{"ً":{"ٌ":23599,"ٍ":"تفسير آيات الأحكام - السايس","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: تفسير آيات الأحكام - محمد علي السايس\n[كذا على غلافه! والصواب: أن أصله مذكرات أملاها جماعةٌ من أساتذة التفسير في الجامع الأزهر\nثم هَذّبهها وصححها في هذه الصورة الأخيرة الشيخ: محمد علي السايس ت ١٣٩٦ هـ، وطَبعتْها مطبعة صُبيح بالقاهرة]\nثم اعتنى بهذه الطبعة وقدّم له: ناجي إبراهيم سويدان\nالناشر: المكتبة العصرية للطباعة والنشر\nتاريخ النشر: ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م\nعدد الصفحات: ٨٢٩\n[تنبيه]: للكتاب طبعة أخرى بتصحيح وتعليق محقق آخر وهو (حسن السماحي سويدان) نشرتها دارُ ابن كثير ودار القادري بدمشق\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[تفسير آيات الأحكام - السايس]\n\nأصل هذا الكتاب مذكرات أملاها أساتذة التفسير في الجامع الأزهر على طلاب كلية الشريعة وفق المنهج المقرر للكلية، ثم قام بعض هؤلاء العلماء بجمع هذه المذكرات وتنسيقها، وقامَتْ كلية الشريعة بطباعتها وقررتْها على طلابها:\n١ - فطُبعَتْ أولًا بعنوان: «مذكرة في تفسير آيات الأحكام» في (مطبعة المشرق الإسلامية) سنة ١٩٣٩ م دون ذكر مؤلفها أو جامعها أو مُنسقها (وهي أوسع طبعات الكتاب وأكثرها مادة).\n٢ - ثم تولّى العلماء (عبد اللطيف السبكي، ومحمد إبراهيم كرسون، ومحمد علي السايس) تنقيحها وتهذيبها وتصحيحها والتقديم لها، وطُبعَتْ في (مطبعة حجازي) سنة ١٩٤٨ م.\n٣ - ثم قام الشيخ (محمد علي السايس) بمزيد تنقيح وتهذيب للكتاب، وطبعَتْه (مطبعة صبيح) سنة ١٩٥٣ م، (وهي آخر صورة للكتاب وأشهر طبعاته)، وعنها أَخذَتْ كثيرٌ مِن دُور النشر لاحقًا بإعادة الصفّ.\n- ثم إن بعض دور النشر نَسبَتْ تأليف الكتاب للشيخ (علي السايس) أصالةً! فشاعَ هذا الوهم لدى بعض الباحثين.\n- وبعضُ الطبعَات لَفّقَتْ ما بين الطبعات الثلاث السابقة؛ كطبعة دار ابن كثير ودار القادري بدمشق، بتصحيح وتعليق (حسن السماحي سويدان).\n\n* لَخّصَ هذه المادة فريق المكتبة الشاملة مِن المراجع الآتية:\n١ - مقدمة (حسن السماحي سويدان) لطبعته من الكتاب.\n٢ - «اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر» للدكتور فهد الرومي (٢/ ٤٦٢ - ٤٦٤ ط الأولى).\n٣ - مقدمة (د. صلاح عبد الفتاح الخالدي) لكتابه «المدخل العام إلى تفسير آيات الأحكام».","ٓ":"1.0","ٔ":1335,"ٕ":4,"ٖ":1770155603,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تفسير آيات الأحكام","level":1,"page":1},{"title":"المقدمة","level":2,"page":1},{"title":"أما بعد","level":3,"page":1},{"title":"وعملنا في الكتاب","level":3,"page":3},{"title":"معنى الاستعاذة","level":2,"page":5},{"title":"سورة الفاتحة","level":2,"page":5},{"title":"[سورة الفاتحة (١): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":5},{"title":"القول في البسملة","level":4,"page":5},{"title":"شرح المفردات","level":4,"page":9},{"title":"شرح المفردات","level":4,"page":11},{"title":"[سورة الفاتحة (١): الآيات ٤ إلى ٧]","level":3,"page":11},{"title":"حكم قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة","level":4,"page":14},{"title":"الأحكام التي تؤخذ من الفاتحة","level":4,"page":16},{"title":"من سورة البقرة","level":2,"page":17},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٢ إلى ١٠٣]","level":3,"page":17},{"title":"ما يؤخذ من الآية من الأحكام","level":4,"page":24},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٨]","level":3,"page":26},{"title":"أقسام النسخ","level":4,"page":29},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٤]","level":3,"page":33},{"title":"الأحكام","level":4,"page":35},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٨ إلى ١٦٠]","level":3,"page":39},{"title":"الأحكام","level":4,"page":40},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٣]","level":3,"page":43},{"title":"الأحكام","level":4,"page":45},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٨ إلى ٢٠٣]","level":3,"page":50},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٥ إلى ٢٤٢]","level":3,"page":119},{"title":"الأحكام","level":4,"page":124},{"title":"المرتد","level":4,"page":124},{"title":"ما هي الخمر؟","level":4,"page":127},{"title":"تحريم الميسر","level":4,"page":129},{"title":"الاحكام","level":4,"page":132},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٥ إلى ٢٨٣]","level":3,"page":168},{"title":"سبب تحريم الربا","level":4,"page":170},{"title":"الأحكام","level":4,"page":173},{"title":"من سورة آل عمران","level":2,"page":184},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٨]","level":3,"page":184},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٦ إلى ٩٧]","level":3,"page":187},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٠ إلى ١٣٢]","level":3,"page":195},{"title":"من سورة النساء","level":2,"page":197},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١ إلى ٣٦]","level":3,"page":197},{"title":"خاتمة","level":4,"page":221},{"title":"آيات المواريث","level":4,"page":222},{"title":"ميراث الأولاد","level":5,"page":223},{"title":"ميراث الأبوين","level":5,"page":224},{"title":"مسألة العمريتين","level":5,"page":225},{"title":"ميراث الأزواج والزوجات","level":5,"page":227},{"title":"ميراث الكلالة","level":5,"page":228},{"title":"ما يحرم من النساء","level":4,"page":243},{"title":"السبع اللاتي حرمن من النسب","level":4,"page":246},{"title":"السبع المحرمات بغير النسب","level":4,"page":247},{"title":"تحريم ذوات الأزواج","level":4,"page":253},{"title":"شرح المفردات","level":4,"page":272},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٣]","level":3,"page":284},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":3,"page":294},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٢ إلى ٩٤]","level":3,"page":298},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٠١ إلى ١٠٦]","level":3,"page":308},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٧ إلى ١٣٠]","level":3,"page":322},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]","level":3,"page":330},{"title":"من سورة المائدة","level":2,"page":333},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":333},{"title":"شرح المفردات","level":4,"page":333},{"title":"الأحكام","level":4,"page":335},{"title":"الأحكام","level":4,"page":343},{"title":"الأحكام","level":4,"page":348},{"title":"وهاهنا أمور","level":4,"page":356},{"title":"الأحكام","level":4,"page":358},{"title":"الأحكام","level":4,"page":359},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":3,"page":360},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":3,"page":365},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٤٢ إلى ٤٥]","level":3,"page":370},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٧ إلى ٩٧]","level":3,"page":377},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ١٠٣]","level":3,"page":399},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٦ إلى ١٠٨]","level":3,"page":399},{"title":"من سورة الأنعام","level":2,"page":406},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٨ إلى ١٢١]","level":3,"page":406},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤١]","level":3,"page":409},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٥]","level":3,"page":410},{"title":"من سورة الأعراف","level":2,"page":414},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠٤ إلى ٢٠٦]","level":3,"page":414},{"title":"من سورة الأنفال","level":2,"page":420},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١]","level":3,"page":420},{"title":"ما يستنبط من الآية","level":4,"page":422},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":3,"page":423},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤١]","level":3,"page":424},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٧٢ إلى ٧٥]","level":3,"page":427},{"title":"ما يستفاد من الآيات","level":4,"page":431},{"title":"من سورة التوبة","level":2,"page":432},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":432},{"title":"يؤخذ من الآية ما يأتي","level":4,"page":433},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":3,"page":435},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":3,"page":438},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":3,"page":442},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]","level":3,"page":446},{"title":"بيان الأصناف الثمانية","level":4,"page":449},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٨٤]","level":3,"page":459},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٣]","level":3,"page":461},{"title":"سبب النزول","level":4,"page":462},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٢ إلى ١٢٣]","level":3,"page":465},{"title":"من سورة النحل","level":2,"page":469},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٧]","level":3,"page":469},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٨]","level":3,"page":470},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٦]","level":3,"page":471},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٥ إلى ١٢٨]","level":3,"page":473},{"title":"من سورة الإسراء","level":2,"page":477},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٨ إلى ٧٩]","level":3,"page":477},{"title":"من سورة الحج","level":2,"page":483},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٧ إلى ٣٩]","level":3,"page":483},{"title":"ما في الآيات من الأحكام","level":4,"page":487},{"title":"ما في الآية من الأحكام وأقوال العلماء في ذلك","level":4,"page":495},{"title":"ولمن أجاز مطلقا حجج:","level":4,"page":495},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٧ إلى ٧٨]","level":3,"page":510},{"title":"من سورة النور","level":2,"page":520},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١ إلى ١٠]","level":3,"page":520},{"title":"حد الزنى","level":4,"page":522},{"title":"أدلة الخوارج والرد عليها","level":4,"page":524},{"title":"دليل الظاهرية والرد عليهم","level":4,"page":525},{"title":"أقوال الفقهاء في النفي","level":4,"page":527},{"title":"أقوال الفقهاء في حد الذمي المحصن","level":4,"page":528},{"title":"الكلام فيمن يلي الحد","level":4,"page":529},{"title":"حكم اللواط والسحاق وإتيان البهائم","level":5,"page":530},{"title":"صفة الجلد","level":5,"page":532},{"title":"تحريم الشفاعة في الحدود","level":5,"page":532},{"title":"حضور الحد","level":5,"page":533},{"title":"الكلام في نكاح الزناة والمشركين","level":4,"page":534},{"title":"حد القذف","level":4,"page":540},{"title":"اللعان","level":4,"page":550},{"title":"سبب نزول آيات اللعان","level":5,"page":551},{"title":"شروط المتلاعنين","level":5,"page":553},{"title":"كيفية اللعان","level":5,"page":555},{"title":"ما يترتب على اللعان","level":5,"page":556},{"title":"الاستئذان في دخول البيوت","level":4,"page":560},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٧ إلى ٣٤]","level":3,"page":560},{"title":"حكم النظر وإبداء الزينة","level":4,"page":570},{"title":"الترغيب في النكاح","level":4,"page":584},{"title":"مكاتبة الأرقاء","level":4,"page":589},{"title":"الإكراه على البغاء","level":4,"page":592},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٨ إلى ٦١]","level":3,"page":595},{"title":"الكلام في بلوغ الصبي","level":4,"page":601},{"title":"من سورة لقمان","level":2,"page":611},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٤ إلى ١٥]","level":3,"page":611},{"title":"من سورة الأحزاب","level":2,"page":615},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤ إلى ٦]","level":3,"page":615},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٩ إلى ٥٩]","level":3,"page":624},{"title":"الأحكام","level":4,"page":635},{"title":"من سورة سبأ","level":2,"page":661},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): آية ١٣]","level":3,"page":661},{"title":"من سورة ص","level":2,"page":669},{"title":"[سورة ص (٣٨): آية ٤٤]","level":3,"page":669},{"title":"من سورة الأحقاف","level":2,"page":677},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":3,"page":677},{"title":"من سورة محمد ﷺ","level":2,"page":679},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٤]","level":3,"page":679},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٣]","level":3,"page":684},{"title":"من سورة الحجرات","level":2,"page":686},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٦ إلى ١٢]","level":3,"page":686},{"title":"من سورة الواقعة","level":2,"page":705},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٥ إلى ٨٠]","level":3,"page":705},{"title":"من سورة المجادلة","level":2,"page":719},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":719},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٩ إلى ١٣]","level":3,"page":733},{"title":"من سورة الحشر","level":2,"page":742},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":742},{"title":"من سورة الممتحنة","level":2,"page":747},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٨ إلى ١١]","level":3,"page":747},{"title":"من سورة الجمعة","level":2,"page":756},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٩ إلى ١١]","level":3,"page":756},{"title":"من سورة الطلاق","level":2,"page":763},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":763},{"title":"من سورة التحريم","level":2,"page":790},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":3,"page":790},{"title":"من سورة المزمل","level":2,"page":796},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":796},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٢٠]","level":3,"page":810}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,9":4,"1,11":5,"1,12":6,"1,13":7,"1,14":8,"1,15":9,"1,16":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,94":88,"1,95":89,"1,96":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,100":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97,"1,104":98,"1,105":99,"1,106":100,"1,107":101,"1,108":102,"1,109":103,"1,110":104,"1,111":105,"1,112":106,"1,113":107,"1,114":108,"1,115":109,"1,116":110,"1,117":111,"1,118":112,"1,119":113,"1,120":114,"1,121":115,"1,122":116,"1,123":117,"1,124":118,"1,125":119,"1,126":120,"1,127":121,"1,128":122,"1,129":123,"1,130":124,"1,131":125,"1,132":126,"1,133":127,"1,134":128,"1,135":129,"1,136":130,"1,137":131,"1,138":132,"1,139":133,"1,140":134,"1,141":135,"1,142":136,"1,143":137,"1,144":138,"1,145":139,"1,146":140,"1,147":141,"1,148":142,"1,149":143,"1,150":144,"1,151":145,"1,152":146,"1,153":147,"1,154":148,"1,155":149,"1,156":150,"1,157":151,"1,158":152,"1,159":153,"1,160":154,"1,161":155,"1,162":156,"1,163":157,"1,164":158,"1,165":159,"1,166":160,"1,167":161,"1,168":162,"1,169":163,"1,170":164,"1,171":165,"1,172":166,"1,173":167,"1,174":168,"1,175":169,"1,176":170,"1,177":171,"1,178":172,"1,179":173,"1,180":174,"1,181":175,"1,182":176,"1,183":177,"1,184":178,"1,185":179,"1,186":180,"1,187":181,"1,188":182,"1,189":183,"1,190":184,"1,191":185,"1,192":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,298":292,"1,299":293,"1,300":294,"1,301":295,"1,302":296,"1,303":297,"1,304":298,"1,305":299,"1,306":300,"1,307":301,"1,308":302,"1,309":303,"1,310":304,"1,311":305,"1,312":306,"1,313":307,"1,314":308,"1,315":309,"1,316":310,"1,317":311,"1,318":312,"1,319":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":317,"1,324":318,"1,325":319,"1,326":320,"1,327":321,"1,328":322,"1,329":323,"1,330":324,"1,331":325,"1,332":326,"1,333":327,"1,334":328,"1,335":329,"1,336":330,"1,337":331,"1,338":332,"1,339":333,"1,340":334,"1,341":335,"1,342":336,"1,343":337,"1,344":338,"1,345":339,"1,346":340,"1,347":341,"1,348":342,"1,349":343,"1,350":344,"1,351":345,"1,352":346,"1,353":347,"1,354":348,"1,355":349,"1,356":350,"1,357":351,"1,358":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400,"1,407":401,"1,408":402,"1,409":403,"1,410":404,"1,411":405,"1,412":406,"1,413":407,"1,414":408,"1,415":409,"1,416":410,"1,417":411,"1,418":412,"1,419":413,"1,420":414,"1,421":415,"1,422":416,"1,423":417,"1,425":418,"1,427":419,"1,429":420,"1,430":421,"1,431":422,"1,432":423,"1,433":424,"1,434":425,"1,435":426,"1,436":427,"1,437":428,"1,438":429,"1,439":430,"1,440":431,"1,441":432,"1,442":433,"1,443":434,"1,444":435,"1,445":436,"1,446":437,"1,447":438,"1,448":439,"1,449":440,"1,450":441,"1,451":442,"1,452":443,"1,453":444,"1,454":445,"1,455":446,"1,456":447,"1,457":448,"1,458":449,"1,459":450,"1,460":451,"1,461":452,"1,462":453,"1,463":454,"1,464":455,"1,465":456,"1,466":457,"1,467":458,"1,468":459,"1,469":460,"1,470":461,"1,471":462,"1,472":463,"1,473":464,"1,474":465,"1,475":466,"1,476":467,"1,477":468,"1,478":469,"1,479":470,"1,480":471,"1,481":472,"1,482":473,"1,483":474,"1,484":475,"1,485":476,"1,486":477,"1,487":478,"1,488":479,"1,489":480,"1,490":481,"1,491":482,"1,492":483,"1,493":484,"1,494":485,"1,495":486,"1,496":487,"1,497":488,"1,498":489,"1,499":490,"1,500":491,"1,501":492,"1,502":493,"1,503":494,"1,504":495,"1,505":496,"1,506":497,"1,507":498,"1,508":499,"1,509":500,"1,510":501,"1,511":502,"1,512":503,"1,513":504,"1,514":505,"1,515":506,"1,516":507,"1,517":508,"1,518":509,"1,519":510,"1,520":511,"1,521":512,"1,522":513,"1,523":514,"1,524":515,"1,525":516,"1,526":517,"1,527":518,"1,528":519,"1,529":520,"1,530":521,"1,531":522,"1,532":523,"1,533":524,"1,534":525,"1,535":526,"1,536":527,"1,537":528,"1,538":529,"1,539":530,"1,540":531,"1,541":532,"1,542":533,"1,543":534,"1,544":535,"1,545":536,"1,546":537,"1,547":538,"1,548":539,"1,549":540,"1,550":541,"1,551":542,"1,552":543,"1,553":544,"1,554":545,"1,555":546,"1,556":547,"1,557":548,"1,558":549,"1,559":550,"1,560":551,"1,561":552,"1,562":553,"1,563":554,"1,564":555,"1,565":556,"1,566":557,"1,567":558,"1,568":559,"1,569":560,"1,570":561,"1,571":562,"1,572":563,"1,573":564,"1,574":565,"1,575":566,"1,576":567,"1,577":568,"1,578":569,"1,579":570,"1,580":571,"1,581":572,"1,582":573,"1,583":574,"1,584":575,"1,585":576,"1,586":577,"1,587":578,"1,588":579,"1,589":580,"1,590":581,"1,591":582,"1,592":583,"1,593":584,"1,594":585,"1,595":586,"1,596":587,"1,597":588,"1,598":589,"1,599":590,"1,600":591,"1,601":592,"1,602":593,"1,603":594,"1,604":595,"1,605":596,"1,606":597,"1,607":598,"1,608":599,"1,609":600,"1,610":601,"1,611":602,"1,612":603,"1,613":604,"1,614":605,"1,615":606,"1,616":607,"1,617":608,"1,618":609,"1,619":610,"1,620":611,"1,621":612,"1,622":613,"1,623":614,"1,624":615,"1,625":616,"1,626":617,"1,627":618,"1,628":619,"1,629":620,"1,630":621,"1,631":622,"1,632":623,"1,633":624,"1,634":625,"1,635":626,"1,636":627,"1,637":628,"1,638":629,"1,639":630,"1,640":631,"1,641":632,"1,642":633,"1,643":634,"1,644":635,"1,645":636,"1,646":637,"1,647":638,"1,648":639,"1,649":640,"1,650":641,"1,651":642,"1,652":643,"1,653":644,"1,654":645,"1,655":646,"1,656":647,"1,657":648,"1,658":649,"1,659":650,"1,660":651,"1,661":652,"1,662":653,"1,663":654,"1,664":655,"1,665":656,"1,666":657,"1,667":658,"1,668":659,"1,669":660,"1,670":661,"1,671":662,"1,672":663,"1,673":664,"1,674":665,"1,675":666,"1,676":667,"1,677":668,"1,678":669,"1,679":670,"1,680":671,"1,681":672,"1,682":673,"1,683":674,"1,684":675,"1,685":676,"1,686":677,"1,687":678,"1,688":679,"1,689":680,"1,690":681,"1,691":682,"1,692":683,"1,693":684,"1,694":685,"1,695":686,"1,696":687,"1,697":688,"1,698":689,"1,699":690,"1,700":691,"1,701":692,"1,702":693,"1,703":694,"1,704":695,"1,705":696,"1,706":697,"1,707":698,"1,708":699,"1,709":700,"1,710":701,"1,711":702,"1,712":703,"1,713":704,"1,714":705,"1,715":706,"1,716":707,"1,717":708,"1,718":709,"1,719":710,"1,720":711,"1,721":712,"1,722":713,"1,723":714,"1,724":715,"1,725":716,"1,726":717,"1,727":718,"1,728":719,"1,729":720,"1,730":721,"1,731":722,"1,732":723,"1,733":724,"1,734":725,"1,735":726,"1,736":727,"1,737":728,"1,738":729,"1,739":730,"1,740":731,"1,741":732,"1,742":733,"1,743":734,"1,744":735,"1,745":736,"1,746":737,"1,747":738,"1,748":739,"1,749":740,"1,750":741,"1,751":742,"1,752":743,"1,753":744,"1,754":745,"1,755":746,"1,756":747,"1,757":748,"1,758":749,"1,759":750,"1,760":751,"1,761":752,"1,762":753,"1,763":754,"1,764":755,"1,765":756,"1,766":757,"1,767":758,"1,768":759,"1,769":760,"1,770":761,"1,771":762,"1,772":763,"1,773":764,"1,774":765,"1,775":766,"1,776":767,"1,777":768,"1,778":769,"1,779":770,"1,780":771,"1,781":772,"1,782":773,"1,783":774,"1,784":775,"1,785":776,"1,786":777,"1,787":778,"1,788":779,"1,789":780,"1,790":781,"1,791":782,"1,792":783,"1,793":784,"1,794":785,"1,795":786,"1,796":787,"1,797":788,"1,798":789,"1,799":790,"1,800":791,"1,801":792,"1,802":793,"1,803":794,"1,804":795,"1,805":796,"1,806":797,"1,807":798,"1,808":799,"1,809":800,"1,810":801,"1,811":802,"1,812":803,"1,813":804,"1,814":805,"1,815":806,"1,816":807,"1,817":808,"1,818":809,"1,819":810,"1,820":811,"1,821":812,"1,822":813,"1,823":814,"1,824":815,"1,825":816,"1,826":817,"1,827":818,"1,828":819,"1,829":820},"ٜ":{"1":[5,829]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,425","1,427","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,826","1,827","1,828","1,829"],"ٞ":{"1":[1,2,3],"3":[4],"5":[5,6,7,8],"9":[9],"11":[10,11],"14":[12],"16":[13],"17":[14,15],"24":[16],"26":[17],"29":[18],"33":[19],"35":[20],"39":[21],"40":[22],"43":[23],"45":[24],"50":[25],"119":[26],"124":[27,28],"127":[29],"129":[30],"132":[31],"168":[32],"170":[33],"173":[34],"184":[35,36],"187":[37],"195":[38],"197":[39,40],"221":[41],"222":[42],"223":[43],"224":[44],"225":[45],"227":[46],"228":[47],"243":[48],"246":[49],"247":[50],"253":[51],"272":[52],"284":[53],"294":[54],"298":[55],"308":[56],"322":[57],"330":[58],"333":[59,60,61],"335":[62],"343":[63],"348":[64],"356":[65],"358":[66],"359":[67],"360":[68],"365":[69],"370":[70],"377":[71],"399":[72,73],"406":[74,75],"409":[76],"410":[77],"414":[78,79],"420":[80,81],"422":[82],"423":[83],"424":[84],"427":[85],"431":[86],"432":[87,88],"433":[89],"435":[90],"438":[91],"442":[92],"446":[93],"449":[94],"459":[95],"461":[96],"462":[97],"465":[98],"469":[99,100],"470":[101],"471":[102],"473":[103],"477":[104,105],"483":[106,107],"487":[108],"495":[109,110],"510":[111],"520":[112,113],"522":[114],"524":[115],"525":[116],"527":[117],"528":[118],"529":[119],"530":[120],"532":[121,122],"533":[123],"534":[124],"540":[125],"550":[126],"551":[127],"553":[128],"555":[129],"556":[130],"560":[131,132],"570":[133],"584":[134],"589":[135],"592":[136],"595":[137],"601":[138],"611":[139,140],"615":[141,142],"624":[143],"635":[144],"661":[145,146],"669":[147,148],"677":[149,150],"679":[151,152],"684":[153],"686":[154,155],"705":[156,157],"719":[158,159],"733":[160],"742":[161,162],"747":[163,164],"756":[165,166],"763":[167,168],"790":[169,170],"796":[171,172],"810":[173]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>[المقدمة]</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي أظهر شعائر الشرع وأحكامه، فتناولت جوانب الحياة كافة، فجاءت مفصّلة لكلّ شيء وتبيانا، فأرسل رسلا وأنبياء مبيّنين وكاشفين للشريعة الربانية، فصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأخلفهم بعلماء في النهج متبعين، يسلكون فيما لم يؤثر عنهم مسلك الاجتهاد، فخصّ أولئك المستنبطين بالتوفيق، فكانت الحوادث والنوازل معهم موضع البحث والتدقيق فأصبحت متشعبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أمّا بعد</span>\n: فإنّ علم التفسير هو الكنز الدفين، وملجأ لكل طالب معرفة في تبيان أحكام الشريعة، وقول فصل في المتنازع فيه، وكاشف حق، ومبيّن حكم، ومظهر للّفظ رونقه وللحكم معناه.\nوإنّ فن التفسير هو محض توفيق، وصاحبه ذو ذوق رفيع، إذ أنّه كلما خاض فيه ازداد معرفة وإحاطة به، وأخرج منه لطائفه، فلا يمكن لأحد أن يتناول جوانبه كافة.\nولذا فإنّ المتتبع لفن التفسير يجد بعدا في منهجية المفسرين أو طابعا مختلفا ما بين الواحد والآخر.\nثم إنّ كتب التفسير تبلورت تحت عناوين صنّفت في مناهج عدّة: منها ما هو متصف بالمأثور، ومنه باللغة وآخر بالأحكام، وآخر بالبلاغة وآخر بالتنزيل ... أي أنّه لم يحو مفسّر فنون التفسير جملة، فاتّصف المفسّر بهذا المنهج الذي سلكه أو بالمحتوى الذي ارتسم عنده، ولذلك نجد علم التفسير أنواع:\nأولا: التفسير بالمأثور فهو مما لا دخل للاستنباط العقلي فيه أو الاجتهاد، ولا يمكن اعتبار التفسير بالمأثور إلا إذا استند على مصادر هي: تفسير القرآن بالقرآن، القرآن بالسنة، القرآن بمأثور الصحابي، أو التابعي، ومن أشهر المفسرين في هذا النهج: ابن جرير الطبري، وأبو الليث السمرقندي، والثعلبي، والنيسابوري، والبغوي، وابن كثير، والسيوطي.\nثانيا: التفسير بالرأي، فهو الذي يبنى على أسس النظر والاستدلال العقلي والاستنباط ومن أشهر هؤلاء في هذا النهج: الفخر الرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، والجلالان وأبو السعود والألوسي.","vol":"1","page":5},{"text":"ثالثا: التفسير الصوفي فهو الذي ينسب لأرباب الكشف والحقيقة والمشاهدة، ومن أشهر هؤلاء في هذا النهج: التستري صاحب كتاب تفسير القرآن العظيم، والسلمي صاحب كتاب حقائق التفسير، والشيرازي صاحب كتاب عرائس البيان في حقائق القرآن، وابن عربي.\nرابعا: التفسير الكلامي فهو الذي يتناول موضوعات علم الكلام في الإلهيات والنبوات ومن أشهر هؤلاء في هذا النهج: القاضي عبد الجبار صاحب كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن، والشريف المرتضى صاحب كتاب أمالي الشريف المرتضى، والزمخشري صاحب الكشاف.\nخامسا: التفسير الفقهي وهو تفسير شبه متأخر لأنّه يحمل وجهة نظر المذاهب فعلى سبيل المثال:\nمن الحنفية: ألف أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص كتابه أحكام القرآن.\nومن الشافعية: ما جمعه عن الإمام الشافعي أبو بكر البيهقي وأبو الحسن الطبري المعروف بالكياالهراس (٥٠٤ هـ) وكتابه أحكام القرآن.\nومن المالكية: ألف أبو بكر بن العربي كتابه أحكام القرآن وكذلك الإمام القرطبي صاحب كتاب الجامع لأحكام القرآن.\nوالكتاب الذي بين أيدينا «كتاب آيات الأحكام للسايس» يعتبر من المراجع المهمة في كتب الأحكام إذ حوى جلّ آيات الأحكام فتناول المؤلف من خلال الآية استعراض الأحكام فيها- هذا باختصار-.\nوأمّا بالتفصيل لقد اعتمد منهجية التفسير كافة، فنجده:\n- أولا: يسلك المعنى بالمأثور ويعتمد بالدرجة الأولى- وحيد عصره- ابن جرير الطبري صاحب كتاب (جامع البيان في تفسير القرآن) والذي يعتبر من أقوم التفاسير وأشهرها، وكذلك يعتمد على تفسير الإمام السيوطي صاحب كتاب الدر المنثور في التفسير بالمأثور.\n- ثانيا: يسلك المعنى بالرأي ويعتمد في ذلك على الفخر الرازي صاحب كتاب مفاتيح الغيب، وكذلك على الزمخشري، والذي يغلب عند الأخير المنحى اللغوي والعقدي، وأيضا الإمام أبو السعود صاحب كتاب إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، إضافة إلى الألوسي صاحب كتاب روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني.\n- ثالثا: من ناحية الأحكام فنجده يعتمد على كتاب الإمام القرطبي وعلى الإمام الجصاص إضافة إلى ابن العربي.","vol":"1","page":6},{"text":"- رابعا: من الناحية الفقهية المذهبية فإنه يسرد آراء المذاهب ويصرح في كثير من الأحيان بالمراجع التي اعتمدها.\n- خامسا: من الناحية العقدية فقد يتطرق للأمر إن وجد حاجة تترتب على هذا الخلاف.\nوأخيرا من الناحية اللغوية فكثيرا ما يعنى بهذا الأمر ويستشهد لما يقوله من كلام العرب. وإضافة إلى أوجه القراءة.\nفكان كتابا شافيا في حكمه، وعونا لأهل العلم بتنوع الآراء مع الاستدلال، يرجع إليه في موضع الحاجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>وعملنا في الكتاب</span>\nلقد حوى الكتاب كثيرا من الآيات والأحاديث والأقوال من آراء المفسرين والفقهاء واللغويين وأوجه القراءة وسرد الحوادث وذكر الأعلام.\nفتناولت فيه تخريج الآيات والأحاديث بالتفصيل، ثمّ تناولت تخريج جلّ الأقوال من المفسّرين والفقهاء وخاصة مذهب الحنفية.\nثم تناولت الحوادث بإثبات المراجع لها.\nوكذلك قمت بتراجم الأعلام من فقهاء ومؤلفين وشعراء وأدباء.\nثم إني أرجو الله أن أكون موفقا بعملي هذا، كما أتوجه بالشكر الجزيل إلى كل من قدّم لي عونا في هذا العمل المتواضع، كما أتوجه بالشكر إلى دار النشر على هذا العمل البناء في خدمة الشريعة في نشر العلم وتقديم العون لطلبة العلم في مواصلة المسير في ركاب المعرفة والثقافة.\nوالحمد لله في الأول والآخر فإنّه خير مسؤول ومأمول.\nوكتبه ناجي سويدان","vol":"1","page":7},{"text":"معنى الاستعاذة\nأعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم أعوذ: أستجير.\nالشيطان: المتمرّد من الإنس والجنّ والدواب، بدليل قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ... [الأنعام: ١١٢] وقول «١» عمر ﵁ وقد ركب برذونا «٢» فتبختر به: «لقد حملتموني على شيطان، والله لقد أنكرت نفسي» . وإنما أطلق الشيطان على المتمرّد لأنه مأخوذ من شطن، وهي بمعنى بعد، يقال: شطنت داري عن دارك أي بعدت، قال الشاعر «٣»:\nنأت بسعاد عنك نوى شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين\nأي وجهة بعيدة. والمتمرّد قد بعدت أخلاقه عن الخير، ونأى عن جنسه فناسب إطلاق الشيطان عليه.\nالرجيم: فعيل بمعنى مرجوم. ككحيل بمعنى مكحول، ورهين بمعنى مرهون، وهو من الرجم بمعنى الرمي، سواء أكان بقول أم حصى، والشيطان مرجوم إذ هو مرمي باللعن والسب.\nالمعنى: أستجير بالله من الشيطان الملعون المذموم أن يغويني ويضلّني.\n_________\n(١) انظر تاريخ الإسلام للذهبي بيروت، دار الكتاب العربي، ١٩٨٧ (٢/ ٢٦٩) (عهد الخلفاء الراشدين) بلفظ: «ما كنت أظن الناس يركبون الشيطان، هاتوا جملي» .\n(٢) البرذون: دابة خاصة من الخيل، الغليظ الأعضاء الجافي الخلقة وهو من الخيل غير العربية انظر تاج العروس للزبيدي (١٨/ ٥٤) .\n(٣) الأعشى انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي (١/ ٥٩) .","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>سوره الفاتحة</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>القول في البسملة</span>\nأجمع العلماء على أن البسملة بعض آية [٣٠] من سورة النمل، ثم اختلف القراء والعلماء فيها أهي آية من أول الفاتحة ومن أول كل سورة. أم لا؟ وسنذكر أقوال المختلفين، ومأخذ كل فريق.\nكتب المصحف الإمام، وكتبت فيه البسملة في أول الفاتحة، وفي أول كل سورة عدا سورة براءة، وكتبت كذلك في مصاحف الأمصار المنقولة عنه، وتواتر كتبها في أوائل السور، مع العلم بأنهم كانوا لا يكتبون في المصحف ما ليس من القرآن، وكانوا يتشددون في ذلك، حتى إنهم منعوا من كتابة التعشير ومن أسماء السور ومن الإعجام، وما وجد من ذلك أخيرا فقد كتب بغير خط المصحف وبمداد غير المداد، حفظا للقرآن أن يتسرّب إليه ما ليس منه.\nروى عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «الحمد لله رب العالمين سبع آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم»\nوحديث أبي هريرة روي مرفوعا وموقوفا، وفيه اضطراب في السند، وفي رفعه إلى رسول الله ﷺ «١» .\nوأخرج ابن خزيمة في «صحيحه» عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وغيرها آية\n. وفي إسناده عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف «٢» .\nروى الترمذي وأبو داود عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم\n. قال الترمذي: وليس إسناده بذلك «٣» .\nوأخرج البخاري عن أنس ﵁ أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال:\n_________\n(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى، بيروت دار الكتب العلمية ١٩٩٤ (٢/ ٦٧) .\n(٢) انظر نصب الراية تخريج أحاديث الهداية للزيلعي، ط ١، بيروت، دار الكتب العلمية ١٩٩٦. كتاب الصلاة باب المواقيت (١/ ٤٢٧) تخريجا مفصلا للحديث.\n(٣) رواه أبو داود في السنن (١/ ٢٩٧)، كتاب الصلاة، ٢٥- باب من لم ير الجهر حديث رقم (٧٨٣)، والترمذي في الجامع الصحيح (٢/ ١٤) حديث رقم (٢٤٥) .","vol":"1","page":11},{"text":"«كانت قراءته مدا، ثم قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) يمدّ بسم الله، ويمدّ الرحمن، ويمدّ الرحيم» «١» .\nوكان ذلك يوجب أن يقول الأئمة الآخرون بمثل ما قال الشافعي، لأن ذلك هو الطريق الذي علمت به قرآنية ما بين دفتي المصحف، وأن هذه الآية من هذه السورة، وتلك من تلك.\nولكن عرض لمالك ﵀ رأي: أن أهل المدينة لا يقرؤون البسملة في صلاتهم في مسجد المدينة، وجرى العمل على ذلك في الصلاة من أيامه ﷺ إلى أيام الإمام مالك ﵁، مع قيام الدليل عنده على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فلو كانت آية من الفاتحة لوجبت قراءتها معها في الصلاة.\nوقوّى ذلك عنده عدة أحاديث يفهم منها أنها ليست آية من الفاتحة ولا من أوائل السور، وإليك بعض هذه الأحاديث:\nجاء في «صحيح مسلم» عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين «٢» .\nوفي «الصحيحين» عن أنس قال: صليت خلف النبي ﷺ، وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين.\nورواه مسلم بلفظ: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا آخرها «٣» .\nومن الدليل على أنها ليست آية من الفاتحة\nحديث سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى:\nقسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) قال الله تعالى:\nأثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) قال: مجدني عبدي، وقال مرة:\nفوّض إليّ عبدي فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ١٣٦)، ٦٦- كتاب فضائل القرآن، ٢٩- باب مد القراءة حديث رقم (٥٠٤٦) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٣٥٧)، ٤- كتاب الصلاة، ٤٦- باب ما يجمع صفة الصلاة حديث رقم (٢٤٠/ ٤٩٨) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح (١/ ٢٠٣)، ١٠- كتاب الأذان، ٨٩- باب ما يقول بعد التكبير حديث رقم (٧٤٣)، ومسلم في الصحيح (١/ ٢٩٩)، ٤- كتاب الصلاة، ١٣- باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة حديث رقم (٥٢/ ٠٠٠) .","vol":"1","page":12},{"text":"صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) . قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» «١» .\nهكذا فهم مالك ﵁ من هذه الأحاديث أنّ البسملة ليست آية من الفاتحة، واحتمل عنده أن يكون كتبها في أوائل السور امتثالا للأمر بطلبها والبدء بها في أوائل الأمور، وهي وإن تواتر كتبها في أوائل السور فلم يتواتر كونها قرآنا فيها.\nوأما الحنفية: فقد رأوا أن كتبها في المصحف يدل على أنها قرآن، ولكن لا يدل على أنها بعض السورة، والأحاديث التي تدل على عدم قراءتها جهرا في الصلاة مع الفاتحة تدل على أنها ليست منها، فحكموا بأنها آية من القرآن تامة في غير سورة النمل [٣٠] أنزلت للفصل بين السور، وإلى هذا يشير\nالحديث الذي أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى أنزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) وأخرجه الحاكم في «المستدرك» «٢» .\nوهذا المذهب قريب، لأن كتبها في المصحف، وتواتر ذلك دون نكير من أحد مع العلم بأنهم كان يجرّدون المصحف من كل ما ليس قرآنا، يدل على أنها قرآن.\nوالأحاديث التي تبيّن أنها ما كانت تقرأ مع الفاتحة في الصلاة جهرا تدل على أنها ليست من الفاتحة، وكذلك ما\nورد عن النبي ﷺ من قوله: «سورة من القرآن، هي ثلاثون آية شفعت لقارئها وهي: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» «٣»\n، وقد أجمع القرّاء والعدّادون على أنها ثلاثون آية عدا البسملة، وكذلك سورة الكوثر اتفقوا على أنها ثلاث آيات ليست البسملة منها «٤» .\nوذلك يدل على أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) ليست إحدى آيات هاتين السورتين، ولا فارق بين سورة وأخرى، فلا تكون آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور. ويؤكد أنها ليست من أوائل السور أن القرآن نزل على مناهج العرب في الكلام، والعرب كانت ترى التفنن في البلاغة، لا سيما في افتتاحاتها، فلا يظن بالقرآن أن يأتي بآية بعينها، ويجعلها أوّل كل سورة.\nوقول المالكية: لم يتواتر كونها قرآنا، فليست بقرآن، غير ظاهر، لأنه ليس\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٢٩٦)، ٤- كتاب الصلاة، ١١- باب وجوب قراءة الفاتحة حديث رقم (٣٨/ ٣٩٥) .\n(٢) انظر كتاب المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري في كتاب الصلاة، باب من جهر بها حديث رقم (٧٨٨) .\n(٣) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ١٥١)، كتاب الفضائل، باب ما جاء في فضل سورة تبارك حديث رقم (٢٨٩١) .\n(٤) لكن هذا خلاف ما رواه مسلم في الصحيح (١/ ٣٠٠)، ٤- كتاب الصلاة، ١٤- باب حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة حديث رقم (٥٣/ ٤٠٠) .","vol":"1","page":13},{"text":"بلازم أن يقال في كل آية هي قرآن ويتواتر ذلك، بل قرائن الأحوال تكفي في مثل ذلك، فإذا استدعى النبي ﷺ كاتب الوحي، وطلب منه أن يكتب في المصحف كذا، وأن يضع كذا في موضع كذا، كان ذلك دليلا على أن ما أمر بكتبه قرآن، وإن لم يصرح بأنه من القرآن، وهل البسملة إلّا كذلك «اجعلوها في أول كل سورة» .\nواختلفوا في حكم قراءة البسملة في الصلاة، فذهب مالك ﵀ إلى منع قراءتها في الصلاة المكتوبة، جهرا كانت أو سرّا، لا في استفتاح أم القرآن، ولا في غيرها من السور. وأجاز قراءتها في النافلة وقال أبو حنيفة «١» ﵁: يقرؤها سرّا مع أم القرآن في كل ركعة، وروي عنه أنه يقرؤها في الأولى فقط وقال الشافعي وأحمد: يقرؤها وجوبا، في الجهر جهرا، وفي السر سرّا.\nوسبب الخلاف ما قدمناه في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) أهي آية من أول الفاتحة ومن أول كل سورة أم لا؟ وشيء آخر وهو اختلاف الآثار في هذا الباب، فمن ذهب إلى أنها آية من الفاتحة، ومن كل سورة كالشافعي أوجب قراءتها مع الفاتحة، ومن ذهب إلى أنها ليست آية من الفاتحة، واعتمد الأحاديث الدالّة على عدم قراءتها في الصلاة منع من قراءتها كالإمام مالك. ومن رأى أنها ليست من فاتحة الكتاب، ولكنه صحت عنده الأحاديث التي تدل على قراءتها سرّا طلب قراءتها سرّا كأبي حنيفة ﵀. فأما الآثار التي تدل على إسقاط البسملة: فمنها\nحديث ابن مغفل قال: سمعني أبي وأنا أقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) فقال: يا بني! إياك والحدث، فإني صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلم أسمع رجلا منهم يقرؤها\n. قال أبو عمر ابن عبد البرّ: ابن مغفل هذا رجل مجهول «٢» . ومنها ما رواه مالك من حديث أنس أنه قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فكلهم كان لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) إذا افتتح الصلاة «٣» .\nوفي بعض الروايات: أنه قام خلف النبي ﷺ فكان لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) .\nقال أبو عمر: إن أهل الحديث قالوا في حديث أنس هذا: إن النقل فيه مضطرب اضطرابا لا تقوم به حجة، وذلك أنه مرّة روي عنه مرفوعا إلى النبي ﷺ، ومرّة لم يرفع. ومرّة ذكر عثمان ومرة لم يذكر، ومنهم من يقول: فكانوا يقرؤون بِسْمِ اللَّهِ ... ومنهم من يقول فكانوا لا يقرؤون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)، ومنهم من يرويه بلفظ: فكانوا لا يجهرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) .\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني، ط ١، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٠ (١- ٢/ ٥٢) . [.....]\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٢/ ١٢)، من باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم حديث رقم (٢٤٤) .\n(٣) رواه الإمام مالك في الموطأ صفحة (٤٥)، باب العمل في القراءة حديث رقم (١٧٥) .","vol":"1","page":14},{"text":"وأما الأحاديث المعارضة لهذا منها:\nحديث نعيم بن عبد الله المجمر قال: صليت خلف أبي هريرة فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) قبل أم القرآن، وقبل السورة، وكبّر في الخفض، والرفع. وقال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ «١»\n. ومنها\nحديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم «٢» .\nومنها\nحديث أم سلمة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>شرح المفردات</span>\nالاسم: هو اللفظ الموضوع على الجوهر والعرض، وهو مشتق من السمو، وهو الرفعة، لأن التسمية تنويه بالمسمّى، فهو محذوف اللام: ك: (يد، ودم) وأصله (سمو) بدليل تصغيره على (سميّ) وجمعه على (أسماء) ومجيء فعله (سميت) .\nالله: علم على واجب الوجود، وأصله الإله، حذفت الهمزة، وأدغم أحد المثلين في الآخر كقول القائل:\nوترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكنّ إيّاك لا أقلي\nالأصل (لكن أنا) حذفت الهمزة، وأدغم أحد المثلين في الآخر، وهو مأخوذ من أله يأله إلهة أي عبد. وقال الخليل «٤»: إنه اسم جامد لا اشتقاق له، وقال بعضهم: إنه معرّب عن السريانية أصله فيها (إلاها) بالألف، عرّب بحذف الألف، وتعويض اللام.\nالرحمن: فعلان من رحم، وهو الذي وسعت رحمته كل شيء، كغضبان للممتلىء غضبا.\nالرحيم: فعيل منه. وفي (الرحمن) من المبالغة ما ليس في (الرحيم)، لأن زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى، وفي (الرحمن) زيادتان، وفي (الرحيم) زيادة واحدة.\nوقد وقال بعضهم: (الرحمن): المنعم بجلائل النعم، و(الرحيم) المنعم بدقائقها.\nوقال بعضهم: (الرحمن): المنعم بنعم عامة تشمل المؤمنين والكافرين، و(الرحيم):\nالمنعم بنعم خاصة بالمؤمنين، وهذا قول في اللغة بلا دليل، وكأن الذي حملهم على\n_________\n(١) انظر تفصيله في نصب الراية للزيلعي، كتاب الصلاة، باب صفة الصلاة (١/ ٤٠٠) .\n(٢) سبق تخريجه صفحة ١٤.\n(٣) سبق تخريجه صفحة ١٤.\n(٤) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي: من أئمة اللغة والأدب، واضع علم العروض وسيبويه تلميذه وناقل علمه توفي (١٧٠ هـ) في البصرة. انظر الأعلام للزركلي ط ٧، بيروت، دار العلم للملايين، ١٩٨٦ (٢/ ٣١٤) .","vol":"1","page":15},{"text":"هذا تلك القاعدة: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. ولكن الزيادة تدل على زيادة الوصف مطلقا، فصفة الرحمن تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه سواء أكان جليلا أم دقيقا، وليس المعنى أن أفراد الإحسان التي يدل عليها لفظ (الرحمن) أكثر من أفراد الإحسان التي يدل عليها لفظ (الرحيم)، وقال بعضهم: إنهما مترادفان. وقد فرّق ابن القيم «١» بينهما بفرق حسن، فذكر أن الرحمن دالّ على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دالّ على تعلقها بالمرحوم، وكأنّ الأول الوصف والثاني الفعل، لذلك ورد وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣] بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] لم يجئ مطلقا رحمن بهم- أه والرحمن وصف خاصّ بالله لا يطلق على غيره بخلاف رحيم.\nوالجار في بِسْمِ متعلق بمحذوف يقدّر هاهنا (أقرأ) . فإن قيل: إن المتعلق هنا كون خاص وهو لا يحذف. قيل: إنه يجوز حذفه لدليل، وهو هنا حالي، إذ حينما يقرأ البسملة، ويأخذ بعد ذلك في القراءة يعلم المتعلّق، وإنه (أقرأ) . وكذا المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال (بسم الله) علم المتعلّق، وهو (أحل) أو (أرتحل) وكذا كل فاعل فعل يقول: (بسم الله) يضمر ما جعل التسمية مبدأ له، ويعلم السامع ذلك من دلالة الحال.\nوالمعنى: ومعنى أقرأ بِسْمِ اللَّهِ أقرأ مستعينا باسم الله، وهنا محل بحث، وهو أنه إذا كان الأمر على ما وصفنا، فكان ينبغي أن يقال: (بالله) لا (باسم الله)، لأن الاستعانة إنما هي بالله لا باسمه. وقد اختلف الناس في الخروج من هذا، فذهب بعضهم إلى أن لفظ (اسم) مقحم كقول الشاعر «٢»:\nإلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر\nأي: ثم السلام عليكما. وذهب آخرون إلى أن الاسم عين المسمّى.\nوذهب ابن جرير الطبري «٣» إلى أن اسم في بِسْمِ اللَّهِ المراد به الحدث، أي بذكر الله أقرأ، وقد عمل وإن كان ليس جاريا على حروف فعله كقوله:\nأكفرا بعد ردّ الموت عنّي ... وبعد عطائك المائة الرتاعا «٤»\nوقال المتأخرون: الباء للمصاحبة، والغرض مصاحبة اسم الله في القراءة تبركا،\n_________\n(١) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، تلميذ ابن تيمية وهو الذي هذّب كتبه ونشر علمه، وسجن معه، انظر الدر الكامنة لابن حجر (٣/ ٢٤٣) ترجمة (٣٧٠٠) .\n(٢) هو لبيد بن ربيعة انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي (١/ ٦٢) .\n(٣) محمد بن جرير الطبري نسبة إلى طبرستان توفي في بغداد (٣١٠ هـ)، انظر شذرات الذهب لابن عماد الحنبلي، بيروت دار الفكر ١٩٩٤ (٢/ ٢٦٠) .\n(٤) الرّتاع: الرعي في الخصب، انظر لسان العرب لابن منظور، ط ١، بيروت دار صادر، ١٩٥٥ (٨/ ١١٣) .","vol":"1","page":16},{"text":"وقال أبو بكر الجصاص «١»: إن المتعلق يحتمل أن يكون خبرا، وأن يكون أمرا، فإذا كان خبرا كان معناه: أبدأ باسم الله، وإذا كان أمرا كان معناه: ابدؤوا باسم الله.\nقال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>شرح المفردات</span>\nالحمد: الثناء باللسان على الجميل من نعمة وغيرها، فيقال: حمدت الرجل على إنعامه، وحمدته على شجاعته، وهو كالمدح في ذلك، وأما الشكر فعلى النعمة خاصّة، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، قال الشاعر:\nأفادتكم النّعماء منّي ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجّبا\nربّ: يطلق في اللغة على معان: منها السيد المطاع، ومنها المصلح للشيء، ومنها المالك للشيء، يقال: رب الضيعة، ورب المال، قال صفوان لأبي سفيان: لأن يربّني رجل من قريش، أحبّ إليّ من أن يربني رجل من هوازن.\nالعالمين: جمع عالم، والعالم جمع لا واحد له من لفظه، كالرهط، وهو اسم لأصناف الأمم، فكل صنف منها عالم، وأهل كل قرن منها عالم ذلك القرن، والأنس عالم، وكل أهل زمان فهم عالم ذلك الزمان، والجن عالم، وكذا سائر أجناس الخلق، كلّ جنس منها عالم زمانه. لذلك جمع فقيل: عالمون، ليشمل أصناف الأمم في كل زمان.\nوقيل: هو اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين. وقيل: كل ما علم به الخلق من الأجسام والأعراض.\nالدين: الجزاء، ومنه قولهم: كما تدين تدان، وقول الشاعر «٢»:\nولم يبق سوى العدوا ... ن دنّاهم كما دانوا\nوقرئ: مالك «٣» وملك «٤» . وإضافته إلى (يوم) على التوسع، كقوله: يا سارق الليلة أهل الدار.\n_________\n(١) أحمد بن علي أبو بكر الرازي الإمام الكبير المعروف بالجصاص من أهل الري توفي سنة (٣٧٠ هـ) انظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن عماد الحنبلي دار الفكر، بيروت (٣/ ٧١) .\n(٢) هو شهل بن شيبان الحنفي (الفند الزماني) انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي (١/ ٧١) .\n(٣) قراءة عاصم ويعقوب والكسائي.\n(٤) قراءة السبعة الباقيين. [.....]","vol":"1","page":17},{"text":"المعنى: مالك الأمر في يوم الدين.\nمعنى الآيات: الثناء والشكر لله- دون ما يعبد من دونه- بما أنعم على عباده من الخلق والرزق وسلامة الجوارح، وهدايتهم إلى سعادة الدنيا والآخرة.\nويجوز أن يراد من الرب أيّ معنى من معانيه الثلاثة المتقدمة. فهو السيد الذي لا يبلغ سؤدده أحد، والمصلح أمر خلقه بما أودع في هذا العالم من نظام يرجع كلّه بالمصلحة على عالم الحيوان والنبات. فمن شمس لولاها ما وجدت حياة ولا موت، ومن مياه بها حياة الحيوان والنبات، ومن أعضاء للغداء الذي به قوام الفرد، وأخرى للتناسل الذي به قوام النوع، وأخرى للسمع والأبصار، ومعنى ملك يوم الدين (٤) أن لله الملك خالصا يوم الدين دون هؤلاء الملوك الجبابرة الذين كانوا ينازعونه العزة والجبروت في الدنيا، كما قال تعالى: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) [غافر: ١٦] .\nوأما تأويل قراءة ملك يوم الدين (٤) فكما قال ابن عباس: لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما كملكهم في الدنيا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا [النبأ: ٣٨] وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه: ١٠٨] .\nوقد يخطر سؤال عند قراءة الفاتحة، وهو: أحمد الله نفسه؟ وأثنى عليها؟\nوعلّمنا ذلك؟ أم ذلك من قبل النبي ﷺ أو جبريل؟ فإن كان الأول، فما معنى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) والله معبود لا عابد؟ فإن كان الثاني فقد بطل أن تكون الفاتحة كلام الله، والجواب: أن الفاتحة من كلام الله، وهي على معنى قولوا:\nالْحَمْدُ لِلَّهِ ... وقولوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ.... فإن قيل: وأين قوله قولوا؟ قيل:\nإن العرب من شأنها إذا عرف السامع مكان الكلمة حذفها. واكتفت بدلالة ما ظهر من منطقها على ما حذف، كقوله:\nوأعلم أنني سأكون رمسا ... إذا سار النواعج «١» لا يسير\nفقال السائلون: لمن حفرتم؟ ... فقال المخبرون لهم: وزير\nأي الميت وزير، فأسقط الميت إذ قد أتى الكلام بما يدل عليه. وإنما قال:\nالحمد لله دون أحمد الله أو حمدا لله، لأنه لو قال ذلك لدل على حمد التالي لله، مع أن الغرض أن جميع المحامد والشكر الكامل لله، وهذا هو ما يؤديه الحمد لله.\nوقال صاحب «الكشاف» «٢»: عدل بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء، مع\n_________\n(١) الخفاف من الإبل، انظر لسان العرب لابن منظور (٢/ ٣٨٠) .\n(٢) محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، ولد بزمخشر توفي سنة (٥٣٨ هـ) انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٠/ ١١٥) ترجمة (٩١) .","vol":"1","page":18},{"text":"أن الأصل النصب، للدلالة على ثبات المعنى واستقراره. ومنه قوله تعالى: قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ [هود: ٦٩] رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم حياهم بتحية أحسن من تحيتهم، لأن الرفع دالّ على ثبات السلام لهم دون تجدده وحدوثه.\nقال الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) نعبد: نذلّ ونخشع ونستكين، لأن العبودية معناها الذلّة، ومنها قولهم: طريق معبّد، أي: مذلل وطئته الأقدام، وذللته السابلة. وقولهم: بعير معبّد، أي مذلل بالركوب في الحوائج، وسمّي العبد عبدا لذلته لمولاه. وقال صاحب «الكشاف»:\nالعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، ومنه ثوب ذو عبدة، إذا كان في غاية الصفاقة وقوة النسج. ولذلك لم يستعمل إلا في الخضوع لله تعالى، لأنه مولى أعظم النعم، فكان حقيقا بأقصى غاية الخضوع.\nنستعين: نطلب المعونة، وقدم المفعول فيها ليفيد الحصر.\nالمعنى: لك اللهم نذل ونخضع لا لسواك، وإياك ربنا نستعين على طاعتك وعبادتك، وفي أمورنا كلها، لا أحدا سواك، إذ كان من يكفر بك يستعين بسواك، وقد جرى في أول السورة على الغيبة، ثم عدل إلى الخطاب، وهو نوع من الالتفات ليكون أدعى إلى نشاط السامع، لأنّ نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب يوقظ النشاط، ويحرك الهمة للاستماع.\nقال الله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) اهدنا: وفقنا، وهو يتعدى بإلى وباللام، كقوله تعالى: اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل: ١٢١] وقوله: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف: ٤٣] وقد يحذف الحرف كقوله: اهْدِنَا الصِّراطَ ... على حد قوله:\nأستغفر الله ذنبا لست محصيه ... ربّ العباد إليه الوجه والعمل\nالسراط: الجادة، من سرط الشيء إذا ابتلعه، لأنه يسرط السابلة إذا سلكوه، كما سمّي لقما لأنه يلتقمهم، وقد تقلب سينها صادا لأجل الطاء، وقد تشمّ الصاد صوت الزاي، وقرئ بهن جميعا.\nوالعرب تستعير الصراط لكل قول أو عمل وصف باستقامة أو اعوجاج، والمراد به هنا طريق الحق وهو ملة الإسلام.\nوالضال: الحائد عن قصد السبيل، والسالك غير المنهج القويم. والمراد بالمغضوب عليهم والضالين: كل حائد عن صراط الإسلام. وقيل: المراد بالمغضوب","vol":"1","page":19},{"text":"عليهم: اليهود، لقوله تعالى في وصفهم قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ [المائدة: ٦٠] والمراد بالضالين: النصارى، لقوله تعالى في وصفهم: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧) [المائدة: ٧٧] .\nآمين: اسم صوت سمي به الفعل الذي هو استجب، وفيه لغتان: القصر والمد في الألف، كقوله «١»: ويرحم الله عبدا قال آمينا، وقوله «٢»: أمين فزاد الله ما بيننا بعدا المعنى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) أي اهدنا إلى دينك الحق الذي لا يقبل من العباد غيره، صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بطاعتك وعبادتك: من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء الذين هم لا مغضوب عليهم، ولا هم ضالون.\nومعنى طلب الهداية إلى الدين الحق والداعي مهتد إليه طلب زيادة الهدى أو الثبات وغَيْرِ الْمَغْضُوبِ إما أن تكون صفة للذين، وإما أن تكون بدلا منها، وإنما جاز كونها صفة مع أنها نكرة والموصوف معرفة لأن الذين أنعمت عليهم لا توقيت فيه كقوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني.\nولأنّ المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم، فليس في غَيْرِ في هذا الموضوع الإبهام الذي أبى أن تتعرف بالإضافة، ودخلت لَا في قوله: وَلَا الضَّالِّينَ لما في غَيْرِ من معنى النفي، كأنه قيل: لا المغضوب عليهم ولا الضالين. ويدل على أن غَيْرِ في معنى لَا أنه يجوز أن تقول أنا زيدا غير ضارب، مع امتناع أنا زيدا مثل ضارب، وإنما جاز الأول، لأنه بمنزلة أنا زيدا لا ضارب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>حكم قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة</span>\nاختلف العلماء في قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة فذهب بعضهم إلى وجوبها، وذهب بعضهم إلى عدم وجوبها، بل الواجب مطلق قراءة. وممن قال بذلك أبو حنيفة، وقد حدّ أصحابه ما يجب قراءته فقالوا: الواجب ثلاث آيات قصار أو آية طويلة. والقائلون بوجوب قراءة الفاتحة في الصلاة اختلفوا فمنهم من قال بوجوبها في كل ركعة، وقيل بوجوبها في أكثر الصلاة. وممن قال بالأول الإمام الشافعي والإمام مالك في أشهر الروايات عنه، وقد روي عنه أنه «إن قرأها في ركعتين من الرباعية أجزأته» . وذهب الحسن البصري إلى أنها تجزئ في ركعة واحدة من الصلاة. وسبب\n_________\n(١) صدر البيت: يا رب لا تسلبني حبها أبدا. والقائل هو قيس بن الملوح المشهور بمجنون ليلى.\n(٢) جبير بن الأضبط، انظر المحرر الوجيز (١/ ٨٠) .","vol":"1","page":20},{"text":"الخلاف تعارض الآثار بعضها مع بعض، ومعارضة ظاهر الكتاب لبعضها.\nأما الآثار التي تدل على وجوب قراءتها:\nفحديث عبادة بن الصامت، وهو قوله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» «١»\n،\nوحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ الكتاب فهي خداج «٢» - ثلاثا- غير تمام» «٣» .\nأما ما يدلّ على عدم وجوبها، بل على قراءة ما تيسّر من القرآن\nفحديث أبي هريرة أن رجلا دخل المسجد فصلّى، ثم جاء فسلّم على النبي ﷺ، فردّ ﵇ وقال: «ارجع فصلّ، فإنّك لم تصلّ» فصلى، ثم جاء، فأمره بالرجوع إلى فعل ذلك، ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحقّ ما أحسن غيره، فقال ﵊:\n«إذا قمت إلى الصلاة فأسبع الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئنّ ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم افعل ذلك في صلاتك كلّها» «٤» .\nوأما الكتاب فقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل: ٢٠] فهذا يدل على أنّ الواجب أن يقرأ أيّ شيء تيسّر من القرآن، فهو يعارض حديث عبادة، ويعضد حديث أبي هريرة الأخير، لأن الآية في القراءة في الصلاة بدليل قوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ إلى قوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: ٢٠] ولم يختلف الأئمة في أنّ ذلك في شأن الصلاة في الليل، وقد اعتمد المالكية والشافعية\nحديث عبادة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»\nوحملوا النفي على نفي الحقيقة، وكأنّهم رأوا الآية من المبهم والحديث من المعيّن، والمبهم يحمل على المعيّن.\nأما الحنفية فرأوا أن الآية تفيد التخيير، وليست من باب المطلق، فإنّ معنى (ما تيسر) أيّ شيء تيسر، فالآية دلت على التخيير، فإذا جاء بعد ذلك معين يكون ناسخا ولا نسخ هنا. قالوا: وقد جاء حديث أبي هريرة في تعليم الرجل صلاته معضّدا لما ذهبنا إليه.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٢٩٤)، ٤- كتاب الصلاة، ١١- باب وجوب قراءة الفاتحة حديث رقم (٣٤/ ٣٩٤) .\n(٢) الخداج أي النقصان، انظر لسان العرب لابن منظور (٢/ ٢٤٨) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٢٩٦)، ٤- كتاب الصلاة، ١١- باب وجوب قراءة الفاتحة حديث رقم (٣٨/ ٣٩٥) .\n(٤) رواه البخاري في الصحيح (١/ ٢٠٧)، ١٠- كتاب الأذان، ٩٥- باب وجوب القراءة للإمام حديث رقم (٧٥٧) .","vol":"1","page":21},{"text":"أما حديث عبادة بن الصامت فقد حملوه على نفي الكمال،\nكقوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» «١» .\nوأما\nحديث: «فهي خداج»\nفقالوا فيه: هو يدلّ لنا، لأن الخداج: الناقصة، وهذا يدل على جوازها مع النقصان، لأنّها لو لم تكن جائزة لما أطلق عليها اسم النقصان، لأنّ إثباتها ناقصة ينفي بطلانها، إذ لا يجوز الوصف بالنقصان لما لم يثبت منه شيء.\nأما سبب اختلاف من أوجب قراءتها في الكل أو في البعض فما في الضمير في قوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها» من احتمال عوده على كل أجزاء الصلاة أو بعضها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الأحكام التي تؤخذ من الفاتحة</span>\nقد أسلفنا أن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) على تأويل قولوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) بدليل قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ فإنه على تأويل قولوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ حتما، فعلمنا أن الأمر وهو (قولوا) مضمر في ابتداء السورة أيضا، وذلك يقضي أن الله أمرنا بفعل الحمد، وعلمنا كيف نحمده، وكيف نثني عليه، وكيف ندعوه.\nومما يؤخذ منها من آداب الدعاء أنه ينبغي أن يبدأ بحمد الله والثناء عليه، ليكون ذلك أدعى إلى الإجابة، إذ إن الله قدّم حمده والثناء عليه بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ إلى مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) على الدعاء وهو قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) ا. هـ.\n_________\n(١) رواه الدارقطني في سننه (١/ ٣٢١) وهو ضعيف.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>من سورة البقرة</span>\nقال الله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)\nالسِّحْرَ: في اللغة: كل ما لطف مأخذه، وخفي سببه، ومنه سحره:\nخدعه، والسحر الرئة. (الفتنة): الاختبار والابتلاء، ومنه قولهم: فتنت الذهب في النار إذا امتحنته لتعرف جودته من رداءته. (والخلاق): النصيب. شَرَوْا:\nباعوا، قال الشاعر:\nوشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه\nقبل الخوض في تفسير الآية نذكر نبذة عن السحر: أله حقيقة أم لا؟ فنقول:\nاختلف الناس في السحر، فذهب جمهور العلماء إلى أن للسحر حقيقة، وأنه تقتدر به النفوس البشرية على التأثير في عالم العناصر، إما بغير معين، أو بمعين من الأمور السماوية، ويرون أنّ النفوس الساحرة على ثلاث مراتب:\nأولها: المؤثرة بالهمة فقط من غير آلة ولا معين.\nوثانيتها: بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر، أو خواصّ الأعداد.\nوثالثها: تأثير القوى المتخيلة، فيعمد صاحب هذه المرتبة إلى القوة المتخيلة، فيلقي فيها أنواعا من الخيالات والصور، ثم ينزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة، فينظر الراؤون كأنها في الخارج، وليس هناك شيء من ذلك، ويقولون: إن هذه المراتب تنال بالرياضة، ورياضة السحر بالتوجه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين بأنواع التعظيم والعبادة، فهي لذلك وجهة وسجود لغير الله، والوجهة لغير الله كفر، فلهذا كان السحر كفرا، ويرون أن الساحر يقدر على الأفعال","vol":"1","page":23},{"text":"الغريبة فيطير في الهواء، ويركب المكانس وغيرها يذهب بها إلى أماكن بعيدة، ويصوّر المرء بغير صورته.\nويرى المعتزلة وبعض أهل السنة أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو خداع وتمويه وتخيّل، وإلى هذا ذهب أبو جعفر الاستراباذي «١» من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم الظاهري «٢» وطائفة. ويرون أنّ السحر بهذا المعنى ضروب.\nفمن ضروبه كثير من التخيّلات التي مظهرها على خلاف حقائقها، كما يفعله بعض المشعوذين، من أنه يريك أنه ذبح عصفورا، ثم يريكه وقد طار بعد ذبحه وإبانة رأسه، وذلك لخفة حركته، والمذبوح غير الذي طار، لأنه يكون معه اثنان قد خبأ أحدهما- وهو المذبوح- وأظهر الآخر.\nوكان سحر سحرة فرعون من هذا النوع. فقد قيل إن عصيهم كانت عصيا مجوفة، قد ملئت زئبقا وكذلك الحبال كانت من أدم محشوة زئبقا، وقد حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسرابا وملؤوها نارا. فلما طرحت عليها وحمي الزئبق حركها، لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، وقد أخبر الله عن ذلك بقوله: فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه: ٦٦] .\nوضرب آخر، وهو ما يدعونه من حديث الجن والشياطين، وطاعتهم لهم بالرقى والعزائم ويتوصلون إلى ما يريدون من ذلك بتقدمة أمور، ومواطأة قوم، قد أعدوهم لذلك.\nوعلى ذلك كان يجري أمر الكهان من العرب في الجاهلية، وكثير ممن يدّعون السحر يوكّلون أناسا بالاطلاع على أسرار الناس، حتى إذا جاء أصحابها أخبروهم بها، فيعتقدون فيهم أن الشياطين تخبرهم بالمغيبات.\nويقال: إنّ مخاريق الحلاج كانت كلها بالمواطأة، فكان يواطئ أقواما يضعون له خبزا ولحما، وفاكهة في مواضع بعينها، ثم يمشي مع أصحابه في البرية، ثم يأمر بحفر هذه المواضع، فيخرج ما خبّأ من الخبز واللحم والفاكهة، فيعدونها من الكرامات.\nوضرب آخر من السحر: هو السعي بالنميمة والوشاية والإفساد من وجوه خفيّة لطيفة، كما حكي أنّ رجلا تزوّج امرأة على أخرى. فعظم ذلك على الأولى، فاستعانت برجل، فتوصل إلى أن قال للثانية: إن أردت أن تنغرس محبتك في قلب\n_________\n(١) أحمد بن محمد من أصحاب ابن السريج وكبار الفقهاء والمدرسين، انظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢٣٧) .