أُكُلٍ لا على خَمْطٍ، فإن الأثل هو الطرفاء ولا ثمر له، وقرئا بالنصب عطفًا على جَنَّتَيْنِ ووصف السدر بالقلة فإن جناه وهو النبق مما يطيب أكله ولذلك يغرس في البساتين، وتسمية البدل جَنَّتَيْنِ للمشاكلة والتهكم. وقرأ أبو عمرو «ذواتي أكل» بغير تنوين اللام وقرأ الحرميان بتخفيف أُكُلٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا بكفرانهم النعمة أو بكفرهم بالرسل، إِذ روي أنه بعث إليهم ثلاثة عشر نبيًا فكذبوهم، وتقديم المفعول للتعظيم لا للتخصيص. وَهَلْ يُجْازِى إِلاَّ الكفور وهل يجازى بمثل ما فعلنا بهم إلا البليغ في الكفران أو الكفر. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص نُجازِي بالنون والْكَفُورَ بالنصب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2339>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nوَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)\nوَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها بالتوسعة على أهلها وهي قرى الشأم. قُرىً ظاهِرَةً متواصلة يظهر بعضها لبعض، أو راكبة متن الطريق ظاهرة لأبناء السبيل. وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ بحيث يقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في قرية إلى أن يبلغ الشام. سِيرُوا فِيها على إرادة القول بلسان الحال أو المقال. لَيالِيَ وَأَيَّامًا متى شئتم من ليل أو نهار. آمِنِينَ لا يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات، أو سيروا آمنين وإن طالت مدة سفركم فيها، أو سيروا فيها ليالي أعماركم وأيامها لا تلقون فيها إلا الأمن.\nفَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا أشروا النعمة وملوا العافية كبني إسرائيل فسألوا الله أن يجعل بينهم وبين الشام مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل وتزود الأزواد، فأجابهم الله بتخريب القرى المتوسطة.\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام «بعد»، ويعقوب رَبَّنا باعِدْ بلفظ الخبر على أنه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطًا في الترفه وعدم الاعتداد بما أنعم الله عليهم فيه، ومثله قراءة من قرأ «ربنا بعد» أو «بعد» على النداء وإسناد الفعل إلى بَيْنَ. وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ حيث بطروا النعمة ولم يعتدوا بها. فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ يتحدث الناس بهم تعجبًا وضرب مثل فيقولون: تفرقوا أيدي سبأ. وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ففرقناهم غاية التفريق حتى لحق غسان منهم بالشأم، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان. إِنَّ فِي ذلِكَ فيما ذكر. لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ عن المعاصي. شَكُورٍ على النعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2340>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)","vol":"4","page":245},{"text":"وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ أي صدق في ظنه أو صدق بظن ظنه مثل فعلته جهدك، ويجوز أن يعدى الفعل إليه بنفسه كما في: صَدَقَ وَعْدَهُ. لأنه نوع من القول، وشدده الكوفيون بمعنى حقق ظنه أو وجده صادقا. وقرئ بنصب إِبْلِيسَ ورفع الظن مع التشديد بمعنى وجده ظنه صادقًا، والتخفيف بمعنى قال له ظنه الصدق حين خيله إغواءهم، وبرفعهما والتخفيف على الأبدان وذلك إما ظنه بسبأ حين رأى انهماكهم في الشهوات أو ببني آدم حين رأى أباهم النبي ضعيف العزم، أو ما ركب فيهم من الشهوة والغضب، أو سمع من الملائكة قولهم أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فقال: لَأُضِلَّنَّهُمْ ولَأُغْوِيَنَّهُمْ.\nفَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إلا فريقًا هم المؤمنون لم يتبعوه، وتقليلهم بالإِضافة إلى الكفار، أو إلا فريقًا من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان وهم المخلصون.\nوَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء. إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ إلا ليتعلق علمنا بذلك تعلقًا يترتب عليه الجزاء، أو ليتميز المؤمن من الشاك، أو ليؤمن من قدر إيمانه ويشك من قدر ضلاله، والمراد من حصول العلم حصول متعلقه مبالغة، وفي نظم الصلتين نكتة لا تخفى. وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ محافظ والزنتان متآخيتان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2341>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nقُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)\nقُلِ للمشركين. ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أي زعمتموهم آلهة، وهما مفعولا زعم حذف الأول لطول الموصول بصلته والثاني لقيام صفته مقامه، ولا يجوز أن يكون هو مفعوله الثاني لأنه لا يلتئم مع الضمير كلامًا ولا لاَّ يَمْلِكُونَ لأنهم لا يزعمونه. مِنْ دُونِ اللَّهِ والمعنى ادعوهم فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر لعلهم يستجيبون لكم إن صح دعواكم، ثم أجاب عنهم إشعارًا بتعين الجواب وأنه لا يقبل المكابرة فقال: لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ من خير أو شر. فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ في أمر ما وذكرهما للعموم العرفي، أو لأن آلهتهم بعضها سماوية كالملائكة والكواكب وبعضها أرضية كالأصنام، أو لأن الأسباب القريبة للشر والخير سماوية وأرضية والجملة استئناف لبيان حالهم. وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ من شركة لا خلقًا ولا ملكا. وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ يعينه على تدبير أمرهما.\nوَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ فلا ينفعهم شفاعة أيضًا كما يزعمون إذ لا تنفع الشفاعة عند الله. إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أذن له أن يشفع، أو أذن أن يشفع له لعلو شأنه ولم يثبت ذلك، واللام على الأول كاللام في قولك:\nالكرم لزيد وعلى الثاني كاللام في قولك: جئتك لزيد، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بضم الهمزة. حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ غاية لمفهوم الكلام من أن ثم توقفا وانتظارًا للإِذن أي: يتربصون فزعين حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بالإِذن، وقيل الضمير للملائكة وقد تقدم ذكرهم ضمنًا. وقرأ ابن عامر ويعقوب فُزِّعَ على البناء للفاعل. وقرئ «فرغ» أي نفي الوجل من فرغ الزاد إذا فني. قالُوا قال بعضهم لبعض. مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ في الشفاعة. قالُوا الْحَقَّ قالوا قال القول الحق وهو الإِذن بالشفاعة لمن ارتضى وهم المؤمنون، وقرئ بالرفع أي مقوله الحق. وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ذو العلو والكبرياء ليس لملك ولا نبي من الأنبياء أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2342>[سورة سبإ (٣٤): آية ٢٤]</span>\nقُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)","vol":"4","page":246},{"text":"قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يريد به تقرير قوله لاَّ يَمْلِكُونَ. قُلِ اللَّهُ إذ لا جواب سواه، وفيه إشعار بأنهم إن سكتوا أو تلعثموا في الجواب مخافة الإِلزام فهم مقرون به بقلوبهم. وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي وإن أحد الفريقين من الموحدين المتوحد بالرزق والقدرة الذاتية بالعبادة، والمشركين به الجماد النازل في أدنى المراتب الإِمكانية لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال المبينين، وهو بعد ما تقدم من التقرير البليغ الدال على من هو على الهدى ومن هو في الضلال أبلغ من التصريح لأنه في صورة الانصاف المسكت للخصم المشاغب، ونظيره قول حسان:\nأَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بكفء ... فشرّكما لخير كما الفِدَاءُ\nوقيل إنه على اللف والنشر وفيه نظر، واختلاف الحرفين لأن الهادي كمن صعد منارًا ينظر الأشياء ويتطلع عليها أو ركب جوادًا يركضه حيث يشاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك لا يرى شيئًا أو محبوس في مطمورة لا يستطيع أن يتفصى منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2343>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nقُلْ لاَّ تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)\nقُلْ لاَّ تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ هذا أدخل في الإنصاف وأبلغ في الإخبات حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين.\nقُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا يوم القيامة. ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ يحكم ويفصل بأن يدخل المحقين الجنة والمبطلين النار. وَهُوَ الْفَتَّاحُ الحاكم الفاصل في القضايا المنغلقة. الْعَلِيمُ بما ينبغي أن يقضى به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2344>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nقُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٢٨)\nقُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ لأرى بأي صفة ألحقتموهم بالله في استحقاق العبادة، وهو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجة عليهم زيادة في تبكيتهم. كَلَّا ردع لهم عن المشاركة بعد إبطال المقايسة.\nبَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الموصوف بالغلبة وكمال القدرة والحكمة، وهؤلاء الملحقون به متسمون بالذلة متأبية عن قبول العلم والقدرة رأسًا، والضمير لله أو للشأن.\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ إلا إرسالة عامة لهم من الكف فإنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، أو إلا جامعًا لهم في الإِبلاغ فهي حال من الكاف والتاء للمبالغة، ولا يجوز جعلها حالًا من الناس على المختار. بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ فيحملهم جهلهم على مخالفتك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2345>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)\nوَيَقُولُونَ من فرط جهلهم. مَتى هذَا الْوَعْدُ يعنون المبشر به والمنذر عنه أو الموعود بقوله:\nيَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يخاطبون به رسول الله ﷺ والمؤمنين.\nقُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ وعد يوم أو زمان وعد، وإضافته إلى اليوم للتبيين ويؤيده أنه قرئ «يوم» على البدل، وقرئ «يوما» بإضمار أعني. لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ إذا فاجأكم وهو جواب تهديد جاء مطابقًا لما قصدوه بسؤالهم من التعنت والإنكار.","vol":"4","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2346>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولا بما تقدمه من الكتب الدالة على النعت. قيل إن كفار مكة سألوا أهل الكتاب عن الرسول ﷺ فأخبروهم أنهم يجدون نعته في كتبهم فغضبوا وقالوا ذلك، وقيل الذي بين يديه يوم القيامة. وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي في موضع المحاسبة. يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يتحاورون ويتراجعون القول. يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا يقول الأتباع. لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا للرؤساء. لَوْلا أَنْتُمْ لولا إضلالكم وصدكم إيانا عن الإِيمان. لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ باتباع الرسول ﷺ.\nقالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ أنكروا أنهم كانوا صادّين لهم عن الإِيمان وأثبتوا أنهم هم الذين صدوا أنفسهم حيث أعرضوا عن الهدى وآثروا التقليد عليه، ولذلك بنوا الإِنكار على الإِسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2347>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٣]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)\nوَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إضراب عن إضرابهم أي: لم يكن إجرامنا الصاد بل مكركم لنا دائبًا ليلًا ونهارًا حتى أعورتم علينا رأينا. إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا والعاطف يعطفه على كلامهم الأول وإضافة ال مَكْرُ إلى الظرف على الاتساع، وقرئ «مكر الليل» بالنصب على المصدر و«مكر الليل» بالتنوين ونصب الظرف و«مكر الليل» من الكرور. وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وأضمر الفريقان الندامة على الضلال والإضلال وأخفاها كل عن صاحبه مخافة التعيير، أو أظهروها فإنه من الأضداد إذ الهمزة تصلح للإثبات والسلب كما في أشكيته. وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا أي في أعناقهم فجاء بالظاهر تنويهًا بذمهم وإشعارًا بموجب أغلالهم. هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ أي لا يفعل بهم ما يفعل إلا جزاء على أعمالهم، وتعدية يجزي إما لتضمين معنى يقضي أو بنزع الخافض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2348>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٤ الى ٣٦]</span>\nوَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٣٦)\nوَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها تسلية لرسول الله ﷺ مما مني به من قومه، وتخصيص المتنعمين بالتكذيب لأن الداعي المعظم إليه التكبر والمفاخرة بزخارف الدنيا والانهماك في الشهوات والاستهانة بمن لم يحظ منها، ولذلك ضموا التهكم والمفاخرة إلى التكذيب فقالوا: إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ على مقابلة الجمع بالجمع.","vol":"4","page":248},{"text":"وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فنحن أولى بما تدعونه إن أمكن. وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إما لأن العذاب لا يكون، أو لأنه أكرمنا بذلك فلا يهيننا بالعذاب.\nقُلْ ردًا لحسبانهم. إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ولذلك يختلف فيه الأشخاص المتماثلة في الخصائص والصفات، ولو كان ذلك لكرامة وهوان يوجبانه لم يكن بمشيئته. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة وكثيرًا ما يكون للاستدراج كما قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2349>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nوَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)\nوَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى قربة والتي إما لأن المراد وما جماعة أموالكم وأولادكم، أو لأنها صفة محذوف كالتقوى والخصلة. وقرئ «بالذي» أي بالشيء الذي يقربكم. إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا استثناء من مفعول تُقَرِّبُكُمْ، أي الأموال والأولاد لا تقرب أحدًا إلا المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل الله ويعلم ولده الخير ويربيه على الصلاح، أو من أَمْوالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ على حذف المضاف. فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ أن يجازوا الضعف إلى عشر فما فوقه، والإِضافة إضافة المصدر إلى المفعول، وقرئ بالأعمال على الأصل وعن يعقوب رفعهما على إبدال الضعف، ونصب الجزاء على التمييز أو المصدر لفعله الذي دل عليه لهم. بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ من المكاره، وقرئ بفتح الراء وسكونها، وقرأ حمزة «في الغرفة» على إرادة الجنس.\nوَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا بالرد والطعن فيها. مُعاجِزِينَ مسابقين لأنبيائنا أو ظانين أنهم يفوتوننا.\nأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2350>[سورة سبإ (٣٤): آية ٣٩]</span>\nقُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)\nقُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ يوسع عليه تارة ويضيق عليه أخرى، فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين وما سبق في شخصين فلا تكرير. وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ عوضًا إما عاجلًا أو آجلًا. وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فإن غيره وسط في إيصال رزقه لا حقيقة لرازقيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2351>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)\nوَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا المستكبرين والمستضعفين ثُمَّ نَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ تقريعًا للمشركين وتبكيتًا لهم وإقناطًا لهم عما يتوقعون من شفاعتهم، وتخصيص الملائكة لأنهم أشرف شركائهم والصالحون للخطاب منهم، ولأن عبادتهم مبدأ الشرك وأصله. وقرأ حفص ويعقوب بالياء فيهما.\nقالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ أنت الذي نواليه من دونهم لا موالاة بيننا وبينهم، كأنهم بينوا بذلك براءتهم من الرضا بعبادتهم ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم عبدوهم على الحقيقة بقولهم: بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أي الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير الله. وقيل كانوا يتمثلون لهم ويخيلون إليهم أنهم","vol":"4","page":249},{"text":"الملائكة فيعبدونهم. أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ الضمير الأول للإِنس أو للمشركين، والأكثر بمعنى الكل والثاني ل الْجِنَّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2352>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nفَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا مَا هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)\nفَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا إذ الأمر فيه كله له لأن الدار دار جزاء وهو المجازي وحده. وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ عطف على لاَ يَمْلِكُ مبين للمقصود من تمهيده.\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا مَا هذا يعنون محمّدا ﵊. إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ فيستتبعكم بما يستبدعه. وَقالُوا مَا هذا يعنون القرآن. إِلَّا إِفْكٌ لعدم مطابقة ما فيه الواقع. مُفْتَرىً بإضافته إلى الله ﷾. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ لأمر النبوة أو للإسلام أو للقرآن، والأول باعتبار معناه وهذا باعتبار لفظه وإعجازه. إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ظاهر سحريته، وفي تكرير الفعل والتصريح بذكر الكفرة وما في اللامين من الإِشارة إلى القائلين والمقول فيه، وما في لَمَّا من المبادهة إلى البت بهذا القول إنكار عظيم له وتعجيب بليغ منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2353>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nوَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ مَا آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥)\nوَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها فيها دليل على صحة الإِشراك. وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ يدعوهم إليه وينذرهم على تركه، وقد بان من قبل أن لا وجه له فمن أين وقع لهم هذه الشبهة، وهذا في غاية التجهيل لهم والتسفيه لرأيهم ثم هددهم فقال:\nوَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كما كذبوا. وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ وما بلغ هؤلاء عشر ما آتينا أولئك من القوة وطول العمر وكثرة المال، أو ما بلغ أولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى. فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ فحين كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير فكيف كان نكيري لهم فليحذر هؤلاء من مثله، ولا تكرير في كذب لأن الأول للتكثير والثاني للتكذيب، أو الأول مطلق والثاني مقيد ولذلك عطف عليه بالفاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2354>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٦]</span>\nقُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦)\nقُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أرشدكم وأنصح لكم بخصلة واحدة هي ما دل عليه: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ وهو القيام من مجلس رسول الله ﷺ، أو الانتصاب في الأمر خالصًا لوجه الله معرضًا عن المراء والتقليد. مَثْنى وَفُرادى متفرقين اثنين اثنين وواحدًا واحدًا، فإن الازدحام يشوش الخاطر ويخلط القول. ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا في أمر محمّد ﷺ وما جاء به لتعلموا حقيقته، ومحله الجر على البدل أو البيان أو الرفع أو النصب بإضمار هو أو أعني. مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ فتعلموا ما به من جنون يحمله على ذلك، أو استئناف منبه لهم على أن ما عرفوا من رجاحة عقله كاف في ترجيح صدقه، فإنه لا يدعه أن يتصدى لادعاء أمر خطير وخطب عظيم من","vol":"4","page":250},{"text":"غير تحقق ووثوق ببرهان، فيفتضح على رؤوس الأشهاد ويلقي نفسه إلى الهلاك، فكيف وقد انضم إليه معجزات كثيرة. وقيل مَا استفهامية والمعنى: ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ قدامه لأنه مبعوث في نسم الساعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2355>[سورة سبإ (٣٤): آية ٤٧]</span>\nقُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)\nقُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أي شيء سألتكم من أجر على الرسالة. فَهُوَ لَكُمْ والمراد نفي السؤال عنه، كأنه جعل التنبي مستلزمًا لأحد الأمرين إما الجنون وإما توقع نفع دنيوي عليه، لأنه إما أن يكون لغرض أو لغيره وأيًا ما كان يلزم أحدهما ثم نفى كلًا منهما. وقيل مَا موصولة مراد بها ما سألهم بقوله: ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا وقوله: لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى واتخاذ السبيل ينفعهم وقرباه قرباهم. إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ مطلع يعلم صدقي وخلوص نيتي، وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي بإسكان الياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2356>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nقُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩)\nقُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ يلقيه وينزله على من يجتبيه من عباده، أو يرمي به الباطل فيدمغه أو يرمي به إلى أقطار الآفاق، فيكون وعدًا بإظهار الإِسلام وإفشائه. وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء. عَلَّامُ الْغُيُوبِ صفة محمولة على محل إِنَّ واسمها، أو بدل من المستكن في يَقْذِفُ أو خبر ثان أو خبر محذوف.\nوقرئ بالنصب صفة ل رَبِّي أو مقدرًا بأعني. وقرأ حمزة وأبو بكر «الغيوب» بالكسر كالبيوت وبالضم كالعشور، وقرئ بالفتح كالصبور على أنه مبالغة غائب.\nقُلْ جاءَ الْحَقُّ أي الإِسلام. وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ وزهق الباطل أي الشرك بحيث لم يبق له أثر مأخوذ من هلاك الحي، فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة قال:\nأَقْفَر مِنْ أَهْلِهِ عبيد ... فَالْيَوْمَ لاَ يُبْدِي وَلاَ يُعِيد\nوقيل الباطل إبليس أو الصنم، والمعنى لا ينشئ خلقًا ولا يعيده، أو لا يبدئ خيرًا لأهله ولا يعيده.\nوقيل مَا استفهامية منتصبة بما بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2357>[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٠]</span>\nقُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)\nقُلْ إِنْ ضَلَلْتُ عن الحق. فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي فإن وبال ضلالي عليها لأنه بسببها إذ هي الجاهلة بالذات والأمارة بالسوء، وبهذا الاعتبار قابل الشرطية بقوله: وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي فإن الاهتداء بهدايته وتوفيقه. إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله وإن أخفاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2358>[سورة سبإ (٣٤): آية ٥١]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١)\nوَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا عند الموت أو البعث أو يوم بدر، وجواب لَوْ محذوف تقديره لرأيت أمرًا فظيعًا. فَلا فَوْتَ فلا يفوتون الله بهرب أو تحصن. وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من الموقف إلى النار أو من صحراء بدر إلى القليب، والعطف على فَزِعُوا أو لا فوت ويؤيده أنه قرئ «وأخذ» عطفًا على محله أي: فلا فوت هناك وهناك أخذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2359>[سورة سبإ (٣٤): آية ٥٢]</span>\nوَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢)\n.","vol":"4","page":251},{"text":"وَقالُوا آمَنَّا بِهِ بمحمّد ﵊، وقد مر ذكره في قوله: مَا بِصاحِبِكُمْ. وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ ومن أين لهم أن يتناولوا الإِيمان تناولًا سهلًا. مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ فإنه في حيز التكليف وقد بعد عنهم، وهو تمثيل لحالهم في الاستخلاص بالإيمان بعد ما فات عنهم أوانه وبعد عنهم، بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة تناوله من ذراع في الاستحالة، وقرأ أبو عمرو والكوفيون غير حفص بالهمز على قلب الواو لضمتها.\nأو أنه من نأشت الشيء إذا طلبته قال رؤبة:\nأَقْحَمَنِي جَارُ أَبِي الجَامُوش ... إِلَيْكَ نَأْشَ القدر النؤوش\nأو من نأشت إذا تأخرت ومنه قوله:\nتَمَنَّى نَشِيْشًا أَن يَكُونَ أَطَاعَنِي ... وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ\nفيكون بمعنى التناول من بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2360>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nوَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)\nوَقَدْ كَفَرُوا بِهِ بمحمد ﵊ أو بالعذاب. مِنْ قَبْلُ من قبل ذلك أوان التكليف.\nوَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ ويرجمون بالظن ويتكلمون بما لم يظهر لهم في الرسول ﵊ من المطاعن، أو في العذاب من البت على نفيه. مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ من جانب بعيد من أمره، وهو الشبه التي تمحلوها في أمر الرسول ﷺ، أو حال الآخرة كما حكاه من قبل. ولعله تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئًا لا يراه من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه، وقرئ «وَيَقْذِفُونَ» على أن الشيطان يلقي إليهم ويلقنهم ذلك، والعطف على وَقَدْ كَفَرُوا على حكاية الحال الماضية أو على قالوا فيكون تمثيلًا لحالهم بحال القاذف في تحصيل ما ضيعوه من الإِيمان في الدنيا.\nوَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ من نفع الإِيمان والنجاة به من النار، وقرأ ابن عامر والكسائي بإشمام الضم للحاء. كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ بأشباههم من كفرة الأمم الدارجة. إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ موقع في الريبة، أو ذي ريبة منقول من المشكك، أو الشك نعت به الشك للمبالغة.\nعن النبيّ ﷺ «من قرأ سورة سبأ لم يبق رسول ولا نبي إلا كان له يوم القيامة رفيقًا ومصافحًا» .","vol":"4","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2361>(٣٥) سورة الملائكة</span>\nمكية وآيها خمس وأربعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2362>[سورة فاطر (٣٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)\nالْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما من الفطر بمعنى الشق كأنه شق العدم بإخراجهما منه، والإِضافة محضة لأنه بمعنى الماضي. جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يبلغون إليهم رسالاته بالوحي والإِلهام والرؤيا الصادقة، أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه.\nأُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ذوي أجنحة متعددة متفاوتة بتفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون، أو يسرعون بها نحو ما وكلهم الله عليه فيتصرفون فيه على أمرهم به، ولعله لم يرد به خصوصية الإِعداد ونفي ما زاد عليها، لما\nروي أنه ﵊ رأى جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح\nيَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشاءُ استئناف للدلالة على أن تفاوتهم في ذلك بمقتضى مشيئته ومؤدى حكمته لا أمر تستدعيه ذواتهم، لأن اختلاف الأصناف والأنواع، بالخواص والفصول إن كان لذواتهم المشتركة لزم تنافي لوازم الأمور المتفقة وهو محال، والآية متناولة زيادات الصور والمعاني كملاحة الوجه وحسن الصوت وحصافة العقل وسماحة النفس. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وتخصيص بعض الأشياء بالتحصيل دون بعض، إنما هو من جهة الإرادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2363>[سورة فاطر (٣٥): آية ٢]</span>\nمَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)\nمَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ ما يطلق لهم ويرسل وهو من تجوز السبب للمسبب. مِنْ رَحْمَةٍ كنعمة وأمن وصحة وعلم ونبوة. فَلا مُمْسِكَ لَها يحبسها. وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ يطلقه، واختلاف الضميرين لأن الموصول الأول مفسر بالرحمة والثاني مطلق بتناولها والغضب، وفي ذلك إشعار بأن رحمته سبقت غضبه.\nمِنْ بَعْدِهِ من بعد إمساكه. وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب على ما يشاء ليس لأحد أن ينازعه فيه. الْحَكِيمُ لا يفعل إلا بعلم وإتقان. ثم لما بين أنه الموجد للملك والملكوت والمتصرف فيهما على الإِطلاق أمر الناس بشكر إنعامه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2364>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ احفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها، ثم أنكر أن يكون لغيره في ذلك مدخل فيستحق أن يشرك به بقوله: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ","vol":"4","page":253},{"text":"لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ\nفمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى إشراك غيره به، ورفع غَيْرُ للحمل على محل مِنْ خالِقٍ بأنه وصف أو بدل، فإن الاستفهام بمعنى النفي، أو لأنه فاعل خالِقٍ وجره حمزة والكسائي حملًا على لفظه، وقد نصب على الاستثناء، ويَرْزُقُكُمْ صفة ل خالِقٍ أو استئناف مفسر له أو كلام مبتدأ، وعلى الأخير يكون إطلاق هَلْ مِنْ خالِقٍ مانعًا من إطلاقه على غير الله.\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ أي فتأس بهم في الصبر على تكذيبهم، فوضع فَقَدْ كُذِّبَتْ موضعه استغناء بالسبب عن المسبب، وتنكير رسل للتعظيم المقتضي زيادة التسلية والحث على المصابرة.\nوَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فيجازيك وإياهم على الصبر والتكذيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2365>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالحشر والجزاء. حَقٌّ لا خلف فيه. فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فيذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعي لها. وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ الشيطان بأن يمنيكم المغفرة مع الإِصرار على المعصية، فإنها وإن أمكنت لكن الذنب بهذا التوقع كتناول السم اعتمادًا على دفع الطبيعة.\nوقرئ بالضم وهو مصدر أو جمع كقعود.\nإِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ عداوة عامة قديمة. فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا في عقائدكم وأفعالكم وكونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم. إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ تقرير لعداوته وبيان لغرضه في دعوة شيعته إلى اتباع الهوى والركون إلى الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2366>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨)\nالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وعيد لمن أجاب دعاءه ووعد لمن خالفه وقطع للأماني الفارغة، وبناء للأمر كله على الإِيمان والعمل الصالح وقوله.\nأَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا تقرير له أي أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عمله بأن غلب وهمه وهواه على عقله حتى انتكس رأيه فرأى الباطل حقًا والقبيح حسنًا، كمن لم يزين له بل وفق حتى عرف الحق واستحسن الأعمال واستقبحها على ما هي عليه، فحذف الجواب لدلالة: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وقيل تقديره أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة، فحذف الجواب لدلالة: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ عليه ومعناه فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب، والفاآت الثلاث للسببية غير أن الأوليين دخلتا على السبب والثالثة دخلت على المسبب، وجمع الحسرات للدلالة على تضاعف اغتمامه على أحوالهم أو كثرة مساوي أفعالهم المقتضية للتأسف، وعليهم ليس صلة لها لأن صلة المصدر لا تتقدمه بل صلة تذهب أو بيان للمتحسر عليه. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ فيجازيهم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2367>[سورة فاطر (٣٥): آية ٩]</span>\nوَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩)\nوَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي الريح. فَتُثِيرُ سَحابًا على حكاية الحال","vol":"4","page":254},{"text":"الماضية استحضارًا لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة، ولأن المراد بيان أحداثها بهذه الخاصية ولذلك أسنده إليها، ويجوز أن يكون اختلاف الأفعال للدلالة على استمرار الأمر. فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص بالتشديد. فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بالمطر النازل منه وذكر السحاب كذكره، أو بالسحاب فإنه سبب السبب أو الصائر مطرًا. بَعْدَ مَوْتِها بعد يبسها والعدول فيهما من الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص لما فيهما من مزيد الصنع. كَذلِكَ النُّشُورُ أي مثل إحياء الموات نشور الأموات في صحة المقدورية، إذ ليس بينهما إلا احتمال اختلاف المادة في المقيس عليه وذلك لا مدخل له فيها. وقيل في كيفية الإِحياء فإنه تعالى يرسل ماء من تحت العرش تنبت منه أجساد الخلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2368>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٠]</span>\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ الشرف والمنعة. فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا أي فليطلبها من عنده فإن له كلها، فاستغنى بالدليل عن المدلول. إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ بيان لما يطلب به العزة وهو التوحيد والعمل الصالح، وصعودهما إليه مجاز عن قبوله إياهما، أو صعود الكتبة بصحيفتهما، والمستكن في يَرْفَعُهُ ل الْكَلِمُ فإن العمل لا يقبل إلا بالتوحيد ويؤيده أنه نصب الْعَمَلُ، أو ل الْعَمَلُ فإنه يحقق الإِيمان ويقويه، أو لله وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة. وقرئ «يَصْعَدُ» على البناءين والمصعد هو الله تعالى أو المتكلم به أو الملك. وقيل الْكَلِمُ الطَّيِّبُ يتناول الذكر والدعاء وقراءة القرآن.\nوعنه ﵊ «هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن، فإذا لم يكن عمل صالح لم تقبل» .\nوَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ المكرات السيئات يعني مكرات قريش للنبي ﵊ في دار الندوة وتداورهم الرأي في إحدى ثلاث حبسه وقتله وإجلائه. لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ لا يؤبه دونه بما يمكرون به. وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ يفسد ولا ينفذ لأن الأمور مقدرة لا تتغير به كما دل عليه بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2369>[سورة فاطر (٣٥): آية ١١]</span>\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ بخلق آدم ﵇ منه. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ بخلق ذريته منها. ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا ذكرانًا وإناثًا. وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ إلاَّ معلومة له. وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وما يمد في عمر من مصيره إلى الكبر. وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ من عمر المعمر لغيره بأن يعطى له عمر ناقص من عمره، أو لا ينقص من عمر المنقوص عمره بجعله ناقصًا، والضمير له وإن لم يذكر لدلالة مقابله عليه أو للعمر على التسامح فيه ثقة بفهم السامع كقولهم: لا يثيب الله عبدًا ولا يعاقبه إلا بحق. وقيل الزيادة والنقصان في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في اللوح مثل: أن يكون فيه إن حج عمرو فعمره ستون سنة وإلا فأربعون. وقيل المراد بالنقصان ما يمر من عمره وينقضي فإنه يكتب في صحيفة عمره يومًا فيومًا، وعن يعقوب وَلا يُنْقَصُ على البناء للفاعل. إِلَّا فِي كِتابٍ هو علم الله تعالى أو اللوح المحفوظ أو الصحيفة.\nإِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ إشارة إلى الحفظ أو الزيادة أو النقص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2370>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٢]</span>\nوَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)","vol":"4","page":255},{"text":"وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ضرب مثل للمؤمن والكافر، والفرات الذي يكسر العطش والسائغ الذي يسهل انحداره، والأجاج الّذي يحرق بملوحته. وقرئ «سيغ» بالتشديد و«سيغ» بالتخفيف و«مِلْحٌ» على فعل. وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها استطراد في صفة البحرين وما فيهما من النعم، أو تمام التمثيل والمعنى: كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان فيما هو المقصود بالذات من الماء، فإنه خالط أحدهما ما أفسده وغيره عن كمال فطرته، لا يتساوى المؤمن والكافر وإن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لاختلافهما فيما هو الخاصية العظمى وهي بقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر، أو تفضيل للأجاج على الكافر بما يشارك فيه العذب من المنافع. والمراد ب الْحِلْيَةِ اللئالئ واليواقيت. وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ في كل. مَواخِرَ تشق الماء بجريها. لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ من فضل الله بالنقلة فيها، واللام متعلقة ب مَواخِرَ، ويجوز أن تتعلق بما دل عليه الأفعال المذكورة. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ على ذلك وحرف الترجي باعتبار ما يقتضيه ظاهر الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2371>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nيُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)\nيُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى هي مدة دوره أو منتهاه أو يوم القيامة. ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ الإِشارة إلى الفاعل لهذه الأشياء. وفيها إشعار بأن فاعليته لها موجبة لثبوت الأخبار المترادفة، ويحتمل أن يكون لَهُ الْمُلْكُ كلامًا مبتدأ في قرآن. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ للدلالة على تفرده بالألوهية والربوبية، والقطمير لفافة النواة.\nإِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ لأنهم جماد وَلَوْ سَمِعُوا على سبيل الفرض. مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ لعدم قدرتهم على الإِنفاع، أو لتبرئهم منكم مما تدعون لهم. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ بإشراككم لهم يقرون ببطلانه أو يقولون مَّا كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ. وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ولا يخبرك بالأمر مخبر مِثْلُ خَبِيرٍ به أخبرك وهو الله ﷾، فإنه الخبير به على الحقيقة دون سائر المخبرين. والمراد تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم ونفي ما يدعون لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2372>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٥ الى ١٧]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ في أنفسكم وما يعن لكم، وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء، وأن افتقار سائر الخلائق بالإِضافة إلى فقرهم غير معتد به ولذلك قال: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا. وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ المستغني على الإِطلاق المنعم على سائر الموجودات حتى استحق عليهم الحمد.\nإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ بقوم آخرين أطوع منكم، أو بعالم آخر غير ما تعرفونه.\nوَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ بمتعذر أو متعسر.","vol":"4","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2373>[سورة فاطر (٣٥): آية ١٨]</span>\nوَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)\nوَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، وأما قوله: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ففي الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكل ذلك أوزارهم ليس فيها شيء من أوزار غيرهم. وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ نفس أثقلها الأوزار. إِلى حِمْلِها تحمل بعض أوزارها. لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ لم تجب لحمل شيء منه نفى أن يحمل عنها ذنبها كما نفى أن يحمل عليها ذنب غيرها. وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى ولو كان المدعو ذا قرابتها، فأضمر المدعو لدلالة إن تدع عليه. وقرئ «ذو قربى» على حذف الخبر وهو أولى من جعل كان التامة فإنها لا تلائم نظم الكلام. إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ غائبين عن عذابه، أو عن الناس في خلواتهم، أو غائبًا عنهم عذابه. وَأَقامُوا الصَّلاةَ فإنهم المنتفعون بالإِنذار لا غير، واختلاف الفعلين لما مر من الاستمرار. وَمَنْ تَزَكَّى ومن تطهر من دنس المعاصي. فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ إذ نفعه لها، وقرئ «ومن أزكى فإنما يزكي» وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة التزكي. وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ فيجازيهم على تزكيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2374>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٩ الى ٢٣]</span>\nوَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣)\nوَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الكافر والمؤمن، وقيل هما مثلان للصنم ولله ﷿.\nوَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ ولا الباطل ولا الحق.\nوَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ولا الثواب ولا العقاب، ولا لتأكيد نفي الاستواء وتكريرها على الشقين لمزيد التأكيد. والْحَرُورُ فعول من الحر غلب على السموم. وقيل السموم ما يهب نهارًا والحرور ما تهب ليلًا.\nوَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ من الأول ولذلك كرر الفعل.\nوقيل للعلماء والجهلاء. إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ هدايته فيوفقه لفهم آياته والاتعاظ بعظاته. وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات ومبالغة في إقناطه عنهم.\nإِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ فما عليك إلا الإِنذار وأما الإِسماع فلا إليك ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2375>[سورة فاطر (٣٥): آية ٢٤]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤)\nإِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ محقين أو محقًا، أو إرسالًا مصحوبًا بالحق، ويجوز أن يكون صلة لقوله:\nبَشِيرًا وَنَذِيرًا أي بشيرًا بالوعد الحق ونذيرًا بالوعيد الحق. وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ أهل عصر. إِلَّا خَلا مضى.\nفِيها نَذِيرٌ من نبي أو عالم ينذر عنه، والاكتفاء بذكره للعلم بأن النذارة قرينة البشارة سيما وقد قرن به من قبل، أو لأن الإِنذار هو الأهم المقصود من البعثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2376>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)","vol":"4","page":257},{"text":"وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات الشاهدة على نبوتهم.\nوَبِالزُّبُرِ كصحف إبراهيم ﵇. وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ كالتوراة والإِنجيل على إرادة التفصيل دون الجمع، ويجوز أن يراد بهما واحد والعطف لتغاير الوصفين.\nثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي إنكاري بالعقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2377>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها أجناسها وأصنافها على أن كلا منها ذو أصناف مختلفة، أو هيئاتها من الصفرة والخضرة ونحوهما. وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ أي ذو جدد أي خطط وطرائق يقال جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره، وقرئ «جُدَدٌ» بالضم جمع جديدة بمعنى الجدة وجُدَدٌ بفتحتين وهو الطريق الواضح. بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها بالشدة والضعف. وَغَرابِيبُ سُودٌ عطف على بِيضٌ أو على جُدَدٌ كأنه قيل: ومن الجبال ذو جدد مختلفة اللون ومنها غَرابِيبُ متحدة اللون، وهو تأكيد مضمر يفسره ما بعده فإن الغربيب تأكيد للأسود ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد ونظير ذلك في الصفة قول النابغة:\nوَالمُؤْمِنُ العَائِذَاتُ الطَيْرُ يَمْسَحُهَا وفي مثله مزيد تأكيد لما فيه من التكرير باعتبار الإِضمار والإِظهار.\nوَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ كاختلاف الثمار والجبال. إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إذ شرط الخشية معرفة المخشي والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى منه ولذلك\nقال ﵊ «إني أخشاكم لله وأتقاكم له»\nولذلك أتبعه بذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته، وتقديم المفعول لأن المقصود حصر الفاعلية ولو أخر انعكس الأمر. وقرئ برفع اسم الله ونصب العلماء على أن الخشية مستعارة للتعظيم فإن المعظم يكون مهيبًا. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2378>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)\nإِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ يداومون على قراءته أو متابعة ما فيه حتى صارت سمة لهم وعنوانًا، والمراد بكتاب الله القرآن أو جنس كتب الله فيكون ثناء على المصدقين من الأمم بعد اقتصاص حال المكذبين. وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً كيف اتفق من غير قصد إليهما. وقيل السر في المسنونة والعلانية في المفروضة. يَرْجُونَ تِجارَةً تحصيل ثواب بالطاعة وهو خبر إن. لَنْ تَبُورَ لن تكسد ولن تهلك بالخسران صفة للتجارة وقوله:\nلِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ علة لمدلوله أي ينتفي عنها الكساد وتنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها أجور أعمالهم، أو لمدلول ما عد من امتثالهم نحو فعلوا ذلك لِيُوَفِّيَهُمْ أو عاقبة ل يَرْجُونَ\n. وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ على ما","vol":"4","page":258},{"text":"يقابل أعمالهم. إِنَّهُ غَفُورٌ لفرطاتهم. شَكُورٌ لطاعاتهم أي مجازيهم عليها، وهو علة للتوفية والزيادة أو خبر إن ويَرْجُونَ حال من واو وَأَنْفَقُوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2379>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣١]</span>\nوَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)\nوَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ يعني القرآن ومِنَ للتبيين أو الجنس ومِنَ للتبعيض. هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أحقه مصدقًا لما تقدمه من الكتب السماوية حال مؤكدة لأن حقيته تستلزم موافقته إياه في العقائد وأصول الأحكام. إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ عالم بالبواطن والظواهر فلو كان في أحوالك ما ينافي النبوة لم يوح إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب، وتقديم الخبير للدلالة على أن العمدة في ذلك الأمور الروحانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2380>[سورة فاطر (٣٥): آية ٣٢]</span>\nثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)\nثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ حكمنا بتوريثه منك أو نورثه فعبر عنه بالماضي لتحققه، أو أورثناه من الأمم السالفة، والعطف على إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ اعتراض لبيان كيفية التوريث. الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا يعني علماء الأمة من الصحابة ومن بعدهم، أو الأمة بأسرهم فإن الله اصطفاهم على سائر الأمم فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بالتقصير في العمل به. وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ يعمل به في غالب الأوقات. وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ بضم التعليم والإِرشاد إلى العمل، وقيل الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم. وقيل الظالم المجرم والمقتصد الذي خلط الصالح بالسيء والسابق الذي ترجحت حسناته بحيث صارت سيئاته مكفرة، وهو معنى\nقوله ﵊ «أما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم يتلقاهم الله برحمته» .\nوقيل الظالم الكافر على أن الضمير للعباد، وتقدميه لكثرة الظالمين ولأن الظلم بمعنى الجهل والركون إلى الهوى مقتضى الجبلة والاقتصاد والسبق عارضان. ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ إشارة إلى التوريث أو الاصطفاء أو السبق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2381>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)\nجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها مبتدأ وخبر والضمير للثلاثة أو ل الَّذِينَ أو لل مُقْتَصِدٌ وال سابِقٌ، فإن المراد بهما الجنس وقرئ «جنة عدن» و«جنات عَدْنٍ» منصوب بفعل يفسره الظاهر، وقرأ أبو عمرو يَدْخُلُونَها على البناء للمفعول. يُحَلَّوْنَ فِيها خبر ثان أو حال مقدرة، وقرئ يُحَلَّوْنَ من حليت المرأة فهي حالية. مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ الأولى للتبعيض والثانية للتبيين. وَلُؤْلُؤًا عطف على ذَهَبٍ أي مِنْ ذَهَبٍ مرصع باللؤلؤ، أو مِنْ ذَهَبٍ في صفاء اللؤلؤ ونصبه نافع وعاصم رحمهما الله عطفا على محل مِنْ أَساوِرَ. وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ.\nوَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ همهم من خوف العاقبة، أو همهم من أجل المعاش وآفاته","vol":"4","page":259},{"text":"أو من وسوسة إبليس وغيرها، وقرئ الْحَزَنَ. وإِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ للمذنبين. شَكُورٌ للمطيعين.\nالَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ دار الإِقامة. مِنْ فَضْلِهِ من إنعامه وتفضله إذ لا واجب عليه. لاَ يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ تعب. وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ كلال، إذ لا تكليف فيها ولا كد، أتبع نفي النصب نفي ما يتبعه مبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2382>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ لا يحكم عليهم بموت ثان. فَيَمُوتُوا فيتسريحوا، ونصبه بإضمار أن، وقرئ «فيموتون» عطفًا على يُقْضى كقوله: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ. وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها بل كلما خبت زيد إسعارها. كَذلِكَ مثل ذلك الجزاء. نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ مبالغ في الكفر أو الكفران، وقرأ أبو عمرو «يجزى» على بناء المفعول وإسناده إلى كُلِّ، وقرى «يجازي» .\nوَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها يستغيثون يفتعلون من الصراخ وهو الصياح استعمل في الاستغاثة لجهر المستغيث صوته. رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ بإضمار القول وتقييد العمل الصالح بالوصف المذكور للتحسر على ما عملوه من غير الصالح والاعتراف به، والإشعار بأن استخراجهم لتلافيه وأنهم كانوا يحسبون أنه صالح والآن تحقق لهم خلافه. أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ جواب من الله وتوبيخ لهم وما يَتَذَكَّرُ فيه متناول كل عمر يمكن المكلف فيه من التفكر والتذكر، وقيل ما بين العشرين إلى الستين.\nوعنه ﵊ «العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة» .\nوالعطف على معنى أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ فإنه للتقرير كأنه قال: عمرناكم وجاءكم النذير وهو النبي ﷺ أو الكتاب، وقيل العقل أو الشيب أو موت الأقارب. فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ يدفع العذاب عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2383>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nإِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسارًا (٣٩)\nإِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ\nلا يخفى عليه خافية فلا يخفى عليه أحوالهم. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ\nتعليل له لأنه إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفى ما يكون كان أعلم بغيرها.\nهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ ملقى إليكم مقاليد التصرف فيها، وقيل خلفًا بعد خلف جمع خليفة والخلفاء جمع خليف. فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ جزاء كفره. وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسارًا بيان له، والتكرير للدلالة على أن اقتضاء الكفر لكل واحد من الأمرين مستقل باقتضاء قبحه ووجوب التجنب عنه، والمراد بالمقت وهو أشد البغض مقت الله وبالخسار خسار الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2384>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤٠]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا (٤٠)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني آلهتهم والإِضافة إليهم لأنهم جعلوهم شركاء لله","vol":"4","page":260},{"text":"أو لأنفسهم فيما يملكونه. أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ بدل من أَرَأَيْتُمْ بدل الاشتمال لأنه بمعنى أخبروني كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء أروني أي جزء من الأرض استبدوا بخلقه. أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أم لهم شركة مع الله في خلق السموات فاستحقوا بذلك شركة في الألوهية ذاتية. أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا ينطق على أنا اتخذناهم شركاء. فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ على حجة من ذلك الكتاب بأن لهم شركة جعلية، ويجوز أن يكون هم للمشركين كقوله: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر والكسائي على بينات فيكون إيماء إلى أن الشرك خطير لا بد فيه من تعاضد الدلائل. بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا لما نفى أنواع الحجج في ذلك أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه وهو تغرير الأسلاف الأخلاف، أو الرؤساء الأتباع بأنهم شفعاء عند الله يشفعون لهم بالتقرب إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2385>[سورة فاطر (٣٥): آية ٤١]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)\nإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا كراهة أن تزولا فإن الممكن حال بقائه لا بد له من حافظ، أو يمنعهما أن تزولا لأن الإِمساك منع. وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ ما أمسكهما. مِنْ بَعْدِهِ من بعد الله أو من بعد الزوال، والجملة سادة مسد الجوابين ومن الأولى زائدة والثانية للابتداء. إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا حيث أمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدا هدًا كما قال: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2386>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ. وذلك أن قريشًا لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى لو أتانا رسول لنكونن أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، أي من واحدة من الأمم اليهود والنصارى وغيرهم، أو من الأمة التي يقال فيها هي إِحْدَى الْأُمَمِ تفضيلًا لها على غيرها في الهدى والاستقامة. فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ يعني محمدًا ﵊. مَّا زادَهُمْ أي النذير أو مجيئه على التسبب. إِلَّا نُفُورًا تباعدًا عن الحق.\nاسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ بدل من نفورًا أو مفعول له. وَمَكْرَ السَّيِّئِ أصله وإن مكروا المكر السيئ فحذف الموصوف استغناء بوصفه، ثم بدل أن مع الفعل بالمصدر، ثم أضيف. وقرأ حمزة وحده بسكون الهمزة في الوصل. وَلا يَحِيقُ ولا يحيط. الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ وهو الماكر وقد حاق بهم يوم بدر، وقرئ «وَلاَ يَحِيقُ المكر» أي ولا يحيق الله. فَهَلْ يَنْظُرُونَ ينتظرون. إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ سنة الله فيهم بتعذيب مكذبيهم. فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا إذ لا يبدلها بجعله غير التعذيب تعذيبًا ولا يحولها بأن ينقله من المكذبين إلى غيرهم، وقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2387>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا (٤٥)","vol":"4","page":261},{"text":"أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ استشهاد علم بما يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار الماضين. وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ ليسبقه ويفوته. فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا بالأشياء كلها. قَدِيرًا عليها.\nوَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا من المعاصي. مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها ظهر الأرض مِنْ دَابَّةٍ من نسمة تدب عليها بشؤم معاصيهم، وقيل المراد بالدابة الإِنس وحده لقوله: وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو يوم القيامة. فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا فيجازيهم على أعمالهم.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة: أن أدخل من أي باب شئت» .","vol":"4","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2388>(٣٦) سورة يس</span>\nمكية وعنه ﵊ «يس تدعى المعمة تعم صاحبها خير الدارين والدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة» وآيها ثلاث وثمانون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2389>[سورة يس (٣٦): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)\nيس ك الم في المعنى والإِعراب، وقيل معناه يا إنسان لغة طيئ، على أن أصله يا أنيسين فاقتصر على شطره لكثرة النداء به كما قيل (من الله) في أيمن. وقرئ بالكسر كجير وبالفتح على البناء كأين، أو الإِعراب على اتل يس أو بإضمار حرف القسم والفتحة لمنع الصرف وبالضم بناء كحيث، أو إعرابًا على هذه يس وأمال الياء حمزة والكسائي وروح وأبو بكر، وأدغم النون في واو: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ابن عامر والكسائي وأبو بكر وورش ويعقوب، وهي واو القسم أو العطف إن جعل يس مقسمًا به.\nإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لمن الذين أرسلوا.\nعَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو التوحيد والإِستقامة في الأمور، ويجوز أن يكون عَلى صِراطٍ خبرًا ثانيًا أو حالًا من المستكن في الجار والمجرور، وفائدته وصف الشرع صريحًا بالاستقامة وإن دل عليه لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ التزاما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2390>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nتَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦)\nتَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ خبر محذوف والمصدر بمعنى المفعول. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص بالنصب بإضمار أعني أو فعله على أنه على أصله، وقرئ بالجر على البدل من القرآن.\nلِتُنْذِرَ قَوْمًا متعلق ب تَنْزِيلَ أو بمعنى لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. مَّا أُنْذِرَ آباؤُهُمْ قومًا غير منذر آباؤهم يعني آباءَهم الأقربين لتطاول مدة الفترة، فيكون صفة مبينة لشدة حاجتهم إلى إرساله، أو الذي أنذر به أو شيئًا أنذر به آباؤهم الأبعدون، فيكون مفعولًا ثانيًا لِتُنْذِرَ، أو إنذار آبائَهم على المصدر. فَهُمْ غافِلُونَ متعلق بالنفي على الأول أي لم ينذروا فبقوا غافلين، أو بقوله إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ على الوجوه الأخرى أي أرسلناك إليهم لتنذرهم فإنهم غافلون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2391>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nلَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (٩)\nلَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ يعني قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ لأنهم ممن علم الله أنهم لا يؤمنون.","vol":"4","page":263},{"text":"إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني عنهم الآيات والنذر، بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم. فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فالأغلال، واصلة إلى أذقانهم فلا تخليهم يطأطئون رؤوسهم له. فَهُمْ مُقْمَحُونَ رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفت الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له.\nوَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ وبمن أحاط بهم سدان فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل. وقرأ حمزة والكسائي وحفص سَدّا بالفتح وهو لغة فيه، وقيل ما كان بفعل الناس فبالفتح وما كان بخلق الله فبالضم. وقرئ «فأعشيناهم» من العشاء. وقيل الآيتان في بني مخزوم حلف أبو جهل أن يرضخ رأس النبي ﷺ فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد، فرجع إلى قومه فأخبرهم، فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعمى الله بصره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2392>[سورة يس (٣٦): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)\nوَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ سبق في «البقرة» تفسيره.\nإِنَّما تُنْذِرُ إنذارًا يترتب عليه البغية المرومة. مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ أي القرآن بالتأمل فيه والعمل به.\nوَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وخاف عقابه قبل حلوله ومعاينة أهواله، أو في سريرته ولا يغتر برحمته فإنه كما هو رحمن، منتقم قهار. فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2393>[سورة يس (٣٦): آية ١٢]</span>\nإِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)\nإِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى الأموات بالبعث أو الجهال بالهداية. وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُوا ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة. وَآثارَهُمْ الحسنة كعلم علموه وحبيس وقفوه، والسيئة كإشاعة باطل وتأسيس ظلم.\nوَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ يعني اللوح المحفوظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2394>[سورة يس (٣٦): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)\nوَاضْرِبْ لَهُمْ ومثل لهم من قولهم هذه الأشياء على ضرب واحد أي مثال واحد، وهو يتعدى إلى مفعولين لتضمنه معنى الجعل وهما: مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ على حذف مضاف أي اجعل لهم مثل أصحاب القرية مثلًا، ويجوز أن يقتصر على واحد ويجعل المقدر بدلًا من الملفوظ أو بيانًا له، والقرية انطاكية. إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ بدل من أصحاب القرية، والْمُرْسَلُونَ رسل عيسى ﵊ إلى أهلها وإضافته إلى نفسه في قوله:\nإِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ لأنه فعل رسوله وخليفته وهما يحيى ويونس، وقيل غيرهما. فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا فقوينا، وقرأ أبو بكر مخففًا من عزه إذا غلبه وحذف المفعول لدلالة ما قبله عليه ولأن المقصود ذكر المعزز به. بِثالِثٍ وهو شمعون. فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ وذَلِكَ أنهم كانوا عبدة أصنام فأرسل إليهم عيسى ﵇ اثنين، فلما قربا من المدينة رأيا حبيبًا النجار يرعى غنمًا فسألهما فأخبراه فقال: أمعكما آية","vol":"4","page":264},{"text":"فقالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص، وكان له ولد مريض فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر، فشفي على أيديهما خلق كثير وبلغ حديثهما إلى الملك وقال لهما: ألنا إله سوى آلهتنا؟\nقالا: نعم من أوجدك وآلهتك قال حتى أنظر في أمركما فحبسهما، ثم بعث عيسى شمعون فدخل متنكرًا وعاشر أصحاب الملك حتى استأنسوا به وأوصلوه إلى الملك فأنس به، فقال له يومًا: سمعت أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه، قال لا، فدعاهما فقال شمعون من أرسلكما قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال صفاه وأوجزا، قالا: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، قال وما آيتكما، قالا: ما يتمنى الملك، فدعا بغلام مطموس العينين فدعوا الله حتى انشق له بصره، وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين ينظر بهما، فقال شمعون أرأيت لو سألت آلهتك حتى تصنع مثل هذا حتى يكون لك ولها الشرف، قال ليس لي عنك سر آلهتنا لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، ثم قال إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به، فأتوا بغلام مات منذ سبعة أيام فدعوا الله فقام وقال: إني أدخلت في سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا، وقال فتحت أبواب السماء فرأيت شابًا حسنًا يشفع لهؤلاء الثلاثة فقال الملك من هم قال شمعون وهذان فلما رأى شمعون أن قوله قد أثر فيه نصحه فآمن في جمع، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل ﵊ فهلكوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2395>[سورة يس (٣٦): الآيات ١٥ الى ١٧]</span>\nقالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)\nقالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا لا مزية لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدعون، ورفع بشر لانتقاض النفي المقتضي إعمال ما بإلا. وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ وحي ورسالة. إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ في دعوى الرسالة.\nقالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ استشهدوا بعلم الله وهو يجري مجرى القسم، وزادوا اللام المؤكدة لأنه جواب عن إنكارهم.\nوَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ الظاهر البين بالآيات الشاهدة لصحته، وهو المحسن للاستشهاد فإنه لا يحسن إلا ببينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2396>[سورة يس (٣٦): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nقالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)\nقالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ تشاءمنا بكم، وذلك لاستغرابهم ما ادعوه واستقباحهم له وتنفرهم عنه. لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عن مقالتكم هذه. لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ.\nقالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ سبب شؤمكم معكم وهو سوء عقيدتكم وأعمالكم، وقرئ «طيركم معكم» .\nأَإِنْ ذُكِّرْتُمْ وعظتم، وجواب الشرط محذوف مثل تطيرتم أو توعدتم بالرجم والتعذيب، وقد قرئ بألف بين الهمزتين وبفتح أن بمعنى أتطيرتم لأن ذكرتم وإن وأن بغير الاستفهام و«أين ذكرتم» بمعنى طائركم معكم حيث جرى ذكركم وهو أبلغ. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ قوم عادتكم الإِسراف في العصيان فمن ثم جاءكم الشؤم، أو في الضلال ولذلك توعدتم وتشاءمتم بمن يجب أن يكرم ويتبرك به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2397>[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)","vol":"4","page":265},{"text":"وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى هو حبيب النجار وكان ينحت أصنامهم وهو ممن آمن بمحمّد ﵊ وبينهما ستمائة سنة، وقيل كان في غار يعبد الله فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه.\nقالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.\nاتَّبِعُوا مَنْ لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا على النصح وتبليغ الرسالة. وَهُمْ مُهْتَدُونَ إلى خير الدارين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2398>[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٢ الى ٢٤]</span>\nوَما لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)\nوَما لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي على قراءة غير حمزة فإنه يسكن الياء في الوصل، تلطف في الإِرشاد بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح، حيث أراد لهم ما أراد لها والمراد تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم إلى عبادة غيره ولذلك قال: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ مبالغة في التهديد ثم عاد إلى المساق الأول فقال:\nأَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا لا تنفعني شفاعتهم. وَلا يُنْقِذُونِ بالنصرة والمظاهرة.\nإِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ فإن إيثار ما لا ينفع ولا يدفع ضرًا بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع والضر وإشراكه به ضلال بين لا يخفى على عاقل، وقرأ نافع ويعقوب وأبو عمرو بفتح الياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2399>[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٥ الى ٢٧]</span>\nإِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)\nإِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ الذي خلقكم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء. فَاسْمَعُونِ فاسمعوا إيماني، وقيل الخطاب للرسل فإنه لما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحوهم قبل أن يقتلوه.\nقِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قيل له ذلك لما قتلوه بشرى له بأنه من أهل الجنة، أو إكرامًا وإذنًا في دخولها كسائر الشهداء، أو لما هموا بقتله رفعه الله إلى الجنة على ما قاله الحسن وإنما لم يقل له لأن الغرض بيان المقول دون المقول له فإنه معلوم، والكلام استئناف في حيز الجواب عن السؤال عن حاله عند لقاء ربه بعد تصلبه في نصر دينه وكذلك: قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ.\nبِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ فإنه جواب عن السؤال عن قوله عند ذلك القول، وإنما تمنى علم قومه بحاله ليحملهم على اكتساب مثلها بالتوبة عن الكفر والدخول في الإِيمان والطاعة على دأب الأولياء في كظم الغيظ والترحم على الأعداء، أو ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره وأنه كان على حق، وقرئ «المكرمين» و«ما» خبرية أو مصدرية والباء صلة يَعْلَمُونَ أو استفهامية جاء على الأصل، والباء صلة غفر أي بأي شيء غَفَرَ لي، يريد به المهاجرة عن دينهم والمصابرة على أذيتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2400>[سورة يس (٣٦): آية ٢٨]</span>\nوَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)\nوَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ من بعد إهلاكه أو رفعه. مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لإِهلاكهم كما أرسلنا يوم بدر والخندق بل كفينا أمرهم بصيحة ملك، وفيه استحقار لإِهلاكهم وإيماء بتعظيم الرسول ﵇.\nوَما كُنَّا مُنْزِلِينَ وما صح في حكمتنا أن ننزل جندًا لإِهلاك قومه إذ قدرنا لكل شيء سببًا وجعلنا ذلك سببًا لانتصارك من قومك، وقيل مَا موصولة معطوفة على جُنْدٍ أي ومما كنا منزلين على من قبلهم من","vol":"4","page":266},{"text":"حجارة وريح وأمطار شديدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2401>[سورة يس (٣٦): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nإِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠)\nإِنْ كانَتْ ما كانت الأخذة أو العقوبة. إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً صاح بها جبريل ﵇، وقرئت بالرفع على كان التامة. فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ميتون، شبهوا بالنار رمزًا إلى أن الحي كالنار الساطعة والميت كرمادها كما قال لبيد:\nوَمَا المَرْءُ إِلاَّ كَالشّهَابِ وَضَوْئِه ... يَحُورُ رَمَادًا بَعْدَ إِذْ هُوَ سَاطِعُ\nيا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ تعالي فهذه من الأحوال التي من حقها أن تحضري فيها، وهي ما دل عليها:\nمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ فإن المستهزئين بالناصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدارين أحقاء بأن يتحسروا ويتحسر عليهم، وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين، ويجوز أن يكون تحسرًا من الله عليهم على سبيل الاستعارة لتعظيم ما جنوه على أنفسهم ويؤيده قراءة يا حَسْرَتى ونصبها لطولها بالجار المتعلق بها، وقيل بإضمار فعلها والمنادى محذوف، وقرئ «يا حسرة العباد» بالإِضافة إلى الفاعل أو المفعول، و«يا حسرة» بالهاء على العباد بإجراء الوصل مجرى الوقف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2402>[سورة يس (٣٦): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nأَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)\nأَلَمْ يَرَوْا ألم يعلموا وهو معلق عن قوله: كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ لأن كَمْ لا يعمل فيها ما قبلها وإن كانت خبرية لأن أصلها الاستفهام. أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ بدل من كَمْ على المعنى أي ألم يروا كثرة إهلاكنا من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم، وقرئ بالكسر على الاستئناف.\nوَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ يوم القيامة للجزاء، وإِنْ مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة و«ما» مزيدة للتأكيد، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة لَمَّا بالتشديد بمعنى إلا فتكون إن نافية وجميع فعيل بمعنى مفعول، ولَدَيْنا ظرف له أو ل مُحْضَرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2403>[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nوَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)\nوَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ وقرأ نافع بالتشديد. أَحْيَيْناها خبر ل الْأَرْضُ، والجملة خبر آيَةٌ أو صفة لها إذ لم يرد بها معينة وهي الخبر أو المبتدأ والآية خبرها، أو استئناف لبيان كونها آيَةٌ. وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا جنس الحب. فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ قدم الصلة للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به.\nوَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ من أنواع النخل والعنب، ولذلك جمعهما دون الحب فإن الدال على الجنس مشعر بالاختلاف ولا كذلك الدال على الأنواع، وذكر النخيل دون التمور ليطابق الحب والأعناب لاختصاص شجرها بمزيد النفع وآثار الصنع. وَفَجَّرْنا فِيها وقرئ بالتخفيف، والفجر والتفجير كالفتح والتفتيح لفظًا ومعنى. مِنَ الْعُيُونِ أي شيئًا من العيون، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، أو الْعُيُونِ ومِنْ مزيدة عند الأخفش.","vol":"4","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2404>[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nلِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦)\nلِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ثمر ما ذكر وهو الجنات، وقيل الضمير لله تعالى على طريقة الالتفات والإِضافة إليه لأن الثمر بخلقه، وقرأ حمزة والكسائي بضمتين وهو لغة فيه، أو جمع ثمار وقرئ بضمة وسكون. وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ عطف على الثمر والمراد ما يتخذ منه كالعصير والدبس ونحوهما، وقيل مَا نافية والمراد أن الثمر بخلق الله لا بفعلهم، ويؤيد الأول قراءة الكوفيين غير حفص بلا هاء فإن حذفه من الصلة أحسن من غيرها. أَفَلا يَشْكُرُونَ أمر بالشكر من حيث أنه إنكار لتركه.\nسُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها الأنواع والأصناف. مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ من النبات والشجر. وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ الذكر والأنثى. وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ وأزواجًا مما لم يطلعهم الله تعالى عليه ولم يجعل لهم طريقًا إلى معرفته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2405>[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nوَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)\nوَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ نزيله ونكشفه عن مكانه مستعار من سلخ الجلد والكلام في إعرابه ما سبق. فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ داخلون في الظلام.\nوَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها لحد معين ينتهي إليه دورها، فشبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو لكبد السماء فإن حركتها فيه يوجد فيها بطء بحيث يظن أن لها هناك وقفة قال:\nوَالشَّمْسُ حَيْرَى لَهَا بِالجَوِّ تَدْوِيمُ أو لاستقرار لها على نهج مخصوص، أو لمنتهى مقدر لكل يوم من المشارق والمغارب فإن لها في دورها ثلاثمائة وستين مشرقًا ومغربًا، تطلع كل يوم من مطلع وتغرب من مغرب ثم لا تعود إليهما إلى العام القابل، أو لمنقطع جريها عند خراب العالم. وقرئ «لا مستقر لها» أي لا سكون فإنها متحركة دائمًا و«لا مستقر» على أن «لا» بمعنى ليس. ذلِكَ الجري على هذا التقدير المتضمن للحكم التي تكل الفطن عن إحصائها. تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الغالب بقدرته على كل مقدور. الْعَلِيمِ\nالمحيط علمه بكل معلوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2406>[سورة يس (٣٦): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nوَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)\nوَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ قدرنا مسيره. مَنازِلَ أو سيره في منازل وهي ثمانية وعشرون: الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العواء، السماك، الغفر، الزبانا، الإِكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، الرشا، وهو بطن الحوت ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه، فإذا كان في آخر منازله وهو الذي يكون فيه قبيل الإِجتماع دق واستقوس، وقرأ الكوفيون وابن عامر وَالْقَمَرَ بنصب الراء. حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ كالشمراخ المعوج، فعلون من الانعراج وهو الاعوجاج، وقرئ «كالعرجون» وهما لغتان كالبزيون والبزيون. الْقَدِيمِ العتيق وقيل ما مر عليه حول فصاعدًا.\nلَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها يصح لها ويتسهل. أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ في سرعة سيره فإن ذلك يخل بتكون","vol":"4","page":268},{"text":"النبات وتعيش الحيوان، أو في آثاره ومنافعه أو مكانه بالنزول إلى محله، أو سلطانه فتطمس نوره، وإيلاء حرف النفي الشَّمْسُ للدلالة على أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد بها. وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ يسبقه فيفوته ولكن يعاقبه، وقيل المراد بهما آيتاهما وهما النيران، وبالسبق سبق القمر إلى سلطان الشمس فيكون عكسًا للأول وتبديل الإِدراك بالسبق لأنه الملائم لسرعة سيره. وَكُلٌّ وكلهم والتنوين عوض عن المضاف إليه، والضمير للشموس والأقمار فإن اختلاف الأحوال يوجب تعددًا ما في الذات، أو للكواكب فإن ذكرهما مشعر بهما. فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يسيرون فيه بانبساط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2407>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢)\nوَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ أولادهم الذين يبعثونهم إلى تجاراتهم، أو صبيانهم ونساءهم الذين يستصحبونهم، فإن الذرية تقع عليهن لأنهن مزارعها. وتخصيصهم لأن استقرارهم في السفن أشق وتماسكهم فيها أعجب، وقرأ نافع وابن عامر ذرياتهم. فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ المملوء، وقيل المراد فلك نوح ﵊، وحمل الله ذرياتهم فيها أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين وفي أصلابهم هم وذرياتهم، وتخصيص الذرية لأنه أبلغ في الامتنان وأدخل في التعجب مع الإِيجاز.\nوَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ من مثل الفلك. مَا يَرْكَبُونَ من الإِبل فإنها سفائن البر أو من السفن والزوارق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2408>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nوَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٤٤)\nوَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ فلا مغيث لهم يحرسهم عن الغرق، أو فلا إغاثة كقولهم أتاهم الصريخ. وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ينجون من الموت به.\nإِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إلا لرحمة ولتمتيع بالحياة. إِلى حِينٍ زمان قدر لآجالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2409>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ الوقائع التي خلت أو العذاب المعد في الآخرة، أو نوازل السماء ونوائب الأرض كقوله: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة أو عكسه، أو ما تقدم من الذنوب وما تأخر. لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لتكونوا راجين رحمة الله، وجواب إذا محذوف دل عليه قوله: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ كأنه قال وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا العذاب أعرضوا لأنهم اعتادوه وتمرنوا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2410>[سورة يس (٣٦): آية ٤٧]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ على محاويجكم. قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالصانع يعني معطلة كانوا بمكة. لِلَّذِينَ آمَنُوا تهكمًا بهم من إقرارهم به وتعليقهم الأمور بمشيئته. أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ على زعمكم، وقيل قاله مشركو قريش حين استطعمهم فقراء المؤمنين إيهامًا بأن الله تعالى لما كان قادرًا أن يطعمهم ولم يطعمهم فنحن أحق بذلك، وهذا من فرط جهالتهم فإن الله يطعم بأسباب منها حث الأغنياء على إطعام الفقراء وتوفيقهم له. إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ حيث أمرتمونا ما يخالف مشيئة الله، ويجوز أن","vol":"4","page":269},{"text":"يكون جوابًا من الله لهم أو حكاية لجواب المؤمنين لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2411>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٨ الى ٥٠]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعنون وعد البعث.\nمَا يَنْظُرُونَ ما ينتظرون. إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً هي النفخة الأولى. تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ يتخاصمون في متاجرهم ومعاملاتهم لا يخطر ببالهم أمرها كقوله: أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ وأصله يختصمون فسكنت التاء وأدغمت ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين، وقرأ أبو بكر بكسر الياء للاتباع، وقرأ ابن كثير وورش وهشام بفتح الخاء على إلقاء حركة التاء إليه، وأبو عمرو وقالون به مع الإِختلاس وعن نافع الفتح فيه والإِسكان والتشديد وكأنه جوز الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني مدغمًا، وقرأ حمزة يَخِصِّمُونَ من خصمه إذا جادله.\nفَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً في شيء من أمورهم. وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ فيروا حالهم بل يموتون حيث تبغتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2412>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ أي مرة ثانية وقد سبق تفسيره في سورة «المؤمنين» . فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ من القبور جمع جدث وقرئ بالفاء. إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ يسرعون وقرئ بالضم.\nقالُوا يا وَيْلَنا وقرئ «يا ويلتنا» مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا وقرئ «من أهبنا» من هب من نومه إذا انتبه ومن هبنا بمعنى أهبنا، وفيه ترشيخ ورمز وإشعار بأنهم لاختلاط عقولهم يظنون أنهم كانوا نياما، ومَنْ بَعَثَنا و«من هبنا» على من الجارة والمصدر، وسكت حفص وحده عليها سكتة لطيفة والوقف عليها في سائر القراءات حسن. هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ مبتدأ وخبر وما مصدرية، أو موصولة محذوفة الراجع، أو هذا صفة ل مَرْقَدِنا وما وَعَدَ خبر محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف أي هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ، أو مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ حق وهو من كلامهم، وقيل جواب للملائكة أو المؤمنين عن سؤالهم، معدول عن سننه تذكيرًا لكفرهم وتقريعًا لهم عليه وتنبيهًا بأن الذي يهمهم هو السؤال عن البعث دون الباعث كأنهم قالوا: بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأرسل إليكم الرسل فصدقوكم وليس الأمر كما تظنون، فإنه ليس يبعث النائم فيهمكم السؤال عن الباعث وإنما هو البعث الأكبر ذو الأهوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2413>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nإِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)\nإِنْ كانَتْ ما كانت الفعلة. إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً هي النفخة الأخيرة، وقرئت بالرفع على كان التامة.\nفَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ بمجرد تلك الصيحة وفي كل ذلك تهوين أمر البعث والحشر واستغناؤهما عن الأسباب التي ينوطان بها فيما يشاهدونه.\nفَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حكاية لما يقال لهم حينئذ تصويرًا للموعود","vol":"4","page":270},{"text":"وتمكينًا له في النفوس وكذا قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2414>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nإِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦)\nإِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ متلذذون في النعمة من الفكاهة، وفي تنكير شُغُلٍ وإبهامه تعظيم لما هم فيه من البهجة والتلذذ، وتنبيه على أنه أعلى ما يحيط به الأفهام ويعرب عن كنهه الكلام، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو فِي شُغُلٍ بالسكون، ويعقوب في رواية «فكهون» للمبالغة وهما خبران ل إِنَّ، ويجوز أن يكون فِي شُغُلٍ صلة ل فاكِهُونَ، وقرئ «فكهون» بالضم وهو لغة كنطس ونطس «وفاكهين» «وفكهين» على الحال من المستكن في الظرف، وشُغُلٍ بفتحتين وفتحة وسكون والكل لغات.\nهُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ جمع ظل كشعاب أو ظلة كقباب ويؤيده قراءة حمزة والكسائي في «ظلل» .\nعَلَى الْأَرائِكِ على السرر المزينة. مُتَّكِؤُنَ وهُمْ مبتدأ خبره فِي ظِلالٍ، وعَلَى الْأَرائِكِ جملة مستأنفة أو خبر ثان أو مُتَّكِؤُنَ والجاران صلتان له، أو تأكيد للضمير في شغل أو في فاكهون، وعلى الأرائك متكئون خبر آخر لإِن وأزواجهم عطف على هُمْ للمشاركة في الأحكام الثلاثة، وفِي ظِلالٍ حال من المعطوف والمعطوف عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2415>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nلَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)\nلَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ما يدعون به لأنفسهم يفتعلون من الدعاء كاشتوى واجتمل إذا شوى وجمل لنفسه، أو ما يتداعونه كقولك ارتموه بمعنى تراموه، أو يتمنون من قولهم ادع علي ما شئت بمعنى تمنه علي، أو ما يدعونه في الدنيا من الجنة ودرجاتها وما موصولة أو موصوفة مرتفعة بالابتداء، ولَهُمْ خبرها وقوله:\nسَلامٌ بدل منها أو صفة أخرى، ويجوز أن يكون خبرها أو خبرها محذوف أو مبتدأ محذوف الخبر أي ولهم سلام، وقرئ بالنصب على المصدر أو الحال أي لهم مرادهم خالصًا. قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ أي يقول الله أو يقال لهم قولًا كائنًا من جهته، والمعنى أن الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة أو بغير واسطة تعظيمًا لهم وذلك مطلوبهم ومتمناهم، ويحتمل نصبه على الاختصاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2416>[سورة يس (٣٦): الآيات ٥٩ الى ٦١]</span>\nوَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)\nوَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ وانفردوا عن المؤمنين وذلك حين يسار بهم إلى الجنة كقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ. وقيل اعتزلوا من كل خير أو تفرقوا في النار فإن لكل كافر بيتًا ينفرد به لا يرى ولا يرى.\nأَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ من جملة ما يقال لهم تقريعًا وإلزامًا للحجة، وعهده إليهم ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادته الزاجرة عن عبادة غيره وجعلها عبادة الشيطان، لأنه الآمر بها والمزين لها، وقرئ «أَعْهَدْ» بكسر حرف المضارعة و«أحهد» و«أحد» على لغة بني تميم.\nإِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تعليل للمنع عن عبادته بالطاعة فيما يحملهم عليه.\nوَأَنِ اعْبُدُونِي عطف على أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا. هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ إشارة إلى ما عهد إليهم أو إلى عبادته، فالجملة استئناف لبيان المقتضي للعهد بشقيه أو بالشق الآخر، والتنكير للمبالغة والتعظيم، أو للتبعيض","vol":"4","page":271},{"text":"فإن التوحيد سلوك بعض الطريق المستقيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2417>[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٢ الى ٦٤]</span>\nوَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًاّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)\nوَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ رجوع إلى بيان معاداة الشيطان مع ظهور عداوته ووضوح إضلاله لمن له أدنى عقل ورأي، والجبل الخلق، وقرأ يعقوب بضمتين وابن كثير وحمزة والكسائي بهما مع تخفيف اللام وابن عامر وأبو عمرو بضمة وسكون مع التخفيف والكل لغات، وقرئ «جِبِلًاّ» جمع جبلة كخلقة وخلق و«جيلًا» واحد الأجيال.\nهذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.\nاصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ذوقوا حرها اليوم بكفركم في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2418>[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nالْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦)\nالْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ نمنعها عن الكلام. وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بظهور آثار المعاصي عليها ودلالتها على أفعالها، أو إنطاق الله إياها\nوفي الحديث «إنهم يجحدون ويخاصمون فيختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم» .\nوَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ لمسحنا أعينهم حتى تصير ممسوحة. فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فاستبقوا إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه، وانتصابه بنزع الخافض أو بتضمين الاستباق معنى الابتدار، أو جعل المسبوق إليه مسبوقًا على الاتساع أو بالظرف. فَأَنَّى يُبْصِرُونَ الطريق وجهة السلوك فضلا عن غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2419>[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nوَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨)\nوَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ بتغيير صورهم وإبطال قواهم. عَلى مَكانَتِهِمْ مكانهم بحيث يجمدون فيه، وقرأ أبو بكر «مكاناتهم» . فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ذهابًا. وَلا يَرْجِعُونَ ولا رجوعًا فوضع الفعل موضعه للفواصل، وقيل لاَ يَرْجِعُونَ عن تكذيبهم، وقرئ «مُضِيًا» بإتباع الميم الضاد المكسورة لقلب الواو ياء كالعتي والعتي و«مضيا» كصبي، والمعنى أنهم بكفرهم ونقضهم ما عهد إليهم أحقاء بأن يفعل بهم ذلك لكنا لم نفعل لشمول الرحمة لهم واقتضاء الحكمة إمهالهم.\nوَمَنْ نُعَمِّرْهُ ومن نطل عمره. نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ نقلبه فيه فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاض بنيته وقواه عكس ما كان عليه بدء أمره، وابن كثير على هذه يشبع ضمة الهاء على أصله، وقرأ عاصم وحمزة نُنَكِّسْهُ من التنكيس وهو أبلغ والنكس أشهر. أَفَلا يَعْقِلُونَ أن من قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ فإنه مشتمل عليهما وزيادة غير أنه على تدرج، وقرأ نافع برواية ابن عامر وابن ذكوان ويعقوب بالتاء لجري الخطاب قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2420>[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nوَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠)","vol":"4","page":272},{"text":"وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ رد لقولهم إن محمدًا شاعر أي ما علمناه الشعر بتعليم القرآن، فإنه لا يماثله لفظًا ولا معنى لأنه غير مقفى ولا موزون، وليس معناه ما يتوخاه الشعراء من التخيلات المرغبة والمنفرة ونحوها.\nوَما يَنْبَغِي لَهُ وما يصح له الشعر ولا يتأتى له إن أراد قرضه على ما خبرتم طبعه نحوًا من أربعين سنة،\nوقوله ﵊: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب»\nوقوله: هَلٌ أَنَتَ إلا إِصبعٌ دَميت وفي سَبِيلِ الله مَا لقيتِ\nاتفاقيٌ من غير تكلف وقصد منه إلى ذلك، وقد يقع مثله كثيرًا في تضاعيف المنثورات على أن الخليل ما عد المشطور من الرجز شعرًا، هذا وقد روي أنه حرك الباءين وكسر التاء الأولى بلا إشباع وسكن الثانية، وقيل الضمير لل قُرْآنٌ أي وما يصح للقرآن أن يكون شعرًا. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ عظة وإرشاد من الله تعالى.\nوَقُرْآنٌ مُبِينٌ وكتاب سماوي يتلى في المعابد، ظاهر أنه ليس من كلام البشر لما فيه من الإِعجاز.\nلِيُنْذِرَ القرآن أو الرسول ﷺ، ويؤيده قراءة نافع وابن عامر ويعقوب بالتاء. مَنْ كانَ حَيًّا عاقلًا فهما فإن الغافل كالميت، أو مؤمنًا في علم الله تعالى فإن الحياة الأبدية بالإِيمان، وتخصيص الإِنذار به لأنه المنتفع به. وَيَحِقَّ الْقَوْلُ وتجب كلمة العذاب. عَلَى الْكافِرِينَ المصرين على الكفر، وجعلهم في مقابلة من كان حيًا إشعارًا بأنهم لكفرهم وسقوط حجتهم وعدم تأملهم أموات في الحقيقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2421>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧١ الى ٧٣]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣)\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا، وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها استعارة تفيد مبالغة في الاختصاص، والتفرد بالإِحداث. أَنْعامًا خصها بالذكر لما فيها من بدائع الفطرة وكثرة المنافع. فَهُمْ لَها مالِكُونَ متملكون لها بتمليكنا إياها، أو متمكنون من ضبطها والتصرف فيها بتسخيرنا إياها لهم قال:\nأَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَحَ وَلا ... أَمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إِنْ نَفَرَا\nوَذَلَّلْناها لَهُمْ وصيرناها منقادة لهم. فَمِنْها رَكُوبُهُمْ مركوبهم، وقرئ «ركوبتهم»، وهي بمعناه كالحلوب والحلوبة، وقيل جمعه وركوبهم أي ذو ركوبهم أو فمن منافعها رَكُوبُهُمْ. وَمِنْها يَأْكُلُونَ أي ما يأكلون لحمه.\nوَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ من الجلود والأصواف والأوبار. وَمَشارِبُ من اللبن جمع مشرب بمعنى الموضع، أو المصدر وأمال الشين ابن عامر وحده برواية هشام. أَفَلا يَشْكُرُونَ نعم الله في ذلك إذ لولا خلقه لها وتذليله إياها كيف أمكن التوسل إلى تحصيل هذه المنافع المهمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2422>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٤ الى ٧٦]</span>\nوَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)\nوَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أشركوها به في العبادة بعد ما رأوا منه تلك القدرة الباهرة والنعم المتظاهرة، وعلموا أنه المتفرد بها. لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ رجاء أن ينصروهم فيما حزبهم من الأمور والأمر بالعكس لأنهم.","vol":"4","page":273},{"text":"لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ لآلهتهم. جُنْدٌ مُحْضَرُونَ معدون لحفظهم والذب عنهم، أو مُحْضَرُونَ أثرهم في النار.\nفَلا يَحْزُنْكَ فلا يهمك، وقرئ بضم الياء من أحزن. قَوْلُهُمْ في الله بالإِلحاد والشرك، أو فيك بالتكذيب والتهجين. إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ فنجازيهم عليه وكفى ذلك أن تتسلى به، وهو تعليل للنهي على الاستئناف ولذلك لو قرئ إِنَّا بالفتح على حذف لام التعليل جاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2423>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٧ الى ٧٨]</span>\nأَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)\nأَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر، وفيه تقبيح بليغ لإِنكاره حيث عجب منه وجعله إفراطًا في الخصومة بينا ومنافاة لجحود القدرة على ما هو أهون مما عمله في بدء خلقه، ومقابلة النعمة التي لا مزيد عليها وهي خلقه من أخس شيء وأمهنه شريفًا مكرمًا بالعقوق والتكذيب.\nروي «أن أُبَي بن خلف أتى النبي ﷺ بعظم بال يفتته بيده وقال:\nأترى الله يحيي هذا بعد ما رم، فقال ﵊: نعم ويبعثك ويدخلك النار فنزلت.\nوقيل معنى فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ فإذا هو بعد ما كان ماء مهينًا مميز منطيق قادر على الخصام معرب عما في نفسه.\nوَضَرَبَ لَنا مَثَلًا أمرًا عجيبًا وهو نفي القدرة على إحياء الموتى، أو تشبيهه بخلقه بوصفه بالعجز عما عجزوا عنه. وَنَسِيَ خَلْقَهُ خلقنا إياه. قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ منكرًا إياه مستبعدًا له، والرميم ما بلي من العظام، ولعله فعيل بمعنى فاعل من رم الشيء صار اسمًا بالغلبة ولذلك لم يؤنث، أو بمعنى مفعول من رممته. وفيه دليل على أن العظم ذو حياة فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2424>[سورة يس (٣٦): الآيات ٧٩ الى ٨٠]</span>\nقُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)\nقُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ فإن قدرته كما كانت لامتناع التغير فيه والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها. وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ يعلم تفاصيل المخلوقات بعلمه وكيفية خلقها، فيعلم أجزاء الأشخاص المتفتتة المتبددة أصولها وفصولها ومواقعها وطريق تمييزها، وضم بعضها إلى بعض على النمط السابق وإعادة الأعراض والقوى التي كانت فيها أو إحداث مثلها.\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ كالمرخ والعفار. نَارًا بأن يسحق المرخ على العفار وهما خضراوان يقطر منهما الماء فتنقدح النار. فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ لا تشكون في أنها نار تخرج منه، فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفيتها كان أقدر على إعادة الغضاضة فيما كان غضًا فيبس وبلي، وقرئ «من الشجر الخضراء» على المعنى كقوله فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2425>[سورة يس (٣٦): الآيات ٨١ الى ٨٢]</span>\nأَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)\nأَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مع كبر جرمهما وعظم شأنهما. بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ في الصغر والحقارة بالإِضافة إليهما، أو مثلهم في أصول الذات وصفاتها وهو المعاد، وعن يعقوب «يقدر» .\nبَلى جواب من الله تعالى لتقرير ما بعد النفي مشعر بأنه لا جواب سواه. وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ كثير","vol":"4","page":274},{"text":"المخلوقات والمعلومات.\nإِنَّما أَمْرُهُ إِنَّمَا شأنه. إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ أي تكون. فَيَكُونُ فهو يكون أي يحدث، وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة قطعًا لمادة الشبهة، وهو قياس قدرة الله تعالى على قدرة الخلق، ونصبه ابن عامر والكسائي عطفًا على يَقُولَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2426>[سورة يس (٣٦): آية ٨٣]</span>\nفَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)\nفَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ تنزيه عما ضربوا له، وتعجيب عما قالوا فيه معللًا بكونه مالكًا للأمر كله قادرًا على كل شيء. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وعد ووعيد للمقرين والمنكرين، وقرأ يعقوب بفتح التاء.\nوعن ابن عباس ﵁: كنت لا أعلم ما روي في فضل يس كيف خصت به فإذا أنه بهذه الآية.\nوعنه ﵊ «إن لكل شيء قلبًا وقلب القرآن يس، وأيما مسلم قرأها يريد بها وجه الله غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة، وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفًا يصلون عليه ويستغفرون له، ويشهدون غسله ويشيعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بشربة من الجنة، فيشربها وهو على فراشه، فيقبض روحه وهو ريان، ويمكث في قبره وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان» .\nتم بحمد الله وحسن توفيقه طبع الجزء الرابع من تفسير البيضاوي في مطابع دار إحياء التراث العربي- بيروت الزاهرة، أدامها الله لطبع المزيد من الكتب النافعة، وآخر دعوانا أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين والعاقبة للمتّقين ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم","vol":"4","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2427>محتوى الجزء الرابع من تفسير البيضاوي</span>\nتفسير سورة مريم ٥\nبيان الحكم الّذي آتاه الله يحيى ﵇ وهو صبي ٧\nبيان ما ذهبت إليه النسطورية والملكانية في السيد عيسى ﵇ ١٠\nبيان ما قام به إبراهيم ﵇ مع أبيه من النصيحة والأدب ١١\nبيان ما يلزم قارئ القرآن من البكاء ١٤\nبيان ورود المؤمنين وغيرهم على النار ١٧\nتفسير سورة طه ٢٢\nبيان سبب العقدة الّتي كانت في لسان سيدنا موسى ﵇ ٢٦\nبيان المحبة الّتي أعطاها الله لسيدنا موسى في صغره ٢٧\nبيان الخطأ والنسيان واستحالتهما على الله تعالى ٢٩\nبيان ما صنعته السحرة من السحر لموسى ﵇ ٣١\nبيان أصل موسى السامريّ وما فعله ٣٤\nبيان ما كان عليه آدم ﵇ من الحلم ٤٠\nتفسير سورة الأنبياء ٤٥\nبيان الفرق بين إلا الاستثنائية والّتي بمعنى غير ٤٨\nبيان معنى رتق الأرض والسموات وفتقهما ٥٠\nبيان ما فعل بإبراهيم ﵇ حين رمي في النار وما قاله ٥٥\nبيان الخصومة الّتي عرضت على داود وسليمان وحكم كل فيها وبيان الحكم في شريعتنا ٥٧\nتفسير سورة الحج ٦٤\nبيان الخلاف في جواز بيع دور الحرم وإجارتها وبسط الدليل لكل ٦٩\nبيان ما كان يفعله أهل الجاهلية مع المسلمين في ابتداء الأمر ٧٢\nبيان الفرق بين النبي والرسول وبيان عدد الأنبياء ٧٥\nبيان ما قيل في الغرانيق ٧٦\nبيان السجدة الثانية من تلك السورة ٨٠\nتفسير سورة المؤمنون ٨٢","vol":"4","page":277},{"text":"بيان ما في عصا موسى ﵇ من الآيات ٨٨\nبيان معنى فساد السموات عند اتباع الحق الأهواء ٩٢\nتفسير سورة النور ٩٨\nبيان معنى الإحصان وبيان الخلاف في أن التائب عن القذف تقبل شهادته أم لا؟ ٩٩\nبيان أسباب حديث الإفك ١٠٠\nبيان أن القاذف لأزواج النبي هل له توبة أم لا؟ ١٠٣\nبيان الأربعة الذين برأهم الله ١٠٤\nبيان ما يجوز إظهاره للمرأة من زينتها وبدنها ١٠٤\nبيان الكتابة للأرقاء ١٠٦\nبيان معنى النور ووجه إطلاقه على الله تعالى ١٠٧\nبيان ما قيل في المطر والسحاب والبرد والثلج ١١٠\nتفسير سورة الفرقان ١١٧\nبيان السبب في إحباط أعمال الكفار ١٢٢\nبيان السبب الّذي يدعو إلى التوكل ١٢٩\nتفسير سورة الشعراء ١٣٣\nبيان أنّ الواجب تعالى لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية ١٣٦\nبيان أنّ الموت لأهل الكمال وصلة إلى نيل المحاب ١٤١\nبيان أن المعاني الروحانية تتنزل أولًا على الروح، ثم منها إلى القلب، ثم منه إلى الدماغ ١٤٩\nتفسير سورة النمل ١٥٤\nبيان ما أوتيه سليمان ﵇ من معرفة منطق الطير ١٥٦\nبيان السبب في تفقد سليمان الطير حتى علم بغياب الهدهد ١٥٧\nبيان أنّ إحضار عرش بلقيس من المعجزات ١٦١\nبيان الدابة الّتي تخرج آخر الزمان تكلّم النّاس ١٦٧\nتفسير سورة القصص ١٧١\nبيان المدينة الّتي دخلها موسى ﵇ ١٧٤\nبيان الشروط الّتي جرى عقد زواج موسى عليها ١٧٥\nبيان معنى الاختيار ١٨٣\nبيان نسب قارون وأسباب حسده ١٨٥","vol":"4","page":278},{"text":"تفسير سورة العنكبوت ١٨٨\nبيان معنى المجادلة بالتي هي أحسن ١٩٦\nتفسير سورة الروم ٢٠١\nبيان أن آية فسبحان الله، جامعة للصلوات الخمس وبيان فضلها ٢٠٣\nبيان الأسباب الّتي تقتضي عدم التوكل ٢١١\nتفسير سورة لقمان ٢١٢\nبيان نسب لقمان ومعنى الحكمة ٢١٣\nتفسير سورة السجدة ٢١٩\nتفسير سورة الأحزاب ٢٢٤\nبيان معنى كون النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ٢٢٥\nبيان غزوة الخندق ٢٢٦\nبيان غزوة بني قريظة ٢٢٩\nبيان زواجه ﷺ زينب بنت جحش ٢٣٢\nبيان وجوب الصلاة والسلام عليه ﷺ ٢٣٧\nتفسير سورة سبأ ٢٤١\nبيان معنى تسبيح الجبال والطير مع داود ﵇ ٢٤٣\nبيان كيفية موت سليمان ﵇ وما فيه من الآيات ٢٤٤\nبيان نسب سبأ ومسكنهم ٢٤٤\nبيان ما فعل بسبإ وتخريب ديارهم ٢٤٥\nتفسير سورة فاطر الملائكة ٢٥٣\nتفسير سورة يس ٢٦٣\nبيان رسل عيسى ﵇ إلى أنطاكية وما فعلوه ٢٦٤\nبيان العذاب الّذي فعل بأصحاب القرية ٢٦٧","vol":"4","page":279},{"text":"[الجزء الخامس]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2428>(٣٧) سورة الصافات</span>\nمكية وآيها مائة واثنتان وثمانون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2429>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا (٣)\nوَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا أقسم بالملائكة الصافين في مقام العبودية، على مراتب باعتبارها تفيض عليهم الأنوار الإِلهية، منتظرين لأمر الله الزاجرين الأجرام العلوية والسفلية بالتدبير المأمور به فيها، أو الناس عن المعاصي بإلهام الخير، أو الشياطين عن التعرض لهم التالين آيات الله وجلايا قدسه على أنبيائه وأولياءه، أو بطوائف الأجرام المرتبة كالصفوف المرصوصة والأرواح المدبرة لها والجواهر القدسية المستغرقة في بحار القدس يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفْتُرُونَ أو بنفوس العلماء الصافين في العبادات الزاجرين عن الكفر والفسوق بالحجج والنصائح التالين آيات الله وشرائعه، أو بنفوس الغزاة الصافين في الجهاد الزاجرين الخيل، أو العدو التالين ذكر الله لا يشغلهم عنه مباراة العدو والعطف لاختلاف الذوات، أو الصفات والفاء لترتيب الوجود كقوله:\nيا لهف زيابة للحارث الص ... ابح فالغانم فالآئب\nفإن الصف كمال والزجر تكميل بالمنع عن الشر، أو الإِشاقة إلى قبول الخير والتلاوة إفاضته أو الرتبة\nكقوله ﵊ «رحم الله المحلقين فالمقصرين»\nغير أنه لفضل المتقدم على المتأخر وهذا للعكس، وأدغم أبو عمرو وحمزة التاءات فيما يليها لتقاربها فإنها من طرف اللسان وأصول الثنايا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2430>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nإِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥)\nإِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ جواب للقسم والفائدة فيه تعظيم المقسم به وتأكيد المقسم عليه على ما هو المألوف في كلامهم، وأما تحقيقه فبقوله تعالى:\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ فإن وجودها وانتظامها على الوجه الأكمل مع إمكان غيره دليل على وجود الصانع الحكيم ووحدته على ما مر غير مرة، وَرَبُّ بدل من واحد أو خبر ثان أو خبر محذوف وما بينهما يتناول أفعال العباد فيدل على أنها من خلقه، والْمَشارِقِ مشارق الكواكب أو مشارق الشمس في السنة وهي ثلاثمائة وستون مشرقًا، تشرق كل يوم في واحد وبحسبها تختلف المغارب، ولذلك اكتفى بذكرها مع أن الشروق أدل على القدرة وأبلغ في النعمة، وما قيل إنها مائة وثمانون إنما يصح لو لم تختلف أوقات الانتقال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2431>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nإِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧)\nإِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا القربى منكم. بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ بزينة هي الْكَواكِبِ والإِضافة للبيان، ويعضده قراءة حمزة ويعقوب وحفص بتنوين «زينة» وجر الْكَواكِبِ على إبدالها منه، أو بزينة هي لها","vol":"5","page":5},{"text":"كأضوائها وأوضاعها، أو بأن زينا الْكَواكِبِ فيها على إضافة المصدر إلى المفعول فإنها كما جاءت اسمًا كالليقة جاءت مصدرًا كالنسبة ويؤيده قراءة أبي بكر بالتنوين، والنصب على الأصل أو بأن زينتها الْكَواكِبِ على إضافته إلى الفاعل وركوز الثوابت في الكرة الثامنة وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينها وبين السماء الدنيا أن تحقق لم يقدح في ذلك، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة متلألئة على سطحها الأزرق بأشكال مختلفة.\nوَحِفْظًا منصوب بإضمار فعله، أو العطف على «زينة» باعتبار المعنى كأنه قال إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء الدنيا وحفظًا. مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ خارج من الطاعة برمي الشهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2432>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nلاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)\nلاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى كلام مبتدأ لبيان حالهم بعد ما حفظ السماء عنهم، ولا يجوز جعله صفة لكل شيطان فإنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون، ولا علة للحفظ على حذف اللام كما في جئتك أن تكرمني ثم حذف أن وأهدرها كقوله:\nأَلا أَيّهذا الزَّاجِرِي أحضر الوغى فإن اجتماع ذلك منكر والضمير ل كُلِّ باعتبار المعنى، وتعدية السماع بإلى لتضمنه معنى الإِصغاء مبالغة لنفيه وتهويلًا لما يمنعهم عنه، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص بالتشديد من التسمع وهو طلب السماع والْمَلَإِ الْأَعْلى الملائكة وأشرافهم. وَيُقْذَفُونَ ويرمون. مِنْ كُلِّ جانِبٍ من جوانب السماء إذا قصدوا صعوده.\nدُحُورًا علة أي للدحور وهو الطرد، أو مصدر لأنه والقذف متقاربان، أو حال بمعنى مدحورين أو منزوع عنه الباء جمع دحر، وهو ما يطرد به ويقويه القراءة بالفتح وهو يحتمل أيضًا أن يكون مصدرًا كالقبول أو صفة له أي قذفًا دحورًا. وَلَهُمْ عَذابٌ أي عذاب آخر. واصِبٌ دائم أو شديد وهو عذاب الآخرة.\nإِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ استثناء من واو يَسَّمَّعُونَ ومن بدل منه، والخطف الاختلاس والمراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة ولذلك عرف الخطفة، وقرئ «خَطِفَ» بالتشديد مفتوح الخاء ومكسورها وأصلها اختطف. فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ أتبع بمعنى تبع، والشهاب ما يرى كأن كوكبًا انقض، وما قيل إنه بخار يصعد إلى الأثير فيشتعل فتخمين، إن صح لم يناف ذلك إذ ليس فيه ما يدل على أنه ينقض من الفلك ولا في قوله وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ فإن كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض وزينة للسماء من حيث إنه يرى كأنه على سطحه، ولا يبعد أن يصير الحادث كما ذكر في بعض الأوقات رجمًا لشياطين تتصعد إلى قرب الفلك للتسمع، وما\nروي أن ذلك حدث بميلاد النبي ﵊\nإن صح فلعل المراد كثرة وقوعه، أو مصيره دُحُورًا. واختلف في أن المرجوم يتأذى به فيرجع أو يحترق به لكن قد يصيب الصاعد مرة وقد لا يصيب كالموج لراكب السفينة ولذلك لا يرتدعون عنه رأسًا، ولا يقال إن الشيطان من النار فلا يحترق، لأنه ليس من النار الصرف كما أن الإِنسان ليس من التراب الخالص مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها. ثاقِبٌ مضيء كأنه يثقب الجو بضوئه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2433>[سورة الصافات (٣٧): آية ١١]</span>\nفَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١)\nفَاسْتَفْتِهِمْ فاستخبرهم والضمير لمشركي مكة أو لبني آدم. أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا يعني ما ذكر من الملائكة والسماء والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب الثواقب، ومَنْ لتغليب","vol":"5","page":6},{"text":"العقلاء ويدل عليه إطلاقه ومجيئه بعد ذلك، وقراءة من قرأ «أم من عددنا»، وقوله: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ فإنه الفارق بينهم وبينها لا بينهم وبين من قبلهم كعاد وثمود، وإن المراد إثبات المعاد ورد استحالته والأمر فيه بالإِضافة إليهم وإلى من قبلهم سواء، وتقريره أن استحالة ذلك إما لعدم قابلية المادة ومادتهم الأصلية هي الطين اللازب الحاصل من ضم الجزء المائي إلى الجزء الأرضي وهما باقيان قابلان للانضمام بعد، وقد علموا أن الإِنسان الأول إنما تولد منه إما لاعترافهم بحدوث العالم أو بقصة آدم وشاهدوا تولد كثير من الحيوانات منه بلا توسط مواقعة، فلزمهم أن يجوزوا إعادتهم كذلك، وإما لعدم قدرة الفاعل ومن قدر على خلق هذه الأشياء قدر على ما لا يعتد به بالإِضافة إليها سيما ومن ذلك بدؤهم أولًا وقدرته ذاتية لا تتغير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2434>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nبَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)\nبَلْ عَجِبْتَ من قدرة الله تعالى وإنكارهم للبعث. وَيَسْخَرُونَ من تعجبك وتقريرك للبعث، وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء أي بلغ كمال قدرتي وكثرة خلائقي أن تعجبت منها، وهؤلاء لجهلهم يسخرون منها. أو عجبت من أن ينكر البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يجوزه. والعجب من الله تعالى إما على الفرض والتخييل أو على معنى الاستعظام اللازم له فإنه روعة تعتري الإِنسان عند استعظامه الشيء، وقيل إنه مقدر بالقول أي: قال يا محمد بل عجبت.\nوَإِذا ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ وإذا وعظوا بشيء لا يتعظون به، أو إذا ذكر لهم ما يدل على صحة الحشر لا ينتفعون به لبلادتهم وقلة فكرهم.\nوَإِذا رَأَوْا آيَةً معجزة تدل على صدق القائل به. يَسْتَسْخِرُونَ يبالغون في السخرية ويقولون إنه سحر، أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2435>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٥ الى ١٨]</span>\nوَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨)\nوَقالُوا إِنْ هذا يعنون ما يرونه. إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ظاهر سحريته.\nأَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أصله انبعث إذا متنا فبدلوا الفعلية بالاسمية وقدموا الظرف وكرروا الهمزة مبالغة في الإِنكار، وإشعارًا بأن البعث مستنكر في نفسه وفي هذه الحالة أشد استنكارًا، فهو أبلغ من قراءة ابن عامر بطرح الهمزة الأولى وقراءة نافع والكسائي ويعقوب بطرح الثانية.\nأَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ عطف على محل إِنْ واسمها، أو على الضمير في «مبعوثون» فإنه مفصول منه بهمزة الاستفهام لزيادة الاستبعاد لبعد زمانهم، وسكن نافع برواية قالون وابن عامر الواو على معنى الترديد.\nقُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ صاغرون، وإنما اكتفى به في الجواب لسبق ما يدل على جوازه وقيام المعجز على صدق المخبر عن وقوعه، وقرئ «قَالَ» أي الله أو الرسول وقرأ الكسائي وحده نَعَمْ بالكسر وهو لغة فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2436>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nفَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)\nفَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ جواب شرط مقدر أي إذا كان ذلك فإنما البعثة زَجْرَةٌ أي صيحة واحدة،","vol":"5","page":7},{"text":"وهي النفخة الثانية من زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها وأمرها في الإِعادة كأمر كُنْ في الإِبداء ولذلك رتب عليها. فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ فإذا هم قيام من مراقدهم أحياء يبصرون، أو ينتظرون ما يفعل بهم.\nوَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ اليوم الذي نجازى بأعمالنا وقد تم به كلامهم وقوله:\nهذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ جواب الملائكة، وقيل هو أيضًا من كلام بعضهم لبعض والفصل القضاء، أو الفرق بين المحسن والمسيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2437>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nاحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣)\nاحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا أمر الله للملائكة، أو أمر بعضهم لبعض بحشر الظلمة من مقامهم إلى الموقف.\nوقيل منه إلى الجحيم. وَأَزْواجَهُمْ وأشباههم عابد الصنم مع عبدة الصنم وعابد الكوكب مع عبدته كقوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً أو نساءهم اللاتي على دينهم أو قرناءهم من الشياطين. وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأصنام وغيرها زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم، وهو عام مخصوص بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الآية، وفيه دليل على أن الَّذِينَ ظَلَمُوا هم المشركون. فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ فعرفوهم طريقًا ليسلكوها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2438>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٤ الى ٢٦]</span>\nوَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لاَ تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)\nوَقِفُوهُمْ احبسوهم في الموقف. إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ عن عقائدهم وأعمالهم والواو لا توجب الترتيب مع جواز أن يكون موقفهم متعددًا.\nمَا لَكُمْ لاَ تَناصَرُونَ لا ينصر بعضكم بعضًا بالتخليص، وهو توبيخ وتقريع.\nبَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ منقادون لعجزهم وانسداد الحيل عليهم، وأصل الاستسلام طلب السلامة أو متسالمون كأنه يسلم بعضهم بعضًا ويخذله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2439>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يعني الرؤساء والأتباع أو الكفرة والقرناء. يَتَساءَلُونَ يسأل بعضهم بعضًا للتوبيخ ولذلك فسر بيتخاصمون.\nقالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ عن أقوى الوجوه وأيمنها، أو عن الدين أو عن الخير كأنكم تنفعوننا نفع السانح فتبعناكم وهلكنا، مستعار من يمين الإِنسان الذي هو أقوى الجانبين وأشرفهما وأنفعهما ولذلك سمي يمينًا وتيمن بالسانح، أو عن القوة والقهر فتقسروننا على الضلال، أو عن الحلف فإنهم كانوا يحلفون لهم إنهم على الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2440>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٩ الى ٣٢]</span>\nقالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢)\nقالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.\nوَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ أجابهم الرؤساء أولًا بمنع إضلالهم بأنهم كانوا ضالين في أنفسهم، وثانيًا بأنهم ما أجبروهم على الكفر إذ لم يكن لهم عليهم تسلط وإنما جنحوا إليه لأنهم كانوا قومًا مختارين الطغيان.","vol":"5","page":8},{"text":"فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ.\nفَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ثم بينوا أن ضلال الفريقين ووقوعهم في العذاب كان أمرًا مقضيًا لا محيص لهم عنه، وإن غاية ما فعلوا بهم أنهم دعوهم إلى الغي لأنهم كانوا على الغي فأحبوا أن يكونوا مثلهم، وفيه إيماء بأن غوايتهم في الحقيقة ليست من قبلهم إذ لو كان كل غواية لإِغواء غاو فمن أغواهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2441>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nفَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)\nفَإِنَّهُمْ فإن الأتباع والمتبوعين. يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ كما كانوا مشتركين في الغواية.\nإِنَّا كَذلِكَ مثل ذلك الفعل. نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ بالمشركين لقوله تعالى:\nإِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ أي عن كلمة التوحيد، أو على من يدعوهم إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2442>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٣٦ الى ٣٩]</span>\nوَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)\nوَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ يعنون محمدًا ﵊.\nبَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ رد عليهم بأن ما جاء به من التوحيد حق قام به البرهان وتطابق عليه المرسلون.\nإِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ بالإشراك وتكذيب الرسل، وقرئ بنصب الْعَذابِ، على تقرير النون كقوله:\nوَلاَ ذَاكِرُ الله إِلاَّ قَلِيلًا وهو ضعيف في غير المحلى باللام وعلى الأصل.\nوَما تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إلا مثل ما عملتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2443>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٠ الى ٤٣]</span>\nإِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣)\nإِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناء منقطع إلا أن يكون الضمير في تُجْزَوْنَ لجميع المكلفين فيكون استثناؤهم عنه باعتبار المماثلة، فإن ثوابهم مضاعف والمنقطع أيضًا بهذا الاعتبار.\nأُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ خصائصه من الدوام، أو تمحض اللذة ولذلك فسره بقوله:\nفَواكِهُ فإن الفاكهة ما يقصد للتلذذ دون التغذي والقوت بالعكس، وأهل الجنة لما أعيدوا على خلقة محكمة محفوظة عن التحلل كانت أرزاقهم فواكه خالصة. وَهُمْ مُكْرَمُونَ في نيله يصل إليهم من غير تعب وسؤال كما عليه رزق الدنيا.\nفِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ في جنات ليس فيها إلا النعيم، وهو ظرف أو حال من المستكن في مُكْرَمُونَ، أو خبر ثان ل أُولئِكَ وكذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2444>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٤ الى ٤٧]</span>\nعَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧)","vol":"5","page":9},{"text":"عَلى سُرُرٍ يحتمل الحال أو الخبر فيكون: مُتَقابِلِينَ حالًا من المستكن فيه أو في مُكْرَمُونَ، وأن يتعلق ب مُتَقابِلِينَ فيكون حالًا من ضمير مُكْرَمُونَ.\nيُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ بإناء فيه خمر أو خمر كقوله: وَكَأْسٌ شُرِبَتْ عَلَى لَذَّةٍ. مِنْ مَعِينٍ من شراب معين أو نهر معين أي ظاهر للعيون، أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع. وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء، أو للإِشعار بأن ما يكون لهم بمنزلة الشراب جامع لما يطلب من أنواع الأشربة لكمال اللذة، وكذلك قوله:\nبَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وهما أيضًا صفتان لكأس، ووصفها ب لَذَّةٍ إما للمبالغة أو لأنها تأنيث لذ بمعنى لذيذ كطب ووزنه فعل قال:\nوَلَذّ كَطَعْم الصَرخديّ تَرَكْتُه ... بِأَرْضِ العِدَا مِنْ خَشْيَةِ الحَدَثَانِ\nلاَ فِيها غَوْلٌ غائلة كما في خمر الدنيا كالخمار من غاله يغوله إذا أفسده ومنه الغول. وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ يسكرون من نزف الشارب فهو نزيف ومنزوف إذا ذهب عقله، أفرده بالنفي وعطفه على ما يعمه لأنه من عظم فساده كأنه جنس برأسه، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي وتابعهما عاصم في «الواقعة» من أنزف الشارب إذا نفد عقله أو شرابه، وأصله للنفاد يقال نزف المطعون إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2445>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)\nوَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ قصرن أبصارهن على أزواجهن. عِينٌ نجل العيون جمع عيناء.\nكَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ شبههن ببيض النعام المصون عن الغبار ونحوه في الصفاء والبياض المخلوط بأدنى صفرة فإنه أحسن ألوان الأبدان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2446>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٠ الى ٥٣]</span>\nفَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)\nفَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ معطوف على يُطافُ عَلَيْهِمْ أي يشربون فيتحادثون على الشراب قال:\nوَمَا بَقِيَتْ مِنَ اللَّذَّاتِ إِلا ... أَحَادِيثُ الكِرَامِ عَلَى المُدَامِ\nوالتعبير عنه بالماضي للتأكيد فيه فإنه ألذ تلك اللذات إلى العقل، وتساؤلهم عن المعارف والفضائل وما جرى لهم وعليهم في الدنيا.\nقالَ قائِلٌ مِنْهُمْ في مكالمتهم. إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ جليس في الدنيا ...\nيَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ يوبخني على التصديق بالبعث، وقرئ بتشديد الصاد من التصدق.\nأَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ لمجزيون من الدين بمعنى الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2447>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nقالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥)\nقالَ أي ذلك القائل. هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين، وقيل القائل هو الله أو","vol":"5","page":10},{"text":"بعض الملائكة يقول لهم: هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار لأريكم ذلك القرين فتعلموا أين منزلتكم من منزلتهم؟ وعن أبي عمرو مُطَّلِعُونَ، فَاطَّلَعَ بالتخفيف وكسر النون وضم الألف على أنه جعل اطلاعهم سبب اطلاعه من حيث أن أدب المجالسة يمنع الاستبداد به، أو خاطب الملائكة على وضع المتصل موضع المنفصل كقوله:\nهُم الآمِرُونَ الخَيْرَ وَالفَاعِلُونَهُ أو شبه اسم الفاعل بالمضارع.\nفَاطَّلَعَ عليهم. فَرَآهُ أي قرينه. فِي سَواءِ الْجَحِيمِ وسطه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2448>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٥٦ الى ٥٩]</span>\nقالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)\nقالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ لتهلكني بالإغواء، وقرئ «لتغوين» وإِنْ هي المخففة واللام هي الفارقة.\nوَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي بالهداية والعصمة. لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ معك فيها.\nأَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ عطف على محذوف أي أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين، أي بمن شأنه الموت وقرئ «بمائتين» .\nإِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى التي كانت في الدنيا وهي متناولة لما في القبر بعد الإِحياء للسؤال، ونصبها على المصدر من اسم الفاعل. وقيل على الاستثناء المنقطع. وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ كالكفار، وذلك تمام كلامه لقرينه تقريعًا له أو معاودة إلى مكالمة جلسائه تحدثًا بنعمة الله، أو تبجحًا بها وتعجبًا منها وتعريضًا للقرين بالتوبيخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2449>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يحتمل أن يكون من كلامهم وأن يكون كلام الله لتقرير قوله والإِشارة إلى ما هم عليه من النعمة والخلود والأمن من العذاب.\nلِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ أي لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الانصرام، وهو أيضًا يحتمل الأمرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2450>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٢ الى ٦٦]</span>\nأَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)\nأَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ شجرة ثمرها نزل أهل النار، وانتصاب نُزُلًا على التمييز أو الحال وفي ذكره دلالة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقام للنازل ولهم وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار، وهو: اسم شجرة صغيرة الورق دفر مرة تكون بتهامة سميت به الشجرة الموصوفة.\nإِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ محنة وعذابًا لهم في الآخرة، أو ابتلاء في الدنيا فإنهم لما سمعوا أنها في النار قالوا كيف ذلك والنار تحرق الشجر، ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويلتذ بها فهو أقدر على خلق الشجر في النار وحفظه من الإِحراق.","vol":"5","page":11},{"text":"إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.\nطَلْعُها حملها مستعار من طلع التمر لمشاركته إياه في الشكل، أو الطلوع من الشجر. كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ في تناهي القبح والهول، وهو تشبيه بالمتخيل كتشبيه الفائق الحسن بالملك. وقيل الشَّياطِينِ حيات هائلة قبيحة المنظر لها أعراف، ولعلها سميت بها لذلك.\nفَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها من الشجرة أو من طلعها. فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ لغلبة الجوع أو الجبر على أكلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2451>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)\nثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها أي بعد ما شبعوا منها وغلبهم العطش وطال استسقاؤهم، ويجوز أن يكون ثم لما في شرابهم من مزيد الكراهة والبشاعة. لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ لشرابًا من غساق، أو صديد مشوبًا بماء حميم يقطع أمعاءهم، وقرئ بالضم وهو اسم ما يشاب به والأول مصدر سمي به.\nثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ مصيرهم. لَإِلَى الْجَحِيمِ إلى دركاتها أو إلى نفسها، فإن الزقوم والحميم نزل يقدم إليهم قبل دخولهم، وقيل الحميم خارج عنها لقوله تعالى: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ يوردون إليه كما تورد الإِبل إلى الماء ثم يردون إلى الجحيم، ويؤيده أنه قرئ «ثم إن منقلبهم» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2452>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٩ الى ٧٤]</span>\nإِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)\nإِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)\nإِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ تعليل لاستحقاقهم تلك الشدائد بتقليد الآباء في الضلال، والإِهراع: الإِسراع الشديد كأنهم يزعجون على الإِسراع على آثارِهِمْ، وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى ذلك من غير توقف على نظر وبحث.\nوَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ قبل قومك. أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ.\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ أنبياء أنذروهم من العواقب.\nفَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ من الشدة والفظاعة.\nإِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ إلا الذين تنبهوا بإنذارهم فأخلصوا دينهم لله، وقرئ بالفتح أي الذين أخلصهم الله لدينه والخطاب مع الرسول ﷺ، والمقصود خطاب قومه فإنهم أيضًا سمعوا أخبارهم ورأوا آثارهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2453>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٥ الى ٧٨]</span>\nوَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)\nوَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ شروع في تفصيل القصص بعد إجمالها، أي ولقد دعانا حين أيس من قومه. فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ أي فأجبناه أحسن الإجابة فو الله لنعم المجيبون نحن، فحذف منها ما حذف لقيام ما يدل عليه.\nوَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ من الغرق أو أذى قومه.","vol":"5","page":12},{"text":"وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ إذ هلك من عداهم وبقوا متناسلين إلى يوم القيامة، إذ\nروي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير بنيه وأزواجهم.\nوَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ من الأمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2454>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٩ الى ٨٢]</span>\nسَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)\nسَلامٌ عَلى نُوحٍ هذا الكلام جيء به على الحكاية والمعنى يسلمون عليه تسليمًا. وقيل هو سلام من الله عليه ومفعول تَرَكْنا محذوف مثل الثناء. فِي الْعالَمِينَ متعلق بالجار والمجرور ومعناه الدعاء بثبوت هذه التحية في الملائكة والثقلين جميعًا.\nإِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ تعليل لما فعل بنوح من التكرمة بأنه مجازاة له على إحسانه.\nإِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ تعليل لإِحسانه بالإِيمان إظهارًا لجلالة قدره وأصالة أمره.\nثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ يعني كفار قومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2455>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٣ الى ٨٧]</span>\nوَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧)\nوَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ ممن شايعه في الإِيمان وأصول الشريعة. لَإِبْراهِيمَ ولا يبعد اتفاق شرعهما في الفروع أو غالبًا، وكان بينهما ألفان وستمائة وأربعون سنة، وكان بينهما نبيان هود وصالح.\nإِذْ جاءَ رَبَّهُ متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة أو بمحذوف هو اذكر. بِقَلْبٍ سَلِيمٍ من آفات القلوب أو من العلائق خالص لله أو مخلص له، وقيل حزين من السليم بمعنى اللديغ. ومعنى المجيء به ربه: إخلاصه له كأنه جاء به متحفًا إياه.\nإِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ بدل من الأولى أو ظرف ل جاءَ أو سَلِيمٍ.\nأَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ أي تريدون آلهة دون الله إفكًا مقدم المفعول للعناية ثم المفعول له لأن الأهم أن يقرر أنهم على الباطل ومبنى أمرهم على الافك، ويجوز أن يكون إِفْكًا مفعولًا به وآلِهَةً بدل منه على أنها إفك في نفسها للمبالغة، أو المراد بها عبادتها بحذف المضاف أو حالًا بمعنى إفكين.\nفَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ بمن هو حقيق بالعبادة لكونه ربا للعالمين حتى تركتم عبادته، أو أشركتم به غيره أو أمنتم من عذابه، والمعنى إنكار ما يوجب ظنًا فضلًا عن قطع يصد عن عبادته، أو يجوز الإِشراك به أو يقتضي الأمن من عقابه على طريقة الإِلزام وهو كالحجة على ما قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2456>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٨٨ الى ٩٠]</span>\nفَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)\nفَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فرأى مواقعها واتصالاتها، أو في علمها أو في كتابها، ولا منع منه مع أن قصده إيهامهم وذلك حين سألوه أن يعبد معهم.\nفَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ أراهم أنه استدل بها لأنهم كانوا منجمين على أنه مشارف للسقم لئلا يخرجوه إلى معبدهم، فإنه كان أغلب أسقامهم الطاعون وكانوا يخافون العدوى، أو أراد إني سقيم القلب لكفركم، أو خارج المزاج عن الاعتدال خروجًا قل من يخلو منه أو بصدد الموت ومنه المثل: كفى بالسلامة داء، وقول لبيد:","vol":"5","page":13},{"text":"فَدَعَوْتُ رَبِّي بِالسَّلاَمَةِ جَاهِدا ... لِيُصحّنِي فَإِذَا السَّلاَمَةُ دَاءُ\nفَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ هاربين مخافة العدوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2457>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩١ الى ٩٣]</span>\nفَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)\nفَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فذهب إليها في خفية من روغة الثعلب وأصله الميل بحيلة. فَقالَ أي للأصنام استهزاء. أَلا تَأْكُلُونَ يعني الطعام الذي كان عندهم.\nمَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ بجوابي.\nفَراغَ عَلَيْهِمْ فمال عليهم مستخفيًا، والتعدية بعلى للاستعلاء وإن الميل لمكروه. ضَرْبًا بِالْيَمِينِ مصدر «لراغ عليهم» لأنه في معنى ضربهم، أو لمضمر تقديره فراغ عليهم يضربهم وتقييده باليمين للدلالة على قوته فإن قوة الآلة تستدعي قوة الفعل، وقيل بِالْيَمِينِ بسبب الحلف وهو قوله: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2458>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٤ الى ٩٦]</span>\nفَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦)\nفَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ إلى إبراهيم ﵊ بعد ما رجعوا فرأوا أصنامهم مكسرة وبحثوا عن كاسرها فظنوا أنه هو كما شرحه في قوله: مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا الآية. يَزِفُّونَ يسرعون من زفيف النعام. وقرى حمزة على بناء المفعول من أزفه أي يحملون على الزفيف. وقرئ «يَزِفُّونَ» أي يزف بعضهم بعضًا، و«يَزِفُّونَ» من وزف يزف إذا أسرع و«يَزِفُّونَ» من زفاه إذا حداه كأن بعضهم يزفو بعضًا لتسارعهم إليه قالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ما تنحتونه من الأصنام.\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ أي وما تعملونه فإن جوهرها بخلقه وشكلها وإن كان بفعلهم، ولذلك جعل من أعمالهم فبإقداره إياهم عليه وخلقه ما يتوقف عليه فعلهم من الدواعي والعدد، أو عملكم بمعنى معمولكم ليطابق ما تنحتون، أو إنه بمعنى الحدث فإن فعلهم إذا كان بخلق الله تعالى فيهم كان مفعولهم المتوقف على فعلهم أولى بذلك، وبهذا المعنى تمسك أصحابنا على خلق الأعمال ولهم أن يرجحوه على الأولين لما فيهما من حذف أو مجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2459>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٧ الى ٩٨]</span>\nقالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)\nقالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ في النار الشديدة من الجحمة وهي شدة التأجج، واللام بدل الإِضافة أي جحيم ذلك البنيان.\nفَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فإنه لما قهرهم بالحجة قصدوا تعذيبه بذلك لئلا يظهر للعامة عجزهم. فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ الأذلين بإبطال كيدهم وجعله برهانًا نيرًا على علو شأنه، حيث جعل النار عليه بردًا وسلاما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2460>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٩ الى ١٠١]</span>\nوَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)\nوَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي إلى حيث أمرني ربي وهو الشام، أو حيث أتجرد فيه لعبادته. سَيَهْدِينِ إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى مقصدي، وإنما بت القول لسبق وعده أو لفرط توكله، أو البناء على عادته معه ولم يكن كذلك حال موسى ﵊ حين قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ فلذلك ذكر بصيغة التوقع.\nرَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة، يعني الولد لأن لفظ الهبة غالب فيه ولقوله:","vol":"5","page":14},{"text":"فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ بشره بالولد وبأنه ذكر يبلغ أوان الحلم، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ويكون حليمًا وأي حلم مثل حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق فقال سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. وقيل ما نعت الله نبيًا بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه عليهما الصلاة والسلام، وحالهما المذكورة بعد تشهد عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2461>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٢ الى ١٠٣]</span>\nفَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)\nفَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي فلما وجد وبلغ أن يسعى معه في أعماله، ومَعَهُ متعلق بمحذوف دل عليه السَّعْيَ لا به لأن صلة المصدر لا تتقدمه ولا ب بَلَغَ فإن بلوغهما لم يكن معًا كأنه لَمَّا قال: فَلَمَّا بَلَغَ السعي فقيل مع من فقيل مَعَهُ، وتخصيصه لأن الأب أكمل في الرفق والاستصلاح له فلا يستسعيه قبل أوانه، أو لأنه استوهبه لذلك وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة. قالَ يَا بُنَيَّ وقرأ حفص بفتح الياء.\nإِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ يحتمل أنه رأى ذلك وأنه رأى ما هو تعبيره، وقيل إنه رأى ليلة التروية أن قائلًا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح روى أنه من الله أو من الشيطان، فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره وقال له ذلك، ولهذا سميت الأيام الثلاثة بالتروية وعرفة والنحر، والأظهر أن المخاطب إسماعيل ﵇ لأنه الذي وهب له أثر الهجرة ولأن البشارة بإسحاق بعد معطوفة على البشارة بهذا الغلام،\nولقوله ﵊ «أنا ابن الذبيحين» .\nفأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله، فإن جده عبد المطلب نذر أن يذبح ولدًا إن سهل الله له حفر زمزم أو بلغ بنوه عشرة، فلما سهل أقرع فخرج السهم على عبد الله ففداه بمائة من الإِبل، ولذلك سنت الدية مائة ولأن ذلك كان بمكة وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة ولأن البشارة بإسحاق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه فلا يناسبها الأمر بذبحه مراهقًا، وما\nروي أنه ﵊ سئل أي النسب أشرف فقال: يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن خليل الله فالصحيح أنه قال: «يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم»\nوالزوائد من الراوي.\nوما روي أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بفتح الياء فيهما.\nفَانْظُرْ مَاذَا تَرى من الرأي، وإنما شاوره فيه وهو حتم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله فيثبت قدمه إن جزع، ويأمن عليه إن سلم وليوطن نفسه عليه فيهون ويكتسب المثوبة بالانقياد له قبل نزوله، وقرأ حمزة والكسائي مَاذَا تَرى بضم التاء وكسر الراء خالصة، والباقون بفتحهما وأبو عمرو يميل فتحة الراء وورش بين بين والباقون بإخلاص فتحها. قالَ يَا أَبَتِ وقرأ ابن عامر بفتح التاء. افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ أي ما تؤمر به فحذفا دفعة، أو على الترتيب كما عرفت أو أمرك على إرادة المأمور به والإِضافة إلى المأمور، أو لعله فهم من كلامه أنه رأى أنه يذبحه مأمورًا به، أو علم أن رؤيا الأنبياء حق وأن مثل ذلك لا يقدمون عليه إلا بأمر، ولعل الأمر به في المنام دون اليقظة لتكون مبادرتهما إلى الامتثال أدل على كمال الانقياد والإخلاص، وإنما ذكر بلفظ المضارع لتكرر الرؤيا. سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ على الذبح أو على قضاء الله، وقرأ نافع بفتح الياء.\nفَلَمَّا أَسْلَما استسلما لأمر الله أو سلما الذبيح نفسه وإبراهيم ابنه، وقد قرئ بهما وأصلها سلم هذا لفلان إذا خلص له فإنه سلم من أن ينازع فيه. وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة. وقيل كبه على وجهه بإشارته لئلا يرى فيه تغيرًا يرق له فلا يذبحه، وكان ذلك عند الصخرة بمنى أو في الموضع المشرف على مسجده، أو المنحر الذي ينحر فيه اليوم.","vol":"5","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2462>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٤ الى ١٠٦]</span>\nوَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)\nوَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا بالعزم والإِتيان بالمقدمات.