\n(٢) علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن صالح، الفارسي الأصل ثم الأندلسي القرطبي، انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (١٨/ ١٨٤) ترجمة (٩٩) .","vol":"1","page":24},{"text":"الزوج فخذي موسى، فاقطعي ثلاث شعرات من لحيته مما يقارب الحلق، وألقى في روع الزوج أنّ هذه المرأة ستختانه بالقتل، فلما قرّبت الموسى منه لم يشك أن الأمر على ما قال الرجل من أنها قصدت قتله، فقام إليها وقتلها، وكان ذلك تفريقا بين المرء وزوجه.\nفأنت ترى أنهم يرجعون السحر: إما إلى تمويه وخفة في اليد، وإما إلى مواطأة وإما إلى سعي ونميمة. ولا يرون الساحر يقدر على شيء مما يثبته له الآخرون من التأثير في الأجسام الأخرى، دون مماسّة. ومن قطع المسافات البعيدة في الزمن الوجيز. وقد قال أبو بكر الرازي: وحكمة كافية تبيّن لك أن هذا كله مخاريق وحيل لا حقيقة لما يدّعون لها. إنّ للساحر والمعزّم لو قدرا على ما يدّعيانه من النفع والضر من الوجوه التي يدّعون، وأمكنهما الطيران والعلم بالغيوب، وأخبار البلدان النائية، والخبيئات والسرقة والإضرار بالناس من غير الوجوه التي ذكرنا، لقدروا إلى إزالة الممالك، واستخراج الكنوز، والغلبة على البلدان بقتل الملوك، بحيث لا يبدؤوهم بمكروه. ولا ستغنوا عن الطلب لما في أيدي الناس.\nفإذا لم يكن كذلك، وكان المدّعون لذلك أسوأ الناس حالا، وأظهرهم فقرا وإملاقا، علمت أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك. ورؤساء الحشو والجهّال من العامة من أسرع الناس إلى تصديق السحرة والمعزّمين، وأشدهم نكيرا على من جحدها، ويروون في ذلك أخبارا مفتعلة متخرّصة يعتقدون صحتها. كالحديث الذي يروونه أن امرأة أتت عائشة فقالت: إني ساحرة فهل لي من توبة؟ فقالت: وما سحرك؟ قالت: سرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ببابل لطلب علم السحر. فقالا لي: يا أمة الله! لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا. فأبيت. فقالا لي:\nاذهبي فبولي على ذلك الرماد، فذهبت لأبول عليه، ففكرت في نفسي فقلت: لا فعلت، وجئت إليهما وقلت: قد فعلت. فقالا: ما رأيت؟ قلت لم أر شيئا، فقالا: ما فعلت، اذهبي فبولي عليه، فذهبت وفعلت، فرأيت كأنّ فارسا قد خرج من فرجي مقنّعا بالحديد حتى صعد إلى السماء، فجئتهما فأخبرتهما فقالا: ذلك إيمانك قد خرج عنك، وقد أحسنت السحر. فقالت: وما هو؟ فقالا: لا تريدين شيئا فتصورينه في وهمك إلا كان، فصورت في نفسي حبا من حنطة، فإذا إنا بالحب، فقلت له: انزرع، فانزرع.\nفخرج من ساعته سنبلا. فقلت له: انطحن وانخبز، إلى آخر الأمر، حتى صار خبزا، وإني كنت لا أصوّر في نفسي شيئا إلا كان، فقالت لها عائشة: ليست لك توبة.\nويروي القصّاص والمحدثون الجهال مثل هذا للعامة فتصدقه، وتستعيده، وتسأله أن يحدثها بحديث ساحرة ابن هبيرة. فيقول لها: إن ابن هبيرة أخذ ساحرة فأقرّت له بالسحر، فدعا الفقهاء، فسألهم عن حكمها. فقالوا: القتل، فقال ابن","vol":"1","page":25},{"text":"هبيرة: لست أقتلها إلا تغريقا. قال: فأخذ رحى البزار، فشدّها في رجلها، وقذفها في الفرات، فقامت فوق الماء مع الحجر، فجعلت تنحدر مع الماء، فخافوا أن تفوتهم، فقال ابن هبيرة: من يمسكها، وله كذا وكذا؟ فرغب رجل من السحرة كان حاضرا فيما بذله. فقال: أعطوني قدح زجاج فيه ماء، فجاؤوه به، فعقد على القدح، ومضى إلى الحجر، فشق الحجر بالقدح، فتقطّع الحجر قطعة قطعة، فغرقت الساحرة فيصدقونه.\nومن صدق هذا فليس يعرف النبوة، ولا يأمن أن تكون معجزات الأنبياء ﵈ من هذا النوع: وأنهم كانوا سحرة. وقال الله تعالى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى [طه: ٦٩] وقد أجازوا من سحر الساحر ما هو أعظم من هذا وأفظع. وذلك أنهم زعموا أن النبي ﵊ سحر، وأن السّحر عمل فيه حتى\nقال: «إنه يخيل إلي أني أقول الشيء وأفعله، ولم أقله ولم أفعله»\nوأن امرأة يهودية سحرته في جفّ «١» طلعة نخل ذكر ومشط ومشاقة «٢»، حتى أتاه جبريل ﵇ فأخبره أنها سحرته في جف طلعة، وهو تحت راعونة البئر «٣»، فاستخرج، وزال عن النبي ﷺ ذلك العارض «٤» . وقد قال الله تعالى مكذّبا للكفار فيما ادعوه من ذلك للنبي ﷺ فقال جل من قائل:\nوَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الفرقان: ٨] .\nومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعّبا بالحشوية الطغام. واستجرارا لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء ﵈، والقدح فيها. وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة، وأن جميعه من نوع واحد.\nوالعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء ﵈ وإثبات معجزاتهم، وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة مع قوله تعالى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى [طه: ٦٩] فصدّق هؤلاء من كذّبه الله، وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله.\nوجائز أن تكون المرأة اليهودية بجهلها ظنا منها بأن ذلك يعمل في الأجساد قصدت به النبيّ ﷺ. فأطلع الله نبيّه على موضع سحرها، وأظهر جهلها. فيما ارتكبت وظنت. ليكون ذلك من دلائل نبوته، لا أنّ ذلك ضرّه وخلّط عليه أمره. ولم يقل كل الرواة: إنه اختلط عليه أمره، وإنما هذا اللفظ زيد في الحديث ولا أصل له.\nوالفرق بين معجزات الأنبياء ﵈ وبين ما ذكرنا من وجوه التخييلات،\n_________\n(١) الجفّ: الغشاء الذي يكون على الطلع، انظر لسان العرب لابن منظور (٩/ ٢٨) .\n(٢) المشاقة: هي المشاطة، انظر لسان العرب لابن منظور (١٠/ ٣٤٥) .\n(٣) راعونة هو حجر يوضع على رأس البئر يقوم عليه المستقي. [.....]\n(٤) رواه البخاري في الصحيح (٧/ ٣٨)، ٧٦- كتاب الطب، ٤٩- باب هل يستخرج السحر حديث رقم (٥٧٦٥) ومسلم في الصحيح (٤/ ١٧١٩)، ٣٩- كتاب السلام، ١٧- باب السحر حديث رقم (٤٣/ ٢١٨٩) .","vol":"1","page":26},{"text":"أن معجزات الأنبياء ﵈ هي على حقائقها، وبواطنها كظواهرها، وكلّما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها.\nولو جهد الخلق كلّهم على مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها، ظهر عجزهم عنها.\nومخاريق السحرة وتخييلاتهم إنما هي ضرب من الحيلة والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها، وما يظهر منها على غير حقيقتها، يعرف ذلك بالتأمل والبحث، ومن شاء أن يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره، ويأتي بمثل ما أظهره سواه «١» ا. هـ.\nولنرجع إلى تفسير الآية:\nوَاتَّبَعُوا أي اليهود، قيل: الذين كانوا في زمن النبي ﷺ، وقيل: الذين في زمن سليمان ﵇، وقيل: أعم، لأنّ متبعي السحر من اليهود لم يزالوا من عهد سليمان إلى أن بعث الله نبيه محمدا ﷺ.\nفأخبر الله عن اليهود أنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ أي تقرأ وتخبر عن ملك سليمان، قيل: على عهده، وقيل تكذب عليه، لأن الخبر إذا كان كذبا قيل: تلا عليه، وإن كان صادقا قيل: تلا عنه.\nوكان كذبهم عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ أنهم كانوا يزعمون أنّ سليمان كان ساحرا، وأنه ما سخّرت له الجن إلا بسحره.\nقال محمد بن إسحاق: قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبيا؟ والله ما كان إلا ساحرا! فأنزل الله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ.\nوالمراد بالشياطين شياطين الإنس والجن، وقد برأ الله سليمان مما قذفوه به من السحر. فقال:\nوَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا بنسبة السحر إلى سليمان على وجه الكذب وجحدهم نبوته، ثم وصف الشياطين بقوله: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ على وجه الإضرار، وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ.\nقيل: هو عطف على ما تتلو الشياطين، أي اتبعوا هذا وذاك. وقد علم من هذا أن السحر أنزل على الملكين ببابل، وقد أنزله الله عليهما ليعرّفاه الناس، فيتحرّزوا من ضرره، لأن تعريف الشر حسن، ومعه يصحّ الاحتراز. وقد كان أهل بابل قوما صابئين، يعبدون الكواكب، ويسمّونها آلهة، ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها، وكانت علومهم الحيل والنيرنجيات وأحكام النجوم، وكانت لهم رقىّ بالنبطية،\n_________\n(١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٩- ٥٠) .","vol":"1","page":27},{"text":"فيها تعظيم الكواكب، ويزعمون أنهم بهذه الرقى يفعلون ما يشاؤون في غيرهم من غير مماسّة ولا ملامسة، وكانت السحرة تحتال بحيل تموّه على العامة إلى اعتقاد صحته، ومعتقد ذلك يكفر من وجوه:\nأحدها: التصديق بوجوب تعظيم الكواكب وتسميتها آلهة.\nثانيها: الاعتقاد بأن الكواكب تقدر على الضرر والنفع.\nثالثها: أن السحرة تزعم أنها تقدر على معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nفبعث الله ملكين يبيّنان للناس حقيقة ما يدّعون بطلانه، ويكشفان لهم عن وجوه الحيل التي يخدعون بها الناس، وينهيانهم عن العمل بها، يقولان إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فكانا يعلّمانهم للتحرّز لا للعمل، وما في ذلك بأس، قيل لعمر بن الخطاب ﵁: فلان لا يعرف الشر، قال: أجدر أن يقع فيه، وقد قيل:\nعرفت الشرّ لا للشرّ ... لكن لتوقّيه\nومن لا يعرف الش ... رّ من النّاس يقع فيه\nثم قال: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وهذا ذم لمن يتعلم ليضرّ به، لا ليتوقى به، والتفريق بين المرء وزوجه بالسعاية والنميمة والوجوه الخفية التي من جنس ما ذكر في الحكاية المتقدمة.\nوقد روي عن الحسن «١» أنه كان يقرأ: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بكسر اللام، ويقول: كانا علجين أقلفين، يأمران بالسحر ويتمسكان به، وقيل: إن (ما) للجحد والمعنى: ولم ينزل على الملكين ببابل. وقيل: إنّ «ما أنزل» عطف على ملك سليمان، والمعنى: واتّبعوا ما تكذب به الشياطين على ملك سليمان، وما أنزل على الملكين، فكما كذبوا على ملك سليمان كذبوا أيضا على ما أنزل على الملكين، لا أنهما أنزلا ليعلّمان الناس السحر، ويكون قوله: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما أي من السحر والكفر، لأن قوله: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يتضمن الكفر، فيرجع إليهما.\nقوله: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) [الأعلى: ١٠، ١١] أي الذكرى.\nوَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ. معناه أن الملكين لا يعلمان ذلك أحدا، ومع ذلك لا يقتصران على ألا يعلماه حتى يبالغا في نهيه، فيقولان: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ وكل هذا للفرار من أنّ الله أنزل على الملكين السحر مع ذمه السحر والساحر، وقد علمت أنه أنزل عليهما ليعلم الناس حيل السحرة وخدعهم.\n_________\n(١) الحسن بن يسار البصري، سيد التابعين، ولد في المدينة كان إماما توفي سنة (١١٠ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٢/ ٢٢٦) .","vol":"1","page":28},{"text":"وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ الإذن هنا: العلم دون الأمر، وقيل:\nالمراد بالإذن التخلية، قال الحسن: من شاء الله منعه، فلا يضره السحر، ومن شاء خلّى بينه وبينه فضرّه.\nوَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ لأنهم يقصدون به الشرّ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي لقد علم هؤلاء اليهود أنّ من استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله ما له في الآخرة من نصيب.\nوَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي باعوها. ولعل قائلا يقول: إنّ الله أثبت لهم العلم مؤكدا بقوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ثم نفاه عنهم بقوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.\nوالجواب: أنّ المراد لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنّهم غير عالمين. وقيل: إن العلم علمان: علمّ يقيني متسلط على النفس فلا تعلم إلا بمقتضاه، وعلم ليست له هذه السلطة على النفس، فتتصرف النفس على خلافه، والمنفي عنهم هو الأول، والمثبت لهم هو الثاني، فلا منافاة.\nوَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) المثوبة: مصدر من قول القائل: أثبتك إثابة، وثوابا ومثوبة. وأصل ذلك ثاب الشيء بمعنى رجع. ثم يقال: أثبته إليك أي رجّعته ورددته، وكان معنى إثابة الرجل على الهدية وغيرها أن يرجع إليه منها بدلا، وأن يردّ عليه منها عوضا، ثم جعل كل معوّض غيره من عمله، أو هديته. أو يد سلفت منه إليه، مثيبا له: ومنه ثواب الله عباده على أعمالهم، بمعنى إعطائه إياهم العوض والجزاء حتى يرجع إليهم بدل عملهم الذي عملوه.\nالمعنى: ولو أنهم آمنوا بمحمد والقرآن، واتقوا ربهم فخافوا عقابه فأطاعوه بأداء فرائضه، وتجنبوا معاصيه، لكان جزاء الله إياهم، وثوابه لهم على إيمانه به وتقواهم خيرا لهم من السحر ومما اكتسبوا. ويقال في نفي العلم عنهم هنا كما قيل هناك.\nوقد أجاز الزمخشري «١» أن تكون (لو) للتمني على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له. كأنه قيل: وليتهم آمنوا. ثم ابتدئ: لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ.\nوقال بعضهم: إن قوله تعالى لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ليس هو الجواب، وإنما هو دالّ على الجواب، والجواب محذوف تقديره: لأثيبوا.\n_________\n(١) انظر تفسير الكشاف للزمخشري (١/ ١٧٤) .","vol":"1","page":29},{"text":"وقد ذكر أهل الأخبار ونقلة المفسرين أخبارا في تفسير هذه الآية مؤداها أن هاروت وماروت أنزلا ليحكما بين الناس، وركبت فيهما الشهوة، فزنيا، وشربا الخمر، وكفرا، فخيرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فعلّقا ببابل يعلمان الناس السحر.\nوهذه الأخبار لم يرد منها شيء صحيح عن رسول الله ﷺ، وإنما هي من كتب اليهود ومن افترائهم، فكما افتروا على سليمان، كذلك افتروا على الملكين.\nوهذه الأخبار قد انطوت على عدم عصمة الملائكة، وجلة العلماء على عصمتهم لقوله تعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] وقوله: وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠) [الأنبياء: ١٩، ٢٠] وغير ذلك من الآيات، ومما يدل على عدم صحة هذه الأخبار أن أصحابها يزعمون أن هاروت وماروت قد اختارا عذاب الدنيا فعلّقا ببابل، وأن امرأة في زمن السيدة عائشة ﵂ قد ذهبت إليهما، وتعلمت منهما السحر، وجاءت تستفتي هل لها توبة؟ وبابل بلدة قديمة كانت في سواد الكوفة، وقيل: الكوفة على قول المفسرين، أو هي بلدة في الجانب الشرقي من نهر الفرات، بعيدة عنه على قول علماء التاريخ. وهذه الجهات ليست من الأماكن المجهولة التي لم تطرق، بل هي أماكن معروفة قد طرقها الناس في القديم والحديث، ولم يعثر أحد على هذين الملكين هناك.\nوقد رأيت أن ما جاء في الآية من ذكرهما لا يلزم أن يحمل على ما جاء في هذه الأخبار، بل يصح أن يحمل على ما حملنا وحمله جملة من المفسرين عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>ما يؤخذ من الآية من الأحكام</span>\nيؤخذ من الآية أنّ عمل السحر كفر. لقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ أي: من السحر، وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ أي بعمل السحر وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا أي به وبتعليمه وهاروت وماروت يقولان: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ. وهذا كله يدل على أنّ السحر كفر، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وذهب الشافعيّ إلى أن السحر معصية: إن قتل بها قتل. وإن أضرّ بها أدّب على قدر الضرر. والحق الأول لما تدل عليه الآية، ولأن السحر كلام يعظّم به غير الله تعالى، وتنسب إليه المقادير والكائنات.\nواعلم أنه إذا جعل السحر ضربا واحدا، وكان كله تعظيما لغير الله، وكان فيه إسناد الحوادث للكواكب، جاز إطلاق القول بكفر الساحر، وهو قول الجمهور.\nأما إذا كان السحر ضروبا، ومن ضروبه السعي بالنميمة والإفساد بالحيل- كما","vol":"1","page":30},{"text":"هو قول الرازي والمعتزلة- فلا يصح القول بإطلاق الكفر على الساحر، لأنّ من يستعمل من ضروبه السعي بالنميمة لا يكفر بذلك. وقد فطنوا لذلك فلم يكفّروا من السحرة إلا من يعظّم الكواكب، ويسند الحوادث إليها، أو يزعم أنه يقدر على الخوارق للعادة، فيكفر لأنه يدعي أنه يقدر على مثل ما يكون للأنبياء من معجزات، وفي ذلك طعن في معجزاتهم. وسدّ لباب دلالة المعجزة على نبوتهم. أما من يستعمل في ضروبه الإفساد بالنميمة، أو خفّة اليد، دون ادعاء ما ذكر، فلا يكون بذلك كافرا. والآية محمولة على سحر أهل بابل، وهو كان تعظيما للكواكب كما تقدم.\nوإذا كان السحر كفرا. كان المسلم إذا عمل السحر مرتدا بذلك، فيحكم عليه بالقتل،\nلقوله ﷺ: «من بدّل دينه فاقتلوه» «١»\nعلى هذا اتفق علماء الأمصار، ما عدا الشافعي ومن تبعه.\nوقد استدلّ الأولون بما\nروي عن ابن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال:\nحدثنا ابن الأصبهاني قال: حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: «حدّ الساحر ضربه بالسيف» «٢» وقد روي هذا عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين منهم: عمر، وعثمان، وعلي\n، والروايات في ذلك كثيرة عن السلف الصالح.\nومالك ﵀ راعى ذلك الأصل، وهو أنه يقتل لكفره، فإن كان مجاهرا به قتل. وماله فيء. وإن كان يخفيه أجراه مجرى الزنديق، فلم يقبل توبته، كما لم يقبل توبة الزنديق، ولم يقتل ساحر أهل الذمة، لأنه غير مستحق للقتل بكفره، لأننا قد أقررناه عليه، فلا يقتل إلا أن يضر بالمسلمين، فيكون ذلك عنده نقضا للعهد، فيقتل كما يقتل الحربي.\nوأما أبو حنيفة ﵀ فلم يراع ذلك الأصل دائما، فحكم على الساحر بالقتل سواء أكان مسلما أم ذميا، فلو كان قتل الساحر لكفره، لما قتل الذمي الساحر لأنه كافر أصلا، وقد أقررناه على كفره.\nوقد علّل أصحابه لذلك فقالوا: الساحر جمع إلى كفره السعي في الأرض بالفساد، فأشبه المحارب، فلذلك قتل الساحر سواء أكان ذميا أم مسلما، فلم يفرق بين الساحر من أهل الذمة والمسلمين، كما لا يختلف حكم المحارب من أهل الذمة\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٤/ ٢٧)، ٥٦- كتاب الجهاد، ١٤٩- باب لا يعذب بعذاب الله حديث رقم (٣٠١٧) .\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٤٩)، في كتاب الحدود، باب ما جاء في قتل الساحر حديث رقم (١٤٦٠) .","vol":"1","page":31},{"text":"والإسلام فيما يستحقونه من حكم القتل، ولذلك لم تقتل المرأة الساحرة، لأن المرأة من المحاربين عندهم لا تقتل حدا. وإنما تقتل قودا.\nوقد ذكروا وجها آخر في قتل الذمي الساحر، مع أننا أقررناه على كفره وهو:\nأن الكفر الذي صار إليه بسحره لم نقره عليه، ولم نعطه الذمة عليه، إنما أقررناه على كفره الظاهر، ألا ترى أنه لو سألنا إقراره على السحر في نظير الجزية لم نجبه إليه.\nولا يظنّ ظانّ أن أبا حنيفة إنما يقتل الساحر لحرابته لا لكفره، لأنه لو كان كذلك لأجراه مجرى المحارب قاطع الطريق عنده، فلم يقتله إلا إذا قتل.\nقال الله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)\nما نَنْسَخْ (ما) شرطية، و(ننسخ) فعل الشرط. ونَأْتِ بِخَيْرٍ هو الجزاء.\nوالنسخ يطلق في اللغة بإطلاقين: يطلق تارة، ويراد منه الإبطال والإزالة، ومنه نسخت الشمس الظلّ، أزالته، ونسخت الريح آثار القوم أعدمتها. وقال تعالى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: ٥٢] أي يزيله ويبطله. ويقال تارة ويراد منه النقل والتحويل، ومنه نسخت الكتاب، أي نقلته من كتاب آخر، ومنه تناسخ الأرواح، وتناسخ القرون قرنا بعد قرن، وتناسخ المواريث.\nومنه قوله تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) [الجاثية: ٢٩] وفي «صحيح مسلم» «١» لم تكن نبوة قط إلا تناسخت.\nفأنت ترى أنه قد ورد النسخ بالمعنيين جميعا فقال الجمهور: إنه حقيقة في الأول مجاز في الثاني، وقال القفّال بالعكس، وزعم قوم الاشتراك، قال العضد «٢» في «شرحه لابن الحاجب»: ولا يتعلق بهذا النزاع غرض علمي.\nوأما النسخ في اصطلاح الفقهاء والأصوليين فقد ذكروا له تعريفات كثيرة، نختار منها الآن ما اختاره ابن الحاجب «٣»، وندع التحقيق فيه إلى موضعه في الأصول فنقول:\n_________\n(١) نسبه القرطبي في تفسيره، الجامع لأحكام القرآن، ط ٢، بيروت، دار الفكر، إلى صحيح مسلم (٢/ ٦٢) .\n(٢) عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، متكلم أصولي توفي (٧٥٧ هـ) انظر طبقات الشافعية للسبكي (٦/ ١٠٨) . والأعلام للزركلي (٣/ ٢٩٥) .\n(٣) عثمان بن عمر بن أبي بكر، فقيه أصولي، توفي سنة (٦٤٦ هـ) انظر وفيات الأعيان (٣/ ٢٤٨) .\nوالأعلام للزركلي (٤/ ٢١١) .","vol":"1","page":32},{"text":"النسخ: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. فقولنا: (رفع الحكم الشرعي) يخرج المباح بحكم الأصل، فإنّ رفعه بدليل شرعي ليس بنسخ، وقولنا:\n(بدليل شرعي) يخرج رفعه بالموت، والنوم، والغفلة، والجنون، فإنّ الرفع فيها من طريق العقل، وإن جاء الشرع موافقا له في مثل:\n«رفع القلم عن ثلاث» «١» .\nوقولنا: (متأخر) يخرج نحو صلّ عند كل زوال إلى آخر الشهر، ونحو ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: ١٨٧] وقد لا يحتاج إلى مثل هذا، لأنّ الحكم لم يثبت إلا بآخر الكلام، فلا يقال: إنه رفع. والنسخ جائز عقلا بإجماع أهل الشرائع طرا، ولم يخالف في ذلك إلا اليهود، ثم هو واقع بإجماع المسلمين، لم يخالف فيه إلا أبو مسلم الأصفهاني «٢» .\nأما الجواز فأمر مفروغ منه، لأنّا نقطع به، لأنه لو وقع لم يترتب على فرض وقوعه محال، ولا معنى للجواز إلا هذا، ذلك بفرض أنّا لم نعتبر المصالح في التشريع، أما لو راعينا أنّ التشريع قائم على أساس المصالح، فالمصالح تختلف باختلاف الأوقات، فما يكون صالحا في وقت قد لا يكون صالحا في كل الأوقات، كشرب دواء في وقت دون وقت، فلا بد في أن تكون المصلحة في وقت تقتضي شرع حكم، ثم رفعه بعد ذلك الوقت، والأمثلة في ذلك كثيرة ومشاهدة. وأما الوقوع فقد حصل النسخ في الشرائع السابقة، وفي نفس شريعة اليهود، فإنه جاء في التوراة: أن آدم ﵇ أمر بتزويج بناته من بنيه، وقد حرّم ذلك باتفاق.\nوأما الرد على الأصفهاني، فقد أجمعت الأمة على أنّ شريعتنا ناسخة لما يخالفها من الأحكام التي كانت في الشرائع السابقة، وقد وقع النسخ في نفس شريعتنا، فقد كانت القبلة في الصلاة أولا إلى بيت المقدس، ثم تحولت إلى الكعبة، وكانت الوصية للوالدين والأقربين واجبة، وقد نسخت بآيات المواريث،\nوبالحديث «لا وصيّة لوارث» «٣»\nوعدة المتوفى عنها زوجها كانت مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة: ٢٤٠] . ثم نسخت بآية: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤] .\nوإذا ثبت أن النسخ جائز وواقع فلنرجع إلى تفسير الآية. مِنْ آيَةٍ: تخصيص لما في اسم الشرط من العموم، آية مفرد وقع موقع الجمع، والمعنى: أي شيء من الآيات ننسخ، وهي في الأصل الدليل والعلامة، وشاع استعمالها في طائفة من القرآن معلومة\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٣٠) في كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق حديث رقم (٤٣٩٨) .\n(٢) محمد بن بحر توفي سنة ٣٢٢ هـ. من أهل أصفهان معتزلي كان عالما بالتفسير، انظر الأعلام للزركلي (٦/ ٥٠) .\n(٣) رواه الترمذي في السنن (٤/ ٣٣٧) في كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث حديث رقم (٢١٢٠) .","vol":"1","page":33},{"text":"البدء والنهاية، وقد شاع استعمالها في القرآن بالمعنى العام، وهو كثير.\nوجوّزوا أن تكون (من) زائدة (وآية) حالا، قال أبو حيان «١»: وهو فاسد، لأنّ الحال لا يجر بمن «٢» .\nأو ننسها: ننس فعل مضارع من أنسى، وهو: إما من النسيان ضد الذكر والمعنى: أو ننسها أي نجعلك تنساها، وإما بمعنى الترك، فالمعنى: نأمر بتركها، يقال: أنسيته الشيء، أمرته بتركه، ونسيته تركته.\nوقد أنكر بعضهم أن تحمل الآية على النسيان ضد الذكر، لأن هذا لم يكن للنبي ﷺ. ولا نسي قرآنا، وكيف هذا وقد تكفل الله جلّت قدرته بأن يقرئه فلا ينسى؟\nسَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) [الأعلى: ٦] .\nومن حملها عليه قال: إنه ينساها بعد نسخ لفظها، وإبعادها من القرآن من طريق الوحي إن شاء الله ذلك.\nوقد قال ابن عطية «٣»: والصحيح في هذا أن نسيان النبي ﷺ لما أراد الله أن ينساه جائز، وأما النسيان الذي هو آفة البشر فالنبي معصوم منه قبل التبليغ وبعده، حتى يحفظه بعض الصحابة، ومن هذا ما\nروي أنه أسقط آية في الصلاة، فلما فرغ منها قال: «أفي القوم أبي»؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: «فلم لم تذكّرني» قال:\nخشيت أنها رفعت، فقال النبي ﷺ: «لم ترفع، ولكني نسيتها» «٤»\nاه كلام ابن عطية.\nقرأ ابن عامر «٥»: ما نَنْسَخْ بضم النون وكسر السين. والباقون بفتحها، وتفسير الآية على قراءة ابن عامر يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يكون نسخ وأنسخ بمعنى واحد.\nالثاني: أن يكون أنسخ بمعنى جعله ذا نسخ، كما في قول الحجاج أقبروا الرجل، بهمزة القطع. أي اجعلوه ذا قبر، ومنه قوله تعالى: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) [عبس: ٢١] أي جعله ذا قبر.\n_________\n(١) محمد بن يوسف بن علي، مفسّر نحوي، توفي سنة (٧٤٥ هـ) . من كبار العلماء بالعربية والتفسير والحديث انظر الأعلام للزركلي (٧/ ١٥٢) .\n(٢) انظر تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (١/ ٣٤٣) . [.....]\n(٣) عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن الغرناطي مفسّر توفي سنة (٥٤٢ هـ) انظر قضاة الأندلس ص (١٠٩) . والأعلام للزركلي (٣/ ٢٨٢) .\n(٤) رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٠٧) .\n(٥) عبد الله بن عامر بن يزيد اليحصبي أحد القراء السبعة، وإمام أهل الشام توفي (١١٨ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٤/ ٩٥) .","vol":"1","page":34},{"text":"وقرأ ابن كثير «١» وأبو عمرو «٢»: ننسأها بفتح النون والهمزة، وهو مجزوم بالشرط، وهو من النسء بمعنى التأخير، ومنه قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: ٣٧] ومنه بيع النسيئة أي بيع الأجل،\nوقال ﷺ: «من سرّه النسء في الأجل، والزّيادة في الرّزق فليصل رحمه» «٣» .\nوقال الفخر الرازي: وقد جاء النسيان بمعنى الترك في قوله تعالى: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥] أي فترك، وقال تعالى: الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [الجاثية: ٣٤] وقال تعالى: قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) [طه: ١٢٦] .\nنَأْتِ بِخَيْرٍ: جواب الشرط، والخبرية قد تكون بأن يكون البدل أخفّ في التكليف، وقد تكون برعاية المصلحة مع المشقة وكثرة الثواب\n«أفضل الأعمال أحمزها» «٤»\nأي أشقها، وقد تكون الخيرية بإسقاط التكليف لا إلى بدل، على رأي من أجازه. أَوْ مِثْلِها: في الحكم، والحكمة في مجيء البدل مثلا رعاية المصلحة بحسب الوقت، وذلك كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة، ومثال النسخ إلى أثقل نسخ حبس الزناة في البيوت «٥» إلى الجلد والرجم «٦»، ونسخ وجوب صوم يوم عاشوراء بوجوب صيام شهر رمضان، وفرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في الحضر وأقرت في السفر «٧»، عند بعضهم. وأما النسخ إلى أخف فكنسخ عدة المتوفى عنها زوجها من حول إلى أربعة أشهر وعشر على رأي الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>أقسام النسخ</span>\nالنسخ يكون بنسخ التلاوة مع بقاء الحكم كما ورد عن عمر ﵁ أنه\n_________\n(١) عبد الله بن كثير الداري، إمام المكيين في القراءة توفي سنة (١٢٠ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٤/ ١١٥) .\n(٢) زبان بن عمار أبو عمرو بن العلاء مقرئ أهل البصرة توفي سنة (١٥٤ هـ) في الكوفة انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٤١) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح (٧/ ٩٦)، ٧٨- كتاب الأدب، ١٢- باب من بسط له في الرزق حديث رقم (٥٩٨٦) .\n(٤) انظر كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، للعجلوني بيروت، دار الكتب العلمية (١/ ١٤١) حديث رقم (٤٥٩) . حيث قال: قال ابن القيم: لا أصل له، وقال القاري معناه صحيح لما في الصحيحين عن عائشة: الأجر على قدر التعب.\n(٥) كما في الآية (١٥) من سورة النساء.\n(٦) كما في الآية (٢) من سورة النور.\n(٧) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ٤٥)، ١٨- كتاب تقصير الصلاة، ٥- باب يقصر، إذا خرج حديث رقم (١٠٩٠) ومسلم في الصحيح (١/ ٤٧٨)، ٦- كتاب صلاة المسافرين، ١- باب صلاة المسافرين حديث رقم (١/ ٦٨٥) .","vol":"1","page":35},{"text":"قال: «كان فيما نزل من القرآن الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما» «١» وقد نسخت التلاوة وبقي الحكم.\nوقد يكون النسخ للحكم مع بقاء التلاوة، وهو كثير. كآية الوصية، وآية العدة وتقديم الصدقة عند مناجاة الرسول ﷺ.\nوقد يكون النسخ للحكم والتلاوة معا، كما روي عن عائشة ﵂ «كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن ثم نسخ بخمس رضعات معلومات يحرّمن» «٢» والجزء الأول منسوخ الحكم والتلاوة، والجزء الثاني وهو الخمس منسوخ التلاوة باقي الحكم عند الشافعية.\nثم إنّ الخلاف في أنّ القرآن ينسخ بغير بالقرآن، والخبر المتواتر بغير المتواتر أو لا؟\nفقد منع الشافعي ﵁ نسخ القرآن بغير القرآن مستدلا بهذه الآية نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها ودلالتها من وجوه:\nالأول: أنه قال (نأت) وأسند الإتيان إلى نفسه، وهو لا يكون إلا إذا كان الناسخ قرآنا.\nالثاني: أنه قال: (بخير) ولا يكون الناسخ خيرا إلا إذا كان قرآنا.\nوالثالث: أنه قال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ويدخل في ذلك النسخ، بل إنما سيقت الآية له، فالنسخ لا بد أن يكون لله.\nوالرابع: وهو أقوى أدلته قوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ إلى آخر الآية [النحل: ١٠١] حيث أسند التبديل إلى نفسه وجعله في الآيات.\nوهو استدلال غير واضح، فإنّه لا معنى لأن يكون لفظ الآية خيرا من لفظ آية أخرى، إنما الخيرية تكون بين الأحكام، فيكون الحكم الناسخ خيرا من الحكم المنسوخ بحسب ما علم الله من اشتماله على مصالح العباد بحسب أوقاتها وملابساتها، وإذا كان الأمر كذلك فالمدار على أن يكون الحكم الناسخ خيرا، أيّا كان الناسخ قرآنا أو سنة، والكل من عند الله، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) [النجم: ٣] .\nعلى أنه قد وقع نسخ القرآن في آية الوصية\nبحديث «لا وصية لوارث»\n، وتمام البحث مستوفى في علم الأصول.\nبقي أن يقال: إن تعريف النسخ الذي ذكرتموه لا يتناول نسخ التلاوة فنقول: إن التعبد بالتلاوة حكم من الأحكام.\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ١٦٨) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٧٥)، ١٧- كتاب الرضاع، ٦- باب التحريم بخمس حديث رقم (٢٤/ ١٤٥٢) .","vol":"1","page":36},{"text":"أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦] الاستفهام قيل: للتقرير، وقيل:\nللإنكار، والمخاطب هو الرسول ﷺ، وخطابه خطاب لأمته، وقيل: لكل من بلغه هذا الخطاب على حد\n«بشّر المشائين إلى المساجد» «١» .\nوقيل الخطاب لمن أنكر النسخ، والمراد الاستشهاد بعلم المخاطب بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ، والإتيان بما هو خير أو مماثل، لأنّ ذلك من جملة الأشياء الداخلة تحت قدرته تعالى، فمن علم أن الله صاحب القدرة التامة والسلطان الشامل. على قدرته على ذلك قطعا.\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١٠٧] أي قد علمت أيّها المخاطب أن الله تعالى له السلطان القاهر، والاستيلاء الباهر، المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي، إيجادا، وإعداما، وأمرا، ونهيا، حسبما تقتضيه مشيئته، لا معارض لأمره، ولا معقب لحكمه، فمن هذا شأنه كيف يخرج عن قدرته شيء من الأشياء؟\nوالكلام على هذا النحو بمثابة الدليل لما قبله في إفادة البيان، ولذلك ترك العطف.\nوَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة: ١٠٧] عطف على الجملة الواقعة خبرا، وفيه إشارة إلى دخول الأمة في الخطاب بقوله: أَلَمْ تَعْلَمْ. و(من) الأولى ابتدائية، والثانية زائدة. والولي: المالك، والنصير: المعين. والفرق بينهما أن المالك قد لا يقدر على النصر، وقد يقدر ولا يفعل. والمعين قد لا يكون مالكا، بل قد يكون أجنبيا، فجمع بينهما لذلك. والمراد من الآية الاستشهاد على تعلق إرادة الله بما ذكر من الإتيان بما هو خير من المنسوخ أو بمثله. فإنّ مجرّد قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي حصوله. وإنما الذي يستدعيه مع ذلك كونه وليا نصيرا. فمن علم أنه وليّه ونصيره، وأنه لا وليّ له ولا نصير سواه، يعلم قطعا أنه لا يفعل به إلا ما هو خير، فيفوّض أمره، ولا يخطر بباله ريبة في أمر النسخ وغيره أصلا.\nأَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨) [البقرة: ١٠٨] زعم بعضهم أنّ (أم) هنا متصلة. وقطع بعضهم بأنها منقطعة بناء على دخول الرسول ﷺ في الخطاب السابق، وعدم دخوله في هذا الخطاب، وذلك مخلّ بالاتصال، وذهب بعضهم إلى أنها لمجرد الاستفهام. والمراد عليه: أتريدون إلخ.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ٢٢٢)، كتاب الصلاة، باب ما جاء في المشي إلى الصلاة حديث رقم (٥٦١)، والترمذي في الجامع الصحيح (١/ ٤٣٣) في كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل العشاء حديث رقم (٢٢١) .","vol":"1","page":37},{"text":"وعلى التقديرين الأولين المراد توصية المسلمين بالثقة بالرسول ﷺ، وترك الاقتراح بعد رد ظن المشركين واليهود في النسخ، فكأنه قيل: لا تكونوا فيما أنزل إليكم من القرآن كاليهود في ترك الثقة بالآيات البينات، واقتراح غيرها، فتضلّوا، وتكفروا بعد الإيمان، وفي هذه التوصية كمال المبالغة والبلاغة، حتى كأنّهم بصدد الإرادة، فنهوا عنها، فضلا عن السؤال.\nهذا وقد ذكر بعض المفسرين «١» أنّ الصحابة اقترحوا على الرسول أشياء بعينها\nفقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨] والذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من قبلكم ...» الحديث «٢» .\nزعم بعضهم أن الخطاب فيها لليهود، وأن الآية نزلت فيهم حين سألوا أن ينزّل عليهم كتاب من السماء جملة كما نزلت التوراة على موسى جملة، ويكون الفعل المضارع مرادا منه الماضي. واختاره الإمام الرازي. قال: إنه الأصح. لأن السورة من أول قوله:\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة: ٤٠] حكاية عن اليهود، ومحاجّة معهم، ولأنّ المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يكون متبدلا به الكفر بالإيمان.\nوذهب قوم إلى أنها نزلت في أهل مكة، حين سألوا المصطفى أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن يوسّع لهم أرض مكة، وأن يفجّر الأنهار خلالها تفجيرا، ولا مانع من جعل الكل أسبابا.\nوَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ جملة مستقلة مشتملة على حكم كليّ أخرجت مخرج النهي جيء بها لتأكيد النهي عن الاقتراح المفهوم من قوله: أَمْ تُرِيدُونَ.\nو(سواء) بمعنى وسط أو مستو، والإضافة من إضافة الصفة للموصوف، والباء داخلة على العوض المتروك، نظيرها في قوله تعالى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة: ٦١] .\nوحاصل الآية: أن من يترك الثقة بالآيات البينات المنزلة بحسب المصالح، التي من جملتها الآيات الناسخات، التي ما جاءت إلا لمحض الخير، واقتراح غيرها، فقد حاد من حيث لا يدري عن الطريق المستقيم، الموصل إلى معالم الحق والهدى.\nهذا وقد زعم بعضهم أن (آية) في قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ لا يراد منها\n_________\n(١) انظر تفسير ابن جرير الطبري المسمى جامع البيان في تفسير القرآن (٦/ ١٣٩)، وتفسير ابن كثير المسمى تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٤٣) . [.....]\n(٢) رواه البخاري في الصحيح، ٩٦- كتاب الاعتصام، ١٠- باب قول النبي ﷺ حديث رقم (٧٣١٩) .","vol":"1","page":38},{"text":"الآية القرآنية، بل المراد المعجزات الدّالّة على صدق الرسل، حيث يبدّل الله معجزة الرسول السابق بالمعجزة التي يأتي بها الرسول الذي بعده، وإنما لجأ إلى ذلك فرارا من تفسير الإنساء ونحوه، وتمشيا كما يزعم مع قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومن علم ما ذكروه في أسباب النزول من أن الآية جاءت للتمهيد في تحويل القبلة، ونسخ التوجه إليها بالتوجه إلى الكعبة: علم أنه لا داعي إلى ما زعمه.\nقال الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)\nاختلف العلماء في نزول هذه الآية، فقال قوم: هي متقدمة في النزول على قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [البقرة: ١٤٢] وهو\nمروي عن ابن عباس ﵁، ويؤيده ما رواه البخاري «١» عن البراء بن عازب قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، فصلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان رسول الله ﷺ يحب أن يتوجه نحو الكعبة فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ. فقال السفهاء من الناس، وهم اليهود: ما ولّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فقال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ.\nوذهب الزمخشري «٢» وغيره إلى أنّ هذه الآية متأخرة في النزول والتلاوة عن قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ ... ويكون قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مستقبلا أريد به الإخبار بمغيّب يكون من اليهود عند نزول الأمر باستقبال الكعبة، ليكون ذلك معجزا بما فيه من الإخبار بالغيب، ولتتوطن النفس على ما يرد من الأعداء، وتستعد له، فيكون أقل تأثيرا منه عند المفاجأة، وليكون الجواب حاضرا للرد عليهم عند ذلك، وهو قوله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ.\nقَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ أي كثيرا ما نرى تردّد وجهك في جهة السماء متشوّقا للوحي، وكان رسول الله ﷺ يقع في قلبه، ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة، لما أن اليهود كانوا يقولون: يخالفنا محمد ويتّبع قبلتنا، ولأنها قبلة أبيه إبراهيم ﵇، وأدعى إلى إيمان العرب.\nوالظاهر أن النبي ﷺ لم يسأل ذلك، بل كان ينتظره فقط، إذ لو وقع السؤال لكان الظاهر ذكره، وفي ذلك: دلالة على كمال أدبه ﵊، وقال\n_________\n(١) سيأتي تخريجه لا حقا.\n(٢) في تفسيره الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/ ٩٨) .","vol":"1","page":39},{"text":"قتادة «١» والسدي وغيرهما: كان رسول الله ﷺ يقلب وجهه في الدعاء إلى الله أن يحوّله إلى الكعبة، وعلى هذا يكون السؤال واقعا، وإنما لم يذكر، لأنّ تقلّب الوجه نحو السماء وهي قبلة الدعاء يشير إليه.\nولعل ذلك بعد حصول الإذن له بالدّعاء، لما أن الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئا من غير أن يأذن لهم فيه. وقد ورد في بعض الآثار أنه ﷺ استأذن جبريل في أن يدعو الله، فأخبره جبريل أن الله قد أذن له، على أنه لا مانع من السؤال ابتداء لمصلحة ألهمها، ومنفعة دينية فهمها، ولا يتوقف ذلك على الاستئذان والإذان.\nوليس في الآية ما يدل صريحا على أنه سأل أو لم يسأل، وقد أخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» «٢» عن البراء بن عازب قال: صلينا مع رسول الله ﷺ بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس، ثم أظهر الله علمه برغبة نبيه ﵊، فنزلت الآية قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ وقد يفهم من هذا أن السؤال لم يقع.\nقال الزمخشري «٣»: إنّ (قد) هنا بمعنى (ربما) وهي للتكثير، وقال أبو حيان «٤»:\nبل التكثير مستفاد من لفظ التقلّب، لأنه مطاوع التقليب، ومن نظر مرة أو ردد بصره مرتين أو ثلاثا لا يقال: إنه قلب، فلا يقال قلّب إلا حيث الترديد كثير. و(نرى) هنا بمعنى الماضي، وقد ذكر بعض النحاة أن (قد) تقلب المضارع ماضيا، ومنه ما هنا، ومنه قوله:\nقَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ [النور: ٦٤] وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ [الحجر: ٩٧] قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ [الأحزاب: ١٨] والمعنى قد رأينا إلخ.\nفَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً أي لنمكنّنك من استقبالها، من قولك: وليته كذا إذا جعلته واليا له، والفاء لسببية ما قبلها في الذي بعدها.\nتَرْضاها تحبها، وتميل إليها لأغراض صحيحة أضمرتها في نفسك تريد بها أن يجتمع الناس على قبلة واحدة، فتتحد قلوبهم، ويكون من وراء ذلك خير عظيم.\nفَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الفاء لتفريع الأمر على الوعد السابق، والمعنى: فاصرف وجهك شطر المسجد الحرام، وإنما فسّرنا التولية هنا بمعنى الصرف، لأنّها بالمعنى السابق تكون متعدية إلى مفعولين، وهي هنا معدّاة إلى واحد.\n_________\n(١) قتادة بن دعامة بن قتادة أبو الخطاب، السدوسي البصري، عالم بالحديث والتفسير توفي سنة (١١٨ هـ) مات بواسط في الطاعون، انظر الأعلام للزركلي (٥/ ١٨٩) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (١/ ١٨)، ٢- كتاب الإيمان، ٣١- باب الصلاة حديث رقم (٤٠)، ومسلم في الصحيح (١/ ٣٧٤)، ٥- كتاب المساجد، ٢- باب تحويل القبلة حديث رقم (١١/ ٥٢٥) .\n(٣) انظر الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في محاسن التأويل للزمخشري (١/ ٢٠١) .\n(٤) في تفسيره البحر المحيط (١/ ٤٢٧) .","vol":"1","page":40},{"text":"وشَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ نحوه وقبله وتلقاؤه، وفي ذكر المسجد الحرام الذي هو محيط الكعبة دون الكعبة مع أنها القبلة لا المسجد على ما جاء مصرّحا به في الأحاديث إشارة إلى أنه يكفي للبعيد محاذاة جهة القبلة، قاله الألوسي.\nوذكر غيره أن محاذاة الجهة مفهومة من قوله شطر المسجد، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ هذا تصريح بعموم الحكم المستفاد من فَوَلِّ وَجْهَكَ.\nوالفائدة من ذكره- مع أن خطاب النبي ﷺ خطاب لأمته- الاهتمام بشأن قبلة الكعبة، ودفع توهّم أنّ الكعبة قبلة المدينة وحدها، لأنّ الأمر بالصرف كان فيها، فربما فهم أن قبلة بيت المقدس لا تزال باقية. فدفعا لهذا الإيهام كان التصريح بعموم الحكم في عموم الأمكنة: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.\nوَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤] إن اليهود والنصارى بما أنزل إليهم في التوراة والإنجيل في شأن النبي محمد ﷺ، والبشارة به، وأنه سيصلي إلى القبلتين: بيت المقدس، وقبلة أبيه إبراهيم الذي أمر أن يتّبع ملّته، ليجزمون أن تحويل القبلة بترك التوجه إلى بيت المقدس والتوجه إلى الكعبة حق لا مرية فيه، وأن ذلك أمر ربهم، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ اعتراض بين الكلامين جيء به لوعد الفريقين ووعيدهم، وقرأ ابن عامر والكسائي «١» تعلمون بالتاء، فهو وعد للمؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الأحكام</span>\nلا خلاف بين المسلمين أنّ استقبال القبلة لا بد منه في صحة الصلاة إلا ما جاء في الخوف والفزع، وفي صلاة النافلة على الدابة أو السفينة، فإن القبلة في الحال الأولى جهة أمنه، وفي الثانية قبلته حيث توجهت به دابته أو سفينته.\nإنما الكلام في القبلة ما هي، أهي عين الكعبة: أم هي جهة الكعبة؟ بالأول قالت الشافعية. وبالثاني قال الحنفية، وقال ابن عباس ﵄: الكعبة قبلة من في المسجد، والمسجد قبلة من خارجه في مكة، ومكة قبلة سائر الأقطار، ونسبه الفخر الرازي وأبو حيان إلى المالكية، وقبل الكلام على مأخذ كلّ مذهب نحبّ أن نقول: إن المسجد الحرام قد أطلق تارة وأريد منه الكعبة فقط، وتارة أريد به المسجد وحوله معه، وقد يراد به مكة كلها. وقد يراد مكة مع الحرم حولها بكماله. وقد جاءت نصوص الشرع بهذه الإطلاقات الأربعة.\nفمن الأول: قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ.\n_________\n(١) علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي أبو الحسن، أحد القراء السبعة، ينتسب إلى مدرسة الكوفة بالنحو، توفي سنة (١٨٩) انظر الأعلام للزركلي (٤/ ٢٨٣) .","vol":"1","page":41},{"text":"ومن الثاني:\nقول النبي ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» «١»\nوقوله ﵊: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ...» «٢»\nإلخ.\nوأما الثالث: وهو مكة فقال المفسرون هو المراد في قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء: ١] وكان الإسراء من دور مكة، وقول الله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ١٩٦] .\nوالإطلاق الرابع: دليله قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: ٢٨]، والشطر أيضا يطلق بإطلاقين: يطلق ويراد منه النصف وقد قاله الجبّائي والقاضي: أنه المراد هنا، لأن المراد الكعبة، والكعبة وسط المسجد. وقد فرّعوا عليه أن من كان خارج المسجد، وصلّى إلى جانب المسجد ولم يكن في منتصفه، فقد صلّى إلى غير الكعبة، فتكون صلاته باطلة لعدم الاستقبال. كذا نقل الفخر الرازي عنهما. ومستندهما في الذي رأيا أنه لو كان المراد من الشطر الجانب لم يكن لذكر الشطر فائدة، ولقيل فول وجهك المسجد الحرام، وقد قيل في رد هذا: إن الفائدة موجودة، وهي أنه لو قال: فولّ وجهك المسجد الحرام لزم تكليف ما لا يطاق، لأنّ من في أقصى المشرق أو المغرب لا يمكن أن يولّي وجهه المسجد، بخلاف ما إذا ذكر الشطر وأريد منه: الجانب.\nبعد هذا نرجع إلى بيان الخلاف في القبلة:\nقلنا إنّ المالكية يرون أن القبلة للمسامت هي الكعبة، ولغير المسامت الجهة، ويشهد لهم ما حكي في كتاب «شرح السنة» «٣» عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب» .\nوقال غيرهم: القبلة هي الكعبة، والدليل عليه ما\nورد في «الصحيحين» «٤»: عن\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠١٣)، ١٥- كتاب الحج، ٩٤- باب فضل الصلاة بمسجد مكة والمدينة حديث رقم (٥٠٩/ ١٣٩٥) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ٧١)، ٢٠- كتاب فضل الصلاة، ١- باب فضل الصلاة في مسجد مكة حديث رقم (١١٨٩)، ومسلم في الصحيح (٢/ ١٠١٤)، ١٥- كتاب الحج، ٩٥- باب لا تشد الرحال حديث رقم (٥١١/ ١٣٩٧) .\n(٣) انظر: شرح السنة للبغوي محمد الحسين بن مسعود (- ٥١٦ هـ) ط ١، بيروت، دار الكتب العلمية ١٩٩٢، (٢/ ١٠١) .\n(٤) رواه البخاري في الصحيح (١/ ١١٩)، ٨- كتاب الصلاة، ٣٠- باب قوله تعالى: (واتخذوا) حديث رقم (٣٩٨)، ومسلم في الصحيح كتاب الحج حديث رقم (٣٩٥) .","vol":"1","page":42},{"text":"ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: «لما دخل النبي ﷺ البيت دعا في نواحيه كلّها ولم يصلّ حتى خرج منه، فلما خرج صلّى ركعتين في قبل الكعبة، وقال: هذه القبلة» .\nقال القفال: وقد وردت الأخبار الكثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة،\nففي خبر البراء بن عازب «ثم صرف إلى الكعبة؟ وكان يحبّ أن يتوجه إلى الكعبة» «١»\nوفي خبر ابن عمر: «أن النبي ﷺ حوّل إلى الكعبة» «٢»\nوفي خبر ثمامة: «جاء منادي رسول الله ﷺ فنادى: إنّ القبلة حوّلت إلى الكعبة» «٣»\n، لا يتحصّل إلا إذا أصاب عينها، فالمشاهد لا بدّ له من إصابة العين، والغائب لا بد له من قصد الإصابة مع التوجه إلى الجهة.\nوالفريق الثاني: الحنفية «٤» والمالكية على ما هو منصوص عليه في كتبهم، يرون أن القبلة للمكي المشاهد إصابة العين، ولغير المشاهد الجهة فحسب.\nحجة الشافعي ﵁ القرآن والسنة والقياس:\nأما القرآن: فظاهر الآية التي نحن بصددها. وذلك أن المراد من شطر المسجد الحرام جانبه. وجانب الشيء هو الذي يكون محاذيا له وواقعا في سمته.\nوأما الحديث فما ورد من\nحديث أسامة «أنه ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال:\nهذه القبلة»\nوهي جملة حاضرة للقبلة في الكعبة.\nوأما القياس: فهو أنّ مبالغة النبي ﷺ في تعظيم الكعبة بلغت مبلغا عظيما، والصلاة من أعظم شعائر الدين، وتوقيف صحتها على استقبال عين الكعبة يوجب مزيد الشرف، فوجب أن يكون مشروعا، وأيضا: كون الكعبة قبلة أمر معلوم، وكون غيرها قبلة أمر مشكوك، ورعاية الاحتياط في الصلاة أمر واجب. فوجب توقيف صحّة الصلاة على استقبال عين الكعبة.\nوأما الحنفية والمالكية، فقد احتجوا بأمور:\nالأول ظاهر هذه الآية، فإنّ من استقبل الجانب الذي فيه المسجد الحرام، فقد ولّى وجهه شطر المسجد الحرام، سواء أصاب عين الكعبة أم لا، وهذا هو المأمور به، فوجب أن يخرج من العهدة.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) و(٣) الحديث رواه البخاري- في غير هذا اللفظ- في الصحيح (٥/ ١٧٨)، ٦٥- كتاب تفسير القرآن، ١٨- باب (٢٠٥١٩) (من حيث خرجت) حديث رقم (٤٤٩٣، ٤٤٩٤)، ومسلم في الصحيح (١/ ٣٧٥)، ٥- كتاب المساجد، ٢- باب تحويل القبلة حديث رقم (١٣/ ٥٢٦) . [.....]\n(٤) انظر الهداية شرح بداية المبتدي، للمرغيناني ط ١، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٠ (١/ ٤٨) .","vol":"1","page":43},{"text":"الثاني\nورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» «١» .\nالثالث فعل الصحابة. وهو من وجهين:\nأحدهما: أن أهل مسجد قباء كانوا في صلاة الصبح مستقبلين لبيت المقدس مستدبرين للكعبة، لأنّ المدينة بينهما، فقيل لهم: ألا إنّ القبلة قد حوّلت إلى الكعبة، فاستداروا في الصلاة من غير طلب دليل على القبلة، ولم ينكر النبي ﵊ عملهم «٢» . وسمي مسجدهم بذي القبلتين، ولا يعقل أن العين تستقبل عين الكعبة إلا بعد الوقوف على أدلة هندسية يطول النظر فيها، ولم يتعلّموها، ولا يمكن أن يدركوها على البديهة في أثناء الصلاة وظلمة الليل.\nوالوجه الثاني: أنّ الناس من عهد النبي ﵇ بنوا المساجد في جميع بلاد الإسلام، ولم يحضروا مهندسا عند تسوية المحراب، ومقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة.\nالدليل الرابع من أدلة الحنفية القياس: هو أن محاذاة عين الكعبة لو كانت واجبة ولا سبيل إليها إلا بمعرفة الطرق الهندسية لوجب أن يكون تعلم الدلائل الهندسية واجبا، لأنه لا يتم الواجب إلا به، وما لا يتمّ الواجب إلا به واجب، ولكنّ تعلّم الدلائل الهندسية غير واجب، فعلمنا أنّ استقبال عين الكعبة غير واجب، هذا مجمل أدلة الأئمة رضوان الله عليهم، وأنت ترى أنه ربما كان لفظ الآية، وكون (الشطر) بمعنى الجهة شاهدين يرجّحان أدلة الحنفية والمالكية.\nوكأنّ الشافعية أحسوا صعوبة التوجه إلى عين الكعبة خصوصا من غير المشاهد.\nفقالوا: فرض المشاهد إصابة العين حسّا، وفرض غير المشاهد إصابته قصدا. وبعد أن نراهم يصرحون بذلك يكاد الخلاف عديم الفائدة، فإنّ الكل يعتقد أن التوجه إلى القبلة أيا كانت فيه شعور بقصد الكعبة.\nهذا وقد انبنى على هذا الخلاف خلاف آخر في حكم الصلاة فوق الكعبة، فمشى الحنفية على مذهبهم من أن القبلة الجهة، من قرار الأرض إلى عنان السماء، فأجازوا الصلاة فوقها مع الكراهية، لما في الاستعلاء عليها من سوء الأدب، ومنع غيرهم من صحة الصلاة فوقها، لأن المستعلي عليها لا يستقبلها، إنما يستقبل شيئا غيرها، وبقية الفروع تعرف في الفقه، فلا نطيل بذكرها، غير\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٢/ ١٧١- ١٧٣) في كتاب الصلاة، باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة، حديث رقم (٣٤٢، ٣٤٣، ٢٤٤) .\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":44},{"text":"أن هناك فرعا واحدا نذكره لما له من العلاقة بتفسير الآية:\nفهم بعضهم من قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أن هذا يمتنع معه أن يوجه المصلّي نظره إلى موضع سجوده قائما، وإلى قدميه راكعا، وإلى أرنبة أنفه ساجدا، وإلى حجره جالسا، لأن هذا فيه توجّه إلى غير شطر المسجد الحرام، وأنت ترى أنه فهم عجيب، فإن الحنفية مثلا لم يقولوا هذا إلا بعد تحقق الاستقبال والتوجه شطر المسجد الحرام. وإنما قالوا ذلك منعا للمصلّي أن يتشاغل في الصلاة بغيرها إذا لم يحصر بصره في هذه الجهات التي عينوها لنظره.\nقال الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)\nالصفا: جمع صفاة، وهي الصخرة الملساء، وقد يأتي واحدا ويجمع على صفىّ قال الراجز:\nكأن متنيه من النّقي ... مواقع الطّير على الصّفي\nالمروة: الحصاة الصغيرة، وتجمع على مرو قال الشاعر «١»:\nحتّى كأنّي للحوادث مروة ... بصفا المشقّر كلّ يوم تقرع\nوقد عنى الله تعالى بالصفا والمروة هنا الجبلين المسلمين بهذين الاسمين اللذين هما بمكة.\nشعائر: جمع شعيرة: من الإشعار وهو الإعلام، أي هما من معالم الله التي جعلها للنّاس معلما ومشعرا يعبدونه عندهما.\nالحج: القصد، وقيل هو: كثرة التردد، وقيل للحاج حاج: لأنه يأتي البيت قبل الذهاب إلى عرفة، ثم يعود إليه لطواف يوم النحر بعد الوقوف بعرفة. ثم ينصرف إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصدر، ففيه كثرة التردد.\nالاعتمار الزيارة.\nالجناح: في اللغة عبارة عن الميل كيفما كان، ولكنه خصّ بالميل إلى الإثم.\nالمعنى: إن الصفا والمروة أي هذين الجبلين من معالم الله التي جعلها معلما ومشعرا يعبده عباده عندهما بالدعاء، أو الذكر، أو السعي والطواف. فمن حج البيت الحرام أو اعتمره فلا إثم عليه أن يطوّف بهما.\n_________\n(١) هو أبو ذؤيب الهذلي انظر المحرر الوجيز (١/ ٢٢٩) .","vol":"1","page":45},{"text":"ومن تطوّع بالحج والعمرة بعد أداء حجته الواجبة. فإنّ الله شاكر له على تطوّعه، مجاز به. عليم بقصده وإرادته. وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية:\n١- أخرج ابن جرير «١» عن الشعبي «٢» أن وثنا كان في الجاهلية على الصفا يسمى إساف، ووثنا على المروة يسمّى نائلة، وكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام وكسّرت الأوثان. قال المسلمون: إن الصفا المروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر قال: فأنزل الله أنهما من الشعائر.\n٢-\nوروى ابن شهاب عن عروة قلت لعائشة ﵂: أرأيت قول الله ﵎: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فو الله ما على أحد جناح أن لا يطّوف بهما. قالت عائشة ﵂: بئسما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما تأولتها لكان: فلا جناح عليه إلا يطوف بهما، إنما كان هذا من الأنصار قبل أن يسلموا، يهلّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهلّ لمناة، يتحرج أنّ يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقالوا:\nيا رسول الله إنا كنّا نتحرج أن نطوّف بالصفا والمروة. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ... ثمّ سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بينهما\nقال ابن شهاب: فذكرت ذلك لأبي بكر ابن عبد الرحمن، فقال: إنّه العلم، أي ما سمعت به «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الأحكام</span>\nاختلف العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة على أقوال:\n١- فقيل: إنه ركن، وبه قال الشافعي وأحمد، وهو مشهور مذهب مالك، فمن لم يسع كان عليه حج قابل.\n٢- وقيل: ليس بركن، بل هو سنة. وبه قال أبو حنيفة، وهو قول في مذهب مالك، قال في «العتبية» «٤» يجزئ تاركه الدم.\n٣- وقيل هو تطوع، ولا شيء على تاركه.\nاحتجّ من جعله ركنا بما\nروي أنه ﷺ كان يسعى ويقول: «اسعوا فإنّ الله كتب\n_________\n(١) ابن جرير الطبري، جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٢٨) .\n(٢) عامر بن شراحيل الحميري من كبار التابعين توفي سنة (١٠٣) في الكوفة انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٢٥١) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح كتاب الحج باب وجوب الصفا والمروة حديث رقم (١٦٤٣) .\n(٤) مؤلف في فقه المالكية لمحمد بن أحمد العتيبي.","vol":"1","page":46},{"text":"عليكم السعي» رواه الشافعي عن عبيد الله بن المزمل «١» .\nواحتج من لم يره ركنا:\nبظاهر الآية، فقد رفعت الإثم عمّن تطوّف بهما، ووصف ذلك بالتطوع. فقال: وَمَنْ تَطَوَّعَ يعني بالتطوع بينهما، وبما\nروي من حديث الشعبيّ عن عروة بن مضرّس الطائي قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة، فقلت يا رسول الله جئت من جبل طيء، ما تركت جبلا إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال ﵊: «من صلّى معنا هذه الصلاة، ووقف معنا هذا الموقف، وقد أدرك عرفة قبل- ليلا أو نهارا- فقد تمّ حجه، وقضى تفثه» «٢»\n، قالوا: فهذا يدل على أن السعي ليس بركن من وجهين:\nأحدهما: إخباره بتمام حجته، وليس فيها السعي.\nالثاني: أنه لو كان من أركانه لبيّنه للسائل، لعلمه بجهله الحكم، فإن قيل:\nمقتضى ذلك ألا يكون الطواف بالبيت فرضا، فإنّه لم يذكره أيضا.\nقيل: ظاهر اللفظ يقتضي ذلك، وإنما أثبتناه بدليل آخر.\nوالظاهر أن الآية لا تشهد لأحد المختلفين، لأننا علمنا السبب في أنها عرضت لرفع الجناح على من تطوّف بهما، وهو أنهم كانوا يتحرجون من السعي بينهما، لأنه كان عليهما في الجاهلية صنمان. وقالوا: كان يطاف بهما من أجل الوثنين.\nفبيّن الله أنه يطاف بهما من أجل الله، وأنهما من شعائره، فلا يتحرجون من السعي بينهما، وقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا كما يحتمل ومن تطوع بالتطوّف بهما، يحتمل: ومن تطوع بالزيادة على الفرض من التطوّف بهما، أو من الحج، فلم يبق من مستند في هذه المسألة إلا السنّة، وقد روي في ذلك آثار مختلفة، فيرجع إلى الترجيح بين هذه الآثار، بالسند والدلالة.\nقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)\nنزلت هذه الآية الكريمة في أهل الكتاب حين سئلوا من بعض الصحابة عمّا جاء في كتبهم في أمر النبي ﷺ،\nروي عن ابن عباس ﵄ أن معاذا سأل اليهود عمّا في «التوراة» من ذكر النبي ﷺ فكتموه إياه. فأنزل الله هذه الآية.\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند (٦/ ٤٢٢) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٢/ ١٤٧)، كتاب المناسك، باب من يدرك عرفة، حديث رقم (١٩٥٠)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٢٣٨)، في كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام حديث رقم (٨٩١) .","vol":"1","page":47},{"text":"والكتمان: ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره، لأنّه ما لم يكن كذلك لا يعدّ كتمانا.\nولما كان ما أنزله الله من البينات والهدى ما أنزل إلا لخير الأمم، وهدايتهم إلى الطريق المستقيم. وهم لن يصل إليهم الخير، ولن يهتدوا إذا كتم عنهم ما أنزل، وهم من أجل ذلك أحوج ما يكونون إلى إظهاره وتعليمه، شدّد الله النكير على الكاتمين، لما ينشأ عن هذا الكتمان من الضرر الجسيم، وتعطيل الكتب السماوية أن تؤتي الثمرة المرجوّة منها.\nوالمراد في قوله تعالى: ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى كل ما أنزله الله على الأنبياء من الكتب والوحي، ومن الدلائل التي تهتدي بها العقول في ظلمات الحيرة.\nوالآية عامة في كل كاتم ومكتوم يحتاج الناس إلى معرفته في أمر معاشهم ومعادهم. ولا عبرة بخصوص السبب الذي نزلت فيه.\nأما قوله: مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ فقد قيل: المراد بالكتاب «التوراة» و«الإنجيل»، والمكتوم ما جاء فيهما من صفة محمد ﷺ والأحكام. وقيل: أراد بالمنزل الأول ما في كتب المتقدمين. والثاني القرآن.\nواللعن في اللغة: الإبعاد مطلقا. ويطلق على الذم. وفي الشرع: الإبعاد من الثواب.\nو(اللعنون) قد بينوا في آية أخرى هي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) [البقرة: ١٦١] وقد قيل المراد باللاعنين:\nدوابّ الأرض وهوامها، فإنّها تقول: منعنا القطر من بني آدم، وقيل غير ذلك.\nوأنت قد رأيت أن اللعن قد جاء مرتبا على الكتمان، فلا مانع من أن يراد باللاعنين كل من يلحقه أثر الكتمان، إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) .\nالتوبة: عبارة عن الندم على فعل القبيح، لا لغرض سوى أنه قبيح، والإصلاح:\nضد الإفساد، والتبيين: الإظهار.\nعني القرآن الكريم عناية خاصة بتشديد النكير على من يكتم العلم. فهذه الآية دالّة دلالة صريحة على أن الكتمان جرم عظيم: يستحقّ مرتكبه اللعن والإبعاد من رحمة الله، وذمّ الناس إياه، ومقتهم وغضبهم، وذكر في آية أخرى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧] وقال تعالى:\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة: ١٧٤] وقال في الحث على بيان العلم وإن لم يذكر الوعيد: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا","vol":"1","page":48},{"text":"فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ\n[التوبة: ١٢٢] وقد ورد في السنة ما لا يقلّ عن هذا روى شعبة عن قتادة في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قال: فهذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم علما فليعلّمه، وإياكم وكتمان العلم. فإنّه هلكة،\nوروى حجاج عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من كتم علمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار» «١» .\nوقد أشرنا آنفا إلى ما في الكتمان من تعطيل وظيفة الرّسالة، وإلحاق الضرر بالناس، ومن أجل ذلك كان الوزر كبيرا. والآية صريحة في أنّ الكتمان إفساد، وأنه لا يكفي من فاعله الندم على ما فعل من الكتمان، بل لا بد من الإصلاح والتبيين، وقد ذكروا أن الآية تدل على عدم جواز أخذ الأجر على التعليم، لأنها تدل على لزوم إظهار العلم، وترك كتمانه، ولن يستحق إنسان أجرا على عمل يلزمه أداؤه، وقد جاء هذا الحكم مصرّحا به في آية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة: ١٧٤] .\nفثبت بذلك بطلان أخذ الأجر على تعليم القرآن وعلوم الدين، غير أن المتأخرين لما رأوا تهاون الناس، وعدم اكتراثهم لأمر التعليم الديني، وانصرافهم إلى الاشتغال بمتاع الحياة الدنيا، ورأوا أن ذلك يصرف الناس عن أن يعنوا بتعلم القرآن والعلوم الدينية فينعدم حفظة القرآن، وتضيع العلوم، وليس في الناس مع كثرة مشاغل الحياة ما يلجئهم إلى الانقطاع لهذه المهام أباحوا أخذ الأجور، بل حتمه بعضهم، وما هذه الحبوس «٢» والأرصاد التي حبسها الخيّرون إلا لتحقيق صيانة القرآن والعلوم الدينية، وسبيل لتنفيذ ما وعد الله به من حفظ القرآن في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩] .\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)\nأُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أصل الإهلال: رفع الصوت والجهر به. ومن ذلك قيل للملبي في حجة أو عمرة مهلّ لرفع صوته بالتلبية، ويقال: استهلّ الصبي، إذا صاح\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٣١٨)، كتاب العلم، باب كراهية منع العلم حديث رقم (٣٦٥٨)، والترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٩) في كتاب العلم باب ما جاء في كتمان العلم حديث رقم (٢٦٤٩) .\n(٢) أي الوقف.","vol":"1","page":49},{"text":"عند ولادته، وكان العرب إذا أرادوا ذبح ما قربوه لأصنامهم سمّوا باسم أصنامهم، وجهروا بذلك، وجرى ذلك من أمرهم، حتى قيل لكل ذابح مهلّ. سمّى أو لم يسمّ، جهر أو لم يجهر. فمعنى وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذبح لغير الله.\nاضْطُرَّ افتعل، من الضرورة: أي حلت به الضرورة إلى أكل ما حرم.\nالمعنى: يا أيها الذين صدّقوا بالله: أطعموا من حلال الرزق الذي أحللناه لكم، فطاب بذلك التحليل، وكنتم حرمتموه على أنفسكم، ولم أحرمه عليكم: من البحائر، والسوائب، وما إليها، وأثنوا على الله من أجل النعم التي رزقكموها، وأحلّها لكم إن كنتم منقادين له، ومطيعين إياه.\nإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ. لم يحرّم عليكم إلا الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح لغير الله، وما ذكر عليه اسم غير الله، فمن حلّت به ضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرّمات، لا باغيا ولا عاديا، أي غير باغ بأكله ما حرّم عليه، ولا عاد في أكله، بألا تكون له مندوحة بوجود ما أحلّه الله، فلا تبعة عليه في الأكل، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر لكم ما كان منكم في الجاهلية من تحريم ما لم يحرمه الله.\nوقد ورد التحريم في هذه الآية مسندا إلى أعيان الميتة والدم إلخ. وقد اختلف في مثله: أيكون مجملا أم لا؟ فذهب الكرخي «١» إلى أنه يكون مجملا، وحجته فيه أنّ الأعيان ليست من فعل العبد، والتحريم لا يتعلّق إلا بما هو من فعله، فلا بدّ أن تقدّر فعلا، وليس بعض الأفعال أولى من بعض بالتقدير، فلذلك يكون مجملا.\nوذهب غيره من العلماء إلى أنه لا يكون مجملا، لأنّ العرف يعيّن الفعل المراد فيما ورد من ذلك، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنّ الفعل المراد هنا هو الانتفاع، فيفيد حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل. ولذلك تجد كثيرا من العلماء يستدلّ بهذه الآية على حرمة وجوه من الانتفاع بها. والذي ينساق إليه الذهن أن الفعل المراد هنا هو الأكل، فالمعنى إنما حرّم عليكم أكل الميتة. بدليل أن الكلام فيه، ففي سابقه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وفي لاحقه فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ويدعم هذا ما\nورد عن رسول الله ﷺ في خبر شاة ميمونة «إنما حرم من الميتة أكلها» «٢»\nفإذا وردت أحاديث تدلّ على حرمة وجوه أخرى من الانتفاع بالميتة كانت الحرمة مأخوذة من تلك الأحاديث لا من هذه الآية.\n_________\n(١) عبيد الله بن الحسين بن دلّال، شيخ الحنفية ومفتي العراق أصيب في الفالج. توفي سنة (٣٤٠) انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (١٢/ ٨٨) ترجمة (٣٠٨٥)\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٢٧٦)، ٣- كتاب الحيض، ٢٧- باب طهارة جلود الميتة حديث رقم (١٠٠/ ٣٦٣) . [.....]","vol":"1","page":50},{"text":"والآية تفيد الحصر، فظاهرها إثبات التحريم لما ذكر من الحيوان، ونفيه عما عداه ويؤكد ذلك ما جاء في آية الأنعام قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً [الأنعام: ١٤٥]، وهذا الظاهر تعارضه أحاديث كثيرة وردت في تحريم السباع، والطير، والحمر الإنسية، والبغال.\nفقد ورد عن أبي ثعلبة الخشنيّ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل كلّ ذي ناب من السّباع» رواه البخاري ومسلم «١» .\nوروى مالك عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أكل كلّ ذي ناب من السّباع، وكلّ ذي مخلب من الطّير حرام» ذكره أبو داود «٢» .\nوروي عن جابر أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة، وأذن في لحوم الخيل» «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الأحكام</span>\nولما كان هذا التعارض بين ظاهر الآية وهذه الآثار اختلف الفقهاء اختلافا كثيرا فروي عن مالك أنه يكره لحوم السباع. والشافعي، وأبو حنيفة وأحمد يحرّمونها. وروي ذلك عن مالك أيضا، وجوز قوم أكل سباع الطير، وحرّمها آخرون.\nوذهب الجمهور إلى تحريم الحمر الإنسية، وروي ذلك عن مالك، وروي عنه أيضا أنه يكرهها، وحرّم الجمهور البغال، وكرهها قوم، وهو مروي عنه.\nوذهب أبو حنيفة ومالك إلى تحريم الخيل، وذهب الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد: إلى إباحتها، فالذي يذهب إلى حل شيء مما ذكر يستند إلى الآية، ويذهب إلى عمومها، ويحمل الحديث على نهي الكراهة، أو يبطله لمكان معارضته للآية.\nوالذي يذهب إلى تحريم شيء مما ذكر يستند إلى الحديث الوارد في التحريم، وينسخ به الآية، أو يرى أنه لا معارضة، ويرى أن الحصر في هذه الآية وآية الأنعام إضافي، بالإضافة إلى ما كانوا يعتقدون حرمته من البحائر. والسوائب، وما إليها.\nوكان مقتضى النظر أن من يذهب إلى أن الحصر في الآية حقيقي- ولم يشأ أن\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٨٦)، ٧٢- كتاب الذبائح، ٢٩- باب أكل كل ذي ناب حديث رقم (٥٥٣٠) ومسلم في الصحيح (٣/ ١٥٣٣)، ٣٤- كتاب الصيد، ٣- باب تحريم أكل كل ذي ناب حديث رقم (١٢/ ١٩٣٢) .\n(٢) هذا الحديث رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٥٣٤)، ٣٤- كتاب الصيد، ٣- باب تحريم أكل كل ذي ناب حديث رقم (١٦/ ١٩٣٤) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٨٥)، ٧٢- كتاب الذبائح، ٢٨- باب لحوم الحمر الإنسية حديث رقم (٥٥٢٤)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٥٤١)، ٣٤- كتاب الصيد، ٦- باب في أكل لحوم الخيل حديث رقم (٣٦/ ١٩٤١) .","vol":"1","page":51},{"text":"ينسخها بحديث- أن يعمل ذلك في كل حديث يخالف هذه الآية، ويذهب إلى إباحة كل حيوان لم ترد بتحريمه، ولكنّا رأينا من يتمسك بالآية ويردّ بها حديثا يأخذ بحديث آخر، مع أن الآية تعارضه أيضا.\nولعل المالكية أقرب إلى مقتضى النظر، لأنه روي عنهم كراهة كثير مما ذكر تحريمه في هذه الأحاديث، وقد تضمنت الآية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله:\nفأما الميتة: فهي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل، أو مقتولا بغير ذكاة. وكان العرب في الجاهلية يستبيحونها. فلما حرّمها الله جادلوا في ذلك فحاجّهم الله كما يرى في سورة الأنعام.\nوقد وردت أحاديث كثيرة تفيد تخصيص الميتة:\nروي عن النبي ﷺ أنه قال: «أحلّت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان السمك والجراد، والدمان الكبد والطحال» . ذكره الدارقطني.\nوورد في «الصحيحين» «١» عن جابر بن عبد الله، أنه خرج مع أبي عبيدة بن الجراح يتلقى عيرا لقريش قال: وزودنا جرابا من تمر. فانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه. فإذا هي دابة تدعى العنبر، قال أبو عبيدة ميتة. ثم قال: بل نحن رسل رسول الله ﷺ، وقد اضطررتم، فكلوا.\nقال فأقمنا عليه شهرا حتى سمنا. وذكر الحديث. قال: فلما قدمنا المدينة. أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له. فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء. فتطعموننا؟» قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه. فأكله.\nوروى مالك عن النبي ﷺ أنه قال في شأن البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» «٢» .\nفذهب الشافعية والحنفية إلى تخصيص الميتة في الآية بالحديث الأوّل، وأحلّوا السمك والجراد الميّتين بغير ذكاة. إلا أن الحنفية حرّموا الطافي من السمك. وأحلوا ما جزر عنه البحر، لورود حديث يخصّص هذا الحديث المتقدم وهو:\nعن جابر بن\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٧٧)، ٧٢- كتاب الذبائح، ١٢- باب قول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ حديث رقم (٥٤٩٤) ومسلم في الصحيح (٣/ ١٥٣٥)، ٣٤- كتاب الصيد، ٤- باب إباحة ميتات البحر حديث رقم (١٧/ ١٩٣٥) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (١/ ٤٥)، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر حديث رقم (٨٣)، والترمذي في الجامع الصحيح (١/ ١٠٠) في كتاب الطهارة باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور حديث رقم (٦٩) .","vol":"1","page":52},{"text":"عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه، وطفا، فلا تأكلوه» «١» .\nأما المالكية فقد رأوا أن\nحديث «أحلت لنا ميتتان»\nضعيف، ومهما اختلفوا في جواز تخصيص القرآن بالسنة فقد اتفقوا على أنه لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف، ورأوا أن الحديث الثاني والثالث صحيحان، فخصّصوا بهما الكتاب، وأحلوا بهما السمك، وبقي الجراد الميت على تحريم الميتة، لأنه لم يصح فيه شيء عندهم.\nومن لا يجيز تخصيص القرآن بالسنة يرى أن الذي خصص ميتة السمك قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ [المائدة: ٩٦] فأما صيده فهو ما أخذ بعلاج، وأما طعامه فهو ما وجد طافيا أو جزر عنه البحر.\nوقد ذهب أبو حنيفة إلى تحريم الجنين الذي ذبحت أمّه وخرج ميتا استنادا إلى أنّه ميتة، وحرمت الآية الميتة، وقد خالفه في ذلك صاحباه والشافعيّ وأحمد، وذهبوا إلى حله، لأنه مذكى بذكاة أمه.\nوذهب مالك إلى أنه إن تمّ خلقه ونبت شعره، أكل، وإلا لم يؤكل.\nوالحجة لهم ما ورد من\nقوله ﷺ: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»\nوهو يفيد أن ذكاة أمه تنسحب عليه.\nوقد قال من ينتصر لأبي حنيفة: إنّ الحديث كما يحتمل ما ذهبتم إليه، يحتمل معنى آخر، هو: أن ذكاته كذكاة أمه، فيكون على حدّ قوله:\nفعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكنّ عظم السّاق منك دقيق\nوإذا احتمل ذلك فلا يخصّص الآية.\nويبعد هذا أنّ الحديث ورد في سياق سؤال،\nفقد ورد عن أبي سعيد، أنه ﷺ سئل عن الجنين يخرج ميتا، فقال: «إن شئتم فكلوه، إنّ ذكاته ذكاة أمّه» «٢» .\nوقد اختلف في الانتفاع بدهن الميتة في غير الأكل، كطلاء السفن ودبغ الجلود، فذهب الجمهور إلى تحريمه، واستدلوا بالآية، لأنهم يرون أن الفعل المقدر هو الانتفاع بأكل أو غيره، وبما\nروي عن جابر، قال: لما قدم رسول الله ﷺ مكة، أتاه أصحاب الصليب- وهو الودك الذي يستخرج من العظم- الذين يجمعون الأوداك، فقالوا: يا رسول الله، إنّا نجمع\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٣٧٠)، كتاب الأطعمة، باب في الطافي من السمك حديث رقم (٣٨١٥) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٣/ ١٨)، في كتاب الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين حديث رقم (٢٨٢٧)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٦٠)، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في ذكاة الجنين حديث رقم (١٤٧٦) .","vol":"1","page":53},{"text":"هذه الأوداك، وهي من الميتة، وعكرها إنما هي للأدم والسفن؟ فقال رسول الله ﷺ: «قاتل الله اليهود، حرّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها»\nفنهاهم عن ذلك «١»، وهذا يفيد أن تحريم الله إياها على الإطلاق يفيد تحريم بيعها.\nوقد ذهب عطاء إلى أنه يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، ولعل حجته أن الآية إنما هي في تحريم الأكل، بدليل سابقها، وأن حديث شاة ميمونة «٢» يعارض حديث جابر، فوجب أن يرجح، لأنه موافق لظاهر التنزيل.\nوأما الدم فقد ورد هنا مطلقا، وورد في سورة الأنعام [١٤٥] مقيّدا بالمسفوح وحمل العلماء المطلق على المقيد، ولم يحرّموا منه إلا ما كان مسفوحا، وورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: لولا أن الله قال: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا لتتبّع الناس ما في العروق.\nوقد ذهب الحنفية والشافعية إلى تخصيص الدم المحرم\nبقوله ﷺ: «وأحلت لنا ميتتان ودمان»\nوذكر الكبد والطحال. والحق ما ذهب إليه مالك من أنه لا تخصيص لأن الكبد والطحال ليسا لحما ولا دما بالعيان والعرف.\nوأما الخنزير فقد ذهب بعض الظاهرية إلى أن المحرم لحمه، لا شحمه، لأنّ الله قال: وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وقال الجمهور: إنّ شحمه حرام أيضا، وهو الصحيح، لأن اللحم يشمل الشحم.\nفأما ما أهلّ به لغير الله. فقد نقل ابن جرير أن أهل التأويل اختلفوا فيه. فمنهم من قال: ما ذبح لغير الله. ونقله عن قتادة ومجاهد «٣» وابن عباس، ومنهم من قال:\nما ذكر عليه غير اسم الله، ونقله عن الربيع «٤» وابن زيد «٥» .\nوفيه خلاف آخر وهو: أهذا يشمل ذبائح النصارى التي ذكروا عليها اسم المسيح فتكون محرمة، أم لا يشملها فلا تكون محرمة، بل هو خاص بما ذكر عليه اسم الأصنام؟\nبالأول قال أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والشافعي، ومالك، ونقل عنه الكراهة.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٥٤)، ٣٤- كتاب البيوع، ١٠٣- باب لا يذاب شحم الميتة حديث رقم (٢٢٢٤)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٠٧)، ٢٢- كتاب المساقاة، ١٣- باب تحريم بيع الخمر والميتة حديث رقم (٧١/ ١٥٨١) .\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي المقرئ المفسّر أخذ التفسير عن ابن عباس توفي (١٠٤ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٥/ ٢٧٨) .\n(٤) الربيع بن أنس بن زياد المروزي انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (٦/ ٣٧٩) ترجمة (٩١٠) .\n(٥) عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي القرشي توفي (٦٣ هـ)، انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٣٠٧) .","vol":"1","page":54},{"text":"وبالثاني قال عطاء «١»، ومكحول «٢»، والحسن والشعبي، وسعيد بن المسيّب، وأشهب «٣» من المالكية.\nوسبب اختلافهم: أنه وردت هذه الآية، ووردت الآية وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: ٥] وكلاهما يصح أن تخصّص الأخرى، فيصح أن يكون المعنى:\nوطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ما لم يذكر اسم غير الله عليه، بدليل: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ويصحّ أن يقال: وما أهل به لغير الله إلا ما كان من أهل الكتاب. بدليل قوله: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. فمن ذهب إلى الأول حرّم ذبيحة الكتابي إذا ذكر عليها اسم المسيح، ومن ذهب إلى الثاني أجازها، ويمكن أن يرجّح الثاني بأن الآية نزلت في تحريم ما كان تذبحه العرب لأوثانها، وتكون في معنى قوله: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: ٣] .\nفَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.\nالباغي في اللغة: الطالب لخير أو لشر، وخص هنا بطالب الشر.\nالعادي: المجاوز ما يجوز إلى ما لا يجوز، وقد اختلف بالمراد بالباغي والعادي هنا: فذهب مجاهد وابن جبير «٤» إلى أن الباغي هنا: الخارج على الإمام، المفارق للجماعة. والعادي: قاطع السبيل. وقال قتادة والحسن وعكرمة «٥»: إنّ الباغي: آكل الميتة فوق الحاجة، والعادي: آكلها مع وجود غيرها. فعلى القول الأول: لا يجوز للخارج على الإمام ولا لقاطع السبيل إن اضطرا أن يأكلا من الميتة. ولكن يعترض على ذلك بأن بغي الباغي وعدوانه لا يبيحان له قتل نفسه بترك أكل المحرم عند الاضطرار.\nوقد اختلفوا في المضطر، أيأكل من الميتة حتى يشبع. أم يأكل على قدر سد الرمق؟\nذهب مالك إلى الأول، لأن الضرورة ترفع التحريم فتعود الميتة مباحة. ومقدار الضرورة من حالة عدم القوت إلى حالة وجوده. وهو حينئذ لا يحمل قوله تعالى:\n_________\n(١) ابن أسلم بن صفوان بن أبي رباح تابعي، ولد في اليمن وتوفي في مكة، انظر الأعلام للزركلي (٤/ ٢٣٥) .\n(٢) ابن أبي مسلم، أبو عبد الله، من حفاظ الحديث وتوفي بدمشق، انظر الأعلام للزركلي (٧/ ٢٨٤) . [.....]\n(٣) أشهب بن عبد العزيز القيسي العامري المصري، المالكي فقيه الديار المصرية، انظر الأعلام للزركلي (١/ ٣٣٣) .\n(٤) سعيد بن جبير الكوفي قتله الحجاج سنة (٩٥ هـ) . تابعي وهو حبشي الأصل، انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٩٣) .\n(٥) ابن عبد الله البربري المدني مولى ابن عباس تابعي كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي، انظر الأعلام للزركلي (٤/ ٢٤٤) .","vol":"1","page":55},{"text":"غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ على أن المراد غير باغ في الأكل، ولا متعد حد الضرورة، بل يحمله على البغي والعدوان على الإمام.\nوذهب غيره إلى الثاني، لأنّ الإباحة ضرورة، فتقدر بقدر الضرورة.\nوالحكمة في تحريم ما ذكر في الآية: أما الميتة فلا ستقذارها، ولما فيها من ضرر، لأنها إمّا أن تكون قد ماتت لمرض قد أفسد تركيبها. وجعلها لا تصلح للبقاء.\nوإما لسبب طارئ.\nفأما الأولى: فقد خبث لحمها. وتلوث بجراثيم المرض، فيخاف من عدواها ونقل مرضها إلى آكليها.\nوأما الثانية: فلأنّ الموت الفجائي يقتضي بقاء المواد الضارّة في جسمها.\nوأمّا الدم المسفوح، فلقذارته وضرره أيضا.\nوأما لحم الخنزير، فلأن غذاءه من القاذورات والنجاسات، فيقذر لذلك ولأن فيه ضررا، فقد استكشف الأطباء أنّ لحم الخنزير يحمل جراثيم شديدة الفتك، ويظهر أيضا أن المتغذي من لحم الخنزير قد يكتسب من طباع ما يأكله، والخنزير فيه كثير من الطباع الخبيثة.\nوأما ما أهل به لغير الله فتحريمه لحكمة مرجعها إلى صيانة الدين والتوحيد.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)\nكُتِبَ عَلَيْكُمُ فرض عليكم، كقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة: ١٨٣] ومنه الصلوات المكتوبات، وقول الشاعر «١»:\nكتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذّيول\nالْقِصاصُ: أن يفعل به مثل ما فعل. من قولهم: اقتص أثر فلان إذا فعل مثل فعله. قال الله تعالى: فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا [الكهف: ٦٤] .\nالْقَتْلى: جمع قتيل، كالصرعى جمع صريع. وإنما يكون (فعلى) جمعا (لفعيل) إذا كان وصفا دالا على الزمانة.\nالعفو: يطلق في اللغة على معان المناسب منها هنا اثنان: العطاء والإسقاط، فمن الأول: جاد بالمال عفوا صفوا: أي مبذولا ... ومن الثاني: وَاعْفُ عَنَّا [البقرة: ٢٨٦]\n_________\n(١) الشاعر هو عمر بن أبي ربيعة.","vol":"1","page":56},{"text":"و«عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» واختلفوا في سبب نزول هذه الآية.\nفروي عن قتادة أنه كان في أهل الجاهلية بغي وطاعة الشيطان، فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبد قوم آخرين عبدا لهم قالوا: لا نقتل به إلا حرّا، اعتزازا بأنفسهم على غيرهم، وإن قتلت لهم امرأة، قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا، فأنزل الله هذه الآية. يخبره أن العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي. ثم أنزل الله تعالى ذكره في سورة المائدة بعد ذلك وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة: ٤٥] وروي مثل ذلك عن الشعبي وجماعة من التابعين.\nوروي عن السدي أنه قال في هذه الآية: اقتتل أهل ملتين من العرب أحدهما مسلم، والآخر معاهد في بعض ما يكون بين العرب من الأمر، فأصلح بينهم النبيّ ﷺ وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء، على أن يؤدي الحر دية الحر، والعبد دية العبد، والأنثى دية الأنثى. فقاصهم بعضهم من بعض.\nويكون معنى الآية على الأول: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم أن تقتصوا للقتيل من قاتله، ولا يبغينّ بعضكم على بعض. فإذا قتل الحرّ الحرّ فاقتلوه فقط، وإذا قتل العبد العبد فاقتلوه به. وإذا قتلت الأنثى الأنثى فاقتلوها بها: مثلا بمثل. ودعوا الظلم الذي كان بينكم، فلا تقتلوا بالحر أحرارا، ولا بالعبد حرا، ولا بالأنثى رجلا.\nفمن ترك له شيء من القصاص إلى الدية. فليحسن الطالب في الطلب: من غير إرهاق ولا تعنيف، وليحسن المؤدي الأداء من غير مطل ولا تسويف، ذلك الذي شرعته من العفو إلى الدية تخفيف من ربكم ورحمة.\nوقد كان محرّما على اليهود أخذ الدية، ولم يكن لأولياء المقتول إلا القصاص، فمن تجاوز بعد أخذ الدية وقتل القاتل، فله عذاب أليم، أو فمن تجاوز ما شرعته، وعاد إلى أمر الجاهلية فله عذاب أليم.\nفإن قيل: إن صدر الآية يوجب القصاص، وعجزها يجيز العفو عنه إلى الدية.\nفكيف يجمع بينهما؟ قيل: إن صدر الآية أوجب القصاص والمماثلة إذا أريد قتل القاتل، ومنع العدوان والظلم. فلا منافاة بين صدرها وعجزها.\nوقد اختلف العلماء في نظم الآية وما يفهم منها. وبناء على ذلك اختلفوا فيما يؤخذ منها من الأحكام، فمن ذلك اختلافهم: أيقتل الحر بالعبد أم لا؟ أو يقتل المسلم بالذمي أم لا؟ فذهبت الحنفية إلى الأول، والمالكية والشافعية والحنابلة إلى الثاني، ونحن سنشير هنا إلى الأساس الذي بني عليه الخلاف.\nالأساس الذي بني عليه الخلاف هو: أصدر الآية كلام مكتف بنفسه؟ أم هو غير","vol":"1","page":57},{"text":"مكتف بنفسه، بل محتاج إلى العجز؟ ولا يتم الكلام إلى عند قوله: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ذهب الحنفية إلى الأول، والآخرون إلى الثاني.\nقال الحنفية: إنّ الله أوجب قتل القاتل بصدر الآية. وهذا يعم كلّ قاتل: سواء كان حرا قتل عبدا أم غيره. وسواء كان مسلما قتل ذميا أم غيره.\nوأما قوله: الْحُرُّ بِالْحُرِّ فإنما هو بيان لما تقدّم ذكره على وجه التأكيد، وذكر الحال التي خرج عليها الكلام، وهي ما كان يفعله بعض القبائل، من أنهم يأبون أن يقتلوا في عبدهم إلا حرا، وفي امرأتهم إلا رجلا. على ما جاء في حديث الشعبي.\nفأبطل ما كان من الظلم، وأكّد فرض القصاص على القاتل دون غيره، وإذا كان ذلك كذلك فليس في الآية دلالة على أنه لا يقتل الحر بالعبد، كما أنها لم تدل باتفاق على أنه لا يقتل الرجل بالمرأة، وكما أنها تدل على أنه لا يقتل العبد بالحر، ولا المرأة بالرجل باتفاق أيضا، فمناط الاستدلال عندهم: أن صدر الآية عامّ، وذكر الحر بالحر وما بعده ليس تقييدا، بل هو إبطال لما كانوا يفعلونه من الظلم.\nوقالوا: في معنى الآية قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء: ٣٣] فانتظم جميع المقتولين ظلما، عبيدا كانوا أو أحرارا، مسلمين أو ذميين، وجعل لوليهم سلطانا، وهو القود.\nوقوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥] وهو عموم في إيجاب القصاص في سائر المقتولين، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، ولم نجد ناسخا.\nوقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤] وقوله:\nوَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: ١٢٦] .\nوقد جاءت السنة أيضا بما يفيد هذا العموم في العبيد،\nفقال النبي ﷺ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم» «١»\nفقال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم»\nولم يفرّق بين عبد وحرّ في ذلك.\nفإن قيل: إن قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ [البقرة: ١٧٨] يفيد أن الآية في المسلمين، قالوا: إنّ هذا حكم، وهذا حكم، وخصوص الثاني لا يفيد خصوص الأول.\nقال الله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] وهذا عموم في المطلّقة ثلاثا وما دونها، ثم عطف قوله تعالى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ\n[البقرة: ٢٣١] وقوله: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا [البقرة: ٢٢٨] .\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٧٩)، كتاب الديات، باب إيقاد المسلم بالكافر حديث رقم (٤٥٣٠)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٣٩٢) حديث رقم (٤٧٥٩) .","vol":"1","page":58},{"text":"وهذا خاصّ في المطلقة دون الثلاث، فخصوص هذا لم يبطل عموم اللفظ في الأول.\nوقالت المالكية والشافعية: إن الكلام لا يتم عند قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى وإنما ينقضي عند قوله: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فالله قد أوجب المساواة، ثم بيّن المساواة المعتبرة، فبيّن أن الحرّ يساويه الحرّ، والعبد يساويه العبد، والأنثى تساويها الأنثى، وقد كان التقسيم يوجب ألا يقتل الرجل بالمرأة، ولكن جاء الإجماع على أنّ الرجل يقتل بالمرأة.\nفمناط الاستدلال عندهم أن الله أوجب المساواة والمماثلة في القتل، ثم جاء بالأصناف ليبين المساواة المعتبرة، فكأنه كتب أن يقتل القاتل إذا كان مساويا للمقتول في الحرية.\nوإذا كان الحر لا يقتل بالعبد، فالمسلم لا يقتل بالذمي، لأن نقص العبد برقّه الذي هو من آثار الكفر، فلا يقتل به المسلم،\nويدل له ﷺ: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» «١» .\nقالوا: وقد كان ظاهر الآية يفيد ألّا يقتل العبد بالحر، ولكنا نظرنا إلى المعنى، فرأينا أن العبد يقتل بالعبد، فأولى أن يقتل بالحر، وإذن فالآية قد جاءت لتبيّن من هم أقل في المساواة، فلا يقتل بهم من هو أعلى منهم، فلا ينافي ذلك أن يقتل الأنقص بالأزيد، ويعضّد هذا ما ذهب إليه أبو حنيفة من أنه لا مساواة بين طرف الحر وطرف العبد، ولا يجري القصاص بينهما في الأطراف، فكذلك لا يجب أن يجري في الأنفس.\nوالعقل يميل إلى تأييد قول أبي حنيفة في هذه المسألة، لأنّ هذا التنويع والتقسيم الذي جعله الشافعية والمالكية بمثابة بيان المساواة المعتبرة قد أخرجوا منه طردا وعكسا الأنثى بالرجل، فذهبوا إلى أن الرجل يقتل بالأنثى، والأنثى تقتل بالرجل، وذهبوا إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، ولكنهم أجازوا قتل العبد بالحر، فهذا كلّه يضعف مسلكهم في الآية.\nأما مسلك أبي حنيفة فيها فليس فيه هذا الضعف، وحينئذ يكون العبد مساويا للحر، ويكون المسلم مساويا للذمي في الحرمة، محقون الدم على التأييد، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام.\nويعضّد هذا أنّ مال الذمي قد ساوى مال المسلم في الحرمة، فإن سرقه مسلم قطع فيه، فإذا كان لماله حرمة مال المسلم فوجب أن يكون لدمه حرمة دم المسلم، إذ حرمة ماله إنما هي تبع لحرمة دمه، ويعضّد ما ذهب إليه أبو حنيفة من شرع قتل\n_________\n(١) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٨٨٨)، كتاب الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر حديث رقم (٢٦٦٠) .","vol":"1","page":59},{"text":"المسلم بالذمي ما رواه الطحاوي عن محمد بن المنكدر، أن النبي ﵊ أقاد مسلما بذمي،\nوقال: «أنا أحق من وفّى بذمته» «١»\nوقد روي عن عمر وعلي قتل المسلم بالذمي\n،\nوقال علي: إنّا أعطيناهم الذي أعطيناهم لتكون دماؤهم كدمائنا، ودياتهم كدياتنا.\nوأما\nحديث: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» «٢»\nفله ضروب من التأويل أحسنها: أن رجلا من خزاعة قتل رجلا من هذيل بذحل «٣» الجاهلية.\nفقال ﵊: «ألا إنّ كلّ دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدميّ هاتين، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده»\nيعني بالكافر الذي قتل في الجاهلية، فيكون ذلك تفسيرا\nلقوله: «كلّ دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين»\nويكون\nقوله: «ولا ذو عهد في عهده»\nفي معنى قوله: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ [التوبة: ٤] وقد ذكر علماء الأصول تأويلات يمنعنا خوف الإطالة من ذكرها.\nوآيات القصاص عامّة في كل قاتل قتل عمدا، ولكن وردت أحاديث تفيد تخصيصها، فمن ترجّحت عنده واشتهرت، خصص بها الآية.\nفمن ذلك ما\nروي عن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقتل والد بولده» .\nوفي رواية عنه أيضا «لا يقاد الأب بابنه» «٤»\n، وقد حكم بذلك عمر أمام جمع من الصحابة من غير نكير، فكان في منزلة الخبر المستفيض، فجاز أن يخصّص الآية، وقد أخذ به أبو حنيفة والشافعي.\nوروي عن مالك أنه إذا ظهر منه قصد القتل كأن أضجعه وذبحه قتل به، وإن رماه بسلاح أدبا، أو خنقه لم يقتل به.\nوقد اختلف العلماء: أتقتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله أم لا؟ فذهب أكثر فقهاء الأمصار: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والثوري وأبو ثور «٥» وغيرهم إلى أنه تقتل الجماعة بالواحد قلّت الجماعة، أو كثرت.\n_________\n(١) رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ط ٢، بيروت، دار الكتب العلمية ١٩٨٧ (٣/ ١٩٥) .\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) الذحل: الثأر، العداوة والحقد، انظر لسان العرب لابن منظور (١١/ ٢٥٦) .\n(٤) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ١٢)، كتاب الديات، باب ما جاء في الرجل يقتل ابنه حديث رقم (١٤٠٠، ١٤٠١) .\n(٥) إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، الفقيه صاحب الإمام الشافعي توفي (٢٤٠ هـ) انظر الأعلام للزركلي (١/ ٣٧) .","vol":"1","page":60},{"text":"وروي عن عمر ﵁ أنه قال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم جميعا «١» .\nوقال داود «٢» وأهل الظاهر: لا تقتل الجماعة بالواحد، واستند إلى ظاهر الآية، لأنها شرطت المساواة والمماثلة، ولا مساواة بين واحد والجماعة. وإلى قوله:\nوَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥] .\nوجمهور الفقهاء نظروا إلى المعنى: وهو أنّ الشارع شرع القصاص لحفظ الأنفس، وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ولو علم الناس أن الجماعة لا تقتل بالواحد لتمالأ الأعداء على قتل عدوهم، وبلغوا مرادهم من قتله، ونجوا من القود بالاجتماع. والآية لا تدل على أن الجماعة لا تقتل بالواحد، لأنها جاءت في منع حميّة الجاهلية التي كانت تدعو القبيلة إلى أن تقتل بقتيلها من قتل ومن لم يقتل افتخارا، بل قد يؤخذ من الآية ما يدل للجمهور، لأن المراد بالقصاص قتل من قتل كائنا من كان، واحدا، أو جماعة.\nوقد ذهب مالك والشافعي إلى أنّ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ يقتضي المماثلة في كيفية القتل، فيقتص من القاتل على الصفة التي قتل بها. فمن قتل تغريقا، قتل تغريقا، ومن رضخ رأس إنسان بحجر فقتله، قتل برضخ رأسه بالحجر. واحتجوا\nبحديث أنس «أنّ يهوديا رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبيّ رأسه بحجر» «٣» .\nوذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المطلوب بالقصاص إتلاف نفس بنفس، والآية لا تقضي أكثر من ذلك. فعلى أيّ وجه قتله لم يقتل إلا بالسيف. واستدلوا\nبحديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «لا قود إلا بالسّيف» «٤»\nوقالوا:\nقد ورد عن عمران بن حصين وغيره أن النبي ﷺ: «نهى عن المثلة» «٥»\nوقتله بما قتل به قد يؤدي إلى المثلة،\nوقد ورد عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة» «٦»\nفأوجب عموم لفظه\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ٥٣)، ٨٨- كتاب الديات، ٢١- باب إذا أصاب قوم من رجل حديث رقم (٦٨٩٦) .\n(٢) داود بن علي بن خلف الأصبهاني أبو سليمان الملقب بالظاهري توفي (٢٧٠ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٢/ ٣٣٣) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢١٥)، ٦٨- كتاب الطلاق، ٢٤- باب الإشارة في الطلاق حديث رقم (٥٢٩٥)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٩٩)، ٢٨- كتاب القسامة، ٣- باب ثبوت القصاص في القتل حديث رقم (١٥/ ١٦٧٢) . [.....]\n(٤) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٨٨٩)، كتاب الديات، باب لا قود إلا بالسيف حديث رقم (٢٦٦٧) .\n(٥) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٨٤)، ٧٢- كتاب الصيد، باب ما يكره من المثلة حديث رقم (٥٥١٦) .\n(٦) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٥٤٨)، ٣٤- كتاب الصيد، ١١- باب الأمر بإحسان الذبح حديث رقم (٥٧/ ١٩٥٥) .","vol":"1","page":61},{"text":"على من له قتل على جان، ورغب في القصاص أن يقتله بأحسن وجوه القتل.\nوقالوا: إذا ثبت حديث أنس، كان منسوخا بالنهي عن المثلة، وحكي عن القاسم بن معن أنه حضر مع شريك بن عبد الله «١» عند بعض السلاطين، فقال: ما تقول فيمن رمى رجلا بسهم فقتله؟\nقال: يرمى فيقتل، قال: فإن لم يمت بالرمية الأولى؟\nقال: يرمى ثانية.\nقال: أفتتّخذونه غرضا وقد نهى رسول الله ﷺ أن يتّخذ شيء من الحيوان غرضا «٢»؟ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ.\nقد ذكرنا أن المناسب من معاني العفو هنا: الإسقاط، أو العطاء. فذهب الشافعي إلى أن المراد هنا الإسقاط، والمعنى: فأيّ قاتل ترك له من أخيه شيء من القصاص فاتبعه أيها القاتل، وأدّ إليه بإحسان، وبناء على ذلك يكون موجب القتل العمد عنده أحد أمرين: إمّا القصاص، وإما العفو إلى الدية، فأيهما اختار الولي أجبر الجاني عليه. وهو رواية أشهب عن مالك. وروي عن ابن عباس: العفو أن تقبل الدية في العمد. ونحوه عن قتادة، ومجاهد وعطاء، والسدي.\nوذهب غيرهم إلى أن العفو العطاء، أي فمن أعطي له من أخيه شيء من المال فليتبعه بالمعروف، وليؤد إليه الجاني، وحينئذ لا يكون في الآية ما يدل على إلزام القاتل بالدية إذا رضيها الولي. وبناء على ذلك ذهبوا إلى أن موجب القتل العمد القصاص فقط. فإذا عفا الولي إلى الدية، ولم يقبل الجاني لم يجبر، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة وهو رواية القاسم عن مالك.\nويدل للمذهب الأول ما\nروي من أنه ﷺ قال: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إمّا أن يفدى وإما أن يقتل» «٣» .\nقال الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) بعد أن بيّن الله شرع القصاص ذكر الحكمة فيه، فقال: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ\n_________\n(١) ابن الحارث النخعي فقيه، القاضي الكوفي أدرك زمن عمر بن عبد العزيز توفي سنة (١٧٧ هـ) في الكوفة، انظر الأعلام للزركلي (٣/ ١٦٣) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٥٤٩)، ٣٤- كتاب الصيد، ١٢- باب النهي عن صبر البهائم حديث رقم (٥٨/ ١٩٥٧)، ورواه الترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٦٠)، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في كراهية أكل المصبور حديث رقم (١٤٧٥) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ٤٩)، ٨٨- كتاب الديات، ٨- باب من قتل له قتيل حديث رقم (٦٨٨٠) ومسلم في الصحيح (٢/ ٩٨٨)، ١٥- كتاب الحج، ٨٢- باب تحريم مكة وصيدها حديث رقم (٤٤٧/ ١٣٥٥) .","vol":"1","page":62},{"text":"أي ولكم يا أولي العقول فيما شرعت لكم من القصاص حياة وبقاء، لعلكم تتقون القصاص، فتنتهوا عن القتل.\nوإنما كان في شرع القصاص حياة، لأنّ الناس إذا علموا أن من قتل يقتل كفّ بعضهم عن بعض. فإذا همّ أحد بقتل أخيه أوجس خيفة من القصاص، فكفّ عن القتل، فكان في ذلك حياة له وحياة لمن أراد قتله وحياة لغيرهما من الناس، فربما وقعت الفتنة بالقتل، فيقتل فيها خلق كثير، وشرع القصاص حاجز لذلك كله، وهذا على أنّ المراد بالقصاص شرع القصاص ويمكن أن يراد منه القصاص نفسه، ويكون المعنى أن في القصاص نفسه حياة، لأنّ القاتل إذا اقتصّ منه كان عبرة لغيره، فيرتدع من يهمّون بالقتل، فلا يقتلون ولا يقتلون، فكان القصاص سببا للحياة، وهناك وجه آخر ذكره السدي فقال: ولكم في القصاص حياة أي بقاء، لا يقتل إلا القاتل بجنايته.\nوقد نقل الله بهذه الآية العقوبات من معنى إلى معنى سام جليل: فقد كانت العقوبات انتقاما في الأزمنة السالفة، ينتقم بها المجتمع من المجرمين، فجعل الله الغرض منها الاستصلاح وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ولم يقل انتقام، ولقد رقت قلوب قوم من رجال التشريع الوضعي!! فاستفظعوا قتل القاتل، ورحموه من القتل!! ولقد كان المقتول ظلما أولى برحمتهم وعطفهم، وإذا رحموا القاتل فمن يرحم المجتمع الذي يكثر فيه المجرمون الفسّاد، ولعمرنا إنهم نظروا نظرة ضيقة، ولو نظروا نظرة عامة شاملة لكانت رحمتهم هذه هي التي تدعوهم إلى القصاص والقسوة فيه، فإنّ من يرحم الناس يسعى لتقليل الشر عنهم، وكف عادية المعتدين.\nفقسا ليزدجروا، ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من يرحم\nولقد عبّرت العرب عن هذا المعنى بعبارات مختلفة، منها قولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقولهم: أكثروا القتل ليقلّ القتل، وأجود ما قالوه في ذلك قولهم:\nالقتل أنفى للقتل.\nوالنظم الكريم وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ قد فاق تلك بمراحل، ويدل على ذلك أمور:\n١- أنها أخص.\n٢- أن قولهم: القتل أنفى للقتل ظاهره أن القتل سبب في نفي القتل، وهو محال، بخلاف الآية، فإنّها جعلت القصاص، وهو نوع من القتل، فيه نوع من الحياة، بدليل التنكير، ولا إحالة في أن يكون نوع من القتل سببا لنوع من الحياة.\n٣- أن القتل ظلما قتل، وليس نافيا للقتل، بل هو أدعى للقتل، فيكون ذلك مبطلا لظاهر عموم قولهم. وثمّ وجوه أخرى لم نشأ الإطالة بها.","vol":"1","page":63},{"text":"قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) كُتِبَ عَلَيْكُمْ فرض عليكم.\nالخير: ضد الشر، والمراد به هنا: المال، وقد ورد في القرآن كثيرا بمعنى المال، قال تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [البقرة: ٢٧٢] وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) [العاديات: ٨] إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] .\nالوصية: القول المبين لما يستأنف عمله. وهي هنا مخصوصة بما بعد الموت وهي كذلك في العرف.\nالمعروف: ضد المنكر، وليس المراد بقوله: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ وقت حضور الموت ومعاينته، لأنّ هذا الوقت لا يعي فيه المرء ما يقول، بل المراد علامات الموت وأماراته، وذلك كالمرض المخوف.\nوقد اختلف في ذلك المال الذي كتبت فيه الوصية. فقيل: هو الكثير، وقيل:\nأيّ مال قليلا كان أو كثيرا. والأولون اختلفوا، فقيل: هو الكثير غير محدود.\nوبعضهم حدّده. واختلفوا في التحديد، فعن ابن عباس: إذا ترك سبعمائة درهم، فلا يوصي، فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصى.\nوعن قتادة: ألف درهم، وعن عائشة: أن رجلا قال لها: إني أريد أن أوصي.\nقالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: قال الله إِنْ تَرَكَ خَيْرًا وإنّ هذا الشيء يسير، فاتركه لعيالك، فهو أفضل، والظاهر قول من قال: إن المراد المال مطلقا، قليلا، كان أو كثيرا. لأن اسم الخير يقع على قليل المال وكثيره، ولم يخصّ الله منه شيئا دون شيء.\nوهذه الآية قد دلّت على وجوب الوصية، واختلف العلماء فيها: أهي منسوخة أم محكمة لم تنسخ؟ وجمهور العلماء على أنها منسوخة. قال الشافعي ﵁ ما معناه: إن الله تعالى أنزل آية الوصية، وأنزل آية المواريث، فاحتمل أن تكون الوصية باقية مع الميراث، واحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصايا. وقد طلب العلماء ما يرجّح أحد الاحتمالين، فوجدوه في سنّة رسول الله ﷺ\nفقد روى عنه أصحاب المغازي أنه قال عام الفتح: «لا وصيّة لوارث» «١»\nوهو وإن كان خبر آحاد إلا أن العلماء تلقته بالقبول، وأجمعت العامة على القول به.\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":64},{"text":"ثم إن القائلين بالنسخ اختلفوا: فذهب طاوس «١» وقوم معه: إلى أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين نسخت، وبقيت للقرابة غير الوارثين، فمن أوصى لغير قرابة لم تجز، وذهب غيرهم إلى أنها منسوخة في حقّ من يرث، وحق من لا يرث. وحجة الأولين: أن الوصية لمن يرث ومن لا يرث من الأقربين كانت واجبة بالآية، فنسخت منها الوصية للوارثين، وبقيت للأقربين غير الوارثين على الوجوب.\nويؤكد هذا\nقوله ﵊: «ما حقّ امرئ مسلم له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» «٢»\n. وحجة الآخرين ما\nرواه الشافعي عن عمران بن الحصين أن رسول الله ﷺ حكم في ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم فأعتقهم عند الموت، فجزأهم النبي ﷺ ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة «٣»\nفلو كانت الوصية واجبة للأقربين وإذا جعلت في غيرهم بطلت لما أجازها ﷺ في العبدين، لأن عتقهما وصية لهما، وهما غير قريبين، وقد ذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أنّ آية الوصية محكمة غير منسوخة، نقل ذلك عنه الفخر الرازي، وقرر مذهبه بوجوه:\nأولا: أنّ هذه الآية ليست مخالفة لآية المواريث، بل هي مقررة لها، والمعنى:\nكتب ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] إذا كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين، والأقربين بتوفير ما أوصى الله به لهم عليهم.\nثانيا: أنه لا منافاة بين ثبوت الوصية للأقرباء وثبوت الميراث، فالوصية عطية من حضره الموت، والميراث عطية من الله تعالى، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين.\nثالثا: لو قدّر حصول المنافاة بين آية الميراث وآية الوصية لكان يمكن جعل آية الميراث مخصّصة لآية الوصية لأن هذه الآية تفهم بعمومها أن الوصية واجبة لكلّ قريب، وآية المواريث أخرجت القريب الوارث، فبقيت آية الوصية مرادا بها القريب الذي لا يرث، إمّا لمانع من الإرث ككفر ورق، وإما لأنه محجوب بأقرب منه، وإما لأنه من ذوي الأرحام.\n_________\n(١) طاوس بن كيسان الخولاني اليماني من أئمة التابعين توفي سنة (١٠٦ هـ) أصله من الفرس، انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٢٢٤) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٢٤٥)، ٥٥- كتاب الوصايا، ١- باب الوصايا حديث رقم (٢٧٣٨)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٤٩)، ٢٥- كتاب الوصية حديث رقم (١/ ١٦٢٧) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٢٨٨)، ٢٧- كتاب الإيمان حديث رقم (٥٦/ ١٦٦٨) .","vol":"1","page":65},{"text":"وابن جرير الطبري ذهب في «تفسيره» «١» إلى هذا القول فقال في تفسير الآية: فرض عليكم أيها المؤمنون الوصيّة إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا والخير: المال لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الذين لا يرثون بِالْمَعْرُوفِ وهو الذي أذن الله فيه وأجازه في الوصية، ما لم يجاوز الثلث، ولم يتعمّد الموصي ظلم ورثته حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ يعني بذلك فرض عليكم هذا وأوجبه وجعله حقا واجبا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به.\nفإن قال قائل: أو فرض على الرجل ذي المال أن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثون؟ قيل: نعم. وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من العلماء منهم: الضحّاك «٢» فقد كان يقول: من مات ولم يوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية، ومنهم مسروق «٣» فقد حضر رجلا فأوصى بأشياء لا تنبغي، فقال له مسروق: إن الله قسم بينكم فأحسن القسم، وإنه من يرغب برأيه عن رأي الله يضلّه، أوص لذي قرابتك ممن لا يرثك، ثم دع المال على ما قسمه الله عليه.\nوقد ذهب القائلون بأنها منسوخة إلى أنها تندب، وتكون في ثلث ماله، ومعنى قوله: بِالْمَعْرُوفِ بالعدل الذي لا وكس فيه ولا شطط،\nوقد بيّنه رسول الله ﷺ بقوله لمن أراد أن يوصي: «الثلث والثلث كثير» «٤»\nوقد روي عنه عليه صلوات الله أنه قال: «إنّ الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في أعمالكم» .\nقال الله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) لما أوجب الله تعالى الوصية وجعلها حقا على المتقين، توعّد من غيّرها وبدّلها فقال: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي فمن غيّر ما أوصى به الموصي بعد ما سمع الوصية فليس على الموصي إثم، بل الإثم على مبدّل الوصية، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي سميع للوصية، عليم بما أوصيتم به، فلا تخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، وعلى ذلك يكون المنهي عن التغيير هو: الشاهد، فلا يكتم شهادة ولا يغيّرها، والوصي فلا يغير الوصية، ولا يحوّر فيها. والورثة فلا يمنعون من أوصي لهم من حقّهم.\nوقيل: إنه هو الوصي، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يوصون للأباعد،\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٦٨) .\n(٢) ابن مزاحم البلخي الخراساني، توفي (١٠٥ هـ) مفسر، كان يؤدب الأطفال انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٢١٥) .\n(٣) ابن الأجدع بن مالك الهمداني توفي (٦٣ هـ) تابعي، شهد حروب الإمام علي بن أبي طالب ﵁، انظر الأعلام للزركلي (٧/ ٢١٥) .\n(٤) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ١٠٢)، ٢٣- كتاب الجنائز، ٣٤- باب رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة حديث رقم (١٢٩٥)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٥٠)، ٢٥- كتاب الوصية، ١- باب الوصية بالثلث حديث رقم (٥/ ١٦٢٨) . [.....]","vol":"1","page":66},{"text":"ويتركون ذوي القربى في ضنك وشدة، فنهاهم الله عن ذلك، وجعل الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، ثم أوعد الموصين الذين يخالفون ما أمر به. ويجعلونها في غير المواضع التي أمرهم بها، أو يوصون بغير معروف، كأن يعطوا الأغنياء من أقاربهم، ويتركوا الفقراء، وعلى هذا يكون الضمير في قوله: فَمَنْ بَدَّلَهُ راجعا إلى الحكم الذي علم من الآية السابقة.\nأما على القول الأول فالضمير راجع إلى الوصية. وإنما أتى به مذكّرا والوصية مؤنثة نظرا إلى المعنى، فإنها بمعنى الإيصاء، كقوله: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: ٢٧٥] أي وعظ، وقد دلت الآية على أن المرء لا يؤخذ بجريرة غيره. فالميت لا يؤخذ ببكاء أهله إلا أن يكون له دخل في البكاء، كأن يكون أوصى به.\nولذلك لا يعذّب الميت إذا أوصى ورثته بقضاء دينه، فقصّروا في القضاء، وهي في معنى: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤] مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [فصلت: ٤٦] لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] .\nهذا وقد طعن قوم في أحكام الوصية والميراث في الشريعة الإسلامية. وقالوا:\nإنها لا تلين لرغبات المالكين، وقد تكون هذه الرغبات محترمة أما أنها لا تلين لرغبات المالكين فلأن الميراث قد فرضت فروضه، وعيّنت أنصباؤه، وليس لأحد أن يغيّر فيها، وقد منعت الوصية للوارث، فليس لأحد أن يوصي لوارثه.\nوأما أن رغبة المالكين قد تكون محترمة فلأنه ربما أراد أن يوصي لوارث فيزيد نصيبه، لأنه يراه أبرّ به من غيره، أو لأنه أحوج، قالوا: والشريعة الإسلامية قد خالفت ما عند الأمم الأخرى من احترام رغبات المالكين. وقد تذرّعت أمة إسلامية بذلك فتركت أحكام الشريعة في الميراث والوصايا، واستبدلت بها القانون السويسري.\nونحن نرى أنه لا موجب لهذه الغارة على أحكام الشريعة، فقد نقلنا ما رواه الفخر الرازي من رأي أبي مسلم الأصفهاني في الوصية، وقد علمنا منه أن رأيه أن الوصية للوارث باقية لم تنسخ، ولا منافاة بينها وبين الميراث.\nفالميراث عطية من الله، والوصية عطية من المالك للوارث، فإذا كانت هذه الأمة قد اضطرت لاحترام إرادة المالكين، ولم تبال بما يصحبها من جور غالبا.\nففي الشريعة الإسلامية متسع لهذا. فلنا الأخذ برأي أبي مسلم الأصفهاني في الوصية وهو يجيز الوصية للوارث، ويحترم رغبة المالكين. فمن شاء أن يوصي لابن بار، أو وارث أشد حاجة: فله ذلك عنده. وما دام في الشريعة غنى، فليس لهم أن يستبدلوا بها قانونا آخر. وإن الأخذ بقول من أقوالها مهما كان ضعيفا خير من الخروج عنها جملة.","vol":"1","page":67},{"text":"قال الله تعالى: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) الجنف: الميل في الأمور، وأصله العدول عن الاستواء. والفرق بين الجنف والإثم هنا: أن الجنف الخطأ في الوصية من حيث لا يعلم، والإثم الجور عن عمد.\nوقد اختلف في تأويل الآية. فقال بعضهم: إن معنى خافَ هنا علم، ولما توعّد الله من غيّر الوصية بيّن أن هذا الوعيد لمن غيّرها جورا.\nأما من علم من الموصي الجور فلا إثم عليه في تغييرها إلى عدل وصلح، فبيّن الفرق بين التبديلين. فأوجب الإثم في الأول. ونفاه عن الثاني.\nوقال بعضهم: إن خافَ هنا على معناها، والمراد: أن من حضر الموصي وهو يوصي فخاف منه الخطأ في وصيته، أو تعمّد الجور فيها فلا حرج عليه أن يصلح بين الموصي وبين ورثته: بأن يأمره بالعدل في وصيته. فلا يتعمد إضرار الورثة. ولا يحرم مستحقا، ويعطي غير مستحق: يفعل ذلك مشورة وإصلاحا، والضمير في قوله: بَيْنَهُمْ يعود على الموصى لهم، وهم وإن كانوا لم يذكروا، إلا أنهم علموا من قوله: مُوصٍ لأنّه يستلزم موصى لهم.\nفإن قيل: هذا المصلح قد أتى بطاعة بإصلاحه يستحق عليها الثواب الجزيل. وكان المنتظر أن يقال: فله أجر. فكيف قيل: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وقيل: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ؟\nفالجواب: أنه لما كان تبديلا، وقد أثّم الله المبدّلين، أراد أن يبين مخالفته للأول برفع الإثم عنه، لأنه ردّ الوصية إلى العدل.\nوأما قوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، كأنه قال: أنا الغفور الرحيم لمن أذنب وعصى فلأن أوصل الرحمة والمغفرة لهذا المصلح أولى.\nأو يقال: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لهذا الوصي الذي أوصى بما فيه جنف أو إثم إذا أصلحت وصيته. وهذه الآية تدل على جواز الصلح بين المتنازعين.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) .\nالصِّيامُ: مصدر صام. كالقيام مصدر قام، وهو في اللغة: الإمساك عن الشيء، والترك له، ومنه قيل للصمت: صوم، لأنه إمساك عن الكلام، قال تعالى في","vol":"1","page":68},{"text":"قصة مريم إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: ٢٦] ومنه قولهم:\nصامت الريح، إذا ركدت وسكنت، وصامت الفرس، إذا أمسكت عن العلف، قال النابغة:\nخيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما\nوفي الشرع: هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، بنيّة من أهله من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.\nكَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قيل: إن وجه الشبه هو وجوب الصوم، وقيل: مقداره، وقيل: كيفيته. من الكف عن الأكل والشرب، وقد ذكر القائلون بالأخيرين روايات تؤيد ما ذهبوا إليه، منها أنه كان المفروض على اليهود والنصارى صوم شهر رمضان هذا، الذي كلّف الله المسلمين بصومه، وزعموا أن اليهود تركت هذا الشهر إلى صوم يوم زعموا أنه الذي غرق فيه فرعون.\nأما النصارى فقد صادفوا في رمضان حرّا شديدا، فحولوه إلى وقت لا يكون حرّا، ثم قالوا عند التحويل: نزيد فيه عشرا، ثم اشتكى ملكهم فزادوا سبعا، ثم اشتكى الملك الذي بعده فقال: ما بال هذه الثلاثة فتمّ لهم صوم خمسين يوما، وهناك روايات غير هذه، كلّها تفتقر إلى الإثبات وعلم حقيقة ما كتب على الذين من قبلنا، وما دام التشبيه لا يحتاج لأكثر من وجه من وجوه المماثلة، ونحن نقطع بأن من كان قبلنا قد أوجب الله عليهم الصيام، فما حاجتنا بالجري وراء أخبار تحتاج في إثباتها إلى عناء وجهد قد لا تصل بعدهما إلى ما يثبت المدعى؟\nنحن لا ننكر هذه الأخبار، أو ما اشتملت عليه، بل نقول: إنها تفتقر إلى الإثبات، وفهم الآية غير متوقّف عليها، إذ يكفي في فهم الآية أن يكون الله قد كتب صوما ما على الذين من قبلنا، وتلك حقيقة يسلّم بها جميع أهل الأديان، وهم يتعبدون بها إلى اليوم، والمطّلعون على التاريخ القديم يقولون: إن التاريخ يدل على أنه لم تخل شريعة من الشرائع من فرض الصوم، وإنما اختلف الصوم في الأمم السابقة في ماهيته، وكيفيته، ومقداره، وما دام الله لم يبين لنا ماهية الصوم عند الذين من قبلنا وكيفيته ومقداره فما حاجتنا إلى البحث وراءه، ولو علم الله في بيانه خيرا لبينه؟\nقال الزجاج «١»: إن كَما هنا في موضع نصب على المصدر، والمعنى:\nفرض عليكم الصيام كفرضه على الذين من قبلكم. وقال أبو علي «٢»: هو صفة\n_________\n(١) إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق عالم بالنحو واللغة ولد ومات في بغداد، انظر الأعلام للزركلي (١/ ٤٠) .\n(٢) الحسن بن أحمد الفارسي، أحد الأئمة في علم العربية توفي في بغداد سنة (٣٧٧ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٢/ ١٧٩) .","vol":"1","page":69},{"text":"لمصدر محذوف، أي كتابته مثل كتابته على الذين من قبلكم. وقيل: غير هذا.\nلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ذكروا في معناها في هذا الموضع وجوها:\nأحدها: أن الصوم يورث التقوى، لأنه يكسر الشهوة، ويقمع الهوى، ويردع عن الأشر والبطر والفواحش، ويهوّن لذات الدنيا.\nالثاني: أن المعنى: ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى.\nالثالث: أن المعنى: لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات، وأنت ترى أن المعاني متقاربة.\nأَيَّامًا مَعْدُوداتٍ منصوب على الظرفية، وقيل: غير هذا، وقد اختلف العلماء في هذه الأيام: أهي رمضان أم غيره؟ قيل: إنها غير رمضان، وأنه كان قد وجب صوم قبل رمضان، ثم نسخ بآية: شَهْرُ رَمَضانَ إلى قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] وهو مذهب معاذ. وقتادة. وعطاء. ومرويّ عن ابن عباس، ثم اختلف هؤلاء، فقال عطاء: هي ثلاثة أيام من كل شهر، وقال قتادة: بل هي ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عاشوراء.\nثم إن هؤلاء اختلفوا أيضا. فقال بعضهم: إن هذا الصوم كان تطوعا، وقال بعضهم: بل واجبا، واتفقوا على أن هذا الصوم- على الخلاف في أنه تطوع أو فرض. وعلى الخلاف في مقداره- منسوخ بصوم رمضان، واستدلوا على صحة ما ذهبوا إليه بوجوه:\nالأول: ما\nروي عن النبي ﷺ: «أنّ صوم رمضان نسخ كلّ صوم»\nفدل هذا على أن صوما كان قبل رمضان ونسخ به.\nالثاني: أن الله تعالى ذكر حكم المريض والمسافر هنا وذكره في آية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فلو لم تكن الآية الأولى منسوخة بالثانية لكان تكرارا ينزّه عنه القرآن.\nالثالث: أنّ قوله تعالى هنا: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ يدلّ على أن هذا الصوم واجب على التخيير، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأعطى الفدية. وصوم رمضان واجب على التعيين. فواجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان. ذلك مبلغ ما قالوا في التدليل لمذهبهم.\nوذهب أكثر المحققين إلى أن المراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان، وهو مذهب ابن عباس، والحسن، وأبي مسلم، وحاصله: أنّ الله سبحانه بيّن أولا أنه فرض علينا صوما كالذي فرضه على الذين من قبلنا، فاحتمل هذا أن يكون يوما، أو يومين، أو غير ذلك، فبيّنه بعض البيان بقوله: أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ وكان ذلك أيضا","vol":"1","page":70},{"text":"محتملا لأن يكون فوق ثلاثة أيام إلى أكثر من شهر، فبينه الله تعالى بقوله: شَهْرُ رَمَضانَ إلخ. وإذا كان ذلك يمكننا في فهم الآية فلا وجه لحملها على غيره، وإثبات النسخ فيه، وهو فوق ذلك خارج عن مدلول اللفظ.\nأما ما تمسكتم به من\nقول النبي ﷺ: «صوم رمضان نسخ كلّ صوم»\nفلم لا يجوز أن يراد: كلّ صوم كان في الشرائع السابقة؟ ومعروف أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، فليكن هو الناسخ. ولئن سلّم أن المراد كلّ صوم كان عندنا فأين انحصار أدلة الوجوب في هذه الآية؟ ولم لا يجوز أن يكون صوما قد ثبت بأدلة غير هذه؟\nوأما قولكم: لو كان عين شهر رمضان لكان قوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ ... إلخ مكرّرا.\nفلنا أن نقول: إن صوم رمضان ثبت في أول الأمر مخيّرا فيه المكلّف بين الصيام، وبين الفدية دون القضاء، فلما كان كذلك، ورخص للمسافر في الفطر، كان من الجائز أن يظنّ أن عليه الفدية دون القضاء، ويجوز أنه لا فدية عليه ولا قضاء لمكان العذر الذي يفارق به المقيم.\nولما لم يكن ذلك بعيدا، بيّن الله تعالى أن إفطار المريض والمسافر في الحكم خلاف التخيير في حق المقيم، فإنه يجب عليهما القضاء في عدة من أيام أخر، فلما نسخ الله ذلك عن المقيم الصحيح وألزمه بالصوم حتما، كان جائزا أن يظن أن انتقال الحكم من واسع إلى ضيق ربما يعم الكلّ فيساوي المريض والمسافر الصحيح المقيم. أو على الأقل يبقى حكم المريض والمسافر مجهولا: فكانت هناك حاجة إلى البيان، فجيء به لدفع هذه الحاجة، وحيث قد ذهبنا إلى القول بأن صوم رمضان كان في البدء مخيّرا، فلم تعد بنا حاجة إلى الاعتذار عن حجتهم الثالثة.\nوأنت ترى أن الآية على القولين قد دخلها النسخ: أما الأول فظاهر، وأما الثاني، فلأنّه يقضي بأن صوم رمضان ثبت في البدء مخيّرا، ثم نسخ بالتعيين، ولعل الحكمة في شرعه هكذا سنة التدرج في التشريع.\nفَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ المراد منه والله أعلم أن فرض الصيام في الأيام المعدودات إنما يلزم الأصحاء المقيمين. فأما من كان مريضا أو مسافرا فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر.\nوقد دلّت الآية على عظيم فضل الله، وسعة رحمته بعباده، فقد بيّن الله سبحانه في أول الآية أن شريعة الصيام فيكم لم تكن بدعا من الشرع، بل لكم فيها أسوة، فقد كانت مكتوبة على من قبلكم من الأمم، ثم بيّن فيها ثانيا: وجه الحكمة في إيجاب الصوم، وهو أنه سبب قوي في حصول التقوى، وثالثا: أنه لم يكلفنا بما يشق، بل","vol":"1","page":71},{"text":"كلفنا أياما معدودات، وهي وإن قلّت فجزاؤها جزيل، ثم بيّن جل شأنه أنه خصّ هذه الأيام بالشهر الذي أنزل فيه القرآن لمزيد الشرف ثم بين أن هذا التكليف خاصّ بمن قدر عليه، حيث أباح تأخيره لمن يشق عليه من المرضى والمسافرين إلى وقت يقدرون عليه فيه.\nوقد اختلفوا في المرض المبيح للفطر على ثلاثة أقوال:\nذهب الحسن وابن سيرين «١» إلى أنّ المدار على تحقق وصف المرض، فأيّ مرض وأيّ سفر بالغين ما بلغا يترخّص بهما المسافر والمريض في الفطر في رمضان، وقد روي أنّ جماعة دخلوا على ابن سيرين فوجدوه يأكل، فاعتل بوجع إصبعه.\nوذهب الأصم إلى أنّ المراد المريض والمسافر اللذان لا يقدران على الصوم مع المرض والسفر إلا بجهد ومشقة.\nوذهب أكثر الفقهاء إلى أن المرض المبيح للفطر هو الذي يؤدي إلى ضرر في النفس، أو زيادة في العلة، وهذا هو الذي يتقبله العقل بقبول حسن، فإن الحكمة التي من أجلها رخّص للمريض هي إرادة اليسر، ولا يراد اليسر إلا حيث يظنّ العسر، وإن من الأمراض ما يكون شفاؤه بالصوم، فكيف يباح الفطر لمن كان مرضه كذلك، ولم يكلفنا الله سبحانه إلا على حسب ما يكون في غالب الظن، فيكفي أن يظهر أن الصوم يكون سببا للمرض، أو يزيد في العلة، أما الإطلاق فيه أو التضييق فأمر يتنافى مع إرادة اليسر بالمكلفين.\nوكذلك اختلفوا في السفر المبيح للفطر.\nفقال داود الظاهري: الرخصة حاصلة في كل سفر، ولو كان فرسخا، وحجته أن الحكم علّق في الآية بكونه مسافرا، وهو مؤذن بعلية ما اشتق منه، فحيث تحقّق السفر تحقق الحكم وهو الرخصة، وقال: كل ما في الباب أنكم تروون خبرا آحاديا، وتخصيص عموم الكتاب بخبر الآحاد غير جائز.\nوقال الأوزاعي: «٢» السفر المبيح للفطر مسافة يوم، وذلك لأن أقل من هذا قد يتفق للمقيم، وكأنه يعتبر في المسافر عدم التمكن من الرجوع إلى أهله في اليوم.\nوذهب الشافعي ﵁ إلى أن السفر المبيح مقدّر بأربعة برد، كلّ بريد أربعة فراسخ، كل فرسخ مقدّر بثلاثة أميال بميل هاشم جد النبي ﷺ، وهو الذي قدر أميال\n_________\n(١) محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء، اشتهر بتعبير الرؤيا ينسب له كتاب تعبير الرؤيا، انظر الأعلام للزركلي (٦/ ١٥٤) .\n(٢) عبد الرحمن بن عمرو، إمام الشام ولد في بعلبك، سكن بيروت وتوفي بها، انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٣٢٠) .","vol":"1","page":72},{"text":"البادية، كل ميل اثنا عشر ألف قدم، كل قدم ثلث خطوة، وهو مذهب مالك، وأحمد.\nوقال أبو حنيفة: لا يتحقق سفر يبيح الترخيص حتى يكون قدر ثلاث مراحل، قدرها أربعة وعشرون فرسخا، وهي مقدرة في كتب الحنفية بمسير ثلاثة أيام سيرا وسطا، وهو سير الإبل والأقدام في البر، وسير السفن الشراعية في البحر، ويكتفون بسير معظم اليوم، واحتج الشافعي بما رواه عن ابن عباس ﵄، قال: يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من ثلاث برد من مكة إلى عسفان «١» .\nوقد قال أهل اللغة: إن كل بريد أربعة فراسخ، فتكون ستة عشر فرسخا، وهو الذي قلنا.\nواحتج أبو حنيفة: بأن قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ يوجب الصوم، ولكنا تركناه في الثلاثة الأيام للإجماع على الرخصة فيها. أما فيما دونها فمختلف فيه، فوجب الصوم احتياطا.\nواحتجوا أيضا\nبقوله ﵊: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» «٢»\n. ولا يكون كذلك حتى تكون مدة السفر ثلاثة أيام، لأن الشارع جعل علّة الامتداد إلى الثلاثة السفر، والرخص لا تعلم إلا من الشرع. وأما ما رويتم عن ابن عباس فلعله مذهبه واجتهاده، ولا نترك حديث رسول الله إلى مذهب أحد واجتهاده.\nوأيضا ورد عن الرسول ﷺ اعتبار الثلاثة الأيام سفرا، ومن ذلك\nحديث ابن عمر عن النبي ﷺ: «وأنه نهى أن تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم» «٣» .\nنعم قد روي عن أبي سعيد «٤»، وأبي هريرة «٥» أخبار في هذا المعنى، تفيد من منعها السفر يومين، ولكنّهما روي عنهما أيضا النهي عن سفرها ثلاثة أيام، ويوما.\nفلما كان هذا الاضطراب وللاحتياط في إسقاط الفرائض عوّلنا على حديث ابن عمر، لأنه متفق عليه، وروايات غيره مضطربة فتركناها، فتبين أن الثلاثة قد تعلّق بها حكم شرعي، وغيرها لم يعلّق به، فوجب تقديرها في إباحة الفطر.\n_________\n(١) قال عنه الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح، انظر تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر العسقلاني ط ١، بيروت دار الكتب العلمية ١٩٩٨ (٢/ ١١٧) .\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين حديث رقم (٩٥) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٩٧٥)، ١٥- كتاب الحج، ٧٤- باب سفر المرأة حديث رقم (٤١٣/ ١٣٣٨) .\n(٤) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٩٧٦)، ١٥- كتاب الحج، ٧٤- باب سفر المرأة حديث رقم (٤١٦/ ٠٠٠) .\n(٥) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٩٧٧)، ١٥- كتاب الحج، ٧٤- باب سفر المرأة حديث رقم (٤١٩/ ١٣٣٩) .","vol":"1","page":73},{"text":"ثم إنّ العلماء قد اختلفوا في المسافر والمريض: ماذا يلزمهما في رمضان؟\nذهب جماعة من علماء الصحابة رضوان الله عليهم: إلى أن الواجب عليهما الفطر وصيام عدة من أيام أخر، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، حتى روي عنه:\nأن المسافر إذا صام في السفر قضى في الحضر.\nوذهب أكثر الفقهاء إلى أن الإفطار رخصة، فإن شاء صام وإن شاء أفطر، وحجّة الأولين ظاهر\nقوله ﵊: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر» «١»\n،\nوقوله ﵊: «الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر» .\nوأما الجمهور فقد قالوا: إن في الآية إضمارا تقديره: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر، فعليه عدّة من أيام أخر، وهو نظير قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ.. [البقرة: ٦٠] وقوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ إلى قوله: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦] التقدير في الأوّل (فضرب) فانفجرت، والثاني (فحلق) ففدية.\nوأيضا\nفقد روى أبو داود في «سننه» عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن حمزة الأسلمي سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أفأصوم في السفر؟ فقال ﵊: «صم إن شئت، وأفطر إن شئت» «٢» .\nوقد ثبت عن النبي ﷺ بالخبر المستفيض «٣»\nأنه صام في السفر رواه ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء، وسلمة بن المحنّف.\nوأما ما\nروي من قوله: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر»\nفإنّه كلام خرج على حال مخصوصة، وذلك ما\nرواه شعبة من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه رأى رجلا يظلّل عليه والزّحام عليه شديد، فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» «٤»\n. فمن سمع وذكر الحديث ذكره مع سببه، وبعضهم اقتصر على ذكر الحديث.\n_________\n(١) سيأتي تخريجه.\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ٢٩١)، ٣٠- كتاب الصوم، ٣٣- باب الصوم في السفر حديث رقم (١٩٤٣)، ومسلم في الصحيح (٢/ ٧٩٠)، ١٣- كتاب الصيام، ١٧- باب التخيير في الصوم حديث رقم (١٠٧/ ١١٢١) وأبو داود في السنن كتاب الصوم، باب الصوم حديث رقم (٢٤٠٢) .\n(٣) انظر ما رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٧٨٤- ٧٨٧)، ١٣- كتاب الصيام، ١٥- باب جواز الصوم والفطر حديث رقم (٨٨/ ١١١٣) و(٩٠/ ١١١٤) و(٩٣/ ١١١٦) و(٩٨/ ١١١٨) .\n(٤) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ٢٩٢)، ٣٠- كتاب الصوم، ٣٦- باب قول النبي ﷺ حديث رقم (١٩٤٦)، ومسلم في الصحيح (٢/ ٧٨٦)، ١٣- كتاب الصيام، ١٥- باب جواز الصوم والفطر حديث رقم (٩٢/ ١١١٥) .","vol":"1","page":74},{"text":"وقد ذكر أبو سعيد الخدري في حديثه أنهم صاموا مع النبي ﷺ عام الفتح في رمضان، ثم إنه قال لهم: «إنّكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا» «١»\nفكانت عزيمة من رسول الله ﷺ قال أبو سعيد: ثم لقد رأيتني أصوم مع النبي ﷺ قبل ذلك وبعد ذلك، وأما\nحديث: «الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر»\nفحديث مقطوع لا يثبت عند كثير من الناس.\nوالحنفية بعد ذلك يرون الصوم أفضل من الفطر. ويقول المالكية كذلك لمن قوي عليه.\nفَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ: أي من كان منكم مريضا أو مسافرا فأفطر فعليه صيام أيام أخر بعد ما أفطر، وهذا تأويل الجمهور، فكان المريض والمسافر عندهم واجبه الأصليّ الصوم، ويرخّص له في الفطر، فإذا أفطر فليقض أياما مكان الأيام التي أفطر فيها.\nوأما غير الجمهور فتأويل الآية عندهم: فمن كان مريضا أو مسافرا فليفطر، والواجب عليه ابتداء صوم أيام أخر، وصيامه في رمضان لا يعتدّ به.\nوأنت بعد الذي بينا من أدلة الطرفين إذا رجعت إلى النظم الكريم وجدت أنّ النظم قد شمل الخطاب فيه جميع المؤمنين كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ثم لمّا كان بعض الناس قد يكون له من العذر ما يقتضي التخفيف بيّن الله حال المعذورين بقوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وقال: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ على ما يأتي بيانه بعد، ثم قال: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ.\nفهل تجد بعد هذا مسوّغا لأن تفهم من الآية أنّ الفطر واجب على من لا يضره الصوم من أصحاب الرّخص؟ ثم انظر إلى قوله تعالى في الآية التي بعد هذه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] فإنّك لا بدّ فاهم منها أن الواجب الأصليّ على الناس جميعا في رمضان هو الصوم، وأن التأخر عنه ترخيص.\nفهل إذا التزم العبد أن يقوم بما هو أشق عليه ولا يضرّه تحصيلا للثواب الكثير فنقول له: إن هذا لا يجزيك؟ ما نظن.\nوَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ظاهر العبارة يفيد أنّ القادر على الصوم له أن يترك الصوم إلى الفدية ولا يلزمه القضاء. وقد تقدّم القول بأنّ بعض العلماء يرى أن هذه الآية من أولها منسوخة لهذا ولغيره، وبعضهم يرى أنه لا نسخ إلا في هذا الجزء، ويرى أن صوم رمضان كان قد شرع ابتداء على التخيير، ثم نسخ بقوله:\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٧٨٩، ١٣- كتاب الصيام، ١٦- باب أجر المفطر في السفر حديث رقم (١٠٢/ ١١٢٠/ ١. [.....]","vol":"1","page":75},{"text":"فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وهذا كله على قراءة يُطِيقُونَهُ مضارع من الإطاقة. وسنعود إليها بعد الكلام على القراءات الأخرى. فقد قرئ يُطِيقُونَهُ بتشديد الياء بعد الطاء.\nوقرئ يطوقونه بالواو بدل الياء، ومعناه: يجشّمونه، أي: يتحمّلونه بمشقة، وقالوا: المراد بهم الشيخ والشيخة الفانيان يفطران ويفديان ولا يقضيان.\nوالآية على هاتين القراءتين لا نسخ فيها أصلا فالناس ثلاثة أحوال:\n١- الأصحاء المقيمون، ويلزمهم الصوم عينا في رمضان.\n٢- والمرضى والمسافرون، ولهم الفطر إن أرادوا، وعليهم إن أفطروا أيام أخر.\n٣- وقوم لا يقدرون على الصوم، وفيه ضرر، فهؤلاء يفدون.\nولنرجع إلى القراءة الأولى يُطِيقُونَهُ: لما كان الظاهر منها ما ذكرنا. قال بعض المفسرين: إن الآية على إضمار حرف النفي، وتقديره- والله أعلم- وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وتكون الآية حينئذ في معنى القراءتين الأخريين.\nويرى بعضهم أن هذا في شأن المرضى والمسافرين فهم قسمان:\nالقسم الأول لا يقدر على الصيام، وهذا يجب عليه الفطر والقضاء في أيام يقدر على الصوم فيها.\nوالقسم الثاني يقدر على الصوم، فهؤلاء يرخّص لهم في الفطر لمكان السفر والمرض، وعليهم الفدية.\nوقال بعضهم: إنّها نزلت في حق الشيخ الفاني، وتقريره من وجهين:\nأحدهما: أن الوسع فوق الطاقة، فالوسع اسم للقدرة على الشيء مع السهولة، يقال: في وسع فلان أن يفعل كذا وفلان يسعه أن يفعل كذا إذا كان يقدر عليه مع السهولة. أمّا الطاقة فهي اسم للقدرة على الشيء مع الشدة والمشقة، يقال: فلان يطيق كذا، أي أنه آخر ما في طوقه وقدرته، فمعنى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ الذين يقدرون عليه مع الشدة والمشقة، وعلى هذا فلا نسخ في الآية، وحكمها باق، قاله الفخر الرازي.