\nوقد روي أنه أمر السكين بقوته على حلقه مرارًا فلم تقطع\n، وجواب «لما» محذوف تقديره كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به المقال، من استبشارهما وشكرهما لله تعالى على ما أنعم عليهما من دفع البلاء بعد حلوله والتوفيق بما لم يوفق غيرهما لمثله، وإظهار فضلهما به على العالمين مع إحراز الثواب العظيم إلى غير ذلك. إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ تعليل لإِفراج تلك الشدة عنهما بإحسانهما، واحتج به من جوز النسخ قبل وقوعه فإنه ﵊ كان مأمورًا بالذبح لقوله يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ولم يحصل.\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ الابتلاء البين الذي يتميز فيه المخلص من غيره، أو المحنة البينة الصعوبة فإنه لا أصعب منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2463>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٧ الى ١١٠]</span>\nوَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)\nوَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ بما يذبح بدله فيتم به الفعل. عَظِيمٍ عظيم الجثة سمين، أو عظيم القدر لأنه يفدي به الله نبيًا ابن نبي وأي نبي من نسله سيد المرسلين. قيل كان كبشًا من الجنة. وقيل وعلًا أهبط عليه من ثبير.\nوروي أنه هرب منه عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فصارت سنة\n، والفادي على الحقيقة إبراهيم ﵊ وإنما قال وفديناه لأن الله المعطي له والآمر به على التجوز في الفداء أو الإِسناد، واستدل به الحنفية على أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة وليس فيه ما يدل عليه.\nوَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ سبق بيانه في قصة نوح ﵇. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ لعله طرح عنه أنا اكتفاء بذكره مرة في هذه القصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2464>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١١ الى ١١٣]</span>\nإِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)\nإِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ مقضيًا نبوته مقدرًا كونه من الصالحين وبهذا الاعتبار وقعا حالين ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة، فإن وجود ذي الحال غير شرط بل الشرط مقارنة تعلق الفعل به لاعتبار المعنى بالحال، فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل عاملا فيهما مثلا وبَشَّرْناهُ بوجود إسحاق أي بأن يوجد إسحاق نبيًا من الصالحين، ومع ذلك لا يصير نظير قوله: فَادْخُلُوها خالِدِينَ فإن الداخلين مقدرون خلودهم وقت الدخول وإسحاق لم يكن مقدرًا نبوة نفسه وصلاحها حينما يوجد، ومن فسر الذبيح بإسحاق جعل المقصود من البشارة نبوته، وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه وإيماء بأنه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل بالفعل على الإِطلاق.\nوَبارَكْنا عَلَيْهِ على إبراهيم في أولاده. وَعَلى إِسْحاقَ بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب، أو أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا، وقرئ «وبركنا» . وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ في عمله أو إلى نفسه بالإِيمان والطاعة. وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ بالكفر والمعاصي. مُبِينٌ ظاهر ظلمه، وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال وأن الظلم في أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصه وعيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2465>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١٤ الى ١١٨]</span>\nوَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)","vol":"5","page":16},{"text":"وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية.\nوَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ من تغلب فرعون أو الغرق.\nوَنَصَرْناهُمْ ثم الضمير لهما مع القوم. فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ على فرعون وقومه.\nوَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ البليغ في بيانه وهو التوراة.\nوَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الطريق الموصل إلى الحق والصواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2466>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١١٩ الى ١٢٢]</span>\nوَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)\nوَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.\nإِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ سبق مثل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2467>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٣ الى ١٢٦]</span>\nوَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)\nوَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ هو إلياس بن ياسين سبط هارون أخى موسى بعث بعده. وقيل إدريس لأنه قرئ إدريس وإدراس مكانه وفي حرف أبي ﵁. «وإن إبليس» وقرأ ابن ذكوان مع خلاف عنه بحذف همزة إلياس.\nإِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ عذاب الله.\nأَتَدْعُونَ بَعْلًا أتعبدونه أو أتطلبون الخير منه، وهو اسم صنم كان لأهل بَكَّ من الشام وهو البلد الذي يقال له الآن بعلبك وقيل البعل الرب بلغة اليمن، والمعنى أتدعون بعض البعول. وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ وتتركون عبادته، وقد أشار فيه إلى المقتضي للإنكار المعني بالهمزة ثم صرح به بقوله:\nاللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص بالنصب على البدل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2468>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٧ الى ١٢٨]</span>\nفَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)\nفَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي في العذاب، وإنما أطلقه اكتفاء منه بالقرينة، أو لأن الإِحضار المطلق مخصوص بالشر عرفًا.\nإِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ مستثنى من الواو لا من المحضرين لفساد المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2469>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٩ الى ١٣٢]</span>\nوَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)\nوَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ.\nسَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ لغة في إلياس كسيناء وسينين، وقيل جمع له مراد به هو وأتباعه كالمهلبين، لكن فيه أن العلم إذا جمع يجب تعريفه باللام أو للمنسوب إليه بحذف ياء النسب كالأعجمين وهو قليل ملبس، وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب على إضافة إل إلى يَاسِينَ لأنهما في المصحف مفصولان فيكون يَاسِينَ أبا إِلْيَاسَ، وقيل محمد ﵊ أو القرآن أو غيره من كتب الله والكل لا يناسب","vol":"5","page":17},{"text":"نظم سائر القصص ولا قوله:\nإِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ إذ الظاهر أن الضمير لإلياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2470>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٣ الى ١٣٨]</span>\nوَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)\nوَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)\nوَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ\nسبق بيانه.\nوَإِنَّكُمْ\nيا أهل مكة. لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ\nعلى منازلهم في متاجركم إلى الشام فإن سدوم في طريقه.\nمُصْبِحِينَ\nداخلين في الصباح.\nوَبِاللَّيْلِ\nأي ومساء أو نهارًا وليلًا، ولعلها وقعت قريب منزل يمر بها المرتحل عنه صباحًا والقاصد لها مساء. أَفَلا تَعْقِلُونَ\nأفليس فيكم عقل تعتبرون به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2471>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٩ الى ١٤٤]</span>\nوَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)\nلَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)\nوَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ\nوقرئ بكسر النون.\nإِذْ أَبَقَ\nهرب، وأصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه حسن إطلاقه عليه.\nإِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ\nالمملوء.\nفَساهَمَ\nفقارع أهله. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ\nفصار من المغلوبين بالقرعة، وأصله المزلق عن مقام الظفر.\nروي أنه لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره الله، فركب السفينة فوقفت فقالوا: ها هنا عبد آبق فاقترعوا فخرجت القرعة عليه، فقال أنا الآبق ورمى بنفسه في الماء.\nفَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ فابتلعه من اللقمة. وَهُوَ مُلِيمٌ داخل في الملامة، أو آت بما يلام عليها أو مليم نفسه، وقرئ بالفتح مبنيًا من ليم كمشيب في مشوب.\nفَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ الذاكرين الله كثيرًا بالتسبيح مدة عمره، أو في بطن الحوت وهو قوله لاَّ إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وقيل من المصلين.\nلَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ حيًا وقيل ميتًا، وفيه حث على إكثار الذكر وتعظيم لشأنه، ومن أقبل عليه في السراء أخذ بيده عند الضراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2472>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٥ الى ١٤٨]</span>\nفَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)\nفَنَبَذْناهُ بأن حملنا الحوت على لفظه. بِالْعَراءِ بالمكان الخالي عما يغطيه من شجر أو نبت.\nروي أن الحوت سار مع السفينة رافعًا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح حتى انتهوا إلى البر فلفظه\n، واختلف في مدة لبثه فقيل بعض يوم وقيل ثلاثة أيام وقيل سبعة، وقيل عشرون وقيل أربعون. وَهُوَ سَقِيمٌ مما ناله قيل صار بدنه كبدن الطفل حين يولد.\nوَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي فوقه مظلة عليه. شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ من شجر ينبسط على وجه الأرض ولا يقوم","vol":"5","page":18},{"text":"على ساقه، يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام به، والأكثر على أنها كانت الدباء غطته بأوراقها عن الذباب فإنه لا يقع عليه، ويدل عليه أنه\nقيل لرسول الله ﷺ: إنك لتحب القرع، قال: «أجل هي شجرة أخي يونس» .\nوقيل التين وقيل الموز تغطى بورقه واستظل بأغصانه وأفطر على ثماره.\nوَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ هم قومه الذين هرب عنهم وهم أهل نينوى، والمراد به ما سبق من إرساله أو إرسال ثان إليهم أو إلى غيرهم. أَوْ يَزِيدُونَ في مرأى الناظر أي إذا نظر إليهم، قال هم مائة ألف أو يزيدون والمراد الوصف بالكثرة وقرئ بالواو.\nفَآمَنُوا فصدقوه أو فجددوا الإِيمان به بمحضره. فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ إلى أجلهم المسمى، ولعله إنما لم يختم قصته وقصة لوط بما ختم به سائر القصص تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع الكبر وأولى العزم من الرسل، أو اكتفاء بالتسليم الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2473>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٤٩ الى ١٥٢]</span>\nفَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢)\nفَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ معطوف على مثله، في أول السورة أمر رسوله أولًا باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث، وساق الكلام في تقريره جارًا لما يلائمه من القصص موصولًا بعضها ببعض، ثم أمر باستفتائهم عن وجه القسمة حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين في قولهم: الملائكة بنات الله، وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخر، التجسيم وتجويز الفناء على الله تعالى، فإن الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة، وتفضيل أنفسهم عليه حيث جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم، واستهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم ولذلك كرر الله تعالى إنكار ذلك وإبطاله في كتابه مرارًا، وجعله مما تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، والإِنكار ها هنا مقصور على الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما، أو لأن فسادهما مما تدركه العامة بمقتضى طباعهم حيث جعل المعادل للاستفهام عن التقسيم.\nأَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ وإنما خص علم المشاهدة لأن أمثال ذلك لا تعلم إلا بها، فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم لتمكن معرفته بالعقل الصرف مع ما فيه من الاستهزاء، والإشعار بأنهم لفرط جهلهم يبتون به كأنهم قد شاهدوا خلقهم.\nأَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ لعدم ما يقتضيه وقيام ما ينفيه. وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما يتدينون به، وقرئ «وَلَدَ الله» أي الملائكة ولده، فعل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2474>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٥٣ الى ١٥٧]</span>\nأَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧)\nأَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ استفهام إنكار واستبعاد، والاصطفاء أخذ صفوة الشيء، وعن نافع كسر الهمزة على حذف حرف الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها أو على الإِثبات بإضمار القول أي: لكاذبون في قولهم اصطفى، أو إبداله من وَلَدَ اللَّهُ.\nمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ بما لا يرتضيه عقل.\nأَفَلا تَذَكَّرُونَ أنه منزه عن ذلك.\nأَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بناته.","vol":"5","page":19},{"text":"فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ\nالذي أنزل عليكم. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ\nفي دعواكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2475>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٥٨ الى ١٦٠]</span>\nوَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)\nوَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا يعني الملائكة ذكرهم باسم جنسهم وضعًا منهم أن يبلغوا هذه المرتبة، وقيل قالوا إن الله تعالى صاهر الجن فخرجت الملائكة، وقيل قالوا الله والشياطين إخوان. وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ إن الكفرة أو الإِنس والجن إن فسرت بغير الملائكة لَمُحْضَرُونَ في العذاب.\nسُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ من الولد والنسب.\nإِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناء من المحضرين منقطع، أو متصل إن فسر الضمير بما يعمهم وما بينهما اعتراض أو من يَصِفُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2476>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦١ الى ١٦٣]</span>\nفَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)\nفَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ عود إلى خطابهم.\nمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ على الله. بِفاتِنِينَ مفسدين الناس بالإِغواء.\nإِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ إِلاَّ من سبق في علمه أنه من أهل النار ويصلاها لا محالة، وأَنْتُمْ ضمير لهم ولآلهتهم غلب فيه المخاطب على الغائب، ويجوز أن يكون وَما تَعْبُدُونَ لما فيه من معنى المقارنة سادًا مسد الخبر أي إنكم وآلهتكم قرناء لا تزالون تعبدونها، ما أنتم على ما تعبدونه بفاتنين بباعثين على طريق الفتنة إلا ضالًا مستوجبًا للنار مثلكم، وقرئ «صَال» بالضم على أنه جمع محمول على معنى من ساقط واوه لالتقاء الساكنين، أو تخفيف صائل على القلب كشاك في شائك، أو المحذوف منه كالمنسي كما في قولهم:\nما باليت به بالة، فإن أصلها بالية كعافية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2477>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦٤ الى ١٦٦]</span>\nوَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)\nوَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية للرد على عبدتهم والمعنى: وما منا أحد إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ في المعرفة والعبادة والانتهاء إلى أمر الله في تدبير العالم، ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله سُبْحانَ اللَّهِ من كلامهم ليتصل بقوله: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ كأنه قال ولقد علمت الملائكة أن المشركين معذبون بذلك وقالوا سُبْحانَ اللَّهِ تنزيهًا له عنه، ثم استثنوا الْمُخْلَصِينَ تبرئة لهم منه، ثم خاطبوا المشركين بأن الافتتان بذلك للشقاوة المقدرة، ثم اعترفوا بالعبودية وتفاوت مراتبهم فيه لا يتجاوزونها فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.\nوَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في أداء الطاعة ومنازل الخدمة.\nوَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ المنزهون الله عما لا يليق به، ولعل الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعة وهذا في المعارف، وما في إن واللام وتوسيط الفصل من التأكيد والاختصاص لأنهم المواظبون على ذلك دائمًا من غير فترة دون غيرهم. وقيل هو من كلام النبي ﵊ والمؤمنين والمعنى: وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مقام معلوم في الجنة أو بين يدي الله يوم القيامة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ له في الصلاة والمنزهون له عن السوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2478>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٦٧ الى ١٧٠]</span>\nوَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)","vol":"5","page":20},{"text":"وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ أي مشركو قريش.\nلَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ كتابًا من الكتب التي نزلت عليهم.\nلَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ لأخلصنا العبادة له ولم نخالف مثلهم.\nفَكَفَرُوا بِهِ أي لما جاءهم الذكر الذي هو أشرف الأذكار والمهيمن عليها. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقبة كفرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2479>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧١ الى ١٧٥]</span>\nوَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)\nوَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ أي وعدنا لهم النصر والغلبة وهو قوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ.\nإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ\nوهو باعتبار الغالب والمقضي بالذات، وإنما سماه كلمة وهي كلمات لانتظامهم في معنى واحد.\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ فأعرض عنهم. حَتَّى حِينٍ هو الموعد لنصرك عليهم وهو يوم بدر، وقيل يوم الفتح.\nوَأَبْصِرْهُمْ على ما ينالهم حينئذ والمراد بالأمر الدلالة على أن ذلك كائن قريب كأنه قدامه. فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما قضينا لك من التأييد والنصرة والثواب في الآخرة، و«سوف» للوعيد لا للتبعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2480>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٧٦ الى ١٧٩]</span>\nأَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)\nأَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ\nروي أنه لما نزل فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ قالوا متى هذا فنزلت.\nفَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فإذا نزل العذاب بفنائهم، شبهه بجيش هجمهم فأناخ بفنائهم بغتة، وقيل الرسول وقرئ نَزَلَ على إسناده إلى الجار والمجرور ونَزَلَ أي العذاب. فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ فبئس صباح المنذرين صباحهم، واللام للجنس وال صَباحُ مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب، ولما كثر فيهم الهجوم والغارة في الصباح سموا الغارة صباحًا وإن وقعت في وقت آخر.\nوَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد إلى تأكيد وإطلاق بعد تقييد للاشعار بأنه يبصر وأنهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من أصناف المسرة وأنواع المساءة، أو الأول لعذاب الدنيا والثاني لعذاب الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2481>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٨٠ الى ١٨٢]</span>\nسُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)\nسُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ عما قاله المشركون فيه على ما حكي في السورة، وإضافة الرب إلى العزة لاختصاصها به إذ لا عزة إلا له أو لمن أعزه، وقد أدرج فيه جملة صفاته السلبية والثبوتية مع الإِشعار بالتوحيد.\nوَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم.\nوَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على ما أفاض عليهم وعلى من اتبعهم من النعم وحسن العاقبة ولذلك","vol":"5","page":21},{"text":"أخره عن التسليم، والمراد تعليم المؤمنين كيف يحمدونه ويسلمون على رسله.\nوعن علي ﵁: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه من مجلسه: سبحان ربك إلى آخر السورة.\nوعن النبي ﷺ «من قرأ «والصافات» أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان، وتباعدت عنه مردة الجن والشياطين، وبرىء من الشرك وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمنًا بالمرسلين» .","vol":"5","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2482>(٣٨) سورة ص</span>\nمكية وآيها ست أو ثمان وثمانون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2483>[سورة ص (٣٨): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)\nص وقرئ بالكسر لالتقاء الساكنين، وقيل إنه أمر من المصاداة بمعنى المعارضة، ومنه الصدى فإنه يعارض الصوت الأول أي عارض القرآن بعملك، وبالفتح لذلك أو لحذف حرف القسم وإيصال فعله إليه، أو إضماره والفتح في موضع الجر فإنها غير مصروفة لأنها علم السورة وبالجر والتنوين على تأويل الكتاب.\nوَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ الواو للقسم إن جعل ص اسمًا للحرف أو مذكور للتحدي، أو للرمز بكلام مثل صدق محمد ﵊، أو للسورة خبر المحذوف أو لفظ الأمر، وللعطف إن جعل مقسمًا به كقولهم: الله لأفعلن بالجر والجواب محذوف دل عليه ما في ص من الدلالة على التحدي، أو الأمر بالمعادلة أي إنه لمعجز أو لواجب العمل به، أو إن محمدًا لصادق أو قوله:\nبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ما كفر به من كفر لخلل وجده فيه بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا به. فِي عِزَّةٍ أي استكبار عن الحق. وَشِقاقٍ خلاف لله ورسوله ولذلك كفروا به، وعلى الأولين الإِضراب أيضًا من الجواب المقدر ولكن من حيث إشعاره بذلك والمراد بالذكر العظة أو الشرف والشهره، أو ذكر ما يحتاج اليه في الدين من العقائد والشرائع والمواعيد، والتنكير في عِزَّةٍ وَشِقاقٍ للدلالة على شدتهما، وقرئ في «غرة» أي غفلة عما يجب عليهم النظر فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2484>[سورة ص (٣٨): آية ٣]</span>\nكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣)\nكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ وعيد لهم على كفرهم به استكبارًا وشقاقًا. فَنادَوْا استغاثة أو توبة أو استغفارًا. وَلاتَ حِينَ مَناصٍ أي ليس الحين حين مناص، ولا هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب وثم، وخصت بلزوم الأحيان وحذف أحد المعمولين، وقيل هي النافية للجنس أي ولا حين مناص لهم، وقيل للفعل والنصب بإضماره أي ولا أرى حين مناص، وقرئ بالرفع على أنه اسم لا أو مبتدأ محذوف الخبر أي ليس حين مناص حاصلًا لهم، أو لا حين مناص كائن لهم وبالكسر كقوله:\nطَلَبُوا صُلْحَنَا وَلاَتَ أَوان ... فَأَجَبْنَا أَنَّ لاَتَ حِينَ بَقَاءِ\nإما لأن لات تجر الأحيان كما أن لولا تجر الضمائر في قوله: لَوْلاَكَ هَذَا العَامُ لَمْ أَحْجُج، أو لأن أوان شبه بإذ لأنه مقطوع عن الإِضافة إذ أصله أوان صلح، ثم حمل عليه مَناصٍ تنزيلًا لما أضيف إليه الظرف منزلته لما بينهما من الاتحاد، إذ أصله يحن مناصهم ثم بني الحين لإِضافته إلى غير متمكن وَلاتَ بالكسر كجير، وتقف الكوفية عليها بالهاء كالأسماء والبصرية بالتاء كالأفعال. وقيل إن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الامام ولا يرد عليه أن خط المصحف خارج عن القياس إذ مثله لم يعهد فيه، والأصل اعتباره إلا فيما خصه الدليل ولقوله:","vol":"5","page":23},{"text":"العَاطِفُونَ تَحِينَ لاَ مِنْ عَاطِف ... وَالُمْطعُمونَ زَمَانَ مَا مِنْ مُطْعمِ\nوالمناص المنجا من ناصه ينوصه إذا فاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2485>[سورة ص (٣٨): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥)\nوَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ بشر مثلهم أو أمي من عدادهم. وَقالَ الْكافِرُونَ وضع فيه الظاهر موضع الضمير غضبًا عليهم وذمًا لهم، وإشعارًا بأن كفرهم جسرهم على هذا القول. هذا ساحِرٌ فِيمَا يظهره معجزة. كَذَّابٌ فيما يقوله على الله تعالى.\nأَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا بأن جعل الألوهية التي كانت لهم لواحد. إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا، وما نشاهده من أن الواحد لا يفي علمه وقدرته بالأشياء الكثيرة، وقرئ مشددًا وهو أبلغ ككرام وكرام.\nوروي أنه لما أسلم عمر ﵁ شق ذلك على قريش، فأتوا أبا طالب وقالوا أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر رسول الله ﷺ وقال: هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل عليهم، فقال ﵊: ماذا يسألونني، فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر، آلهتنا وندعك وإلهك، فقال: «أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعطي أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم»، فقالوا: نعم وعشرًا، فقال: «قولوا لا إله إلا الله»، فقالوا وقالوا ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2486>[سورة ص (٣٨): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) مَّا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧)\nوَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب بعد ما بكتهم رسول الله ﷺ. أَنِ امْشُوا قائلين بعضهم لبعض امْشُوا. وَاصْبِرُوا واثبتوا. عَلى آلِهَتِكُمْ على عبادتها فلا ينفعكم مكالمته، وأَنِ هي المفسرة لأن الانطلاق عن مجلس التقاول يشعر بالقول. وقيل المراد بالانطلاق الاندفاع في القول، وامْشُوا من مشت المرأة إذا كثرت أولادها ومنه الماشية أي اجتمعوا، وقرئ بغير أَنِ وقرئ «يمشون أن اصبروا» . إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ إن هذا الأمر لشيء من ريب الزمان يراد بنا فلا مرد له، أو أن هذا الذي يدعيه من التوحيد أو يقصده من الرئاسة، والترفع على العرب والعجم لشيء يتمنى أو يريده كل أحد، أو أن دينكم لشيء يطلب ليؤخذ منكم.\nمَّا سَمِعْنا بِهذا بالذي يقوله. فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ في الملة التي أدركنا عليها آباءنا، أو في ملة عيسى ﵊ التي هي آخر الملل فإن النصارى يثلثون. ويجوز أن يكون حالًا من هذا أي ما سمعنا مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ الكهان بالتوحيد كائنًا في الملة المترقبة. إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ كذب اختلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2487>[سورة ص (٣٨): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nأَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)\nأَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا إنكار لاختصاصه بالوحي وهو مثلهم أو أدون منهم في الشرف والرئاسة كقولهم لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ وأمثال ذلك دليل على أن مبدأ تكذيبهم لم يكن إلا الحسد وقصور النظر على الحطام الدنيوي. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي من القرآن أو الوحي لميلهم إلى","vol":"5","page":24},{"text":"التقليد وإعراضهم عن الدليل، وليس في عقيدتهم ما يبتون به من قولهم هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ. بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ بل لم يذوقوا عذابي بعد فإذا ذاقوه زال شكهم، والمعنى أنهم لا يصدقون به حتى يمسهم العذاب فيلجئهم إلى تصديقه.\nأَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ بل أعندهم خزائن رحمته وفي تصرفهم حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها عمن شاؤوا فيتخير للنبوة بعض صناديدهم، والمعنى أن النبوة عطية من الله يتفضل بها على مَن يَشَاء مِنْ عباده لا مانع له فإنه العزيز أي الغالب الذي لا يغلب، الوهاب الذي له أن يهب كل ما يشاء لمن يشاء، ثم رشح ذلك فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2488>[سورة ص (٣٨): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nأَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ مَّا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١)\nأَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته بأن ليس عندهم خزائن رحمته التي لا نهاية لها، أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها. فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ جواب شرط محذوف أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم، فينزلوا الوحي إلى من يستصوبون. وهو غاية التهكم بهم، والسبب في الأصل هو الوصلة، وقيل المراد بالأسباب السموات لأنها أسباب الحوادث السفلية.\nجُنْدٌ مَّا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ أي هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل مَهْزُومٌ مكسور عما قريب فمن أين لهم التدابير الإِلهية والتصرف في الأمور الربانية، أو فلا تكترث بما يقولون وما مزيدة للتقليل كقولك أكلت شيئًا ما، وقيل للتعظيم على الهزء وهو لا يلائم ما بعده، وهنالك إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2489>[سورة ص (٣٨): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤)\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ ذو الملك الثابت بالأوتاد كقوله:\nوَلَقَدْ غَنوا فِيْهَا بِأَنْعَمِ عِيْشَةٍ ... فِي ظِلِّ ملكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ\nمأخوذ من ثبات البيت المطنب بأوتاده، أو ذو الجموع الكثيرة سموا بذلك لأن بعضهم يشد بعضًا كالوتد يشد البناء. وقيل نصب أربع سوار وكان يمد يدي المعذب ورجليه إليها ويضرب عليها أوتادًا ويتركه حتى يموت.\nوَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وأصحاب الغيضة وهم قوم شعيب، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر «ليكة» . أُولئِكَ الْأَحْزابُ يعني المتحزبين على الرسل الذين جعل الجند المهزوم منهم.\nإِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ بيان لما أسند إليهم من التكذيب على الإِبهام مشتمل على أنواع من التأكيد ليكون تسجيلًا على استحقاقهم للعذاب، ولذلك رتب عليه: فَحَقَّ عِقابِ وهو إما مقابلة الجمع بالجمع أو جعل تكذيب الواحد منهم تكذيب جميعهم.","vol":"5","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2490>[سورة ص (٣٨): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nوَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)\nوَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ وما ينتظر قومك أو الأحزاب فإنهم كالحضور لاستحضارهم بالذكر، أو حضورهم في علم الله تعالى: إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً هي النفخة الأولى. مَّا لَها مِنْ فَواقٍ من توقف مقدار فواق وهو ما بين الحلبتين، أو رجوع وترداد فإنه فيه يرجع اللبن إلى الضرع، وقرأ حمزة والكسائي بالضم وهما لغتان.\nوَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قسطنا من العذاب الذي توعدنا به، أو الجنة التي تعدها للمؤمنين وهو من قطه إذا قطعه، وقيل لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس وقد فسر بها أي: عجل لنا صحيفة أعمالنا للنظر فيها. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ استعجلوا ذلك استهزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2491>[سورة ص (٣٨): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨)\nاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ واذكر لهم قصته تعظيمًا للمعصية في أعينهم، فإنه مع علو شأنه واختصاصه بعظائم النعم والمكرمات لما أتى صغيرة نزل عن منزلته ووبخه الملائكة بالتمثيل والتعريض حتى تفطن فاستغفر ربه وأناب فما الظن بالكفرة وأهل الطغيان، أو تذكر قصته وصن نفسك أن تزل فيلقاك ما لقيه من المعاتبة على إهمال عنان نفسه أدنى إهمال. ذَا الْأَيْدِ ذا القوة يقال فلان أيد وذو أيد وآد وأياد بمعنى. إِنَّهُ أَوَّابٌ رجاع إلى مرضاة الله تعالى، وهو تعليل ل الْأَيْدِ ودليل على أن المراد به القوة في الدين، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا ويقوم نصف الليل.\nإِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ قد مر تفسيره، ويُسَبِّحْنَ حال وضع موضع مسبحات لاستحضار الحال الماضية والدلالة على تجدد التسبيح حالًا بعد حال. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ووقت الإِشراق وهو حين تشرق الشمس أي تضيء ويصفو شعاعها وهو وقت الضحى، وأما شروقها فطلوعها يقال شرقت الشمس ولما تشرق.\nوعن أم هانئ ﵂: انه ﵊ صلى صلاة الضحى وقال «هذه صلاة الإِشراق» .\nوعن ابن عباس ﵄: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2492>[سورة ص (٣٨): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠)\nوَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً إليه من كل جانب، وإنما لم يراع المطابقة بين الحالين لأن الحشر جملة أدل على القدرة منه مدرجا، وقرئ «والطير مَحْشُورَةً» بالمبتدأ والخبر. كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ\nكل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح، والفرق بينه وبين ما قبله أنه يدل على الموافقة في التسبيح وهذا على المداومة عليها، أو كل منهما ومن داود ﵇ مرجع لله التسبيح.\nوَشَدَدْنا مُلْكَهُ وقويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود، وقرئ بالتشديد للمبالغة. قيل: إن رجلًا ادعى بقرة على آخر وعجز عن البيان، فأوحى إليه أن اقتل المدعى عليه فأعلمه فقال: صدقت إني قتلت أباه وأخذت البقرة فعظمت بذلك هيبته. وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ النبوة أو كمال العلم واتقان العمل. وَفَصْلَ الْخِطابِ وفصل الخصام بتمييز الحق عن الباطل، أو الكلام المخلص الذي ينبه المخاطب على المقصود من غير التباس يراعى فيه مظان الفصل والوصل والعطف والاستئناف، والإضمار والإظهار والحذف والتكرار ونحوها، وإنما سمي به أما بعد لأنه يفصل المقصود عما سبق مقدمة له من الحمد والصلاة، وقيل هو الخطاب القصد الذي ليس فيه اختصار مخل ولا إشباع ممل كما جاء في وصف كلام الرسول ﵊ «فصل لا نزر ولا هذر» .","vol":"5","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2493>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢١ الى ٢٣]</span>\nوَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣)\nوَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ استفهام معناه التعجيب والتشويق إلى استماعه، والخصم في الأصل مصدر ولذلك أطلق على الجمع. إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إذ تصعدوا سور الغرفة، تفعل من السور كتسنم من السنام، وإذ متعلق بمحذوف أي نبأ تحاكم الخصم إِذْ تَسَوَّرُوا، أو بالنبأ على أن المراد به الواقع في عهد داود ﵇، وأن إسناد أتى إليه على حذف مضاف أي قصة نبأ الخصم لما فيه من معنى الفعل لا بأتى لأن إتيانه الرسول ﵊ لم يكن حينئذ وإِذْ الثانية في إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ بدل من الأولى أو ظرف ل تَسَوَّرُوا. فَفَزِعَ مِنْهُمْ لأنهم نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب والحرس على الباب لا يتركون من يدخل عليه، فإنه ﵊ كان جزأ زمانه: يومًا للعبادة، ويومًا للقضاء، ويومًا للوعظ، ويومًا للاشتغال بخاصته، فتسور عليه ملائكة على صورة الإِنسان في يوم الخلوة. قالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمانِ نحن فوجان متخاصمان على تسمية مصاحب الخصم خصمًا. بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ وهو على الفرض وقصد التعريض إن كانوا ملائكة وهو المشهور. فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ ولا تجر في الحكومة، وقرئ «وَلاَ تُشْطِطْ» أي ولا تبعد عن الحق ولا تشطط ولا تشاط، والكل من معنى الشطط وهو مجاوزة الحد. وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ أي إلى وسطه وهو العدل.\nإِنَّ هَذَا أَخِي بالدين أو بالصحبة. لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ هي الأنثى من الضأن وقد يكنى بها عن المرأة، والكناية والتمثيل فيما يساق للتعريض أبلغ في المقصود، وقرئ «تِسْعٌ وَتِسْعُونَ» بفتح التاء ونعجة بكسر النون، وقرأ حفص بفتح ياء لِيَ نَعْجَةٌ. فَقالَ أَكْفِلْنِيها ملكنيها وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، وقيل اجعلها كفلي أي نصيبي. وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ وغلبني في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم أقدر على رده، أو في مغالبته إياي في الخطبة يقال: خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطابًا حيث زوجها دوني، وقرئ «وعازني» أي غالبني «وعزني» على تخفيف غريب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2494>[سورة ص (٣٨): آية ٢٤]</span>\nقالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ (٢٤)\nقالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ جواب قسم محذوف قصد به المبالغة في إنكار فعل خليطه وتهجين طمعه ولعله قال ذلك بعد اعترافه، أو على تقدير صدق المدعي والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه معنى الإِضافة. وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ الشركاء الذين خلطوا أموالهم جمع خليط لَيَبْغِي ليتعدى. بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ وقرئ بفتح الياء على تقدير النون الخفيفة وحذفها كقوله: اضرب عنك الهموم طارقها. وبحذف الياء اكتفاء بالكسرة. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ أي وهم قليل، وما مزيدة للإبهام والتعجب من قلتهم. وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ ابتليناه بالذنب أو امتحناه بتلك الحكومة هل يتنبه بها. فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ لذنبه. وَخَرَّ راكِعًا ساجدًا على تسمية السجود ركوعًا لأنه مبدؤه، أو خر للسجود راكعًا أي مصليًا كأنه أحرم بركعتي الاستغفار. وَأَنابَ ورجع إلى الله بالتوبة، وأقصى ما في هذه القضية الإِشعار بأنه ﵊ ود أن يكون له ما لغيره، وكان له أمثاله فنبهه الله بهذه القصة فاستغفر وأناب عنه. وما\nروي أن بصره وقع على امرأة فعشقها وسعى حتى تزوجها وولدت منه سليمان\n، إن صح فلعله خطب مخطوبته أو استنزله عن زوجته، وكان ذلك معتادًا فيما بينهم وقد واسى الأنصار المهاجرين بهذا المعنى. وما قيل إنه أرسل أوريا إلى الجهاد مرارًا وأمر أن يقدم حتى قتل فتزوجها هزء وافتراء، ولذلك\nقال علي ﵁: من حدث بحديث داود عليه","vol":"5","page":27},{"text":"السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين.\nوقيل إن قومًا قصدوا أن يقتلوه فتسوروا المحراب ودخلوا عليه فوجدوا عنده أقوامًا فتصنعوا بهذا التحاكم فعلم غرضهم وأراد أن ينتقم منهم، فظن أن ذلك ابتلاء من الله له فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ مما همّ به وَأَنابَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2495>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nفَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)\nفَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ أي ما استغفر عنه. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى لقربة بعد المغفرة. وَحُسْنَ مَآبٍ مرجع في الجنة.\nيا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ استخلفناك على الملك فيها، أو جعلناك خليفة ممن قبلك من الأنبياء القائمين بالحق. فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ بحكم الله. وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى ما تهوى النفس، وهو يؤيد ما قيل إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخر قبل مسألته. فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دلائله التي نصبها على الحق. إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن السبيل، فإن تذكره يقتضي ملازمة الحق ومخالفة الهوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2496>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٧ الى ٢٩]</span>\nوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)\nوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا خلقا باطلا لا حكمة فيه، أو ذوي باطل بمعنى مبطلين عابثين كقوله: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ أو للباطل الذي هو متابعة الهوى، بل للحق الذي هو مقتضى الدليل من التوحيد والتدرع بالشرع كقوله: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ على وضعه موضع المصدر مثل هنيئًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا الإِشارة إلى خلقها باطلًا والظن بمعنى المظنون.\nفَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ بسبب هذا الظن.\nأَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ منقطعة والاستفهام فيها لإِنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم خلقها باطلًا ليدل على نفيه وكذا التي في قوله: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ كأنه أنكر التسوية أولًا بين المؤمنين والكافرين ثم بين المتقين من المؤمنين والمجرمين منهم، ويجوز أن يكون تكريرًا للإِنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية من الحكيم الرحيم، والآية تدل على صحة القول بالحشر، فإن التفاضل بينهما إما أن يكون في الدنيا والغالب فيها عكس ما يقتضي الحكمة فيه، أو في غيرها وذلك يستدعي أن يكون لهم حالة أخرى يجازون فيها.\nكِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ نفاع، وقرئ بالنصب على الحال. لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ليتفكروا فيها فيعرفوا ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني المستنبطة. وقرئ «ليتدبروا» على الأصل و«لتدبروا» أي أنت وعلماء أمتك. وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ وليتعظ به ذوو العقول السليمة، أو ليستحضروا ما هو كالمركوز في عقولهم من فرط تمكنهم من معرفته بما نصب عليه من الدلائل، فإن الكتب الإلهية بيان لما لا يعرف إلا من الشرع، وإرشاد إلى ما يستقل به العقل، ولعل التدبر للمعلوم الأول والتذكر الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2497>[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nوَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١)","vol":"5","page":28},{"text":"وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ أي نعم العبد سليمان إذ ما بعده تعليل للمدح وهو من حاله. إِنَّهُ أَوَّابٌ رجاع إلى الله بالتوبة، أو إلى التسبيح مرجع له.\nإِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ ظرف ل أَوَّابٌ أو ل نِعْمَ، والضمير ل سُلَيْمانَ عند الجمهور بِالْعَشِيِّ بعد الظهر الصَّافِناتُ الصافن من الخيل الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل، وهو من الصفات المحمودة في الخيل الذي لا يكاد يكون إلا في العراب الخلص. الْجِيادُ جمع جواد أو جود، وهو الذي يسرع في جريه وقيل الذي يجود في الركض، وقيل جمع جيد.\nروي أنه ﵊ غزا دمشق ونصيبين وأصاب ألف فرس\n، وقيل أصابها أبوه من العمالقة فورثها منه فاستعرضها فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر، أو عن ورد كان له فاغتم لما فاته فاستردها فعقرها تقربًا لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2498>[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nفَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)\nفَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي أصل أَحْبَبْتُ أن يعدى بعلى لأنه بمعنى آثرت لكن لما أنيب مناب أنبت عدي تعديته، وقيل هو بمعنى تقاعدت من قوله:\nمِثْلُ بَعِيرِ السُّوءِ إِذَا أَحَبَّا أي برك، وحُبَّ الْخَيْرِ مفعول له والخير المال الكثير، والمراد به الخيل التي شغلته ويحتمل أنه سماها خيرًا لتعلق الخير بها.\nقال ﵊ «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» .\nوقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بفتح الياء. حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ أي غربت الشمس، شبه غروبها بتواري المخبأة بحجابها وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشي عليها.\nرُدُّوها عَلَيَّ الضمير ل الصَّافِناتُ. فَطَفِقَ مَسْحًا فأخذ بمسح السيف مسحًا. بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ أي بسوقها وأعناقها يقطعها من قولهم مسح علاوته إذا ضرب عنقه، وقيل جعل يمسح بيده أعناقها وسوقها حبالها، وعن ابن كثير «بالسؤق» على همز الواو لضمة ما قبلها كمؤقن، وعن أبي عمرو «بالسؤوق» وقرئ «بالساق» اكتفاء بالواحد عن الجمع لأمن الإلباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2499>[سورة ص (٣٨): آية ٣٤]</span>\nوَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ (٣٤)\nوَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ وأظهر ما قيل فيه ما\nروي مرفوعًا «أنه قال:\nلأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة جاءت بشق رجل، فو الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرسانًا» .\nوقيل ولد له ابن فاجتمعت الشياطين على قتله فعلم ذلك، فكان يغدوه في السحاب فما شعر به إلا أن ألقي على كرسيه ميتًا فتنبه على خطئه بأن لم يتوكل على الله. وقيل إنه غزا صيدون من الجزائر فقتل ملكها وأصاب ابنته جرادة، فأحبها وكان لا يرقأ دمعها جزعًا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته فكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن لها كعادتهن في ملكه، فأخبره آصف فكسر الصورة وضرب المرأة وخرج إلى الفلاة باكيًا متضرعًا، وكانت له أم ولد اسمها أمينة إذا دخل للطهارة أعطاها خاتمه وكان ملكه فيه، فأعطاها يومًا فتمثل لها بصورته شيطان اسمه صخر وأخذ الخاتم وتختم به وجلس على كرسيه، فاجتمع عليه الخلق ونفذ حكمه في كل شيء إلا في نسائه وغير سليمان عن هيئته، فأتاها لطلب الخاتم فطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف حتى مضى أربعون يومًا عدد ما عبدت الصورة في بيته، فطار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فوقعت في يده فبقر بطنها فوجد الخاتم فتختم به وخر ساجدًا","vol":"5","page":29},{"text":"وعاد إليه الملك، فعلى هذا الجسد صخر سمي به وهو جسم لا روح فيه لأنه كان متمثلًا بما لم يكن كذلك، والخطيئة تغافله عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل كان جائزًا حينئذ، وسجود الصورة بغير علمه لا يضره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2500>[سورة ص (٣٨): آية ٣٥]</span>\nقالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)\nقالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي لا يتسهل له ولا يكون ليكون معجزة لي مناسبة لحالي، أو لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته كقولك:\nلفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال، على إرادة وصف الملك بالعظمة لا أن لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة، وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين ووجوب تقديم ما يجعل الدعاء بصدد الإِجابة. وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء. إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ المعطي ما تشاء لمن تشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2501>[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nفَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨)\nفَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ فذللناها لطاعته إجابة لدعوته وقرئ «الرياح» . تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً لينة من الرخاوة لا تزعزع، أو لا تخالف إرادته كالمأمور المنقاد. حَيْثُ أَصابَ أراد من قولهم أصاب الصواب فأخطأ الجواب.\nوَالشَّياطِينَ عطف على الرِّيحَ. كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ بدل منه.\nوَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ عطف على كُلَّ كأنه فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص، ومردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر، ولعل أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى ويمكن تقييدها، هذا والأقرب أن المراد تمثيل كفهم عن الشرور بالإِقران في الصفد وهو القيد، وسمي به العطاء لأنه يرتبط به المنعم عليه. وفرقوا بين فعليهما فقالوا صفده قيده وأصفده أعطاه عكس وعد وأوعد وفي ذلك نكتة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2502>[سورة ص (٣٨): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nهذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)\nهذا عَطاؤُنا أي هذا الذي أعطيناك من الملك والبسطة والتسلط على ما لم يسلط به غيرك عطاؤنا.\nفَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ فاعط من شئت وامنع من شئت. بِغَيْرِ حِسابٍ حال من المستكن في الأمر، أي غير محاسب على منه وإمساكه لتفويض التصرف فيه إليك أو من العطاء أو صلة له وما بينهما اعتراض. والمعنى أنه عطاء جم لا يكاد يمكن حصره، وقيل الإِشارة إلى تسخير الشياطين، والمراد بالمن والإِمساك إطلاقهم وإبقاءهم في القيد.\nوَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في الدنيا. وَحُسْنَ مَآبٍ هو الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2503>[سورة ص (٣٨): الآيات ٤١ الى ٤٤]</span>\nوَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)\nوَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ هو ابن عيص بن إسحاق وامرأته ليا بنت يعقوب صلوات الله عليه. إِذْ نادى رَبَّهُ بدل من عَبْدَنا وأَيُّوبَ عطف بيان له. أَنِّي مَسَّنِيَ بأني مسني، وقرأ حمزة بإسكان الياء وإسقاطها في الوصل. الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ بتعب. وَعَذابٍ ألم وهي حكاية لكلامه الذي ناداه به ولولا هي","vol":"5","page":30},{"text":"لقال إنه مسه، والإِسناد إلى الشَّيْطانُ إما لأن الله مسه بذلك لما فعل بوسوسته كما قيل إنه أعجب بكثرة ماله أو استغاثة مظلوم فلم يغثه، أو كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه، أو لسؤاله امتحانًا لصبره فيكون اعترافًا بالذنب أو مراعاة للأدب، أو لأنه وسوس إلى أتباعه حتى رفضوه وأخرجوه من ديارهم، أو لأن المراد بالنصب والعذاب ما كان يوسوس إليه في مرضه من عظم البلاء والقنوط من الرحمة ويغريه على الجزع، وقرأ يعقوب بفتح النون على المصدر، وقرئ بفتحتين وهو لغة كالرشد والرشد وبضمتين للتثقيل.\nارْكُضْ بِرِجْلِكَ حكاية لما أجيب به أي اضرب برجلك الأرض. هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ أي فضربها فنبعت عين فقيل هذا مغتسل أي ماء تغتسل به وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهرك، وقيل نبعت عينان حارة وباردة فاغتسل من الحارة وشرب من الأخرى.\nوَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ بأن جمعناهم عليه بعد تفرقهم أو أحييناهم بعد موتهم، وقيل وهبنا له مثلهم.\nوَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ حتى كان له ضعف ما كان. رَحْمَةً مِنَّا لرحمتنا عليه وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ وتذكيرًا لهم لينتظروا الفرج بالصبر واللجأ إلى الله فيما يحيق بهم.\nوَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا عطف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه. فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ روي أن زوجته ليا بنت يعقوب وقيل رحمة بنت افراثيم بن يوسف ذهبت لحاجة فأبطأت فحلف إن برىء ضربها مائة ضربة، فحلل الله يمينه بذلك وهي رخصة باقية في الحدود. إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا فيما أصابه في النفس والأهل والمال، ولا يخل به شكواه إلى الله من الشيطان فإنه لا يسمى جزعًا كتمني العافية وطلب الشفاء مع أنه قال ذلك خيفة أن يفتنه أو قومه في الدين. نِعْمَ الْعَبْدُ أيوب. إِنَّهُ أَوَّابٌ مقبل بشراشره على الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2504>[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٥ الى ٤٧]</span>\nوَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧)\nوَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وقرأ ابن كثير عَبْدَنَا وضع الجنس موضع الجمع، أو على أن إِبْراهِيمَ وحده لمزيد شرفه عطف بيان له، وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ عطف عليه. أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ أولي القوة في الطاعة والبصيرة في الدين، أو أولي الأعمال الجليلة والعلوم الشريفة، فعبر بالأيدي عن الأعمال لأن أكثرها بمباشرتها وبالأبصار عن المعارف لأنها أقوى مباديها، وفيه تعريض بالبطلة الجهال أنهم كالزمنى والعماة.\nإِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة لا شوب فيها هي: ذِكْرَى الدَّارِ تذكرهم الدار الآخرة دائمًا فإن خلوصهم في الطاعة بسببها، وذلك لأن مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون جوار الله والفوز بلقائه وذلك في الآخرة، وإطلاق الدَّارِ للاشعار بأنها الدار الحقيقة والدنيا معبر، وأضاف نافع وهشام بِخالِصَةٍ إلى ذِكْرَى للبيان أو لأنه مصدر بمعنى الخلوص فأضيف إلى فاعله.\nوَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ لمن المختارين من أمثالهم المصطفين عليهم في الخير جمع خير كشر وأشرار. وقيل جمع خير أو خير على تخفيفه كأموات في جمع ميت أو ميت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2505>[سورة ص (٣٨): آية ٤٨]</span>\nوَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨)\nوَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ هو ابن أخطوب استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثم استنبئ، واللام فيه كما في قوله: رَأَيْتُ الوَلِيْدَ بْنَ اليَزِيدَ مُبَارَكًا. وقرأ حمزة والكسائي «والليسع» تشبيهًا بالمنقول من ليسع من اللسع. وَذَا","vol":"5","page":31},{"text":"الْكِفْلِ\nابن عم يسع أو بشر بن أيوب. واختلف في نبوته ولقبه فقيل فر إليه مائة نبي من بني إسرائيل من القتل فآواهم وكفلهم، وقيل كفل بعمل رجل صالح كان يصلي كل يوم مائة صلاة وَكُلٌّ أي وكلهم. مِنَ الْأَخْيارِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2506>[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٩ الى ٥١]</span>\nهذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١)\nهذا إشارة إلى ما تقدم من أمورهم. ذِكْرٌ شرف لهم، أو نوع من الذكر وهو القرآن. ثم شرع في بيان ما أعد لهم ولأمثالهم فقال: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ مرجع.\nجَنَّاتِ عَدْنٍ عطف بيان لَحُسْنَ مَآبٍ وهو من الأعلام الغالبة لقوله جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ وانتصب عنها. مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ على الحال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل، وقرئتا مرفوعتين على الابتداء والخبر أو أنهما خبران لمحذوف.\nمُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ حالان متعاقبان أو متداخلان من الضمير في لَهُمْ لا من المتقين للفصل، والأظهر أن يدعون استئناف لبيان حالهم فيها ومتكئين حال من ضميره، والاقتصار على الفاكهة للإشعار بأن مطاعمهم لمحض التلذذ، فإن التغذي للتحلل ولا تحلل ثمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2507>[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٢ الى ٥٤]</span>\nوَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا مَا لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)\nوَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ لا ينظرون إلى غير أزواجهن. أَتْرابٌ لذات لهم فإن التحاب بين الأقران أثبت، أو بعضهن لبعض لا عجوز فيهن ولا صبية، واشتقاقه من التراب فإنه يمسهن في وقت واحد.\nهذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ لأجله فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء ليوافق ما قبله.\nإِنَّ هذا لَرِزْقُنا مَا لَهُ مِنْ نَفادٍ انقطاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2508>[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٥ الى ٥٨]</span>\nهذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨)\nهذا أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر أو خذ هذا. وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ.\nجَهَنَّمَ إعرابه ما سبق. يَصْلَوْنَها حال من جهنم. فَبِئْسَ الْمِهادُ المهد والمفترش، مستعار من فراش النائم والمخصوص بالذم محذوف وهو جَهَنَّمَ لقوله لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ.\nهذا فَلْيَذُوقُوهُ، أي ليذوقوا هذا فليذوقوه، أو العذاب هذا فليذوقوه، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره:\nحَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وهو على الأولين خبر محذوف أي هو حَمِيمٌ، والغساق ما يغسق من صديد أهل النار من غسقت العين إذا سال دمعها، وقرأ حفص وحمزة والكسائي غَسَّاقٌ بتشديد السين.\nوَآخَرُ أي مذوق أو عذاب آخر، وقرأ البصريان «وأخرى» أي ومذوقات أو أنواع عذاب أخر. مِنْ شَكْلِهِ من مثل هذا المذوق أو العذاب في الشدة، وتوحيد الضمير على أنه لما ذكر أو للشراب الشامل للحميم والغساق أو للغساق. وقرئ بالكسر وهو لغة. أَزْواجٌ أجناس خبر ل آخَرُ أو صفة له أو للثلاثة، أو مرتفع بالجار والخبر محذوف مثل لهم.","vol":"5","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2509>[سورة ص (٣٨): الآيات ٥٩ الى ٦١]</span>\nهذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لاَ مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)\nهذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ حكاية ما يقال للرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار واقتحمها معهم فوج تبعهم في الضلال، والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها. لاَ مَرْحَبًا بِهِمْ دعاء من المتبوعين على أتباعهم أو صفة ل فَوْجٌ، أو حال أي مقولًا فيهم لا مرحبًا أي ما أتوا بهم رحبًا وسعة. إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ داخلون النار بأعمالهم مثلنا.\nقالُوا أي الأتباع للرؤساء. بَلْ أَنْتُمْ لاَ مَرْحَبًا بِكُمْ بل أنتم أحق بما قلتم، أو قيل لنا لضلالكم وإضلالكم كما قالوا: أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا قدمتم العذاب أو الصلي لنا بإِغوائنا وإغرائنا على ما قدمتموه من العقائد الزائغة والأعمال القبيحة. فَبِئْسَ الْقَرارُ فبئس المقر جهنم.\nقالُوا أي الأتباع أيضًا. رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ مضاعفًا أي ذا ضعف وذلك أن يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين كقوله رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2510>[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٢ الى ٦٤]</span>\nوَقالُوا مَا لَنا لاَ نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)\nوَقالُوا أي الطاغوت. مَا لَنا لاَ نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ يعنون فقراء المسلمين الذين يسترذلونهم ويسخرون بهم.\nأَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا صفة أخرى ل رِجالًا، وقرأ الحجازيان وابن عامر وعاصم بهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم، وقرأ نافع وحمزة والكسائي سِخْرِيًّا بالضم وقد سبق مثله في «المؤمنين» . أَمْ زاغَتْ مالت. عَنْهُمُ الْأَبْصارُ فلا نراهم وأَمْ معادلة ل مَا لَنا لاَ نَرى على أن المراد نفي رؤيتهم لغيبتهم كأنهم قالوا: أليسوا ها هنا أم زاغت عنهم أبصارنا، أو لاتخذناهم على القراءة الثانية بمعنى أي الأمرين فعلنا بهم الاستسخار منهم أم تحقيرهم، فإن زيغ الأبصار كناية عنه على معنى إنكارهما على أنفسهم، أو منقطعة والمراد الدلالة على أن استرذالهم والاستسخار منهم كان لزيغ أبصارهم وقصور أنظارهم على رثاثة حالهم.\nإِنَّ ذلِكَ الذي حكيناه عنهم. لَحَقٌّ لا بد أن يتكلموا به ثم بين ما هو فقال: تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ وهو بدل من لحق أو خبر محذوف، وقرئ بالنصب على البدل من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2511>[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٥ الى ٦٦]</span>\nقُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)\nقُلْ يا محمد للمشركين. إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ أنذركم عذاب الله. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الذي لا يقبل الشركة والكثرة في ذاته. الْقَهَّارُ لكل شيء يريد قهره.\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا منه خلقها وإليه أمرها. الْعَزِيزُ الذي لا يغلب إذا عاقب.\nالْغَفَّارُ الذي يغفر ما يشاء من الذنوب لمن يشاء، وفي هذه الأوصاف تقرير للتوحيد ووعد ووعيد للموحدين والمشركين، وتثنية ما يشعر بالوعيد وتقديمه لأن المدعو به هو الإنذار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2512>[سورة ص (٣٨): الآيات ٦٧ الى ٧٠]</span>\nقُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)","vol":"5","page":33},{"text":"قُلْ هُوَ أي ما أنبأتكم به من أني نذير من عقوبة من هذه صفته وأنه واحد في ألوهيته، وقيل ما بعده من نبأ آدم. نَبَأٌ عَظِيمٌ.\nأَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ لتمادي غفلتكم فإن العاقل لا يعرض عن مثله كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة، أما على التوحيد فما مرَّ وأما على النبوة فقوله:\nمَا كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ فإن إخباره عن تقاول الملائكة وما جرى بينهم على ما ورد في الكتب المتقدمة من غير سماع ومطالعة كتاب لا يتصوّر إلا بالوحي، وإِذْ متعلق ب عِلْمٍ أو بمحذوف إذ التقدير من علم بكلام الملأ الأعلى.\nإِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي لأنما كأنه لما جوز أن الوحي يأتيه بين بذلك ما هو المقصود به تحقيقًا لقوله إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ ويجوز أن يرتفع بإسناد يوحى إليه، وقرئ إِنَّمَا بالكسر على الحكاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2513>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧١ الى ٧٤]</span>\nإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤)\nإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ بدل من إِذْ يَخْتَصِمُونَ مبين له فإن القصة التي دخلت إذ عليها مشتملة على تقاول الملائكة وإبليس في خلق آدم ﵇، واستحقاقه للخلافة والسجود على ما مر في «البقرة»، غير أنها اختصرت اكتفاء بذلك واقتصارًا على ما هو المقصود منها، وهو إنذار المشركين على استكبارهم على النبي ﵊ بمثل ما حاق بإبليس على استكباره على آدم ﵇، هذا ومن الجائز أن يكون مقاولة الله تعالى إياهم بواسطة ملك، وأن يفسر «الملأ الأعلى» بما يعم الله تعالى والملائكة.\nفَإِذا سَوَّيْتُهُ عدلت خلقته. وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي وأحييته بنفخ الروح فيه، وإضافته الى نفسه لشرفه وطهارته. فَقَعُوا لَهُ فخروا له. ساجِدِينَ تكرمة وتبجيلًا له وقد مر الكلام فيه في «البقرة» .\nفَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ.\nإِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ تعظم. وَكانَ وصار. مِنَ الْكافِرِينَ باستنكاره أمر الله تعالى واستكباره عن المطاوعة، أو كان منهم في علم الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2514>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nقالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)\nقالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ خلقته بنفسي من غير توسط كأب وأم، والتثنية لما في خلقه من مزيد القدرة واختلاف الفعل، وقرئ على التوحيد وترتيب الإنكار عليه للإشعار بأنه المستدعي للتعظيم، أو بأنه الذي تشبث به في تركه وهو لا يصلح مانعًا إذ للسيد أن يستخدم بعض عبيده لبعض سيما وله مزيد اختصاص. أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ تكبرت من غير استحقاق أو كنت ممن علا واستحق التفوق، وقيل استكبرت الآن أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين، وقرئ «اسْتَكْبَرْتَ» بحذف الهمزة لدلالة أَمْ عليها أو بمعنى الإخبار.","vol":"5","page":34},{"text":"قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ إبداء للمانع وقوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ دليل عليه وقد سبق الكلام فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2515>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧٧ الى ٨١]</span>\nقالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)\nقالَ فَاخْرُجْ مِنْها من الجنة أو من السماء، أو من الصورة الملكية. فَإِنَّكَ رَجِيمٌ مطرود من الرحمة ومحل الكرامة.\nوَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ مر بيانه في «الحجر» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2516>[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٢ الى ٨٥]</span>\nقالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)\nقالَ فَبِعِزَّتِكَ فبسلطانك وقهرك. لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ الذين أخلصهم الله لطاعته وعصمهم من الضلالة، أو أخلصوا قلوبهم لله على اختلاف القراءتين.\nقالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ أي فأحق الحق وأقوله، وقيل «الحق» الأول اسم الله نصبه بحذف حرف القسم كقوله: إِنَّ عَلَيْكَ الله أَنْ تُبَايِعَا.\nوجوابه لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ وما بينهما اعتراض وهو على الأول جواب محذوف والجملة تفسير ل الْحَقَّ المقول، وقرأ عاصم وحمزة برفع الأول على الابتداء أي الحق يميني أو قسمي، أو الخبر أي أنا الْحَقَّ، وقرئا مرفوعين على حذف الضمير من أقول كقوله: كله لم أصنع.\nومجرورين على إضمار حرف القسَم في الأول وحكاية لفظ المقسم به في الثاني للتأكيد، وهو سائغ فيه إذا شارك الأول وبرفع الأول وجره ونصب الثاني وتخريجه على ما ذكرناه، والضمير في منهم للناس إذ الكلام فيهم والمراد بمنك من جنسك ليتناول الشياطين، وقيل للثقلين وأجمعين تأكيد له أو للضميرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2517>[سورة ص (٣٨): الآيات ٨٦ الى ٨٨]</span>\nقُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)\nقُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي على القرآن أو تبليغ الوحي. وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ المتصفين بما ليسوا من أهله على ما عرفتم من حالي فأنتحل النبوة، وأتقول القرآن.\nإِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ عظة. لِلْعالَمِينَ للثقلين. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ وهو ما فيه من الوعد والوعيد، أو صدقه بإتيان ذلك. بَعْدَ حِينٍ بعد الموت أو يوم القيامة أو عند ظهور الإِسلام وفيه تهديد.\nوعن النبي ﷺ «من قرأ سورة (ص) كان له بوزن كل جبل سخره الله لداود عشر حسنات، وعصمه الله أن يصر على ذنب صغير أو كبير» .","vol":"5","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2518>(٣٩) سورة الزمر</span>\nمكية إلا قوله: (قُلْ يا عِبادِيَ) الآية وآيها خمس وسبعون أو اثنتان وسبعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2519>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ خبر محذوف مثل هذا أو مبتدأ خبره. مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وهو على الأول صلة ل تَنْزِيلُ، أو خبر ثان أو حال عمل فيها معنى الإِشارة أو ال تَنْزِيلُ، والظاهر أن الْكِتابِ على الأول السورة وعلى الثاني القرآن، وقرئ «تَنزِيلَ» بالنصب على إضمار فعل نحو اقرأ أو الزم.\nإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ملتبسًا بالحق أو بسبب إثبات الحق وإظهاره وتفصيله. فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ممحضا له الدين من الشرك والرياء، وقرئ برفع «الدين» على الاستئناف لتعليل الأمر وتقديم الخبر لتأكيد الاختصاص المستفاد من اللام كما صرح به مؤكدًا وإجراؤه مجرى المعلوم المقرر لكثرة حججه وظهور براهينه فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2520>[سورة الزمر (٣٩): آية ٣]</span>\nأَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)\nأَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ أي ألا هو الذي وجب اختصاصه بأن يخلص له الطاعة، فإنه المتفرد بصفات الألوهية والاطلاع على الأسرار والضمائر. وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يحتمل المتخذين من الكفرة والمتخذين من الملائكة وعيسى والأصنام على حذف الراجع وإضمار المشركين من غير ذكر لدلالة المساق عليهم، وهو مبتدأ خبره على الأول. مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى بإضمار القول. إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ وهو متعين على الثاني، وعلى هذا يكون القول المضمر بما في حيزه حالًا أو بدلًا من الصلة وزُلْفى مصدر أو حال، وقرئ «قالوا ما نعبدهم» و«ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله» حكاية لما خاطبوا به آلهتهم و«نَعْبُدُهُمْ» بضم النون اتباعًا. فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين بإدخال المحق الجنة والمبطل النار والضمير للكفرة ومقابليهم، وقيل لهم ولمعبوديهم فإنهم يرجون شفاعتهم وهم يلعنونها. إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي لا يوفق للاهتداء إلى الحق. مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ فإنهما فاقدا البصيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2521>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nلَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)\n.","vol":"5","page":36},{"text":"لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا كما زعموا. لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوقه لقيام الدلالة على امتناع وجود واجبين ووجوب استناد ما عدا الواجب إليه، ومن البين أن المخلوق لا يماثل الخالق فيقوم مقام الوالد له ثم قرر ذلك بقوله: سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ فإن الألوهية الحقيقية تتبع الوجوب المستلزم للوحدة الذاتية، وهي تنافي المماثلة فضلًا عن التوالد لأن كل واحد من المثلين مركب من الحقيقة المشتركة، والتعين المخصوص والقهارية المطلقة تنافي قبول الزوال المحوج إلى الولد، ثم استدل على ذلك بقوله:\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ يغشى كل واحد منهما الآخر كأنه يلفه عليه لف اللباس باللابس، أو يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة، أو يجعله كارًا عليه كرورًا متتابعًا تتابع أكوار العمامة. وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى هو منتهى دوره أو منقطع حركته. أَلا هُوَ الْعَزِيزُ القادر على كل ممكن الغالب على كل شيء. الْغَفَّارُ حيث لم يعاجل بالعقوبة وسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2522>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦]</span>\nخَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)\nخَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها استدلال آخر بما أوجده في العالم السفلي مبدوءا به من خلق الإِنسان لأنه أقرب وأكثر دلالة وأعجب، وفيه على ما ذكره ثلاث دلالات: خلق آدم أولًا من غير أب وأم، ثم خلق حواء من قصيراه، ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما. وثُمَّ للعطف على محذوف هو صفة نَفْسٍ مثل خلقها أو على معنى واحدة أي من نفس وحدت ثم جعل منها زوجها فشفعها بها، أو على خَلَقَكُمْ لتفاوت ما بين الآيتين، فإن الأولى عادة مستمرة دون الثانية. وقيل أخرج من ظهره ذريته كالذر ثم خلق منها حواء. وَأَنْزَلَ لَكُمْ وقضى أو قسم لكم، فإن قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء حيث كتبت في اللوح المحفوظ، أو أحدث لكم بأسباب نازلة كأشعة الكواكب والأمطار. مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ذكرا وأنثى من الإِبل والبقر والضأن والمعز. يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ بيان لكيفية ما ذكر من الأناسي والأنعام إظهارًا لما فيها من عجائب القدرة، غير أنه غلب أولي العقل أو خصهم بالخطاب لأنهم المقصودون. خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ حيوانًا سويًا من بعد عظام مكسوة لحمًا من بعد عظام عارية من بعد مضغ من بعد علق من بعد نطف. فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ظلمة البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن.\nذلِكُمُ الذي هذه أفعاله. اللَّهُ رَبُّكُمْ هو المستحق لعبادتكم والمالك. لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إذ لا يشاركه في الخلق غيره. فَأَنَّى تُصْرَفُونَ يعدل بكم عن عبادته إلى الإشراك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2523>[سورة الزمر (٣٩): آية ٧]</span>\nإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)\nإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ عن إِيمانكم. وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ لاستضرارهم به رحمة عليهم.\nوَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ لأنه سبب فلا حكم، وقرأ ابن كثير ونافع في رواية وأبو عمرو والكسائي بإشباع ضمة الهاء لأنها صارت بحذف الألف موصولة بمتحرك، وعن أبي عمرو ويعقوب إسكانها وهو لغة فيها.\nوَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بالمحاسبة والمجازاة. إِنَّهُ عَلِيمٌ","vol":"5","page":37},{"text":"بِذاتِ الصُّدُورِ\nفلا تخفى عليه خافية من أعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2524>[سورة الزمر (٣٩): آية ٨]</span>\nوَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨)\nوَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ لزوال ما ينازع العقل في الدلالة على أن مبدأ الكل منه. ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ أعطاه من الخول وهو التعهد، أو الخول وهو الافتخار. نِعْمَةً مِنْهُ من الله. نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ أي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو ربه الذي كان يتضرع إليه وما مثل الذي في قوله:\nوَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى. مِنْ قَبْلُ من قبل النعمة. وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس بفتح الياء، والضلال والإِضلال لما كانا نتيجة جعله صح تعليله بهما وإن لم يكونا غرضين. قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا أمر تهديد فيه إشعار بأن الكفر نوع تشه لا سند له، وإقناط للكافرين من التمتع في الآخرة ولذلك علله بقوله: إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ على سبيل الاستئناف للمبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2525>[سورة الزمر (٣٩): آية ٩]</span>\nأَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)\nأَمَّنْ هُوَ قانِتٌ قائم بوظائف الطاعات. آناءَ اللَّيْلِ ساعاته وأم متصلة بمحذوف تقديره الكافر خير أم من هو قانت، أو منقطعة والمعنى بل أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ كمن هو بضده، وقرأ الحجازيان وحمزة بتخفيف الميم بمعنى أمن هو قانت لله كمن جعل له أندادًا. ساجِدًا وَقائِمًا حالان من ضمير قانِتٌ، وقرئا بالرفع على الخبر بعد الخبر والواو للجمع بين الصفتين يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ في موضع الحال أو الاستئناف للتعليل. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ نفى لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيه باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم. وقيل تقرير للأول على سبيل التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون. إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ بأمثال هذه البيانات، وقرئ «يذكر» بالإدغام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2526>[سورة الزمر (٣٩): آية ١٠]</span>\nقُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠)\nقُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ بلزوم طاعته. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ أي للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا مثوبة حسنة في الآخرة. وقيل معناه للذين أحسنوا حسنة في الدنيا هي الصحة والعافية، وفي هذه بيان لمكان حَسَنَةٌ. وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ فمن تعسر عليه التوفر على الإِحسان في وطنه فليهاجر إلى حيث يتمكن منه. إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ على مشاق الطاعات من احتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لها. أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ أجرًا لا يهتدي إليه حساب الحساب،\nوفي الحديث إنه «ينصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج فيوفون بها أجورهم، ولا ينصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صبًا حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2527>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nقُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)","vol":"5","page":38},{"text":"قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ موحدًا له.\nوَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة، لأن قصب السبق في الدين بالإِخلاص أو لأنه أول مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ من قريش ومن دان بدينهم، والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة، والإشعار بأن العبادة المقرونة بالإِخلاص وإن اقتضت لذاتها أن يؤمر بها فهي أيضًا تقتضيه لما يلزمها من السبق في الدين، ويجوز أن تجعل اللام مزيدة كما في أردت لأن أفعل فيكون أمر بالتقدم في الإِخلاص والبدء بنفسه في الدعاء إليه بعد الأمر به.\nقُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك والرياء. عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ لعظمة ما فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2528>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٤ الى ١٦]</span>\nقُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦)\nقُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي أمر بالإِخبار عن إخلاصه وأن يكون مخلصًا له دينه بعد الأمر بالإِخبار عن كونه مأمورًا بالعبادة والإِخلاص خائفًا عن المخالفة من العقاب قطعًا لأطماعهم، ولذلك رتب عليه قوله:\nفَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ تهديدًا وخذلانًا لهم. قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الكاملين في الخسران. الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بالضلال. وَأَهْلِيهِمْ بالإِضلال. يَوْمَ الْقِيامَةِ حين يدخلون النار بدل الجنة لأنهم جمعوا وجوه الخسران. وقيل وخسروا أهليهم لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابًا لا رجوع بعده. أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ مبالغة في خسرانهم لما فيه من الاستئناف والتصدير ب أَلا، وتوسيط الفصل وتعريف الخسران ووصفه ب الْمُبِينُ.\nلَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ شرح لخسرانهم. وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ أطباق من النار هي ظلل للآخرين. ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ذلك العذاب هو الذي يخوفهم به ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. يَا عِبادِ فَاتَّقُونِ ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2529>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨)\nوَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ البالغ غاية الطغيان فعلوت منه بتقديم اللام على العين بني للمبالغة في المصدر كالرحموت، ثم وصف به للمبالغة في النعت ولذلك اختص بالشيطان. أَنْ يَعْبُدُوها بدل اشتمال منه. وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ وأقبلوا إليه بشراشرهم عما سواه. لَهُمُ الْبُشْرى بالثواب على ألسنة الرسل، أو الملائكة عند حضور الموت. فَبَشِّرْ عِبادِ.\nالَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وضع فيه الظاهر موضع ضمير الَّذِينَ اجْتَنَبُوا للدلالة على مبدأ اجتنابهم وأنهم نقاد في الدين يميزون بين الحق والباطل ويؤثرون الأفضل فالأفضل. أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ لدينه. وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ العقول السليمة عن منازعة الوهم والعادة، وفي ذلك دلالة على أن الهداية تحصل بفعل الله وقبول النفس لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2530>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nأَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠)","vol":"5","page":39},{"text":"أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ جملة شرطية معطوفة على محذوف دل عليه الكلام تقديره أأنت مالك أمرهم فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه، فكررت الهمزة في الجزاء لتأكيد الإِنكار والاستبعاد، ووضع مَنْ فِي النَّارِ موضع الضمير لذلك وللدلالة على أن من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه لامتناع الخلف فيه، وأن اجتهاد الرسل في دعائهم إلى الإيمان سعي في إنقاذهم من النار، ويجوز أن يكون أَفَأَنْتَ تنقذ جملة مستأنفة للدلالة على ذلك والإشعار بالجزاء المحذوف.\nلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ علالي بعضها فوق بعض. مَبْنِيَّةٌ بنيت بناء النازل على الأرض. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت تلك الغرف. وَعْدَ اللَّهِ مصدر مؤكد لأن قوله لَهُمْ غُرَفٌ في معنى الوعد. لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ ولأن الخلف نقص وهو على الله محال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2531>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢١]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١)\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء هو المطر. فَسَلَكَهُ فأدخله. يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ هي عيون ومجاري كائنة فيها، أو مياه نابعات فيها إذ الينبوع جاء للمنبع وللنابع فنصبها على الظرف أو الحال. ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ أصنافه من بر وشعير وغيرهما، أو كيفياته من خضرة وحمرة وغيرهما. ثُمَّ يَهِيجُ يتم جفافه لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور عن منبته. فَتَراهُ مُصْفَرًّا من يبسه. ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا فتاتًا. إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لتذاكيرًا بأنه لا بد من صانع حكيم دبره وسواه، أو بأنه مثل الحياة الدنيا فلا تغتر بها. لِأُولِي الْأَلْبابِ إِذْ لاَ يَتَذكر به غيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2532>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٢]</span>\nأَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢)\nأَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ حتى تمكن فيه بيسر عبر به عمن خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبوله غير متأبية عنه من حيث أن الصدر محل القلب المنبع للروح المتعلق للنفس القابلة للإِسلام. فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ يعني المعرفة والاهتداء إلى الحق.\nوعنه ﵊ «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح، فقيل فما علامة ذلك قال: الإِنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله» .\nوخبر مِنْ محذوف دل عليه فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ من أجل ذكره وهو أبلغ من أن يكون عن مكان من، لأن القاسي من أجل الشيء أشد تأبيًا عن قبوله من القاسي عنه لسبب آخر، وللمبالغة في وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بامتناع ذكر شرح الصدر وأسنده إلى الله وقابله بقساوة القلب وأسنده إليه. أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يظهر للناظر بأدنى نظر، والآية نزلت في حمزة وعلي وأبي لهب وولده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2533>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٣]</span>\nاللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣)\nاللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يعني القرآن،\nروي أن أصحاب رسول الله ﷺ ملوا ملة فقالوا له حدثنا فنزلت.\nوفي الابتداء باسم الله وبناء نزل عليه تأكيد للإسناد إليه وتفخيم للمنزل واستشهاد على حسنه. كِتابًا","vol":"5","page":40},{"text":"مُتَشابِهًا\nبدل من أَحْسَنَ أو حال منه، وتشابهه تشابه أبعاضه في الإِعجاز وتجاوب النظم وصحة المعنى والدلالة على المنافع العامة. مَثانِيَ جمع مثنى أو مثنى أو مثن على ما مر في «الحجر»، وصف به كتابًا باعتبار تفاصيله كقولك: القرآن سور وآيات، والإِنسان: عظام وعروق وأعصاب، أو جعل تمييزًا من مُتَشابِهًا كقولك: رأيت رجلًا حسنًا شمائله. تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ تشمئز خوفًا مما فيه من الوعيد، وهو مثل في شدة الخوف واقشعرار الجلد تقبضه وتركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس بزيادة الراء ليصير رباعيًا كتركيب أقمطر من القمط وهو الشد. ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ بالرحمة وعموم المغفرة، والإِطلاق للإشعار بأن أصل أمره الرحمة وأن رحمته سبقت غضبه، والتعدية ب إِلى لتضمين معنى السكون والاطمئنان، وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هي من عوارضها. ذلِكَ أي الكتاب أو الكائن من الخشية والرجاء. هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ هدايته. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ ومن يخذله.\nفَما لَهُ مِنْ هادٍ يخرجهم من الضلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2534>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٤ الى ٢٦]</span>\nأَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)\nأَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ يجعله درقة يقي به نفسه لأنه يكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يقدر أن يتقي إلا بِوَجْهِهِ. سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ كمن هو آمن منه، فحذف الخبر كما حذف في نظائره.\nوَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ أي لهم فوضع الظاهر موضعه تسجيلًا عليهم بالظلم وإشعارًا بالموجب لما يقال لهم وهو: ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أي وباله، والواو للحال وقد مقدرة.\nكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ من الجهة التي لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها.\nفَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ الذل. فِي الْحَياةِ الدُّنْيا كالمسخ والخسف والقتل والسبي والإِجلاء. وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ المعد لهم. أَكْبَرُ لشدته ودوامه. لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ لو كانوا من أهل العلم والنظر لعلموا ذلك واعتبروا به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2535>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)\nوَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يحتاج إليه الناظر في أمر دينه. لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يتعظون به.\nقُرْآنًا عَرَبِيًّا حال من هذا والاعتماد فيها على الصفة كقولك: جاءني زيد رجلًا صالحًا، أو مدح له.\nغَيْرَ ذِي عِوَجٍ لا اختلال فيه بوجه ما، وهو أبلغ من المستقيم وأخص بالمعاني. وقيل بالشك استشهادًا بقوله:\nوَقَدْ أَتَاكَ يَقِينٌ غَيْرُ ذِيْ عِوَجٍ ... مِنَ الإِلَهِ وَقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ\nوهو تخصيص له ببعض مدلوله. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ علة أخرى مرتبة على الأولى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2536>[سورة الزمر (٣٩): آية ٢٩]</span>\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٢٩)","vol":"5","page":41},{"text":"ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا للمشرك والموحد. رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ مثل المشرك على ما يقتضيه مذهبه من أن يدعي كل واحد من معبوديه عبوديته، ويتنازعوا فيه بعبد يتشارك فيه جمع، يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المختلفة في تحيره وتوزع قلبه، والموحد بمن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل ورَجُلًا بدل من مثل وفيه صلة شُرَكاءُ، والتشاكس والتشاخص الاختلاف. وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون سَلَمًا بفتحتين، وقرئ بفتح السين وكسرها مع سكون اللام وثلاثتها مصادر سلم نعت بها، أو حذف منها ذا و«رجل سالم» أي وهناك رجل سالم، وتخصيص الرجل لأنه أفطن للضر والنفع. هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا صفة وحالًا ونصبه على التمييز ولذلك وحده، وقرئ «مثلين» للإشعار باختلاف النوع، أو لأن المراد على يَسْتَوِيانِ في الوصفين على أن الضمير للمثلين فإن التقدير مثل رجل ومثل رجل. الْحَمْدُ لِلَّهِ كل الحمد له لا يشاركه فيه على الحقيقة سواه، لأنه المنعم بالذات والمالك على الإِطلاق. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ فيشركون به غيره من فرط جهلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2537>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٠ الى ٣٢]</span>\nإِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢)\nإِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ فإن الكل بصدد الموت وفي عداد الموتى، وقرئ «مائت» و«مائتون» لأنه مما سيحدث.\nثُمَّ إِنَّكُمْ على تغليب المخاطب على الغيب. يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فتحتج عليهم بأنك كنت على الحق في التوحيد وكانوا على الباطل في التشريك، واجتهدت في الإرشاد والتبليغ ولجوا في التكذيب والعناد، ويعتذرون بالأباطيل مثل أَطَعْنا سادَتَنا ووَجَدْنا آباءَنا. وقيل المراد به الاختصام العام يخاصم الناس بعضهم بعضًا فيما دار بينهم في الدنيا.\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ بإضافة الولد والشريك إليه. وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ وهو ما جاء به محمد ﷺ. إِذْ جاءَهُ من غير توقف وتفكر في أمره. أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ وذلك يكفيهم مجازاة لأعمالهم، واللام تحتمل العهد والجنس، واستدل به على تكفير المبتدعة فإنهم يكذبون بما علم صدقه وهو ضعيف لأنه مخصوص بمن فاجأ ما علم مجيء الرسول به بالتكذيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2538>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nوَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)\nوَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ اللام للجنس ليتناول الرسل والمؤمنين لقوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وقيل هو النبي ﷺ والمراد هو ومن تبعه كما في قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. وقيل الجائي هو الرسول والمصدق أبو بكر ﵁، وذلك يقتضي إضمار الذى وهو غير جائز. وقرئ «وَصَدَّقَ بِهِ» بالتخفيف أي صدق به الناس فأداه إليهم كما نزل من غير تحريف، أو صار صادقًا بسببه لأنه معجز يدل على صدقه «وَصَدَّقَ بِهِ» على البناء للمفعول.\nلَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ في الجنة. ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ على إحسانهم.\nلِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا خص الأسوأ للمبالغة فإنه إذا كفر كان غيره أولى بذلك، أو","vol":"5","page":42},{"text":"للإشعار بأنهم لاستعظامهم الذنوب يحسبون أنهم مقصرون مذنبون وأن ما يفرط منهم من الصغائر أسوأ ذنوبهم، ويجوز أن يكون بمعنى السيئ كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، وقرئ «أسواء» جمع سوء. وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ ويعطيهم ثوابهم. بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ فيعد لهم محاسن أعمالهم بأحسنها في زيادة الأجر وعظمه لفرط إخلاصهم فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2539>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nأَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧)\nأَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ استفهام إنكار للنفي مبالغة في الإِثبات، والعبد رسول الله ﷺ ويحتمل الجنس ويؤيده قراءة حمزة والكسائي «عباده»، وفسر بالأنبياء صلوات الله عليهم. وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني قريشًا فإنهم قالوا له إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا بعيبك إياها. وقيل إنه بعث خالدًا ليكسر العزى فقال له سادنها أُحَذِّرْكَهَا فإن لها شدة، فعمد إليها خالد فهشم أنفها فنزل تخويف خالد منزلة تخويفه لأنه الآمر له بما خوف عليه. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ حتى غفل عن كفاية الله له وخوفه بما لا ينفع ولا يضر. فَما لَهُ مِنْ هادٍ يهديهم إلى الرشاد.\nوَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ إذ لا راد لفعله كما قال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ غالب منيع. ذِي انْتِقامٍ ينتقم من أعدائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2540>[سورة الزمر (٣٩): آية ٣٨]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية. قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أي أرأيتم بعد ما تحققتم أن خالق العالم هو الله تعالى وأن آلهتكم إن أراد الله أن يصيبني بضر هل يكشفنه. أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ بنفع. هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ فيمسكنها عني، وقرأ أبو عمرو كاشِفاتُ ضُرِّهِ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ بالتنوين فيهما ونصب ضره ورحمته. قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ كافيًا في إصابة الخير ودفع الضر إذ تقرر بهذا التقرير أنه القادر الذي لا مانع لما يريده من خير أو شر.\nروي أن النبي ﵊ سألهم فسكتوا فنزل ذلك\n، وإنما قال كاشِفاتُ ومُمْسِكاتُ على ما يصفونها به من الأنوثة تنبيهًا على كمال ضعفها. عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ لعلمهم بأن الكل منه تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2541>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٣٩ الى ٤١]</span>\nقُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠) إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)\nقُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ على حالكم، اسم للمكان استعير للحال كما استعير هنا وحيث من المكان للزمان، وقرئ «مكاناتكم» . إِنِّي عامِلٌ أي على مكانتي فحذف للاختصار والمبالغة في الوعيد، والإشعار بأن حاله لا يقف فإنه تعالى يزيده على مر الأيام قوة ونصرة ولذلك توعدهم بكونه منصورًا عليهم في الدارين فقال: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.","vol":"5","page":43},{"text":"مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ فإن خزي أعدائه دليل غلبته، وقد أخزاهم الله يوم بدر. وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ دائم وهو عذاب النار.\nإِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ لأجلهم فإنه مناط مصالحهم في معاشهم ومعادهم. بِالْحَقِّ متلبسًا به. فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ إذ نفع به نفسه. وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها فإن وباله لا يتخطاها. وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ وما وكلت عليهم لتجبرهم على الهدى وإنما أمرت بالبلاغ وقد بلغت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2542>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٢]</span>\nاللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)\nاللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها أي يقبضها عن الأبدان بأن يقطع تعلقها عنها وتصرفها فيها إما ظاهرًا وباطنًا وذلك عند الموت، أو ظاهرًا لا باطنًا وهو في النوم. فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ولا يردها إلى البدن، وقرأ حمزة والكسائي قَضى بِضَم القاف وكسر الضاد والموت بالرفع. وَيُرْسِلُ الْأُخْرى أي النائمة إلى بدنها عند اليقظة. إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو الوقت المضروب لموته وهو غاية جنس الإرسال.\nوما روي عن ابن عباس ﵄: أن في ابن آدم نفسًا وروحًا بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها النفس والحياة، فيتوفيان عند الموت وتتوفى النفس وحدها عند النوم. قريب مما ذكرناه.\nإِنَّ فِي ذلِكَ من التوفي والإِمساك والإِرسال. لَآياتٍ دالة على كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته.\nلِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في كيفية تعلقها بالأبدان وتوفيها عنها بالكلية حين الموت، وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها، وما يعتريها من السعادة والشقاوة والحكمة في توفيها عن ظواهرها وإرسالها حينًا بعد حين إلى توفي آجالها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2543>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)\nأَمِ اتَّخَذُوا بل اتخذ قريش. مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ تشفع لهم عند الله. قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ولو كانوا على هذه الصفة كما تشاهدونهم جمادات لا تقدر ولا تعلم.\nقُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لعله رد لما عسى يجيبون به وهو أن الشفعاء أشخاص مقربون هي تماثيلهم، والمعنى أنه مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه ورضاه، ولا يستقل بها ثم قرر ذلك فقال:\nلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه. ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يوم القيامة فيكون الملك له أيضًا حينئذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2544>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٥]</span>\nوَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)\nوَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ دون آلهتهم. اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ انقبضت ونفرت. وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني الأوثان. إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ لفرط افتتانهم بها ونسيانهم حق الله، ولقد بالغ في الأمرين حتى بلغ الغاية فيهما، فإن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورًا حتى تنبسط له بشرة وجهه، والاشمئزاز أن يمتلئ غمًا حتى ينقبض أديم وجهه، والعامل في إِذا ذُكِرَ العامل في إذ المفاجأة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2545>[سورة الزمر (٣٩): آية ٤٦]</span>\nقُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)","vol":"5","page":44},{"text":"قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ التجئ إلى الله بالدعاء لما تحيرت في أمرهم وضجرت من عنادهم وشدة شكيمتهم، فإنه القادر على الأشياء والعالم بالأحوال كلها. أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فأنت وحدك تقدر أن تحكم بيني وبينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2546>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nوَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨)\nوَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وعيد شديد وإقناط كلي لهم من الخلاص. وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ زيادة مبالغة فيه وهو نظير قوله:\nفَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ في الوعد.\nوَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا سيئات أعمالهم أو كسبهم حين تعرض صحائفهم. وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وأحاط بهم جزاؤه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2547>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nفَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠)\nفَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا إخبار عن الجنس بما يغلب فيه، والعطف على قوله وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ بالفاء لبيان مناقضتهم وتعكيسهم في التسبب بمعنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مسهم ضر دعوا من اشمأزوا من ذكره دون من استبشروا بذكره، وما بينهما اعتراض مؤكد لإنكار ذلك عليهم. ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا أعطيناه إياه تفضلًا فإن التخويل مختص به. قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مني بوجوه كسبه، أو بأني سأعطاه لما لي من استحقاقه، أو من الله بي واستحقاقي، والهاء فيه لما إن جعلت موصولة وإلا فللنعمة والتذكير لأن المراد شيء منها. بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ امتحان له أيشكر أم يكفر، وهو رد لما قاله وتأنيث الضمير باعتبار الخير أو لفظ ال نِعْمَةً، وقرئ بالتذكير. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ذلك، وهو دليل على أن الإِنسان للجنس.\nقَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الهاء لقوله إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ لأنها كلمة أو جملة، وقرئ بالتذكير والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قارون وقومه فإنه قال ورضي به قومه فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ من متاع الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2548>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nفَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)\nفَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا جزاء سيئات أعمالهم أو جزاء أعمالهم، وسماه سيئة لأنه في مقابلة أعمالهم السيئة رمزًا إلى أن جميع أعمالهم كذلك. وَالَّذِينَ ظَلَمُوا بالعتو. مِنْ هؤُلاءِ المشركين ومِنْ للبيان أو للتبعيض. سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا كما أصاب أولئك، وقد أصابهم فإنهم قحطوا سبع سنين وقتل ببدر صناديدهم. وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ بفائتين.\nأَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ حيث حبس عنهم الرزق سبعًا ثم بسط لهم سبعًا.","vol":"5","page":45},{"text":"إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بأن الحوادث كلها من الله بوسط أو غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2549>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nقُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ (٥٤)\nقُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أفرطوا في الجناية عليها بالإِسراف في المعاصي، وإضافة العباد تخصصه بالمؤمنين على ما هو عرف القرآن. لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ لا تيأسوا من مغفرته أولًا وتفضله ثانيًا. إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا عفوًا ولو بَعْدَ بُعْدٍ وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر ويدل على إطلاقه فيما عدا الشرك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الآية، والتعليل بقوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ على المبالغة وإفادة الحصر والوعد بالرحمة بعد المغفرة، وتقديم ما يستدعي عموم المغفرة مما في عِبادِيَ من الدلالة على الذلة، والإِختصاص المقتضيين للترحم، وتخصيص ضرر الإِسراف بأنفسهم والنهي عن القنوط مطلقًا عن الرحمة فضلًا عن المغفرة، وإطلاقها وتعليله بأن الله يغفر الذنوب جميعا، ووضع اسم اللَّهِ موضع الضمير لدلالته على أنه المستغني والمنعم على الإِطلاق والتأكيد بالجميع. وما\nروي أنه ﵊ قال «ما أحب أن تكون لي الدنيا وما فيها بها، فقال رجل يا رسول الله ومن أشرك فسكت ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك ثلاث مرات» .\nوما\nروي أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الوثن وقتل النفس بغير حق لم يغفر له فكيف ولم نهاجر وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس فنزلت.\nوقيل في عياش والوليد بن الوليد في جماعة افتتنوا أو في الوحشي لا ينفي عمومها وكذا قوله:\nوَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ فإنها لا تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبق تعذيب لتغني عن التوبة والإِخلاص في العمل وتنافي الوعيد بالعذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2550>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nوَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)\nوَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ القرآن أو المأمور به دون المنهي عنه، أو العزائم دون الرخص أو الناسخ دون المنسوخ، ولعله ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة على الطاعة. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ بمجيئه فتتداركوا.\nأَنْ تَقُولَ نَفْسٌ كراهة أن تقول وتنكير نَفْسٌ لأن القائل بعض الأنفس أو للتكثير كقول الأعشى:\nوَرُبَّ بَقِيعَ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّه ... أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضبا\nيا حَسْرَتى وقرئ بالياء على الأصل. عَلى مَا فَرَّطْتُ بما قصرت. فِي جَنْبِ اللَّهِ في جانبه أي في حقه وهو طاعته. قال سابق البربري:\nأَمَا تَتَّقِينَ الله فِي جَنْبٍ وَامِق ... لَهُ كبدٌ حَرّى عَلَيْكَ تَقَطَّع\nوهو كناية فيها مبالغة كقوله:\nإِنَّ السَّمَاحَةَ وَالمُرُوءَةَ وَالنَّدَى ... فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الحَشْرَجِ\nوقيل ذاته على تقدير مضاف كالطاعة وقيل في قربه من قوله تعالى: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وقرئ «في ذكر الله» . وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ المستهزئين بأهله ومحل إِنْ كُنْتُ نصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر.","vol":"5","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2551>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٧ الى ٥٩]</span>\nأَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)\nأَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي بالإرشاد إلى الحق. لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ الشرك والمعاصي.\nأَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ في العقيدة والعمل، وأو للدلالة على أنها لا تخلوا من هذه الأقوال تحيرًا وتعللًا بما لا طائل تحته.\nبَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ رد من الله عليه لما تضمنه قوله لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي من معنى النفي وفصله عنه لأن تقديمه يفرق القرائن وتأخير المودود يخل بالنظم المطابق للوجود لأنه يتحسر بالتفريط ثم يتعلل بفقد الهداية ثم يتمنى الرجعة، وهو لا يمنع تأثير قدرة الله فعل العبد ولا ما فيه من إسناد الفعل إليه كما عرفت وتذكير الخطاب على المعنى، وقرئ بالتأنيث للنفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2552>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٠ الى ٦١]</span>\nوَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)\nوَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ بأن وصفوه بما لا يجوز كاتخاذ الولد. وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ بما ينالهم من الشدة أو بما يتخيل عليها من ظلمة الجهل، والجملة حال إذ الظاهر أن ترى من رؤية البصر واكتفى فيها بالضمير عن الواو. أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً مقام. لِلْمُتَكَبِّرِينَ عن الإِيمان والطاعة وهو تقرير لأنهم يرون كذلك.\nوَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا وقرئ «وَيُنَجّي» . بِمَفازَتِهِمْ بفلاحهم مفعلة من الفوز وتفسيرها بالنجاة تخصيصها بأهم أقسامه وبالسعادة والعمل الصالح إطلاق لها على السبب، وقرأ الكوفيون غير حفص بالجمع تطبيقًا له بالمضاف إليه والباء فيها للسببية صلة لينجي أو لقوله: لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وهو حال أو استئناف لبيان المفازة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2553>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nاللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣)\nاللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ من خير وشر وإيمان وكفر. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ يتولى التصرف.\nلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يملك أمرها ولا يتمكن من التصرف فيها غيره، وهو كناية عن قدرته وحفظه لها وفيها مزيد دلالة على الاختصاص، لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها الا من بيده مفاتيحها، وهو جمع مقليد أو مقلاد من قلدته إذا ألزمته، وقيل جمع إقليد معرب إكليد على الشذوذ كمذاكير.\nوعن عثمان ﵁: أنه سأل النبي ﷺ عن المقاليد فقال «تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير» .\nوالمعنى على هذا إن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد، وهي مفاتيح خير السموات والأرض من تكلم بها أصابه. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ متصل بقوله وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا وما بينهما اعتراض للدلالة على أنه مهيمن على العباد مطلع على أفعالهم مجاز عليها، وتغيير","vol":"5","page":47},{"text":"النظم للإشعار بأن العمدة في فلاح المؤمنين فضل الله وفي هلاك الكافرين أن خسروا أنفسهم، وللتصريح بالوعد والتعريض بالوعيد قضية للكرم أو بما يليه، والمراد بآيات الله دلائل قدرته واستبداده بأمر السموات والأرض، أو كلمات توحيده وتمجيده وتخصيص الخسار بهم لأن غيرهم ذو حظ من الرحمة والثواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2554>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٤ الى ٦٥]</span>\nقُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥)\nقُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ أي أفغير الله أعبد بعد هذه الدلائل والمواعيد، وتَأْمُرُونِّي اعتراض للدلالة على أنهم أمروه به عقيب ذلك وقالوا استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك لفرط غباوتهم، ويجوز أن ينتصب غير بما دل عليه تَأْمُرُونّى أَنْ أَعْبُدَ لأنه بمعنى تعبدونني على أن أصله تأمرونني أن أعبد فحذف إن ورفع كقوله:\nأَلا أَيّهذا الزَّاجِرِي أحضر الوغى ويؤيده قراءة أَعْبُدُ بالنصب، وقرأ ابن عامر «تأمرونني» بإظهار النونين على الأصل ونافع بحذف الثانية فإنها تحذف كثيرًا.\nوَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ أي من الرسل. لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ كلام على سبيل الفرض والمراد به تهييج الرسل وإقناط الكفرة والإِشعار على حكم الأمة، وإفراد الخطاب باعتبار كل واحد واللام الأولى موطئة للقسم والأخريان للجواب، وإطلاق الإِحباط يحتمل أن يكون من خصائصهم لأن شركهم أقبح، وأن يكون على التقييد بالموت كما صرح به في قوله وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وعطف الخسران عليه من عطف المسبب على السبب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2555>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٦ الى ٦٧]</span>\nبَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)\nبَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ رد لما أمروه به ولولا دلالة التقديم على الاختصاص لم يكن كذلك. وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ إنعامه عليك وفيه إشارة الى موجب الاختصاص.\nوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ما قدروا عظمته في أنفسهم حق تعظيمه حيث جعلوا له شركاء ووصفوه بما لا يليق به، وقرئ بالتشديد. وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ تنبيه على عظمته وحقارة الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام بالإِضافة إلى قدرته، ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازًا كقولهم: شابت لمة الليل، والقبضة المرة من القبض أطلقت بمعنى القبضة وهي المقدار المقبوض بالكف تسمية بالمصدر أو بتقدير ذات قبضة. وقرئ بالنصب على الظرف تشبيهًا للمؤقت بالمبهم، وتأكيد الْأَرْضُ بالجميع لأن المراد بها الأرضون السبع أو جميع أبعاضها البادية والغائرة. وقرئ «مطويات» على أنها حال والسَّماواتُ معطوفة على الْأَرْضُ منظومة في حكمها. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ما أبعد وأعلى من هذه قدرته وعظمته عن إشراكهم، أو ما يضاف إليه من الشركاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2556>[سورة الزمر (٣٩): آية ٦٨]</span>\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)","vol":"5","page":48},{"text":"وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني المرة الأولى. فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ خر ميتًا أو مغشيًا عليه. إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قيل جبريل وميكائيل وإسرافيل فإنهم يموتون بعد، وقيل حملة العرش. ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى نفخة أخرى وهي تدل على أن المراد بالأُولى ونُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ كما صرح به في مواضع، وأخرى تحتمل النصب والرفع. فَإِذا هُمْ قِيامٌ قائمون من قبورهم أو متوقفون، وقرئ بالنصب على أن الخبر. يَنْظُرُونَ وهو حال من ضميره والمعنى: يقلبون أبصارهم في الجوانب كالمبهوتين أو ينتظرون ما يفعل بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2557>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nوَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠)\nوَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها بما أقام فيها من العدل، سماه «نور» لأنه يزين البقاع ويظهر الحقوق كما سمى الظلم ظلمة.\nوفي الحديث «الظلم ظلمات يوم القيامة» .\nولذلك أضاف اسمه إلى الْأَرْضُ أو بنور خلق فيها بلا واسطة أجسام مضيئة ولذلك أضافه الى نفسه. وَوُضِعَ الْكِتابُ للحساب والجزاء من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه، أو صحائف الأعمال في أيدي العمال، واكتفى باسم الجنس عن الجمع.\nوقيل اللوح المحفوظ يقابل به الصحائف وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ الذين يشهدون للأمم وعليهم من الملائكة والمؤمنين، وقيل المستشهدون. وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بين العباد. بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ بنقص ثواب أو زيادة عقاب على ما جرى به الوعد.\nوَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ جزاءه. وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ فلا يفوته شيء من أفعالهم، ثم فصل التوفية فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2558>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧١ الى ٧٢]</span>\nوَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)\nوَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا أفواجًا متفرقة بعضها في أثر بعض على تفاوت أقدامهم في الضلالة والشرارة، جمع زمرة واشتقاقها من الزمر وهو الصوت إذ الجماعة لا تخلو عنه، أو من قولهم شاة زمرة قليلة الشعر ورجل زمر قليل المروءة وهي الجمع القليل. حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها ليدخلوها وحَتَّى وهي التي تحكي بعدها الجملة، وقرأ الكوفيون فُتِحَتْ بتخفيف التاء. وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها تقريعًا وتوبيخًا. أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ من جنسكم. يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار، وفيه دليل على أنه لا تكليف قبل الشرع من حيث إنهم عللوا توبيخهم بإتيان الرسل وتبليغ الكتب. قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ كلمة الله بالعذاب علينا وهو الحكم عليهم بالشقاوة، وأنهم من أهل النار ووضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على اختصاص ذلك بالكفرة، وقيل هو قوله وقيل هو قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.\nقِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبهم القائل لتهويل ما يقال لهم. فَبِئْسَ مَثْوَى مكان.\nالْمُتَكَبِّرِينَ اللام فيه للجنس والمخصوص بالذم سبق ذكره، ولا ينافي إشعاره بأن مثواهم في النار لتكبرهم عن الحق أن يكون دخولهم فيها لأن كلمة العذاب حقت عليهم، فإن تكبرهم وسائر مقابحهم مسببة عنه كما\nقال ﵊ «إِن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل","vol":"5","page":49},{"text":"من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة. وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2559>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٧٣ الى ٧٤]</span>\nوَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤)\nوَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ إِسراعًا بهم إلى دار الكرامة، وقيل سيق مراكبهم إذ لا يذهب بهم إلا راكبين. زُمَرًا على تفاوت مراتبهم في الشرف وعلو الطبقة. حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها حذف جواب إذا للدلالة على أن لهم حينئذ من الكرامة والتعظيم ما لا يحيط به الوصف، وأن أبواب الجنة تفتح لهم قبل مجيئهم غير منتظرين، وقرأ الكوفيون فُتِحَتْ بالتخفيف. وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا يعتريكم بعد مكروه. طِبْتُمْ طهرتم من دنس المعاصي. فَادْخُلُوها خالِدِينَ مقدرين الخلود فيها، والفاء للدلالة على أن طيبهم سبب لدخولهم وخلودهم، وهو لا يمنع دخول العاصي بعفوه لأنه مطهره.\nوَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ بالبعث والثواب. وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ يريدون المكان الذي استقروا فيه على الاستعارة، وإيراثها تمليكها مخلفة عليهم من أعمالهم أو تمكينهم من التصرف فيها تمكين الوارث فيما يرثه. نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ أي يتبوأ كل منا في أي مقام أراده من جنته الواسعة، مع أن في الجنة مقامات معنوية لا يتمانع واردوها. فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2560>[سورة الزمر (٣٩): آية ٧٥]</span>\nوَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)\nوَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ محدقين. مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ أي حوله ومِنْ مزيدة أو لابتداء الحفوف.\nيُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ملتبسين بحمده. والجملة حال ثانية أو مقيدة للأولى، والمعنى ذاكرين له بوصفي جلاله وإكرامه تلذذًا به، وفيه إشعار بأن منتهى درجات العليين وأعلى لذائذهم هو الاستغراق في صفات الحق. وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ أي بين الخلق بإدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة، أو بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب تفاضلهم. وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي على ما قضي بيننا بالحق. والقائلون هم المؤمنون من المقضي بينهم أو الملائكة وطي ذكرهم لتعينهم وتعظيمهم.\nعن النبي ﷺ: «من قرأ سورة الزمر لم يقطع رجاءه يوم القيامة وأعطاه الله ثواب الخائفين» .\nعن عائشة ﵂: «أنه ﵊ كان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر»\nوالله أعلم.","vol":"5","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2561>(٤٠) سورة المؤمن</span>\nمكية وآيها خمس وثمانون\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2562>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)\nحَم أماله ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر صريحًا، ونافع برواية ورش وأبو عمرو بين بين، وقرئ بفتح الميم على التحريك لالتقاء الساكنين، أو النصب بإضمار اقرأ ومنع صرفه للتعريف والتأنيث، أو لأنها على زنة أعجمي كقابيل وهابيل.\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ لعل تخصيص الوصفين لما في القرآن من الإِعجاز والحكم الدال على القدرة الكاملة والحكمة البالغة.\nغافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ صفات أخرى لتحقيق ما فيه من الترغيب والترهيب والحث على ما هو المقصود منه، والإضافة فيها حقيقة على أنه لم يرد بها زمان مخصوص، وأريد ب شَدِيدِ الْعِقابِ مشددة أو الشديد عقابه فحذف اللام للازدواج وأمن الالتباس، أو إبدال وجعله وحده بدلًا مشوش للنظم وتوسيط الواو بين الأولين لإِفادة الجمع بين محو الذنوب وقبول التوبة، أو تغاير الوصفين إذ ربما يتوهم الاتحاد، أو تغاير موقع الفعلين لأن الغفر هو الستر فيكون لذنب باق وذلك لمن لم يتب فإن\n«التائب من الذنب كمن لا ذنب له» .\nوالتوب مصدر كالتوبة وقيل جمعها والطول الفضل بترك العقاب المستحق، وفي توحيد صفة العذاب مغمورة بصفات الرحمة دليل رجحانها. لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ فيجب الإِقبال الكلي على عبادته. إِلَيْهِ الْمَصِيرُ فيجازي المطيع والعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2563>[سورة غافر (٤٠): آية ٤]</span>\nما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤)\nما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا لما حقق أمر التنزيل سجل بالكفر على المجادلين فيه بالطعن وإدحاض الحق لقوله: وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وأما الجدال فيه لحل عقده واستنباط حقائقه وقطع تشبث أهل الزيغ به وقطع مطاعنهم فيه فمن أعظم الطاعات، ولذلك\nقال ﵊ «إن جدالًا في القرآن كفر»\nبالتنكير مع أنه ليس جدالًا فيه على الحقيقة. فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ فلا يغررك إمهالهم وإقبالهم في دنياهم وتقلبهم في بلاد الشام واليمن بالتجارات المربحة فإنهم مأخوذون عما قريب بكفرهم أخذ من قبلهم كما قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2564>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦)\n.","vol":"5","page":51},{"text":"كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ والذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم بعد قوم نوح كعاد وثمود. وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ من هؤلاء. بِرَسُولِهِمْ وقرئ «برسولها» . لِيَأْخُذُوهُ ليتمكنوا من إصابته بما أرادوا من تعذيب وقتل من الأخذ بمعنى الأسر. وَجادَلُوا بِالْباطِلِ بما لا حقيقة له. لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ليزيلوه به. فَأَخَذْتُهُمْ بالإِهلاك جزاء لهم. فَكَيْفَ كانَ عِقابِ فإنكم تمرون على ديارهم وترون أثره. وهو تقرير فيه تعجيب.\nوَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وعيده أو قضاؤه بالعذاب. عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا بكفرهم. أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ بدل من كلمة رَبِّكَ بدل الكل أو الاشتمال على إرادة اللفظ أو المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2565>[سورة غافر (٤٠): آية ٧]</span>\nالَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧)\nالَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ الكروبيون أعلى طبقات الملائكة وأولهم وجودًا وحملهم إياه وحفيفهم حوله مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له، أو كناية عن قربهم من ذي العرش ومكانتهم عنده وتوسطهم في نفاذ أمره. يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الجلال والإِكرام، وجعل التسبيح أصلًا والحمد حالًا لأن الحمد مقتضى حالهم دون التسبيح. وَيُؤْمِنُونَ بِهِ أخبر عنهم بالإِيمان إظهارًا لفضله وتعظيمًا لأهله ومساق الآية لذلك كما صرح به بقوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وإشعارًا بأن حملة العرش وسكان الفرش في معرفته سواء ردًا على المجسمة واستغفارهم شفاعتهم وحملهم على التوبة وإلهامهم ما يوجب المغفرة، وفيه تنبيه على أن المشاركة في الإِيمان توجب النصح والشفقة وإن تخالفت الأجناس لأنها أقوى المناسبات كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ. رَبَّنا أي يقولون رَبَّنا وهو بيان ل يَسْتَغْفِرُونَ أو حال. وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا أي وسعت رحمتك وعلمك فأزيل عن أصله للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم والمبالغة في عمومها، وتقديم الرحمة لأنها المقصودة بالذات ها هنا.\nفَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيل الحق. وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ واحفظهم عنه وهو تصريح بعد إشعار للتأكيد والدلالة على شدة العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2566>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nرَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)\nرَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وعدتهم إياها. وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ عطف على هم الأول أي أدخلهم ومعهم هؤلاء ليتم سرورهم، أو الثاني لبيان عموم الوعد، وقرئ «جنة عدن» و«صَلُحَ» بالضم و«ذريتهم» بالتوحيد. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الذي لا يمتنع عليه مقدور. الْحَكِيمُ الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته ومن ذلك الوفاء بالوعد. وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ العقوبات أو جزاء السيئات، وهو تعميم بعد تخصيص، أو تخصيص بمن صَلَحَ أو المعاصي في الدنيا لقوله: وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ أي ومن تقها في الدنيا فقد رحمته في الآخرة كأنهم طلبوا السبب بعد ما سألوا المسبب. وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني الرحمة أو الوقاية أو مجموعهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2567>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)","vol":"5","page":52},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ يوم القيامة فيقال لهم: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم الأمارة بالسوء. إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ ظرف لفعل دل عليه المقت الأول لا له لأنه أخبر عنه، ولا للثاني لأن مقتهم أنفسهم يوم القيامة حين عاينوا جزاء أعمالهم الخبيثة إلا أن يؤول بنحو: بالصَّيْفِ ضيّعْتِ اللَّبَن. أو تعليل للحكم وزمان المقتين واحد.\nقالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ إماتتين بأن خلقتنا أمواتا أوّلا ثم صيرتنا أمواتًا عند انقضاء آجالنا، فإن الإماتة جعل الشيء عادم الحياة ابتداء أو بتصيير كالتصغير والتكبير، ولذلك قيل سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل، وإن خص بالتصيير فاختيار الفاعل المختار أحد مفعوليه تصيير وصرف له عن الآخر. وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ الإحياءة الأولى وإحياءة البعث. وقيل الإِماتة الأولى عند انخرام الأجل والثانية في القبر بعد الإِحياء للسؤال والإِحياءان ما في القبر والبعث، إذ المقصود اعترافهم بعد المعاينة بما غفلوا عنه ولم يكترثوا به ولذلك تسبب بقوله: فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فإن اقترافهم لها من اغترارهم بالدنيا وإنكارهم البعث. فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ نوع خروج من النار. مِنْ سَبِيلٍ\nطريق فنسلكه وذلك إنما يقولونه من فرط قنوطهم تعللًا وتحيرًا ولذلك أجيبوا بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2568>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (١٣)\nذلِكُمْ الذي أنتم فيه. بِأَنَّهُ بسبب أنه. إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ متحدًا أو توحد وحده فحذف الفعل وأقيم مقامه في الحالية. كَفَرْتُمْ بالتوحيد. وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا بالإِشراك. فَالْحُكْمُ لِلَّهِ المستحق للعبادة حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد الدائم. الْعَلِيِّ عن أن يشرك به ويسوى بغيره. الْكَبِيرِ حيث حكم على من أشرك وسوى به بعض مخلوقاته في استحقاق العبادة بالعذاب السرمد.\nهُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ الدالة على التوحيد وسائر ما يجب أن يعلم تكميلًا لنفوسكم. وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا أسباب رزق كالمطر مراعاة لمعاشكم. وَما يَتَذَكَّرُ بالآيات التي هي كالمركوزة في العقول لظهورها المغفول عنها للانهماك في التقليد واتباع الهوى. إِلَّا مَنْ يُنِيبُ يرجع عن الإِنكار بالإِقبال عليها والتفكر فيها، فإن الجازم بشيء لا ينظر فيما ينافيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2569>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nفَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥)\nفَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ من الشرك. وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ إخلاصكم وشق عليهم.\nرَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ خبران آخران للدلالة على علو صمديته من حيث المعقول والمحسوس الدال على تفرده في الألوهية، فإن من ارتفعت درجات كماله بحيث لا يظهر دونها كمال وكان العرش الذي هو أصل العالم الجسماني في قبضة قدرته لا يصح أن يشرك به، وقيل الدرجات مراتب المخلوقات أو مصاعد الملائكة إلى العرش أو السموات أو درجات الثواب. وقرئ «رَفِيعَ» بالنصب على المدح. يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ خبر رابع للدلالة على أن الروحانيات أيضًا مسخرات لأمره بإظهار آثارها وهو الوحي، وتمهيد للنبوة بعد تقرير التوحيد والروح الوحي ومن أمره بيانه لأنه أمر بالخير أو مبدؤه والآمر هو الملك المبلغ. عَلى مَنْ","vol":"5","page":53},{"text":"يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ\nيختاره للنبوة، وفيه دليل على أنها عطائية. لِيُنْذِرَ غاية الإلقاء والمستكن فيه لله، أو لمن أو للروح واللام مع القرب تؤيد الثاني. يَوْمَ التَّلاقِ يوم القيامة، فإن فيه تتلاقى الأرواح والأجساد وأهل السماء والأرض أو المعبودون والعباد أو الأعمال والعمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2570>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nيَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لاَ يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧)\nيَوْمَ هُمْ بارِزُونَ خارجون من قبورهم أو ظاهرون لا يسترهم شيء أو ظاهرة نفوسهم لا تحجبهم غواشي الأبدان، أو أعمالهم وسرائرهم. لاَ يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم، وهو تقرير لقوله هُمْ بارِزُونَ وإزاحة لنحو ما يتوهم في الدنيا. لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به، أو لما دل عليه ظاهر الحال فيه من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط، وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائمًا.\nالْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كأنه نتيجة لما سبق، وتحقيقه أن النفوس تكتسب بالعقائد والأعمال هيئات توجب لذتها وألمها لكنها لا تشعر بها في الدنيا لعوائق تشغلها، فإذا قامت قيامتها زالت العوائق وأدركت لذتها وألمها. لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ بنقص الثواب وزيادة العقاب. إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ إذ لا يشغله شأن عن شأن فيصل إليهم ما يستحقونه سريعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2571>[سورة غافر (٤٠): آية ١٨]</span>\nوَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨)\nوَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ أي القيامة سميت بها لأزوفها أي قربها، أو الخطة الْآزِفَةِ وهي مشارفتهم النار وقيل الموت. إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ فإنها ترتفع عن أماكنها فتلصق بحلوقهم فلا تعود فيتروحوا ولا تخرج فيستريحوا. كاظِمِينَ على الغم حال من أصحاب القلوب على المعنى لأنه على الإِضافة، أو منها أو من ضميرها في لدى وجمعه كذلك لأن الكظم من أفعال العقلاء كقوله: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ. أو من مفعول أَنْذِرْهُمْ على أنه حال مقدرة. مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ قريب مشفق. وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ولا شفيع مشفع، والضمائر إن كانت للكفار وهو الظاهر كان وضع الظالمين موضع ضميرهم للدلالة على اختصاص ذلك بهم وأنه لظلمهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2572>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nيَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)\nيَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ النظرة الخائنة كالنظرة الثانية إلى غير المحرم واستراق النظر إليه، أو خيانة الأعين. وَما تُخْفِي الصُّدُورُ من الضمائر والجملة خبر خامس للدلالة على أنه ما من خفي إلا وهو متعلق العلم والجزاء وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ لأنه المالك الحاكم على الإطلاق فلا يقضي بشيء إلا وهو حقه وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ تهكم بهم لأن الجماد لا يقال فيه إنه يقضي أو لا يقضي. وقرأ نافع وهشام بالتاء على الالتفات أو إضمار قل: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ تقرير لعلمه ب خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وقضائه بالحق ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون، وتعريض بحال مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ.","vol":"5","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2573>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢)\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ مآل حال الذين كذبوا الرسل قبلهم كعاد وثمود. كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً قدرة وتمكنًا، وإنما جيء بالفصل وحقه أن يقع بين معرفتين لمضارعة أفعل من للمعرفة في امتناع دخول اللام عليه. وقرأ ابن عامر «أشد منكم» بالكاف. وَآثارًا فِي الْأَرْضِ مثل القلاع والمدائن الحصينة. وقيل المعنى وأكثر آثارًا كقوله: متقلدًا سيفًا ورمحًا. فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ يمنع العذاب عنهم.\nذلِكَ الأخذ. بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات أو الأحكام الواضحة. فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ متمكن مما يريده غاية التمكن. شَدِيدُ الْعِقابِ لا يؤبه بعقاب دون عقابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2574>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٢٥)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا يعني المعجزات. وَسُلْطانٍ مُبِينٍ وحجة قاهرة ظاهرة، والعطف لتغاير الوصفين أو لإِفراد بعض المعجزات كالعصا تفخيمًا لشأنه.\nإِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ يعنون موسى ﵊، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ وبيان لعاقبة من هو أشد الذين كانوا من قبلهم بطشًا وأقربهم زمانًا.\nفَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ أي أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلون بهم أولًا كي يصدوا عن مظاهرة موسى ﵇. وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ في ضياع، ووضع الظاهر فيه موضع الضمير لتعميم الحكم والدلالة على العلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2575>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧)\nوَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى كانوا يكفونه عن قتله ويقولون إنه ليس الذي تخافه بل هو ساحر، ولو قتلته ظن أنك عجزت عن معارضته بالحجة وتعلله بذلك مع كونه سفاكًا في أهون شيء دليل على أنه تيقن أنه نبي فخاف من قتله، أو ظن أنه لو حاوله لم يتيسر له ويؤيده قوله. وَلْيَدْعُ رَبَّهُ فإنه تجلد وعدم مبالاة بدعائه. إِنِّي أَخافُ إن لم أقتله. أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أن يغير ما أنتم عليه من عبادته وعبادة الأصنام لقوله: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ. أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ما يفسد دنياكم من التحارب والتهارج إن لم يقدر أن يبطل دينكم بالكلية. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالواو على معنى الجمع، وابن كثير وابن عامر والكوفيون غير حفص بفتح الياء والهاء ورفع الْفَسادَ.\nوَقالَ مُوسى أي لقومه لما سمع بكلامه. إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ صدر الكلام بأن تأكيدًا وإشعارًا على أن السبب المؤكد في دفع الشر هو العياذ بالله، وخص اسم الرب لأن المطلوب هو الحفظ والتربية، وإضافته إليه وإليهم حثًا لهم على موافقته لما في تظاهر الأرواح من","vol":"5","page":55},{"text":"استجلاب الإِجابة، ولم يسم فرعون وذكر وصفًا يعمه وغيره لتعميم الإِستعاذة ورعاية الحق والدلالة على الحامل له على القول. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي عدت فيه وفي سورة «الدخان» بالإِدغام وعن نافع مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2576>[سورة غافر (٤٠): آية ٢٨]</span>\nوَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)\nوَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ من أقاربه. وقيل مِنْ متعلق بقوله: يَكْتُمُ إِيمانَهُ والرجل إسرائيلي أو غريب موحد كان ينافقهم. أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أتقصدون قتله. أَنْ يَقُولَ لأن يقول، أو وقت أن يقول من غير روية وتأمل في أمره. رَبِّيَ اللَّهُ وحده وهو في الدلالة على الحصر مثل صديقي زيد. وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ المتكثرة الدالة على صدقه من المعجزات والاستدلالات. مِنْ رَبِّكُمْ أضافه إليهم بعد ذكر البينات احتجاجًا عليهم واستدراجًا لهم إلى الاعتراف به، ثم أخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط فقال:\nوَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله. وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، وفيه مبالغة في التحذير وإظهار للإِنصاف وعدم التعصب، ولذلك قدم كونه كاذبًا أو يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض مواعيده، كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالًا عندهم وتفسير ال بَعْضُ بالكل كقول لبيد:\nتَرَاكَ أَمْكنة إِذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حمامُهَا\nمردود لأنه أراد بال بَعْضُ نفسه. إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ احتجاج ثالث ذو وجهين:\nأحدهما: أنه لو كان مسرفًا كذابًا لما هداه الله إلى البينات ولما عضده بتلك المعجزات.\nوثانيهما: أن من خذله الله أهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله. ولعله أراد به المعنى الأول وخيل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم، وعرض به لفرعون بأنه مُسْرِفٌ كَذَّابٌ لا يهديه الله سبيل الصواب وطريق النجاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2577>[سورة غافر (٤٠): آية ٢٩]</span>\nيا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩)\nيا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ غالبين عالين. فِي الْأَرْضِ أرض مصر. فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله بقتله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد، وإنما أدرج نفسه في الضميرين لأنه كان منهم في القرابة وليريهم أنه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم. قالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ ما أشير عليكم. إِلَّا مَا أَرى وأستصوبه من قتله وما أعلمكم إلا ما علمت من الصواب وقلبي ولساني متواطئان عليه. وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ طريق الصواب، وقرئ بالتشديد على أنه فعال للمبالغة من رشد كعلام، أو من رشد كعباد لا من أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصور على السماع أو للنسبة إلى الرشد كعواج وبتات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2578>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nوَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ (٣١)\nوَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ في تكذيبه والتعرض له. مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مثل أيام","vol":"5","page":56},{"text":"الأمم الماضية يعني وقائعهم، وجمع الْأَحْزابِ مع التفسير أغنى عن جمع اليوم.\nمِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ مثل جزاء ما كانوا عليه دائبًا من الكفر وإيذاء الرسل. وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ كقوم لوط. وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ فلا يعاقبهم بغير ذنب ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام، وهو أبلغ من قوله: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ من حيث أن المنفي فيه حدوث تعلق إرادته بالظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2579>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nوَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)\nوَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يوم القيامة ينادي فيه بعضهم بعضًا للاستغاثة، أو يتصايحون بالويل والثبور، أو يتنادى أصحاب الجنة وأصحاب النار كما حكي في «الأعراف» . وقرئ بالتشديد وهو أن يند بعضهم من بعض كقوله يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ.\nيَوْمَ تُوَلُّونَ عن الموقف. مُدْبِرِينَ منصرفين عنه إلى النار. وقيل فارين عنها. مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يعصمكم من عذابه. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2580>[سورة غافر (٤٠): آية ٣٤]</span>\nوَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤)\nوَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ يوسف بن يعقوب على أن فرعونه فرعون موسى، أو على نسبة أحوال الآباء إلى الأولاد أو سبطه يوسف بن إبراهيم بن يوسف. مِنْ قَبْلُ من قبل موسى. بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات.\nفَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ من الدين. حَتَّى إِذا هَلَكَ مات. قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ضما إلى تكذيب رسالته تكذيب رسالة من بعده، أو جزمًا بأن لا يبعث من بعده رسول مع الشك في رسالته، وقرئ «ألن يبعث الله» على أن بعضهم يقرر بعضًا بنفي البعث. كَذلِكَ مثل ذلك الضلال. يُضِلُّ اللَّهُ في العصيان. مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ شاك فيما تشهد به البينات لغلبة الوهم والانهماك في التقليد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2581>[سورة غافر (٤٠): آية ٣٥]</span>\nالَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)\nالَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بدل من الموصول الأول لأنه بمعنى الجمع. بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ بغير حجة بل إما بتقليد أو بشبهة داحضة. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا فيه ضمير من وإفراده للفظ، ويجوز أن يكون الَّذِينَ مبتدأ وخبره كَبُرَ على حذف مضاف أي: وجدال الذين يجادلون كبر مقتًا أو بغير سلطان وفاعل كَبُرَ كَذلِكَ أي كبر مقتًا مثل ذلك الجدال فيكون قوله: يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ استئنافًا للدلالة على الموجب لجدالهم. وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان قلب بالتنوين على وصفه بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما كقولهم: رأت عيني وسمعت أذني، أو على حذف مضاف أي على كل ذي قلب متكبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2582>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (٣٧)\n.","vol":"5","page":57},{"text":"وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا بناء مكشوفًا عاليًا من صرح الشيء إذا ظهر. لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ الطرق.\nأَسْبابَ السَّماواتِ بيان لها وفي إبهامها ثم إيضاحها تفخيم لشأنها وتشويق للسامع إلى معرفتها.\nفَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى عطف على أَبْلُغُ. وقرأ حفص بالنصب على جواب الترجي ولعله أراد أن يبني له رصدًا في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية، فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله إياه، أو إن يرى فساد قول موسى بأن أخباره من إله السماء يتوقف على إطلاعه ووصوله إليه، وذلك لا يتأتى إلا بالصعود إلى السماء وهو مما لا يقوى عليه الإنسان، وذلك لجهله بالله وكيفية استنبائه. وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا في دعوى الرسالة. وَكَذلِكَ ومثل التزيين، زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ سبيل الرشاد، والفاعل على الحقيقة هو الله تعالى ويدل عليه أنه قرئ زين بالفتح وبالتوسط الشيطان. وقرأ الحجازيان والشامي وأبو عمرو وَصُدَّ على أن فرعون صد الناس عن الهدى بأمثال هذه التمويهات والشبهات ويؤيده: وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ أي خسار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2583>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nوَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩)\nوَقالَ الَّذِي آمَنَ يعني مؤمن آل فرعون. وقيل موسى ﵊. يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ بالدلالة. سَبِيلَ الرَّشادِ سبيلًا يصل سالكه إلى المقصود، وفيه تعريض بأن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي.\nيا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ تمتع يسير لسرعة زوالها. وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ لخلودها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2584>[سورة غافر (٤٠): آية ٤٠]</span>\nمَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠)\nمَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها عدلًا من الله، وفيه دليل على أن الجنايات تغرم بمثلها. وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ بغير تقدير وموازنة بالعمل بل أضعافًا مضاعفة فضلًا منه ورحمة، ولعل تقسيم العمال وجعل الجزاء جملة إسمية مصدرة باسم الإِشارة، وتفضيل الثواب لتغليب الرحمة، وجعل العمل عمدة والإِيمان حالًا للدلالة على أنه شرط في اعتبار العمل وأن ثوابه أعلى من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2585>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَيا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)\nوَيا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ كرر نداءهم إيقاظًا لهم عن سنة الغفلة واهتمامًا بالمنادى له، ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه، وعطفه على النداء الثاني الداخل على ما هو بيان لما قبله ولذلك لم يعطف على الأول، فإن ما بعده أيضًا تفسير لما أجمل فيه تصريحًا أو تعريضًا أو على الأول.\nتَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ بدل أو بيان فيه تعليل والدعاء كالهداية في التعدية بإلى واللام. وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ بربوبيته. عِلْمٌ والمراد نفي المعلوم والإِشعار بأن الألوهية لا بد لها من برهان فاعتقادها لا","vol":"5","page":58},{"text":"يصح إلا عن إيقان. وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ المستجمع لصفات الألوهية من كمال القدرة والغلبة وما يتوقف عليه من العلم والإِرادة، والتمكن من المجازاة والقدرة على التعذيب والغفران.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2586>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nلا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤)\nلاَ جَرَمَ لا رد لما دعوه إليه، وجَرَمَ فعل بمعنى حق وفاعله: أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ أي حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلًا لأنها جمادات ليس لها ما يقتضي ألوهيتها أو عدم دعوة مستجابة أو عدم استجابة دعوة لها. وقيل جَرَمَ بمعنى كسب وفاعله مستكن فيه أي كسب ذلك الدعاء إليه أن لا دعوة له بمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته، وقيل فعل من الجرم بمعنى القطع كما إن بدا من لا بد فعل من التبديد وهو التفريق، والمعنى لا قطع لبطلان دعوة ألوهية الأصنام أي لا ينقطع في وقت ما فتنقلب حقًا، ويؤيده قولهم لا جرم أنه يفعل لغة فيه كالرشد والرشد. وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ بالموت. وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ في الضلالة والطغيان كالإِشراك وسفك الدماء. هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ملازموها.\nفَسَتَذْكُرُونَ وقرئ «فَسَتَذْكُرُونَ» أي فسيذكر بعضكم بعضًا عند معاينة العذاب. مَا أَقُولُ لَكُمْ من النصيحة. وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ليعصمني من كل سوء. إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فيحرسهم وكأنه جواب توعدهم المفهوم من قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2587>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nفَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦)\nفَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا شدائد مكرهم. وقيل الضمير لموسى ﵊. وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ بفرعون وقومه فاستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك. وقيل بطلبة المؤمن من قومه فإنه فر إلى جبل فاتبعه طائفة فوجدوه يصلي والوحوش حوله صفوفًا فرجعوا رعبًا فقتلهم. سُوءُ الْعَذابِ الغرق أو القتل أو النار.\nالنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا جملة مستأنفة أو النَّارُ خبر محذوف ويُعْرَضُونَ استئناف للبيان، أو بدل ويُعْرَضُونَ حال منها، أو من الآل وقرئت منصوبة على الاختصاص أو بإضمار فعل يفسره يُعْرَضُونَ مثل يصلون، فإن عرضهم على النار إحراقهم بها من قولهم: عرض الأسارى على السيف إذا قتلوا به، وذلك لأرواحهم كما روى ابن مسعود أن أرواحهم في أجواف طيور سود تعرض على النار بكرة وعشيًا إلى يوم القيامة، وذكر الوقتين تحتمل التخصيص والتأبيد، وفيه دليل على بقاء النفس وعذاب القبر.\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي هذا ما دامت الدنيا فإذا قامت الساعة قيل لهم: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ يا آل فرعون.\nأَشَدَّ الْعَذابِ عذاب جهنم فإنه أشد مما كانوا فيه، أو أشد عذاب جهنم. وقرأ حمزة والكسائي ونافع ويعقوب وحفص أَدْخِلُوا على أمر الملائكة بإدخالهم النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2588>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nوَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨)","vol":"5","page":59},{"text":"وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ واذكر وقت تخاصمهم فيها ويحتمل العطف على غدوا. فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا تفصيل له. إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا تباعًا كخدم في جمع خادم أو ذوي تبع بمعنى أتباع على الإِضمار أو التجوز. فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ بالدفع أو الحمل، ونَصِيبًا مفعول به لما دل عليه مُغْنُونَ أوله بالتضمين أو مصدر كشيئًا في قوله: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.\nفيكون من صلة ل مُغْنُونَ.\nقالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها نحن وأنتم فكيف نغني عنكم ولو قدرنا لأغنينا عن أنفسنا، وقرئ «كلا» على التأكيد لأنه بمعنى كلنا وتنوينه عوض عن المضاف إليه، ولا يجوز جعله حالًا من المستكن في الظرف فإنه لا يعمل في الحال المتقدمة كما يعمل في الظرف المتقدم كقولك كل يوم لك ثوب. إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2589>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٥٠)\nوَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أي لخزنتها، ووضع جَهَنَّمَ موضع الضمير للتهويل أو لبيان محلهم فيها، إذ يحتمل أن تكون جَهَنَّمَ أبعد دركاتها من قولهم: بئر جهنام بعيدة القعر. ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا قدر يوم. مِنَ الْعَذابِ شيئًا من العذاب، ويجوز أن يكون المفعول «يوما» بحذف المضاف ومِنَ الْعَذابِ بيانه.\nقالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ أرادوا به إلزامهم للحجة وتوبيخهم على إضاعتهم أوقات الدعاء وتعطيلهم أسباب الإِجابة. قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا فإنا لا نجترئ فيه إذ لم يؤذن لنا في الدعاء لأمثالكم، وفيه إقناط لهم عن الإِجابة. وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ضياع لا يجاب، وفيه اقناط لهم عن الإجابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2590>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nإِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)\nإِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة. فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ أي في الدارين ولا ينتقض ذلك بما كان لأعدائهم عليهم من الغلبة أحيانًا إذ العبرة بالعواقب وغالب الأمر، والْأَشْهادُ جمع شاهد كصاحب وأصحاب، والمراد بهم من يقوم يوم القيامة الشهادة على الناس من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.\nيَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ بدل من الأول وعدم نفع المعذرة لأنها باطلة، أو لأنه لم يؤذن لهم فيعتذروا. وقرأ غير الكوفيين ونافع بالتاء. وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ البعد عن الرحمة. وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ جهنم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2591>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤)","vol":"5","page":60},{"text":"وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى ما يهتدي به في الدين من المعجزات والصحف والشرائع. وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وتركنا عليهم بعده من ذلك التوراة.\nهُدىً وَذِكْرى هداية وتذكرة أو هاديًا ومذكرًا. لِأُولِي الْأَلْبابِ لذوي العقول السليمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2592>[سورة غافر (٤٠): آية ٥٥]</span>\nفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥)\nفَاصْبِرْ على أذى المشركين. إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ بالنصر لا يخلفه، واستشهد بحال موسى وفرعون.\nوَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وأقبل على أمر دينك وتدارك فرطاتك بترك الأولى والاهتمام بأمر العدا بالاستغفار، فإنه تعالى كافيك في النصر إظهار الأمر. وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ودم على التسبيح والتحميد لربك.\nوقيل صلِّ لهذين الوقتين، إذ كان الواجب بمكة ركعتين بكرة وركعتين عشيّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2593>[سورة غافر (٤٠): آية ٥٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)\nإِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ عام في كل مجادل مبطل وإن نزل في مشركي مكة أو اليهود حين قالوا: لست صاحبنا بل هو المسيح بن داود يبلغ سلطانه البر والبحر وتسير معه الأنهار. إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ إلا تكبر عن الحق وتعظم عن التفكر والتعلم، أو إرادة الرياسة أو إن النبوة والملك لا يكونان إلا لهم. مَّا هُمْ بِبالِغِيهِ ببالغي دفع الآيات أو المراد. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ فالتجئ إليه. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لأقوالكم وأفعالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2594>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nلَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٥٧) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)\nلَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ فمن قدر على خلقها مع عظمها أولًا من غير أصل قدر على خلق الإِنسان ثانيًا من أصل، وهو بيان لأشكل ما يجادلون فيه من أمر التوحيد. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم واتباعهم أهواءهم.\nوَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الغافل والمستبصر. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ والمحسن والمسيء فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت، وهي فيما بعد البعث وزيادة لا في المسيء لأن المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل والكرامة، والعاطف الثاني عطف الموصول بما عطف عليه على الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ لتغاير الوصفين في المقصود، أو الدلالة بالصراحة والتمثيل. قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ أي تذكرًا ما قليلًا يتذكرون، والضمير للناس أو الكفار. وقرأ الكوفيون بالتاء على تغليب المخاطب، أو الالتفات أو أمر الرسول بالمخاطبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2595>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٩ الى ٦٠]</span>\nإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠)\nإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيها في مجيئها لوضوح الدلالة على جوازها وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ لا يصدقون بها لقصور نظرهم على ظاهر ما يحسون به.\nوَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي اعبدوني. أَسْتَجِبْ لَكُمْ أثبكم لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي","vol":"5","page":61},{"text":"سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ\nصاغرين، وإن فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلًا منزلته للمبالغة، أو المراد بالعبادة الدعاء فإنه من أبوابها. وقرأ ابن كثير وأبو بكر سَيَدْخُلُونَ بضم الياء وفتح الخاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2596>[سورة غافر (٤٠): آية ٦١]</span>\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (٦١)\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ لتستريحوا فيه بأن خلقه باردًا مظلمًا ليؤدي إلى ضعف الحركات وهدوء الحواس. وَالنَّهارَ مُبْصِرًا يبصر فيه أو به، وإسناد الإِبصار إليه مجاز فيه مبالغة ولذلك عدل به عن التعليل إلى الحال: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ لا يوازيه فضل، وللإِشعار به لم يقل لمفضل. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ لجهلهم بالمنعم وإغفالهم مواقع النعم، وتكرير الناس لتخصيص الكفران بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2597>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٢ الى ٦٣]</span>\nذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)\nذلِكُمُ المخصوص بالأفعال المقتضية للألوهية والربوبية. اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلهَ إِلَّا هُوَ أخبار مترادفة تخصص اللاحقة السابقة وتقررها، وقرئ «خالق» بالنصب على الاختصاص فيكون لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ استئنافًا بما هو كالنتيجة للأوصاف المذكورة. فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فكيف ومن أي وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره.\nكَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أي كما أفكوا أفك عن الحق كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2598>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٤ الى ٦٥]</span>\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥)\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً استدلال ثان بأفعال أخر مخصوصة. وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ بأن خلقكم منتصب القامة بادي البشرة متناسب الأعضاء، والتخطيطات متهيأ لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات. وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ اللذائذ. ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ فإن كل ما سواه مربوب مفتقر بالذات معرض للزوال.\nهُوَ الْحَيُّ المتفرد بالحياة الذاتية. لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ إذ لا موجد سواه ولا موجود يساويه أو يدانيه فِي ذاته وصفاته. فَادْعُوهُ فاعبدوه. مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي الطاعة من الشرك والرياء. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قائلين له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2599>[سورة غافر (٤٠): آية ٦٦]</span>\nقُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦)\nقُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي من الحجج والآيات أو من الآيات فإنها مقوية لأدلة العقل منبهة عليها. وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ بأن أنقاد له أو أخلص له ديني.","vol":"5","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2600>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٧ الى ٦٨]</span>\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا أطفالًا، والتوحيد لإرادة الجنس أو على تأويل كل واحد منكم. ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ اللام فيه متعلقة بمحذوف تقديره: ثم يبقيكم لتبلغوا وكذا في قوله: ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ويجوز عطفه على لِتَبْلُغُوا وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص وهشام شُيُوخًا بضم الشين. وقرئ «شيخًا» كقوله طِفْلًا. وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ من قبل الشيخوخة أو بلوغ الأشد. وَلِتَبْلُغُوا ويفعل ذلك لتبلغوا: أَجَلًا مُسَمًّى هو وقت الموت أو يوم القيامة. وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ما في ذلك من الحجج والعبر.\nهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فإذا أراده. فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فلا يحتاج في تكوينه إلى عدة وتجشم كلفة، والفاء الأولى للدلالة على أن ذلك نتيجة ما سبق من حيث أنه يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة على العدد والمواد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2601>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٦٩ الى ٧٠]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ عَن التصديق به وتكرير ذم المجادلة لتعدد المجادل، أو المجادل فيه، أو للتأكيد.\nالَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ بالقرآن أو بجنس الكتب السماوية. وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا من سائر الكتب أو الوحي والشرائع. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ جزاء تكذيبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2602>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧١ الى ٧٤]</span>\nإِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤)\nإِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ظرف ل يَعْلَمُونَ إذ المعنى على الاستقبال، والتعبير بلفظ المضي لتيقنه. وَالسَّلاسِلُ عطف على الْأَغْلالُ أو مبتدأ خبره. يُسْحَبُونَ.\nفِي الْحَمِيمِ والعائد محذوف أي يسحبون بها، وهو على الأول حال. وقرئ «والسلاسل يُسْحَبُونَ» بالنصب وفتح الياء على تقديم المفعول وعطف الفعلية على الاسمية، وَالسَّلاسِلُ بالجر حملًا على المعنى إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ بمعنى أعناقهم في الأغلال، أو إضمارًا للباء ويدل عليه القراءة به. ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ يحرقون من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، ومنه السجير للصديق كأنه سجر بالحب أي ملئ.\nوالمراد أنهم يعذبون بأنواع من العذاب وينقلون من بعضها إلى بعض.\nثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا غابوا عنا وذلك قبل أن تقرن بهم آلهتهم، أو ضاعوا عنا فلم نجد ما كنا نتوقع منهم. بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا أي بل تبين لنا أنا لم نكن نعبد شيئًا بعبادتهم فإنهم ليسوا شيئًا يعتد به كقولك: حسبته شيئًا فلم يكن. كَذلِكَ مثل ذلك الضلال. يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ حتى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة، أو يضلهم عن آلهتهم حتى لو","vol":"5","page":63},{"text":"تطالبوا لم يتصادفوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2603>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)\nذلِكُمْ الإِضلال. بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ تبطرون وتتكبرون. بِغَيْرِ الْحَقِّ وهو الشرك والطغيان. وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ تتوسعون في الفرح، والعدول إلى الخطاب للمبالغة في التوبيخ.\nادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ الأبواب السبعة المقسومة لكم. خالِدِينَ فِيها مقدرين الخلود. فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ عن الحق جهنم، وكان مقتضى النظم فبئس مدخل المتكبرين ولكن لما كان الدخول المقيد بالخلود بسبب الثواء عبر بالمثوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2604>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٧ الى ٧٨]</span>\nفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)\nفَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بهلاك الكافرين. حَقٌّ كائن لا محالة. فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ فإن نرك، وما مزيدة لتأكيد الشرطية ولذلك لحقت النون الفعل ولا تلحق مع أن وحدها. بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ وهو القتل والأسر. أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن تراه. فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم، وهو جواب نَتَوَفَّيَنَّكَ، وجواب نُرِيَنَّكَ محذوف مثل فذاك، ويجوز أن يكون جوابًا لهما بمعنى إن نعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فإنا نعذبهم في الآخرة أشد العذاب، ويدل على شدته الاقتصار بذكر الرجوع في هذا المعرض.\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ إذ قيل عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، والمذكور قصصهم أشخاص معدودة. وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فإن المعجزات عطايا قسمها بينهم على ما اقتضته حكمته كسائر القسم، ليس لهم اختيار في إيثار بعضها والاستبداد بإتيان المقترح بها. فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ بالعذاب في الدنيا أو الآخرة. قُضِيَ بِالْحَقِّ بإنجاء المحق وتعذيب المبطل. وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ المعاندون باقتراح الآيات بعد ظهور ما يغنيهم عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2605>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٩ الى ٨١]</span>\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)\nاللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ فإن من جنسها ما يؤكل كالغنم ومنها ما يؤكل ويركب كالإِبل والبقر.\nوَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كالألبان والجلود والأوبار. وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ بالمسافرة عليها.\nوَعَلَيْها في البر. وَعَلَى الْفُلْكِ في البحر. تُحْمَلُونَ وإنما قال وَعَلَى الْفُلْكِ ولم يقل في الفلك للمزاوجة، وتغيير النظم في الأكل لأنه في حيز الضرورة. وقيل لأنه يقصد به التعيش وهو من الضروريات والتلذذ والركوب والمسافرة عليها قد تكون لأغراض دينية واجبة أو مندوبة، أو للفرق بين العين والمنفعة.\nيُرِيكُمْ آياتِهِ\nدلائله الدالة على كمال قدرته وفرط رحمته. أَيَّ آياتِ اللَّهِ\nأي فأي آية من تلك","vol":"5","page":64},{"text":"الآيات. نْكِرُونَ\nفإنها لظهورها لا تقبل الإِنكار، وهو ناصب «أي» إذ لو قدرته متعلقًا بضميره كان الأولى رفعه والتفرقة بالتاء في أي أغرب منها في الأسماء غير الصفات لإبهامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2606>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨٢ الى ٨٣]</span>\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣)\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ ما بقي منهم من القصور والمصانع ونحوهما، وقيل آثار أقدامهم في الأرض لعظم أجرامهم. فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ «ما» الأولى نافية أو استفهامية منصوبة ب أَغْنى، والثانية موصولة أو مصدرية مرفوعة به.\nفَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات أو الآيات الواضحات. فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ واستحقروا علم الرسل، والمراد بالعلم عقائدهم الزائغة وشبههم الداحضة كقوله: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ وهو قولهم: لا نبعث ولا نعذب، وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ونحوها، وسماها علمًا على زعمهم تهكمًا بهم، أو علم الطبائع والتنجيم والصنائع ونحو ذلك، أو علم الأنبياء، وفرحهم به ضحكهم منه واستهزاؤهم به ويؤيده: وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وقيل الفرح أيضًا للرسل فإنهم لما رأوا تمادي جهل الكفار وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2607>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٨٤ الى ٨٥]</span>\nفَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)\nفَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا شدة عذابنا. قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ يعنون الأصنام.\nفَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا لامتناع قبوله حينئذ ولذلك قال: فَلَمْ يَكُ بمعنى لم يصح ولم يستقم، والفاء الأولى لأن قوله: فَما أَغْنى كالنتيجة لقوله: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ، والثانية لأن قوله:\nفَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ كالتفسير لقوله: فَما أَغْنى والباقيتان لأن رؤية البأس مسببة عن مجيء الرسل وامتناع نفي الإِيمان مسبب عن الرؤية. سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ أي سن الله ذلك سنة ماضية في العباد وهي من المصادر المؤكدة. وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ أي وقت رؤيتهم البأس، اسم مكان استعير للزمان.\nعن النبي ﷺ: «من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلى عليه واستغفر له» .","vol":"5","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2608>(٤١) سورة فصلت</span>\nمكية وآيها ثلاث أو أربع وخمسون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2609>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)\nحَمَ إن جعلته مبتدأ فخبره:\nتَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وإن جعلته تعديدًا للحروف ف تَنْزِيلٌ خبر محذوف أو مبتدأ لتخصصه بالصفة وخبره:\nكِتابٌ وهو على الأولين بدل منه أو خبر آخر أو خبر محذوف، ولعل افتتاح هذه السور السبع ب حم وتسميتها به لكونها مصدرة ببيان الكتاب متشاكلة في النظم والمعنى، وإضافة ال تَنْزِيلٌ إلى الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ للدلالة على أنه مناط المصالح الدينية والدنيوية. فُصِّلَتْ آياتُهُ ميزت باعتبار اللفظ والمعنى. وقرئ «فُصّلَتْ» أي فصل بعضها من بعض باختلاف الفواصل والمعاني، أو فصلت بين الحق والباطل. قُرْآنًا عَرَبِيًّا نصب على المدح أو الحال من فُصِّلَتْ، وفيه امتنان بسهولة قراءته وفهمه. لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي لقوم يعلمون العربية أو لأهل العلم والنظر، وهو صفة أخرى ل قُرْآنًا أو صلة ل تَنْزِيلٌ، أو ل فُصِّلَتْ، والأول أولى لوقوعه بين الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2610>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nبَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥)\nبَشِيرًا وَنَذِيرًا للعاملين به والمخالفين له، وقرئا بالرفع على الصفة لل كِتابٌ أو الخبر لمحذوف.\nفَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ عن تدبره وقبوله. فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ سماع تأمل وطاعة.\nوَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ أغطية جمع كنان. مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ صمم، وأصله الثقل، وقرئ بالكسر. وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ يمنعنا عن التواصل، ومن للدلالة على أن الحجاب مبتدأ منهم ومنه بحيث استوعب المسافة المتوسطة ولم يبق فراغ. وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك ما يدعوهم إليه واعتقادهم ومج أسماعهم له، وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول ﷺ. فَاعْمَلْ على دينك أو في إبطال أمرنا. إِنَّنا عامِلُونَ على ديننا أو في إبطال أمرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2611>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧)\nقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لست ملكًا ولا جنيًا لا يمكنكم التلقي منه، ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول والاسماع، وإنما أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل، وقد يدل","vol":"5","page":66},{"text":"عليهما دلائل العقل وشواهد النقل. فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ فاستقيموا في أفعالكم متوجهين إليه، أو فاستووا إليه بالتوحيد والإِخلاص في العمل. وَاسْتَغْفِرُوهُ مما أنتم عليه من سوء العقيدة والعمل، ثم هددهم على ذلك فقال. وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ من فرط جهالتهم واستخفافهم بالله.\nالَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ لبخلهم وعدم اشفاقهم على الخلق، وذلك من أعظم الرذائل، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع. وقيل معناه لا يفعلون ما يزكي أنفسهم وهو الإِيمان والطاعة. وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ حال مشعرة بأن امتناعهم عن الزكاة لاستغراقهم في طلب الدنيا وإنكارهم للآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2612>[سورة فصلت (٤١): آية ٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ عظيم. غَيْرُ مَمْنُونٍ لا يمن به عليهم من المن وأصله الثقل، أو لا يقطع من مننت الحبل إذا قطعته. وقيل نزلت في المرضى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2613>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nقُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)\nقُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ في مقدار يومين، أو نوبتين وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون. ولعل المراد من الْأَرْضَ ما في جهة السفل من الأجرام البسيطة ومن خلقها فِي يَوْمَيْنِ أنه خلق لها أصلًا مشتركًا ثم خلق لها صورًا بها صارت أنواعًا، وكفرهم به إلحادهم في ذاته وصفاته. وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ولا يصح أن يكون له ند. ذلِكَ الذي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ. رَبُّ الْعالَمِينَ خالق جميع ما وجد من الممكنات ومربيها.\nوَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ استئناف غير معطوف على خَلَقَ للفصل بما هو خارج عن الصلة. مِنْ فَوْقِها مرتفعة عليها ليظهر للنظار ما فيها من وجوه الاستبصار وتكون منافعها معرضة للطلاب. وَبارَكَ فِيها وأكثر خيرها بأن خلق فيها أنواع النبات والحيوان. وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أقوات أهلها بأن عين لكل نوع ما يصلحه ويعيش به، أو أقواتًا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من أقطارها، وقرئ «وقسم فِيهَا أقواتها» . فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ في تتمة أربعة أيام كقولك: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يومًا. ولعله قال ذلك ولم يقل في يومين للإِشعار باتصالهما باليومين الأولين.\nوالتصريح على الفذلكة. سَواءً أي استوت سواء بمعنى استواء، والجملة صفة أيام ويدل عليه قراءة يعقوب بالجر. وقيل حال من الضمير في أقواتها أو في فيها، وقرئ بالرفع على هي سواء. لِلسَّائِلِينَ متعلق بمحذوف تقديره هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، أو بقدر أي قدر فيها الأقوات للطالبين لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2614>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)\nثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قصد نحوها من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجهًا لا يلوي على غيره، والظاهر أن ثم لتفاوت ما بين الخلقتين لا للتراخي في المدة لقوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها","vol":"5","page":67},{"text":"ودحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها. وَهِيَ دُخانٌ أمر ظلماني، ولعله أراد به مادتها أو الأجزاء المتصغرة التي ركبت منها فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وأبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة. أو ائْتِيا في الوجود على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب للرتبة، أو الإِخبار أو إتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة، وقد عرفت ما فيه أو لتأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما ويؤيده قراءة وآتيا من المؤاتاة أي لتوافق كل واحدة أختها فيما أردت منكما. طَوْعًا أَوْ كَرْهًا شئتما ذلك أو أبيتما والمراد إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع والكره لهما، وهما مصدران وقعا موقع الحال. قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ منقادين بالذات، والأظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها، وتمثيلهما بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع كقوله:\nكُنْ فَيَكُونُ وما قيل من أنه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب إنما يتصور على الوجه الأول والأخير، وإنما قال طائعين على المعنى باعتبار كونهما مخاطبتين كقوله: ساجِدِينَ.\nفَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فخلقهن خلقًا إبداعيًا وأتقن أمرهن، والضمير ل السَّماءَ على المعنى أو مبهم، وسَبْعَ سَماواتٍ حال على الأول وتمييز على الثاني. فِي يَوْمَيْنِ قيل خلق السموات يوم الخميس والشمس والقمر والنجوم يوم الجمعة. وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها شأنها وما يتأتى منها بأن حملها عليه اختيارًا أو طبعًا. وقيل أوحى إلى أهلها بأوامره ونواهيه. وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ فإن الكواكب كلها ترى كأنها تتلألأ عليها. وَحِفْظًا أي وحفظناها من الآفات، أو من المسترقة حفظًا. وقيل مفعول له على المعنى كأنه قال: وخصصنا السماء الدنيا بمصابيح زينة وحفظًا. ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ البالغ في القدرة والعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2615>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nفَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤)\nفَإِنْ أَعْرَضُوا عن الإِيمان بعد هذا البيان. فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً فحذرهم أن يصيبهم عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة. مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ وقرئ «صعقة مثل صعقة عاد وثمود» وهي المرة من الصعق أو الصعق يقال صعقته الصاعقة صعقًا فصعق صعقًا.\nإِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ حال من صاعِقَةِ عادٍ، ولا يجوز جعله صفة ل صاعِقَةً أو ظرفًا ل أَنْذَرْتُكُمْ لفساد المعنى. مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أتوهم من جميع جوانبهم واجتهدوا بهم من كل جهة، أو من جهة الزمن الماضي بالإنذار عما جرى فيه على الكفار، ومن جهة المستقبل بالتحذير عما أعد لهم في الآخرة، وكل من اللفظين يحتملهما، أو من قبلهم ومن بعدهم إذ قد بلغتهم خبر المتقدمين وأخبرهم هود وصالح عن المتأخرين داعين إلى الإِيمان بهم أجمعين، ويحتمل أن يكون عبارة عن الكثرة كقوله تعالى:\nيَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ بأن لا تعبدوا أو أي لا تعبدوا. قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا إرسال الرسل. لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً برسالته. فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ على زعمكم. كافِرُونَ إذ أنتم بَشَرٌ مِّثْلُنَا لا فضل لكم علينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2616>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nفَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦)\n.","vol":"5","page":68},{"text":"فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فتعظموا فيها على أهلها من غير استحقاق. وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً اغترارًا بقوتهم وشوكتهم. قيل كان من قوتهم أن الرجل منهم ينزع الصخرة فيقتلعها بيده. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً قدرة فإنه قادر بالذات مقتدر على ما لا يتناهى، قوي على ما لا يقدر عليه أحد غيره. وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يعرفون أنها حق وينكرونها وهو عطف على فَاسْتَكْبَرُوا.\nفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا باردة تهلك بشدة بردها من الصر وهو البرد الذي يصر أي يجمع، أو شديدة الصوت في هبوبها من الصرير. فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ جمع نحسة من نحس نحسًا نقيض سعد سعدًا، وقرأ الحجازيان والبصريان بالسكون على التخفيف أو النعت على فعل، أو الوصف بالمصدر، قيل كن آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء. لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أضاف ال عَذابَ إلى الْخِزْيِ وهو الذل على قصد وصفة به لقوله: وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وهو في الأصل صفة المعذب وإنما وصف به العذاب على الإِسناد المجازي للمبالغة. وَهُمْ لاَ يُنْصَرُونَ بدفع العذاب عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2617>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨)\nوَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فدللناهم على الحق بنصب الحجج وإرسال الرسل، وقرئ «ثَمُودَ» بالنصب بفعل مضمر يفسره ما بعده ومنونًا في الحالين وبضم الثاء. فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فاختاروا الضلالة على الهدى. فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ صاعقة من السماء فأهلكتهم، وإضافتها إلى الْعَذابِ ووصفه ب الْهُونِ للمبالغة. بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من اختيار الضلالة.\nوَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ من تلك الصاعقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2618>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)\nوَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ وقرئ «يَحْشُرُ» على البناء للفاعل وهو الله ﷿. وقرأ نافع نَحْشُرُ بالنون مفتوحة وضم الشين ونصب أَعْداءُ. فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أولهم على آخرهم لئلا يتفرقوا وهو عبارة عن كثرة أهل النار.\nحَتَّى إِذا ما جاؤُها إذا حضروها وما مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور. شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بأن ينطقها الله تعالى، أو يظهر عليها آثارًا تدل على ما اقترف بها فتنطق بلسان الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2619>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nوَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)\nوَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا سؤال توبيخ أو تعجب، ولعل المراد به نفس التعجب. قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي ما نطقنا باختيارنا بل أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء، أو ليس نطقنا بعجب من قدرة الله الذي أنطق كل حي، ولو أول الجواب والنطق بدلالة الحال بقي الشيء عامًا في","vol":"5","page":69},{"text":"الموجودات الممكنة. وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يحتمل أن يكون تمام كلام الجلود وأن يكون استئنافًا.\nوَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ أي كنتم تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضاحة، وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم بها فما استترتم عنها. وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق أنه لا يمر عليه حال إلا وهو عليه رقيب. وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ فلذلك اجترأتم على ما فعلتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2620>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nوَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)\nوَذلِكُمْ إشارة إلى ظنهم هذا، وهو مبتدأ وقوله: ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ خبران له ويجوز أن يكون ظَنُّكُمُ بدلًا وأَرْداكُمْ خبرًا. فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ إذ صار ما منحوا للاستسعاد به في الدارين سببًا لشقاء المنزلين.\nفَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ لا خلاص لهم عنها. وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا يسألوا العتبى وهي الرجوع إلى ما يحبون. فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ المجابين إليها ونظيره قوله تعالى حكاية أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ وقرئ «وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مّنَ المعتبين»، أي إن يسألوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون لفوات المكنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2621>[سورة فصلت (٤١): آية ٢٥]</span>\nوَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)\nوَقَيَّضْنا وقدرنا. لَهُمْ للكفرة. قُرَناءَ أخدانا من الشياطين يستولون عليهم استيلاء القبض على البيض وهو القشر. وقيل أصل القيض البدل ومنه المقايضة للمعاوضة. فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الدنيا واتباع الشهوات. وَما خَلْفَهُمْ مِنْ أمر الآخرة وإنكاره. وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي كلمة العذاب. فِي أُمَمٍ في جملة أمم كقوله:\nإِنْ تَكُ عَنْ أَحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأ ... فُوكًا فِفِي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا\nوهو حال من الضمير المجرور. قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقد عملوا مثل أعمالهم.\nإِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ تعليل لاستحقاقهم العذاب، والضمير لَهُمْ ولل أُمَمٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2622>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ وعارضوه بالخرافات أو ارفعوا أصواتكم بها لتشوشوه على القارئ، وقرئ بضم الغين والمعنى واحد يقال لغى يلغي ولغا يلغو إذا هذى. لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ أي تغلبونه على قراءته.\nفَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا المراد بهم هؤلاء القائلون، أو عامة الكفار. وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ سيئات أعمالهم وقد سبق مثله.","vol":"5","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2623>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)\nذلِكَ: إشارة إلى الأسوأ. جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ خبره. النَّارُ عطف بيان لل جَزاءُ أو خبر محذوف. لَهُمْ فِيها في النار. دارُ الْخُلْدِ فإنها دار إقامتهم، وهو كقولك: في هذه الدار دار سرور، وتعني بالدار عينها على أن المقصود هو الصفة. جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ينكرون الحق أو يلغون، وذكر الجحود الذي هو سبب اللغو.\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يعني شيطاني النوعين الحاملين على الضلالة والعصيان. وقيل هما إبليس وقابيل فإنهما سنا الكفر والقتل، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وأبو بكر والسوسي أَرِنَا بالتخفيف كفخذ في فخذ، وقرأ الدوري باختلاس كسرة الراء. نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا ندسهما انتقامًا منهما، وقيل نجعلهما في الدرك الأسفل. لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ مكانًا أو ذلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2624>[سورة فصلت (٤١): آية ٣٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ اعترافًا بربوبيته وإقرارًا بوحدانيته. ثُمَّ اسْتَقامُوا في العمل وثُمَّ لتراخيه عن الإِقرار في الرتبة من حيث أنه مبدأ الاستقامة، أو لأنها عسر قلما تتبع الإِقرار، وما روي عن الخلفاء الراشدين في معنى الاستقامة من الثبات على الإِيمان وإخلاص العمل وأداء الفرائض فجزئياتها. تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ فيما يعن لهم بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن، أو عند الموت أو الخروج من القبر. أَلَّا تَخافُوا ما تقدمون عليه. وَلا تَحْزَنُوا على ما خلفتم وأن مصدرية أو مخففة مقدرة بالباء أو مفسرة. وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا على لسان الرسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2625>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nنَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)\nنَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\nنلهمكم الحق ونحملكم على الخير بدل ما كانت الشياطين تفعل بالكفرة. وَفِي الْآخِرَةِ\nبالشفاعة والكرامة حيثما يتعادى الكفرة وقرناؤهم. وَلَكُمْ فِيها\nفي الآخرة مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ\nمن اللذائذ وَلَكُمْ فِيها مَا تَدَّعُونَ\nما تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب وهو أعم من الأول.\nنُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ حال من ما تدعون للإشعار بأن ما يتمنون بالنسبة إلى ما يعطون مما لا يخطر ببالهم كالنزل للضيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2626>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)\nوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ إلى عبادته. وَعَمِلَ صالِحًا فيما بينه وبين ربه. وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ تفاخرًا به واتخاذًا للإسلام دينًا ومذهبًا من قولهم: هذا قول فلان لمذهبه. والآية عامة لمن استجمع تلك الصفات. وقيل نزلت في النبي ﷺ وقيل في المؤذنين.\nوَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ في الجزاء وحسن العاقبة ولا الثانية مزيدة لتأكيد النفي. ادْفَعْ","vol":"5","page":71},{"text":"بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ\nادفع السيئة حيث اعترضتك بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقًا، أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات، وإنما أخرجه مخرج الاستئناف على أنه جواب من قال كيف أصنع؟ للمبالغة ولذلك وضع أَحْسَنُ موضع الحسنة. فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ أي إذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق مثل الولي الشفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2627>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nوَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)\nوَما يُلَقَّاها وما يلقى هذه السجية وهي مقابلته الإِساءة بالإحسان. إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا فَإِنها تحبس النفس عن الانتقام. وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ من الخير وكمال النفس وقيل الحظ العظيم الجنة.\nوَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ نخس شبه به وسوسته لأنها تبعث الإِنسان على ما لا ينبغي كالدفع بما هو أسوأ، وجعل النزغ نازغًا على طريقة جديدة، أو أريد به نازغ وصفًا للشيطان بالمصدر. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من شره ولا تطعه. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لاستعاذتك. الْعَلِيمُ بنيتك أو بصلاحك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2628>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨)\nوَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ لأنهما مخلوقان مأموران مثلكم. وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ الضمير للأربعة المذكورة، والمقصود تعليق الفعل بهما إشعارًا بأنهما من عداد ما لا يعلم ولا يختار. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فإن السجود أخص العبادات وهو موضع السجود عندنا لاقتران الأمر به، وعند أبي حنيفة آخر الآية الأخرى لأنه تمام المعنى.\nفَإِنِ اسْتَكْبَرُوا عن الامتثال. فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ من الملائكة. يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي دائمًا لقوله: وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ أي لا يملون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2629>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)\nوَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً يابسة متطامنة مستعار من الخشوع بمعنى التذلل. فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ تزخرفت وانتفخت بالنبات، وقرئ «ربأت» أي زادت. إِنَّ الَّذِي أَحْياها بعد موتها. لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الإِحياء والإِماتة.\nإِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ يميلون عن الاستقامة. فِي آياتِنا بالطعن والتحريف والتأويل الباطل والإِلغاء فيها. لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنا فنجازيهم على إلحادهم. أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ قابل الإِلقاء في النار بالإِتيان آمنًا مبالغة في إحماد حال المؤمنين. اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ تهديد شديد. إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وعيد بالمجازاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2630>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لاَّ يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)","vol":"5","page":72},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ بدل من قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا أو مستأنف وخبر إِنَّ محذوف مثل معاندون أو هالكون، أو أُولئِكَ يُنادَوْنَ و«الذكر» القرآن. وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ كثير النفع عديم النظير أو منيع لا يتأتى إبطاله وتحريفه.\nلاَّ يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات أو مما فيه من الأخبار الماضية والأمور الآتية. تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ أي حكيم. حَمِيدٍ يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2631>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nما يُقالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤)\nمَّا يُقالُ لَكَ أي ما يقول لك كفار قومك. إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إلا مثل ما قال لهم كفار قومهم، ويجوز أن يكون المعنى ما يقول الله لك إلا مثل ما قال لهم. إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لأنبيائه.\nوَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ لأعدائهم، وهو على الثاني يحتمل أن يكون المقول بمعنى أن حاصل ما أوحي إليك وإليهم، وعد المؤمنين بالمغفرة والكافرين بالعقوبة.\nوَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا جواب لقولهم: هلا أنزل القرآن بلغة العجم والضمير «للذكر» . لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ بينت بلسان نفقهه. ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ أكلام أعجمي ومخاطب عربي إنكار مقرر للتخصيص، والأعجمي يقال للذي لا يفهم كلامه. وهذا قراءة أبي بكر وحمزة والكسائي، وقرأ قالون وأبو عمرو بالمد والتسهيل وورش بالمد وإبدال الثانية ألفًا، وابن كثير وابن ذكوان وحفص بغير المد بتسهيل الثانية وقرئ «أعجمي» وهو منسوب إلى العجم، وقرأ هشام «أعجمي» على الإِخبار، وعلى هذا يجوز أن يكون المراد هلا فصلت آياته فجعل بعضها أعجميًا لإِفهام العجم وبعضها عربيًا لإِفهام العرب، والمقصود إبطال مقترحهم باستلزامه المحذور، أو للدلالة على أنهم لا ينفكون عن التعنت في الآيات كيف جاءت. قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً إلى الحق. وَشِفاءٌ لِمَا فِى الصدور من الشك والشبه. وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ مبتدأ خبره: فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ على تقدير هو في آذانِهِمْ وَقْرٌ لقوله: وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى وذلك لتصامهم عن سماعه وتعاميهم عما يريهم من الآيات، ومن جوز العطف على عاملين مختلفين عطف ذلك على لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً. أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أي صم، وهو تمثيل لهم في عدم قبولهم الحق واستماعهم له بمن يصاح به من مسافة بعيدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2632>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ بالتصديق والتكذيب كما اختلف في القرآن. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وهي العدة بالقيامة وفصل الخصومة حينئذ، أو تقدير الآجال. لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ باستئصال المكذبين. وَإِنَّهُمْ وإن اليهود أو الذين لاَ يُؤْمِنُونَ. لَفِي شَكٍّ مِنْهُ من التوراة أو القرآن. مُرِيبٍ موجب للاضطراب.","vol":"5","page":73},{"text":"مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ نفعه. وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ضره. وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فيفعل بهم ما ليس له أن يفعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2633>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nإِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)\nإِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ أي إذا سئل عنها إذ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ. وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَةٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا من أوعيتها جمع كم بالكسر. وقرأ نافع وابن عامر وحفص مِنْ ثَمَراتٍ بالجمع لاختلاف الأنواع، وقرئ بجمع الضمير أيضا وما نافية ومِنْ الأولى مزيدة للاستغراق، ويحتمل أن تكون موصولة معطوفة على السَّاعَةِ ومِنْ مبينة بخلاف قوله: وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ بِمكان. إِلَّا بِعِلْمِهِ إلا مقرونًا بعلمه واقعًا حسب تعلقه به. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي بزعمكم. قالُوا آذَنَّاكَ أعلمناك. مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ من أحد يشهد لهم بالشركة إذ تبرأنا عنهم لما عاينا الحال فيكون السؤال عنهم للتوبيخ، أو من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنا. وقيل هو قول الشركاء أي ما منا من يشهد لهم بأنهم كانوا محقين.\nوَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَدْعُونَ يعبدون. مِنْ قَبْلُ لا ينفعهم أو لا يرونه. وَظَنُّوا وأيقنوا. مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ مهرب والظن معلق عنه بحرف النفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2634>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nلا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠)\nلا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ لا يمل. مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ من طلب السعة في النعمة، وقرئ «من دعاء بالخير» .\nوَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ الضيقة. فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ من فضل الله ورحمته وهذا صفة الكافر لقوله: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ وقد بولغ في يأسه من جهة البنية والتكرير وما في القنوط من ظهور أثر اليأس.\nوَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ بتفريجها عنه. لَيَقُولَنَّ هذا لِي حقي أستحقه لمالي من الفضل والعمل، أولي دائمًا لا يزول. وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً تقوم. وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى أي ولئن قامت على التوهم كان لي عند الله الحالة الحسنى من الكرامة، وذلك لاعتقاده أن ما أصابه من نعم الدنيا فلاستحقاق لا ينفك عنه. فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فلنخبرنهم. بِما عَمِلُوا بحقيقة أعمالهم ولنبصرنهم عكس ما اعتقدوا فيها. وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ لا يمكنهم التقصي عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2635>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)\nوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ عن الشكر. وَنَأى بِجانِبِهِ وانحرف عنه أو ذهب بنفسه وتباعد عنه بكليته تكبرًا، والجانب مجاز عن النفس كالجنب في قوله: فِي جَنْبِ اللَّهِ. وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ كثير مستعار مما له عرض متسع للاشعار بكثرته واستمراره، وهو أبلغ من الطويل إذ الطول أطول","vol":"5","page":74},{"text":"الامتدادين، فإذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله.\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ أخبروني. إِنْ كانَ أي القرآن. مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ من غير نظر واتباع دليل.\nمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ أي من أضل منكم، فوضع الموصول موضع الضمير شرحًا لحالهم وتعليلًا لمزيد ضلالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2636>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)\nسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ يعني ما أخبرهم النبي ﵊ به من الحوادث الآتية وآثار النوازل الماضية، وما يسر الله له ولخلفائه من الفتوح والظهور على ممالك الشرق والغرب على وجه خارق للعادة. وَفِي أَنْفُسِهِمْ ما ظهر فيما بين أهل مكة وما حل بهم، أو ما في بدن الإنسان من عجائب الصنع الدالة على كمال القدرة. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ الضمير للقرآن أو الرسول أو التوحيد أو الله أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أي أو لم يكف ربك، والباء مزيدة للتأكيد كأنه قيل: أو لم تحصل الكفاية به ولا تكاد تزاد في الفاعل إلا مع كفى. أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ بدل منه، والمعنى أو لم يكفك أنه تعالى على كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ محقق له فيحقق أمرك بإظهار الآيات الموعودة كما حقق سائر الأشياء الموعودة، أو مطلع فيعلم حالك وحالهم، أو أو لم يكف الإنسان رادعًا عن المعاصي أنه تعالى مطلع على كل شيء لا يخفى عليه خافية.\nأَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ شك، وقرئ بالضم وهو لغة كخفية وخفية. مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ بالبعث والجزاء.\nأَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها، مقتدر عليها لا يفوته شيء منها.\nعن النبي ﷺ: «من قرأ سورة السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات» .","vol":"5","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2637>(٤٢) سورة حم عسق</span>\nمكية وهي ثلاث وخمسون آية وتسمه سورة «الشورى»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2638>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)\nحَمَ. عَسَقَ لعله اسمان للسورة ولذلك فصل بينهما وعدا آيتين، وإن كانا اسمًا واحدًا فالفصل ليطابق سائر الحواميم، وقرئ «حم سق» .\nكَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي مثل ما في هذه السورة من المعاني، أو إيحاء مثل إيحائها أوحى الله إليك وإلى الرسل من قبلك، وإنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية للدلالة على استمرار الوحي وأن إيحاء مثله عادته، وقرأ ابن كثير يُوحِي بالفتح على أن كذلك مبتدأ ويُوحِي خبره المسند إلى ضميره، أو مصدر ويُوحِي مسند إلى إليك، واللَّهُ مرتفع بما دل عليه يُوحِي، والْعَزِيزُ الْحَكِيمُ صفتان له مقررتان لعلو شأن الموحى به كما مر في السورة السابقة، أو بالابتداء كما في قراءة «نوحي» بالنون والْعَزِيزُ وما بعده أخبار أو الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ صفتان. وقوله:\nلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ خبران له وعلى الوجوه الأخر استئناف مقرر لعزته وحكمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2639>[سورة الشورى (٤٢): آية ٥]</span>\nتَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)\nتَكادُ السَّماواتُ وقرأ نافع والكسائي بالياء. يَتَفَطَّرْنَ يتشققن من عظمة الله، وقيل من ادعاء الولد له. وقرأ البصريان وأبو بكر «ينفطرن» بالنون والأول أبلغ لأنه مطاوع فطر وهذا مطاوع فطر، وقرئ «تتفطرن» بالتاء لتأكيد التأنيث وهو نادر. مِنْ فَوْقِهِنَّ أي يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية، وتخصيصها على الأول لأن أعظم الآيات وأدلها على علو شأنه من تلك الجهة، وعلى الثاني ليدل على الانفطار من تحتهن بالطريق الأولى. وقيل الضمير للأرض فإن المراد بها الجنس. وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم من الشفاعة والإِلهام وإعداد الأسباب المقربة إلى الطاعة، وذلك في الجملة يعم المؤمن والكافر بل لو فسر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخلل المتوقع عم الحيوان بل الجماد، وحيث خص بالمؤمنين فالمراد به الشفاعة. أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ إذ ما من مخلوق إلا وهو ذو حظ من رحمته، والآية على الأول زيادة تقرير لعظمته وعلى الثاني دلالة على تقدسه عما نسب إليه، وإن عدم معاجلتهم بالعقاب على تلك الكلمة الشنعاء باستغفار الملائكة وفرط غفران الله ورحمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2640>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)","vol":"5","page":76},{"text":"وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ شركاء وأندادًا. اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ رقيب على أحوالهم وأعمالهم فيجازيهم بها. وَما أَنْتَ يا محمد. عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ بموكل بهم أو بموكول إليك أمرهم.\nوَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا الإِشارة إلى مصدر يُوحِي أو إلى معنى الآية المتقدمة، فإنه مكرر في القرآن في مواضع جمة فتكون الكاف مفعولًا به وقُرْآنًا عَرَبِيًّا حال منه. لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى أهل أم القرى وهي مكة شرفها الله تعالى. وَمَنْ حَوْلَها من العرب. وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ يوم القيامة يجمع فيه الخلائق أو الأرواح أو الأشباح، أو العمال والأعمال وحذف ثاني مفعولي الأول وأول مفعولي الثاني للتهويل وإيهام التعميم، وقرئ «لينذر» بالياء والفعل «للقرآن» . لاَ رَيْبَ فِيهِ اعتراض لا محل له من الإعراب.\nفَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ أي بعد جمعهم في الموقف يجمعون أولًا ثم يفرقون، والتقدير منهم فريق والضمير للمجموعين لدلالة الجمع عليه، وقرئا منصوبين على الحال منهم أي وتنذر يوم جمعهم متفرقين بمعنى مشارفين للتفرق، أو متفرقين في داري الثواب والعقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2641>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً مهتدين أو ضالين. وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ بالهداية والحمل على الطاعة. وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ أي يدعهم بغير ولي ولا نصير في عذابه، ولعل تغيير المقابلة للمبالغة في الوعيد إذ الكلام في الإِنذار.\nأَمِ اتَّخَذُوا بل اتخذوا. مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ كالأصنام. فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ جواب لشرط محذوف مثل إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق. وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كالتقرير لكونه حقيقًا بالولاية.\nوَمَا اخْتَلَفْتُمْ أنتم والكفار. فِيهِ مِنْ شَيْءٍ من أمر من أمور الدنيا أو الدين. فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ مفوض إليه يميز المحق من المبطل بالنصر أو بالإثابة والمعاقبة. وقيل وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ من تأويل متشابه فارجعوا فيه إلى المحكم من كتاب الله. ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في مجامع الأمور. وَإِلَيْهِ أُنِيبُ إليه أرجع في المعضلات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2642>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nفاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)\nفاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خبر آخر ل ذلِكُمُ أو مبتدأ خبره. جَعَلَ لَكُمْ وقرئ بالجر على البدل من الضمير أو الوصف لإلى الله. مِنْ أَنْفُسِكُمْ من جنسكم. أَزْواجًا نساء. وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا أي وخلق للأنعام من جنسها أزواجًا، أو خلق لكم منَّ الأنعام أصنافًا أو ذكورًا وأناثًا. يَذْرَؤُكُمْ يكثركم من الذرء وهو البث وفي معناه الذر والذرو والضمير على الأول للناس، والْأَنْعامِ على تغليب المخاطبين","vol":"5","page":77},{"text":"العقلاء. فِيهِ في هذا التدبير وهو جعل الناس والأنعام أزواجًا يكون بينهم توالد، فإنه كالمنبع للبث والتكثير. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أي ليس مثله شيء يزاوجه ويناسبه، والمراد من مثله ذاته كما في قولهم:\nمثلك لا يفعل كذا، على قصد المبالغة في نفيه عنه فإنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى، ونظيره قول رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب: أَلاَ وَفِيهِمْ الطَّيِّبُ الطَاهِرُ لِذَاتِهِ. ومن قال الكاف فيه زائدة لعله عنى أنه يعطى معنى لَّيْسَ مّثْلِهِ غير أنه آكد لما ذكرناه. وقيل «مثله» صفته أي ليس كصفته صفة.\nوَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لكل ما يسمع ويبصر.\nلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خزائنها. يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ يوسع ويضيق على وفق مشيئته. إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيفعله على ما ينبغي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2643>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)\nشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أي شرع لكم من الدين دين نوح ومحمد عليهما الصلاة والسلام ومن بينهما من أرباب الشرائع، وهو الأصل المشترك فيما بينهم المفسر بقوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وهو الإِيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله ومحله النصب على البدل من مفعول شَرَعَ، أو الرفع على الاستئناف كأنه جواب وما ذلك المشروع أو الجر على البدل من هاء به. وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ولا تختلفوا في هذا الأصل أما فروع الشرائع فمختلفة كما قال. لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ عظم عليهم. مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من التوحيد. اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ يجتلب إليه والضمير لما تدعوهم أو للدين. وَيَهْدِي إِلَيْهِ بالإِشارة والتوفيق. مَنْ يُنِيبُ يقبل إليه.\nوَما تَفَرَّقُوا يعني الأمم السالفة. وقيل أهل الكتاب لقوله: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ. إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ العلم بأن التفرق ضلال متوعد عليه، أو العلم بمبعث الرسل عليهم الصلاة والسلام، أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما فلم يلتفتوا إليها. بَغْيًا بَيْنَهُمْ عداوة أو طلبًا للدنيا. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بالإِمهال. إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو يوم القيامة أو آخر أعمارهم المقدرة. لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ باستئصال المبطلين حين افترقوا لعظم ما اقترفوا. وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني أهل الكتاب الذين كانوا في عهد الرسول ﷺ، أو المشركين الذين أورثوا القرآن من بعد أهل الكتاب. وقرئ «ورّثوا» و«وورثوا» . لَفِي شَكٍّ مِنْهُ من كتابهم لا يعلمونه كما هو أو لا يؤمنون به حق الإيمان، أو من القرآن.\nمُرِيبٍ مقلق أو مدخل في الريبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2644>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nفَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦)\nفَلِذلِكَ فلأجل ذلك التفرق أو الكتاب، أو العلم الذي أوتيته. فَادْعُ إلى الاتفاق على الملة","vol":"5","page":78},{"text":"الحنيفية أو الاتباع لما أوتيت، وعلى هذا يجوز أن تكون اللام في موضع إلى لإِفادة الصلة والتعليل.\nوَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ واستقم على الدعوة كما أمرك الله تعالى. وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ الباطلة. وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ يعني جميع الكتب المنزلة لا كالكفار الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض. وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ في تبليغ الشرائع والحكومات، والأول إشارة إلى كمال القوة النظرية وهذا إشارة إلى كمال القوة العملية. اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ خالق الكل ومتولي أمره. لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وكل مجازى بعمله. لاَ حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ لا حجاج بمعنى لا خصومة إذ الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة مجال ولا للخلاف مبدأ سوى العناد. اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا يوم القيامة. وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ مرجع الكل لفصل القضاء، وليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار رأسًا حتى تكون منسوخة بآية القتال.\nوَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ في دينه. مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ من بعد ما استجاب له الناس ودخلوا فيه، أو من بعد ما استجاب الله لرسوله فأظهر دينه بنصره يوم بدر، أو من بعد ما استجاب له أهل الكتاب بأن أقروا بنبوته واستفتحوا به. حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ زائلة باطلة. وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ لمعاندتهم. وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ على كفرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2645>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nاللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨)\nاللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ جنس الكتاب. بِالْحَقِّ ملتبسًا بعيدًا من الباطل، أو بما يحق إنزاله من العقائد والأحكام. وَالْمِيزانَ والشرع الذي توزن به الحقوق ويسوى بين الناس، أو العدل بأن أنزل الأمر به أو آلة الوزن بأن أوحى بإعدادها. وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ إتيانها فاتبع الكتاب واعمل بالشرع وواظب على العدل قبل أن يفاجئك اليوم الذي توزن فيه أعمالك وتوفى جزاءك، وقيل تذكير القريب لأنه بمعنى ذات قرب، أو لأن الساعة بمعنى البعث.\nيَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِها استهزاء. وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها خائفون منها مع اغتيابها لتوقع الثواب. وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أي الكائن لا محالة. أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ يجادلون فيها من المرية، أو من مريب الناقة إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لأن كلًا من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة. لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ عن الحق فإن البعث أشبه الغائبات إلى المحسوسات، فمن لم يهتد لتجويزه فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراءه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2646>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nاللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)\nاللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ بر بهم بصنوف من البر لا تبلغها الأفهام. يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ أي يرزقه كما يشاء فيخص كلًا من عباده بنوع من البر على ما اقتضته حكمته. وَهُوَ الْقَوِيُّ الباهر القدرة. الْعَزِيزُ المنيع الذي لا يغلب.\nمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ ثوابها شبهه بالزرع من حيث أنه فائدة تحصل بعمل الدنيا ولذلك قيل:\nالدنيا مزرعة الآخرة، والحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض ويقال للزرع الحاصل منه. نَزِدْ لَهُ فِي","vol":"5","page":79},{"text":"حَرْثِهِ\nفنعطه بالواحد عشرًا إلى سبعمائة فما فوقها. وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها شيئًا منها على ما قسمنا له. وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ إذ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2647>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢١]</span>\nأَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١)\nأَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ بل ألهم شركاء، والهمزة للتقرير والتقريع وشركاؤهم شياطينهم. شَرَعُوا لَهُمْ بالتزيين. مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا. وقيل شركاؤهم أوثانهم وإضافتها إليهم لأنهم متخذوها شركاء، وإسناد الشرع إليها لأنها سبب ضلالتهم وافتتانهم بما تدينوا به، أو صور من سنة لهم. وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ أي القضاء السابق بتأجيل الجزاء، أو العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة. لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بين الكافرين والمؤمنين، أو المشركين وشركائهم. وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وقرئ «أن» بالفتح عطفًا على كلمة الْفَصْلِ أي وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ وتقدير عذاب الظالمين في الآخرة لقضي بينهم في الدنيا، فإن العذاب الأليم غالب في عذاب الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2648>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nتَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)\nتَرَى الظَّالِمِينَ في القيامة. مُشْفِقِينَ خائفين. مِمَّا كَسَبُوا من السيئات. وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ أي وباله لاحق بهم أشفقوا أو لم يشفقوا. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ في أطيب بقاعها وأنزهها. لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي ما يشتهونه ثابت لهم عند ربهم. ذلِكَ إشارة إلى المؤمنين. هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ الذي يصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا.\nذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به فحذف الجار ثم العائد، أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي يُبَشِّرُ من بشره وقرئ «يُبَشّرُ» من أبشره. قُلْ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة. أَجْرًا نفعًا منكم. إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى أي تودوني لقرابتي منكم، أو تودوا قرابتي، وقيل الاستثناء منقطع والمعنى:\nلا أسألكم أجرًا قط ولكني أسألكم المودة، وفِي الْقُرْبى حال منها أي إِلَّا الْمَوَدَّةَ ثابتة في ذوي الْقُرْبى متمكنة في أهلها، أو في حق القرابة ومن أجلها كما جاء\nفي الحديث «الحب في الله والبغض في الله» .\nروي: أنها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم علينا قال: «علي وفاطمة وابناهما» .\nوقيل الْقُرْبى التقرب إلى الله أي إلا أن تودوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح، وقرئ «إلا مودة في القربى» . وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ومن يكتسب طاعة سيما حب آل رسول الله ﷺ، وقيل نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ ومودته لهم. نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا في الحسنة بمضاعفة الثواب، وقرئ «يزد» أي يزد الله وحسنى. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن أذنب. شَكُورٌ لمن أطاع بتوفية الثواب والتفضل عليه بالزيادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2649>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٤]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤)","vol":"5","page":80},{"text":"أَمْ يَقُولُونَ بل أيقولون. افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا افترى محمد بدعوى النبوة أو القرآن. فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ استبعاد للافتراء عن مثله بالإِشعار على أنه إنما يجترئ عليه من كان مختومًا على قلبه جاهلًا بربه، فأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا، وكأنه قال: إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك لتجترئ بالافتراء عليه. وقيل يختم على قلبك يمسك القرآن أو الوحي عنه، أو يربط عليه بالصبر فلا يشق عليك أذاهم. وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ استئناف لنفي الافتراء عما يقوله بأنه لو كان مفترى لمحقه إذ من عادته تعالى محو الباطل وإثبات الحق بوحيه أو بقضائه أو بوعده، بمحو باطلهم وإثبات حقه بالقرآن، أو بقضائه الذي لا مرد له، وسقوط الواو من يَمْحُ في بعض المصاحف لاتباع اللفظ كما في قوله: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2650>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦)\nوَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ بالتجاوز عما تابوا عنه، والقبول يعدى إلى مفعول ثان بمن وعن لتضمنه معنى الأخذ والإِبانة، وقد عرفت حقيقة التوبة.\nوعن علي ﵁: هي اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإِعادة، ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.\nوَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ صغيرها وكبيرها لمن يشاء. وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُونَ فيجازي ويتجاوز عن إتقان وحكمة، وقرأ الكوفيون غير أبي بكر ما تَفْعَلُونَ بالتاء.\nوَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي يستجيب الله لهم فحذف اللام كما حذف في وَإِذا كالُوهُمْ والمراد إجابة الدعاء أو الإِثابة على الطاعة، فإنها كدعاء وطلب لما يترتب عليها. ومنه\nقوله ﵊ «أفضل الدعاء الحمد لله»\n، أو يستجيبون لله بالطاعة إذا دعاهم إليها. وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ على ما سألوا واستحقوا واستوجبوا له بالاستجابة. وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بدل ما للمؤمنين من الثواب والتفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2651>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٧]</span>\nوَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)\nوَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ لتكبروا وأفسدوا فيها بطرًا، أو لبغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء وهذا على الغالب، وأصل البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى كمية أو كيفية. وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ بتقدير. مَا يَشاءُ كما اقتضته مشيئته. إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ يعلم خفايا أمرهم وجلايا حالهم فيقدر لهم ما يناسب شأنهم.\nروي أن أهل الصفة تمنوا الغنى فنزلت.\nوقيل في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وإذا أجدبوا انتجعوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2652>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nوَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩)\nوَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ المطر الذي يغيثهم من الجدب ولذلك خص بالنافع، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم يُنَزِّلُ بالتشديد. مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا أيسوا منه، وقرئ بكسر النون. وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان. وَهُوَ الْوَلِيُّ الذي يتولى عباده بإحسانه ونشر رحمته.","vol":"5","page":81},{"text":"الْحَمِيدُ المستحق للحمد على ذلك.\nوَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإنها بذاتها وصفاتها تدل على وجود صانع قادر حكيم. وَما بَثَّ فِيهِما عطف على السَّماواتِ أو ال خَلْقُ. مِنْ دابَّةٍ من حي على إطلاق اسم المسبب على السبب، أو مما يدب على الأرض وما يكون في أحد الشيئين يصدق أن فيهما في الجملة. وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ أي في أي وقت يشاء. قَدِيرٌ متمكن منه وإِذا كما تدخل على الماضي تدخل على المضارع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2653>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nوَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١)\nوَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ فبسبب معاصيكم، والفاء لأن مَا شرطية أو متضمنة معناه، ولم يذكرها نافع وابن عامر استغناء بما في الباء من معنى السببية. وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ من الذنوب فلا يعاقب عليها. والآية مخصوصة بالمجرمين، فإن ما أصاب غيرهم فلأسباب أخر منها تعريضه للأجر العظيم بالصبر عليه.\nوَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ فائتين ما قضى عليكم من المصائب. وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يحرسكم عنها. وَلا نَصِيرٍ يدفعها عنكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2654>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٢ الى ٣٤]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤)\nوَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ السفن الجارية. فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ كالجبال. قالت الخنساء:\nوَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِه ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارٌ\nإِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ وقرئ «الرياح» . فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ فيبقين ثوابت على ظهر البحر.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ لكل من وكل همته وحبس نفسه على النظر في آيات الله والتفكر في آلائه، أو لكل مؤمن كامل الإِيمان فإن الإِيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر.\nأَوْ يُوبِقْهُنَّ أو يهلكهن بإرسال الريح العاصفة المغرقة، والمراد إهلاك أهلها لقوله: بِما كَسَبُوا وأصله أو يرسلها فيوبقهن لأنه قسيم يسكن فاقتصر فيه على المقصود كما في قوله: وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ إذ المعنى أو يرسلها فيوبق ناسًا بذنوبهم وينج ناسًا على العفو منهم، وقرئ «ويعفو» على الاستئناف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2655>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٥ الى ٣٦]</span>\nوَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)\nوَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا عطف على علة مقدرة مثل لينتقم منهم وَيَعْلَمَ، أو على الجزاء ونصب نصب الواقع جوابًا للأشياء الستة لأنه أيضًا غير واجب، وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على الاستئناف، وقرئ بالجزم عطفًا على يَعْفُ فيكون المعنى ويجمع بين إهلاك قوم وإنجاء قوم وتحذير آخرين. مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ محيد من العذاب والجملة معلق عنها الفعل.\nفَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا تمتعون به مدة حياتكم. وَما عِنْدَ اللَّهِ من ثواب الآخرة.\nخَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ لخلوص نفعه ودوامه وما الأولى موصولة تضمنت معنى الشرط من حيث أن إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع بِهَا فِي الحياة الدنيا فجاءت الفاء في جوابها بخلاف الثانية.","vol":"5","page":82},{"text":"وعن علي ﵁: تصدق أبو بكر رضي الله تعالى عنه بماله كله فلامه جمع فنزلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2656>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nوَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)\nوَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ بما بعده عطف على لِلَّذِينَ آمَنُوا أو مدح منصوب أو مرفوع، وبناء يَغْفِرُونَ على ضميرهم خبرًا للدلالة على أنهم الأخصاء بالمغفرة حال الغضب، وقرأ حمزة والكسائي «كبير الإِثم» .\nوَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ نزلت في الأنصار دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإِيمان فاستجابوا له. وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ذو شورى بينهم لا ينفردون برأي حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليه، وذلك من فرط تدبرهم وتيقظهم في الأمور، وهي مصدر كالفتيا بمعنى التشاور. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ في سبيل الله الخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2657>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nوَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)\nوَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ على ما جعله الله لهم كراهة التذلل، وهو وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفضائل وهو لا يخالف وصفهم بالغفران، فإنه ينبئ عن عجز المغفور والانتصار عن مقاومة الخصم، والحلم عن العاجز محمود وعن المتغلب مذموم لأنه إجراء وإغراء على البغي، ثم عقب وصفهم بالانتصار للمنع عن التعدي.\nوَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها وسمى الثانية سَيِّئَةٍ للازدواج، أو لأنها تسوء من تنزل به. فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ بينه وبين عدوه. فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ عدة مبهمة تدل على عظم الموعود. إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الانتقام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2658>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢)\nوَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ بعد ما ظلم، وقد قرئ به. فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ بالمعاتبة والمعاقبة.\nإِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ يبتدئونهم بالإِضرار ويطلبون ما لا يستحقونه تجبرًا عليهم.\nوَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ على ظلمهم وبغيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2659>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nوَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)\nوَلَمَنْ صَبَرَ على الأذى. وَغَفَرَ ولم ينتصر. إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي إن ذلك منه فحذف كما حذف في قولهم: السمن منوان بدرهم، للعلم به.\nوَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ من ناصر يتولاه من بعد خذلان الله إياه. وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ حين يرونه فذكر بلفظ الماضي تحقيقًا. يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ هل إلى رجعة إلى","vol":"5","page":83},{"text":"الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2660>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nوَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)\nوَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها على النار، ويدل عليه الْعَذابَ. خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ متذللين متقاصرين مما يلحقهم من الذل. يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ أي يبتدئ نظرهم إلى النار من تحريك لأجفانهم ضعيف كالمصبور ينظر إلى السيف. وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ بالتعريض للعذاب المخلد. يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف ل خَسِرُوا والقول في الدنيا، أو لقال أي يقولون إذا رأوهم على تلك الحال. أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ تمام كلامهم أو تصديق من الله لهم.\nوَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ إلى الهدى أو النجاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2661>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٧ الى ٤٨]</span>\nاسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨)\nاسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ لا يرده الله بعد ما حكم به ومِنْ صلة ل مَرَدَّ. وقيل صلة يَأْتِيَ أي من قبل أن يأتى يوم من الله لا يمكن رده. مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ مفر.\nيَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائف أعمالكم تشهد عليه ألسنتكم وجوارحكم.\nفَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا رقيبًا أو محاسبًا. إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وقد بلغت. وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها أراد بالإِنسان الجنس لقوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ بليغ الكفران ينسى النعمة رأسًا ويذكر البلية ويعظمها ولا يتأمل سببها، وهذا وإن اختص بالمجرمين جاز إسناده إلى الجنس لغلبتهم واندراجهم فيه. وتصدير الشرطية الأولى ب إِذا والثانية ب إِنْ لأن أذاقة النعمة محققة من حيث أنها عادة مقتضاة بالذات بخلاف إصابة البلية، وإقامة علة الجزاء مقامه ووضع الظاهر موضع المضمر في الثانية للدلالة على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2662>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)\nلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فله أن يقسم النعمة والبلية كيف يشاء. يَخْلُقُ مَا يَشاءُ من غير لزوم ومجال اعتراض. يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ.\nأَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا بدل من يَخْلُقُ بدل البعض، والمعنى يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشيئة فيهب لبعض إما صنفًا واحدًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى أو الصنفين جميعًا ويعقم آخرين، ولعل تقديم الإِناث لأنها أكثر لتكثير النسل، أو لأن مساق الآية للدلالة على أن الواقع ما يتعلق به مشيئة الله لا مشيئة الإِنسان والإِناث كذلك، أو لأن الكلام في البلاء والعرب تعدهن بلاء، أو لتطييب قلوب آبائهن أو للمحافظة على الفواصل ولذلك عرف الذكور، أو لجبر التأخير وتغيير العاطف في","vol":"5","page":84},{"text":"الثالث لأنه قسيم المشترك بين القسمين، ولم يحتج إليه الرابع لإفصاحه بأنه قسيم المشترك بين الأقسام المتقدمة. إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ فيفعل ما يفعل بحكمة واختيار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2663>[سورة الشورى (٤٢): آية ٥١]</span>\nوَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)\nوَما كانَ لِبَشَرٍ وما صح له. أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا كلامًا خفيًا يدرك لأنه بسرعة تمثيل ليس في ذاته مركبًا من حروف مقطعة تتوقف على تموجات متعاقبة، وهو ما يعم المشافه به كما روي في حديث المعراج، وما وعد به في حديث الرؤية والمهتف به كما اتفق لموسى في طوى والطور، ولكن عطف قوله:\nأَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ عليه يخصه بالأول فالآية دليل على جواز الرؤية لا على امتناعها. وقيل المراد به الإِلهام والإِلقاء في الروع أو الوحي المنزل به الملك إلى الرسل فيكون المراد بقوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ أو يرسل إليه نبيًا فيبلغ وحيه كما أمره، وعلى الأول المراد بالرسول الملك الموحي إلى الرسل، ووحيًا بما عطف عليه منتصب بالمصدر لأن مِنْ وَراءِ حِجابٍ صفة كلام محذوف والإِرسال نوع من الكلام، ويجوز أن يكون وحيًا ويرسل مصدرين ومِنْ وَراءِ حِجابٍ ظرفًا وقعت أحوالًا، وقرأ نافع أَوْ يُرْسِلَ برفع اللام. إِنَّهُ عَلِيٌّ عن صفات المخلوقين. حَكِيمٌ يفعل ما تقتضيه حكمته فيكلم تارة بوسط، وتارة بغير وسط إما عيانًا وإما من وراء حجاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2664>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٥٢ الى ٥٣]</span>\nوَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)\nوَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا يعني ما أوحي إليه، وسماه روحًا لأن القلوب تحيا به، وقيل جبريل والمعنى أرسلناه إليك بالوحي. مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ أي قبل الوحي، وهو دليل على أنه لم يكن متعبدًا قبل النبوة بشرع. وقيل المراد هو الإِيمان بما لا طريق إليه إلا السمع. وَلكِنْ جَعَلْناهُ أي الروح أو الكتاب أو الإِيمان. نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا بالتوفيق للقبول والنظر فيه.\nوَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هو الإسلام، وقرئ «لَتَهْدِى» أي ليهديك الله.\nصِراطِ اللَّهِ بدل من الأول. الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقًا وملكًا. أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ بارتفاع الوسائط والتعلقات، وفيه وعد ووعيد للمطيعين والمجرمين.\nعن النبي ﷺ «من قرأ حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون له ويسترحمون له» .","vol":"5","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2665>(٤٣) سورة الزخرف</span>\nمكية وقيل إلا قوله: (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا) وآيها تسع وثمانون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2666>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)\nحم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا أقسم بالقرآن على أنه جعله قرآنًا عربيًا، وهو من البدائع لتناسب القسم والمقسم عليه كقول أبي تمام: وَثَنَايَاكَ أَنَّهَا إِغْرِيضُ. ولعل إقسام الله بالأشياء استشهاد بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، وبالقرآن من حيث أنه معجز مبين لطرق الهدى وما يحتاج إليه في الديانة، أو بين للعرب ما يدل على أنه تعالى صيره كذلك لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لكي تفهموا معانيه.\nوَإِنَّهُ عطف على انا، وقرأ حمزة والكسائي بالكسر على الاستئناف. فِي أُمِّ الْكِتابِ في اللوح المحفوظ فإنه أصل الكتب السماوية، وقرئ أم الكتاب بالكسر. لَدَيْنا محفوظًا عندنا عن التغيير.\nلَعَلِيٌّ رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزًا من بينها. حَكِيمٌ ذو حكمة بالغة، أو محكم لا ينسخه غيره.\nوهما خبران لأن وفِي أُمِّ الْكِتابِ متعلق ب «عليّ» واللام لا تمنعه، أو حال منه ولَدَيْنا بدل منه أو حال من أُمِّ الْكِتابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2667>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٥]</span>\nأَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)\nأَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أفنذوده ونبعده عنكم مجاز من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض، قال طرفة:\nاضرب عنك الهموم طارقها ... ضَرْبكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَس الفَرَسِ\nوالفاء للعطف على محذوف أي انهملكم فنضرب عَنْكُمُ الذِّكْرَ، وصَفْحًا مصدر من غير لفظه فإن تنحية الذكر عنهم إعراض أو مفعول له أو حال بمعنى صافحين، وأصله أن تولي الشيء صفحة عنقك.\nوقيل إنه بمعنى الجانب فيكون ظرفًا ويؤيده أنه قرئ «صَُفْحًا» بالضم، وحينئذ يحتمل أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح بمعنى صافحين، والمراد إنكار أن يكون الأمر على خلاف ما ذكر من إنزال الكتاب على لغتهم ليفهموه. أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ أي لأن كنتم، وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإِعراض عنهم، وقرأ نافع وحمزة والكسائي أَنْ بالكسر على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق مخرج المشكوك استجهالًا لهم، وما قبلها دليل الجزاء.","vol":"5","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2668>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nوَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)\nوَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ تسلية لرسول الله ﷺ عن استهزاء قومه.\nفَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا أي من القوم المسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى الرسول مخبرًا عنهم.\nوَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ وسلف في القرآن قصتهم العجيبة، وفيه وعد للرسول ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2669>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٩ الى ١١]</span>\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ لعله لازم مقولهم أو ما دل عليه إجمالًا أقيم مقامه تقريرًا لإِلزام الحجة عليهم، فكأنهم قالوا «الله» كما حكي عنهم في مواضع أخر وهو الذي من صفته ما سرد من الصفات، ويجوز أن يكون مقولهم وما بعده استئناف.\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا فتستقرون فيها وقرأ غير الكوفيون «مهادًا» بالإلف.\nوَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا تسلكونها. لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ لكي تهتدوا إلى مقاصدكم، أو إلى حكمة الصانع بالنظر في ذلك.\nوَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ بمقدار ينفع ولا يضر. فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا مال عنه النماء.\nوتذكيره لأن البلدة بمعنى البلد والمكان. كَذلِكَ مثل ذلك الإِنشار. تُخْرَجُونَ تنشرون من قبوركم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي تُخْرَجُونَ بفتح التاء وضم الراء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2670>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nوَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)\nوَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها أصناف المخلوقات. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ مَا تَرْكَبُونَ ما تركبونه على تغليب المتعدي بنفسه على المتعدي بغيره إذ يقال: ركبت الدابة وركبت في السفينة، أو المخلوق للركوب على المصنوع له أو الغالب على النادر ولذلك قال:\nلِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ أي ظهور ما تركبون وجمعه للمعنى. ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ تذكروها بقلوبكم معترفين بها حامدين عليها. وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ مطيقين من أقرن الشيء إذا أطاقه، وأصله وجد قرينته إذ الصعب لا يكون قرينة الضعيف. وقرئ بالتشديد والمعنى واحد.\nوعنه ﵊ أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فإذا استوى على الدابة قال: الحمد لله على كل حال.\nسُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا إلى قوله:\nوَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ أي راجعون، واتصاله بذلك لأن الركوب للتنقل والنقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله تعالى، أو لأنه مخطر فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه ويستعد للقاء الله تعالى.","vol":"5","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2671>[سورة الزخرف (٤٣): آية ١٥]</span>\nوَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)\nوَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا متصل بقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي وقد جعلوا له بعد ذلك الاعتراف من عباده ولدًا فقالوا الملائكة بنات الله، ولعله سماه جزءًا كما سمي بعضًا لأنه بضعة من الوالد دلالة على استحالته على الواحد الحق في ذاته، وقرأ أبو بكر «جزءوا» بضمتين. إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ظاهر الكفران ومن ذلك نسبة الولد إلى الله لأنها من فرط الجهل به والتحقير لشأنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2672>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nأَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)\nأَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ معنى الهمزة في أَمِ للإِنكار والتعجب من شأنهم حيث لم يقنعوا بأن جعلوا له جزءًا حتى جعلوا له من مخلوقاته أجزاء أخس مما اختير لهم وأبغض الأشياء إليهم، بحيث إذا بشر أحدهم بها اشتد غمه به كما قال:\nوَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا بالجنس الذي جعله له مثلًا إذ الولد لا بد وأن يماثل الوالد. ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا صار وجهه أسود في الغاية لما يعتريه من الكآبة. وَهُوَ كَظِيمٌ مملوء قلبه من الكرب، وفي ذلك دلالات على فساد ما قالوه، وتعريف البنين بما مر في الذكور، وقرئ «مسود» و«مسواد» على أن في ظَلَّ ضمير المبشر و«وَجْهُهُ مُسْوَدّ» جملة وقعت خبرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2673>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nأَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩)\nأَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ أي أو جعلوا له، أو اتخذ من يتربى في الزينة يعني البنات. وَهُوَ فِي الْخِصامِ في المجادلة. غَيْرُ مُبِينٍ مقرر لما يدعيه من نقصان العقل وضعف الرأي، ويجوز أن يكون من مبتدأ محذوف الخبر أي أو من هذا حاله ولده وفِي الْخِصامِ متعلق ب مُبِينٍ، وإضافة غَيْرُ إليه لا يمنعه لما عرفت. وقرأ حمزة والكسائي وحفص يُنَشَّأُ أي يربي. وقرئ «يُنَشَّأُ» و«يناشأ» بمعناه ونظير ذلك أعلاه وعلاه وعالاه بمعنى.\nوَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا كفر آخر تضمنه مقالهم شنع به عليهم، وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله تعالى أنقصهم رأيًا وأخسهم صنفًا. وقرئ عبيد وقرأ الحجازيان وابن عامر ويعقوب «عند» على تمثيل زلفاهم. وقرئ «أنثًا» وهو جمع الجمع. أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ أحضروا خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثًا، فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة وهو تجهيل وتهكم بهم. وقرأ نافع أَشْهَدُواْ بهمزة الاستفهام وهمزة مضمومة بين بين، و«ءاأشهدوا» بمدة بينهما. سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ التي شهدوا بها على الملائكة. وَيُسْئَلُونَ أي عنها يوم القيامة، وهو وعيد شديد. وقرئ «سيكتب» و«سنكتب» بالياء والنون.\nو«شهاداتهم» وهي أن لله جزءا أو أن له بنات وهن الملائكة ويساءلون من المساءلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2674>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ مَّا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)\nوَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ أي لو شاء عدم عبادة الملائكة ما عبدناهم فاستدلوا بنفي مشيئة عدم العبادة على امتناع النهي عنها أو على حسنها، وذلك باطل لأن المشيئة ترجح بعض الممكنات على","vol":"5","page":88},{"text":"بعض مأمورًا كان أو منهيًا حسنًا كان أو غيره، ولذلك جهلهم فقال: مَّا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يتمحلون تمحلًا باطلًا، ويجوز أن تكون الإِشارة إلى أصل الدعوى كأنه لما أبدى وجوه فسادها وحكى شبهتهم المزيفة نفى أن يكون لهم بها علم من طريق العقل، ثم أضرب عنه إلى إنكار أن يكون لهم سند من جهة النقل فقال:\nأَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ من قبل القرآن أو ادعائهم ينطق على صحة ما قالوه. فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بذلك الكتاب متمسكون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2675>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nبَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)\nبَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ أي لا حجة لهم على ذلك عقلية ولا نقلية، وإنما جنحوا فيه إلى تقليد آبائهم الجهلة، وال أُمَّةٍ الطريقة التي تؤم كالراحلة للمرحول إليه، وقرئت بالكسر وهي الحالة التي يكون عليها الأم أي القاصد ومنها الدين.\nوَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ تسلية لرسول الله ﷺ ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم، وأن مقدميهم أيضًا لم يكن لهم سند منظور إليه، وتخصيص المترفين إشعار بأن التنعم وحب البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2676>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nقالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)\nقالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا أي أتتبعون آبائكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم، وهي حكاية أمر ماض أوحي إلى النذير، أو خطاب لرسول الله ﷺ، ويؤيد الأول أنه قرأ ابن عامر وحفص قالَ وقوله: قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ أي وإن كان أهدى إقناطًا للنذير من أن ينظروا أو يتفكروا فيه.\nفَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالاستئصال. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ولا تكترث بتكذيبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2677>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ واذكر وقت قوله هذا ليروا كيف تبرأ عن التقليد وتمسك بالدليل، أو ليقلدوه إن لم يكن لهم بد من التقليد فإنه أشرف آبائهم. لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ بريء من عبادتكم أو معبودكم، مصدر نعت به ولذلك استوى فيه الواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث، وقرئ «بريء» و«براء» ككريم وكرام.\nإِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي استثناء منقطع أو متصل على أن «ما» يعم أولي العلم وغيرهم، وأنهم كانوا يعبدون الله والأصنام والأوثان، أو صفة على أن «ما» موصوفة أي إنني بريء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني.\nفَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ سيثبتني على الهداية، أو سيهديني إلى ما وراء ما هداني إليه.\nوَجَعَلَها وجعل إبراهيم ﵊ أو الله كلمة التوحيد. كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ في ذريته فيكون فيهم أبدًا من يوحد الله ويدعو إلى توحيده، وقرئ «كَلِمَةَ» و«فِى عَقِبِهِ» على التخفيف و«في عاقبه»","vol":"5","page":89},{"text":"أي فيمن عقبه. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يرجع من أشرك بدعاء من وحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2678>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nبَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠)\nبَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ هؤلاء المعاصرين للرسول ﷺ من قريش وآباءهم بالمد في العمر والنعمة، فاغتروا لذلك وانهمكوا في الشهوات. وقرئ «مَتَّعْتُ» بالفتح على أنه تعالى اعترض به على ذاته في قوله:\nوَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً مبالغة في تعييرهم. حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ دعوة التوحيد أو القرآن. وَرَسُولٌ مُبِينٌ ظاهر الرسالة بما له من المعجزات، أو مُبِينٌ للتوحيد بالحجج والآيات.\nوَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ لينبههم عن غفلتهم قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ زادوا شرارة فضموا إلى شركهم معاندة الحق والاستخفاف به، فسموا القرآن سحرًا وكفروا به واستحقروا الرسول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2679>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nوَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)\nوَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ من إحدى القريتين مكة والطائف. عَظِيمٍ بالجاه والمال كالوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي، فإن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم، ولم يعلموا أنها رتبة روحانية تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية، لا التزخرف بالزخارف الدنيوية.\nأَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم، والمراد بالرحمة النبوة. نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهم عاجزون عن تدبيرها وهي خويصة أمرهم في دنياهم، فمن أين لهم أن يدبروا أمر النبوة التي هي أعلى المراتب الإنسية، وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها وحرامها من الله. وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ وأوقعنا بينهم التفاوت في الرزق وغيره. لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ليستعمل بعضهم بعضًا في حوائجهم فيحصل بينهم تآلف وتضام ينتظم بذلك نظام العالم، لا لكمال في الموسع ولا لنقص في المقتر، ثم إنه لا اعتراض لهم علينا في ذلك ولا تصرف فكيف يكون فيما هو أعلى منه. وَرَحْمَتُ رَبِّكَ يعني هذه النبوة وما يتبعها. خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من حطام الدنيا والعظيم من رزق منها لا منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2680>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nوَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)\nوَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه. لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ ومصاعد جمع معرج، وقرئ «ومعاريج» جمع معراج. عَلَيْها يَظْهَرُونَ يعلون السطوح لحقارة الدنيا، وَلِبُيُوتِهِمْ بدل من لِمَنْ بدل الاشتمال أو على كقولك: وهبت له ثوبًا لقميصه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «وسقفا» اكتفاء بجمع البيوت، وقرئ «سقفًا» بالتخفيف و«سقوفًا» و«سقفًا» وهي لغة في سقف. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ أي أبوابًا وسررًا من فضة.","vol":"5","page":90},{"text":"وَزُخْرُفًا وزينة عطف على سُقُفًا أو ذهبًا عطف على محل من فضة وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا إِن هي المخففة واللام هي الفارقة. وقرأ عاصم وحمزة وهشام بخلاف عنه لما بالتشديد بمعنى إلا وأن نافية، وقرئ به مع أن وما وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ عَن الكفر والمعاصي، وفيه دلالة على أن العظيم هو العظيم في الآخرة لا في الدنيا، وإشعار بما لأجله لم يجعل ذلك للمؤمنين حتى يجتمع الناس على الإِيمان، وهو أنه تمتع قليل بالإِضافة إلى ما لهم في الآخرة مخل به في الأغلب لما فيه من الآفات قل من يتخلص عنها كما أشار إليه بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2681>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nوَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)\nوَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ يتعام ويعرض عنه لفرط اشتغاله بالمحسوسات وانهماكه في الشهوات، وقرئ «يَعْشَ» بالفتح أي يعم يقال عشي إذا كان في بصره آفة وعشى إذا تعشى بلا آفة كعرج وعرج، وقرئ «يعشو» على أن مَنْ موصولة. نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ يوسوسه ويغويه دائمًا، وقرأ يعقوب بالياء على إسناده إلى ضمير الرَّحْمنِ، ومن رفع «يعشو» ينبغي أن يرفع نُقَيِّضْ.\nوَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ عن الطريق الذي من حقه أن يسبل، وجمع الضميرين للمعنى إذ المراد جنس العاشي والشيطان المقيض له. وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ الضمائر الثلاثة الأول له والباقيان للشيطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2682>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nحَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)\nحَتَّى إِذا جاءَنا أي العاشي، وقرأ الحجازيان وابن عامر وأبو بكر «جاآنا» أي العاشي والشيطان.\nقالَ أي العاشي للشيطان. يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ بعد المشرق من المغرب، فغلب المشرق وثنى وأضيف البعد إليهما. فَبِئْسَ الْقَرِينُ أنت.\nوَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ أي ما أنتم عليه من التمني. إِذْ ظَلَمْتُمْ إذ صح إنكم ظلمتم أنفسكم في الدنيا بدل من الْيَوْمَ. أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وشياطينكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه، ويجوز أن يسند الفعل إليه بمعنى. ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب كما ينفع الواقعين في أمر صعب معاونتهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لمكابدة عنائه، إذ لكل منكم ما لا تسعه طاقته. وقرئ «إِنَّكُمْ» بالكسر وهو يقوي الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2683>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٠ الى ٤٢]</span>\nأَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)\nأَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ إِنكار وتعجب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم بعد تمرنهم على الكفر واستغراقهم في الضلال بحيث صار عشاهم عمى مقرونًا بالصمم. كان رسول الله ﷺ يتعب نفسه في دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا غيًا فنزلت. وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ عطف على الْعُمْيَ باعتبار تغاير الوصفين، وفيه إشعار بأن الموجب لذلك تمكنهم في ضلال لا يخفى.\nفَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ أي فإِن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم، و«ما» مزيدة مؤكدة بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكدة فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ بعذاب فِى الدنيا والآخرة.","vol":"5","page":91},{"text":"أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ أو إِن أردنا أن نريك ما وعدناهم من العذاب، وقرأ يعقوب برواية رويس أو نُرِيَنَّكَ بإسكان النون وكذا نَذْهَبَنَّ. فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ لاَ يَفوتوننا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2684>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٣ الى ٤٤]</span>\nفَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤)\nفَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ من الآيات والشرائع، وقرئ «أُوحِىَ» على البناء للفاعل وهو الله تعالى. إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا عوج له.\nوَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ لشرف لك. وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ أي عَنْهُ يوم القيامة وعن قيامكم بحقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2685>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٥]</span>\nوَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)\nوَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أي واسأل أممهم وعلماء دينهم، وقرأ ابن كثير والكسائي بتخفيف الهمزة. أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ هل حكمنا بعبادة الأوثان وهل جاءت في ملة من مللهم، والمراد به الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد والدلالة على أنه ليس ببدع ابتدعه فيكذب ويعادي له، فإنه كان أقوى ما حملهم على التكذيب والمخالفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2686>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٦ الى ٤٧]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ يريد باقتصاصه تسلية رسول الله ﷺ ومناقضة قولهم لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ والاستشهاد بدعوة موسى ﵇ إلى التوحيد ليتأملوا فيها.\nفَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ فاجؤوا وقت ضحكهم منها، أي استهزءوا بها أول ما رأوها ولم يتأملوا فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2687>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٤٨]</span>\nوَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)\nوَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها إلا هي بالغة أقصى درجات الإِعجاز بحيث يحسب الناظر فيها أنها أكبر مما يقاس إليها من الآيات، والمراد وصف الكل بالكبر كقولك: رأيت رجالًا بعضهم أفضل من بعض، وكقوله:\nمَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تَقُلْ لاَقَيْتُ سَيِّدَهُم ... مِثْلُ النُّجُومِ الَّتي يَسْرِي بِهَا السَّارِي\nأو إِلَّا وهي مختصة بنوع من الاعجاز مفضلة على غيرها بذلك الاعتبار. وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ كالسنين والطوفان والجراد. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ على وجه يرجى رجوعهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2688>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nوَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)\nوَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ نادوه بذلك في تلك الحال لشدة شكيمتهم وفرط حماقتهم، أو لأنهم كانوا يسمون العالم الماهر ساحرًا. وقرأ ابن عامر بضم الهاء ادْعُ لَنا رَبَّكَ فيكشف عنا العذاب. بِما عَهِدَ","vol":"5","page":92},{"text":"عِنْدَكَ\nبعهده عندك من النبوة، أو من أن يستجيب دعوتك، أو أن يكشف العذاب عمن اهتدى، أو بِما عَهِدَ عِنْدَكَ فوفيت به وهو الإِيمان والطاعة. إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ.\nفَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ فاجؤوا نكث عهدهم بالاهتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2689>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nوَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢)\nوَنادى فِرْعَوْنُ بنفسه أو بمناديه. فِي قَوْمِهِ في مجمعهم أو فيما بينهم بعد كشف العذاب عنهم مخافة أن يؤمن بعضهم. قالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ أنهار النيل ومعظمها أربعة أنهر: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنيس. تَجْرِي مِنْ تَحْتِي تحت قصري أو أمري، أو بين يدي في جناني والواو إما عاطفة لهذه الْأَنْهارُ على الملك وتَجْرِي حال منها. أو واو حال وهذه مبتدأ والْأَنْهارُ صفتها وتَجْرِي خبرها. أَفَلا تُبْصِرُونَ ذلك.\nأَمْ أَنَا خَيْرٌ مَع هذه المملكة والبسطة. مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ضعيف حقير لا يستعد للرئاسة، من المهانة وهي القلة. وَلا يَكادُ يُبِينُ الكلام لما به من الرتة فكيف يصلح للرسالة، وأَمْ إما منقطعة والهمزة فيها للتقرير إذ قدم من أسباب فضله، أو متصلة على إقامة المسبب مقام السبب. والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون فتعلمون أني خير منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2690>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nفَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٤)\nفلولا ألقي عليه أساورة مّن ذَهَبٍ أي فهلا ألقي عليه مقاليد الملك إن كان صادقًا، إذ كانوا إذا سودوا رجلًا سوروه وطوقوه بسوار وطوق من ذهب، وأساورة جمع أسوار بمعنى السوار على تعويض التاء من ياء أساوير. وقد قرئ به وقرأ يعقوب وحفص «أَسْوِرَةٌ» وهي جمع سوار. وقرئ «أساور» جمع «أَسْوِرَةٌ» و«أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ» و«أساور» على البناء للفاعل وهو الله تعالى. أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ مقرونين يعينونه أو يصدقونه من قرنته به فاقترن، أو متقارنين من اقترن بمعنى تقارن.\nفَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فطلب منهم الخفة في مطاوعته أو فاستخف أحلامهم. فَأَطاعُوهُ فيما أمرهم به إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ فلذلك أطاعوا ذلك الفاسق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2691>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nفَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)\nفَلَمَّا آسَفُونا أغَضبونا بالإِفراط في العناد والعصيان منقول من أسف إذا اشتد غضبه. انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ في اليم.\nفَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا قدوة لمن بعدهم من الكفار يقتدون به في استحقاق مثل عقابهم، مصدر نعت به أو جمع سالف كخدم وخادم، وقرأ حمزة والكسائي بضم السين واللام جمع سليف كرغف ورغيف، أو سالف كصبر جمع صابر أو سلف كخشب. وقرئ «سَلَفًا» بإبدال ضمة اللام فتحة أو على أنه جمع سلفة أي ثلة قد سلفت. وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ وعظة لهم أو قصة عجيبة تسير مسير الأمثال لهم فيقال: مثلكم مثل قوم فرعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2692>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nوَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)","vol":"5","page":93},{"text":"وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا أي ضربه ابن الزبعرى لما جادل رسول الله ﷺ في قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أو غيره بأن قال النصارى أهل كتاب وهم يعبدون عيسى ﵇ ويزعمون أنه ابن الله والملائكة أولى بذلك، أو على قوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أو أن محمدًا يريد أن نعبده كما عبد المسيح. إِذا قَوْمُكَ قريش مِنْهُ من هذا المثل. يَصِدُّونَ يضجون فرحًا لظنهم أن الرسول ﷺ صار ملزمًا به. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالضم من الصدود أي يصدون عن الحق ويعرضون عنه. وقيل هما لغتان نحو يعكف ويعكف.\nوَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ أي آلهتنا خير عندك أم عيسى ﵇ فإن يكن في النار فلتكن آلهتنا معه، أو آلهتنا الملائكة خير أم عيسى ﵇ فإذا جاز أن يعبد ويكون ابن الله كانت آلهتنا أولى بذلك، أو آلهتنا خير أم محمد ﷺ فنعبده وندع آلهتنا. وقرأ الكوفيون «أآلهتنا» بتحقيق الهمزتين وألف بعدهما. مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل والخصومة لا لتمييز الحق من الباطل. بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ شداد الخصومة حراص على اللجاج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2693>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥٩ الى ٦٠]</span>\nإِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)\nإِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ بالنبوة. وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ أمرًا عجيبًا كالمثل السائر لبني إسرائيل، وهو كالجواب المزيح لتلك الشبهة.\nوَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ لولدنا منكم يا رجال كما ولدنا عيسى من غير أب، أو لجعلنا بدلكم.\nمَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ملائكة يخلفونكم في الأرض، والمعنى أن حال عيسى ﵇ وإن كانت عجيبة فإنه تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك، وأن الملائكة مثلكم من حيث أنها ذوات ممكنة يحتمل خلقها توليدًا كما جاز خلقها إبداعًا، فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب إلى الله ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2694>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦١ الى ٦٢]</span>\nوَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)\nوَإِنَّهُ وإن عيسى ﵇. لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ لأن حدوثه أو نزوله من أشراط الساعة يعلم به دنوها، أو لأن احياء الموتى يدل على قدرة الله تعالى عليه. وقرئ «لَعِلْمٌ» أي لعلامة ولذكر على تسمية ما يذكر به ذكرًا،\nوفي الحديث ينزل عيسى ﵇ على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها أفيق وبيده حربة يقتل بها الدجال، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة الصبح فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ﵇ ويصلي خلفه على شريعة محمد ﵊، ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى إلا من آمن به.\nوقيل الضمير للقرآن فإن فيه الإعلام بالساعة والدلالة عليها. فَلا تَمْتَرُنَّ بِها فَلا تشكن فيها. وَاتَّبِعُونِ واتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي. وقيل هو قول الرسول ﷺ أمر أن يقوله.\nهذا الذي أدعوكم إليه. صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لا يضل سالكه.\nوَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ عن المتابعة. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ثابت عداوته بأن أخرجكم عن الجنة وعرضكم للبلية.","vol":"5","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2695>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٣ الى ٦٤]</span>\nوَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)\nوَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات أو بآيات الإِنجيل، أو بالشرائع الواضحات. قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ بالإِنجيل أو بالشريعة. وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ وهو ما يكون من أمر الدين لا ما يتعلق بأمر الدنيا، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يبعثوا لبيانه، ولذلك\nقال ﵊ «أنتم أعلم بأمر دنياكم» .\nفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما أبلغه عنه.\nإِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ بيان لما أمرهم بالطاعة فيه، وهو اعتقاد التوحيد والتعبد بالشرائع.\nهذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ الإِشارة إلى مجموع الأمرين وهو تتمة كلام عيسى ﵇، أو استئناف من الله تعالى يدل على ما هو المقتضي للطاعة في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2696>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٥ الى ٦٧]</span>\nفَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧)\nفَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ الفرق المتحزبة. مِنْ بَيْنِهِمْ من بين النصارى أو اليهود والنصارى من بين قومه المبعوث إليهم. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا من المتحزبين مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ هو القيامة.\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ الضمير لقريش أو لِلَّذِينَ ظَلَمُوا. أَنْ تَأْتِيَهُمْ بدل من السَّاعَةَ والمعنى هل ينظرون إلا إتيان الساعة. بَغْتَةً فجأة. وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ غَافِلُونَ عنها لاشتغالهم بأمور الدنيا وإنكارهم لها.\nالْأَخِلَّاءُ الأحباء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أي يتعادون يومئذ لانقطاع العلق لظهور ما كانوا يتخالون له سببًا للعذاب. إِلَّا الْمُتَّقِينَ فإن خلتهم لما كانت في الله تبقى نافعة أبد الآباد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2697>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٨ الى ٦٩]</span>\nيا عِبادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)\nيا عِبادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ حكاية لما ينادي به المتقون المتحابون في الله يومئذ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص بغير الياء.\nالَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا صفة المنادي. وَكانُوا مُسْلِمِينَ حال من الواو أي الذين آمنوا مخلصين، غير أن هذه العبارة آكد وأبلغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2698>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٠ الى ٧١]</span>\nادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١)\nادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ نساؤكم المؤمنات. تُحْبَرُونَ تسرون سرورًا يظهر حباره أي أثره على وجوهكم، أو تزينون من الحبر وهو حسن الهيئة أو تكرمون إكرامًا يبالغ فيه، والحبرة المبالغة فيما وصف بجميل.\nيُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ الصحاف جمع صحفة، والأكواب جمع كوب وهو كوز لا","vol":"5","page":95},{"text":"عروة له. وَفِيها وفي الجنة مَا تَشْتَهِى الأنفس وقرأ نافع وابن عامر وحفص تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ على الأصل. وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ بمشاهدته وذلك تعميم بعد تخصيص ما يعد من الزوائد في التنعم والتلذذ. وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ فإن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ وخوف الزوال ومستعقب للتحسر في ثاني الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2699>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٢ الى ٧٣]</span>\nوَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣)\nوَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقرأ ورثتموها، شبه جزاء العمل بالميراث لأنه يخلفه عليه العامل، وتلك إشارة إلى الجنة المذكورة وقعت مبتدأ والجنة خبرها، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صفتها أو الْجَنَّةُ صفة تِلْكَ والَّتِي خبرها أو صفة الْجَنَّةُ والخبر بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وعليه يتعلق الباء بمحذوف لا ب أُورِثْتُمُوها.\nلَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ بعضها تأكلون لكثرتها ودوام نوعها، ولعل تفصيل التنعم بالمطاعم والملابس وتكريره في القرآن وهو حقير بالإضافة إلى سائر نعائم الجنة لما كان بهم من الشدة والفاقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2700>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٤ الى ٧٦]</span>\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ الكاملين في الإِجرام وهم الكفار لأنه جعل قسيم المؤمنين بالآيات، وحكى عنهم ما يخص بالكفار. فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ خبر إن أو خالدون خبر والظرف متعلق به.\nلاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ لا يخفف عنهم من فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلًا والتركيب للضعف. وَهُمْ فِيهِ في العذاب مُبْلِسُونَ آيسون من النجاة.\nوَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ مر مثله غير مرة وهم فصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2701>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٧ الى ٧٨]</span>\nوَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨)\nوَنادَوْا يا مالِكُ وقرئ «يا مال» على الترخيم مكسورًا ومضمومًا، ولعله إشعار بأنهم لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بالتمام ولذلك اختصروا فقالوا: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ والمعنى سل ربنا أن يقضي علينا من قضى عليه إذا أماته، وهو لا ينافي إبلاسهم فإنه جؤار وتمن للموت من فرط الشدة قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ لا خلاص لكم بموت ولا بغيره.\nلَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ بالإِرسال والإِنزال، وهو تتمة الجواب إن كان في قالَ ضمير الله وإلا فجواب منه فكأنه تعالى تولى جوابهم بعد جواب مالك. وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ لما في اتباعه من إتعاب النفس وآداب الجوارح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2702>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٧٩ الى ٨٠]</span>\nأَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)\nأَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا في تكذيب الحق ورده ولم يقتصروا على كراهته. فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أمرًا في مجازاتهم والعدول عن الخطاب للإشعار بأن ذلك أسوأ من كراهتهم، أو أم أحكم المشركون أمرًا من كيدهم بالرسول","vol":"5","page":96},{"text":"فَإِنَّا مُبْرِمُونَ كيدنا بهم، ويؤيده قوله:\nأَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ حديث أنفسهم بذلك. وَنَجْواهُمْ وتناجيهم. بَلى نسمعهما.\nوَرُسُلُنا والحفظة مع ذلك. لَدَيْهِمْ ملازمة لهم. يَكْتُبُونَ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2703>[سورة الزخرف (٤٣): آية ٨١]</span>\nقُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١)\nقُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ منكم فإن النبي ﷺ يكون أعلم بالله وبما يصح له وبما لا يصح له، وأولى بتعظيم ما يوجب تعظيمه ومن تعظيم الوالد تعظيم ولده، ولا يلزم من ذلك صحة كينونة الولد وعبادته له إذ المحال قد يستلزم المحال بل المراد نفيهما على أبلغ الوجوه كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا غير أن لَوْ ثم مشعرة بانتفاء الطرفين، وإن هاهنا لا تشعر به ولا بنقيضه فإنها لمجرد الشريطة بل الانتفاء معلوم لانتفاء اللازم الدال على انتفاء ملزومه، والدلالة على أن إنكاره الولد ليس لعناد ومراء بل لو كان لكان أولى الناس بالاعتراف به. وقيل معناه إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين لله الموحدين له أو الآنفين منه، أو من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه، أو ما كان له ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة. وقرأ حمزة والكسائي وَلَدَ بالضم وسكون اللام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2704>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٢ الى ٨٣]</span>\nسُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)\nسُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ عن كونه ذا ولد فإن هذه الأجسام لكونها أصولًا ذات استمرار تبرأت عما يتصف به سائر الأجسام من توليد المثل، فما ظنك بمبدعها وخالقها.\nفَذَرْهُمْ يَخُوضُوا في باطلهم. وَيَلْعَبُوا في دنياهم. حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ أي يوم القيامة، وهو دلالة على أن قولهم هذا جهل واتباع هوى، وإنهم مطبوع على قلوبهم معذبون في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2705>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٤ الى ٨٥]</span>\nوَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)\nوَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ مستحق لأن يعبد فيهما، والظرف متعلق به لأنه بمعنى المعبود أو متضمن معناه كقولك: هو حاتم في البلد، وكذا فيمن قرأ «الله» والراجع مبتدأ محذوف لطول الصلة بمتعلق الخبر والعطف عليه، ولا يجوز جعله خبرًا له لأنه لا يبقى له عائد لكن لو جعل صلة وقدر الإِله مبتدأ محذوف يكون به جملة مبينة للصلة دالة على أن كونه في السماء بمعنى الألوهية دون الاستقرار، وفيه نفي الآلهة السماوية والأرضية واختصاصه باستحقاق الألوهية. وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ كالدليل عليه.\nوَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما كالهواء. وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ العلم بالساعة التي تقوم القيامة فيها. وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ للجزاء، وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم وروح بالتاء على الالتفات للتهديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2706>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nوَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)\nوَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله.","vol":"5","page":97},{"text":"إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بالتوحيد، والاستثناء متصل إن أريد بالموصول كل ما عبد من دون الله لاندراج الملائكة والمسيح فيه، ومنفصل إن خص بالأصنام.\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ سألت العابدين أو المعبودين. لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لتعذر المكابرة فيه من فرط ظهوره فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ يصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2707>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨٨ الى ٨٩]</span>\nوَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)\nوَقِيلِهِ وقول الرسول ونصبه للعطف على سرهم، أو على محل الساعة أو لإِضمار فعله أي وقال قِيلِهِ. وجره عاصم وحمزة عطفا على السَّاعَةِ، وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ خبره: يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ أو معطوف على عِلْمُ السَّاعَةِ بتقدير مضاف. وقيل هو قسم منصوب بحذف الجار أو مجرور بإضماره، أو مرفوع بتقدير وَقِيلِهِ يا رَبِّ قسمي، وإِنَّ هؤُلاءِ جوابه.\nفَاصْفَحْ عَنْهُمْ فأعرض عن دعوتهم آيسًا عن إيمانهم. وَقُلْ سَلامٌ تسلم منكم ومتاركة. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تسلية للرسول وتهديد لهم، وقرأ نافع وابن عامر بالتاء على أنه من المأمور بقوله.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة يا عبادي لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم ولا أنتم تحزنون» .","vol":"5","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2708>(٤٤) سورة الدخان</span>\nمكية إِلا قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ) الآية، وهي سبع أو تسع وخمسون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2709>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)\nحَم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ القرآن والواو للعطف إن كان حم مقسمًا به وإلا فللقسم والجواب قوله:\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ليلة القدر، أو البراءة ابتدئ فيها إنزاله، أو أنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ، ثم أنزل على الرسول ﷺ نجومًا وبركتها لذلك، فإن نزول القرآن سبب للمنافع الدينية والدنيوية، أو لما فيها من نزول الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة وقسم النعمة وفصل الأقضية. إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ استئناف يبين المقتضى للإنزال وكذلك قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2710>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nفِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)\nفِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ فَإِن كونها مفرق الأمور المحكمة أو الملتبسة بالحكمة يستدعي أن ينزل فيها القرآن الذي هو من عظائمها، ويجوز أن يكون صفة لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وما بينهما اعتراض، وهو يدل على أن الليلة ليلة القدر لأنه صفتها لقوله: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ وقرئ «يُفْرَقُ» بالتشديد و«يُفْرَقُ كل» أي يفرقه الله، و«نفرق» بالنون.\nأَمْرًا مِنْ عِنْدِنا أي أعني بهذا الأمر أمرًا حاصلًا من عندنا على مقتضى حكمتنا، وهو مزيد تفخيم للأمر ويجوز أن يكون حالًا من (كل) أو أمر، أو ضميره المستكن في حَكِيمٍ لأنه موصوف، وأن يكون المراد به مقابل النهي وقع مصدرًا ل يُفْرَقُ أو لفعله مضمرًا من حيث أن الفرق به، أو حالًا من أحد ضميري أَنْزَلْناهُ بمعنى آمرين أو مأمورًا. إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ.\nرَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ بدل من إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ أي أنزلنا القرآن لأن من عادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى العباد لأجل الرحمة عليهم، وضع الرب موضع الضمير للإِشعار بأن الربوبية اقتضت ذلك، فإنه أعظم أنواع التربية أو علة ل يُفْرَقُ أو أَمْرًا، ورَحْمَةً مفعول به أي يفصل فيها كل أمر أو تصدر الأوامر مِنْ عِنْدِنا لأن من شأننا أن نرسل رحمتنا، فإن فصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها وصدور الأوامر الإِلهية من باب الرحمة، وقرئ «رَحْمَةً» على تلك رحمة. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يسمع أقوال العباد ويعلم أحوالهم، وهو بما بعده تحقيق لربوبيته فإنها لا تحق إلا لمن هذه صفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2711>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nرَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)","vol":"5","page":99},{"text":"رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما خبر آخر أو استئناف. وقرأ الكوفيون بالجر بدلًا مِنْ رَبِّكَ.\nإِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي إن كنتم من أهل الإيقان في العلوم، أو كنتم موقنين في إقراركم إذا سئلتم من خلقها؟\nفقلتم الله، علمتم أن الأمر كما قلنا، أو إن كنتم مريدين اليقين فاعلموا ذلك.\nلاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ إذ لا خالق سواه. يُحْيِي وَيُمِيتُ كما تشاهدون. رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ وقرئا بالجر بدلًا مِنْ رَبِّكَ.\nبَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ رد لكونهم موقنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2712>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nفَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١)\nفَارْتَقِبْ فانتظر لهم. يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يوم شدة ومجاعة فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره، أو لأن الهواء يظلم عام القحط لقلة الأمطار وكثرة الغبار، أو لأن العرب تسمي الشر الغالب دخانًا وقد قحطوا حتى أكلوا جيف الكلاب وعظامها، وإسناد الإتيان إلى السماء لأن ذلك يكفه عن الأمطار، أو يوم ظهور الدخان المعدود في أشراط الساعة لما\nروي أنه ﵊ لما قال: أول الآيات الدخان ونزول عيسى ﵇، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر. قيل وما الدخان فتلا رسول الله ﷺ الآية وقال: «يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره»\nأو يوم القيامة والدخان يحتمل المعنيين.