\nالوجه الثاني: حمل هذه القراءة على القراءة الشاذّة، وهو قريب من الأوّل، وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا، فقال جماعة منهم السدي: إنّها في الشيخ الهرم، أي الذي لا يرجى أن يأتي عليه في عمره أيام يقدر فيها على الصوم ويطعم لكل يوم مسكينا.\nوقال آخرون: إنّها تتناول الشيخ الهرم والحامل والمرضع، سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما، فقال: أيّ مرض أشدّ من الحمل؟ تفطر وتقضي.\nثم إنهم أجمعوا على أنّ الواجب على الشيخ الهرم الفدية، أما الحامل والمرضع","vol":"1","page":76},{"text":"فقال الشافعي ﵁: عليهما الفدية مع القضاء. وقال أبو حنيفة: ليس عليهما إلا القضاء.\nوحجة الشافعية أنهما داخلان في منطوق الآية وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ لأنهما لا يطيقان فتجب عليهما الفدية.\nوأبو حنيفة جعلهما في حكم المريض، انظر إلى قول الحسن البصري: أي مرض أشدّ من الحمل؟ يفطران ويقضيان، ثم قال أبو حنيفة: فرق بينهما وبين الشيخ الفاني، لأنه لا يمكن إيجاب القضاء عليه، لأنه إنما سقط عنه الصوم إلى الفدية لشيخوخته وزمانته، فلن يأتي عليه يوم يكون أقدر على الصوم من أيام رمضان التي أفطر فيها.\nأما الحامل والمرضع فهما من أصحاب الأعذار الطارئة المنتظرة الزوال، فإن زال عذرهما فعليهما عدة من أيام أخر، وإن لم يزل كانا كالمريض الذي لم تزل علته، على أنهما لا يمكن إيجاب الفدية عليهما مع إيجاب القضاء، لأنّه يكون جمعا بين البدل والمبدل، وهو غير جائز، لأن الفدية بدل الصوم.\nطَعامُ مِسْكِينٍ هو نصف صاع من برّ «١»، أو صاع «٢» من غيره عند أبي حنيفة، وليس عليه عنده غير ذلك، قال الثوري «٣»: يطعم، ولم يذكر مقدارا.\nوروى المزني «٤» عن إمامه الشافعي أن الفدية مدّ، وقال ربيعة «٥» ومالك: لا أرى عليه الإطعام، وإن فعل فحسن.\nفَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ اختلف في تأويله، قال بعضهم: معناه من تطوّع بالزيادة على مسكين واحد فهو خير له، وقال بعضهم: من تطوّع بالزيادة في مقدار الفدية على المسكين الذي أعطاه وقال الزهري «٦»: من تطوّع بالصيام مع الفدية فهو خير له.\nوَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٨٤] قيل: إنّه خطاب مع الذين\n_________\n(١) البر: القمح.\n(٢) الصاع: أربعة أمداد.\n(٣) سفيان بن سعيد بن مسروق من مضر، أمير المؤمنين في الحديث، انظر الأعلام للزركلي (٣/ ١٠٤) .\n(٤) إسماعيل بن يحيى تلميذ الشافعي، وأحد المصنفين في مذهبه من أهل مصر، انظر الأعلام للزركلي (١/ ٣٢٩) .\n(٥) ربيعة بن فروخ المعروف بربيعة الرأي، فقيه من المدينة كان بصيرا بالرأي، انظر الأعلام للزركلي (٣/ ١٧) .\n(٦) محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري أول من دوّن الحديث تابعي من أهل المدينة، انظر الأعلام للزركلي (٧/ ٩٧) .","vol":"1","page":77},{"text":"يطيقونه ولا يصومونه، أي يتحملونه بمشقة، فهو خير لهم من الفدية. وقيل: إنه خطاب مع ذوي الأعذار من المرضى والمسافرين والشيوخ الفانين. قال الفخر الرازي: هو أولى لعموم اللفظ.\nوقيل: آخر الآية معطوف على أوّلها، ويكون المعنى: كتب عليكم الصيام..\nوأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ما في الصيام من الحكم الإلهية، التي شرع من أجلها الصيام، وهي تعويد النفس الصبر والجوع، وعدم اتباع الهوى والشهوة والبرّ بالضعفاء ومواساة المحتاجين.\nقال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) الشهر: مأخوذ من الشهرة، يقال: شهر الشيء يشهر شهرة وشهرا، إذا ظهر، وسمي الشهر شهرا لشهرة أمره، وذلك أن الناس بسبب حاجتهم إلى التوقيت في العبادات والمعاملات يحتاجون إلى معرفته. وسمي الهلال شهرا لشهرته وبيانه. بل قال بعضهم: إنما سمّي الشهر شهرا باسم الهلال.\nرَمَضانَ هو المدة من الزمان بين شعبان وشوال، وقد قيل في سبب تسميته بذلك أقوال كثيرة، منها أنه مأخوذ من الرمض، وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس. وكانوا: يصومون فيه. فكان يكون قاسيا عليهم كقسوة أشعة الشمس المنعكسة عن الحجر الأبيض، وأقرب الأقوال ما قيل: إنهم لما نقلوا الأسماء عن اللغات القديمة سمّوها بحسب ما يقع لها من المناسبات التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر رمض الحر.\nشَهْرُ رَمَضانَ خبر لمبتدأ محذوف بدل عن الأيام المعدودة في قوله: أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ وقيل: بل هو مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قيل: شهر رمضان المكتوب عليكم صومه. وقيل غير هذا.\nالَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ: بيان لمزية اختصاصه بالصوم فيه من بين الشهور، ومعنى أنزل القرآن فيه، وقد أنزل القرآن في غيره أيضا: أنه ابتدأ إنزاله في رمضان، والحوادث الجسام تؤرّخ وتنسب إلى أوّل أوقاتها.\nوقيل: إنه نزل إلى سماء الدنيا جملة واحدة في رمضان لحكمة يعلمها الله، ثم","vol":"1","page":78},{"text":"نزّل بعد ذلك منجّما. ولا منافاة بين إنزاله في رمضان، وإنزاله في ليلة القدر والليلة المباركة. لأنّ ليلة القدر والليلة المباركة كانتا في رمضان، وقيل: معنى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أنزل في شأنه القرآن.\nوالْقُرْآنُ اسم لكلام الله المنزل على محمد ﷺ، وقد اختلف في اشتقاقه، فقيل: إنه مشتق من القراءة: بل قد جاء بمعناها، كما في قوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا [الإسراء: ٧٨] .\nوقيل: من القران، لأنّ آياته قد قرن بعضها ببعض. وقيل من القرء بمعنى الجمع. وقيل غير ذلك.\nهُدىً لِلنَّاسِ: هاديا لهم بما اشتمل عليه من الحكم والمواعظ التي هي شفاء ورحمة، وهو منصوب على الحال، أي: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هاديا للناس إلى طريق الخير، ومبينا وكاشفا عن وجه الحق، بما اشتمل عليه من الآيات الواضحات، وفارقا بين الحق والباطل وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ.\nقد يقال: ما الحكمة في إيراد وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ بعد قوله: هُدىً لِلنَّاسِ؟\nوجوابه: أنه تعالى ذكر أولا أنه هدى للناس، ثم هذا الهدى نوعان: تارة يكون الهدى بينا واضحا تنساق إليه العقول انسياقا. وتارة لا يدركه إلا خواصّ الناس. ولا شك أن الأول أكثر فائدة، فكان ذكره بعد الأول للميزة الخاصة بعد الميزة العامة.\nوهو على هذا في منتهى البلاغة.\nوقيل في الجواب: إن المراد بالهدى الأول أصول الدين. والثاني فروعه.\nفَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قال بعضهم: إن الفاء هنا زائدة، لأنها إما للعطف وإما للجزاء وهما لا يصلحان هنا، فكانت زائدة كزيادتها في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة: ٨] وقال الفخر الرازي: ويمكن أن يقال: إن الفاء هنا ليست زائدة، بل هي للجزاء، فإنه تعالى لما بيّن كون رمضان مختصّا بالشرف العظيم، وهو إنزال القرآن فيه، وهو شرف لا يشاركه فيه سائر الشهور، فهو لذلك يناسبه أن يختص بهذه العبادة، ولذلك تقدّم وصفه بخاصة إنزال القرآن فيه، كأنه قيل:\nوإذا كان رمضان مختصا بهذه الفضيلة فخصّوه أنتم بهذه العبادة.\nشَهِدَ: حضر، والشهود الحضور. ثم هنا قولان:\nأحدهما: أنّ مفعول شهد محذوف، لأن المعنى: فمن شهد البلد في الشهر بمعنى أنه لم يكن مسافرا. ويكون الشهر منصوبا على الظرفية.","vol":"1","page":79},{"text":"والقول الثاني: أن مفعول شهد هو الشهر، والتقدير: فمن شهد الشهر وشاهده بعقله وبمعرفته فليصمه، وهو كما يقال شهدت عصر فلان وأدركته، وهو تفسير لا غبار عليه بعد أن تعرف أن خطابات الله جميعا تتوجّه إلى المكلفين، فلا عبرة بما قيل: إنه كالأول فيه مخالفة للظاهر لاحتياجه للتخصيص، إذ يقال: للصبي المجنون إنه أدرك الشهر، نعم هم مدركون، ولكنّهم لا يدخلون تحت قوله: مِنْكُمُ إذ إنّ كون كل خطابات الشارع متوجهة إلى من يأتي تكليفهم قد فرغ منه، فمثله مثل وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠] على أنه على فرض دخول هؤلاء، فالآية تكون مخصوصة على هذا الوجه. وعلى الوجه الأول فيها تقدير محذوف.\nوقد تقرر في الأصول أنه إذا تعارض التخصيص والإضمار، تعيّن المصير إلى التخصيص، وبدهي أن القول الأول يلزمه أن الآية لا توجب الصوم إلا على المقيم، فلا يكون صوم المسافر مسقطا للواجب، بل يكون الواجب في حقه الفطر، وهذا كلام قد نسب إلى الإمام علي- كرم الله وجهه- القول به. والجمهور يرون الآية عامة في المكلفين، وهي تشمل المسافر والمقيم، غير أن المسافر يترخّص بالفطر كالمريض، وعليهما عدة من أيام أخر.\nهذا وظاهر الآية يفيد أن الصيام إنما يجب بشهود جميع الشهر، وذلك غير متأتّ، إذ إنّ شهود جميع الشهر لا يتأتّى إلا بعد انقضائه، وبعد انقضائه لا يتأتى لأحد أن يصوم ما مضى، فمن هنا قالوا: إنه يتعين أن يكون المعنى فمن شهد بعض الشهر فليصمه، غير أنهم اختلفوا، فقال بعضهم: المراد بالبعض أوّل الشهر. وهو منسوب للإمام علي، وعلى ما تقدم على مذهبه يلزم أن يكون الحكم في حق من كان مسافرا أوّل الشهر أنه لا يجب عليه صيام الشهر، بل يجب عليه الفطر.\nويرى الجمهور أن أيّ بعض يكفي في وجوب الصوم، غير أنهم اختلفوا، فالحنفية يرون أن صوم جميع الشهر يجب بشهود أيّ جزء منه، ويرى الشافعية أن شهود أي جزء موجب لصوم ذلك الجزء على الراجح من مذهبهم.\nبعد هذا نقول: إنّ الأئمة رضوان الله عليهم قد اختلفوا فيمن جنّ في رمضان، ولا بد أن نعرض لهذا الخلاف فنقول: اتفقوا على أنّ من جنّ كلّ رمضان لا يجب عليه الصوم في الحال، لعدم إمكان توجّه الخطاب إليه حالا، واختلفوا فيه إذا أفاق بعد رمضان، قال المالكية وجماعة: إنه يقضي ما مضى ولو جنّ سنين. وقال غيرهم:\nإنه لا قضاء عليه لما مضى، كالصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم.","vol":"1","page":80},{"text":"وأما من كان مجنونا في رمضان، وأفاق بعضا منه، فالشافعية على أصحّ الأقوال عندهم أنه يصوم ما شهد فقط، ولا قضاء عليه لغيره، ومن أفاق في أثناء النهار اختلف في تكليفه بالقضاء عندهم.\nوترى الحنفية أن شهود أي جزء من الشهر موجب صيامه كلّه.\nوقد قالوا: إنّ الآية تشهد لهم، لأنّك قد علمت أنّ إجراءها على ظاهرها محال، فلا بدّ من تقديره البعض، فيكون المعنى عندهم فمن شهد بعض الشهر فليصمه جميعه.\nفإن قيل لهم: لماذا قدّرتم البعض في الأول، ولم تقدروه في الثاني؟\nقالوا: إنا لجأنا للإضمار للضرورة، والضرورة تقدّر بقدرها، وقد اندفعت بإضمار في الأول، مع بقاء الثاني على حاله.\nولكن لقائل أن يقول لهم: إن الضمير في قوله تعالى: فَلْيَصُمْهُ راجع إلى ما قبله، فإن كان ما قبله مراد منه الجميع، كان هو مرادا منه الجميع، وإن كان البعض كان مرادا منه البعض، أما إن أريد بالمرجع شيئا وبالضمير غيره فهو غير ظاهر.\nوقد أورد على الحنفية ما يأتي: معقول أنه إذا أفاق أثناء الشهر أن نوجب عليه ما بقي في الشهر بعد ذلك، لكن غير معقول أن نوجب عليه صوم ما مضى، لأنّ شهود الجزء لا يتأتّى أن يكون سببا لصوم ما قبله، وإلا كنا قد كلفناه الصوم قبل وقته.\nوقد أجابوا عن هذا بأنّا نوجب عليه قضاء الأيام الماضية لا صومها هي، وجائز إلزامه القضاء مع امتناع خطابه وقت الأداء، كالمغمى عليه والناسي والنائم.\nوقد اختلف العلماء أيضا في الصبي يبلغ والكافر يسلم في بعض رمضان، فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، ومالك بن أنس في «الموطأ» وعبد الله بن حسن «١»، والليث «٢»، والشافعي: إنهما يصومان ما بقي، وليس عليهما قضاء ما مضى ولا اليوم الذي حصل فيه البلوغ والإسلام.\nوقال ابن وهب «٣» عن مالك: أحبّ إليّ أن يقضياه.\nوقال الأوزاعي في الغلام يبلغ في النصف من رمضان: إنه يقضي ما مضى، فإنه كان يطيق الصوم.\n_________\n(١) أبو محمد المدني الهاشمي تابعي، من أهل المدينة، انظر الأعلام للزركلي (٤/ ٧٨) .\n(٢) الليث بن سعد أبو الحارث، فقيه مصر توفي (١٧٥ هـ) أصله من خراسان، انظر الأعلام للزركلي (٥/ ٢٤٨) .\n(٣) عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري القرشي توفي (١٩٦ هـ) في مصر انظر، الأعلام للزركلي (٤/ ١٤٤) .","vol":"1","page":81},{"text":"وقد علمت أن شرط التكليف بالصوم البلوغ والعقل والإسلام، والصبي والكافر لم يكونا مكلفين قبل البلوغ والإسلام. فلا معنى لإلزامهما به على أن الكافر إذا أسلم فهو معفى من التكاليف الماضية، قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] .\nولعلك تقول: كيف يكون شهود الشهر؟ فنقول: إن شهوده يكون برؤية هلاله، أو بالعلم أنه قد رئي، ولا عبرة بالحساب وعلم النجوم عند الحنفية.\nواعتمد بعضهم الحساب، وقد روي في ذلك أحاديث كثيرة، بعضها يؤيد هذا، وبعضها يؤيد هذا:\nفقد روي عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الشهر تسع وعشرون، ولا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له» «١»\nوكان ابن عمر إذا كان تسعا وعشرين نظر إليه، فإن رؤي فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب أصبح مفطرا، وإن لم ير وحال دون رؤيته سحاب أو قترة أصبح صائما، قال: وكان ابن عمر يفطر مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب. فأنت ترى أنه قد اعتمد الرؤية، ولم يعتمد تقديره. وهذا هو الموافق لظاهر قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩] .\nوقد اختلفوا في معنى\nقوله ﷺ: «فإن غمّ عليكم فاقدروا»\nفقال بعضهم: اعتبار منازل القمر فإن كان في موقع القمر- ولو لم يحل دونه سحاب وقتر لرئي- ولم ير، يحكم له بحكم الرؤية.\nوقال آخرون: فاقدروا له «فعدوا شعبان ثلاثين يوما» وقد جاءت أحاديث بالصيغة الأخيرة «٢» . ولو أوردناها لطال بنا القول، وموضعها علم الفقه، وكما يرجع إليه في هذا يرجع إليه في اعتبار اختلاف المطالع وعدمه في إلزام جميع المسلمين الصوم.\nوَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.\nقد تقدم شرح هذه الآية، غير أنهم قالوا: إن في الآية ما يدل على أنّ قضاء رمضان لا يجب فيه التتابع، وذلك لأن (عدة) جاء منكّرا غير معيّن، وذلك يقتضي جوازه مفرّقا، وأيضا فقد قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ والتيسير لا يكون بإلزامه أن يصوم كله دفعة. أيضا قال تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ فدل\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٧٥٩)، ١٣- كتاب الصيام، ٢- باب وجوب صوم رمضان حديث رقم (٣/ ١٠٨٠) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ٢٨٠)، ١١- باب قول النبي ﷺ إذا رأيتم الهلال حديث رقم (١٩٠٧) .","vol":"1","page":82},{"text":"على أن المراد في القضاء هو صوم العدة، ولو غير متتابعة، ولو كان التتابع مشروطا لبينه كما بينه في الكفارة.\nيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.\nبيّن الله تعالى فيما تقدم أنّ شرع الصيام لنا هو شرعة في الأمم، وأنا لم نكن بدعا فيه، وهو مع ذلك في زمن قليل أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ هي شهر رمضان، ومع ذلك فقد رخّص فيه لأولي الأعذار ومن لا يقدرون على صومه إلى عدة من أيام أخر، وإلى الفدية.\nوفي هذه الآية يبيّن الله تعالى أنه فعل ذلك تيسيرا وتسهيلا علينا في التكاليف، فهو لم يكلفنا ما فيه إعنات لنا ومشقة علينا، فهل يجب في مقابلة ذلك إلا الشكر؟\nوأصل اليسر في اللغة السهولة. معناه السهولة ومنه يقال للغني والسعة اليسار، لأنه يسهل به صعب من الأمور. والعسر ما يقابله.\nوَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ: علّة لمحذوف، وللعلماء في هذا المحذوف وجهان:\nالأول: ما ذهب إليه الفرّاء «١» من أن التقدير: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فعل جملة ما ذكر، وهو الأمر بصوم العدة، وتعليم كيفية القضاء، والرخصة بإباحة الفطر. وذلك أن الله لما ذكر هذه الأمور الثلاثة ذكر عقبها ثلاثة ألفاظ، فقوله: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ علّة للأمر بمراعاة العدة، وقوله: وَلِتُكَبِّرُوا علّة تعليم كيفية القضاء، وقوله: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علة الترخيص والتسهيل. والحذف في هذا نظير الحذف في قوله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) [الأنعام: ٧٥] أي أريناه ليكون. وأنت ترى أن الفرّاء على هذا يقدّر المحذوف متأخرا، ويجعل العلل مرتبة على سبيل اللف.\nوالوجه الثاني: ما ذهب إليه الزجاج من أن التقدير: أن الذي تقدم ذكره من تكليف المقيم الصحيح، والرخصة للمريض، والمسافر، إنما هو لإكمال العدة، لأنه مع الطاقة يسهل عليه إكمال العدة، ومع الرخصة في المرض والسفر يسهل إكمال العدة بالقضاء، فلا يكون عسرا، فبيّن الله تعالى أنه كلّف الكل على وجه لا يكون إكمال العدة عسيرا، بل يكون سهلا يسيرا.\nوَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ قيل: إن المراد منه التكبير ليلة الفطر. قال ابن عباس: حقّ على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا.\nوروي عن الزهري عن النبي ﷺ: «أنه كان يكبّر يوم الفطر إذا خرج إلى\n_________\n(١) يحيى بن زياد، عالم الكوفة بالنحو واللغة والأدب توفي (٢٠٧ هـ)، انظر الوفيات (٦/ ١٧٦) .","vol":"1","page":83},{"text":"المصلّى، وإذا قضى الصلاة قطع التكبير» «١»\nوقد روي ذلك عن كثير من الصحابة.\nوقد اختلف فقهاء الأمصار في التكبير يوم الفطر في الطريق إلى المصلّى، فروى المعلى «٢» عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: يكبّر الذي يذهب إلى العيد يوم الأضحى.\nويجهر بالتكبير. ولا يكبّر يوم الفطر، وقال أبو يوسف يكبّر يومي عيد الأضحى والفطر.\nوليس فيه شيء مؤقت لقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ.\nوقال الحسن بن زياد «٣» عن أبي حنيفة: إن التكبير في العيدين ليس بواجب في الطريق، ولا في المصلّى، وإنما التكبير الواجب في صلاة العيد.\nوذكر الطحاوي «٤» أن ابن أبي عمران «٥» كان يحكي عن أصحاب أبي حنيفة جميعا أن السنة عندهم في يوم الفطر أن يكبّروا في الطريق إلى المصلّى، حتى يأتوه، ولم نكن نعرف ما حكاه المعلى عنهم.\nوقال مالك والأوزاعي: يكبّر في خروجه إلى المصلّى في العيدين جميعا.\nوقال الشافعي: أحبّ إظهار التكبير ليلة الفطر وليلة النحر.\nوتكبير الله هو تعظيمه. والصيغة المأثورة فيه معروفة.\nوَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ على ما شرعت من الأحكام. وسهّلت لكم في أدائها.\nقال الله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) قد ذكروا في سبب هذه الآية وجوها:\nمنها أنّ أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: أقريب ربنا فنناجيه، أو بعيد فنناديه؟\nفأنزل الله تعالى هذه الآية.\nومنها ما روي أنه ﵊ كان في غزوة، وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء، فقال ﵊: «إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا» «٦» .\n_________\n(١) قال الحافظ: مرسل، انظر تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر (٢/ ١٩٠) .\n(٢) معلى بن منصور الرازي، أبي منصب القضاء أيام المأمون، توفي (٢١١ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٧/ ٢٧١) . [.....]\n(٣) اللؤلؤي قاض وفقيه، من أصحاب أبي حنيفة توفي (٢٠٤ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٢/ ١٩١) .\n(٤) أحمد بن محمد بن سلام الأزدي، فقيه حنفي، مصري توفي (٣٢١ هـ) توفي في القاهرة، انظر الأعلام للزركلي (١/ ٢٠٦) .\n(٥) أحمد بن أبي عمران بن سلامة أبو عبد الله، أصله من الشام، انظر الأعلام للزركلي (١/ ١٨٩) .\n(٦) رواه البخاري في الصحيح (٤/ ١٩)، ٥٦- كتاب الجهاد، ٣١- باب ما يكره رفع الصوت حديث","vol":"1","page":84},{"text":"ومنها ما روي عن قتادة أن الصحابة قالوا: كيف ندعو ربنا يا نبي الله؟ فأنزل الله هذه الآية «١» .\nومنها ما روي أنه لما نزلت آية كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ فهموا منها تحريم الأكل بعد النوم، ثم إنهم أكلوا وندموا وتابوا وسألوا النبي ﷺ: هل يقبل الله تعالى توبتنا؟ فنزلت.\nوليس المراد بالقريب هنا قرب المكان. بل المراد القرب بالعلم، وما تقتضيه إجابة الدعاء.\nهذا وقد قال بعضهم: إنّ الدعاء لا فائدة فيه، وذلك أن الأمر الذي يصدر بشأنه الدعاء. إمّا أن يكون في علم الله واقعا أولا. فإن كان الأول فهو لا بد واقع، وإن كان الثاني فهو غير واقع لا محالة!! والجمهور من العقلاء على أن الدعاء أهم مقامات العبودية، والأدلة النقلية على ذلك كثيرة.\nمنها هذه الآية التي معنا. ومنها قوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] ولولا أنّ الدعاء فضله عظيم ما طلبه الله منا، بل إنّ الله تعالى بيّن في آية أخرى أنه إذا لم يسأل غضب، فقال: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) [الأنعام: ٤٣] .\nومنها ما روي عن النبي ﵊ أنه قال: «الدعاء مخّ العبادة» «٢» .\nوعن النعمان بن بشير أنه ﵊ قال: «الدعاء هو العبادة» «٣» وقرأ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] .\nوأما ما قالوا: من أنه إن كان الأمر معلوم الوقوع فهو واقع إلخ: فنقول، إنما يكون ذلك لو علمت كيفية قضائه. أما وهما مغيّبان عنا، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد بين الرجاء والخوف. ولولا ذلك لما كان له فائدة، بل لما صحّ.\n_________\nرقم (٢٩٩٢)، ومسلم في الصحيح (٤/ ٢٠٧٦)، ٤٨- كتاب الذكر، ١٣- باب استحباب خفض الصوت حديث رقم (٤٤/ ٢٧٠٤) .\n(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٢/ ٩٣)،\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٤٢٥)، كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء حديث رقم (٣٣٧١) .\n(٣) رواه أبو داود في السنن (١/ ٥٤٩) في كتاب الصلاة، باب الدعاء حديث رقم (١٤٧٩)، والترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٤٢٦)، كتاب الدعوات باب ما جاء في فضل الدعاء حديث رقم (٣٣٧٢) .","vol":"1","page":85},{"text":"ثم إنّ الدعاء يقتضي أن يكون الداعي عارفا بربه تمام المعرفة، وأنه القادر على كل شيء، والقاهر فوق عباده. وهل العبادة إلا المعرفة؟\nفَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي معناه فليطلبوا إجابتي لهم بأن يجيبوا ما دعوتهم إليه من العبادة أجبهم إلى ما يطلبون، والاستجابة هنا: عبارة عن الاستسلام والانقياد.\nوالإيمان: الإذعان القلبي، ولما كان العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوّته إلا بتقديم الطاعة؟ قدّم الله الأمر بالاستجابة اهتماما بشأنها.\nلَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ يهتدون في أمر دينهم ودنياهم. ومعنى الآية: أنهم إذا استجابوا لي وآمنوا فقد اهتدوا، لأن الرشيد من كان كذلك.\nقال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) الرَّفَثُ أصله قول الفحش: أنشد الزجاج:\nوربّ أسراب حجيج كظّم ... عن اللّغا ورفث التّكلّم\nويقال: رفث في كلامه، وأرفث: إذا تكلم بالقبيح. قال الله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧] . ثم نقل منه إلى ما كان منه بحضرة النساء مما ينم عن معنى الإفضاء، ثم جعل كناية عن معنى الجماع، وما يتعلق به.\nهُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ: شبه كلّا من الزوجين باللباس. لأنّ كلا منهما يستر الآخر، فكان منه بمثابة اللباس.\nتَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ يقال خانه يخونه خونا وخيانة إذا لم يف له، والسيف إذا نبا عن الضربة فقد خان، وخانه الدهر إذا تغير حاله إلى شرّ. وخان الرجل الرجل إذا غدر به، أو لم يؤد إليه أمانته، وخائن العهد ناقضه، كما في قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً.. [الأنفال: ٥٨] قال صاحب «الكشاف»: والاختيان اسم من الخيانة، كالاكتساب اسم بمعنى الكسب، وفيه زيادة وشدة.\nذهب جمهور المفسرين إلى أنه في أول شريعة محمد ﷺ كان الصوم عبارة عن الإمساك عن المفطرات نهارا، لا يقرب شيئا منها بعد النوم ولا بعد صلاة العشاء","vol":"1","page":86},{"text":"الآخرة فإذا فعل شيئا منها بعد النوم أو بعد صلاة العشاء فقد ارتكب محرّما. ونسخ الله هذا الحكم بهذه الآية.\nوقال أبو مسلم الأصفهاني: ما كانت هذه الحرمة في شرعنا، بل كانت في شرع النصارى، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان في شرع النصارى.\nوقد استدل الجمهور لمذهبهم بوجوه:\nمنها: التمسك بالتشبيه في قوله تعالى: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.\nومنها قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ فإنه يقتضي سابق الحرمة.\nومنها قوله: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ وقوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ فإنّ الأكل بعد النوم، وكذا الوقاع، لو لم يكن محرّما ما كان هناك معنى لتخوينهم أنفسهم، ولا لتوبة الله عليهم، ولا لعفوه، ثم إن قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ يقتضي أنّ المباشرة كانت محظورة، وأبيحت بقوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ.\nوقد ردّ أبو مسلم هذه الحجج بما نجمله فيما يأتي:\nسبق أنه قال: إن هذه الحرمة كانت في شرع النصارى، وقد فهم الصحابة بقاء الحكم، فكانوا يمتنعون من الأكل والوقاع بعد النوم وبعد الصلاة الأخيرة، فبيّن الله بهذه الآية أنه قد خفف عن هذه الأمة وعفا عنها، فلم يوجب عليها ما أوجبه على الأمم السابقة، وأذن لها في تناول ما كان محظورا في الأمم السابقة.\nوأنت تعلم أن ذلك يتوقف إلى حد كبير على ثبوت أن يكون ذلك كان شريعة للنصارى، وهو ما لم يثبت بعد، ثم هو مع ذلك مخالف لظاهر قوله: تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ وإن كان هو يتأوّلها بتنقيص شهواتها، بدليل إضافتها إلى النفس، وهو يقول: لو كان ذلك محرّما لكان خيانة للشرع لا للنفس، ولكن، أليست مخالفة أحكام الشرع خيانة للنفس، لأنّها تستوجب بها العذاب في الدنيا والآخرة.\nثم إنّ ظاهر قوله: فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ مهما تأوله بالتخفيف، فإنه ظاهر في أنه لا يقال: خففت عن فلان إلا ما كان ثقيلا عليه.\nنعم إنّ له أن يقول: إنّ من شأن هذا التكليف أن يكون ثقيلا علينا لو شرع، فإسقاطه عنا تخفيف.\nولكن نقول: هو احتمال، ولكن المتبادر خلافه، ونحن نقول بظاهر الآية لا بنصها.\nثم إنّ الأسباب التي ذكرت في نزول الآية تعاضد الذي ذهب إليه الجمهور:\nمنها ما\nروي أنّ رجلا- وفي اسمه خلاف- من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ عشية، وقد أجهده الصوم، فسأله الرسول عن سبب ضعفه فقال: يا رسول الله-","vol":"1","page":87},{"text":"عملت في النخل نهاري أجمع، حتى أمسيت، فأتيت أهلي لتطعمني شيئا فأبطأت، فنمت، فأيقظوني وقد حرّم الأكل، فقام عمر فقال: يا رسول الله أعتذر إليك من مثله، رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء الآخرة فأتيت امرأتي، فقال ﵊: «لم تكن جديرا يا عمر» وقام رجال فاعترفوا بالذي صنعوا. فنزل قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ «١»\nأي الإفضاء إليهن.\nولَيْلَةَ نصب على الظرفية.\nعَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ أي علم الله أنكم كنتم تسرّون بالمعصية في الجماع بعد العتمة، والأكل بعد النوم، وترتكبون المحرم من ذلك، ومن فعل ذلك فقد خان نفسه، وخان الله ورسوله.\nوأنت ترى أن فهم الآية على هذا الوجه يفيد أنّ الجماع والأكل قد وقعا ولو من بعضهم، ويؤيده ما رويناه في سبب النزول.\nوقد روى عطاء عن ابن عباس أنه كان إذا صلّى العتمة ورقد حرم عليه الطعام والشراب، والجماع، وروى مثله الضحاك وابن أبي ليلى «٢» .\nفَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ أمر بفعل ما كان محظورا وقد قالوا: إنّ الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة، والإباحة ظاهرة هنا، لأنه لا معنى لإيجاب المباشرة، المباشرة هنا المراد منها الجماع، وهي مشتقة من ملاصقة البشرة البشرة، ومنه ما\nورد من نهي النبي ﷺ عن أن «يباشر الرجل الرجل، والمرأة المرأة» «٣»\nوهو من أجل ذلك حقّه أن يتناول المباشرة غير الفاحشة، لكن سياق الآية وما يأتي بعد هذا قرينة على أنّ المراد هنا الجماع أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ والمراد منه الجماع، فكان الكلام فيه، وسنتكلم عليه عند قوله: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ.\nوَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، قيل: هو الولد، وقيل: ليلة القدر، وقيل:\nالرخصة. قال أبو بكر الرازي «٤»: فلما كان الكلّ محتملا فالأولى أن ينتظم اللفظ الكلّ، ويكون الكل مرادا حيث لا مانع، ويكون اللفظ منتظما لطلب ليلة القدر في رمضان، ولفعل الرخصة، وللولد، فإذا فعل العبد واحدا منها أو الكل قاصدا الثواب كان مأجورا على ما يقصده من ذلك.\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٢/ ٩١) .\n(٢) انظر تفسير الطبري المسمى جامع البيان (٢/ ٩٥- ٩٨) .\n(٣) رواه أحمد في المسند (١/ ٣٠٤) .\n(٤) انظر أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (١/ ٢٢٨) .","vol":"1","page":88},{"text":"وَكُلُوا وَاشْرَبُوا: إطلاق من حظر، كما في قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ١٠] وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ المراد منه: حتى يستبين النهار من الليل، وذلك يكون بظهور الفجر الصادق، وقد روي أنّ رجالا منهم أخذوا اللفظ على ظاهره، وحملوه على حقيقة الخيط الأبيض والخيط الأسود، وتبيّن أحدهما من الآخر. قال: كما\nروي عن عدي بن حاتم، لما نزلت: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ أخذت عقالا أبيض وعقالا أسود فوضعتهما تحت وسادتي، فنظرته فلما أتبين، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضحك، وقال: «إنّ وسادك لعريض، إنما هو اللّيل والنّهار» «١» .\nوقال عثمان: إنما هو الليل وبياض النهار.\nوقد استبعد الفخر الرازي هذه الرواية على رجل مثل عدي بن حاتم، فإنه يبعد على أي رجل أن يفهم من هذا اللفظ أنّ المراد الخيط الأسود حقيقة مع قوله: مِنَ الْفَجْرِ خصوصا، وقد كان هذا التعبير مألوفا عند العرب، وكان ذلك عندهم اسما لسواد الليل وبياض النهار في الجاهلية قبل الإسلام. قال أبو دؤاد الإيادي:\nولمّا أضاءت لنا ظلمة ... ولاح من الصّبح خيط أنارا\nووجه تشبيه الليل والنهار بالخيطين أن الصبح أول ما يستبين، وتنجاب ظلمة الليل، يبدو الصبح رفيعا كالخيط. وبمقدار ما يظهر من خيط الصبح ينجاب خيط من الليل الأسود.\nوقد روي عن النبي ﷺ ما يفيد تحديد مدة الصيام: من الفجر إلى غروب الشمس، كالذي\nروي عن عبد الله بن سوادة القشيري عن أبيه قال: سمعت سمرة بن جندب يخطب وهو يقول: قال رسول الله: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق الذي هكذا، حتى يستطير» «٢» .\nوبهذا يتبين بطلان ما زعمه الأعمش من أن للصائم أن يأكل ويجامع بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس، وهو غريب جدا. يزعم في توجيهه أنه لما كان الليل بغروب\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ١٨٣)، ٦٥- كتاب تفسير القرآن، ٢٨- باب قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حديث رقم (٤٥٠٩) ومسلم في الصحيح (٢/ ٧٦٦)، ١٣- كتاب الصيام ٨- باب بيان أن الدخول في الصوم حديث رقم (٣٣/ ١٠٩٠) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٧٦٩)، ١٣- كتاب الصيام، ٨- باب بيان أن الدخول في الصوم حديث رقم (٤١/ ١٠٩٤) وأبو داود في السنن (٢/ ٢٩٠)، كتاب الصوم باب وقت السحور حديث رقم (٢٣٤٦) . [.....]","vol":"1","page":89},{"text":"القرص يكون النهار بطلوع القرص، ويزعم أن المراد من الخيط الأبيض النهار، ومن الخيط الأسود الليل. ولا ندري ما الحكمة إذا من اختيار لفظ الخيط، وهل النهار عند طلوع الشمس يقال: إن بياضه كالخيط الأبيض! إن هذا لعجيب حقا؟\nوأعجب منه زعم من زعم أنّ المراد من الخيط الأبيض طلوع الفجر حقيقة، ولكنه يرى أنه لا يحل الفطر إلا بعد وجود عتمة الليل وظلمته وظهور النجوم، لأنه فهم من قوله: أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أن المراد الظلمة، وكأنّه لا يرى أن ما بين غروب الشمس ومجيء الظلمة من الليل.\nوالحمد لله، انقرضت هذه المذاهب، وانعقد الإجماع على عدم العمل بها، فإنّه على فرض أن الآية تحتمل ما زعموا، فقد جاء في بيان الرسول ﷺ وعمله وعمل أصحابه ما فصل به الليل عن النهار، واستبان به وضح الصبح من ظلمة الليل.\nهذا وقد اختلف أهل العلم في حكم الشاكّ في الفجر، فذكر أبو يوسف في «الإملاء» أن أبا حنيفة قال: إن يدع الرجل السحور إذا شك في الفجر أحب إليّ، فإن تسحر فصومه تام وهو قولهم جميعا في «الأصل» وقال: إذا أكل فلا قضاء عليه.\nوحكى محمد بن سماعة «١» عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: إن أكل وهو شاك قضى يوما مكانه، وقال أبو يوسف: ليس عليه في الشكّ قضاء.\nوقال الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: إنّه إن كان في موضع يستبين به الفجر، ويرى مطلعه من حيث يطلع، وليس هناك علّة، فليأكل ما لم يستبن له الفجر، وهو قول الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، وإن كان في موضع لا يرى فيه الفجر، أو كانت ليلة مقمرة، وهو شاك، فلا يأكل، وإن أكل فقد أساء، وإن كان أكبر رأيه أنه أكل والفجر طالع قضى، وإلّا لم يقض: وهذا قول زفر وأبي يوسف. قال أبو بكر الرازي «٢»: وبه نأخذ، وقال: ينبغي أن تكون رواية «الأصل» ورواية «الإملاء» في كراهيتهم الأكل مع الشك محمولتين على ما رواه الحسن بن زياد، لأنّه فسّر ما أجملوه، ولأنها موافقة لظاهر الكتاب.\nوقد روي عن ابن عباس أنه بعث رجلين لينظرا له طلوع الفجر، فقال أحدهما:\nطلع، وقال الآخر: لم يطلع، فقال: اختلفتما وأكل، وكذلك روي عن ابن عمر.\nوالأصل في ذلك أنّ الآية جعلت حلّ الأكل ملغيّا بالتبيّن، وهو حصول العلم الحقيقي، ومعلوم أنّ ذلك إنما يكون عند عدم وجود المانع من حصوله، وذلك إذا كان في مكان يستطيع معه التبيّن، أما إذا كان في ليلة مقمرة، أو غيم أو في موضع\n_________\n(١) أحد تلاميذ أبي يوسف ومحمد، كتب النوادر عن محمد توفي (٢٣٣ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٦/ ١٥٣) .\n(٢) انظر أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (١/ ٢٣٠) .","vol":"1","page":90},{"text":"لا يستطيع معه تحصيل العلم الحقيقي فهو مأمور بالاحتياط للصوم، فالواجب عليه الإمساك استبراء لدينه.\nروى الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير- ولا أسمع أحدا بعده- يقول:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من النّاس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» «١» .\nوقال: أكره أن يأكل وهو شاكّ، وإن أكل فعليه القضاء، وقال الشافعي: إن أكل شاكّا في الفجر فلا شيء عليه.\nهذا والآية تدلّ على جواز الإصباح جنبا في الصوم، وأن الجنابة لا تنافي الصوم، لأنّها تفيد حلّ الأكل والشرب حتى الفجر، والجماع كذلك، فلو لزمه غسل من الجنابة قبل الفجر لما كان هناك حل إلى طلوع الفجر، وقد أمره الله بإتمامه صومه إلى الليل، فلو لم يكن الصوم صحيحا لما أمره بإتمامه، وقد أجمعوا على أن الغاية هنا لإسقاط ما بعدها، وهي كذلك في قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وقد دخلت الغاية في حكم ما قبلها في بعض النصوص، كقوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء: ٤٣] وفي قوله: إِلَى الْمَرافِقِ وقوله: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٦] والمعوّل عليه في إثبات دخولها أو خروجها الدليل والقرينة.\nثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ مرتبط بما قبله في قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ والمعنى والله أعلم: افعلوا كل هذه الأشياء من المباشرة والأكل والشرب إلى الفجر، فإذا جاء الفجر فأمسكوا، وأتموا هذا الإمساك إلى الليل.\nوقد أخذ الحنفية من هذه الآية لزوم ما شرع فيه من صوم التطوع، ووجه دلالتها عليه عندهم: أن لفظ الصيام عامّ يتناول كلّ صوم، فكل صوم شرع فيه لزمه إتمامه، لأنّ الله سبحانه أمر بإتمام الصوم إلى الليل، والأمر للوجوب، فإن لم يتمه لزمه قضاؤه.\nوهكذا سبيل جميع النفل عندهم من الصّلاة والحجّ والصّيام يجب بالشّروع فيه، وعليه إعادته مطلقا، سواء كان معذورا أو غير معذور، وفصّل المالكية فقالوا: إن أبطله فعليه القضاء، وإن كان طرأ عليه ما يفسده فلا قضاء عليه.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (١/ ٢٢)، ٢- كتاب الإيمان، ٤٠- باب فضل من استبرأ لدينه حديث رقم (٥٢) ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢١٩)، ٢٢- كتاب المساقاة، ٢٠- باب أخذ الحلال حديث رقم (١٠٧/ ١٥٩٩) .","vol":"1","page":91},{"text":"وقال الشافعية والحنابلة: إن أفسد ما دخل فيه من تطوّع فلا قضاء عليه إلا في حجّ النفل عند الحنابلة، فيجب إتمامه.\nوقد استدل الحنفية بغير هذه الآية، فقالوا: قال الله تعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [محمد: ٣٣] والنفل الذي شرع فيه عمل من الأعمال، فوجب عليه عدم إبطاله، فإذا بطل أو أبطله فقد ترك واجبا، ولا تبرأ ذمّته إلا بإعادته، وورد في السنة ما يؤيده، وهو ما\nروى عبيد الله بن عمر، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي إلينا طعام، فأفطرنا، فسألت حفصة رسول الله ﷺ فقال: «اقضيا يوما مكانه» «١» .\nواستدلّ الشافعية ومن معهم بقوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: ٩١]\nوبقوله عليه الصلاة السلام: «الصّائم المتطوّع أمير نفسه» «٢»\n، والمسألة خلافية كما ترى، والذي يهمّنا هو: هل في هذه الآية دلالة لأحد من المختلفين أو لا؟ يرى الحنفية أنّ لفظ الصيام يتناول كلّ صوم شرع فيه، وقد أمر بإتمامه، وبإبطاله فات الواجب، ولا يجبر إلا بالإعادة، وكون الآية وردت في صوم الفرض لا يغيّر من عموم اللفظ شيئا.\nوالذي يظهر أن الآية ليست بصدد بيان وجوب إتمام ما شرع فيه فرضا أو نفلا، بل بصدد تحديد الزمن الذي يحلّ فيه تناول المفطرات، والذي لا يحلّ، فقالت في الأول: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ إلى قوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ وقالت في الثاني: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أي أنه بعد الفجر لا يحلّ لكم أن تتناولوا شيئا مما أحلّ لكم تناوله ليلا. ولا تعرّض فيها لنفل شرع فيه ثم فسد، ولا لفرض شرع فيه ثم فسد، بل لذلك حكم آخر يستفاد من دليل مستقل.\nوقد فهم الحنفية من هذه الآية أيضا أن تبييت النية غير لازم، ووجهه عندهم أن لفظ (ثم) يفيد التراخي، والإجماع قائم على وجوب الإمساك من الفجر، ووجوب الإمساك من الفجر مدلول عليه بذكر الغاية إلى الْفَجْرِ، فإنّ معناه أن ما كان حلالا قبله يحرم بمجيئه، وذلك بالإمساك من الفجر، فإذا أمسكنا فعلينا الإتمام، والإتمام إنما يكون بقصد، فكأنّ النية التي هي القصد لم تطلب إلا بعد تحقّق الصيام، فكان ذلك دليلا على أنّ النية تكون بعد الصيام، فلا يلزم تبييتها، وهو المطلوب.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٣٢٨) في كتاب الصوم باب من رأى عليه القضاء حديث رقم (٢٤٥٧) .\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ١٠٩) في الصوم، باب ما جاء في إفطار الصائم حديث رقم (٧٣٢) .","vol":"1","page":92},{"text":"وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنّ الآية تدلّ على التبييت، وذلك أن معنى أَتِمُّوا الصِّيامَ صيّروه تاما من الفجر، وهو لا يكون تاما من الفجر إلا بالنية، وهذا هو الظاهر، لأنّ إتمام الشيء لا يكون إلا لشيء قد شرع فيه، وهو هنا الصوم، وقد علمت أن الصوم لا يكون صوما إلا بالنية، تمييزا للعادة من العبادة، إذ قد يمسك الإنسان عن الأكل حمية، ثم لا يكون صوما، لأنه لم ينو، فإن كان هناك دليل غير الآية فهو الذي يدل على عدم تبييت النية.\nوقد عرض المفسرون هنا لأحكام الصائم إذا نسي وأكل ماذا يكون؟ أيلزمه الإتمام، أم له الإفطار إلخ، أو يلزمه القضاء، أم لا؟ وترى أن كل ذلك يجب أن يبحث عنه في غير هذه الآية.\nوَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.\nالاعتكاف في اللغة: اللبث. قال تعالى: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ [الأنبياء: ٥٢] وقال الشاعر:\nفباتت بنات الليل حولي عكّفا ... عكوف البواكي بينهنّ صريع\nثم زيد عليه في الشرع قيود: منها: العكوف في المسجد، ومنها: ترك الجماع، ومنها: نية التقرب إلى الله تعالى، فأما العكوف في المسجد فهو في حق الرجال فقط، وأما النساء فيعكفن في مصلّى البيت دفعا للفتنة، والمسجدية مستفادة من قوله تعالى:\nوَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ قاله أبو بكر الرازي «١»:\nوقد وقع الاختلاف في المسجد الذي يكون فيه الاعتكاف: فقد روى إبراهيم النخعي «٢» أن حذيفة قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبي ﷺ.\nوروي عن علي ﵁: أنه لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ.\nوقال جماعة منهم عبد الله بن مسعود، وعائشة، وإبراهيم، وسعيد بن جبير. وأبو جعفر «٣» . وعروة بن الزبير: لا اعتكاف إلّا في مسجد جماعة.\nفأنت ترى السلف قد أجمعوا على أنّ الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد على ما بينهم من الاختلاف في تعيين المسجد الذي يصحّ فيه الاعتكاف.\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (١/ ٢٤٥) .\n(٢) إبراهيم بن يزيد بن قيس أبو عمران النخعي الفقيه الكوفي توفي (٩٦ هـ) مختفيا من الحجاج، انظر الأعلام للزركلي (١/ ٨٠) .\n(٣) هو محمد الباقر ﵁.","vol":"1","page":93},{"text":"ولم يختلف فقهاء الأمصار في جواز الاعتكاف في المساجد التي تقام فيها الصلوات، وظاهر الآية التي معنا عدم التفرقة بين المساجد، إذ قال: وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ففهم منها أن الاعتكاف يكون في المساجد، وتعيين أحدها يحتاج إلى الدليل، وكذا تخصيصه بمسجد الجماعة يحتاج إلى الدليل.\nوغاية ما يدل عليه\nقوله ﵊: «لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد» «١»\nأنه يدلّ على تفضيل هذه الثلاثة عما عداها، أو عدم شدّ الرحال إلا إليها، وهل الاعتكاف لا يكون إلا بشدّ الرحال؟ وقد تقدّم القول بأنّ العكوف في المسجد إنما هو في حق الرجال.\nوقد اختلف الفقهاء في معتكف النساء فذهب الحنفية وجماعة إلى أنه يكون في مسجد بيتها كما تقدم، وقال الشافعي: المسافر، والعبد، والمرأة يعتكفون حيث شاؤوا. والمدار في إثبات هذا أو غيره على السنة.\nوقد اختلف الفقهاء أيضا في المدة التي تلزم في الاعتكاف: فقال أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والشافعي: له أن يعتكف يوما أو ما يشاء. وقد اختلفت الرواية عن الحنفية فيمن دخل ونوى الاعتكاف. هل يكون معتكفا أولا؟\nفي رواية: يكون معتكفا، وله أن يخرج متى شاء بعد أن يكون صائما في مقدار لبثه، وفي الرواية الأخرى: عليه أن يتمّه يوما، هكذا نقله أبو بكر الرازي «٢» .\nوالمعروف عندهم في المتون والكتب أن الاعتكاف ثلاثة أقسام:\nمندوب، وهو: يتحقق بمجرد النية.\nوسنة، وهو: في العشر الأواخر من رمضان.\nوواجب: ولا بد فيه من الصوم وهو: المنذور.\nوقال مالك في رواية عنه: «لا اعتكاف في أقل من عشرة أيام، وعنه يوم وليلة»، قال أبو بكر الرازي: تقييد مدة الاعتكاف لا يصحّ إلا بتوقيف، أو اتفاق، وهما معدومان هنا، وقد اختلف السلف في أنه هل يلزم فيه الصوم أم لا؟\nفروى عطاء عن ابن عباس وعائشة قالوا: المعتكف عليه الصوم. وقال سعيد بن المسيّب عن عائشة: من سنة المعتكف الصوم.\nوعن عليّ قال: لا اعتكاف إلا بصوم.\nوقال آخرون:\nيصحّ بغير صوم، روي عن علي\n، وعبد الله، وقتادة.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) انظر أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (١/ ٢٤٥) .","vol":"1","page":94},{"text":"هذا وقد اتفق العلماء على أنّ المراد من المباشرة في قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ الجماع، وتدخل الدواعي في الإباحة من طريق الأولوية.\nوكذا اتفقوا هنا على أن المعتكف ممنوع من الجماع ما دام معتكفا.\nواختلفوا في أن الدواعي لها حكم الجماع بالنسبة للمعتكف، فتكون حراما عليه، وتفسد الاعتكاف، أو ليس لها هذا الحكم؟\nقال الشافعية ومن معهم بالأول، وذهب الحنفية إلى الثاني.\nوقال الشافعية: إنّ الآية تشهد لنا، وذلك أن المباشرة حقيقة في وضع البشرة على البشرة، فيعمّ كل ما يتحقق فيه هذا المعنى، ولا يخرج عنه شيء إلا بدليل، وقد قام الدليل في قوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ من سبب النزول ومن قوله: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ ولم يقم الدليل هنا، فوجب أن يبقى اللفظ على عمومه، ومن هنا نقل ابن القاسم «١» عن مالك أنه إن قبّل امرأته فسد اعتكافه، وقال المزني عن الشافعي: إن باشر فسد اعتكافه.\nوأما الحنفية فرأوا أن الآية الأولى قد أريد منها المباشرة بالجماع اتفاقا، والثانية ذكرت المباشرة أيضا، فيحتمل أن يكون المراد بها غير ما أريد بالأولى، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعمّ، فكان مجملا، وقد جاء عمل الصحابة مؤيدا لفهم معنى الجماع فحسب. نقل ذلك عن ابن عباس وغيره.\nوقد روي عن الزهري، عن عروة، أن عائشة «كانت ترجّل رأس رسول الله ﷺ وهو معتكف»\nفكانت لا محالة تمسّ بدنه، فدلّ ذلك على أن المباشرة المجردة عن الشهوة لا تفسد الاعتكاف، ومن هنا أخذ الحنفية أنه إن باشر بغير جماع لا يفسد اعتكافه إلا إذا أنزل، وإن فعل بشهوة ولم ينزل فقد أساء «٢» .\nوهم يرون أيضا أنّ المباشرة الخالية عن الجماع لا تمنع من الصوم، فكذا لا تمنع الاعتكاف، هذا وقد ذكر المفسرون هنا أحكاما تتعلّق بالاعتكاف لا نرى لها تعلقا بالآية، فلم نشأ ذكرها.\nتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.\nحدّ الشيء: مقطعه ومنتهاه. وحدّ الدار: ما يمنع غيرها من الدخول فيها.\nوحدود الله: محدوداته ومقدّراته التي قدّرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة.\n_________\n(١) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد المصري، صحب الإمام مالك، وصنّف المدونة توفي (١٩١ هـ) في مصر، انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٣٢٣) .\n(٢) انظر كتاب أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٤٧) .","vol":"1","page":95},{"text":"وقد استشكل قوله بعد ذلك: فَلا تَقْرَبُوها، لأن الأشياء التي ترجع إليها الإشارة في قوله: تِلْكَ بعضها مباح، وبعضها محظور، فكيف جمعها في قوله:\nفَلا تَقْرَبُوها؟\nقيل في الجواب: المراد: لا تتعرّضوا لها بالتغيير، وقيل في الجواب: إنّ من كان في طاعة الله وعمل بشرائعه فهو متصرّف في حيّز الحق، فنهي عن أن يتعدّاه، لأنّ من تعدّاه وقع في حيز الضلال، ثم بولغ في ذلك. فنهي أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز الحق وحيز الضلال، لئلا يداني الباطل فيقع فيه، فطلب منه أن يكون بعيدا عن الطرف، فهو على حد قوله ﵊: «إنّ لكلّ ملك حمى، وإنّ حمى الله محارمه، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» «١» .\nكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي مثل هذا البيان الشافي يبيّن الله آياته ويوضحها ليتقي الناس الوقوع في خلافها، أو ليتقوا الله فيعملوا على حسب البيان الذي جاءهم.\nقال الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) .\nالباطل: الزائل الذاهب، والمراد منه غير وجه الحق.\nالمعنى: لا يأكل بعضكم أموال بعض بغير وجه مشروع.\nوأكل المال بالباطل ينتظم وجهين:\nأحدهما: أخذه على وجه الظلم والسرقة والغصب، وما جرى مجراه. والآخر:\nأخذه من جهة محظورة كالقمار وأجر الغناء، وسائر الوجوه التي حرّمها الشارع.\nوقد انتظمت الآية تحريم كلّ هذه الوجوه، وهي كلّها داخلة تحت قوله تعالى:\nوَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ.\nوقد كرّر الله هذا النهي في مواضع من القرآن، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً [النساء: ٢٩]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا [النساء: ١٠] إلخ.\nوليس المراد النهي عن خصوص الأكل، لأنّ غير الأكل من التصرفات كالأكل في هذا، ولكن لمّا كان المقصود الأعظم من المال هو الأكل ووقع التعارف فيمن ينفق ماله أنه أكله، فمن ثمّ عبّر الله عنه بالأكل.\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":96},{"text":"وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ، الإدلاء مأخوذ من أدلى الدلو إذا أرسلها في البئر للاستسقاء. قال الله تعالى: فَأَدْلى دَلْوَهُ [يوسف: ١٩] ثمّ جعل كلّ إلقاء قول أو فعل إدلاء. ومنه قيل للمحتج أدلى بحجته، كأنّه أرسلها ليحصل على مطلوبه، كمن ألقى دلوه في البئر.\nوالذي هنا من هذا المعنى، كأنه قيل: ولا تلقوا بالأموال إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون. وهو يشمل وجهين:\nتقديم الأموال رشوة للحكام، ليقضوا لهم بأكل أموال الناس بالإثم، ورفع القضايا للحاكم ارتكانا على الحجة الداحضة، وذرابة اللسان، وشهادة الزور، وما شاكل ذلك من وجوه الباطل، وكل ذلك محرم بالآية الكريمة. فإنها تقضي بتحريم كل ما يرفع إلى الحاكم فيحكم به في الظاهر ليحلها، مع علم المحكوم له أنه غير مستحق له.\nوفي المعنى الثاني- وهو رفع الأموال للحاكم ليقضي فيها ارتكانا على الحجة الداحضة- جاء\nفي الحديث الذي روي عن أم سلمة ﵂ قالت: «كنت عند رسول الله ﷺ فجاء رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست» . فقال رسول الله ﷺ: «إنّما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه، فمن قضيت له بحجة أراها فاقتطع بها قطعة ظلما، فإنما يقتطع قطعة من النار..» «١» وجاء في معنى هذا الحديث الآخر «إنّما أنا بشر، وإنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ أحدكم يكون ألحن بحجّته..» «٢» الحديث.\nوقد اتفقت الأئمة على هذا الحكم فيمن ادّعى حقا في يد رجل وأقام بيّنة فقضي له بها، حيث قالوا: إنه لا يجوز له أخذه، وإنّ حكم الحاكم لا يبيح له ما كان قبل محظورا عليه.\nواختلفوا في حكم الحاكم بعقد أو فسخ عقد، بشهادة شهود إذا علم المحكوم له أنهم شهود زور. فقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم ببينة بعقد، أو فسخ عقد مما يصح أن يبتدأ، فهو نافذ، ويكون كعقد عقداه ابتداء بينهما، وإن كان الشهود شهود زور.\nوقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وغيرهم: ينفذ الحكم ظاهرا، ولا ينفذ باطنا، على معنى أنّ حكم الحاكم يمضي ظاهرا، ولا يسع من يعلم بطلانه أن يعمل به، وقال أبو يوسف: إذا قضى الحاكم بفرقة على هذا الوجه بين الزوجين لم يحل\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٢٩٢)، كتاب الأقضية، باب في قضاء القاضي حديث رقم (٣٥٨٣) . [.....]\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٢١٦)، ٥٢- كتاب الشهادات، ٢٧- باب من أقام البينة حديث رقم (٢٦٨٠) ومسلم في الصحيح (٣/ ١٣٣٧)، ٣٠- كتاب الأقضية، ٣- باب الحكم بالظاهر حديث رقم (٤/ ١٧١٣)،","vol":"1","page":97},{"text":"للمرأة أن تتزوج، لأنها تعلم أنها لا تزال في عصمة الزوج، ولا يقربها الزوج احتراما لسلطة القضاء الظاهرة «١» .\nوقد قضى علي كرم الله وجهه بما يوافق رأي أبي حنيفة، حيث جاءه رجل ادعى زواجا على امرأة وهي تنكر، وجاء بشاهدين، فقالت: إني لم أتزوجه، فقال لها زوّجك الشاهدان\n، وكذلك قصة لعان هلال بن أميّة مع امرأته، وقضى النبي ﷺ بالفرقة بينهما، وكان ذلك بعد أن\nقال: «إن جاء الولد على صفة كذا فهو لهلال، وإن جاءت به على صفة كذا، فهو لشريك بن سمحاء» فجاءت به على الصفة المكروهة فقال النبي ﷺ: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» «٢» .\nواستيفاء الكلام على أدلة الطرفين وترجيح الراجح منها يطلب في موضع غير هذا.\nوالآية صريحة في أنّ الإثم على من أكل وهو يعلم أنه ظالم في الأكل، وأما غيره فلا إثم عليه.\nقال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) الهلال هو هذا الكوكب المخصوص المضيء ليلا، وإنما يسمّى هلالا لظهوره بعد خفائه، ومنه الإهلال بالحج لظهور الصوت بالتلبية، وقيل: بل إنما سمي هلالا، لأنّ الإهلال رفع الصوت، والناس عند ظهور الهلال يرفعون أصواتهم بذكره عند رؤيته.\nوقد اختلف أهل اللغة في الوقت الذي يسمّى فيه هلالا، فمنهم من قال: يسمّى هلالا لليلتين من الشهر، ومنهم من قال: لثلاث، ثم يسمّى قمرا، ومنهم من قال:\nيسمّى هلالا حتى يبهر ضوؤه سواد الليل، وذلك في الليلة السابعة.\nروي في سبب نزول هذه الآية، أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم- وكانا من الأنصار- قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، لا يكون على حالة واحدة كالشمس، فنزلت هذه الآية «٣» .\nويروى أيضا عن معاذ أن اليهود سألت عن الأهلة.\n_________\n(١) انظر كتاب أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٥٣) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٥)، ٦٥- كتاب تفسير القرآن، ٢- باب (ويدرأ عنها العذاب) حديث رقم (٤٧٤٧) .\n(٣) قال السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (١/ ٢٠٣): رواه ابن عساكر بسند ضعيف.","vol":"1","page":98},{"text":"ولم يذكر في الآية تحديد المسئول عنه في الأهلة. أهو حقائقها، أم أحوالها؟\nلكن الجواب ووروده بقوله: هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ مشعر بأن السؤال كان عن الحكمة في تغيّرها، وقد جاء الخبر بأن السؤال كان عن هذا، فالخبر و«القرآن» متطابقان، وعلى هذا فلا مفارقة بين السؤال والجواب.\nمَواقِيتُ جمع ميقات بمعنى الوقت. كالميعاد بمعنى الوعد، وقال بعضهم:\nالميقات منتهى الوقت، قال الله تعالى: فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف: ١٤٢] .\nوالهلال ميقات الشهر. ومواضع الإحرام مواقيت، لأنها التي ينتهي عندها الحلّ.\nوقد قال أبو بكر الرازي: إنّ هذه الآية تدل على جواز الإحرام بالحج في جميع شهور السنة، لأنّ الأهلة لفظ عامّ. وقد بيّن الله أنها مواقيت للحج، وهو استدلال غير ظاهر. لأننا قد بينّا أنّ المعنى أن الحكمة في تغيّر الأهلة بالزيادة والنقص أن يؤقت الناس بها في معاملاتهم وعباداتهم وحجهم، وليس الكلام في بيان ما يكون في الشهر من العبادات وغيرها «١» .\nوَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قيل: كان الناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة التزموا ألا يحول بينهم وبين السماء شيء، ويتحرّون في ذلك. حتى إن من أهلّ بالعمرة وبدت له حاجة في بيته لا يدخل إلى البيت من الباب خشية أن يحول السقف بين السماء وبينه. فنزلت هذه الآية «٢» . وقيل غير ذلك.\nوقيل: إنه مثل ضربه الله تعالى لهم بأن يأتوا البر من وجهه الذي أمر الله به، وليس هناك ما يمنع من إرادة الكل، فتكون الآية دالّة على أن إتيان البيوت من ظهورها ليس قربة إلى الله تعالى ولا هو من شرعه ولا ندب إليه، ويكون مع ذلك مثلا أرشدنا به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي أمرنا الله تعالى وَلكِنَّ الْبِرَّ برّ من اتقى محارم الله وَاتَّقُوا اللَّهَ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه رجاء أن يكون في ذلك فلاح.\nقال الله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)\n_________\n(١) انظر كتاب أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (١/ ٢٥٤) .\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٢/ ١٠٩) .","vol":"1","page":99},{"text":"وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وردت هذه الآيات في الإذن بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرام إذا فوجئوا بالقتال بغيا وعدوانا، فهي متصلة بما قبلها، لأنّ الآية السابقة بيّنت أنّ الأهلة مواقيت للنّاس والحج، والحج في أشهر هلالية مخصوصة، كان القتال فيها محرّما في الجاهلية.\nولم تختلف الأمة في أنّ القتال لم يكن مشروعا قبل الهجرة، بل كان محظورا بقوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) [فصلت: ٣٤، ٣٥] وقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ [المائدة: ١٣] وقوله: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] وقوله:\nفَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) [المائدة: ٩٢] وقوله: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا [الفرقان: ٦٣] وقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ [النساء: ٧٧] وقوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) [الغاشية: ٢٢] وقوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق: ٤٥] وقوله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية: ١٤] .\nفلما تحولوا للمدينة نسخ هذا كله بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] وقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩] .\nوقد اختلف السلف في أول آية نزلت في الإذن بالقتال. فروي عن الربيع بن أنس وغيره أن أول آية نزلت في قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وروي عن جماعة من الصحابة: منهم أبو بكر الصديق ﵁ أنّ أول آية نزلت في القتال أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج: ٣٩، ٤٠] .\nوقد أخرج الواحدي «١» من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله ﷺ لما صدّ عن البيت، ثم صالحه المشركون، على أن يرجع عامه ثم يأتي القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء فلما كان العام المقبل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله هذه الآية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ الآية.\n_________\n(١) أسباب النزول للإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري صفحة (٤٩) .","vol":"1","page":100},{"text":"المعنى: يا أيها المؤمنون الذين يخافون أن يمنعهم مشركو مكة عن زيارة بيت الله والاعتمار فيه نكثا منهم للعهد، ويكرهون أن يدافعوا عن أنفسهم في الحرم وفي الشهر الحرام: اعلموا أنني قد أذنت لكم في القتال، وأنتم إذ تقاتلونهم فإنما تفعلون ذلك في سبيل الله للتمكّن من عبادته، وفوق ذلك فإنما تفعلون هذا مع من نكثوا عهد الصلح، فقاتلوا في هذه السبيل الشريفة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا بالقتال فتبدؤوهم، ولا في القتال فتقتلوا من لم يقاتل كالنساء والصبيان والشيوخ والمرضى الذين لا يستطيعون قتالا، أو من ألقى إليكم السلم وكفّ عن حربكم.\nوَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ.\nالثقف: الأخذ والإدراك والظفر، يقال: ثقفه: أخذه أو وجده أو ظفر به، أو أدركه.\nوالمعنى: اقتلوا هؤلاء الذين يقاتلونكم في أي مكان تمكّنتم منهم، ولا يصدنّكم عنهم أنهم في أرض الحرم.\nوَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أجلوهم عن مكة كما أجلوكم عنها، فقد كان المشركون يتربّصون بالمؤمنين الدوائر، حتى اضطرّ هؤلاء أن يخرجوا فرارا بأنفسهم ودينهم، ومع ذلك منعوهم من دخول مكة للعبادة. فماذا على المؤمنين الذين أوذوا في سبيل الله وأخرجوا من ديارهم إذا قابلوا العدوان بمثله؟ وهل يعيب أحد الدفاع عن النفس؟ كلا. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: ٢٥١] .\nوَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ الفتنة في الأصل مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما في النار ليستخرج منهما الزغل، ثم استعملت الفتنة في كل اختبار، وهذا مبالغة في التحريض على المقاتلة، أي أنّ ما تفعلونه معهم من القتل في الحرم أقلّ مما يتصفون به من الفتنة.\nثم قيل: إن الفتنة هنا الكفر، وقيل: المراد بها ما كان يقع من المشركين من صنوف الإيذاء والإعنات، التي جعلت المؤمنين يفرّون بدينهم، ولولا ذلك لما أمكنهم البقاء على الدين مع الإقامة على الاضطهاد والعسف، وتقرير الآية التي معنا على هذا الوجه مطابق لقوله تعالى في آيات الحج أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج: ٣٩، ٤٠] .\nومن فسّر الفتنة بالشرك ادّعى أن قوله: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ الآية ناسخ لما تقرّر في الآية الأولى من قتال المقاتلين فقط. ثم احتاج بعد هذا إلى أن يقول: وهذه الآية أيضا منسوخة بقوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وهكذا ادعوا في هذه الآية نسخا متتاليا.","vol":"1","page":101},{"text":"ولما كنا نرى أنه لا حاجة بنا في فهم هذه الآيات إلى القول بالنسخ، ولمّا لم يكن يعرف أن هذه الآيات مقترنة في النزول، أو مفصولة عن بعضها، وكنا نرى أنها جميعها إلى قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ملتئمة مع ما ذكرنا في سبب النزول، وكان القول بالنسخ على هذا الوجه قد يؤدي إلى القول بالنسخ قبل التمكن، وهو غير جائز عند البعض، كان من رأينا أنّ الأولى الذهاب إلى القول بعدم النسخ.\nعلى أنه إذا كان الداعي إلى القول بالنسخ هو عموم شرع القتال بالنظر للمشركين فنحن نجده في قوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] وقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة: ١٢٣] وقوله:\nفَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] وقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩] فليس هناك ما يدعو إلى تفكيك آيات هي متصلة ببعضها تمام الاتصال بغير موجب.\nعلى أن الفخر الرازي يرى أن آية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ مع تسليم أنها في وجوب قتال المقاتلين فقط لا يلزم أن تكون منسوخة بقوله: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ بفرض عموم هذه، لأنّ غاية ما يلزم أن يكون قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ دالا على قتال المقاتلين فحسب، من غير تعرّض لقتال غيرهم، وقوله:\nوَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ يفيد تعميم الحكم بعد التخصيص، وذكر العامّ بعد الخاصّ يثبت زيادة حكم على حكم الخاصّ من غير أن ينسخه.\nوأما قوله: وَلا تَعْتَدُوا فهذا يحتمل أن يكون معناه: ولا تبدءوا في الحرم، أو لا تعتدوا بقتال من وادعوكم، وألقوا إليكم السلم، وكان بينكم وبينهم عهد.\nإلى أن قال: وتحقيق القول: إنه تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على المقاتلة، وفي هذه الآية وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ زاد في التكليف، فأمر بالجهاد معهم، سواء أقاتلوا أو لم يقاتلوا، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام.\nوَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) .\nروي عن مقاتل أنّ آية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ منسوخة بقوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ثم تلك منسوخة أيضا بقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ.\nوقال الفخر الرازي: وهو ضعيف، أما أن قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ منسوخ فقد تقدم إبطاله. وأما قوله: إن هذه الآية منسوخة بقوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فهو تخصيص لا نسخ. وأما قوله: إنّ قوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ","vol":"1","page":102},{"text":"عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ\nمنسوخ بقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ فهو خطأ أيضا، لأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهذا الحكم باق لم ينسخ، فثبت أن قوله ضعيف، قال: ولأنه يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متتاليات تكون كل واحدة منهما ناسخة للأخرى.\nوقد تمسّك الحنفية بهذه الآية في عدم قتل الكافر اللاجئ للحرم ما دام لم يقاتل في الحرم.\nويحتجّ بعمومها فيمن قتل ثم لجأ إلى الحرم في أنه لا يقتل، لأن الآية لم تفرّق بين من قتل ومن لم يقتل في حظر قتل الجميع، فلزم بمضمون الآية ألا نقتل من وجدناه في الحرم، سواء كان قاتلا أو غير قاتل، إلا إذا قتل في الحرم، فإنه يقتل بقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا [آل عمران: ٩٧] وقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا والمسألة مبسوطة في كتب الفقه.\nكَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ أي ما قدمناه من قتل الكافرين المقاتلين على ما وصفنا، وبشروطه التي ذكرنا.\nفَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) أي فإن كفوا عن قتالكم، ورجعوا عن الكفر، فإنّ الله يغفر لهم ما تقدّم منهم ويرحمهم، كما في قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] .\nوقد ذهب ابن عباس إلى أن معنى الآية: فإن انتهوا عن القتال.\nوذهب الحسن إلى أن المعنى: فإن انتهوا عن الشرك، لأنه لا غفران لهم إلا إذا انتهوا عن الشرك إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ.\nقال الله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) أي اقصدوا بقتالهم أن تزول الفتنة والكفر وأنواع الإيذاء والضرر التي تلحق المسلمين بوجودهم في مكة، وقد ورد\nعن النبي ﷺ: «لا يبقينّ في جزيرة العرب دينان» «١» .\nوالحكمة في هذا تشير إليها الآية الكريمة حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ولو أنّ المسلمين ساروا على مقتضى هذه الحكمة في قواعد ملكهم التي أنشئوها في غير\n_________\n(١) وبمعناه رواه البخاري (٥/ ١٥٩، ٦٤- كتاب المغازي، ٨٤- باب مرض النبي ﷺ حديث رقم (٤٤٣١) ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٥٧)، ٢٥- كتاب الوصية، ٥- باب ترك الوصية حديث رقم (٢٠/ ١٦٣٧) .","vol":"1","page":103},{"text":"جزيرة العرب لكان الحال غير ما ترى اليوم، فإنّ المنع من أن يبقى في جزيرة العرب دينان إنما كان اجتثاثا لبذور الفتن، وأشد الفتن خطرا ما يكون في قواعد الملك.\nأما قوله: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فالمعنى: أن يكون الله هو المعبود وحده، وكأنّ المعنى: وقاتلوهم حتى يزول الكفر، ويثبت الإسلام، ونظيره قوله تعالى: تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: ١٦] .\nفَإِنِ انْتَهَوْا عما أوجب قتالهم فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ يحتمل أن يكون المعنى:\nفلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن الكفر، فإنّهم بإصرارهم على الكفر ظالمون لأنفسهم إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣] .\nولما كان القتل هنا جزاء العدوان صحّ إطلاق اسم العدوان عليه، كما قال:\nفَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ.\nويحتمل أن يكون المعنى: أنهم إن انتهوا، واعتديتم عليهم بعد ذلك: كنتم ظالمين، فنسلط عليكم من يعتدي عليكم، ويكون المعنى طلب الكف عنهم بعد انتهائهم.\nقال الله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) .\nروي عن ابن عباس، والربيع بن أنس ومجاهد وقتادة والضحّاك أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية للعمرة، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، فصدّه أهل مكة عن ذلك، ثم صالحوه على أن ينصرف، ويعود في العام القابل، حتى يتركوا له مكة ثلاثة أيام، فرجع رسول الله ﷺ في العام القابل: وهو في ذي القعدة سنة سبع، ودخل مكة واعتمر، فأنزل الله هذه الآية «١» .\nوالمعنى: أنهم صدّوك في العام الفائت في هذا الشهر. فمنّ الله عليكم بالدخول إليها في هذا الشهر من هذا العام، فهذا الشهر بذاك الشهر.\nوروي عن الحسن أن الكفار سمعوا أن الله تعالى نهى الرسول ﷺ أن يقاتل في الأشهر الحرم، فأرادوا مقاتلته، لظنهم أنه يمتنع عن المقاتلة في هذه الأشهر الحرم، وذلك قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ\nفأنزل الله هذه الآية لبيان الحكم في هذه الواقعة، فقال:\nالشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ «٢» أي من استحل دمكم في الشهر الحرام فاستحلوا دمه فيه.\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٢/ ١١٤) .\n(٢) انظر ما ذكره الجصاص في كتابه أحكام القرآن (١/ ٢٦١)، والقرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٣٣) .","vol":"1","page":104},{"text":"وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ إن جرينا على ما روي عن ابن عباس يكون المراد بالحرمات:\nالشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الإحرام، والمعنى: أنهم لما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست، فقد عوّضكم الله عنها في سنة سبع.\nوإن جرينا على ما روي عن الحسن فيكون المعنى: إن أقدموا على مقاتلتكم ولم يراعوا حرمة الأشهر الحرم فقاتلوهم. فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ أي: فمن اعتدى عليكم فقابلوه باعتداء مثله وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالمعونة والنصر.\nقال الله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) .\nلما كان الكلام في القتال: وهو كما يحتاج إلى الأنفس يحتاج إلى الأموال- وربما كان من عنده مال لا يقدر على النزال، وقد يكون الشجاع لا مال له- أمر الله الأغنياء أن ينفقوا في سبيل الله على الفقراء الذين لا يجدون ما يحملون أنفسهم عليه في القتال.\nويروى أنه لما نزل قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد، وليس أحد يطعمنا. فأمر ﵊ أن ينفقوا في سبيل الله، وأن يتصدّقوا، ولا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة تحمل في سبيل الله. فنزلت الآية على وفق ما قال رسول الله.\nوالإنفاق: هو صرف المال في وجوه المصالح، ولذلك لا يقال للمضيّع إنه منفق، وإذا قيّد بكونه في سبيل الله فالمراد به في طريق الدين، لأن السبيل هي الطريق، وسبيل الله دينه.\nفاللفظ يتناول كل القربات. من جهاد وحج وغير ذلك، إلا أنّ الأقرب حمل الآية على الانفاق في الجهاد، لأن الكلام فيه.\nوَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قيل: الباء في قوله: بِأَيْدِيكُمْ زائدة، ويكون المعنى:\nلا تلقوا أيديكم، وهو كقول القائل: أخذت القلم، وأخذت بالقلم، بمعنى واحد، وقيل: المراد بالأيدي الأنفس، والمعنى: لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وقد جاء استعمال اليد في النفس في قوله: ما قَدَّمَتْ يَداهُ [الكهف: ٥٧] فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠] وقال آخرون: إنّ في الكلام حذفا، والتقدير: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، والتهلكة: الهلاك، يقال: هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة.","vol":"1","page":105},{"text":"وقال بعضهم: ولا أعلم مصدرا جاء في لغة العرب على تفعلة بضم العين إلا هذا، قال أبو علي: حكاه سيبويه «١» في التّبصرة وقال صاحب الكشاف «٢»: ويجوز أن يكون أصله التّهلكة بكسر اللام، كالتجربة، والتبصرة، فأبدلت الكسرة ضمة، كما جاء الجوار في الجوار.\nويعجبنا قول الفخر الرازي في هذا المقام: إني لأتعجب لهؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا من الشعر مجهولا يشهد لما أرادوا طاروا به فرحا، واتخذوه حجة قوية، أفلا يكون ورود هذا اللفظ في كلام الله المشهود له بأنه في أعلى درجات البلاغة- أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها؟\nوقد اختلف المفسرون في المراد بالتهلكة هنا- فمنهم من قال: التهلكة ألا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم، فيستولي عليهم عدوّهم، ويهلكهم وهناك وجه آخر: وهو أن الله لما أمرهم بالإنفاق، وكان الرجل ربما استنفد ماله في مرضاة الله، وهذا قد يؤدي إلى هلاكه قال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أي لا تجهزوا على المال بالنفقة، بل أبقوا بعضه، وأنفقوا بعضه، وهو حينئذ في معنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧) [الفرقان: ٦٧] وقوله: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) [الإسراء: ٢٩] .\nوقيل بل هي نهي عن الإخلال بما يتطلبه الجهاد، فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب، وقيل غير هذا، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي وأحسنوا في الانفاق بأن تجعلوه وسطا لا إسراف فيه ولا تقتير.\nقال الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ اختلف العلماء في إتمام الحج والعمرة ما هو؟\nفقيل: أداؤهما، والإتيان بهما من غير أن يفعل في أثنائهما شيئا من المحظورات، وقد يجيء الإتمام بمعنى أصل الفعل، كما في قوله تعالى:\n_________\n(١) عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي، عالم النحو، صنف كتابا سماه الكتاب، أخذ عن الخليل، انظر الأعلام للزركلي (٥/ ٨١) .\n(٢) انظر تفسير: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري (١/ ٢٣٨) .","vol":"1","page":106},{"text":"وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ أي فعلها، وكما في قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أي أدوه، وقد علمت ما فيه سابقا.\nوقال سفيان الثوري: إتمامهما أن تخرج لهما لا لغيرهما، وقيل: إتمامهما فعل كل واحد منهما منفردا، من غير تمتع ولا قران، قال ابن حبيب «١»: وقيل إتمامهما أن لا يستحل فيهما ما لا ينبغي. وقيل: إتمامهما أن يحرم لهما من دويرة أهله. وقيل:\nأن ينفق في سفرهما الحلال الطيب.\nوقد ذكر في أسباب النزول روايات كثيرة يرجع إليها هذا الخلاف، ويأخذ منها المختلفون ما يؤيّد مذهبهم، لا نريد الإطالة بذكرها، وقد اتفق العلماء على فرضية الحج، واختلفوا في العمرة، وذلك أن كثيرا من الآيات، بل كل الآيات التي طلب فيها الحجّ جاء ذكره فيها مجرّدا عن ذكر العمرة وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ [الحج: ٢٧] .\nوالأحاديث الصحيحة التي بيّنت قواعد الإسلام لم يرد فيها ذكر العمرة، نعم جاء ذكر العمرة مع الحج عند بيان الكيفيات، كقوله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وقوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ إلى قوله:\nفَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.\nفقال بعض العلماء: إنّ ذلك يقتضي أن لا يكونا سواء في الحكم، فالعمرة سنّة والحجّ فريضة.\nوذهب جماعة إلى أنّ العمرة واجبة كالحجّ وبه أخذ الشافعيّ وأحمد وابن الجهم من المالكية، وهو مذهب علي، وابن عمر وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وغيرهم.\nوقال مالك، والنخعي، وأبو حنيفة: (وروي عنه الوجوب) إن: العمرة سنة، وهو مذهب ابن مسعود وجابر بن عبد الله، ولنذكر طرفا من جملة ما استدل به الفريقان:\nاستدل الأولون: بما\nروي في الصّحيح عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه «من كان معه هدي فليهلّ بحجّ وعمرة» «٢» .\n_________\n(١) عبد الملك بن حبيب بن سليمان أبو مروان القرطبي، صاحب كتاب الواضحة في الفقه، عالم الأندلس وفقيهها، زار مصر كان عالما بالتاريخ توفي بقرطبة، انظر الأعلام للزركلي (٤/ ١٥٧) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٨٧٠)، ١٥- كتاب الحج، ١٧، باب بيان وجوه الإحرام حديث رقم (١١١/ ١٢١١) . [.....]","vol":"1","page":107},{"text":"وفي الصّحيح أيضا قال ﷺ: «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة» «١» .\nوأخرج الدّارقطني والحاكم من حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الحجّ والعمرة فريضتان لا يضرّك بأيهما بدأت» «٢» .\nواستدلّ الآخرون:\nبما أخرجه الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله ﷺ: «الحج جهاد والعمرة تطوّع» وأخرج ابن ماجه مثله «٣»\n،\nوأخرج الترمذي وصحّحه، عن جابر أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن العمرة، أواجبة هي؟ قال: «لا. وأن تعتمروا خير لكم» «٤»\n، وأجاب هؤلاء عن الأحاديث التي صرّح فيها بلفظ الفريضة بأن ذلك بعد الشروع فيها، وهي حينئذ واجبة بلا خلاف، وهذا وإن كان فيه بعد، لكنه يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة، قاله الشوكاني. وقال: وعلى هذا يحمل سائر ما فيه دلالة على وجوبها، كالذي أخرجه الشافعي في «الأم»: أنّ العمرة هي الحج الأصغر.\nكذلك يجب حمل الأحاديث التي قرن فيها الحج والعمرة على أنهما من أفضل الأعمال، وأنهما كفارة لما بينهما «٥»، وأنهما يهدمان ما قبلهما ونحو ذلك اه.\nوأما الآية التي معنا فالتعبير بالإتمام مشعر بأنهما كان قد شرع فيهما، وقد علمت سابقا أنّ آيات القتال كانت في صلح الحديبية، وأنهم كانوا شرعوا في العمرة وصدّوا عنها، ولذلك تسمّى العمرة التي وقعت في سنة سبع عمرة القضاء، فالتعبير بالإتمام ظاهر النكتة، لا يحتاج إلى الحمل على أصل الفعل.\nفَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.\nالحصر: الحبس، قال أبو عبيدة «٦» والكسائي، والخليل: يقال أحصر بالمرض، وحصر بالعدو، وفي «المجمل» لابن فارس «٧» بالعكس، يقال: أحصر بالعدو وحصر\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٨٨٦)، ١٥- كتاب الحج، ١٩- باب حجة النبي ﷺ حديث رقم (١٤٧/ ٢١١٨) .\n(٢) سننه، ط ١، بيروت دار المعرفة ١٩٨٦ (٢/ ٢٨٤) .\n(٣) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٩٩٥)، كتاب المناسك، باب العمرة حديث رقم (٢٩٨٩) .\n(٤) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٢٧٠) في كتاب الحج باب ما جاء في العمرة حديث رقم (٩٣١) .\n(٥) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ٢٤٠)، ٢٦- كتاب العمرة، ١- باب العمرة حديث رقم (١٧٧٣) .\n(٦) معمر بن مثنى أبو عبيدة البصري النحوي، له مصنفات بلغت المائتين توفي سنة (٢٠٩ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٧/ ٢٧٢) .\n(٧) أحمد بن فارس القزويني اللغوي توفي (٣٩٥ هـ) في الري، انظر الأعلام للزركلي (١/ ١٩٣) .","vol":"1","page":108},{"text":"بالمرض، ورجّح الأول ابن العربي «١» وقال: رأي أكثر أهل اللغة «٢»، وقال الزجّاج:\nإنّه كذلك عند جميع أهل اللغة. وقال الفرّاء: هما بمعنى واحد في المرض والعدو، ووافقه على ذلك أبو عمرو الشيباني «٣» .\nوبسبب هذا الاختلاف بين أهل اللغة اختلف أئمة الفقه، فذهب الحنفية إلى أنّ المحصر من يصير ممنوعا من دخول مكة بعد الإحرام بمرض، أو عدوّ، أو غيره، وذهب الشافعية إلى أن الإحصار معناه: المنع بالعدو.\nوقال الفخر الرازي: وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة فقهية، وهي أنهم اتفقوا على أنّ حكم الإحصار في الحصر بالعدو ثابت، وهل يثبت بالمرض وسائر الموانع أو لا؟\nقال أبو حنيفة: يثبت، وقال الشافعي: لا يثبت، وحجة أبي حنيفة ظاهرة على مذهب أهل اللغة، وذلك لأن أهل اللغة رجلان:\nأحدهم: الذي قال: الإحصار مختصّ بالمرض. فتكون الآية نصّا فيه.\nوالثاني: الذي قال: إنّ الإحصار اسم لمطلق الحبس، سواء كان حاصلا بسبب المرض، أو بسبب العدو. وحجة أبي حنيفة على هذا ظاهرة أيضا، لأنّ الله تعالى علّق الحكم على مسمّى الإحصار، وهو عام، فتناول الكل.\nنعم إنّ هناك قولا ثالثا، وهو أن الإحصار في الحصر بالعدو. قال الفخر: وهو باطل باتفاق أهل اللغة، وبتقدير ثبوته. فنحن نقيس المرض على العدو بجامع الحرج، وهو قياس جلي، وقد استدل الشافعية لمذهبهم بوجوه منها أنّ رأينا وإن كان يخالف روايات أهل اللغة إلا أنه مرويّ عن ابن عباس، وابن عمر، وهما أولى، لأنّهما من أهل اللغة. وأدرى بتفسير «القرآن» .\nعلى أنا نقول: إنّ الحصر عبارة عن المنع، ولا يقال: إنّ الإنسان ممنوع عن كذا إلا إذا كان متمكّنا منه قادرا عليه، وذلك في العدو، لا في المرض، وأيضا أُحْصِرْتُمْ معناها: منعتم، والمنع لا بدّ له من مانع، ولا يسند الفعل إلى المرض عقلا، لأنّه مرض لا يبقى زمانين، فكيف يقال: إنه مانع؟ وأنت ترى أنهم في هذا يستعملون القياس في اللغة.\nوقالوا أيضا إن الله تعالى قال في الآية: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ\n_________\n(١) هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي توفي (٥٤٣ هـ) في فاس، من حفاظ الحديث، انظر الأعلام للزركلي (٦/ ٢٣٠) .\n(٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي ط ٢، بيروت، دار الفكر، ١٩٦٧ (١/ ١١٩- ١٢٤) .\n(٣) إسحاق بن مرار الشيباني بالولاء النحوي اللغوي سكن بغداد وتوفي فيها سنة (٢٠٦ هـ)، انظر الأعلام للزركلي (١/ ٢٩٦) .","vol":"1","page":109},{"text":"ولفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف من العدو، لا في المرض، وقد أورد عليه أننا نمنع أن يكون الأمن قاصرا على الأمن من العدو، ولئن سلّم: فخصوص بعض أفراد العام بحكم ذكر في آخر الآية لا يذهب بعموم أولها في حكم غير هذا الخاص.\nاسْتَيْسَرَ تيسر، كاستعظم تعظم، واستكبر تكبر.\nالْهَدْيِ جمع هدية كما تقول: تمر وتمرة، وفي الهدي تشديد للياء وتخفيفها، والهدي ما يهدى إلى بيت الله ﷿ تقربا إلى الله، وقد روي عن علي، وابن عباس والحسن. وقتادة: الهدي أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة، فعليه ما تيسر من هذه الأجناس. وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وابن شبرمة «١»، غير أنه جعل البدن خاصة بالإبل، وهم جعلوها في الإبل والبقر، والخلاف في السن المجزئ يعرف في الفقه، ثم إن حقيقة الحج والعمرة معروفة في الفقه، وقد ذكر المفسّرون هنا أقسام الحج: الإفراد، والقران، والتمتع، وحقائقها أيضا معروفة في الفقه.\nوقد اختلف العلماء في أيها أفضل؟ فقال الشافعي: أفضلها الإفراد، ثم التمتع ثم القرآن، وعنه: إنّ التمتع أفضل من الإفراد، وهو مروي عن مالك ﵁.\nإن التمتع جاء ذكره في القران. ولم يجئ القران.\nوللشافعي\nقوله عليه الصلاة السلام: «القرآن رخصة» «٢»\nولأنّ في الإفراد زيادة التلبية والسفر، والحلق.\nوالحنفية احتجوا بما\nروي عن النبي ﷺ «يا آل محمد! أهلّوا بحجّ وعمرة معا» «٣»\nوالذي يعنينا هو: هل في الآية ما يؤيّد واحدا من هذه المذاهب؟ ترى أن الآية ليس فيها ما يصلح حجة لواحد من الآراء. فليس فيها إلا الأمر بالإتمام، وهو لا يقتضي شيئا منها، فالمدار في إثبات المذاهب على السنة والترجيح فيها.\nثم إن الإحصار كما يكون عن الحج يكون عن العمرة، لأن الله تعالى يقول:\nفَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ومعناه منعتم، وهو بإطلاقه ينصرف إلى المنع مما تقدم. والذي تقدم هو قوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فيكون المنع منهما سواء.\nوَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ قد اختلف السلف في المكان الذي يذبح فيه\n_________\n(١) عبد الله بن شبرمة، فقيه العراق، أبو شبرمة، قاضي الكوفة وكان شاعرا توفي سنة (١٤٤ هـ) انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (٦/ ٥٠٠) ترجمة (٩٨٠) .\n(٢) قال الزيلعي: غريب جدا انظر نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعى (٣/ ١١٥) .\n(٣) رواه أحمد في المسند (٦/ ٢٩٨) .","vol":"1","page":110},{"text":"الهدي، فقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين: هو الحرم، وهو مذهب الحنفية «١» والثوري.\nوقال مالك والشافعي: محله الموضع الذي أحصر فيه، فيذبحه ويحل، وذلك أنّ معنى قوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ لا تحلوا من إحرامكم حتى تعلموا أنّ الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم قد بلغ محله، والكلام في هذا المحل، لأنه يحتمل أن يراد منه الوقت الذي يذبح فيه، ويحتمل أن يراد منه الموضع.\nفذهب الشافعية وأهل المدينة إلى أن المراد منه الوقت الذي يذبح فيه، إذا جاء في موضع الإحصار، لأن النبي ﷺ ذبح فيه حيث أحصر في عام الحديبية.\nوذهب الحنفية إلى أنه الحرم، لأن المحل وإن كان يحتمل الوقت، ومنه محلّ الدّين: أي وقته، غير أن الله تعالى يقول: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فلو كان هدي الإحصار يذبح في موضع الإحصار لكان الهدي بالغا محله، وحينئذ يكون قوله حتى يبلغ الهدي محله لاغيا.\nوقد قال الله تعالى: وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ إلى أن قال:\nلَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) [الحج: ٣٠- ٣٣] والظاهر أنّ ذلك في كل الهدايا بلا فرق. وكأنّ الآية بيان للإجمال في قوله: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فقد جعل الله محل الهدي البيت العتيق، فليس لأحد أن يجعله في غيره.\nوأيضا فقد قال الله في جزاء الصيد: هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥] فبيّن أن الشرط في الهدي أن يكون على صفة بلوغ الكعبة، فلا يصح أن تغيّر هذه الصفة، كما لم يصح تغيير التتابع في صوم كفّارة الظهار. هذا مجمل أدلة الحنفية، وقد أجابوا عن فعل النبي ﷺ وأصحابه في عام الحديبية فقالوا: إن الذبح في طرف الحرم من جهة الحديبية.\nوالشافعية وأهل المدينة استدلوا بفعل النبي ﷺ، وأيضا قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ يدلّ عليه، بل إنه لو كان الذبح في الحرم لما قال: مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أي الحرم، فيكون النبي ﷺ قد ذبح في الحل، لا في الحرم.\nوالحنفية يقولون: إنه يستحبّ أن يكون الذبح عند المروة بمنى، فلما منع المشركون الهدي أن يبلغ هذا المحل، كان الهدي معكوفا أن يبلغ المحل الأفضل، وإن كان الذبح واقعا في الحرم، هذا مجمل الأدلة والشبه من الفريقين.\nثم إنّ العلماء لم يختلفوا في أن هدي العمرة غير مؤقّت بزمن مخصوص، بل له أن يذبح\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١/ ١٩٦) . [.....]","vol":"1","page":111},{"text":"متى شاء، ويحل، واختلفوا في هدي الإحصار في الحج، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: له أن يذبحه متى شاء ويحل. وقال أبو يوسف والثوري ومحمد: لا يذبحه قبل يوم النحر.\nوجه الأولين أن قوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ عام في كل الأوقات متى حصل الإحصار، فتخصيصه بوقت إخراج للعام عن عمومه من غير دليل، وأيضا فإن الاتفاق حاصل بين الجميع أن حكم الإحصار بالعمرة لا توقيت فيه، وهو مستفاد من قوله:\nوَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وهذا دم إحصار وذلك دم إحصار الفرق تحكّم.\nعلى أن المعقول في دم الإحصار أن لا يتوقت بزمن غير زمن الإحصار لما قد ينشأ عن بقاء الإحرام- حتى يجيء يوم النحر- من الضرر. نعم قد يعقل أن يختص ذبح دم الإحصار بالمكان لمعنى في المكان: كسد حاجة فقراء الحرم، أو ما شاكل ذلك، ولا نجد هذا المعنى في التخصيص بالزمان بعد وجود الإحصار وعدم التمكن من الوصول إلى الحرم.\nفَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، المراد بالمرض هنا أدنى ما يصدق عليه اسم المرض. لأنّ المرض الشديد الذي يمنع من تمام النسك يثبت به الإحصار عند الحنفية، وهذا أحد الشبه التي للشافعية أن يستدلوا بها على أن المرض لا يثبت به الإحصار، لأنّه قد بيّن حكمه، هنا، وإن كان للحنفية أن يقولوا:\nإنّ وجود الصوم بين هذه الأشياء التي جبر فيها دالّ على أن هذا حكم المرض اليسير الذي يقدر صاحبه على الصوم معه، وهذا لا نقول له تحلل بالهدي، بل عليه إتمام النسك، ثم إن قوله: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ مشير إليه.\nوفي الآية حذف تقديره: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فحلق فالواجب فدية، وكأنّ هذا استثناء من قوله: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، وعلى كل حال- فالمراد: بالمرض والأذى ما يحتاج معه إلى أن يفعل شيئا من محظورات الإحرام:\nكلبس المخيط، أو تغطية الرأس، أو الحلق. ولم تبين الآية مقدار الصيام، ولا مقدار الصدقة، ولا مقدار النسك. وإنّما ذلك نجده في السّنّة وكتب الفقه.\nوقد ذهب الجمهور إلى أن الصوم ثلاثة أيام، وهو قول جماعة السلف: إلا ما يروى عن الحسن، وعكرمة: أن الصيام عشرة أيام كصوم التمتع، والعمدة في هذا الباب حديث كعب بن عجرة، وهو ما\nروي عن عبد الله بن مغفّل أن كعب بن عجرة حدّثه «أنه خرج مع النبيّ ﷺ محرما فقمّل رأسه ولحيته، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فدعا بحلاق فحلق رأسه»، وقال: «هل تجد نسكا»؟ فقال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، أو أن يطعم ستّة مساكين، لكل مسكين صاعا «١» .\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٨١) .","vol":"1","page":112},{"text":"واختلفت الروايات عنه في الصدقة، فمرّة روي عنه الصدقة بستة صيعان كما رأيت، على ستة مساكين، ومرة بثلاثة آصع «١»، على ستة مساكين، فاضطر الجمهور إلى الجمع بينهما، فحملوا رواية الثلاثة آصع، على طعام القمح، لأنه المعهود فيه في سائر الصدقات، وحملوا رواية الستة آصع على التمر، وأما النسك فلا خلاف أنه تجزئ فيه الشاة، وقد ورد في أخبار كعب بعضها: أنسك نسيكة، وبعضها: شاة، فهو إن شاء ذبح شاة وإن شاء ذبح بدنة.\nولا خلاف أنه مخيّر بين فعل أي واحد من الثلاثة، يفعل أيها شاء. لأنّ هذا ما تقضيه (أو) من التخيير.\nفَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.\nبهذه تعلّق الشافعية أيضا فيما ذهبوا إليه من الإحصار هو من العدو فحسب، وقال الحنفية: إن الأمن كما يكون من العدو يكون من غيره، ثم إنّ قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ينتظم معنيين:\nأحدهما: الإحلال، والمتعة بالنساء.\nوالآخر: جمع الحج والعمرة في أشهر الحج، ومعناه حينئذ: الارتفاق بهما، وترك إنشاء سفرين لهما.\nوقد كانت العرب تكره العمرة في أشهر الحج، وتعدّها من أفجر الفجور. روي عن ابن عباس أنه قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفر. ويقولون: إذا برأ الدّبر وعفى الأثر، وانسلخ صفر، حلّت العمرة لمن اعتمر «٢» .\nفالمتعة بالحج تحتمل المعنيين:\nاستباحة التمتع بالنساء بالإحلال، والمعنى الثاني: الارتفاق بجمعهما في أشهر الحج، بعد أن كان ذلك ممنوعا.\nوقد اختلف في قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.\nفقال ابن مسعود وعلقمة «٣»: هو عطف على قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ١٨٥)، ٦٥- كتاب تفسير القرآن، ٣٢- باب فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا حديث رقم (٤٥١٧)، ومسلم في الصحيح (٢/ ٨٥٩)، ١٥- كتاب الحج، ١٠- باب جواز حلق الرأس حديث رقم (٨٠/ ١٢٠١) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ١٨٥)، ٢٥- كتاب الحج، ٣٤- باب التمتع والإقران والإفراد بالحج حديث رقم (١٥٦٤) .\n(٣) علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي، أبو شبل، تابعي، كان فقيه العراق، انظر الأعلام للزركلي (٤/ ٢٤٨) .","vol":"1","page":113},{"text":"والمعنى: أنّ الحاجّ إذا أحصر فحلّ من إحرامه بهدي يذبحه: فعليه قضاء عمرة وحجة، فإن هو تمتع بهما، وجمع بينهما في أشهر الحج في سفر واحد: فعليه دم آخر للتمتع.\nوإن اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى أهله. ثم حجّ من عامه، فلا دم عليه للتمتع.\nقال عبد الله بن مسعود: هديان وسفر أو سفران وهدي، يعني أن من جمع بينهما في سفر واحد بعد الإحصار فعليه هديان: هدي الإحصار، وهدي التمتع، وإن فعلهما في سفرين فليس عليه إلا هدي الإحصار.\nويرى ابن عباس أنّ الآية تشمل كلّ جمع بينهما في سفر واحد. سواء أكان محصرا. أم لا. ويرى ابن مسعود أن الآية في المحصرين فقط. لمكان العطف، وإن كان الحكم واحدا فيمن جمع بينهما الإحصار، أو لغير الإحصار.\nوقد روي عن أصحاب النبي ﷺ روايات ظاهرها اختلاف في إباحة التمتع، بمعنى جمع العمرة والحج في أشهر الحج:\nفمن روي عنه النهي عمر بن الخطاب ﵁، وعثمان بن عفان ﵁. وروي أن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل حدّث أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحّاك بن قيس عام حج معاوية وهما يتذاكران التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى. قال سعد: بئسما قلت يا ابن أخي! فقال الضحّاك: فإن عمر قد نهى عنه. قال سعد: صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه.\nوروي عن قتادة أنه قال سمعت جريّر بن كليب يقول: رأيت عثمان ينهى عن المتعة «١» . وعلي يأمر بها، فأتيت عليّا، فقلت: إن بينكما لشرّا، أنت تأمر بها، وعثمان ينهى عنها! فقال: ما بيننا إلا خير. ولكن خيرنا أتبعنا لهذا الدين «٢» .\nوقد روي عن عثمان وعمر- أنهما ما كانا يقصدان النهي، وإنما كانا يقصدان تفريق النسكين، من أجل أن تستمر عمارة البلد الحرام في غير أشهر الحج، وأن يدوم نفع الفقراء طول العام باختلاف الناس إلى الحرم في أشهر الحج بالحج، وفي غيرها بالعمرة.\n_________\n(١) ذكره الجصاص في كتابه أحكام القرآن (١/ ٢٨٤) .\n(٢) المرجع نفسه (١/ ٢٨٥) .","vol":"1","page":114},{"text":"ولقد روي عن عمر ﵁ اختيار المتعة على غيرها، فدلّ ذلك على أن النهي إنما كان لمعنى، خاصّ، لا لعدم الجواز.\nفَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.\nأي: فمن لم يجد الهدي- إما لعدم المال، أو لعدم الحيوان- صام ثلاثة أيام في الحج: وهي من عند شروعه في الإحرام إلى يوم النحر، وقيل: يصوم قبل يوم التروية يوما، ويوم التروية، ويوم عرفة. وقيل: ما بين أن يحرم إلى يوم عرفة. وقيل:\nيصومها من أول عشر ذي الحجة، وقيل: ما دام بمكة، وقيل: غير ذلك.\nوَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ المراد بالرجوع الرجوع إلى الأهل، وقال أحمد، وإسحاق:\nيجزئه أن يصوم في الطريق، ولا يتضيّق عليه الوجوب إلا بالرجوع إلى الوطن، وهو مذهب الشافعي.\nوقال مالك: إذا رجع إلى منى فلا بأس أن يصوم.\nوقال الشوكاني: والأول أرجح، فقد ثبت في «الصحيح» «١» من\nحديث ابن عمر أنه ﷺ قال: «فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله» .\nوإنما قال سبحانه: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ مع أنّ كلّ أحد يعلم أنّ الثلاثة والسبعة عشرة كاملة لدفع أن يتوهم متوهم أنه مخيّر بين الثلاثة في الحج، وبين السبعة إذا رجع إلى أهله، قاله الزجّاج.\nوقال المبرد: إنما قال ذلك ليدلّ على انقضاء العدد، حتى لا يتوهّم بقاء شيء وراء السبعة، وقيل: هو توكيد، كما تقول كتبت بيدي، وقد جاء مثل هذا في كلام العرب، قال الشاعر «٢»:\nثلاث واثنتان فهنّ خمس ... وسادسة تميل إلى شمام\nوكذا قول الآخر:\nثلاث بالغداء وذاك حسبي ... وستّ حين يدركني العشاء\nفذلك تسعة في اليوم ريّي ... وشرب المرء فوق الريّ داء\nوقوله: كامِلَةٌ توكيد آخر، لزيادة العناية بشأنها، حتى لا ينقص منها شيء.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ٢١٩)، ٢٥- كتاب الحج، ١٠٤- باب من ساق البدن حديث رقم (١٦٩١)، ومسلم في الصحيح (٢/ ٩٠١)، ١٥- كتاب الحج، ٢٤- باب وجوب الدم على المتمتع حديث رقم (١٧٤/ ١٢٢٧) .\n(٢) هو الفرزدق كما في زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (١/ ١٧٨) .","vol":"1","page":115},{"text":"ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قيل: الإشارة إلى التمتع، وعلى ذلك فلا تمتع للمكيّ، وإن فعل فعليه دم جناية لا يأكل منه، وهو منقول عن الحنفية.\nوقيل الإشارة إلى حكم الصوم، وما إليه، وعلى هذا يكون للمكيّ تمتع، ولا يكون منه إلا الهدي، ونقل عن الشافعي. والمراد بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام: من لم يكن ساكنا في الحرم، ومن لم يكن ساكنا في المواقيت فما دونها فيه خلاف. قال عطاء ومكحول: حاضر المسجد الحرام هم من دون المواقيت إلى مكة، وهو مذهب الحنفية غير أنهم جعلوا من في المواقيت بمنزلة من دونها.\nوقال ابن عباس، ومجاهد: هم أهل الحرم. وقال الحسن، وطاوس «١»، ونافع، وعبد الرحمن الأعرج «٢»: هم أهل مكة. وهو قول مالك. وقال الشافعي فيما رواه الجصاص عنه: هم من كان أهلهم دون ليلتين، وهم حينئذ أقرب إلى المواقيت، والأدلة تعرف في الفروع.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ فيما فرضه عليكم في هذه الأحكام. وقيل: هو أمر بعموم التقوى، وتحذير من شدة عقاب الله سبحانه أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.\nقال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧) .\nالْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فيه حذف تقديره: وقت الحج أشهر معلومات، أي وقت أعمال الحج. وقيل: التقدير: الحج في أشهر معلومات، قال الشوكاني: وفيه أنه كان يلزم نصب الأشهر على نزع الخافض.\nوقال الفراء: الْأَشْهُرُ رفع لأنّ معناه وقت الحج أشهر معلومات، وقيل:\nالتقدير الحجّ حجّ أشهر معلومات.\nوقد اختلف في الأشهر المعلومات، فقال ابن مسعود، وابن عمر، وعطاء، والربيع، ومجاهد، والزهري: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله، وبه قال مالك.\nوقال ابن عباس، والسدي، والشعبي، والنخعي هي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وروي أيضا عن مالك.\n_________\n(١) طاوس بن كيسان الخولاني، من كبار التابعين أصله من الفرس، ولد في اليمن وتوفي حاجا، انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٢٢٤) .\n(٢) تابعي واسمه عبد الرحمن بن هرمز أبو داود، حافظ قارئ، مات سنة (١١٧ هـ) بالإسكندرية، انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٣٤٠) .","vol":"1","page":116},{"text":"وفائدة الخلاف تظهر فيمن أوقع شيئا من أعمال الحج بعد يوم النحر، فمن قال: إن ذا الحجة كله من أشهر الحج. قال: تم حجه، ولا يلزمه دم بالتأخير. ومن قال: إلى عشر ذي الحجة. قال: يلزمه دم بالتأخير. ذكره الشوكاني.\nوقال أبو بكر الرازي: وقال قائلون: وجائز ألا يكون ذلك اختلافا في الحقيقة، وأن يكون مراد من قال: وذو الحجة أنه بعضه، لأنّ الحج لا محالة في بعض الأشهر، لا في جميعها، لأنّه لا خلاف أنه ليس يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك الحج.\nوقالوا: ويحتمل أن يكون من تأوّله على ذي الحجة كله مراده أنّها لما كانت هذه هي أشهر الحج كان الاختيار عنده ألا يؤتى بالعمرة فيها، كما روي عن عمر وغيره من استحبابهم لفعل العمرة في غير أشهر الحج كما قدّمنا.\nهذا وقد حكى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، لأنّ من لم يدرك عرفة حتى طلع فجر يوم النحر فقد فات حجّه.\nبقي أنه كيف يقال للشهرين وبعض الثالث: إنها أشهر؟ نقول: إن اللغة لا تمنع من ذلك.\nوقد قال ﷺ: «أيام منى ثلاثة»\nوهي اثنان وبعض الثالث، ويقال: حججت عام كذا، والمراد بعضه.\nوقال أبو بكر الرازي: ولقول من يقول: إنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة وجه آخر، وهو ينتظم القولين جميعا، وهو أنّ الآية سيقت لبيان أنّ هذه هي الأشهر التي يكون فيها الحج دون تبديل ولا تغيير، على نحو ما كان يفعله أهل الجاهلية من التغيير والتبديل. فكانوا يغيرون في أشهر الحج، فمعنى قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ أن أعمال الحج تقع في هذه الأشهر، على مقتضى بيان السنة، دون ما كان يفعله أهل الجاهلية من تبديل الشهور وتأخير الحج، وتقديمه.\nوقد اختلف السلف في إيقاع الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، فروى مقسم عن ابن عباس أنه قال: من سنة الحج ألا يحرم بالحج قبل أشهر الحج. وروي عن جابر أنه قال: لا يحرم الرجل بالحج قبل أشهر الحج، وروي مثله عن طاوس وعطاء، ومجاهد، وغيرهم، وقال عطاء: من أحرم بالحج قبل أشهر الحج فليجعلها عمرة.\nوفي مقابل ذلك\nروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال في قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ. وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ: إن إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.\nوروي عن إبراهيم النخعي وأبي نعيم جواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وهو قول الحنفية، ومالك والثوري، والليث بن سعد. وقال الحسن بن صالح بن يحيّى «١»: إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج\n_________\n(١) الهمداني الثوري الكوفي أبو عبد توفي (١٦٩ هـ) كان فقيها متكلما، انظر الأعلام للزركلي (٢/ ١٩٣) .","vol":"1","page":117},{"text":"يجعلها عمرة، وإذا أدركته أشهر الحج قبل أن يجعلها عمرة مضى في الحج وأجزأه.\nوقال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يهلّ بالحج قبل أشهر الحج، وهو قول أحمد والآية بظاهرها تشهد له، لأنّها قد جعلت وقت الحج هذه الأشهر المعلومات، والإحرام للعبادة عنه.\nفَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ المعنى: فمن ألزم نفسه الحجّ بأن يحرم به.\nوقد اختلف الفقهاء في العمل الذي يصير به المحرم محرما، فقال الشافعي: إنه يصير محرما بمجرد النية.\nوقال الحنفية: لا يكون محرما حتى يلبّي. أو يسوق الهدي. وإثبات هذا أو هذا إنما يكون من السنّة، لأنّ الآية ليس فيها أزيد من أنّ من ألزم نفسه الحجّ فليترك الرفث والفسوق والجدال أما أن الإلزام يكون بماذا؟ فلم تتعرّض له الآية، فليلتمس بيانه من السنّة.\nفَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ.\nالرفث: تقدّم بيانه في آية الصوم والفسوق، والفسق: مصدران بمعنى واحد، وهو الخروج عن طاعة الله إلى المعصية، وهو وإن كان قد أطلق في بعض المواضع مرادا منه نوع خاص، إلا أنه اسم عامّ يجب أن يبقى على عمومه، لا يخرج منه شيء إلا ما يخرجه الدليل. والدليل هنا غير موجود.\nوالجدال «١» فعال من المجادلة، وأصله من الجدل الذي هو الفتل، يقال: زمام مجدول، مفتول، والجديل: الزمام، لأنه لا يكون إلا مفتولا، وسمّيت المخاصمة جدالا، لأنّ كلا من الخصمين يودّ لو يقدر على فتل صاحبه، وقد ذكر المفسّرون وجوها كثيرة في تفسير هذه الكلمات، وكلها تخرجها عن عمومها، وخيرها ما ذكره القاضي من أن المراد من الآية الحثّ والترغيب على الأخلاق الفاضلة، فهي خبر لفظا، نهي معنى، ويراد من الرفث: الجماع ومقدماته، وقول الفحش. ومن الفسوق جميع أنواع المعاصي، ومن الجدال جميع أنواع الخصام.\nوَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ أعدوا عدتكم بسفركم لملاقاة ربّكم يوم العرض عليه، وتزوّدوا من التقوى، فإنّها خير زاد يبلغ بكم السلامة والعافية.\nقال الأعشى:\nإذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى ... ولا قيت بعد الموت من قد تزوّدا\n_________\n(١) الجدال: المراء والخصومة انظر، لسان العرب لابن منظور (١١/ ١٠٥) .","vol":"1","page":118},{"text":"ندمت على ألا تكون كمثله ... وأنّك لم ترصد لما كان أرصدا\nوَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ فإنّ الجدير بأصحاب العقول أن يتسلّحوا بالتقوى من مفرّهم إلى مقرّهم.\nقال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) لما كان الله تعالى قد منع الجدال في الحجّ، وكانت المعاملات التجارية تفضي إلى الجدال والمخاصمة، فكانت التجارة مظنّة المنع، وأيضا لما حظر لبس المخيط، والإنسان قد يكون شديد الحاجة، وكانت التجارة مظنّة الحظر، فمن أجل ذلك قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.\nوقد روى عطاء أن ابن مسعود وابن الزبير كانا يقرءان (أن تبتغوا فضلا من ربّكم في مواسم الحجّ) ومن هنا قال بعض المفسرين: الفضل هنا التجارة، ونظيره قوله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠] .\nوقد روي في سبب النزول عن ابن عباس «١» أنه قال: كان ناس من العرب يحترزون من التجارة في أيام الحج، وإذا دخل العشر بالغوا في ترك البيع والشراء بالكلية. وبالغوا في الاحتراز من الأعمال، إلى أن امتنعوا من إغاثة الملهوف، فأزال الله هذا الوهم، وبيّن أن لا جناح في التجارة.\nهذا هو الذي حمل جمهور المفسرين على أن يذهبوا إلى أنّ المراد التجارة في أيام الحج.\nوذهب أبو مسلم إلى أن المراد التجارة بعد انقضاء أعمال الحج، والتقدير عنده: فاتقون في كلّ أعمال الحج، ثم بعد ذلك لا جناح عليكم، وهو نظير قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ١٠] .\nوظاهر الآية يأبى هذا، فإنه قال بعد هذه الآية: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ بالفاء، وهو يدل على أن ابتغاء الفضل سابق على ذلك، وقبل عرفات لم يتم الحجّ.\nثم إنهم اتفقوا على أن التجارة المباحة هي التي لا يترتب عليها نقصان في الطاعة ولا تشغله عن أعمال الحج. وأما تلك فهي غير مباحة.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ١٨٦)، ٦٥- كتاب تفسير القرآن، ٣٤- باب لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ حديث رقم (٤٥١٩) .","vol":"1","page":119},{"text":"فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ.\nالإفاضة: الاندفاع في السير بكثرة، منه: أفاض البعير بجرّته: ألقاها منبثة، وأفاض الأقداح في الميسر: جمعها، ثم ألقاها متفرقة. وإفاضة الماء من هذا.\nوالإفاضة في الحديث: الاندفاع فيه بكثرة، وتصرّف في وجوهه.\nفمعنى قوله: فَإِذا أَفَضْتُمْ دفعتم أنفسكم بكثرة مِنْ عَرَفاتٍ جمع عرفة، هي اسم لموضع واحد، ولكنه لسعته، ووقوف الناس فيه جماعات وأفرادا، وموضع كل فرد وجماعة منه بالنسبة إليها في حجها عرفة، قيل له عرفات من أجل ذلك.\nواليوم التاسع من ذي الحجة يقال له: يوم عرفة، لأنه يوم الوقوف بعرفة.\nوالوقوف بعرفة ركن، لا يدرك الحجّ إلا من أدركه، ولا نعلم خلافا بين العلماء في ذلك، إلا ما روي عن الحسن أنه قال: إنه واجب، من أدركه فقد أدّاه، ومن لا، فيكفيه الوقوف بجمع.\nوفي الآية دلالة على أنّ الوقوف بعرفة لا بدّ منه، لأنه قد رتّب عليه الأمر بالذكر عند المشعر الحرام، وهو واجب مشروط بالإفاضة من عرفات، والإفاضة من عرفات تستدعي الوجود في عرفات، وما لا يتمّ الواجب ألا بوجوده فهو واجب، والمشعر الحرام المراد منه: المزدلفة. والوقوف بها قيل: سنة، وقيل: واجب. وعن علقمة وقتادة أنهما قالا: إن الوقوف بها ركن.\nوقد اختلف في الذكر المطلوب عند المشعر الحرام، فقال بعضهم: المراد منه الجمع بين صلاة المغرب، وصلاة العشاء بمزدلفة، ولعل في\nقوله ﷺ لمن سأله أن يصلّي في الطريق «الصلاة أمامك» «١»\nإشارة إليه.\nوقال بعضهم: بل المراد الذكر باللسان: من التسبيح، والتحميد، والتهليل والتلبية، وقد ورد عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس وقال: كان الناس في هذه الليلة لا ينامون.\nوَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ أي واذكروه لهدايته إياكم، على حدّ قوله: كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.\nوقد قيل: إنه كرّر الأمر بذكر الله لأنّ الأمر الأوّل ذكر لساني، والآخر قلبي، ويحتمل أنه كرّر الأمر بالذكر للحث على مواصلة الذكر، كأنه قيل: واذكروه واذكروه، أي اذكروه ذكرا بعد ذكر، ويرجع في المعنى إلى قوله تعالى:\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٩٣٤)، ١٥- كتاب الحج، ٤٧- باب الإفاضة من عرفات حديث رقم (٢٧٦/ ١٢٨٠) . [.....]","vol":"1","page":120},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) [الأحزاب: ٤١] وقد قيل: إن المراد بالهداية: هدايتهم إلى سنة إبراهيم، وقيل: بل هي عامة.\nثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) الجمهور على أنّ المراد من هذه الإفاضة الإفاضة من عرفات، ويؤيدهم ما روي في أسباب النزول: من أنّ الآية أمر لقبيلة قريش، ومن دان دينها وهم الحمس، كانوا لا يتجاوزون المزدلفة، لأنّها من الحرم «١»، وعرفة في الحل، والحرم معظّم عندهم، وقصر الوقوف على عرفة ربما أشعر بمزيتها على الحرم، فأنزل الله هذه الآية ليقفوا حيث يقف الناس، ويفيضوا من حيث يفيضون، لا يشذّون عنهم.\nوذهب الضّحاك إلى أن المأمور به هنا هو الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر.\nوقد استشكل الفخر الرازي كلا من القولين:\nأما الأول: فلأنّ قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يدل بظاهره على إفاضة غير الإفاضة المذكورة في قوله: فَإِذا أَفَضْتُمْ لأنها معطوفة عليها بثمّ، هي للترتيب، ولو كانت هي للعطف، لكان ذلك عطفا للشيء على نفسه.\nوقد أجيب عنه بأجوبة كثيرة:\nمنها أن ثمّ بمعنى الواو.\nومنها أن ثمّ للترتيب الذكري.\nومنها أن ثُمَّ أَفِيضُوا معطوف على قوله: وَاتَّقُونِ، وقد أجاز بعضهم أن تكون هذه الآية متقدمة على تلك. ولكنه مجرد احتمال.\nواستشكل قول الضحّاك بأن الذي ذهب إليه يتمشى إذا أريد بقوله: مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ الزمان الذي يفيضون فيه، مِنْ حَيْثُ يأبى هذا، لأنها للمكان لا للزمان.\nوقد أجاب عنه بأن التوقيت بالزمان كالتوقيت بالمكان، فلا يبعد استعارة اللفظ الدالّ على أحدهما للدلالة على الآخر وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nقال الله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠)\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ١٨٦)، ٦٥- كتاب تفسير، ٣٥- باب ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ حديث رقم (٤٥٢٠)، ومسلم في الصحيح (٢/ ٨٩٣)، ١٥- كتاب الحج، ٢١- باب في الوقوف حديث رقم (١٥١/ ١٢١٩) .","vol":"1","page":121},{"text":"وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢) لما كانت أعمال الحج كثيرة، وهي لا تخلو عن تقصير، أمرهم بالاستغفار، وقد يكون فيه إشارة إلى ترجيح أن الإفاضة المأمور بها هي من عرفات، على نحو ما ورد في سبب النزول، فكأنّ ما وقع من الحمس يؤاخذ عليه، فلذلك طلب منهم الاستغفار.\nفَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا. روى ابن عباس أنّ العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم يعدّ الواحد منهم أيام آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ويتناشدون فيها الأشعار. فلما أنعم الله عليهم بنعمة الإسلام أمرهم بأن يذكروه كذكرهم لآبائهم.\nوروى القفال عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ على راحلته القصواء يوم الفتح، يستلم الركن بمحجنه «١»، ثم حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد أيها الناس! إنّ الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها! إنما النّاس رجلان: برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقي هيّن على الله، والنّاس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، ثم تلا:\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ.. [الحجرات: ١٣] ثم قال:\n«أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» «٢» .\nوالمراد من قضاء المناسك الفراغ منها، والمناسك جمع منسك، وهو مصدر، بمعنى النسك، أي العبادة، والمعنى فإذا فرغتم من عبادتكم التي أمرتم بها في الحج فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا.\nاختلفوا في هذا الذكر المأمور به، فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبير بعد الصّلاة في يوم النحر وأيام التشريق، لأنّه لم يعرف في هذه الأيام ذكر خاص إلا هذا الذكر. وقيل: بل كان القوم في الجاهلية اعتادوا ذكر مفاخرهم، وتعداد مناقبهم، وآبائهم، فأمرهم الله هذا ليحوّلهم عن هذه العادة القبيحة، وقيل غير هذا.\nكَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا معناه: أنّ الأجدر بكم، وقد أنعم الله عليكم بشهود الحجّ أن تشتغلوا بذكر الله، لا بذكر آبائكم، يعني تتوفّروا على ذكره، كما كنتم تتوفرّون على ذكرهم، بل هذا أولى، لأن ذكركم وثناءكم على آبائكم قد يكون كذبا.\n_________\n(١) عصا معوجة، انظر لسان العرب لابن منظور (١٣/ ١٠٨) .\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٣٦٣)، كتاب التفسير باب ومن سورة الحجرات حديث رقم (٣٢٧٠) .","vol":"1","page":122},{"text":"وذهب أبو مسلم إلى أنه مثل في المداومة على ذكر الله، لأنه قد تركز في طبيعة الإنسان أن يذكر آباءه ولا ينساهم، وقوله: أَوْ أَشَدَّ معناه بل أشد.\nفَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢) .\nلما أمر الله تعالى بالذكر ذكر عقبه ما يكون من الناس في الدعاء، ليأخذوا بأحسن الأحوال، ويتركوا غيره، فقال: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ.. الآية فقسّم الناس في الدعاء إلى قسمين:\nقسم يقصر دعاءه على أمور الدنيا، والاستزادة من خيراتها، ويسكت عن الآخرة، وكأنّها لا تخطر له على بال، ولا يعنيه من أمورها شيء، ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ الخلاق: النصيب.\nوقسم يحرص على طلب خيرى الدنيا والآخرة، وهؤلاء سيؤتيهم الله نصيبهم غير منقوص أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا.\nوقد قيل: إن الإشارة في قوله: أُولئِكَ راجع إلى الفريقين: يعني الذين طلبوا الدنيا فقط، والذين طلبوهما معا.\nوقيل: بل هو راجع للقسم الثاني فقط، والدليل عليه أن الله ذكر حكم الفريق الأول بقوله: ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ.\nقد يقال: كيف رجع قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا إلى الفريق الثاني، مع أنه مشعر بتحقير الجزاء؟\nويجاب عنه بأنّ المراد: لهم نصيب في الدنيا والآخرة يبتدئ من كسبهم، فمن لابتداء الغاية، لا للتبعيض، والكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله، وقد يكون نفعا، وقد يكون ضررا، وقد اختلف في المراد بالفريق المقصود بقوله: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ فقيل: هم الكفار، كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا، وما كانوا يطلبون التوبة والمغفرة، فأخبر الله أن من كان من هذا القبيل فلا خلاق له في الآخرة.\nوقيل: هؤلاء قد يكونون مؤمنين، ولكنهم يسألون الله لدنياهم لا لأخراهم، وهو سؤال يعدّ ذنبا في هذه المواقف العظيمة، حيث يسألون فيها حطام الدنيا، ويعرضون عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة.\nقيل: الحسنة في الدنيا عبارة عن: الصحة والأمن والكفاية والولد الصالح","vol":"1","page":123},{"text":"والزوج الصالحة والنصرة على الأعداء. وأما الحسنة في الآخرة فهي: الفوز بالثواب، والخلاص من العقاب.\nوبالجملة، فقوله: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً كلمة جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ حساب الله آت لا محالة، وما دام محقق الوقوع، فهو قريب سريع.\nقال الله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) وقد ورد الذكر في الحج في الأيام مرتين، فمرة في سورة البقرة بلفظ المعدودات، وهي الآية التي معنا وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ومرة في سورة الحج بلفظ معلومات في قوله: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ [الحج: ٢٨] فذهب الشافعيّ ﵁ إلى أنّ المعلومات هي العشرة الأوائل من ذي الحجة، آخرها النحر، وأما المعدودات فهي ثلاثة بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق.\nوقد أكد القفّال هذا بما رواه في تفسيره أن النبيّ ﷺ أمر مناديا ينادي: «الحجّ عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحجّ. وأيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه» «١»\nوهذا يدل على أن الأيام المعدودات هي: أيام التشريق.\nقال الواحدي «٢»: أيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهذه الأيّام الثلاثة مع يوم النحر كلّها أيام نحر، وأيام رمي الجمار هذه الأيام الأربعة، وهي مع يوم عرفة أيام التكبير عقيب الصلوات على ما سنذكره، ثم إن المراد بالذكر في هذه الأيام الذكر عند الجمرات، والذكر أدبار الصلوات، لم يخالف أحد في ذلك، إنما الخلاف في بدء هذه الصلوات وانتهائها.\nفقيل: إنها تبدأ من ظهر يوم النحر إلى ما بعد الصبح من آخر أيام التشريق، فتكون الصلوات التي يكبّر عقبها خمس عشرة صلاة، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وبه قال مالك، والشافعي في أحد قوليه.\nوعن الشافعي: أنه يبدأ بالتكبير من صلاة المغرب ليلة النحر، وعنه أنّه يبدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة، ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر، وهي رواية عن أبي حنيفة.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ١٤٧)، كتاب المناسك باب من لم يدرك عرفة حديث رقم (١٩٤٩)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٢٩٢)، كتاب المناسك، باب فيمن لم يدرك الصبح في مزدلفة حديث رقم (٣٠٤٤)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٢٣٧)، كتاب الحج باب فيمن أدرك الإمام حديث رقم (٨٨٩) .\n(٢) علي بن أحمد بن محمد أبو الحسن الواحدي النيسابوري. مفسّر عالم بالأدب توفي سنة (٤٦٨ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٤/ ٢٥٥) .","vol":"1","page":124},{"text":"وعن الشافعي أيضا: أنه يبدأ التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة، وينقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فتكون الصلوات ثلاثا وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة: كعلي وعمر وابن مسعود، وابن عباس ومن الفقهاء: الثوري وأبو يوسف، ومحمد وأحمد وإسحاق، والمزني، وابن سريج «١»، وعليه عمل الناس في البلدان.\nوروى جابر عن النبي ﷺ: أنه صلّى الصّبح يوم عرفة، ثم أقبل علينا فقال:\n«الله أكبر» ومدّ التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق.\nوأمّا عدد التكبيرات فيعرف في الفقه فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى.\nمعناه: من تعجّل في الإتيان بالمطلوب في الثلاثة، بأن جعله في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخّر بأن أوقعهن في الثلاثة، بأن ترك رخصة التعجل، فلا إثم عليه.\nوقيل: إن المعنى فَمَنْ تَعَجَّلَ بأن نفر من منى في اليوم الثاني فلا إثم عليه، ومن تأخر عن الثلاثة بأن بقي إلى الرابع فلا إثم عليه، وقد قيل غير هذا، فارجع إليه في الفقه إن شئت.\nلِمَنِ اتَّقى المعنى: أنّ هذه المغفرة إنما تكون للمتقين الذين لم يلبسوا حجهم بالمظالم والمآثم، كما قال الله تعالى: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧] .\nوَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ تأكيد للأمر بالتقوى، وحمل على التشديد فيه، والحشر: اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف. وذلك يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) [الانفطار: ١٩] .\nقال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)\nخَيْرٍ: المراد به هنا المال.\nاليتيم: من فقد والده وهو صغير، فإذا بلغ زال عنه اسم اليتم.\nالمسكين: من عجز عن كسب ما يكفيه، وسكن إلى الرضا بالقليل.\nابن السبيل: المسافر، وسمّي به لملازمته إياه، كما يقال للرجل الذي أتت عليه الدهور: ابن الأيام والليالي.\nيقول الله تعالى: يسألك أصحابك يا محمد أي شيء ينفقونه من أموالهم في الصدقة؟ وعلى من ينفقون؟\n_________\n(١) أحمد بن عمر بن سريج البغدادي أبو العباس من كبار فقهاء الشافعية ولد وتوفي في بغداد، انظر الأعلام للزركلي (١/ ١٨٥) .","vol":"1","page":125},{"text":"فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم فاجعلوه لآبائكم، وأمهاتكم وأقربائكم واليتامى منكم، الذين مات كافلهم، والمساكين الذين عجزوا عن الكسب والمسافرين الذين انقطعت بهم السبل وما تأتوا من خير فإنّ الله به عليم، فيجازيكم عليه. وقد اختلف في هذه الآية.\n١- فقيل: إنها منسوخة بآية الزكاة إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ [التوبة: ٦٠] .\n٢- وقيل: إنها غير منسوخة، وهو الأولى وهي لبيان صدقة التطوع، فإنّه متى أمكن الجمع فلا نسخ.\nوقد بينت الآية أنّ صدقة التطوع في الوالدين والأقربين أفضل، ويدل على ذلك ما\nروي عن صدقة النبي ﷺ قال: «يا معشر النّساء، تصدّقن ولو من حليّكنّ» . فقالت زينب امرأة عبد الله بن مسعود لزوجها: أراك خفيف ذات اليد فإن أجزأت عنّي فيك صرفتها إليك، فأتت النبيّ ﷺ فسألته فقالت: أتجزئ الصدقة على زوجي وأيتام في حجري؟ فقال لها النبيّ ﷺ: «نعم، ولك أجران:\nأجر الصدقة وأجر القرابة» «١» .\nوفي رواية: «زوجك وولدك أحقّ من تصدّقت عليه» «٢» .\nوروى النّسائي وغيره أنّ النبي ﷺ قال: «يد المعطي العليا. أباك، وأمّك وأختك، وأخاك، وأدناك أدناك» «٣» .\nوروى مسلم عن جابر أن النبي ﷺ قال: «ابدأ بنفسك فتصدّق عليها» «٤» .\nقال قيل: إنهم سألوا عن المنفق، وأجيبوا ببيان المنفق عليهم، فلم يتطابقا؟\nقيل: إن ذلك على أسلوب الحكيم. فقد سألوا عن شيء، وأجابهم عما هو أهم منه، وهو بيان مواطن الإنفاق، لأنّ الإنفاق لا يحدث الخير الذي يؤدي إليه حتى يصادف موقعه. قال الشاعر:\nإنّ الصّنيعة لا تكون صنيعة ... حتّى يصاب بها طريق المصنع\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ١٥٥)، ٢٤- كتاب الزكاة، ٤٨- باب الزكاة على الزوج حديث رقم (١٤٦٦)، ومسلم في الصحيح (٢/ ٦٩٤)، ١٢- كتاب الزكاة ١٤- باب فضل النفقة حديث رقم (٤٥/ ١٠٠٠) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ١٥٤)، ٢٤- كتاب الزكاة، ٤٤- باب الزكاة على الأقارب حديث رقم (٢/ ١٤٦) .\n(٣) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٢٦) .\n(٤) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٦٩٢)، ١٢- كتاب الزكاة، ١٣- باب الابتداء في النفقة حديث رقم (٤١/ ٩٩٧) .","vol":"1","page":126},{"text":"ومن نظر إلى أحوال مصر وجد الإحسان فيها فوضى، وما أحوجها إلى عمل ينتظم به الإحسان، ليقع موقعه، ويصيب أهله.\nقال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦) .\nكتب: فرض.\nالكره بالضم: ما حمل الرجل نفسه عليه من غير إكراه أحد إياه عليه. والكره بالفتح: ما حمله عليه غيره، قال معاذ بن مسلم «١» الكره: المشقة، والكره: الإجبار، وقال بعضهم: الكره والكره لغتان بمعنى واحد، كالغسل والغسل، والضعف والضعف، وقيل: هو بفتح الكاف اسم، وبالضم مصدر. وهو إما على حذف مضاف. أي ذو كره، أو من باب الوصف بالمصدر مبالغة كقولها:\nفإنّما هي إقبال وإدبار وقيل: إن المصدر أقيم مقام اسم المفعول.\nالمعنى: فرض عليكم أيها المسلمون قتال الكفار، وهو كره لكم، ولعلّكم تكرهون شيئا وهو خير لكم، ولعلكم تحبون شيئا وهو شرّ لكم، إذ هم يكرهون القتال وفيه الفتح والغنيمة والشهادة والقوة. ويحبون القعود، وفيه الذلّ والاستعباد، والله يعلم ما هو خير لكم مما هو شر لكم. فلا تكرهوا ما فرض عليكم من القتال. فإنّه يعلم أنه خير لكم في عاجلكم، ولا تحبوا القعود، فإنّه شر لكم، فإنّ الدنيا بنيت على التدافع، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الله، وقد اختلف في الذين كتب عليهم القتال في هذه الآية:\n١- قال الأوزاعي: نزلت في الصحابة، فهم الذين كتب عليهم الجهاد، وبه قال عطاء.\n٢- وقال غيرهما: إنّ القتال قد كتب على جميع المسلمين، لكن تختلف الحال، فإن كان الإسلام ظاهرا فهو فرض على الكفاية، وإن كان العدو ظاهرا فهو فرض على الأعيان، حتّى يكشف الله ما بهم، وهذا هو الظاهر.\nوقد روى البخاري عن مجاشع: قال أتيت النبي ﷺ أنا وأخي، فقلت: بايعني على الهجرة، فقال: «مضت الهجرة لأهلها» «٢» .\nقلت: علام تبايعنا؟\n_________\n(١) أبو مسلم الهرّاء النحوي أديب معمر، من أهل الكوفة، انظر الأعلام للزركلي (٧/ ٢٥٨) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٤/ ١١)، ٥٦- كتاب الجهاد، ١١٠- باب البيعة في الحرب حديث رقم (٢٩٦٢، ٢٩٦٣)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٤٨٧)، ٣٣- كتاب الإمارة حديث رقم (٨٣/ ١٨٦٣) .","vol":"1","page":127},{"text":"قال: على الإسلام، والجهاد.\nوقد روي أنّ النبي ﷺ قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة، وإذا استنفرتم فانفروا» «١» .\nقال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) .\nقِتالٍ بدل من الشهر.\nكَبِيرٌ عظيم.\nوَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مبتدأ وخبره أكبر عند الله.\nوَكُفْرٌ بِهِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ عطف عليه. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على سبيل الله.\nوَالْفِتْنَةُ الشرك.\nيَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ يرجع عنه.\nحَبِطَتْ بطلت، وبطلانها ذهاب ثوابها.\nذكر في أسباب نزول هذه الآية أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش- وهو ابن عمته- في ثمانية من المهاجرين في رجب، مقفله من بدر الأولى، ليأتوه بأخبار قريش، ولم يأمرهم بقتال، فمضوا، حتى كانوا بنجران، فأضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتخلّفا يطلبانه، ومضى القوم حتّى نزلوا نخلة، فبينما هم كذلك إذ مرت بهم عير لقريش فيهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل. وأشرف لهم عكّاشة بن محصن من أصحاب عبد الله بن جحش، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه حليقا قالوا: عمّار فليس عليكم منهم بأس، وأتمر بهم أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا:\nلئن قتلتموهم لنقتلنهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلنّ في هذه الليلة الحرم، فليمتنعنّ منكم، فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الملك التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل،\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ١٤٨٨)، ٣٣- كتاب الإمارة، ٢٠- باب المبايعة بعد الفتح حديث رقم (٨٨/ ١٨٦٦) .","vol":"1","page":128},{"text":"واستاقوا العير، فقدموا بها على رسول الله ﷺ، فقال لهم: «ما أمرتكم بالقتال في الشّهر الحرام» فوقّف رسول الله الأسيرين والعير، فسقط في أيديهم، وظنّوا أن قد هلكوا، وقالت قريش: قد سفك محمد الدم الحرام، وأخذ المال، وأسر الرّجال، واستحلّ الشهر الحرام، فنزل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ الآية، فأخذ النبي العير، وفدى الأسيرين «١» .\nوفي بعض الروايات أن قريشا لما بلغهم الخبر أرسلوا وفدا إلى النبي ﷺ فقالوا: أيحلّ القتال في الشهر الحرام فنزلت.\nوقال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر، فأنزل الله:\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا.. الآية.\nالمعنى: يسألك يا محمد أصحابك عن القتال في الشهر الحرام، وهو رجب، قل: قتال فيه إثم كبير وصدّ قريش عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفرهم بالله، وإخراجكم من المسجد الحرام وأنتم أهله، كلّ أولئك أكبر إثما عند الله من قتل من قتلتم منهم وقد كانوا يفتنون المسلم عن دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، وذلك أكبر عند الله من القتل، أي أنكم أيها المسلمون ترتكبون أخفّ الضررين، وأهون الشرين، وتزيلون إثما كبيرا بما هو أقلّ منه.\nوَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا أي: هم مقيمون على الشر والمنكر، ومن يرجع منكم عن دينه، فيمت وهو كافر قبل أن يتوب، فهم الذين بطلت أعمالهم، وذهب ثوابها والأجر عليها، وهم أهل النار المخلّدون فيها، الماكثون فيها من غير أمد ولا نهاية.\nإنّ الّذين صدّقوا بالله، والذين هاجروا مساكنة المشركين فيها في ديارهم، وكرهوا سلطان المشركين، فتحوّلوا عنه خوفا من أن يفتنهم المشركون، وحاربوهم في دين الله، أولئك يطمعون في رحمة الله، والله ساتر ذنوب عباده، ورحيم بهم، ومن المهاجرين عبد الله بن جحش وأصحابه، فنزلت هذه لتطمينهم.\nوعلى الرواية الثانية- وهي أنّ وفدا من المشركين سأل النبي ﷺ عن القتال في الشهر الحرام- يكون المعنى: إن المشركين متناقضون، يتمسّكون بحرمة الشهر الحرام، ويفعلون ما هو أكبر من ذلك: من الصد عن سبيل الله، ومع الكفر به، والمسجد الحرام وإخراج أهله منه والفتنة التي فتنوا بها بعض المسلمين عن دينهم أكبر إثما عند الله، فهم كمن يبصر القذاة في عين أخيه، ويغفل عن الخشبة المعترضة في عينه.\n_________\n(١) ذكره الإمام الواحدي النيسابوري في كتابه أسباب النزول صفحة (٦٤) . [.....]","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الأحكام</span>\nدلت هذه الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام، وهل بقيت الحرمة أم نسخت؟\nاختلف في ذلك المفسّرون: فذهب عطاء إلى أن هذه الآية لم تنسخ، وكان يحلف على ذلك، ولعلّ ذلك لأنّ الآية التي تأمر بالقتال عامة في الأزمنة، وهذه خاصة، والعام لا ينسخ الخاصّ.\nوقال سائر العلماء: إنها منسوخة. وقد اختلف في الناسخ، فقيل: هو وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] وقيل: هو: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩] .\nوإنما ذهب العلماء إلى نسخها، لأنّ رسول الله ﷺ غزا هوازن بحنين، وثقيفا بالطائف، وأرسل أبا عامر إلى أوطاس ليحارب من فيها من المشركين، وكان ذلك في بعض الأشهر الحرم، ولو كان القتال فيهن حراما لما فعله النبي ﷺ قال ابن العربي:\nوالصحيح أن هذه الآية ردّ على المشركين حين أعظموا على النبي القتال في الشهر الحرام. فقال تعالى: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ وهي الكفر في الشهر الحرام أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ فإذا فعلتم ذلك كله في الشهر الحرام تعيّن قتالكم فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المرتد</span>\nوأخذ الشافعي من قوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة كافرا، وذهب مالك إلى أن الردة نفسها محبطة للعمل اعتمادا على قوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] .\nويظهر أثر الخلاف فيمن حجّ مسلما، ثم ارتد، ثم أسلم، فقال مالك: عليه الحجّ، لأنّ ردته أحبطت حجّه، وقال الشافعي: لا حجّ عليه، لأنّ حجه قد سبق، والردة لا تحبطه إلا إذا مات على كفره.\nوقد رأى المالكية أنّ هذه الآية رتبت حكمين:\nالحبوط. الخلود في النار، ومن شرط الخلود أن يموت على كفره، ولذلك شرطه.\nأما آية لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ فهي في الردة فقط، وقد علّق الحبوط بمجرد الشرك، والخطاب وإن كان للنبي ﷺ فهو مراد به أمته، لاستحالة الشرك عليه.\nأما الشافعية فيرون أن آية لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ من باب التغليظ على النبي ﷺ","vol":"1","page":130},{"text":"كما غلظ على نسائه في قوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: ٣٠] .\nقال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) .\nالخمر: مادة (خ م ر) تدل على الستر، ومنه خمار المرأة، لأنّه يستر رأسها.\nوقولهم للضبع: خامري أم عامر: أي استتري.\nوسميت الخمر خمرا لأنها تستر العقل، وهي ما أسكر من عصير العنب، أو ما أسكر من عصير العنب ومن غيره على الخلاف في ذلك.\nالميسر: مفعل. من يسرت الشيء إذا جزّأته، ويطلق على الجزور، لأنّه موضع التجزئة، ويقال للجازر: ياسر، ويسر. ويقال للضاربين بالقداح المتقامرين على الجزور: يأسرون، لأنّهم أيضا جازرون إذا كانوا سببا لذلك، والميسر الذي ذكره الله وحرّمه هو ضرب القداح على أجزاء الجزور قمارا، ثم قد يقال للنّرد ميسر على طريق التشبيه، لأنّه يضرب عليها بفصين، كما يضرب على الجزور بالقداح، ولأنّه قمار، كما أن الميسر قمار، قال مجاهد: كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالخرز.\nالإثم: الذنب، وقد أثم بالكسر إثما. ومأثما، إذا وقع في الإثم، فهو آثم، وأثيم، وأثوم، المراد به هنا: كل ما ينقص من الدين عند من يشربها، وما فيها من إلقاء العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله.\nالمعنى: يسألك أصحابك يا محمد عن شرب الخمر، ولعب الميسر. قل:\nفِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ أما إثم الخمر، فإنّ الجماعة تشرب فتسكر، فتؤذي الناس، وتقع العداوة والبغضاء، أما إثم الميسر، فهو أن يقامر الرجل فيمنع الحقّ، ويظلم، فتقع العداوة والبغضاء.