\nيَغْشَى النَّاسَ يحيط بهم صفة للدخان وقوله: هذا عَذابٌ أَلِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2713>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nرَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)\nرَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ مقدر بقول وقع حالا وإِنَّا مُؤْمِنُونَ وعد بالإِيمان إن كشف العذاب عنهم.\nأَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى من أين لهم وكيف يتذكرون بهذه الحالة. وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ بين لهم ما هو أعظم منها في إيجاب الإذكار من الآيات والمعجزات.\nثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ أي قال بعضهم يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف وقال آخرون إنه مَجْنُونٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2714>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nإِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)\nإِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ بدعاء النبي ﵊ فإنه لما دعا رفع القحط قَلِيلًا كشفا قليلًا أو زمانًا قليلًا وهو ما بقي من أعمارهم. إِنَّكُمْ عائِدُونَ إلى الكفر غب الكشف، ومن فسر الدخان بما هو من الأشراط قال إذا جاء الدخان غوث الكفار بالدعاء فيكشفه الله عنهم بعد الأربعين، فريثما يكشفه عنهم يرتدون، ومن فسره بما في القيامة أوله بالشرط والتقدير:\nيَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى يوم القيامة أو يوم بدر ظرف لفعل دل عليه. إِنَّا مُنْتَقِمُونَ لا لمنتقمون فإن إن تحجزه عنه، أو بدل من يَوْمَ تَأْتِي. وقرئ «نَبْطِشُ» أي نجعل البطشة الكبرى باطشة بهم، أو تحمل الملائكة على بطشهم وهو التناول بصولة.","vol":"5","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2715>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)\nوَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ امتحناهم بإرسال موسى ﵇ إليهم، أو أوقعناهم في الفتنة بالإِمهال وتوسيع الرزق عليهم. وقرئ بالتشديد للتأكيد أو لكثرة القوم. وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ على الله أو على المؤمنين أو في نفسه لشرف نسبه وفضل حسبه.\nأَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ بأن أدوهم إلى وأرسلوهم معي، أو بأن أدوا إلي حق الله من الإِيمان وقبول الدعوة يا عباد الله، ويجوز أن تكون أَنْ مخففة ومفسرة لأن مجيء الرسول يكون برسالة ودعوة. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ غير متهم لدلالة المعجزات على صدقه، أو لائتمان الله إياه على وحيه وهو علة الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2716>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠)\nوَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ولا تتكبروا عليه بالاستهانة بوحيه ورسوله، وأَنْ كالأولى في وجهيها.\nإِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ علة للنهي ولذكر ال أَمِينٌ مع الأداء، والسلطان مع العلاء شأن لا يخفى.\nوَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ التجأت إليه وتوكلت عليه. أَنْ تَرْجُمُونِ أن تؤذوني ضربًا أو شتمًا أو أن تقتلوني. وقرئ «عت» بالإدغام فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2717>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nوَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)\nوَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ فكونوا بمعزل مني لا علي ولا لي، ولا تتعرضوا إليَّ بسوء فإنه ليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلا حكم.\nفَدَعا رَبَّهُ بعد ما كذبوه. أَنَّ هؤُلاءِ بأن هؤلاء قَوْمٌ مُجْرِمُونَ وهو تعريض بالدعاء عليهم بذكر ما استوجبوه به ولذلك سماه دعاء، وقرئ بالكسر على إضمار القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2718>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nفَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)\nفَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا أي فقال أسر أو قال إن كان الأمر كذلك فَأَسْرِ، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير بوصل الهمزة من سرى إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ يتبعكم فرعون وجنوده إذا علموا بخروجكم.\nوَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا مفتوحًا ذا فجوة واسعة أو ساكنًا على هيئته بعد ما جاوزته ولا تضربه بعصاك ولا تغير منه شيئًا ليدخله القبط إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ وقرئ بالفتح بمعنى لأنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2719>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٥ الى ٢٧]</span>\nكَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧)\nكَمْ تَرَكُوا كثيرًا تَرَكُواْ. مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.\nوَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ محافل مزينة ومنازل حسنة.\nوَنَعْمَةٍ وتنعم. كانُوا فِيها فاكِهِينَ متنعمين، وقرئ «فكهين» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2720>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nكَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)\nكَذلِكَ مثل ذلك الإِخراج أخرجناهم أو الأمر كذلك. وَأَوْرَثْناها عطف على المقدر أو على تَرَكُوا. قَوْمًا آخَرِينَ ليسوا منهم في شيء وهم بنو إسرائيل، وقيل غيرهم لأنهم لم يعودوا إلى مصر.","vol":"5","page":101},{"text":"فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ مجاز من عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم كقولهم:\nبكت عليهم السماء والأرض وكسفت لمهلكهم الشمس في نقيض ذلك. ومنه ما\nروي في الأخبار: إن المؤمن ليبكي عليه مصلاه ومحل عبادته ومصعد عمله ومهبط رزقه.\nوقيل تقديره فما بكت عليهم أهل السماء والأرض وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ممهلين إلى وقت آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2721>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nوَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)\nوَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ من استعباد فرعون وقتله أبناءهم.\nمِنْ فِرْعَوْنَ بدل من الْعَذابِ على حذف المضاف، أو جعله عذاب لإِفراطه في التعذيب، أو حال من المهين بمعنى واقعًا من جهته، وقرئ «مِن فِرْعَوْنَ» على الاستفهام تنكير له لنكر ما كان عليه من الشيطنة. إِنَّهُ كانَ عالِيًا متكبرًا. مِنَ الْمُسْرِفِينَ في العتو والشرارة، وهو خبر ثان أي كان متكبرًا مسرفًا، أو حال من الضمير في عالِيًا أي كان رفيع الطبقة من بينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2722>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nوَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ مَا فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)\nوَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ اخترنا بني إسرائيل. عَلى عِلْمٍ عالمين بأنهم أحقاء بذلك، أو مع علم منا بأنهم يزيغون في بَعض الأحوال. عَلَى الْعالَمِينَ لكثرة الأنبياء فيهم أو على عالمي زمانهم.\nوَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى. مَا فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ نعمة جلية أو اختبار ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2723>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nإِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)\nإِنَّ هؤُلاءِ يعني كفار قريش لأن الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإِصرار على الضلالة، والإِنذار عن مثل ما حل بهم. لَيَقُولُونَ.\nإِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية، ولا قصد فيه إلى إثبات ثانية كما في قولك. حج زيد الحجة الأولى ومات. وقيل لما قيل إنكم تموتون موتة يعقبها حياة كما تقدم منكم موتة كذلك قالوا إن هي إلا موتتنا الأولى، أي ما الموتة التي من شأنها كذلك إلا الموتة الأولى. وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ بمبعوثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2724>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nفَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)\nفَأْتُوا بِآبائِنا خطاب لمن وعدهم بالنشور من الرسول والمؤمنين. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في وعدكم ليدل عليه.\nأَهُمْ خَيْرٌ في القوة والمنعة. أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ تبع الحميري الذي سار بالجيوش وحير الحيرة وبنى سمرقند.\nوقيل هدمها وكان مؤمنًا وقومه كافرين ولذلك ذمهم دونه.\nوعنه ﵊: «ما أدري أكان تبع نبيًا أم غير نبي» .\nوقيل لملوك اليمن التبابعة لأنهم يتبعون كما قيل لهم الأقيال لأنهم يتقيلون. وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كعاد وثمود. أَهْلَكْناهُمْ استئناف بمآل قوم تبع، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هدد به كفار قريش أو حال بإضمار قد أو خبر من الموصول إن استؤنف به. إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ بيان للجامع المقتضي للإهلاك.","vol":"5","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2725>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nوَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٣٩)\nوَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما وَمَا بين الجنسين وقرئ «وما بينهن» . لاعِبِينَ لاهين، وهو دليل على صحة الحشر كما مر في الأنبياء وغيرها.\nمَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ إلا بسبب الحق الذي اقتضاه الدليل من الإِيمان والطاعة، أو البعث والجزاء.\nوَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ لقلة نظرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2726>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٠ الى ٤٢]</span>\nإِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)\nإِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ فصل الحق عن الباطل، أو المحق عن المبطل بالجزاء، أو فصل الرجل عن أقاربه وأحبائه. مِيقاتُهُمْ وقت موعدهم. أَجْمَعِينَ وقرئ «ميقاتهم» بالنصب على أنه الاسم أي إن ميعاد جزائهم في يَوْمَ الْفَصْلِ.\nيَوْمَ لاَ يُغْنِي بدل من يَوْمَ الْفَصْلِ أو صفة ل مِيقاتُهُمْ، أو ظرف لما دل عليه الفصل لا له الفصل. مَوْلًى من قرابة أو غيرها. عَنْ مَوْلًى أي مولى كان. شَيْئًا من الاغناء. وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ الضمير ل مَوْلًى الأول باعتبار المعنى لأنه عام.\nإِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ بالعفو عنه وقبول الشفاعة فيه، ومحله الرفع على البدل من الواو أو النصب على الاستثناء إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ لا ينصر منه من أراد تعذيبه. الرَّحِيمُ لمن أراد أن يرحمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2727>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٣ الى ٤٦]</span>\nإِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)\nإِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ وقرئ بكسر الشين ومعنى الزَّقُّومِ سبق في «الصافات» .\nطَعامُ الْأَثِيمِ الكثير الآثام، والمراد به الكافر لدلالة ما قبله وما بعده عليه.\nكَالْمُهْلِ وهو ما يمهل في النار حتى يذوب. وقيل دردي الزيت. تغلي فِى البطون وقرأ ابن كثير وحفص ورويس بالياء على أن الضمير لل طَعامُ، أو الزَّقُّومِ لا «للمهل» إذ الأظهر أن الجملة حال من أحدهما.\nكَغَلْيِ الْحَمِيمِ غليانًا مثل غليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2728>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٤٧ الى ٥٠]</span>\nخُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)\nخُذُوهُ على إرادة القول والمقول له الزبانية. فَاعْتِلُوهُ فجروه والعتل الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهر، وقرأ الحجازيان وابن عامر ويعقوب بالضم وهما لغتان. إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ وسطه.\nثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ كان أصله يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسَهُمْ الحميم فقيل يُصَبُّ مِن فَوْقَ رُؤُوسَهُمْ عَذابِ هو الْحَمِيمِ للمبالغة، ثم أضيف ال عَذابِ إلى الْحَمِيمِ للتخفيف وزيد من للدلالة على أن المصبوب بعض هذا النوع.","vol":"5","page":103},{"text":"ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ أي وقولوا له ذلك استهزاء به وتقريعا على ما كان يزعمه، وقرأ الكسائي إِنَّكَ بالفتح أي ذق لأنك أو عَذابِ إِنَّكَ.\nإِنَّ هَذَا إن هذا. العذاب. مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ تشكون وتمارون فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2729>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥١ الى ٥٧]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)\nلاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ في موضع إقامة، وقرأ نافع وابن عامر بضم الميم أَمِينٍ يأمن صاحبه عن الآفة والانتقال.\nجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ\nبدل من مقام جيء به للدلالة على نزاهته، واشتماله على ما يستلذ به من المآكل والمشارب.\nيَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ خبر ثان أو حال من الضمير في الجار أو استئناف، والسندس ما رَقَّ من الحرير والاستبرق ما غلظ منه معرب استبره، أو مشتق من البراقة. مُتَقابِلِينَ في مجالسهم ليستأنس بعضهم ببعض. كَذلِكَ الأمر كذلك أو آتيناهم مثل ذلك. وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ قرناهم بهن ولذلك عدي بالباء، والحوراء البيضاء والعيناء عظيمة العينين، واختلف في أنهن نساء الدنيا أو غيرها.\nيَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه لا يتخصص شيء منها بمكان ولا بزمان. آمِنِينَ من الضرر.\nلاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى بل يحيون فيها دائمًا، والاستثناء منقطع أو متصل والضمير للآخرة والْمَوْتَ أول أحوالها، أو الجنة والمؤمن يشارفها بالموت ويشاهدها عنده فكأنه فيها، أو الإِستثناء للمبالغة في تعميم النفي وامتناع الْمَوْتَ فكأنه قال: لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا إذا أمكن ذوق الموتة الأولى في المستقبل. وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ وقرئ «ووقاهم» على المبالغة.\nفَضْلًا مِنْ رَبِّكَ أي أعطوا كل ذلك عطاء وتفضلًا منه. وقرئ بالرفع أي ذلك فضل. ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لأنه خلاص عن المكاره وفوز بالمطالب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2730>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٥٨ الى ٥٩]</span>\nفَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)\nفَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ سهلناه حيث أنزلناه بلغتك وهو فذلكة السورة. لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لعلهم يفهمونه فيتذكرون به ما لم يتذكروا.\nفَارْتَقِبْ فانتظر ما يحل بهم. إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ منتظرون ما يحل بك.\nعن النبي ﷺ «من قرأ حم الدخان ليلة جمعة أصبح مغفورًا له» .","vol":"5","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2731>(٤٥) سورة الجاثية</span>\nمكية وآيها سبع أو ست وثلاثون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2732>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)\nحم تَنْزِيلُ الْكِتابِ إن جعلت حم مبتدأ خبره تَنْزِيلُ الْكِتابِ احتجت إلى إضمار مثل ذلك تَنْزِيلُ حم، وإن جعلتها تعديدًا للحروف كان تَنْزِيلُ مبتدأ خبره: مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وقيل حم مقسم به وتَنْزِيلُ الْكِتابِ صفته وجواب القسم:\nإِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وهو يحتمل أن يكون على ظاهره وأن يكون المعنى إِنَّ فِي خَلْقِ السموات لقوله:\nوَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ وَلاَ يحسن عطف ما على الضمير المجرور بل عطفه على المضاف إليه بأحد الاحتمالين، فإن بثه وتنوعه واستجماعه لما به يتم معاشه إلى غير ذلك دلائل على وجود الصانع المختار. آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ محمول على محل إن واسمها، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بالنصب حملا على الاسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2733>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)\nوَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ من مطر وسماه رزقًا لأنه سببه. فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يبسها. وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ باختلاف جهاتها وأحوالها، وقرأ حمزة والكسائي «وتصريف الريح» . آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فيه القراءتان ويلزمهما العطف على عاملين في والابتداء، أو أن إلا أن يضمر في أو ينصب آياتٌ على الاختصاص أو يرفع بإضمار هي، ولعل اختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات في الدقة والظهور.\nتِلْكَ آياتُ اللَّهِ أي تلك الآيات دلائله نَتْلُوها عَلَيْكَ حال عاملها معنى الإِشارة. بِالْحَقِّ ملتبسين به أو ملتبسة به. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ أي بعد آيات اللهِ، وتقديم اسم اللَّهِ للمبالغة والتعظيم كما في قولك أعجبني زيد وكرمه أو بعد حديث اللَّهِ وهو القرآن كقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ وآياتِهِ دلائله المتلوة أو القرآن، والعطف لتغاير الوصفين. وقرأ الحجازيان وحفص وأبو عمرو وروح يُؤْمِنُونَ بالياء ليوافق ما قبله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2734>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٧ الى ١٠]</span>\nوَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠)","vol":"5","page":105},{"text":"وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ كذاب. أَثِيمٍ كثير الآثام.\nيَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ يقيم على كفره. مُسْتَكْبِرًا عن الإِيمان بالآيات وثُمَّ لاستبعاد الإِصرار بعد سماع الآيات كقوله: يَرَى غَمَرات ثُمَّ يَزُورهَا. كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها أي كأنه فخففت وحذف ضمير الشأن والجملة في موضع الحال، أي يصر مثل غير السامع. فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ على إصراره والبشارة على الأصل أو التهكم.\nوَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا وإذا بَلغه شيء من آياتِنا وعلم أنه منها. اتَّخَذَها هُزُوًا لذلك من غير أن يرى فيها ما يناسب الهزء، والضمير ل آياتِنا وفائدته الإِشعار بأنه إذا سمع كلامًا وعلم أنه من الآيات بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلها ولم يقتصر على ما سمعه، أو لشيء لأنه بمعنى الآية. أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ.\nمِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ من قدامهم لأنهم متوجهون إليها، أو من خلفهم لأنها بعد آجالهم. وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ولا يدفع عنهم. مَّا كَسَبُوا من الأموال والأولاد. شَيْئًا من عذاب الله. وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ أي الأصنام. وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ لا يتحملونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2735>[سورة الجاثية (٤٥): آية ١١]</span>\nهذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)\nهذا هُدىً الإِشارة إلى القرآن ويدل عليه قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ وقرأ ابن كثير ويعقوب وحفص برفع أَلِيمٌ وال رِجْزٍ أشد العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2736>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nاللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)\nاللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه. لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ بتسخيره وأنتم راكبوها. وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ التجارة والغوص والصيد وغيرها. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ هذه النعم.\nوَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا بأن خلقها نافعة لكم. مِنْهُ حال من ما أي سخر هذه الأشياء كائنة منه، أو خبر لمحذوف أي هي جميعًا منه، أو ل مَا فِي السَّماواتِ وَسَخَّرَ لَكُمْ تكرير للتأكيد أو ل ما فِي الْأَرْضِ، وقرئ منه على المفعول له ومنه على أنه فاعل سَخَّرَ على الإِسناد المجازي أو خبر محذوف. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في صنائعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2737>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nقُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)\nقُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا حذف المقول لدلالة الجواب عليه، والمعنى قل لهم اغفروا يغفروا أي يعفوا ويصفحوا. لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لاَ يتوقعون وقائعه بأعدائه من قولهم أيام العرب لوقائعهم، أو لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لنصر المؤمنين وثوابهم ووعدهم بها. والآية نزلت في عمر ﵁ شتمه غفاري فهم أن يبطش به، وقيل إنها منسوخة بآية القتال. لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ علة للأمر، والقوم هم المؤمنون أو الكافرون أو كلاهما فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو الشيوع، والكسب المغفرة أو","vol":"5","page":106},{"text":"الإساءة أو ما يعمهما. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «لنجزي» بالنون وقرئ «ليجزي قوم» و«ليجزي قومًا» أي ليجزي الخير أو الشر أو الجزاء، أعني ما يجزى به لا المصدر فإن الإسناد إليه سيما مع المفعول به ضعيف.\nمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها أي لها ثواب العمل وعليها عقابه. ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ فَيجازيكم على أعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2738>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)\nوَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ التوراة. وَالْحُكْمَ والحكمة النظرية والعملية أو فصل الخصومات.\nوَالنُّبُوَّةَ إذ كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثروا في غيرهم. وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ مما أحل الله من اللذائذ.\nوَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم.\nوَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ أدلة في أمر الدين ويندرج فيها المعجزات. وقيل آيات من أمر النبي ﵊ مبينة لصدقه. فَمَا اخْتَلَفُوا في ذلك الأمر. إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بحقيقة الحال.\nبَغْيًا بَيْنَهُمْ عداوة وحسدًا. إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ بالمؤاخذة والمجازاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2739>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)\nثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ طريقة مِنَ الْأَمْرِ من أمر الدين. فَاتَّبِعْها فاتبع شريعتك الثابتة بالحجج.\nوَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ آراء الجهال التابعة للشهوات، وهم رؤساء قريش قالوا له ارجع إلى دين آبائك.\nإِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا مما أراد بك. وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إذ الجنسية علة الانضمام فلا توالهم باتباع أهوائهم. وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ فواله بالتقى واتباع الشريعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2740>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nهذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١)\nهذا أي القرآن أو اتباع الشريعة. بَصائِرُ لِلنَّاسِ بينات تبصرهم وجه الفلاح. وَهُدىً من الضلالة. وَرَحْمَةٌ وَنعمة من الله. لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ يطلبون اليقين.\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ\nأَمْ منقطعة ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان والاجتراح الاكتساب ومنه الجارحة. أَنْ نَجْعَلَهُمْ\nأن نصيرهم. كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ\nمثلهم وهو ثاني مفعولي نجعل وقوله: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ\nبدل منه إن كان الضمير للموصول الأول لأن المماثلة فيه إذ المعنى انكار أن يكون حياتهم ومماتهم سيين في البهجة والكرامة كما هو للمؤمنين، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص سَوَآء بالنصب على البدل أو الحال من الضمير في الكاف، أو المفعولية والكاف حال وإن كان للثاني فحال منه أو استئناف يبين المقتضى للانكار، وإن كان لهما فبدل أو حال من الثاني، وضمير الأول والمعنى إنكار أن يستووا بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة كما استووا في الرزق والصحة في الحياة،","vol":"5","page":107},{"text":"أو استئناف مقرر لتساوي محيا كل صنف ومماته في الهدى والضلال، وقرئ «مَمَاتَهُمْ» بالنصب على أن مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ\nظرفان كمقدم الحاج. ساءَ مَا يَحْكُمُونَ\nساء حكمهم هذا أو بئس شيئًا حكموا به ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2741>[سورة الجاثية (٤٥): آية ٢٢]</span>\nوَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢)\nوَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ كأنه دليل على الحكم السابق من حيث أن خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظالم، والتفاوت بين المسيء والمحسن وإذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات. وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ عَطف على بالحق لأنه في معنى العلة أو على علة محذوفة مثل ليدل بها على قدرته أو ليعدل وَلِتُجْزى. وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ بنقص ثواب وتضعيف عقاب، وتسمية ذلك ظلمًا ولو فعله الله لم يكن منه ظلمًا لأنه لو فعله غيره لكان ظلمًا كالابتلاء والاختبار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2742>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nأَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥)\nأَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ترك متابعة الهدى إلى متابعة الهوى فكأنه يعبده، وقرئ «آلهة هواه» لأنه كان أحدهم يستحسن حجرًا فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه إليه. وَأَضَلَّهُ اللَّهُ وخذله. عَلى عِلْمٍ عالِمًا بضلاله وفساد جوهر روحه. وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ فلا يبالي بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات. وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار، وقرأ حمزة والكسائي «غشوة» . فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ من بعد إضلاله. أَفَلا تَذَكَّرُونَ وقرئ «تتذكرون» .\nوَقالُوا مَا هِيَ ما الحياة أو الحال. إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا التي نحن فيها. نَمُوتُ وَنَحْيا أي نكون أمواتًا نطفًا وما قبلها ونحيا بعد ذلك، أو نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا، أو يموت بعضنا ويحيا بعضنا، أو يصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة ويحتمل أنهم أرادوا به التناسخ فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان.\nوَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ إلا مرور الزمان وهو في الأصل مدة بقاء العالم من دهره إذا غلبه. وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ يعني نسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلق بها على الاستقلال، أو إنكار البعث أو كليهما.\nإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ إذ لا دليل لهم عليه وإنما قالوه بناء على التقليد والإِنكار لما لم يحسوا به.\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ واضحات الدلالة على ما يخالف معتقدهم أو مبينات له. مَّا كانَ حُجَّتَهُمْ ما كان لهم متشبث يعارضونها به. إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وإنما سماه حجة على حسبانهم ومساقهم، أو على أسلوب قولهم: تحية بَيْنَهمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ. فإنه لا يلزم من عدم حصول الشيء حالا امتناعه مطلقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2743>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nقُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)\nقُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ على ما دلت عليه الحجج. ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ فإن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة، والحكمة اقتضت الجمع للمجازاة على ما قرر مرارًا، والوعد","vol":"5","page":108},{"text":"المصدق بالآيات دل على وقوعها، وإذا كان كذلك أمكن الإتيان بآبائهم لكن الحكمة اقتضت أن يعادوا يوم الجمع للجزاء. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لقلة تفكرهم وقصور نظرهم على ما يحسونه.\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تعميم للقدرة بعد تخصيصها. وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ أي ويخسر يوم تقوم ويَوْمَئِذٍ بدل منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2744>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nوَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)\nوَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً مجتمعة من الجثوة وهي الجماعة، أو باركة مستوفزة على الركب. وقرئ «جاذية» أي جالسة على أطراف الأصابع لاستيفازهم. كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا صحيفة أعمالها. وقرأ يعقوب كُلَّ على أنه بدل من الأول وتدعى صفة أو مفعول ثان. الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ محمول على القول.\nهذا كِتابُنا أضاف صحائف أعمالهم إلى نفسه لأنه أمر الكتبة أن يكتبوا فيها أعمالهم. يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ يشهد عليكم بما عملتم بلا زيادة ولا نقصان. إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ نستكتب الملائكة. مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2745>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ التي من جملتها الجنة. ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ الظاهر لخلوصه عن الشوائب.\nوَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ أي فيقال لهم ألم يأتكم رسلي أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ، فحذف القول والمعطوف عليه اكتفاء بالمقصود واستغناء بالقرينة. فَاسْتَكْبَرْتُمْ عن الإِيمان بها.\nوَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ عادتكم الإِجرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2746>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nوَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣)\nوَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ يحتمل الموعود به والمصدر. حَقٌّ كائن هو أو متعلقه لا محالة: وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيها إفراد للمقصود، وقرأ حمزة بالنصب عطفًا على اسم إن. قُلْتُمْ مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ أي شيء الساعة استغرابًا لها. إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا أصله نظن ظنًا فأدخل حرفا النفي والاستثناء لإثبات الظن ونفي ما عداه كأنه قال: ما نحن إلّا نظن ظنًا، أو لنفي ظنهم فيما سوى ذلك مبالغة ثم أكده بقوله: وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ أي لإِمكانه، ولعل ذلك قول بعضهم تحيروا بين ما سمعوا من آبائهم وما تليت عليهم من الآيات في أمر الساعة.\nوَبَدا لَهُمْ ظهر لهم. سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا على ما كانت عليه بأن عرفوا قبحها وعاينوا وخامة عاقبتها، أو جزاءها. وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وهو الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2747>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nوَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)","vol":"5","page":109},{"text":"وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ نترككم في العذاب ترك ما ينسى. كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا كما تركتم عدته ولم تبالوا به، وإضافة لقاء إلى يوم إضافة المصدر إلى ظرفه. وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ يخلصونكم منها.\nذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا استهزأتم بها ولم تتفكروا فيها. وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فحسبتم أن لا حياة سواها. فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْها وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم الراء. وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه لفوات أوانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2748>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nفَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)\nفَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ إذ الكل نعمة منه ودال على كمال قدرته. وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إذ ظهر فيها آثارها. وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي لا يغلب. الْحَكِيمُ فيما قدر وقضى فاحمدوه وكبروه وأطيعوا له.\nعن النبي ﷺ «من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته يوم الحساب» .","vol":"5","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2749>(٤٦) سورة الأحقاف</span>\nمكية وآيها أربع أو خمس وثلاثون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2750>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)\nحم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ إلا خلقًا ملتبسًا بالحق وهو ما تقتضيه الحكمة والمعدلة، وفيه دلالة على وجود الصانع الحكيم، والبعث للمجازاة على ما قررناه مرارًا. وَأَجَلٍ مُسَمًّى وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه الكل وهو يوم القيامة، أو كل واحد وهو آخر مدة بقائه المقدرة له. وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا من هول ذلك الوقت، ويجوز أن تكون «ما» مصدرية. مُعْرِضُونَ لا يتفكرون فيه ولا يستعدون لحلوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2751>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٤]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أي أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمل فيها، هل يعقل أن يكون لها في أنفسها مدخل في خلق شيء من أجزاء العالم فتستحق به العبادة. وتخصيص الشرك بالسموات احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية. ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا من قبل هذا الكتاب يعني القرآن فإنه ناطق بالتوحيد. أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين عل فيها ما يدل على استحقاقهم للعبادة أو الأمر به.\nإِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم، وهو إلزام بعدم ما يدل على ألوهيتهم بوجه ما نقلًا بعد إلزامهم بعدم ما يقتضيها عقلا، وقرئ «إثارة» بالكسر أي مناظرة فإن المناظرة تثير المعاني، و«أثرة» أي شيء أوثرتم به و«أثرة» بالحركات الثلاث في الهمزة وسكون الثاء فالمفتوحة للمرة من مصدر أثر الحديث إذا رواه والمكسورة بمعنى الأثرة والمضمومة اسم ما يؤثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2752>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦)\nوَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين حيث تركوا عبادة السميع البصير المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم، فضلًا أن يعلم سرائرهم ويراعي مصالحهم. إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ما دامت الدنيا. وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ لأنهم إما جمادات وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم.\nوَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً يضرونهم ولا ينفعونهم. وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ مكذبين بلسان","vol":"5","page":111},{"text":"الحال أو المقال. وقيل الضمير للعابدين وهو كقوله: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2753>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ واضحات أو مبينات. قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لأجله وفي شأنه، والمراد به الآيات ووضعه موضع ضميرها ووضع الَّذِينَ كَفَرُوا موضع ضمير المتلو عليهم للتسجيل عليها بالحق وعليهم بالكفر والانهماك في الضلالة. لَمَّا جاءَهُمْ حينما جاءهم من غير نظر وتأمل. هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ظاهر بطلانه.\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ إضراب عن ذكر تسميتهم إياه سحرًا إلى ذكر ما هو أشنع منه وإنكار له وتعجيب.\nقُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ على الفرض. فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أي إن عاجلني الله بالعقوبة فلا تقدرون على دفع شيء منها فكيف أجترئ عليه وأعرض نفسي للعقاب من غير توقع نفع ولا دفع ضر من قبلكم. هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ تندفعون فيه من القدح في آياته. كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ يشهد لي بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والإِنكار، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم جرمهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2754>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٩]</span>\nقُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)\nقُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ بديعًا منهم أدعوكم إلى ما لا يدعون إليه، أو أقدر على ما لم يقدروا عليه، وهو الإِتيان بالمقترحات كلها ونظيره الخف بمعنى الخفيف. وقرئ بفتح الدال على أنه كقيم أو مقدر بمضاف أي ذا بدع. وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ في الدارين على التفضيل إذ لا علم لي بالغيب، ولا لتأكيد النفي المشتمل على ما يفعل بي وَما إما موصولة منصوبة أو استفهامية مرفوعة. وقرئ «يَفْعَلُ» أي يفعل الله. إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ لا أتجاوزه، وهو جواب عن اقتراحهم الإِخبار عما لم يوح إليه من الغيوب، أو استعجال المسلمين أن يتخلصوا من أذى المشركين. وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ من عقاب الله.\nمُبِينٌ بين الإِنذار بالشواهد المبينة والمعجزات المصدقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2755>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٠]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي القرآن. وَكَفَرْتُمْ بِهِ وقد كفرتم به، ويجوز أن تكون الواو عاطفة على الشرط وكذا الواو في قوله: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ إلا أنها تعطفه بما عطف عليه على جملة ما قبله، والشاهد هو عبد الله بن سلام وقيل موسى ﵊ وشهادته ما في التوراة من نعت الرسول ﵊. عَلى مِثْلِهِ مثل القرآن وهو ما في التوراة من المعاني المصدقة للقرآن المطابقة له، أو مثل ذلك وهو كونه من عند الله. فَآمَنَ أي بالقرآن لما رآه من جنس الوحي مطابقًا للحق.\nوَاسْتَكْبَرْتُمْ عن الإِيمان. إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ استئناف مشعر بأن كفرهم به لضلالهم المسبب عن ظلمهم، ودليل على الجواب المحذوف مثل ألستم ظالمين.","vol":"5","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2756>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لأجلهم. لَوْ كانَ الإِيمان أو ما أتى به محمد ﵊.\nخَيْرًا مَّا سَبَقُونا إِلَيْهِ وهم سقاط إذ عامتهم فقراء وموال ورعاة، وإنما قاله قريش وقيل بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لما أسلم جهينة ومزينة وأسلم وغفار، أو اليهود حين أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه. وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ظرف لمحذوف مثل ظهر عنادهم وقوله: فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ مسبب عنه وهو كقولهم:\nأساطير الأولين. وَمِنْ قَبْلِهِ وَمَن قَبل القرآن وهو خبر لقوله: كِتابُ مُوسى ناصب لقوله: إِمامًا وَرَحْمَةً على الحال. وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لكتاب موسى أو لما بين يديه وقد قرئ به. لِسانًا عَرَبِيًّا حال من ضمير كِتابُ في مُصَدِّقٌ أو منه لتخصصه بالصفة، وعاملها معنى الإِشارة وفائدتها الإِشعار بالدلالة على أن كونه مصدقًا للتوراة كما دل على أنه حق دل على أنه وحي وتوقيف من الله ﷾.\nوقيل مفعول مُصَدِّقٌ أي يصدق ذا لسان عربي بإعجازه. لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا علة مُصَدِّقٌ، وفيه ضمير الكتاب أو الله أو الرسول، ويؤيد الأخير قراءة نافع وابن عامر والبزي بخلاف عنه ويعقوب بالتاء وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ عطف على محله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2757>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا جَمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والإِستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل، وثم للدلالة على تأخر رتبة العمل وتوقف اعتباره على التوحيد. فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على فوات محبوب، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط.\nأُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ من اكتساب الفضائل العلمية والعملية، وخالدين حال من المستكن في أصحاب وجزاء مصدر لفعل دل عليه الكلام أي جوزوا جزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2758>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ١٥]</span>\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وقرأ الكوفيون «إحسانا»، وقرئ حَسَنًا أي إيصاء «حَسَنًا» . حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ذات كره أو حملًا ذا كره وهو المشقة، وقرأ الحجازيان وأبو عمرو وهشام بالفتح وهما لغتان كالفُقُر والفُقر. وقيل المضموم اسم والمفتوح مصدر. وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ومدة حَمْلُهُ وَفِصالُهُ، والفصال الفطام ويدل عليه قراءة يعقوب «وفصله» أو وقته والمراد به الرضاع التام المنتهى به ولذلك عبر به كما يعبر بالأمد عن المدة، قال:\nكُلّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُم ... رِ وَمَود إِذَا انْتَهَى أَمَدّهُ\nثَلاثُونَ شَهْرًا كل ذلك بيان لما تكابده الأم في تربية الولد مبالغة في التوصية بها، وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأنه إذا حط منه للفصال حولان لقوله: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ","vol":"5","page":113},{"text":"بقي ذلك وبه قال الأطباء ولعل تخصيص أقل الحمل وأكثر الرضاع لانضباطهما وتحقق ارتباط حكم النسب والرضاع بهما. حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ إذا اكتهل واستحكم قوته وعقله. وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قيل لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين. قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ألهمني وأصله أولعني من أوزعته بكذا. أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ يعني نعمة الدين أو ما يعمها وغيرها، وذلك يؤيد ما روي أنها نزلت في أبي بكر ﵁ لأنه لم يكن أحد أسلم هو وأبواه من المهاجرين والأنصار سواه. وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ نكرة للتعظيم أو لأنه أراد نوعًا من الجنس يستجلب رضا الله ﷿. وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي واجعل لي الصلاح ساريًا في ذريتي راسخًا فيهم ونحوه قوله:\nوَإِنْ تَعْتَذِرْ بالمَحل عَنْ ذِي ضُرُوعِهَا ... إِلَى الضَيْفِ يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبهَا نَصْلي\nإِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ عما لا ترضاه أو يشغل عنك. وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ المخلصين لك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2759>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)\nأُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا يعني طاعاتهم فإن المباح حسن ولا يثاب عليه. وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ لتوبتهم، وقرأ حمزة الكسائي وحفص بالنون فيهما. فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ كائنين في عدادهم أو مثابين أو معدودين فيهم. وَعْدَ الصِّدْقِ مصدر مؤكد لنفسه فإن يتقبل ويتجاوز وعد. الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ أي في الدنيا.\nوَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما مبتدأ خبره أُولئِكَ، والمراد به الجنس وإن صح نزولها في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، فإن خصوص السبب لا يوجب التخصيص. وفي أُفٍّ قراءات ذكرت في سورة «بني إسرائيل» . أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ أبعث، وقرأ هشام «أتعداني» بنون واحدة مشددة. وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي فلم يرجع أحد منهم. وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ يقولان الغياث بالله منك، أو يسألانه أن يغيثه بالتوفيق للإيمان. وَيْلَكَ آمِنْ أي يقولان له وَيْلَكَ، وهو الدعاء بالثبور بالحث على ما يخاف على تركه. إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أباطيلهم التي كتبوها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2760>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nأُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩)\nأُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بأنهم أهل النار وهو يرد النزول في عبد الرحمن لأنه يدل على أنه من أهلها لذلك وقد جب عنه إن كان لإسلامه. فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ كقوله في أصحاب الجنة. مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ بيان للأمم. إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ تعليل للحكم على الاستئناف.\nوَلِكُلٍّ من الفريقين. دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا مراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، أو من أجل ما عملوا وال دَرَجاتٌ غالبة في المثوبة وها هنا جاءت على التغليب. وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ جزاءها، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وابن ذكوان بالنون. وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ بنقص ثواب وزيادة عقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2761>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٠]</span>\nوَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)","vol":"5","page":114},{"text":"وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ يعذبون بها. وقيل تعرض النار عليهم فقلب مبالغة كقولهم:\nعرضت الناقة على الحوض. أَذْهَبْتُمْ أي يقال لهم أذهبتم، وهو ناصب اليوم وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالاستفهام غير أن ابن كثير يقرؤه بهمزة ممدودة وهما يقرآن بها وبهمزتين محققتين. طَيِّباتِكُمْ لذاتكم. فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا باستيفائها. وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فما بقي لكم منها شيء. فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ الهوان وقد قرئ به. بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ بسبب الاستكبار الباطل والفسوق عن طاعة الله، وقرئ «تفسقون» بالكسر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2762>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢١ الى ٢٣]</span>\nوَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣)\nوَاذْكُرْ أَخا عادٍ يعني هودًا. إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج، وكانوا يسكنون بين رمال مشرفة على البحر بالشجر من اليمن. وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ الرسل. مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ قبل هود وبعده والجملة حال أو اعتراض. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ أي لا تعبدوا، أو بأن لا تعبدوا فإن النهي عن الشيء إنذار من مضرته. إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هائل بسبب شرككم.\nقالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا لتصرفنا. عَنْ آلِهَتِنا عن عبادتها. فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب على الشرك.\nإِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في وعدك. قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ لا علم لي بوقت عذابكم ولا مدخل لي فيه فأستعجل به، وإنما علمه عند الله فيأتيكم به في وقته المقدر له. وَأُبَلِّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ. وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ لا تعلمون أن الرسل بعثوا مبلغين منذرين لا معذبين مقترحين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2763>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nفَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لاَ يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)\nفَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا سحابًا عرض في أفق السماء. مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ متوجه أوديتهم، والإضافة فيه لفظية وكذا في قوله: قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا أي يأتينا بالمطر. بَلْ هُوَ أي قال هود ﵊ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ من العذاب، وقرئ «قل» «بل»: رِيحٌ هي ريح، ويجوز أن يكون بدل ما. فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ صفتها وكذا قوله:\nتُدَمِّرُ تهلك. كُلَّ شَيْءٍ من نفوسهم وأموالهم. بِأَمْرِ رَبِّها إذ لا توجد نابضة حركة ولا قابضة سكون إلا بمشيئته، وفي ذكر الأمر والرب وإضافة إلى الريح فوائد سبق ذكرها مرارا، وقرئ «يدمر كل شيء» من دمر دمارًا إذا هلك فيكون العائد محذوفًا أو الهاء في رَبِّها، ويحتمل أن يكون استئنافًا للدلالة على أن لكل ممكن فناء مقضيًا لا يتقدم ولا يتأخر، وتكون الهاء لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء فَأْصْبَحُواْ لاَ تُرَى إِلاَّ مساكنهم أي فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا بحيث لو حضرت بلادهم لا ترى إلا مساكنهم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي لاَ يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ بالياء المضمومة ورفع المساكن. كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ.\nروي أن هودًا ﵇ لما أحس بالريح اعتزل بالمؤمنين في الحظيرة وجاءت الريح فأمالت الأحقاف على الكفرة، وكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، ثم كشفت عنهم واحتملتهم فقذفتهم في البحر.","vol":"5","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2764>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٢٦]</span>\nوَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦)\nوَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ إِنْ نافية وهي أحسن من ما هاهنا لأنها توجب التكرير لفظًا ولذلك قلبت ألفها هاء في مهما، أو شرطية محذوفة الجواب والتقدير، ولقد مكناهم في الذي أوفي شيء إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر، أو صلة كما في قوله:\nيُرَجِّي المَرْءُ مَا إِنْ لاَ يَرَاه ... ويعرض دُونَ أدناهُ الخُطُوبُ\nوالأول أظهر وأوفق لقوله: هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا. وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً ليعرفوا تلك النعم ويستدلوا بها على مانحها تعالى ويواظبوا على شكرها. فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ من الإِغناء وهو القليل. إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ صلة فَما أَغْنى وهو ظرف جرى مجرى التعليل من حيث إن الحكم مرتب على ما أضيف إليه وكذلك حيث.\nوَحاقَ بِهِمْ مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2765>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ يا أهل مكة. مِنَ الْقُرى كحجر ثمود وقرى قوم لوط. وَصَرَّفْنَا الْآياتِ بتكريرها. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن كفرهم.\nفَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً فهلا منعتهم من الهلاك آلهتهم الذين يتقربون بهم إلى الله تعالى حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وأول مفعولي اتَّخَذُوا\nالراجع إلى الموصول محذوف، وثانيهما قُرْبانًا وآلِهَةً بدل أو عطف بيان، أو آلِهَةً وقُرْبانًا حال أو مفعول له على أنه بمعنى التقرب.\nوقرئ «قُربَانًا» بضم الراء. بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ غابوا عن نصرهم وامتنع أن يستمدوا بهم امتناع الاستمداد بالضال. وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وذلك الاتخاذ الذي هذا أثره صرفهم عن الحق، وقرئ «إِفْكِهِمْ» بالتشديد للمبالغة، و«آفكهم» أي جعلهم آفكين و«آفكهم» أي قولهم الآفك أي ذو الإِفك. وَما كانُوا يَفْتَرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2766>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nوَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)\nوَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ أملناهم إليك والنفر دون العشرة وجمعه أنفار. يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ حَال محمولة على المعنى. فَلَمَّا حَضَرُوهُ أي القرآن أو الرسول. قالُوا أَنْصِتُوا قال بعضهم لبعض اسكتوا لنسمعه. فَلَمَّا قُضِيَ أتم وفرغ من قراءته، وقرئ على بناء الفاعل وهو ضمير الرسول ﵊. وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ أي منذرين إياهم بما سمعوا.\nروي أنهم وافوا رسول الله ﷺ بوادي النخلة عند منصرفه من الطائف يقرأ في تهجده.\nقالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى قيل إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يهودا أو ما سمعوا بأمر عيسى ﵊. مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ من العقائد. وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ من","vol":"5","page":116},{"text":"الشرائع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2767>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nيا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لاَّ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢)\nيا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ بعض ذنوبكم، وهو ما يكون في خالص حق الله فإن المظالم لا تغفر بالإِيمان. وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ هو معد للكفار، واحتج أبو حنيفة ﵁ باقتصارهم على المغفرة والإِجارة على أن لا ثواب لهم، والأظهر أنهم في توابع التكليف كبني آدم.\nوَمَنْ لاَّ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ إذ لا ينجي منه مهرب. وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ يمنعونه منه. أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2768>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣٣ الى ٣٤]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ولم يتعب ولم يعجز، والمعنى أن قدرته واجبة لا تنقص ولا تنقطع بالإِيجاد أبد الأباد. بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى أي قادر، ويدل عليه قراءة يعقوب «يقدر»، والباء مزيدة لتأكيد النفي فإنه مشتمل على أَنَّ وما في حيزها ولذلك أجاب عنه بقوله: بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تقرير للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود، كأنه صَدَّرَ السورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد.\nوَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ منصوب بقول مضمر مقوله: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ والإِشارة إلى العذاب. قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بكفركم في الدنيا، ومعنى الأمر هو الإِهانة بهم والتوبيخ لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2769>[سورة الأحقاف (٤٦): آية ٣٥]</span>\nفَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)\nفَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ أولوا الثبات والجد منهم فإنك من جملتهم، ومِنَ للتبيين، وقيل للتبعيض، وأُولُوا الْعَزْمِ أصحاب الشرائع اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها، ومشاهيرهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى صلّى الله وسلم عليهم. وقيل الصابرون على بلاء الله كنوح صبر على أذى قومه، كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده والذبيح على الذبح، ويعقوب على فقد الولد والبصر، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضر، وموسى قال له قومه إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة. وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ لكفار قريش بالعذاب فإنه نازل بهم في وقته لا محالة. كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ استقصروا من هوله مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة. بَلاغٌ هذا الذي وعظتم به أو هذه السورة بلاغ أي كفاية، أو تبليغ من الرسول ﵊ ويؤيده أنه قرئ «بلغ»، وقيل بَلاغٌ مبتدأ خبره لَهُمْ وما بينهما اعتراض أي لهم وقت يبلغون إليه كأنهم إذا بلغوه ورأوا ما فيه استقصروا مدة عمرهم، وقرئ بالنصب أي بلغوا بلاغًا. فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ","vol":"5","page":117},{"text":"الخارجون عن الاتعاظ أو الطاعة، وقرئ «يهلك» بفتح اللام وكسرها من هلك وهلك، و«نهلك» بالنون ونصب القوم.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا» .","vol":"5","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2770>(٤٧) سورة محمد ﷺ</span>\nوتسمه سورة القتال وهي مدينة وقيل مكية وآيها سبع أو ثمان وثلاثون أو أربعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2771>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢)\nالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ امتنعوا عن الدخول في الإِسلام وسلوك طريقه، أو منعوا الناس عنه كالمطعمين يوم بدر، أو شياطين قريش أو المصريين من أهل الكتاب. أو عام في جميع من كفر وصد.\nأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ جعل مكارمهم كصلة الرحم وفك الأسارى وحفظ الجوار ضالة أي ضائعة محبطة بالكفر، أو مغلوبة مغمورة فيه كما يضل الماء في اللبن، أو ضلال حيث لم يقصدوا به وجه الله، أو أبطل ما عملوه من الكيد لرسوله والصد عن سبيله بنصر رسوله وإظهار دينه على الدين كله.\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعم المهاجرين والأنصار والذين آمنوا من أهل الكتاب وغيرهم.\nوَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ تخصيص للمنزل عليه مما يجب الإيمان به تعظيمًا له وإشعارًا بأن الإيمان لا يتم دونه، وأنه الأصل فيه ولذلك أكده بقوله: وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ اعتراضًا على طريقة الحصر. وقيل حقيقته بكونه ناسخا لا ينسخ، وقرئ «نَزَّلَ» على البناء للفاعل و«أنزل» على البناءين و«نَزَلَ» بالتخفيف. كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ سترها بالإِيمان وعملهم الصالح. وَأَصْلَحَ بالَهُمْ في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2772>[سورة محمد (٤٧): آية ٣]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)\nذلِكَ إشارة إلى ما مر من الإِضلال والتكفير والإِصلاح وهو مبتدأ خبره. بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ بسبب اتباع هؤلاء الباطل واتباع هؤلاء الحق، وهذا تصريح بما أشعر به ما قبلها ولذلك سمي تفسيرًا. كَذلِكَ مثل ذلك الضرب. يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ يبين لهم.\nأَمْثالَهُمْ أحوال الفريقين أو أحوال الناس، أو يضرب أمثالهم بأن جعل اتباع الباطل مثلًا لعمل الكفار والإِضلال مثلًا لخيبتهم واتباع الحق مثلًا للمؤمنين، وتكفير السيئات مثلًا لفوزهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2773>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nفَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦)\n.","vol":"5","page":119},{"text":"فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا في المحاربة. فَضَرْبَ الرِّقابِ أصله فاضربوا الرقاب ضربًا فحذف الفعل وقدم المصدر، وأنيب منابه مضافًا إلى المفعول ضمًا إلى التأكيد والاختصار. والتعبير به عن القتل إشعارًا بأنه ينبغي أن يكون بضرب الرقاب حيث أمكن، وتصوير له بأشنع صورة. حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الثخين وهو الغليظ. فَشُدُّوا الْوَثاقَ فأسروهم واحفظوهم، والوثاق بالفتح والكسر ما يوثق به. فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً أي فإما تمنون منا أو تفدون فداء، والمراد التخيير بعد الأسر بين المن والإِطلاق وبين أخذ الفداء، وهو ثابت عندنا فإن الذكر الحر المكلف إذا أسر تخير الإِمام بين القتل والمن والفداء، والاسترقاق منسوخ عند الحنفية أو مخصوص بحرب بدر فإنهم قالوا يتعين القتل أو الاسترقاق. وقرئ «فدا» كعصا. حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع، أي تنقضي الحرب ولم يبق إلا مسلم أو مسالم. وقيل آثامها والمعنى حتى يضع أهل الحرب شركهم ومعاصيهم، وهو غاية للضرب أو الشد أو للمن والفداء أو للمجموع بمعنى أن هذه الأحكام جارية فيها حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم. وقيل بنزول عيسى ﵊ ذلِكَ أي الأمر ذلك، أو افعلوا بهم ذلك. وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ لا لانتقم منهم بالاستئصال. وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ولكن أمركم بالقتال ليبلوا المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب العظيم والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم كي يرتدع بعضهم عن الكفر. وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي جاهدوا، وقرأ البصريان وحفص قُتِلُوا أي استشهدوا. فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ فلن يضيعها، وقرئ «يضل» من ضل و«يُضِلَّ» على البناء للمفعول.\nسَيَهْدِيهِمْ إلى الثواب، أو سيثبت هدايتهم. وَيُصْلِحُ بالَهُمْ.\nوَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ وقد عرفها لهم في الدنيا حتى اشتاقوا إليها فعملوا ما استحقوها به، أو بينها لهم بحيث يعلم كل واحد منزله ويهتدي إليه كأنه كان ساكنه منذ خلق، أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة، أو حددها لهم بحيث يكون لكل جنة مفرزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2774>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ إن تنصروا دينه ورسوله. يَنْصُرْكُمْ على عدوكم. وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ في القيام بحقوق الإِسلام والمجاهدة مع الكفار.\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ فعثورًا لهم وانحطاطا ونقيضه لما قال الأعشى. فالتعس أولى بها من أن أقول لَعَا. وانتصابه بفعله الواجب إضماره سماعًا، والجملة خبر الَّذِينَ كَفَرُوا أو مفسرة لناصبه. وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ عطف عليه.\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ القرآن لما فيه من التوحيد والتكاليف المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم، وهو تخصيص وتصريح بسببية الكفر بالقرآن للتعس والإِضلال. فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ كرره إشعارًا بأنه يلزم الكفر بالقرآن ولا ينفك عنه بحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2775>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لاَ مَوْلى لَهُمْ (١١)\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ استأصل عليهم ما","vol":"5","page":120},{"text":"اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم. وَلِلْكافِرِينَ من وضع الظاهر موضع المضمر. أَمْثالُها أمثال تلك العاقبة أو العقوبة، أو الهلكة لأن التدمير يدل عليها، أو السنة لقوله تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ.\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا ناصرهم على أعدائهم. وَأَنَّ الْكافِرِينَ لاَ مَوْلى لَهُمْ فيدفع العذاب عنهم وهو لا يخالف قوله: وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ فإن المولى فيه بمعنى المالك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2776>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤)\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ينتفعون بمتاع الدنيا. وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ حريصين غافلين عن العاقبة. وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ منزل ومقام.\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ على حذف المضاف وإجراء أحكامه على المضاف إليه، والإِخراج باعتبار التسبب. أَهْلَكْناهُمْ بأنواع العذاب. فَلا ناصِرَ لَهُمْ يدفع عنهم العذاب وهو كالحال المحكية.\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ حجة من عنده وهو القرآن، أو ما يعمه والحجج العقلية كالنبي ﷺ والمؤمنين. كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ كالشرك والمعاصي. وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ في ذلك لا شبهة لهم عليه فضلا عن حجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2777>[سورة محمد (٤٧): آية ١٥]</span>\nمَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)\nمَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أي فيما قصصنا عليك صفتها العجيبة. وقيل مبتدأ خبره: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ، وتقدير الكلام أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد، أو أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد فعري عن حرف الإِنكار وحذف ما حذف استغناء يجري مثله تصويرًا لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة والتابع للهوى، بمكابرة من يسوي بين الجنة والنار، وهو على الأول خبر محذوف تقديره: أفمن هو خالد في هذه الجنة كمن هو خالد في النار، أو بدل من قوله: كَمَنْ زُيِّنَ وما بينهما اعتراض لبيان ما يمتاز به من على بينة في الآخرة تقريرًا لإِنكار المساواة. فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ استئناف لشرح المثل أو حال من العائد المحذوف، أو خبر لمثل وآسِنٍ من أسن الماء بالفتح إذا تغير طعمه وريحه، أو بالكسر على معنى الحدوث. وقرأ ابن كثير «أسن» . وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ لم يصر قارصًا ولا حازرًا. وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لذيذة لا يكون فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر وخمار تأنيث لذ أو مصدر نعت به بإضمار ذات، أو تجوز وقرئت بالرفع على صفة الأنهار والنصب على العلة. وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى لم يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها، وفي ذلك تمثيل لما يقوم مقام الأشربة في الجنة بأنواع ما يستلذ منها في الدنيا بالتجريد عما ينقصها وينغصها، والتوصيف بما يوجب غزارتها واستمرارها. وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ صنف على هذا القياس. وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ عطف على الصنف المحذوف، أو مبتدأ خبره محذوف أي لهم مغفرة. كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا مكان تلك الأشربة. فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ","vol":"5","page":121},{"text":"من فرط الحرارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2778>[سورة محمد (٤٧): آية ١٦]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦)\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ يعني المنافقين كانوا يحضرون مجلس الرسول ﷺ ويسمعون كلامه فإذا خرجوا. قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي لعلماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم. مَاذَا قالَ آنِفًا ما الذي قال الساعة، استهزاء أو استعلاما إذ لم يلقوا له آذانهم تهاونا به، وآنِفًا من قولهم أنف الشيء لما تقدم منه مستعار من الجارحة، ومنه استأنف وائتنف وهو ظرف بمعنى وقتًا مؤتنفًا، أو حال من الضمير في قالَ وقرأ ابن كثير «أنفًا» .\nأُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ فلذلك استهزءوا وتهاونوا بكلامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2779>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nوَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨)\nوَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً أي زادهم الله بالتوفيق والإِلهام، أو قول الرسول ﵊.\nوَآتاهُمْ تَقْواهُمْ بين لهم ما يتقون أو أعانهم على تقواهم، أو أعطاهم جزاءها.\nفَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ فهل ينتظرون غيرها. أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً بدل اشتمال من السَّاعَةَ، وقوله:\nفَقَدْ جاءَ أَشْراطُها كالعلة له، وقرئ «أن تأتهم» على أنه شرط مستأنف جزاؤه: فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ والمعنى أن تأتهم الساعة بغتة لأنه قد ظهر أماراتها كمبعث النبي ﵊، وانشقاق القمر فكيف لهم ذِكْراهُمْ أي تذكرهم إِذا جاءَتْهُمْ الساعة بغتة، وحينئذ لا يفرغ له ولا ينفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2780>[سورة محمد (٤٧): آية ١٩]</span>\nفَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)\nفَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية وتكميل النفس بإصلاح أحوالها وأفعالها وهضمها بالاستغفار لِذَنْبِكَ.\nوَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ولذنوبهم بالدعاء لهم والتحريض على ما يستدعي غفرانهم، وفي إعادة الجار وحذف المضاف إشعار بفرط احتياجهم وكثرة ذنوبهم وأنها جنس آخر، فإن الذنب له ماله تبعة ما بترك الأولى. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ في الدنيا فإنها مراحل لا بد من قطعها. وَمَثْواكُمْ في العقبى فإنها دار إقامتكم فاتقوا الله واستغفروه وأعدوا لمعادكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2781>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٠ الى ٢٤]</span>\nوَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤)\n.","vol":"5","page":122},{"text":"وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ أي هلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ في أمر الجهاد. فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ مبينة لا تشابه فيها. وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ أي الأمر به. رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ضعف في الدين وقيل نفاق. يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ جبنًا ومخافة. فَأَوْلى لَهُمْ فويل لَهُمْ، أفعل من الولي وهو القرب، أو فعلى من آل ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه أو يؤول إليه أمرهم.\nطاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ استئناف أي أمرهم طاعَةٌ أو طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ خير لهم، أو حكاية قولهم لقراءة أُبيّ «يقولون طاعة» . فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أي جد وهو لأصحاب الأمر، وإسناده إليه مجاز وعامل الظرف محذوف، وقيل فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ أي فيما زعموا من الحرص على الجهاد أو الإِيمان. لَكانَ الصدق. خَيْرًا لَهُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ فهل يتوقع منكم. إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أمور الناس وتأمرتم عليهم، أو اعرضتم وتوليتم عن الإِسلام. أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ تناحرًا على الولاية وتجاذبًا لها، أو رجوعًا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من التغاور ومقاتلة الأقارب، والمعنى أنهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم ويقول لهم: هل عسيتم، وهذا على لغة الحجاز فإن بني تميم لا يلحقون الضمير به وخبره أَنْ تُفْسِدُوا وإِنْ تَوَلَّيْتُمْ اعتراض، وعن يعقوب تَوَلَّيْتُمْ أي إن تولاكم ظلمة خرجتم معهم وساعدتموهم في الإِفساد وقطيعة الرحم وَتُقَطِّعُوا من القطع، وقرئ تقطعوا من التقطع.\nأُولئِكَ إشارة إلى المذكورين. الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ لإِفسادهم وقطعهم الأرحام. فَأَصَمَّهُمْ عن استماع الحق. وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ فلا يهتدون سبيله.\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا يجسروا على المعاصي. أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها لا يصل إليها ذكر ولا ينكشف لها أمر، وقيل أَمْ منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير، وتنكير القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم أو للإِشعار بأنها لإِبهام أمرها في القساوة، أو لفرط جهالتها ونكرها كأنها مبهمة منكورة وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصة بها لا تجانس الأقفال المعهودة. وقرئ «إقفالها» على المصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2782>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦)\nإِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ أي إلى ما كانوا عليه من الكفر. مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى بالدلائل الواضحة والمعجزات الظاهرة. الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ سهل لهم اقتراف الكبائر من السول وهو الاسترخاء.\nوقيل حملهم على الشهوات من السول وهو التمني، وفيه أن السول مهموز قلبت همزته واوًا لضم ما قبلها ولا كذلك التسويل، ويمكن رده بقولهم هما يتساولان وقرئ «سَوَّلَ» على تقدير مضاف أي كيد الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ. وَأَمْلى لَهُمْ ومد لهم في الآمال والأماني، أو أمهلهم الله تعالى ولم يعاجلهم بالعقوبة لقراءة يعقوب وَأَمْلى لَهُمْ، أي وأنا أملي لهم فتكون الواو للحال أو الاستئناف، وقرأ أبو عمرو وَأَمْلى لَهُمْ على البناء للمفعول وهو ضمير الشَّيْطانُ أو لَهُمُ.\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ أي قال اليهود للذين كفروا بالنبي ﵊ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ نعته للمنافقين، أو المنافقون لهم أو أحد الفريقين للمشركين. سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ في بعض أموركم أو في بعض ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد والموافقة في الخروج معهم إن أخرجوا، والتظافر على الرسول ﷺ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ ومنها قولهم هذا الذي أفشاه الله عليهم، وقرأ حمزة والكسائي وحفص إِسْرارَهُمْ على المصدر.","vol":"5","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2783>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٧ الى ٢٩]</span>\nفَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩)\nفَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ فكيف يعملون ويحتالون حينئذ، وقرئ «توفاهم» وهو يحتمل الماضي والمضارع المحذوف إحدى تاءيه. يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ تصوير لتوفيهم بما يخافون منه ويجبنون عن القتال له.\nذلِكَ إشارة إلى التوفي الموصوف. بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ من الكفر ككتمان نعت الرسول ﵊ وعصيان الأمر. وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ ما يرضاه من الإِيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات.\nفَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ لذلك.\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أن لن يبرز الله لرسوله ﷺ والمؤمنين.\nأَضْغانَهُمْ أحقادهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2784>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٠ الى ٣١]</span>\nوَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١)\nوَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ لعرفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم. فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ بعلاماتهم التي نسمهم بها، واللام لام الجواب كررت في المعطوف. وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ جواب قسم محذوف ولَحْنِ الْقَوْلِ أسلوبه، أو إمالته إلى جهة تعريض وتورية، ومنه قيل للمخطئ لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ فيجازيكم على حسب قصدكم إذ الأعمال بالنيات.\nوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بالأمر بالجهاد وسائر التكاليف الشاقة. حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ على مشاقه. وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ما يخبر به عن أعمالكم فيظهر حسنها وقبحها، أو أخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم المؤمنين في صدقها وكذبها. وقرأ أبو بكر الأفعال الثلاثة بالياء لتوافق ما قبلها، وعن يعقوب وَنَبْلُوَا بسكون الواو على تقدير ونحن نبلو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2785>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى هم قريظة والنضير أو المطعمون يوم بدر. لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا بكفرهم وصدهم، أو لن يضروا رسول الله ﷺ بمشاقته وحذف المضاف لتعظيمه وتفظيع مشاقته. وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ثواب حسنات أعمالهم بذلك، أو مكايدهم التي نصبوها في مشاقته فلا يصلون بها إلى مقاصدهم ولا تثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ بما أبطل به هؤلاء كالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2786>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥)","vol":"5","page":124},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ عام في كل من مات على كفره وإن صح نزوله في أصحاب القليب، ويدل بمفهومه على أنه قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه.\nفَلا تَهِنُوا فلا تضعفوا. وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ ولا تدعوا إلى الصلح خورًا وتذللًا، ويجوز نصبه بإضمار إن وقرئ «ولا تدعوا» من ادعى بمعنى دعا، وقرئ أبو بكر وحمزة بكسر السين. وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ الأغلبون. وَاللَّهُ مَعَكُمْ ناصركم. وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ولن يضيع أعمالكم، من وترت الرجل إذا قتلت متعلقًا به من قريب أو حميم فأفردته منه من الوتر، شبه به تعطيل ثواب العمل وإفراده منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2787>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nإِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧)\nإِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ لا ثبات لها. وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ثواب إيمانكم وتقواكم. وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ جميع أموالكم بل يقتصر على جزء يسير كربع العشر والعشر.\nإِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ فيجهدكم بطلب الكل والإِحفاء والإِلحاف المبالغة وبلوغ الغاية يقال: أحفى شاربه إذ استأصله. تَبْخَلُوا فلا تعطوا. وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ ويضغنكم على رسول الله ﷺ والضمير في يخرج لله تعالى، ويؤيده القراءة بالنون أو البخل لأنه سبب الإضغان، وقرئ «وتخرج» بالتاء والياء ورفع «أضغانكم» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2788>[سورة محمد (٤٧): آية ٣٨]</span>\nها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)\nهَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون وقوله: تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ استئناف مقرر لذلك، أو صلة ل هؤُلاءِ على أنه بمعنى الذين وهو يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرهما.\nفَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ناس يبخلون وهو كالدليل على الآية المتقدمة. وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ فإن نفع الإنفاق وضر البخل عائدان إليه، والبخل يعدى بعن وعلى لتضمنه معنى الإِمساك والتعدي فإنه إمساك عن مستحق. وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ فما يأمركم به فهو لاحتياجكم إليه فإن امتثلتم فلكم وإن توليتم فعليكم.\nوَإِنْ تَتَوَلَّوْا عطف على إِنْ تُؤْمِنُوا. يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ يقم مقامكم قومًا آخرين. ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ في التولي والزهد في الإِيمان، وهم الفرس\nلأنه سئل ﵊ عنه وكان سلمان إلى جنبه فضرب فخذه وقال: «هذا وقومه»: أو الأنصار أو اليمن أو الملائكة.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة محمد كان حقًا على الله أن يسقيه من أنهار الجنة» .","vol":"5","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2789>(٤٨) سورة الفتح</span>\nمدنية نزلت في مرجع رسول الله ﷺ من الحديبية وآيها تسع وعشرون\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2790>[سورة الفتح (٤٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)\nإِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا وعد بفتح مكة، والتعبير عنه بالماضي لتحققه أو بما اتفق له في تلك السنة كفتح خيبر وفدك، أو إخبار عن صلح الحديبية وإنما سماه فتحًا لأنه كان بعد ظهوره على المشركين حتى سألوا الصلح وتسبب لفتح مكة، وفرغ به رسول الله ﷺ لسائر العرب فغزاهم وفتح مواضع وأدخل في الإِسلام خلقًا عظيمًا، وظهر له في الحديبية آية عظيمة وهي أنه نزح ماؤها بالكلية فتمضمض ثم مجه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه، أو فتح الروم فإنهم غلبوا الفرس في تلك السنة. وقد عرفت كونه فتحا للرسول ﵊ في سورة «الروم» . وقيل الفتح بمعنى القضاء أي قضينا لك أن تدخل مكة من قابل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2791>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nلِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)\nلِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ علة للفتح من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار والسعي في إزاحة الشرك وإعلاء الدين وتكميل النفوس الناقصة قهرًا ليصير ذلك بالتدريج اختيارًا، وتخليص الضعفة عن أيدي الظلمة. مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ جميع ما فرط منك مما يصح أن تعاتب عليه. وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بإعلاء الدين وضم الملك إلى النبوة. وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرئاسة.\nوَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا نصرًا فيه عز ومنعة، أو يعز به المنصور فوصف بوصفه مبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2792>[سورة الفتح (٤٨): آية ٤]</span>\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ الثبات والطمأنينة. فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ حتى ثبتوا حيث تقلق النفوس وتدحض الأقدام. لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ يقينًا مع يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفس عليها، أو أنزل فيها السكون إلى ما جاء به الرسول ﷺ ليزدادوا إيمانًا بالشرائع مع إيمانهم بالله واليوم الآخر. وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يدبر أمرها فيسلط بعضها على بعض تارة ويوقع فيما بينهم السلم أخرى كما تقتضيه حكمته. وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا بالمصالح. حَكِيمًا فيما يقدر ويدبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2793>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nلِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)","vol":"5","page":126},{"text":"لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها علة بما بعده لما دل عليه قوله:\nوَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من معنى التدبير، أي دبر ما دبر من تسليط المؤمنين ليعرفوا نعمة الله فيه ويشكروها فيدخلهم الجنة ويعذب الكفار والمنافقين لما غاظهم من ذلك، أو فَتَحْنا أو أَنْزَلَ أو جميع ما ذكر أو لِيَزْدادُوا، وقيل إنه بدل منه بدل الاشتمال. وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يغطيها ولا يظهرها. وَكانَ ذلِكَ أي الإِدخال والتكفير. عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضر، وعند حال من الفوز.\nوَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ عطف على «يَدْخُلِ» إلا إذا جعلته بدلًا فيكون عطفًا على المبدل منه. الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ظن الأمر السوء وهو أن لا ينصر رسوله والمؤمنين.\nعَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين لا يتخطاهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو دائِرَةُ السَّوْءِ بالضم وهما لغتان، غير أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه والمضموم جرى مجرى الشر وكلاهما في الأصل مصدر وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ عطف لما استحقوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدنيا، والواو في الأخيرين والموضع موضع الفاء إذ اللعن سبب للاعداد، والغضب سبب له لاستقلال الكل في الوعيد بلا اعتبار السببية. وَساءَتْ مَصِيرًا جهنم. وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2794>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)\nإِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا على أمتك. وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا على الطاعة والمعصية.\nلِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الخطاب للنبي ﷺ والأمة، أو لهم على أن خطابه منزل منزلة خطابهم.\nوَتُعَزِّرُوهُ وتقووه بتقوية دينه ورسوله وَتُوَقِّرُوهُ وتعظموه. وَتُسَبِّحُوهُ وتنزهوه أو تصلوا له. بُكْرَةً وَأَصِيلًا غدوة وعشيًا أو دائمًا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأفعال الأربعة بالياء، وقرئ «تعزروه» بسكون العين و«تعزروه» بفتح التاء وضم الزاي وكسرها و«تعززوه» بالزاءين «وَتُوَقّرُوهُ» من أوقره بمعنى وقره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2795>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)\nإِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ لأنه المقصود ببيعته. يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ حال أو استئناف مؤكد له على سبيل التخييل. فَمَنْ نَكَثَ نقض العهد. فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه. وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ في مبايعته فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا هو الجنة، وقرئ «عهد» وقرأ حفص عَلَيْهُ بضم الهاء وابن كثير ونافع وابن عامر وروح فسنؤتيه بالنون. والآية نزلت في بيعة الرضوان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2796>[سورة الفتح (٤٨): آية ١١]</span>\nسَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)\nسَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ هم أسلم وجهينة ومزينة وغفار استنفرهم رسول الله ﷺ عام","vol":"5","page":127},{"text":"الحديبية فتخلفوا واعتلوا بالشغل بأموالهم وأهاليهم، وإنما خلفهم الخذلان وضعف العقيدة والخوف من مقاتلة قريش إن صدوهم. شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا إذ لم يكن لنا من يقوم بأشغالهم، وقرئ بالتشديد للتكثير.\nفَاسْتَغْفِرْ لَنا من الله على التخلف. يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ تكذيب لهم في الاعتذار والاستغفار. قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه. إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا ما يضركم كقتل أو هزيمة أو خلل في المال والأهل عقوبة على التخلف، وقرأ حمزة والكسائي بالضم. أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا ما يضاد ذلك، وهو تعريض بالرد. بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا فيعلم تخلفكم وقصدكم فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2797>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٢]</span>\nبَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)\nبَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا لظنكم أن المشركين يستأصلونهم، وأهلون جمع أهل وقد يجمع على أهلات كأرضات على أن أصله أهلة وأما أهال فاسم جمع كليال. وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ فتمكن فيها، وقرئ على البناء للفاعل وهو الله أو الشيطان. وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ الظن المذكور، والمراد التسجيل عليه ب السَّوْءِ أو هو وسائر ما يظنون بالله ورسوله من الأمور الزائغة. وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا هالكين عند الله لفساد عقيدتكم وسوء نيتكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2798>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)\nوَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا وضع الكافرين موضع الضمير إيذانًا بأن من لم يجمع بين الإِيمان بالله ورسوله فهو كافر وأنه مستوجب للسعير بكفره، وتنكير سعيرًا للتهويل أو لأنها نار مخصوصة.\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يدبره كيف يشاء. يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ إذ لا وجوب عليه. وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا فإن الغفران والرحمة من ذاته والتعذيب داخل تحت قضائه بالعرض، ولذلك جاء\nفي الحديث الإلهي «سبقت رحمتي غضبي» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2799>[سورة الفتح (٤٨): آية ١٥]</span>\nسَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٥)\nسَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ يعني المذكورين. إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها يعني مغانم خيبر فإنه ﵇ رجع من الحديبية في ذي الحجة من سنة ست وأقام بالمدينة بقيتها وأوائل المحرم، ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالًا كثيرة فخصها بهم. ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ أن يغيروه وهو وعده لأهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر، وقيل قوله: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا والظاهر أنه في تبوك. والكلام اسم للتكليم غلب في الجملة المفيدة وقرأ حمزة والكسائي «كلم الله» وهو جمع كلمة. قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا نفي في معنى النهي. كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ. من قبل تهيئهم للخروج إلى خيبر. فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا أن يشارككم في الغنائم، وقرئ بالكسر. بَلْ كانُوا لاَ يَفْقَهُونَ لا يفهمون. إِلَّا قَلِيلًا إلا فهما قليلًا وهو فطنتهم لأمور الدنيا، ومعنى الإِضراب الأول رد منهم أن يكون","vol":"5","page":128},{"text":"حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات للحسد، والثاني رد من الله لذلك وإثبات لجهلهم بأمور الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2800>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nقُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا (١٧)\nقُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ كرر ذكرهم بهذا الاسم مبالغة في الذم وإشعارًا بشناعة التخلف.\nسَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ بني حنيفة أو غيرهم ممن ارتدوا بعد رسول الله ﷺ، أو المشركين فإنه قال: تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإِسلام لا غير كما دل عليه قراءة «أو يسلموا»، ومن عداهم يقاتل حتى يسلم أو يعطي الجزية. وهو يدل على إمامة أبي بكر ﵁ إذا لم تتفق هذه الدعوة لغيره إلا إذا صح أنهم ثقيف وهوازن فإن ذلك كان في عهد النبوة. وقيل فارس والروم ومعنى يُسْلِمُونَ ينقادون ليتناول تقبلهم الجزية. فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا هو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة. وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ عن الحديبية. يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا لتضاعف جرمكم.\nلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ لما أوعد على التخلف نفي الحرج عن هؤلاء المعذورين استثناء لهم عن الوعيد. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فصل الوعد وأجمل الوعيد مبالغة في الوعد لسبق رحمته، ثم جبر ذلك بالتكرير على سبيل التعميم فقال: وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا إذ الترهيب ها هنا أنفع من الترغيب، وقرأ نافع وابن عامر ندخله ونعذبه بالنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2801>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nلَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)\nلَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ\nروي: أنه ﷺ لما نزل الحديبية بعث جوّاس ابن أمية الخزاعي إلى أهل مكة، فهموا به فمنعه الأحابيش فرجع، فبعث عثمان بن عفان ﵁ فحبسوه فأرجف بقتله، فدعا رسول الله ﷺ أصحابه وكانوا ألفا وثلاثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة، وبايعهم على أن يقاتلوا قريشًا ولا يفروا عنهم وكان جالسًا تحت سمرة أو سدرة.\nفَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الإِخلاص. فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ الطمأنينة وسكون النفس بالتشجيع أو الصلح. وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا فتح خيبر غب انصرافهم، وقيل مكة أو هجر.\nوَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها يعني مغانم خيبر. وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا غالبًا مراعيًا مقتضى الحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2802>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)\nوَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها وهي ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة. فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني مقام خيبر. وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ أي أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان، أو أيدي قريش بالصلح. وَلِتَكُونَ هذه الكفة أو الغنيمة. آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أمارة يعرفون بها أنهم من الله بمكان، أو","vol":"5","page":129},{"text":"صدق الرسول في وعدهم فتح خيبر في حين رجوعه من الحديبية، أو وعد المغانم أو عنوانًا لفتح مكة والعطف على محذوف هو علة ل كَفَّ، أو «عجل» مثل لتسلموا، أو لتأخذوا أو العلة لمحذوف مثل فعل ذلك. وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا هو الثقة بفضل الله والتوكل عليه.\nوَأُخْرى ومغانم أخرى معطوفة على هذه، أو منصوبة بفعل يفسره قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها مثل قضى، ويحتمل رفعها بالابتداء لأنها موصوفة وجرها بإضمار رب. لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها بعد لما كان فيها من الجولة.\nقَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها استولى فأظفركم بها وهي مغانم هوازن أو فارس. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا لأن قدرته ذاتية لا تختص بشيء دون شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2803>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٢ الى ٢٤]</span>\nوَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)\nوَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ مكة ولم يصالحوا. لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ لانهزموا. ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا يحرسهم. وَلا نَصِيرًا ينصرهم.\nسُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ أي سنَّ غُلَّبة أنبيائه سنة قديمة فيمن مضى من الأمم كما قال تعالى:\nلَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي. وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا تغييرًا.\nوَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ أي أيدي كفار مكة. وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ في داخل مكة. مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ أظهركم عليهم، وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد على جند فهزمهم حتى أدخلهم حيطان مكة ثم عاد. وقيل كان ذلك يوم الفتح واستشهد به على أن مكة فتحت عنوة وهو ضعيف إذ السورة نزلت قبله. وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من مقاتلتهم أولًا طاعة لرسوله وكفهم ثانيًا لتعظيم بيته، وقرأ أبو عمرو بالياء. بَصِيرًا فيجازيهم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2804>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٥]</span>\nهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٢٥)\nهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ يدل على أن ذلك كان عام الحديبية، والهدي ما يهدى إلى مكة. وقرئ «الهدي» وهو فعيل بمعنى مفعول، ومحله مكانه الذي يحل فيه نحره والمراد مكانه المعهود وهو منى لا مكانه الذي لا يجوز أن ينحر في غيره، وإلا لما نحره الرسول ﷺ حيث أحصر فلا ينتهض حجة للحنفية على أن مذبح هدي المحصر هو الحرم. وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين. أَنْ تَطَؤُهُمْ أن توقعوا بهم وتبيدهم قال:\nوَوَطَئْتْنَا وَطْأْ عَلَى حَنَق ... وَطْءَ المُقَيَّدِ ثَابِت الهَرَمِ\nوقال ﵊ «إن آخر وطأة وطئها الله بوج»\nوطهو وادٍ بالطائف كان آخر وقعة للنبي ﷺ بها، وأصله الدوس وهو بدل الاشتمال من رِجالٌ وَنِساءٌ أو من ضميرهم في تَعْلَمُوهُمْ. فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ من جهتهم. مَعَرَّةٌ مكروه كوجوب الدية والكفارة بقتلهم والتأسف عليهم، وتعيير الكفار بذلك والإِثم بالتقصير في البحث عنهم مفعلة من عره إذا عراه ما يكرهه. بِغَيْرِ عِلْمٍ متعلق ب أَنْ تَطَؤُهُمْ أي تطؤهم غير عالمين بهم، وجواب لَوْلا محذوف لدلالة الكلام عليه، والمعنى لَوْلا كراهة أن تهلكوا","vol":"5","page":130},{"text":"أناسًا مؤمنين بين أظهر الكافرين جاهلين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم. لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ علة لما دل عليه كف الأيدي عن أهل مكة صونًا لمن فيها من المؤمنين، أي كان ذلك ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه لزيادة الخير أو للإِسلام. مَنْ يَشاءُ من مؤمنيهم أو مشركيهم. لَوْ تَزَيَّلُوا لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض، وقرئ «تزايلوا» . لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا بالقتل والسبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2805>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٦]</span>\nإِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)\nإِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مقدر باذكر أو ظرف لَعَذَّبْنَا أو صَدُّوكُمْ. فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ الأنفة.\nحَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ التي تمنع إذعان الحق. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فأنزل عليهم الثبات والوقار وذلك ما\nروي «أنه ﵊ لما هم بقتالهم بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ليسألوه أن يرجع من عامه على أن يخلي له قريش مكة من القابل ثلاثة أيام، فأجابهم وكتبوا بينهم كتابا، فقال ﵊ لعلي ﵁: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا ما نعرف هذا اكتب باسمك اللهم ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله أهل مكة فقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك، اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة فقال ﵊: اكتب ما يريدون»\nفَهَمَّ المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا عليهم فأنزل الله السكينة عليهم فتوقروا وتحملوا. وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى كلمة الشهادة أو بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ محمد رسول الله اختارها لهم، أو الثبات والوفاء بالعهد وإضافة ال كَلِمَةَ إلى التَّقْوى لأنها سببها أو كلمة أهلها. وَكانُوا أَحَقَّ بِها من غيرهم. وَأَهْلَها والمستأهلين لها. وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا فيعلم أهل كل شيء وييسره له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2806>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nلَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)\nلَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا رأى ﵊ أنه وأصحابه دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا، فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وحسبوا أن ذلك يكون في عامهم، فلما تأخر قال بعضهم والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا البيت فنزلت والمعنى صدقة في رؤياه. بِالْحَقِّ ملتبسًا به فإن ما رآه كائن لا محالة في وقته المقدر له وهو العام القابل، ويجوز أن يكون بِالْحَقِّ صفة مصدر محذوف أي صدقًا ملتبسًا بِالْحَقِّ وهو القصد إلى التمييز بين الثابت على الإِيمان والمتزلزل فيه، وأن يكون قسمًا إما باسم الله تعالى أو بنقيض الباطل وقوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ جوابه وعلى الأولين جواب قسم محذوف. إِنْ شاءَ اللَّهُ تعليق للعدة. بالمشيئة تعليمًا للعباد، أو إشعارًا بأن بعضهم لا يدخل لموت أو غيبة أو حكاية لما قاله ملك الرؤيا، أو النبي ﷺ لأصحابه. آمِنِينَ حال من الواو والشرط معترض. مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ أي محلقًا بعضكم ومقصرًا آخرون. لاَ تَخافُونَ حال مؤكدة أو استئناف أي لا تخافون بعد ذلك. فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا من الحكمة في تأخير ذلك. فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ من دون دخولكم المسجد أو فتح مكة. فَتْحًا قَرِيبًا هو فتح خيبر ليستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الموعود.\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ملتبسًا به أو بسببه أو لأجله. وَدِينِ الْحَقِّ وبدين الإِسلام.\nلِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ليغلبه على جنس الدين كله بنسخ ما كان حقًا وإظهار فساد ما كان باطلًا، أو بتسليط المسلمين على أهله إذ ما من أهل دين إلا وقد قهرهم المسلمون، وفيه تأكيد لما وعده من الفتح.","vol":"5","page":131},{"text":"وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا على أن ما وعده كائن أو على نبوته بإظهار المعجزات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2807>[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٩]</span>\nمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)\nمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جملة مبينة للمشهود به، ويجوز أن يكون رَسُولُ اللَّهِ صفة ومُحَمَّدٌ خبر محذوف أو مبتدأ: وَالَّذِينَ مَعَهُ معطوف عليه وخبرهما. أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ وأَشِدَّاءُ جمع شديد ورُحَماءُ جمع رحيم، والمعنى أنهم يغلظون على من خالف دينهم ويتراحمون فيما بينهم كقوله: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ. تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا\nلأنهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم. يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا الثواب والرضا. سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ يريد السمة التي تحدث في جباههم من كثرة السجود، فعلى من سامه إذا أعلمه وقد قرئت ممدودة ومِنْ أَثَرِ السُّجُودِ بيانها أو حال من المستكن في الجار. ذلِكَ إشارة إلى الوصف المذكور. أو إشارة مبهمة يفسرها كَزَرْعٍ. مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فيها. وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ عطف عليه أي ذلك مثلهم في الكتابين وقوله: كَزَرْعٍ تمثيل مستأنف أو تفسير أو مبتدأ وكَزَرْعٍ خبره.\nأَخْرَجَ شَطْأَهُ فراخه يقال أشطأ الزرع إذا فرخ، وقرأ ابن كثير وابن عامر برواية ابن ذكوان شَطْأَهُ بفتحات وهو لغة فيه، وقرئ «شطاه» بتخفيف الهمزة و«شطاءه» بالمد و«شطه» بنقل حركة الهمزة وحذفها و«شطوه» بقلبها واوًا. فَآزَرَهُ فقواه من المؤازرة وهي المعاونة أو من الإيزار وهي الإعانة وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان فَآزَرَهُ كأجره في آجره. فَاسْتَغْلَظَ فصار من الدقة إلى الغلط. فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ فاستقام على قصبه جمع ساق، وعن ابن كثير «سؤقه» بالهمزة. يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ بكثافته وقوته وغلظه وحسن منظره، وهو مثل ضربه الله تعالى للصحابة قلوا في بدء الإِسلام ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس.\nلِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ علة لتشبيههم بالزرع في زكائه واستحكامه أو لقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا فإن الكفار لما سمعوه غاظهم ذلك ومنهم للبيان.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد ﵊ فتح مكة» .","vol":"5","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2808>(٤٩) سورة الحجرات</span>\nمدينة وآيها ثماني عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2809>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا أي لا تقدموا أمرًا، فحذف المفعول ليذهب الوهم إلى كل ما يمكن، أو ترك لأن المقصود نفي التقديم رأسًا أو لا تتقدموا ومنه مقدمة الجيش لمتقدميهم، ويؤيده قراءة يعقوب لاَ تُقَدِّمُوا. وقرئ «لاَ تُقَدّمُواْ» من القدوم. بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مستعار مما بين الجهتين المسامتتين ليدي الإنسان تهجينًا لما نهوا عنه، والمعنى لا تقطعوا أمرًا قبل أن يحكما به. وقيل المراد بين يدي رسول الله ﷺ وذكر الله تعظيم له وإشعار بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله. وَاتَّقُوا اللَّهَ في التقديم أو مخالفة الحكم.\nإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم. عَلِيمٌ بأفعالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2810>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ أي إذا كلمتموه فلا تجاوزوا أصواتكم عن صوته. وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته محاماة على الترحيب ومراعاة للأدب. وقيل معناه ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضًا وخاطبوه بالنبي والرسول، وتكرير النداء لاستدعاء مزيد الاستبصار والمبالغة في الاتعاظ والدلالة على استقلال المنادى له وزيادة الاهتمام به. أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ كراهة أن تحبط فيكون علة للنهي، أو لأن تحبط على أن النهي عن الفعل المعلل باعتبار التأدية لأن في الجهر والرفع استخفافًا قد يؤدي إلى الكفر المحبط، وذلك إذ انضم إليه قصد الإِهانة وعدم المبالاة.\nوقد روي: أن ثابت بن قيس كان في أذنه وقر وكان جهوريًا، فلما نزلت تخلف عن رسول الله ﷺ فتفقده ودعاه فقال: يا رسول الله لقد أنزلت إليك هذه الآية وإني رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال ﵊: «لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة» .\nوَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ أنها محبطة.\nإِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ يخفضونها. عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مراعاة للأدب أو مخافة عن مخالفة النهي.\nقيل كان أبو بكر وعمر بعد ذلك يسرانه حتى يستفهمهما. أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى جربها للتقوى ومرنها عليها، أو عرفها كائنة للتقوى خالصة لها، فإن الامتحان سبب المعرفة واللام صلة محذوف أو للفعل باعتبار الأصل، أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الشاقة لأجل التقوى، فإنها لا تظهر إلا بالاصطبار عليها، أو أخلصها للتقوى من امتحن الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبثه. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم. وَأَجْرٌ عَظِيمٌ لغضهم وسائر طاعاتهم، والتنكير للتعظيم والجملة خبر ثان لأن، أو استئناف لبيان","vol":"5","page":133},{"text":"ما هو جزاء الغاضبين إحمادًا لحالهم كما أخبر عنهم بجملة مؤلفة من معرفتين، والمبتدأ إسم الإِشارة المتضمن لما جعل عنوانًا لهم، والخبر الموصول بصلة دلت على بلوغهم أقصى الكمال مبالغة في الاعتداد بغضهم والارتضاء له، وتعريضًا بشناعة الرفع والجهر وأن حال المرتكب لهما على خلاف ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2811>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)\nإِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ من خارجها خلفها أو قدامها، ومن ابتدائية فإن المناداة نشأت من جهة الوراء، وفائدتها الدلالة على أن المنادي داخل الحجرة إذ لا بد وأن يختلف المبتدأ والمنتهى بالجهة، وقرئ «الحجرات» بفتح الجيم، وسكونها وثلاثتها جمع حجرة وهي القطعة من الأرض المحجورة بحائط، ولذلك يقال لحظيرة الإِبل حجرة. وهي فعلة بمعنى مفعول كالغرفة والقبضة، والمراد حجرات نساء النبي ﵊ وفيها كناية خلوته بالنساء ومناداتهم من ورائها إما بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها، أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له، فأسند فعل الأبعاض إلى الكل. وقيل إن الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، وفدا على رسول الله ﷺ في سبعين رجلًا من بني تميم وقت الظهيرة وهو راقد فقالا يا محمد اخرج إلينا، وإنما أسند إلى جميعهم لأنهم رضوا بذلك أو أمروا به، أو لأنه وجد فيما بينهم.\nأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة سيما لمن كان بهذا المنصب.\nوَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ أي ولو ثبت صبرهم وانتظارهم حتى تخرج إليهم، فإن أن وإن دلت بما في حيزها على المصدر دلت بنفسها على الثبوت، ولذلك وجب إضمار الفعل وحتى تفيد أن الصبر ينبغي أن يكون مغيا بخروجه، فإن حتى مختصة بغاية الشيء في نفسه ولذلك تقول: أكلت السمكة حتى رأسها، ولا تقول حتى نصفها، بخلاف إلى فإنها عامة، وفي إِلَيْهِمْ إشعار بأنه لو خرج لا لأجلهم ينبغي أن يصبروا حتى يفاتحهم بالكلام أو يتوجه إليهم. لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ لكان الصبر خيرًا لهم من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول الموجبين للثناء والثواب، والإِسعاف بالمسؤول إذ روي أنهم وفدوا شافعين في أسارى بني العنبر فأطلق النصف وفادى النصف. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ حيث اقتصر على النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين الأدب التاركين تعظيم الرسول ﵊.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2812>[سورة الحجرات (٤٩): آية ٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا فتعرفوا وتصفحوا،\nروي أنه ﵊ بعث الوليد بن عقبة مصدقًا إلى بني المصطلق وكان بينه وبينهم إحنة، فلما سمعوا به استقبلوه فحسبهم مقاتليه فرجع وقال لرسول الله ﷺ قد ارتدوا ومنعوا الزكاة فهم بقتالهم فنزلت.\nوقيل بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع، وتنكير الفاسق والنبأ للتعميم، وتعليق الأمر بالتبين على فسق المخبر يقتضي جواز قبول خبر العدل من حيث إن المعلق على شيء بكلمة إن عدم عند عدمه، وأن خبر الواحد لو وجب تبينه من حيث هو كذلك لما رتب على الفسق، إذ الترتيب يفيد التعليل وما بالذات لا يعلل بالغير. وقرأ حمزة والكسائي فتثبتوا أي فتوقفوا إلى أن يتبين لكم الحال. أَنْ تُصِيبُوا كراهة إصابتكم. قَوْمًا بِجَهالَةٍ جاهلين بحالهم. فَتُصْبِحُوا فتصيروا. عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ مغتمين غما لازمًا متمنين أنه لم يقع، وتركيب هذه الأحرف الثلاثة دائر مع الدوام.","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2813>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)\nوَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ أن بما في حيزه ساد مسد مفعولي اعلموا باعتبار ما قيد به من الحال وهو قوله: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ فإنه حال من أحد ضميري فيكم، ولو جعل استئنافًا لم يظهر للأمر فائدة. والمعنى أن فيكم رسول الله على حال يجب تغييرها وهي أنكم تريدون أن يتبع رأيكم في الحوادث، ولو فعل ذلك لَعَنِتُّمْ أي لوقعتم في الجهد من العنت، وفيه إشعار بأن بعضهم أشار إليه بالإِيقاع ببني المصطلق وقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ استدراك ببيان عذرهم، وهو أنه من فرط حبهم للإِيمان وكراهتهم للكفر حملهم على ذلك لما سمعوا قول الوليد، أو بصفة من لم يفعل ذلك منهم إحمادًا لفعلهم وتعريضًا بذم من فعل ويؤيده قوله: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ أي أولئك المستثنون هم الذين أصابوا الطريق السوي، وَكَرَّهَ يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد فإذا شدد زاد له آخر، لكنه لما تضمن معنى التبغيض نزل كره منزلة بغض فعدي إلى آخر بإلى، أو نزل إليكم منزلة مفعول آخر. والْكُفْرَ: تغطية نعم الله بالجحود. وَالْفُسُوقَ: الخروج عن القصد وَالْعِصْيانَ:\nالامتناع عن الانقياد.\nفَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً تعليل ل كَرَّهَ أو حَبَّبَ، وما بينهما اعتراض لا ل الرَّاشِدُونَ فإن الفضل فعل الله، والرشد وإن كان مسببًا عن فعله مسند إلى ضميرهم أو مصدر لغير فعله فإن التحبيب والرشد فضل من الله وإنعام. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل حَكِيمٌ حيث يفضل وينعم بالتوفيق عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2814>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nوَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)\nوَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا تقاتلوا والجمع باعتبار المعنى فإن كل طائفة جمع. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى. فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى تعدت عليها. فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ ترجع إلى حكمه أو ما أمر به، وإنما أطلق الفيء على الظل لرجوعه بعد نسخ الشمس، والغنيمة لرجوعها من الكفار إلى المسلمين. فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ بفصل ما بينهما على ما حكم الله، وتقييد الإِصلاح بالعدل ها هنا لأنه مظنة الحيف من حيث إنه بعد المقاتلة. وَأَقْسِطُوا واعدلوا في كل الأمور. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ يحمد فعلهم بحسن الجزاء. والآية نزلت في قتال حدث بين الأوس والخزرج في عهده ﵊ بالسعف والنعال، وهي تدل على أن الباغي مؤمن وأنه إذا قبض عن الحرب ترك كما جاء في الحديث لأنه فيء إلى أمر الله تعالى، وأنه يجب معاونة من بغى عليه بعد تقديم النصح والسعي في المصالحة.\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإِيمان الموجب للحياة الأبدية، وهو تعليل وتقرير للأمر بالإِصلاح ولذلك كرره مرتبًا عليه بالفاء فقال: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ووضع الظاهر موضع الضمير مضافًا إلى المأمورين للمبالغة في التقرير والتخصيص، وخص الإثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهم الشقاق. وقيل المراد بالأخوين الأوس والخزرج. وقرئ «بين إخوتكم» و«إخوانكم» . وَاتَّقُوا","vol":"5","page":135},{"text":"اللَّهَ\nفي مخالفة حكمه والإِهمال فيه. لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ على تقواكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2815>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ أي لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض إذ قد يكون المسخور منه خيرًا عند الله من الساخر، والقوم مختص بالرجال لأنه إما مصدر نعت به فشاع في الجمع أو جمع لقائم كزائر وزور، والقيام بالأمور وظيفة الرجال كما قال تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ وحيث فسر بالقبيلين كقوم عاد وفرعون، فإما على التغليب أو الاكتفاء بذكر الرجال على ذكرهن لأنهن توابع، واختيار الجمع لأن السخرية تغلب في المجامع وعَسى باسمها استئناف بالعلة الموجبة للنهي ولا خبر لها لإغناء الإسم عنه. وقرئ «عسوا أن يكونوا» و«عسين أن يكن» فهي على هذا ذات خبر. وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ أي ولا يغتب بعضكم بعضًا فإن المؤمنين كنفس واحدة، أو لا تفعلوا ما تلمزون به فإن من فعل ما يستحق به اللمز فقد لمز نفسه. واللمز الطعن باللسان. وقرأ يعقوب بالضم. وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ ولا يدع بعضكم بعضًا بلقب السوء، فإن النبز مختص بلقب السوء عرفًا. بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسوق بعد دخولهم الإِيمان واشتهارهم به، والمراد به إما تهجين نسبة الكفر والفسق إلى المؤمنين خصوصًا إذ\nروي أن الآية نزلت في صفية بنت حيي ﵂، أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها «هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد ﵈» .\nأو الدلالة على أن التنابز فسق والجمع بينه وبين الإِيمان مستقبح. وَمَنْ لَمْ يَتُبْ عما نهى عنه. فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ كونوا منه على جانب، وإبهام الكثير ليحتاط في كل ظن ويتأمل حتى يعلم أنه من أي القبيل، فإن من الظن ما يجب اتباعه كالظن حيث لا قاطع فيه من العمليات وحسن الظن بالله ﷾، وما يحرم كالظن في الإِلهيات والنبوات وحيث يخالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين، وما يباح كالظن في الأمور المعاشية. إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ مستأنف للأمر، والإِثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه. والهمزة فيه بدل من الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها. وَلا تَجَسَّسُوا ولا تبحثوا عن عورات المسلمين، تفعل من الجس باعتبار ما فيه من معنى الطلب كالتلمس، وقرئ بالحاء من الحس الذي هو أثر الجس وغايته ولذلك قيل للحواس الخمس الجواس.\nوفي الحديث «لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته» .\nوَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ولا يذكر بعضكم بعضًا بالسوء في غيبته.\nوسئل ﵊ عن الغيبة فقال: «أن تذكر أخاك بما يكرهه، فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» .\nأَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا تمثيل لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه مع مبالغات الاستفهام المقرر، وإسناد الفعل إلى أحد للتعميم وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإِنسان وجعل المأكول أخًا وميتًا وتعقيب ذلك بقوله: فَكَرِهْتُمُوهُ تقريرًا وتحقيقًا لذلك. والمعنى إن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم إنكار كراهته، وانتصاب مَيْتًا على الحال من اللحم أو الأخ وشدده نافع. وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ لمن اتقى ما نهى عنه وتاب مما فرط منه، والمبالغة في ال تَوَّابٌ لأنه بليغ في قبول التوبة إذ","vol":"5","page":136},{"text":"يجعل صاحبها كمن لم يذنب، أو لكثرة المتوب عليهم أو لكثرة ذنوبهم،\nروي: أن رجلين من الصحابة بعثا سلمان إلى رسول الله ﷺ يبغي لهما إدامًا، وكان أسامة على طعامه فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فقالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، فلما راحا إلى رسول الله ﷺ قال لهما: «ما لي أرى حضرة اللحم في أفواهكما»، فقالا: ما تناولنا لحمًا، فقال: «إنكما قد اغتبتما» فنزلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2816>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى من آدم وحواء ﵉، أو خلقنا كل واحد منكم من أب وأم فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب. ويجوز أن يكون تقريرًا للأخوة المانعة عن الاغتياب.\nوَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ الشعب الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد وهو يجمع القبائل. والقبيلة تجمع العمائر. والعمارة تجمع البطون. والبطن تجمع الأفخاذ. والفخذ يجمع الفضائل، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، وعباس فصيلة. وقيل الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب. لِتَعارَفُوا ليعرف بعضكم بعضًا لا للتفاخر بالآباء والقبائل. وقرئ «لتعارفوا» بالإِدغام و«لتتعارفوا» و«لتعرفوا» . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فإن التقوى بها تكمل النفوس وتتفاضل بها الأشخاص، فمن أراد شرفًا فليلتمسه منها كما\nقال ﵊ «من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله»\nوقال ﵇ «يَا أَيُّهَا الناس إِنَّمَا الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله» .\nإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بكم خَبِيرٌ ببواطنكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2817>[سورة الحجرات (٤٩): آية ١٤]</span>\nقالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)\nقالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا نزلت في نفر من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله ﷺ أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يريدون الصدقة ويمنون. قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا إذ الإِيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب، ولم يحصل لكم وإلا لما مننتم على الرسول ﵊ بالإِسلام وترك المقاتلة كما دل عليه آخر السورة. وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا فإن الإِسلام انقياد ودخول في السلم وإظهار الشهادتين وترك المحاربة، يشعر به وكان نظم الكلام أن يقول لا تقولوا آمنا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم فعدل منه إلى هذا النظم احترازًا من النهي عن القول بالإِيمان والجزم بإسلامهم، وقد فقد شرط اعتباره شرعًا. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ توقيت ل قُولُوا فإنه حال من ضميره أي: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ولم تواطئ قلوبكم ألسنتكم بعد. وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ بالإِخلاص وترك النفاق. لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ لا ينقصكم من أجورها. شَيْئًا من لات يليت ليتا إذا نقص، وقرأ البصريان «لا يألتكم» من الألت وهو لغة غطفان. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما فرط من المطيعين.\nرَحِيمٌ بالتفضل عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2818>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)\n.","vol":"5","page":137},{"text":"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا لم يشكوا من ارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة، وفيه إشارة إلى ما أوجب نفي الإِيمان عنهم، وثُمَّ للإشعار بأن اشتراط عدم الارتياب في اعتبار الإِيمان ليس حال الإِيمان فقط بل فيه وفيما يستقبل فهي كما في قوله: ثُمَّ اسْتَقامُوا. وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في طاعته والمجاهدة بالأموال والأنفس تصلح للعبادات المالية والبدنية بأسرها. أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ الذين صدقوا في إدعاء الإِيمان.\nقُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ أتخبرونه به بقولكم آمَنَّا. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يخفى عليه خافية، وهو تجهيل لهم وتوبيخ.\nروي أنه لما نزلت الآية المتقدمة جاءوا وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2819>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nيَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)\nيَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا يعدون إسلامهم عليك منة وهي النعمة التي لا يستثيب موليها ممن بذلها إليه، من المن بمعنى القطع لأن المقصود بها قطع حاجته. وقيل النعمة الثقيلة من المن. قُلْ لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ أي بإسلامكم، فنصب بنزع الخافض أو تضمين الفعل معنى الاعتدال. بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ على ما زعمتم مع أن الهداية لا تستلزم الاهتداء، وقرئ «إن هَداكُمْ» بالكسر و«إِذْ هَداكُمْ» .\nإِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ادعاء الإِيمان، وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله أي فلله المنة عليكم، وفي سياق الآية لطف وهو أنهم لما سموا ما صدر عنهم إيمانًا ومنوا به فنفى أنه إيماٌن وسماه إسلامًا بأن قال يمنون عليكم بما هو في الحقيقة إسلام وليس بجدير أن يمن به عليك، بل لو صح ادعاؤهم للإِيمان فلله المنة عليهم بالهداية له لا لهم.\nإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ما غاب فيهما. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ في سركم وعلانيتكم فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم، وقرأ ابن كثير بالياء لما في الآية من الغيبة.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه» .","vol":"5","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2820>(٥٠) سورة ق</span>\nمكية، وهي خمس وأربعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2821>[سورة ق (٥٠): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)\nق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الكلام فيه كما مر في ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. والْمَجِيدِ ذو المجد والشرف على سائر الكتب، أو لأنه كلام المجيد، أو لأن من علم معانيه وامتثل أحكامه مجد.\nبَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب، وهو أن ينذرهم أحد من جنسهم أو من أبناء جلدتهم. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ حكاية لتعجبهم، وهذا إشارة إلى اختيار الله محمدًا للرسالة، وإضمار ذكرهم ثم إظهاره للاشعار بتعنتهم بهذا المقال، ثم التسجيل على كفرهم بذلك أو عطف لتعجبهم من البعث على تعجبهم من البعثة، والمبالغة فيه بوضع الظاهر موضع ضميرهم وحكاية تعجبهم مبهمًا إن كانت الإِشارة إلى مبهم يفسره ما بعده، أو مجملا إن كانت الإِشارة إلى محذوف دل عليه منذر، ثم تفسيره أو تفصيله لأنه أدخل في الإنكار إذ الأول استبعاد لأن يفضل عليهم مثلهم، والثاني استقصار لقدرة الله تعالى عما هو أهون مما يشاهدون من صنعه.\nأَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا أي أنرجع إذا متنا وصرنا ترابًا، ويدل على المحذوف قوله: ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ أي بعيد عن الوهم أو العادة أو الإِمكان. وقيل الرجع بمعنى المرجوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2822>[سورة ق (٥٠): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nقَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)\nقَدْ عَلِمْنا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكل من أجساد موتاهم، وهو رد لاستبعادهم بإزاحة ما هو الأصل فيه، وقيل إنه جواب القسم واللام محذوف لطول الكلام. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ حافظ لتفاصيل الأشياء كلها، أو محفوظ عن التغيير، والمراد إما تمثيل علمه بتفاصيل الأشياء بعلم من عنده كتاب محفوظ يطالعه، أو تأكيد لعلمه بها بثبوتها في اللوح المحفوظ عنده.\nبَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني النبوة الثابتة بالمعجزات، أو النبي ﷺ، أو القرآن. لَمَّا جاءَهُمْ وقرئ «لمّا» بالكسر. فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ مضطرب من مرج الخاتم في أصبعه إذا خرج، وذلك قولهم تارة أنه شاعِرٌ وتارة أنه ساحِرٌ وتارة أنه كاهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2823>[سورة ق (٥٠): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nأَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)","vol":"5","page":139},{"text":"أَفَلَمْ يَنْظُرُوا حين كفروا بالبعث. إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ إلى آثار قدرة الله تعالى في خلق العالم.\nكَيْفَ بَنَيْناها رفعناها بلا عمد. وَزَيَّنَّاها بالكواكب. وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ فتوق بأن خلقها ملساء متلاصقة الطباق.\nوَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها. وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ جبالًا ثوابت. وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي من كل صنف. بَهِيجٍ حسن.\nتَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ راجع إلى ربه متفكر في بدائع صنعه، وهما علتان للأفعال المذكورة معنى وإن انتصبتا عن الفعل الأخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2824>[سورة ق (٥٠): الآيات ٩ الى ١١]</span>\nوَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١)\nوَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء مُبارَكًا كثير المنافع فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ أشجارًا وأثمارًا. وَحَبَّ الْحَصِيدِ وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالبر والشعير.\nوَالنَّخْلَ باسِقاتٍ طوالًا أو حوامل من أبسقت الشاة إذا حملت فيكون من أفعل فهو فاعل، وإفرادها بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها. وقرئ «باصقات» لأجل القاف. لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ منضود بعضه فوق بعض، والمراد تراكم الطلع أو كثرة ما فيه من الثمر.\nرِزْقًا لِلْعِبادِ علة ل أَنْبَتْنا أو مصدر، فإن الإِنبات رزق. وَأَحْيَيْنا بِهِ بذلك الماء. بَلْدَةً مَيْتًا أرضًا جدبة لا نماء فيها. كَذلِكَ الْخُرُوجُ كما حييت هذه البلدة يكون خروجكم أحياء بعد موتكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2825>[سورة ق (٥٠): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ أراد بفرعون إياه وقومه ليلائم ما قبله وما بعده. وَإِخْوانُ لُوطٍ أخدانه لأنهم كانوا أصهاره.\nوَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ سبق في «الحجر» و«الدخان» . كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ أي كل واحد أو قوم منهم أو جميعهم، وإفراد الضمير لإِفراد لفظه. فَحَقَّ وَعِيدِ فوجب وحل عليه وعيدي، وفيه تسلية للرسول ﷺ وتهديد لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2826>[سورة ق (٥٠): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nأَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)\nأَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي أفعجزنا عن الإِبداء حتى نعجز عن الإِعادة، من عيي بالأمر إذا لم يهتد لوجه عمله والهمزة فيه للإِنكار. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ أي هم لا ينكرون قدرتنا على الخلق الأول بل هم في خلط، وشبهة في خلق مستأنف لما فيه من مخالفة العادة، وتنكير الخلق الجديد لتعظيم شأنه والإِشعار بأنه على وجه غير متعارف ولا معتاد.\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ما تحدثه به نفسه وهو ما يخطر بالبال، والوسوسة الصوت الخفي ومنها وسواس الحلي، والضمير ل ما إن جعلت موصولة والباء مثلها في صوت بكذا، أو ل الْإِنْسانَ إن جعلت مصدرية والباء للتعدية. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ أي ونحن أعلم بحاله ممن","vol":"5","page":140},{"text":"كان أقرب إليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، تجوز بقرب الذات لقرب العلم لأنه موجبه وحَبْلِ الْوَرِيدِ مثل في القرب قال: والموت أدنى من الوريد. وال حَبْلِ العرق وإضافته للبيان، والوريدان عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمها متصلان بالوتين يردان من الرأس إليه، وقيل سمي وريدًا لأن الروح ترده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2827>[سورة ق (٥٠): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nإِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)\nإِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ مقدر باذكر أو متعلق ب أَقْرَبُ، أي هو أعلم بحاله من كل قريب حين يتلقى أي يتلقن الحفيظان ما يتلفظ به، وفيه إيذان بأنه غني عن استحفاظ الملكين فإنه أعلم منهما ومطلع على ما يخفى عليهما، لكنه لحكمة اقتضته وهي ما فيه من تشديد يثبط العبد عن المعصية، وتأكيد في اعتبار الأعمال وضبطها للجزاء وإلزام للحجة يوم يقوم الاشهاد. عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ أي عَنِ الْيَمِينِ قعيد وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، أي مقاعد كالجليس فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كقوله: فإنِّي وَقَيَّارٌ بها لغريب.\nوقد يطلق الفعيل للواحد والمتعدد كقوله: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ.\nمَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ما يرمي به من فيه. إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ ملك يرقب عمله. عَتِيدٌ معد حاضر، ولعله يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب\nوفي الحديث «كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرًا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2828>[سورة ق (٥٠): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)\nوَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ لما ذكر استبعادهم البعث للجزاء وأزاح ذلك بتحقيق قدرته وعلمه أعلمهم بأنهم يلاقون ذلك عن قريب عند الموت وقيام الساعة، ونبه على اقترابه بأن عبر عنه بلفظ الماضي، وسكرة الموت شدته الذاهبة بالعقل والباء للتعدية كما في قولك: جاء زيد بعمرو. والمعنى وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر أو الموعود الحق، أو الحق الذي ينبغي أن يكون من الموت أو الجزاء، فإن الإِنسان خلق له أو مثل الباء في تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ. وقرئ «سكرة الحق بالموت» على أنها لشدتها اقتضت الزهوق أو لاستعقابها له كأنها جاءت به، أو على أن الباء بمعنى مع. وقيل سَكْرَةُ الحق سكرة الله وإضافتها إليه للتهويل. وقرئ «سكرات الموت» . ذلِكَ أي الموت. مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ تميل وتنفر عنه والخطاب للإِنسان.\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني نفخة البعث. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ أي وقت ذلك يوم تحقق الوعيد وإنجازه والإِشارة إلى مصدر نُفِخَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2829>[سورة ق (٥٠): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nوَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)\nوَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ملكان أحدهما يسوقه والآخر يشهد بعمله، أو ملك جامع للوصفين. وقيل السائق كاتب السيئات، والشهيد كاتب الحسنات. وقيل السائق نفسه أو قرينه والشهيد جوارحه أو أعماله، ومحل مَعَها النصب على الحال من كل لإِضافته إلى ما هو في حكم المعرفة.\nلَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا على إضمار القول والخطاب لِكُلِّ نَفْسٍ إذ ما من أحد إلا وله اشتغال ما عن الآخرة أو للكفار. فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ الغطاء الحاجب لأمور المعاد، وهو الغفلة والانهماك في المحسوسات والإِلف بها وقصور النظر عليها. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ نافذ لزوال المانع للأبصار. وقيل","vol":"5","page":141},{"text":"الخطاب للنبي ﵊ والمعنى: كنت في غفلة من أمر الديانة فكشفنا عنك غطاء الغفلة بالوحي وتعليم القرآن، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ترى ما لا يرون وتعلم ما لا يعلمون. ويؤيد الأول قراءة من كسر التاء والكافات على خطاب النفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2830>[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nوَقالَ قَرِينُهُ هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)\nوَقالَ قَرِينُهُ قال الملك الموكل عليه. هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ هذا ما هو مكتوب عندي حاضر لدي، أو الشيطان الذي قيض له هذا ما عندي وفي ملكتي عتيد لجهنم هيأته لها باغوائي وإضلالي، وما إن جعلت موصوفة ف عَتِيدٌ صفتها وإن جعلت موصولة فبدلها أو خبر بعد خبر أو خبر محذوف.\nأَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ خطاب من الله تعالى للسائق والشهيد، أو لملكين من خزنة النار، أو لواحد وتثنية الفاعل منزل منزلة تثنية الفعل وتكريره كقوله:\nفَإِنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفَّانَ أَنْزَجِر ... وَإِنْ تَدَعَانِي أَحْمٍ عِرْضًا مُمنعًا\nأَو الألف بدل من نون التأكيد على إجراء الوصل مجرى الوقف، ويؤيده أنه قرئ «ألقين» بالنون الخفيفة. عَنِيدٍ معاند للحق.\nمَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ كثير المنع للمال عن حقوقه المفروضة. وقيل المراد بالخير الإِسلام فإن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة لما منع بني أخيه عنه. مُعْتَدٍ متعد. مُرِيبٍ شاك في الله وفي دينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2831>[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nالَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧)\nالَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ مبتدأ متضمن معنى الشرط وخبره. فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ أو بدل من كُلَّ كَفَّارٍ فيكون فَأَلْقِياهُ تكريرًا للتوكيد، أو مفعول لمضمر يفسره فَأَلْقِياهُ.\nقالَ قَرِينُهُ أي الشيطان المقيض له، وإنما استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول فإنه جواب لمحذوف دل عليه. رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ كأن الكافر قال هو أطغاني ف قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ بخلاف الأولى فإنها واجبة العطف على ما قبلها للدلالة على الجمع بين مفهوميهما في الحصول، أعني مجيء كل نفس مع الملكين وقول قرينه: وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ فأعنته عليه فإن إغواء الشياطين إنما يؤثر فيمن كان مختل الرأي مائلًا إلى الفجور كما قال: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2832>[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nقالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)\nقالَ أي الله تعالى. لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ أي في موقف الحساب فإنه لا فائدة فيه، وهو استئناف مثل الأول. وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي فلم يبق لكم حجة. وهو حال فيه تعليل للنهي أي لاَ تَخْتَصِمُوا عالمين بأني أوعدتكم، والباء مزيدة أو معدية على أن قدم بمعنى تقدم، ويجوز أن يكون بِالْوَعِيدِ حالًا والفعل واقعًا على قوله:\nمَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ أي بوقوع الخلف فيه فلا تطمعوا أن أبدل وعيدي. وعفو بعض المذنبين لبعض الأسباب ليس من التبديل فإن دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد. وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فأعذب من","vol":"5","page":142},{"text":"ليس لي تعذيبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2833>[سورة ق (٥٠): آية ٣٠]</span>\nيَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)\nيَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ سؤال وجواب جيء بهما للتخييل والتصوير، والمعنى أنها مع اتساعها تطرح فيها الجنة والناس فوجًا فوجا حتى تمتلئ لقوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ، أو أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها بعد فراغ، أو أنها من شدة زفيرها وحدتها وتشبثها بالعصاة كالمستكثرة لهم والطالبة لزيادتهم. وقرأ نافع وأبو بكر يقول بالياء وال مَزِيدٍ إما مصدر كالمحيد أو مفعول كالمبيع، ويَوْمَ مقدر باذكر أو ظرف ل نُفِخَ فيكون ذلك إشارة إليه فلا يفتقر إلى تقدير مضاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2834>[سورة ق (٥٠): الآيات ٣١ الى ٣٥]</span>\nوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥)\nوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ قربت لهم. غَيْرَ بَعِيدٍ مكانًا غير بعيد، ويجوز أن يكون حالًا وتذكيره لأنه صفة محذوف، أو شيئًا غير بعيد أو على زنة المصدر أو لأن الجنة بمعنى البستان.\nهذا مَا تُوعَدُونَ على إضمار القول والإِشارة إلى الثواب أو مصدر أُزْلِفَتِ. وقرأ ابن كثير بالياء.\nلِكُلِّ أَوَّابٍ رجاع إلى الله تعالى، بدل من «المتقين» بإعادة الجار. حَفِيظٍ حافظ لحدوده.\nمَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ بدل بعد بدل أو بدل من موصوف أَوَّابٍ، ولا يجوز أن يكون في حكمه لأن مَنْ لا يوصف به أو مبتدأ خبره:\nادْخُلُوها على تأويل يقال لهم ادْخُلُوها، فإن من بمعنى الجمع وبالغيب حال من الفاعل أو المفعول، أو صفة لمصدر أي خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه وهو غائب، أو العقاب بعد غيب أو هو غائب عن الأعين لا يراه أحد. وتخصيص الرَّحْمنَ للإِشعار بأنهم يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخافون عَذَابَهُ، أو بأنهم يخشون مع علمهم بسعة رحمته، ووصف القلب بالإِنابة إذ الاعتبار برجوعه إلى الله. بِسَلامٍ سالمين من العذاب وزوال النعم، أو مسلمًا عليكم من الله وملائكته. ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ يوم تقدير الخلود كقوله:\nفَادْخُلُوها خالِدِينَ.