\nوفيهما منافع للناس، أما منفعة الخمر، فهي الاتجار بها، وما يصلون إليه من اللذة والنشوة، وبسط يد البخيل، وتقوية قلب الجبان، كما قال حسان:\nونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللّقاء\nومنفعة الميسر ما يصيبهم من أنصباء الجزور. وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، إذا فلج الرجل منهم صاحبه نحره، ثم اقتسموه أعشارا على عدد القداح.\nوَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتل بعضهم بعضا، وإذا قامروا وقع بينهم الشر، كما قال تعالى:","vol":"1","page":131},{"text":"إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) [المائدة: ٩١] .\nسبب نزول هذه الآية: اختلف العلماء في سبب نزولها، فروى الترمذي «١» أن عمر ﵁ قال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ.. الآية فدعي عمر فقرئت عليه. فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: ٤٣] فدعي عمر ﵁ فقرئت عليه، ثم قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيان شفاء. فنزلت التي في المائدة إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فدعي عمر ﵁ فقرئت عليه، فقال: انتهينا انتهينا.\nوروى ابن جرير «٢» عن زيد بن علي قال: أنزل الله ﷿ في الخمر ثلاث مرات، فأول ما أنزل قال الله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما قال: فشربها من المسلمين من شاء الله منهم على ذلك، حتى شرب رجلان، فدخلا في الصلاة، فجعلا يهجران كلاما، لا يدري عوف ما هو.\nفأنزل الله ﷿ فيهما: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فشربها من شربها منهم وجعلوا يتقونها عند الصلاة، حتى شربها فيما زعم أبو القموص فجعل ينوح على قتلى بدر بأبيات منها:\nتحيّي بالسّلامة أمّ عمرو وهل لك بعد رهطك من سلام ذريني أصطبح بكرا فإني رأيت الموت نقّب عن هشام وودّ بنو المغيرة لو فدوه بألف من رجال أو سوام قال: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فجاء فزعا يجر رداءه من الفزع، حتى انتهى إليه، فلما عاينه الرجل، رفع رسول الله ﷺ شيئا كان بيده ليضربه قال: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله، والله لا أطعمها أبدا، فأنزل الله تحريمها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ [المائدة: ٩٠] إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقال عمر بن الخطاب: انتهينا، انتهينا.\nوقد ذهب بعض العلماء إلى أن آية البقرة لا تقتضي التحريم، ولذلك شربها بعض الصحابة بعد نزولها، كما هو ظاهر الروايات.\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٣٦)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٤٩) .\n(٢) رواه ابن جرير الطبري، جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٢١١) .","vol":"1","page":132},{"text":"وقال بعضهم: إنها تقتضي التحريم، لأنّ الله قال: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ: وقد حرم الله الإثم بقوله: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ [الأعراف: ٣٣] وإنما شربها من شربها متأوّلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>ما هي الخمر</span>؟\nاختلف العلماء فيما هي الخمر، فذهب مالك والشافعي، وأحمد، وأهل الحجاز وجمهور المحدّثين إلى أنها الشراب المسكر من عصير العنب وغيره، فالشراب المسكر من عصير التمر، والشعير، والبرّ خمر.\nوقال العراقيون: أبو حنيفة، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى «١»، وشريك وابن شبرمة: الخمر من الشراب المسكر من عصير العنب فقط، أما المسكر من غيره كالشراب من التمر أو الشعير فلا يسمّى خمرا، بل يسمّى نبيذا.\nولمّا ذهب الحجازيون إلى أن الخمر اسم لكل ما أسكر- سواء أكان من عصير العنب أم من التمر، أم من الشعير أم من غيره- كانت هذه كلّها حراما، بالآيات التي وردت في تحريم الخمر. وكانت كلّها سواء في التحريم، قليلها وكثيرها.\nولمّا ذهب الكوفيون إلى أن الخمر اسم لما اتّخذ من عصير العنب فقط- كان المحرم بالآيات ما يطلق عليه اسم الخمر، وهو المسكر من عصير العنب، أما ما اتخذ من غيرها- وهو المسمى نبيذا- فليس بداخل عندهم في تحريم الخمر، وقد بحثوا له عن حكم في السنة، فوجدوا أنّ القليل الذي لا يسكر من الأنبذة حلال، وأنّ المسكر منها هو الثالث دون الكأسين.\nوقد استدل الحجازيون لمذهبهم بأنّ اللغة والشرع يدلّان على أنّ المسكر من الأنبذة يسمّى خمرا، أما اللغة فلأنّ الاشتقاق اللغوي يرجّحه. وهو أنها سمّيت خمرا لمخامرتها العقل، وهذه الأنبذة تخامر العقل، وهذا ضعيف، لأن اللغة لا تثبت قياسا.\nوأما الشرع\nفقد روى مسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «كلّ مسكر خمر، وكلّ مسكر حرام» «٢» .\n_________\n(١) عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، الفقيه الحافظ، قتل في وقعة الجماجم، انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (٥/ ٢٤٥) ترجمة (٤٦٣) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٥٨٧)، ٣٦- كتاب الأشربة، ٧- باب بيان أن كل مسكر خمر حديث رقم (٧٣/ ٢٠٠٣) .","vol":"1","page":133},{"text":"وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الخمر من هاتين الشّجرتين:\nالنخلة والعنبة» «١» .\nوروي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ من العنب خمرا، وإنّ من العسل خمرا، ومن الزّبيب خمرا، ومن الحنطة خمرا، وأنا أنهاكم عن كلّ مسكر» «٢» .\nفذلك جميعه يدل على أن الأنبذة تسمّى خمرا فتكون حراما، ويدل على حرمتها- قليلها وكثيرها- ما\nروي عن عائشة أنها قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع وعن نبيذ العسل فقال ﷺ: «كلّ شراب أسكر فهو حرام» «٣» أخرجه البخاري\n،\nوما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» «٤» .\nوقد احتجّ العراقيون على أنّ الأنبذة لا تسمّى خمرا، ولا يسمّى خمرا إلا الشيء المشتدّ من ماء العنب باللغة وبالسنة أيضا.\nأما السنة فما\nروي عن أبي سعيد الخدري قال: أتي النبيّ ﷺ بنشوان فقال له:\n«أشربت خمرا؟» فقال: ما شربتها منذ حرّمها الله ورسوله. قال: «فما شربت؟» قال:\nالخليطين. قال: فحرّم رسول الله الخليطين «٥»\n. فنفى الشارب اسم الخمر عن الخليطين بحضرة النبي ﷺ، ولم ينكره عليه. قالوا: ولو كان ذلك يسمّى خمرا لما أقرّه عليه، إذ كان في نفي الاسم الذي علّق به حكم نفي الحكم، والنبي ﷺ لا يقرّ أحدا على حظر مباح، أو إباحة محظور.\nوقد روي عن أنس بن مالك يحدّث عن رسول الله ﷺ قال: «الخمر بعينها حرام، والسّكر من كلّ شراب» «٦» .\nوأما اللغة فقول أبي الأسود الدؤلي وهو حجة في اللغة:\nدع الخمر تشربها الغواة فإنّني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٥٧٣) - كتاب الأشربة، ٤- باب بيان أن جميع ما ينبذ حديث رقم (١٣/ ١٩٨٥) .\n(٢) رواه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٣)، وأبو داود في السنن (٣/ ٣٢٥)، كتاب الأشربة باب الخمر حديث رقم (٣٦٧٦)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٢٦٢)، كتاب الأشربة، باب في الحبوب حديث رقم (١٨٧٣) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٣٠٢)، ٧٤- كتب الأشربة، ٤- باب الخمر من العسل حديث رقم (٥٥٨٥) .\n(٤) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٣٢٦)، كتاب الأشربة باب النهي عن المسكر حديث رقم (٣٦٨١)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٢٥٨)، كتاب الأشربة باب ما أسكر كثيره حديث رقم (١٨٦٥) .\n(٥) ذكره الجصاص في كتابه أحكام القرآن (١/ ٣٢٤) .\n(٦) رواه النسائي في السنن (٥- ٦/ ٧١٨)، كتاب الأشربة، باب الأخبار حديث رقم (٥٦٨٣) .","vol":"1","page":134},{"text":"فإن لا تكنه أو يكنها فإنّه ... أخوها غذته أمّه بلبانها\nوقد ضعّفوا بعض أحاديث الحجازيين، وحملوا الأخرى على أنّ الأنبذة سمّيت خمرا فيها مجازا.\nقالوا: يدلّ على أنه لا يحرم من الأنبذة إلا ما أسكر ما\nأخرجه الطحاوي عن أبي موسى قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا ومعاذ إلى اليمن، فقلنا: يا رسول الله، إنّ بها شرابين يصنعان من البرّ والشّعير أحدهما يقال له: المزّ، والآخر يقال له: البتع فما نشرب؟ فقال ﵊: «اشربا ولا تسكرا» «١» .\nقالوا: ويدلّ من جهة النظر لما ذكرناه من أن قليل الأنبذة ليس بحرام أنّ الله ذكر في علّة تحريم الخمر قوله: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فوجب لهذه العلة ألا يحرم من المسكرات إلا القدر المسكر، لأنه هو الذي توجد فيه هذه العلة، ولكن انعقد الإجماع على تحريم قليل الخمر وكثيرها، فوجب أن يبقى قليل الأنبذة على الإباحة.\nونحن إذا تأملنا في أدلّة الفريقين ما ذكر منها وما لم يذكر ترجّح عندنا قول الحجازيين، لأنّ الصحابة لمّا سمعوا تحريم الخمر فهموا منه تحريم الأنبذة، وهم كانوا أعرف الناس بلغة العرب ومراد الشّارع. وقد ثبت ذلك من حديث أنس «٢» قال: كنت ساقي القوم حين حرّمت الخمر في منزل أبي طلحة، وما كان خمرنا يومئذ إلا الفضيخ، فحين سمعوا تحريم الخمر أهرقوا الأواني وكسّروها، والفضيخ نقيع البسر.\nوقد اتفقوا مع الحجازيين على أنّ الله حرم من عصير العنب الكثير للسّكر، والقليل، لأنّه ذريعة إلى الكثير، فوجب أن يكون كذلك في سائر الأنبذة، حيث لا فارق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>تحريم الميسر</span>\nقد ذكر الله الميسر مع الخمر هنا، كما ذكره معها في آية المائدة [٩٠]، فما قلناه في دلالة الآية على تحريم الخمر يقال أيضا في الميسر.\nوقد ذكرنا أصل الميسر واشتقاقه، وأنه كان يطلق على ضرب القداح على أجزاء الجزور قمارا، ثم أطلق على النرد وكل ما فيه قمار. ونريد هنا أن نبيّن صفة الميسر عند العرب باختصار.\n_________\n(١) انظر شرح معاني الآثار للطحاوي (٤/ ٢٢٠) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٢٢٥)، ٦٥- كتاب التفسير، ١٠- باب قوله: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ حديث رقم (٤٦١٧)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٥٧٠)، ٣٦- كتاب الأشربة، ١- باب تحريم الخمر حديث رقم (٣/ ١٩٨٠) .","vol":"1","page":135},{"text":"قد كانت للقداح التي يضربونها على الجزور عشرة، ذوات الحظوظ منها سبعة:\nأسماؤها: الفذّ، التّوأم، الرّقيب، الحلس، النافس، المسبل، المعلّى.\nوالأغفال التي لا حظّ لها ثلاثة، وأسماؤها: السّفيح، المنيح، الوغد.\nوكانت القداح ذوات الحظوظ مختلفة الحظوظ، فكان للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وهكذا إلى السابع المعلّى، فله سبعة أنصباء وكانت على كل قدح منها علامة تدلّ عليه وعلى حظه، فعلى الفذّ فرض، وعلى التوأم فرضان، وهكذا.\nوالفرض: الحز.\nوكان الأيسار سبعة على عدد القداح، لكلّ واحد قدح، وكانوا يضعون القداح في خريطة، ويجلجلونها فيها حتى تختلط، ثم يخرج واحد من فم الخريطة، فإن كان الذي خرج الفذّ فلصاحبه نصيب واحد يأخذه، ويعتزل القوم. ثم يجيل ثانية، حتّى منتهى أقسام الجزور. فالفائزون هم من خرجت قداحهم. والغارمون من لم تخرج قداحهم، وهم يغرّمون ثمن البعير على حسب نصيب القداح، وقد حرم الله ذلك.\nوحرّم النرد وسائر أنواع القمار لما فيها من أكل أموال الناس بالباطل، ومن جلب العداوة والبغضاء، ومن تعويد المقامرين على الكسل. وانتظار الربح من القمار دون كدّ وعمل، ولأنّ المقامرين في قمارهم ليسوا ينتجون للأمة شيئا، فليس ربح الفائز منهم في مقابلة إخراج الموادّ الأولية، ولا صنعها، ولا نقلها، ولا توزيعها، ولا تأدية عمل من الأعمال التي تحتاج إليها الأمة وتستفيد منها، فهم حيوانات طفيلية تستفيد من دم المجموع ولا تفيده.\nولسنا ندري: أكان العرب في زمن التنزيل لا يطلقون اسم الميسر إلا على ما ذكرناه من ضرب القداح على أجزاء الجزور؟ فتكون الآية في ذلك فقط، ويكون تحريم ضروب القمار بالقياس. أم كان اسم الميسر يطلق على ذلك وعلى سائر ضروب القمار؟ فيكون تحريم ضروب القمار بالآيات التي حرّمت الميسر، وأيا ما كان فقد اتفق العلماء على تحريم ضروب القمار.\nوقد روي عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجرا، فإنّها من الميسر» «١» .\nوروي عن النبي ﷺ قال: «من لعب بالنّرد فقد عصى الله ورسوله» «٢» .\nوذكر العلماء أنّ المخاطرة من القمار، قال ابن عباس: المخاطرة قمار، وأنّ أهل\n_________\n(١) ذكره الجصاص في كتابه أحكام القرآن (١/ ٣٢٩) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٤/ ٣١٠)، كتاب الأدب، باب في النهي عن اللعب بالنرد حديث رقم (٤٩٣٨) . [.....]","vol":"1","page":136},{"text":"الجاهلية كانوا يخاطرون على المال والزوجة، وقد كان ذلك مباحا، إلى أن ورد تحريمه، وقد خاطر أبو بكر المشركين حين نزلت الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) [الروم: ١، ٢]\nوقال النبي ﷺ: «زد في الخطر وأبعد في الأجل» «١»\n. ثم حظر ذلك، ونسخ بتحريم القمار.\nوقد رخّص في السبق في الدواب والنصال بشروط تطلب من كتب الفروع.\nوَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.\nالْعَفْوَ في كلام العرب: الزيادة. ومن ذلك قوله تعالى: حَتَّى عَفَوْا [الأعراف: ٩٥] زادوا، ومنه قول الشاعر «٢»:\nولكنّا نعضّ السيف منّا ... بأسوق عافيات الشحم كوم\nأي كثيرات الشحوم، والمراد بالعفو هنا: الفضل، أي ما فضل وزاد عن الحاجة، كقولهم: خذ ما عفا لك من أخيك، أي ما فضل عن جهده. قال ابن عباس: العفو: ما فضل عن أهلك، ونقل عن قتادة وعطاء وابن زيد.\nالمعنى: يسألك أصحابك: ماذا ينفقون؟ قل: أنفقوا ما فضل عن حاجتكم كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، بهذا البيان العجيب الذي تقدّم من أول السورة من حججه، وبيناته، وفرائضه، وحدوده، وما فيه نجاتكم من عذابه: يبين لكم في سائر كتابه: آياته، وحججه، لتتفكّروا في الدنيا والآخرة، فتعلموا زوال الأولى وحقارتها، وبقاء الثانية وجلالها. وقد ورد في معنى الآية أحاديث كثيرة:\nروى ابن جرير عن جابر بن عبد الله قال: أتى رسول الله ﷺ رجل ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال يا رسول الله: خذ هذه مني صدقة، فو الله ما أصبحت أملك غيرها، فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن، فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال مثل ذلك، فقال: «هاتها» مغضبا، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجه أو عقره، ثم قال: «يجيء أحدكم بماله كلّه يتصدّق به، ويجلس يتكفّف الناس إنّما الصّدقة عن ظهر غنى» «٣» .\nوروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ارضخ من الفضل، وابدأ بمن تعول، ولا تلام على كفاف» «٤» .\nوعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أحدكم\n_________\n(١) قال السيوطي: رواه أبو يعلى وابن عساكر انظر الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي (٥/ ١٥٠) .\n(٢) لبيد بن أبي ربيعة، انظر تهذيب اللغة للأزهري (٣/ ٢٢٩) .\n(٣) رواه أبو داود في السنن (١/ ٥١)، كتاب الزكاة، باب الرجل يخرج ماله حديث رقم (١٦٧٣) .\n(٤) رواه مسلم (بغير هذا اللفظ) في الصحيح (٢/ ٧١٨)، ١٢- كتاب الزكاة، ٣٢- باب بيان أن اليد العليا خير من السفلى حديث رقم (٩٧/ ١٠٣٦) .","vol":"1","page":137},{"text":"فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم إن وجد فضلا بعد ذلك فليتصدّق على غيره» «١» .\nوقد زعم أناس أن هذه الآية منسوخة، نسختها الزكاة المفروضة، وكأنّهم ظنّوا أنّ الآية تدلّ على وجوب إنفاق ما فضل عن الأهل. والظاهر ما قاله الآخرون من أنها ثابتة الحكم، وليس في الآية ما يدل على وجوب إنفاق الفضل، بل الآية نزلت جوابا لمن سألوا ماذا ينفقون، فبيّن لهم فيه ما فيه لله رضا من الصدقات، وذكر لهم أنه لا يلزمهم أن ينفقوا الجهد في الصدقة.\nقال الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) العنت: المشقة. عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ [التوبة: ١٢٨] ما شق عليكم. وأعنته:\nأي صيّره ذا مشقة.\nروي في سبب نزول الآية أنّه لما نزلت إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا [النساء: ١٠]، تحرّج النّاس عن مخالطتهم في الأموال، واعتزلوهم. فأنزل الله هذه الآية.\nالمعنى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ «٢» .\nيعني قصد إصلاح أموالهم خير من اعتزالهم، وإن تخالطوهم ولم تجانبوهم فهم إخوانكم في الدين، والأخ يخالط أخاه ويداخله، ولا حرج في ذلك، فكانت هذه الآية إذنا في المخالطة مع صحة القصد، لا مع قصد أن ينفع نفسه بهذه الخلطة، ويضرّ باليتيم، ولا تجعلوا مخالطتكم إياهم ذريعة إلى أكل أموالهم بغير حق، فالله يعلم من خالطهم بقصد أكل أموالهم، وإفسادها عليهم ممن خالطهم، وكان قصده إصلاح أموالهم وتثميرها، ولو شاء الله لحرّم ما أحلّه لكم من مخالطة أموالكم بأموال اليتامى، فجهدكم وشقّ عليكم إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ غالب يقدر أن يشقّ على عباده ويحرجهم حَكِيمٌ ولكنه لا يكلفهم إلا ما فيه طاقتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الاحكام</span>\nدلت هذه الآية على جواز التصرف في أموال اليتامى على وجه الإصلاح، فيجوز لولي اليتيم أن يبيع ماله، وأن يشتري له، وأن يقسم له، وأن يدفع مالا له لمن\n_________\n(١) رواه مسلم (بغير هذا اللفظ) في الصحيح (٢/ ٦٩٢)، ١٢- كتاب الزكاة، ١٣- باب الابتداء في النفقة حديث رقم (٤١/ ٩٩٧) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٣٦)، كتاب الوصايا، باب المخالطة حديث رقم (٢٨٧١)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٥٦٧)، كتاب الوصايا، باب ما للوصي حديث رقم (٣٦٧١) .","vol":"1","page":138},{"text":"يعمل فيه قراضا ومضاربة، وأن يعمل فيه الوليّ نفسه قراضا، وأن يخلط ماله بماله إذا كان ذلك صلاحا.\nقال أبو بكر الرازي «١»: وقوله: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ يدل على أن لولي اليتيم أن يخالط اليتيم بنفسه في الصهر والمناكحة، وأن يزوّجه بنته، أو يزوج اليتيمة بعض ولده، فيكون قد خلط اليتامى بنفسه وعياله، واختلط هو بهم.\nوإذا كانت الآية قد دلّت على جواز خلط مال اليتيم بماله في مقدار ما يظن أن اليتيم يأكله على ما روي عن ابن عباس: فقد دلّت على جواز المناهدة التي يفعلها الناس في الأسفار، فيخرج كلّ واحد منهم شيئا معلوما فيخلطونه ثم ينفقونه، وقد يختلف أكل الناس.\nوقد دل قوله: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ على أن التجارة في مال اليتيم وتزويجه ليس بواجب على الوصي، لأنّ ظاهر اللفظ يدلّ على أنّ مراده الندب والإرشاد.\nقال الله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) المعنى: ولا تتزوجوا أيها المؤمنون المشركات حتى يؤمن بالله وباليوم الآخر، ولأمة مؤمنة بالله ورسوله أفضل من حرّة مشركة وإن كرم أصلها، وإن أعجبتكم المشركة في الجمال والحسب والمال. ولا تزوّجوا المشركين من نسائكم المؤمنات حتى يؤمنوا بالله ورسوله، ولأن تزوجوهنّ من عبد مؤمن بالله ورسوله خير لكم من أن تزوجوهنّ من حر مشرك وإن أعجبكم في الحسب والنسب والشرف.\nهؤلاء الذين حرّمت عليكم مناكحتهم من الرجال المشركين والنساء المشركات يدعونكم إلى العمل بما يودّي بكم إلى النار، فلا تخالطوهم، ولا تصاهروهم، إذ المصاهرة توجب المداخلة والنصيحة، وهؤلاء لا يألونكم خبالا، والله يدعو إلى العمل الذي يوجب الجنة وستر الذنوب بإعلامه إياكم السبيل الحق، ويوضّح حججه وأدلته للناس ليتذكّروا فيميّزوا بين الخير والشر.\nوقد اختلف العلماء في هذه الآية، فذهب بعضهم إلى أن لفظ المشركات يعمّ كلّ مشركة، سواء أكانت وثنية أم يهودية أم نصرانية، ولم ينسخ أو يخصّ منها شيء، فيكنّ جميعا قد حرّم على المسلم زواجهنّ.\nوذهب بعضهم على أن المراد بالمشركات من لا كتاب لهنّ من المجوس\n_________\n(١) أحكام القرآن للإمام الرازي (١/ ٣٣١) .","vol":"1","page":139},{"text":"والعرب دون الكتابيات، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمشركات عامّ في جميع من ذكرن، إلا أنه نسخ بقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥] .\nوسبب الخلاف أنّ كلّ كافر بالحقيقة مشرك، ولذلك يروى عن ابن عمر ﵄ أنه كره نكاح اليهودية والنصرانية، وقال: أيّ شرك أعظم ممّن يقول: عيسى الله، أو ولد الله؟ تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيرا.\nوالعرف قد خصص المشرك بمن لا كتاب له من الوثنيين والمجوس. وقال الله:\nما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وقال: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ [البينة: ١] وقد ورد في سورة المائدة وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥] فبعضهم حمل لفظ المشركات على عمومه، فحرّم كلّ مشركة ولو كتابية.\nوزعم أنّ قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ مقيّد بقيد وهو إذا آمنّ، وبعضهم حمل المشركات على عمومه وقال: آية المائدة مخصّصة، وقال بعضهم: هي ناسخة، لأنّها أخرجت الكتابيات من الحرمة.\nوبعضهم حمله على العرف الخاص، فقال: لا نسخ ولا تخصيص. وهذه الآية أفادت حكما، وهو حرمة نكاح الوثنيات والمجوسيات، وآية المائدة أفادت حكما آخر، وهو حلّ نكاح الكتابيات، فلم تتعارضا.\nوممّن روي عنه القول بحرمة الكتابيات عمر بن الخطاب.\nفقد أخرج ابن جرير «١» عن شهر بن حوشب. قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات كل ذات دين غير الإسلام\n. وقال الله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: ٥] .\nوقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضبا شديدا، حتى همّ بأن يسطو عليهما، فقالا: نحن نطلّق يا أمير المؤمنين، ولا تغضب، فقال: لئن حلّ طلاقهنّ لقد حلّ نكاحهنّ، ولكن أنتزعن عنكما حقرة «٢» قمئة.\nوقد قال ابن جرير بعد ذلك: وأما القول الذي روى شهر بن حوشب عن ابن عباس عن عمر ﵁ من تفريقه بين طلحة وحذيفة وامرأتيهما اللتين\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٢٢٢) .\n(٢) ذلة، انظر لسان العرب لابن منظور (٤/ ٢٠٧) .","vol":"1","page":140},{"text":"كانتا كتابيتين فقول لا معنى له، لمخالفته ما الأمة مجمعة على تحليله بكتاب الله- تعالى ذكره- وخبر رسول الله ﷺ وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ من القول بخلاف ذلك ما هو أصحّ منه إسنادا، وروى بسنده عن عمر:\nالمسلم يتزوج المسلمة، وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة ﵄، نكاح اليهودية والنصرانية حذرا من أن يقتدي بهما الناس، فيزهدوا في المسلمات. أو غير ذلك من المعاني.\nورحم الله عمر بن الخطاب. فقد كان ينظر إلى مصالح المسلمين، نسائهم ورجالهم، ويسوسهم بالنظر والمصلحة، وما أحوجنا إلى مثل هذه السياسة، فإنّ كثيرا من الشباب المسلمين في مصر رغبوا عن الزواج من المحصنات المسلمات إلى الزواج بالكتابيات الأجنبيات.\nقال الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) المحيض: هنا الحيض، كالمعيش: أي العيش. قال رؤبة:\nإليك أشكو شدّة المعيش ... ومرّ أعوام نتفن ريشي\nأَذىً الأذى ما يؤذي به من مكروه فيه، وسمي المحيض أذى لنتنه وقذره ونجاسته، وقال السدي وقتادة: أذى قذر.\nسبب نزول هذه الآية:\nقال قتادة: إنّ أهل الجاهلية كانوا لا تساكنهم حائض في بيت، ولا تؤاكلهم في إناء، فسألوا النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية\n، فحرّم فرجها ما دامت حائضا، وأحلّ ما سوى ذلك أن تصبغ رأسك. وتؤاكلك، وأن تضاجعك في فراشك إذا كان عليها إزار محتجزة به دونك «١» .\nفَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ اختلف أهل العلم فيما يجب على الرجل اعتزاله من المرأة وهي حائض على أقوال:\n١- إن الذي يجب اعتزاله جميع بدن المرأة، وحجتهم في ذلك أن الله أمر باعتزال النساء، ولم يخصّص من ذلك شيئا دون شيء.\n٢- الذي يجب اعتزاله موضع الأذى، وذلك مخرج الدم.\nأخرج ابن جرير «٢» عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: كلّ شيء إلا فرجها، وحجتها ما ثبت في الأخبار\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره جامع البيان (٢/ ٢٢٤) .\n(٢) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٢٢٦) .","vol":"1","page":141},{"text":"أن رسول الله ﷺ كان يباشر نساءه وهنّ حيّض «١» . فعلم من ذلك أن الذي طلب اعتزاله بعض جسدها دون بعض.\nولما أجمعوا على حرمة الجماع، واختلفوا في غيره، أخذوا بالمجمع عليه، وتركوا المختلف فيه.\n٣- إن الذي أمر باعتزاله ما بين السرة إلى الركبة، وله ما فوق ذلك ودونه.\nوحجتهم ما ثبت عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضا أمرها النبي ﷺ أن تأتزر، ثم يباشرها «٢» .\nوَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\n١- قال أبو حنيفة: يجب أن تؤتى المرأة إذا انقطع دم الحيض ولو لم تغتسل بالماء. إلا أنه إذا انقطع دمها لأكثر الحيض حلّت حينئذ، وإن انقطع دمها لأقل الحيض لم تحل حتّى يمضي وقت صلاة كامل.\n٢- قال مالك، والزهري، والليث، وربيعة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: لا تحل حتى ينقطع الحيض، وتغتسل بالماء غسل الجنابة.\n٣- يكفي في حلها أن تتوضأ للصّلاة. قاله طاوس، ومجاهد.\nوسبب الخلاف بين الأولين أن الله قال: حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ الأولى بالتخفيف، والثانية بالتشديد، وطهر يستعمل فيما لا كسب فيه للإنسان، وهو انقطاع دم الحيض. وأما تطهّر فيستعمل فيما يكتسبه الإنسان، وهو الاغتسال بالماء.\nفحمل أبو حنيفة وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ على انقطاع دم الحيض، وقوله: فَإِذا تَطَهَّرْنَ على معنى: فإذا انقطع دم الحيض، فاستعمل المشدّد بمعنى المخفف.\nوقالت المالكية بالعكس، إنه استعمل المخفّف بمعنى المشدّد، والمراد: ولا تقربوهن حتى يغتسلن بالماء، فإذا اغتسلن فأتوهنّ، بدليل قراءة بعضهم حَتَّى يَطْهُرْنَ بالتشديد، وبدليل قوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ أو يستعمل كل واحدة في معناها، ويؤخذ من مجموع الكلامين أنّ الله علّق الحلّ على شيئين:\nانقطاع الدم. والتطهر بالماء، كقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: ٦]\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (١/ ٩٠)، ٦- كتاب الحيض، ٦- باب مباشرة الحائض حديث رقم (٣٠٣)، ومسلم في الصحيح (١/ ٢٤٣)، ٣- كتاب الحيض، ١- باب مباشرة الحائض حديث رقم (٣/ ٢٩٤) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (١/ ٩٠)، ٦- كتاب مباشرة الحائض، ٦- باب مباشرة الحائض حديث رقم (٣٠٢)، ومسلم في الصحيح (١/ ٢٤٢)، ٣- كتاب الحيض، ١- باب مباشرة الحائض حديث رقم (١/ ٢٩٣) .","vol":"1","page":142},{"text":"فعلّق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين:\nأحدهما: بلوغ النكاح.\nوالثاني: إيناس الرشد.\nورجع الحنفية ما ذهبوا إليه بأنّ استعمال المشدّد بمعنى المخفّف لا يحتاج إلى إضمار شيء. أما مذهب المالكية فيحتاج إلى إضمار (بالماء) .\nوقالوا على الثاني: إنّ ما ذهبتم إليه يخل بحكم الغاية، أمّا ما ذهبنا إليه فيحفظ حكم الغاية، ويقرها على أصلها، ويوافق ما يفهمه العرب من مثله، فإذا قلت: لا تعط زيدا حتى يدخل الدار، فإذا دخل الدار فأعطه درهما. كان المفهوم منه أن ما ذكر في الشرط هو المذكور في الغاية، وليس ذلك تجديد شرط زائد.\nفَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بالنكاح لا بالسفاح، وقيل: من حيث أحلّ لكم الإتيان لا صائمات ولا محرمات ولا معتكفات. وقيل: من حيث أمركم الله باعتزالهن، وهذا الأمر للإباحة. لا للوجوب، لأنّه بعد الحظر، وقد اختلف فيه، والحق أنه لا يقتضي الوجوب، وذهب ابن حزم إلى أنه يجب غشيانهن بعد الطهر.\nإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.\nمحبة الله: هي إرادته ثواب العبد.\nوالتوبة: هي رجوع العبد عن حالة المعصية عن إتيان النساء في غير موضع الحرث، وقيل: هم الذين لا ينقضون التوبة، طهّروا أنفسهم بعدم الرّجوع إلى المعصية، والأول هو المنعطف على سابق الآية. المنتظم معها.\nقال الله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) حَرْثٌ: الحرث في اللغة الزرع. وهو على حذف مضاف، أي موضع حرثكم، أو الحرث بمعنى المحترث والمزدرع وإنما كانت النساء محترثا ومزدرعا، لأنّهنّ مكان نبات الولد.\nالمعنى: نساؤكم مزدرع لكم، تثمر لكم الأولاد، فأتوا هذا المزدرع، أَنَّى شِئْتُمْ على أي وجه شئتم مقبلة، أو مدبرة مضطجعة أو قائمة أو منحرفة، بعد أن يكون المأتى في موضع الحرث.\nوقد روى مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أو قفه عند كل آية، وأسأله عنها، حتى انتهى إلى هذه الآية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فقال ابن عباس: إنّ هذا الحيّ من قريش كانوا","vol":"1","page":143},{"text":"يشرحون النساء بمكة، ويتلذذون بهنّ مقبلات ومدبرات. فلما قدموا المدينة تزوّجوا في الأنصار، فذهبوا يفعلون بهنّ كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة، فأنكرن ذلك، وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتى عليه: فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ، فأنزل في ذلك نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ\nإن شئت فمقبلة، وإن شئت فمدبرة، وإن شئت فباركة، وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث، يقول: ائت الحرث حيث شئت «١» .\nو(أنّى) في كلام العرب للسؤال عن الوجوه والمذاهب، يقال: أنّى لك هذا المال، أي من أيّ الوجوه والمذاهب؟ فيقال: من وجه كذا وكذا، قال الله تعالى:\nأَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران: ٣٧] .\nوقال الشاعر:\nأنّى ومن أين نابك الطّرب ... من حيث لا صبوة ولا ريب\nوقد تجرّد عن معنى الاستفهام ككيف، ويبقى لها معنى الوجوه والمذاهب، ولا يصحّ أن يفهم غير هذا، وقد وردت أحاديث تؤيّد هذا الفهم، وتبطل ما عداه، فقد ورد عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس، وقال: كنت آتي امرأتي في دبرها، وسمعت قول الله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فظننت أنّ ذلك لي حلال؟\nفقال: يا لكع وإنما قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة، في أقبالهن. لا تعدو ذلك إلى غيره «٢» .\nوروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «الذي يأتي المرأة في دبرها هي اللوطية الصغرى» «٣» .\nوروى الإمام أحمد وأهل «السنن» أيضا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمّد» «٤» .\nوَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ الخير، والصالح من الأعمال، عدّة لكم يوم الحساب\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٢١٩)، كتاب النكاح، باب في جامع النكاح حديث رقم (٢١٦٤) . [.....]\n(٢) قال السيوطي: رواه عبد بن حميد، انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي (١/ ٢٦٣) .\n(٣) قال السيوطي: رواه أبو داود الطيالسي وأحمد والبيهقي، انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي (١/ ٢٦٣) .\n(٤) رواه أحمد في المسند (٢/ ٤٠٨)، وأبو داود في السنن (٣/ ٣٩٨)، كتاب الطب باب في الكاهن حديث رقم (٣٩٠٤) والترمذي في الجامع الصحيح (١/ ٢٤٣)، كتاب الطهارة باب كراهية إتيان الحائض حديث رقم (١٣٥) .","vol":"1","page":144},{"text":"وَاتَّقُوا اللَّهَ في معاصيه أن تقربوها، وفي حدوده أن تضيّعوها، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فيجازي المحسن بإحسانه. والمسيء بإساءته وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالفوز والكرامة في الدنيا والآخرة.\nقال الله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) عُرْضَةً- ع ر ض- يتصرّف على معان مرجعها إلى المنع، لأنّ كل شيء اعترض فقد منع. ويقال للحساب: عارض، لأنه منع من رؤية السماء والقمرين والكواكب.\nوقد يقال: هذا عرضة لك، أي: عدّة، فتبتذله في كل ما يعنّ لك. قال الشاعر:\nولا تجعلوني عرضة للّوائم\nوكان الرجل يحلف على أن لا يفعل بعض الخير: من صلة رحم، أو إصلاح بين الناس، أو إحسان، أو عبادة. ثم يقول: أخاف الله إن حنثت في يميني، فقيل:\nوَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أي لا تجعلوا الله مجازا ومانعا لما حلفتم عليه من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فيكون المراد بالأيمان المحلوف عليه، وسمّي يمينا لتلبّسه باليمين، ويكون أَنْ تَبَرُّوا بدلا من أيمانكم، ويكون حاصل المعنى:\nولا تجعلوا الله مانعا من البر والتقوى إذا حلفتم به. بل افعلوا البر والتقوى، وكفّروا عن أيمانكم ويكون هذا في معنى\nقوله ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين، ورأيت غيرها خيرا منها، فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك» «١» .\nومعنى الآية على المعنى الآخر (لعرضة): ولا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم، تبتذلونه بكثرة الحلف به. ويكون أَنْ تَبَرُّوا علة للنهي، أي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، لأنّ الحلّاف مجترئ على الله، غير معظّم له، فلا يكون برا متقيا، ولا يثق به الناس، فلا يدخلونه في وساطتهم، وإصلاح ذات بينهم، ويكون ذلك نهيا عن كثرة الحلف بالله، وابتذاله في الأيمان، قال الله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) [القلم: ١٠] فذمّ كثرة الحلف.\nقال الله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) (اللغو) الساقط الذي لا يعتدّ به: كلاما كان أو غيره، أما وروده في الساقط من\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٧/ ٢٧٥)، ٨٣- كتاب الإيمان، ٣- باب حديث رقم (٦٦٢٢)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٧٣)، ٢٧- كتاب الأيمان، ٣- باب ندب من حلف يمينا حديث رقم (١٩/ ١٦٥٢) .","vol":"1","page":145},{"text":"الكلام فكقوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: ٥٥] وقوله: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (٢٥) [الواقعة: ٢٥] وقوله: لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) [الغاشية: ١١] .\nوأما وروده في الساقط من غير الكلام فكقول جرير:\nيعدّ الناسبون بني تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا\nويخرج منهم المرئي لغوا ... كما ألغيت في الدّية الحوارا\nوكانوا يقولون لما لا يعتدّ به من أولاد الإبل: لغو.\nوقد اختلف أهل التأويل في المراد من لغو اليمين الذي ذكر الله أنه لا يؤاخذنا به وما هي المؤاخذة، على أقوال:\n١- إن اللغو في اليمين: ما يجري به اللسان من غير قصد الحلف، كقول القائل:\nلا والله، بلى والله، وإن عدم المؤاخذة به هو عدم إيجاب الكفارة به، وهو قول:\nعائشة، والشعبي، وعكرمة، والشافعي، وأحمد.\n٢- إن لغو اليمين هو أن يحلف على شيء أنه كان فيظهر أنه لم يكن، أو شيء يعتقد أنه لم يكن فيظهر أنه كان. ومعنى عدم المؤاخذة به أنه لا يجب تكفيره، وهو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والنخعي، والزهري، وأبي حنيفة، ومالك. وهؤلاء لا يوجبون الكفارة في اليمين التي يحلفها صاحبها على ظنّ فيتبين خلافه، ويوجبون الكفارة فيما يجري على اللسان من غير قصد، وأصحاب القول الأول بالعكس.\n٣- أنه يمين الغضب.\n٤- أنه اليمين على المعصية.\n٥- أن دعاء الإنسان على نفسه كقوله: إن لم أفعل كذا فأصاب بكذا.\n٦- أنه اليمين المكفرة.\n٧- أنه يمين الناسي.\nوهي كلها محتملة، ولعلّ أظهر الأقوال ما ذهب إليه الأولون، والحجة فيه: أن الله قسّم اليمين إلى قسمين: ما كسبه القلب، واللغو. وما كسب القلب: هو ما قصد إليه. وحيث جعل اللغو مقابله. فيعلم أنه هو الذي لم يقصد إليه وذلك هو ما قلناه من أنه هو ما يجري به اللسان من غير قصد إليه.\nالمعنى: لا يؤاخذكم الله بالأيمان التي تجري على ألسنتكم من غير قصد الحلف، ولكن يؤاخذكم بما قصدتم إليه، وعقدتم القلب عليه من الأيمان وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ولذلك لم يؤاخذهم بلغو اليمين، ولو شاء لآخذهم بها.","vol":"1","page":146},{"text":"قال الله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) يُؤْلُونَ: يقسمون، والأليّة: الحلف، يقال: آلى يولي إيلاء وأليّة، قال كثيّر:\nقليل الألايا حافظ ليمينه ... فإن سبقت منه الأليّة برّت\nوإنّما عدّيت يؤلون بمن، وهي إنما تعدّى بعلى: إما لأنه ضمّن يؤلون معنى يعتزلون، وإمّا لأنّ في الكلام حذفا، وتقديره: للّذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم، فترك ذكر يعتزلون اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه.\nالتربص: النظر، أو التوقف.\nفاؤُ رجعوا، من الفيء بمعنى الرجوع من حال إلى حال، ومنه قوله تعالى:\nحَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: ٩] وقول الشاعر:\nففاءت ولم تقض الّذي أقبلت له ... ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا\nويقال للظّل بعد الزّوال: فيء، لأنّه رجع بعد أن تقلّص، وهاتان الآيتان في حكم الإيلاء، وهو أن يقسم الرجل على أن يعتزل امرأته، وذلك إضرار بالمرأة، لأنه يتركها معلقة، فلا هي مطلقة يجوز لها أن تجد زوجا، ولا هي ذات بعل تجد منه ما تجد النساء من بعولتهن.\nوقد اختلف أهل التأويل في صفة اليمين التي يكون المرء بها موليا، فقال بعضهم: لا يكون موليا إلا إذا حلف على ترك غشيانها إضرارا بها، أما إذا حلف لا على وجه الإضرار فلا يكون موليا، ونسب هذا إلى علي ﵁، وابن عباس، وابن شهاب.\nأخرج ابن جرير «١» عن أبي عطية أنه توفي أخوه، وترك ابنا له صغيرا، فقال أبو عطية لامرأته: أرضعيه، فقالت: إني أخشى أن تغيلهما. فحلف ألا يقربها حتى تفطمهما، ففعل حتى فطمتهما، فخرج ابن أخي أبي عطية إلى المجلس، فقالوا:\nلحسن ما غذّي أبو عطية ابن أخيه، قال: كلا، زعمت أم عطية أني أغيلهما، فحلفت ألا أقربها حتى تفطمهما، فقالوا له: قد حرّمت عليك امرأتك، فذكرت ذلك لعلي ﵁ فقال علي: إنما أردت الخير، وإنما الإيلاء في الغضب.\nوقال آخرون: إنه يكون موليا سواء أحلف على ترك غشيانها إضرارا بها، أم لمصلحة.\nقال الشعبي: كلّ يمين منعت جماعا حتى تمضي أربعة أشهر، فهي إيلاء.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٢٥٠) .","vol":"1","page":147},{"text":"أخرج ابن جرير «١» عن القعقاع قال: سألت الحسن عن رجل ترضع امرأته صبيا، فحلف ألا يطأها حتى تفطم ولدها، قال: ما أرى هذا بغضب، إنما الإيلاء في الغضب. قال: وقال ابن سيرين: ما أدري ما هذا الذي يحدّثون، إنما قال الله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ... إلى فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إذا مضت أربعة أشهر فليخطبها إن رغب فيها، فحجتهم أن الله قال: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ.. ولم يخصّص.\nوحجة الأولين أنّ الله جعل مدّة الإيلاء مخرجا من سوء عشرة الرجل ومضارته، فإذا لم يكن الامتناع عن مضارة، بل عن قصد الصلاح والخير، لم يكن بذلك موليا، فلا يكون هناك معنى لضرب الأجل، فتخرج من مساءته، إذ لا مساءة، وذهب قوم إلى أن يمين الإيلاء ليست مقصورة على الحلف بترك الوطء، بل تكون بالحلف على غيره أيضا، كأن يحلف ليغضبنّها، أو ليسوءنّها، أو ليحرمنّها أو ليخاصمنّها: كل ذلك إيلاء.\nأخرج ابن جرير «٢» عن أبي ذئب العامري أن رجلا من أهله قال لامرأته: إن كلمتك سنة فأنت طالق، واستفتى القاسم وسالما فقالا: إن كلمتها قبل سنة فهي طالق، وإن لم تكلمّها فهي طالق إذا مضت أربعة أشهر، ونقل ذلك عن الشعبي أيضا.\nوحجة هؤلاء أن الله جعل مدة الإيلاء مخرجا للمرأة من سوء عشرة الرجل، وليست اليمين على ترك الوطء بأولى أن تكون من معاني سوء العشرة من اليمين على أن يضربها، أو لا يكلمها، لأنّ كل ذلك ضرر عليها وسوء عشرة.\nوظاهر هذه الأقوال كلها أن الإيلاء لا بدّ فيه من اليمين، وقالت المالكية: إذا امتنع الرجل من الوطء قصد الإضرار من غير عذر، ولم يحلف، كان حكمه حكم المولي، لأنّ الإيلاء لم يرد لعينه، وإنما أريد لمعنى سوء العشرة والضرر، وهذا حاصل إذا ضارّها دون يمين.\nوقد اختلف الفقهاء في الفيء الذي عناه الله بقوله: فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال بعضهم: هو غشيان المرأة الذي امتنع عنه، لا فيئة له إلا ذلك، وإذا عرض عذر من مرض أو سفر، فلم يغش لذلك، ومضت مدة الإيلاء، بانت منه..\nوقال آخرون: هو المراجعة باللسان، أو القلب في حال العذر، وفي غير حال العذر الغشيان.\nوقال آخرون: هو المراجعة باللسان مقام الغشيان في حالة العذر، لأنّه لا يصير مضارا بترك الشيء إلا إذا كان قادرا على الإتيان به وتركه طواعية.\n_________\n(١) المرجع نفسه (٢/ ٢٥١) .\n(٢) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٢٥١) .","vol":"1","page":148},{"text":"وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) اختلف الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون في الطلاق الذي يكون عن ترك الفيء في الإيلاء، فقال بعضهم، وهو مذهب أبي حنيفة: إذا مضت الأربعة أشهر دون فيئة وقع الطلاق.\nوقال آخرون وهو مذهب مالك: إن مضى الأجل لا يقع به طلاق، وإنما تقفه بعد أمام الحاكم: فإما فاء وإما طلق.\nومنشأ هذا الخلاف اختلافهم في تأويل الآية، فتأويلها عند الأولين لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ بترك الفيئة ... فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.\nوتأويلها عند الآخرين لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ.. بعد انقضائها.. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) .\nوقد شبّه الأولون مدة الإيلاء بالعدة الرجعية، وشبهوا الإيلاء بالطلاق الرجعي، وقد نقلوا أن الإيلاء كان طلاقا في الجاهلية، فأقره الشرع طلاقا، وزاد فيه الأجل.\nوشبه الآخرون أجل الإيلاء بالأجل الذي يضرب في العنة، لأن اليمين على ترك الوطء ضرر حادث بالزوجة، فضرب للزوج مدة في رفعه، فإن رفعه وإلا رفعه الشرع عنها بالطلاق، كما يكون ذلك في كل ضرر يتعلّق بالوطء، كالعنة.\nقال الله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) ذكر الله تعالى أحكام عدة الطلاق:\nأولها: وجوب العدة، وإنما وجبت العدة ليستدلّ بها على براءة الرحم من الولد، فيؤمن اختلاط الأنساب، والعدة للمطلقة ثلاثة قروء.\nوقد أخرج من حكم الآية المطلقات اللائي طلّقن قبل الدخول، فلم يجعل عليهنّ عدّة، قال الله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [الأحزاب: ٤٩] والحوامل، فجعلت عدتهنّ وضع حملهن، قال: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] .\nوكذلك أخرج اللاتي يئسن من المحيض لصغر أو كبر، فجعلت عدتهن ثلاثة أشهر، قال: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق: ٤] فصارت العدة المذكورة في الآية التي هنا للنساء غير الحوامل المدخول بهن الممكنات المحيض.","vol":"1","page":149},{"text":"والقروء: جمع قرء، ويطلق في كلام العرب على الطهر وعلى الحيض حقيقة، فهو من الأضداد.\nوأصل القرء الاجتماع، وسمّي الحيض قرءا لاجتماع الدم في الرحم، وسمّي الطهر قرءا لاجتماع الدم في البدن.\nوقد يطلق القرء أيضا على الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجيئة لوقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. يقال: أقرأت حاجة فلان عندي، أي: جاء وقت قضائها، وأقرأ النجم، إذا جاء وقت أفوله، وأقرأت الريح: إذا هبت لوقتها، قال الهذلي «١»:\nإذا هبّت لقارئها الرّياح أي هبت لوقتها، ولمّا كان الحيض معتادا مجيئه في وقت معلوم، سمّت العرب وقت مجيئة قرءا، ومن مجيء القرء بمعنى الحيض\nقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش «دعي الصّلاة أيام أقرائك» «٢»\n. ومن مجيئه بمعنى الطهر قول الأعشى:\nوفي كلّ عام أنت جاشم عزوة ... تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا\nمورّثة مجدا وفي الذّكر رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا\nوقد اختلف في المراد من القروء في الآية، فذهب مالك والشافعي وابن عمر وزيد وعائشة والفقهاء السبعة «٣»، وربيعة وأحمد إلى أنها الأطهار.\nوذهب علي وعمر وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي: وابن أبي ليلى وابن شبرمة إلى أنّها الحيض.\nوفائدة الخلاف أنه إذا طلّقها في طهر خرجت عن عدتها عند الأولين بمجيء الحيضة الثالثة، لأنّها يحتسب لها الطهر الذي طلقت فيه، ولا تخرج من عدتها إلا بانقضاء الحيضة الثانية عند الآخرين،\nوقد روي عن عمر بن الخطاب وعلي أنهما قالا: لا تحل لزوجها الرجعة إليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة.\nوقد احتجوا لترجيح المذهب الأول بأمور منها: أنه أثبت التاء في العدد (ثلاثة) فدل ذلك على أن المعدود مذكّر، وهو لا يكون مذكّرا إلا إذا كان المراد الطهر، وإذا كان المراد الحيضة كان مؤنثا. ومنها قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] ومعناه: في وقت عدتهن، ولكنّ الطلاق في زمان الحيض منهيّ عنه، فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض.\n_________\n(١) مالك بن الحارث الهذلي، انظر زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (١/ ٢١٧) .\n(٢) رواه النسائي في السنن (١- ٢/ ١٣١)، كتاب الطهارة حديث رقم (٢١١) .\n(٣) وهم: سعيد، سليمان، أبو بكر، عبيد الله، عروة، القاسم، وخارجة.","vol":"1","page":150},{"text":"وأجيب بأن معنى الآية: مستقبلات لعدتهن.\nوقد احتجوا لترجيح المذهب الثاني بأمور: منها: أننا أجمعنا على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيضة، فكذا العدة تكون بالحيضة، لأن الغرض منها واحد. ومنها أن العدة شرعت لبراءة الرحم، والذي يدل على براءة الرحم إنّما هو الحيض لا الطهر.\nومنها قوله ﷺ: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان» «١»\nومن المعلوم أنّ عدة الأمة نصف عدة الحرة، فإذا اعتبرت عدّة الأمة بالحيض، كانت عدة الحرة كذلك.\nوالمسألة كما ترى محتملة، ولكنّ مذهب الفريق الثاني أرجح من جهة المعنى.\nوقد زعم بعضهم أنّ قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ خبر في معنى الأمر، لئلا يلزم الكذب في خبره تعالى إذا لم تتربص بعض المطلقات.\nوهذا غير لازم، لأنّ الله أخبر عن حكم الشرع، فإن وجدت امرأة لا تتربّص لم يكن ذلك حكما شرعيا.\nوَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.\nقيل: المراد بما خلق الله في أرحامهن الحيض، وقيل: الحمل. وقيل: هما معا. وهذا دليل على أن المرأة مؤتمنة على ما في رحمها، يقبل قولها فيه، لأنّه لا يعلم إلا من قبلها، وإنّما حرّم الله أن يكتمن ما في أرحامهنّ، لأنّه يتعلق بذلك حق الرجعة للرّجل، وعدم اختلاط الأنساب، وإذا لم تحافظ المرأة على ذلك، فربما حرمت الرجل من حقّه في الرجعة، وربما ادّعت انقضاء العدة وهي مشغولة الرّحم بالحمل من المطلّق، ثم تزوجت، فأدّى ذلك إلى اختلاط الأنساب.\nولعل قائلا يقول: إنّ ظاهر الآية أنّ الله شرط عدم حلّ الكتمان بكونهنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر، فإذا لم يكنّ كذلك، فهل يجوز لهنّ أن يكتمن؟\nفنقول: إنّ هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلم، على معنى: إن كنت مؤمنا فإيماك يمنعك من الظلم. وكذلك هنا: إن الإيمان بالله واليوم الآخر ينبغي أن يمنع كتمانهنّ ما في أرحامهنّ، وهذا وعيد شديد.\nوالآية تدل على أن من ائتمن على شيء فلا يحلّ له أن يخون فيه، وهذا مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر.\n_________\n(١) رواه أبو داود في الجامع الصحيح (٢/ ٢٣٠)، كتاب الطلاق، باب في سنة الطلاق حديث رقم (٢١٨٩)، والترمذي في الجامع الصحيح (١/ ٤٨٨)، كتاب الطلاق، باب ما جاء أن طلاق الأمة حديث رقم (١١٨٢)، وابن ماجه في السنن (١/ ٦٧٢)، كتاب الطلاق باب في طلاق الأمة حديث رقم (٢٠٨٠) .","vol":"1","page":151},{"text":"وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا.\nهذا هو الحكم الثاني من أحكام الطلاق، وهو ارتجاع الرجل المرأة ما دامت في عدتها.\nوبعولة: جمع (بعل) وهو الزوج، ويطلق على المرأة: بعلة، وهما: بعلان، وهو في الأصل بمعنى السيد المالك، يقال: من بعل هذه الناقة؟ أي من ربّها؟\nالمعنى: وأزواج المطلقات أحق برجعتهن في مدة التربص إن أرادوا إصلاحا، لا مضارّة المرأة، وظاهر الآية أن الله يشترط في الرجعة إرادة الإصلاح، فإذا أراد المضارّة فليس له حقّ الرجعة، والأمر كذلك، ولكن لما كانت هذه الإرادة لا اطلاع لنا عليها عاملناه بظاهر أمره، وجعل الله ثلاث التطليقات علما عليها، ولو تحققنا من ذلك لطلقنا عليه.\nوفيما بينه وبين نفسه لا يجوز له أن يراجع إن قصد الضرر لا الإصلاح.\nوحق الرجعة مقصور على المطلقة طلاقا رجعيا.\nواختلف العلماء فيها في مدة التربّص: أحكمها حكم الزوجة، أم ليست كذلك؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنها حكمها حكم الزوجة، وذهب مالك إلى أنها ليست كالزوجة، وابتني على هذا الخلاف أنّ أبا حنيفة يجيز مباشرتها مدّة التربص، ومالك يمنعه قبل الرجعة.\nويظهر أن منشأ الخلاف اختلاف الفهم في هذه الآية، فقد سمّاه الله بعولة، وهذا يقتضي أنهن زوجات، وقال: أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ وهذا يقتضي أنهن لسن بزوجات، إذ الردّ إنما يكون لشيء قد انفصم، فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الرجعية زوجة، وفائدة الطلاق نقص العدد، وأولوا قوله: أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فقالوا: إنّهن كن سائرات في طريق لو وصلن إلى نهايته لخرجن عن الزوجية، فالارتجاع ردّ لهنّ عن التمادي في ذلك الطريق.\nوالمالكية أوّلوا قوله: وَبُعُولَتُهُنَّ فقالوا: سماهم بعولة باعتبار ما كان ومعنى أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ردهن إلى الزوجية.\nوَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ.\nهذه كلمة وجيزة بيّنت نظر الشارع إلى عقد الزواج، فليس الزواج في الشريعة الإسلامية عقد استرقاق وتمليك، إنما هو عقد يوجب على الزوج حقوقا للمرأة. كما يوجب على المرأة حقوقا للزوج، فما من حقّ للزوج على المرأة إلا وفي نظيره حق لها عليه، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ والمعروف ضد المنكر. ثم قال: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ والدرجة المنزلة، وأصلها من درجت الشيء أي طويته، والدرجة قارعة الطريق، لأنّها تطوي منزلا بعد منزل، والدرجة المنزلة من منازل الطريق، ومنه","vol":"1","page":152},{"text":"الدرجة التي يرتقى فيها، وهذه الدرجة التي جعلها الله للرجال على النساء هي ما أشار إليها بقوله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [النساء: ٣٤] .\nونحن نعلم أن كثيرا من الزنادقة الذين يريدون أن يفتنوا النساء عن دينهن، يأتون إليهن من جهة أن الإسلام غمط حقوقهنّ، وجعلهنّ إماء عند الرجال، ولو تأمّل نساء الإسلام في هذه الآية لرأين هذه المنزلة التي رفعهنّ الله إليها، ولم ترفعهن إليها الحضارات القديمة، ولا الحضارات الحديثة، ولعلمن أنّ هؤلاء مخادعون، يبغّضونهنّ في شريعة كانت شفيقة بالمرأة، بارّة بها، أعتقتها من رق العبودية، وفكّت عنها الأغلال والقيود التي كانت ترسف فيها في القديم، وأنّ شريعة هذا نظرها إلى المرأة لجديرة بأن تحترم وتقدّس من النساء جميعا، وإنما ذكر الله هنا أنّ لهن مثل الذي عليهنّ بالمعروف، وللرّجال عليهن درجة، ليبيّن أنه شرط في الرّجعة إرادة الإصلاح، لأنّ للمرأة حقوقا مثل ما عليها، وجعل للرّجل حقّ الرجعة لأنه يزيد عليها درجة.\nثم قال: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فلا يغالبه من فرّط في حقوق الزواج، وهو حكيم فيما شرع، يعلم المصلحة، ويضع الأشياء في مواضعها.\nقال الله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)\nأخرج ابن جرير الطبري «١»، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان الرجل يطلّق ما شاء، ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتّها كانت امرأته، فغضب رجل من الأنصار على امرأته، فقال لها: لا أقربك ولا تحلين مني، قالت له: كيف؟ قال:\nأطلقك، حتى إذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك.\nقال: فنقلت ذلك إلى النبي ﷺ، فنزل الله تعالى ذكره: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ الآية\n. فعلى هذا تكون الآية نزلت لبيان عدد الطلاق الذي للرجل فيه الرجعة، والعدد الذي إذا انتهى إليه فلا رجعة له عليها، وقد كان أهل الجاهلية وأهل الإسلام قبل نزول هذه الآية لا حدّ للطلاق عندهم، وكان ذلك قد يؤدي إلى الإضرار بالمرأة، فتترك لا هي بذات زوج، ولا هي خليّة تحلّ للأزواج.\nوقال آخرون: نزلت هذه الآية لتعريف الناس سنّة طلاقهم، وكيف يطلّقون.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٢٧٦) .","vol":"1","page":153},{"text":"أخرج ابن جرير «١» عن عبد الله في قوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ قال: يطلقها بعد ما تطهر، من قبل جماع، ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى، ثم يطلقها إن شاء ثم إن أراد أن يراجعها راجعها، ثم إن شاء طلقها، وإلا تركها حتى تتمّ ثلاث حيض، وتبين منه به.\nوعلى هذا يكون قد بيّن الله سنّة الطلاق في هذه الآية، وبين أنّ من سنته تفريق الطلاق ومنع الاجتماع، ولأنّه قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ وهذا يقتضي أن يكون طلقتين مفرّقتين، لأنّها إن كانتا مجتمعتين، لم يكن مرتين. ويدل عليه أن الشارع قد طلب أن يسبّح المرء ويحمد ويكبر دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، ولا ينفعه إلا أن يفعل ذلك ثلاثا وثلاثين مرّة، ولا يكفيه أن يقول: سبحان الله ويتبعها بلفظ ثلاثا وثلاثين، وأنه إذا فعل ذلك يكون مسبحا مرة واحدة لا ثلاثا وثلاثين.\nوقد ثبت أن الآية دلت على طلب التفريق في إيقاع الطلاق، فإذا خالف المطلّق وجمع الثلاث في لفظ واحد، فقد اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إنه لا يقع إلّا واحدة، قال الفخر الرازي: وهو الأقيس، لأن النهي يدلّ على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود، وهذا غير جائز، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع.\nوقالت الأئمة الأربعة وغيرهم: تقع الثلاثة إما مع الحرمة، وإما مع الكراهة، على حسب اختلافهم في ذلك.\nوقد استدلّ الأولون من السنة بما رواه أحمد ومسلم «٢» من حديث طاوس عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم، قالوا: وإمضاء الثلاث إبطال للرخصة الشرعية والرفق المشار إليه بقوله تعالى: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا [الطلاق: ١] .\nوللأئمة أحاديث أخرى ذكرت في كتب السنة، واستقصاء الخلاف والأدلة في هذه المسألة يطلب من «نيل الأوطار» «٣» «وإعلام الموقعين» «٤» لابن القيم.\nومنشأ الخلاف في الطلاق- ما ذكرناه وما لم نذكره- الاختلاف في أسباب النزول وفي الآية هل هي متعلقة بما قبلها، أم مستقلة عنها؟ ونحن نجمل ذلك\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٢٧٧) .\n(٢) رواه أحمد في المسند (١/ ٣١٤) ومسلم في الصحيح كتاب الطلاق حديث رقم (١٤٧٢) . [.....]\n(٣) نيل الأوطار للإمام ابن القيم الجوزية (٦/ ١٩٣- ١٩٨) .\n(٤) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم الجوزية (٣/ ٤١) .","vol":"1","page":154},{"text":"فنقول: إن الله قد عرّف الطلاق بأل، فذهب بعضهم إلى أن التعريف للعهد، أي الطلاق المشروع مرتان، فما جاء على غير هذا فليس بمشروع، وهذا مروي عن الرافضة والحجاج بن أرطاة «١»، وعلى هذا تكون الآية مستقلة عما قبلها.\nوقال بعضهم: معناه أنّ الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان، فتكون الآية مرتبطة بما قبلها، فالله لما ذكر أنّ بعولتهنّ أحقّ بردهنّ أراد أن يبيّن الطلاق الذي فيه الرجعة، وقال بعضهم: معناه الطلاق المسنون مرتان، وهذا مذهب مالك، وقال بعضهم: معناه الطلاق الجائز مرتان، وهذا مذهب أبي حنيفة.\nوالقول الأول يناسبه في سبب النزول ما روي عن عروة، وبقية الأقوال يناسبها في سبب النزول ما روي عن عبد الله.\nونحن نرى أن الطلاق هدم للأسرة، وتمزيق للمنزل، وضرره يتعدى إلى الأولاد. فإنّ الأولاد في حضن أمهاتهم يكونون موضعا للرعاية وحسن التربية.\nبخلاف ما إذا كانوا في حضن أجنبية عنهم، والشريعة تنظر إليه هذا النظر. ويدل على هذا\nقوله ﷺ: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» «٢»\nوالشريعة أجازته مع هذا الضرر لدفع ضرر أشد، وتحصيل مصلحة أكثر. وهي التفريق بين متباغضين ليس من المصلحة الجمع بينهما، وقد أراد الشارع ألا يفرّق بالطّلاق بين متحابين من الخير أن يجتمعا، وألا يفرق به إلا بين متباغضين من الخير أن يفترقا، فجعل الطلاق المشروع مرتين متفرقتين في طهرين كما دلت على ذلك السنة، فإن شاء أمسك، وإن شاء طلّق، وأمضى الطلاق، فيكون الزوج على بينة مما يأتي وما يذر، ولن يتفرق بالطلاق بعد هذه الروية وهذه الأناة إلا متفرّقان طبعا، من الخير ألا يجتمعا.\nوإذا كانت حكمة الطلاق ما ذكرناه سقط قول الناقمين على الشريعة من أنها لم تحترم عقد الزوجية، وتعطه ما يجب له من الحيطة والرعاية.\nوليس عندنا من المراجع ما نعلم منه حقيقة مذهب الحجاج والرافضة. ونتبين أنهم يرون الذي سار في الطلاق على هذا السنن وطلق اثنتين، ثم لم يطلق الثالثة، وعاشر بإحسان قد بقيت له واحدة فقط، فإذا أراد أن يطلق لم تكن له إلا واحدة أم هم يرون أنّه قد هدم الطلاق، وإذا أراد أن يطلّق كان له الثلاث من جديد، وأنّ هذا شرع الطلاق، فلا يطلق إلا بهذه الصفة.\nفَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.\nالإمساك خلاف الإطلاق، والتسريح الإرسال، وسرّح الماشية تسريحا إذا\n_________\n(١) ابن ثور النخعي قاضي البصرة توفي (١٤٧ هـ) في خراسان، انظر الأعلام للزركلي (٢/ ١٦٨) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٢٢٦)، كتاب الطلاق باب كراهية الطلاق حديث رقم (٢١٧٨) .","vol":"1","page":155},{"text":"أرسلها إمساك بمعروف، إن وجد نفسه لا تطيق فراقها، أو رأى المصلحة في بقائها زوجة، وإما تسريح بإحسان إن أعطته تجربة هذه المرأة أنه لم يتعلّق بها قلبه، ورأى الفراق خيرا له، وتلك هي حكمة الرجعة، وجعل الطلاق مرتين، فإنّ الأشياء تعرف بأضدادها، ولا يجد المرء لذة النعمة حتى يذوق طعم النّقمة، وما دام مع صاحبه لا يدري أتشقّ عليه الفرقة أم لا؟ فجعل الطلاق مرتين، وجعل له حق الرجعة، ليعلم أتشقّ عليه فرقتها أم لا؟ ولو جعل الطلاق مرّة واحدة لا رجعة فيها لوقع الناس في بلاء عظيم.\nومعنى الإمساك بمعروف أن يراجعها قصد المعاشرة الحسنة، لا قصد المضارّة، والتسريح بإحسان ألا يذكر عيوبها، وأن يحسن فراقها.\nوقد اختلف في المراد بالتسريح، فقيل: هو أن يتركها دون مراجعة حتى تنقضي عدتها. وقيل: هو أن يطلّقها الثالثة.\nوقد رجّح الأول بأنّ حمل الآية عليه يجعلها مستوفية للأقسام، لأنّ المطلّق اثنتين:\nإما أن يراجع، وهو الإمساك بمعروف، وإما أن يطلق الثالثة وهو قوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ..: وإما أن يسكت فلا يطلّق الثالثة. ولا يراجع، وهو التسريح بإحسان.\nورجّح الثاني بما\nروي أنه لما نزل قوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ قيل له ﷺ فأين الثالثة؟ فقال ﷺ: هو قوله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ\n: ويكون قوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ إن طلقها الطلقة الثالثة المذكورة في قوله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.\nقال الله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.\nطلب الله عند تسريح المرأة أن يكون بإحسان، ونهى أن يأخذوا شيئا مما آتوهن من المهر أو غيره، ثم بيّن أنه لا يحل الأخذ إلا في حالة الخوف ألا يقيما حدود الله، فإذا حصل الخوف جاز للمرأة أن تفتدي، وجاز للرجل أن يأخذ، وطلاق المرأة على هذا الوجه هو المعروف عند العلماء بالخلع.\nذكر ابن جرير «١» أن ابن عباس قال: إنّ أول خلع كان في الإسلام أخت عبد الله بن أبي، أنّها أتت رسول الله ﷺ. فقالت: يا رسول الله! لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا. إني رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدّهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٢٨٠) .","vol":"1","page":156},{"text":"قال زوجها: يا رسول الله! إني أعطيتها أفضل مالي حديقة، فلترد عليّ حديقتي.\nقال ﷺ: «ما تقولين؟» قالت: نعم، وإن شاء زدته. قال: ففرّق بينهما\n. وقيل:\nإن هذه الآية نزلت في شأنهما. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يجوز أخذ الفداء إلا إذا كان النشوز من قبلها.\nوذهب آخرون إلى أن الذي يبيح أخذ الفداء أن يكون خوف ألا يقيما حدود الله منهما جميعا، لكراهة كلّ منهما صحبة الآخر، والظاهر أنّ نشوزها كاف في جواز أخذ الفداء.\nفإن قيل: إنّ الله علّق ذلك على خوف ألا يقيما حدود الله. قيل: إنها إذا نشزت خيف أن يعاملها الرجل بقسوة، فلا يقيم هو أيضا حدود الله.\nوقد ذهب أكثر الأئمة إلى أن الخلع جائز، سواء كان في حالة الخوف أم في غير حالة الخوف، وظاهر الآية يعضّد مذهب غير الجمهور.\nوحجة الجمهور قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء: ٤] فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصّل لنفسها طلاقا، فلأن يجوز ذلك لتملك أمر نفسها أولى.\nوللأولين أن يقولوا: إن هذه الآية محمولة على البذل في حال العشرة، وأما البذل للطلاق فقد منعته الآية التي نحن بصددها إلا بشرط.\nوالآية تدلّ على أن الخلع إنما هو فيما أعطى، لا في أزيد منه، لأنّ الآية في صدد الأخذ مما أعطى الرجال النساء. ثم قال: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي مما آتيتموهنّ، وهو مذهب الشعبي، والزهري، والحسن البصري.\nوذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز الخلع بأزيد مما أعطاها، لأنّه عقد معاوضة يوجب ألا يتقيّد بمقدار معين.\nولكن يعارض هذا أنه استباحها بما أعطاها من مهر، فلو أخذ منها أزيد لكان إجحافا بها.\nوقد ذهب جماعة إلى أن الخلع فسخ لاطلاق، لأنّ الله قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ثم ذكر الخلع، ثم قال: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ فلو كان طلاقا لكان ذلك يدلّ على أن للرجل أربع تطليقات.\nونحن نرى أنه لا حجة في هذا، لأنّ الله قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ثم بيّن أنه لا يجوز أخذ مال على الطلاق إلا في الحال التي ذكرنا، وسواء كان ذلك عند الطلقة الأولى أم الثانية أم الثالثة؟","vol":"1","page":157},{"text":"ثم بيّن الطلقة الثالثة بقوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ الآية، وقد استدلوا أيضا بما روى أبو داود «١» في «سننه» عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبيّ ﷺ عدتها حيضة، ولو كان طلاقا لكانت عدتها كما قال الله:\nوَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ.\nوذهب الجمهور إلى أنّ الخلع طلاق، وحجتهم أن الخلع: إما فسخ، أو طلاق، وقد أبطلوا كونه فسخا، بأنّه لو كان فسخا لما جاز بأكثر من المهر، كالإقالة في البيع، مع أنه يجوز بالأكثر، وإذا بطل كونه فسخا، تعيّن كونه طلاقا، وقد علمت ما فيه.\nواستدلوا أيضا بما\nورد عن ابن عباس في امرأة ثابت بن قيس أن رسول الله ﷺ قال له: «اقبل الحديقة، وطلّقها طلقة واحدة» أخرجه بهذا اللفظ البخاري، وأبو داود والنسائي «٢» .\nيَخافا الخوف: الإشفاق مما يكره وقوعه، ويمكن أن يراد منه هنا- الظنّ، لأنّ الخوف حالة نفسية، وسبب حصولها ظنّ أن سيحصل مكروه، فيطلق المسبب على السبب. قال الشاعر:\nإذا متّ فادفني إلى جنب كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها\nولا تدفننّي في الفلاة فإنّني ... أخاف إذا ما متّ ألا أذوقها\nقال الرازي «٣»: فإن قيل: لمن الخطاب في قوله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا..\nفإن كان للأزواج لم يطابقه قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وإن قلت: للأئمة والحكام، فهؤلاء لا يأخذون منهن شيئا؟\nقلنا: الأمران جائزان، فيجوز أن يكون أول الآية خطابا للأزواج، وآخرها خطابا للأئمة والحكام، وذلك غير غريب في «القرآن» ويجوز أن يكون الخطاب كلّه للأئمة والحكام، لأنّهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم، فكأنّهم هم الآخذون والمؤتون.\nقال الله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) .\nيعلمون الحقائق. ويعلمون المصالح المترتبة على العمل بها.\n_________\n(١) سنن أبي داود (٢/ ٢٤٥)، كتاب الطلاق باب في الخلع حديث رقم (٢٢٢٩)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٤٩١)، كتاب الطلاق باب في الخلع حديث رقم (١١٨٥) .\n(٢) رواه النسائي في السنن (٥- ٦/ ٤٨١)، كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع حديث رقم (٣٤٦٣) .\n(٣) في تفسيره مفاتيح الغيب والمسمى أيضا التفسير الكبير (٦/ ٩٩) .","vol":"1","page":158},{"text":"وقد اختلف في ذلك النكاح الذي اشترط لحل المطلقة ثلاثا، فذهب سعيد بن المسيب إلى أنه العقد، فتحل المطلقة ثلاثا للأوّل بمجرد العقد على الثاني.\nوذهب سائر العلماء إلى أن المراد به الوطء، واحتجوا بأن النكاح قد ورد في القرآن بالمعنيين، واحتمل أن يكون المراد هنا العقد أو الوطء، فجاءت السنة، وبينت أن المراد به الوطء وذلك ما\nرواه ابن جرير «١» عن عائشة، قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ، قالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فبتّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثّوب. فقال: «لعلّك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» «٢»\nوقال بعضهم: إن الآية نفسها فيها دلالة على أن المراد به الوطء، وبيانه أنّ أبا الفتح عثمان بن جني قال: سألت أبا علي الفارسي عن قولهم: نكح المرأة، فقال: فرّقت العرب بالاستعمال، فإذا قالوا:\nنكح فلان فلانة. أرادوا أنّه عقد عليها، وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته، أرادوا به المجامعة. وهنا قد قال الله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فالمراد منه المجامعة.