\nلَهُمْ مَّا يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ وهو ما لا يخطر ببالهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2835>[سورة ق (٥٠): آية ٣٦]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ قبل قومك. مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا قوة كعاد وثمود وفرعون. فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ فخرقوا في البلاد وتصرفوا فيها، أو جالوا في الأرض كل مجال حذر الموت، فالفاء على الأول للتسبب وعلى الثاني لمجرد التعقيب، وأصل التنقيب التنقير عن الشيء والبحث عنه. هَلْ مِنْ مَحِيصٍ أي لهم من الله أو من الموت. وقيل الضمير في فَنَقَّبُوا لأهل مكة أي ساروا في أسفارهم في بلاد القرون فهل رأوا لهم محيضا حتى يتوقعوا مثله لأنفسهم، ويؤيده أنه قرئ «فنقّبوا» على الأمر، وقرئ «فَنَقَّبُواْ» بالكسر من النقب وهو أن ينتقب خف البعير أي أكثروا السير حتى نقبت أقدامهم أو أخفاف مراكبهم.","vol":"5","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2836>[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)\nإِنَّ فِي ذلِكَ فيما ذكر في هذه السورة. لَذِكْرى لتذكرة. لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أي قلب واع يتفكر في حقائقه. أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ أي أصغى لاستماعه. وَهُوَ شَهِيدٌ حاضر بذهنه ليفهم معانيه، أو شاهد بصدقه فيتعظ بظواهره وينزجر بزواجره، وفي تنكير ال قَلْبٌ وإبهامه تفخيم وإشعار بأن كل قلب لا يتفكر ولا يتدبر كلا قلب.\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ مر تفسيره مرارًا. وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ من تعب وإعياء، وهو رد لما زعمت اليهود من أنه تعالى بدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2837>[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٩ الى ٤٠]</span>\nفَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)\nفَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ ما يقول المشركون من إنكارهم البعث، فإن من قدر على خلق العالم بلا اعياء قدر على بعثهم والانتقام منهم، أو ما يقول اليهود من الكفر والتشبيه. وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ونزهه عن العجز عما يمكن والوصف بما يوجب التشبيه حامدًا له على ما أنعم عليك من إصابة الحق وغيرها. قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ يعني الفجر والعصر وقد عرفت فضيلة الوقتين.\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ أي وسبحه بعض الليل. وَأَدْبارَ السُّجُودِ وأعقاب الصلوات جمع دبر من أدبر، وقرأ الحجازيان وحمزة وخلف بالكسر من أدبرت الصلاة إذا انقضت. وقيل المراد بالتسبيح الصلاة، فالصلاة قبل الطلوع: الصبح وقبل الغروب: الظهر، والعصر. ومن الليل: العشاءان، والتهجد. وأدبار السجود النوافل بعد المكتوبات، وقيل الوتر بعد العشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2838>[سورة ق (٥٠): الآيات ٤١ الى ٤٣]</span>\nوَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)\nوَاسْتَمِعْ لما أخبرك به من أحوال القيامة، وفيه تهويل وتعظيم للمخبر به. يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ إسرافيل أو جبريل ﵉ فيقول: أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ بحيث يصل نداؤه إلى الكل على سواء، ولعله في الإِعادة نظير «كن» في الإِبداء، ويوم نصب بما دل عليه يوم الخروج.\nيَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بدل منه والصَّيْحَةَ النفخة الثانية. بِالْحَقِّ متعلق ب الصَّيْحَةَ والمراد به البعث للجزاء. ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ من القبور، وهو من أسماء يوم القيامة وقد يقال للعيد.\nإِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ في الدنيا. وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ للجزاء في الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2839>[سورة ق (٥٠): الآيات ٤٤ الى ٤٥]</span>\nيَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)","vol":"5","page":144},{"text":"يَوْمَ تَشَقَّقُ تتشقق، وقرى «تنشق» . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف وأبو عمرو بتخفيف الشين.\nالْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا مسرعين. ذلِكَ حَشْرٌ بعث وجمع. عَلَيْنا يَسِيرٌ هين، وتقديم الظرف للاختصاص فإن ذلك لا يتيسر إلا على العالم القادر لذاته الذي لا يشغله شأن عن شأن، كما قال الله تعالى:\nمَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.\nنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ تسلية لرسول الله ﷺ وتهديد لهم. وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ بمسلط تقسرهم على الإِيمان، أو تفعل بهم ما تريد وإنما أنت داع. فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ فإنه لا ينتفع به غيره.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة «ق» هون الله عليه تارات الموت وسكراته» .\nوالله أعلم.","vol":"5","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2840>(٥١) سورة والذاريات</span>\nمكية وآيها ستون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2841>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالذَّارِياتِ ذَرْوًا (١) فَالْحامِلاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجارِياتِ يُسْرًا (٣)\nوَالذَّارِياتِ ذَرْوًا يعني الرياح تذرو التراب وغيره، أو النساء الولود فإنهن يذرين الأولاد، أو الأسباب التي تذري الخلائق من الملائكة وغيرهم. وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الذال.\nفَالْحامِلاتِ وِقْرًا فالسحب الحاملة للأمطار، أو الرياح الحاملة للسحاب، أو النساء الحوامل، أو أسباب ذلك. وقرئ «وِقْرًا» على تسمية المحمول بالمصدر.\nفَالْجارِياتِ يُسْرًا فالسفن الجارية في البحر سهلًا، أو الرياح الجارية في مهابها، أو الكواكب التي تجري في منازلها. ويُسْرًا صفة مصدر محذوف أي جريا ذا يسر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2842>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nفَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦)\nفَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو ما يعمهم وغيرهم من أسباب القسمة، أو الرياح يقسمن الأمطار بتصريف السحاب، فإن حملت على ذوات مختلفة فالفاء لترتيب الأقسام بها باعتبار ما بينها من التفاوت في الدلالة على كمال القدرة، وإلا فالفاء لترتيب الأفعال إذ الريح مثلًا تذرو الأبخرة إلى الجو حتى تنعقد سحابًا، فتحمله فتجري به باسطة له إلى حيث أمرت به فتقسم المطر.\nإِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ.\nوَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ جواب القسم كأنه استدل باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة لمقتضى الطبيعة على اقتداره على البعث للجزاء الموعود، وما موصولة أو مصدرية والدِّينَ الجزاء والواقع الحاصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2843>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nوَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)\nوَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ذات الطرائق، والمراد إما الطرائق المحسوسة التي هي مسير الكواكب أو المعقولة التي يسلكها النظار وتتوصل بها إلى المعارف، أو النجوم فإن لها طرائق أو أنها تزينها كما يزين الموشي طرائق الوشي. جمع حبيكة كطريقة وطرق أو حباك كمثال ومثل. وقرئ «الحبك» بالسكون و«الحبك» كالإِبل و«الحبك» كالسلك و«الحبك» كالجبل و«الحبك» كالنعم و«الحبك» كالبرق.\nإِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ في الرسول ﷺ وهو قولهم تارة أنه شاعِرٌ وتارة أنه ساحِرٍ وتارة أنه مَجْنُونٍ، أو في القرآن أو القيامة أو أمر الديانة، ولعل النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها بطرائق السموات في تباعدها واختلاف غاياتها.\nيُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ يصرف عنه والضمير للرسول أو القرآن أو الإيمان، من صرف إذ لا صرف أشد","vol":"5","page":146},{"text":"منه فكأنه لا صرف بالنسبة إليه، أو يصرف من صرف في علم الله وقضائه ويجوز أن يكون الضمير لل قَوْلٍ على معنى يصدر أُفِكَ من أفك عن القول المختلف وبسببه كقوله: ينهون عن أكل وعن شرب. أي يصدر تناهيهم عنهما وبسببهما وقرئ «أُفِكَ» بالفتح أي من أفك الناس وهم قريش كانوا يصدون الناس عن الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2844>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٠ الى ١٤]</span>\nقُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)\nقُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الكذابون من أصحاب القول المختلف، وأصله الدعاء بالقتل أجري مجرى اللعن.\nالَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ في جهل يغمرهم. ساهُونَ غافلون عما أمروا به.\nيَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ أي فيقولون متى يوم الجزاء أي وقوعه، وقرئ «إيَّانَ» بالكسر.\nيَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ يحرقون جواب للسؤال أي يقع يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ، أو هو يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ، وفتح يَوْمَ لإِضافته إلى غير متمكن ويدل عليه أنه قرئ بالرفع.\nذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ أي مقولًا لهم هذا القول. هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ هذا العذاب هو الذى كنتم به تستعجلون، ويجوز أن يكون هذا بدلا من فِتْنَتَكُمْ والَّذِي صفته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2845>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١٥ الى ١٩]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ قابلين لما أعطاهم راضين به، ومعناه أن كل ما آتاهم حسن مرضي متلقى بالقبول. إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ قد أحسنوا أعمالهم وهو تعليل لاستحقاقهم ذلك.\nكانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ تفسير لإِحسانهم وما مزيدة أي يهجعون في طائفة من الليل، أو يَهْجَعُونَ هجوعًا قليلًا أو مصدرية أو موصولة أي في قليل من الليل هجوعهم، أو ما يهجعون فيه ولا يجوز أن تكون نافية لأن مَا بعدها لا يعمل فيما قبلها. وفيه مبالغات لتقليل نومهم واستراحتهم ذكر القليل واللَّيْلِ الذي هو وقت السبات، والهجوع الذي هو الفرار من النوم وزيادة مَا.\nوَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي أنهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم، وفي بناء الفعل على الضمير إشعارًا بأنهم أحقاء بذلك لوفور علمهم بالله وخشيتهم منه.\nوَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ نصيب يستوجبونه على أنفسهم تقربًا إلى الله وإشفاقًا على الناس. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ للمستجدي والمتعفف الذي يظن غنيًا فيحرم الصدقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2846>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nوَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١)\nوَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ أي فيها دلائل من أنواع المعادن والحيوانات، أو وجوه دلالات من الدحو والسكون وارتفاع بعضها عن الماء واختلاف أجزائها في الكيفيات والخواص والمنافع، تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته وإرادته ووحدته وفرط رحمته.\nوَفِي أَنْفُسِكُمْ أي وفي أنفسكم آيات إذ ما في العالم شيء إلا وفي الإِنسان له نظير يدل دلالته مع ما انفرد به من الهيئات النافعة والمناظر البهية والتركيبات العجيبة، والتمكن من الأفعال الغريبة واستنباط الصنائع","vol":"5","page":147},{"text":"المختلفة واستجماع الكمالات المتنوعة. أَفَلا تُبْصِرُونَ تنظرون نظر من يعتبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2847>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nوَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)\nوَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ أسباب رزقكم أو تقديره. وقيل المراد ب السَّماءِ السحاب وبالرزق المطر فإنه سبب الأقوات. وَما تُوعَدُونَ من الثواب لأن الجنة فوق السماء السابعة، أو لأن الأعمال وثوابها مكتوبة مقدرة في السماء. وقيل إنه مستأنف خبره:\nفَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ وعلى هذا فالضمير ل مَا وعلى الأول يحتمل أن يكون له ولما ذكر من أمر الآيات والرزق والوعد. مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ أي مثل نطقكم كما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون ينبغي أن لا تشكوا في تحقق ذلك، ونصبه على الحال من المستكن في لَحَقٌّ أو الوصف لمصدر محذوف أي أنه لحق حقًا مثل نطقكم. وقيل إنه مبني على الفتح لإِضافته إلى غير متمكن وهو ما إن كانت بمعنى شيء، وإن بما في حيزها إن جعلت زائدة ومحله الرفع على أنه صفة لَحَقٌّ، ويؤيده قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر بالرفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2848>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ فيه تفخيم لشأن الحديث وتنبيه على أنه أوحي إليه، والضيف في الأصل مصدر ولذلك يطلق على الواحد والمتعدد. قيل كانوا إثني عشر ملكًا. وقيل ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل، وسماهم ضيفًا لأنهم كانوا في صورة الضيف. الْمُكْرَمِينَ أي مكرمين عند الله أو عند إبراهيم إذ خدمهم بنفسه وزوجته.\nإِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ ظرف لل حَدِيثُ أو ال ضَيْفِ أو الْمُكْرَمِينَ. فَقالُوا سَلامًا أي نسلم عليك سلامًا. قالَ سَلامٌ أي عليكم سلام عدل به إلى الرفع بالابتداء لقصد الثبات حتى تكون تحيته أحسن من تحيتهم، وقرئا مرفوعين وقرأ حمزة والكسائي «قَالَ سلم» وقرئ منصوبًا والمعنى واحد. قَوْمٌ مُنْكَرُونَ أي أنتم قوم منكرون، وإنما أنكرهم لأنه ظن أنهم بنو آدم ولم يعرفهم، أو لأن السلام لم يكن تحيتهم فإنه علم الإِسلام وهو كالتعرف عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2849>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nفَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)\nفَراغَ إِلى أَهْلِهِ فذهب إليهم في خفية من ضيفه فإن من أدب المضيف أن يبادر بالقرى حذرًا من أن يكفه الضيف أو يصير منتظرًا. فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ لأنه كان عامة ماله البقر.\nفَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ بأن وضعه بين أيديهم. قالَ أَلا تَأْكُلُونَ أي منه، وهو مشعر بكونه حنيذا، والهمزة فيه للعرض والحث على الأكل على طريقة الأدب أن قاله أول ما وضعه، وللإِنكار إن قاله حينما رأى إعراضهم.\nفَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً فأضمر منهم خوفًا لما رأى إعراضهم عن طعامه لظنه أنهم جاءوه لشر. وقيل وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب. قالُوا لاَ تَخَفْ إنا رسل الله. قيل مسح جبريل العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه فعرفهم وأمن منهم. وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ هو اسحق ﵇. عَلِيمٍ يكمل علمه إذ بلغ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2850>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nفَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)","vol":"5","page":148},{"text":"فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ سارة إلى بيتها وكانت في زاوية تنظر إليهم. فِي صَرَّةٍ في صيحة من الصرير، ومحله النصب على الحال أو المفعول إن أول فأقبلت بأخذت. فَصَكَّتْ وَجْهَها فلطمت بأطراف الأصابع جبهتها فعل المتعجب. وقيل وجدت حرارة دم الحيض فلطمت وجهها من الحياء. وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ أي أنا عجوز عاقر فكيف ألد.\nقالُوا كَذلِكَ مثل ذلك الذي بشرنا به. قالَ رَبُّكِ وإنما نخبرك به عنه. إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ فيكون قوله حقًا وفعله محكما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2851>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣١ الى ٣٤]</span>\nقالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)\nقالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ لما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون مجتمعين إلا لأمر عظيم سأل عنه.\nقالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ يعنون قوم لوط.\nلِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ يريد السجيل فإنه طين متحجر.\nمُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ مرسلة من أسمت الماشية، أو معلمة من السومة وهي العلامة. لِلْمُسْرِفِينَ المجاوزين الحد في الفجور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2852>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٥ الى ٣٧]</span>\nفَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧)\nفَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها في قرى قوم لوط وإضمارها ولم يجر ذكرها لكونها معلومة. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ممن آمنَ بلوط.\nفَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غير أهل بيت من المسلمين، واستدل به على اتحاد الإِيمان والإِسلام وهو ضعيف لأن ذلك لا يقتضي إلا من صدق المؤمن والمسلم على من اتبعه، وذلك لا يقتضي اتحاد مفهوميهما لجواز صدق المفهومات المختلفة على ذات واحدة.\nوَتَرَكْنا فِيها آيَةً علامة. لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ فإنهم المعتبرون بها وهي تلك الأحجار، أو صخر منضود فيها أو ماء أسود منتن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2853>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nوَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)\nوَفِي مُوسى عطف على وَفِى الأرض، أو تَرَكْنا فِيها على معنى وجعلنا في موسى كقوله:\nعلفتها تبنًا وماء باردًا. إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ هو معجزاته كالعصا واليد.\nفَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ فأعرض عن الإِيمان به كقوله وَنَأى بِجانِبِهِ أو فتولى بما كان يتقوى به من جنوده، وهو اسم لما يركن إليه الشيء ويتقوى به. وقرئ بضم الكاف. وَقالَ ساحِرٌ أي هو ساحر. أَوْ مَجْنُونٌ كأنه جعل ما ظهر عليه من الخوارق منسوبًا إلى الجن، وتردد في أنه حصل ذلك باختياره وسعيه أو بغيرهما.","vol":"5","page":149},{"text":"أَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ\nفأغرقناهم في البحر. هُوَ مُلِيمٌ\nآت بما يلام عليه من الكفر والعناد، والجملة حال من الضمير في أَخَذْناهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2854>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤١ الى ٤٢]</span>\nوَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)\nوَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ سماها عقيمًا لأنها أهلكتهم وقطعت دابرهم، أو لأنها لم تتضمن منفعة، وهي الدبور أو الجنوب أو النكباء.\nمَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ مرت. عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ كالرماد من الرم وهو البلى والتفتت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2855>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٣ الى ٤٥]</span>\nوَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)\nوَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ تفسيره قوله: تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ.\nفَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فاستكبروا عن امتثاله. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي العذاب بعد الثلاث. وقرأ الكسائي «الصعقة» وهي المرة من الصعق. وَهُمْ يَنْظُرُونَ إليها فإنها جاءتهم معاينة بالنهار.\nفَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ كقوله: فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ. وقيل من قولهم ما يقوم به إذا عجز عن دفعه. وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ممتنعين منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2856>[سورة الذاريات (٥١): آية ٤٦]</span>\nوَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٤٦)\nوَقَوْمَ نُوحٍ أي وأهلكنا قوم نوح لأن ما قبله يدل عليه. أو أذكر ويجوز أن يكون عطفًا على محل فِي عادٍ، ويؤيده قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي بالجر. مِنْ قَبْلُ من قبل هؤلاء المذكورين. إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ خارجين عن الاستقامة بالكفر والعصيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2857>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٧ الى ٤٩]</span>\nوَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)\nوَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ بقوة. وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة والموسع القادر على الإنفاق. أو لَمُوسِعُونَ السماء أو ما بينها وبين الأرض أو الرزق.\nوَالْأَرْضَ فَرَشْناها مهدناها لتستقروا عليها. فَنِعْمَ الْماهِدُونَ أي نحن.\nوَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ من الأجناس. خَلَقْنا زَوْجَيْنِ نوعين لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فتعلمون أن التعدد من خواص الممكنات وأن الواجب بالذات لا يقبل التعدد والانقسام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2858>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٠ الى ٥١]</span>\nفَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)\nفَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ من عقابه بالإِيمان والتوحيد وملازمة الطاعة. إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ أي من عذابه المعد لمن أشرك أو عصى. نَذِيرٌ مُبِينٌ بين كونه منذرًا من الله بالمعجزات، أو مُبِينٌ ما يجب أن يحذر عنه.\nوَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إفراد لأعظم ما يجب أن يفر منه. إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ تكرير للتأكيد، أو الأول مرتب على ترك الإِيمان والطاعة والثاني على الإِشراك.","vol":"5","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2859>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٢ الى ٥٥]</span>\nكَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)\nكَذلِكَ أي الأمر مثل ذلك، والإِشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميتهم إياه ساحرًا أو مجنونًا وقوله:\nمَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ كالتفسير له، ولا يجوز نصبه ب أَتَى أو ما يفسره لأن ما بعد مَا النافية لا يعمل فيما قبلها.\nأَتَواصَوْا بِهِ أي كأن الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضًا بهذا القول حتى قالوه جميعًا. بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ إضراب عن أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه.\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ فاعرض عن مجادلتهم بعد ما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإِصرار والعناد. فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ على الإِعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ.\nوَذَكِّرْ ولا تدع التذكير والموعظة. فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ من قدر الله إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بها بصيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2860>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٦ الى ٥٨]</span>\nوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)\nوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ لما خلقهم على صورة متوجهة إلى العبادة مغلبة لها، جعل خلقهم مغيا بها مبالغة في ذلك، ولو حمل على ظاهره مع أن الدليل يمنعه لنا في ظاهر قوله: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقيل معناه إلا لأمرهم بالعبادة أو ليكونوا عبادًا لي.\nمَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ أي ما أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي فاشتغلوا بما أنتم كالمخلوقين له والمأمورين به، والمراد أن يبين أن شأنه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم، فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم، ويحتمل أن يقدر بقل فيكون بمعنى قوله: قُلْ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا.\nإِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ الذي يرزق كل ما يفتقر إلى الرزق، وفيه إيماء باستغنائه عنه، وقرئ «إني أنا الرزاق» ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ شديد القوة، وقرئ «المتين» بالجر صفة ل الْقُوَّةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2861>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٥٩ الى ٦٠]</span>\nفَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)\nفَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا أي للذين ظلموا رسول الله ﷺ بالتكذيب نصيبًا من العذاب. مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ مثل نصيب نظرائهم من الأمم السالفة، وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالدلاء، فإن الذنوب هو الدلو العظيم المملوء. فَلا يَسْتَعْجِلُونِ جواب لقولهم: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.\nفَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ من يوم القيامة أو يوم بدر.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة والذاريات أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا» .","vol":"5","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2862>(٥٢) سورة والطور</span>\nمكية وآيها تسع أو ثمان وأربعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2863>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)\nوَالطُّورِ يريد طور سينين، وهو جبل بمدين سمع فيه موسى ﵇ كلام الله تعالى، وَالطُّورِ الجبل بالسريانية أو ما طار من أوج الإِيجاد إلى حضيض المواد، أو من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.\nوَكِتابٍ مَسْطُورٍ مكتوب، والسطر ترتيب الحروف المكتوبة. والمراد به القرآن أو ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، أو ألواح موسى ﵇، أو في قلوب أوليائه من المعارف والحكم أو ما تكتبه الحفظة.\nفِي رَقٍّ مَنْشُورٍ الرق الجلد الذي يكتب فيه استعير لما كتب فيه الكتاب، وتنكيرهما للتعظيم والإِشعار بأنهما ليسا من المتعارف فيما بين الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2864>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nوَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)\nوَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ يعني الكعبة وعمارتها بالحجاج والمجاورين، أو الضراح وهو في السماء الرابعة وعمرانه كثرة غاشيته من الملائكة، أو قلب المؤمن وعمارته بالمعرفة والإخلاص.\nوَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ يعني السماء.\nوَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ أي المملوء وهو المحيط، أو الموقد من قوله: وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ\nروي أنه تعالى يجعل يوم القيامة البحار نارًا يسجر بها نار جهنم، أو المختلط من السجير وهو الخليط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2865>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٧ الى ١٠]</span>\nإِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) مَّا لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا (١٠)\nإِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ لنازل.\nمَّا لَهُ مِنْ دافِعٍ يدفعه، ووجه دلالة هذه الأمور المقسم بها على ذلك أنها أمور تدل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته وصدق أخباره وضبطه أعمال العباد للمجازاة.\nيَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا تضطرب، والمور تردد في المجيء والذهاب، وقيل تحرك في تموج ويَوْمَ ظرف.\nوَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا أي تسير عن وجه الأرض فتصير هباء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2866>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١١ الى ١٤]</span>\nفَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤)","vol":"5","page":152},{"text":"فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أي إذا وقع ذلك فويل لهم.\nالَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ أي في الخوض في الباطل.\nيَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا يدفعون إليها دفعًا بعنف، وذلك بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم فيدفعون إلى النار. وقرئ «يَدَّعُونَ» من الدعاء فيكون دعا حالًا بمعنى مدعوين، ويَوْمَ بدل من يَوْمَ تَمُورُ أو ظرف لقول مقدر محكية.\nهذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أي يقال لهم ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2867>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nأَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)\nأَفَسِحْرٌ هذا أي كنتم تقولون للوحي هذا سحر أفهذا المصداق أيضًا سحر، وتقديم الخبر لأنه المقصود بالإِنكار والتوبيخ. أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ هذا أيضًا كما كنتم لا تبصرون في الدنيا، ما يدل عليه وهو تقريع وتهكم أو: أم سدت أبصاركم كما سدت في الدنيا على زعمكم حين قلتم إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا.\nاصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا أي ادخلوها على أي وجه شئتم من الصبر وعدمه فإنه لا محيص لكم عنها. سَواءٌ عَلَيْكُمْ أي الأمران الصبر وعدمه. إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تعليل للاستواء فإنه لما كان الجزاء واجب الوقوع كان الصبر وعدمه سيين في عدم النفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2868>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١٧ الى ٢٠]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ في أية جنات وأي نعيم، أو في جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ مخصوصة بهم.\nفاكِهِينَ ناعمين متلذذين. بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وقرئ «فكهين» و«فاكهون» على أنه الخبر والظرف لغو. وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ عطف على آتاهُمْ إن جعل مَا مصدرية، أو فِي جَنَّاتٍ أو حال بإضمار قد من المستكن في الظرف أو الحال، أو من فاعل آتي أو مفعوله أو منهما.\nكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا أي أكلا وشرابا هَنِيئًا، أو طعامًا وشرابًا هَنِيئًا وهو الذي لا تنغيص فيه.\nبِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بسببه أو بدله، وقيل الباء زائدة و«ما» فاعل هَنِيئًا، والمعنى هنأكم مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي جزاؤه.\nمُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ مصطفة وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ الباء لما في التزويج من معنى الوصل والإِلصاق، أو للسببية إذ المعنى صيرناهم أزواجًا بسببهن، أو لما في التزويج من معنى الإلصاق والقرن ولذلك عطف:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2869>[سورة الطور (٥٢): آية ٢١]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)\nوَالَّذِينَ آمَنُوا على حور أي قرناهم بأزواج حور ورفقاء مؤمنين. وقيل إنه مبتدأ خبره أَلْحَقْنا بِهِمْ وقوله: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ اعتراض للتعليل، وقرأ ابن عامر ويعقوب «ذرياتهم» بالجمع وضم التاء","vol":"5","page":153},{"text":"للمبالغة في كثرتهم والتصريح، فإن الذرية تقع على الواحد والكثير، وقرأ أبو عمرو و«أتبعناهم ذرياتهم» أي جعلناهم تابعين لهم في الإِيمان. وقيل بِإِيمانٍ حال من الضمير أو الذرية أو منهما وتنكيره للتعظيم، أو الإِشعار بأنه يكفي للإِلحاق المتابعة في أصل الإِيمان. أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ في دخول الجنة أو الدرجة. لما\nروي أنه ﵊ قال «إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية»\nوقرأ نافع وابن عامر والبصريان ذرياتهم. وَما أَلَتْناهُمْ وما نقصناهم. مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ بهذا الإِلحاق فإنه كان يحتمل أن يكون بنقص مرتبة الآباء أو بإعطاء الأبناء بعض مثوباتهم، ويحتمل أن يكون بالتفضل عليهم وهو اللائق بكمال لطفه. وقرأ ابن كثير بكسر اللام من ألت يألت، وعنه «لتناهم» من لات يليت و«آلتناهم» من آلت يولت، و«ولتناهم» من ولت يلت ومعنى الكل واحد. كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ بعمله مرهون عند الله تعالى فإن عمل صالحًا فكه وإلا أهلكه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2870>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٢ الى ٢٤]</span>\nوَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لاَّ لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)\nوَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ أي وزدناهم وقتًا بعد وقت ما يشتهون من أنواع التنعم.\nيَتَنازَعُونَ فِيها يتعاطون هم وجلساؤهم بتجاذب. كَأْسًا خمرًا سماها باسم محلها ولذلك أنث الضمير في قوله: لاَّ لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ أي لا يتكلمون بلغو الحديث في أثناء شربها، ولا يفعلوا ما يؤثم به فاعله كما هو عادة الشاربين في الدنيا، وذلك مثل قوله تعالى: لاَ فِيها غَوْلٌ وقرأهما ابن كثير والبصريان بالفتح.\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ أي بالكأس. غِلْمانٌ لَهُمْ أي مماليك مخصوصون بهم. وقيل هم أولادهم الذين سبقوهم. كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ مصون في الصدف من بياضهم وصفائهم.\nوعنه ﷺ «والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2871>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٥ الى ٢٨]</span>\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يسأل بعضهم بعضًا عن أحواله وأعماله.\nقالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ خائفين من عصيان الله معتنين بطاعته، أو وجلين من العاقبة.\nفَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالرحمة والتوفيق. وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم، وقرئ «ووقانا» بالتشديد.\nإِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ من قبل ذلك في الدنيا. نَدْعُوهُ نعبده أو نسأله الوقاية. إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ المحسن، وقرأ نافع والكسائي إِنَّهُ بالفتح. الرَّحِيمُ الكثير الرحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2872>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٩ الى ٣٢]</span>\nفَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢)\nفَذَكِّرْ فاثبت على التذكير ولا تكترث بقولهم. فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بحمد الله وإنعامه. بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ، كما يقولون.\nأَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ما يقلق النفوس من حوادث الدهر، وقيل الْمَنُونِ الموت","vol":"5","page":154},{"text":"فعول من منه إذا قطعه.\nقُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي.\nأَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ عقولهم. بِهذا بهذا التناقض في القول فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى عقله والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق مخيل، ولا يتأتى ذلك من المجنون وأمر الأحلام به مجاز عن أدائها إليه. أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ مجاوزون الحد في العناد وقرئ «بل هم» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2873>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٣ الى ٣٦]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦)\nأَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ اختلقه من تلقاء نفسه. بَلْ لاَّ يُؤْمِنُونَ فيرمونه بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم.\nفَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ مثل القرآن. إِنْ كانُوا صادِقِينَ في زعمهم إذ فيهم كثير ممن عدوا فضحاء فهو رد للأقوال المذكورة بالتحدي، ويجوز أن يكون ردا للتقول فإن سائر الأقسام ظاهر الفساد.\nأَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أم أحدثوا وقدروا من غير محدث ومقدر فلذلك لا يعبدونه، أو من أجل لا شيء من عبادة ومجازاة. أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ يؤيد الأول فإن معناه أم خلقوا أنفسهم ولذاك عقبه بقوله:\nأَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وأَمْ في هذه الآيات منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإِنكار. بَلْ لاَّ يُوقِنُونَ إذا سئلوا من خلقكم ومن خلق السموات والأرض قالوا الله إذ لو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2874>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٧ الى ٣٨]</span>\nأَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨)\nأَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ خزائن رزقه حتى يرزقوا النبوة من شاؤوا، أو خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختارته حكمته. أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ الغالبون على الأشياء يدبرونها كيف شاؤوا. وقرأ قنبل وحفص بخلاف عنه وهشام بالسين وحمزة بخلاف عن خلاد بين الصاد والزاي، والباقون بالصاد خاصة.\nأَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ مرتقى إلى السماء. يَسْتَمِعُونَ فِيهِ صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحي إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن. فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ بحجة واضحة تصدق استماعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2875>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٣٩ الى ٤٣]</span>\nأَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)\nأَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ فيه تسفيه لهم وإشعار بأن من هذا رأيه لا يعد من العقلاء فضلًا أن يترقى بروحه إلى عالم الملكوت فيتطلع على الغيوب.\nأَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا على تبليغ الرسالة. فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ من التزام غرم. مُثْقَلُونَ محملون الثقل فلذلك زهدوا في اتباعك.\nأَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ اللوح المحفوظ المثبت فيه المغيبات. فَهُمْ يَكْتُبُونَ منه.\nأَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا وهو كيدهم في دار الندوة برسول الله ﷺ. فَالَّذِينَ كَفَرُوا يحتمل العموم والخصوص فيكون وضعه موضع الضمير للتسجيل على كفرهم، والدلالة على أنه الموجب للحكم المذكور.","vol":"5","page":155},{"text":"هُمُ الْمَكِيدُونَ هم الذين يحيق بهم الكيد أو يعود عليهم وبال كيدهم، وهو قتلهم يوم بدر أو المغلوبون في الكيد من كايدته فكدته.\nأَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يعينهم ويحرسهم من عذابه. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ عن إشراكهم أو شركة ما يشركونه به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2876>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤٤ الى ٤٧]</span>\nوَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٤٧)\nوَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا قطعة. مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا من فرط طغيانهم وعنادهم. سَحابٌ مَرْكُومٌ هذا سحاب تراكم بعضه على بعض، وهو جواب قولهم فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ.\nفَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ وهو عند النفخة الأولى، وقرئ. «يلقوا» وقرأ ابن عامر وعاصم يُصْعَقُونَ على المبني للمفعول من صعقه أو أصعقه.\nيَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا أي شيئًا من الإِغناء في رد العذاب. وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يمنعون من عذاب الله.\nوَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يحتمل العموم والخصوص. عَذابًا دُونَ ذلِكَ أي دون عذاب الآخرة وهو عذاب القبر أو المؤاخذة في الدنيا كقتلهم ببدر والقحط سبع سنين. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2877>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)\nوَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ بإمهالهم وإبقائك في عنائهم. فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا في حفظنا بحيث نراك ونكلؤك وجمع العين لجمع الضمير والمبالغة بكثرة أسباب الحفظ. وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ من أي مكان قمت أو من منامك أو إلى الصلاة.\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ فإن العبادة فيه أشق على النفس وأبعد من الرياء، ولذلك أفرده بالذكر وقدمه على الفعل وَإِدْبارَ النُّجُومِ وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل، وقرئ بالفتح أي في أعقابها إذا غربت أو خفيت.\nعن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة والطور كان حقًا على الله أن يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته» .","vol":"5","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2878>(٥٣) سورة والنجم</span>\nمكية وآيها إحدى أو اثنتان وستون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2879>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)\nوَالنَّجْمِ إِذا هَوى أقسم بجنس النجوم أو الثريا فإنه غلب فيها إذا غرب أو انتثر يوم القيامة أو انقض أو طلع فإنه يقال. هوى هويًا بالفتح إذا سقط وغرب، وهويا بالضم إذا علا وصعد، أو بالنجم من نجوم القرآن إذا نزل أو النبات إذا سقط على الأرض، أو إذا نما وارتفع على قوله.\nمَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ ما عدل محمد ﷺ عن الطريق المستقيم، والخطاب لقريش. وَما غَوى وما اعتقد باطلًا والخطاب لقريش، والمراد نفي ما ينسبون إليه.\nوَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى وما يصدر نطقه بالقرآن عَنِ الهوى.\nإِنْ هُوَ ما القرآن أو الذي ينطق به. إِلَّا وَحْيٌ يُوحى أي إلا وحي يوحيه الله إليه، واحتج به من لم ير الاجتهاد له. وأجيب عنه بأنه إذا أوحي إليه بأن يجتهد كان اجتهاده وما يستند إليه وحيًا، وفيه نظر لأن ذلك حينئذ يكون بالوحي لا الوحي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2880>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nعَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧)\nعَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ملك شديد قواه وهو جبريل ﵇ فإن الواسطة في إبداء الخوارق،\nروي أنه قلع قرى قوم لوط ورفها إلى السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين.\nذُو مِرَّةٍ حصافة في عقله ورأيه. فَاسْتَوى فاستقام على صورته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها. قيل ما رآه أحد من الأنبياء في صورته غير محمد ﵊ مرتين، مرة في السماء ومرة في الأرض، وقيل استوى بقوته على ما جعل له من الأمر.\nوَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى في أفق السماء والضمير لجبريل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2881>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠)\nثُمَّ دَنا من النبي ﵊. فَتَدَلَّى فتعلق به وهو تمثيل لعروجه بالرسول. وقيل ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا من الرسول فيكون إشعارًا بأنه عرج به غير منفصل عن محله تقريرًا لشدة قوته، فإن التدلي استرسال مع تعلق كتدلي الثمرة، ويقال دلى رجليه من السرير وأدلى دلوه، والدوالي الثمر المعلق.\nفَكانَ جبريل ﵇ كقولك: هو مني معقد الإزار، أو المسافة بينهما. قابَ قَوْسَيْنِ مقدارهما. أَوْ أَدْنى على تقديركم كقوله أو يزيدون، والمقصود تمثيل ملكة الاتصال وتحقيق استماعه لما","vol":"5","page":157},{"text":"أوحي إليه بنفي البعد الملبس.\nفَأَوْحى\nجبريل ﵇. إِلى عَبْدِهِ\nعبد الله واضماره قبل الذكر لكونه معلومًا كقوله: عَلى ظَهْرِها مَا أَوْحى\nجبريل ﵇ وفيه تفخيم للموحى به أو الله إليه، وقيل الضمائر كلها لله تعالى وهو المعني بشديد القوى كما في قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ودنوه منه برفع مكانته وتدليه جذبه بشَرَاشِرِهِ إلى جناب القدس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2882>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nمَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى (١٢)\nمَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى ما رأى ببصره من صورة جبريل ﵇ أو الله تعالى، أي ما كذب بصره بما حكاه له فإن الأمور القدسية تدرك أولًا بالقلب ثم تنتقل منه إلى البصر، أو ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ولو قال ذلك كان كاذبًا لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره، أو ما رآه بقلبه والمعنى أنه لم يكن تخيلًا كاذبًا. ويدل عليه\n«أنه ﵊ سئل هل رأيت ربك؟ فقال رأيته بفؤادي» .\nوقرأ هشام ما كذب أي صدقه ولم يشك فيه.\nأَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى أفتجادلونه عليه، من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مرى الناقة كأن كلا من المتجادلين يمري ما عند صاحبه. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب «أفتمرونه» أي أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته، أو أفتجحدونه من مراه حقه إذا جحده وعلى لتضمين الفعل معنى الغلبة فإن المماري والجاحد يقصدان بفعلهما غلبة الخصم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2883>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٣ الى ١٦]</span>\nوَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى (١٦)\nوَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى مرة أخرى فعلة من النزول أقيمت مقام المرة ونصبت نصبها إشعارًا بأن الرؤية في هذه المرة كانت أيضًا بنزول ودنو والكلام في المرئي والدنو ما سبق. وقيل تقديره ولقد رآه نازلًا نزلة أخرى، ونصبها على المصدر والمراد به نفي الريبة عن المرة الأخيرة.\nعِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى التي ينتهي إليها أعمال الخلائق وعلمهم، أو ما ينزل من فوقها ويصعد من تحتها، ولعلها شبهت بالسدرة وهي شجرة النبق لأنهم يجتمعون في ظلها. وروي مرفوعًا أنها في السماء السابعة.\nعِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى الجنة التي يأوي إليها المتقون أو أرواح الشهداء.\nإِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى تعظيم وتكثير لما يغشاها بحيث لا يكتنهها نعت ولا يحصبها عد، وقيل يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله عندها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2884>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)\nمَا زاغَ الْبَصَرُ ما مال بصر رسول الله ﷺ عما رآه. وَما طَغى وما تجاوزه بل أثبته إثباتًا صحيحًا مستيقنًا، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها وما جاوزها.\nلَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى أي والله لقد رأى الكبرى من آياته وعجائبه الملكية والملكوتية ليلة المعراج وقد قيل إنها المعنية بما رَأى. ويجوز أن تكون الْكُبْرى صفة لل آياتِ على أن المفعول محذوف أي شيئًا من آيات ربه أو مِنْ مزيدة.","vol":"5","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2885>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٩ الى ٢٢]</span>\nأَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢)\nأَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى هي أصنام كانت لهم، فاللات كانت لثقيف بالطائف أو لقريش بنخلة وهي فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليها أي يطوفون. وقرأ هبة الله عن البزي ورويس عن يعقوب اللَّاتَ بالتشديد على أنه سمي به لأنه صورة رجل كان يلت السويق بالسمن ويطعم الحاج.\nوَالْعُزَّى بالتشديد سمرة لغطفان كانوا يعبدونها فبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها، وأصلها تأنيث الأعز وَمَناةَ صخرة كانت لهذيل وخزاعة أو لثقيف وهي فعلة من مناه إذا قطعه فإنهم كانوا يذبحون عندها القرابين ومنه منى. وقرأ ابن كثير مناءة وهي مفعلة من النوء فإنهم كانوا يستمطرون الأنواء عندها تبركًا بها، وقوله الثَّالِثَةَ الْأُخْرى صفتان للتأكيد كقوله: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ أو الْأُخْرى من التأخر في الرتبة.\nأَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى إنكار لقولهم الملائكة بنات الله، وهذه الأصنام استوطنها جنيات هن بناته، أو هياكل الملائكة وهو المفعول الثاني لقوله أَفَرَأَيْتُمُ.\nتِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى جائرة حيث جعلتم له ما تستنكفون منه وهي فعلى من الضيز وهو الجور، لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء كما فعل في بيض فإن فعلى بالكسر لم تأت وصفًا. وقرأ ابن كثير بالهمزة من ضأزه إذا ظلمه على أنه مصدر نعت به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2886>[سورة النجم (٥٣): آية ٢٣]</span>\nإِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَّآ أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)\nإِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ الضمير للأصنام أي ما هي باعتبار الألوهية إلا أسماء تطلقونها عليها لأنهم يقولون أنها آلهة وليس فيها شيء من معنى الألوهية، أو للصفة التي تصفونها بها من كونها آلهة وبنات وشفعاء، أو للأسماء المذكورة فإنهم كانوا يطلقون اللات عليها باعتبار استحقاقها للعكوف على عبادتها، والعزى لعزتها ومناة لاعتقادهم أنها تستحق أن يتقرب إليها بالقرابين. سَمَّيْتُمُوها سميتم بها.\nأَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ بهواكم. مَّآ أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ برهان تتعلقون به. إِنْ يَتَّبِعُونَ وقرئ بالتاء.\nإِلَّا الظَّنَّ إلا توهم أن ما هم عليه حق تقليدًا وتوهمًا باطلًا. وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وما تشتهيه أنفسهم.\nوَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى الرسول أو الكتاب فتركوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2887>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٤ الى ٢٦]</span>\nأَمْ لِلْإِنْسانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦)\nأَمْ لِلْإِنْسانِ مَا تَمَنَّى أَمْ منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإِنكار، والمعنى ليس له كل ما يتمناه والمراد نفي طمعهم في شفاعة الآلهة وقولهم: لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى وقولهم: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ونحوهما.\nفَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى يعطي منهما ما يشاء لمن يريد وليس لأحد أن يتحكم عليه في شيء منهما.\nوَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وكثير من الملائكة لا تغني شفاعتهم شيئًا ولا تنفع.","vol":"5","page":159},{"text":"إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ في الشفاعة. لِمَنْ يَشاءُ من الملائكة أن يشفع أو من الناس أن يشفع له.\nوَيَرْضى ويراه أهلًا لذلك فكيف تشفع الأصنام لعبدتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2888>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)\nإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ أي كل واحد منهم. تَسْمِيَةَ الْأُنْثى بأن يسموه بنتًا.\nوَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ أي بما يقولون، وقرئ بها أي بالملائكة أو بالتسمية. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا فإن الحق الذي هو حقيقة الشيء لا يدرك إلا بالعلم، والظن لا اعتبار له في المعارف الحقيقية، وإنما العبرة به في العمليات وما يكون وصلة إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2889>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nفَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠)\nفَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا فأعرض عن دعوته والاهتمام بشأنه فإن من غفل عن الله وأعرض عن ذكره. وانهمك في الدنيا بحيث كانت منتهى همته ومبلغ علمه لا تزيده الدعوة إلا عنادًا وإصرارًا على الباطل.\nذلِكَ أي أمر الدنيا أو كونها شهية. مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ لا يتجاوزه علمهم والجملة اعتراض مقرر لقصور هممهم بالدنيا وقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى تعليل للأمر بالإِعراض أي إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب فلا تتعب نفسك في دعوتهم إذ ما عليك إلا البلاغ وقد بلغت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2890>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣١ الى ٣٢]</span>\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقًا وملكا. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا بعقاب ما عملوا من السوء أو بمثله أو بسبب ما عملوا من السوء، وهو علة لما دل عليه ما قبله أي خلق العالم وسواه للجزاء، أو ميز الضال عن المهتدي وحفظ أحوالهم لذلك وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، أو بأحسن من أعمالهم أو بسبب الأعمال الحسنى.\nالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ ما يكبر عقابه من الذنوب وهو ما رتب عليه الوعيد بخصوصه. وقيل ما أوجب الحد. وقرأ حمزة والكسائي وخلف كبير الإِثم على إرادة الجنس أو الشرك. وَالْفَواحِشَ وما فحش من الكبائر خصوصًا. إِلَّا اللَّمَمَ إلا ما قل وصغر فإنه مغفور من مجتنبي الكبائر، والاستثناء منقطع ومحل الَّذِينَ النصب على الصفة أو المدح أو الرفع على أنه خبر محذوف. إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، أو له أن يغفر ما شاء من الذنوب صغيرها وكبيرها، ولعله عقب به وعيد المسيئين ووعد المحسنين لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى. هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ أعلم بأحوالكم منكم. إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ علم أحوالكم ومصارف أموركم حين ابتدأ خلقكم من التراب بخلق آدم وحينما صوركم في الأرحام. فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ فلا تثنوا","vol":"5","page":160},{"text":"عليها بزكاء العمل وزيادة الخير، أو بالطهارة عن المعاصي والرذائل. هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى فإنه يعلم التقي وغيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب آدم ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2891>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nأَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥)\nأَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى عن اتباع الحق والثبات عليه.\nوَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى وقطع العطاء من قولهم أكدى الحافر إذا بلغ الكدية وهي الصخرة الصلبة فترك الحفر. والأكثر على أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يتبع رسول الله ﷺ فعيره بعض بعض المشركين وقال: تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال أخشى عذاب الله تعالى فضمن أن يتحمل عنه العقاب إن أعطاه بعض ماله فارتد وأعطى بعض المشروط ثم بخل بالباقي.\nأَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى يعلم أن صاحبه يتحمل عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2892>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nأَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨)\nأَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى وفى وأتم ما التزمه أو أمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله، وتخصيصه بذلك لاحتماله ما لم يحتمله غيره كالصبر على نار نمروذ حتى أتاه جبريل ﵇ حين ألقي في النار فقال ألك حاجة، فقال أما إليك فلا، وذبح الولد وأنه كان يمشي كل يوم فرسخًا يرتاد ضيفًا فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم، وتقديم موسى ﵊ لأن صحفه وهي التوراة كانت أشهر وأكبر عندهم.\nأَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أن هي المخففة من الثقيلة وهي بما بعدها في محل الجر بدلًا مما فِي صُحُفِ مُوسى، أو الرفع على هو أن أَلَّا تَزِرُ كأنه قيل ما في صحفهما؟ فأجاب به، والمعنى أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا يخالف ذلك قوله تعالى: كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا\nوقوله ﵊، «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»\nفإن ذلك للدلالة والتسبب الذي هو وزره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2893>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٩ الى ٤١]</span>\nوَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)\nوَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى إلا سعيه أي كما لا يؤاخذ أحد بذنب الغير لا يثاب بفعله، وما جاء\nفي الأخبار من أن الصدقة والحج ينفعان الميت\nفلكون الناوي له كالنائب عنه.\nوَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى أي يجزى العبد سعيه بالجزاء الأوفر فنصب بنزع الخافض، ويجوز أن يكون مصدرًا وأن تكون الهاء للجزاء المدلول عليه بيجزي والْجَزاءَ بدله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2894>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٢ الى ٤٤]</span>\nوَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤)\nوَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى انتهاء الخلائق ورجوعهم، وقرئ بالكسر على أنه منقطع عما في الصحف وكذلك ما بعده.\nوَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا لا يقدر على الإِماتة والإِحياء غيره فإن القاتل ينقض البنية والموت يحصل عنده بفعل الله تعالى على سبيل العادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2895>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٥ الى ٤٧]</span>\nوَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧)","vol":"5","page":161},{"text":"وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى تدفق في الرحم أو تخلق، أو يقدر منها الولد من منى إذا قدر.\nوَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى الإِحياء بعد الموت وفاء بوعده، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو النشاءة بالمدة وهو أيضًا مصدر نشأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2896>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٨ الى ٤٩]</span>\nوَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩)\nوَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى وأعطى القنية وهو ما يتأثل من الأموال، وإفرادها لأنها أشف الأموال أو أرضى وتحقيقه جعل الرضا له قنية.\nوَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى يعني العبور وهي أشد ضياء من الغميصاء، عبدها أبو كبشة أحد أجداد النبي ﷺ وخالف قريشًا في عبادة الأوثان، ولذلك كانوا يسمون الرسول ﷺ ابن أبي كبشة، ولعل تخصيصها للإشعار بأنه ﵊ وإن وافق أبا كبشة في مخالفتهم خالفه أيضًا في عبادتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2897>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٠ الى ٥٤]</span>\nوَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤)\nوَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولى القدماء لأنهم أولى الأمم هلاكًا بعد قوم نوح عليه والسلام. وقيل «عاد الأولى» قوم هود وعاد الأخرى إرم. وقرئ «عَادًا لولي» بحذف الهمزة ونقل ضمها إلى لام التعريف وقرأ نافع وأبو عمرو عاد الاولى بضم اللام بحركة الهمزة وبادغام التنوين، وقالون بعد ضمة اللام بهمزة ساكنة في موضع الواو.\nوَثَمُودَاْ عطف على عَادًا لأن ما بعده لا يعمل فيه، وقرأ عاصم وحمزة بغير تنوين ويقفان بغير الألف والباقون بالتنوين ويقفون بالألف. فَما أَبْقى الفريقين.\nوَقَوْمَ نُوحٍ أيضًا معطوف عليه. مِنْ قَبْلُ من قبل عاد وثمود. إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى من الفريقين لأنهم كانوا يؤذونه وينفرون عنه ويضربونه حتى لا يكون به حراك.\nوَالْمُؤْتَفِكَةَ والقرى التي ائتفكت بأهلها أي انقلبت وهي قرى قوم لوط. أَهْوى بعد أن رفعها فقلبها.\nفَغَشَّاها مَا غَشَّى فيه تهويل وتعميم لما أصابهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2898>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٥ الى ٥٦]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى تتشكك والخطاب للرسول ﷺ، أو لكل أحد والمعدودات وإن كانت نعمًا ونقمًا سماها آلاءِ من قبل ما في نقمه من العبر والمواعظ للمعتبرين، والانتقام للأنبياء والمؤمنين.\nهذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى أي هذا القرآن إنذار من جنس الإِنذارات المتقدمة، أو هذا الرسول نذير من جنس المنذرين الأولين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2899>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٧ الى ٥٨]</span>\nأَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨)\nأَزِفَتِ الْآزِفَةُ دنت الساعة الموصوفة بالدنو في نحو قوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ.\nلَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله لكنه لا يكشفها، أو","vol":"5","page":162},{"text":"الآن بتأخيرها إلا الله، أو ليس لها كاشفة لوقتها إلا الله إذ لا يطلع عليه سواه، أو ليس لها من غير الله كشف على أنها مصدر كالعافية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2900>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٩ الى ٦٢]</span>\nأَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)\nأَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ يعني القرآن تَعْجَبُونَ إنكارًا.\nوَتَضْحَكُونَ استهزاء. وَلا تَبْكُونَ تحزنًا على ما فرطتم.\nوَأَنْتُمْ سامِدُونَ لاهون أو مستكبرون من سمد البعير في مسيره إذا رفع رأسه، أو مغنون لتشغلوا الناس عن استماعه من السمود وهو الغناء.\nفَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا أي واعبدوه دون الآلهة.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة النجم أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وجحد به بمكة» .","vol":"5","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2901>(٥٤) سورة القمر</span>\nمكية وآيها خمس وخمسون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2902>[سورة القمر (٥٤): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)\nاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ\nروي أن الكفار سألوا رسول الله ﷺ آية فانشق القمر.\nوقيل معناه سينشق يوم القيامة ويؤيد الأول أنه قرئ «وقد انشق القمر» أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها انشقاق القمر، وقوله:\nوَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا عن تأملها والإِيمان بها. وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ مطرد وهو يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخر مترادفة ومعجزات متتابعة حتى قالوا ذلك، أو محكم من المرة يقال أمررته فاستمر إذا أحكمته فاستحكم، أو مستبشع من استمر الشيء إذا اشتدت مرارته أو مار ذاهب لا يبقى.\nوَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وهو ما زين لهم الشيطان من رد الحق بعد ظهوره، وذكرهما بلفظ الماضي للإِشعار بأنهما من عادتهم القديمة. وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ منته إلى غاية من خذلان أو نصر في الدنيا وشقاوة، أو سعادة في الآخرة فإن الشيء إذا انتهى إلى غايته ثبت واستقر، وقرئ بالفتح أي ذو مستقر بمعنى استقرار وبالكسر والجر على أنه صفة أمر، وكل معطوف على الساعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2903>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥)\nوَلَقَدْ جاءَهُمْ في القرآن مِنَ الْأَنْباءِ أنباء القرون الخالية أو أنباء الآخرة. مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ازدجار من تعذيب أو وعيد، وتاء الافتعال تقلب دالًا مع الذال والدال والزاي للتناسب، وقرئ «مزجر» بقلبها زايا وإدغامها.\nحِكْمَةٌ بالِغَةٌ غايتها لا خلل فيها وهي بدل من ما أو خبر لمحذوف، وقرئ بالنصب حالًا من ما فإنها موصولة أو مخصوصة بالصفة نصب الحال عنها. فَما تُغْنِ النُّذُرُ نفي أو استفهام إنكار، أي فأي غناء تغني النذر وهو جمع نذير بمعنى المنذر، أو المنذر منه أو مصدر بمعنى الإنذار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2904>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ لعلمك بأن الإِنذار لا يغني فيهم. يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إسرافيل، ويجوز أن يكون الدعاء فيه كالأمر في قوله: كُنْ فَيَكُونُ وإسقاط الياء اكتفاء بالكسرة للتخفيف وانتصاب يَوْمَ ب يَخْرُجُونَ أو بإضمار اذكر. إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد مثله وهو هول يوم القيامة، وقرأ ابن كثير بالتخفيف، وقرئ «نكر» بمعنى أنكر.","vol":"5","page":164},{"text":"خاشعا أبصارهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث أي يخرجون من قبورهم خاشعًا ذليلًا أبصارهم من الهول، وإفراده وتذكيره لأن فاعله ظاهر غير حقيقي التأنيث، وقرئ «خاشعة» على الأصل، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم خُشَّعًا، وإنما حسن ذلك ولم يحسن مررت برجال قائمين غلمانهم لأنه ليس على صيغة تشبه الفعل، وقرئ «خشع أبصارهم» على الابتداء والخبر فتكون الجملة حالًا. كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ في الكثرة والتموج والانتشار في الأمكنة.\nمُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ مسرعين مادي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه. يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ صعب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2905>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ قبل قومك. فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحًا ﵇ وهو تفصيل بعد إجمال، وقيل معناه كذبوه تكذيبًا على عقب تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو كذبوه بعد ما كذبوا الرسل. وَقالُوا مَجْنُونٌ هو مجنون. وَازْدُجِرَ وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية، وقيل إنه من جملة قيلهم أي هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته.\nفَدَعا رَبَّهُ أَنِّي بأني وقرئ بالكسر على إرادة القول. مَغْلُوبٌ غَلبني قومي. فَانْتَصِرْ فانتقم لي منهم وذلك بعد يأسه منهم.\nفقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيًا عليه فيفيق ويقول: «اللَّهُم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2906>[سورة القمر (٥٤): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nفَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)\nفَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ منصب، وهو مبالغة وتمثيل لكثرة الأمطار وشدة انصبابها، وقرأ ابن عامر ويعقوب ففتحنا بالتشديد لكثرة الأبواب.\nوَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون متفجرة، وأصله وفجرنا عيون الأرض فغير للمبالغة. فَالْتَقَى الْماءُ ماء السماء وماء الأرض، وقرئ «الماءان» لاختلاف النوعين «الماوان» بقلب الهزة واوًا. عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ على حال قدرها الله تعالى في الأزل من غير تفاوت، أو على حال قدرت وسويت وهو أن قدر ما أنزل على قدر ما أخرج، أو على أمر قدره الله تعالى وهو هلاك قوم نوح بالطوفان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2907>[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nوَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤)\nوَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ ذات أخشاب عريضة. وَدُسُرٍ ومسامير جمع دسار من الدسر، وهو الدفع الشديد وهي صفة للسفينة أقيمت مقامها من حيث أنها كالشرح لها تؤدي مؤداها.\nتَجْرِي بِأَعْيُنِنا بمرأى منا أي محفوظة بحفظنا. جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ أي فعلنا ذلك جزاء لنوح لأنه نعمة كفروها، فإن كل نبي نعمة من الله تعالى ورحمة على أمته، ويجوز أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل إلى الضمير، وقرئ «لِمَنْ كُفِرَ» أي للكافرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2908>[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٥ الى ١٧]</span>\nوَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)\nوَلَقَدْ تَرَكْناها أي السفينة أو الفعلة. آيَةً يعتبر بها إذ شاع خبرها واشتهر. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ","vol":"5","page":165},{"text":"معتبر، وقرئ «مذتكر» على الأصل، و«مذكر» بقلب التاء ذالًا والإِدغام فيها.\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ استفهام تعظيم ووعيد، والنذر يحتمل المصدر والجمع.\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ سهلناه أو هيأناه من يسر ناقته للسفر إذا رحلها. لِلذِّكْرِ للادكار والاتعاظ بأن صرفنا فيه أنواع المواعظ والعبر، أو للحفظ بالاختصار وعذوبة اللفظ. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ متعظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2909>[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٨ الى ٢١]</span>\nكَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١)\nكَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ وإنذاري أتى لهم بالعذاب قبل نزوله، أو لمن بعدهم في تعذيبهم.\nإِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا باردًا أو شديد الصوت. فِي يَوْمِ نَحْسٍ شؤم. مُسْتَمِرٍّ أي استمر شؤمه، أو استمر عليهم حتى أهلكهم، أو على جميعهم كبيرهم وصغيرهم فلم يبق منهم أحدًا، أو اشتد مرارته وكان يوم الاربعاء آخر الشهر.\nتَنْزِعُ النَّاسَ تقلعهم، روي أنهم دخلوا في الشعاب والحفر وتمسك بعضهم ببعض فنزعتهم الريح منها وصرعتهم موتى. كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ أصول نخل منقلع عن مغارسه ساقط على الأرض. وقيل شبهوا بالاعجاز لأن الريح طيرت رؤوسهم وطرحت أجسادهم، وتذكير مُنْقَعِرٍ للحمل على اللفظ، والتأنيث في قوله أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ للمعنى.\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ كرره للتهويل. وقيل الأول لما حاق بهم في الدنيا، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة كما قال أيضًا في قصتهم لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2910>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٢ الى ٢٥]</span>\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ بالإِنذارات والمواعظ، أو الرسل.\nفَقالُوا أَبَشَرًا مِنَّا من جنسنا أو من جملتنا لا فضل له علينا، وانتصابه بفعل يفسره وما بعده وقرئ بالرفع على الابتداء والأول أوجه للاستفهام. واحِدًا منفردًا لاتبع له أو من آحادهم دون أشرافهم. نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ جمع سعير كأنه عكسوا عليه فرتبوا على اتباعهم إياه ما رتبه على ترك اتباعهم له، وقيل السعر الجنون ومنه ناقة مسعورة.\nأَأُلْقِيَ الذِّكْرُ الكتاب أو الوحي. عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا وفينا من هو أحق منه بذلك. بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ حمله بطره على الترفع علينا بادعائه إياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2911>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nسَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)\nسَيَعْلَمُونَ غَدًا عند نزول العذاب بهم أو يوم القيامة. مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ الذي حمله أشره على الاستكبار عن الحق وطلب الباطل أصالح ﵇ أم من كذبه؟ وقرأ ابن عامر وحمزة ورويس ستعلمون على الالتفات أو حكاية ما أجابهم به صالح، وقرئ «الأشر» كقولهم حذر في حذر و«الأشر» أي الأبلغ في الشرارة وهو أصل مرفوض كالأخير.","vol":"5","page":166},{"text":"إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ مخرجوها وباعثوها. فِتْنَةً لَهُمْ امتحانًا لهم. فَارْتَقِبْهُمْ فانتظرهم وتبصر ما يصنعون. وَاصْطَبِرْ على أذاهم.\nوَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ مقسوم لها يوم ولهم يوم، وبَيْنَهُمْ لتغليب العقلاء. كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ يحضره صاحبه في نوبته أو يحضره عنه غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2912>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nفَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)\nفَنادَوْا صاحِبَهُمْ قدار بن سالف أحيمر ثمود فَتَعاطى فَعَقَرَ فاجترأ على تعاطي قتلها فقتلها أو فتعاطى السيف فقتلها والتعاطي تناول الشيء بتكلف.\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً صيحة جبريل ﵇. فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ كالشجر اليابس المتكسر الذي يتخذه من يعمل الحظيرة لأجلها أو كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء، وقرئ بفتح الظاء أي كهشيم الحظيرة أو الشجر المتخذ لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2913>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٢ الى ٣٥]</span>\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ. إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا ريحًا تحصبهم بالحجارة أي ترميهم. إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ في سحر وهو آخر الليل أو مسحرين.\nنِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا إنعامًا منا وهو علة لنجينا. كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ نعمتنا بالإِيمان والطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2914>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٦ الى ٣٩]</span>\nوَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩)\nوَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ لوط. بَطْشَتَنا أخذتنا بالعذاب. فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ فكذبوا بالنذر متشاكين.\nوَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ قصدوا الفجور بهم. فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فمسحناها وسويناها بسائر الوجه.\nروي أنهم لما دخلوا داره عنوة صفقهم جبريل ﵇ صفقة فأعماهم.\nفَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ فقلنا لهم ذوقوا على ألسنة الملائكة أو ظاهر الحال.\nوَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً وقرئ «بُكْرَةً» غير مصروفة على أن المراد بها أول نهار معين. عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ يستقر بهم حتى يسلمهم إلى النار.\nفَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2915>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٠ الى ٤٢]</span>\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كرر ذلك في كل قصة إشعارًا بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب واستماع كل قصة مستدع للادكار والاتعاظ، واستئنافًا للتنبيه والاتعاظ لئلا يغلبهم السهو والغفلة، وهكذا تكرير قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ونحوهما.\nوَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ اكتفى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك منهم.","vol":"5","page":167},{"text":"كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعني الآيات التسع. فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ لا يغالب. مُقْتَدِرٍ لا يعجزه شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2916>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٣ الى ٤٥]</span>\nأَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)\nأَكُفَّارُكُمْ يا معشر العرب. خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ الكفار المعدودين قوة وعدة أو مكانة ودينًا عند الله تعالى. أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ أم نزل لكم في الكتب السماوية أن من كفر منكم فهو في أمان من العذاب.\nأَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ جماعة أمرنا مجتمع مُنْتَصِرٌ ممتنع لا نرام أو منتصر من الأعداء لا نغلب، أو متناصر ينصر بعضنا بعضًا والتوحيد على لفظ الجميع.\nسَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ أي الأدبار وإفراده لإِرادة الجنس، أو لأن كل واحد يولي دبره وقد وقع ذلك يوم بدر وهو من دلائل النبوة.\nوعن عمر رضي الله تعالى عنه «أنه لما نزلت قال لم أعلم ما هو فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يلبس الدرع ويقول. سيهزم الجمع، فعلمته» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2917>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٦ الى ٤٨]</span>\nبَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)\nبَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ موعد عذابهم الأصلي وما يحيق بهم في الدنيا فمن طلائعه. وَالسَّاعَةُ أَدْهى أشد، والداهية أمر فظيع لا يهتدي لدوائه. وَأَمَرُّ مذاقًا من عذاب الدنيا.\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ عن الحق في الدنيا. وَسُعُرٍ ونيران في الآخرة.\nيَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ يجرون عليها. ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ أي يقال لهم ذوقوا حر النار وألمها فإن مسها سبب التألم بها، وسقر علم لجهنم ولذلك لم يصرف من سقرته النار وصقرته إذا لوحته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2918>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٩ الى ٥٠]</span>\nإِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)\nإِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أي إنا خلقنا كل شيء مقدرًا مرتبًا على مقتضى الحكمة، أو مقدرًا مكتوبًا في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، وكل شيء منصوب بفعل يفسره ما بعده، وقرئ بالرفع على الابتداء وعلى هذا فالأولى أن يجعل خلقناه خبرًا لا نعتًا ليطابق المشهورة في الدلالة على أن كل شيء مخلوق بقدر، ولعل اختيار النصب ها هنا مع الإِضمار لما فيه من النصوصية على المقصود.\nوَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ إلا فعلة واحدة وهو الإيجاد بلا معالجة ومعاناة، أو إِلَّا كلمة واحدة وهو قوله كن. كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ في اليسر والسرعة، وقيل معناه معنى قوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2919>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥١ الى ٥٣]</span>\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ أشباهكم في الكفر ممن قبلكم. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ متعظ.\nوَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ مكتوب في كتب الحفظة.\nوَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ من الأعمال. مُسْتَطَرٌ مسطور في اللوح.","vol":"5","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2920>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥٤ الى ٥٥]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ أنهار واكتفى باسم الجنس، أو سعة أو ضياء من النهار. وقرئ «نهر» وبضم الهاء جمع نهر كأسد وأسد.\nفِي مَقْعَدِ صِدْقٍ في مكان مرضي، وقرئ «مقاعد صدق» . عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ مقربين عند من تعالى أمره في الملك، والاقتدار بحيث أبهمه ذوو الأفهام.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة القمر في كل غب بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر» .","vol":"5","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2921>(٥٥) سورة الرحمن</span>\nمكية او مدنية او متبعضة وآيها ثمان وسبعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2922>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)\nالرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ لما كانت السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والآخروية صدرها ب الرَّحْمنُ، وقدم ما هو أصل النعم الدينية وأجلها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، فإنه أساس الدين ومنشأ الشرع وأعظم الوحي وأعز الكتب، إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها مصدق لنفسه ومصداق لها، ثم اتبعه قوله:\nخَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ إيماء بأن خلق البشر وما يميز به عن سائر الحيوان من البيان، وهو التعبير عما في الضمير وإفهام الغير لما أدركه لتلقي الوحي وتعرف الحق وتعلم الشرع، وإخلاء الجمل الثلاث التي هي أخبار مترادفة ل الرَّحْمنُ عن العاطف لمجيئها على نهج التعديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2923>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦)\nالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما، وتتسق بذلك أمور الكائنات السفلية وتختلف الفصول والأوقات، ويعلم السنون والحساب.\nوَالنَّجْمُ والنبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له. وَالشَّجَرُ الذي له ساق.\nيَسْجُدانِ ينقادان لله تعالى فيما يريد بهما طبعًا انقياد الساجد من المكلفين طوعًا، وكان حق النظم في الجملتين أن يقال: وأجرى الشمس والقمر، وأسجد النجم والشجر. أو الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ له، ليطابقا ما قبلهما وما بعدهما في اتصالهما ب الرَّحْمنُ، لكنهما جردتا عما يدل على الاتصال إشعارًا بأن وضوحه يغنيه عن البيان، وإدخال العاطف بينهما لاشتراكهما في الدلالة على أن ما يحس به من تغيرات أحوال الأجرام العلوية والسفلية بتقديره وتدبيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2924>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nوَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩)\nوَالسَّماءَ رَفَعَها خلقها مرفوعة محلًا ومرتبة، فإنها منشأ أقضيته ومتنزل أحكامه ومحل ملائكته، وقرئ بالرفع على الابتداء. وَوَضَعَ الْمِيزانَ العدل بأن وفر على كل مستعد مستحقه، ووفى كل ذي حق حقه حتى انتظم أمر العالم واستقام كما\nقال ﵇ «بالعدل قامت السموات والأرض» .\nأو ما يعرف به مقادير الأشياء من ميزان ومكيال ونحوهما، كأنه لما وصف السماء بالرفعة من حيث إنها مصدر القضايا والإقدار أراد وصف الأرض بما فيها مما يظهر به التفاوت ويعرف به المقدار ويسوى به الحقوق والمواجب.\nأَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ لئلا تطغوا فيه أي لا تعتدوا ولا تجاوزوا الإنصاف، وقرئ «لا تطغوا» على","vol":"5","page":170},{"text":"إرادة القول.\nوَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ولا تنقصوه فإن من حقه أن يسوى لأنه المقصود من وضعه، وتكريره مبالغة في التوصية به وزيادة حث على استعماله، وقرئ وَلا تُخْسِرُوا بفتح التاء وضم السين وكسرها، وتُخْسِرُوا بفتحها على أن الأصل وَلا تُخْسِرُوا في الْمِيزانَ فحذف الجار وأوصل الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2925>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٠ الى ١٣]</span>\nوَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)\nوَالْأَرْضَ وَضَعَها خفضها مدحوة. لِلْأَنامِ للخلق. وقيل الأنام كل ذي روح.\nفِيها فاكِهَةٌ ضروب مما يتفكه به. وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ أوعية التمر جمع كم، أو كل ما يكم أي يغطى من ليف وسعف وكفري فإنه ينتفع به كالمكموم كالجذع والجمار والتمر.\nوَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ كالحنطة والشعير وسائر ما يتغذى به، والْعَصْفِ ورق النبات اليابس كالتين.\nوَالرَّيْحانُ يعني المشموم، أو الرزق من قولهم: خرجت أطلب ريحان الله، وقرأ ابن عامر «والحب ذا العصف والريحان» أي وخلق الحب والريحان أو وأخص، ويجوز أن يراد وذا الريحان فحذف المضاف، وقرأ حمزة والكسائي «والريحان» بالخفض ما عدا ذلك بالرفع، وهو فيعلان من الروح فقلبت الواو ياء وأدغم ثم خفف، وقيل «روحان» فقلبت واوه ياء للتخفيف.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ الخطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله: لِلْأَنامِ وقوله: أَيُّهَ الثَّقَلانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2926>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٤ الى ١٦]</span>\nخَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦)\nخَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ الصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة، والفخار الخزف وقد خلق الله آدم من تراب جعله طينًا ثم حمأ مسنونًا، ثم صلصالًا فلا يخالف ذلك قوله خلقه من تراب ونحوه.\nوَخَلَقَ الْجَانَّ الجن أو أبا الجن. مِنْ مارِجٍ من صاف من الدخان. مِنْ نارٍ بيان ل مارِجٍ فإنه في الأصل للمضطرب من مرج إذا اضطرب.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مما أفاض عليكما في أطوار خلقتكما حتى صيركما أفضل المركبات وخلاصة الكائنات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2927>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٧ الى ٢٠]</span>\nرَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠)\nرَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى، كاعتدال الهواء واختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل فيه إلى غير ذلك.\nمَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أرسلهما من مرجت الدابة إذا أرسلتها، والمعنى أرسل البحر الملح والبحر العذب.\nيَلْتَقِيانِ يتجاوران ويتماس سطوحهما، أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط لأنهما خليجان يتشعبان منه.","vol":"5","page":171},{"text":"بَيْنَهُما بَرْزَخٌ حاجز من قدرة الله تعالى أو من الأرض. لاَّ يَبْغِيانِ لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية، أو لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2928>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢١ الى ٢٤]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ كبار الدر وصغاره، وقيل المرجان الخرز الأحمر، وإن صح أن الدر يخرج من الملح فعلى الأول إنما قال منهما لأنه مخرج من مجتمع الملح والعذب، أو لأنهما لما اجتمعا صارا كالشيء الواحد فكأن المخرج من أحدهما كالمخرج منهما. وقرأ نافع وأبو عمرو ويعقوب يَخْرُجُ، وقرئ «نُخْرِجُ» و«يَخْرُجُ» بنصب اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وَلَهُ الْجَوارِ أي السفن جمع جارية، وقرئ بحذف الياء ورفع الراء كقوله:\nلَهَا ثَنَايَا أَرْبَعٌ حِسَانٌ ... وَأَرْبَعٌ فَكُلُهَا ثَمَانٍ\nالْمُنْشَآتُ المرفوعات الشرع، أو المصنوعات وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الشين أي الرافعات الشرع، أو اللاتي ينشئن الأمواج أو السير. فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2929>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٥ الى ٢٧]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ من خلق مواد السفن والإِرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره.\nكُلُّ مَنْ عَلَيْها من على الأرض من الحيوانات أو المركبات ومَنْ للتغليب، أو من الثقلين.\nفانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذاته ولو استقريت جهات الموجودات وتفحصت وجوهها وجدتها بأسرها فانية في حد ذاتها إلا وجه الله أي الوجه الذي يلي جهته. ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ذو الاستغناء المطلق والفضل العام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2930>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٨ الى ٣٠]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي مما ذكرنا قبل من بقاء الرب وإبقاء ما لا يحصى مما هو على صدد الفناء رحمة وفضلًا، أو مما يترتب على فناء الكل من الإِعادة والحياة الدائمة والنعيم المقيم.\nيَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَإِنَهم مفتقرون إليه في ذواتهم وصفاتهم وسائر ما يهمهم، ويعن لهم والمراد بالسؤال ما يدل على الحاجة إلى تحصيل الشيء في ذواتهم وصفاتهم نطقًا كان أو غيره. كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ كل وقت يحدث أشخاصًا ويجدد أحوالًا على ما سبق به قضاؤه،\nوفي الحديث «من شأنه أن يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويرفع قومًا ويضع آخرين» .\nوهو رد لقول اليهود إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي مما يسعف به سؤالكما وما يخرج لكما من مكمن العدم حينا فحينا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2931>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣١ الى ٣٣]</span>\nسَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣)\nسَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ آي سنتجرد لحسابكم وجزائكم وذلك يوم القيامة، فإنه تعالى لا يفعل فيه","vol":"5","page":172},{"text":"غيره وقيل تهديد مستعار من قولك لمن تهدده سأفرغ لك، فإن المتجرد للشيء كان أقوى عليه وأجد فيه، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وقرئ «سنفرغ إليكم» أي سنقصد إليكم. والثَّقَلانِ الإِنس والجن سميا بذلك لثقلهما على الأرض أو لرزانة رأيهما وقدرهما، أو لأنهما مثقلان بالتكليف.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السموات والأرض هاربين من الله فارين من قضائه. فَانْفُذُوا فاخرجوا.\nلاَ تَنْفُذُونَ لا تقدرون على النفوذ. إِلَّا بِسُلْطانٍ إلا بقوة وقهر وأنى لكم ذلك، أو إن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا ما في السموات والأرض فَانْفُذُوا لتعلموا لكن لاَ تَنْفُذُونَ ولا تعلمون إلا ببينة نصبها الله تعالى فتعرجون عليها بأفكاركم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2932>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٤ الى ٣٦]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي من التنبيه والتحذير والمساهلة والعفو مع كمال القدرة، أو مما نصب من المصاعد العقلية والمعارج النقلية فتنفذون بها إلى ما فوق السموات العلا.\nيُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ لهب. مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ ودخان قال:\nتُضِيءُ كَضَوْءِ السِرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَلِ الله فِيهِ نُحَاسًا\nأو صفر مذاب يصب على رؤوسهم، وقرأ ابن كثير شُواظٌ بالكسر وهو لغة وَنُحاسٌ بالجر عطفًا على نارٍ، ووافقه فيه أبو عمرو ويعقوب في رواية، وقرئ «ونحس» وهو جمع كلحف. فَلا تَنْتَصِرانِ فلا تمتنعان.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فإن التهديد لطف والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار في عداد الآلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2933>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٧ الى ٤٠]</span>\nفَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠)\nفَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً أي حمراء كوردة وقرئت بالرفع على كان التامة فيكون من باب التجريد كقوله:\nوَلَئِنْ بَقِيتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنَائِمِ أَوْ يَمُوتَ كَرِيمُ\nكَالدِّهانِ مذابة كالدهن وهو اسم لما يدهن به كالحزام، أو جمع دهن وقيل هو الأديم الأحمر.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي مما يكون بعد ذلك.\nفَيَوْمَئِذٍ أي فيوم تنشق السماء. لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ لأنهم يعرفون بسيماهم وذلك حين ما يخرجون من قبورهم ويحشرون إلى الموقف ذودًا ذودًا على اختلاف مراتبهم، وأما قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ ونحوه فحين يحاسبون في المجمع، والهاء للإِنس باعتبار اللفظ فإنه وإن تأخر لفظًا تقدم رتبة.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي مما أنعم الله على عباده المؤمنين في هذا اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2934>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤١ الى ٤٦]</span>\nيُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥)\nوَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦)","vol":"5","page":173},{"text":"يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ وهو ما يعلوهم من الكآبة والحزن. فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ مجموعًا بينهما، وقيل يؤخذون بِالنَّواصِي تارة وب الْأَقْدامِ أخرى.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها بين النار يحرقون بها. وَبَيْنَ حَمِيمٍ ماء حار. آنٍ بلغ النهاية في الحرارة يصب عليهم، أو يسقون منه، وقيل إذا استغاثوا من النار أغيثوا بالحميم.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب، أو قيامه على أحواله من قام عليه إذا راقبه، أو مقام الخائف عند ربه للحساب بأحد المعنيين فأضيف إلى الرب تفخيمًا وتهويلًا، أو ربه ومَقامَ مقحم للمبالغة كقوله:\nذَعَرَّتُ بِهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ... مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ\nجَنَّتانِ جنة للخائف الإِنسي والأخرى للخائف الجني، فإن الخطاب للفريقين والمعنى لكل خائفين منكما أو لكل واحد جنة لعقيدته وأخرى لعمله، أو جنة لفعل الطاعات وأخرى لترك المعاصي، أو جنة يثاب بها وأخرى يتفضل بها عليه، أو روحانية وجسمانية وكذا ما جاء مثنى بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2935>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٤٧ الى ٥٠]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ذَواتا أَفْنانٍ أنواع من الأشجار والثمار جمع فِنْ، أو أغصان جمع فنن وهي الغصنة التي تتشعب من فرع الشجرة، وتخصيصها بالذكر لأنها التي تورق وتثمر وتمد الظل.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ حيث شاؤوا في الأعالي والأسافل. قيل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2936>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥١ الى ٥٤]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.\nفِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ صنفان غريب ومعروف، أو رطب ويابس.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ من ديباج ثخين وإذا كانت البطائن كذلك فما ظنك بالظهائر، ومُتَّكِئِينَ مدح للخائفين أو حال منهم، لأن من خاف في معنى الجمع.\nوَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ قريب يناله القاعد والمضطجع، وَجَنَى اسم بمعنى مجنى وقرئ بكسر الجيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2937>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٥ الى ٥٨]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِنَّ في الجنان فإن جنتان تدل على جنان هي للخائفين أو فيما فيهما من الأماكن والقصور، أو في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش. قاصِراتُ الطَّرْفِ نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن. لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ لم يمس الإِنسيات إنس ولا الجنيات جن، وفيه دليل على أن الجن يطمثون. وقرأ الكسائي بضم الميم. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.\nكَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ أي وحمرة الوجنة وبياض البشرة وصفائهما.","vol":"5","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2938>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٥٩ الى ٦١]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ في العمل. إِلَّا الْإِحْسانُ في الثواب وهو الجنة.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2939>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٢ الى ٦٥]</span>\nوَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥)\nوَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للخائفين المقربين جَنَّتانِ لمن دونهم من أصحاب اليمين.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مُدْهامَّتانِ خضراوان تضربان إلى السواد من شدة الخضرة، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه دلالة على ما بينهما من التفاوت فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2940>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٦ الى ٦٩]</span>\nفِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩)\nهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ\nفوارتان بالماء هو أيضًا أقل مما وصف به الأوليين وكذا ما بعده.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ عطفهما على الفاكهة بيانًا لفضلهما، فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاء وثمرة الرمان فاكهة ودواء، واحتج به أبو حنيفة ﵁ على أن من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رطبًا أو رمانًا لم يحنث. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2941>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٠ الى ٧٤]</span>\nفِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤)\nفِيهِنَّ خَيْراتٌ أي خيرات فخففت لأن خيرًا الذي بمعنى أخير لا يجمع، وقد قرئ على الأصل.\nحِسانٌ حسان الخلق والخلق.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ قصرن في خدورهن، يقال امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة أي مخدرة، أو مقصورات الطرف على أزواجهن.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ كحور الأولين وهم أصحاب الجنتين فإنهما يدلان عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2942>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٧٥ الى ٧٨]</span>\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ وسائد أو نمارق جمع رفرفة. وقيل الرفرف ضرب من البسط أو ذيل الخيمة وقد يقال لكل ثوب عريض. خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ العبقري منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد للجن فينسبون إليه كل شيء عجيب، والمراد به الجنس ولذلك جمع حِسانٍ حملًا على المعنى.","vol":"5","page":175},{"text":"فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ تعالى اسمه من حيث إنه مطلق على ذاته فما ظنك بذاته، وقيل الإِسم بمعنى الصفة أو مقحم كما في قوله:\nإلى الحولِ ثُم اسمُ السَّلاَم عَلَيْكُمَا ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ وقرأ ابن عامر بالرفع صفة للإِسم.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الرحمن أدى شكر ما أنعم الله تعالى عليه» .","vol":"5","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2943>(٥٦) سورة الواقعة</span>\nمكية وآيها ست وتسعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2944>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣)\nإِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ إذا حدثت القيامة، سماها واقعة لتحقق وقوعها وانتصاب إِذا بمحذوف مثل اذكر أو كان كيت وكيت.\nلَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله تعالى، أو تكذب في نفيها كما تكذب الآن، واللام مثلها في قوله: قَدَّمْتُ لِحَياتِي أو ليس لأحد في وقعتها كاذبة فإن من أخبر عنها صدق، أو ليس لها حينئذ نفس تحدث صاحبها بإطاقة شدتها واحتمالها وتغريه عليها من قولهم: كذبت فلانًا نفسه في الخطب العظيم، إذا شجعته عليه وسولت له أنه يطيقه.\nخافِضَةٌ رافِعَةٌ تخفض قومًا وترفع آخرين، وهو تقرير لعظمتها فإن الوقائع العظام كذلك، أو بيان لما يكون حينئذ من خفض أعداء الله ورفع أوليائه، أو إزالة الأجرام عن مقارها بنثر الكواكب وتسيير الجبال في الجو، وقرئتا بالنصب على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2945>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤ الى ٧]</span>\nإِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً (٧)\nإِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا حركت تحريكًا شديدًا بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل، والظرف متعلق ب خافِضَةٌ أو بدل من إِذا وَقَعَتِ.\nوَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي فتتت حتى صارت كالسويق الملتوت من بس السويق إذا لته، أو سيقت وسيرت من بس الغنم إذا ساقها، فَكانَتْ هَباءً غبارًا. مُنْبَثًّا منتشرًا.\nوَكُنْتُمْ أَزْواجًا أصنافًا. ثَلاثَةً وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2946>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nفَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩)\nفَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنيئة من تيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل، أو أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم والذين يؤتونها بشمائلهم، أو أصحاب اليمن والشؤم فإن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم والأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم. والجملتان الاستفهاميتان خبران لما قبلهما بإقامة الظاهر مقام الضمير ومعناهما التعجب من حال الفريقين.","vol":"5","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2947>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٠ الى ١٢]</span>\nوَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)\nوَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ والذين سبقوا إلى الإِيمان والطاعة بعد ظهور الحق من غير تلعثم وتوان، أو سبقوا في حيازة الفضائل والكمالات، أو الأنبياء فإنهم مقدمو أهل الأديان هم الذين عرفت حالهم وعرفت مآلهم كقول أبي النجم:\nأَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي أو الذين سبقوا إلى الجنة أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ الذين قربت درجاتهم في الجنة وأعليت مراتبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2948>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)\nثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ أي هم كثير من الأولين يعني الأمم السالفة من لدن آدم إلى محمد ﵊.\nوَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني أمة محمد ﵊ ولا يخالف ذلك\nقوله ﵊ «إن أمتي يكثرون سائر الأمم» .\nلجواز أن يكون سابقو سائر الأمم أكثر من سابقي هذه الأمة، وتابعو هذه أكثر من تابعيهم، ولا يرده قوله في أصحاب اليمين، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ. لأن كثرة الفريقين لا تنافي أكثرية أحدهما، وروي مرفوعًا أنهما من هذه الأمة، واشتقاقها من الثل وهو القطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2949>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٥ الى ١٩]</span>\nعَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩)\nعَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ خبر آخر للضمير المحذوف، وال مَوْضُونَةٍ المنسوجة بالذهب مشبكة بالدار والياقوت، أو المتواصلة من الوضن وهو نسج الدرع.\nمُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ حالان من الضمير في عَلى سُرُرٍ.\nيَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة. وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ مبقون أبدًا على هيئة الولدان وطراوتهم.\nبِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ حال الشرب وغيره، والكوب إناء بلا عروة ولا خرطوم له، والإِبريق إناء له ذلك.\nوَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ من خمر.\nلاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها بخمار. وَلا يُنْزِفُونَ ولا تنزف عقولهم، أو لا ينفد شرابهم. وقرأ الكوفيون بكسر الزاي لاَّ يُصَدَّعُونَ بمعنى لا يتصدعون أي لا يتفرقون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2950>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٠ الى ٢٤]</span>\nوَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)\nوَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ أي يختارون.\nوَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يتمنون.\nوَحُورٌ عِينٌ عطف على وِلْدانٌ، أو مبتدأ محذوف الخبر أي وفيها أو ولهم حور، وقرأ حمزة والكسائي بالجر عطفًا على جَنَّاتِ بتقدير مضاف أي هم في جنات ومصاحبة حور، أو على أكواب لأن معنى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ ينعمون بأكواب، وقرئتا بالنصب على ويؤتون حورًا.","vol":"5","page":178},{"text":"كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المصون عما يضربه في الصفاء والنقاء.\nجَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي يفعل ذلك كله بهم جزاء بأعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2951>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nلاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا (٢٦)\nلاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا باطلًا. وَلا تَأْثِيمًا ولا نسبة إلى الإِثم أي لا يقال لهم أثمتم.\nإِلَّا قِيلًا أي قولًا. سَلامًا سَلامًا بدل من قِيلًا كقوله: لاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلَّا سَلامًا أو صفته أو مفعوله بمعنى إلا أن يقولوا سلامًا، أو مصدر والتكرير للدلالة على فشو السلام بينهم. وقرئ «سلام سلام» على الحكاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2952>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٢٧ الى ٣٠]</span>\nوَأَصْحابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)\nوَأَصْحابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه من خضد الشوك إذا قطعه، أو مثني أغصانه من كثرة حمله من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب.\nوَطَلْحٍ وشجر موز، أو أم غيلان وله أنوار كثيرة طيبة الرائحة، وقرئ بالعين. مَنْضُودٍ نضد حمله من أسفله إلى أعلاه.\nوَظِلٍّ مَمْدُودٍ منبسط لا يتقلص ولا يتفاوت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2953>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣١ الى ٣٣]</span>\nوَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)\nوَماءٍ مَسْكُوبٍ يسكب لهم أين شاؤوا وكيف شاؤوا بلا تعب، أو مصبوب سائل كأنه لما شبه حال السابقين في التنعم بأعلى ما يتصور لأهل المدن شبه حال أصحاب اليمين بأكمل ما يتمناه أهل البوادي إشعارًا بالتفاوت بين الحالين.\nوَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ كثيرة الأجناس.\nلاَّ مَقْطُوعَةٍ لا تنقطع في وقت. وَلا مَمْنُوعَةٍ لا تمنع عن متناولها بوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2954>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٤ الى ٣٧]</span>\nوَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا (٣٧)\nوَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ رفيعة القدر أو منضدة مرتفعة. وقيل الفرش النساء وارتفاعها أنها على الأرائك، ويدل عليه قوله:\nإِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً أي ابتدأناهن ابتداء جديدًا من غير ولادة إبداء أو إعادة.\nوفي الحديث «هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطًا رمصًا، جعلهن الله بعد الكبر أترابًا على ميلاد واحد، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارًا» .\nفَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا. عُرُبًا متحببات إلى أزواجهن جمع عروب، وسكن راءه حمزة وأبو بكر وروي عن نافع وعاصم مثله. أَتْرابًا فإن كلهن بنات ثلاث وثلاثين وكذا أزواجهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2955>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nلِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)\nلِأَصْحابِ الْيَمِينِ متعلق ب أَنْشَأْناهُنَّ أو «جعلنا»، أو صفة ل أَبْكارًا أو خبر لمحذوف مثل هن أو لقوله:","vol":"5","page":179},{"text":"ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ وهي على الوجه الأول خبر محذوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2956>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤١ الى ٤٤]</span>\nوَأَصْحابُ الشِّمالِ مَا أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤)\nوَأَصْحابُ الشِّمالِ مَا أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ في حر نار ينفذ في المُسام. وَحَمِيمٍ وماء متناه في الحرارة.\nوَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ من دخان أسود يفعول من الحممة.\nلاَّ بارِدٍ كسائر الظل. وَلا كَرِيمٍ ولا نافع، نفى بذلك ما أوهم الظل من الاسترواح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2957>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nإِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)\nإِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ منهمكين في الشهوات.\nوَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ الذنب العظيم يعني الشرك، ومنه بلغ الغلام الحنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب، وحنث في يمينه خلاف بر فيها وتحنث إذا تأثم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2958>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٤٧ الى ٥٠]</span>\nوَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)\nوَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ كررت الهمزة للدلالة على إنكار البعث مطلقًا وخصوصًا في هذا الوقت كما دخلت العاطفة في قوله:\nأَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ للدلالة على أن ذلك أشد إنكارًا في حقهم لتقادم زمانهم وللفصل بها حسن العطف على المستكن في لَمَبْعُوثُونَ، وقرأ نافع وابن عامر أَوْ بالسكون وقد سبق مثله، والعامل في الظرف ما دل عليه «مبعوثون» لا هو للفصل بأن والهمزة.\nقُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ. وقرئ «لمجمعون» . إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ إلى ما وقت به الدنيا وحدت من يوم معين عند الله معلوم له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2959>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥١ الى ٥٣]</span>\nثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)\nثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ أي بالبعث والخطاب لأهل مكة وأضرابهم.\nلَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ مِنْ الأولى للابتداء والثانية للبيان.\nفَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ من شدة الجوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2960>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٤ الى ٥٦]</span>\nفَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)\nفَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ لغلبة العطش، وتأنيث الضمير في منها وتذكيره في عَلَيْهِ على معنى الشجر ولفظه، وقرئ «من شجرة» فيكون التذكير لل زَقُّومٍ فإنه تفسيرها.\nفَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ الإِبل التي بها الهيام وهو داء يشبه الاستسقاء، جمع أهيم وهيماء قال ذو الرمة:\nفَأَصْبَحَّتُ كَالهَيْمَاءِ لاَ المَاءُ مُبْردٌ ... صَدَاهَا وَلاَ يَقْضِي عَلَيْهَا هَيَامُهَا","vol":"5","page":180},{"text":"وقيل الرمال على أنه جمع هيام بالفتح وهو الرمل الذي لا يتماسك جمع على هيم كسحب، ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض وكل من المعطوف والمعطوف عليه أخص من الآخر من وجه فلا اتحاد، وقرأ نافع وحمزة وعاصم شُرْبَ بضم الشين.\nهذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ يوم الجزاء فما ظنك بما يكون لهم بعد ما استقروا في الجحيم، وفيه تهكم كما في قوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ لأن النزل ما يعد للنازل تكرمة له، وقرئ «نزلهم» بالتخفيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2961>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٥٧ الى ٥٩]</span>\nنَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩)\nنَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالخلق متيقنين محققين للتصديق بالأعمال الدالة عليه، أو بالبعث فإن من قدر على الإِبداء قدر على الإِعادة.\nأَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف، وقرئ بفتح التاء من منى النطفة بمعنى أمناها.\nأَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ تجعلونه بشرًا سويًا. أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2962>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٠ الى ٦٢]</span>\nنَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢)\nنَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ قسمناه عليكم وأقتنا موت كل بوقت معين، وقرأ ابن كثير بتخفيف الدال.\nوَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ لا يسبقنا أحد فيهرب من الموت أو يغير وقته، أو لا يغلبنا أحد من سبقته على كذا إذا غلبته عليه.\nعَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ\nعلى الأول حال أو علة ل قَدَّرْنا وعلى بمعنى اللام، وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ اعتراض وعلى الثاني صلة، والمعنى على أن نبدل منكم أشباهكم فنخلق بدلكم، أو نبدل صفاتكم على أن أمثالكم جمع مثل بمعنى صفة. وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لاَ تَعْلَمُونَ\nفي خلق أو صفات لا تعلمونها.\nوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى فإنها أقل صنعًا لحصول المواد وتخصيص الاجزاء وسبق المثال، وفيه دليل على صحة القياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2963>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٣ الى ٦٧]</span>\nأَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)\nأَفَرَأَيْتُمْ مَّا تَحْرُثُونَ تبذرون حبه.\nأَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه. أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ المنبتون.\nلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا هشيمًا. فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ تعجبون أو تندمون على اجتهادكم فيه، أو على ما أصبتم لأجله من المعاصي فتتحدثون فيه، والفكه التنقل بصنوف الفاكهة وقد استعير للتنقل بالحديث، وقرئ «فَظَلْتُمْ» بالكسر و«فظللتم» على الأصل.\nإِنَّا لَمُغْرَمُونَ لملزمون غرامة ما أنفقنا، أو مهلكون لهلاك رزقنا من الغرام، وقرأ أبو بكر «أإنا لمغرمون» على الاستفهام.\nبَلْ نَحْنُ قوم. مَحْرُومُونَ حرمنا رزقنا، أو محدودون لا مجدودون.","vol":"5","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2964>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٦٨ الى ٧٠]</span>\nأَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠)\nأَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أي العذب الصالح للشرب.\nأَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ من السحاب واحده مزنة، وقيل الْمُزْنِ السحاب الأبيض وماؤه أعذب.\nأَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ بقدرتنا والرؤية إن كانت بمعنى العلم فمتعلقة بالاستفهام.\nلَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا ملحًا أو من الأجيج فإنه يحرق الفم، وحذف اللام الفاصلة بين جواب ما يتمحض للشرط وما يتضمن معناه لعلم السامع بمكانها، أو الاكتفاء بسبق ذكرها أو يختص ما يقصد لذاته ويكون أهم وفقده أصعب بمزيد التأكيد. فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أمثال هذه النعم الضرورية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2965>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧١ الى ٧٤]</span>\nأَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)\nأَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون.\nأَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ يعني الشجرة التي منها الزناد.\nنَحْنُ جَعَلْناها جعلنا نار الزناد. تَذْكِرَةً تبصرة في أمر البعث كما مر في سورة «يس»، أو في الظلام أو تذكيرًا وأنموذجًا لنار جهنم. وَمَتاعًا ومنفعة. لِلْمُقْوِينَ الذين ينزلون القواء وهي القفر، أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام، من أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها.\nفَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فأحدث التسبيح بذكر اسمه تعالى أو بذكره فإن إطلاق اسم الشيء ذكره والعظيم صفة للاسم أو الرب، وتعقيب الأمر بالتسبيح لما عدد من بدائع صنعه وإنعامه إما لتنزيهه تعالى عما يقول الجاحدون لوحدانيته الكافرون لنعمته، أو للتعجب من أمرهم في غمط نعمه، أو للشكر على ما عدها من النعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2966>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ الى ٧٦]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)\nفَلا أُقْسِمُ إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، أو فأقسم و«لا» مزيدة للتأكيد كما في لِئَلَّا يَعْلَمَ أو فلأنا أقسم فحذف المبتدأ وأشبع فتحة لام الابتداء، ويدل عليه قراءة فلا قسم أو فَلا رد لكلام يخالف المقسم عليه. بِمَواقِعِ النُّجُومِ بمساقطها، وتخصيص المغارب لما في غروبها من زوال أثرها والدلالة على وجود مؤثر لا يزول تأثيره، أو بمنازلها ومجاريها. وقيل النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها، وقرأ حمزة والكسائي بموقع.\nوَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ لما في المقسم به من الدلالة على عظم القدرة وكمال الحكمة وفرط الرحمة، ومن مقتضيات رحمته أن لا يترك عباده سدى، وهو اعتراض في اعتراض فإنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه، ولَوْ تَعْلَمُونَ اعتراض بين الموصوف والصفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2967>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٧ الى ٨٠]</span>\nإِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠)\nإِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ كثير النفع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش والمعاد، أو حسن","vol":"5","page":182},{"text":"مرضي في جنسه.\nفِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون وهو اللوح المحفوظ.\nلاَّ يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ لا يطلع على اللوح إلا المطهرون من الكدورات الجسمانية وهم الملائكة، أو لا يمس القرآن إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ من الأحداث فيكون نفيًا بمعنى النهي، أو لا يطلبه إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ من الكفر، وقرئ «المتَطَهِرُونَ» و«المطهرون» من أطهره بمعنى طهره و«المطهرون» أي أنفسهم أو غيرهم بالاستغفار لهم والإِلهام.\nتَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ صفة ثالثة أو رابعة للقرآن، وهو مصدر نعت به وقرئ بالنصب أي نزل تنزيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2968>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨١ الى ٨٢]</span>\nأَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)\nأَفَبِهذَا الْحَدِيثِ يعني القرآن. أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونًا به.\nوَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أي شكر رزقكم. أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ أي بمانحه حيث تنسبونه إلى الأنواء، وقرئ «شكركم» أي وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به وتكذبون أي بقولكم في القرآن أنه سحر وشعر، أو في المطر أنه من الأنواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2969>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٣ الى ٨٥]</span>\nفَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥)\nفَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ أي النفس.\nوَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ حالكم، والخطاب لمن حول المحتضر والواو للحال.\nوَنَحْنُ أَقْرَبُ أي ونحن أعلم. إِلَيْهِ إلى المحتضر. مِنْكُمْ عبر عن العلم بالقرب الذي هو أقوى سبب الاطلاع. وَلكِنْ لاَّ تُبْصِرُونَ لا تدركون كنه ما يجري عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2970>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٦ الى ٨٧]</span>\nفَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧)\nفَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ أي مجزيين يوم القيامة أو مملوكين مقهورين من دانه إذا أذله واستعبده، وأصل التركيب للذل والانقياد.\nتَرْجِعُونَها ترجعون النفس إلى مقرها وهو عامل الظرف والمحضض عليه بلولا الأولى والثانية تكرير للتوكيد وهي بما في حيزها دليل جواب الشرط، والمعنى إن كنتم غير مملوكين مجزيين كما دل عليه جحدكم أفعال الله وتكذيبكم بآياته. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أباطيلكم فَلَوْلا ترجعون الأرواح إلى الأبدان بعد بلوغها الحلقوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2971>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٨٨ الى ٩١]</span>\nفَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١)\nفَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي إن كان المتوفى من السابقين.\nفَرَوْحٌ فله استراحة وقرئ «فَرَوْحٌ» بالضم وفسر بالرحمة لأنها كالسبب لحياة المرحوم وبالحياة","vol":"5","page":183},{"text":"الدائمة. وَرَيْحانٌ ورزق طيب. وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ذات تنعم.\nوَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ يا صاحب اليمين. مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ أي من إخوانك يسلمون عليك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2972>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩٢ الى ٩٤]</span>\nوَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)\nوَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ يعني أصحاب الشمال، وإنما وصفهم بأفعالهم زجرًا عنها وإشعارًا بما أوجب لهم ما أوعدهم به.\nفَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ وذلك ما يجد في القبر من سموم النار ودخانها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2973>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٩٥ الى ٩٦]</span>\nإِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)\nإِنَّ هَذَا أي الذي ذكر في السورة أو في شأن الفرق. لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ أي حق الخبر اليقين.\nفَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فنزهه بذكر اسمه تعالى عما لا يليق بعظمه شأنه.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» .","vol":"5","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2974>(٥٧) سورة الحديد</span>\nمدينة وقيل مكية وآيها تسع وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2975>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)\nسَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ذكر ها هنا وفي «الحشر» و«الصف» بلفظ الماضي، وفي «الجمعة» و«التغابن» بلفظ المضارع إشعارًا بأن من شأن ما أسند إليه أن يسبحه في جميع أوقاته، لأنه دلالة جِبِلِّية لا تختلف باختلاف الحالات، ومجيء المصدر مطلقًا في «بني إسرائيل» أبلغ من حيث إنه يشعر بإطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال، وإنما عدي باللام وهو متعد بنفسه مثل نصحت له في نصحته إشعارًا بأن إيقاع الفعل لأجل الله وخالصًا لوجهه. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ حال يشعر بما هو المبدأ للتسبيح.\nلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإنه الموجد لهما والمتصرف فيهما. يُحْيِي وَيُمِيتُ استئناف أو خبر لمحذوف أو حال من المجرور في له وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الإِحياء والإِماتة وغيرهما. قَدِيرٌ تام القدرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2976>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)\nهُوَ الْأَوَّلُ السابق على سائر الموجودات من حيث إنه موجدها ومحدثها. وَالْآخِرُ الباقي بعد فنائها ولو بالنظر إلى ذاتها مع قطع النظر عن غيرها، أو هُوَ الْأَوَّلُ الذي تبتدأ منه الأسباب وتنتهي إليه المسببات، أو الْأَوَّلُ خارجًا والْآخِرُ ذهنًا. وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ الظاهر وجوده لكثرة دلائله والباطن حقيقة ذاته فلا تكتنهها العقول، أو الغالب على كل شيء والعالم بباطنه والواو الأولى والأخيرة للجمع بين الوصفين، والمتوسطة للجمع بين المجموعين. وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يستوي عنده الظاهر والخفي.\nهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ كالبذور.\nوَما يَخْرُجُ مِنْها كالزروع. وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كالأمطار. وَما يَعْرُجُ فِيها كالأبخرة. وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ لا ينفك علمه وقدرته عنكم بحال. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم عليه، ولعل تقديم الخلق على العلم لأنه دليل عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2977>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)","vol":"5","page":185},{"text":"لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ذكره مع الإِعادة كما ذكره مع كالإبداء لأنه كالمقدمة لهما. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.\nيُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بمكنوناتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2978>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)\nآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها فهي في الحقيقة له لا لكم، أو التي استخلفكم عمن قبلكم في تملكها والتصرف فيها، وفيه حث على الإِنفاق وتهوين له على النفس. فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ وعد فيه مبالغات جعل الجملة اسمية وإعادة ذكر الإِيمان والإِنفاق وبناء الحكم على الضمير وتنكير الأجر ووصفه بالكبر.\nوَما لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي وما تصنعون غير مؤمنين به كقولك: مالك قائمًا. وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ حال من ضمير تؤمنون، والمعنى أي عذر لكم في ترك الإِيمان والرسول يدعوكم إليه بالحجج والآيات. وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ أي وقد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان قبل، وذلك بنصب الأدلة والتمكين من النظر، والواو للحال من مفعول يَدْعُوكُمْ، وقرأ أبو عمرو على البناء للمفعول ورفع مِيثاقَكُمْ. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لموجب ما فإن هذا موجب لا مزيد عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2979>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)\nهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ أي الله أو العبد. مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان. وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث نبهكم بالرسول والآيات ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية.\nوَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا وأي شيء لكم في أَلَّا تُنْفِقُوا. فِي سَبِيلِ اللَّهِ فيما يكون قربة إليه. وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يرث كل شيء فيهما فلا يبقى لأحد مال، وإذا كان كذلك فإنفاقه بحيث يستخلف عوضًا يبقى وهو الثواب كان أولى. لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً بيان لتفاوت المنفقين باختلاف أحوالهم من السبق وقوة اليقين، وتحري الحاجات حثًا على تحري الأفضل منها بعد الحث على الإِنفاق، وذكر القتال للاستطراد وقسيم من أنفق محذوف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه، والْفَتْحِ فتح مكة إذ عز الإِسلام به وكثر أهله وقلت الحاجة إلى المقاتلة والإِنفاق. مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ أي من بعد الفتح. وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي وعد الله كلا من المنفقين المثوبة الحسنى وهي الجنة. وقرأ ابن عامر «وكُلٌ» بالرفع على الإِبتداء أي وكل وعده الله ليطابق ما عطف عليه. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ عالم بظاهره وباطنه فيجازيكم على حسبه، والآية نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه فإنه أول من آمن وأنفق في سبيل الله وخاصم الكفار حتى ضرب ضربًا أشرف به على الهلاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2980>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)","vol":"5","page":186},{"text":"مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا أي من الذي ينفق ماله في سبيله رجاء أن يعوضه، فإنه كمن يقرضه وحسن الإِنفاق بالإِخلاص فيه وتحري أكرم المال وأفضل الجهات له. فَيُضاعِفَهُ لَهُ أي يعطي أجره أضعافًا. وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ أي وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه ينبغي أن يتوخى وإن لم يضاعف، فكيف وقد يضاعف أضعافًا. وقرأ عاصم فَيُضاعِفَهُ بالنصب على جواب الاستفهام باعتبار المعنى فكأنه قال: أيقرض الله أحد فيضاعفه له. وقرأ ابن كثير «فيضعفه» مرفوعًا وقرأ ابن عامر ويعقوب «فيضعفه» منصوبًا.\nيَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ظرف لقوله وَلَهُ أو فَيُضاعِفَهُ أو مقدر باذكر يَسْعى نُورُهُمْ ما يوجب نجاتهم وهدايتهم إلى الجنة. بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين. بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ أي يقول لهم من يتلقاهم من الملائكة بُشْراكُمُ أي المبشر به جنات، أو بُشْراكُمُ دخول جنات. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الإِشارة إلى ما تقدم من النور والبشرى بالجنات المخلدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2981>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٣]</span>\nيَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣)\nيَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بدل من يَوْمَ تَرَى. لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا انتظرونا فإنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف، أو انظروا إلينا فإنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فيستضيئون بنور بين أيديهم. وقرأ حمزة «أنظرونا» على أن اتئادهم ليلحقوا بهم إمهال لهم. نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ نصب منه. قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ إلى الدنيا. فَالْتَمِسُوا نُورًا بتحصيل المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة، فإنه يتولد منها أو إلى الموقف فإنه من ثمة يقتبس، أو إلى حيث شئتم فاطلبوا نورًا آخر فإنه لا سبيل لكم إلى هذا، وهو تهكم بهم وتخييب من المؤمنين أو الملائكة فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بين المؤمنين والمنافقين. بِسُورٍ بحائط. لَهُ بابٌ يدخل منه المؤمنون. باطِنُهُ باطن السور أو الباب. فِيهِ الرَّحْمَةُ لأنه يلي الجنة. وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ من جهته لأنه يلي النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2982>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nيُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)\nيُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ يريدون موافقتهم في الظاهر. قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بالنفاق.\nوَتَرَبَّصْتُمْ بالمؤمنين الدوائر. وَارْتَبْتُمْ وشككتم في الدين. وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ كامتداد العمر. حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وهو الموت. وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ الشيطان أو الدنيا.\nفَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ فداء وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتاء. وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ظاهرًا وباطنًا.\nمَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ هي أولى بكم كقول لبيد:\nفَغَدَتْ كِلاَ الفرجَيْنِ تَحْسِبُ أَنَّه ... مَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفَهَا وَأمامها\nوحقيقته محراكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كقولك: هو مئنة الكرم أي مكان قول القائل","vol":"5","page":187},{"text":"إنه لكريم، أو مكانكم عما قريب من الولي وهو القرب، أو ناصركم على طريقة قوله: تحِيَّةُ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ. أو متوليكم يتولاكم كما توليتم موجباتها في الدنيا. وَبِئْسَ الْمَصِيرُ النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2983>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٦]</span>\nأَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)\nأَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ألم يأت وقته يقال أنى الأمر يأني أنيا وأنا وأنًا إذا جاء إناه، وقرئ «ألم يئن» بكسر الهمزة وسكون النون من آن يئين بمعنى أتى و«ألما يأن» .\nروي أن المؤمنين كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت.\nوَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ أي القرآن وهو عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر، ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله، وقرأ نافع وحفص ويعقوب نَزَلَ بالتخفيف. وقرئ «أنزل» . وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ عطف على تَخْشَعَ، وقرأ رويس بالتاء والمراد النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكي عنهم بقوله: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ أي فطال عليهم الأجل لطول أعمارهم وآمالهم، أو ما بينهم وبين أنبيائهم فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ. وقرئ «الأمد» وهو الوقت الأطول. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن دينهم رافضون لما في كتابهم من فرط القسوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2984>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)\nاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها تمثيل لإِحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بالإِحياء والإموات ترغيبًا في الخشوع وزجرًا عن القساوة. قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ كي تكمل عقولكم.\nإِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ إن المتصدقين والمتصدقات، وقد قرئ بهما، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بتخفيف الصاد أي الذين صدقوا الله ورسوله. وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا عطف على معنى الفعل في المحلى باللام لأن معناه: الذين أصدقوا، أو صدقوا وهو على الأول للدلالة على أن المعتبر هو التصدق المقرون بالإِخلاص. يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ معناه والقراءة في يُضاعَفُ كما مر غير أنه لم يجزم لأنه خبر إن وهو مسند إلى لَهُمْ أو إلى ضمير المصدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2985>[سورة الحديد (٥٧): آية ١٩]</span>\nوَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)\nوَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي أولئك عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء، أو هم المبالغون في الصدق فإنهم آمنوا وصدقوا جميع أخبار الله ورسله والقائمون بالشهادة لله ولهم، أو على الأمم يوم القيامة. وقيل وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ مبتدأ وخبر، والمراد به الأنبياء من قوله:\nفَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ أو الذين استشهدوا في سبيل الله. لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم ولكنه من غير تضعيف ليحل التفاوت، أو الأجر والنور الموعودان لهم.\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار من حيث أن التركيب يشعر بالاختصاص والصحبة تدل على الملازمة عرفا.","vol":"5","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2986>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٠]</span>\nاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠)\nاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ لما ذكر حال الفريقين في الآخرة حقر أمور الدنيا أعني ما لا يتوصل به إلى الفوز الآجل، بأن بين أنها أمور خيالية قليلة النفع سريعة الزوال لأنها لعب يتعب الناس فيه أنفسهم جدًا إتعاب الصبيان في الملاعب من غير فائدة، ولهو يلهون به أنفسهم عما يهمهم وزينة كالملابس الحسنة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة، وتفاخر بالأنساب أو تكاثر بالعدد والعدد، ثم قرر ذلك بقوله: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وهو تمثيل لها في سرعة تقضيها وقلة جدواها بحال نبات أنبته الغيث فاستوى وأعجب به الحراث، أو الكافرون بالله لأنهم أشداء إعجابًا بزينة الدنيا ولأن المؤمن إذا رأى معجبًا انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها، والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق فيه إعجابًا، ثم هاج أي يبس بعاهة فاصفر ثم صار حطامًا، ثم عظم أمور الآخرة الأبدية بقوله: وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ تنفيرًا عن الانهماك في الدنيا وحثًا على ما يوجب كرامة العقبى، ثم أكد ذلك بقوله: وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ أي لمن أقبل عليها ولم يطلب إلا الآخرة. وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ أي لمن أقبل عليها ولم يطلب بها الآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2987>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢١]</span>\nسابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)\nسابِقُوا سارعوا مسارعة المسابقين في المضمار. إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ إلى موجباتها. وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي عرضها كعرضهما وإذا كان العرض كذلك فما ظنك بالطول، وقيل المراد به البسطة كقوله: فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فيه دليل على أن الجنة مخلوقة وأن الإِيمان وحده كاف في استحقاقها. ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ذلك الموعود يتفضل به على مَن يَشَاء مِنْ غير إيجاب. وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ منه التفضل بذلك وإن عظم قدره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2988>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nمَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣)\nمَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ كجدب وعاهة. وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ كمرض وآفة. إِلَّا فِي كِتابٍ إلا مكتوبة في اللوح مثبتة في علم الله تعالى. مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها نخلقها والضمير لل مُصِيبَةٍ أو الْأَرْضِ أو للأنفس. إِنَّ ذلِكَ أي إثباته في كتاب. عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لاستغنائه تعالى فيه عن العدة والمدة. لِكَيْلا تَأْسَوْا أي أثبت وكتب كي لا تحزنوا عَلى مَا فاتَكُمْ من نعم الدنيا وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ بما أعطاكم الله منها فإن من علم أن الكل مقدر هان عليه الأمر، وقرأ أبو عمرو بِما آتاكُمْ من الإِتيان ليعادل ما فاتكم، وعلى الأول فيه إشعار بأن فواتها يلحقها إذا خليت وطباعها، وأما حصولها وإبقاؤها فلا بد لهما من سبب يوجدها ويبقيها، والمراد به نفي الآسي المانع عن التسليم لأمر الله والفرح الموجب للبطر والاختيال، ولذلك عقبه بقوله: وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ إذ قل من يثبت نفسه في حالي الضراء والسراء.","vol":"5","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2989>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٤]</span>\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ بدل من كل مختال فإن المختال بالمال يضن به غالبًا أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ لأن معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله غني عنه وعن إنفاقه محمود في ذاته لا يضره الإِعراض عن شكره ولا ينفعه التقرب إليه بشكر من نعمه، وفيه تهديد وإشعار بأن الأمر بالإِنفاق لمصلحة المنفق وقرأ نافع وابن عامر فإن الله الغني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2990>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦)\nلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا أي الملائكة إلى الأنبياء أو الأنبياء إلى الأمم. بِالْبَيِّناتِ بالحجج والمعجزات.\nوَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ ليبين الحق ويميز صواب العمل. وَالْمِيزانَ لتسوى به الحقوق ويقام به العدل كما قال تعالى: لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وإنزاله إنزال أسبابه والأمر باعداده، وقيل أنزل الميزان إلى نوح ﵇، ويجوز أن يراد به العدل. لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ لتقام به السياسة وتدفع به الأعداء كما قال:\nوَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ فإن آلات الحروب متخذة منه. وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ إذ ما من صنعة إلا والحديد آلاتها. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ باستعمال الأسلحة في مجاهدة الكفار والعطف على محذوف دل عليه ما قبله فإنه حال يتضمن تعليلًا، أو اللام صلة لمحذوف أي أنزله ليعلم الله. بِالْغَيْبِ حال من المستكن في ينصره. إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ، على إهلاك من أراد إهلاكه. عَزِيزٌ لا يفتقر إلى نصرة وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به ويستوجبوا ثواب الامتثال فيه.\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ بأن استنبأناهم وأوحينا إليهم الكتب.\nوقيل المراد الكتاب الخط. فَمِنْهُمْ فمن الذرية أو من المرسل إليهم وقد دل عليهم أَرْسَلْنا. مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن الطريق المستقيم والعدول عن السنن المقابلة للمبالغة في الذم والدلالة على أن الغلبة للضلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2991>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٧]</span>\nثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)\nثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أي أرسلنا رسولًا بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ﵇، والضمير لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم، أو من عاصرهما من الرسل لا للذرية، فإن الرسل الملقى بهم من الذرية. وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وقرئ بفتح الهمزة وأمره أهون من أمر البرطيل لأنه أعجمي. وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وقرئ «رآفة» على فعالة. وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، أو رهبانية مبتدعة على أنها من المجعولات وهي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس، منسوبة إلى الرهبان وهو المبالغ في الخوف من رهب كالخشيان من خشي، وقرئت بالضم كأنها منسوبة إلى الرهبان وهو جمع راهب كراكب وركبان. مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ما فرضناها عليهم.\nإِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ. وقيل متصل فإن مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ بمعنى ما تعبدناهم بها وهو كما ينفي الإِيجاب المقصود منه دفع العقاب ينفي الندب المقصود منه","vol":"5","page":190},{"text":"مجرد حصول مرضاة الله، وهو يخالف قوله ابْتَدَعُوها إلا أن يقال ابْتَدَعُوها ثم ندبوا إليها، أو ابْتَدَعُوها بمعنى استحدثوها وأتوا بها، أولا أنهم اخترعوها من تلقاء أنفسهم. فَما رَعَوْها أي فما رعوها جميعًا. حَقَّ رِعايَتِها بضم التثليث والقول بالاتحاد وقصد السمعة والكفر بمحمد ﵊ ونحوها إليها. فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا أتوا بالإِيمان الصحيح ومن ذلك الإِيمان بمحمد ﷺ وحافظوا حقوقها.\nمِنْهُمْ من المتسمين باتباعه. أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن حال الاتباع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2992>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالرسل المتقدمة. اتَّقُوا اللَّهَ فيما نهاكم عنه. وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمد ﵊. يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ نصيبين. مِنْ رَحْمَتِهِ لإيمانكم بمحمد ﷺ وإيمانكم بمن قبله، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق وإن كان منسوخًا ببركة الإِسلام، وقيل الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره.\nوَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ يريد المذكور في قوله: يَسْعى نُورُهُمْ أو الهدى الذي يسلك به إلى جناب القدس. وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2993>[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٩]</span>\nلِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)\nلِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أي ليعلموا و«لا» مزيدة ويؤيده أنه قرئ «ليعلم» و«لكي يعلم» و«لأن يعلم» بادغام النون في الياء. أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أن هي المخففة والمعنى: أنه لا ينالون شيئًا مما ذكر من فضله ولا يتمكنون من نيله لأنهم لم يؤمنوا برسوله وهو مشروط بالإِيمان به، أو لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْء من فضله فضلًا عن أن يتصرفوا في أعظمه وهو النبوة فيخصوها بمن أرادوا ويؤيده قوله: وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وقيل «لا» غير مزيدة، والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي والمؤمنون به على شىء من فضل الله ولا ينالونه، فيكون وَأَنَّ الْفَضْلَ عطفًا على لِئَلَّا يَعْلَمَ، وقرئ «ليلا يعلم» ووجهه أن الهمزة حذفت وأدغمت النون في اللام ثم أبدلت ياء. وقرئ «ليلا» على أن الأصل في الحروف المفردة الفتح.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله أجمعين» .","vol":"5","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2994>(٥٨) سورة المجادلة</span>\nمدنية وقيل العشر الأول مكي والباقي مدني، وآيها اثنتان وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2995>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)\nقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ\nروي أن خولة بنت ثعلبة ظاهر عنها زوجها أوس بن الصامت، فاستفتت رسول الله ﷺ فقال: «حرمت عليه»، فقالت: ما طلقني فقال: «حرمت عليه»، فاغتمت لصغر أولادها وشكت إلى الله تعالى فنزلت هذه الآيات الأربع\n، وقد تشعر بأن الرسول ﵊ أو المجادلة يتوقع أن الله يسمع مجادلتها وشكواها ويفرج عنها كربها، وأدغم حمزة والكسائي وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر دالها في السين. وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما تراجعكما الكلام وهو على تغليب الخطاب. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ للأقوال والأحوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2996>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢]</span>\nالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)\nالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ الظهار أن يقول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمي مشتق من الظهر، وألحق به الفقهاء تشبيهها بجزء أنثى محرم، وفي مِنْكُمْ تهجين لعادتهم فيه فإنه كان من إيمان أهل الجاهلية، وأصل يظهرون يتظهرون وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي يظهرون من أظاهر، وعاصم يظهرون من ظاهر. مَّا هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ أي على الحقيقة. إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ فلا تشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الله بهن كالمرضعات وأزواج الرسول، وعن عاصم أُمَّهاتِهِمْ بالرفع على لغة بني تميم، وقرئ ب «أمهاتهم» وهو أيضًا على لغة من ينصب. وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ إذ الشرع أنكره.\nوَزُورًا منحرفًا عن الحق فإن الزوجة لا تشبه الأم. وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ لما سلف منه مطلقًا، أو إذا تيب عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2997>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٣]</span>\nوَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)\nوَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أي إلى قولهم بالتدارك ومنه المثل: عاد الغيث على ما أفسد، وهو بنقض ما يقتضيه وذلك عند الشافعي بإمساك المظاهر عنها في النكاح زمانًا يمكنه مفارقتها فيه، إذ التشبيه يتناول حرمته لصحة استثنائها عنه وهو أقل ما ينتقض به. وعند أبي حنيفة باستباحة استمتاعها ولو بنظرة شهوة. وعند مالك بالعزم على الجماع، وعند الحسن بالجماع. أو بالظهار في الإِسلام على أن قوله يَظْهَرُونَ بمعنى يعتادون الظهار إذ كانوا يظاهرون في الجاهلية، وهو قول الثوري أو بتكراره لفظًا وهو قول","vol":"5","page":192},{"text":"الظاهرية، أو معنى بأن يحلف على ما قال وهو قول أبي مسلم أو إلى المقول فيها بامساكها، أو استباحة استمتاعها أو وطئها. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي فعليهم أو فالواجب إعتاق رقبة والفاء للسببية، ومن فوائدها الدلالة على تكرر وجوب التحرير بتكرر الظهار، والرقبة مقيدة بالإيمان عندنا قياسًا على كفارة القتل. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا أن يستمتع كل من المظاهر عنها بالآخر لعموم اللفظ ومقتضى التشبيه، أو أن يجامعها وفيه دليل على حرمة ذلك قبل التكفير. ذلِكُمْ أي ذلكم الحكم بالكفارة. تُوعَظُونَ بِهِ لأنه يدل على ارتكاب الجناية الموجبة للغرامة ويردع عنه. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لا تخفى عليه خافية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2998>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٤]</span>\nفَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)\nفَمَنْ لَمْ يَجِدْ أي الرقبة والذي غاب ماله واجد. فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فإن أفطر بغير عذر لزمه الاستئناف وإن أفطر لعذر ففيه خلاف، وإن جامع المظاهر عنها ليلًا لم ينقطع التتابع عندنا خلافًا لأبي حنيفة ومالك رضي الله تعالى عنهما. فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أي الصوم لهرم أو مرض مزمن أو شبق مفرط فإنه ﷺ رخص للأعرابي المفطر أن يعدل لأجله. فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ستين مدًا بمد رسول الله ﷺ، وهو رطل وثلث لأنه أقل ما قيل في الكفارات وجنسه المخرج في الفطرة، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعًا من غيره، وإنما لم يذكر التماس مع الطعام اكتفاء بذكره مع الآخرين، أو لجوازه في خلال الإطعام كما قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه. ذلِكَ أي ذلك البيان أو التعليم للأحكام ومحله النصب بفعل معلل بقوله: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، أي فَرضَ ذَلِكَ لتصدقوا بالله وَرَسُولِهِ في قبول شرائعهِ وَرَفْض مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهليتكم وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ لا يجوز تعديها.\nوَلِلْكافِرِينَ أي الذين لا يقبلونها. عَذابٌ أَلِيمٌ هو نظير قوله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2999>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعادونهما فإن كلًا من المتعاديين في حد غير حد الآخر، أو يضعون أو يختارون حدودًا غير حدودهما. كُبِتُوا أخزوا أو أهلكوا وأصل الكبت الكب. كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني كفار الأمم الماضية. وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ تدل على صدق الرسول وما جاء به. وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ يذهب عزهم وتكبرهم.\nيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ منصوب ب مُهِينٌ أو بإضمار اذكر. جَمِيعًا كلهم لا يدع أحدًا غير مبعوث أو مجتمعين. فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أي على رؤوس الأشهاد تشهيرًا لحالهم وتقريرًا لعذابهم. أَحْصاهُ اللَّهُ أحاط به عددًا لم يغب منه شيء. وَنَسُوهُ لكثرته أو تهاونهم به. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ لا يغيب عنه شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3000>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٧]</span>\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)\n.","vol":"5","page":193},{"text":"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كليًا وجزئيًا. مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ أي ما يقع من تناجي ثلاثة، ويجوز أن يقدر مضاف أو يؤول نَجْوى بمتناجين ويجعل ثَلاثَةٍ صفة لها، واشتقاقها من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض فإن السر أمر مرفوع إلى الذهن لا يتيسر لكل أحد أن يطلع عليه. إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ إلا الله يجعلهم أربعة من حيث أنه يشاركهم في الاطلاع عليها، والاستثناء من أعم الأحوال. وَلا خَمْسَةٍ ولا نجوى خمسة. إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وتخصيص العددين إما لخصوص الواقعة فإن الآية نزلت في تناجي المنافقين، أو لأن الله تعالى وتر يحب الوتر، والثلاثة أول الأوتار أو لأن التشاور لا بد له من اثنين يكونان كالمتنازعين وثالث يتوسط بينها، وقرئ ثَلاثَةٍ و«خَمْسَةٍ» بالنصب على الحال بإضمار يَتَناجَوْنَ أو تأويل نَجْوى بمتناجين. وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ ولا أقل مما ذكر كالواحد والاثنين. وَلا أَكْثَرَ كالستة وما فوقها. إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ يعلم ما يجري بينهم. وقرأ يعقوب ولا أكثر بالرفع عطفًا على محل من نَجْوى أو محل لا أدنى بأن جعلت لا لنفي الجنس. أَيْنَ ما كانُوا فإن علمه بالأشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة. ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ تفضيحًا لهم وتقريرًا لما يستحقونه من الجزاء. إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لأن نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل على السواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3001>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ، نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين فنهاهم رسول الله ﷺ ثم عادوا لمثل فعلهم. وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ أي بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول، وقرأ حمزة «وينتجون» وهو يفتعلون من النجوى وروي عن يعقوب مثله. وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ فيقولون السام عليك، أو أنعم صباحًا والله تعالى يقول: وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى. وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ فيما بينهم. لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ هلا يعذبنا الله بذلك لو كان محمد نبيًا. حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ عذابًا. يَصْلَوْنَها يَدخلونها. فَبِئْسَ الْمَصِيرُ جهنم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3002>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ كما يفعله المنافقون وعن يعقوب «فلا تنتجوا» . وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى بما يتضمن خير المؤمنين والاتقاء عن معصية الرسول. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فيما تأتون وتذرون فإنه مجازيكم عليه.\nإِنَّمَا النَّجْوى أَي النجوى بالإِثم والعدوان. مِنَ الشَّيْطانِ فإنه المزين لها والحامل عليها. لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا بتوهمهم أنها في نكبة أصابتهم. وَلَيْسَ أي الشيطان أو التناجي. بِضارِّهِمْ بضار المؤمنين.\nشَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ إلا بمشيئته. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ولا يبالوا بنجواهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3003>[سورة المجادلة (٥٨): آية ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)","vol":"5","page":194},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض من قولهم: افسح عني أي تنح، وقرئ «تفاسحوا» والمراد بالمجلس الجنس ويدل عليه قراءة عاصم بالجمع، أو مجلس رسول الله ﷺ فإنهم كانوا يتضامون به تنافسًا على القرب منه وحرصًا على استماع كلامه. فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ فيما تريدون التفسح فيه من المكان والرزق والصدر وغيرها. وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا انهضوا للتوسعة أو لما أمرتم به كصلاة أو جهاد، أو ارتفعوا عن المجلس. فَانْشُزُوا وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الشين فيهما. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ بالنصر وحسن الذكر في الدنيا، وإيوائهم غرف الجنان في الآخرة. وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ويرفع العلماء منهم خاصة درجات بما جمعوا من العلم والعمل، فإن العلم مع علو درجته يقتضي العمل المقرون به مزيد رفعة، ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله ولا يقتدى بغيره.\nوفي الحديث «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» .\nوَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ تهديد لمن لم يتمثل الأمر أو استكرهه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3004>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً فتصدقوا قدامها مستعار ممن له يدان، وفي هذا الأمر تعظيم الرسول وإنفاع الفقراء والنهي عن الإِفراط في السؤال، والميز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا، واختلف في أنه للندب أو للوجوب لكنه منسوخ بقوله: أَأَشْفَقْتُمْ وهو وإن اتصل به تلاوة لم يتصل به نزولًا.\nوعن على كرم الله وجهه إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم.\nوهو على القول بالوجوب لا يقدح في غيره فلعله لم يتفق للأغنياء مناجاة في مدة بقائه، إذ\nروي أنه لم يبق إلا عشرًا\nوقيل إلا ساعة. ذلِكَ أي ذلك التصدق. خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ أي لانْفُسِكُم من الريبة وحب المال وهو يشعر بالندبية لكن قوله: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي لمن لم يجده حيث رخص له في المناجاة بلا تصدق أدل على الوجوب.\nأَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ أخفتم الفقر من تقديم الصدقة أو أخفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر وجمع صَدَقاتٍ لجمع المخاطبين، أو لكثرة التناجي. فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بأن رخص لكم أن لا تفعلوه، وفيه إشعار بأن إشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه لما رأى منهم مما قام مقام توبتهم وإذ على بابُّها وقيل بمعنى إذا أو إن. فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ. فلا تفرطوا في أدائهما.\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في سائر الأوامر، فإن القيام بها كالجابر للتفريط في ذلك. وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ظاهرا وباطنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3005>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَّا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا والوا. قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني اليهود: مَّا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك. وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وهو ادعاء الإسلام. وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن المحلوف عليه كذب كمن يحلف بالغموس، وفي هذا التقييد دليل على أن الكذب يعم ما يعلم المخبر عدم مطابقته وما لا","vol":"5","page":195},{"text":"يعلم.\nوروي أنه ﵇ كان في حجرة من حجراته فقال «يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل عبد الله بن نبتل المنافق وكان أزرق فقال ﵊ له: علام تشتمني أنت وأصحابك، فحلف بالله ما فعل ثم جاء بأصحابه فحلفوا فنزلت» .\nأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا نوعًا من العذاب متفاقمًا. إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ فتمرنوا على سوء العمل وأصروا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3006>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nاتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧)\nاتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ أي التي حلفوا بها، وقرئ بالكسر أي «أيمانهم» الذي أظهروه. جُنَّةً وقاية دون دمائهم وأموالهم. فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فصدوا الناس في خلال أمنهم عن دين الله بالتحريش والتثبيط.\nفَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم. وقيل الأول عذاب القبر وهذا عذاب الآخرة.\nلَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ قد سبق مثله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3007>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)\nيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ أي لله تعالى على أنهم مسلمون. كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ في الدنيا ويقولون إنهم لمنكم. وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ في حلفهم الكاذب لأن تمكن النفاق في نفوسهم بحيث يخيل إليهم في الآخرة أن الأيمان الكاذبة تروج الكذب على الله كما تروجه عليكم في الدنيا. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ البالغون الغاية في الكذب حيث يكذبون مع عالم الغيب والشهادة ويحلفون عليه.\nاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ استولى عليهم من حذت الإِبل وأحذتها إذا استوليت عليها، وهو مما جاء على الأصل. فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ لا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم. أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ\nجنوده وأتباعه.\nأَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد وعرضوها للعذاب المخلد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3008>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ في جملة من هو أذل خلق الله.\nكَتَبَ اللَّهُ في اللوح. لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي أي بالحجة، وقرأ نافع وابن عامر رُسُلِي بفتح الياء.\nإِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ على نصر أنبيائه. عَزِيزٌ لا يغلب عليه شيء في مراده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3009>[سورة المجادلة (٥٨): آية ٢٢]</span>\nلاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)\nلاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي لا ينبغي أن تجدهم وادين","vol":"5","page":196},{"text":"أعداء الله، والمراد أنه لا ينبغي أن يوادوهم. وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ولو كان المحادون أقرب الناس إليهم. أُولئِكَ أي الذين لم يوادوهم. كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ أثبته فيها، وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإِيمان، فإن جزء الثابت في القلب يكون ثابتًا فيه، وأعمال الجوارح لا تثبت فيه. وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ أي من عند الله وهو نور القلب أو القرآن، أو بالنصر على العدو. قيل الضمير ل الْإِيمانَ فإنه سبب لحياة القلب. وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ﵃ بطاعتهم. وَرَضُوا عَنْهُ بقضائه أو بما وعدهم من الثواب. أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ جنده وأنصار دينه. أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بخير الدارين.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة» .","vol":"5","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3010>(٥٩) سورة الحشر</span>\nمدينة وآيها أربع وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3011>[سورة الحشر (٥٩): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)\nسَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ\nروي «أنه ﵇ لما قدم المدينة صالح بني النضير على أن لا يكونوا له ولا عليه، فلما ظهر يوم بدر قالوا: إنه النبي المنعوت في التوراة بالنصرة، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا وخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبًا إلى مكة وحالفوا أبا سفيان، فأمر رسول الله ﷺ أخا كعب من الرضاعة فقتله غيلة، ثم صبحهم بالكتائب وحاصرهم حتى صالحوا على الجلاء فجلا أكثرهم إلى الشام ولحقت طائفة بخيبر والحيرة» فأنزل الله تعالى\nسَبَّحَ لِلَّهِ إلى قوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3012>[سورة الحشر (٥٩): آية ٢]</span>\nهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)\nهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ أي في أول حشرهم من جزيرة العرب إذ لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك، أو في أول حشرهم للقتال أو الجلاء إلى الشام، وآخر حشرهم إجلاء عمر رضي الله تعالى عنه إياهم من خيبر إليه، أو في أول حشر الناس إلى الشام وآخر حشرهم أنهم يحشرون إليه عند قيام الساعة فيدركهم هناك، أو أن نارًا تخرج من المشرق فتحشرهم إلى المغرب. والحشر إخراج جمع من مكان إلى آخر. مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا لشدة بأسهم ومنعتهم. وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ أي أن حصونهم تمنعهم من بأس الله، وتغيير النظم وتقديم الخبر وإسناد الجملة إلى ضميرهم للدلالة على فرط وثوقهم بحصانتها واعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة بسببها، ويجوز أن تكون حُصُونُهُمْ فاعلًا ل مانِعَتُهُمْ. فَأَتاهُمُ اللَّهُ أي عذابه وهو الرعب والاضطرار إلى الجلاء، وقيل الضمير ل الْمُؤْمِنِينَ أي فأتاهم نصر الله، وقرئ «فاتاهم الله» أي العذاب أو النصر. مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا لقوة وثوقهم. وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وأثبت فيها الخوف الذي يرعبها أي يملؤها. يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ضنًا بها على المسلمين وإخراجًا لما استحسنوا من آلاتها. وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فإنهم أيضًا كانوا يخربون ظواهرها نكاية وتوسيعًا لمجال القتال. وعطفها على «أيديهم» من حيث أن تخريب المؤمنين مسبب عن نقضهم فكأنهم استعملوهم فيه، والجملة حال أو تفسير ل الرُّعْبَ. وقرأ أبو عمرو يُخْرِبُونَ بالتشديد وهو أبلغ لما فيه من التكثير. وقيل الإِخراب التعطيل أو ترك الشيء خرابًا والتخريب الهدم.\nفَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ فاتعظوا بحالهم فلا تغدروا ولا تعتمدوا على غير الله، واستدل به على أن القياس حجة من حيث أنه أمر بالمجاوزة من حال إلى حال وحملها عليها في حكم لما بينهما من المشاركة المقتضية","vol":"5","page":198},{"text":"له على ما قررناه في الكتب الأصولية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3013>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤)\nوَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ الخروج من أوطانهم. لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة. وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ استئناف معناه أنهم إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة.\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ الإِشارة إلى ما ذكر مما حاق بهم وما كانوا بصدده وما هو معد لهم أو إلى الأخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3014>[سورة الحشر (٥٩): آية ٥]</span>\nمَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)\nمَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أي شيء قطعتم من نخلة فعلة من اللون ويجمع على ألوان، وقيل من اللين ومعناها النخلة الكريمة وجمعها أليان. أَوْ تَرَكْتُمُوها الضمير لما وتأنيثه لأنه مفسر باللينة. قائِمَةً عَلى أُصُولِها وقرئ «أصلها» اكتفاء بالضمة عن الواو أو على أنه كرهن. فَبِإِذْنِ اللَّهِ فبأمره. وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ علة لمحذوف أي وفعلتم أو وأذن لكم في القطع ليجزيهم على فسقهم بما غاظهم منه.\nروي أنه ﵇ لما أمر بقطع نخيلهم قالوا: قد كنت يا محمد تنهى عَنِ الفساد فِى الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها فنزلت.\nواستدل به على جواز هدم ديار الكفار وقطع أشجارهم زيادة لغيظهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3015>[سورة الحشر (٥٩): آية ٦]</span>\nوَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)\nوَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وما أعاده عليه بمعنى صيره له أو رده عليه، فإنه كان حقيقًا بأن يكون له لأنه تعالى خلق الناس لعبادته وخلق ما خلق لهم ليتوسلوا به إلى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين.\nمِنْهُمْ من بني النضير أو من الكفرة. فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ فما أجريتم على تحصيله من الوجيف وهو سرعة السير. مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ما يركب من الإِبل غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه، وذلك إن كان المراد فيءُ بني النضير، فلأن قراهم كانت على ميلين من المدينة فمشوا إليها رجالًا غير رسول الله ﷺ فإنه ركب جملًا أو حمارًا، ولم يجر مزيد قتال ولذلك لم يعط الأنصار منه شيئًا إلا ثلاثة كانت بهم حاجة.\nوَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ بقذف الرعب في قلوبهم. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيفعل ما يريد تارة بالوسائط الظاهرة وتارة بغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3016>[سورة الحشر (٥٩): آية ٧]</span>\nمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)\nمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى بيان للأول ولذلك لم يعطف عليه. فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ اختلف في قسم الفيء، فقيل يسدس لظاهر الآية ويصرف سهم الله في عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل يخمس لأن ذكر الله للتعظيم ويصرف الآن سهم الرسول عليه الصلاة","vol":"5","page":199},{"text":"والسلام إلى الإِمام على قول وإلى العساكر والثغور على قول وإلى مصالح المسلمين على قول. وقيل يخمس خمسه كالغنيمة فإنه ﵊ كان يقسم الخمس كذلك ويصرف الأخماس الأربعة كما يشاء والآن على الخلاف المذكور. كَيْ لا يَكُونَ أي الفيء الذي حقه أن يكون للفقراء. وقرأ هشام في رواية بالتاء.\nدُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ الدولة ما يتداوله الأغنياء ويدور بينهم كما كان في الجاهلية، وقرئ «دُولَةً» بمعنى كيلا يكون الفيء ذا تداول بينهم أو أخذه غلبة تكون بينهم، وقرأ هشام دُولَةً بالرفع على كان التامة أي كيلا يقع دولة جاهلية. وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ وما أعطاكم من الفيء أو من الأمر. فَخُذُوهُ لأنه حلال لكم، أو فتمسكوا به لأنه واجب الطاعة. وَما نَهاكُمْ عَنْهُ عن أخذه منه، أو عن إتيانه. فَانْتَهُوا عنه. وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة رسوله. إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن خالفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3017>[سورة الحشر (٥٩): آية ٨]</span>\nلِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)\nلِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ بدل من لِذِي الْقُرْبى وما عطف عليه فإن الرَّسُولُ لا يسمى فقيرًا، ومن أعطى أغنياء ذوي القربى خصص الإبدال بما بعده، أو الفيء بفيء بني النضير. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ فإن كفار مكة أخرجوهم وأخذوا أموالهم. يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا حال مقيدة لإخراجهم بما يوجب تفخيم شأنهم. وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بأنفسهم وأموالهم. أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3018>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nوَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)\nوَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ عطف على المهاجرين، والمراد بهم الأنصار الذين ظهر صدقهم فإنهم لزموا المدينة والإِيمان وتمكنوا فيهما، وقيل المعنى تبؤوا دار الهجرة ودار الإِيمان فحذف المضاف من الثاني والمضاف إليه من الأول وعوض عنه اللام، أو تبؤوا الدار وأخلصوا الإِيمان كقوله: علفتها تبنا وماء باردا.\nوقيل سمى المدينة بالإِيمان لأنها مظهره ومصيره. مِنْ قَبْلِهِمْ من قبل هجرة المهاجرين. وقيل تقدير الكلام والذين تبؤوا الدار من قبلهم والإِيمان. يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ ولا يثقل عليهم. وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ في أنفسهم. حاجَةً ما تحمل عليه الحاجة كالطلب والحزازة والحسد والغيظ. مِمَّا أُوتُوا مما أعطي المهاجرون من الفيء وغيره. وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ويقدمون المهاجرين على أنفسهم حتى إن من كان عنده امرأتان نزل عن واحدة وزوجها من أحدهم. وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ حاجة من خصاص البناء وهي فرجه. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإِنفاق. فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالثناء العاجل والثواب الآجل.\nوَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ هم الذين هاجروا حين قوي الإِسلام، أو التابعون بإحسان وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ولذلك قيل: إن الآية قد استوعبت جميع المؤمنين. يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ أي لإِخواننا في الدين. وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا حقدًا لهم.\nرَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فحقيق بأن تجيب دعاءنا.","vol":"5","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3019>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يريد الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر أو الصداقة والموالاة. لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ من دياركم. لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ في قتالكم أو خذلانكم. أَحَدًا أَبَدًا أي من رسول الله ﷺ والمؤمنين. وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ لنعَاوننكم. وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ لعلمه بأنهم لا يفعلون ذلك كما قال:\nلَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وكان كذلك فإن ابن أبي وأصحابه راسلوا بني النضير بذلك ثم أخلفوهم، وفيه دليل على صحة النبوة وإعجاز القرآن. وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ على الفرض والتقدير. لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ انهزامًا. ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ بعد بل يخذلهم الله ولا ينفعهم نصرة المنافقين، أو نفاقهم إذ ضمير الفعلين يحتمل أن يكون لليهود وأن يكون للمنافقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3020>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nلَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ (١٤)\nلَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً أي أشد مرهوبية مصدر للفعل المبني للمفعول. فِي صُدُورِهِمْ فإنهم كانوا يضمرون مخافتهم من المؤمنين. مِنَ اللَّهِ على ما يظهرونه نفاقًا فإن استبطان رهبتكم سبب لإظهار رهبة الله. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ لا يعلمون عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته ويعلموا أنه الحقيق بأن يخشى.\nلاَ يُقاتِلُونَكُمْ اليهود والمنافقون. جَمِيعًا مجتمعين متفقين. إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ بالدروب والخنادق. أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ لفرط رهبتهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «جدار» وأمال أبو عمرو فتحة الدال.\nبَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي وليس ذلك لضعفهم وجبنهم فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضًا، بل لقذف الله الرعب في قلوبهم ولأن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله. تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا مجتمعين متفقين. وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متفرقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ما فيه صلاحهم وإن تشتت القلوب يوهن قواهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3021>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٥ الى ١٧]</span>\nكَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)\nكَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي مثل اليهود كمثل أهل بدر، أو بني قينقاع إن صح أنهم أخرجوا قبل النضير، أو المهلكين من الأمم الماضية. قَرِيبًا في زمان قريب وانتصابه بمثل إذ التقدير كوجود مثل.\nذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ سوء عاقبة كفرهم في الدنيا. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.\nكَمَثَلِ الشَّيْطانِ أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان. إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور. فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ تبرأ عنه","vol":"5","page":201},{"text":"مخافة أن يشاركه في العذاب ولم ينفعه ذلك كما قال.\nفَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ والمراد من الإِنسان الجنس. وقيل أبو جهل قال له إبليس يوم بدر لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ الآية. وقيل راهب حمله على الفجور والارتداد وقرئ «عاقبتهما» و«خالدان» على أنه خبر إن وفِي النَّارِ لغو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3022>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٨ الى ٢٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لاَ يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ليوم القيامة سماه به لدنوه أو لأن الدنيا كيوم والآخرة كغده، وتنكيره للتعظيم وأما تنكير النفس فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدمن للآخرة كأنه قال:\nفلتنظر نفس واحدة في ذلك. وَاتَّقُوا اللَّهَ تكرير للتأكيد، أو الأول في أداء الواجبات لأنه مقرون بالعمل والثاني في ترك المحارم لاقترانه بقوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ وهو كالوعيد على المعاصي.\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ نسوا حقه. فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ فجعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها ولم يفعلوا ما يخلصها، أو أراهم يوم القيامة من الهول ما أنساهم أنفسهم. أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الكاملون في الفسوق.\nلاَ يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا للجنة والذين استمهنوها فاستحقوا النار، واحتج به أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالكافر. أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ بالنعيم المقيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3023>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nلَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)\nلَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تمثيل وتخييل كما مر في قوله:\nإِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ ولذلك عقبه بقوله: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فإن الإِشارة إليه وإلى أمثاله. والمراد توبيخ الإِنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن لقساوة قلبه وقلة تدبره، والتصدع التشقق.\nوقرئ «مصدعًا» على الإِدغام.\nهُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ما غاب عن الحس من الجواهر القدسية وأحوالها، وما حضر له من الأجرام وأعراضها، وتقديم الْغَيْبِ لتقدمه في الوجود وتعلق العلم القديم به، أو المعدوم والموجود، أو السر والعلانية. وقيل الدنيا والآخرة. هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3024>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nهُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)\nهُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ البالغ في النزاهة عما يوجب نقصانا. وقرئ بالفتح وهو لغة فيه. السَّلامُ ذو السلامة من كل نقص وآفة، مصدر وصف به للمبالغة. الْمُؤْمِنُ واهب الأمن،","vol":"5","page":202},{"text":"وقرئ بالفتح بمعنى المؤمن به على حذف الجار. الْمُهَيْمِنُ الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل من الأمن قلبت همزته هاء. الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الذي جبر خلقه على ما أراده، أو جبر حالهم بمعنى أصلحه. الْمُتَكَبِّرُ الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصانًا. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ إذ لا يشركه في شيء من ذلك.\nهُوَ اللَّهُ الْخالِقُ المقدر للأشياء على مقتضى حكمته. الْبارِئُ الموجد لها بريئًا من التفاوت.\nالْمُصَوِّرُ الموجد لصورها وكيفياتها كما أراد. (ومن أراد الإِطناب في شرح هذه الأسماء وأخواتها فعليه بكتابي المسمى ب «منتهى المنى» . لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى لأنها دالة على محاسن المعاني. يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لتنزهه عن النقائص كلها. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الجامع للكمالات بأسرها فإنها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» .","vol":"5","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3025>(٦٠) سورة الممتحنة</span>\nمدينة وآيها ثلاث عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3026>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ\nنزلت في حاطب بن أبي بلتعة، فإنه لما علم أن رسول الله ﷺ يغزو أهل مكة كتب إليهم أن رسول الله ﷺ يريدكم فخذوا حذركم، وأرسل كتابه مع سارة مولاة بني المطلب، فنزل جبريل ﵇ فأعلم رسول الله، فبعث رسول الله ﷺ عليًا وعمارًا وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب حاطب إلى أهل مكة، فخذوه منها وخلوها فإن أبت فاضربوا عنقها، فأدركوها ثمة فجحدت فهموا بالرجوع، فسل علي رضي الله تعالى عنه السيف فأخرجته من عقاصها، فاستحضر رسول الله ﷺ حاطبًا وقال: ما حملك عليه؟ فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولكني كنت امرأ ملصقًا في قريش وليس لي فيهم من يحمي أهلي، فأردت أن آخذ عندهم يدًا وقد علمت أن كتابي لا يغني عنهم شيئًا، فصدقه رسول الله ﷺ وعذره.\nتُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ تفضون إليهم المودة بالمكاتبة، والباء مزيدة أو إخبار رسول الله ﷺ بسبب المودة، والجملة حال من فاعل لاَ تَتَّخِذُوا أو صفة لأولياء جرت على غير من هي له، ولا حاجة فيها إلى إبراز الضمير لأنه مشروط في الاسم دون الفعل. وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ حال من فاعل أحد الفعلين. يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أي من مكة وهو حال من كَفَرُوا أو استئناف لبيانه. أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ بأن تؤمنوا به وفيه تغليب المخاطب والالتفات من التكلم إلى الغيبة للدلالة على ما يوجب الإِيمان.\nإِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ عن أوطانكم. جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي علة للخروج وعمدة للتعليق وجواب الشرط محذوف دل عليه لاَ تَتَّخِذُوا. تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ بدل من تُلْقُونَ أو استئناف معناه: أي طائل لكم في أسرار المودة أو الإخبار بسبب المودة. وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ أي منكم. وقيل أَعْلَمُ مضارع والباء مزيدة و«ما» موصولة أو مصدرية. وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ أي من يفعل الاتخاذ. فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أخطأه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3027>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nإِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)\nإِنْ يَثْقَفُوكُمْ يظفروا بكم. يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ولا ينفعكم إلقاء المودة إليهم. وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ ما يسوؤكم كالقتل والشتم. وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ وتمنوا ارتدادكم، ومجيء وَدُّوا وحده بلفظ الماضي للإِشعار بأنهم وَدُّوا قبل كل شيء، وأن ودادتهم حاصلة وإن لم يثقفوكم.","vol":"5","page":204},{"text":"لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ قراباتكم. وَلا أَوْلادُكُمْ الذين توالون المشركين لأجلهم. يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ يفرق بينكم بما عراكم من الهول فيفر بعضكم من بعض فما لكم ترفضون اليوم حق الله لمن يفر منكم غدًا، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الصاد والتشديد وفتح الفاء، وقرأ ابن عامر يُفَصّلُ على البناء للمفعول وهو بَيْنَكُمْ، وقرأ عاصم يَفْصِلُ. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3028>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nقَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)\nقَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قدوة. اسم لما يؤتسى به. فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ صفة ثانية أو خبر كان ولَكُمْ لغو أو حال من المستكن في حَسَنَةٌ أو صلة لها لا ل أُسْوَةٌ لأنها وصفت. إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ ظرف لخبر كان. إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ جميع بريء كظريف وظرفاء. وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ أي بدينكم أو بمعبودكم، أو بكم وبه فلا نعتد بشأنكم وآلهتكم. وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ فتنقلب العداوة والبغضاء ألفة ومحبة. إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ استثناء من قوله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فإن استغفاره لأبيه الكافر ليس مما ينبغي أن يأتسوا به، فإنه كان قبل النهي أو لموعدة وعدها إياه. وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من تمام قوله المستثنى ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أجزائه. رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ متصل بما قبل الاستثناء أو أمر من الله للمؤمنين بأن يقولوه تتميمًا لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار.\nرَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نتحمله. وَاغْفِرْ لَنا ما فرط منا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ومن كان كذلك كان حقيقًا بأن يجير المتوكل ويجيب الداعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3029>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ تكرير لمزيد الحث على التأسي بإبراهيم ولذلك صدر بالقسم وأبدل قوله: لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ من لَكُمْ فإنه يدل على أنه لا ينبغي لمؤمن أن يترك التأسي بهم، وإن تركه مؤذن بسوء العقيدة ولذلك عقبه بقوله: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فإنه جدير بأن يوعد به الكفرة.\nعَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً لما نزل لاَ تَتَّخِذُوا عادى المؤمنون أقاربهم المشركين وتبرؤوا عنهم، فوعدهم الله بذلك وأنجز إذ أسلم أكثرهم وصاروا لهم أولياء. وَاللَّهُ قَدِيرٌ على ذلك. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لما فرط منكم في موالاتهم من قبل ولما بقي في قلوبكم من ميل الرحم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3030>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nلاَّ يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)\nلاَّ يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أي لا ينهاكم عن مبرَّة","vol":"5","page":205},{"text":"هؤلاء لأن قوله: أَنْ تَبَرُّوهُمْ بدل من الَّذِينَ. وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ وتفضوا إليهم بالقسط أي العدل. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ العادلين،\nروي أن قتيلة بنت عبد العزى قدمت مشركة على بنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا، فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول فنزلت.\nإِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ كمشركي مكة فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين وبعضهم أعانوا المخرجين. أَنْ تَوَلَّوْهُمْ بدل من الَّذِينَ بدل الاشتمال. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لوضعهم الولاية في غير موضعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3031>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهم لسانهن في الإِيمان. اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فإنه المطلع على ما في قلوبهن. فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ العلم الذي يمكنكم تحصيله وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنما سماه علمًا إيذانًا بأنه كالعلم في وجوب العمل به. فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ أي إلى أزواجهن الكفرة لقوله: لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ والتكرير للمطابقة والمبالغة، أو الأولى لحصول الفرقة والثانية للمنع عن الاستئناف. وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا ما دفعوا إليهن من المهور، وذلك لأن صلح الحديبية جرى: على أن من جاءنا منكم رددناه. فلما تعذر عليه ردهن لورود النهي عنه لزمه رد مهورهن. إذ\nروي أنه ﵇ كان بعد الحديبية إذ جاءته سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة فأقبل زوجها مسافر المخزومي طالبًا لها فنزلت.\nفاستخلفها رسول الله ﷺ فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوجها عمر رضي الله تعالى عنه. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ فإن الإِسلام حال بينهن وبين أزواجهن الكفار. إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ شرط إيتاء المهر في نكاحهن إيذانًا بأن ما أعطى أزواجهن لا يقوم مقام المهر. وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ بما يعتصم به الكافرات من عقد وسبب جمع عصمة، والمراد نهي المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات، وقرأ البصريان وَلا تُمْسِكُوا بالتشديد. وَسْئَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ من مهور نسائكم اللاحقات بالكفار. وَلْيَسْئَلُوا مَا أَنْفَقُوا من مهور أزواجهم المهاجرات. ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يعني جميع ما ذكر في الآية. يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ استئناف أو حال من الحكم على حذف الضمير، أو جعل الحكم حاكمًا على المبالغة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يشرع ما تقتضيه حكمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3032>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١١]</span>\nوَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)\nوَإِنْ فاتَكُمْ وإن سبقكم وانفلت منكم. شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ أحد من أزواجكم، وقد قرئ به وإيقاع شَيْءٌ موقعه للتحقير والمبالغة في التعميم، أو شَيْءٌ من مهورهن. إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فجاءت عقبتكم أي نوبتكم من أداء المهر، شبه الحكم بأداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره. فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر.\nروي أنه لما نزلت الآية المتقدمة أبى المُشركون أن يؤدوا مهر الكوافر فنزلت.\nوقيل معناه إن فاتكم فأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة فَآتُوا بدل الفائت من الغنيمة. وَاتَّقُوا","vol":"5","page":206},{"text":"اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ\nفإن الإِيمان به يقتضي التقوى منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3033>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا نزلت يوم الفتح فإنه ﵇ لما فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء. وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ يريد وأد البنات.\nوَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ في حسنة تأمرهن بها، والتقييد بالمعروف مع أن الرسول ﷺ لا يأمر إلا به تنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق.\nفَبايِعْهُنَّ إذا بايعنك بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء. وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3034>[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني عامة الكفار أو اليهود. إذ\nروي أنها نزلت في بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم.\nقَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ لكفرهم بها أو لعلمهم بأنهم لاحظ لهم فيها لعنادهم الرسول المنعوت في التوراة المؤيد بالآيات. كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ أن يبعثوا أو يثابوا أو ينالهم خير منهم، وعلى الأول وضع الظاهر فيه موضع المضمر للدلالة على أن الكفر آيسهم.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة» .","vol":"5","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3035>(٦١) سورة الصف</span>\nمدينة، وقيل مكية وآيها أربع عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3036>[سورة الصف (٦١): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ (٣)\nسَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ سبق تفسيره.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ\nروي أن المسلمين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فأنزل الله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا فولوا يوم أحد فنزلت.\nولِمَ مركبة من لام الجر وما الاستفهامية والأكثر على حذف ألفها مع حرف الجر لكثرة استعمالهم معًا واعتناقهما في الدلالة على المستفهم عنه.\nكَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ المقت أشد البغض ونصبه على التمييز للدلالة على أن قولهم هذا مقت خالص كَبُرَ عند من يحقر دونه كل عظيم، مبالغة في المنع عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3037>[سورة الصف (٦١): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥)\nإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا مصطفين مصدر وصف به. كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ في تراصهم من غير فرجة، حال من المستكن في الحال الأولى. والرص اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه.\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ مقدر باذكر أو كان كذا. يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي بالعصيان والرمي بالادرة. وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ بما جئتكم من المعجزات، والجملة حال مقررة للإنكار فإن العلم بنبوته يوجب تعظيمه ويمنع إيذاءه، وَقَدْ لتحقيق العلم. فَلَمَّا زاغُوا عن الحق. أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ صرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ هداية موصلة إلى معرفة الحق أو إلى الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3038>[سورة الصف (٦١): آية ٦]</span>\nوَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)\nوَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ ولعله لم يقل يَا قَوْمِ كما قال موسى لأنه لا نَسب له فيهم. إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا في حال تصديقي لما تقدمني من التوراة وتبشيري بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي. والعامل في الحالين ما في الرسول من معنى الإِرسال لا الجار لأنه لغو إذ هو صلة للرسول فلا يعمل. بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ يعني محمدا ﵊،","vol":"5","page":208},{"text":"والمعنى أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه، فذكر أول الكتب المشهورة الذي حكم به النبيون والنبي الذي هو خاتم المرسلين. فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ الإِشارة إلى ما جاء به أو إليه، وتسميته سحر للمبالغة ويؤيده قراءة حمزة والكسائي «هذا ساحر» على أن الإِشارة إلى عيسى ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3039>[سورة الصف (٦١): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ أي لا أحد أظلم ممن يدعى إلى الإِسلام الظاهر حقيته المقتضى له خير الدارين فيضع موضع إجابته الافتراء على الله بتكذيب رسوله وتسمية آياته سحرًا فإنه يعم إثبات المنفي ونفي الثابت وقرئ «يدعى» يقال دعاه وادعاه كلمسه والتمسه. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لا يرشدهم إلى ما فيه فلاحهم.\nيُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا أي يريدون أن يطفئوا، واللام مزيدة لما فيها من معنى الإِرادة تأكيدًا لها كما زيدت لما فيها من معنى الاضافة تأكيدًا لها في لا أبا لك، أو يُرِيدُونَ الافتراء لِيُطْفِؤُا. نُورَ اللَّهِ يعني دينه أو كتابه أو حجته. بِأَفْواهِهِمْ بطعنهم فيه. وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ مبلغ غايته بنشره وإعلائه، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص بالإضافة. وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ إرغامًا لهم.\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى بالقرآن أو المعجزة. وَدِينِ الْحَقِّ والملة الحنيفية. لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ليغلبه على جميع الأديان. وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ لما فيه من محض التوحيد وإبطال الشرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3040>[سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وقرأ ابن عامر تُنْجِيكُمْ بالتشديد.\nتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ استئناف مبين للتجارة وهو الجمع بين الإِيمان والجهاد المؤدي إلى كمال عزهم، والمراد به الأمر وإنما جيء بلفظ الخبر إيذانًا بأن ذلك مما لا يترك.. ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني ما ذكر من الإِيمان والجهاد. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن كنتم من أهل العلم إذ الجاهل لا يعتد بفعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3041>[سورة الصف (٦١): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)\nيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخير، أو لشرط أو استفهام دل عليه الكلام تقديره أن تؤمنوا وتجاهدوا، أو هل تقبلون أن أدلكم يغفر لكم، ويبعد جعله جوابًا لهل أدلكم لأن مجرد دلالته لا توجب المغفرة وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الإشارة إلى ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة.\nوَأُخْرى تُحِبُّونَها ولكم إلى هذه النعمة المذكورة نعمة أخرى عاجلة محبوبة، وفي تُحِبُّونَها تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل، وقيل أُخْرى منصوبة بإضمار يعطيكم، أو تحبون أو مبتدأ خبره: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وهو على الأول بدل أو بيان وعلى قول النصب خبر محذوف، وقد قرئ بما عطف","vol":"5","page":209},{"text":"عليه بالنصب على البدل، أو الاختصاص أو المصدر. وَفَتْحٌ قَرِيبٌ عاجل. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ عطف على محذوف مثل: قل يا أيها الذين آمنوا وَبَشِّرِ، أو على تُؤْمِنُونَ فإنه في معنى الأمر كأنه قال: آمنوا وجاهدوا أيها المؤمنون وبشرهم يا رسول الله بما وعدتهم عليهما آجلًا وعاجلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3042>[سورة الصف (٦١): آية ١٤]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ وقرأ الحجازيان وأبو عمرو بالتنوين واللام لأن المعنى كونوا بعض أنصار الله. كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي من جندي متوجها إلى نصرة الله ليطابق قوله تعالى: قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ والإِضافة الأولى إضافة أحد المتشاركين إلى الآخر لما بينهما من الاختصاص، والثانية إضافة الفاعل إلى المفعول والتشبيه باعتبار المعنى إذ المراد قل لهم كما قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ، أو كونوا أنصارًا كما قال الحواريون حين قال لهم عيسى مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ.\nوالحواريون أصفياؤه وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلًا من الحور وهو البياض. فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ أي بعيسى. فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ بالحجة وبالحرب وذلك بعد رفع عيسى. فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ فصاروا غالبين.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الصف كان عيسى مصليًا عليه مستغفرًا له ما دام في الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه» .","vol":"5","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3043>(٦٢) سورة الجمعة</span>\nمدنية وآيها إحدى عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3044>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢)\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وقد قرئ الصفات الأربع بالرفع على المدح.\nهُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ أي في العرب لأن أكثرهم لا يكتبون ولا يقرءون. رَسُولًا مِنْهُمْ من جملتهم أميًا مثلهم. يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ مع كونه أميًا مثلهم لم يعهد منه قراءة ولا تعلم. وَيُزَكِّيهِمْ من خبائث العقائد والأعمال. وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ القرآن والشريعة، أو معالم الدين من المنقول والمعقول، ولو لم يكن له سواه معجزة لكفاه. وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ من الشرك وخبث الجاهلية، وهو بيان لشدة احتياجهم إلى نبي يرشدهم، وإزاحة لما يتوهم أن الرسول تعلم ذلك من معلم، وإِنْ هي المخففة واللام تدل عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3045>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)\nوَآخَرِينَ مِنْهُمْ عطف على الْأُمِّيِّينَ، أو المنصوب في يُعَلِّمُهُمُ وهم الذين جاءوا بعد الصحابة إلى يوم الدين، فإن دعوته وتعليمه يعم الجميع. لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون. وَهُوَ الْعَزِيزُ في تمكينه من هذا الأمر الخارق للعادة. الْحَكِيمُ في اختياره وتعليمه.\nذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ ذلك الفضل الذي امتاز به عن أقرانه فضله. يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ تفضلًا وعطية. وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الذي يستحقر دونه نعيم الدنيا، أو نعيم الآخرة أو نعيمهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3046>[سورة الجمعة (٦٢): آية ٥]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)\nمَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ علموها وكلفوا العمل بها. ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها لم يعملوا بها أو لم ينتفعوا بما فيها. كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا كتبًا من العلم يتعب في حملها ولا ينتفع بها، ويحمل حال والعامل فيه معنى المثل أو صفة إذ ليس المراد من الْحِمارِ معينًا. بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ أي مثل الذين كذبوا وهم اليهود المكذبون بآيات الله الدالة على نبوة محمد ﵊، ويجوز أن يكون الذين صفة للقوم والمخصوص بالذم محذوفًا. وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.","vol":"5","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3047>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)\nقُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا تهودوا. إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ إذ كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه. فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فتمنوا من الله أن يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زعمكم.\nوَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ بسبب ما قدموا من الكفر والمعاصي. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ فيجازيهم على أعمالهم.\nقُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ وتخافون أن تتمنوه بلسانكم مخافة أن يصيبكم فتؤخذوا بأعمالكم.\nفَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ لاحق بكم لا تفوتونه، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط باعتبار الوصف، وكأن فرارهم يسرع لحوقه بهم. وقد قرئ بغير فاء ويجوز أن يكون الموصول خبرًا والفاء عاطفة. ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بأن يجازيكم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3048>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أي إذا أذن لها. مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بيان ل إِذا وإنما سمي جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة، وكانت العرب تسميه العروبة. وقيل سماه كعب بن لؤي لاجتماع الناس فيه إليه، وأول جمعة جمعها رسول الله ﷺ أنه لما قدم المدينة نزل قباء فأقام بها إلى الجمعة، ثم دخل المدينة وصلى الجمعة في واد لبني سالم بن عوف. فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ فامضوا إليه مسرعين قصدًا فإن السعي دون العدو، وال ذِكْرِ الخطبة، وقيل الصلاة والأمر بالسعي إليها يدل على وجوبها. وَذَرُوا الْبَيْعَ واتركوا المعاملة. ذلِكُمْ أي السعي إلى ذكر الله. خَيْرٌ لَكُمْ من المعاملة فإن نفع الآخرة خير وأبقى. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الخير والشر الحقيقيين، أو إن كنتم من أهل العلم.\nفَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ أديت وفرغ منها. فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ إطلاق لما حظر عليهم، واحتج به من جعل الأمر بعد الحظر للإباحة.\nوفي الحديث «ابتغوا من فضل الله ليس بطلب الدنيا وإنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيادة أخ في الله» .\nوَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا واذكروه في مجامع أحوالكم ولا تخصوا ذكره بالصلاة. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بخير الدارين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3049>[سورة الجمعة (٦٢): آية ١١]</span>\nوَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)\nوَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها\nروي أنه ﵊ كان يخطب للجمعة فمرت عليه عير تحمل الطعام، فخرج الناس إليهم إلا اثني عشر رجلًا فنزلت.\nوإفراد التجارة برد الكناية لأنها المقصودة، فإن المراد من اللهو الطبل الذي كانوا يستقبلون به العير، والترديد للدلالة على أن منهم من انفض لمجرد سماع الطبل ورؤيته، أو للدلالة على أن الإنفضاض إلى التجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذمومًا","vol":"5","page":212},{"text":"كان الانفضاض إلى اللهو أَولى بذلك. وقيل تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها وإذا رأوا لهوًا انفضوا إليه.\nوَتَرَكُوكَ قائِمًا أي على المنبر. قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ من الثواب. خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ فإن ذلك محقق مخلد بخلاف ما تتوهمون من نفعهما وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فتوكلوا عليه واطلبوا الرزق منه.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة ومن لم يأتها في أمصار المسلمين» .","vol":"5","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3050>(٦٣) سورة المنافقين</span>\nمدنية وآيها إحدى عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3051>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٢)\nإِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ الشهادة إخبار عن علم من الشهود وهو الحضور والاطلاع، ولذلك صدق المشهور به وكذبهم في الشهادة بقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ\nلأنهم لم يعتقدوا ذلك.\nاتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ حلفهم الكاذب أو شهادتهم هذه، فإنها تجري مجرى الحلف في التوكيد، وقرئ «إيمانهم» جُنَّةً وقاية من القتل والسبي. فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ صدًا أو صدودًا. إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ من نفاقهم وصدهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3052>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٣]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ (٣)\nذلِكَ إشارة إلى الكلام المتقدم أي ذلك القول الشاهد على سوء أعمالهم، أو إلى الحال المذكورة من النفاق والكذب والاستجنان بالإِيمان. بِأَنَّهُمْ آمَنُوا بسبب أنهم آمنوا ظَاهرًا. ثُمَّ كَفَرُوا سرا، أو آمَنُوا إذا رأوا آية ثُمَّ كَفَرُوا حيثما سمعوا من شياطينهم شبهة. فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ حتى تمرنوا على الكفر فاستحكموا فيه. فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ حقية الإِيمان ولا يعرفون صحته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3053>[سورة المنافقون (٦٣): آية ٤]</span>\nوَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)\nوَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ لضخامتها وصباحتها. وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ لذلاقتهم وحلاوة كلامهم، وكان ابن أبيّ جسيما فصيحًا يحضر مجلس رسول الله ﷺ في جمع مثله، فيعجب بهيكلهم ويصغي إلى كلامهم. كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ حال من الضمير المجرور في لِقَوْلِهِمْ أي تسمع لما يقولونه مشبهين بأخشاب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحًا خالية عن العلم والنظر، وقيل ال خُشُبٌ جمع خشباء وهي الخشبة التي نُخِرَ جَوْفُهَا، شبهوا بها في حسن المنظر وقبح المخبر، وقرأ أبو عمرو والكسائي وقنبل عن ابن كثير بسكون الشين على التخفيف، أو على أنه كبدن في جمع بدنة يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أي واقعة عليهم لجبنهم واتهامهم، ف عَلَيْهِمْ ثاني مفعولي يَحْسَبُونَ، ويجوز أن يكون صلته والمفعول:\nهُمُ الْعَدُوُّ وعلى هذا يكون الضمير للكل وجمعه بالنظر إلى الخبر لكن ترتب قوله: فَاحْذَرْهُمْ عليه يدل على أن الضمير للمنافقين. قاتَلَهُمُ اللَّهُ دعاء عليهم وهو طلب من ذاته أن يلعنهم، أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك. أَنَّى يُؤْفَكُونَ كيف يصرفون عن الحق.","vol":"5","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3054>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ عطفوها إعراضا واستكبارا عن ذلك، وقرأ نافع بتخفيف الواو. وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ يعرضون عن الاستغفار. وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ عن الاعتذار.\nسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ لرسوخهم في الكفر. إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الخارجين عن مظنة الاستصلاح لانهماكهم في الكفر والنفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3055>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (٨)\nهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ أي للأنصار. لاَ تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا يعنون فقراء المهاجرين. وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بيده الأرزاق والقسم. وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ ذلك لجهلهم بالله.\nيَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ\nروي أن أعرابيًا نازع أنصاريًا في بعض الغزوات على ماء، فضرب الأعرابي رأسه بخشبة، فشكى إلى ابن أُبيّ فقال: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتى ينفضوا، وإذا رجعنا إلى المدينة فليخرجن الأعز منها الأذل، عنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله ﷺ.\nوقرئ «لَيُخْرِجَنَّ» بفتح الياء و«لَيُخْرِجَنَّ» على بناء المفعول و«لنخرجن» بالنون، ونصب «الأعز» و«الأذل» على هذه القراءات مصدر أو حال على تقدير مضاف كخروج أو إخراج أو مثل. وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ولله الغلبة والقوة ولمن أعزه من رسوله والمؤمنين. وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ من فرط جهلهم وغرورهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3056>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٩ الى ١١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام بها عن ذكره كالصلوات وسائر العبادات المذكرة للمعبود، والمراد نهيهم عن اللهو بها. وتوجيه النهي إليها للمبالغة ولذا قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي اللهو بها وهو الشغل. فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لأنهم باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني.\nوَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ بعض أموالكم إدخارًا للآخرة. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي يرى دلائله فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي هلا أمهلتني. إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أمد غير بعيد. فَأَصَّدَّقَ فأتصدق.\nوَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ بالتدارك، وجزم أَكُنْ للعطف على موضع الفاء وما بعده، وقرأ أبو عمرو «وأكون» منصوبًا عطفًا على «فأصدق»، وقرئ بالرفع على وأنا أكون فيكون عدة بالصلاح.","vol":"5","page":215},{"text":"وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا ولن يمهلها. إِذا جاءَ أَجَلُها آخر عمرها. وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فمجاز عليه، وقرأ أبو بكر بالياء ليوافق ما قبله في الغيبة.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة المنافقين برىء من النفاق» .","vol":"5","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3057>(٦٤) سورة التغابن</span>\nمختلف فيها وآيها ثماني عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3058>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ بدلالتها على كماله واستغنائه. لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ قدم الظرفين للدلالة على اختصاص الأمرين به من حيث الحقيقة. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الكل على سواء ثم شرع فيما ادعاه فقال:\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ مقدر كفره موجه إليه ما يحمله عليه. وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ مقدر إيمانه موفق لما يدعوه إليه. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيعاملكم بما يناسب أعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3059>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤)\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ بالحكمة البالغة. وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ فصوركم من جملة ما خلق فيهما بأحسن صورة، حيث زينكم بصفوة أوصاف الكائنات، وخصكم بخلاصة خصائص المبدعات، وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات. وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ فأحسنوا سرائركم حتى لا يمسخ بالعذاب ظواهركم.\nيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فلا يخفى عليه ما يصح أن يعلم كليًا كان أو جزئيًا، لأن نسبة المقتضى لعلمه إلى الكل واحدة، وتقديم تقرير القدرة على العلم لأن دلالة المخلوقات على قدرته أولًا وبالذات وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأنحاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3060>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ يا أيها الكفار. نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ كقوم نوح وهود وصالح ﵈.\nفَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ ضرر كفرهم في الدنيا، وأصله الثقل ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة، والوابل المطر الثقيل القطار. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.\nذلِكَ أي المذكور من الوبال والعذاب. بِأَنَّهُ بسبب أن الشأن. كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات. فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا أنكروا وتعجبوا من أن يكون الرسل بشرًا والبشر يطلق للواحد والجمع.\nفَكَفَرُوا بالرسل وَتَوَلَّوْا عن التدبر في البينات. وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن كل شيء فضلًا عن طاعتهم.\nوَاللَّهُ غَنِيٌّ عن عبادتهم وغيرها. حَمِيدٌ يدل على حمده كل مخلوق.","vol":"5","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3061>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nزَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)\nزَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا الزعم ادعاء العلم ولذلك يتعدى إلى مفعولين وقد قام مقامهما أن بما في حيزه. قُلْ بَلى أي بلى تبعثون. وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ قسم أكد به الجواب. ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ بالمحاسبة والمجازاة. وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لقبول المادة وحصول القدرة التامة.\nفَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ محمد ﵊. وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا يعني القرآن فإنه بإعجازه ظاهر بنفسه مظهر لغيره مما فيه شرحه وبيانه. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فمجاز عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3062>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nيَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)\nيَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ظرف لَتُنَبَّؤُنَّ أو مقدر باذكر، وقرأ يعقوب «نجمعكم» . لِيَوْمِ الْجَمْعِ لأجل ما فيه من الحساب والجزاء والجمع جمع الملائكة والثقلين. ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ يغبن فيه بعضهم بعضًا لنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس، مستعار من تغابن التجار واللام فيه للدلالة على أن التغابن الحقيقي وهو التغابن في أمور الآخرة لعظمها ودوامها. وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا أي عملًا صالحًا.\nيُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وقرأ نافع وابن عامر بالنون فيهما.\nذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الإشارة إلى مجموع الأمرين، ولذلك جعله الفوز العظيم لأنه جامع للمصالح من دفع المضار وجلب المنافع.\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ كأنها والآية المتقدمة بيان ل التَّغابُنِ وتفصيل له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3063>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nمَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)\nمَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ إلا بتقديره وإرادته. وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ للثبات والاسترجاع عند حلولها، وقرئ «يَهْدِ قَلْبَهُ» بالرفع على إقامته مقام الفاعل وبالنصب على طريقة سَفِهَ نَفْسَهُ، و«يهدأ» بالهمزة أي يسكن. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ حتى القلوب وأحوالها.\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي فإن توليتم فلا بأس عليه إذ وظيفته التبليغ وقد بلغ.\nاللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ لأن إيمانهم بأن الكل منه يقتضي ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3064>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ يشغلكم عن طاعة الله أو يخاصمكم في أمر","vol":"5","page":218},{"text":"الدين أو الدنيا. فَاحْذَرُوهُمْ ولا تأمنوا غوائلهم. وَإِنْ تَعْفُوا عن ذنوبهم بترك المعاقبة. وَتَصْفَحُوا بالإِعراض وترك التثريب عليها. وَتَغْفِرُوا بإخفائها وتمهيد معذرتهم فيها. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعاملكم بمثل ما عملتم ويتفضل عليكم.\nَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ\nاختبار لكم. اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ\nلمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد والسعي لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3065>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٦ الى ١٨]</span>\nفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)\nفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ أي ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم. وَاسْمَعُوا مواعظه. وَأَطِيعُوا أوامره. وَأَنْفِقُوا في وجوه الخير خالصًا لوجهه. خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ أي افعلوا ما هو خير لها، وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر، ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف تقديره: انفاقًا خيرًا أو خبرًا لكان مقدرًا جوابًا للأوامر. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ سبق تفسيره.\nإِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ تصرفوا المال فيما أمره. قَرْضًا حَسَنًا مقرونًا بإخلاص وطيب قلب. يُضاعِفْهُ لَكُمْ. يجعل لكم بالواحد عشرًا إلى سبعمائة وأكثر، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب «يضعفه لكم» .\nوَيَغْفِرْ لَكُمْ ببركة الإنفاق. وَاللَّهُ شَكُورٌ يعطي الجزيل بالقليل. حَلِيمٌ لا يعاجل بالعقوبة.\nعالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ لاَ يخفي عَلَيْهِ شَيْء. الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تام القدرة والعلم.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة التغابن دفع عنه موت الفجأة»\nوالله أعلم.","vol":"5","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3066>(٦٥) سورة الطلاق</span>\nمدنية وآيها اثنتا عشرة أو إحدى عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3067>[سورة الطلاق (٦٥): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا (١)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ خص النداء وعم الخطاب بالحكم لأنه أمام أمته فنداؤه كندائهم، أو لأن الكلام معه والحكم يعمهم. والمعنى إذا أردتم تطليقهن على تنزيل المشارف له منزلة الشارع فيه.\nفَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ أي في وقتها وهو الطهر، فإن اللام في الأزمان وما يشبهها للتأقيت، ومن عدة العدة بالحيض علق اللام بمحذوف مثل مستقبلات، وظاهره يدل على أن العدة بالأطهار وأن طلاق المعتدة بالأقراء ينبغي أن يكون في الطهر، وأنه يحرم في الحيض من حيث إن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده ولا يدل على عدم وقوعه، إذ النهي لا يستلزم الفساد، كيف وقد صح أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لما طلق امرأته حائضًا أمره النبي ﷺ بالرجعة وهو سبب نزوله. وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ واضبطوها وأكملوها ثلاثة أقراء.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ في تطويل العدة والإِضرار بهن. لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ من مساكنهن وقت الفراق حتى تنقضي عدتهن. وَلا يَخْرُجْنَ باستبدادهن أما لو اتفقا على الانتقال جاز إذ الحق لا يعدوهما، وفي الجمع بين النهيين دلالة على استحقاقها السكنى ولزومها ملازمة مسكن الفراق وقوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ مستثنى من الأول، والمعنى إلا أن تبذو على الزوج فإنه كالنشوز في إسقاط حقها، أو إلا أن تزني فتخرج لإِقامة الحد عليها، أو من الثاني للمبالغة في النهي والدلالة على أن خروجها فاحشة. وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ الإشارة إلى الأحكام المذكورة. وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بأن عرضها للعقاب. لا تَدْرِي أي النفس أو أنت أيها النبي أو المطلق. لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا وهو الرغبة في المطلقة برجعة أو استئناف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3068>[سورة الطلاق (٦٥): آية ٢]</span>\nفَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)\nفَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ شارفن آخر عدتهن. فَأَمْسِكُوهُنَّ فراجعوهن. بِمَعْرُوفٍ بحسن عشرة وإنفاق مناسب، أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ بإيفاء الحق واتقاء الضرار مثل أن يراجعها ثم يطلقها تطويلًا لعدتها.\nوَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ على الرجعة أو الفرقة تبريًا عن الريبة وقطعًا للتنازع، وهو ندب كقوله:\nوَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وعن الشافعي وجوبه في الرجعة. وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ أيها الشهود عند الحاجة. لِلَّهِ خالِصًا لوجهه. ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ يريد الحث على الإِشهاد والإِقامة، أو على جميع ما في الآية. مَنْ كانَ","vol":"5","page":220},{"text":"يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ\nفإنه المنتفع به والمقصود بذكره. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3069>[سورة الطلاق (٦٥): آية ٣]</span>\nوَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)\nوَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق بالوعد على الإِتقاء عما نهى عنه صريحًا أو ضمنًا من الطلاق في الحيض، والإِضرار بالمعتدة وإخراجها من المسكن، وتعدي حدود الله وكتمان الشهادة وتوقع جعل على إقامتها بأن يجعل الله له مخرجًا مما في شأن الأزواج من المضايق والغموم، ويرزقه فرجًا وخلفًا من وجه لم يخطر بباله. أو بالوعد لعامة المتقين بالخلاص عن مضار الدارين والفوز بخيرهما من حيث لا يحتسبون. أو كلام جيء به للاستطراد عند ذكر المؤمنين.\nوعنه ﷺ «إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم» .\nوَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فما زال يقرؤها ويعيدها» .\nوروي «أن سالم بن عوف بن مالك الأشجعي أسره العدو، فشكا أبوه إلى رسول الله ﷺ فقال له «اتق الله وأكثر قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. ففعل فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإِبل غفل عنها العدو فاستاقها» .\nوفي رواية «رجع ومعه غنيمات ومتاع» .\nوَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ كَافية. إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ يبلغ ما يريده ولا يفوته مراد، وقرأ حفص بالإضافة، وقرئ «بالغ أَمْرِهِ» أي نافذ و«بالغا» على أنه حال والخبر: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا تقديرًا أو مقدرًا، أو أجلًا لا يتأتى تغييره، وهو بيان لوجوب التوكل وتقرير لما تقدم من تأقيت الطلاق بزمان العدة والأمر بإحصائها، وتمهيد لما سيأتي من مقاديرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3070>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)\nوَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ لكبرهن. إِنِ ارْتَبْتُمْ شككتم في عدتهن أي جهلتم.\nفَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ\nروي أنه لما نزل وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ قيل فما عدة الَّلاتي لم يحضن فنزلت:\nوَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ أي واللائي لم يحضن بعد كذلك. وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ منتهى عدتهن. أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وهو حكم يعم المطلقات والمتوفى عنهم أزواجهن، والمحافظة على عمومه أولى من محافظة عموم قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا لأن عموم أولات الأحمال بالذات وعموم أزواجا بالعرض، والحكم معلل ها هنا بخلافه ثمة، ولأنه صح\nأن سبيعة بنت الحرث وضعت بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال «قد حللت فتزوجي»\n، ولأنه متأخر النزول فتقديمه في العمل تخصيص وتقديم الآخر بناء للعام على الخاص والأول راجح للوفاق عليه. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ في أحكامه فيراعي حقوقها. يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا يسهل عليه أمره ويوفقه للخير.\nذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ إشارة إلى ما ذكر من الأحكام. أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ في أحكامه فيراعي حقوقها. يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ فإن الحسنات يذهبن السيئات وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا بالمضاعفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3071>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nأَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)","vol":"5","page":221},{"text":"أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ أي مكانا من مكان سكناكم. مِنْ وُجْدِكُمْ من وسعكم أي مما تطيقونه، أو عطف بيان لقوله من حَيْثُ سَكَنْتُمْ. وَلا تُضآرُّوهُنَّ في السكنى. لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ فتلجئوهن إلى الخروج. وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فيخرجن من العدة، وهذا يدل على اختصاص استحقاق النفقة بالحامل من المعتدات والأحاديث تؤيده. فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ بعد انقطاع علقة النكاح. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ على الإِرْضَاع. وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وليأمر بعضكم بعضًا بجميل في الإِرضاع والأجر. وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ تضايقتم. فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى امرأة أخرى، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة.\nلِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ أي فلينفق كل من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه. لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتاها فَإِنه تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وفيه تطييب لقلب المعسر ولذلك وعد له باليسر فقال: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا أي عاجلا أو آجلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3072>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا (٩)\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أهل قرية. عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ أعرضت عنه إعراض العاتي المعاند.\nفَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا بالاستقصاء والمناقشة. وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا منكرًا والمراد حساب الآخرة، وعذابها والتعبير بلفظ الماضي للتحقيق.\nفَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها عقوبة كفرها ومعاصيها. وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا لا ربح فيه أصلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3073>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)\nأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا تكرير للوعيد وبيان لما يوجب التقوى المأمور بها في قوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ ويجوز أن يكون المراد بالحساب استقصاء ذنوبهم وإثباتها في صحف الحفظة، وبالعذاب ما أصيبوا به عاجلا. الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا.\nرَسُولًا يعني بالذكر جبريل ﵇ لكثرة ذكره، أو لنزوله بالذكر وهو القرآن، أو لأنه مذكور في السموات أو ذا ذكر أي شرف، أو محمدا ﵊ لمواظبته على تلاوة القرآن، أو تبليغه وعبر عن إرساله بالإِنزال ترشيحًا، أو لأنه مسبب عن إنزال الوحي إليه، وأبدل منه رَسُولًا للبيان أو أراد به القرآن، ورَسُولًا. منصوب بمقدر مثل أرسل أو ذكرًا مصدر ورسولًا مفعوله أو بدله على أنه بمعنى الرسالة. يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ حال من اسم اللَّهِ أو صفة رَسُولًا، والمراد ب الَّذِينَ آمَنُوا في قوله: لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الذين آمنوا بعد إنزاله أي ليحصل لهم ما هم عليه الآن من الإِيمان والعمل الصالح أو ليخرج من علم أو قدر أنه يؤمن مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ من الضلالة إلى الهدى.\nوَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وقرأ نافع وابن عامر ندخله بالنون. قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا فيه تعجيب وتعظيم لما رزقوا من الثواب.","vol":"5","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3074>[سورة الطلاق (٦٥): آية ١٢]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ مبتدأ وخبر. وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ أي وخلق مثلهن في العدد من الأرض، وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر: يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ أي يجري أمر الله وقضاؤه بينهن وينفذ حكمه فيهن. لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا علة ل خَلَقَ أو ل يَتَنَزَّلُ، أو مضمر يعمهما فإن كلا منهما يدل على كمال قدرته وعلمه.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله ﷺ» .","vol":"5","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3075>(٦٦) سورة التحريم</span>\nمدنية وآيها اثنتا عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3076>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ\nروي أنه ﵊ خلا بمارية في نوبة عائشة رضي الله تعالى عنها أو حفصة، فاطلعت على ذلك حفصة فعاتبته فيه فحرم مارية فنزلت.\nوقيل شرب عسلًا عند حفصة، فواطأت عائشة سودة وصفية فقلن له إنا نشتمّ منك ريح المغافير فحرم العسل فنزلت.\nتَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ تفسير ل تُحَرِّمُ أو حال من فاعله أو استئناف لبيان الداعي إليه. وَاللَّهُ غَفُورٌ لك هذه الزلة فإنه لا يجوز تحريم ما أحله الله. رَحِيمٌ رحمك حيث لم يؤاخذك به وعاتبك محاماة على عصمتك.\nقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ قد شرع لكم تحليلها وهو حل ما عقَّدتهُ بالكفارة، أو الاستثناء فيها بالمشيئة حتى لا تحنث من قولهم: حلل في يمينه إذا استثنى فيها، واحتج بها من رأى التحريم مطلقًا أو تحريم المرأة يمينًا، وهو ضعيف إذ لا يلزم من وجوب كفارة اليمين فيه كونه يمينًا مع احتمال أنه ﵊ أتى بلفظ اليمن كما قيل وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ متولي أمركم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما يصلحكم الْحَكِيمُ المتقن في أفعاله وأحكامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3077>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤)\nوَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ يعني حفصة حَدِيثًا تحريم مارية أو العسل أو أن الخلافة بعده لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ أي فلما أخبرت حفصة عائشة رضي الله تعالى عنهما بالحديث. وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ واطلع النبي ﵊ على الحديث أي على إفشائه. عَرَّفَ بَعْضَهُ عرف الرسول ﷺ حفصة بعض ما فعلت. وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ عن أعلام بعض تكرمًا أو جازاها على بعض بتطليقه إياها وتجاوز عن بعض، ويؤيده قراءة الكسائي بالتخفيف فإنه لا يحتمل هاهنا غيره لكن المشدد من باب إطلاق اسم المسبب على السبب والمخفف بالعكس، ويؤيد الأول قوله: فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ فإنه أوفق للإعلام.\nإِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ خطاب لحفصة وعائشة على الالتفات للمبالغة في المعاتبة. فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب من مخالصة رسول الله ﵊ بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه. وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ وإن تتظاهرا عليه بما يسؤوه، وقرأ الكوفيون بالتخفيف.","vol":"5","page":224},{"text":"فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ فلن يعدم من يظاهره من الله والملائكة وصلحاء المؤمنين، فإن الله ناصره وجبريل رئيس الكروبيين قرينه، ومن صلح من المؤمنين أتباعه وأعوانه. وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ متظاهرون، وتخصيص جبريل لتعظيمه، والمراد بالصالح الجنس ولذلك عمم بالإِضافة وبقوله بعد ذلك تعظيم لمظاهرة الملائكة من جملة ما ينصره الله تعالى به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3078>[سورة التحريم (٦٦): آية ٥]</span>\nعَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا (٥)\nعَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ على التغليب، أو تعميم الخطاب، وليس فيه ما يدل على أنه لم يطلق حفصة وأن في النساء خيرًا منهن لأن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة والمعلق بما لم يقع لا يجب وقوعه، وقرأ نافع وأبو عمرو يُبْدِلَهُ بالتخفيف. مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ مقرات مخلصات أو منقادات مصدقات. قانِتاتٍ مصليات أو مواظبات على الطاعات. تائِباتٍ عن الذنوب. عابِداتٍ متعبدات أو متذللات لأمر الرسول ﵊. سائِحاتٍ صائمات سمي الصائم سائحًا لأنه يسبح بالنهار بلا زاد، أو مهاجرات. ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا وسط العاطف بينهما لتنافيهما ولأنهما في حكم صفة واحدة إذ المعنى مشتملات على الثيبات والأبكار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3079>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ بترك المعاصي وفعل الطاعات. وَأَهْلِيكُمْ بالنصح والتأديب، وقرئ و«أهلوكم» عطف على واو قُوا، فيكون أَنْفُسَكُمْ أنفس القبيلين على تغليب المخاطبين. نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ نارًا تتقد بهما اتقاد غيرها بالحطب. عَلَيْها مَلائِكَةٌ تلِي أمرها وهم الزبانية.\nغِلاظٌ شِدادٌ غلاظ الأقوال شداد الأفعال، أو غلاظ الخلق شداد الخلق أقوياء على الأفعال الشديدة. لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ فيما مضى. وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ فيما يستقبل، أو لا يمتنعون عن قبول الأوامر والتزامها ويؤدون ما يؤمرون به.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي يقال لهم ذلك عند دخولهم النار، والنهي عن الاعتذار لأنه لا عذر لهم أو العذر لا ينفعهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3080>[سورة التحريم (٦٦): آية ٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لاَّ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا بالغة في النصح وهو صفة التائب فإنه ينصح نفسه بالتوبة، وصفت به على الإسناد المجازي مبالغة أو في النصاحة، وهي الخياطة كأنها تنصح ما خرق الذنب.\nوقرأ أبو بكر بضم النون وهو مصدر بمعنى النصح كالشكر والشكور، أو النصاحة كالثبات والثبوت تقديره ذات نصوح أو تنصح نصوحًا، أو توبوا نصوحًا لأنفسكم.\nوسئل علي رضي الله تعالى عنه عن التوبة فقال:","vol":"5","page":225},{"text":"يجمعها ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تربي نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية.\nعَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذكر بصيغة الأطماع جريًا على عادة الملوك، وإشعارًا بأنه تفضل والتوبة غير موجبة وأن العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء. يَوْمَ لاَّ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ظرف ل يُدْخِلَكُمْ. وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ عطف على النبي ﵊ إحمادًا لهم وتعريضًا لمن ناوأهم، وقيل مبتدأ خبره: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ أي على الصراط. يَقُولُونَ إذا طفئ نور المنافقين. رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وقيل تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم فيسألون إتمامه تفضلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3081>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)\nيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف وَالْمُنافِقِينَ بالحجة. وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ واستعمل الخشونة فيما تجاهدهم به إذا بلغ الرفق مداه. وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ جهنم أو مأواهم.\nوضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ مَثَّلَ الله تعالى حالهم في أنهم يعاقبون بكفرهم ولا يحابون بما بينهم وبين النبي ﵊ والمؤمنين من النسبة بحالهما. كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ يريد به تعظيم نوح ولوط ﵉. فَخانَتاهُما بالنفاق. فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا فلم يغن النبيان عنهما بحق الزواج شيئًا إغناء ما. وَقِيلَ أي لهما عند موتهما أو يوم القيامة.\nادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ مع سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء ﵈.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3082>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ شبه حالهم في أن وصلة الكافرين لا تضرهم بحال آسية ﵂ ومنزلتها عند الله مع أنها كانت تحت أعدى أعداء الله. إِذْ قالَتْ ظرف للمثل المحذوف.\nرَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ قريبًا من رحمتك أو في أعلى درجات المقربين. وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ من نفسه الخبيثة وعمله السيئ. وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ من القبط التابعين له في الظلم.\nوَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ عطف على امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ تسلية للأرامل. الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها من الرجال فَنَفَخْنا فِيهِ في فرجها، وقرئ «فيها» أي في مَرْيَمَ أو في الجملة. مِنْ رُوحِنا من روح خلقناه بلا توسط أصل. وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها بصحفه المنزلة أو بما أوحى إلى أنبيائه. وَكُتُبِهِ وَما كتب في اللوح المحفوظ، أو جنس الكتب المنزلة وتدل عليه قراءة البصريين وحفص بالجمع، وقرئ «بكلمة الله وكتابه» أي بعيسى ﵇ والإِنجيل. وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ من عداد المواظبين على الطاعة، والتذكير للتغليب والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين حتى عدت من جملتهم، أو من نسلهم فتكون مِنْ ابتدائية.","vol":"5","page":226},{"text":"عن النبي ﷺ «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» .\nوعنه ﵊ «من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحًا» .","vol":"5","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3083>(٦٧) سورة الملك</span>\nمكية، وتسمى الواقية والمنجية لأنها تقي قارئها وتنجيه من عذاب القبر، وآيها ثلاثون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3084>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)\nتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ على كل ما يشاء قدير.\nالَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قدرهما أو أوجد الحياة وأزالها حسبما قدره، وقدم الموت لقوله: وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ولأنه أدعى إلى حسن العمل. لِيَبْلُوَكُمْ ليعاملكم معاملة المختبر بالتكليف أيها المكلفون.\nأَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أصوبه وأخلصه،\nوجاء مرفوعًا: «أحسن عقلًا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعته»\n، جملة واقعة موقع المفعول ثانيًا لفعل البلوى المتضمن معنى العلم، وليس هذا من باب التعليق لأنه يخل به وقوع الجملة خبرا فلا يعلق الفعل عنها بخلاف ما إذا وقعت موقع المفعولين. وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل. الْغَفُورُ لمن تاب منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3085>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nالَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا مَّا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)\nالَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا مطابقة بعضها فوق بعض مصدر طابقت النعل إذا خصفتها طبقًا على طبق وصف به، أو طوبقت طباقًا أو ذات طباق جمع طبق كجبل وجبال، أو طبقة كرحبة ورحاب. مَّا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ وقرأ حمزة والكسائي «من تفوت» ومعناهما واحد كالتعاهد والتعهد، وهو الاختلاف وعدم التناسب من الفوت كأن كلا من المتفاوتين فات عنه بعض ما في الآخر، والجملة صفة ثانية ل سَبْعَ وضع فيها خلق الرحمن موضع الضمير للتعظيم، والإِشعار بأنه تعالى يخلق مثل ذلك بقدرته الباهرة رحمة وتفضلًا، وأن في إبداعها نعمًا جليلة لا تحصى، والخطاب فيها للرسول أو لكل مخاطب وقوله:\nفَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ متعلق به على معنى التسبب أي قد نظرت إليها مرارًا فانظر إليها مرة أخرى متأملًا فيها لتعاين ما أخبرت به من تناسبها واستقامتها واستجماعها ما ينبغي لها، وال فُطُورٍ الشقوق والمراد الخلل من فطره إذا شقه.\nثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي رجعتين أخريين في ارتياد الخلل والمراد بالتثنية التكرير والتكثير كما في لبيك وسعديك، ولذلك أجاب الأمر بقوله: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا بعيدًا عن إصابة المطلوب كأنه طرد عنه طردًا بالصغار وَهُوَ حَسِيرٌ كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة.","vol":"5","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3086>[سورة الملك (٦٧): آية ٥]</span>\nوَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥)\nوَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا أقرب السموات إلى الأرض. بِمَصابِيحَ بالكواكب المضيئة بالليل إضاءة السرج فيها، والتنكير للتعظيم ولا يمنع ذلك كون بعض الكواكب مركوزة في سموات فوقها إذ التزيين بإظهارها فيها. وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وجعلنا لها فائدة أخرى وهي رجم أعدائكم، والرجوم جمع رجم بالفتح وهو مصدر سمي به ما يرجم به بانقضاض الشهب المسببة عنها. وقيل معناه وجعلناها رجومًا وظنونًا لشياطين الإِنس وهم المنجمون. وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ في الآخرة بعد الإِحراق بالشهب في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3087>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧)\nوَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ من الشياطين وغيرهم. عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ وقرئ بالنصب على أن لِلَّذِينَ عطف على لَهُمْ وعَذابُ على عَذابَ السَّعِيرِ.\nإِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا صوتًا كصوت الحمير. وَهِيَ تَفُورُ تغلي بهم غليان المرجل بما فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3088>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nتَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩)\nتَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ تتفرق غيظًا عليهم، وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم، ويجوز أن يراد غيظ الزبانية. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ جماعة من الكفرة. سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ يخوفكم هذا العذاب وهو توبيخ وتبكيت.\nقالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ أي فكذبنا الرسل وأفرطنا في التكذيب حتى نفينا الإِنزال والإِرسال رأسًا، وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال، فالنذير إما بمعنى الجمع لأنه فعيل أو مصدر مقدر بمضاف أي أهل إنذار، أو منعوت به للمبالغة أو الواحد والخطاب له ولأمثاله على التغليب، أو إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل، أو على أن المعنى قالت الأفواج قد جاء إلى كل فوج منا رسول من الله فكذبناهم وضللناهم، ويجوز أن يكون الخطاب من كلام الزبانية للكفار على إرادة القول فيكون الضلال ما كانوا عليه في الدنيا، أو عقابه الذي يكونون فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3089>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)\nوَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتمادًا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات. أَوْ نَعْقِلُ فنتفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين. مَا كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ في عدادهم ومن جملتهم.\nفَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ حين لا ينفعهم، والاعتراف إقرار عن معرفة، والذنب لم يجمع لأنه في الأصل مصدر، أو المراد به الكفر. فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ فأسحقهم الله سحقًا أبعدهم من رحمته، والتغليب للإِيجاز والمبالغة والتعليل وقرأ الكسائي بالتثقيل.","vol":"5","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3090>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣)\nإِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ يخافون عذابه غائبًا عنهم لم يعاينوه بعد، أو غائبين عنه أو عن أعين الناس، أو بالمخفي منهم وهو قلوبهم. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم. وَأَجْرٌ كَبِيرٌ تصغر دونه لذائذ الدنيا.\nوَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بالضمائر قبل أن يعبر عنها سرًا أو جهرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3091>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nأَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)\nأَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ألا يعلم السر والجهر من أوجد الأشياء حسبما قدرته حكمته. وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، أو ألا يعلم الله من خلقه، وهو بهذه المثابة والتقييد بهذه الحال يستدعي أن يكون ل يَعْلَمُ مفعول ليفيد،\nروي: أن المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء، فيخبر الله بها رسوله فيقولون: أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فنبه الله على جهلهم.\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا لينة يسهل لكم السلوك فيها. فَامْشُوا فِي مَناكِبِها في جوانبها أو جبالها، وهو مثل لفرط التذليل فإن منكب البعير ينبو عن أن يطأه الراكب ولا يتذلل له، فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يبق شيء لم يتذلل. وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ والتمسوا من نعم الله. وَإِلَيْهِ النُّشُورُ المرجع فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3092>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nأَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)\nأَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم، أو الله تعالى على تأويل مَنْ فِي السَّماءِ أمره أو قضاؤه، أو على زعم العرب فإنهم زعموا أنه تعالى في السماء، وعن ابن كثير «وامنتم» بقلب الهمزة الأولى واوًا لانضمام ما قبلها، «وآمنتم» بقلب الثانية ألفًا، وهو قراءة نافع وأبي عمرو ورويس.\nأَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فيغيبكم فيها كما فعل بقارون وهو بدل من بدل الاشتمال. فَإِذا هِيَ تَمُورُ تضطرب، والمور التردد في المجيء والذهاب.\nأَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا أن يمطر عليكم حصباء. فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ كيف إنذاري إذا شاهدتم المنذر به ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3093>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nوَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)\nوَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ إنكاري عليهم بإنزال العذاب، وهو تسلية للرسول ﷺ وتهديد لقومه المشركين.\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها، فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها. وَيَقْبِضْنَ ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتًا بعد وقت للاستظهار به على التحريك، ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل للتفرقة بين الأصل في الطيران والطارئ عليه. مَا يُمْسِكُهُنَّ في الجو على خلاف","vol":"5","page":230},{"text":"الطبع. إِلَّا الرَّحْمنُ الشامل رحمته كل شيء بأن خلقهن على أشكال وخصائص هيأتهن للجري في الهواء.\nإِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبر العجائب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3094>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nأَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)\nأَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ عديل لقوله أَوَلَمْ يَرَوْا على معنى أو لم تنظروا في أمثال هذه الصنائع، فلم تعلموا قدرتنا على تعذيبهم بنحو خسف وإرسال حاصب، أم لكم جند ينصركم من دون الله إن أرسل عليكم عذابه فهو كقوله أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا إلا أنه أخرج مخرج الاستفهام عن تعيين من ينصرهم إشعارًا بأنهم اعتقدوا هذا القسم، ومن مبتدأ وهذَا خبره والَّذِي بصلته صفته ويَنْصُرُكُمْ وصف ل جُنْدٌ محمول على لفظه. إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ لا معتمد لهم.\nأَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ أم من يشار إليه ويقال هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ. إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بإمساك المطر وسائر الأسباب المخلصة والموصلة له إليكم. بَلْ لَجُّوا تمادوا. فِي عُتُوٍّ عناد. وَنُفُورٍ شراد عن الحق لتنفر طباعهم عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3095>[سورة الملك (٦٧): آية ٢٢]</span>\nأَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)\nأَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى يقال كببته فأكب وهو من الغرائب كقشع الله السحاب فأقشع، والتحقيق أنهما من باب أنفض بمعنى صار ذا كب وذا قشع، وليسا مطاوعي كب وقشع بل المطاوع لهما أنكب وانقشع، ومعنى مُكِبًّا أنه يعثر كل ساعة ويخر على وجهه لوعورة طريقه واختلاف أجزائه، ولذلك قابله بقوله: أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا قائمًا سالمًا من العثار. عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مستوي الأجزاء والجهة، والمراد تمثيل المشرك والموحد بالسالكين والدينين بالمسلكين، ولعل الاكتفاء بما في الكب من الدلالة على حال المسلك للإشعار بأن ما عليه المشرك لا يستأهل أن يسمى طريقًا، كمشي المتعسف في مكان متعاد غير مستو. وقيل المراد بالمكب الأعمى فإنه يتعسف فينكب وبالسوي البصير، وقيل من يَمْشِي مُكِبًّا هو الذي يحشر على وجهه إلى النار ومن يَمْشِي سَوِيًّا الذي يحشر على قدميه إلى الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3096>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nقُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)\nقُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لتسمعوا المواعظ. وَالْأَبْصارَ لتنظروا صنائعه. وَالْأَفْئِدَةَ لتتفكروا وتعتبروا. قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ باستعمالها فيما خلقت لأجلها.\nقُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ للجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3097>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٥ الى ٢٧]</span>\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ أي الحشر أو ما وعدوا به من الخسف والحاصب. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعنون النبي ﵊ والمؤمنين.\nقُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ أي علم وقته. عِنْدَ اللَّهِ لا يطلع عليه غيره. وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ والإِنذار يكفي","vol":"5","page":231},{"text":"فيه العلم بل الظن بوقوع المحذر منه.\nفَلَمَّا رَأَوْهُ أي الوعد فإنه بمعنى الموعود. زُلْفَةً ذا زلفة أي قرب منهم. سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بأن علتها الكآبة وساءتها رؤية العذاب. وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ تطلبون وتستعجلون تفتعلون من الدعاء، أو تَدَّعُونَ أن لا بعث فهو من الدعوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3098>[سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٨ الى ٣٠]</span>\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ أماتني. وَمَنْ مَعِيَ مِنَ المؤمنين. أَوْ رَحِمَنا بتأخير آجالنا. فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أي لا ينجيهم أحد من العذاب متنا أو بقينا، وهو جواب لقولهم نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ.\nقُلْ هُوَ الرَّحْمنُ الذي أدعوكم إليه مولى النعم كلها. آمَنَّا بِهِ للعلم بذلك وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا للوثوق عليه والعلم بأن غيره بالذات لا يضر ولا ينفع، وتقديم الصلة للتخصيص والإِشعار به. فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ منا ومنكم، وقرأ الكسائي بالياء.\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا غائرًا في الأرض بحيث لا تناله الدلاء مصدر وصف به. فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ جار أو ظاهر سهل المأخذ.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الملك فكأنما أحيا ليلة القدر» .","vol":"5","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3099>(٦٨) سورة ن</span>\nمكية وآيها ثنتان وخمسون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3100>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)\nن من أسماء الحروف، وقيل اسم الحوت والمراد به الجنس أو البهموت وهو الذي عليه الأرض، أو الدواة فإن بعض الحيتان يستخرج منه شيء أشد سوادًا من النفس يكتب به، ويؤيد الأول سكونه وكتبه بصورة الحرف. وَالْقَلَمِ وهو الذي خط اللوح، أو الذي يخط به أقسم به تعالى لكثرة فوائده وأخفى ابن عامر والكسائي ويعقوب النون إجراء للواو المنفصل مجرى المتصل، فإن النون الساكنة تخفى مع حروف الفم إذا اتصلت بها. وقد روي ذلك عن نافع وعاصم، وقرئت بالفتح والكسر ك ص. وَما يَسْطُرُونَ وما يكتبون والضمير ل الْقَلَمِ بالمعنى الأول على التعظيم، أو بالمعنى الثاني على إرادة الجنس وإسناد الفعل إلى الأدلة وإجراؤه مجرى أولي العلم لإِقامته مقامهم، أو لأصحابه أو للحفظة وما مصدرية أو موصولة.\nمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ جواب القسم والمعنى ما أنت بمجنون منعمًا عليك بالنبوة وحصافة الرأي، والعامل في الحال معنى النفي وقيل بِمَجْنُونٍ الباء لا تمنع عمله فيما قبله لأنها مزيدة، وفيه نظر من حيث المعنى.\nوَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا على الاحتمال والإبلاغ. غَيْرَ مَمْنُونٍ مقطوع أو ممنون به عليك من الناس فإنه تعالى يعطيك بلا توسط.\nوَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ إذ تتحمل من قومك ما لا يتحمل أمثالك،\nوسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عن خلقه ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن، ألست تقرأ القرآن قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3101>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nفَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)\nفَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ أيكم الذي فتن بالجنون والباء مزيدة، أو بأيكم الجنون على أن المفتون مصدر كالمعقول والمجلود، أو بأي الفريقين منكم المجنون أبفريق المؤمنين أو بفريق الكافرين، أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم.\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهم المجانين على الحقيقة. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ الفائزين بكمال العقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3102>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nفَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)\n.","vol":"5","page":233},{"text":"فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ تهييج للتصميم على معاصاتهم.\nوَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ تلاينهم بأن تدع نهيهم عن الشرك، أو توافقهم فيه أحيانًا. فَيُدْهِنُونَ فيلاينونك بترك الطعن والموافقة، والفاء للعطف أي ودوا التداهن وتمنوه لكنهم أخروا ادهانهم حتى تدهن، أو للسببية أي وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا ادهانك فهم الآن يدهنون طمعًا فيه، وفي بعض المصاحف «فيدهنوا» على أنه جواب التمني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3103>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٠ الى ١٣]</span>\nوَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣)\nوَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ كثير الحلف في الحق والباطل. مَهِينٍ حقير الرأي من المهانة وهي الحقارة.\nهَمَّازٍ عياب. مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ نقال للحديث على وجه السعاية. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يمنع الناس عن الخير من الإِيمان والإِيقان والعمل الصالح. مُعْتَدٍ متجاوز في الظلم. أَثِيمٍ كثير الآثام.\nعُتُلٍّ جافٍ غليظ من عتله إذا قاده بعنف وغلظة. بَعْدَ ذلِكَ بعد ما عد من مثالبه. زَنِيمٍ دعي مأخوذ من زنمتي الشاة وهما المتدليتان من أذنها وحلقها، قيل هو الوليد بن المغيرة ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده. وقيل الأخنس بن شريق أصله من ثقيف وعداده في زهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3104>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٤ الى ١٦]</span>\nأَنْ كانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)\nأَنْ كانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ قال ذلك حينئذ لأنه كان متمولًا مستظهرًا بالبنين من فرط غروره، لكن العامل مدلول قال لانفسه، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ويجوز أن يكون علة ل لاَ تُطِعْ أي لا تطع من هذه مثاله لأن كان ذا مال. وقرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب وأبو بكر «أن كان» على الاستفهام، غير أن ابن عامر جعل الهمزة الثانية بين بين أي «الأن كان ذا مال» كذب، أو أتطيعه لأن كان ذا مال. وقرئ «أن كان» بالكسر على أن شرط الغنى في النهي عن الطاعة كالتعليل بالفقر في النهي عن قتل الأولاد، أو «أن» شرطه للمخاطب أي لا تطعه شارطًا يساره لأنه إذا أطاع للغني فكأنه شرطه في الطاعة.\nسَنَسِمُهُ بالكي. عَلَى الْخُرْطُومِ على الأنف وقد أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر فبقي أثره، وقيل هو عبارة عن أن يذله غاية الإِذلال كقولهم: جدع أنفه، رغم أنفه، لأن السمة على الوجه سيما على الأنف شين ظاهر، أو نسود وجهه يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3105>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nإِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨)\nإِنَّا بَلَوْناهُمْ بلونا أهل مكة- شرفها الله تعالى- بالقحط. كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ يريد البستان الذي كان دون صنعاء بفرسخين، وكان لرجل صالح وكان ينادي الفقراء وقت الصرام ويترك لهم ما أخطأه المنجل وألقته الريح، أو بعد من البساط الذي يبسط تحت النخلة فيجتمع لهم شيء كثير، فلما مات قال بنوه إن فعلنا ما كان يفعله أبونا ضاق علينا الأمر، فحلفوا لَيَصْرِمُنَّها وقت الصباح خفية عن المساكين كما قال:\nإِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ليقطعنها داخلين في الصباح.\nوَلا يَسْتَثْنُونَ ولا يقولون إن شاء الله، وإنما سماه استثناء لما فيه من الإِخراج غير أن المخرج به","vol":"5","page":234},{"text":"خلاف المذكور والمخرج بالاستثناء عينه، أو لأن معنى لا أخرج إن شاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد، أو وَلا يَسْتَثْنُونَ حصة المساكين كما كان يخرج أبوهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3106>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٩ الى ٢٢]</span>\nفَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢)\nفَطافَ عَلَيْها على الجنة. طائِفٌ بلاء طائف. مِنْ رَبِّكَ مبتدأ منه. وَهُمْ نائِمُونَ.\nفَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ كالبستان الذي صرم ثماره بحيث لم يبق فيه شيء. فعيل بمعنى مفعول، أو كالليل باحتراقها واسودادها، أو كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس سميا بالصريم لأن كلا منهما ينصرم عن صاحبه أو كالرمل.\nفَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ أن أخرجوا أو بأن أخرجوا إليه غدوة، وتعدية الفعل بعلى إما لتضمنه معنى الاقبال أو لتشبيه الغدو للصرام بغدو العدو المتضمن لمعنى الاستيلاء. إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ قاطعين له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3107>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nفَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥)\nفَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ يتشاورون فيما بينهم وخفى وخفت وخفد بمعنى الكتم، ومنه الخفدود للخفاش.\nأَنْ لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ أَنْ مفسرة وقرئ بطرحها على إضمار القول، والمراد بنهي المسكين عن الدخول المبالغة في النهي عن تمكينه من الدخول كقولهم: لا أرينك ها هنا.\nوَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ وغدوا قادرين على نكد لا غير، من حاردت السنة إذا لم يكن فيها مطر، وحاردت الإِبل إذا منعت درها. والمعنى أنهم عزموا أن يتنكدوا على المساكين فتنكد عليهم بحيث لا يقدرون إلا على النكد، أو غدوا حاصلين على النكد والحرمان مكان كونهم قادرين على الانتفاع. وقيل الحرد بمعنى الحرد وقد قرئ به أي لم يقدروا إلا على حنق بعضهم لبعض كقوله: يَتَلاوَمُونَ وقيل الحرد القصد والسرعة قال:\nأَقْبَلَ سَيْلُ جَاءَ مِنْ أَمْر ... الله يَحْرُدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغلَّة\nأي غدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة قادرين عند أنفسهم على صرامها وقيل علم للجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3108>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٢٦ الى ٢٩]</span>\nفَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩)\nفَلَمَّا رَأَوْها أول ما رأوها. قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ طريق جنتنا وما هي بها.\nبَلْ نَحْنُ أي بعد ما تأملوه وعرفوا أنها هي قالوا بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا.\nقالَ أَوْسَطُهُمْ رأيًا، أو سنًا. أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ لولا تذكرونه وتتوبون إليه من خبث نيتكم، وقد قاله حينما عزموا على ذلك ويدل على هذا المعنى.\nقالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي لولا تستثنون فسمي الاستثناء تسبيحًا لتشاركهما في التعظيم، أو لأنه تنزيه على أن يجري في ملكه ما لا يريده.","vol":"5","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3109>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٠ الى ٣٣]</span>\nفَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)\nفَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ يلوم بعضهم بعضًا فإن منهم من أشار بذلك ومنهم من استصوبه، ومنهم من سكت راضيًا، ومنهم من أنكره.\nقالُوا يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ متجاوزين حدود الله تعالى.\nعَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة. وقد روي أنهم أبدلوا خيرا منها وقرئ يُبْدِلَنا بالتخفيف. إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ راجون العفو طالبون الخير وإِلى لانتهاء الرغبة، أو لتضمنها معنى الرجوع.\nكَذلِكَ الْعَذابُ مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة العذاب في الدنيا.\nوَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ أعظم منه. لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ لاحترزوا عما يؤديهم إلى العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3110>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٤ الى ٣٦]</span>\nإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)\nإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي في الآخرة، أو في جوار القدس. جَنَّاتِ النَّعِيمِ جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص.\nأَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ إنكار لقول الكفرة، فإنهم كانوا يقولون: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا بل نكون أحسن حالًا منهم كما نحن عليه في الدنيا.\nمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ التفات فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له، وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3111>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٧ الى ٣٩]</span>\nأَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩)\nأَمْ لَكُمْ كِتابٌ من السماء. فِيهِ تَدْرُسُونَ تقرؤون.\nإِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ إن لكم ما تختارونه وتشتهونه، وأصله «أن لكم» بالفتح لأنه المدروس فلما جيء باللام كسرت، ويجوز أن يكون حكاية للمدروس أو استئنافًا وتخير الشيء واختاره أخذ خيره.\nأَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا عهود مؤكدة بالإِيمان. بالِغَةٌ متناهية في التوكيد، وقرئت بالنصب على الحال والعامل فيها أحد الظرفين. إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ متعلق بالمقدر في لَكُمْ أي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا نخرج عن عهدتها حتى نحكمكم في ذلك اليوم، أو ب بالِغَةٌ أي أيمان تبلغ ذلك اليوم. إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ جواب القسم لأن معنى أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا أم أقسمنا لكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3112>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nسَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١)\nسَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ بذلك الحكم قائم يدعيه ويصححه.\nأَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ يشاركونهم في هذا القول. فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ في دعواهم إذ لا أقل من التقليد، وقد نبه ﷾ في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به من عقل أو نقل يدل عليه الاستحقاق أو وعد أو محض تقليد، على الترتيب تنبيهًا على مراتب النظر وتزييفًا لما لا سند","vol":"5","page":236},{"text":"له. وقيل المعنى أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ يعني الأصنام يجعلونهم مثل المؤمنين في الآخرة كأنه لما نفى أن تكون التسوية من الله تعالى نفى بهذا أن تكون مما يشاركون الله به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3113>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٢ الى ٤٣]</span>\nيَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣)\nيَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ يوم يشتد الأمر ويصعب الخطب وكشف الساق مثل في ذلك، وأصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب. قال حاتم.\nأَخو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّهَا ... وَإِنْ شَمَرَتْ عَنْ سَاقِهَا الحَرْبُ شَمَّرَا\nأو يوم يكشف عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عيانًا مستعار من ساق الشجر وساق الإِنسان، وتنكيره للتهويل أو للتعظيم. وقرئ «تكشف» و«تكشف» بالتاء على بناء الفاعل أو المفعول والفعل للساعة أو الحال. وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ توبيخًا على تركهم السجود إن كان اليوم يوم القيامة، أو يدعون إلى الصلوات لأوقاتها إن كان وقت النزع. فَلا يَسْتَطِيعُونَ لذهاب وقته أو زوال القدرة عليه.\nخاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ تلحقهم ذلة. وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ في الدنيا أو زمان الصحة. وَهُمْ سالِمُونَ متمكنون منه مزاحو العلل فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3114>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٤ الى ٤٧]</span>\nفَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)\nفَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ كله إِليَّ فإني أكفيكه. سَنَسْتَدْرِجُهُمْ سندنيهم من العذاب درجة درجة بالإِمهال وإدامة الصحة وازدياد النعمة. مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ أنه استدراج وهو الإِنعام عليهم لأنهم حسبوه تفضيلًا لهم على المؤمنين.\nوَأُمْلِي لَهُمْ وأمهلهم. إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ لا يدفع بشيء، وإنما سمي إنعامه استدراجًا بالكيد لأنه في صورته.\nأَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا على الإِرشاد. فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ من غرامة. مُثْقَلُونَ بحملها فيعرضون عنك.\nأَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ اللوح أو المغيبات. فَهُمْ يَكْتُبُونَ منه ما يحكمون به ويستغنون به عن علمك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3115>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٨ الى ٥٠]</span>\nفَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)\nفَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم. وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ يونس ﵇. إِذْ نادى في بطن الحوت. وَهُوَ مَكْظُومٌ مملوء غيظا من الضجرة فتبتلي ببلائه.\nلَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني التوفيق للتوبة وقبولها وحسن تذكير الفعل للفصل، وقرئ «تداركته» و«تداركه» أي تتداركه على حكاية الحال الماضية بمعنى لولا أن كان يقال فيه تتداركه. لَنُبِذَ بِالْعَراءِ بالأرض الخالية عن الأشجار. وَهُوَ مَذْمُومٌ مليم مطرود عن الرحمة والكرامة. وهو حال يعتمد عليها الجواب لأنها المنفية دون النبذ.\nفَاجْتَباهُ رَبُّهُ بأن رد الوحي إليه، أو استنبأه إن صح أنه لم يكن نبيًا قبل هذه الواقعة. فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ من الكاملين في الصلاح بأن عصمه من أن يفعل ما تركه أولى، وفيه دليل على خلق الأفعال","vol":"5","page":237},{"text":"والآية نزلت حين هم رسول الله ﷺ أن يدعو على ثقيف، وقيل بأحد حين حل به ما حل فأراد أن يدعو على المنهزمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3116>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٥١ الى ٥٢]</span>\nوَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)\nوَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ إِنْ هي المخففة واللام دليلها والمعنى: إنهم لشدة عداوتهم ينظرون إليك شزرًا بحيث يكادون يزلون قدمك، أو يهلكونك من قولهم نظر إليَّ نظرًا يكاد يصرعني، أي لو أمكنه بنظره الصرع لفعله، أو أنهم يكادون يصيبونك بالعين. إذ\nروي أنه كان في بني أسد عيانون، فأراد بعضهم أن يعين رسول الله ﷺ فنزلت.\nوفي الحديث «إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر»\nولعله يكون من خصائص بعض النفوس. وقرأ نافع لَيُزْلِقُونَكَ من زلقته فزلق كحزنته فحزن، وقرئ «ليزهقونك» أي ليهلكونك. لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ أي القرآن أي ينبعث عند سماعه بغضهم وحسدهم.\nوَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ حيرة في أمره وتنفيرًا عنه.\nوَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ لما جننوه لأجل القرآن بين أنه ذكر عام لا يدركه ولا يتعاطاه إلا من كان أكمل الناس عقلًا وأميزهم رأيًا.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم» .","vol":"5","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3117>(٦٩) سورة الحاقة</span>\nمكية، وآيها اثنتان وخمسون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3118>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)\nالْحَاقَّةُ أي الساعة أو الحالة التي يحق وقوعها، أو التي تحق فيها الأمور أي تعرف حقيقتها، أو تقع فيها حواق الأمور من الحساب والجزاء على الإِسناد المجازي، وهي مبتدأ خبرها:\nمَا الْحَاقَّةُ وأصله ما هي أي: أي شيء هي على التعظيم لشأنها والتهويل لها، فوضع الظاهر موضع الضمير لأنه أهول لها.\nوَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ وأي شيء أعلمك ما هي، أي أنك لا تعلم كنهها فإنها أعظم من أن تبلغها دراية أحد، وما مبتدأ وأَدْراكَ خبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3119>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤ الى ٨]</span>\nكَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨)\nكَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ بالحالة التي تقرع فيها الناس بالإِفزاع والأجرام بالانفطار والانتشار، وإنما وضعت موضع ضمير الْحَاقَّةُ زيادة في وصف شدتها.\nفَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة وهي الصيحة، أو الرجفة لتكذيبهم بِالْقارِعَةِ، أو بسبب طغيانهم بالتكذيب وغيره على أنها مصدر كالعاقبة وهو لا يطابق قوله:\nوَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ أي شديدة الصوت أو البرد من الصر أو الصر. عاتِيَةٍ شديدة العصف كأنها عتت على خزانها فلم يستطيعوا ضبطها، أو على عادٌ فلم يقدروا على ردها.\nسَخَّرَها عَلَيْهِمْ سلطها عليهم بقدرته، وهو استئناف أو صفة جيء به لنفي ما يتوهم من أنها كانت من اتصالات فلكية، إذ لو كانت لكان هو المقدر لها والمسبب. سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا متتابعات جمع حاسم من حسمت الدابة إذا تابعت بين كيها، أو نحسات حسمت كل خير واستأصلته، أو قاطعات قطعت دابرهم، ويجوز أن يكون مصدرًا منتصبًا على العلة بمعنى قطعًا، أو المصدر لفعله المقدر حالًا أي تحسمهم حُسُومًا ويؤيده القراءة بالفتح، وهي كانت أيام العجوز من صبيحة أربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر، وإنما سميت عجوزًا لأنها عجز الشتاء، أو لأن عجوزًا من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في الثامن فأهلكتها. فَتَرَى الْقَوْمَ إن كنت حاضرهم فِيها في مهابها أو في الليالي والأيام. صَرْعى موتى جمع صريع. كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ أصول نخل. خاوِيَةٍ متأكلة الأجواف.\nفَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ من بقية أو نفس باقية، أو بقاء.","vol":"5","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3120>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٩ الى ١٢]</span>\nوَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)\nوَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ ومن تقدمه، وقرأ البصريان والكسائي وَمَنْ قَبْلَهُ أي ومن عنده من أتباعهِ، ويدل عليه أنه قرئ «ومن معه» . وَالْمُؤْتَفِكاتُ قرى قوم لوط والمراد أهلها. بِالْخاطِئَةِ بالخطأ أو بالفعلة، أو الأفعال ذات الخطأ.\nفَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ أي فعصت كل أمة رسولها. فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً زائدة في الشدة زيادة أعمالهم في القبح.\nإِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ جاوز حده المعتاد، أو طغى على خزانه وذلك في الطوفان وهو يؤيد من قبله.\nحَمَلْناكُمْ أي آباءكم وأنتم في أصلابهم. فِي الْجارِيَةِ في سفينة نوح ﵊.\nلِنَجْعَلَها لَكُمْ\nلنجعل الفعلة وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين. تَذْكِرَةً\nعبرة ودلالة على قدرة الصانع وحكمته وكمال قهره ورحمته. وَتَعِيَها\nوتحفظها، وعن ابن كثير تَعِيَها\nبسكون العين تشبيهًا بكتف، والوعي أن تحفظ الشيء في نفسك والإِيعاء أن تحفظه في غيرك. أُذُنٌ واعِيَةٌ\nمن شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه بتذكره وإشاعته والتفكر فيه والعمل بموجبه، والتنكير للدلالة على قلتها وأن من هذا شأنه مع قلته تسبب لانجاء الجم الغفير وإدامة نسلهم. وقرأ نافع أُذُنٌ\nبالتخفيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3121>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٣ الى ١٥]</span>\nفَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥)\nفَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ لما بالغ في تهويل القيامة وذكر مآل المكذبين بها تفخيمًا لشأنها وتنبيهًا على مكانها عاد إلى شرحها، وإنما حسن إسناد الفعل إلى المصدر لتقيده وحسن تذكيره للفصل، وقرئ «نَفْخَةً» بالنصب على إسناد الفعل إلى الجار والمجرور والمراد بها النفخة الأولى التي عندها خراب العالم.\nوَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ رفعت من أماكنها بمجرد القدرة الكاملة، أو بتوسط زلزلة أو ريح عاصفة.\nفَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً فضربت الجملتان بعضها ببعض ضربة واحدة فيصير الكل هباء، أو فبسطتا بسطة واحدة فصارتا أرضًا لا عوج فيها ولا أمتا لأن الدك سبب للتسوية، ولذلك قيل ناقة دكاء للتي لا سنام لها، وأرض دكاء للمتسعة المستوية.\nفَيَوْمَئِذٍ فحينئذ. وَقَعَتِ الْواقِعَةُ قامت القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3122>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧)\nوَانْشَقَّتِ السَّماءُ لنزول الملائكة. فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ضعيفة مسترخية.\nوَالْمَلَكُ والجنس المتعارف بالملك. عَلى أَرْجائِها جوانبها جمع رجا بالقصر، ولعله تمثيل لخراب السماء بخراب البنيان وانضواء أهلها إلى أطرافها وحواليها، وإن كان على ظاهره فلعل هلاك الملائكة أثر ذلك. وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء، أو فوق الثمانية لأنها في نية التقديم. يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ثمانية أملاك، لما\nروي مرفوعًا «أنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أمدهم الله","vol":"5","page":240},{"text":"بأربعة آخرين» .\nوقيل ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، ولعله أيضًا تمثيل لعظمته بما يشاهد من أحوال السلاطين يوم خروجهم على الناس للقضاء العام وعلى هذا قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3123>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٨ الى ٢٠]</span>\nيَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠)\nيَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ تشبيهًا للمحاسبة بعرض السلطان العسكر لتعرف أحوالهم، وهذا وإن كان بعد النفخة الثانية لكن لما كان اليوم اسمًا لزمان متسع تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والحساب وإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار صح جعله ظرفًا للكل. لاَ تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ سريرة على الله تعالى حتى يكون العرض للاطلاع عليها، وإنما المراد منه إفشاء الحال والمبالغة في العدل، أو على الناس كما قال الله تعالى:\nيَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ وقرأ حمزة والكسائي بالياء للفصل.\nفَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ تفصيل للعرض. فَيَقُولُ تبجحًا. هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ هاء اسم لخذ، وفيه لغات أجودها هاء يا رجل وهاء يا امرأة وهاؤما يا رجلان أو امرأتان، وهاؤم يا رجال وهاؤن يا نسوة، ومفعوله محذوف وكِتابِيَهْ مفعول اقْرَؤُا لأنه أقرب العاملين، ولأنه لو كان مفعول هاؤُمُ لقيل اقرءوه إذ الأولى اضماره حيث أمكن، والهاء فيه وفي حِسابِيَهْ ومالِيَهْ وسُلْطانِيَهْ للسكت تثبت في الوقف وتسقط في الوصل واستحب الوقف لثباتها في الإِمام ولذلك قرئ بإثباتها في الوصل.\nإِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ أي علمت، ولعله عبر عنه بالظن إشعارًا بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من الخطرات التي لا تنفك عنها العلوم النظرية غالبا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3124>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢١ الى ٢٤]</span>\nفَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤)\nفَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ذات رضا على النسبة بالصيغة. أو جعل الفعل لها مجازًا وذلك لكونها صافية عن الشوائب دائمة مقرونة بالتعظيم.\nفِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ مرتفعة المكان لأنها في السماء، أو الدرجات أو الأبنية والأشجار.\nقُطُوفُها جمع قطف وهو ما يجتنى بسرعة والقطف بالفتح المصدر. دانِيَةٌ يتناولها القاعد.\nكُلُوا وَاشْرَبُوا بإضمار القول وجمع الضمير للمعنى. هَنِيئًا أكلًا وشربًا هَنِيئًا أو هنئتم هَنِيئًا. بِما أَسْلَفْتُمْ بما قدمتم من الأعمال الصالحة. فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ الماضية من أيام الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3125>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢٥ الى ٢٩]</span>\nوَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩)\nوَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ لما يرى من قبح العمل وسوء العاقبة. يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ.\nوَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ يَا لَيْتَها يا ليت الموتة التي متها. كانَتِ الْقاضِيَةَ القاطعة لأمري فلم أبعث بعدها، أو يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت علي لأنه صادفها أمر من الموت فتمناه عندها، أو يا ليت حياة الدنيا كانت الموتة ولم أخلق فيها حيًا.\nمَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ مالي من المال والتبع وما نفى والمفعول محذوف، أو استفهام إنكار مفعول لأغنى.","vol":"5","page":241},{"text":"هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ملكي وتسلطي على الناس، أو حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا، وقرأ حمزة «عني مالي عني سلطاني» بحذف الهاءين في الوصل والباقون بإثباتها في الحالين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3126>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٠ الى ٣٢]</span>\nخُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)\nخُذُوهُ يقوله الله تعالى لخزنة النار. فَغُلُّوهُ.\nثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثم لا تصلوه إلا الجحيم، وهي النار العظمى لأنه كان يتعظم على الناس.\nثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا أي طويلة. فَاسْلُكُوهُ فأدخلوه فيها بأن تلقوها على جسده وهو فيما بينها مرهق لا يقدر على حركة، وتقديم ال سِلْسِلَةٍ كتقديم الْجَحِيمَ للدلالة على التخصيص والاهتمام بذكر أنواع ما يعذب به، وثُمَّ لتفاوت ما بينها في الشدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3127>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٣ الى ٣٧]</span>\nإِنَّهُ كانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)\nإِنَّهُ كانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ تعليل على طريقة الاستئناف للمبالغة، وذكر الْعَظِيمِ للإشعار بأنه هو المستحق للعظمة فمن تعظم فيها استوجب ذلك.\nوَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ولا يحث على بذل طعامه أو على إطعامه فضلًا عن أن يبذل من ماله، ويجوز أن يكون ذكر الحض للإِشعار بأن تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل. وفيه دليل على تكليف الكفار بالفروع، ولعل تخصيص الأمرين بالذكر لأن أقبح العقائد الكفر بالله تعالى وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب.\nفَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ قريب يحميه.\nوَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ غسالة أهل النار وصديدهم فعلين من الغسل.\nلا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ أصحاب الخطايا من خطئ الرجل إذا تعمد الذنب لا من الخطأ المضاد للصواب، وقرئ «الخاطيون» بقلب الهمزة ياء و«الخاطون» بطرحها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3128>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لاَ تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)\nفَلا أُقْسِمُ لظهور الأمر واستغنائه عن التحقيق بالقسم، أو ف أُقْسِمُ ولا مزيدة أو فلا رد لإنكارهم البعث وأُقْسِمُ مستأنف. بِما تُبْصِرُونَ وَما لاَ تُبْصِرُونَ بالمشاهدات والمغيبات وذلك يتناول الخالق والمخلوقات بأسرها.\nإِنَّهُ إن القرآن. لَقَوْلُ رَسُولٍ يبلغه عن الله تعالى فإن الرسول لا يقول عن نفسه. كَرِيمٍ على الله تعالى وهو محمد أو جبريل عليهما الصلاة والسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3129>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤١ الى ٤٣]</span>\nوَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣)\nوَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ كما تزعمون تارة. قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ تصدقون لما ظهر لكم صدقه تصديقًا قليلًا لفرط عنادكم.\nوَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ كما تدعون أخرى. قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ تذكرون تذكرًا قليلًا، فلذلك يلتبس الأمر","vol":"5","page":242},{"text":"عليكم وذكر الإِيمان مع نفي الشاعرية والتذكر مع نفي الكاهنية، لأن عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بين لا ينكره إلا معاند بخلاف مباينته للكهانة، فإنها تتوقف على تذكر أحوال الرسول ومعاني القرآن المنافية لطريقة الكهنة ومعاني أقوالهم. وقرأ ابن كثير ويعقوب بالياء فيهما.\nتَنْزِيلٌ هو تنزيل. مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ نزله على لسان جبريل ﵇.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3130>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٤ الى ٤٧]</span>\nوَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧)\nوَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ سمي الافتراء تقولًا لأنه قول متكلف والأقوال المفتراة أقاويل تحقيرًا لها كأنه جمع أفعولة من القول كالأضاحيك.\nلَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ بيمينه.\nثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ أي نياط قلبه بضرب عنقه، وهو تصوير لإِهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه، وهو أن يأخذ القتال بيمينه ويكفحه بالسيف ويضرب به جيده، وقيل اليمين بمعنى القوة.\nفَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ عن القتل أو المقتول. حاجِزِينَ دافعين وصف لأحد فإنه عام والخطاب للناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3131>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٨ الى ٥٢]</span>\nوَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)\nوَإِنَّهُ وإن القرآن. لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ لأنهم المنتفعون به.\nوَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ فنجازيهم على تكذيبهم.\nوَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ إذا رأوا ثواب المؤمنين به.\nوَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ لليقين الذي لا ريب فيه.\nفَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فسبح الله بذكر اسمه العظيم تنزيهًا له عن الرضا بالتقول عليه وشكرًا على ما أوحى إليك.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الحاقة حاسبه الله تعالى حسابًا يسيرا» .","vol":"5","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3132>(٧٠) سورة المعارج</span>\nمكية وآيها أربع وأربعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3133>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢)\nسَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ أي دعا داع به بمعنى استدعاه ولذلك عدى الفعل بالباء والسائل هو النضر ابن الحرث فإنه قال إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ الآية أو أبو جهل فإنه قال فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ساله استهزاء أو الرسول ﵊ استعجل بعذابهم وقرأ نافع وابن عامر سَأَلَ وهو إما من السؤال على لغة قريش قال:\nسالت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلت هذيل بما سالت ولم تصب\nأو من السيلان ويؤيده أنه قرئ «سال سيل» على أن السيل مصدر بمعنى السائل كالغور والمعنى سال واد بعذاب ومضى الفعل لتحقق وقوعه إما في الدنيا وهو قتل بدر أو في الآخرة وهو عذاب النار.\nلِلْكافِرينَ صفة أخرى لعذاب أو صلة ل واقِعٍ وإن صح أن السؤال كان عمن يقع به العذاب كان جوابًا والباء على هذا لتضمن سَأَلَ معنى اهتم. لَيْسَ لَهُ دافِعٌ يرده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3134>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nمِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)\nمِنَ اللَّهِ من جهته لتعلق إرادته ذِي الْمَعارِجِ ذي المصاعد وهي الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب والعمل الصالح أو يترقى فيها المؤمنون في سلوكهم أو في دار ثوابهم أو مراتب الملائكة أو في السموات فإن الملائكة يعرجون فيها.\nتَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ استئناف لبيان ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها على التمثيل والتخيل والمعنى أنها بحيث لو قدر قطعها في زمان لكان في زمان يقدر بخمسين ألف سنة من سني الدنيا وقيل معناه تعرج الملائكة والروح إلى عرشه فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خمسين ألف سنة من حيث إنهم يقطعون فيه ما يقطع الإنسان فيها لو فرض لا أن ما بين أسفل العالم وأعلى شرفات العرش مسيرة خمسين ألف سنة لأن ما بين مركز الأرض ومقعر السماء الدنيا على ما قيل مسيرة خمسمائة عام وثخن كل واحدة من السموات السبع والكرسي والعرش كذلك وحيث قال فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ يريد زمان عروجهم من الأرض إلى محدب السماء الدنيا وقيل فِي يَوْمٍ متعلق ب واقِعٍ أو سَأَلَ إذا جعل من السيلان والمراد به يوم القيامة واستطالته إما لشدته على الكفار أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات أو لأنه على الحقيقة كذلك والروح جبريل ﵇ وإفراده لفضله أو خلق أعظم من الملائكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3135>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٥ الى ٩]</span>\nفَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَراهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩)","vol":"5","page":244},{"text":"فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا لا يشوبه استعجال واضطراب قلب وهو متعلق ب سَأَلَ لأن السؤال كان عن استهزاء أو تعنت وذلك مما يضجره أو عن تضجر واستبطاء للنصر أو ب سَأَلَ لأن المعنى قرب وقوع العذاب فَاصْبِرْ فقد شارفت الانتقام.\nإِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ الضمير للعذاب أو يوم القيامة بَعِيدًا من الإِمكان.\nوَنَراهُ قَرِيبًا منه أو من الوقوع.\nيَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ ظرف ل قَرِيبًا أي يمكن يَوْمَ تَكُونُ أو لمضمر دل عليه واقِعٍ أو بدل من فِي يَوْمٍ إن علق به والمهل المذاب في «مهل» كالفلزات أو دردي الزيت.\nوَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ كالصوف المصبوغ ألوانًا لأن الجبال مختلفة الألوان فإذا بست وطيرت في الجو أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3136>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٠ الى ١٤]</span>\nوَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)\nوَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ولا يسأل قريب قريبًا عن حاله وعن ابن كثير وَلا يَسْئَلُ على بناء المفعول أي لا يطلب من حميم حميم أو لا يسأل منه حاله.\nيُبَصَّرُونَهُمْ استئناف أو حال تدل على أن المانع من هذا السؤال هو التشاغل دون الخفاء أو ما يغني عنه من مشاهدة الحال كبياض الوجه وسواده وجمع الضميرين لعموم الحميم. يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ حال من أحد الضميرين أو استئناف يدل على أن اشتغال كل مجرم بنفسه بحيث يتمنى أن يفتدي بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه فضلًا أن يهتم بحاله ويسأل عنها وقرأ نافع والكسائي بفتح ميم يَوْمِئِذٍ وقرئ بتنوين عَذابِ ونصب يَوْمِئِذٍ به لأنه بمعنى تعذيب.\nوَفَصِيلَتِهِ وعشيرته الذين فصل عنهم الَّتِي تُؤْوِيهِ تضمه في النسب أو عند الشدائد.\nوَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا من الثقلين أو الخلائق ثُمَّ يُنْجِيهِ عطف على يَفْتَدِي أي ثم ينجيه الافتداء وثُمَّ للاستبعاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3137>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٥ الى ١٨]</span>\nكَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨)\nكَلَّا ردع للمجرم عن الودادة ودلالة على أن الافتداء لا ينجيه إِنَّها الضمير للنار أو مبهم يفسره لَظى وهو خبر أو بدل أو للقصة ولَظى مبتدأ خبره.\nنَزَّاعَةً لِلشَّوى وهو اللهب الخالص وقيل علم للنار منقول من اللظى بمعنى اللهب وقرأ حفص عن عاصم نَزَّاعَةً بالنصب على الاختصاص أو الحال المؤكدة أو المتنقلة على أن لَظى بمعنى متلظية والشوى الأطراف أو جمع شواة وهي جلدة الرأس.\nتَدْعُوا تجذب وتحضر كقول ذي الرمة:\nتدعو أنفه الريب.\nمجاز عن جذبها وإحضارها لمن فرَّ عنها وقيل تدعو زبانيتها وقيل تدعو تهلك من قولهم دعاه الله إذا أهلكه مَنْ أَدْبَرَ عن الحق وَتَوَلَّى عن الطاعة.\nوَجَمَعَ فَأَوْعى وجمع المال فجعله في وعاء وكنزه حرصا وتأميلا.","vol":"5","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3138>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nإِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)\nإِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا شديد الحرص قليل الصبر.\nإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ الضر جَزُوعًا يكثر الجزع.\nوَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ السعة مَنُوعًا يبالغ بالإِمساك والأوصاف الثلاثة أحوال مقدرة أو محققة لأنها طبائع جبل الإنسان عليها وإِذا الأولى ظرف ل جَزُوعًا والأخرى ل مَنُوعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3139>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٢ الى ٢٦]</span>\nإِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦)\nإِلَّا الْمُصَلِّينَ استثناء للموصوفين بالصفات المذكورة بعد من المطبوعين على الأحوال المذكورة قبل لمضادة تلك الصفات لها من حيث إنها دالة على الاستغراق في طاعة الحق والإشفاق على الخلق والإيمان بالجزاء والخوف من العقوبة وكسر الشهوة وإيثار الآجل على العاجل وتلك ناشئة من الانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليها.\nالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ لا يشغلهم عنها شاغل.\nوَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ كالزكوات والصدقات الموظفة.\nلِلسَّائِلِ الذي يسأل وَالْمَحْرُومِ الذي لا يسأل فيحسب نفسه غنيًا فيحرم.\nوَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ تصديقًا بأعمالهم وهو أن يتعب نفسه ويصرف ماله طمعًا في المثوبة الأخروية ولذلك ذكر الدِّينِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3140>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٢٧ الى ٣١]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١)\nوَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ خائفون على أنفسهم.\nإِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ اعتراض يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يأمن عذاب الله وإن بالغ في طاعته.\nوَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ سبق تفسيره في سورة «المؤمنين» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3141>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٢ الى ٣٥]</span>\nوَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)\nوَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ حافظون وقرأ ابن كثير لأمانتهم يعني لا يخونون ولا ينكرون ولا يخفون ما علموه من حقوق الله وحقوق العباد.\nوالّذين هم بشهادتهم قَائِمُونَ وقرأ يعقوب وحفص بِشَهاداتِهِمْ لاختلاف الأنواع.\nوَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ فيراعون شرائطها ويكملون فرائضها وسننها وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولًا وآخرًا باعتبارين للدلالة على فضلها وإنافتها على غيرها وفي نظم هذه الصلاة مبالغات لا تخفى.","vol":"5","page":246},{"text":"أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ بثواب الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3142>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٦ الى ٣٨]</span>\nفَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)\nفَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ حولك مُهْطِعِينَ مسرعين.\nعَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ فرقا شتى جمع عزة وأصلها عزوة من العزو وكأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى. كان المشركون يحتفون حول رسول الله ﷺ حلقا حلقًا ويستهزئون بكلامه.\nأَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ بلا إيمان وهو إنكار لقولهم لو صح ما يقوله لنكون فيها أفضل حظًا منهم كما في الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3143>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٩ الى ٤١]</span>\nكَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)\nكَلَّا ردع لهم عن هذا الطمع إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ تعليل له والمعنى أنهم مخلقون من نطفة مذرة لا تناسب عالم القدس فمن لم يستكمل بالإِيمان والطاعة ولم يتخلق بالأخلاق الملكية لم يستعد لدخولها أو إنكم مخلوقون من أجل ما تعلمون وهو تكميل النفس بالعلم والعمل فمن لم يستكملها لم يتبوأ في منازل الكاملين أو الاستدلال بالنشأة الأولى على إمكان النشأة الثانية التي بنوا الطمع على فرضها فرضًا مستحيلًا عندهم بعد ردعهم عنه.\nفَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ أي نهلكهم ونأتي بخلق أمثل منهم أو نعطي محمدًا بدلكم من هو خير منكم وهم الأنصار. وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ بمغلوبين إن أردنا ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3144>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٤٢ الى ٤٤]</span>\nفَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)\nفَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ مر في آخر سورة «الطور» .\nيَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا مسرعين جمع سريع كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ منصوب للعبادة أو علم يُوفِضُونَ يسرعون وقرأ ابن عامر وحفص إِلى نُصُبٍ بضم النون والصاد والباقون من السبعة نُصُبٍ بفتح النون وسكون الصاد وقرئ بالضم على أنه تخفيف نُصُبٍ أو جمع.\nخاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مر تفسيره ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ في الدنيا.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة سَأَلَ سائِلٌ أعطاه الله ثواب الذين هم لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ» .","vol":"5","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3145>(٧١) سورة نوح</span>\nمكية وآيها تسع أو ثمان وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3146>[سورة نوح (٧١): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)\nإِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ أي بأن أي بالإِنذار، أو بأن قلنا له أَنْذِرْ، ويجوز أن تكون مفسرة لتضمن الإِرسال معنى القول، وقرئ بغير أَنْ على إرادة القول. قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ عذاب الآخرة أو الطوفان.\nقالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ مر في «الشعراء» نظيره وفي أَنِ يحتمل الوجهان.\nيَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ يغفر لكم بعض ذنوبكم وهو ما سبق فإن الإِسلام يجبه فلا يؤاخذكم به في الآخرة وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو أقصى ما قُدِّر لكم بشرط الإِيمان والطاعة. إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إن الأجل الذي قدره. إِذا جاءَ على الوجه المقدر به آجلًا وقيل إذا جاء الأجل الأطول. لاَ يُؤَخَّرُ فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير. لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لو كنتم من أهل العلم والنظر لعلمتم ذلك، وفيه أنهم لانهماكهم في حب الحياة كأنهم شاكون في الموت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3147>[سورة نوح (٧١): الآيات ٥ الى ٩]</span>\nقالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِرارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا (٩)\nقالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا أي دائمًا.\nفَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِرارًا عن الإِيمان والطاعة، وإسناد الزيادة إلى الدعاء على السببية كقوله:\nفَزادَتْهُمْ إِيمانًا.\nوَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ إلى الإِيمان. لِتَغْفِرَ لَهُمْ بسببه. جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة. وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ تغطوا بها لئلا يروني كراهة النظر إلي من فرط كراهة دعوتي أو لئلا أعرفهم فأدعوهم، والتعبير بصيغة الطلب للمبالغة. وَأَصَرُّوا وأكبوا على الكفر والمعاصي مستعار من أصر الحمار على العانة إذا صر أذنيه وأقبل عليها. وَاسْتَكْبَرُوا عن اتباعي. اسْتِكْبارًا عظيمًا.\nثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا أي دعوتهم مرة بعد أخرى وكرة بعد أولى على أي وجه أمكنني، وثُمَّ لتفاوت الوجوه فإن الجهار أغلظ من الإِسرار والجمع بينهما أغلظ","vol":"5","page":248},{"text":"من الإِفراد لتراخي بعضها عن بعض، وجِهارًا نصب على المصدر لأنه أحد نوعي الدعاء، أو صفة مصدر محذوف بمعنى دعاء جِهارًا أي مجاهرًا به أو الحال فيكون بمعنى مجاهرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3148>[سورة نوح (٧١): الآيات ١٠ الى ١٢]</span>\nفَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا (١٢)\nفَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ بالتوبة عن الكفر. إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا للتائبين وكأنهم لما أمرهم بالعبادة قالوا:\nإن كنا على حق فلا نتركه وإن كنا على باطل فكيف يقبلنا ويلطف بنا من عصيناه، فأمرهم بما يجب معاصيهم ويجلب إليهم المنح ولذلك وعدهم عليه ما هو أوقع في قلوبهم. وقيل لما طالت دعوتهم وتمادى إصرارهم حبس الله عنهم القطر أربعين سنة، وأعقم أرحام نسائهم فوعدهم بذلك على الاستغفار عما كانوا عليه بقوله:\nيُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء. والسَّماءَ تحتمل المظلة والسحاب، والمدرار كثير الدرور ويستوي في هذا البناء المذكر والمؤنث، والمراد بال جَنَّاتٍ البساتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3149>[سورة نوح (٧١): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nمَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا (١٤)\nمَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا لا تأملون له توقيرًا أي تعظيمًا لمن عبده وأطاعه فتكونوا على حال تأملون فيها تعظيمها إياكم، ولِلَّهِ بيان للموقر ولو تأخر لكان صلة للوقار، أو لا تَعتقدون له عظمة فتخافوا عصيانه، وإنما عبر عن الاعتقاد بالرجاء التابع لأدنى الظن مبالغة.\nوَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا حال مقررة للإنكار من حيث إنها موجبة للرجاء فإنه خلقهم أَطْوارًا أي تارات، إذ خلقهم أولًا عناصر، ثم مركبات تغذى بها الإِنسان، ثم أخلاطًا، ثم نطفًا، ثم علقًا، ثم مضغًا، ثم عظامًا ولحومًا، ثم أنشأهم خلقًا آخر، فإنه يدل على أنه يمكن أن يعيدهم تارة أخرى فيعظمهم بالثواب وعلى أنه تعالى عظيم القدرة تام الحكمة، ثم أتبع ذلك ما يؤيده من آيات الآفاق فقال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3150>[سورة نوح (٧١): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nأَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا (١٦)\nأَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا أي في السموات وهو في السماء الدنيا وإنما نسب إليهن لما بينهن من الملابسة. وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا مثلها به لأنها تزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض كما يزيلها السراج عما حوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3151>[سورة نوح (٧١): الآيات ١٧ الى ٢٠]</span>\nوَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا (٢٠)\nوَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا أنشأكم منها فاستعير الإِنبات للإنشاء لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض، وأصله أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ إنباتًا فنبتم نباتًا، فاختصره اكتفاء بالدلالة الالتزامية.\nثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها مقبورين. وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا بالحشر، وأكده بالمصدر كما أكد به الأول دلالة على أن الإعادة محققة كالابداء، وأنها تكون لا محالة.\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا تتقلبون عليها.\nلِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا واسعة جمع فج ومن لتضمن الفعل معنى الاتخاذ.","vol":"5","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3152>[سورة نوح (٧١): آية ٢١]</span>\nقالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسارًا (٢١)\nقالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي فيما أمرتهم به. وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسارًا واتبعوا رؤساءهم البطرين بأموالهم المغترين بأولادهم بحيث صار ذلك سببًا لزيادة خسارهم في الآخرة، وفيه أنهم إنما اتبعوهم لوجاهة حصلت لهم بالأموال والأولاد وأدت بهم إلى الخسار، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي والبصريان وَوَلَدُهُ بالضم والسكون على أنه لغة كالحزن والحزن أو جمع كالأسد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3153>[سورة نوح (٧١): الآيات ٢٢ الى ٢٣]</span>\nوَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)\nوَمَكَرُوا عطف على لَمْ يَزِدْهُ والضمير لمن وجمعه للمعنى. مَكْرًا كُبَّارًا كبيرًا في الغاية فإنه أبلغ من كبار وهو من كبير، وذلك احتيالهم في الدين وتحريش الناس على أذى نوح.\nوَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ أي عبادتها. وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَلا تَذَرُنَّ هؤلاء خصوصًا، قيل هي أسماء رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا صوروا تبركًا بهم، فلما طال الزمان عبدوا. وقد انتقلت إلى العرب فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وقرأ نافع وَدًّا بالضم وقرئ «يغوثًا» و«يعوقًا» للتناسب، ومنع صرفهما للعلمية والعجمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3154>[سورة نوح (٧١): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nوَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصارًا (٢٥)\nوَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا الضمير للرؤساء أو للأصنام كقوله: إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا. وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا عطف على رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي، ولعل المطلوب هو الضلال في ترويج مكرهم ومصالح دنياهم لا في أمر دينهم، أو الضياع والهلاك كقوله: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ.\nمِمَّا خَطِيئاتِهِمْ من أجل خطيئاتهم، و«ما» مزيدة للتأكيد والتفخيم، وقرأ أبو عمرو «مما خطاياهم» .\nأُغْرِقُوا بالطوفان. فَأُدْخِلُوا نَارًا المراد عذاب القبر أو عذاب الآخرة، والتعقيب لعدم الاعتداد بما بين الإِغراق والإِدخال، أو لأن المسبب كالمتعقب للسبب وإن تراخى عنه لفقد شرط أو وجود مانع، وتنكير النار للتعظيم أو لأن المراد نوع من النيران. فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصارًا تعريض لهم باتخاذ آلهة مِن دُونِ الله لاَ تقدر على نصرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3155>[سورة نوح (٧١): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nوَقالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبارًا (٢٨)\nوَقالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا أي أحدًا وهو مما يستعمل في النفي العام فيعال من الدار، أو الدور وأصله ديوار ففعل به ما فعل بأصل سيد الأفعال وإلا لكان دوارًا.\nإِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا قال ذلك لما جربهم واستقرى أحوالهم أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عامًا فعرف شيمهم وطباعهم.\nرَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ لملك بن متوشلح وشمخا بنت أنوش وكانا مؤمنين. وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ منزلي أو مسجدي أو سفينتي. مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إلى يوم القيامة. وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبارًا هلاكا.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح» .","vol":"5","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3156>(٧٢) سورة الجن</span>\nمكية، وآيها ثمان وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3157>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا (٢)\nقُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ وقرئ «أحي» وأصله وحى من وحى إليه فقلبت الواو همزة لضمتها ووحى على الأصل وفاعله: أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة، والْجِنِّ أجسام عاقلة خفية يغلب عليهم النارية أو الهوائية. وقيل نوع من الأرواح المجردة وقيل نفوس بشرية مفارقة عن أبدانها، وفيه دلالة على أنه ﵊ ما رآهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها فأخبر الله به رسوله. فَقالُوا لما رجعوا إلى قومهم. إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا كتابًا. عَجَبًا بديعًا مباينًا لكلام الناس في حسن نظمه ودقة معناه. وهو مصدر وصف به للمبالغة.\nيَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ إلى الحق والصواب. فَآمَنَّا بِهِ بالقرآن. وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا على ما نطق به الدلائل القاطعة على التوحيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3158>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٣ الى ٥]</span>\nوَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)\nوَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا قرأه ابن كثير والبصريان بالكسر على أنه من جملة المحكي بعد القول، وكذا ما بعده إلا قوله: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا وَأَنَّ الْمَساجِدَ، وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ فإنها من جملة الموحى به ووافقهم نافع وأبو بكر إلا في قوله: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ على أنه استئناف أو مقول، وفتح الباقون الكل إلا ما صدر بالفاء على أن ما كان من قولهم فمعطوف على محل الجار والمجرور في بِهِ كأنه قيل: صدقناه وصدقنا أَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا أي عظمته من جد فلان في عيني إذا عظم، أو سلطانه أو غناه مستعار من الجد الذي هو البخت، والمعنى وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته أو لسلطانه أو لغناه وقوله: مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا بيان لذلك، وقرئ «جدًا» على التمييز «جِدُّ رَبّنَا» بالكسر أي صدق ربوبيته، كأنهم سمعوا من القرآن ما نبههم على خطأ ما اعتقدوه من الشرك واتخاذ الصاحبة والولد.\nوَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا إبليس أو مردة الجن. عَلَى اللَّهِ شَطَطًا قولًا ذا شطط وهو البعد ومجاوزة الحد، أو هو شطط لفرط ما أشط فيه، وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله.\nوَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا اعتذار عن اتباعهم السفيه في ذلك بظنهم أن أحدًا لا يكذب على الله، وكَذِبًا نصب على المصدر لأنه نوع من القول أو الوصف المحذوف، أي قولًا مكذوبًا فيه، ومن قرأ أَنْ لَنْ تَقُولَ كيعقوب جعله مصدرًا لأن التقول لا يكون إلا كَذِبًا.","vol":"5","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3159>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)\nوَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فإن الرجل كان إذا أمسى بقفر قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه. فَزادُوهُمْ فزادوا الجن باستعاذتهم بهم. رَهَقًا كبرًا وعتوًا، أو فزاد الجن الإنس غيا بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم، والرهق في الأصل غشيان الشيء.\nوَأَنَّهُمْ وأن الإِنس. ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيها الجن أو بالعكس، والآيتان من كلام الجن بعضهم لبعض أو استئناف كلام من الله تعالى، ومن فتح أن فيهما جعلهما من الموحى به. أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا ساد مسد مفعولي ظَنُّوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3160>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا (٩)\nوَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ طَلَبنا بلوغ السماء أو خبرها، واللمس مستعار من المس للطلب كالجس يقال لمسه والتمسه وتلمسه كطلبه واطلبه وتطلبه. فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا حراسًا اسم جمع كالخدم. شَدِيدًا قويًا وهم الملائكة الذين يمنعونهم عنها. وَشُهُبًا جمع شهاب وهو المضيء المتولد من النار.\nوَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ مقاعد خالية عن الحرس والشهب، أو صالحة للترصد والاستماع، ولِلسَّمْعِ صلة ل نَقْعُدُ أو صفة ل مَقاعِدَ. فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا أي شهابًا راصدًا له ولأجله يمنعه عن الاستماع بالرجم، أو ذوي شهاب راصدين على أنه اسم جمع للراصد، وقد مر بيان ذلك في «الصافات» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3161>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَدًا (١١)\nوَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ بحراسة السماء. أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا خيرًا.\nوَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ المؤمنون الأبرار. وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ أي قوم دون ذلك فحذف الموصوف وهم المقتصدون. كُنَّا طَرائِقَ ذوي طرائق أي مذاهب، أو مثل طرائق في اختلاف الأحوال أو كانت طرائقنا طرائق. قِدَدًا متفرقة مختلفة جمع قدة من قد إذا قطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3162>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nوَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا (١٣)\nوَأَنَّا ظَنَنَّا علمنا. أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ كائنين في الأرض أينما كنا فيها. وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا هاربين منها إلى السماء، أو لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرًا ولن نعجزه هربا إن طلبنا.\nوَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى أي القرآن. آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ فهو لا يخاف، وقرئ «فلا يخف» والأول أدل على تحقيق نجاة المؤمنين واختصاصها بهم. بَخْسًا وَلا رَهَقًا نقصًا في الجزاء ولا أن يرهقه ذلة، أو جزاء بخس لأنه لم يبخس لأحد حقًا ولم يرهق ظلمًا، لأن من حق المؤمن بالقرآن أن يجتنب ذلك.","vol":"5","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3163>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)\nوَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ الجائرون عن طريق الحق وهو الإيمان والطاعة. فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا توخوا رشدًا عظيمًا يبلغهم إلى دار الثواب.\nأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا\nتوقد بهم كما توقد بكفار الإنس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3164>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nوَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا (١٧)\nوَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا أي أن الشأن لو استقام الجن أو الإِنس أو كلاهما. عَلَى الطَّرِيقَةِ أي على الطريقة المثلى. لَأَسْقَيْناهُمْ مَّاء غَدَقًا لوسعنا عليهم الرزق، وتخصيص الماء الغدق وهو الكثير بالذكر لأنه أصل المعاش والسعة ولعزة وجوده بين العرب.\nلِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ لنختبرهم كيف يشكرونه، وقيل معناه أن لو استقام الجن على طريقتهم القديمة ولم يسلموا باستماع القرآن لوسعنا عليهم الرزق مستدرجين لهم لنوقعهم في الفتنة ونعذبهم في كفرانهم. وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ عن عبادته أو موعظته أو وحيه. يَسْلُكْهُ يدخله وقرأ غير الكوفيين بالنون. عَذابًا صَعَدًا شاقًا يعلو المعذب ويغلبه مصدر وصف به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3165>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nوَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)\nوَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ مختصة به. فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا فلا تعبدوا فيها غيره، ومن جعل أَنَّ مقدرة باللام علة للنهي ألغى فائدة الفاء، وقيل المراد ب الْمَساجِدَ الأرض كلها لأنها جعلت للنبي ﵊ مسجدًا. وقيل المسجد الحرام لأنه قبلة المساجد ومواضع السجود على أن المراد النهي عن السجود لغير الله، وآرابه السبعة أو السجدات على أنه جمع مسجد.\nوَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ أي النبي ﵊ وإنما ذكر بلفظ العبد للتواضع فإنه واقع موقع كلامه عن نفسه، والاشعار بما هو المقتضى لقيامه. يَدْعُوهُ يعبده كادُوا كاد الجن. يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا متراكمين من ازدحامهم عليه تعجبًا مما رأوا من عبادته وسمعوا من قراءته، أو كاد الإنس والجن يكونون عليه مجتمعين لإِبطال أمره، وهو جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد، وعن ابن عامر «لُبَدًا» بضم اللام جمع لبدة وهي لغة. وقرئ «لبدا» كسجدا جمع لا بد ولِبَدًا كصبر جمع لبود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3166>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nقُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١)\nقَالَ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا فليس ذلك ببدع ولا منكر يوجب تعجبكم أو إطباقكم على مقتي، وقرأ عاصم وحمزة قُلْ على الأمر للنبي ﵊ ليوافق ما بعده.\nقُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا ولا نفعًا أو غيًا، عبر عن أحدهما باسمه وعن الآخر باسم سببه أو مسببه إشعارا بالمعنيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3167>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٢ الى ٢٤]</span>\nقُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلاَّ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)","vol":"5","page":253},{"text":"قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ إن أراد بي سوءًا. وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا منحرفًا أو ملتجأ وأصله المدخل من اللحد.\nإِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ استثناء من قوله لا أملك فإن التبليغ إرشاد وإنفاع وما بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة، أو من ملتحدًا أو معناه أن لا أبلغ بلاغًا وما قبله دليل الجواب. وَرِسالاتِهِ عطف على بَلاغًا ومِنَ اللَّهِ صفته فإن صلته\nعن كقوله ﷺ: «بلغوا عني ولو آية» .\nوَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الأمر بالتوحيد إذ الكلام فيه. فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ وقرئ «فَانٍ» على فجزاؤه أن. خالِدِينَ فِيها أَبَدًا جمعه للمعنى.\nحَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ في الدنيا كوقعة بدر، أو في الآخرة والغاية لقوله: يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا بالمعنى الثاني، أو لمحذوف دل عليه الحال من استضعاف الكفار له وعصيانهم له. فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا هو أم هم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3168>[سورة الجن (٧٢): الآيات ٢٥ الى ٢٧]</span>\nقُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)\nقُلْ إِنْ أَدْرِي ما أدري. أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا غاية تطول مدتها كأنه لما سمع المشركون حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ قالوا متى يكون إنكارًا، فقيل قل إنه كائن لا محالة ولكن لا أدري ما وقته.\nعالِمُ الْغَيْبِ هو عالم الغيب. فَلا يُظْهِرُ فلا يطلع. عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا أي على الغيب المخصوص به علمه.\nإِلَّا مَنِ ارْتَضى لعلم بعضه حتى يكون له معجزة. مِنْ رَسُولٍ بيان ل مَنِ، واستدل به على إبطال الكرامات، وجوابه تخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون بغير وسط، وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون تلقيًا عن الملائكة كاطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء. فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ من بين يدي المرتضى وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا حرسًا من الملائكة يحرسونه من اختطاف الشياطين وتخاليطهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3169>[سورة الجن (٧٢): آية ٢٨]</span>\nلِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)\nلِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا أي ليعلم النبي الموحى إليه أن قد أبلغ جبريل والملائكة النازلون بالوحي، أو ليعلم الله تعالى أن قد أبلغ الأنبياء بمعنى ليتعلق علمه به موجودًا. رِسالاتِ رَبِّهِمْ كما هي محروسة من التغيير. وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ بما عند الرسل. وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا حتى القطر والرمل.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الجن كان له بعدد كل جني صدق محمدًا أو كذب به عتق رقبة» .","vol":"5","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3170>(٧٣) سورة المزمل</span>\nمكية، وآيها تسع عشرة أو عشرون\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3171>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا (٢)\nيا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ أصله المتزمل من تزمل بثيابه إذا تلفف بها فأدغم التاء في الزاي وقد قرئ به، وب «المزمل» مفتوحة الميم ومكسورتها أي الذي زمله غيره، أو زمل نفسه، سمي به النبي ﵊ تهجينًا لما كان عليه فإنه كان نائمًا، أو مرتعدًا مما دهشه من بدء الوحي متزملًا في قطيفة أو تحسينًا له. إذ\nروي: أنه ﵊ كان يصلي متلففًا بمرط مفروش على عائشة رضي الله تعالى عنها فنزلت.\nأو تشبيهًا له في تثاقله بالمتزمل لأنه لم يتمرن بعد في قيام الليل، أو من تزمل الزمل إذا تحمل الحمل أي الذي تحمل أعباء النبوة.\nقُمِ اللَّيْلَ أي قم إلى الصلاة، أو داوم عليها فيه، وقرئ بضم الميم وفتحها للإتباع أو التخفيف.\nإِلَّا قَلِيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3172>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٣ الى ٥]</span>\nنِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)\nنِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ الاستثناء من اللَّيْلَ ونِصْفَهُ بدل من قَلِيلًا وقلته بالنسبة إلى الكل، والتخيير بين قيام النصف والزائد عليه كالثلثين والناقص عنه كالثلث، أو نِصْفَهُ بدل من اللَّيْلَ والاستثناء منه والضمير في مِنْهُ وعَلَيْهِ للأقل من النصف كالثلث فيكون التخيير بينه وبين الأقل منه كالربع، والأكثر منه كالنصف أو للنصف والتخيير بين أن يقوم أقل منه على البت وأن يختار أحد الأمرين من الأقل والأكثر، أو الاستثناء من إعداد الليل فإنه عام والتخيير بين قيام النصف والناقص عنه والزائد عليه. وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا اقرأه على تؤدة وتبيين حروف بحيث يتمكن السامع من عدها من قوله ثغر رتل ورتل إذا كان مفلجًا.\nإِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا يعني القرآن فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة ثقيل على المكلفين سيما على الرسول ﷺ إذ كان عليه أن يتحملها ويحملها أمته، والجملة اعتراض يسهل التكليف عليه بالتهجد، ويدل على أنه مشق مضاد للطبع مخالف للنفس، أو رصين لرزانة لفظه ومتانة معناه، أو ثقيل على المتأمل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفية للسر وتجريد للنظر، أو ثقيل في الميزان أو على الكفار والفجار، أو ثقيل تلقيه\nلقوله عائشة رضي الله تعالى عنها: رأيته ﵊ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليرفض عرقًا.\nوعلى هذا يجوز أن يكون صفة للمصدر والجملة على هذه الأوجه للتعليل مستأنف، فإن التهجد يعد للنفس ما به تعالج ثقله.","vol":"5","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3173>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nإِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)\nإِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ إِن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة من نشأ من مكانه إذا نهض وقام قال:\nنشأنا إلى خوص برى نهيا السُّرَى ... وَأَلْصِقَ مِنْهَا مُشْرِفَاتِ القَمْاحِدِ\nأو قيام الليل على أن ال ناشِئَةَ له أو العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث، أو ساعات الليل لأنها تحدث واحدة بعد أخرى، أو ساعاتها الأول من نشأت إذا ابتدأت. هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا أي كلفة أو ثبات قدم، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وَطْئًا بكسر الواو وألف ممدودة أي مواطأة القلب اللسان لها، أو فيها أو موافقة لما يراد منها من الخضوع والإِخلاص. وَأَقْوَمُ قِيلًا أي وأسد مقالًا أو أثبت قراءة لحضور القلب وهدوء الأصوات.\nإِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا تقلبًا في مهماتك واشتغالًا بها فعليك بالتهجد، فإن مناجاة الحق تستدعي فراغا. وقرئ «سبخًا» أي تفرق قلب بالشواغل مستعار من سبخ الصوف وهو نفشه ونشر أجزائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3174>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)\nوَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ودم على ذكره ليلًا ونهارًا، وذكر الله يتناول كل ما يذكر به من تسبيح وتهليل وتمجيد وتحميد وصلاة وقراءة قرآن ودراسة علم. وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا وانقطع إليه بالعبادة وجرد نفسك عما سواه، ولهذه الرمزة ومراعاة الفواصل وضعه موضع تبتلًا.\nرَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ خبر محذوف أو مبتدأ خبره: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ وقرأ ابن عامر والكوفيون غير حفص ويعقوب بالجر على البدل من ربك، وقيل بإضمار حرف القسم وجوابه لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ. فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا مسبب عن التهليل، فإن توحده بالألوهية يقتضي أن توكل إليه الأمور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3175>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)\nوَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ من الخرافات. وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا بأن تجانبهم وتداريهم ولا تكافئهم وتكل أمرهم إلى الله فالله يكفيكهم كما قال:\nوَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ دعني وإياهم وكل أمرهم فإن بي غنية عنك في مجازاتهم. أُولِي النَّعْمَةِ أرباب التنعم، يريد صناديد قريش. وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا زمانًا أو إمهالًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3176>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nإِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)\nإِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا تعليل للأمر، والنكل القيد الثقيل. وَجَحِيمًا.\nوَطَعامًا ذَا غُصَّةٍ طعامًا ينشب في الحلق كالضريع والزقوم. وَعَذابًا أَلِيمًا ونوعًا آخر من العذاب مؤلمًا لا يعرف كنهه إلا الله تعالى، ولما كانت العقوبات الأربع مما تشترك فيها الأشباح والأرواح فإن النفوس العاصية المنهمكة في الشهوات تبقى مقيدة بحبها والتعلق بها، عن التخلص إلى عالم المجردات متحرقة بحرقة الفرقة متجرعة غصة الهجران معذبة بالحرمان عن تجلي أنوار القدس، فسر العذاب بالحرمان عن لقاء الله تعالى.\nيَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ تضطرب وتتزلزل ظرف لما في إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا من معنى الفعل.","vol":"5","page":256},{"text":"وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا رملًا مجتمعًا كأنه فعيل بمعنى مفعول من كثبت الشيء إذا جمعته. مَهِيلًا منثورًا من هيل هيلًا إذا نثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3177>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nإِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)\nإِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا يا أهل مكة. شاهِدًا عَلَيْكُمْ يشهد عليكم يوم القيامة بالإِجابة والامتناع.\nكَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا يعني موسى ﵊ ولم يعينه لأن المقصود لم يتعلق به.\nفَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ عرفه لسبق ذكره. فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا ثقيلًا من قولهم طعام وبيل لا يستمرأ لثقله، ومنه الوابل للمطر العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3178>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١٧ الى ١٩]</span>\nفَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)\nفَكَيْفَ تَتَّقُونَ أنفسكم. إِنْ كَفَرْتُمْ بقيتم على الكفر. يَوْمًا عذاب يوم. يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا من شدة هوله وهذا على الفرض أو التمثيل، وأصله أن الهموم تضعف القوى وتسرع الشيب، ويجوز أن يكون وصفًا لليوم بالطول.\nالسَّماءُ مُنْفَطِرٌ منشق والتذكير على تأويل السقف أو إضمار شيء. بِهِ بشدة ذلك اليوم على عظمها وأحكامها فضلًا عن غيرها والباء للآلة. كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا الضمير لله ﷿ أو لليوم على إضافة المصدر إلى المفعول.\nإِنَّ هذِهِ أي الآيات الموعدة. تَذْكِرَةٌ عظة. فَمَنْ شاءَ أن يتعظ. اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أي يتقرب إليه بسلوك التقوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3179>[سورة المزمل (٧٣): آية ٢٠]</span>\nإِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)\nإِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ استعار الأدنى للأقل لأن الأقرب إلى الشيء أقل بعدًا منه، وقرأ ابن كثير والكوفيون وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ بالنصب عطفًا على أَدْنى. وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ويقوم ذلك جماعة من أصحابك. وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلا الله تعالى، فإن تقديم اسمه مبتدأ مبنيًا عليه يُقَدِّرُ يشعر بالاختصاص ويؤيده قوله: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أي لن تحصوا تقدير الأوقات ولن تستطيعوا ضبط الساعات. فَتابَ عَلَيْكُمْ بالترخص في ترك القيام المقدر ورفع التبعة فيه كما رفع التبعة عن التائب. فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل، عبر عن الصلاة بالقرآن كما عبر عنها بسائر أركانها، قيل كان التهجد واجبًا على التخيير المذكور فعسر عليهم القيام به فنسخ به، ثم نسخ هذا بالصلوات الخمس، أو فاقرؤوا القرآن بعينه كيفما تيسر عليكم. عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى استئناف يبين حكمة أخرى مقتضية للترخيص والتخفيف ولذلك كرر الحكم مرتبًا","vol":"5","page":257},{"text":"عليه وقال: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ والضرب في الأرض ابتغاء للفضل المسافرة للتجارة وتحصيل العلم وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ المفروضة. وَآتُوا الزَّكاةَ الواجبة. وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يريد به الأمر في سائر الانفاقات في سبل الخيرات، أو بأداء الزكاة على أحسن وجه، والترغيب فيه بوعد العوض كما صرح به في قوله: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت أو من متاع الدنيا، وخَيْرًا ثاني مفعولي تَجِدُوهُ وهو تأكيد أو فصل، لأن أفعل من كالمعرفة ولذلك يمتنع من حرف التعريف، وقرئ «هو خير» على الابتداء والخبر. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ في مجامع أحوالكم فإن الإِنسان لا يخلو من تفريط. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة المزمل رفع الله عنه العسر في الدنيا والآخرة» .","vol":"5","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3180>(٧٤) سورة المدثر</span>\nمكية، وآيها خمس وخمسون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3181>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)\nيا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أي المتدثر وهو لابس الدثار.\nروي أنه ﵊ قال «كنت بحراء فنوديت فنظرت عن يميني وشمالي فلم أر شيئًا، فنظرت فوقي فإذا هو على عرش بين السماء والأرض- يعني الملك الذي ناداه- فرعبت فرجعت إلى خديجة فقلت: دثروني، فنزل جبريل وقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ\nولذلك قيل هي أول سورة نزلت. وقيل تأذى من قريش فتغطى بثوبه مفكرًا، أو كان نائما متدثرا فنزلت، وقيل المراد بالمدثر المتدثر بالنبوة والكمالات النفسانية، أو المختفي فإنه كان بحراء كالمختفي فيه على سبيل الاستعارة، وقرئ «المدثر» أي الذي دثر هذا الأمر وعصب به.\nقُمْ من مضجعك أو قم قيام عزم وجد. فَأَنْذِرْ مطلق للتعميم أو مقدر بمفعول دل عليه قوله:\nوَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ أو قوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3182>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)\nوَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وخصص ربك بالتكبير وهو وصفه بالكبرياء عقدًا وقولًا،\nروي أنه لما نزل كبر رسول الله ﷺ وأيقن أنه الوحي\n، وذلك لأن الشيطان لا يأمر بذلك والفاء فيه وفيما بعده لإِفادة معنى الشرط وكأنه قال: وما يكن فكبر ربك، أو الدلالة على أن المقصود الأول من الأمر بالقيام أن يكبر ربه عن الشرك والتشبيه، فإن أول ما يجب معرفة الصانع وأول ما يجب بعد العلم بوجوده تنزيهه، والقوم كانوا مقرين به.\nوَثِيابَكَ فَطَهِّرْ من النجاسات فإن التطهير واجب في الصلوات محبوب في غيرها، وذلك بغسلها أو بحفظها عن النجاسة بتقصيرها مخافة جر الذيول فيها، وهو أول ما أمر به مِنْ رفض العادات المذمومة، أو طهر نفسك من الأخلاق الذميمة والأفعال الدنيئة، فيكون أمرًا باستكمال القوة العملية بعد أمره باستكمال القّوة النظرية والدعاء إليه، أو فطهر دثار النبوة عما يدنسه من الحقد والضجر وقلة الصبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3183>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nوَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)\nوَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ فاهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدي إليه من الشرك وغيره من القبائح، وقرأ يعقوب وحفص وَالرُّجْزَ بالضم وهو لغة كالذكر.\nوَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ أي لا تعط مستكثرًا، نهى عن الاستفزار وهو أن يهب شيئًا طامعًا في عوض أكثر، نهي تنزيه أو نهيًا خاصا به\nلقوله ﵊ «المستفزر يثاب من هبته»\nوالموجب له ما فيه من الحرص والضنة، أو لا تَمْنُنْ على الله تعالى بعبادتك مستكثرًا إياها، أو على الناس بالتبليغ مستكثرًا به الأجر منهم أو مستكثرا إياه، وقرئ «تَسْتَكْثِرُ» بالسكون للوقف أو الإبدال من تمنن على أنه من من بكذا، أو","vol":"5","page":259},{"text":"تَسْتَكْثِرُ بمعنى تجده كثيرًا وبالنصب على إضمار أن، وقد قرئ بها وعلى هذا يجوز أن يكون الرفع بحذفها وإبطال عملها، كما روي: أحضر الوغى. بالرفع.\nوَلِرَبِّكَ لوجهه أو أمره. فَاصْبِرْ فاستعمل الصبر، أو فاصبر على مشاق التكاليف وأذى المشركين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3184>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nفَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)\nفَإِذا نُقِرَ نفخ. فِي النَّاقُورِ في الصور فاعول من النقر بمعنى التصويت وأصله القرع الذي هو سبب الصوت، والفاء للسببية كأنه قال: اصبر على زمان صعب تلقى فيه عاقبة صبرك وأعداؤك عاقبة ضرهم، و«إذا» ظرف لما دل عليه قوله:\nفَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ لأن معناه عسر الأمر على الكافرين، وذلك إشارة إلى وقت النقر، وهو مبتدأ خبره يَوْمٌ عَسِيرٌ ويَوْمَئِذٍ بدل أو ظرف لخبره إذ التقدير: فذلك الوقت وقت وقوع يَوْمٌ عَسِيرٌ. غَيْرُ يَسِيرٍ تأكيد بمنع أن يكون عسيرًا عليهم من وجه دون وجه ويشعر بيسره على المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3185>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)\nذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا نزلت في الوليد بن المغيرة، ووَحِيدًا حال من الياء أي ذرني وحدي معه فإني أكفيكه، أو من التاء أي ومن خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد، أو من العائد المحذوف أي من خلقته فريدًا لا مال له ولا ولد، أو ذم فإنه كان ملقبًا به فسماه الله به تهكمًا، أو إرادة أنه وحيد ولكن في الشرارة أو عن أبيه فإنه كان زنيمًا.\nوَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا مبسوطًا كثيرًا أو ممدًا بالنماء، وكان له الزرع والضرع والتجارة.\nوَبَنِينَ شُهُودًا حضورًا معه بمكة يتمتع بلقائهم لا يحتاجون إلى سفر لطلب المعاش استغناء بنعمته، ولا يحتاج إلى أن يرسلهم في مصالحه لكثرة خدمه، أو في المحافل والأندية لوجاهتهم واعتبارهم. قيل كان له عشرة بنين أو أكثر كلهم رجال، فأسلم منهم ثلاثة خالد وعمارة وهشام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3186>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nوَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)\nوَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا وبسطت له الرياسة والجاه العريض حتى لقب ريحانة قريش والوحيد أي باستحقاقه الرياسة والتقدم.\nثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ على ما أوتيه وهو استبعاد لطمعه أما لأنه لا مزيد على ما أوتي، أو لأنه لا يناسب ما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم ولذلك قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3187>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٦ الى ١٧]</span>\nكَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)\nكَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا فإنه ردع له عن الطمع وتعليل للردع على سبيل الاستئناف بمعاندة آيات المنعم المناسبة لإزالة النعمة المانعة عن الزيادة، قيل: ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان ماله حتى هلك.\nسَأُرْهِقُهُ صَعُودًا سأغشيه عقبة شاقة المصعد، وهو مثل لما يلقى من الشدائد.\nوعنه ﵊ «الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفًا ثم يهوي فيه كذلك أبدا» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3188>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١٨ الى ٢٠]</span>\nإِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)\n.","vol":"5","page":260},{"text":"إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ تعليل للوعيد أو بيان للعناد، والمعنى فكر فيما يخيل طعنًا في القرآن وقدر في نفسه ما يقول فيه.\nفَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ تعجب من تقديره استهزاء به، أو لأنه أصاب أقصى ما يمكن أن يقال عليه من قولهم: قتله الله ما أشجعه، أي بلغ في الشجاعة مبلغًا يحق أن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك.\nروي أنه مر بالنبي ﷺ وهو يقرأ حم «السجدة»، فأتى قومه وقال لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإِنس والجن، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى.\nفقالت قريش صبأ الوليد فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد إليه حزينًا وكلمه بما أحماه فناداهم فقال: تزعمون أن محمدًا مجنون فهل رأيتموه يخنق، وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن، وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا، فقالوا لا فقال: ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، ففرحوا بقوله وتفرقوا عنه متعجبين منه.\nثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ تكرير للمبالغة وثم للدلالة على أن الثانية أبلغ من الأولى وفيما بعد على أصلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3189>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢١ الى ٢٥]</span>\nثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)\nثُمَّ نَظَرَ أي في أمر القرآن مرة بعد أخرى.\nثُمَّ عَبَسَ قطب وجهه لما لم يجد فيه مطعنًا ولم يدر ما يقول، أو نظر إلى رسول الله ﷺ وقطب في وجهه. وَبَسَرَ اتباع لعبس.\nثُمَّ أَدْبَرَ عن الحق أو الرسول ﵊. وَاسْتَكْبَرَ عن اتباعه.\nفَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يروى ويتعلم، والفاء للدلالة على أنه لما خطرت هذه الكلمة بباله تفوه بها من غير تلبث وتفكر.\nإِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ كالتأكيد للجملة الأولى ولذلك لم يعطف عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3190>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٢٦ الى ٣٠]</span>\nسَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لاَ تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)\nسَأُصْلِيهِ سَقَرَ بدل من سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا:\nوَما أَدْراكَ مَا سَقَرُ تفخيم لشأنها تعالى وقوله: لاَ تُبْقِي وَلا تَذَرُ بيان لذلك أو حال من سقر، والعامل فيها معنى التعظيم والمعنى لا تبقي على شيء يلقى فيها ولا تدعه حتى تهلكه.\nلَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ أي مسودة لأعالي الجلد، أو لائحة للناس وقرئت بالنصب على الاختصاص.\nعَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ملكًا أو صنفًا من الملائكة يلون أمرها، والمخصص لهذا العدد أن اختلال النفوس البشرية في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانية الاثنتي عشرة والطبيعة السبع، أو أن لجهنم سبع دركات ست منها لأصناف الكفار وكل صنف يعذب بترك الاعتقاد والإِقرار، والعمل أنواعًا من العذاب تناسبها على كل نوع ملك أو صنف يتولاه وواحدة لعصاة الأمة يعذبون فيها بترك العمل نوعًا يناسبه ويتولاه ملك، أو صنف أو أن الساعات أربع وعشرون خمسة منها مصروفة في الصلاة فيبقى تسعة عشر قد تصرف فيما يؤاخذ به بأنواع من العذاب يتولاها الزبانية، وقرئ «تِسْعَةَ عَشَرَ» بسكون العين كراهة توالي حركات فيما هو كاسم واحد و«تسعة أعشر» جمع عشير كيمين وأيمن، أي تسعة كل عشير جمع يعني نقيبهم أو جمع عشر فتكون","vol":"5","page":261},{"text":"تسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3191>[سورة المدثر (٧٤): آية ٣١]</span>\nوَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١)\nوَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً ليخالفوا جنس المعذبين فلا يرقون لهم ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوى الخلق بأسًا وأشدهم غضبًا لله.\nروي أن أبا جهل لما سمع عليها تسع عشر قال لقريش: أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم فنزلت.\nوَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم وهو التسعة عشر، فعبر بالأثر عن المؤثر تنبيهًا على أنه لا ينفك منه وافتتانهم به استقلالهم واستهزاؤهم به واستبعادهم أن يتولى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثقلين، ولعل المراد الجعل بالقول ليحسن تعليله بقوله: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي ليكتسبوا اليقين بنبوة محمد ﷺ وصدق القرآن لما رأوا ذلك موافقًا لما في كتابهم. وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا بالإِيمان به وبتصديق أهل الكتاب له. وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ أي في ذلك وهو تأكيد للاستيقان وزيادة الإِيمان ونفي لما يعرض للمتيقن حيثما عراه شبهة. وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك أو نفاق، فيكون إخبارًا بمكة عما سيكون في المدينة بعد الهجرة. وَالْكافِرُونَ الجازمون في التكذيب. مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا أي شيء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل، وقيل لما استبعدوه حسبوا أنه مثل مضروب. كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ مثل ذلك المذكور من الإِضلال والهدى يضل الكافرين ويهدي المؤمنين. وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ جموع خلقه على ما هم عليه. إِلَّا هُوَ إِذ لا سبيل لأحد إلى حصر الممكنات والاطلاع على حقائقها وصفاتها وما يوجب اختصاص كل منها بما يخصه من كم وكيف واعتبار ونسبة. وَما هِيَ وما سقر أو عدة الخزنة أو السورة. إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ إلا تذكرة لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3192>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٢ الى ٣٥]</span>\nكَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)\nكَلَّا ردع لمن أنكرها، أو إنكار لأن يتذكروا بها. وَالْقَمَرِ.\nواللّيل إذا دبر أي أدبر كقبل بمعنى أقبل، وقرأ نافع وحمزة ويعقوب وحفص إذا أدبر على المضي.\nوَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ أضاء.\nإِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ أي لإِحدى البلايا الكبر أي البلايا الكبر كثيرة وسَقَرَ واحدة منها، وإنما جمع كبرى على «كبر» إلحاقًا لها بفعله تنزيلًا للألف منزلة التاء كما ألحقت قاصعاء بقاصعة فجمعت على قواصع، والجملة جواب القسم أو تعليل ل كَلَّا، والقسم معترض للتأكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3193>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nنَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)\nنَذِيرًا لِلْبَشَرِ تمييز أي لَإِحْدَى الْكُبَرِ إنذارًا أو حال عما دلت عليه الجملة أي كبرت منذرة، وقرئ بالرفع خبرًا ثانيًا أو خبرًا لمحذوف.\nلِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ بدل من لِلْبَشَرِ أي نذيرًا للمتمكنين من السبق إلى الخير والتخلف عنه، أو لِمَنْ شاءَ خبر ل أَنْ يَتَقَدَّمَ فيكون في معنى قوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ","vol":"5","page":262},{"text":"فَلْيَكْفُرْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3194>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٨ الى ٤٢]</span>\nكُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)\nكُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ مرهونة عند الله مصدر كالشكيمة أطلقت للمفعول كالرهن ولو كانت صفة لقيل رهين.\nإِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ فإنهم فكوا رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم، وقيل هم الملائكة أو الأطفال.\nفِي جَنَّاتٍ لا يكتنه وصفها وهي حال من أَصْحابَ الْيَمِينِ، أو ضميرهم في قوله: يَتَساءَلُونَ.\nعَنِ الْمُجْرِمِينَ أي يسأل بعضهم بعضًا أو يسألون غيرهم عن حالهم كقولك: تداعيناه أي دعوناه وقوله:\nمَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ بجوابه حكاية لما جرى بين المسؤولين والمجرمين أجابوا بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3195>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٣ الى ٤٨]</span>\nقالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧)\nفَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)\nقالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ الصلاة الواجبة.\nوَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ أي ما يجب إعطاؤه، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع.\nوَكُنَّا نَخُوضُ نشرع في الباطل. مَعَ الْخائِضِينَ مع الشارعين فيه.\nوَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ أخره لتعظيمه أي وكنا بعد ذلك كله مكذبين بالقيامة.\nحَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ الموت ومقدماته.\nفَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ لو شفعوا لهم جميعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3196>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٤٩ الى ٥٢]</span>\nفَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)\nفَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ أي معرضين عن التذكرة يعني القرآن، أو ما يعمه ومُعْرِضِينَ حال.\nكَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ شبههم في إعراضهم ونفارهم عن استماع الذكر بحمر نافرة.\nفَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ أي أسد فعولة من القسر وهو القهر.\nبَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً قراطيس تنشر وتقرأ وذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ: لن نتبعك حتى تأتي كلامنا بكتاب من السماء فيه من الله إلى فلان اتبع محمدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3197>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٥٣ الى ٥٦]</span>\nكَلاَّ بَلْ لاَّ يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)\nكَلَّا ردع لهم عن اقتراحهم الآيات. بَلْ لاَّ يَخافُونَ الْآخِرَةَ فلذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف.","vol":"5","page":263},{"text":"كَلَّا ردع عن إعراضهم. إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ وأي تذكرة.\nفَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ فمن شاء أن يذكره.\nوَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ذكرهم أو مشيئتهم كقوله: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وهو تصريح بأن فعل العبد بمشيئة الله تعالى، وقرأ نافع تَذَكَّرُونَ بالتاء وقرئ بهما مشددًا. هُوَ أَهْلُ التَّقْوى حقيق بأن يتقى عقابه. وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ حقيق بأن يغفر لعباده سيما المتقين منهم.\nوعن النبي ﷺ «من قرأ سورة المدثر أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد ﵊ وكذب به بمكة شرفها الله تعالى» .","vol":"5","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3198>(٧٥) سورة القيامة</span>\nمكية وآيها أربعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3199>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣)\nلاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ إدخال لا النافية على فعل القسم للتأكيد شائع في كلامهم قال امرؤ القيس:\nلاَ وَأَبِيكِ ابْنَةَ العَامِري ... لاَ يَدَّعِي القَوْمُ أَنِّي أَفِرْ\nوقد مر الكلام فيه في قوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وقرأ قنبل لأقسم بغير ألف بعد اللام وكذا روي عن البزي.\nوَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ بالنفس المتقية التي تلوم النفوس المقصرة في التقوى يوم القيامة على تقصيرها، أو التي تلوم نفسها أبدًا وإن اجتهدت في الطاعة أو النفس المطمئنة اللائمة للنفس الأمارة أو بالجنس. لما\nروي أنه ﵊ قال: «ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة، إن عملت خيرًا قالت كيف لم أزدد وإن عملت شرًا قالت يا ليتني كنت قصرت» .\nأو نفس آدم فإنها لم تزل تتلوم على ما خرجت به من الجنة، وضمها إلى يوم القيامة لأن المقصود من إقامتها مجازاتها.\nأَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ يعني الجنس وإسناد الفعل إليه لأن فيهم من يحسب، أو الذي نزل فيه\nوهو عدي بن أبي ربيعة سأل رسول الله ﷺ عن أمر القيامة، فأخبره به فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك.\nأو يجمع الله هذه العظام. ألن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ بعد تفرقها، وقرئ «أن لن يجمع» على البناء للمفعول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3200>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nبَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦)\nبَلى نجمعها. قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ بجمع سلامياته وضم بعضها إلى بعض كما كانت مع صغرها ولطافتها فكيف بكبار العظام، أو عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ الذي هو أطرافه فكيف بغيرها، وهو حال من فاعل الفعل المقدر بعد بَلى، وقرئ بالرفع أي نحن قادرون.\nبَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ عطف على أَيَحْسَبُ فيجوز أن يكون استفهامًا وأن يكون إيجابًا لجواز أن يكون الإِضراب عن المستفهم وعن الاستفهام. لِيَفْجُرَ أَمامَهُ ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان.\nيَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ متى يكون يوم القيامة استبعادًا له أو استهزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3201>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٧ الى ١٠]</span>\nفَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)\nفَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ تحير فزعا من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره، وقرأ نافع بالفتح وهو لغة، أو من البريق بمعنى لمع من شدة شخوصه، وقرئ «بلق» من بلق الباب إذا انفتح.\nوَخَسَفَ الْقَمَرُ ذهب ضوؤه وقرئ على البناء للمفعول.","vol":"5","page":265},{"text":"وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ في ذهاب الضوء أو الطلوع من المغرب، ولا ينافيه الخسوف فإنه مستعار للمحاق، ولمن حمل ذلك على أمارات الموت أن يفسر الخسوف بذهاب ضوء البصر والجمع باستتباع الروح الحاسة في الذهاب، أو بوصوله إلى من كان يقتبس منه نور العقل من سكان القدس، وتذكير الفعل لتقدمه وتغليب المعطوف.\nيَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ أي القرار يقوله قول الآيس من وجدانه المتمني، وقرئ بالكسر وهو المكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3202>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nكَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)\nكَلَّا ردع عن طلب المفر. لاَ وَزَرَ لا ملجأ مستعار من الجبل واشتقاقه من الوزر وهو الثقل.\nإِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ\nإليه وحده استقرار العباد، أو إلى حكمه استقرار أمرهم، أو إلى مشيئته موضع قرارهم يدخل من يشاء الجنة ومن يشاء النار.\nيُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ\nبما قدم من عمل عمله وبما أخر منه لم يعمله، أو بما قدم من عمل عمله وبما أخر من سنة حسنة أو سيئة عمل بها بعده، أو بما قدم من مال تصدق به وبما أخر فخلفه، أو بأول عمله وآخره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3203>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٤ الى ١٩]</span>\nبَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)\nثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)\nبَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ\nحجة بينة على أعمالها لأنه شاهد بها، وصفها بالبصارة على المجاز، أو عين بصيرة فلا يحتاج إلى الإِنباء.\nوَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ\nولو جاء بكل ما يمكن أن يعتذر به جمع معذار وهو العذر، أو جمع معذرة على غير قياس كالمناكير في المنكر فإن قياسه معاذر وذلك أولى وفيه نظر.\nلاَ تُحَرِّكْ\nيا محمد، بِهِ\nبالقرآن. لِسانَكَ\nقبل أن يتم وحيه. لِتَعْجَلَ بِهِ\nلتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك.\nإِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ\nفي صدرك. وَقُرْآنَهُ\nوإثبات قراءته في لسانك وهو تعليل للنهي.\nفَإِذا قَرَأْناهُ\nبلسان جبريل عليك. فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ\nقراءته وتكرر فيه حتى يرسخ في ذهنك.\nثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ بيان ما أشكل عليك من معانيه، وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وهو اعتراض بما يؤكد التوبيخ على حب العجلة لأن العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو أهم الأمور وأصل الدين فكيف بها في غيره، أو بذكر ما اتفق في أثناء نزول هذه الآيات. وقيل الخطاب مع الإِنسان المذكور والمعنى أنه يؤتى كتابه فيتلجلج لسانه من سرعة قراءته خوفًا، فيقال له لا تحرك به لسانك لتعجل به فإن علينا بمقتضى الوعد جمع ما فيه من أعمالك وقراءته، فإذا قرأناه فاتبع قراءته بالإقرار أو التأمل فيه، ثم إن علينا بيان أمره بالجزاء عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3204>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٠ الى ٢٣]</span>\nكَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣)\nكَلَّا ردع للرسول عن عادة العجلة أو للإِنسان عن الاغترار بالعاجل. بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ.\nوَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ تعميم للخطاب إشعارًا بأن بني آدم مطبوعون على الاستعجال وإن كان الخطاب","vol":"5","page":266},{"text":"للإِنسان، والمراد به الجنس فجمع الضمير للمعنى ويؤيده قراءة ابن كثير وابن عامر والبصريين بالياء فيهما.\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ بهية متهللة.\nإِلى رَبِّها ناظِرَةٌ تراه مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفل عما سواه ولذلك قدم المفعول، وليس هذا في كل الأحوال حتى ينافيه نظرها إلى غيره، وقيل منتظرة إنعامه ورد بأن الانتظار لا يسند إلى الوجه وتفسيره بالجملة خلاف الظاهر، وأن المستعمل بمعناه لا يتعدى بإلى وقول الشاعر:\nوَإِذَا نَظَرْتُ إِلَيْكَ مِن مَلكٍ ... وَالبَحْرُ دُونَك زِدْتَني نِعَمًا\nبمعنى السؤال فإن الانتظار لا يستعقب العطاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3205>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٤ الى ٢٥]</span>\nوَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥)\nوَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ شديدة العبوس والباسل أبلغ من الباسر لكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحه.\nتَظُنُّ تتوقع أربابها. أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ داهية تكسر الفقار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3206>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٦ الى ٢٧]</span>\nكَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧)\nكَلَّا ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ إذا بلغت النفس أعالي الصدر وإضمارها من غير ذكر لدلالة الكلام عليها.\nوَقِيلَ مَنْ راقٍ\nوقال حاضر وصاحبها من يرقيه مما به من الرقية، أو قال ملائكة الموت أيكم يرقى بروحه ملائكة الرحمة، أو ملائكة العذاب من الرقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3207>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٨ الى ٣٠]</span>\nوَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠)\nوَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ وظن المحتضر أن الذي نزل به فراق الدنيا ومحابها.\nوَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ والتوت ساقه بساقه فلا يقدر على تحريكهما، أو شدة فراق الدنيا بشدة خوف الآخرة.\nإِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ سوقه إلى الله تعالى وحكمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3208>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣١ الى ٣٣]</span>\nفَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)\nفَلا صَدَّقَ ما يجب تصديقه، أو فلا صدق ماله أي فلا زكاة. وَلا صَلَّى ما فرض عليه والضمير فيهما للإنسان المذكور في أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ.\nوَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى عن الطاعة.\nثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى يتبختر افتخارا بذلك من المط، فإن المتبختر يمد خطاه فيكون أصله يتمطط، أو من المطا وهو الظهر فإنه يلويه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3209>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٤ الى ٣٥]</span>\nأَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥)\nأَوْلى لَكَ فَأَوْلى ويل لك من الولي، وأصله أولاك الله ما تكرهه واللام مزيدة كما في رَدِفَ لَكُمْ أو أَوْلى لَكَ الهلاك. وقيل أفعل من الويل بعد القلب أدنى من أدون، أو فعلى من آل يؤول بمعنى عقباك النار.","vol":"5","page":267},{"text":"ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى أي يتكرر ذلك عليه مرة بعد أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3210>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٣٦ الى ٤٠]</span>\nأَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)\nأَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً مهملًا لا يكلف ولا يجازى، وهو يتضمن تكرير إنكاره للحشر والدلالة عليه من حيث إن الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن القبائح، والتكليف لا يتحقق إلا بالمجازاة وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة.\nأَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فقدره فعدله.\nفَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الصنفين الذَّكَرَ وَالْأُنْثى وهو استدلال آخر بالإِبداء على الإِعادة على ما مر تقريره مرارًا ولذلك رتب عليه قوله:\nأَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى.\nعن النبي ﷺ «أنه كان إذا قرأها قال سبحانك بلى»\nوعنه ﷺ «من قرأ سورة القيامة شهدت له أنا وجبريل يوم القيامة أنه كان مؤمنا به» .","vol":"5","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3211>(٧٦) سورة الإنسان</span>\nمكية وآيها إِحدى وثلاثون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3212>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)\nهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ استفهام تقرير وتقريب ولذلك فسر بقد وأصله أهل كقوله: أهل رَأَوْنَا بِسَفْحِ القَاعِ ذِي الأَكم. حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ طائفة محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود. لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا بل كان شيئًا منسيًا غير مذكور بالإِنسانية كالعنصر والنطفة، والجملة حال من الْإِنْسانِ أو وصف ل حِينٌ بحذف الراجع والمراد بالإِنسان الجنس لقوله:\nإِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أو آدم بين أولًا خلقه ثم ذكر خلقه بنيه. أَمْشاجٍ أخلاط جمع مشج أو مشج أو مشيج من مشجت الشيء إذا خلطته، وجمع النطفة به لأن المراد بها مجموع مني الرجل والمرأة وكل منهما مختلف الأجزاء في الرقة والقوام والخواص، ولذلك يصير كل جزء منهما مادة عضو. وقيل مفرد كأعشار وأكباش. وقيل ألوان فإن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اختلطا اخضرا، أو أطوار فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة. نَبْتَلِيهِ في موضع الحال أي مبتلين له بمعنى مريدين اختباره أو ناقلين له من حال إلى حال فاستعير له الابتلاء. فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات، فهو كالمسبب عن الابتلاء ولذلك عطف بالفاء على الفعل المقيد به ورتب عليه قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3213>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nإِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا (٤)\nإِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ أي بنصب الدلائل وإنزال الآيات. إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا حالان من الهاء، وإِمَّا للتفصيل أو التقسيم أي هَدَيْناهُ في حاليه جميعًا أو مقسومًا إليهما بعضهم شاكِرًا بالاهتداء والأخذ فيه، وبعضهم كفور بالإِعراض عنه، أو من السَّبِيلَ ووصفه بالشكر والكفر مجاز. وقرئ «أَمَّا» بالفتح على حذف الجواب ولعله لم يقل كافرًا ليطابق قسيمه محافظة على الفواصل، وإشعارًا بأن الإِنسان لا يخلو عن كفران غالبًا وإنما المؤاخذ به التوغل فيه.\nإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ بها يقادون. وَأَغْلالًا بها يقيدون. وَسَعِيرًا بها يحرقون، وتقديم وعيدهم وقد تأخر ذكرهم لأن الإِنذار أهم وأنفع، وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين أحسن، وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر «سلاسلا» للمناسبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3214>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nإِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا (٦)","vol":"5","page":269},{"text":"إِنَّ الْأَبْرارَ جمع بر كأرباب أو بار كأشهاد. يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ من خمر وهي في الأصل القدح تكون فيه. كانَ مِزاجُها ما يمزج بها. كافُورًا لبرده وعذوبته وطيب عرفه وقيل اسم ماء في الجنة يشبه الكافور في رائحته وبياضه. وقيل يخلق فيها كيفيات الكافور فتكون كالممزوجة به.\nعَيْنًا بدل من كافُورًا إن جعل اسم ماء أو من محل مِنْ كَأْسٍ على تقدير مضاف، أي ماء عين أو خمرها أو نصب على الاختصاص أو بفعل يفسره ما بعدها. يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي ملتذًا بها أو ممزوجًا بها، وقيل الباء مزيدة أو بمعنى من لأن الشرب مبتدأ منها كما هو. يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا يجرونها حيث شاؤوا إجراء سهلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3215>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nيُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)\nيُوفُونَ بِالنَّذْرِ استئناف ببيان ما رزقوه لأجله كأنه سئل عنه فأجيب بذلك، وهو أبلغ في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات لأن من وفى بما أوَجَبه على نفسه لله تعالى كان أوفى بما أوجبه الله تعالى عليه.\nوَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ شدائده. مُسْتَطِيرًا فاشيا منتشرا غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر، وهو أبلغ من طار، وفيه إشعار بحسن عقيدتهم واجتنابهم عن المعاصي.\nوَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ حب الله تعالى أو الطعام أو الإِطعام. مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا يعني أسراء الكفار فإنه ﷺ كان يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول «أحسن إليه»، أو الأسير المؤمن ويدخل فيه المملوك والمسجون،\nوفي الحديث «غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3216>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nإِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)\nإِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ على إرادة القول بلسان الحال أو المقال إزاحة لتوهم المن وتوقع المكافأة المنقصة للأجر. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل المبعوث ما قالوا، فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصًا عند الله. لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا أي شكرًا.\nإِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا فلذلك نحسن إليكم أو لا نطلب المكافأة منكم. يَوْمًا عذاب يوم. عَبُوسًا تعبس فيه الوجوه أو يشبه الأسد العبوس في ضراوته. قَمْطَرِيرًا شديد العبوس كالذي يجمع ما بين عينيه من اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قريطها أو مشتق من القطر والميم مزيدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3217>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nفَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)\nفَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ بسبب خوفهم وتحفظهم عنه. وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا بدل عبوس الفجار وحزنهم.\nوَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا بصبرهم على أداء الواجبات واجتناب المحرمات وإيثار الأموال. جَنَّةً بستانًا يأكلون منه. وَحَرِيرًا يلبسونه.\nوعن ابن عباس ﵄: أن الحسن والحسين ﵄ مرضا فعادهما رسول الله ﷺ في ناس فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك، فنذر علي وفاطمة رضي الله تعالى عنهما وفضة جارية لهما صوم ثلاث إن برئا، فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعًا واختبزت خمسة أقراص فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم مسكين فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صيامًا، فلما أمسوا ووضعوا الطعام وقف عليهم يتيم فآثروه، ثم وقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك، فنزل جبريل ﵇ بهذه السورة","vol":"5","page":270},{"text":"وقال خذها يا محمد هناك الله في أهل بيتك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3218>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nمُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (١٤)\nمُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ حال من هم في جَزاهُمْ أو صفة ل جَنَّةً. لاَ يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا يحتملهما وأن يكون حالًا من المستكن في مُتَّكِئِينَ، والمعنى أنه يمر عليهم فيها هواء معتدل لا حار محم ولا بارد مؤذ، وقيل الزمهرير القمر في لغة طيئ قال راجزهم:\nوَلَيْلَةٌ ظَلاَمُهَا قَدِ اعْتَكَر ... قَطَعْتُهَا وَالزَّمْهَرِيرُ مَا زَهَرْ\nوالمعنى أن هواءها مضيء بذاته لا يحتاج إلى شمس وقمر.\nوَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها حال أو صفة أخرى معطوفة على ما قبلها، أو عطف على جَنَّةً أي وجنة أخرى دانية على أنهم وعدوا جنتين كقوله: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ وقرئت بالرفع على أنها خبر ظِلالُها والجملة حال أو صفة. وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا معطوف على ما قبله أو حال من دانية، وتذليل القطوف ان تجعل سهلة التناول لا تمتنع على قطافها كيف شاؤوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3219>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٥ الى ١٨]</span>\nوَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)\nوَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ وأباريق بلا عروة. كانَتْ قَوارِيرَا.\nقَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ أي تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها وبياض الفضة ولينها، وقد نون وارِيرَ\nمن نون «سلاسلًا» وابن كثير الأولى لأنها رأس الآية، وقرئ «قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ» على هي «قَوارِيرَ» .\nقَدَّرُوها تَقْدِيرًا أي قدروها في أنفسهم فجاءت مقاديرها وأشكالها كما تمنوه، أو قدروها بأعمالهم الصالحة فجاءت على حسبها، أو قدر الطائفون بها المدلول عليهم بقوله يطاف شرابها على قدر اشتهائهم، وقرئ «قَدَّرُوهَا» أي جعلوا قادرين لها كما شاؤوا من قدر منقولًا من قدرت الشيء.\nوَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا ما يشبه الزنجبيل في الطعم وكانت العرب يستلذون الشراب الممزوج به عَيْنًا فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها، يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، ولذلك حكم بزيادة الباء والمراد به أن ينفي عنها لذع الزنجبيل ويصفها بنقيضه، وقيل أصله سل سبيلا فسميت به كتأبط شرًا لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلًا بالعمل الصالح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3220>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ دائمون. إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا من صفاء ألوانهم وانبثاثهم في مجالسهم وانعكاس شعاع بعضهم إلى بعض.\nوَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدر لأنه عام معناه أن بصرك أينما وقع. رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا واسعًا،\nوفي الحديث «أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه»\nهذا وللعارف أكبر من ذلك وهو أن تنتقش نفسه بجلايا الملك وخفايا الملكوت، فيستضيء بأنوار قدس الجبروت.","vol":"5","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3221>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nعالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)\nعالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ يعلوهم ثياب الحرير الخضر ما رق منها وما غلظ، ونصبه على الحال من هم في عليهم أو حَسِبْتَهُمْ، أو مُلْكًا على تقدير مضاف أي وأهل ملك كبير عاليهم، وقرأ نافع عالِيَهُمْ وحمزة بالرفع على أنه خبر ثِيابُ. وقرأ ابن كثير وأبو بكر خُضْرٌ بالجر حملًا على سُندُسٍ بالمعنى فإنه اسم جنس، وَإِسْتَبْرَقٌ بالرفع عطفًا على ثِيابُ، وقرأهما حفص وحمزة والكسائي بالرفع، وقرئ وَإِسْتَبْرَقٌ بوصل الهمزة والفتح على أنه استفعل من البريق جعل علمًا لهذا النوع من الثياب. وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ عطف على وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولا يخالفه قوله أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ لإمكان الجمع والمعاقبة والتبعيض، فإن حلي أهل الجنة تختلف باختلاف أعمالهم، فلعله تعالى يفيض عليهم جزاء لما عملوه بأيديهم حليا وأنوارا تتفاوت تفاوت الذهب والفضة، أو حال من الضمير في عالِيَهُمْ بإضمار قد، وعلى هذا يجوز أن يكون هذا للخدم وذلك للمخدومين. وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا يريد به نوعًا آخر يفوق على النوعين المتقدمين ولذلك أسند سقيه إلى الله ﷿، ووصفه بالطهورية فإنه يطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الحسية والركون إلى ما سوى الحق، فيتجرد لمطالعة جماله ملتذًا بلقائه باقيًا ببقائه، وهي منتهى درجات الصديقين ولذلك ختم بها ثواب الأبرار.\nإِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً على إضمار القول والإِشارة إلى ما عد من ثوابهم. وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا مجازى عليه غير مضيع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3222>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٣ الى ٢٤]</span>\nإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)\nإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا مفرقًا منجمًا لحكمةٍ اقتضته، وتكرير الضمير مع أن مزيد لاختصاص التنزيل به.\nفَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ بتأخير نصرك على كفار مكة وغيرهم. وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا أي كل واحدُ من مرتكب الإِثم الداعي لك إليه ومن الغالي في الكفر الداعي لك إليه، وأو للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان والاستقلال به والتقسيم باعتبار ما يدعونه إليه، فإن ترتب النهي على الوصفين مشعر بأنه لهما وذلك يستدعي أن تكون المطاوعة في الإِثم والكفر. فإن مطاوعتهما فيما ليس بإثم ولا كفر غير محظور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3223>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nوَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)\nوَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ودَاوم على ذكره أو دم على صلاة الفجر والظهر والعصر فإن الأصيل يتناول وقتيهما.\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وبعض الليل فصل له تعالى، ولعل المراد به صلاة المغرب والعشاء وتقديم الظرف لما في صلاة الليل من مزيد الكلفة والخلوص. وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا وتهجد له طائفة طويلة من الليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3224>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nإِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)","vol":"5","page":272},{"text":"إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ أمامهم أو خلف ظهورهم. يَوْمًا ثَقِيلًا شديدًا مستعار من الثقل الباهظ للحامل، وهو كالتعليل لما أمر به ونهى عنه.\nنَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب. وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا وإذا شئنا أهلكناهم وبَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا في الخلقة، وشدة الأسر يعني النشأة الثانية ولذلك جيء ب إِذا أو بدلنا غيرهم ممن يطيع وَإِذا لتحقق القدرة وقوة الداعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3225>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nإِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٣١)\nإِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ الإِشارة إلى السورة أو الآيات القريبة، فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا تقرب إليه بالطاعة.\nوَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وما تشاؤون ذلك إلا وقت أن يشاء الله مشيئتكم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر يشاؤن بالياء. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا بما يستأهل كل أحد. حَكِيمًا لا يشاء إلا ما تقتضيه حكمته.\nيُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ بالهداية والتوفيق للطاعة. وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا نصب الظَّالِمِينَ بفعل يفسره أَعَدَّ لَهُمْ مثل أوعد وكافأ ليطابق الجملة المعطوف عليها، وقرئ بالرفع على الابتداء.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله جنة وحريرا» .","vol":"5","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3226>(٧٧) سورة المرسلات</span>\nمكية وآيها خمسون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3227>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقًا (٤)\nفَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا (٥)\nوَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا فَالْفارِقاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا إقسام بطوائف من الملائكة أرسلهن الله تعالى بأوامره متتابعة. فعصفن عصف الرياح في امتثال أمره، ونشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى بالجهل بما أوحين من العلم، ففرقن بين الحق والباطل، فألقين إلى الأنبياء ذكرًا عذرًا للمحقين ونذرًا للمبطلين، أو بآيات القرآن المرسلة بكل عرف إلى محمد ﵊، فعصفن سائر الكتب والأديان بالنسخ ونشرن آثار الهدى والحكم في الشرق والغرب، وفرقن بين الحق والباطل فألقين ذكر الحق فيما بين العالمين. أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها فعصفن ما سوى الحق ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، ففرقن بين الحق بذاته والباطل في نفسه فيرون كل شيء هالكًا إلا وجهه، فألقين ذكرًا بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلا ذكر الله تعالى. أو برياح عذاب أرسلن فعصفن، ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو، ففرقن فألقين ذكرًا أي تسببن له، فإن العاقل إذا شاهد هبوبها وآثارها ذكر الله تعالى وتذكر كمال قدرته، وعُرْفًا إما نقيض النكر وانتصابه على العلة أي أرسلن للإِحسان والمعروف، أو بمعنى المتتابعة من عرف الفرس وانتصابه على الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3228>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٦ الى ١٠]</span>\nعُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠)\nعُذْرًا أَوْ نُذْرًا مصدران لعذر إذا محا الإِساءة وأنذر إذا خوف، أو جمعان لعذير بمعنى المعذرة ونذير بمعنى الإِنذار، أو بمعنى العاذر والمنذر، ونصبهما على الأولين بالعلية أي عُذْرًا للمحقين أَوْ نُذْرًا للمبطلين، أو البدل من ذِكْرًا على أن المراد به الوحي أو ما يعم التوحيد والشرك والإِيمان والكفر وعلى الثالث بالحالية، وقرأهما أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص بالتخفيف.\nإِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ جواب القسم ومعناه أن الذي توعدونه من مجيء القيامة كائن لا محالة.\nفَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ محقت أو أذهب نورها.\nوَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ صدعت.\nوَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ كالحب ينسف بالمنسف.","vol":"5","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3229>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١١ الى ١٥]</span>\nوَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)\nوَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ عين لها وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على الأمم بحصوله، فإنه لا يتعين لهم قبله، أو بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره، وقرأ أبو عمرو «وقتت» على الأصل.\nلِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ أي يقال لأي يوم أخرت، وضرب الأجل للجمع وهو تعظيم لليوم وتعجيب من هوله، ويجوز أن يكون ثاني مفعولي أُقِّتَتْ على أنه بمعنى أعلمت.\nلِيَوْمِ الْفَصْلِ بيان ليوم التأجيل.\nوَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله.\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أي بذلك، ووَيْلٌ في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعله عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات الهلك للمدعو عليه، ويَوْمَئِذٍ ظرفه أو صفته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3230>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١٦ الى ١٩]</span>\nأَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)\nأَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ كقوم نوح وعاد وثمود، وقرئ «نُهْلِكِ» من هلكه بمعنى أهلكه.\nثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ أي ثُمَّ نحن نُتْبِعُهُمُ نظراءهم ككفار مكة، وقرئ بالجزم عطفًا على نُهْلِكِ فيكون الْآخِرِينَ المتأخرين من المهلكين كقوم لوط وشعيب وموسى ﵈.\nكَذلِكَ مثل ذلك الفعل. نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ بكل من أجرم.\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بآيات الله وأنبيائه فليس تكريرًا، وكذا إن أطلق التكذيب أو علق في الموضعين بواحد، لأن ال وَيْلٌ الأول لعذاب الآخرة وهذا للإِهلاك في الدنيا، مع أن التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3231>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٠ الى ٢٤]</span>\nأَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)\nأَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ نطفة مذرة ذليلة.\nفَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ هو الرحم.\nإِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ إلى مقدار معلوم من الوقت قدره الله تعالى للولادة.\nفَقَدَرْنا على ذلك، أو فقدرناه ويدل عليه قراءة نافع والكسائي بالتشديد. فَنِعْمَ الْقادِرُونَ نحن.\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3232>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٥ الى ٢٨]</span>\nأَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتًا (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)","vol":"5","page":275},{"text":"أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا كافتة اسم لما يكفت أي يضم ويجمع كالضمام والجماع اسم لما يضم ويجمع، أو مصدر نعت به أو جمع كافت كصائم وصيام، أو كفت وهو الوعاء أجرى على الأرض باعتبار أقطارها.\nأَحْياءً وَأَمْواتًا منتصبان على المفعولية وتنكيرهما للتفخيم، أو لأن أحياء الإِنس وأمواتهم بعض الأحياء والأموات، أو الحالية من مفعوله المحذوف للعلم به وهو الإِنس، أو بنجعل على المفعولية وكِفاتًا حال أو الحالية فيكون المعنى بالأحياء ما ينبت وبالأموات ما لا ينبت.\nوَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ جبالًا ثوابت طوالًا والتنكير للتفخيم، أو الإِشعار بأن فيها ما لم يعرف ولم ير وَأَسْقَيْناكُمْ مَّاء فُراتًا بخلق الأنهار والمنابع فيها.\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بأمثال هذه النعم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3233>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٢٩ الى ٣١]</span>\nانْطَلِقُوا إِلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)\nانْطَلِقُوا أي يقال لهم انطلقوا. إِلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ من العذاب.\nانْطَلِقُوا خصوصًا وعن يعقوب انْطَلِقُوا على الإِخبار عن امتثالهم للأمر اضطرارًا. إِلى ظِلٍّ يعني ظل دخان جهنم كقوله تعالى: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ يتشعب لعظمه كما ترى الدخان العظيم يتفرق تفرق الذوائب، وخصوصية الثلاث إما لأن حجاب النفس عن أنوار القدس الحس والخيال والوهم، أو لأن المؤدي إلى هذا العذاب هو القوة الواهمة الحالية في الدماغ والغضبية التي في يمين القلب والشهوية التي في يساره، ولذلك قيل شعبة تقف فوق الكافر وشعبة عن يمينه وشعبة عن يساره.\nلاَّ ظَلِيلٍ تهكم بهم ورد لما أوهم لفظ الظل. وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ وغير مغن عنهم من حر اللهب شيئا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3234>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٢ الى ٣٣]</span>\nإِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)\nإِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ أي كل شرارة كَالْقَصْرِ في عظمها، ويؤيده أنه قرئ «بشرار»، وقيل هو جمع قصرة وهي الشجرة الغليظة، وقرئ «كالقصر» بمعنى القصور كرهن ورهن و«كالقصر» جمع قصرة كحاجة وحوج، و«كالقصر» جمع قصرة وهي أصل العنق والهاء للشعب.\nكَأَنَّهُ جَمَالاتٌ جمع جمال أو جمالة جمع جمل. صُفْرٌ فإن الشرار بما فيه من النارية يكون أصفر، وقيل سود لأن سواد الإِبل يضرب إلى الصفرة، والأول تشبيه في العظم وهذا في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط وسرعة الحركة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص جِمالَتٌ وعن يعقوب جُمَالاَتٌ بالضم جمع جمالة، وقد قرئ بها وهي الحبل الغليظ من حبال السفينة شبهه بها في امتداده والتفافه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3235>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٤ الى ٣٧]</span>\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هذا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ أي بما يستحق فإن النطق بما لا ينفع كلا نطق، أو بشيء من فرط الدهشة والحيرة وهذا في بعض المواقف، وقرئ بنصب ال يَوْمُ أي هذا الذي ذكر واقع يومئذ.","vol":"5","page":276},{"text":"وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ عطف فَيَعْتَذِرُونَ على يُؤْذَنُ ليدل على نفي الإِذن والاعتذار عقيبه مطلقًا، ولو جعله جوابًا لدل على أن عدم اعتذارهم لعدم الإذن فأوهم ذلك أن لهم عذرًا لكن لا يؤذن لهم فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3236>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٨ الى ٤٠]</span>\nهذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)\nهذا يَوْمُ الْفَصْلِ بين المحق والمبطل. جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ تقرير وبيان للفصل.\nفَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا وإظهار لعجزهم.\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ إذ لا حيلة لهم في التخلص من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3237>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤١ الى ٤٥]</span>\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ عن الشرك لأنهم في مقابلة المكذبين. فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ.\nوَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ مستقرون في أنواع الترفه.\nكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي مقولًا لهم ذلك.\nإِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ في العقيدة.\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يمحض لهم العذاب المخلد ولخصومهم الثواب المؤبد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3238>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤٦ الى ٤٧]</span>\nكُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)\nكُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ حال من المكذبين أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذلك، تذكيرًا لهم بحالهم في الدنيا وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم.\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ حيث عرضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3239>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٤٨ الى ٥٠]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا أطيعوا وأخضعوا أو صلوا أو اركعوا في الصلاة. إذ\nروي: أنه نزل حين أمر رسول الله ﷺ ثقيفًا بالصلاة فقالوا: لا نجبي أي لا نركع فإنها مسبة.\nوقيل هو يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. لاَ يَرْكَعُونَ لا يمتثلون واستدل به على أن الأمر للوجوب وأن الكفار مخاطبون بالفروع.\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ بعد القرآن يُؤْمِنُونَ إذا لم يؤمنوا به وهو معجز في ذاته مشتمل على الحجج الواضحة والمعاني الشريفة.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة والمرسلات كتب له أنه ليس من المشركين» .","vol":"5","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3240>(٧٨) سورة النبأ</span>\nمكية، وآيها إحدى وأربعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3241>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nعَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)\nعَمَّ يَتَساءَلُونَ أصله عما فحذف الألف لما مر، ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يتساءلون عنه كأنه لفخامته خفي جنسه فيسأل عنه، والضمير لأهل مكة كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم، أو يسألون الرسول ﵊ والمؤمنين عنه استهزاء كقولهم: يتداعونهم ويتراءونهم أي يدعونهم ويرونهم، أو للناس.\nعَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ بيان لشأن المفخم أو صلة يَتَساءَلُونَ وعَمَّ متعلق بمضمر مفسر به، ويدل عليه قراءة يعقوب: «عمه» .\nالَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ بجزم النفي والشك فيه، أو بالإقرار والإِنكار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3242>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nكَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥)\nكَلَّا سَيَعْلَمُونَ ردع عن التساؤل ووعيد عليه.\nثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ تكرير للمبالغة وثُمَّ للإشعار بأن الوعيد الثاني أشد، وقيل الأول عند النزع والثاني في القيامة، أو الأول للبعث والثاني للجزاء. وعن ابن عامر «ستعلمون» بالتاء على تقدير قل لهم ستعلمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3243>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nأَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا (٦) وَالْجِبالَ أَوْتادًا (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا (٨)\nأَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا وَالْجِبالَ أَوْتادًا تذكير ببعض ما عاينوا من عجائب صنعه الدالة على كمال قدرته ليستدلوا بذلك على صحة البعث كما مر تقريره مرارا، وقرئ «مهدًا» أي أنها لهم كالمهد للصبي مصدر سمي به ما يمهد لينوم عليه.\nوَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا ذكرًا وأنثى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3244>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٩ الى ١٣]</span>\nوَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا (١٢) وَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا (١٣)\nوَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا قطعًا عن الإِحساس والحركة استراحة للقوى الحيوانية وإزاحة لكلالها، أو موتًا لأنه أحد التوفيين ومنه المسبوت للميت، وأصله القطع أيضًا.\nوَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا غطاء يستتر بظلمته من أراد الاختفاء.\nوَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا وقت معاش تتقلبون فيه لتحصيل ما تعيشون به، أو حياة تنبعثون فيها عن","vol":"5","page":278},{"text":"نومكم.\nوَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا سبع سموات أقوياء محكمات لا يؤثر فيها مرور الدهور.\nوَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا متلألئًا وقادًا من وهجت النار إذا أضاءت، أو بالغًا في الحرارة من الوهج وهو الحر والمراد الشمس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3245>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٤ الى ١٦]</span>\nوَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا (١٦)\nوَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ السحائب إذا أعصرت أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك: احصد الزرع إذا حان له أن يحصد، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض، أو من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، أو الرياح ذوات الأعاصير، وإنما جعلت مبدأ للإنزال لأنها تنشئ السحاب وتدرأ خلافه، ويؤيده أنه قرئ «بالمعصرات» . مَاءً ثَجَّاجًا منصبًا بكثرة يقال ثجه وثج بنفسه.\nوفي الحديث «أفضل الحج العج والثج»\nأي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي، وقرئ «ثجاجا» و«مثاجج» الماء مصابه.\nلِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا ما يقتات به وما يعتلف من التبن والحشيش.\nوَجَنَّاتٍ أَلْفافًا ملتفة بعضها ببعض جمع لف كجذع. قال:\nجَنَّة لفَّ وَعَيْشٌ مُغْدق ... وَنَدَامى كُلُّهُمْ بِيضٌ زهر\nأو لفيف كشريف أو لف جمع لفاء كخضراء وخضر وأخضار أو متلفة بحذف الزوائد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3246>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nإِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا (١٨)\nإِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ في علم الله تعالى أو في حكمه. مِيقاتًا حدًا تؤقت به الدنيا وتنتهي عنده، أو حدًا للخلائق ينتهون إليه.\nيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ بدل أو بيان ليوم الفصل. فَتَأْتُونَ أَفْواجًا جماعات من القبور إلى المحشر.\nروي «أنه ﷺ سئل عنه فقال: يحشر عشرة أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون يسحبون على وجوههم، وبعضهم عمي وبعضهم صم بكم، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم فيسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلوبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتنًا من الجيف، وبعضهم ملبسون جبابًا سابغة من قطران لازقة بجلودهم»\nثم فسرهم بالقتات وأهل السحت وأكلة الربا والجائرين في الحكم والمعجبين بأعمالهم، والعلماء الذين خالف قولهم عملهم، والمؤذين جيرانهم والساعين بالناس إلى السلطان، والتابعين للشهوات المانعين حق الله، والمتكبرين الخيلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3247>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا (٢٠)\nوَفُتِحَتِ السَّماءُ وشققت وقرأ الكوفيون بالتخفيف. فَكانَتْ أَبْوابًا فصارت من كثرة الشقوق كأن الكل أبواب أو فصارت ذات أبواب.\nوَسُيِّرَتِ الْجِبالُ أي في الهواء كالهباء. فَكانَتْ سَرابًا مثل سراب إذ ترى على صورة الجبال ولم تبق على حقيقتها لتفتت أجزائها وانبثاثها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3248>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢١ الى ٢٣]</span>\nإِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا (٢٣)\n.","vol":"5","page":279},{"text":"إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار، أو خزنة الجنة المؤمنين ليحرسوهم من فيحها في مجازهم عليها، كالمضمار فإنه الموضع الذي تضمر فيه الخيل، أو مجدة في ترصد الكفرة لئلا يشذ منها واحد كالمطعان، وقرئ إِنَّ بالفتح على التعليل لقيام الساعة.\nلِلطَّاغِينَ مَآبًا مرجعًا ومأوى.\nلابِثِينَ فِيها وقرأ حمزة وروح «لبثين» وهو أبلغ. أَحْقابًا دهورًا متتابعة، وليس فيها ما يدل على خروجهم منها إذ لو صح أن الحقب ثمانون سنة أو سبعون ألف سنة، فليس فيه ما يقتضي تناهي تلك الأحقاب لجواز أن يكون المراد أحقابًا مترادفة كلما مضى حقب تبعه آخر، وإن كان فمن قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق الدال على خلود الكفار، ولو جعل قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3249>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٤ الى ٢٦]</span>\nلاَّ يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا (٢٤) إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزاءً وِفاقًا (٢٦)\nلاَّ يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا حالًا من المستكن في لابِثِينَ أو نصب أَحْقابًا ب لاَ يَذُوقُونَ احتمل أن يلبثوا فيها أحقابًا غير ذائقين إلا حميمًا وغساقًا، ثم يبدلون جنسًا آخر من العذاب، ويجوز أن يكون جمع حقب من حقب الرجل إذا أخطأه الرزق، وحقب العام إذا قل مطره وخيره فيكون حالًا بمعنى لابثين فيها حقبين، وقوله لاَ يَذُوقُونَ تفسير له والمراد بالبرد ما يروحهم وينفس عنهم حر النار، أو النوم وبالغساق ما يغسق أي يسيل من صديدهم، وقيل الزمهرير وهو مستثنى من البرد إلا أنه أخر ليتوافق رؤوس الآي، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالتشديد.\nجَزاءً وِفاقًا أي جوزوا بذلك جزاء ذا وفاق لأعمالهم، أو موافقًا لها أو وافقها وفاقا، وقرئ «وفاقا» فعال من وفقه كذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3250>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٧ الى ٢٨]</span>\nإِنَّهُمْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا (٢٨)\nإِنَّهُمْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسابًا بيان لما وافقه هذا الجزاء.\nوَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا تكذيبًا وفعال بمعنى تفعيل مطرد شائع في كلام الفصحاء. وقرئ بالتخفيف وهو بمعنى الكذب كقوله:\nفَصَدَقْتَهَا وَكَذَبْتَهَا ... وَالمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَّابُهْ\nوإنما أقيم مقام التكذيب للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم، أو المكاذبة فإنهم كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون كاذبين عندهم فكان بينهم مكاذبة، أو كانوا مبالغين في الكذب مبالغة المغالبين فيه، وعلى المعنيين يجوز أن يكون حالًا بمعنى كاذبين أو مكاذبين، ويؤيده أنه قرئ «كَذَّابًا» وهو جمع كاذب، ويجوز أن يكون للمبالغة فيكون صفة للمصدر أي تكذيبا مفرطا كذبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3251>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٢٩ الى ٣٠]</span>\nوَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذابًا (٣٠)\nوَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ وقرئ بالرفع على الابتداء. كِتابًا مصدر لأحصيناه فإن الأحصاء والكتبة يتشاركان في معنى الضبط أو لفعله المقدر أو حال بمعنى مكتوبًا في اللوح، أو صحف الحفظة والجملة اعتراض وقوله:\nفَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات ومجيئه على طريقة الالتفات للمبالغة.\nوفي الحديث «هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار» .","vol":"5","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3252>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ الى ٣٥]</span>\nإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا (٣١) حَدائِقَ وَأَعْنابًا (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْرابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهاقًا (٣٤) لاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (٣٥)\nإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا فوزًا أو موضع فوز.\nحَدائِقَ وَأَعْنابًا بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة بدل من مَفازًا بدل الاشتمال أو البعض.\nوَكَواعِبَ نساء فلكت ثديهن أَتْرابًا لدات. وَكَأْسًا دِهاقًا ملآنا وأدهق الحوض ملآه.\nلاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا وقرأ الكسائي بالتخفيف أي كذبًا أو مكاذبةٍ، إذ لا يكذب بعضهم بعضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3253>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣٦ الى ٣٧]</span>\nجَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا (٣٧)\nجَزاءً مِنْ رَبِّكَ. بمقتضى وعده. عَطاءً تفضلًا منه إذ لا يجب عليه شيء، وهو بدل من جَزاءً، وقيل منتصب به نصب المفعول به. حِسابًا كافيًا من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي، أو على حسب أعمالهم وقرئ «حِسَابًا» أي محسبًا كالدراك بمعنى المدرك.\nرَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا بدل من ربك وقد رفعه الحجازيان وأبو عمرو على الابتداء.\nالرَّحْمنِ بالجر صفة له وكذا في قراءة ابن عامر وعاصم ويعقوب وبالرفع في قراءة أبي عمرو، وفي قراءة حمزة والكسائي بجر الأول ورفع الثاني على أنه خبر محذوف، أو مبتدأ خبره: لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا والواو لأهل السموات والأرض أي لا يملكون خطابه، والاعتراض عليه في ثواب أو عقاب لأنهم مملوكون له على الاطلاق فلا يستحقون عليه اعتراضًا وذلك لا ينافي الشفاعة بإذنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3254>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣٨ الى ٣٩]</span>\nيَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)\nيَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا تقرير وتوكيد لقوله لاَّ يَمْلِكُونَ، فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صوابًا كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه، فكيف يملكه غيرهم ويَوْمَ ظرف ل لاَّ يَمْلِكُونَ، أو ل يَتَكَلَّمُونَ والرُّوحُ ملك موكل على الأرواح أو جنسها، أو جبريل أو خلق أعظم من الملائكة.\nذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ الكائن لا محالة. فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ إلى ثوابه. مَآبًا بالإيمان والطاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3255>[سورة النبإ (٧٨): آية ٤٠]</span>\nإِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا (٤٠)\nَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا\nيعني عذاب الآخرة، وقربه لتحققه فإن كل ما هو آت قريب ولأن مبدأه الموت. وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ\nيرى ما قدمه من خير أو شر، وْمَرْءُ\nعام. وقيل هو الكافر لقوله: نَّا أَنْذَرْناكُمْ\nفيكون الكافر ظاهرًا وضع موضع الضمير لزيادة الذم، وا\nموصولة منصوبة بينظر أو استفهامية منصوبة بدَّمَتْ\n، أي ينظر أي شيء قدمت يداه. يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا\nفي الدنيا فلم أخلق ولم أكلف، أو في هذا اليوم فلم أبعث، وقيل يحشر سائر الحيوانات للاقتصاص ثم ترد ترابًا فيود الكافر حالها.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة عم سقاه الله برد الشراب يوم القيامة» .","vol":"5","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3256>(٧٩) سورة النازعات</span>\nمكية وآيها خمس أو ست وأربعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3257>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالنَّازِعاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا (٤)\nفَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا (٥)\nوَالنَّازِعاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا هذه صفات ملائكة الموت فإنهم ينزعون أرواح الكفار من أبدانهم غرقًا أي إغراقًا في النزع، فإنهم ينزعونها من أقاصي الأبدان، أو نفوسًا غرقة في الأجساد وينشطون أي يخرجون أرواح المؤمنين برفق من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، ويسبحون في إخراجها سبح الغواص الذي يخرج الشيء من أعماق البحر، فيسبقون بأرواح الكفار إلى النار وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، فيدبرون أمر عقابها وثوابها بأن يهيئوها لإدراك ما أعد لها من الآلام واللذات، أو الأوليان لهم والباقيات لطوائف من الملائكة يسبحون في مضيها أي يسرعون فيه فيسبقون إلى ما أمروا به فيدبرون أمره، أو صفات النجوم فإنها تنزع من المشرق إلى المغرب غرقًا في النزع بأن تقطع الفلك حتى تنحط في أقصى الغرب، وتنشط من برج إلى برج أي تخرج من نشط الثور إذا خرج من بلد إلى بلد، ويسبحن في الفلك فيسبق بعضها في السير لكونه أسرع حركة فيدبر أمرًا أنيط بها، كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات، ولما كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب قسرية وحركاتها من برج إلى برج ملائمة سمى الأولى نزعًا والثانية نشطًا، أو صفات النفوس الفاضلة حال المفارقة فإنها تنزع عن الأبدان غرقًا أي نزعًا شديدًا من إغراق النازع في القوس، وتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيها فتسبق إلى حظائر القدس فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات، أو حال سلوكها فإنها تنزع عن الشهوات فتنشط إلى عالم القدس، فتسبح في مراتب الارتقاء فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المكملات، أو صفات أنفس الغزاة، أو أيديهم تنزع القسي بإغراق السهام وينشطون بالسهم للرمي ويسبحون في البر والبحر فيسبقون إلى حرب العدو فيدبرون أمرها، أو صفات خيلهم فإنها تنزع في أعنتها نزعًا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها وتخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر، وتسبح في حربها فتسبق إلى العدو فتدبر أمر الظفر.\nأقسم الله تعالى بها على قيام الساعة وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3258>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٦ الى ٩]</span>\nيَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩)\nيَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ وهو منصوب به والمراد ب الرَّاجِفَةُ الأجرام الساكنة التي تشتد حركتها حينئذ كالأرض والجبال لقوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ أو الواقعة التي ترجف الأجرام عندها وهي النفخة الأولى.\nتَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ التابعة وهي السماء والكواكب تنشق وتنتشر، أو النفخة الثانية. والجملة في موقع الحال.","vol":"5","page":282},{"text":"قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ شديدة الاضطراب من الوجيف وهي صفة القلوب والخبر:\nأَبْصارُها خاشِعَةٌ أي أبصار أصحابها ذليلة من الخوف ولذلك أضافها إلى القلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3259>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٠ الى ١٢]</span>\nيَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظامًا نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢)\nيَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ في الحالة الأولى يعنون الحياة بعد الموت من قولهم رجع فلان في حافرته أي طريقه التي جاء فيها، فحفرها أي أثر فيها بمشيه على النسبة كقوله: فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ أو تشبيه القابل بالفاعل وقرئ «في الحفرة» بمعنى المحفورة يقال حفرت أسنانه فحفرت حفرا وهي حفرة.\nأَإِذا كُنَّا وقرأ نافع وابن عامر والكسائي إِذا كُنَّا على الخبر. عظاما نَاخِرَةً بالية وقرأ الحجازيان والشامي وحفص وروح نَخِرَةً وهي أبلغ.\nقالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ذات خسران أو خاسر أصحابها، والمعنى أنها إن صحت فنحن إذًا خاسرون لتكذيبنا بها وهو استهزاء منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3260>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nفَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)\nفَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ متعلق بمحذوف أي لا يستصعبوها فما هي إلا صيحة واحدة يعني النفخة الثانية.\nفَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتًا في بطنها، والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن السراب يجري فيها من قولهم: عين ساهرة للتي يجري ماؤها وفي ضدها نائمة، أو لأن سالكها يسهر خوفًا وقيل اسم لجهنم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3261>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٥ الى ١٩]</span>\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى أليس قد أتاك حديثه فيسليك على تكذيب قومك وتهددهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم.\nإِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً قد مر بيانه في سورة «طه» .\nاذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى على إرادة القول، وقرئ «أن أذهب» لما في النداء من معنى القول.\nفَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى هل لك ميل إلى أن تتطهر من الكفر والطغيان، وقرأ الحجازيان ويعقوب تَزَكَّى بالتشديد.\nوَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ وأرشدك إلى معرفته. فَتَخْشى بأداء الواجبات وترك المحرمات، إذ الخشية إنما تكون بعد المعرفة وهذا كالتفصيل لقوله: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3262>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nفَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢)\nفَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى أي فذهب وبلغ فأراه المعجزة الكبرى وهي قلب العصا حية فإنه كان المقدم والأصل، أو مجموع معجزاته فإنها باعتبار دلالتها كالآية الواحدة.\nفَكَذَّبَ وَعَصى فكذب موسى وعصى الله ﷿ بعد ظهور الآية وتحقق الأمر.","vol":"5","page":283},{"text":"ثُمَّ أَدْبَرَ عن الطاعة. يَسْعى ساعيًا في إبطال أمره أو أدبر بعد ما رأى الثعبان مرعوبًا مسرعًا في مشيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3263>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٣ الى ٢٦]</span>\nفَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦)\nفَحَشَرَ فجمع السحرة أو جنوده. فَنادى في المجمع بنفسه أو بمناد.\nفَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى أعلى كل من يلي أمركم.\nفَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى أخذا منكلًا لمن رآه، أو سمعه في الآخرة بالإِحراق وفي الدنيا بالإِغراق، أو على كلمته الْآخِرَةِ وهي هذه وكلمته الأولى وهو قوله: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي أو للتنكيل فيهما، أو لهما، ويجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا مقدرًا بفعله.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى لمن كان من شأنه الخشية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3264>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٢٧ الى ٢٩]</span>\nأَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩)\nأَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أصعب خلقًا. أَمِ السَّماءُ ثم بين كيف خلقها فقال: بَناها ثم بين البناء فقال:\nرَفَعَ سَمْكَها أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو ثخنها الذاهب في العلو رفيعًا. فَسَوَّاها فعدلها أو فجعلها مستوية، أو فتممها بما يتم به كمالها من الكواكب والتداوير وغيرها من قولهم: سوى فلان أمره إذا أصلحه.\nوَأَغْطَشَ لَيْلَها أظلمه منقول من غطش الليل إذا أظلم، وإنما أضافه إليها لأنه يحدث بحركتها.\nوَأَخْرَجَ ضُحاها وأبرز ضوء شمسها. كقوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها يريد النهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3265>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٠ الى ٣٣]</span>\nوَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣)\nوَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها بسطها ومهدها للسكنى.\nأَخْرَجَ مِنْها ماءَها بتفجير العيون. مَرْعاها ورعيها وهو في الأصل لموضع الرعي، وتجريد الجملة عن العاطف لأنها حال بإضمار قد أو بيان للدحو.\nوَالْجِبالَ أَرْساها أثبتها وقرئ «والأرض» و«الجبال» بالرفع على الابتداء، وهو مرجوح لأن العطف على فعلية.\nمَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ تمتيعا لكم ولمواشيكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3266>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٣٤ الى ٣٩]</span>\nفَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ مَا سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨)\nفَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩)\nفَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الداهية التي تطم أي تعلو على سائر الدواهي. الْكُبْرى التي هي أكبر الطامات وهي القيامة، أو النفخة الثانية أو الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.\nيَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ مَا سَعى بأن يراه مدونًا في صحيفته وكان قد نسيه من فرط الغفلة أو طول المدة،","vol":"5","page":284},{"text":"وهو بدل من «إذا جاءت» وما موصولة أو مصدرية وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ وأظهرت. لِمَنْ يَرى لكل راء بحيث لا تخفى على أحد، وقرئ «وَبُرّزَتِ» و«لمن رأى» و«لمن ترى» على أن فيه ضمير الجحيم كقوله تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ. أو أنه خطاب للرسول ﷺ أي لمن تراه من الكفار، وجواب فَإِذا جاءَتِ محذوف دل عليه يَوْمَ يَتَذَكَّرُ أو ما بعده من التفصيل.\nفَأَمَّا مَنْ طَغى حتى كفر.\nوَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فانهمك فيها ولم يستعد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس.\nفَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى هي مأواه واللام فيه سادة مسد الإضافة للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغي، وهي فصل أو مبتدأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3267>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٠ الى ٤١]</span>\nوَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١)\nوَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ مقامه بين يدي ربه لعلمه بالمبدأ والمعاد.\nوَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى لعلمه بأنه مرد.\nفَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ليس له سواها مأوى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3268>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٢ الى ٤٤]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤)\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها متى إرسَاؤهَا أي إقامتها وإثباتها، أو منتهاها ومستقرها من مرسى السفينة وهو حيث تنتهي إليه وتستقر فيه.\nفِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها في أي شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم أي ما أنت من ذكرها لهم، وتبيين وقتها في شيء فإن ذكرها لا يزيدهم إلا غيًا. ووقتها مما استأثره الله تعالى بعلمه. وقيل فِيمَ إنكار لسؤالهم وأَنْتَ مِنْ ذِكْراها مستأنف، ومعناه أنت ذكر من ذكرها أي علامة من أشراطها، فإن إرساله خاتمًا للأنبياء أمارة من أماراتها، وقيل إنه متصل بسؤالهم والجواب.\nإِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها أي منتهى علمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3269>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ٤٥ الى ٤٦]</span>\nإِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)\nإِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها إنما بعثت لإنذار من يخاف هولها، وهو لا يناسب تعيين الوقت وتخصيص من يخشى لأنه المنتفع به، وعن أبي عمرو ومنذر بالتنوين والإِعمال على الأصل لأنه بمعنى الحال.\nكَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا أو في القبور. إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها أي عشية يوم أو ضحاه كقوله إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ولذلك أضاف الضحى إلى ال عَشِيَّةً لأنهما من يوم واحد.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة النازعات كان ممن حبسه الله في القيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة المكتوبة» .","vol":"5","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3270>(٨٠) سورة عبس</span>\nمكية وآيها ثنتان وأربعون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3271>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nعَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)\nعَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى\nروي: أن ابن أم مكتوم أتى رسول الله ﷺ وعنده صناديد قريش يدعوهم إلى الإِسلام، فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، وكرر ذلك ولم يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت، فكان رسول الله ﷺ يكرمه ويقول إذا رآه: مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي، واستخلفه على المدينة مرتين.\nوقرئ «عبّس» بالتشديد للمبالغة وأَنْ جاءَهُ علة ل تَوَلَّى، أو عَبَسَ على اختلاف المذهبين، وقرئ «ءاأن» بهمزتين وبألف بينهما بمعنى ألئن جاءه الأعمى فعل ذلك، وذكر الأعمى للإِشعار بعذره في الإِقدام على قطع كلام رسول الله ﷺ بالقوم والدلالة على أنه أحق بالرأفة والرفق، أو لزيادة الإِنكار كأنه قال: تولى لكونه أعمى كالالتفات في قوله:\nوَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أي: وأي شيء يجعلك داريًا بحاله لعله يتطهر من الآثام بما يتلقف منك.\nوفيه إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره.\nأَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أو يتعظ فتنفعه موعظتك، وقيل الضمير في لَعَلَّهُ للكافر أي أنك طمعت في تزكيه بالإِسلام وتذكره بالموعظة ولذلك أعرضت عن غيره، فما يدريك أن ما طمعت فيه كائن، وقرأ عاصم فتنفعه بالنصب جوابًا للعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3272>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nأَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧)\nأَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى تتعرض له بالإِقبال عليه وأصله تتصدى، وقرأ ابن كثير ونافع تَصَدَّى بالإدغام وقرئ. تَصَدَّى أي تعرض وتدعى إلى التصدي.\nوَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3273>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nوَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)\nوَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى يسرع طالبًا للخير.\nوَهُوَ يَخْشى الله أو أذية الكفار في إتيانك، أو كبوة الطريق لأنه أعمى لا قائد له.\nفَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى تتشاغل، يقال لها عنه والتهى وتَلَهَّى، ولعل ذكر التصدي والتلهي للإِشعار بأن العتاب على اهتمام قلبه بالغني وتلهيه عن الفقير، ومثله لا ينبغي له ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3274>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١١ الى ١٦]</span>\nكَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)\nكِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦)","vol":"5","page":286},{"text":"كَلَّا ردع عن المعاتب عليه أو عن معاودة مثله. إِنَّها تَذْكِرَةٌ.\nفَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ حفظه أو اتعظ به والضميران للقرآن، أو العتاب المذكور وتأنيث الأول لتأنيث خبره.\nفِي صُحُفٍ مثبتة فيها صفة لتذكرة، أو خبر ثان أو خبر لمحذوف. مُكَرَّمَةٍ عند الله.\nمَرْفُوعَةٍ القدر. مُطَهَّرَةٍ منزهة عن أيدي الشياطين:\nبِأَيْدِي سَفَرَةٍ كتبة من الملائكة أو الأنبياء ينتسخون الكتب من اللوح أو الوحي، أو سفراء يسفرون بالوحي بين الله تعالى ورسله، أو الأمة جمع سافر من السفر، أو السفارة والتركيب للكشف يقال سفرت المرأة إذا كشفت وجهها.\nكِرامٍ أعزاء على الله أو متعطفين على المؤمنين يكلمونهم ويستغفرون لهم. بَرَرَةٍ أتقياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3275>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١٧ الى ١٩]</span>\nقُتِلَ الْإِنْسانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)\nقُتِلَ الْإِنْسانُ مَا أَكْفَرَهُ دعاه عليه بأشنع الدعوات وتعجب من إفراطه في الكفران، وهو مع قصره يدل على سخط عظيم وذم بليغ.\nمِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ بيان لما أنعم عليه خصوصًا من مبدأ حدوثه، والاستفهام للتحقير ولذلك أجاب عنه بقوله:\nمِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ فهيأه لما يصلح له من الأعضاء والأشكال، أو فَقَدَّرَهُ أطوارًا إلى أن تم خلقته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3276>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٠ الى ٢٢]</span>\nثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)\nثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثم سهل مخرجه من بطن أمه بأن فتح فوهة الرحم وألهمه أن ينتكس، أو ذلل له سبيل الخير والشر ونصب السبيل بفعل يفسره الظاهر للمبالغة في التيسير، وتعريفه باللام دون الإِضافة للإِشعار بأنه سبيل عام، وفيه على المعنى الأخير إيماء بأن الدنيا طريق والمقصد غيرها ولذلك عقبه بقوله:\nثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ وعد الإِماتة والإِقبار في النعم لأن الإِماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية واللذات الخالصة والأمر بالقبر تكرمة وصيانة عن السباع، وفي إِذا شاءَ إشعار بأن وقت النشور غير متعين في نفسه، وإنما هو موكول إلى مشيئته تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3277>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nكَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥)\nكَلَّا ردع للإِنسان بما هو عليه. لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ لم يقض بعد من لدن آدم إلى هذه الغاية ما أمره الله بأسره، إذ لا يخلو أحد من تقصير ما.\nفَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ إتباع للنعم الذاتية بالنعم الخارجية.\nأَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا استئناف مبين لكيفية إحداث الطعام، وقرأ الكوفيون بالفتح على البدل منه بدل الاشتمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3278>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٦ الى ٢٨]</span>\nثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨)\n.","vol":"5","page":287},{"text":"ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا أي بالنبات أو بالكراب، وأسند الشق إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب.\nفَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا كالحنطة والشعير.\nوَعِنَبًا وَقَضْبًا يعني الرطبة سميت بمصدر قضبه إذا قطعه لأنها تقضب مرة بعد أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3279>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٢٩ الى ٣٢]</span>\nوَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)\nوَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْبًا عظامًا وصف به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها، أو لأنها ذات أشجار غلاظ مستعار من وصف الرقاب.\nوَفاكِهَةً وَأَبًّا ومرعى من أب إذا أم لأنه يؤم وينتجع، أو من أب لكذا إذا تهيأ له لأنه متهيئ للرعي، أو فاكهة يابسة تؤوب للشتاء.\nمَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ فإن الأنواع المذكورة بعضها طعام وبعضها علف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3280>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٣ الى ٣٧]</span>\nفَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)\nفَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ أي النفخة وصفت بها مجازًا لأن الناس يصخون لها.\nيَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لاشتغاله بشأنه وعلمه بأنهم لا ينفعونه، أو للحذر من مطالبتهم بما قصر في حقهم وتأخير الأحب فالأحب للمبالغة كأنه قيل: يفر من أخيه بل من أبويه بل من صاحبته وبنيه.\nلِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ يكفيه في الاهتمام به، وقرئ «يعنيه» أي يهمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3281>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٨ الى ٤٢]</span>\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ مضيئة من إسفار الصبح.\nضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ لما ترى من النعيم.\nوَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ غبار وكدورة.\nتَرْهَقُها قَتَرَةٌ يَغشاها سواد وظلمة.\nأُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ الذين جمعوا إلى الكفر الفجور، فلذلك يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة.\nقال النبي ﷺ «من قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر» .","vol":"5","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3282>(٨١) سورة التكوير</span>\nمكية وآيها تسع وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3283>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣)\nإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ لفت من كورت العمامة إذا لففتها بمعنى رفعت لأن الثوب إذا أريد رفعه لف، أو لف ضوؤها فذهب انبساطه في الآفاق وزال أثره، أو ألقيت عن فلكها من طعنه فكوره إذا ألقاه مجتمعًا والتركيب للإدارة والجمع وارتفاع الشمس بفعل يفسره ما بعدها أولى لأن إذا الشرطية تطلب الفعل.\nوَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ انقضت قال: أَبْصِرْ خَرْبَانَ فَضَاءَ فانكدر. أو أظلمت من كدرت الماء فانكدر.\nوَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ عن وجه الأرض أو في الجو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3284>[سورة التكوير (٨١): الآيات ٤ الى ٧]</span>\nوَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)\nوَإِذَا الْعِشارُ النوق اللواتي أتى على حملهن عشرة أشهر جمع عشراء. عُطِّلَتْ تركت مهملة، أو السحائب عطلت عن المطر، وقرئ بالتخفيف.\nوَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ جمعت من كل جانب أو بعثت للقصاص ثم ردت ترابًا، أو أميتت من قولهم إذا أجحفت السنة بالناس حشرتهم، وقرئ بالتشديد.\nوَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ أحميت أو ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتى تعود بحرًا واحدًا، من سجر التنور إذا ملأه بالحطب ليحميه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وروح بالتخفيف.\nوَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قرنت بالأبدان أو كل منها بشكلها، أو بكتابها وعملها أو نفوس المؤمنين بالحور ونفوس الكافرين بالشياطين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3285>[سورة التكوير (٨١): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nوَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)\nوَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ المدفونة حية وكانت العرب تئد البنات مخافة الإِملاق، أو لحوق العار بهم من أجلهن.\nسُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ تبكيتًا لوائدها كتبكيت النصارى بقوله تعالى لعيسى ﵊ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وقرئ «سألت» أي خاصمت عن نفسها وسألت، وإنما قيل قُتِلَتْ على الإِخبار عنها وقرئ «قُتِلَتْ» على الحكاية.\nوَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ يعني صحف الأعمال فإنها تطوى عند الموت وتنشر وقت الحساب. وقيل نُشِرَتْ فرقت بين أصحابها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالتشديد للمبالغة في النشر، أو","vol":"5","page":289},{"text":"لكثرة الصحف أو شدة التطاير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3286>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١١ الى ١٤]</span>\nوَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ (١٤)\nوَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ قلعت وأزيلت كما يكشط الإِهاب عن الذبيحة، وقرئ «قشطت» واعتقاب القاف والكاف كثير.\nوَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ أوقدت إيقادًا شديدًا وقرأ نافع وابن عامر وحفص ورويس بالتشديد.\nوَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ قربت من المؤمنين. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ جواب إِذَا وإنما صح والمذكور في سياقها اثنتا عشرة خصلة ست منها في مبادئ قيام الساعة قبل فناء الدنيا وست بعده، لأن المراد زمان متسع شامل لها ولمجازاة النفوس على أعمالها، ونَفْسٌ في معنى العموم كقولهم تمرة خير من جرادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3287>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٥ الى ١٨]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨)\nفَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ بالكواكب الرواجع من خنس إذا تأخر، وهي ما سوى النيرين من الكواكب السيارات ولذلك وصفها بقوله:\nالْجَوارِ الْكُنَّسِ أي السيارات التي تختفي تحت ضوء الشمس من كنس الوحش إذا دخل كناسه، وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر.\nوَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ أقبل ظلامه أو أدبر وهو من الأضداد يقال عسعس الليل وسعسع إذا أدبر.\nوَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أي أضاء غبرته عند إقبال روح ونسيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3288>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١٩ الى ٢٢]</span>\nإِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)\nإِنَّهُ أي القرآن. لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ يعني جبريل فإنه قاله عن الله تعالى.\nذِي قُوَّةٍ كقوله شديد القوى. عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ عند الله ذي مكانة.\nمُطاعٍ في ملائكته. ثَمَّ أَمِينٍ على الوحي، وثم يحتمل اتصاله بما قبله وما بعده، وقرئ «ثُمَّ» تعظيمًا للأمانة وتفضيلًا لها على سائر الصفات.\nوَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ كما تبهته الكفرة واستدل بذلك على فضل جبريل على محمد ﵊ حيث عد فضائل جبريل واقتصر على نفي الجنون عن النبي ﷺ، وهو ضعيف إذ المقصود منه نفي قولهم إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ لا تعداد فضلهما والموازنة بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3289>[سورة التكوير (٨١): الآيات ٢٣ الى ٢٥]</span>\nوَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥)\nوَلَقَدْ رَآهُ ولقد رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵊. بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ بمطلع الشمس الأعلى.\nوَما هُوَ وما محمد ﵊. عَلَى الْغَيْبِ على ما يخبره من الموحى إليه وغيره من الغيوب. بظنين بمتهم من الظنة، وهي التهمة، وقرأ نافع وعاصم وحمزة وابن عامر بِضَنِينٍ بالضاد من","vol":"5","page":290},{"text":"الضن وهو البخل أي لا يبخل بالتبليغ والتعليم، والضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره، والظاء من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا.\nوَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ بقول بعض المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم إنه لكهانة وسحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3290>[سورة التكوير (٨١): الآيات ٢٦ الى ٢٩]</span>\nفَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)\nفَأَيْنَ تَذْهَبُونَ استضلال لهم فيما يسلكونه في أمر الرسول ﷺ والقرآن، كقولك لتارك الجادة: أين تذهب.\nإِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ تذكير لمن يعلم.\nلِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ بتحري الحق وملازمة الصواب وإبداله من العالمين لأنهم المنتفعون بالتذكير.\nوَما تَشاؤُنَ الاستقامة يا من يشاؤها. إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إلا وقت أن يشاء الله مشيئتكم فله الفضل والحق عليكم باستقامتكم. رَبُّ الْعالَمِينَ مالك الخلق كله.\nقال ﵊ «من قرأ سورة التكوير أعاذه الله أن يفضحه حين تنتشر صحيفته» .","vol":"5","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3291>(٨٢) سورة الانفطار</span>\nمكية وآيها تسع عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3292>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)\nإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ انشقت.\nوَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ تساقطت متفرقة.\nوَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ فتح بعضها إلى بعض فصار الكل بحرًا واحدًا.\nوَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ قلب ترابها وأخرج موتاها. وقيل إنه مركب من بعث وراء الإثارة كبسمل ونظيره بحثر لفظا ومعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3293>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٥ الى ٦]</span>\nعَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)\nعَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ من عمل أو صدقة. وَأَخَّرَتْ من سيئة أو تركة، ويجوز أن يراد بالتأخير التضييع وهو جواب إِذَا.\nيا أَيُّهَا الْإِنْسانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه، وذكر الْكَرِيمِ للمبالغة في المنع عن الاغترار فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال الظالم وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي، فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام والإِشعار بما به يغره الشيطان، فإنه يقول له افعل ما شئت فربك كريم لا يعذب أحدًا ولا يعاجل بالعقوبة، والدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته لا الانهماك في عصيانه اغترارا بكرمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3294>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nالَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شاءَ رَكَّبَكَ (٨)\nالَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ صفة ثانية مقررة للربوبية مبينة للكرم منبهة على أن من قدر على ذلك أولًا قدر عليه ثانيًا، والتسوية جعل الأعضاء سليمة مسواة معدة لمنافعها، والتعديل جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء، أو معدلة بما تسعدها من القوى. وقرأ الكوفيون فَعَدَلَكَ بالتخفيف أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت، أو فصرفك عن خلقه غيرك وميزك بخلقة فارقت خلقة سائر الحيوان.\nفِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شاءَ رَكَّبَكَ أي ركبك في أي صورة شاءها، وما مزيدة وقيل شرطية، ورَكَّبَكَ جوابها والظرف صلة فَعَدَلَكَ، وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان لعدلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3295>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٩ الى ١٢]</span>\nكَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِرامًا كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)\nكَلَّا ردع عن الاغترار بكرم الله وقوله: بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ إضراب إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم، والمراد بِالدِّينِ الجزاء أو الإِسلام.","vol":"5","page":292},{"text":"وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِرامًا كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ تحقيق لما يكذبون به ورد لما يتوقعون من التسامح والإهمال، وتعظيم الكتبة بكونهم كرامًا عند الله لتعظيم الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3296>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٣ الى ١٦]</span>\nإِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦)\nإِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ بيان لما يكتبون لأجله.\nيَصْلَوْنَها يقاسون حرها. يَوْمَ الدِّينِ.\nوَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ. لخلودهم فيها. وقيل معناه وما يغيبون عنها قبل ذلك إذ كانوا يجدون سمومها في القبور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3297>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٧ الى ١٩]</span>\nوَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)\nوَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ تعجيب وتفخيم لشأن ال يَوْمُ، أي كنه أمره بحيث لا تدركه دراية دار.\nيَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ تقرير لشدة هوله وفخامة أمره إجمالًا، ورفع ابن كثير والبصريان يَوْمَ على البدل من يَوْمُ الدِّينِ، أو الخبر المحذوف.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة إذا السماء انفطرت كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة، وبعدد كل قبر حسنة» .\nوالله أعلم.","vol":"5","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3298>(٨٣) سورة المطففين</span>\nمختلف فيها وآيها ست وثلاثون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3299>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)\nوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ التطفيف البخس في الكيل والوزن لأن ما يبخس طفيف أي حقير.\nروي أن أهل المدينة كانوا أخبث الناس كيلًا فنزلت فأحسنوه\n،\nوفي الحديث «خمس بخمس: ما نقض العهد قوم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر» .\nالَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ أي إذا اكتالوا من الناس حقوقهم يأخذونها وافية، وإنما أبدل عَلَى بمن للدلالة على أن اكتيالهم لما لهم على الناس، أو اكتيال يتحامل فيه عليهم.\nوَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ أي إذا كالوا الناس أو وزنوا لهم. يُخْسِرُونَ فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله: وَلَقَد جَنَيْتُكَ أَكمؤًا وَعَسَاقلا. بمعنى جنيت لك، أو كالوا مكيلهم فحذف المضاف وأقيم المضاف مقامه، ولا يحسن جعل المنفصل تأكيدًا للمتصل فإنه يخرج الكلام عن مقابلة ما قبله إذ المقصود بيان اختلاف حالهم في الأخذ والدفع، لا في المباشرة وعدمها ويستدعي إثبات الألف بعد الواو كما هو خط المصحف في نظائره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3300>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nأَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦)\nأَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ فإن من ظن ذلك لم يتجاسر على أمثال هذه القبائح، فكيف بمن تيقنه وفيه انكار وتعجيب من حالهم.\nلِيَوْمٍ عَظِيمٍ عظمه لعظم ما يكون فيه يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ نصب بمبعوثون أو بدل من الجار والمجرور ويؤيده القراءة بالجر لِرَبِّ الْعالَمِينَ لحكمه.\nوفي هذا الانكار والتعجيب وذكر الظن ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله، والتعبير عنه برب العالمين مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3301>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٧ الى ٩]</span>\nكَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩)\nكَلَّا ردع عن التطفيف والغفلة عن البعث والحساب. إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم. لَفِي سِجِّينٍ كتاب جامع لأعمال الفجرة من الثقلين كما قال:\nوَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ أي مسطور بين الكتابة أو معلم بعلم من رآه أنه لا خير فيه،","vol":"5","page":294},{"text":"فعيل من السجن لقب به الكتاب لأنه سبب الحبس، أو لأنه مطروح كما قيل: تحت الأرضين في مكان وحش، وقيل هو اسم مكان والتقدير ما كتاب السجين، أو محل كتاب مرقوم فحذف المضاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3302>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٠ الى ١٣]</span>\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بالحق أو بذلك.\nالَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ صفة مخصصة أو موضحة أو ذامة.\nوَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ متجاوز عن النظر غال في التقليد حتى استقصر قدرة الله تعالى وعلمه فاستحال منه الإِعادة. أَثِيمٍ منهمك في الشهوات المخدجة بحيث أشغلته عما وراءها وحملته على الإنكار لما عداها.\nإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ من فرط جهله وإعراضه عن الحق فلا تنفعه شواهد النقل كما لم تنفعه دلائل العقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3303>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٤ الى ١٧]</span>\nكَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)\nكَلَّا ردع عن هذا القول. بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ رد لما قالوه وبيان لما أدى بهم إلى هذا القول، بأن غلب عليهم حب المعاصي بالانهماك فيها حتى صار ذلك صدأ على قلوبهم فعمي عليهم معرفة الحق والباطل،. فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات كما\nقال ﵊ «إن العبد كلما أذنب ذنبًا حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه»\nوالرين الصدأ، وقرأ حفص بَلْ رانَ بإظهار اللام.\nكَلَّا ردع عن الكسب الرائن. إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فلا يرونه بخلاف المؤمنين ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلًا لإِهانتهم بإهانة من يمنع عن الدخول على الملوك، أو قدر مضافًا مثل رحمة ربهم، أو قرب ربهم.\nثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ليدخلون النار ويصلون بها.\nثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ تقوله لهم الزبانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3304>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٨ الى ٢٣]</span>\nكَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)\nعَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)\nكَلَّا تكرير ليعقب بوعد الأبرار كما عقب الأول بوعيد الفجار إشعارًا بأن التطفيف فجور والإيفاء بر، أو ردع عن التكذيب. إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ.\nوَما أَدْراكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ الكلام فيه ما مر في نظيره.\nيَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ يحضرونه فيحفظونه، أو يشهدون على ما فيه يوم القيامة.\nإِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ على الأسرة في الحجال. يَنْظُرُونَ إلى ما يسرهم من النعم والمتفرجات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3305>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٤ الى ٢٨]</span>\nتَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)","vol":"5","page":295},{"text":"تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ بهجة التنعم وبريقه، وقرأ يعقوب تَعْرِفُ على البناء للمفعول ونَضْرَةَ بالرفع.\nيُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ شراب خالص. مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ أي مختوم أوانيه بالمسك مكان الطين، ولعله تمثيل لنفاسته، أو الذي له ختام أي مقطع هو رائحة المسك، وقرأ الكسائي «خَاتِمَة» بفتح التاء أي ما يختم به ويقطع. وَفِي ذلِكَ يعني الرحيق أو النعيم. فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ فليرتغب المرتغبون.\nوَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ علم لعين بعينها سميت تسنيمًا لارتفاع مكانها أو رفعة شرابها.\nعَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ فإنهم يشربونها صرفًا لأنهم لم يشتغلوا بغير الله، وتمزج لسائر أهل الجنة وانتصاب عَيْنًا على المدح أو الحال مِنْ تَسْنِيمٍ والكلام في الباء كما في يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3306>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٩ الى ٣٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣)\nإِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعني رؤساء قريش. كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ كانوا يستهزئون بفقراء المؤمنين.\nوَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ\nيغمز بعضهم بعضًا ويشيرون بأعينهم.\nوَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكهين متلذذين بالسخرية منهم، وقرأ حفص فَكِهِينَ.\nوَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ وإذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال.\nوَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ على المؤمنين. حافِظِينَ يحفظون عليهم أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3307>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ٣٤ الى ٣٦]</span>\nفَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)\nفَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ حين يرونهم أذلاء مغلوبين في النار. وقيل يفتح لهم باب إلى الجنة فيقال لهم اخرجوا إليها، فَإِذَا وصلوا أغلق دونهم فيضحك المؤمنون منهم.\nعَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ حال من يَضْحَكُونَ.\nهَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ أي هل أثيبوا. مَا كانُوا يَفْعَلُونَ وقرأ حمزة والكسائي بادغام اللام في الثاء.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة المطففين سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة» .","vol":"5","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3308>(٨٤) سورة الانشقاق</span>\nمكية وآيها خمس وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3309>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيها وَتَخَلَّتْ (٤)\nوَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥)\nإِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ بالغمام كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ\nوعن علي رضي الله تعالى عنه: تنشق من المجرة.\nوَأَذِنَتْ لِرَبِّها واستمعت له أي انقادت لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها انقياد المطواع الذي يأذن للآمر ويذعن له. وَحُقَّتْ وجعلت حقيقة بالاستماع والانقياد يقال: حق بكذا فهو محقوق وحقيق.\nوَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ بسطت بأن تزال جبالها وآكامها.\nوَأَلْقَتْ ما فِيها ما في جوفها من الكنوز والأموات وَتَخَلَّتْ وتكلفت في الخلو أقصى جهدها حتى لم يبق شيء في باطنها.\nوَأَذِنَتْ لِرَبِّها في الإِلقاء والتخلي. وَحُقَّتْ للإِذن وتكرير إِذَا لاستقلال كل من الجملتين بنوع من القدرة، وجوابه محذوف للتهويل بالإِبهام أو الاكتفاء بما مر في سورتي «التكوير» و«الانفطار» أو لدلالة قوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3310>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٦ الى ٩]</span>\nيا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)\nيا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ عليه وتقديره لاقى الإِنسان كدحه أي جهدًا يؤثر فيه من كدحه إذا خدشه، أو فَمُلاقِيهِ ويا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ اعتراض، والكدح إليه السعي إلى لقاء جزائه.\nفَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا سهلًا لا يناقش فيه.\nوَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا إلى عشيرته المؤمنين، أو فريق المؤمنين، أو أَهْلِهِ في الجنة من الحور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3311>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٠ الى ١٢]</span>\nوَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلى سَعِيرًا (١٢)\nوَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. قيل تغل يمناه إلى عنقه وتجعل يسراه وراء ظهره.","vol":"5","page":297},{"text":"فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا يتمنى الثبور ويقول يا ثبوراه وهو الهلاك.\nوَيَصْلى سَعِيرًا وقرأ الحجازيان والشامي وَيَصْلى لقوله: وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ وقرئ «ويصلى» لقوله: ونصليه جهنم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3312>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٣ الى ١٥]</span>\nإِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)\nإِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ أي في الدنيا. مَسْرُورًا بطرًا بالمال والجاه فارغًا عن الآخرة.\nإِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ لن يرجع إلى الله تعالى.\nبَلى إيجاب لما بعد لَنْ. إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا عالمًا بأعماله فلا يهمله بل يرجعه ويجازيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3313>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٦ الى ١٩]</span>\nفَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)\nفَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ الحمرة التي ترى في أفق المغرب بعد الغروب. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى:\nأنه البياض الذي يليها، سمي به لرقته من الشفقة.\nوَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ وما جمعه وستره من الدواب وغيرها يقال: وسقه فاتسق واستوسق، قال:\nمُسْتَوْسِقَاتٍ لَوْ يَجِدْنَ سَائِقًا. أو طرده إلى أماكنه من الوسيقة.\nوَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ اجتمع وتم بدرًا.\nلَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ حالًا بعد حال مطابقة لأختها في الشدة، وهو لما طابق غيره فقيل للحال المطابقة، أو مراتب من الشدة بعد المراتب هي الموت ومواطن القيامة وأهوالها، أو هي وما قبلها من الدواهي على أنه جمع طبقة. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي لَتَرْكَبُنَّ بالفتح على خطاب الإنسان باعتبار اللفظ، أو الرسول ﵊ على معنى لَتَرْكَبُنَّ حالًا شريفة ومرتبة عالية بعد حال ومرتبة، أو طَبَقًا من أطباق السماء بعد طبق ليلة المعراج وبالكسر على خطاب النفس، وبالياء على الغيبة وعَنْ طَبَقٍ صفة ل طَبَقًا أو حال من الضمير بمعنى مجاوز ال طَبَقٍ أو مجاوزين له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3314>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٢٠ الى ٢١]</span>\nفَما لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١)\nفَما لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بيوم القيامة.\nوَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ لا يخضعون أو لاَ يَسْجُدُونَ لتلاوته. لما\nروي: أنه ﵊ قرأ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ فسجد بمن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم فنزلت.\nواحتج به أبو حنيفة على وجوب السجود فإنه ذم لمن سمعه ولم يسجد.\nوعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سجد فيها وقال: والله ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3315>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٢٢ الى ٢٥]</span>\nبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)\nبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ أي بالقرآن.","vol":"5","page":298},{"text":"وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ بما يضمرون في صدورهم من الكفر والعداوة.\nفَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ استهزاء بهم.\nإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ استثناء منقطع أو متصل، والمراد من تاب وآمن منهم. لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ مقطوع أو مَمْنُونٍ به عليهم.\nوعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الانشقاق أعاذه الله أن يعطيه كتابه وراء ظهره» .","vol":"5","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3316>(٨٥) سورة البروج</span>\nمكية وآيها ثنتان وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3317>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)\nوَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ يعني البروج الاثني عشر شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارات وتكون فيها الثوابت، أو منازل القمر أو عظام الكواكب سميت بروجًا لظهورها، أو أبواب السماء فإن النوازل تخرج منها وأصل التركيب للظهور.\nوَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ يوم القيامة.\nوَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ومن يشهد في ذلك اليوم من الخلائق وما أحضر فيه من العجائب، وتنكيرهما للإبهام في الوصف أي وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ لا يكتنه وصفهما، أو المبالغة في الكثرة كأنه قيل: ما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود، أو النبي ﵊ وأمته، أو أمته وسائر الأمم، أو كل نبي وأمته، أو الخالق والخلق، أو عكسه فإن الخالق مطلع على خلقه وهو شاهد على وجوده، أو الملك الحفيظ والمكلف أو يوم النحر، أو عرفة والحجيج، أو يوم الجمعة والجمع فإنه يشهد له أو كل يوم وأهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3318>[سورة البروج (٨٥): آية ٤]</span>\nقُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤)\nقُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ قيل إنه جواب القسم على تقدير لقد قُتِلَ، والأظهر أنه دليل جواب محذوف كأنه قيل إنهم ملعونون يعني كفار مكة كما لعن أصحاب الأخدود، فإن السورة وردت لتثبيت المؤمنين على أذاهم وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم، والأخدود الخد وهو الشق في الأرض ونحوهما بناء ومعنى الحق والأحقوق.\nروي مرفوعًا: أن ملكًا كان له ساحر فلما كبر ضم إليه غلامًا ليعلمه، وكان في طريقه راهب فمال قلبه إليه، فرأى في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس فأخذ حجرًا وقال: اللَّهم إن كان الراهب أحب إليه من الساحر فاقتلها فقتلها، وكان الغلام بعد يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي من الأدواء، وعمي جليس الملك فأبرأه، فسأله الملك عمن أبرأه فقال ربي فغضب فعذبه فدل على الغلام فعذبه، فدل على الراهب فقده بالمنشار، وأرسل الغلام إلى جبل ليطرح من ذروته، فدعا فرجف بالقوم فهلكوا ونجا، وأجلسه في سفينة ليغرق فدعا فانكفأت السفينة بمن معه فغرقوا ونجا، فقال للملك لست بقاتلي حتى تجمع الناس وتصلبني وتأخذ سهمًا من كنانتي وتقول: بسم الله رب هذا الغلام، ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه فمات، فآمن الناس برب الغلام، فأمر بأخاديد وأوقدت فيها النيران، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت. وعن علي رضي الله تعالى عنه: كان بعض ملوك المجوس خطب الناس وقال: إن الله أحل نكاح الأخوات فلم يقبلوه، فأمر بأخاديد النار فطرح فيها من أبى، وقيل لما تنصر نجران غزاهم ذو نواس اليهودي من حمير فأحرق في الأخاديد من لم يرتد.","vol":"5","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3319>[سورة البروج (٨٥): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nالنَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)\nالنَّارِ بدل من الْأُخْدُودِ بدل الاشتمال. ذاتِ الْوَقُودِ صفة لها بالعظمة وكثرة ما يرتفع به لهبها، واللام في الْوَقُودِ للجنس.\nإِذْ هُمْ عَلَيْها على حافة النار. قُعُودٌ قاعدون.\nوَهُمْ عَلى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنهم لم يقصروا فيما أمروا به، أو يشهدون على ما يفعلون يوم القيامة حين تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3320>[سورة البروج (٨٥): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nوَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)\nوَما نَقَمُوا مِنْهُمْ وما أنكروا. إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ استثناء على طريقة قوله:\nوَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قراعِ الكتائبِ\nووصفه بكونه عزيزًا غالبًا يخشى عقابه حميدًا منعمًا يرجى ثوابه وقرر ذلك بقوله:\nالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ للإِشعار بما يستحق أن يؤمن به ويعبد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3321>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١)\nإِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بلوهم بالأذى. ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ بكفرهم.\nوَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ العذاب الزائد في الاحراق بفتنتهم. بل المراد ب الَّذِينَ فَتَنُوا أَصْحابُ الْأُخْدُودِ وب عَذابُ الْحَرِيقِ ما\nروي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم.\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ إذ الدنيا وما فيها تصغر دونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3322>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٢ الى ١٦]</span>\nإِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦)\nإِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ مضاعف عنفه فإن البطش أخذ بعنف.\nإِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ يُبْدِئُ الخلق ويعيده، أو يُبْدِئُ البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة.\nوَهُوَ الْغَفُورُ لمن تاب. الْوَدُودُ المحب لمن أطاع.\nذُو الْعَرْشِ خالقه، وقيل المراد ب الْعَرْشِ الملك، وقرئ «ذي العرش» صفة ل رَبِّكَ.\nالْمَجِيدُ العظيم في ذاته وصفاته، فإنه واجب الوجود تام القدرة والحكمة، وجره حمزة والكسائي صفة ل رَبِّكَ، أو ل الْعَرْشِ ومجده علوه وعظمته.\nفَعَّالٌ لِما يُرِيدُ لا يمتنع عليه مراد من أفعاله وأفعال غيره.","vol":"5","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3323>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١٧ الى ٢٠]</span>\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ أبدلهما من الجنود لأن المراد ب فِرْعَوْنَ هو وقومه، والمعنى قد عرفت تكذيبهم للرسل وما حاق بهم فتسل واصبر على تكذيب قومك وحذرهم مثل ما أصابهم.\nبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ لا يرعوون عنه، ومعنى الإِضراب أن حالهم أعجب من حال هؤلاء فإنهم سمعوا قصتهم ورأوا آثار هلاكهم وكذبوا أشد من تكذيبهم.\nوَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط المحيط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3324>[سورة البروج (٨٥): الآيات ٢١ الى ٢٢]</span>\nبَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)\nبَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ بل هذا الذي كذبوا به كتاب شريف وحيد في النظم والمعنى، وقرئ «قرآن مجيد» بالإِضافة أي قرآن رب مجيد.\nفِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ من التحريف، وقرأ نافع مَحْفُوظٍ بالرفع صفة لل قُرْآنٌ، وقرئ «في لوح» وهو الهواء يعني ما فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة البروج أعطاه الله بعدد كل جمعة وعرفة تكون في الدنيا عشر حسنات» .","vol":"5","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3325>(٨٦) سورة الطارق</span>\nمكية وآيها سبع عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3326>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)\nوَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ والكوكب البادي بالليل وهو في الأصل لسالك الطريق، واختص عرفًا بالآتي ليلًا ثم استعمل للبادي فيه.\nوَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ المضيء كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، أو الأفلاك والمراد الجنس أو معهود بالثقب وهو زحل، عبر عنه أولًا بوصف عام ثم فسره بما يخصه تفخيمًا لشأنه.\nإِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها أي إن الشان كل نفس لعليها. حافِظٌ رقيب فإن هي المخففة واللام الفاصلة وما مزيدة. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة لما على أنها بمعنى إلا وأن نافية، والجملة على الوجهين جواب القسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3327>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nفَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧)\nفَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ لما ذكر أن كل نفس عليها حافظ اتبعه توصية الإنسان بالنظر في مبدئه ليعلم صحة إعادته فلا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته.\nخُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ جواب الاستفهام وماءٍ بمعنى ذي دفق، وهو صب فيه دفع والمراد الممتزج من الماءين في الرحم لقوله:\nيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ من بين صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام صدرها، ولو صح أن النطفة تتولد من فضل الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء، ومقرها عروق ملتف بعضها بالبعض عند البيضتين، فلا شك أن الدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها، ولذلك تشبهه، ويسرع الإِفراط في الجماع بالضعف فيه وله خليفة وهو النخاع وهو في الصلب وشعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني فلذلك خصّا بالذكر. وقرئ «الصلب» بفتحتين و«الصلب» بضمتين وفيه لغة رابعة وهي «صالب» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3328>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nإِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠)\nإِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ والضمير للخالق ويدل عليه خُلِقَ.\nيَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ تتعرف ويميز بين ما طاب من الضمائر وما خفي من الأعمال وما خبث منها، وهو ظرف ل رَجْعِهِ.\nفَما لَهُ فما للإنسان. مِنْ قُوَّةٍ من منعة في نفسه يمتنع بها. وَلا ناصِرٍ يمنعه.","vol":"5","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3329>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nوَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢)\nوَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ترجع في كل دورة إلى الموضع الذي تتحرك عنه، وقيل الرجع المطر سمي به كما سمي أوبًا لأن الله يرجعه وقتًا فوقتًا، أو لما قيل من أن السحاب يحمل الماء من البحار ثم يرجعه إلى الأرض، وعلى هذا يجوز أن يراد ب السَّماءِ السحاب.\nوَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ما تتصدع عنه الأرض من النبات أو الشق بالنبات والعيون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3330>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١٣ الى ١٧]</span>\nإِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)\nإِنَّهُ إن القرآن. لَقَوْلٌ فَصْلٌ فاصل بين الحق والباطل.\nوَما هُوَ بِالْهَزْلِ فإنه جد كله.\nإِنَّهُمْ يعني أهل مكة. يَكِيدُونَ كَيْدًا في إبطاله وإطفاء نوره.\nوَأَكِيدُ كَيْدًا وأقابلهم بكيد في استدراجي لهم وانتقامي منهم من حيث لا يحتسبون.\nفَمَهِّلِ الْكافِرِينَ فلا تشتغل بالانتقام منهم، أو لا تستعجل بإهلاكهم. أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا أمهالًا يسيرًا والتكرير وتغيير البنية لزيادة التسكين.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الطارق أعطاه الله بعدد بكل نجم في السماء عشر حسنات» .","vol":"5","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3331>(٨٧) سورة الأعلى</span>\nمكية وآيها تسع عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3332>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)\nسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى نزه اسمه عن الإلحاد فيه بالتأويلات الزائغة وإطلاقه على غيره زاعمًا أنهما فيه سواء وذكره لا على على وجه التعظيم، وقرئ «سبحان ربي الأعلى» .\nوفي الحديث «لما نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال ﵊ اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال ﵊ اجعلوها في سجودكم» وكانوا يقولون في الركوع اللهم لك ركعت وفي السجود اللهم لك سجدت.\nالَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى خلق كل شيء فسوى خلقه بأن جعل له ما به يتأتى كماله ويتم معاشه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3333>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٣ الى ٥]</span>\nوَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥)\nوَالَّذِي قَدَّرَ أي قدر أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها.\nفَهَدى فوجهه إلى أفعاله طبعًا واختيارًا بخلق الميول والإِلهامات ونصب الدلائل وانزال الآيات.\nوَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى أنبت ما ترعاه الدواب.\nفَجَعَلَهُ بعد خضرته. غُثاءً أَحْوى يابسًا أسود. وقيل أَحْوى حال من المرعى أي أخرجه أَحْوى أي أسود من شدة خضرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3334>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nسَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧)\nسَنُقْرِئُكَ على لسان جبريل ﵊، أو سنجعلك قارئًا بإلهام القراءة. فَلا تَنْسى أصلًا من قوة الحفظ مع أنك أمي ليكون ذلك آية أخرى لك مع أن الإِخبار به عما يستقبل ووقوعه كذلك أيضًا من الآيات، وقيل نهي والألف للفاصلة كقوله السَّبِيلَا. إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ نسيانه بأن نسخ تلاوته، وقيل أراد به القلة والندرة. لما\nروي أنه ﵊ «أسقط آية في قراءته في الصلاة فحسب أُبيّ أنها نسخت فسأله فقال: نسيتها» .\nأو نفى النسيان رأسًا فإن القلة تستعمل للنفي. إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى ما ظهر من أحوالكم وما بطن، أو جهرك بالقراءة مع جبريل ﵊ وما دعاك إليه من مخافة النسيان فيعلم ما فيه صلاحكم من ابقاء وإنساء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3335>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nوَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠)\nوَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ونعدك للطريقة اليسرى في حفظ الوحي، أو التدين ونوفقك لها ولهذه النكتة قال نُيَسِّرُكَ لا نيسر لك عطف على سَنُقْرِئُكَ، وإِنَّهُ يَعْلَمُ اعتراض.","vol":"5","page":305},{"text":"فَذَكِّرْ بعد ما استتب لك الأمر. إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى لعل هذه الشرطية إنما جاءت بعد تكرير التذكير وحصول اليأس من البعض لئلا يتعب نفسه ويتلهف عليهم كقوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ الآية، أو لذم المذكرين واستبعاد تأثير الذكرى فيهم، أو للإشعار بأن التذكير إنما يجب إذا ظن نفعه ولذلك أمر بالإِعراض عمن تولى.\nسَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى سيتعظ وينتفع بها من يخشى الله تعالى بأن يتأمل فيها فيعلم حقيقتها، وهو يتناول العارف والمتردد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3336>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nوَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣)\nيَتَجَنَّبُهَا\nويتجنب الذِّكْرى. َْشْقَى\nالكافر فإنه أشقى من الفاسق، أوَْشْقَى\nمن الكفرة لتوغله في الكفر.\nالَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى نار جهنم\nفإنه ﵊ قال «ناركم هذه جزء من سبعين جزأ من نار جهنم»\n، أو ما في الدرك الأسفل منها.\nثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيها فيستريح. وَلا يَحْيى حياة تنفعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3337>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ الى ١٧]</span>\nقَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧)\nقَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى تطهر من الكفر والمعصية، أو تكثر من التقوى من الزكاء، أو تطهر للصلاة أو أدى الزكاة.\nوَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بقلبه ولسانه فَصَلَّى كقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ويجوز أن يراد بالذكر تكبيرة التحريم، وقيل تَزَكَّى تصدق للفطر وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ كبره يوم العيد فَصَلَّى صلاته.\nبَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا فلا تفعلون ما يسعدكم في الآخرة، والخطاب للأشقين على الالتفات أو على إضمار قل، أو للكل فإن السعي للدنيا أكثر في الجملة، وقرأ أبو عمرو بالياء.\nوَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى فإن نعيمها ملذ بالذات خالص عن الغوائل لا انقطاع له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3338>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٨ الى ١٩]</span>\nإِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)\nإِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى الإِشارة إلى ما سبق من قَدْ أَفْلَحَ فإنه جامع أمر الديانة وخلاصة الكتب المنزلة.\nصُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى بدل من الصحف الأولى.\nقال ﷺ «من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله على إبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام» .","vol":"5","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3339>(٨٨) سورة الغاشية</span>\nمكية وهي ست وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3340>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى نارًا حامِيَةً (٤)\nتُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ الداهية التي تغشى الناس بشدائدها يعني يوم القيامة، أو النار من قوله تعالى وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ.\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ذليلة.\nعامِلَةٌ ناصِبَةٌ تعمل ما تتعب فيه كجر السلاسل وخوضها في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط في تلالها ووهادها، أو عملت ونصبت في أعمال لا تنفعها يومئذ.\nتَصْلى نَارًا تدخلها وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر تَصْلى من أصلاه الله، وقرئ «تُصَّلِّ» بالتشديد للمبالغة. حامِيَةً متناهية في الحر.\nتُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ بلغت أناها في الحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3341>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nلَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لاَّ يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)\nلَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ يبيس الشبرق وهو شوك ترعاه الإِبل ما دام رطبًا، وقيل شجرة نارية تشبه الضريع، ولعله طعام هؤلاء والزقوم والغسلين طعام غيرهم، أو المراد طعامهم ما تتحاماه الإِبل وتعافه لضره وعدم نفعه كما قال:\nلاَّ يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ والمقصود من الطعام أحد الأمرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3342>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٨ الى ١١]</span>\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١)\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ذات بهجة أو متنعمة.\nلِسَعْيِها راضِيَةٌ رضيت بعملها لما رأت ثوابه.\nفِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ علية المحل أو القدر.\nلاَ تَسْمَعُ يا مخاطب أو الوجوه، وقرأ على بناء المفعول بالياء ابن كثير وأبو عمرو ورويس وبالتاء نافع. فِيها لاغِيَةً لغوًا أو كلمة ذات لغو أو نفسًا تلغو، فإن كلام أهل الجنة الذكر والحكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3343>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٢ الى ١٦]</span>\nفِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)","vol":"5","page":307},{"text":"فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ يجري ماؤها ولا ينقطع والتنكير للتعظيم.\nفِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ رفيعة السمك أو القدر.\nوَأَكْوابٌ جمع كوب وهي آنية لا عروة لها. مَوْضُوعَةٌ بين أيديهم.\nوَنَمارِقُ وسائد جمع نمرقة بالفتح والضم. مَصْفُوفَةٌ بعضها إلى بعض.\nوَزَرابِيُّ بسط فاخرة جمع زربية. مَبْثُوثَةٌ مبسوطة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3344>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nأَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)\nأَفَلا يَنْظُرُونَ نظر اعتبار. إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ خلقًا دالًا على كمال قدرته وحسن تدبيره حيث خلقها لجر الأثقال إلى البلاد النائية، فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة بالحمل منقادة لمن اقتادها طوال الأعناق لينوء بالأوقار، ترعى كل نابت وتحتمل العطش إلى عشر فصاعدًا ليتأتى لها قطع البوادي والمفاوز، مع مالها من منافع أخرى ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعًا، ولأنها أعجب ما عند العرب من هذا النوع. وقيل المراد بها السحاب على الاستعارة.\nوَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ بلا عمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3345>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)\nوَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ فهي راسخة لا تميل.\nوَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ بسطت حتى صارت مهادًا، وقرئ الأفعال الأربعة على بناء الفاعل المتكلم وحذف الراجع المنصوب، والمعنى أَفَلا يَنْظُرُونَ إلى أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات ليتحققوا كمال قدرة الخالق ﷾، فلا ينكروا اقتداره على البعث ولذلك عقب به أمر المعاد ورتب عليه الأمر بالتذكير فقال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3346>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢١ الى ٢٤]</span>\nفَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)\nفَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ فلا عليك إن لم ينظروا ولم يذكروا إذ ما عليك إلا البلاغ.\nلَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ بمتسلط، وعن الكسائي بالسين على الأصل وحمزة بالإِشمام.\nإِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ لكن من تولى وكفر.\nفَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ يعني عذاب الآخرة. وقيل متصل فإن جهاد الكفار وقتلهم تسلط، وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا وعذاب النار في الآخرة وقيل هو استثناء من قوله فَذَكِّرْ أي فذكر إلا من تولى وأصر فاستحق العذاب الأكبر، وما بينهما اعتراض ويؤيد الأول أنه قرئ «ألا» على التنبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3347>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢٥ الى ٢٦]</span>\nإِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)\nإِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ رجوعهم، وقرئ بالتشديد على أنه فيعال مصدر فيعل من الإياب، أو فعال من الأوب قلبت واوه الأولى قلبها في ديوان ثم الثانية للإِدغام.\nثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ في المحشر، وتقديم الخبر للتخصيص والمبالغة في الوعيد.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الغاشية حاسبه الله حسابًا يسيرًا» .","vol":"5","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3348>(٨٩) سورة الفجر</span>\nمكية وآيها ثلاثون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3349>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)\nوَالْفَجْرِ أقسم بالصبح أو فلقه كقوله: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أو بصلاته.\nوَلَيالٍ عَشْرٍ عشر ذي الحجة ولذلك فسر الْفَجْرِ بفجر عرفة، أو النحر أو عشر رمضان الأخير وتنكيرها للتعظيم، وقرئ وَلَيالٍ عَشْرٍ بالإِضافة على أن المراد بالعشر الأيام.\nوَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ والأشياء كلها شفعها ووترها، أو الخلق لقوله: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ والخالق لأنه فرد، ومن فسرهما بالعناصر والأفلاك أو البروج والسيارات أو شفع الصلوات ووترها، أو بيومي النحر وعرفة، وقد روي مرفوعًا، أو بغيرها فلعله أفرد بالذكر من أنواع المدلول ما رآه أظهر دلالة على التوحيد، أو مدخلًا في الدين أو مناسبة لما قبلهما أو أكثر منفعة موجبة للشكر، وقرئ «والوتر» بكسر الواو وهما لغتان كالحبر والحبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3350>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)\nوَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ إذا يمضي كقوله: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ والتقييد بذلك لما في التعاقب من قوة الدلالة على كمال القدرة ووفور النعمة، أو يسرى فيه من قولهم صلى المقام وحذف الياء للاكتفاء بالكسرة تخفيفًا، وقد خصه نافع وأبو عمرو بالوقف لمراعاة الفواصل ولم يحذفها ابن كثير ويعقوب أصلًا، وقرئ «يَسْرِ» بالتنوين المبدل من حرف الاطلاق.\nهَلْ فِي ذلِكَ القسم أو المقسم به قَسَمٌ حلف أو محلوف به. لِذِي حِجْرٍ يعتبره ويؤكد به ما يريد تحقيقه، وال حِجْرٍ العقل سمي به لأنه يحجر عما لا ينبغي كما سمي عقلًا ونهية وحصاة من الإِحصاء، وهو الضبط والمقسم عليه محذوف وهو ليعذبن يدل عليه قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3351>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨)\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ يعني أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇، قوم هود سموا باسم أبيهم كما سمي بنو هاشم باسمه.\nإِرَمَ عطف بيان لعاد على تقدير مضاف أي سَبْطُ إِرَمَ، أو أَهْلُ إِرَمَ إن صح أنه إسم بلدتهم. وقيل سمي أوائلهم وهم «عاد الأولى» باسم جدهم ومنع صرفه للعلمية والتأنيث. ذاتِ الْعِمادِ ذات البناء الرفيع أو القدود الطوال، أو الرفعة والثبات. وقيل كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد فخلص الأمر لشداد وملك المعمورة ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فبنى على مثالها في بعض صحاري عدن جنة وسماها إرم، فلما تمت سار إليها بأهله، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث","vol":"5","page":309},{"text":"الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبله فوقع عليها.\nالَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ صفة أخرى لاسم والضمير لها سواء جعلت اسم القبيلة أو البلدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3352>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٩ الى ١٢]</span>\nوَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢)\nوَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ قطعوه واتخذوه منازل لقوله: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا. بِالْوادِ وادي القرى.\nوَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد.\nالَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ صفة للمذكورين «عاد» وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ، أو ذم منصوب أو مرفوع.\nفَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ بالكفر والظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3353>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nفَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)\nفَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ما خلط لهم من أنواع العذاب، وأصله الخلط وإنما سمي به الجلد المضفور الذي يضرب به لكونه مخلوط الطاقات بعضها ببعض، وقيل شبه بال سَوْطَ ما أحل بهم في الدنيا إشعارًا بأنه القياس إلى ما أعد لهم في الآخرة من العذاب كالسوط إذا قيس إلى السيف.\nإِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ المكان الذي يترقب فيه الرصد، مفعال من رصده كالميقات من وقته، وهو تمثيل لإرصاده العصاة بالعقاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3354>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nفَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦)\nفَأَمَّا الْإِنْسانُ متصل بقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ كأنه قيل إنه لَبِالْمِرْصادِ من الآخرة فلا يريد إلا السعي لها فأما الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها. إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ اختبره بالغنى واليسر. فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ بالجاه والمال. فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ فضلني بما أعطاني، وهو خبر المبتدأ الذي هو الْإِنْسانُ، والفاء لما في «أما» من معنى الشرط، والظرف المتوسط في تقدير التأخير كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإِنعام، وكذا قوله:\nوَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ إذ التقدير وأما الإنسان إذا ما ابتلاه أي بالفقر والتقتير ليوازن قسيمه.\nفَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ لقصور نظره وسوء فكره، فإن التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين، والتوسعة قد تفضي إلى قصد الأعداء والانهماك في حب الدنيا ولذلك ذمه على قوليه وردعه عنه بقوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3355>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٧ الى ٢٠]</span>\nكَلاَّ بَلْ لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)\nكَلَّا مع أن قوله الأول مطابق لأكرمه ولم يقل فأهانه وقدر عليه كما قال: فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ لأن التوسعة تفضل والإخلال به لا يكون إهانة، وقرأ ابن عامر والكوفيون «أكرمن» و«أهانن» بغير ياء في الوصل والوقف. وعن أبي عمرو مثله ووافقهم نافع في الوقف وقرأ ابن عامر فَقَدَرَ بالتشديد.\nبَلْ لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ولا يحضّون على طَعَامِ المسكين أي بل فعلهم أسوأ من قولهم وأدل على","vol":"5","page":310},{"text":"تهالكهم بالمال وهو أنهم لا يكرمون اليتيم بالنفقة والمبرة، ولا يحثون أهلهم على طعام المسكين فضلًا عن غيرهم، وقرأ الكوفيون «وَلا تَحَاضُّونَ» .\nوَتَأْكُلُونَ التُّراثَ الميراث وأصله وراث. أَكْلًا لَمًّا ذا لم أي جمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أنصباءهم، أو يأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام عالمين بذلك.\nوَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا كثيرًا مع حرص وشره، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب «لا يكرمون» إلى «ويحبون» بالياء والباقون بالتاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3356>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢١ الى ٢٣]</span>\nكَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣)\nكَلَّا ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم وما بعده وعيد عليه. إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا أي دكا بعد دك حتى صارت منخفضة الجبال والتلال، أو هَباءً مُنْبَثًّا.\nوَجاءَ رَبُّكَ أي ظهرت آيات قدرته وآثار قهره مثل ذلك بما يظهر عند حضور السلطان من آثار هيبته وسياسته. وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا بحسب منازلهم ومراتبهم.\nوَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ كقوله تعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ\nوفي الحديث «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» .\nيَوْمَئِذٍ بدل من إذا دكت الأرض والعامل فيهما.\nيَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ أي يتذكر معاصيه أو يتعظ لأنه يعلم قبحها فيندم عليها. وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى أي منفعة الذكرى لئلا يناقض ما قبله، واستدل به على عدم وجوب قبول التوبة، فإن هذا التذكر توبة غير مقبولة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3357>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٤ الى ٢٦]</span>\nيَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)\nيَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي أي لحياتي هذه، أو وقت حياتي في الدنيا أعمالًا صالحة، وليس في هذا التمني دلالة على استقلال العبد بفعله فإن المحجور عن شيء قد يتمنى أن كان ممكنًا منه.\nفَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ الهاء لله أي لا يتولى عذاب الله ووثاقه يوم القيامة سواه إذ الأمر كله له، أو للإنسان أي لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه، وقرأهما الكسائي ويعقوب على بناء المفعول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3358>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢٧ الى ٣٠]</span>\nيا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)\nيا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ على إرادة القول وهي التي اطمأنت بذكر الله، فإن النفس تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات إلى الواجب لذاته فتستفز دون معرفته وتستغني به عن غيره، أو إلى الحق بحيث لا يريبها شك أو الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، وقد قرئ بهما.\nارْجِعِي إِلى رَبِّكِ إلى أمره أو موعده بالموت، ويشعر ذلك بقول من قال: كانت النفوس قبل الأبدان موجودة في عالم القدس أو البعث، راضِيَةً بما أوتيت. مَرْضِيَّةً عند الله تعالى.\nفَادْخُلِي فِي عِبادِي في جملة عبادي الصالحين.\nوَادْخُلِي جَنَّتِي معهم أو في زمرة المقربين فتستضيء بنورهم، فإن الجواهر القدسية كالمرايا المتقابلة، أو ادخلي في أجساد عبادي التي فارقت عنها، وادخلي دار ثوابي التي أعدت لك.","vol":"5","page":311},{"text":"عن النبي ﷺ «من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له، ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة» .","vol":"5","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3359>(٩٠) سورة البلد</span>\nمكية، وآيها عشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3360>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلاَ أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣)\nلاَ أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ أقسم سبحانه بالبلد الحرام وقيده بحلول الرسول ﵊ فيه إظهارًا لمزيد فضله، وإشعارًا بأن شرف المكان بشرف أهله. وقيل حِلٌّ مستحل تعرضك فيه كما يستحل تعرض الصيد في غيره، أو حلال لك أن تفعل فيه ما تريد ساعة من النهار فهو وعد بما أحل له عام الفتح.\nوَوالِدٍ عطف على بِهذَا الْبَلَدِ والوالد آدم أو إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. وَما وَلَدَ ذريته أو محمد ﵊، والتنكير للتعظيم وإيثار ما على من لمعنى التعجب كما في قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3361>[سورة البلد (٩٠): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا (٦)\nلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ تعب ومشقة من كبد الرجل كبدًا إذا وجعت كبده ومنه المكابدة، والإِنسان لا يزال في شدائد مبدؤها ظلمة الرحم ومضيقه ومنتهاها الموت وما بعده، وهو تسلية للرسول ﵊ مما كان يكابده من قريش والضمير في:\nأَيَحْسَبُ لبعضهم الذي كان يكابد منه أكثر، أو يفتر بقوته كأبي الأشد بن كلدة فإنه كان يبسط تحت قدميه أديم عكاظي ويجذبه عشرة فيتقطع ولا تزال قدماه، أو لكل أحد منهم أو للإنسان. أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فينتقم منه.\nيَقُولُ أي في ذلك الوقت أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا كثيرًا، من تلبد الشيء إذا اجتمع، والمراد ما أنفقه سمعة ومفاخرة، أو معاداة للرسول ﵊.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3362>[سورة البلد (٩٠): الآيات ٧ الى ١٠]</span>\nأَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)\nأَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ حين كان ينفق أو بعد ذلك فيسأله عنه، يعني أن الله ﷾ يراه فيجازيه، أو يجده فيحاسبه عليه ثم بين ذلك بقوله.\nأَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ يبصر بهما.\nوَلِسانًا يترجم به عن ضميره. وَشَفَتَيْنِ يستر بهما فاه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب وغيرها.","vol":"5","page":313},{"text":"وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ طريقي الخير والشر، أو الثديين وأصله المكان المرتفع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3363>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ الى ١٦]</span>\nفَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)\nأَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ (١٦)\nفَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي فلم يشكر تلك الأيادي باقتحام العقبة وهو الدخول في أمر شديد، والْعَقَبَةَ الطريق في الجبل استعارها بما فسرها به من الفك والإطعام في قوله:\nوَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ لما فيهما من مجاهدة النفس ولتعدد المراد بها حسن وقوع لا موقع لم فإنها لا تكاد تقع إلا مكررة، إذ المعنى: فَلاَ فَكَ رَقَبةً ولا أَطْعَمَ يَتيمًا أو مسكينًا. والمسغبة والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب وترب إذا افتقر، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي فَكُّ رَقَبَةٍ أو أطعم على الإِبدال من اقْتَحَمَ وقوله: وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ اعتراض معناه إنك لم تدر كنه صعوبتها وثوابها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3364>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٧ الى ١٨]</span>\nثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)\nثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عطفه على اقْتَحَمَ، أو فَكُّ ب ثُمَّ لتباعد الإيمان عن العتق والإطعام في الرتبة لاستقلاله واشتراط سائر الطاعات به. وَتَواصَوْا وأوصى بعضهم بعضًا. بِالصَّبْرِ على طاعة الله تعالى. وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ بالرحمة على عباده، أو بموجبات رحمة الله تعالى.\nأُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ اليمين أو اليمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3365>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١٩ الى ٢٠]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا بما نصبناه دليلًا على الحق من كتاب وحجة أو بالقرآن. هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ الشمال أو الشؤم، ولتكرير ذكر المؤمنين باسم الإِشارة والكفار بالضمير شأن لا يخفى.\nعَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ مطبقة من أوصدت الباب إذا أطبقته وأغلقته. وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص بالهمزة من آصدته.\nعن النبي ﷺ «من قرأ لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد أعطاه الله ﷾ الأمان من غضبه يوم القيامة» .","vol":"5","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3366>(٩١) سورة الشمس</span>\nمكية، وآيها خمس عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3367>[سورة الشمس (٩١): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣)\nوَالشَّمْسِ وَضُحاها وضوئها إذا أشرقت، وقيل الضحوة ارتفاع النهار والضحى فوق ذلك، والضحاء بالفتح والمد إذا امتد النهار وكاد ينتصف.\nوَالْقَمَرِ إِذا تَلاها تلا طلوعه طلوع الشمس أول الشهر أو غروبها ليلة البدر، أو في الاستدارة وكمال النور.\nوَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها جلى الشمس فإنها تتجلى إذا انبسط النهار أو الظلمة، أو الدنيا أو الأرض وإن لم يجر ذكرها للعلم بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3368>[سورة الشمس (٩١): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nوَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦)\nوَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها يغشى الشمس فيغطي ضوءها أو الآفاق، أو الأرض. ولما كانت واوات العطف نوائب للواو الأولى القسمية الجارة بنفسها النائبة مناب فعل القسم من حيث استلزمت طرحه معها، ربطن المجرورات والظرف بالمجرور والظرف المتقدمين ربط الواو لما بعدها في قولك: ضرب زيد عمرًا وبكر خالدًا على الفاعل والمفعول من غير عطف على عاملين مختلفين.\nوَالسَّماءِ وَما بَناها ومن بناها وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والشيء القادر الذي بناها ودل على وجوده وكمال قدرته بناؤها، ولذلك أفرد ذكره وكذا الكلام في قوله:\nوَالْأَرْضِ وَما طَحاها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3369>[سورة الشمس (٩١): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nوَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨)\nوَنَفْسٍ وَما سَوَّاها وجعل الماءات مصدرية يجرد الفعل عن الفاعل ويخل بنظم قوله:\nفَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها بقوله وَما سَوَّاها إلا أن يضمر فيه اسم الله للعلم به وتنكير نَفْسٍ للتكثير كما في قوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ أو للتعظيم والمراد نفس آدم وإلهام الفجور والتقوى إفهامهما وتعريف حالهما أو التمكين من الإتيان بهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3370>[سورة الشمس (٩١): الآيات ٩ الى ١٠]</span>\nقَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠)\nقَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها أنماها بالعلم والعمل جواب القسم، وحذف اللام للطول كأنه لما أراد به الحث على تكميل النفس والمبالغة فيه أقسم عليه بما يدلهم على العلم بوجود الصانع ووجوب ذاته وكمال صفاته الذي هو أقصى درجات القوة النظرية، ويذكرهم عظائم آلائه ليحملهم على الاستغراق في شكر نعمائه الذي","vol":"5","page":315},{"text":"هو منتهى كمالات القوة العملية. وقيل هو استطراد بذكر بعض أحوال النفس، والجواب محذوف تقديره لَيُدَمْدِمَنَّ الله على كفار مكة لتكذيبهم رسوله ﷺ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحا ﵊.\nوَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها نقصها وأخفاها بالجهالة والفسوق، وأصل دسى دسس كتقضي وتقضض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3371>[سورة الشمس (٩١): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nكَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣)\nكَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها بسبب طغيانها، أو بما أوعدت به من عذابها ذي الطغوى كقوله: فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وأصله طغياها وإنما قلبت ياؤه واوًا تفرقة بين الإسم والصفة، وقرئ بالضم ك الرُّجْعى.\nإِذِ انْبَعَثَ حين قام ظرف ل كَذَّبَتْ أو طغوى. أَشْقاها أشقى ثمود وهو قدار بن سالف، أو هو ومن مالأه على قتل الناقة فإن أفعل التفضيل إذا أضفته صلح للواحد والجمع وفضل شقاوتهم لتوليهم العقر.\nفَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ أي ذروا ناقة الله واحذروا عقرها. وَسُقْياها وسقيها فلا تذودوها عنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3372>[سورة الشمس (٩١): الآيات ١٤ الى ١٥]</span>\nفَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)\nفَكَذَّبُوهُ فيما حذرهم منه من حلول العذاب إن فعلوا. فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ فأطبق عليهم العذاب وهو من تكرير قولهم ناقة مدمومة إذا ألبسها الشحم. بِذَنْبِهِمْ بسببه. فَسَوَّاها فسوى الدمدمة بينهم أو عليهم فلم يفلت منهم صغير ولا كبير، أو ثمود بالإِهلاك.\nوَلا يَخافُ عُقْباها أي عاقبة الدمدمة أو عاقبة هلاك ثمود وتبعتها فيبقي بعض الإِبقاء، والواو للحال وقرأ نافع وابن عامر فَلا على العطف.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة والشمس فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر» .","vol":"5","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3373>(٩٢) سورة والليل</span>\nمكية، وآيها إحدى وعشرون آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3374>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)\nوَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى أي يغشى الشمس أو النهار أو كل ما يواريه بظلامه.\nوَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى ظهر بزوال ظلمة الليل، أو تبين بطلوع الشمس.\nوَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى والقادر الذي خلق صنفي الذكر والأنثى من كل نوع له توالد، أو آدم وحواء وقيل مَا مصدرية.\nإِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى إن مساعيكم لأشتات مختلفة جمع شتيت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3375>[سورة الليل (٩٢): الآيات ٥ الى ٧]</span>\nفَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧)\nفَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى تفصيل مبين لتشتت المساعي. والمعنى من أعطى الطاعة واتقى المعصية وصدق بالكلمة الحسنى وهي ما دلت على حق ككلمة التوحيد.\nفَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى فسنهيئه للخلة التي تؤدي إلى يسر وراحة كدخول الجنة، من يسر الفرس إذا هيأه للركوب بالسرج واللجام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3376>[سورة الليل (٩٢): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nوَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠)\nوَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بما أمر به. وَاسْتَغْنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى.\nوَكَذَّبَ بِالْحُسْنى بإنكار مدلولها.\nفَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى للخلة المؤدية إلى العسر والشدة كدخول النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3377>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١١ الى ١٣]</span>\nوَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣)\nوَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ نفي أو استفهام إنكار. إِذا تَرَدَّى هلك تفعل من الردى، أو تردى في حفرة القبر أو قعر جهنم.\nإِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى للإرشاد إلى الحق بموجب قضائنا أو بمقتضى حكمتنا، أو إِنَّ عَلَيْنا طريقة الهدى كقوله ﷾: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ.\nوَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى فنعطي في الدارين ما نشاء لمن نشاء، أو ثواب الهداية للمهتدين، أو فلا يضرنا ترككم الاهتداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3378>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٤ الى ١٨]</span>\nفَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)","vol":"5","page":317},{"text":"فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى تتلهب.\nلاَ يَصْلاها لا يلزمها مقاسيًا شدتها. إِلَّا الْأَشْقَى إلا الكافر فإن الفاسق وإن دخلها لا يلزمها ولذلك سماه أشقى ووصفه بقوله:\nالَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى أي كذب الحق وأعرض عن الطاعة.\nوَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الذى اتقى الشرك والمعاصي فإنه لا يدخلها فضلًا عن أن يدخلها ويصلاها، ومفهوم ذلك أن من اتقى الشرك دون المعصية لا يجنبها ولا يلزم ذلك صليها فلا يخالف الحصر السابق.\nالَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يصرفه في مصارف الخير لقوله: يَتَزَكَّى فإنه بدل من يُؤْتِي أو حال من فاعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3379>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٩ الى ٢١]</span>\nوَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)\nوَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى فيقصد بإيتائه مجازاتها.\nإِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى استثناء منقطع أو متصل عن محذوف مثل لا يؤتى إلا ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة.\nوَلَسَوْفَ يَرْضى وعد بالثواب الذي يرضيه. والآيات نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين اشترى بلالًا في جماعة تولاهم المشركون فأعتقهم، ولذلك قيل: المراد بالأشقى أبو جهل أو أمية بن خلف.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة والليل أعطاه الله ﷾ حتى يرضى وعافاه من العسر ويسر له اليسر» .","vol":"5","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3380>(٩٣) سورة والضحى</span>\nمكية، وآيها إحدى عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3381>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣)\nوَالضُّحى ووقت ارتفاع الشمس وتخصيصه لأن النهار يقوى فيه، أو لأن فيه كلم موسى ربه وألقى السحرة سجدًا، أو النهار ويؤيده قوله: أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى في مقابلة بَياتًا.\nوَاللَّيْلِ إِذا سَجى سكن أهله أو ركد ظلامه من سجا البحر سجوًا إذا سكنت أمواجه، وتقديم اللَّيْلِ في السورة المتقدمة باعتبار الأصل، وتقديم النهار ها هنا باعتبار الشرف.\nمَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ما قطعك قطع المودع، وقرئ بالتخفيف بمعنى ما تركك وهو جواب القسم. وَما قَلى وما أبغضك، وحذف المفعول استغناء بذكره من قبل ومراعاة للفواصل. روي أن الوحي تأخر عنه أيامًا لتركه الاستثناء كما مر في سورة «الكهف»، أو لزجره سائلًا ملحًا، أو لأن جروًا ميتًا كان تحت سريره أو لغيره فقال المشركون: إن محمدًا ودعه ربه وقلاه فنزلت ردا عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3382>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥)\nوَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى فإنها باقية خالصة عن الشوائب وهذه فانية مشوبة بالمضار، كأنه لما بين أنه ﷾ لا يزال يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا وعد له ما هو أعلى وأجل من ذلك في الآخرة، أو لنهاية أمرك خير من بدايته، فإنه ﷺ لا يزال يتصاعد في الرفعة والكمال.\nوَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى وعد شامل لما أعطاه من كمال النفس وظهور الأمر وإعلاء الدين، ولما ادخر له مما لا يعرف كنهه سواه، واللام للابتلاء دخل الخبر بعد حذف المبتدأ والتقدير: ولأنت سوف يعطيك لا للقسم فإنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة، وجمعها مع سوف للدلالة على أن الإِعطاء كائن لا محالة وإن تأخر لحكمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3383>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nأَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًاّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨)\nأَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى تعديد لما أنعم عليه تنبيهًا على أنه كما أحسن إليه فيما مضى يحسن إليه فيما يستقبل وإن تأخر. ويَجِدْكَ من الوجود بمعنى العلم ويَتِيمًا مفعوله الثاني أو المصادفة ويَتِيمًا حال.\nوَوَجَدَكَ ضَالًّا عن علم الحكم والأحكام. فَهَدى فعلمك بالوحي والإِلهام والتوفيق للنظر. وقيل وجدك ضالًا في الطريق حين خرج بك أبو طالب إلى الشام أو حين فطمتك حليمة وجاءت بك لتردك إلى جدك، فأزال ضلالك عن عمك أو جدك.\nوَوَجَدَكَ عائِلًا فقيرًا ذا عيال. فَأَغْنى بما حصل لك من ربح التجارة.","vol":"5","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3384>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٩ الى ١١]</span>\nفَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)\nفَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ فلا تغلبه على ماله لضعفه، وقرئ «فلا تكهر» أي فلا تعبس في وجهه.\nوَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ فلا تزجره.\nوَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ فإن التحدث بها شكرها، وقيل المراد بالنعمة النبوة والتحديث بها تبليغها.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة والضحى جعله الله ﷾ فيمن يرضى لمحمد ﷺ أن يشفع له وعشر حسنات، يكتبها الله ﷾ له بعدد كل يتيم وسائل» .","vol":"5","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3385>(٩٤) سورة ألم نشرح</span>\nمكية، وآيها ثمان آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3386>[سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)\nأَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ألم نفسحه حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق فكان غائبًا حاضرًا، أو ألم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم وأزلنا عنه ضيق الجهل، أو بما يسرنا لك تلقي الوحي بعد ما كان يشق عليك، وقيل إنه إشارة إلى ما\nروي «أن جبريل ﵊ أتى رسول الله ﷺ في صباه أو يوم الميثاق، فاستخرج قلبه فغسله ثم ملأه إيمانًا وعلمًا» .\nولعله إشارة إلى نحو ما سبق ومعنى الاستفهام إنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته ولذلك عطف عليه.\nوَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ عبأك الثقيل.\nالَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ الذي حمله على النقيض وهو صوت الرحل عند الانتقاض من ثقل الحمل وهو ما ثقل عليه من فرطاته قبل البعثة، أو جهله بالحكم والأحكام أو حيرته، أو تلقي الوحي أو ما كان يرى من ضلال قومه من العجز عن إرشادهم، أو من إصرارهم وتعديهم في إيذائه حين دعاهم إلى الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3387>[سورة الشرح (٩٤): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nوَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)\nوَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ بالنبوة وغيرها، وأي رفع مثل أن قرن اسمه باسمه تعالى في كلمتي الشهادة وجعل طاعته طاعته، وصلى عليه في ملائكته وأمر المؤمنين بالصلاة عليه وخاطبه بالألقاب، وإنما زاد لَكَ ليكون إبهامًا قبل إيضاح فيفيد المبالغة.\nفَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ كضيق الصدر والوزر المنقض للظهر وضلال القوم وإيذائهم. يُسْرًا كالشرح والوضع والتوفيق للاهتداء والطاعة فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يغمك، وتنكيره للتعظيم والمعنى بما في «إن مع» من المصاحبة المبالغة في معاقبة اليسر للعسر، واتصاله به اتصال المتقاربين.\nإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا تكرير للتأكيد أو استئناف وعده بأن الْعُسْرِ متبوع بيسر آخر كثواب الآخرة كقولك: إن للصائم فرحة، إن للصائم فرحة أي فرحة عند الإِفطار وفرحة عند لقاء الرب. وعليه\nقوله ﵊ «لن يغلب عسر يسرين»\nفإن العسر معرف فلا يتعدد سواء كان للعهد أو للجنس، واليسر منكر فيحتمل أن يراد بالثاني فرد يغاير ما أريد بالأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3388>[سورة الشرح (٩٤): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nفَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)\nفَإِذا فَرَغْتَ من التبيلغ. فَانْصَبْ فاتعب في العبادة شكرًا لما عددنا عليك من النعم السالفة","vol":"5","page":321},{"text":"ووعدناك من النعم الآتية. وقيل إذا فرغت من الغزو فانصب في العبادة، أو فَإِذا فَرَغْتَ من الصلاة فانصب بالدعاء.\nوَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ بالسؤال ولا تسأل غيره فإنه القادر وحده على إسعافك، وقرئ «فَرَغِّبْ» أي فرغب الناس إلى طلب ثوابه.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة ألم نشرح فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني» .","vol":"5","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3389>(٩٥) سورة والتين</span>\nمختلف فيها، وآيها ثمان آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3390>[سورة التين (٩٥): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)\nوَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ خصهما من الثمار بالقسم لأن التين فاكهة طيبة لا فضل له وغذاء لطيف سريع الهضم، ودواء كثير النفع فإنه يلين الطبع ويحلل البلغم ويطهر الكليتين، ويزيل رمل المثانة ويفتح سدد الكبد والطحال، ويسمن البدن\nوفي الحديث أنه يقطع البواسير وينفع من النقرس.\nوالزيتون فاكهة وإدام ودواء وله دهن لطيف كثير المنافع، مع أنه قد ينبت حيث لا دهنية فيه كالجبال، وقيل المراد بهما جبلان من الأرض المقدسة أو مسجدا دمشق وبيت المقدس، أو البلدان.\nوَطُورِ سِينِينَ يعني الجبل الذي ناجى عليه موسى ﵊ ربه وسِينِينَ وسَيْناءَ اسمان للموضع الذي هو فيه.\nوَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ أي الآمن من أمن الرجل أمانة فهو أمين، أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله والمراد به مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3391>[سورة التين (٩٥): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)\nلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يريد به الجنس. فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ تعديل بأن خص بانتصاب القامة وحسن الصورة واستجماع خواص الكائنات ونظائر سائر الممكنات.\nثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ بأن جعلناه من أهل النار أو إلى أسفل سافلين وهو النار. وقيل هو أرذل العمر فيكون قوله:\nإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ استثناء منقطعًا. فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ لا ينقطع أو لا يمن به عليهم، وهو على الأول حكم مرتب على الاستثناء مقرر له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3392>[سورة التين (٩٥): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nفَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)\nفَما يُكَذِّبُكَ أي فأي شيء يكذبك يا محمد دلالة أو نطقًا. بَعْدُ بِالدِّينِ بالجزاء بعد ظهور هذه الدلائل وقيل «ما» بمعنى من، وقيل الخطاب للإنسان على الالتفات، والمعنى فما الذي يحملك على هذا الكذب.","vol":"5","page":323},{"text":"أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ تحقيق لما سبق. والمعنى أليس الذي فعل ذلك من الخلق والرد بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ صنعًا وتدبيرًا ومن كان كذلك كان قادرًا على الإِعادة والجزاء على ما مر مرارًا.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة والتين أعطاه الله العافية واليقين ما دام حيًا، فإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة» .","vol":"5","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3393>(٩٦) سورة العلق</span>\nمكية، وآيها تسع عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3394>[سورة العلق (٩٦): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)\nاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي اقرأ القرآن مفتتحًا باسمه ﷾. أو مستعينًا به. الَّذِي خَلَقَ أي الذي له الخلق أو الذي خلق كل شيء، ثم أفرد ما هو أشرف وأظهر صنعًا وتدبيرًا وأدل على وجوب العبادة المقصودة من القراءة فقال:\nخَلَقَ الْإِنْسانَ أو الذي خَلَقَ الْإِنْسانَ فأبهم أولًا ثم فسر تفخيمًا لخلقه ودلالة. على عجيب فطرته. مِنْ عَلَقٍ جمعه على الْإِنْسانَ في معنى الجمع ولما كان أول الواجبات معرفة الله ﷾ نزل أولًا ما يدل على وجوده وفرط قدرته وكمال حكمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3395>[سورة العلق (٩٦): الآيات ٣ الى ٥]</span>\nاقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)\nاقْرَأْ تكرير للمبالغة، أو الأول مطلق والثاني للتبليغ أو في الصلاة ولعله لما قيل له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فقال: ما أنا بقارئ، فقيل له اقرأ: وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الزائد في الكرم على كل كريم فإنه ﷾ ينعم بلا عوض ويحلم من غير تخوف، بل هو الكريم وحده على الحقيقة.\nالَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ أي الخط بالقلم، وقد قرئ به لتقيد به العلوم ويعلم به البعيد.\nعَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ بخلق القوى ونصب الدلائل وإنزال الآيات فيعلمك القراءة وإن لم تكن قارئًا، وقد عدد ﷾ مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه إظهارًا لما أنعم عليه، من أن نقله من أخس المراتب إلى أعلاها تقريرًا لربوبيته وتحقيقًا لأكرميته، وأشار أولًا إلى ما يدل على معرفته عقلًا ثم نبه على ما يدل عليها سمعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3396>[سورة العلق (٩٦): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nكَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨)\nكَلَّا ردع لمن كفر بنعمة الله بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه. إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى.\nأَنْ رَآهُ اسْتَغْنى أن رأى نفسه، واستغنى مفعوله الثاني لأنه بمعنى علم ولذلك جاز أن يكون فاعله ومفعوله ضميرين لواحد.\nإِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى\nالخطاب للإنسان على الالتفات تهديدًا وتحذيرًا من عاقبة الطغيان، والرُّجْعى\nمصدر كالبشرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3397>[سورة العلق (٩٦): الآيات ٩ الى ١٢]</span>\nأَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْدًا إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢)\nأَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إِذا صَلَّى نزلت في أبي جهل قال لو رأيت محمدًا ساجدًا لوطئت عنقه،","vol":"5","page":325},{"text":"فجاءه ثم نكص على عقبيه فقيل له مالك، فقال إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة. فنزلت ولفظ العبد وتنكيره للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال عبودية المنهي.\nأَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى أرأيت تكرير للأول وكذا الذي في قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3398>[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٣ الى ١٤]</span>\nأَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤)\nأَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى والشرطية مفعوله الثاني وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب الشرط الثاني الواقع موقع القسيم له. والمعنى أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على هدى فيما ينهى عنه، أو آمرًا بِالتَّقْوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقده، أو إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الصواب كما تقول، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ويطلع على أحواله من هداه وضلاله. وقيل المعنى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يصلي والمنهي على الهدى آمرًا بالتقوى، والناهي مكذب متولٍ فما أعجب من ذا. وقيل الخطاب في الثانية مع الكافر فإنه ﷾ كالحاكم الذي حضره الخصمان يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال يا كافر أخبرني إن كان صلاته هدى ودعاؤه إلى الله ﷾ أمرًا بالتقوى أتنهاه، ولعله ذكر الأمر بالتقوى في التعجب والتوبيخ ولم يتعرض له في النهي لأن النهي كان عن الصلاة والأمر بالتقوى، فاقتصر على ذكر الصلاة لأنه دعوة بالفعل أو لأن نهي العبد إذا صلى يحتمل أن يكون لها ولغيرها، وعامة أحوالها محصورة في تكميل نفسه بالعبادة وغيره بالدعوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3399>[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٥ الى ١٦]</span>\nكَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦)\nكَلَّا ردع للناهي. لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عما هو فيه. لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار، والسفع القبض على الشيء وجذبه بشدة، وقرئ لنَسْفَعَنَّ بنون مشددة و«لأسفعن»، وكتابته في المصحف بالألف على حكم الوقف والاكتفاء باللام عن الإِضافة للعلم بأن المراد ناصية المذكور.\nناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ بدل من الناصية وإنما جاز لوصفها، وقرئت بالرفع على هي ناصية والنصب على الذم ووصفها بالكذب والخطأ، وهما لصاحبها على الإسناد المجازي للمبالغة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3400>[سورة العلق (٩٦): الآيات ١٧ الى ١٩]</span>\nفَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)\nفَلْيَدْعُ نادِيَهُ أي أهل ناديه ليعينوه وهو المجلس الذي ينتدي فيه القوم.\nروي أنا أبا جهل لعنه الله مر برسول الله ﷺ وهو يصلي فقال: ألم أنهك، فاغلظ له رسول الله ﷺ فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا فنزلت.\nسَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ليجروه إلى النار وهو في الأصل الشرط واحدها زبنية كعفرية من الزين وهو الدفع، أو زبني على النسب وأصلها زباني والتاء معوضة عن الياء.\nكَلَّا ردع أيضًا للناهي. لاَ تُطِعْهُ أي أثبت أنت على طاعتك. وَاسْجُدْ داوم على سجودك.\nوَاقْتَرِبْ وتقرب إلى ربك\nوفي الحديث «أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد» .\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة العلق أعطي من الأجر كأنما قرأ المفصل كله» .","vol":"5","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3401>(٩٧) سورة القدر</span>\nمختلف فيها، وآيها خمس آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3402>[سورة القدر (٩٧): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ الضمير للقرآن فخمه بإضماره من غير ذكر شهادة له بالنباهة المغنية عن التصريح كما عظمه بأن أسند نزله إليه، وعظم الوقت الذي أنزل فيه بقوله:\nوَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ وإنزاله فيها بأن ابتدأ بإنزاله فيها، أو أنزله جملة من اللوح إلى السماء الدنيا على السفرة، ثم كان جبريل ﵊ ينزله على رسول الله ﷺ نجومًا في ثلاث وعشرين سنة. وقيل المعنى أَنْزَلْناهُ في فضلها وهي في أوتار العشر الأخير من رمضان، ولعلها السابعة منها. والداعي إلى إخفائها أن يُحيي من يريدها ليالي كثيرة، وتسميتها بذلك لشرفها أو لتقدير الأمور فيها لقوله ﷾: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وذكر الألف إما للتكثير، أو لما\nروي أنه ﵊ ذكر إسرائيليًا يلبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة القدر هي خير من مدة ذلك الغازي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3403>[سورة القدر (٩٧): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nتَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)\nتَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بيان لما له فضّلت على ألف شهر وتنزلهم إلى الأرض، أو إلى السماء الدنيا أو تقربهم إلى المؤمنين. مِنْ كُلِّ أَمْرٍ من أجل كل أمر قدر في تلك السنة، وقرئ «من كل امرئ» أي من أجل كل إنسان.\nسَلامٌ هِيَ ما هي إلا سلامة أي لا يقدر الله فيها إلا السلامة، ويقضي في غيرها السلامة والبلاء، أو ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون فيها على المؤمنين. حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ أي وقت مطلعه أي طلوعه. وقرأ الكسائي بالكسر على أنه كالمرجع أو اسم زمان على غير قياس كالمشرق.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة القدر أعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر» .","vol":"5","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3404>(٩٨) سورة لم يكن</span>\nمختلف فيها، وآيها ثمان آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3405>[سورة البينة (٩٨): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)\nلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ اليهود والنصارى فإنهم كفروا بالإِلحاد في صفات الله ﷾ ومِنْ للتبيين. وَالْمُشْرِكِينَ وعبدة الأصنام. مُنْفَكِّينَ عما كانوا عليه من دينهم، أو الوعد باتباع الحق إذا جاءهم الرسول ﷺ. حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ الرسول ﵊ أو القرآن، فإنه مبين للحق أو معجزة الرسول بأخلاقه والقرآن بإفحامه من تحدى به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3406>[سورة البينة (٩٨): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nرَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)\nرَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بدل من الْبَيِّنَةُ بنفسه أو بتقدير مضاف أو مبتدأ. يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً صفته أو خبره، والرسول ﵊ وإن كان أميًا لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها. وقيل المراد جبريل ﵊ وكون الصحف مُطَهَّرَةً أن الباطل لا يأتي ما فيها، أو أنها لا يمسها إلا المطهرون.\nفِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ مكتوبات مستقيمة ناطقة بالحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3407>[سورة البينة (٩٨): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)\nوَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ عما كانوا عليه بأن آمن بعضهم أو تردد في دينه، أو عن وعدهم بالإِصرار على الكفر. إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ فيكون كقوله: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ وإفراد أهل الكتاب بعد الجمع بينهم وبين المشركين للدلالة على شناعة حالهم، وأنهم لما تفرقوا مع علمهم كان غيرهم بذلك أولى.\nوَما أُمِرُوا أي في كتبهم بما فيها. إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لا يشركون به. حُنَفاءَ مائلين عن العقائد الزائغة. وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ ولكنهم حرفوا وعصوا. وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ دين الملة القيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3408>[سورة البينة (٩٨): آية ٦]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أي يوم القيامة، أو في الحال لملابستهم ما يوجب ذلك، واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب اشتراكهما في نوعه فلعله يختلف","vol":"5","page":328},{"text":"لتفاوت كفرهما. أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ أي الخليقة. وقرأ نافع «البريئة» بالهمز على الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3409>[سورة البينة (٩٨): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا فيه مبالغات تقديم المدح، وذكر الجزاء المؤذن بأن ما منحوا في مقابلة ما وصفوا به والحكم عليه بأنه من عِنْدَ رَبِّهِمْ، وجمع جَنَّاتُ وتقييدها إضافة ووصفًا بما تزداد لها نعيمًا، وتأكيد الخلود بالتأبيد. ﵃ استئناف بما يكون لهم زيادة على جزائهم. وَرَضُوا عَنْهُ لأنه بلغهم أقصى أمانيهم. ذلِكَ أي المذكور من الجزاء والرضوان. لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ فإن الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقيلا» .","vol":"5","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3410>(٩٩) سورة الزلزلة</span>\nمختلف فيها، وآيها ثمان آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3411>[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ مَا لَها (٣)\nإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها اضطرابها المقدر لها عند النفخة الأولى، أو الثانية أو الممكن لها أو اللائق بها في الحكمة، وقرئ بالفتح وهو اسم الحركة وليس في الأبنية فعلال إلا في المضاعف.\nوَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ما في جوفها من الدفائن أو الأموات جمع ثقل وهو متاع البيت.\nوَقالَ الْإِنْسانُ مَا لَها لما يبهرهم من الأمر الفظيع، وقيل المراد ب الْإِنْسانُ الكافر فإن المؤمن يعلم ما لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3412>[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nيَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥)\nيَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ تحدث الخلق بلسان الحال. أَخْبارَها ما لأجله زلزالها وإخراجها. وقيل ينطقها الله ﷾ فتخبر بما عمل عليها، ويَوْمَئِذٍ بدل من إِذا وناصبهما تُحَدِّثُ، أو أصل وإِذا منتصب بمضمر.\nبِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها أي تحدث بسبب إيحاء ربك لها بأن أحدث فيها ما دلت على الأخبار، أو أَنطقها بها ويجوز أن يكون بدلًا من إخبارها إذ يقال: حدثته كذا وبكذا، واللام بمعنى إلى أو على أصلها إذ لها في ذلك تشف من العصاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3413>[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nيَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)\nيَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ من مخارجهم من القبور إلى الموقف. أَشْتاتًا متفرقين بحسب مراتبهم.\nلِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ جزاء أعمالهم، وقرئ بفتح الياء.\nفَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ تفصيل لِيُرَوْا ولذلك قرئ «يُرَهُ» بالضم، وقرأ هشام بإسكان الهاء ولعل حسنة الكافر وسيئة المجتنب عن الكبائر تؤثران في نقص الثواب والعقاب. وقيل الآية مشروطة بعدم الإحباط والمغفرة، أو من الأولى مخصوصة بالسعداء والثانية بالأشقياء لقوله أَشْتاتًا، وال ذَرَّةٍ النملة الصغيرة أو الهباء.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة إذا زلزلت الأرض أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله» .","vol":"5","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3414>(١٠٠) سورة والعاديات</span>\nمختلف فيها، وآيها إحدى عشرة آية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3415>[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)\nفَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)\nوَالْعادِياتِ ضَبْحًا أقسم سبحانه بخيل الغزاة تعدو فتضبح ضبحًا، وهو صوت أنفاسها عند العدو ونصبه بفعله المحذوف، أو ب الْعادِياتِ فإنها تدل بالالتزام على الضابحات، أو ضبحًا حال بمعنى ضابحة.\nفَالْمُورِياتِ قَدْحًا فالتي توري النار، والإِيراء إخراج النار يقال قدح الزند فأورى.\nفَالْمُغِيراتِ يغير أهلها على العدو. صُبْحًا أي في وقته.\nفَأَثَرْنَ فهيجن. بِهِ بذلك الوقت. نَقْعًا غبارًا أو صياحًا.\nفَوَسَطْنَ بِهِ فتوسطن بذلك الوقت أو بالعدو، أو بالنقع أي ملتبسات به. جَمْعًا من جموع الأعداء،\nروي: أنه ﵊ بعث خيلًا فمضت أشهر لم يأته منهم خبر فنزلت.\nويحتمل أن يكون القسم بالنفوس العادية أثر كمالهنّ الموريات بأفكارهن أنوار المعارف، والمغيرات على الهوى والعادات إذا ظهر لهن مثل أنوار القدس، فَأَثَرْنَ بِهِ شوقًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا من جموع العليين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3416>[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nإِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)\nإِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ لكفور من كَنَدِ النعمة كنودًا، أو لعاص بلغة كندة، أو لبخيل بلغة بني مالك وهو جواب القسم.\nوَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ وإن الإِنسان على كنوده لَشَهِيدٌ يشهد على نفسه لظهور أثره عليه، أو أن الله ﷾ على كنوده لشهيد فيكون وعيدًا.\nوَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ المال من قوله ﷾: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا أي مالًا. لَشَدِيدٌ لبخيل أو لقوي مبالغ فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3417>[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ٩ الى ١١]</span>\nأَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)\nأَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ بعث. مَا فِي الْقُبُورِ من الموتى وقرئ «بحثر» و«بحث» .\nوَحُصِّلَ جمع محصلًا في الصحف أو ميز. مَا فِي الصُّدُورِ من خير أو شر، وتخصيصه لأنه الأصل.\nإِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ وهو يوم القيامة. لَخَبِيرٌ عالم بما أعلنوا وما أسروا فيجازيهم عليه، وإنما قال","vol":"5","page":331},{"text":"مَا ثم قال بِهِمْ لاختلاف شأنهم في الحالين، وقرئ «أن» و«خبير» بلا لام.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة والعاديات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعا» .","vol":"5","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3418>(١٠١) سورة القارعة</span>\nمكية، وآيها ثمان آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3419>[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤)\nوَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩)\nوَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)\nالْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ سبق بيانه في «الحاقة» .\nيَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ في كثرتهم وذلتهم وانتشارهم واضطرابهم، وانتصاب يَوْمَ بمضمر دلت عليه الْقارِعَةُ.\nوَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ كالصوف ذي الألوان. الْمَنْفُوشِ المندوف لتفرق أجزائها وتطايرها في الجو.\nفَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بأن ترجحت مقادير أنواع حسناته.\nفَهُوَ فِي عِيشَةٍ في عيش. راضِيَةٍ ذات رضا أو مرضية.\nوَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ بأن لم يكن له حسنة يعبأ بها، أو ترجحت سيئاته على حسناته.\nفَأُمُّهُ هاوِيَةٌ فمأواه النار المحرقة والهاوية من أسمائها ولذلك قال:\nوَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ ذات حمى.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة القارعة ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة» .","vol":"5","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3420>(١٠٢) سورة التكاثر</span>\nمختلف فيها، وآيها ثمان آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3421>[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)\nأَلْهاكُمُ شغلكم وأصله الصرف إلى اللهو منقول من لها إذا غفل. التَّكاثُرُ التباهي بالكثرة.\nحَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ إذا استوعبتم عدد الأحياء صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات، عبر عن انتقالهم إلى ذكر الموتى بزيارة المقابر.\nروي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بالكثرة فكثرهم بنو عبد مناف، فقال بنو سهم إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم، وإنما حذف الملهى عنه وهو ما يعنيهم من أمر الدين للتعظيم والمبالغة.\nوقيل معناه أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا عما هو أهم لكم، وهو السعي لأخراكم فتكون زيارة القبور عبارة عن الموت.\nكَلَّا ردع وتنبيه على أن العاقل ينبغي له أن لا يكون جميع همه ومعظم سعيه للدنيا فإن عاقبة ذلك وبال وحسرة. سَوْفَ تَعْلَمُونَ خطأ رأيكم إذا عاينتم ما وراءكم وهو إنذار ليخافوا وينتبهوا من غفلتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3422>[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)\nثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ تكرير للتأكيد وفي ثُمَّ دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، أو الأول عند الموت أو في القبر والثاني عند النشور.\nكَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ أي لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين أي كعلمكم ما تستيقنونه لشغلكم ذلك عن غيره، أو لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه فحذف الجواب للتفخيم ولا يجوز أن يكون قوله:\nلَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ جوابًا له لأنه محقق الوقوع بل هو جواب قسم محذوف أكد به الوعيد وأوضح به ما أنذرهم منه بعد إبهامه تفخيمًا، وقرأ ابن عامر والكسائي بضم التاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3423>[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)\nثُمَّ لَتَرَوُنَّها تكرير للتأكيد، أو الأولى إذا رأيتهم من مكان بعيد والثانية إذا وردوها، أو المراد بالأولى المعرفة وبالثانية الإبصار. عَيْنَ الْيَقِينِ أي الرؤية التي هي نفس اليقين، فإن علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين.\nثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ الذي ألهاكم، والخطاب مخصوص بكل من ألهاه دنياه عن دينه والنَّعِيمِ بما يشغله للقرينة والنصوص الكثيرة كقوله: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وقيل يعمان","vol":"5","page":334},{"text":"إذ كل يسأل عن شكره. وقيل الآية مخصوصة بالكفار.\nعن النبي ﷺ «من قرأ أَلْهاكُمُ لم يحاسبه الله ﷾ بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية» .","vol":"5","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3424>(١٠٣) سورة والعصر</span>\nمكية، وآيها ثلاث آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3425>[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)\nوَالْعَصْرِ أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها، أو بعصر النبوة أو بالدهر لاشتماله على الأعاجيب والتعريض بنفي ما يضاف إليه من الخسران.\nإِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إن الناس لفي خسران في مساعيهم وصرف أعمارهم في مطالبهم، والتعريف للجنس والتنكير للتعظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3426>[سورة العصر (١٠٣): آية ٣]</span>\nإِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)\nإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية. وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ الثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل. وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ عن المعاصي أو على الحق، أو ما يبلو الله به عباده. وهذا من عطف الخاص على العام للمبالغة إلا أن يخص العمل بما يكون مقصورًا على كماله، ولعله ﷾ إنما ذكر سبب الربح دون الخسران اكتفاء ببيان المقصود، وإشعارًا بأن ما عدا ما عد يؤدي إلى خسر ونقص حظ، أو تكرمًا فإن الإبهام في جانب الخسر كرم.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة وَالْعَصْرِ غفر الله له وكان ممن تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر» .","vol":"5","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3427>(١٠٤) سورة الهمزة</span>\nمكية، وآيها تسع آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3428>[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)\nوَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الهمزة الكسر كالهزم، واللمز الطعن كالهزم فشاعا في الكسر من أعراض الناس والطعن فيهم، وبناء فعله يدل على الاعتياد فلا يقال ضحكة ولعنة إلا للمكثر المتعود، وقرئ «همزة لمزة» بالسكون على بناء المفعول وهو المسخرة الذي يأتي بالأضاحيك فيضحك منه ويشتم. ونزولها في الأخنس بن شريق فإنه كان مغيابًا، أو في الوليد بن المغيرة واغتيابه رسول الله ﷺ.\nالَّذِي جَمَعَ مَالًا بدل من كل أو ذم منصوب أو مرفوع، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتشديد للتكثير وَعَدَّدَهُ وجعله عدة للنوازل أو عدة مرة بعد أخرى، ويؤيده أنه قرئ «وَعَدَّدَهُ» على فك الإِدغام.\nيَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ تركه خالدًا في الدنيا فأحبه كما يحب الخلود، أو حب المال أغفله عن الموت أو طول أمله حتى حسب أنه مخلد فعمل عمل من لا يظن الموت، وفيه تعريض بأن المخلد هو السعي للآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3429>[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ٤ الى ٧]</span>\nكَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)\nكَلَّا ردع له عن حسبانه. لَيُنْبَذَنَّ ليطرحن. فِي الْحُطَمَةِ في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يطرح فيها.\nوَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ما النار التي لها هذه الخاصية.\nنارُ اللَّهِ تفسير لها. الْمُوقَدَةُ التي أوقدها الله وما أوقده لا يقدر غيره أن يطفئه.\nالَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ تعلو أوساط القلوب وتشتمل عليها، وتخصيصها بالذكر لأن الفؤاد ألطف ما في البدن وأشده تألما، أو لأنه محل العقائد الزائفة ومنشأ الأعمال القبيحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3430>[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nإِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)\nإِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ مطبقة من أوصدت الباب إذا أطبقته، قال:\nتحن إلى أجبال مكة ناقتي ... وَمَنْ دُونِهَا أبواب صنعاء مُوصَدَة\nوقرأ حفص وأبو عمرو وحمزة بالهمزة.","vol":"5","page":337},{"text":"فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ أي موثقين في أعمدة ممدودة مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص وقرأ الكوفيون غير حفص بضمتين، وقرئ «عُمْدٍ» بسكون الميم مع ضم العين.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد ﵊ وأصحابه»\nرضوان الله عليهم أجمعين.","vol":"5","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3431>(١٠٥) سورة الفيل</span>\nمكية، وهي خمس آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3432>[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ الخطاب للرسول ﷺ، وهو وإن لم يشهد تلك الوقعة لكن شاهد آثارها وسمع بالتواتر أخبارها فكأنه رآها، وإنما قال كَيْفَ ولم يقل ما لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله تعالى وقدرته وعزة بيته وشرف رسوله ﵊ فإنها من الإِرهاصات. إذ\nروي أنها وقعت في السنة التي ولد فيها رسول الله ﷺ.\nقصتها أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي- بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس، وأراد أن يصرف الحاج إليها، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلًا فأغضبه ذلك، فحلف ليهدمن الكعبة فخرج بجيشه ومعه فيل قوي اسمه محمود، وفيلة أخرى فلما تهيأ للدخول وعبى جيشه قدم الفيل، وكان كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى جهة أخرى هرول، فأرسل الله تعالى طيرا، كل واحد في منقاره حجر وفي رجليه حجران، أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة، فترميهم فيقع الحجر في رأس الرجل فيخرج من دبره فهلكوا جميعا. وقرئ «أَلَمْ تَرَ» جدًا في إظهار أثر الجازم، وكيف نصب بفعل لا بتر لما فيه من معنى الاستفهام.\nأَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ في تعطيل الكعبة وتخريبها. فِي تَضْلِيلٍ في تضييع وإبطال بأن دمرهم وعظم شأنها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3433>[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ٣ الى ٥]</span>\nوَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)\nوَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ جماعات جمع إبالة وهي الحزمة الكبيرة، شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها. وقيل لا واحد لها كعباديد وشماطيط.\nتَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ وقرئ بالياء على تذكير الطير لأنه اسم جمع، أو إسناده إلى ضمير ربك. مِنْ سِجِّيلٍ من طين متحجر معرب سنك كل وقيل من السجل وهو الدلو الكبير، أو الاسجال وهو الارسال، أو من السجل ومعناه من جملة العذاب المكتوب المدون.\nفَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ كورق زرع وقع فيه الآكال وهو أن يأكله الدود أو أكل حبه فبقي صفرا منه، أو كتبن أكلته الدواب وراثته.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الفيل أعفاه الله أيام حياته من الخسف والمسخ» .","vol":"5","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3434>(١٠٦) سورة قريش</span>\nمكية، وآيها أربع آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3435>[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢)\nلِإِيلافِ قُرَيْشٍ متعلق بقوله: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ\nوالفاء لما في الكلام من معنى الشرط، إذ المعنى أن نعم الله عليهم لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لأجل:\nإِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ أي الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام فيمتارون ويتجرون، أو بمحذوف مثل أعجبوا أو بما قبله كالتضمين في الشعر أي فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، ويؤيده أنهما في مصحف أُبيَّ سورة واحدة، وقرئ «ليألف قريش إلفهم رحلة الشتاء»، وقريش ولد النضر بن كنانة منقول من تصغير قرش، وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن فلا تطاق إلا بالنار، فشبهوا بها لأنها تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، وصغر الاسم للتعظيم وإطلاق الإِيلاف، ثم إبدال المقيد عنه للتفخيم. وقرأ ابن عامر «لئلاف» بغير ياء بعد الهمزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3436>[سورة قريش (١٠٦): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nفَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)\nْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ\nالَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ أي بالرحلتين والتنكير للتعظيم، وقيل المراد به شدة أكلوا فيها الجيف والعظام. وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أصحاب الفيل أو التخطف في بلدهم ومسايرهم، أو الجذام فلا يصيبهم ببلدهم.\nعن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة لإيلاف قريش أعطاه الله عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها» .","vol":"5","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3437>(١٠٧) سورة الماعون</span>\nمختلف فيها، وآيها سبع آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3438>[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣)\nأَرَأَيْتَ استفهام معناه التعجب، وقرئ «أريت» بلا همز إلحاقًا بالمضارع، ولعل تصديرها بحرف الاستفهام سهل أمرها و«أرأيتك» بزيادة الكاف. الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ بالجزاء أو الإِسلام والذي يحتمل الجنس والعهد ويؤيد الثاني قوله:\nفَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ يدفعه دفعًا عنيفًا وهو أبو جهل كان وصيًا ليتيم فجاءه عريانًا يسأله من مال نفسه فدفعه، أو أبو سفيان نحر جزورًا فسأله يتيم لحمًا فقرعه بعصاه، أو الوليد بن المغيرة، أو منافق بخيل.\nوقرئ «يَدع» أي يترك.\nوَلا يَحُضُّ أهله وغيرهم. عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ لعدم اعتقاده بالجزاء ولذلك رتب الجملة على يُكَذِّبُ بالفاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3439>[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ٤ الى ٧]</span>\nفَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)\nفَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ أي غافلون غير مبالين بها.\nالَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ يرون الناس أعمالهم ليروهم الثناء عليهم.\nوَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ الزكاة أو ما يتعاور في العادة والفاء جزائية. والمعنى إذا كان عدم المبالاة باليتيم من ضعف الدين والموجب للذم والتوبيخ فالسهو عن الصلاة التي هي عماد الدين والرياء الذي هو شعبة من الكفر، ومنع الزكاة التي هي قنطرة الإِسلام أحق بذلك ولذلك رتب عليها الويل، أو للسببية على معنى فَوَيْلٌ لهم، وإنما وضع المصلين موضع الضمير للدلالة على سوء معاملتهم مع الخالق والخلق.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة أَرَأَيْتَ غفر له أن كان للزكاة مؤديا» .","vol":"5","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3440>(١٠٨) سورة الكوثر</span>\nمكية، وآيها ثلاث آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3441>[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)\nإِنَّا أَعْطَيْناكَ وقرئ «أنطيناك» . الْكَوْثَرَ الخير المفرط الكثرة من العلم والعمل وشرف الدارين.\nوروي عنه ﵊ «أنه نهر في الجنة وعدنيه ربي فيه خير كثير أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأبرد من الثلج وألين من الزبد، حافتاه الزبرجد وأوانيه من فضة لا يظمأ من شرب منه»\n، وقيل حوض فيها، وقيل أولاده وأتباعه، أو علماء أمته أو القرآن العظيم.\nفَصَلِّ لِرَبِّكَ فَدُمْ على الصلاة خالصًا لوجه الله خلاف الساهي عنها المرائي فيها شكرًا لإِنعامه، فإن الصلاة جامعة لأقسام الشكر. وَانْحَرْ البدن التي هي خيار أموال العرب وتصدق على المحاويج خلافًا لمن يدعهم ويمنع عنهم الماعون، فالسورة كالمقابلة للسورة المتقدمة وقد فسرت الصلاة بصلاة العيد والنحر بالتضحية.\nإِنَّ شانِئَكَ إن من أبغضك لبغضه الله. هُوَ الْأَبْتَرُ الذي لا عقب له إذ لا يبقى له نسل ولا حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الكوثر سقاه الله من كل نهر له في الجنة، ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر العظيم» .","vol":"5","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3442>(١٠٩) سورة الكافرون</span>\nمكية، وآيها ست آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3443>[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)\nقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ يعني كفرة مخصوصين قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون.\nروي أن رهطًا من قريش قالوا يا محمد تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فنزلت.\nلاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ أي فيما يستقبل فأن لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الاستقبال كما أن مَا لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال.\nوَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ أي فيما يستقبل لأنه في قران لا أَعْبُدُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3444>[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nوَلا أَنا عابِدٌ مَّا عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)\nوَلا أَنا عابِدٌ مَّا عَبَدْتُّمْ أي في الحال أو فيما سلف.\nوَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ أي وما عبدتم في وقت ما أنا عابده، ويجوز أن يكونا تأكيدين على طريقة أبلغ وإنما لم يقل ما عبدت ليطابق مَّا عَبَدْتُّمْ لأنهم كانوا موسومين قبل المبعث بعبادة الأصنام، وهو لم يكن حينئذ موسومًا بعبادة الله، وإنما قال مَا دون من لأن المراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق أو للمطابقة. وقيل إنها مصدرية وقيل الأوليان بمعنى الذي والآخريان مصدريتان.\nلَكُمْ دِينُكُمْ الذي أنتم عليه لا تتركونه. وَلِيَ دِينِ ديني الذي أنا عليه لا أرفضه، فليس فيه إذن في الكفر ولا منع عن الجهاد ليكون منسوخًا بآية القتال، اللهم إلا إذا فسر بالمتاركة وتقرير كل من الفريقين الآخر على دينه، وقد فسر ال دِينِ بالحساب والجزاء والدعاء والعبادة.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن وتباعدت عنه مردة الشياطين وبرىء من الشرك» .","vol":"5","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3445>(١١٠) سورة النصر</span>\nمدينة، وآيها ثلاث آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3446>[سورة النصر (١١٠): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا (٢)\nإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ إظهاره إياك على أعدائك. وَالْفَتْحُ وفتح مكة، وقيل المراد جنس نصر الله المؤمنين وفتح مكة وسائر البلاد عليهم، وإنما عبر عن الحصول بالمجيء تجوزًا للإِشعار بأن المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها فتقرب منها شيئًا فشيئًا، وقد قرب النصر من وقته فكن مترقبًا لوروده مستعدًا لشكره.\nوَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا جماعات كثيفة كأهل مكة والطائف واليمن وهوازن وسائر قبائل العرب، ويَدْخُلُونَ حال على أن رَأَيْتَ بمعنى أبصرت أو مفعول ثان على أنه بمعنى علمت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3447>[سورة النصر (١١٠): آية ٣]</span>\nفَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا (٣)\nفَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببال أحد حامدًا له عليه، أو فصل له حامدًا على نعمه. «\nروي أنه ﷺ لما دخل مكة بدأ بالمسجد فدخل الكعبة وصلى ثمان ركعات\n» أو فنزهه تعالى عما كانت الظلمة يقولون فيه حامدًا له على أن صدق وعده، أو فأثن على الله بصفات الجلال حامدًا له على صفات الإِكرام. وَاسْتَغْفِرْهُ هضمًا لنفسك واستقصارًا لعملك واستدراكًا لما فرط منك من الالتفات إلى غيره.\nوعنه ﵊ «إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة» .\nوقيل استغفره لأمتك، وتقديم التسبيح على الحمد ثم الحمد على الاستغفار على طريق النزول من الخالق إلى الخلق. كما قيل ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله. إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا لمن استغفره مذ خلق المكلفين، والأكثر على\nأن السورة نزلت قبل فتح مكة، وأنه نعي لرسول الله ﷺ لأنه لما قرأها بكى العباس، فقال ﵊ ما يبكيك، فقال: نعيت إليك نفسك، فقال «إنها لكما تقول»\n، ولعل ذلك لدلالتها على تمام الدعوة وكمال أمر الدين فهي كقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أو لأن الأمر باستغفار تنبيه على دنو الأجل، ولهذا سميت سورة التوديع.\nوعنه ﵊ «من قرأ سورة إِذا جاءَ أعطي من الأجر كمن شهد مع محمد ﵊ يوم فتح مكة شرفها الله تعالى» .","vol":"5","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3448>(١١١) سورة تبت</span>\nمكية، وآيها خمس آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3449>[سورة المسد (١١١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)\nتَبَّتْ هلكت أو خسرت والتباب خسران يؤدي إلى الهلاك. يَدا أَبِي لَهَبٍ نفسه كقوله: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وقيل إنما خصتا لأنه ﵊ لما نزل عليه وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ جمع أقاربه فأنذرهم فقال أبو لهب: تبًا لك ألهذا دعوتنا، وأخذ حجرًا ليرميه به فنزلت. وقيل المراد بهما دنياه وأخراه، وإنما كناه والتكنية تكرمة لاشتهاره بكنيته ولأن اسمه عبد العزى فاستكره ذكره، ولأنه لما كان من أصحاب النار كانت الكنية أوفق بحاله، أو ليجانس قوله: ذاتَ لَهَبٍ وقرئ «أبو لهب» كما قيل علي بن أبو طالب. وَتَبَّ إخبار بعد دعاء والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه كقوله:\nجَزَانِي جَزَاهُ الله شَرَّ جَزائِه ... جَزاءَ الكِلاَبِ العَاوِيَاتِ وَقَدْ فَعَل\nويدل عليه أنه قرئ «وقد تب» أو الأول إخبار عما كسبت يداه والثاني عن عمل نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3450>[سورة المسد (١١١): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nمَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣)\nمَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ نفي لإِغناء المال عنه حين نزل به التباب أو استفهام إنكار له ومحلها النصب.\nوَما كَسَبَ وكسبه أو مكسوبه بماله من النتائج والأرباح والوجاهة والإِتباع، أو عمله الذي ظن أنه ينفعه أو ولده عتبة، وقد افترسه أسد في طريق الشام وقد أحدق به العير ومات أبو لهب بالعدسة بعد وقعة بدر بأيام معدودة، وترك ثلاثًا حتى أنتن ثم استأجروا بعض السودان حتى دفنوه، فهو إخبار عن الغيب طابقه وقوعه.\nسَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ اشتعال يريد نار جهنم، وليس فيه ما يدل على أنه لا يؤمن لجواز أن يكون صليها للفسق، وقرئ «سيصلى» بالضم مخففًا و«سيصلى» مشددا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3451>[سورة المسد (١١١): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)\nوَامْرَأَتُهُ عطف على المستتر في سَيَصْلى أو مبتدأ وهي أم جميل أخت أبي سفيان. حَمَّالَةَ الْحَطَبِ يعني حطب جهنم فإنها كانت تحمل الأوزار بمعاداة الرسول ﷺ وتحمل زوجها على إيذائه، أو النميمة فإنها كانت توقد نار الخصومة، أو حزمة الشوك أو الحسك، فإنها كانت تحملها فتنثرها بالليل في طريق رسول الله ﷺ، وقرأ عاصم بالنصب على الشتم.\nفِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ أي مِمَّا مُسِّدَ أي فَتِلَ، ومنه رجل ممسود الخلق أي مجدوله، وهو ترشيح للمجاز أو تصوير لها بصورة الحطابة التي تحمل الحزمة وتربطها في جيدها تحقيرًا لشأنها، أو بيانًا لحالها في","vol":"5","page":345},{"text":"نار جهنم حيث يكون على ظهرها حزمة من حطب جهنم كالزقوم والضريع، وفي جيدها سلسلة من النار، والظرف في موضع الحال أو الخبر وحبل مرتفع به.\nعن النبي ﷺ «من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة» .","vol":"5","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3452>(١١٢) سورة الإخلاص</span>\nمختلف فيها، وآيها أربع آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3453>[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)\nقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الضمير للشأن كقولك: هو زيد منطلق وارتفاعه بالإِبتداء وخبره الجملة ولا حاجة إلى العائد لأنها هي هو، أو لما سُئِلَ عنهُ أي الذي سألتموني عنه هو الله، إذ\nروي أن قريشًا قالوا: يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه فنزلت.\nواحد بدل أو خبر ثان يدل على مجامع صفات الجلال كما دل الله على جميع صفات الكمال إذ الواحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد، وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية وقرئ «هو الله» بلا قُلْ مع الاتفاق على أنه لا بد منه في قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ولا يجوز في «تبت»، ولعل ذاك لأن سورة «الكافرون» مشاقة الرسول أو موادعته لهم و«تبت» معاتبة عمه فلا يناسب أن تكون منه، وأما هذا فتوحيد يقول به تارة ويؤمر بأن يدعو إليه أخرى.\nاللَّهُ الصَّمَدُ السيد المصمود إليه في الحوائج من صمد إليه إذا قصد، وهو الموصوف به على الإِطلاق فإنه يستغني عن غيره مطلقًا، وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته، وتعريفه لعلمهم بصمديته بخلاف أحديته وتكرير لفظة الله للإشعار بأن من لم يتصف به لم يستحق الألوهية، وإخلاء الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى أو الدليل عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3454>[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nلَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)\nلَمْ يَلِدْ لأنه لم يجانس ولم يفتقر إلى ما يعينه أو يخلف عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه، ولعل الاقتصار على لفظ الماضي لوروده ردًا على من قال الملائكة بنات الله، أو المسيح ابن الله أو ليطابق قوله:\nوَلَمْ يُولَدْ وذلك لأنه لا يفتقر إلى شيء ولا يسبقه عدم.\nوَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أي ولم يكن أحد يكافئه أو يماثله من صاحبة أو غيرها، وكان أصله أن يؤخر الظرف لأنه صلة كُفُوًا لكن لما كان المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى قدم تقديمًا للأهم، ويجوز أن يكون خالا من المستكن في كُفُوًا أو خبرًا، ويكون كُفُوًا حالًا من أَحَدٌ، ولعل ربط الجمل الثلاث بالعطف لأن المراد منها نفي أقسام الأمثال فهي كجملة واحدة منبهة عليها بالجمل، وقرأ حمزة ويعقوب ونافع في رواية كفؤا بالتخفيف، وحفص كُفُوًا بالحركة وقلب الهمزة واوًا، ولاشتمال هذه السورة مع قصرها على جميع المعارف الإلهية والرد على من ألحد فيها،\nجاء في الحديث أنها تعدل ثلث القرآن.\nفإن مقاصده محصورة في بيان العقائد والأحكام والقصص ومن عدلها بكله اعتبر المقصود بالذات من ذلك.\nوعنه ﷺ، أنه سمع رجلًا يقرؤها فقال: «وجبت» قيل: يا رسول الله وما وجبت قال: «وجبت له الجنة» .","vol":"5","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3455>(١١٣) سورة الفلق</span>\nمختلف فيها، وآيها خمس آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3456>[سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ الى ٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ما يفلق عنه أي يفرق كالفرق فعل بمعنى مفعول، وهو يعم جميع الممكنات، فإنه تعالى فلق ظلمة العدم بنور الإِيجاد عنها، سيما ما يخرج من أصل كالعيون والأمطار والنبات والأولاد، ويختص عرفًا بالصبح ولذلك فسر به. وتخصيصه لما فيه من تغير الحال وتبدل وحشة الليل بسرور النور ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإِشعار بأن من قدر أن يزيل به ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه، ولفظ الرب هنا أوقع من سائر أسمائه تعالى لأن الإعاذة من المضار تربية.\nمِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ خص عالم الخلق بالإستعاذة عنه لانحصار الشر فيه، فإن عالم الأمر خير كله، وشره اختياري لازم ومتعد كالكفر والظلم، وطبيعي كإحراق النار وإهلاك السموم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3457>[سورة الفلق (١١٣): الآيات ٣ الى ٤]</span>\nوَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)\nوَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ ليل عظيم ظلامه من قوله: إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وأصله الامتلاء يقال غسقت العين إذا امتلأت دمعًا. وقيل السيلان وغَسَقِ اللَّيْلِ انصباب ظلامه وغسق العين سيلان دمعه. إِذا وَقَبَ دخل ظلامه في كل شيء، وتخصيصه لأن المضار فيه تكثر ويعسر الدفع، ولذلك قيل الليل أخفى للويل. وقيل المراد به القمر فإنه يكسف فيغسق ووقوبه دخوله في الكسوف.\nوَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ومن شر النفوس أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدًا في خيوط وينفثن عليها، والنفث النفخ مع ريق وتخصيصه: لما\nروي أن يهوديًا سحر النبي ﷺ في إحدى عشرة عقدة في وتر دسه في بئر، فمرض النبي ﷺ ونزلت المعوذتان، وأخبره جبريل ﵊ بموضع السحر فأرسل عليًا رضي الله تعالى عنه فجاء به فقرأهما عليه، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد بعض الخفة، ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور، لأنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحر.\nوقيل المراد بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل مستعار من تليين العقد بنفث الريق ليسهل حلها وإفرادها بالتعريف لأن كل نفاثة شريرة بخلاف كل غاسق وحاسد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3458>[سورة الفلق (١١٣): آية ٥]</span>\nوَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)\nوَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ إذا أظهر حسده وعمل بمقتضاه، فإنه لا يعود ضرر منه قبل ذلك إلى المحسود بل يخص به لاغتمامه بسروره، وتخصيصه لأنه العمدة في إضرار الإِنسان بل الحيوان غيره، ويجوز أن يراد بال غاسِقٍ ما يخلو عن النور وما يضاهيه كالقوى وب النَّفَّاثاتِ النباتات، فإن قواها النباتية من","vol":"5","page":348},{"text":"حيث أنها تزيد في طولها وعرضها وعمقها كأنها تنفث في العقد الثلاثة، وبال حاسِدٍ الحيوان فإنه إنما يقصد غيره غالبًا طمعًا فيما عنده، ولعل إفرادها من عالم الخلق لأنها الأسباب القريبة للمضرة.\nعن النبي ﷺ «لقد أنزلت عليَّ سورتان ما أنزل مثلهما وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما يعني المعوذتين» .","vol":"5","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3459>(١١٤) سورة الناس</span>\nمختلف فيها، وآيها ست آيات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3460>[سورة الناس (١١٤): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣)\nقُلْ أَعُوذُ وقرئ في السورتين بحذف الهمزة ونقل حركتهما إلى اللام. بِرَبِّ النَّاسِ لما كانت الاستعاذة في السورة المتقدمة من المضار البدنية وهي تعم الإِنسان وغيره والاستعاذة في هذه السورة من الأضرار التي تعرض للنفوس البشرية وتخصها، عمم الإِضافة ثمَّ وخصصها بالناس ها هنا فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك أمورهم ويستحق عبادتهم.\nمَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ عطفًا بيان له فإن الرب قد لا يكون ملكًا والملك قد لا يكون إلهًا، وفي هذا النظم دلالة على أنه حقيق بالإعادة قادر عليها غير ممنوع عنها وإشعار على مراتب الناظر في المعارف فإنه يعلم أولًا بما عليه من النعم الظاهرة والباطنة أن له ربا، ثم يتغلغل في النظر حتى يتحقق أنه غني عن الكل وذات كل شيء له ومصارف أمره منه، فهو الملك الحق ثم يستدل به على أنه المستحق للعبادة لا غير، وتدرج وجوه الاستعاذة كما يتدرج في الاستعاذة المعتادة، تنزيلًا لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذات إشعارًا بعظم الآفة المستعاذ منها، وتكرير النَّاسِ لما في الإِظهار من مزيد البيان، والإِشعار بشرف الإِنسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3461>[سورة الناس (١١٤): الآيات ٤ الى ٦]</span>\nمِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)\nمِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ أي الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر فبالكسر كالزلزال، والمراد به الموسوس وسمي بفعله مبالغة. الْخَنَّاسِ الذي عادته أن يخنس أي يتأخر إذا ذكر الإِنسان ربه.\nالَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ إذا غفلوا عن ذكر ربهم، وذلك كالقوة الوهمية، فإنها تساعد العقل في المقدمات، فإذا آل الأمر إلى النتيجة خنست وأخذت توسوسه وتشككه، ومحل الَّذِي الجر على الصفة أو النصب أو الرفع على الذم.\nمِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بيان ل الْوَسْواسِ، أو للذي أو متعلق ب يُوَسْوِسُ أي يوسوس في صدورهم من جهة الجِنَّةَ والناس. وقيل بيان ل النَّاسِ على أن المراد به ما يعم الثقلين، وفيه تعسف إلا أن يراد به الناسي كقوله تعالى: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ فإن نسيان حق الله تعالى يعم الثقلين.\nعن النبي ﷺ «من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله ﵎» .\nقال المصنف رحمه الله تعالى: وقد اتفق إتمام تعليق سواد هذا الكتاب المنطوي على فرائد فوائد ذوي الألباب، المشتمل على خلاصة أقوال أكابر الأئمة وصفوة آراء أعلام الأمة، في تفسير القرآن وتحقيق معانيه، والكشف عن عويصات ألفاظه ومعجزات مبانيه، مع الإِيجاز الخالي عن الإخلال، والتلخيص العاري عن","vol":"5","page":350},{"text":"الإضلال، الموسوم بـ \"أنوار التنزيل وأسرار التأويل\" وأسأل الله تعالى أن يتمم نفعه للطلاب ولا يخلي سعي من يتعب فيه من الأجر والثواب، ويختم كل خاتمة امرئ يؤمه بتمحيص عن الآثام ويبلغني أعلى منازل دار السلام، في جوار العليين مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا وهو سبحانه حقيق بأن يحقق رجاء الراجين تحقيقا، والحمد للَّهِ رَبّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وأتباعهم أجمعين.","vol":"5","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3462>محتوى الجزء الخامس من تفسير البيضاوي</span>\nتفسير سورة الصافات ٥\nبيان معنى الشهاب وأنه رجوم للشياطين ٦\nبيان الذبيح وأنه إسماعيل ورد ما استدل به من قال إنه إسحاق ١٥\nتفسير سورة ص ٢٣\nبيان ما اشتملت عليه محاكمة الخصمين بين يدي سيدنا داود ٢٧\nبيان ما فتن به سيدنا سليمان والجسد الذي ألقي على كرسيّه ٢٩\nتفسير سورة الزمر ٣٦\nبيان ما فعله خالد بن الوليد بالعزّى ٤٣\nبيان ما فسر به رسول الله ﷺ المقاليد ٤٧\nبيان أن العدل نور والظّلم ظلمات ٤٩\nتفسير سورة المؤمن (غافر) ٥١\nبيان استغفار الملائكة للمؤمنين ٥٢\nبيان مؤمن آل فرعون ٥٦\nبيان عدد الأنبياء ٦٤\nتفسير سورة السجدة (فصلت) ٦٦\nبيان موضع السجود في السورة عند الأئمة ٧٢\nتفسير سورة حم عسق (الشورى) ٧٦\nبيان الدين المشترك بين الأنبياء ٧٨\nبيان القربى الذين تجب مودّتهم ٨٠\nتفسير سورة الزخرف ٨٦\nبيان الرجلين اللذين كانت قريش تجلهما وتقول لولا انزل القرآن على أحدهما ٩٠\nتفسير سورة الدخان ٩٩\nتفسير سورة الجاثية ١٠٥\nتفسير سورة الأحقاف ١١١\nبيان مساكن عاد ١١٥\nبيان وقت سماع الجن القرآن من رسول الله ١١٦\nتفسير سورة القتال (محمد) ١١٩\nبيان ما يسوغ للإمام فعله مع الأسير ١٢٠","vol":"5","page":353},{"text":"تفسير سورة الفتح ١٢٦\nبيان أسباب المبايعة تحت الشجرة ١٢٩\nبيان دلالة القرآن على صحة بيعة أبي بكر ﵁ ١٢٩\nتفسير سورة الحجرات ١٣٣\nبيان بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق وكذبه عليهم ١٣٤\nبيان الشعوب والقبائل والبطون والأفخاذ ١٣٧\nتفسير سورة ق ١٣٩\nتفسير سورة الذاريات ١٤٦\nتفسير سورة الطور ١٥٢\nتفسير سورة النجم ١٥٧\nبيان الأصنام التي كانت للعرب وأسباب اتخاذها ١٥٩\nتفسير سورة القمر ١٦٤\nتفسير سورة الرحمن ١٧٠\nتفسير سورة الواقعة ١٧٧\nتفسير سورة الحديد ١٨٥\nبيان أسباب تفاوت الاتفاق قبل الفتح وبعده ١٨٦\nتفسير سورة المجادلة ١٩٢\nتفسير سورة الحشر ١٩٨\nبيان الاختلاف في قسم الفيء ١٩٩\nتفسير سورة الممتحنة ٢٠٤\nبيان ما كان يفعله ﷺ بعد صلح الحديبية من رد مهر من جاءت مسلمة ٢٠٦\nتفسير سورة الصف ٢٠٨\nتفسير سورة الجمعة ٢١١\nتفسير سورة المنافقين ٢١٤\nتفسير سورة التغابن ٢١٧\nتفسير سورة الطلاق ٢٢٠\nتفسير سورة التحريم ٢٢٤\nتفسير سورة الملك ٢٢٨\nتفسير سورة ن ٢٣٣\nتفسير سورة الحاقة ٢٣٩\nتفسير سورة المعارج ٢٤٤\nتفسير سورة نوح ٢٤٨","vol":"5","page":354},{"text":"تفسير سورة الجن ٢٥١\nتفسير سورة المزمل ٢٥٥\nتفسير سورة المدثر ٢٥٩\nتفسير سورة القيامة ٢٦٥\nتفسير سورة الإنسان ٢٦٩\nتفسير سورة المرسلات ٢٧٤\nتفسير سورة النبأ ٢٧٨\nتفسير سورة النازعات ٢٨٢\nتفسير سورة عبس ٢٨٦\nتفسير سورة التكوير ٢٨٩\nتفسير سورة الانفطار ٢٩٢\nتفسير سورة المطففين ٢٩٤\nتفسير سورة الانشقاق ٢٩٧\nتفسير سورة البروج ٣٠٠\nتفسير سورة الطارق ٣٠٣\nتفسير سورة سبح (الأعلى) ٣٠٥\nتفسير سورة الغاشية ٣٠٧\nتفسير سورة الفجر ٣٠٩\nتفسير سورة البلد ٣١٣\nتفسير سورة الشمس ٣١٥\nتفسير سورة والليل ٣١٧\nتفسير سورة والضحى ٣١٩\nتفسير سورة ألم نشرح ٣٢١\nتفسير سورة والتين ٣٢٣\nتفسير سورة العلق ٣٢٥\nتفسير سورة القدر ٣٢٧\nتفسير سورة لم يكن (البينة) ٣٢٨\nتفسير سورة الزلزلة ٣٣٠\nتفسير سورة والعاديات ٣٣١\nتفسير سورة القارعة ٣٣٣\nتفسير سورة التكاثر ٣٣٤\nتفسير سورة العصر ٣٣٦","vol":"5","page":355},{"text":"تفسير سورة الهمزة ٣٣٧\nتفسير سورة الفيل ٣٣٩\nتفسير سورة قريش ٣٤٠\nتفسير سورة الماعون ٣٤١\nتفسير سورة الكوثر ٣٤٢\nتفسير سورة الكافرون ٣٤٣\nتفسير سورة النصر ٣٤٤\nتفسير سورة تبت ٣٤٥\nتفسير سورة الإخلاص ٣٤٧\nتفسير سورة الفلق ٣٤٨\nتفسير سورة الناس ٣٥٠","vol":"5","page":356}]}