\nوقد اختلف النّاس في نكاح المحلّل، وهو الذي يتزوّج المبتوتة بقصد أن يحلها للزوج الأول، فذهب مالك، وأحمد، والثوري، وأهل الظاهر، وغيرهم: إلى أنّ ذلك النكاح باطل، لا تحلّ به للأوّل ولا للثاني، ولا تحلّ حتى ينكحها الثاني نكاح رغبة يقصد به ما يقصد من كل نكاح من الدوام والبقاء، ودليلهم ما\nروي عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بالتّيس المستعار؟» .\nقالوا: بلى يا رسول الله قال: «هو المحلّل، لعن الله المحلّل والمحلّل له» «٣» .\nقال الترمذي «٤»: والعمل على ذلك عند أهل العلم، منهم: عمر، وابنه، وعثمان ﵃، وهو قول الفقهاء من التابعين.\nوروى أبو إسحاق الجوزجاني عن ابن عباس ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن المحلّل، فقال: «لا: إلا نكاح رغبة، لا دلسة ولا استهزاء بكتاب الله ﷿ ثم تذوق العسيلة» .\nوروى ابن المنذر وابن أبي شيبة عن عمر ﵁: لا أوتى بمحلّل ولا\n_________\n(١) في تفسيره الجامع لأحكام القرآن، المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٢٩١) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٢٢)، ٦٨- كتاب الطلاق، ٣٥- باب إذا طلقها ثلاثا حديث رقم (٥٣١٧) ومسلم في الصحيح (٢/ ١٠٥٥)، ١٦- كتاب النكاح، ١٧- باب لا تحل المطلقة حديث رقم (١١١/ ١٤٣٣) .\n(٣) رواه ابن ماجه في السنن (١/ ٦٢٣)، كتاب النكاح، باب المحلل حديث رقم (١٩٣٦) .\n(٤) الجامع الصحيح كتاب النكاح باب ما جاء في المحلل حديث رقم (١١٢٠) .","vol":"1","page":159},{"text":"بمحلّل له إلا رجمتهما، فسئل ابنه عن ذلك قال: كلاهما زان، وسئل ابن عباس عمّن طلّق امرأته ثلاثا ثم ندم، فقال: هو رجل عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا، فقيل له: فكيف ترى في رجل يحلّها له؟ فقال: من يخادع الله يخدعه.\nهذا وفي التحليل مفاسد كثيرة عقد ابن القيم في «إعلام الموقعين» «١» فصولا في بيانها.\nوقد طعن قوم في الشريعة الإسلامية لأنّها أجازته، وقد علمت ما قاله النبي ﷺ فيه، وعلمت رأي الصحابة والتابعين فيه. فالصواب ألا ينسب إليها حلّه.\nقال الله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) الأجل يطلق على المدة كلها، وعلى آخرها، يقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل. والمراد هنا: آخر عدتهن، ومعنى بلغن أجلهنّ- هنا- شارفن منتهاها، لأنّه يتجوّز في البلوغ. فيقال: بلغ البلد إذا شارفه وداناه، وإنما حملناه على المجاز، لأن الله قال: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وهي إذا انقضت عدتها فلا سبيل له عليها.\nفَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ: إما أن يراجعها من غير طلب ضرر بالمراجعة، وإما أن يتركها حتّى تنقضي عدتها من غير إضرار بها وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا لتظلموهنّ.\nعن السدي قال: نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلّق امرأته، حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها، ثم طلقها، ففعل بها ذلك حتى مضت لها تسعة أشهر: مضارّة يضارها، فأنزل الله تعالى ذكره: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ «٢» أي إمساك المرأة ضرارا فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ إذ عرضها لعذاب الله.\nوَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا أي جدوا في الأخذ بها، والعمل بما فيها، وإن لم تفعلوا فقد اتخذتموها هزوا، ويقال لمن لم يجد في الأمر: إنما أنت هازل.\nوقال الحسن: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يطلّق الرجل أو يعتق فيقال:\nما صنعت؟ فيقول: إنما كنت لا عبا، قال رسول الله ﷺ: «من طلّق لاعبا أو أعتق\n_________\n(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين، للإمام ابن القيم الجوزية (٣/ ١٨٥) (٢٠٨) (٢٠٩) .\n(٢) رواه ابن جرير وابن المنذر، انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (١/ ٢٨٥) . [.....]","vol":"1","page":160},{"text":"لاعبا فقد جاز عليه» «١» قال الحسن: وفيه نزلت وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا.\nوروى أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنّه قال: «لم يقول أحدكم لامرأته: قد طلّقتك، قد راجعتك، ليس هذا بطلاق المسلمين، طلّقوا المرأة قبل عدّتها» .\nوَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ.\nوَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام وسائر نعمه، واذكروا ما أنزل عليكم من الْكِتابِ القرآن يَعِظُكُمْ ووَ الْحِكْمَةِ السنن التي علمكموها رسول الله ﷺ:\nيَعِظُكُمْ بِهِ أي بما أنزل عليكم وَاتَّقُوا اللَّهَ أي خافوه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيعلم ما علمتم من تعدّي حدوده، وتضييع أوامره، فيجازيكم على ما عملتم.\nقال الله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) فَلا تَعْضُلُوهُنَّ العضل: الحبس والتضييق، ومنه عضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج، ومنه قول عمر: وقد أعضل في أهل العراق، لا يرضون عن وال ولا يرضى عنهم وال، يعني بذلك، حملوني على أمر ضيّق شديد. قال أوس «٢»:\nوليس أخوك الدائم العهد بالّذي ... يذمّك إن ولّى ويرضيك مقبلا\nولكنّه النّائي إذا كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا\nوبلوغ الأجل هنا على الحقيقة، قال الشافعي: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين.\nوهذه الآية نهت أولياء المرأة على أن يعضلوها. أي يمنعوها حقّ الزواج إذا خطبها الكفء، وتراضت المرأة والخاطب به.\nنزلت في معقل بن يسار. روى ابن جرير «٣» عن الحسن، عن معقل بن يسار أن أخته طلّقها زوجها، ثم أراد أن يراجعها، فمنعها معقل، فأنزل الله تعالى ذكره: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ.\nوفي هذه الآية دلالة على صحة قول من قال: لا نكاح إلا بولي، لأنه لو كان\n_________\n(١) قال السيوطي: رواه الطبراني، انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (١/ ٢٨٦) .\n(٢) أوس بن حجر بن مالك التميمي أبو شريح شاعر تميم في الجاهلية، انظر الأعلام للزركلي (٢/ ٣١) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ١٦٢)، ٣٧- باب من قال: لا نكاح إلا بولي حديث رقم (٥١٣٠) وفي تفسير ابن جرير الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن (٢/ ٢٩٧) .","vol":"1","page":161},{"text":"للمرأة أن تتزوج دون رضى وليها، ولم يكن للولي شأن لما كان معنى لنهي الأولياء عن أن يعضلوا النساء.\nكان مقتضى الظاهر أن يقال: (ذلكم يوعظ به)، لأنه يخاطب الجماعة، وإنما قال: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ لكثرة جري ذلك على ألسن العرب في منطقها وكلامها، حتى صارت الكاف بمنزلة حرف من حروف الكلمة. أي ما ذكرته من نهي الأولياء عن عضل النساء عظة مني لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ من أدناس الآثام. وقيل: أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ: أفضل وأطيب، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما في ذلك من الزكاة والطّهر وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.\nقال الله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) لما ذكر الله الطلاق، وبيّن أن به الفراق، ولما كانت المطلّقات قد يكون لهن أولاد رضّع، وربما ضاعوا بين كراهة الأزواج وعنت المطلقات، احتاط الله للأولاد فأوصى بهم الوالدات، فجعلهنّ يرضعنهنّ حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وجعل على الآباء كسوة الوالدات ونفقتهنّ مدّة الرضاع بالمعروف لا يكلف الآباء إلا وسعهم، ونهى أن تضارّ الوالدة الوالد بسبب ولدها، وهو أن تعنته به، وتطلب منه ما ليس من النفقة والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبيّ: اطلب له ظئرا «١»، وما إلى ذلك.\nونهى أيضا أن يضارّ الوالد الوالدة بسبب ولده، وذلك أن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، وأن يأخذه منها، وهي تريد إرضاعه، وأن يكرهها على الإرضاع.\nواحتاط، فجعل أقرباء الصبي يقومون مقام الوالد عند فقد الوالد في العناية بشأن الصبي.\nثم بيّن أنّ الوالدين إن أرادا فطام الصبي قبل العامين عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما، بعد أن يكون ذلك نظرا لمصلحة الصبي. ثم أجاز أن يسترضعوا أولادهم المرضعات، ولما كانت حالة الفراق مع وجود الأولاد الرضّع حالة يكثر فيها النزاع والشقاق، أمر بتقوى الله، وأعلمهم أنّ الله بصير بما يعملون، فيجازيهم عليهم.\nوهذا كله نظر من الله للصبيّ، لأنه عاجز عن تحصيل النفع لنفسه، ودفع الضرر عنها. وهذا من تمام لطف الله ورحمته، وقد اخترنا أن تكون الوالدات مرادا بهن\n_________\n(١) العاطفة على غير ولدها أو المرضعة غير ولدها، انظر لسان العرب لابن منظور (٤/ ٥١٤) .","vol":"1","page":162},{"text":"المطلقات، لأن الله قال: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ ولو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بالزوجية لا بالرضاع، وأيضا فهذه الآية ذكرت عقب آيات الطلاق، فهي من تتمتها.\nوذكر بعضهم أن المراد بالوالدات كل والدة مطلّقة أو زوجة، وقد تعلّق بعموم اللفظ، وذهب الواحديّ إلى أن المراد بهنّ الزوجات، لأنّه جعل لهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ، ولو كنّ مطلقات لكان لهن أجرة.\nواختلف العلماء في قوله: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ أذلك حقّ لها أم حقّ عليها؟\nوالآية محتملة.\nوذهب مالك إلى أنه حقّ عليها إذا كانت زوجة أو إذا لم يقبل الصبي ثدي غيرها، أو إذا عدم الأب، واستثنوا من ذلك الشريفة، فلم يجعلوه حقا عليها، فكأنهنّ فهموا من الوالدات كلّ والدة زوجة أو غيرها، وجعلوه حقا عليها، واستثنوا من ذلك الشريفة بالعرف.\nوذهب كثير إلى أن ذلك مندوب، إلا عند الضرورة، إلا أن يقبل غيرها، بدليل قوله تعالى في آية أخرى: وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى [الطلاق: ٦] وإنما ندب ذلك، لأن لبن الأم أصلح للطفل، وشفقة الأم عليه أكثر.\nوالحول: من حال الشيء يحول: إذا انقلب، فالحول من الوقت الأول إلى الثاني، وإنّما قال الله: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لئلا يتوهّم أنّه أراد حولا وبعض الثاني، فقد يقولون يومين، وهم يريدون ذلك توسّعا والمقصود من تحديد مدّة الرضاع بحولين كاملين ليس وجوب ذلك، لأنه قال: فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وإنّما المقصود بيان المدة التي يرجعان إليها عند الاختلاف.\nوقد أخذ الشافعيّ وأحمد من ذلك أن مدّة الرضاع التي يحرّم الرضاع فيها هي حولان. فالرضاع ما لم يقع فيهما لا يحرّم.\nوذهب أبو حنيفة «١» إلى أن مدة الرضاع ثلاثون شهرا، وقال زفر: ثلاث سنين، وذهب المالكية إلى أن ذلك كله تحكّم، وأن الصحيح أن ما قرب من زمن الفطام عرفا لحق به، وما بعد عنه خرج عنه، من غير تقدير. فلم يعتبروا هم ولا الحنفية أنّ الآية جاءت لتحديد مدة الرضاع المحرّم.\nوَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي على قدر حال الأب من السّعة والضيق،\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ٢٤٣) .","vol":"1","page":163},{"text":"كما قال تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [الطلاق: ٧] وأخذ من ذلك وجوب نفقة الولد على الوالد، لأنّ الله أوجب نفقة المطلّقة على الوالد في زمن الرضاع لأجل الولد، وإنما وجبت لضعف الولد واحتياجه، والوالد أقرب الناس إليه.\nلا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ يحتمل أن يكون كلا الفعلين مبنيا للفاعل، ومبنيا للمفعول، والمعنى قريب بعضه من بعض وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ المراد بالوارث وارث الأب، وعليه مثل ذلك من رزقهن وكسوتهن وترك الضرار، وفي ذلك دليل على أنّ أقارب الصبي تجب عليهم نفقته عند عدم الوالد، وهو أصل في وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مذهب أبي حنيفة.\nأما مالك والشافعيّ، فيريان أنّ نفقة الولد على أبيه، فإن مات، ففي مال الصبي إن كان له مال، وإلا فعلى الأم، وليسا يوجبان نفقة إلا على الوالدين، والآية ترد عليهما. إلا أن يحمل وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ على ترك الإضرار فقط، أو يريدان من الوارث الولد نفسه، وقد ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما.\nالفصل: الفطام، وسمي بذلك لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات.\nالتّشاور: استجماع الرأي، وقد أجاز الله أن يفطم الصبيّ قبل الحولين إن اتفقا على ذلك، وشاورا أهل المعرفة فيه، ولم يكن في ذلك ضرر بالصبي وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ.\nاسترضع: قال الزمخشري: فعل، من أرضع. يقال أرضعت المرأة الصبيّ واسترضعتها الصبيّ. فتعديه إلى مفعولين كما تقول: أنجح الحاجة. واستنجحه الحاجة.\nوالمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم، حذف أحد المفعولين، للاستغناء عنه:\nكما نقول: استنجحت الحاجة، ولا تذكر من استنجحته، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن أحدهما عبارة عن الأول. وقد أجاز الله أن يسترضع الآباء المراضع أولادهم.\nوهذا عند أبي حنيفة لخوف الضيعة على الولد عند الأم، والتقصير أو الإضرار بالوالد في اشتغال الأم عن حقه بولدها، أو الإضرار بالولد في الغيل ونحوه. فإن اختلفوا- نظر للصبيّ: فإن أوجب أن يسترضع له استرضع.\nوقوله: إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي ما أردتم إيتاءه، وليس هذا شرطا لجواز الاسترضاع، وإنما هو ندب إلى الأولى، لتكون المرضع طيبة النفس راضية، فيعود ذلك على الصبي بالنفع. وبقوله: بِالْمَعْرُوفِ متعلق بسلمتم: أمروا بأن يكونوا عند","vol":"1","page":164},{"text":"تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، حتى يؤمن تفريطهنّ.\nقال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)\nذكر وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وترك الخبر عنهم إلى الخبر عن أزواجهم، فقال:\nيَتَرَبَّصْنَ وقد اختلف في توجيه ذلك، فذهب ابن جرير «١» إلى أن ذلك جائز، لأنه لم يقصد الخبر عنهم، وإنما يقصد الخبر عن الواجب على المعتدّات، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم إلى أزواجهن كقول الشاعر:\nلعلّي إن مالت بي الرّيح ميلة ... على ابن أبي زيّان أن يتندّما\nفقال: لعلي، ثم صرف الخبر عن نفسه إلى ابن أبي زيان فقال: أن يتندما.\nوقال الزمخشري: إنه حذف المضاف، والأصل: وزوجات الذين يتوفون منكم يتربصن، أو أراد يتربصن بعدهم، كقولهم: السمن منوان بدرهم. أي منه، وقال:\nوَعَشْرًا والمراد: الأيام، ذهابا إلى الليالي، والأيام داخلة، قال الزمخشري: ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام. تقول: صمت عشرا. ولو ذكرت خرجت من كلامهم: ومن البين فيه قوله تعالى: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا [طه: ١٠٣] ثم إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا [طه: ١٠٤] بيّن الله هنا عدّة المتوفى عنها زوجها، وهي تربّص أربعة أشهر وعشر، إلا أن تكون حاملا، فعدتها وضع حملها، كما قال تعالى:\nوَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] فآية الحمل مخصّصة لهذه الآية.\nوقد اختلف العلماء في الذي يتربّص عنه هذه المدة، فقال بعضهم: يتربصن عن النكاح، والطيب والزينة والنقلة من المسكن الذي كن يسكنّه مع أزواجهن.\nأخرج ابن جرير «٢» عن أم سلمة أنّ امرأة توفي عنها زوجها، واشتكت عينها، فأتت النبيّ ﷺ تستفتيه في الكحل، فقال: «لقد كانت إحداكنّ تكون في الجاهلية في شرّ أحلاسها فتمكث في بيتها حولا إذا توفّي عنها زوجها، فيمرّ عليها الكلب فترميه بالبعرة، أفلا أربعة أشهر وعشرا» .\nوروي عن حفصة بنت عمر زوج النبي ﷺ تحدّث عن النبي قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ فوق ثلاث إلا على زوج، فإنّها تحدّ عليه أربعة أشهر وعشرا» «٣» .\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٣١٦) .\n(٢) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٣١٧) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح كتاب الطلاق حديث رقم (١٤٩٠) .","vol":"1","page":165},{"text":"قال يحيى: والإحداد عندنا ألا تتطيب، ولا تلبس ثوبا مصبوغا بورس ولا زعفران، ولا تكتحل ولا تتزيّن.\nوأخرج ابن جرير «١» عن الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت، قتل زوجي وأنا في داره، فاستأذنت رسول الله في النّقلة فأذن لي، ثم ناداني بعد أن توليت، فرجعت إليه فقال: «يا فريعة حتّى يبلغ الكتاب أجله» .\nفحجتهم أن الله ذكر التربص، والرسول بيّن ما يتربّص عنه.\nوقال آخرون: إنما عدّة المتوفى عنها زوجها أن تتربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والنقلة من المنزل، فلم تنه عن ذلك. واحتجوا بما\nروي عن أسماء بنت عميس قالت: لمّا أصيب جعفر قال لي رسول الله ﷺ: «تسلّبي ثلاثا. ثم اصنعي ما شئت» «٢»\nوليس في هذا الحديث حجة لهم، إذ يحتمل أن يكون أمرها بالتسلّب ثلاثا، ثم لبس ما شاءت من الثياب التي يجوز للمعتدّة لبسها، مما لم يكن زينة ولا تطيبا، لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب.\nوالحكمة في هذه العدة استبراء الرّحم من ماء الزوج المتوفّى، فمنع نكاح المعتدّة حتى تمضي مدة تتبيّن فيها: أحامل هي، فيلحق ولدها بالزّوج المتوفى؟ أو حائل، فإذا تزوّجت وولدت، ألحق الولد بالزّوج الثاني؟\nومنعت الطّيب والزينة لأنّها من دواعيه والذرائع إليه ومنعت الخروج من البيت الذي كانت تسكنه، لأن هذه الرقابة أدعى إلى الصيانة، ومنع العقد عليها، والخطبة في العدة، لأنّ ذلك ذريعة، ورخّص في التعريض فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي: فإذا انقضت عدّتهنّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأولياء فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من اختيار الأزواج، وتقدير الصداق، وقوله:\nبِالْمَعْرُوفِ معناه على ما أذن الله لهنّ فيه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيعلم من يعضل النساء فيجازيه.\nقال الله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان (٢/ ٣١٩)، ورواه أبو داود في السنن (٢/ ٢٧٣)، كتاب الطلاق باب المتوفى عنها حديث رقم (٢٣٠٠)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٥٠١)، كتاب الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها حديث رقم (٣٥٢٨)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٥٠٨)، كتاب الطلاق باب أين تعتد حديث رقم (١٢٠٤) وابن ماجه في السنن (١/ ٦٥٤)، كتاب الطلاق حديث رقم (٢٠٣١) .\n(٢) رواه الطبري في تفسيره جامع البيان في تفسير القرآن (٢/ ٣١٨) .","vol":"1","page":166},{"text":"عَرَّضْتُمْ التعريض: هو القول المفهم للمقصود، وليس بنص فيه.\nأَكْنَنْتُمْ سترتم.\nسِرًّا السرّ: الوطء، قال الأعشى:\nولا تقربنّ جارة إنّ سرّها ... عليك حرام فانكحن أو تأبّدا\nمنع الله من خطبة المرأة صريحا في العدة، وأجاز التعريض بالخطبة لها أو لوليها في العدة، كأن يقول: إنك لجميلة، أو عسى أن ييسرّ الله لي امرأة صالحة، أو نحو ذلك، حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرّح بالخطبة.\nأخرج ابن جرير «١» عن سكينة بنت حنظلة بن عبد الله بن حنظلة قالت: دخل علي أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدتي، فقال: يا ابنة حنظلة أنا من علمت قرابتي من رسول الله ﷺ، وحق جدي عليّ، وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر! أتخطبني في عدتي، وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أو قد فعلت؟ إنما أخبرتك بقرابتي برسول الله ﷺ وموضعي، قد دخل رسول الله ﷺ على أمّ سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفّي عنها، فلم يزل رسول الله ﷺ يذكر لها منزلته من الله، وهو متحامل على يده حتى أثّر الحصير في يده من شدة تحامله على يده، فما كانت تلك خطبة.\nأَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أي سترتم، وأضمرتم في أنفسكم فلم تذكروه تصريحا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ فاذكروهن، ولكن لا تواعدوهنّ سرّا، اختار ابن جرير «٢» أن السر هنا هو الزنى، فالمعنى لا توعدوهنّ فاحشة، وقيل: إنّ المراد به العقد، والسرّ في الأصل يطلق على الوطء، فأطلق على العقد الذي هو سببه.\nإِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا بالتعريض دون التصريح، أي: لا تواعدوهنّ إلا لتقولوا قولا معروفا، أي: لا تواعدوهنّ إلا بالتعريض.\nوَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ نهى عن العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح، لأنه إذا نهى عن العزم على العقد، كان عن العقد أشدّ نهيا، وقيل:\nمعناه لا تقطعوا عقد عقدة النكاح، لأنّ العزم القطع حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ أي المكتوب والمفروض من العدّة.\nوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم على ما لا يجوز فَاحْذَرُوهُ بالكفّ\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٣٢٢) .\n(٢) المرجع نفسه (٢/ ٣٢٥) .","vol":"1","page":167},{"text":"عن ذلك وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ فلا يعجّل العقوبة، فلا تغترّوا بإمهاله.\nوإذا عقد عليها في العدة، وبنى بها، فسخ النكاح، لنهي الله عنه، وتأبد تحريمها عليه، فلا يحلّ نكاحها أبدا عند مالك وأحمد والشافعي وبه قضى عمر، لأنه استحل ما لا يحلّ، فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه ميراث من قتله.\nوقال غيرهم: يفسخ النكاح، فإذا خرجت من العدة كان خاطبا من الخطاب، ولم يتأبدّ التحريم، لأنّ الأصل أنها لا تحرم، إلا أن يقوم دليل على الحرمة من كتاب أو سنة أو إجماع من الأمة، وليس في المسألة شيء من هذا، ورأي الصحابيّ ليس حجة، وهناك إنكار من عليّ على عمر في هذا القضاء، وروي أنّ عمر رجع عنه.\nقال الله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) المس هنا كناية عن الجماع أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً الفرض في اللغة التقدير، والمراد: أو تقدروا لها مقدارا من المهر يوجبه على نفسه.\nوظاهر الآية يفيد أنّ رفع الجناح مشروط بعدم المسيس، وهو مشكل عند الفقهاء، لأنّه لا جناح عليه في الطلاق بعد المسيس أيضا، ولذلك أجابوا بجملة أجوبة ليس منها التزام هذا الحكم، وأقرب هذه الأجوية أن المراد: لا تبعة عليكم من إيجاب مهر إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ، ولا شك أنّ رفع المهر عنه مشروط بعدم المسيس، وعدم فرض مهر لها.\nقالوا: والدليل على أن الجناح هنا تبعة المهر قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ فأوجب نصف المهر في مقابله، وقوله: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً بمعنى إلا أن تفرضوا، أو حتّى تفرضوا، وقال بعضهم:\nإن (أو) بمعنى الواو، وبالجملة فإنّ الآية رفعت المهر عمّن طلّق قبل الدخول وقبل:\nتسمية المهر، وطلبت المتعة لها.\nوَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ وأعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على أقداركم، ومنازلكم من الغنى والإقتار.\nوالموسع: الذي له سعة.\nوالمقتر: الضيق الحال.\nوقدره: مقداره الذي يطيقه، وكان ابن عباس يقول: متعة الطلاق أعلاها الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة.\nوقد اختلف في هذه المتعة المطلوبة للمطلّقة قبل المسيس وقبل الفرض: أواجبة","vol":"1","page":168},{"text":"هي أم غير واجبة؟ فذهب قوم منهم أبو حنيفة «١» إلى أنها واجبة، لظاهر قوله:\nوَمَتِّعُوهُنَّ، وقوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ.\nوذهب مالك إلى أنها مستحبة، لأنّ الله قال: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، ولو كانت واجبة لكانت حقا على الخلق أجمعين، والظاهر القول بالوجوب لظاهر الأمر، وكأنّ الله جعل لها المتعة في مقابل ما جعل للمسمّى لها من نصف الصّداق، وأما قوله:\nحَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ فليبيّن أن مقتضى الإحسان يوجب ذلك.\nمَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ مصدر مؤكّد لمتعوهنّ، أي متعوهن تمتيعا بالمعروف بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ حقّ ذلك حقا على المحسنين.\nقال الله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) هذا هو القسم الثاني، لأنّ المطلقة قبل المسيس: إما أن لا يكون قد فرض لها مهر، أو يكون قد فرض.\nالأولى: لم يجعل الله لها شيئا من المهر، وجعل لها المتعة.\nوالثانية: جعل لها نصف الصّداق.\nوقد بقيت المطلّقة بعد الدخول، وهذه فيها قسمان، لأنها: إما أن يكون قد سمّي لها مهر، أو لا يكون، وللأولى جميع المسمّى، وللثانية مهر مثلها.\nوقوله: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أي المطلقات أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ أي الولي، وقيل: هو الزوج ويكون المعنى على المعنى الأول إلا أن تسقط المطلقات ما وجب لهن من نصف الصداق، إن كنّ مالكات لأنفسهن، أو يسقط الولي إن لم يكنّ كذلك: وذلك الأب في ابنته البكر، أو السيد في أمته، وعلى الثاني إلا أن تعفو المطلقات، أو يعفو الزوج عن نصف الصّداق فيجعل المهر كله لها.\nوإلى الأوّل ذهب ابن عباس والحسن وعكرمة وطاوس وعطاء وزيد بن أسلم وربيعة وهو مذهب مالك.\nوإلى الثاني ذهب علي، وشريح «٢» وسعيد بن المسيب وجبير بن مطعم ومجاهد والثوري. واختاره أبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه.\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ٢٢٢) .\n(٢) شريح بن الحارث بن قيس الكندي، كان قاضيا في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية، كان ثقة في الحديث، مات بالكوفة سنة (٧٨ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٣/ ١٦١) . [.....]","vol":"1","page":169},{"text":"وحجة القائلين بأنه الزوج أنّ الله قال: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ وليس إعطاء المرء مال غيره فضلا، فلا ينطبق على الولي.\nوحجة من قال: إنه الولي، أنّ الخطاب في أول الآية للأزواج، فلو أراد الزوج لقال: أن يعفو، ولا موجب لمخالفة مقتضى الظاهر. وثانيا: أن يَعْفُونَ بمعنى يسقطن، والثاني أن يَعْفُوَا الثانية بمعنى يسقط أيضا، ولا يكون كذلك إلا إذا كان الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، أما إذا كان هو الزوج فيكون بمعنى يعطي.\nومذهب أبي حنيفة، وأحمد أن المهر جميعه يتقرّر بالخلوة الصحيحة، ومشهور مذهب مالك أنه لا يتقرر المهر بالخلوة، إلا إذا اقترن بها مسيس، وظاهر القرآن يعضده.\nويؤخذ من تقسيم الله المطلقة إلى قسمين- مطلقة لم يفرض لها، ومطلقة فرض لها- أن نكاح التفويض جائز، وهو كل نكاح عقد من غير ذكر الصّداق، ولا خلاف فيه.\nويفرض بعد ذلك الصّداق، فإن فرض بعد العقد وقبل الطلاق فهل تكون من المسمّى لها فيكون لها نصف المسمّى. أو ممن لم يسمّ لها فلا يكون لها النصف؟ ذهب مالك ألى الأول. فألحق من سمّي لها بعد العقد بمن سمّي لها في العقد.\nوذهب أبو حنيفة إلى الثاني نظرا إلى أنها لم يسمّ لها في العقد.\nوإذا مات الزوج قبل أن يفرض لها: أفيكون حكمها حكم المطلقة، فلا صداق لها؟ أم لا يكون، فيكون لها الصداق؟ ذهب مالك إلى الأول، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى الثاني.\nوحجة مالك أنّه فراق في نكاح قبل الفرض، فلم يجب فيه صداق أصله الطلاق.\nوحجة الشافعي وأبي حنيفة ما\nرواه النسائي وأبو داود أنّ النبي ﷺ قضى في بروع بنت واشق وقد مات زوجها قبل أن يفرض لها بالمهر والميراث والعدة «١» .\nوَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ قيل: المخاطبون بذلك الأزواج والزوجات جميعا، أي: وأن تعفوا- أيها الناس- بعضكم عما وجب له قبل حاجته من الصداق أقرب له إلى تقوى الله، وقيل: المخاطبون بذلك الأزواج خاصّة، فتكون الآية انتظمت عفو الزوجات، والولي، والزوج وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ولا تغفلوا أيها الناس التفضل بينكم فتتركوه وتستقصوا إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيعلم من عفا وعامل بالإحسان، ومن لم يفعل ذلك، ويحصيه. ويجازي عليه.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٢٠٢)، كتاب النكاح، باب فيمن تزوج حديث رقم (٢١١٤)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٤٣٠)، كتاب النكاح حديث رقم (٣٣٥٤)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٤٥٠)، كتاب النكاح باب تزوج المرأة حديث رقم (١١٤٥)، وابن ماجه في السنن (١/ ٦٠٩)، ٤٥٠)، كتاب النكاح باب تزوج المرأة حديث رقم (١١٤٥)، وابن ماجه في السنن (١/ ٦٠٩)، كتاب النكاح باب الرجل يتزوج حديث رقم (١٨٩١) .","vol":"1","page":170},{"text":"قال الله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) حافِظُوا المحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة، ومعنى المحافظة على الصلوات المواظبة عليها، وعدم تضييعها. وَالصَّلاةِ الْوُسْطى الوسطى من الوسط، وهو العدل والخيار والفضل وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا أي خيارا وعدولا، فالصلاة الوسطى أي الفضلى، ويحتمل أنها وسط في العدد. لأنّها خمس صلوات، تكتنفها اثنتان من كل جهة، وقيل: إنها وسط من الوقت.\nروى القاسم عن مالك أنّ الصبح هي الوسطى لأن الظهر والعصر في النهار، والمغرب والعشاء في الليل، والصبح فيما بين ذلك. وقد اختلف في الصلاة الوسطى: ما هي؟ على سبعة أقوال: فما من صلاة إلا قيل إنها الوسطى، فتلك خمسة. وقيل: إنها الجمعة، وقيل: إنها غير معروفة. وقد أبهمها الله ليحافظ على الصلوات كلّها طلبا للصلاة الوسطى، وهذا هو الظاهر. وكل دليل قام على تعيينها لا يخلو من ضعف «١» .\nوالصلاة الوسطى داخلة في الصلوات. وإنما خصّها بالذكر تنبيها على شرفها في جنسها، كما قال تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) .\nوَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ قال ابن عباس: القنوت الطاعة، وقال ابن عمر: هو القيام، واستدل عليه\nبقوله ﷺ: «أفضل الصلاة طول القنوت» «٢»\nقال مجاهد: إنّه السكوت.\nوفي «الصحيح» «٣» قال زيد بن أرقم: كنا نتكلّم في الصلاة حتى نزلت هذه الآية وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فأمرنا بالسكوت. وقيل: هو الخشوع، والصحيح ما قاله مجاهد، بدليل ما رواه زيد، ويبعد جدا أن يراد به القيام هنا لأنه لا يصحّ (وقوموا لله قائمين) .\nوإذا كان المراد بالقنوت السكوت هنا كانت الآية آمرة بالسكوت في الصلاة، وقد ذكرت المالكية أنّ من تكلّم في الصلاة، إما أن يكون ساهيا أو عامدا، والعامد: إما أن يتكلّم لإصلاحها، أو عبثا، وقالوا: إنّ من تكلّم ساهيا لا تبطل صلاته، لأنّ السهو لا يدخل تحت التكليف، ومن تكلّم لإصلاحها لا تبطل صلاته خلافا للشافعية والحنابلة.\n_________\n(١) لكن ورد في الصحيح كما رواه مسلم في صحيحه (١/ ٤٣٧)، ٥- كتاب المساجد، ٣٦- باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر حديث رقم (٢٠٦/ ٦٢٨) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٥٢٠)، ٦- كتاب صلاة المسافرين، ٢٢- باب أفضل الصلاة حديث رقم (١٦٤/ ٧٥٦) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ١٩١)، ٦٥- كتاب تفسير القرآن، ٤٣- باب قوله: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ حديث رقم (٤٥٣٤) .","vol":"1","page":171},{"text":"واستدل المالكية بقصة ذي اليدين «١» وهي\nأنّ رسول الله ﷺ سلّم من ركعتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: «كل ذلك لم يكن» فقال: بل بعض ذلك قد كان- فقال النبي: «أصحيح ما يقول ذو اليدين» قالوا: نعم.\nوأما إذا تكلم عابثا فتبطل صلاته.\nقال الله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) فَرِجالًا جمع راجل، وهو خلاف الراكب، كقائم وقيام، أو جمع رجل، يقال: رجل رجل، أي راجل.\nالمعنى: فإن كان بكم خوف من عدوّ أو غيره فصلوا رجالا أو ركبانا فَإِذا أَمِنْتُمْ أي زال الخوف عنكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ من صلاة الآمن، أو فإذا أمنتم فاذكروا الله واعبدوه كما أحسن إليكم بما علّمكم من الشرائع ما لم تكونوا تعلمون.\nوهذه الآية دلّت بظاهرها على جواز الصلاة حال القتال، راجلا أو راكبا ولا تبطل بالقتال، ويسقط استقبال القبلة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة إلى أن الصلاة تبطل بالقتال، وظاهر الآية حجة عليه. وقد أيد ما روي في «الصحيح» «٢» عن ابن عمر حال الخوف «فإن كان خوف هو أشدّ من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها.\nقال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) قرئ برفع الوصية ونصبها، فالرّفع على أنه مرفوع بفعل محذوف تقديره: كتبت والنصب على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره. كتب، و(متاعا) نصب بالوصية، و(غير إخراج) نعت متاعا.\nأخرج ابن جرير «٣» عن همّام بن يحيى قال: سألت قتادة عن قوله:\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ٨٣)، ٢٢- كتاب السهو، ٥- باب يكبر في سجدتي السهو حديث رقم (١٢٢٩)، ومسلم في الصحيح (١/ ٤٠٣)، ٥- كتاب المساجد، ١٩- باب السهو حديث رقم (٩٧/ ٥٧٣) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ١٩١)، ٦٥- كتاب التفسير، ٤٤- باب فَإِنْ خِفْتُمْ حديث رقم (٤٥٣٥) .\n(٣) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٣٦٠) .","vol":"1","page":172},{"text":"وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فقال: كانت المرأة إذا توفّي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولا في مال زوجها، ما لم تخرج. ثم نسخ ذلك بعد في سورة النساء، فجعل لها فريضة معلومة: الثمن إن كان له ولد، والربع إن لم يكن له ولد، وعدتها أربعة أشهر وعشرا، فقال تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الحول. وذهب بعضهم إلى أن هذه الآية ثابتة الحكم لم ينسخ منها شيء.\nروى ابن جرير «١» عن مجاهد في قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا قال: كانت هذه للمعتدة، تعتدّ عند أهل زوجها واجبا ذلك عليها، فأنزل الله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ إلى قوله: مِنْ مَعْرُوفٍ قال: جعل الله لهم تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت. وهو قول الله تعالى ذكره: غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ قال والعدة كما هي واجبة.\nوقد ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجب لها السكن في مال زوجها، وتعتد حيث شاءت.\nوذهب مالك إلى أن السكنى مدة العدة واجبة لها، لما يثبته حديث الفريعة المتقدم.\nفَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ما يفعلنه بأنفسهن من التزيّن للخطّاب من معروف لا ينكره الشرع وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٤٠] .\nوَاللَّهُ عَزِيزٌ في انتقامه ممّن خالف أمره ونهيه ال حَكِيمٌ في قضاياه التي شرعها لكم.\nقال الله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) ذهب سعيد بن جبير إلى أنّ هذه الآية أثبتت المتعة لكل مطلّقة، سواء أكانت مدخولا بها، أو لم تكن مدخولا بها؟ فيكون قد ذكر أولا المتعة، وأثبتها لمن طلّقت قبل المسيس، وعمّ هنا المتعة لكلّ مطلقة، وقال ابن زيد: لما نزل قوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ قال رجل: فإن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) «٢» .\nفتكون هذه الآية فيمن طلّقت قبل المسيس، ولم تعط حكما زائدا. وقيل:\nالمراد بالمتعة متعة العدة.\n_________\n(١) المرجع نفسه (٢/ ٦٣) .\n(٢) رواه الطبري في تفسيره جامع البيان في تفسير القرآن (٢/ ٣٦٤) .","vol":"1","page":173},{"text":"قال الله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) كما بينت لكم ما لكم على أزواجكم، وما لأزواجكم عليكم، كذلك أبيّن لكم سائر الأحكام، لتعقلوا حدودي وفرائضي، وتعلموا ما فيه الصلاح لكم من الأحكام.\nإنّ بعض الأزواج يطلّقون نساءهم ظلما منهم، أو مللا وسآمة، ولا يبالون بما يصيب المرأة من ضرر بهذا الطلاق، فتذهب أزواجهنّ إلى المحاكم الشرعية بمصر، يطلبن تعويضا، فلا تحكم لهنّ به، فيلجأن إلى المحاكم الأهلية فتحكم لهنّ بالتعويض، فلو أخذ بمذهب سعيد بن جبير في إثبات المتعة لكلّ مطلقة، ويكون بقدر حال الزوج من عسر ويسر، لكان في ذلك تعويض للمرأة عمّا فاتها بالطلاق من جهة، وتقليل للطلاق من جهة أخرى. لأنّ الزوج قد يكفّ عن الطلاق إذا علم أنّ وراءه متعة يغرّمها للزوجة.\nقال الله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)\nلا يَقُومُونَ أكثر المفسرين على أن المراد: القيام يوم القيامة، وقال بعضهم:\nالمراد القيام من القبر، والظاهر شموله للأمرين.\nيَتَخَبَّطُهُ التخبط الضرب على غير استواء، وتخبّطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون.\nمِنَ الْمَسِّ المراد به الجنون، وأصل المس إلصاق اليد، ثم سمّي الجنون مسا، لأنّ الشيطان إذا مسه بيده اعتداء عليه أفقده أعظم قواه، وهو العقل.\nيَمْحَقُ المحق نقصان الشيء حالا بعد حال، ومنه المحاق في الهلال.\nالرِّبا في اللغة الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو: أي يزيد، وفي الشريعة هو:\nفضل مال دون عوض، في معاوضة مال بمال.\nوالربا قسمان: ربا النسيئة، وربا الفضل.\nفربا النسيئة: هو الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية، لا يعرفون غيره، وهو أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كلّ شهر قدرا معينا، فإذا حلّ الأجل طولب المدين برأس المال كاملا، فإن تعذّر الأداء زادوا في الحق والأجل.\nوربا الفضل أن يباع من الحنطة منّا بمنوين منها، أو درهما بدرهمين، أو دينارا بدينارين، أو رطلا من العسل برطلين.","vol":"1","page":174},{"text":"وقد كان ابن عباس ﵄ لا يحرّم إلا القسم الأول، وكان يجوّز ربا الفضل، اعتمادا على ما\nروي أن النبي ﷺ قال: «إنما الرّبا في النّسيئة» «١»\nولكن لما تواتر عنده الخبر بأن\nالنبيّ ﷺ قال: «الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، يدا بيد»\nوذكر الأصناف الستة كما رواه عبادة بن الصامت وغيره، رجع عن قوله. وأما\nقوله ﵊: «إنما الربا في النسيئة»\nفمحمول على اختلاف الجنس، فإنّ النسيئة حينئذ تحرم، ويباح التفاضل، كبيع الحنطة بالشعير: تحرم فيه النسيئة، ويباح التفاضل. ولذلك وقع الاتفاق على تحريم الربا في القسمين:\nأما الأول: فقد ثبت تحريمه بالقرآن.\nوأما الثاني: فقد ثبت تحريمه بالخبر الصحيح «٢»: كما\nروي عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد»\nواشتهرت روايته هذه حتّى كانت مسلّمة عند الجميع.\nثم اختلف العلماء بعد ذلك، فقال نفاة القياس: إنّ الحرمة مقصورة على هذه الأشياء الستة.\nوقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء: إنّ الحرمة غير مقصورة على هذه الأشياء الستة، بل تتعداها إلى غيرها، وإنّ الحرمة ثبتت في هذه الستة لعلّة، فتتعدى الحرمة إلى كل ما توجد فيه العلّة.\nثم اختلفوا في هذه العلة، فقال الحنفية «٣»: إنّ العلة هي اتحاد هذه الأشياء الستة في الجنس والقدر، أي الكيل والوزن، فمتى اتّحد البدلان في الجنس والقدر، حرم الربا بقسميه، كبيع الحنطة بالحنطة، وإذا عدما معا حلّ التفاضل والنسيئة: كبيع الحنطة بالدراهم إلى أجل، وإذا عدم القدر، واتحد الجنس حلّ الفضل دون النسيئة:\nكبيع عبد بعبدين، وإذا عدم الجنس واتحد القدر حلّ الفضل دون النسيئة أيضا: كبيع الحنطة بالشعير.\nوقال المالكية: إنّ العلّة هي اتحاد الجنس مع الاقتيات، أو ما يصلح به الاقتيات.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٢١٨)، ٢٢- كتاب المساقاة، ١٨- باب بيع الطعام حديث رقم (١٠٢/ ١٥٩٦) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٢١٠)، ٢٢- كتاب المساقاة، ١٥- باب العرف وبيع الذهب حديث رقم (٨٠/ ١٥٨٧) .\n(٣) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (٣- ٤/ ٦٧) .","vol":"1","page":175},{"text":"وقال الشافعية: إنّ العلة في الذهب والفضة هي اتحاد الجنس مع الثمنيّة. وفي الأشياء الأربعة الباقية اتحاد الجنس مع الطعم، والتفاصيل في أمر الربا تعلم من كتب الفقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>سبب تحريم الربا</span>\n١- إنّه يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض، وهو شنيع ممنوع، لأنّ المال شقيق الروح، فكما يحرم إزهاق الروح من غير حقّ، يحرم أخذ المال من غير حق.\n٢- إنّه يفضي إلى امتناع الناس عن تحمّل المشاقّ في الكسب والتجارة والصناعة، وهو يؤدي إلى انقطاع مصالح الخلق.\n٣- إنّه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض الحسن، ويمكّن الغني من أخذ مال الفقير الضعيف من غير مقابل، وهو لا يجوز برحمة الرحيم.\nولا وجه للتمسك بما يقال: إن رأس المال لو بقي في يد صاحبه لاستفاد منه ربحا بسبب التجارة فيه، فما تركه في يد المدين لم يكن هناك بأس في أن يدفع إلى ربّ المال مالا زائدا عوضا عن انتفاعه بماله، لأنّه يمكن دفعه بأن الذي يذكرونه أمر موهوم، قد يحصل وقد لا يحصل، والمال الزائد ملك للفقير على وجه اليقين، فتفويت المتيقّن لأمر موهوم إضرار بالضعيف، وهو لا يجوز.\nالمعنى: الذين يأخذون الربا ويقتطعونه من أموال الناس بغير حق لا يقومون من القبور يوم القيامة إلا قياما كقيام الشخص الذي يضربه الشيطان على غير اعتدال، بسبب المسّ، أي الجنون الذي أصابه، وهذا التمثيل وارد على ما يزعم العرب من أنّ الشيطان يخبط الإنسان فيصرعه، ويمسّه يختلط عقله، وذلك السوء الذي يعتريهم عند قيامهم بسبب أنهم تعاملوا بالربا، وبالغوا في استباحته حتى قالوا: إنما البيع مثل الربا، قد اعتبروا الربا أصلا في الإباحة يقاس عليه البيع: فيجوز بيع درهم بدرهمين، كما يجوز بيع ما قيمته درهم بدر همين، مع وضوح الفرق بينهما، فإنّ أحد الدرهمين في الأول ضائع حتما، والثاني منجبر بالاحتياج إلى السلعة، أو يتوقّع رواجها.\nوَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا لما في الأول من وجوه الجابر، وفي الثاني: من الإضرار المحتّم.\nفَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي تذكرة يذكّره فيها بحكمه تعالى فاتعظ بلا تراخ، واتبع النهي الوارد، فله ما تعامل به فيما سلف، ولا يستردّ منه، وأمر جزائه موكول إلى الله.\nوَمَنْ عادَ إلى استحلاله فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ماكثون أبدا.","vol":"1","page":176},{"text":"يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ بالغ الله تعالى- في هذه الآية- في الزجر عن الربا، وكان قد بالغ في الآيات السابقة في الأمر بالصدقات، وكان النّاس يرون بحسب الظاهر أن الربا يوجب زيادة الخيرات، وأنّ الصدقات توجب نقصان الخيرات، فأراد ﷾ أن يدفع هذه الشبهة، وبيّن أنه تعالى كفيل بعكس ذلك، وأنّ الربا وإن كان زيادة في المال ظاهرا، إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأنّ الصدقات وإن كانت نقصانا في المال إلا أنها زيادة في المعنى، فاللائق بالمسلم أن يعوّل على ما ندبه إليه الشارع، فإنّه بذلك يضمن خيري الدنيا والآخرة، وهو المشار إليه بقوله تعالى:\nيَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ.\nوإرباء الصدقات يكون في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلما يأتي:\nأولا: يزداد جاهه وذكره الجميل، وميل القلوب إليه، واطمئنان النفوس إليه، وفي ذلك من أسباب تيسير أموره ما يشهد به كلّ خبير.\nثانيا: إنّ محبة الناس له تجرّ إلى معاونته في كثير من معاملاته. وقضاء مصالحه، فتفتح له أبواب الخيرات، وتتسع أرزاقه.\nثالثا: من كان لله كان الله له.\nوقد روي في الحديث الشريف: «أنّ ملكا ينادي كلّ يوم: اللهم يسّر لكلّ منفق خلفا، ولممسك تلفا» «١» .\nوأما في الآخرة فلما\nورد: «إنّ الله، يقبل الصّدقة، ويأخذها بيمينه، فيربّيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتّى إنّ اللقمة لتصير مثل أحد» «٢»\nولما ورد في القرآن الكريم مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٦١] . ومحق الرّبا يكون في الدنيا والآخرة:\nأما في الدنيا فلما يأتي:\nأولا: لأنّ الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤول عاقبته في الفقر والدمار، كما\nروي عنه ﵊ أنه قال: «الرّبا وإن كثر فإنّ عاقبته تصير إلى قلّ» .\nثانيا: أن الذين تؤخذ أموالهم بسبب الربا يبغضون المرابي، ويقصدونه بالأذى عند غفلته، ويسلبون أمواله عند التمكن، وكل ذلك يؤدّي إلى المحق والدمار وإن طال الزمان.\n_________\n(١) رواه البخاري (بغير هذا اللفظ) في الصحيح (٢/ ١٤٧)، ٢٤- كتاب الزكاة، ٢٧- باب قوله تعالى:\nفَأَمَّا مَنْ أَعْطى حديث رقم (١٤٤٢)، ومسلم في الصحيح (٢/ ٧٠٠)، ١٢- كتاب الزكاة، ١٧- باب في المنفق حديث رقم (٥٧/ ١٠١٠) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ١٣٨)، ٢٤- كتاب الزكاة، ٨- باب الصدقة حديث رقم (١٤١٠)، ومسلم في الصحيح (٢/ ٧٠٢)، ١٢- كتاب الزكاة، ١٩- باب قبول الصدقة حديث رقم (٦٣/ ١٠١٤) . [.....]","vol":"1","page":177},{"text":"ثالثا: أنه يحبب إليه التعامل بالمقامرات وأنواع المعاملات الخطرة، وفي الغالب يؤول أمره إلى المحق والدمار.\nوأما الآخرة فلما يأتي:\nأولا: لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: معنى هذا المحق أنّ الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلة رحم.\nثانيا: لأنّ مال الدنيا لا يبقى عند الموت، وتبقى التبعات والعقوبات، وهذه هي الخسارة الكبرى.\nوَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أي لا يرضى عن كلّ من يصرّ على تحليل- أي ارتكاب- المحرمات أَثِيمٍ منهمك في ارتكاب المعاصي التي توجب الإثم. فالآية في المسلمين الذين يرتكبون المعاصي وهاهنا أمور:\nالأول: التخبط- مصدر (يتخبط) بوزن تفعّل- غير متعد، ولكنّه عداه هنا نظرا لأنّ تفعّل يأتي كثيرا بمعنى فعل، نحو تقسّم المال: أي قسمه.\nالثاني: قوله: مِنَ الْمَسِّ يصح تعلّقه بقوله: يَقُومُونَ، أو بقوله: يَقُومُ وهو علة لما تعلق.\nالثالث: هذه الآية ظاهرة في أنّ الشيطان يتخبط الإنسان ويضربه ويمسّه ويصرعه، وبذلك قال أهل السنة، وهو مبنيّ على أنه لا يوجد مانع من القول بأن الشيطان جسم كثيف.\nوقيل: إن الشيطان ضعيف لا قدرة له على الضرب والصرع والأعمال الشاقة، لأنه جسم لطيف كالهواء، ليس فيه صلابة ولا قوة، فيمتنع أن يكون قادرا على أن يضرب الإنسان ويصرعه، ولأن القرآن الكريم يدل على أنه ليس للشيطان قدرة على الصّرع والقتل والإيذاء، حيث يقول حكاية عن الشيطان: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: ٢٢] فأفسد أحوالهم، وأفشى أسرارهم وأزال عقولهم، وكل ذلك باطل.\nوأما ما ورد في القرآن الكريم: من أنهم كانوا يعملون لسليمان بن داود ﵉ ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، فإنما كان بإقدار من الله على هذه الأفعال معجزة لسليمان ﵇.\nوتأوّل أصحاب هذا القول التخبط والمسّ في هذه الآية بوسوسة الشيطان المؤذية التي يحدث عندها الصرع.\nوإنما تحدث الوسوسة الصرع بسبب ضعف الطباع وغلبة السوداء على الإنسان، فيعتريه من الخوف والذّعر عند الوسوسة ما يصرعه، كما يصرع الجبان في","vol":"1","page":178},{"text":"الموضع الخالي بسبب وسوسته، ولهذا يوجد هذا المعنى فيمن به نقص في المزاج، وخلل في الدماغ، ولا يوجد عند أهل الكمال والفضل والحزم والعقل. ويستأنس لذلك بما يظهر من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) [الأعراف: ٢٠١] فأهل التقوى والقلوب المطمئنة إذا وسوس لهم الشيطان تذكّروا أوامره ونواهيه، فتستنير قلوبهم، وتندفع عنهم الوساوس الشيطانية، ولم يكن للشيطان عليهم سلطان.\nوأما الضعفاء: أهل القلوب التي لم تكن مطمئنة، فيدعوهم الشيطان إلى طلب اللذات والشهوات، وللاشتغال بغير الله تعالى تارة، ويدعوهم باعث الحق والدين إلى الدين والعمل الصالح تارة أخرى فتحدث عندهم حركات مضطربة، وأفعال مختلفة، وهذا بعينه هو الخبط الحاصل بفعل الشيطان.\nفآكل الربا لا شك أنه متهالك على حب الدنيا ولذاتها وشهواتها، فإذا مات على ذلك، وجاء يوم البعث خرج الناس من الأجداث سراعا إلا أكلة الربا، فإنهم يتخبّطون، يقومون ويسقطون، كالذي يتخبطه الشيطان من أجل المسّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الأحكام</span>\nيؤخذ من الآية ما يأتي:\nأولا: حرمة الرّبا الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية، وهو ربا النسيئة.\nثانيا: حرمة ربا الفضل، كأن يبيع منّا من الحنطة بمنوين منها.\nثالثا: حرمة الصلح على خمسمائة حالّة مثلا مع من عليه ألف مؤجلة، فإنّ هذا في معنى ربا الجاهلية الذي كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل، فأبطله الله بتحريم الربا.\nوفي مسألة الصلح على قرض مؤجّل صالحه ربّ المال على بعض منه معجّل، فالدائن قد انتفع بباقي الدين مقابل إسقاط الأجل، والمدين قد انتفع بفضل من المال دون عوض مالي، وجزئيات الربا كثيرة، يعلم حكمها من انطباق ضابطه عليها.\nقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) سنة الله في كتابه الكريم أنّه مهما ذكر وعيدا ذكر بعده وعدا، فلما بالغ هاهنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أي صدّقوا بالله ورسوله، وبما جاءهم به وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ حال كونه عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من مكروه يصيبهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من أجل محبوب يفوتهم.","vol":"1","page":179},{"text":"وإنما خصّ الصلاة والزكاة بالذكر مع اندراجهما في الصالحات، للإشعار بأنّ لهما من المنزلة في الإسلام ما ليس لغيرهما، ولذلك ورد ذكرهما في القرآن مرّات عديدة كما جاءت الآثار بفضلهما، وتفوقهما على غيرهما.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) يبين الله تعالى في الآية السابقة أن من انتهى عن الربا فله ما سلف، فربما يظنّ أنّه لا فرق بين المقبوض منه، وبين الباقي في ذمة القوم، فقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ: أي اتخذوا وقاية من عذاب بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا أي ما كان لكم في ذمة القوم من الزيادة المحرمة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي متّصفين بالإيمان الذي الشأن فيمن اتّصف به الانقياد والاستسلام. أي إن كنتم عاملين بمقتضى إيمانكم.\nفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمرتكم به من الاتقاء، وترك ما بقي من الربا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي عقاب شديد من نوع الحروب، فإنّ الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص يقدر الإمام عليه قبض عليه وأجري عليه حكم الله: من التعزير والحبس، إلى أن تظهر منه التوبة.\nوإن كان له عسكر وشوكة حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر ﵁ مانعي الزكاة، ولا عجب في ذلك، فإنّ الفقهاء نصوا على أنه لو اجتمع أهل بلد على ترك الأذان أو ترك دفن الموتى: فإنه يحاربهم الإمام. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من عامل بالربا يستتاب. فإن تاب وإلا ضربت عنقه.\nقيل: التعبير بالحرب للتهديد والتخويف بعقابه الشديد، فإنّه قد عهد التعبير بالحرب في معنى العقاب الشديد، كما\nورد «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة» «١» .\nوقوله: فَأْذَنُوا فاعلموا وأيقنوا بحرب: من أذن يأذن. من باب (طرب) .\nوَإِنْ تُبْتُمْ أي: امتثلتم أمر الله تعالى فليس لكم إلا رؤوس أموالكم لا تَظْلِمُونَ المحتاجين بأخذ أموالهم من غير عوض وَلا تُظْلَمُونَ أنتم بضياع رؤوس أموالكم.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٧/ ٢٤٣)، ٨١- كتاب الرقاق، ٣٨- التواضع حديث رقم (٦٥٠٢) .","vol":"1","page":180},{"text":"قيل: نزلت هذه الآية في أربعة إخوة من ثقيف: مسعود، وعبد ياليل، وحبيب، وربيعة: بنو عمرو بن عمير الثقفي، كانوا يداينون بني المغيرة، فلما ظهر النبيّ ﷺ أسلم الأخوة، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة، فنزلت «١» .\nوإن وجد شخص ذو عسرة فعاملوه بالحسنى والرحمة، وأنظروه إلى ميسرة، أو وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ غريما لكم فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ\nفإنه ﵊ يقول: «ولا يحلّ لكم دين رجل مسلم فيؤخّره إلا كان بكلّ يوم صدقة» «٢» .\nفلفظ كانَ في الآية يحتمل أن تكون تامة، ويحتمل أن تكون ناقصة.\nوالعسرة: اسم من الإعسار، وهي الحالة التي يتعسّر فيها وجود المال.\nوالنظرة: اسم للتأخير والتأجيل.\nوالميسرة: مصدر بمعنى اليسر وهو الغنى.\nوقرأ نافع بضم السين، والباقون بفتحها.\nوَأَنْ تَصَدَّقُوا على الغرماء المعسرين بالإبراء فهو خَيْرٌ لَكُمْ من الإنظار، وأكثر ثوابا، أو هو خَيْرٌ لَكُمْ مما تأخذونه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فضل التصدّق على الإنظار أو الأخذ.\nقالوا: سبب نزول هذه الآية أن الأخوة الثقفيين طالبوا بني المغيرة برؤوس أموالهم، فشكوا إليهم العسرة، وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا تأخيرهم، فنزلت هذه الآية.\nويؤخذ من الآية أن رب المال متى علم أنّ غريمة معسر وجب عليه إنظاره، وإذا لا حظنا أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: نعلم أن الإنظار واجب عند العسر في كل دين، لا في خصوص دين الربا.\nوَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ لما كان الذين يعاملون بالربا من العظماء أصحاب الثروة والجلال والأنصار والأعوان: كانت الحالة داعية إلى مزيد من الزجر والوعيد، حتى يمتنعوا عن الربا وأخذ أموال الناس بالباطل. ولهذا توعّدهم الله وهدّدهم بهذه الآية أيضا فقال: وَاتَّقُوا يَوْمًا أي تشتدّ فيه الأهوال، وتعظم الخطوب، حتى ورد أنه يجعل الولدان شيبا، ولهول ما يقع فيه أمر الله باتّقاء نفس اليوم، للمبالغة في التحذير عما فيه.\nوقال: تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ أي لتوقيع الجزاء:\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري المسمى جامع البيان في تفسير القرآن (٣/ ٧١) .\n(٢) رواه أحمد في المسند (٥/ ٣٥١) .","vol":"1","page":181},{"text":"فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة: ٧، ٨] كما قال: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي جزاء ما عملت من خير أو شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ في هذه العقوبات، لأنّها مناسبة لأسبابها الواقعة منهم. وهاهنا أمور:\nالأول:\nنقل عن ابن عباس ﵄ أنّ قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ.. آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ «١»، لأنه لما حجّ نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ.. «٢» [النساء: ١٧٦] ثم نزلت وهو واقف بعرفة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.. «٣» [المائدة: ٣] ثم نزل: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ..\nفقال جبريل ﵇: «يا محمد ضعها على رأس ثمانين آية ومائتي آية من البقرة» «٤» .\nوالثاني: قرأ أبو عمرو تُرْجَعُونَ بفتح التاء، والباقون بضمها، فبالفتح من رجع رجوعا، وهو لازم. وبالضم من رجعه إليه رجعا، وهو متعد، يصحّ بناؤه للمفعول.\nالثالث: معنى رجوعهم إلى الله أنهم يرجعون إلى ما أعدّ لهم من ثواب أو عقاب وقيل: معناه أنهم يكونون في يوم البعث بحالة لا يتصرّف فيهم ظاهرا وباطنا إلّا الله تعالى، بخلاف حالتهم في الدنيا، فإنه يتصرف بعضهم في بعض بحسب الظّاهر.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) التداين: تفاعل، مأخوذ من الدّين، وهو: التبايع بالدين.\n_________\n(١) انظر الدر المنثور التفسير المأثور للسيوطي (١/ ٣٦٩) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٢٢٠)، ٦٥- كتاب التفسير، ٢٧- باب (يستفتونك) حديث رقم (٤٦٠٥) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح (١/ ١٩)، ٢- كتاب الإيمان، ٣٢- باب حسن إسلام المرء حديث رقم (٤٥) .\n(٤) انظر الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي، بيروت دار الفكر (١/ ٦١) .","vol":"1","page":182},{"text":"وَلْيُمْلِلِ أي يملي، يقال أملّ إملالا إذا كان أملى إملاء.\nمناسبة هذه الآية: إنّ الآيات السابقة بيّن الله فيها حكم التعامل بالربا، وشدّد في منعه، فأراد هنا أن يبيّن حالة المداينة الواقعة في المعاوضات الجارية فيما بينهم ببيع السلع بالدين المؤجل بطريقة تحفظ الأموال، وتصونها عن الضياع.\nويمكن أن يقال في المناسبة: إنّه لما بيّن فيما سبق أنّ الإنفاق في سبيل الله مطلوب، وهو يوجب نقص المال، وإن الربا محرّم، وهو يوجب نقص المال أيضا، أراد هنا أن يبيّن كيفية حفظ المال الحلال، وطريق صونه عن الضياع فقال:\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ تبايعتم وتعاملتم نسيئة بِدَيْنٍ بما يصحّ فيه الأجل، كبيع سلعة حاضرة بنقود مؤجلة، أو بسلعة أخرى مؤجلة، وكبيع سلعة مؤجلة أي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى مع معرفة الجنس والنوع والقدر بثمن حالّ، وهو السلم، أي إذا تعاملتم ببدل مؤجل فَاكْتُبُوهُ فاكتبوا ما يدلّ على هذا التعامل، مع بيان الأجل بالأيام أو الأشهر أو غيرهما، بطريقة ترفع الجهالة، لا بمثل الحصاد والدياس مما لا يرفعها، لأنّ الكتابة أوثق في ضبط الواقع، وأرفع للنزاع.\nثم أراد أن يبيّن كيفية الكتابة، ويعيّن من يتولاها فقال: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ أي مأمون يكتب بِالْعَدْلِ: وهذا أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه متديّن يقظ، ليكتب بالحق، ويتحاشى الألفاظ المحتملة للمعاني الكثيرة والألفاظ المشتركة، ويوضّح المعاني، ويتجنّب خلاف الفقهاء.\nثم أوصى الكاتب، ونهاه عن الإباء. فقال: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أي لا يمتنع أحد من الكتاب عن أَنْ يَكْتُبَ وثيقة الدين كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ على الطريقة التي علّمه الله في كتابة الوثائق، أي يكتب كتابة كالتي علمه الله، فالكاف صفة لموصوف محذوف.\nأو المعنى: ولا يأب كاتب أن ينفع النّاس بكتابته، كما نفعه الله بتعلّم الكتابة، كما في قوله تعالى: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: ٧٧] .\nثم قال: فَلْيَكْتُبْ أي تلك الكتابة المعلّمة، فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله وَلا يَأْبَ كاتِبٌ إلخ. ويجوز أن يكون توكيدا للأمر الصريح في قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ إلخ.\nثم أرشد الله تعالى إلى أن الذي يملي على الكاتب هو المدين، فإنّه المكلّف بأداء مضمون الكتابة، فاللازم أن تكون الكتابة كما يراه ويعلمه، ثم أوصاه بتقوى الله، وبألا ينقص من الحق الذي عليه شيئا حيث قال: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ أي لا ينقص مِنْهُ شَيْئًا.\nثم بيّن أنه فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أي ناقص العقل، مبذرا في ماله، أَوْ","vol":"1","page":183},{"text":"ضَعِيفًا\nبأن يكون صبيا أو مجنونا، أو شيخا كبيرا لا تساعده قواه العقلية على ضبط الأمور أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ أي يملي بنفسه، بأن كان أخرسا، أو جاهلا أو مصابا بالعمى فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ القيم عليه، أو وكيله بِالْعَدْلِ أي من غير زيادة ولا نقص.\nوعبر هنا بصيغة العدل الشاملة لترك الزيادة والنقص، لأنّ المملي هنا يتصوّر منه الزيادة والنقص بمحاباة هذا أو هذا، بخلاف ما إذا كان المملي المدين، فإنّ المتصوّر منه النقص فقط.\nثم أرشد الله تعالى المتداينين إلى أمر آخر مفيد في ضبط الوقائع، وحفظ الأموال فقال: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ أي اطلبوا شهيدين ليحملا الشهادة، ويحفظا الواقع.\nوقوله: مِنْ رِجالِكُمْ متعلق باستشهدوا، و(من) ابتدائية، أو متعلّق بمحذوف صفة لشهيدين، و(من) تبعيضية: أي من رجالكم المسلمين الأحرار، فإنّ الكلام في معاملاتهم. فَإِنْ لَمْ يَكُونا\nالشهيدان رَجُلَيْنِ فليشهد رجل وامرأتان، أو فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ يكفون في الشهادة.\nوشهادة النساء مع الرجال تجوز عند الحنفية في الأموال والطلاق والنكاح والرجعة والعتق، وكل شيء إلا الحدود والقصاص.\nوعند المالكية تجوز في الأموال وتوابعها خاصة، ولا تقبل في أحكام الأبدان مثل الحدود، والقصاص والنكاح والطلاق، والرجعة، والعتق. مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ.\nالجار الأول، متعلق بمحذوف صفة لرجل وامرأتان: أي كائنون مرضيين عندكم بعدالتهم، وهذا الوصف وإن كان في جميع الشهود، لكنه ذكره هنا للتشدد في اعتباره، لأنّ اتصاف النساء به قليل.\nوالجار الثاني متعلق بمحذوف حال من الضمير المفعول المقدّر في ترضون، العائد إلى الموصول: أي ممن ترضونهم حال كونهم من بعض الشهداء، لعلمكم بعد التّهم، وثقتكم بهم، وإدراج النساء في الشهداء للتغليب.\nوتدل الآية على أن الشهادة نوعان: شهادة رجلين، وشهادة رجل وامرأتين، ولا ثالث لهما، ولهذا قال الحنفية: الشهادة قسمان فقط كما ذكرها الله في هذه الآية، ولم يذكر الشاهد واليمين فلا يجوز القضاء عندهم بالشاهد واليمين، لأنه حينئذ يكون قسما ثالثا للشهادة، مع أن الله لم يذكر لها إلا قسمين.","vol":"1","page":184},{"text":"وقال المالكية والشافعية: يجوز القضاء بشاهد ويمين، لا باعتبار أن هذا قسم ثالث للشهادة، وإنما هو باعتبار أن القضاء باليمين وإسقاط الشاهد ترجيح لجانب المدّعي، وأما عدم ذكر ذلك في القرآن فلا يمنع مشروعيته والعمل به. يدل على ذلك أن القضاء عند الحنفية يجوز بالنكول، وهو قسم ثالث، ليس له في القرآن ذكر.\nوالضمير في قوله: مِنْ رِجالِكُمْ يعود إلى المخاطبين المسلمين، وهو دليل على أنه لا بد من إسلام الشهود، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد وأجاز الحنفية قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض. لما\nروي أنه ﵊ رجم يهوديين بشهادة اليهود عليهما بالزنى «١» .\nثم أراد تعليل اعتبار العدد في النساء فقال: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى أي إنما اعتبر التعدّد في شهادة النساء لما عسى أن تضلّ إحداهما، فتذكر إحداهما الأخرى. والعلّة في الحقيقة هي التذكير، ولكن الضلال لما كان سببا في التذكير، وكان الشأن في النساء الغفلة والنسيان، نزّل منزلة العلة، كما في قولهم:\nأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه، فإن العلّة هي الدفاع، ولما كان مجيء العدو سببا فيه نزّل منزلته، فهو علة حذف منها لام التعليل.\nويصح أن يكون مفعولا لأجله. أي إرادة أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إلخ.\nويقال في العلة الحقيقية هنا ما قيل في الوجه الأول، والضلال بمعنى النسيان.\nوقرأ حمزة: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى بكسر أَنْ وجعلها شرطية مع رفع فتذكر، وتَضِلَّ فعل الشرط. وقوله: فَتُذَكِّرَ مرفوع بالضمة، والجملة في محل جزم جواب الشرط.\nثم أوصى الشهود، ونهاهم عن الإباء عن الشهادة، كما نهى الكاتب عن الامتناع عن الكتابة فقال: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا لأداء الشهادة، أو لتحمّلها، ورجّحوا الحمل هنا على التحمّل لأنه منهي عن كتمان الشهادة، أي بالامتناع عن الأداء بقوله:\nوَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وما زائدة ثم عاد إلى أمر الكتابة فأكّد طلبها حيث قال: وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ أي لا تملّوا من كتابة الدّين، أو الحقّ مهما كثرت معاملاتكم، سواء كان الدين أو الحق صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا فلا تسأموا من كتابته إِلى أَجَلِهِ أي حال كون الدين أو الحق مستقرا في الذمة إلى أجله، أي إلى وقت حلول الأجل الذي أقرّ به المدين ذلِكُمْ الذي أمرتكم به من الكتابة، والإشهاد\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ٣٨)، ٨٧- كتاب المحاربين، ٢٤- باب أحكام أهل الذمة حديث رقم (٦٨٤١)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٣٢٧)، ٢٩- كتاب الحدود، ٦- باب رجم اليهود حديث رقم (٢٨/ ١٧٠٠) .","vol":"1","page":185},{"text":"أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي أعدل في إصابة حكم الله تعالى، لأنّه متى كتب كان إلى اليقين أقرب، وعن الكذب أبعد، فكان أعدل عند الله.\nوالقسط: اسم، والإقساط مصدر، يقال: أقسط يقسط إقساطا إذا عدل، فهو مقسط، ومنه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة: ٤٢] .\nوأما قسط فهو بمعنى جار كما قال تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)\n[الجن: ١٥] .\nذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي أثبت لها، وأعون على إقامتها وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا أي أقرب إلى ارتفاع ريبكم في جنس الدّين ونوعه وقدره وأجله.\nإِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها أي أنكم مأمورون بالكتابة إذا كان التعامل بالدين، لكن إن كانت معاملاتكم تِجارَةً حاضِرَةً بحضور البدلين، تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ أي تتعاملون بالبدلين يدا بيد فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ إثم في عدل الكتابة لبعده حينئذ عن التنازع.\nوَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ: أي إذا كان التعامل يدا بيد فلا بأس من عدم الكتابة، ولكن ينبغي الإشهاد على هذا التعامل، فإنّ اليد الظاهرة ربما لا تكون محقّة، فالإشهاد أحوط.\nوَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ أي لا يضارر- بالكسر- كاتب ولا شهيد بترك الإجابة، أو بالتغيير والتحريف في الكتابة والشهادة، أو لا يضار- بالفتح- كاتب إلخ.\nأي لا يجوز للطالب أن يضارر- بالكسر- الكاتب والشهيد، بأن يقهرهما على الانحراف في الكتابة والشهادة، ويضغط عليهما للخروج عما حدّ لهما، وَإِنْ تَفْعَلُوا ما نهيتم عنه من الضرار، فَإِنَّهُ أي فعلكم هذا فُسُوقٌ بِكُمْ وخروج عن الطاعة، ملتبس بكم، أو وإن تفعلوا شيئا مما نهيتم عنه على الإطلاق فإنه فسوق إلخ.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ فيما حذركم منه من الضرار، أو من ارتكاب شيء مما نهاكم عنه وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ما يصلح لكم أمر الدنيا، كما يعلّمكم ما يصلح أمر الدين وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يخفى عليه حالكم الظاهر والباطن، فهو يجازيكم بذلك وكرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاثة لتربية المهابة في نفس السامع، وللإشارة إلى استقلال كل منهما بما هو مقصود منه.\nوهاهنا أمور:\nالأول: ذهب قوم إلى أن الكتابة والشهادة على الديون المؤجّلة واجبان بقوله فَاكْتُبُوهُ، وقوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ، ثم نسخ الوجوب بقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ [البقرة: ٢٨٣] .","vol":"1","page":186},{"text":"والجمهور على أن الكتابة والإشهاد مندوبان، وأنّ الأمر بهما للندب، فإنه لم ينقل عن الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار أنّهم كانوا يتشدّدون فيهما، بل كانت تقع المداينات والمبايعات بينهم من غير كتابة ولا إشهاد، ولم يقع نكير منهم، فدل ذلك على أنّ الأمر للندب، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة.\nوإنما ندب الله تعالى إلى الكتابة والإشهاد في الديون المؤجلة، لحفظ ما يقع بين المتعاقدين إلى حلول الأجل، لأن النسيان يقع كثيرا في المدة التي بين العقد وحلول الأجل، وكذلك قد تطرأ العوارض: من موت أو غيره، فشرع الله الكتابة والإشهاد لحفظ المال وضبط الواقع.\nالثاني: قال أكثر المفسرين: إن المبيعات على أربعة أوجه:\nأحدها: بيع العين بالعين: كبيع الكتاب الحاضر بالنقد الحاضر.\nوالثاني: بيع الدين بالدين: كبيع أردب من القمح مثلا واجب في ذمته لزيد بإردبين من الشعير واجبين على زيد هذا للبائع الأول، وهذا البيع باطل منهيّ عنه، وكلاهما غير داخل في الآية.\nوالثالث: هو بيع العين بالدين: كبيع كتاب حاضر بثمن مؤجّل.\nوالرابع: بيع الدين بالعين، وهو السلم، وكلاهما داخل في الآية.\nالثالث: قوله تعالى: فَاكْتُبُوهُ ليس المراد أن يكتبه المتعاقدان بأيديهما. وإنما المراد توصلوا إلى كتابة ما وقع، كما يدل عليه قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ.\nوقد اختلفوا في كتابة الكاتب، فقيل: إنها فرض كفاية، وقيل: فرض عين على الكاتب متى طلب منه، وكان في حال فراغه: وقيل: إنه ندب. والصحيح أنه أمر إرشاد، فيجوز له أن يتخلّف عن الكتابة حتى يأخذ أجره.\nوالاستثناء في قوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً منقطع: كما يدل عليه التقرير المتقدم، ويجوز أن يكون متصلا إن جعل استثناء من قوله إِذا تَدايَنْتُمْ إلى قوله: فَاكْتُبُوهُ أي إلا أن تكون تجارة حاضرة، أي الأجل فيها قصير، لا بمعنى حضور البدلين.\nأو جعل استثناء من قوله: وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ إلخ أي إلا أن تكون تجارة حاضرة، أي الأجل فيها قصير.\nقال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) .\nالآية المتقدمة ترشد إلى الاحتياط في المبايعات الواقعة بالديون المؤجلة بكتابتها","vol":"1","page":187},{"text":"والإشهاد عليها، والتمكّن من ذلك في الغالب يكون في الحضر.\nأما في السفر فالغالب عدم التمكن من ذلك، فأرشد إلى الاحتياط في حالة السفر بالرهان، التي يستوثق بها في الحصول على المؤجل فقال: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرين، ولم تجدوا كاتبا يكتب الدين، فالذي يستوثق به رهان مقبوضة، وتعليق الرهان على السفر ليس لكون السفر شرطا في صحة الرهان، فإنّ التعامل بالرهان مشروع حضرا وسفرا، كما\nورد أنه ﵊ رهن درعه في المدينة من يهودي بثلاثين صاعا من شعير أخذه لأهله»\n. وإنما علّق هنا على السفر لإقامة التوثق بالرهان مقام التوثق بالكتابة في السفر الذي هو مظنّة تعسّرها.\nووصف الرهن بكونه مقبوضا ظاهر في أنه ما لم يقبض لا يظهر وجه للتوثّق به، وكونه مقبوضا يستلزم كونه معينا مفرزا، ولهذا قال الحنفية: لا يجوز رهن المشاع بناء على هذا.\nوقال المالكية: الرهن كالبيع، وبيع المشاع جائز، فرهن المشاع جائز أيضا، وقد اختلف الأئمة في أن القبض شرط لصحة الرهن أم لتمامه، فقال الحنفية والشافعية: إنه شرط صحة، تمسّكا بقوله تعالى: فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ وبما يظهر من مشروعية الرهن للتوثق، ولا توثق إلا بالقبض.\nوقال المالكية والحنابلة: إنه شرط تمام، بمعنى أنّ الرهن يلزم بمجرّد العقد، ويجبر الراهن على الإقباض، ومتى قبض تمّ وكمل قياسا على سائر العقود، فإنها تلزم بمجرّد العقد. والرهان جمع رهن: بمعنى المرهون. وقرئ: فَرِهانٌ بضمتين، وهو جمع رهن أيضا.\nفَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أي إن أمن بعض الدائنين بعض المدينين فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ في رعاية حقوق الأمانة فلا يجحدها، ولا يتأخر عن دفعها. فحيث إن الدائن عوّل على أمانته، ولم يطالبه بوثيقة ولا برهان، ينبغي للمدين أن يعامله بالحسنى.\nوبَعْضًا مفعول لأمن، يقال: أمن فلان غيره إذا لم يخف خيانته. وعبّر بالذي أؤتمن بدل التعبير بالمدين للحث على الأداء، فإنّ التعبير عنه بهذه الصيغة مما يورطه ويدفعه إلى حسن الأداء وجميل المعاملة، وجمع بين الألوهية وصفة الربوبية في قوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ للمبالغة في التحذير من الخيانة التي تغضب إلهه المعبود بحق، وربّه الذي يربيه، ويلي شؤونه، ويدير مصالحه.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٣٠٣)، ٥٦- كتاب الجهاد، ٨٩- باب ما قيل في درع النبي ﷺ حديث رقم (٢٩١٦)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٢٦)، ٢٢- كتاب المساقاة، ٢٤- باب الرهن حديث رقم (١٢٤/ ١٦٠٣) .","vol":"1","page":188},{"text":"فالله تعالى جعل في هذه الآيات المبايعات على ثلاثة أقسام: بيع بكتابة وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة، فلما أمر في الآية الأولى بالكتابة والإشهاد، أشار في الآية الثانية إلى أنه ربما يتعذّر أمر الكتابة والإشهاد في حالة السفر، فذكر نوعا آخر من الاستيثاق: وهو الرهن الذي هو أبلغ في الاحتياط من الكتابة والإشهاد، وأوصي في النوع الثالث بما يليق به ثم قال: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ بعض المفسرين يرى أن هذه الجملة كالتأكيد لقوله: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا مع ما فيها من زيادة تزعج الشاهد، وتحمله على أداء الشهادة وهي قوله: وَمَنْ يَكْتُمْها إلخ.\nوأسند الإثم إلى القلب، لأن الكتمان مما اقترفه، كما يسند الزنى إلى العين والأذن بمثل هذا الاعتبار.\nوبعض آخر من المفسرين يصحّح ارتباط هذه الجملة بقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا على معنى أنه إذا أمن الدائن المدين، ولم يكتب، ولم يشهد، ولم يأخذ رهنا لحسن ظنه به، كان من الجائز أن يجحد المدين، وأن يخلف ظنّ الدائن، وكان من الجائز الذي يقع كثيرا أن يطّلع بعض الناس على هذه المعاملة. فهنا ندب الله تعالى من يطّلع على هذه المعاملة ليشهد للدائن بحقه، وحذّره من كتمان الشهادة، سواء أعرف صاحب الحق تلك الشهادة أم لم يعرف، وشدّد فيه بأن جعله آثم القلب إن كتمها، ويدل لصحة هذا المعنى ما\nروي عنه ﷺ أنه قال: «خير الشّهود من شهد قبل أن يستشهد» «١»\n. وآثِمٌ خبر إنّ، وقَلْبُهُ مرفوع به، ويجوز أن يكون قلبه مبتدأ، وآثِمٌ خبرا مقدما، والجملة خبر إنّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فيجازيكم به إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فاحذروا من الإقدام على هذا الكتمان، وامتثلوا ما أمركم به، والله سبحانه أعلم. وصلّى الله على محمد وآله وصحبه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٣٤٤)، ٣٠- كتاب الأقضية، ٩- باب بيان خير الشهود حديث رقم (١٩/ ١٧١٩) بلفظ مختلف ورواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٧٩٢)، كتاب الأحكام، باب الرجل عنده الشهادة حديث رقم (٢٢٦٤) .","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>من سورة آل عمران</span>\nقال الله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)\nبعد أن بيّن الله ﷾ أنه واهب الملك، المعزّ المذلّ، القادر على جميع الأشياء في الدنيا والآخرة، حيث قال جلّ شأنه: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ [آل عمران: ٢٦] إلى آخره نبّه المؤمنين إلى أنّه لا ينبغي لهم أن يوالوا أعداءه، أو يستظهروا بهم لقرابة أو صداقة قديمة، بل ينبغي أن تكون الرغبة فيما عند الله تعالى وعند أوليائه دون أعدائه.\nنزلت هذه الآية في قوم من المؤمنين كانوا يوالون رجالا من اليهود، فقال لهم رفاعة بن المنذر وابن جبير وسعد بن خيثمة: اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا النصيحة «١» .\nوقيل نزلت في عبادة بن الصامت البدري النقيب، فقد كان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي ﷺ يوم الأحزاب قال له عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فاستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ.\nلا ناهية، فالفعل مجزوم، أو نافية فالفعل مرفوع، وتكون الجملة خبرية في معنى النهي.\nأَوْلِياءَ جمع ولي، وهو الناصر والمعين، فلا يركن المؤمنون إلى الكفار، ويستعينوا بهم لقرابة أو محبة مع اعتقاده بطلان دينهم، فإنّ ذلك منهيّ عنه، لأنّ الموالاة قد تجرّ إلى استحسان طريقتهم.\nوفي هذا المعنى نزلت آيات كثيرة لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران: ١١٨] لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢] لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: ٥١] لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: ١]\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٢/ ١٥٢) .","vol":"1","page":190},{"text":"وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التوبة: ٧١] .\nوأما الموالاة بمعنى المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر، مع عدم الرضا عن حالهم فذلك غير منهيّ عنه، والموالاة لهم بمعنى الرضا بكفرهم ومصاحبتهم لذلك كفر، لأنّ الرضا بالكفر كفر، فلا يبقى المرء مؤمنا، مع كونه بهذه الصفة.\nمِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ حال من الفاعل، أي متجاوزين المؤمنين إلى الكفار استقلالا أو اشتراكا. فالظرف لا مفهوم له، لأنّه لبيان الواقع، فقد ورد في قوم مخصوصين حصلت منهم الموالاة للكفار دون المؤمنين، وقيل: الظرف في حيّز الصفة لأولياء.\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الاتخاذ، وإنما عبّر بالفعل للاختصار، أو لإبهام الاستهجان بذكره، وجواب الشرط فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وفي الكلام حذف مضاف، أي فَلَيْسَ مِنَ ولاية اللَّهِ فِي شَيْءٍ أو من دين الله، وتنوين شَيْءٍ للتحقير، وذلك لأنّ موالاة المتضادين لا تكاد توجد.\nقال الشاعر:\nتودّ عدوّي ثمّ تزعم أنّني ... صديقك، ليس النّوك عنك بعازب\nإِلَّا أَنْ تَتَّقُوا استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، والعامل فيه لا يَتَّخِذِ فلا تتخذوهم أولياء في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم.\nوقيل: استثناء مفرّغ من المفعول لأجله، فالمعنى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء لشيء من الأشياء إلا للتقية مِنْهُمْ من جهتهم، تُقاةً مفعول به، أي شيئا يتّقى منه، فالجار والمجرور حال من تقاة، حيث تقدّم عليها، والمعنى:\nإلا أن تتقوا شيئا يتّقى منه حاصلا من جهتهم، كالقتل وسلب المال مثلا أو تُقاةً بمعنى اتقاء، فتكون مفعولا مطلقا، وتُقاةً متعلقة به في مكان المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف للعلم به، وعدّي بمن، لأنه بمعنى خاف، فالمعنى إلا أن تخافوا منهم ضررا خوفا.\nوَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ إي عقاب نفسه، وفي ذلك تهديد عظيم مشعر بتناهي الاتخاذ في القبح، حيث ربط التحذير بنفسه، لأنه لو حذف وقيل: ويحذركم الله، فإنه لا يفيد صدور العقاب من الله، بل يحتمل أن يكون منه تعالى، وأن يكون من غيره. فلمّا قال: نَفْسَهُ علم أنّه صادر منه تعالى، وذلك أعظم أنواع العقاب لكونه تعالى قادرا على ما لا نهاية له، ولا قدرة لأحد على رفعه أو منعه مما أراد.\nوَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ المرجع، والإظهار لتربية الروعة والمهابة في النفوس، والجملة مقررة لمضمون ما قبلها.","vol":"1","page":191},{"text":"وفي الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في الغزو، وإليه ذهب بعض المالكية، وقالت الحنفية والشافعية بالجواز، وأنه يسهم لهم في الغنيمة، لكن بشرط أن تكون الاستعانة على قتال المشركين لا البغاة،\nوما ورد عن عائشة ﵂ من رد النبي ﷺ لرجل مشرك كان ذا جرأة ونجدة أراد أن يحارب مع النبي ﷺ يوم بدر وقال له: «ارجع فلن أستعين بمشرك» «١»\nفمنسوخ، بدليل استعانته ﷺ بيهود قينقاع وقسمه لهم، واستعانته بصفوان بن أمية في هوازن «٢» .\nوذكر بعضهم أنّ جواز الاستعانة مشروط بالحاجة والوثوق، أما بغيرهما فلا يجوز، وهو الراجح. وعلى ذلك يحمل خبر السيدة عائشة، وما كان من السبب الثاني للنزول، ويحصل به أيضا الجمع بين أدلة المنع وأدلة الجواز.\nومن الناس من استدلّ بالآية على أنه لا يجوز جعلهم عمّالا ولا خدما، ولا يجوز التعظيم والتوقير لهم في المجالس، والقيام عند قدومهم، فإنّ دلالته على التعظيم واضحة قوية.\nوفي الآية أيضا دليل على مشروعية التقيّة، وعرّفوها: بالمحافظة على النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء.\nولما كان العدوّ نوعين: عدوا كان الاختلاف في الدين سببا لعدوانه، والثاني ما ثبتت عداوته على الأغراض الدنيوية كالمال والمتاع والإمارة، كانت التقية قسمين:\nأما القسم الأول: فكل مؤمن وجد في مكان لا يقدر فيه على إظهار دينه، فهذا تجب عليه الهجرة من ذلك المكان إلى مكان يستطيع إظهار دينه، بشرط ألا يكون من الصبيان أو النساء أو العجزة، فهؤلاء قد رخّص الله تعالى لهم فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) [النساء: ٩٧، ٩٨] .\nفإن كان من المستضعفين: وكان التخويف بالقتل ونحوه ممن يظنّ منهم أنهم يفعلون ما خوّفوا به، جاز المكث والموافقة ظاهرا بقدر الضرورة، مع السعي في حيلة للخروج والفرار بدينه.\nوالموافقة حينئذ رخصة، وإظهار ما في قلبه عزيمة، فلو مات فهو شهيد قطعا،\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٤٤٩)، ٣٢- كتاب الجهاد، ٥١- باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر حديث رقم (١٥٠/ ١٨١٧) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٢٨٥)، كتاب البيوع، باب تضمين العارية حديث رقم (٣٥٦٢) وأحمد في المسند (٤/ ٢٢٢) .","vol":"1","page":192},{"text":"بدليل ما\nيروى أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لأحدهما: أتشهد أنّ محمدا رسول الله؟ قال: نعم نعم نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. فتركه. ثم دعا الثاني وقال: أتشهد أنّ محمدا رسول الله؟\nقال: نعم، فقال له أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصمّ، قالها ثلاثا، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «أمّا هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضيلة فهنيئا له، وأمّا الآخر، فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه» «١» .\nوالقسم الثاني: من كانت عداوته بسبب المال والإمارة، وقد اختلف العلماء في وجوب هجرة صاحبه، فقال بعضهم: تجب، لقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] وبدليل النهي عن إضاعة المال. وبدليل\nقوله ﷺ: «من قتل دون ماله فهو شهيد» «٢»\n، وقال آخرون: لا تجب، لأنّها لمصلحة دنيوية، ولا يعود من تركها نقصان في الدين، ولكنّ المنصف يرى أن الهجرة قد تجب هنا أيضا إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه، أو هتك عرضه بالإفراط.\nقال الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)\nكان الكلام من أول السورة إلى هنا في إثبات نبوة محمد ﷺ، مع إثبات التوحيد، ومحاجّة أهل الكتاب في ذلك، وفي بعض ما استحدثوا في دينهم.\nوفي هذه الآيات وما قبلها يدفع الله شبهتين من شبههم.\nقالوا: إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين من بعده فكيف تستحل ما كان محرّما عليه وعليهم كلحم الإبل؟ أما وقد استبحت ما كان محرما عليهم فما يكون لك أن تدّعي أنك مصدّق لهم، وموافق في الدين، ولا أن تقول إنك أولى الناس بإبراهيم.\nفرد الله هذه الشبهة بقوله: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [آل عمران: ٩٣] وأنه لم يحرّم عليهم شيئا إلا ما كان عقوبة لهم، كما جاء في قوله: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: ١٦٠] .\nوأما الشبهة الثانية: فهي أنهم قالوا: إن الله وعد إبراهيم أن تكون البركة في\n_________\n(١) قال السيوطي رواه ابن أبي شيبة، انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٤/ ١٣٣) . [.....]\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ١٢٤)، ١- كتاب الإيمان، ٦٢- باب الدليل على أن من قصد، حديث رقم (٢٢٦/ ١٤١) .","vol":"1","page":193},{"text":"نسل ولد إسحاق، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظّمون بيت المقدس، ويصلّون إليه، فلو كنت على ما كانوا عليه لعظّمت ما عظّموا، ولما تحوّلت عن بيت المقدس، وعظّمت مكانا آخر اتخذته مصلّى وقبلة، وهو الكعبة، فخالفت الجميع.\nفردّ عليهم بقوله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) وتقريره أنّ البيت الحرام الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت للناس يعظّمونه، ويتعبدون الله فيه، بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام لأجل العبادة خاصّة، وقد قال إبراهيم: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧] .\nثم بنى سليمان بن داود ﵉ بيت المقدس بعد ذلك بعدة قرون.\nفماذا فعل النبي ﷺ غير أن امتثل أمر ربّه، فرجع إلى قبلة أبيه إبراهيم، واتخذها مصلّى. وأوّلية البيت قيل: أولية شرف، وقيل: أولية زمان، ولا مانع من أن يكون كل منهما مرادا، فقد مرّ أن إبراهيم وإسماعيل هما اللذان بنيا البيت المحرّم للعبادة، ثم جاء سليمان وبنى بيت المقدس، فالأولية زمانية، وهي تستلزم أولية الشرف.\nوقد ذهب بعض المفسرين إلى أنه أول بيت وضع على الأرض بالنسبة للبيوت مطلقا، فقالوا: إن الملائكة بنته قبل خلق آدم، وأن بيت المقدس بني بعده بأربعين سنة.\nروى البخاري ومسلم من حديث أبي ذر قال: سئل رسول الله ﷺ عن أول بيت وضع للناس؟ فقال: «المسجد الحرام، ثم بيت المقدس» فقيل: كم بينهما؟ قال:\n«أربعون سنة» «١» .\nوقد يقال: إنّ هناك تعارضا بين ما ذكرنا من أنّ بناء الكعبة كان قبل بناء بيت المقدس بعدة قرون، وأن الذي بناه إبراهيم، وبين ما روي من أن الذي وضعها الملائكة قبل بيت المقدس بأربعين سنة، وقد أجيب بأنّ الوضع غير البناء، وبأنه لعل الذي كان من إبراهيم وسليمان كان إعادة، ومعلوم أن بين إبراهيم وسليمان عدة قرون فلا منافاة.\nلَلَّذِي بِبَكَّةَ بكة اسم لمكة كما روي عن مجاهد، وإبدال الميم باء كثير في كلامهم، وقيل: هو بطن مكة حيث الحرم.\nمُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ بيان لحاله الحسية الحسنة، والمعنوية الشريفة، وأما الأولى فهي ما ساق الله إليه من بركات الأرض، ومن ثمار كل شيء، ومن جميع الأقطار، مع\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٤/ ١٦٤)، ٦٠- كتاب أحاديث الأنبياء، ٤٠- باب قول الله تعالى:\nوَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ حديث رقم (٣٤٢٥)، ومسلم في الصحيح (١/ ٣٧٠)، ٥- كتاب المساجد، حديث رقم (١/ ٥٢٠) .","vol":"1","page":194},{"text":"كونه بواد غير ذي زرع، وأما الثانية فهي جعل أفئدة الناس تهوي إليه، وتتعلّق به، ويأتون للحج والعمرة رجالا، وعلى كل ضامر من كل فج، وتولية وجوههم شطره في الصلاة، وأيّ ساعة تمرّ ليلا أو نهارا وليس فيها من يتجه إلى ذلك البيت يصلي!! فقد أجيبت دعوة إبراهيم على أتمّ وجه رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ.\nوقد أشير إلى هاتين الحالتين في قوله تعالى حكاية عن المشركين: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) [القصص: ٥٧] .\nفِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ فيه: أي البيت دلائل وعلامات ظاهرة لا تخفى على أحد: منها مقام إبراهيم أي موضع قيامه للصلاة والعبادة، فأيّ دليل أبين من هذا على كون هذا البيت أول بيت وضع ليعبد الناس فيه ربّهم؟ وإبراهيم هو أبو الأنبياء الذين بقي في الأرض أثرهم.\nوَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا آية ثانية على أنّ البيت الحرام حقيق بالتعظيم، فقد اتفقت قبائل العرب طرّا على احترام هذا البيت وتعظيمه بنسبته إلى الله، وقد اشتدّت مبالغة العرب في ذلك، حتى إن من كان قاتلا، واستباح حرماتهم، ولجأ إلى البيت فإنه يصير آمنا ما دام فيه.\nمضى على هذا عمل الجاهلية مع ما بين أهلها من اختلاف المنازع، وتباين الأهواء والمشارب، وتعدّد المعبودات، وكثرة الأضغان والأحقاد، وقد أقرّ الإسلام هذه الميزة للبيت الحرام، وأما ما كان من المسلمين يوم فتح مكة فكان لضرورة تطهيره من الشرك، ولأجل أن يعبد الله وحده، ومع ذلك\nفقد قال النبي ﷺ إنها حلّت له ساعة من النهار، ولم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده «١» .\nعلى أنّ فتح مكة لم يؤثّر على أمر الحرم شيئا، لأنّ\nالنبي ﷺ أمر مناديه أن ينادي: «من دخل داره، وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» «٢» .\nهذا وقد اتفق الفقهاء على أنّ من جنى في الحرم فهو مأخوذ بجنايته، سواء أكانت في النفس أم فيما دونها.\nواختلفوا فيمن جنى في غير الحرم، ثم لاذ إليه فقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن زياد إذا قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم لم يقتصّ منه ما دام فيه،\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ٢٦٠)، ٢٨- كتاب جزاء الصيد، ٩- باب لا ينفر صيد الحرم حديث رقم (١٨٣٣) .\n(٢) انظر تفسير ابن جرير الطبري، المسمى جامع البيان (٢/ ٣٣١- ٣٣٢) .","vol":"1","page":195},{"text":"ولكنه لا يجالس، ولا يعامل، ولا يؤاكل إلى أن يخرج منه، فيقتصّ منه، وإن كانت جنايته فيما دون النفس في غير الحرم، ثم دخل الحرم اقتصّ منه.\nوقال مالك والشافعي: يقتصّ منه في الحرم لذلك كله، وقد روي عن ابن عباس، وابن عمر، وعبيد الله بن عمير، وسعيد بن جبير، وطاووس، والشعبي، فيمن قتل ثم لجأ إلى الحرم أنه لا يقتل.\nقال ابن عباس: ولكنه لا يجالس، ولا يؤوى، ولا يبايع حتى يخرج من الحرم، فيقتل، وإن فعل ذلك في الحرم أقيم عليه الحدّ.\nوروى قتادة عن الحسن أنه قال: لا يمنع الحرم من أصاب فيه أو في غيره أن يقام عليه، قال: وكان الحسن يقول: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا كان هذا في الجاهلية، لو أنّ رجلا جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتعرّض له حتى يخرج من الحرم. أما الإسلام فلم يزده إلا شدة، من أصاب الحد في غيره ثم لجأ إليه أقيم عليه الحد.\nوروى هشام عن الحسن وعطاء قالا: إذا أصاب حدا في غير الحرم، ثم لجأ إلى الحرم أخرج عن الحرم، حتى يقام عليه، وروي مثل هذا عن مجاهد، وهذا يحتمل أن يراد به أن يقاطع، فلا يجالس، ولا يعامل، حتى يضطر إلى الخروج، فيقام عليه الحد.\nوفيما عدا رواية الحسن فالاتفاق حاصل بين السلف من الصحابة والتابعين أن من دخله لاجئا إليه، وكان قد جنى في غيره أنه يقاطع حتّى يخرج فيقتص منه.\nومثل قوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] وقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا [القصص: ٥٧] وقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة: ١٢٥] .\nقال أبو بكر الرازي «١»: ولما عبّر الله تارة بالحرم وتارة بالبيت علم أنّ حكم الحرم حكم البيت في باب الأمن ومنع قتل من لجأ إليه.\nولمّا لم يختلفوا أنه لا يقتل من لجأ إلى البيت، لأنّ الله وصفه بالأمن فيه، وجب مثله في الحرم فيمن لجأ إليه.\nهذا وقد فسّر بعض العلماء الأمن هنا بالأمن في الآخرة من العذاب، وروى في ذلك آثارا صحيحة، ولا مانع من إرادة العموم، بأن يفسّر بالأمن في الدنيا والآخرة.\nوَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.\n_________\n(١) أحكام القرآن للإمام الرازي (٢/ ٢٠- ٢٣) .","vol":"1","page":196},{"text":"لما ذكر الله فضائل البيت أردفه بذكر إيجاب الحج، وفي قوله: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وجوه من الإعراب لا نتعرض لذكرها.\nوالمعنى: أن الله جلت قدرته أوجب على عباده أن يحجوا إلى بيته متى تيسّر لهم الوصول إليه، ولم يمنعهم من الوصول إليه مانع، سواء أكان بدنيا أم ماليا أم بدنيا وماليا معا.\nفالبدني كالمرض والخوف على النفس من العدو ومن السباع، وعلى الجملة ألا يكون الطريق مأمونا.\nوالمالي كفقد الزاد والراحلة إذا كان ممن يتعسّر عليهم الوصول إلى البيت إلا بزاد وراحلة، والذي يجمعها فاقد الزاد والراحلة، والمريض، أو الذي لا يأمن الطريق.\nوقد اتفق الأكثرون على أنّ الزاد والراحلة شرطان داخلان في الاستطاعة، ويؤيد شرطيتهما ما رواه جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه فسّر استطاعة السبيل بالزاد والراحلة.\nفقد روى أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: «من ملك زادا وراحلة تبلغه بيت الله، ولم يحجّ، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» «١»\nوذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.\nوروي عن ابن عمر قال سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: قال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قال: «السبيل الزاد والراحلة» «٢» .\nوروى عطاء عن ابن عباس قال: السبيل الزاد والراحلة، ولم يحل بينه وبينه أحد.\nفأنت ترى من هذه الأخبار أن الزاد والراحلة من السبيل الذي ذكره الله تعالى، ومن شرائط وجوب الحج.\nوقد يقول قائل: إنّ الله تعالى يقول: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وقد بيّن النبي ﷺ السبيل أنه الزاد والراحلة، فيلزم ألا يجب الحج على من كان بينه وبين البيت مسافة يسيرة، ويمكنه الذهاب إلى البيت ماشيا.\nولكنا نقول: إن الله ﷾ لما قال: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ وهو عامّ في القريب والبعيد، قد لا يتيسّر له الحج، قال: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا أي أنّ\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ١٧٦)، كتاب الحج، باب ما جاء في التغليظ حديث رقم (٨١٢) .\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ١٧٧)، كتاب الحج، باب ما جاء في إيجاب الحج حديث رقم (٨١٣) وابن ماجه في السنن (٢/ ٩٦٧)، كتاب المناسك، باب ما يوجب الحج حديث رقم (٢٨٩٦) .","vol":"1","page":197},{"text":"الوجوب على المستطيع، واقتصار النبيّ ﷺ في البيان على الزاد والراحلة إنما كان للرد على من يزعم أنه يجب الحج على الناس مطلقا، ولو كانوا في بلاد نائية، ويقدرون على المشي، بدليل أنه لم يذكر عدم المرض وأمن الطريق مثلا، مع أنهما شرطان من شروط الاستطاعة اتفاقا، فالنبيّ ﷺ اقتصر على بيان بعض الحالات، والحالات الأخرى تؤخذ من عمومات أخرى، كقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] وقوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] .\nومعلوم أنّ شرط الزاد والراحلة إنما هو لئلا يشقّ عليه، ويناله ما يضره من المشي، فإذا كان من أهل مكة، أو ما قاربها، ويمكنه الوصول إليه دون مشقة، فهذا مستطيع، ويجب عليه الحجّ.\nوإذا كان لا يصل إليه إلا بمشقة فهذا الذي خفّف الله عنه، ولم يلزمه الفرض حتى يكون مستطيعا إليه سبيلا: زادا وراحلة.\nويرى بعض العلماء أنّ وجود المحرم للمرأة من شرائط وجوب الحجّ مستدلا بما\nروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي رحم محرم أو زوج» «١» .\nوروي عن ابن عباس أنه قال: خطب النبيّ ﷺ فقال: «لا تسافر امرأة إلّا ومعها ذو محرم» .\nفقال رجل: يا رسول الله إني قد اكتتبت في غزوة كذا، قد أرادت امرأتي أن تحجّ.\nفقال ﵊: «احجج مع امرأتك» «٢» .\nوهذا يدل على أن المرأة إذا أرادت الحجّ ليس لها أن تحج إلا مع زوج، أي ذي رحم محرم، من وجوه:\nأحدها: أن السائل فهم من قوله:\nلا تسافر ...\nإلخ ذلك، ولذلك سأله عن امرأته التي تريد الحج ماذا يفعل، وقد اكتتب في الغزو؟ ولم ينكر النبي عليه ذلك.\nوثانيها:\nأن النبي ﷺ قال: حج مع امرأتك\nوفي ذلك دلالة على أنه حين\nقال: «لا تسافر امرأة ...\nإلخ أراد ما يعم سفر الحج.\nثالثها: أنه أمره بترك الغزو وهو فرض للحج مع امرأته، ولو جاز لها الحج بغير محرم أو زوج لما أمره بترك الغزو.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٩٧٧)، ١٥- كتاب الحج، ٧٤- باب سفر المرأة حديث رقم (٤٢٣/ ١٣٤٠) .\n(٢) رواه أحمد في المسند (١/ ٢٢٢) .","vol":"1","page":198},{"text":"وفي عدم سؤال النبي ﷺ للرجل عن حج امرأته أفرض هو أم تطوّع دليل على أنه لا فرق بين أن يكون الحج فرضا أو تطوعا.\nوقد ورد في السنة ما يؤخذ منه باقي شروط الاستطاعة، كاستمساك من يجد الراحلة عليها.\nهذا وقد اختلف في حج الفقير البعيد عن البيت الذي لا يجد الزاد والراحلة. إذا أمكنه المشي، فقال الشافعية والحنفية: لا حج عليه، وإن حج أجزأه ذلك عن حجة الإسلام.\nوحكي عن مالك أن عليه الحج إذا أمكنه المشي، وروي عن ابن الزبير والحسن أن الاستطاعة ما تبلّغه كائنا ما كان.\nوأنت ترى أن الآية بظاهرها،\nوقوله ﷺ: «الاستطاعة الزاد والراحلة»\nيدلان على أنّ لا حج عليه، غير أنه متى وصل إلى هناك في أشهر الحج، فكأنه صار من أهل مكة، فيكون حكمه كحكمهم، فإذا فعله أغناه ذلك عن الفرض.\nوقد حكى الجصاص «١» الخلاف بين الحنفية والشافعية في العبد إذا حجّ، هل يجزئه أم لا؟\nقال الشافعية: يجزئه، واستدلّ الشافعيّ بقياس العبد على الفقير، فإذا قلتم: إن الفقير إذا حجّ فقد أجزأه ذلك، وهو لا يجب عليه، فكذا العبد وأيضا العبد لا تجب عليه الجمعة، وإذا فعلها أجزأته عن الظهر، فكذا إذا فعل الحجّ.\nواستدل الحنفية بما\nروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: «من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ثمّ لم يحجّ فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» «٢»\nفعلم من ذلك أن شرط الحج ملك الزاد والراحلة، والعبد ليس أهلا للملك بحال، فلا يكون أهلا للخطاب بالحج بحال، فلم يجزئه حجّه، كما إذا حج الصبيّ، فإنه إذا بلغ مستكملا الشروط وجب عليه الحج.\nوأجابوا عن القياس على الفقير بأن الفقير أهل لأن يملك، وقد يعرض الملك له في الطريق، فهو بهذه العرضية أهل في الجملة، فإذا وصل إلى مكة وهو لا يملك، فقد سقط هذا الشرط في حقه، لأنه صار من أهل مكة. وأما العبد فالمانع من خطابه رقّه، وهو إنما يفارقه بالعتق.\nواستدلوا أيضا بما\nروي عن جابر قال رسول الله ﷺ: «لو أن صبيا حجّ عشر حجج، لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلا» .\n_________\n(١) أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٢/ ٢٦) .\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":199},{"text":"هذا ملخّص كلام الجصّاص.\nولكنّ المعروف في مذهب الشافعي أنّ العبد إذا حجّ لم تجزئه حجته عن حجة الإسلام إذا عتق.\nولعلّ خلاف الشافعي فيمن أحرم بالحج، ثم عتق وهو واقف بعرفة، أو قبل الوقوف بها فإن حجه يجزئه عن حجة الإسلام، خلافا لأبي حنيفة ومالك ﵄. أما إذا كان العتق بعد فوات الحج، فإنه لا يجزئه، قال النووي من الشافعية:\nوهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال العلماء كافة.\nثم إنّ الحج لا يجب إلا مرة واحدة، لأنّه ليس في الآية ما يوجب التكرار،\nوقد روي عن ابن عباس أنّ الأقرع بن حابس سأل النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله الحجّ في كل سنة أو مرة واحدة فقال: «بل مرّة، فمن زاد فتطوع» «١» .\nوَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ قيل: إنّ هذا الكلام مستقلّ بنفسه، وهو وعيد عام لكلّ من كفر بالله، ولا تعلّق له بما قبله.\nوقيل: إنه متعلّق بما قبله، ومن القائلين بهذا من حمله على تارك الحجّ، ومنهم من حمله على من لم يعتقد وجوبه.\nفأما الذين حملوه على تارك الحج فقد عوّلوا على ظاهر الآية، حيث أوجب الله الحجّ، ثم أتبعه بقوله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ففهم منه أنّ هذا الكفر هو ترك ما تقدم، واستندوا إلى ما\nورد من قوله ﵊: «من استطاع ومات ولم يحجّ فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا» .\nوعن سعيد بن جبير: لو مات جار لي وله ميسرة، ولم يحجّ لم أصلّ عليه.\nوتأويل هذه الأخبار عند الجمهور أنّ الغرض منها التنفير من ترك الحجّ، والتغليظ على المستطعين، حتى يؤدّوا الفريضة، فهو نظير\nقوله ﵊: «من أتى امرأة حائضا في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد» .\nواستدلّ الأكثرون لمذهبهم بما\nروي عن الضحاك في سبب النزول قال: لما نزلت آية الحجّ، جمع رسول الله ﷺ أهل الملل مشركي العرب والنصارى واليهود والمجوس والصابئين وقال: «إنّ الله كتب عليكم الحجّ فحجوا البيت»\nفلم يقبله إلّا المسلمون، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٦٨)، كتاب المناسك، باب فرض الحج حديث رقم (١٧٢١)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٩٦٣)، كتاب المناسك باب الخروج حديث رقم (٢٨٨٦) .","vol":"1","page":200},{"text":"إليه ولا نستقبله فأنزل قوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.\nقال الفخر الرازي: هذا القول هو الأقوى.\nقُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ دعاء عليهم بدوام الغيظ وزيادته بازدياد قوة الإسلام ونصرة أهله حتى يهلكوا به إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما خفي فيها.\nوهو يحتمل أن يكون من تتمة المقول لهم. أي قل لهم: إن الله عليم بما هو أخفى من عض الأنامل إذا خلوتم، فيجازي به.\nويحتمل أن يكون خارجا عن المقول لهم: أي قل لهم ما تقدم، ولا تتعجب من اطلاعي إياك على أسرارهم، فإني عليم بما خفي في ضمائرهم.\nإِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها المسّ هنا والإصابة بمعنى واحد والمراد بالحسنة هنا النفع الدنيوي: كالصحة، والخصب، والألفة، واجتماع الكلمة، والظفر بالأعداء. والمراد بالسيئة: المحنة كإصابة العدو من المسلمين واختلاف الكلمة فيما بينهم.\nوَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا الكيد هو أن يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه، وفسره ابن عباس هنا بالعداوة.\nوالمعنى: أن من صبر على الطاعة واتّقى ما نهى الله عنه كان في حفظ الله، فلا يضره كيد الكائدين، ولا حيل المحتالين، وتحقيق ذلك أنّ الله ﷾ إنما خلق الخلق للعبادة كما قال: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) [الذاريات: ٥٦] فمن وفّى بعهده العبودية في ذلك فالله أكرم من أن لا يفي بعهد الربوبية في حفظه من كل مكروه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣] .\nإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ إطلاق لفظ محيط على الله تعالى مجاز، لأن الإحاطة بالشيء من صفات الأجسام، لكنه تعالى لما كان عالما بكل الأشياء، قادرا على كل الممكنات جاز في مجاز اللغة أنّه محيط بها.\nوالمراد أن جميع أعمالهم معلومة لله تعالى، وسيجازيهم عليها.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) .\nالمراد من أكل الربا أخذه، وعبّر به لما أنّه معظم ما يقصد به، ولشيوعه في المأكولات، والأضعاف جمع ضعف، وضعف الشيء مثله معه، وضعفاه مثلاه معه. فإذا قيل: ضعف العشرة لزم أن تجعلها عشرين، لأنّ العشرين أول مراتب تضعيفها. ولو قال:","vol":"1","page":201},{"text":"له عندي ضعف درهم لزمه درهمان، وله عندي ضعفا درهم لزمه ثلاثة دراهم.\nكان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل، فإذا حل الأجل، ولم يكن المدين واجدا لذلك المال، قال: زد في المال وأزيدك في الأجل، فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثاني، فعل مثل ذلك، إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها. فهذا هو المراد من قوله تعالى: أَضْعافًا مُضاعَفَةً وليست هذه الحال لتقييد المنهيّ عنه: حتى يكون أصل الربا غير منهي عنه، بل لمراعاة الواقع، وللتشنيع عليهم، بأن في هذه المعاملة ظلما صارخا، وعدوانا مبينا، واحتجّ بهذا نفاة مفهوم المخالفة، القائلون بأن المخصوص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه.\nوأجيب بأنّ من شرط مفهوم المخالفة ألا يكون للمذكور فائدة غير التخصيص بالحكم، ومتى ظهرت له فائدة سوى التخصيص بالحكم بطل وجه دلالته عليه، والوصف بالتضعيف قد ذكر هنا لبيان الواقع كما تقدم، فظهرت له فائدة غير التخصيص بالحكم، فانتفى شرط العمل بمفهوم المخالفة هنا لذلك.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ فيما نهيتم عنه، ومن جملته أكل الربا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكي تفلحوا، أو راجين الفلاح، فمن أكل الربا ولم يتق الله لا يرجى فلاحه، وهذا تنصيص على أن الربا من الكبائر لا من الصغائر.\nوَاتَّقُوا النَّارَ أي احذروها بالتحرّز عن أكل الربا المفضي إلى دخول النار، الَّتِي أُعِدَّتْ هيئت لِلْكافِرِينَ النار مخلوقة للكافرين معدّة لهم أولا وبالذات وغيرهم من عصاة المؤمنين يدخلها على وجه التبع، وفي ذلك إشارة إلى أن أكلة الربا على شفا حفرة الكافرين. روي عن أبي حنيفة ﵁ أنه كان يقول: إن هذه الآية هي أخوف آية في القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدّة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.\nوتدل هذه الآية على أن النار مخلوقة الآن، لأنّ قوله تعالى: أُعِدَّتْ إخبار عن الماضي، فلا بد أن يكون ذلك الشيء المعدّ قد دخل في الوجود.\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) لمّا ذكر الوعيد ذكر الوعد بعده على ما هو العادة المستمرّة في القرآن الكريم.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>من سورة النساء</span>\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)\nقوله جلّ شأنه: وَبَثَّ مِنْهُما معناه: نشر، وفرّق منهما على سبيل التناسل والتوالد. وقوله: تَسائَلُونَ بِهِ معناه: يسأل بعضكم بعضا به، مثل: أسألك بالله، وأنشدك الله، والمفاعلة على ظاهرها، أو بمعنى تسألون كثيرا. الرقيب: الحفيظ المطلع العالم.\nيأمر الله المكلّفين جميعا بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، مما يتعلّق بحقوقه، وحقوق عباده، ويتناول ذلك بعمومه ما سيذكر في السورة بعد من صلة الأرحام، ورعاية حال الأيتام والعدل في النكاح والميراث، إلى غير ذلك.\nولقد أكّد الله الأمر بالتقوى بما يحمل المخاطبين على الامتثال، فذكر اسمه بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين، ووصف نفسه بأنه خالقهم، وأنّ مبدأ خلقهم نفس واحدة، وأنه خلق منها زوجها، ونشر من الزوجين رجالا كثيرا ونساء، كلّ ذلك بما يؤيد الأمر، ويؤكّد إيجاب الامتثال، فإنّ الاستعمال جار على أن الوصف الذي علّق به الحكم علة موجبة له، وداعية إليه، ولا شك أنّ ما ذكر يدلّ على القدرة القاهرة، والنعمة الجسيمة، والمنة العظيمة، والقدرة توجب التقوى حذرا من العقاب، والنعمة تدعو إليها طلبا للمزيد، ووفاء بالشكر الواجب.\nوفي الامتنان بخلقنا من نفس واحدة ما يوجب الحرص على امتثال الأوامر الآتية، فإنه جلّ شأنه ذكر عقيب الأمر بالتقوى الأمر بالإحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء، وكون الناس بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى بليغ، ذلك لأنّ الأقارب لا بد أن يكون بينهم نوع مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة، ألا ترى أن الإنسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه، ويحزن بذمهم والطعن فيهم،\nوقد قال ﵊: «إنما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها» «١»\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٦٥٦)، كتاب المناقب، باب فضل فاطمة حديث رقم (٣٨٦٩) .","vol":"1","page":203},{"text":"وإذا كان الأمر كذلك فلا جرم إن كان ذكر هذا المعنى سببا في زيادة الشفقة والحنوّ على اليتامى والنساء وذوي الأرحام.\nوالمراد من النفس الواحدة آدم ﵇، والذي عليه الجماعة من الفقهاء والمحدثين أنه ليس سوى آدم واحد، وهو أبو البشر، والمراد من الزوج حوّاء، وقد خلقت من ضلع آدم ﵇، وأنكر أبو مسلم خلقها من الضلع، لأنه ﷾ قادر على خلقها من التراب، فأي فائدة في خلقها من الضلع، وزعم أنّ معنى مِنْها من جنسها، على حد قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا [الشورى: ١١] وهو باطل، إذ لو كان الأمر كما قال. لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة، وهو خلاف النص.\nوهو أيضا خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ،\nروى الشيخان: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنهنّ خلقن من ضلع، وإنّ أعوج شيء من الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنّساء خيرا» «١»\nوقدرة الله على خلق حواء من تراب لا تمنع عن خلقها من غيره. فقد خلق الناس بعضهم من بعض، مع القدرة على خلقهم كآدم من تراب، ولعلّ الفائدة في خلق حواء من ضلع آدم- سوى الحكمة التي خفيت علينا- إظهار أنه سبحانه قادر على أن يخلق حيا من حي، لا على سبيل التوالد، كما أنه قادر على أن يخلق حيا من جماد كذلك، والله أعلم.\nثم أكد الله الأمر بالتقوى، وكرّره بقوله جل شأنه: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ وفي تعليق الحكم بما في حيز الصلة إشارة إلى نوع آخر من موجبات الامتثال، فإنّ قول الرجل لصاحبه أسألك بالله على سبيل الاستعطاف يقتضي الاتقاء والحذر من مخالفة أوامره ونواهيه.\nقرأ غير حمزة من السبعة وَالْأَرْحامَ بالنصب، والمعنى على هذه القراءة، واتقوا الله تعالى واتقوا الأرحام وصلوها ولا تقطعوها، فإن قطعها مما يجب أن يتّقى.\nوقرأ حمزة وَالْأَرْحامَ بالجر، وخرّجت في المشهور على العطف على الضمير المجرور، والعطف على الضمير المجرور دون إعادة الجارّ أجازه جماعة من النحاة وأنشد سيبويه في ذلك:\nفاليوم قد بتّ تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ١٧٨)، ٦٧- كتاب النكاح، ٨١- باب الوصاة بالنساء حديث رقم (٥١٨٦)، ومسلم في الصحيح (٢/ ١٠٩١)، ١٧- كتاب الرضاع، ١٨- باب الوصية بالنساء حديث رقم (٦٥/ ١٤٦٨) . [.....]","vol":"1","page":204},{"text":"إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا في موضع التعليل للأمر ووجوب الامتثال يؤخذ من هذه الآية جواز المسألة بالله تعالى،\nوقد روى الليث عن مجاهد عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ: «من سأل بالله فأعطوه وإن شئتم فدعوه» .\nويؤخذ منها أيضا تعظيم حقّ الرّحم، وتأكيد النهي عن قطعها، إذ قرن الله الأرحام باسمه سبحانه، وقال في موضع آخر: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) [محمد: ٢٢] فقرن قطع الرحم إلى الفساد في الأرض،\nوأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تعالى خلق الخلق حتّى إذا فرغ منهم، قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أنّ أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك» «١» .\nوتدل الآية أيضا على تقدير التساؤل بالأرحام، لا سيما على قراءة حمزة:\nواعترض على ذلك ابن عطية، وزعم أن الحديث الصحيح يردّه،\nفقد أخرج الشيخان عنه ﷺ: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «٢»\nوأنت تعلم أنّ قول الرجل لصاحبه: أسألك بالرحم أن تفعل كذا، ليس الغرض منه سوى الاستعطاف والتأكيد، فهو إذا ليس بيمين، فلا يكون من متعلّق النهي الذي تضمّنه الأمر «فليحلف بالله» في شيء.\nقال الله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) هذا شروع في تفصيل ما تجب تقوى الله فيه، والخطاب للأوصياء، ما دام المال بأيديهم، واليتامى في حجورهم، واليتيم من الإنسان من مات أبوه، من اليتم وهو الانفراد، والاشتقاق يقتضي صحة إطلاقه على الصغار والكبار، لكنّ الشرع والعرف خصصاه بالصغار،\nروى علي كرم الله وجهه وجابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يتم بعد احتلام» «٣» .\nلا خلاف بين أهل العلم في أنّ اليتيم لا يعطى ماله قبل البلوغ، لكنّ ظاهر قوله\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٧/ ٩٦)، ٧٨- كتاب الأدب، ١٣- باب من وصل وصله الله حديث رقم (٥٩٨٧)، ومسلم في الصحيح (٤/ ١٩٨١)، ٤٥- كتاب البر، ٦- باب صلة الرحم حديث رقم (١٦/ ٢٥٥٤) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٢١٦)، ٥٢- كتاب الشهادات، ٢٦- باب كيف يستحلف حديث رقم (٢٦٧٩)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٦٧)، ٢٧- كتاب الأيمان، ١- باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى حديث رقم (٣/ ١٦٤٦) .\n(٣) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٣٧)، كتاب الوصايا، باب ما جاء متى ينقطع اليتم حديث رقم (٢٨٧٣) .","vol":"1","page":205},{"text":"تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ يوجب إعطاءهم أموالهم قبل البلوغ، فكان ذلك مشكلا، وللعلماء فيه محملان:\nالأول: أن يجعل إيتاء الأموال مجازا عن تركها سالمة من غير أن يتعرّض لها بسوء، فالإيتاء مستعمل في لازم معناه، وتبقى كلمة الْيَتامى على حقيقتها، كما هو المتبادر منها شرعا وعرفا.\nوالمحمل الثاني: أن يكون الإيتاء مستعملا في حقيقته بمعنى الإعطاء بالفعل، وتكون كلمة الْيَتامى مجازا باعتبار ما كان، وأوثر التعبير عن الكبار باليتامى لقرب العهد بالصّغر، وللإشارة إلى وجوب المسارعة والمبادرة بدفع أموالهم إليهم، حتى كأنّ اسم اليتم باق غير زائل، وهذا المعنى يسمى في الأصول بإشارة النص.\nولكل من المحملين ما يؤيده:\nفحجة الأول: قوله تعالى بعد آيات وَابْتَلُوا الْيَتامى إلخ فإنه كالدليل على الآية الأولى في الحث على حفظ أموال اليتامى، لتدفع إليهم عند بلوغهم ورشدهم، وأنّ الآية الثانية في الحث على الدفع الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد، ولو كان الإيتاء في الآية الأولى باقيا على حقيقته لكان مؤدى الآيتين كالشيء الواحد.\nوحجة المحمل الثاني: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه، فخاصمه إلى النبي ﷺ. فنزلت وَآتُوا الْيَتامى إلخ فإن ذلك يدلّ على أن المراد بالإيتاء الإعطاء بالفعل، ولا سيما أنه قد روى الثعلبي «١» والواحدي عن مقاتل والكلبي «٢» أن العمّ لما سمعها قال: أطعنا الله ورسوله، نعوذ بالله من الحوب الكبير «٣» .\nوَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ تبدّل الشيء بالشيء، واستبدله، إذا أخذ الأوّل بدل الثاني، بعد أن كان حاصلا له، أو على شرف الحصول، ويتعدّيان أبدا إلى الزائل بالباء، وإلى بدله بأنفسهما كما هنا، ومنه قوله تعالى: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ [البقرة: ١٠٨] وقوله: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة: ٦١] .\nوأما التبديل أو الإبدال فهو التغيير مطلقا، وقد يتعدّى إلى مفعول واحد، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ [البقرة: ١٨١] وإلى مفعولين بنفسه فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧٠]\n_________\n(١) أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أبو إسحاق المفسر توفي (٤٢٧) من أهل نيسابور له اشتغال بالتاريخ، انظر الأعلام للزركلي (١/ ٢١٢) .\n(٢) محمد بن السائب بن بشر الكلبي توفي (١٤٦) نسابة، عالم بالتفسير، من أهل الكوفة، انظر الأعلام للزركلي (٦/ ١٣٣) .\n(٣) معالم التنزيل للبغوي المعروف بتفسير البغوي (١/ ٣٩٦) .","vol":"1","page":206},{"text":"فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ [الكهف: ٨١] وإلى أحد المفعولين بنفسه والثاني بالباء سواء في ذلك الزائل وبدله، وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ [سبأ: ١٦] .\nوقال طفيل الغنوي لما أسلم:\nوبدل طالعي نحسي بسعدي\nوالمراد بالخبيث والطيب: الحرام والحلال، أي لا تتركوا مالكم الحلال، وتأكلوا الحرام من أموالهم، أو لا تتركوا العمل الحلال، وهو حفظ أموالهم، وتركبوا الحرام، وهو أكل أموالهم، والعمل على اختزالها، وأيا ما كان الأمر فالتعبير عن الحرام والحلال بالخبيث والطيب للتنفير من أكل أموال اليتامى، والترغيب في حفظها وإنمائها.\nوقد قال بعض المفسرين: المراد بالخبيث والطيب الرديء والجيّد، وإلى ذلك ذهب النخعي، والزهري، وابن المسيب، والسدي: فقد أخرج ابن جرير «١» عنه أنه قال: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشاة المهزولة ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد، ويضع مكانه الزائف، ويقول: درهم بدرهم. وتخصيص هذه المعاملة بالنهي لخروجها مخرج العادة، لا لإباحة ما عداها، فلا مفهوم لعدم توفّر شرطه عند القائل به.\nوَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ والمراد من الأكل مطلق الانتفاع، وعبّر عنه بالأكل لأنه أغلب أحواله.\nوالمعنى: ولا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، أي لا تسوّوا بينهما، وتنفقوهما معا، وهذا حلال وذاك حرام، وورد النهي على هذا الأسلوب يدل على تقبيح فعلهم، والتشنيع عليهم، حيث كانوا يأكلون أموال اليتامى مع الغنى عنها.\nوإذا لا يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها، وظاهر النهي عدم جواز أكل شيء من أموال اليتامى، وقد خص من ذلك مقدار أجر المثل إذا كان الوصيّ فقيرا، لقوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: ٦] وسيأتي الكلام فيه.\nوالضمير في قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا للأكل المفهوم من قوله جل شأنه:\nوَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ، وقيل: للتبدل، وقيل: لهما، ويكون حينئذ منزّلا منزلة اسم الإشارة، والحوب: الإثم، وفي تنوينه ووصفه بأنه كبير تهويل لأمره المنهيّ عنه، والتنصيص على أنه من كبائر الذنوب العظيمة.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٥٣) .","vol":"1","page":207},{"text":"واحتجّ الجصاص «١» بقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ على وجوب دفع المال إلى اليتيم إذا بلغ خمسا وعشرين سنة، قال: لم يشترط في هذه الآية إيناس الرشد في دفع المال إليهم، وظاهره يقتضي وجوب دفعه إليهم بعد البلوغ، سواء آنسنا منهم الرشد، أو لم نأنس، إلا أنه قد شرطه في قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: ٦] فكان ذلك مستعملا عند أبي حنيفة ما بين بلوغ الحلم وبين خمس وعشرين سنة، فإذا بلغها، ولم يأنس منه رشد، وجب دفع المال إليه، لقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة على مقتضاه وظاهره، وفيما قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد، لاتّفاق أهل العلم على أنّ إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه، يعني ولا إجماع على هذا الشرط بعد بلوغ هذه السن، ثم قال: وهذا وجه سائغ من قبل أنّ فيه استعمال كلّ واحدة من الآيتين على فائدتها، ومقتضى ظاهرها، ولو اعتبرنا إيناس الرشد على سائر الأحوال لكان فيه إسقاط حكم الآية الأخرى رأسا، ومعلوم أنّه متى أمكننا استعمال الآيتين على فائدتهما لم يجز الاقتصار بهما على إحداهما وإسقاط فائدة الأخرى.\nوأنت تعلم أنّ هذا الاستدلال متوقف على أنّ المراد بالإيتاء الإعطاء والدفع بالفعل، وأنّ المراد باليتامى اليتامى باعتبار ما كان، وهو أحد احتمالين في الآية على ما سبق، ونحن نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية الاحتمال الثاني، وهو أنّ الإيتاء مستعمل في الحفظ والصيانة، واليتامى باق على حقيقته، وحينئذ يكون في هذا التأويل إعمال كلّ من الآيتين على فائدتها، ولو سلمنا قصر الآية على الاحتمال الأول، فالتعارض بينها وبين قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى إلخ وقوله جل شأنه: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ تعارض الخاصّ مع العام، لأنّ الآية الأولى توجب دفع المال إلى اليتامى كلهم، والآيتان بعدها تحرّمان دفع المال إليهم إذا كانوا سفهاء، ولا شكّ أنّ الخاص مقدّم على العامّ، وسيأتي الكلام في وجه اختيار هذه السن عند قوله تعالى:\nفَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: ٦] .\nقال الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) المراد من الخوف العلم، عبّر عنه بذلك إيذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا، والإقساط: الإنصاف والعدل، أقسط أزال القسوط: وهو الظلم والحيف، ويقال:\nأقسط: أي صار ذا قسط، والقسط العدل.\n_________\n(١) أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٢/ ٤٩) .","vol":"1","page":208},{"text":"كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: ١٣٥] ما طاب: ما مالت إليه نفوسكم واستطابته.\nوفي قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ تأويلات منها: ما رواه البخاريّ ومسلم والنسائي والبيهقي في «سننه» وغيرهم عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة ﵂، عن هذه الآية فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصّداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ «١» .\nوفي بعض الروايات «٢» هذه الزيادة: قالت عائشة ﵂: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [النساء: ١٢٧] قالت: وقوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ المراد منه هذه الآية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ.\nوالمعنى على هذه الرواية: وإن علمتم ألا تعدلوا في نكاح اليتامى اللاتي تلونهنّ، فانكحوا ما مالت إليه نفوسكم من النساء غيرهنّ.\nوالمقصود في الحقيقة النهي عن نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل، إلا أنه أوثر التعبير عنه بالأمر بنكاح الأجنبيات كراهة النهي الصريح عن نكاح اليتيمات، ولما فيه من مزيد اللطف في صرف المخاطبين عن نكاح اليتامى حال العلم بعدم العدل، فكأنه قيل: وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فلا تنكحوهن، ولكم في غيرهن من النساء متسع، فانكحوا ما طاب لكم.\nومنها أنه لما نزلت آية وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ تحرّج الأولياء من ولايتهم، مع أنّهم كانوا لا يتحرّجون من ترك العدل في حقوق النساء، حيث إن تحت الرجل عشر منهن لا يعدل بينهن فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم، فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء، وقلّلوا عدد المنكوحات منهن، لأنّ من تحرّج من ذنب وهو مرتكب مثله فهو غير متحرج.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٢٠٩)، ٦٥- كتاب تفسير القرآن، ١- باب (إن خفتم) حديث رقم (٤٥٧٤)، ومسلم في الصحيح (٤/ ٢٣١٣)، ٥٤- كتاب التفسير حديث رقم (٦/ ٣٠١٨) .\n(٢) انظر تخريج الحديث السابق نفسه.","vol":"1","page":209},{"text":"وقيل: كانوا لا يتحرّجون من الزنى، وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى، فقيل:\nإن خفتم الحوب في حق اليتامى فخافوا الزنى فانكحوا ما طاب إلخ.\nوالآية على تأويل عائشة تشهد لمن قال: إنّ لغير الأب والجد أن يزوّج الصغيرة أو يتزوجها، لأنها- على هذا التأويل- نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ولا يقسط لها في الصداق.\nوأقرب وليّ تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوجها هو ابن العم، فقد تضمّنت الآية جواز أن يتزوّج ابن العم اليتيمة التي في حجره، وإذا جاز له أن يتزوجها، فإمّا أن يلي هو النكاح بنفسه، وإمّا أن يزوجه إياها أخوها مثلا، وأيا ما كان الأمر فلغير الأب والجد أن يزوّج الصغيرة.\nومن قال من الأئمة: لا يزوّج الصغيرة إلا الأب أو الجد، يحمل الآية على أحد التأويلين الآخرين، أو يحمل اليتامى على الكبار منهنّ، ويكون التعبير عنهنّ باليتامى باعتبار ما كان، لقرب عهدهن باليتم.\nوالأمر في قوله تعالى: فَانْكِحُوا للإباحة، مثل قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا [البقرة: ٦٠] وقيل: للوجوب، أي وجوب الاقتصار على العدد المأخوذ من قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ لا وجوب أصل النكاح، وتمسك الظاهرية بهذه الآية في وجوب أصل النكاح، وهم محجوجون بقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلى قوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [النساء: ٢٥] فحكم تعالى بأنّ ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله، فدلّ ذلك على أنه ليس بمندوب فضلا عن أنه واجب.\nوقوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ حال من فاعل طابَ أو من مرجعه، أو بدل منه، والكلمات الثلاث من ألفاظ العدد، وتدلّ واحدة منها على المكرّر من نوعها، ف مَثْنى تدل على اثنين اثنين، وثُلاثَ تدل على ثلاثة ثلاثة، ورُباعَ تدل على أربعة أربعة. والمراد منها هنا الإذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين.\nولو أفردت كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع، ولو ذكرت (بأو) لذهب تجويز الاختلاف في العدد، وفي هذه الآية دلالة على جواز تعدد الزوجات إلى أربع، وعلى أنه لا يجوز التزوّج بأكثر من أربعة مجتمعات، لأنّ هذا العدد قد ذكر في مقام التوسعة على المخاطبين كما علمت، فلو كان وراء هذا العدد مباح لا قتضى المقام ذكره.\nوقد أجمع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع، ولا يقدح في هذا الإجماع ما ذهب إليه بعض المبتدعة من جواز التزوّج بأي عدد، فإنّ الإجماع قد","vol":"1","page":210},{"text":"وقع، وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور هؤلاء الشّذاذ المخالفين.\nوتمسّك الإمام مالك بظاهر هذه الآية في مشروعية نكاح الأربع للأحرار والعبيد، فالعبيد داخلون في الخطاب بقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ إلخ. فيجوز لهم أن ينكحوا أربعا كالأحرار، ولا يتوقف نكاحهم على الإذن، لأنهم يملكون الطلاق، فيملكون النكاح.\nوذهب الحنفية والشافعية إلى أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين، لما روى الليث عن الحكم قال: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين، قالوا: والخطاب في قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ لا يتناول العبيد، لأنه إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها، والعبد ليس كذلك، لأنه لا يجوز نكاحه إلا بإذن مولاه،\nلقوله ﷺ: «أيّما عبد تزوّج بغير إذن مولاه فهو عاهر» «١»\n، ولأن في تنفيذ نكاحه تعييبا له، فلا يملكه دون إذن المولى.\nوأيضا قوله تعالى بعد: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ لا يمكن أن يدخل فيه العبيد، لعدم الملك، فحيث لم يدخلوا في هذا الخطاب لم يدخلوا في الخطاب الأول، لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد، فبعيد أن يدخل في الخطاب السابق ما لا يدخل في اللاحق.\nوكذلك لا يمكن دخولهم في قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء: ٤] والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون لسيده فيكون الآكل السيّد لا العبد.\nفَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا المراد بالعدل هنا العدل بين الزوجات المتعددات، كما صرّح بذلك في قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء: ١٢٩] كأن الله تعالى لما وسّع عليهم بقوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أنبأهم أنه قد يلزم من الاتساع خوف الميل، فالواجب حينئذ أن يحترزوا بالتقليل، فيقتصروا على الواحدة، والمعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا بين النساء المتعددات في عصمتكم، كما خفتموه في حق اليتامى، فاختاروا أو فالزموا واحدة، أو أي عدد شئتم من السراري من غير حصر، لقلّة تبعتهنّ، وخفّة مؤونتهنّ، وعدم وجوب القسم فيهنّ.\nوعلى هذا التأويل: يكون المراد من اختيار الإماء اختيارهن بطريق التسرّي، لا\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ١٩٠)، كتاب النكاح حديث رقم (٢٠٧٨)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٤١٩)، كتاب النكاح حديث رقم (١١١١) .","vol":"1","page":211},{"text":"بطريق النكاح، ويشهد له أن الظاهر اتحاد المخاطبين في المعطوف والمعطوف عليه في قوله تعالى: فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وعليه يكون الذي خيّر بين الحرة الواحدة والعدد من الإماء هو مالك الإماء لا غير، ولو كان التخيير واقعا بين أن يتزوج حرّة واحدة، أو يتزوج من شاء من الإماء اللاتي يملكهنّ لاقتضى ذلك ورود النكاح على ملك اليمين.\nوقد قالوا: لا يجوز أن يتزوّج المولى أمته، ولا المولاة عبدها، لأنّ للزوجية لوازم تنافي لوازم ملك اليمين، ألا ترى أنّ من لوازم الزوجية حقّ الإخدام على الزوج لزوجته، ومن لوازم الملك حق الاستخدام عليها لسيدها ولمن شاء، ومعلوم أن الإخدام والاستخدام لا يجتمعان- وأنه متى تنافت اللوازم تنافت الملزومات، فلا يجتمع ملك اليمين والزوجية، والآية هنا جارية في الخطاب على خلاف ما جرت عليه الآية الآتية، وهي قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: ٢٥] فإن المأمورين بالنكاح هنا غير المخاطبين بملك اليمين.\nوذلك ظاهر بشهادة قوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ وقوله بعد: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ [النساء: ٢٥] وسيأتي عما قريب إيضاح ذلك إن شاء الله.\nوقد حاول الجصاص «١» الاستدلال بقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ على جواز التزوّج بالأمة مع وجود الطول إلى الحرة، وسلك بالآية طريقا لم يرتضه جمهور المفسرين.\nوذلك أنه يرى أنّ قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ معطوف على كلمة النِّساءِ في قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ وبذلك يكون التخيير واقعا بين أربع حرائر وأربع إماء: بعقد النكاح، فيوجب ذلك تخييره بين تزوج الحرة والأمة، وهذا بعيد كل البعد كما ترى.\nويرى أيضا عدم اتحاد المخاطبين في قوله تعالى: فَانْكِحُوا وقوله تعالى: فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قال: لما أضاف ملك اليمين إلى الجماعة كان المراد نكاح ملك يمين الغير، كقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلخ، وقد علمت ما فيه آنفا.\nذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا الإشارة إلى اختيار الواحدة والتسرّي.\nأَدْنى معناه أقرب. والعول في الأصل الميل المحسوس، يقال: عال الميزان عولا إذا مال، ثم نقل إلى الميل المعنوي، وهو الجور، يقال عال الحاكم إذا جار، والمراد هنا الميل المحظور المقابل للعدل، المعنى أن ما ذكر من اختيار الواحدة\n_________\n(١) أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٢/ ١٥٧) .","vol":"1","page":212},{"text":"والتسرّي أقرب بالنسبة إلى ما عداهما من ألا يميلوا ميلا محظورا، فإنّ من اختار واحدة فقد انتفى عنه الميل والجور رأسا، ومن تسرّى فقد انتفى عنه خطر الجور والميل، أما من اختار عددا من الحرائر فالميل المحظور متوقّع منه لا محالة.\nوقد حكي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه فسر أَلَّا تَعُولُوا بألا تكثر عيالكم، وخطّأه في ذلك الجصاص تبعا للمبرّد «١»، وزعما أنه لا يقال: عال بمعنى كثرت عياله، وإنما يقال: أعال يعيل، ولكنّ صاحب «الكشاف» «٢»، قال: نقل الكسائي عن فصحاء العرب: عال يعول إذا كثرت عياله، وممن نقله الأصمعي «٣» والأزهري «٤»، وهذا التفسير نقله ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم، وهو من جلة التابعين، وقراءة طاووس ألا تعيلوا مؤيدة له، فلا وجه لتشنيع من شنّع على الإمام جاهلا باللغات والآثار اهـ.\nقال الله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) المراد بالإيتاء: ما يعمّ المناولة والالتزام.\nو(الصّدقات): جمع صدقة بفتح الصاد وضم الدال، وهي كالصداق بمعنى المهر.\nوالنّحلة: العطية من غير عوض، ومن ذلك النّحلة بمعنى الديانة، لأنها عطية من الله تعالى، وكذلك النحل لما يعطي من العسل، والناحل المهزول، كأنه أعطى لحمه حالا بعد حال بلا عوض، والمنحول من الشّعر المنسوب لغير قائله، ومن فسّر النّحلة هنا بالفريضة نظر إلى أنّ هذه العطية مفروضة من الله محتومة، كما قال تعالى بعد آيات المواريث فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [النساء: ١١] .\nذهب ابن عباس إلى أن الخطاب في قوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ للأزواج، وكان الرجل يتزوّج بلا مهر، يقول: أرثك وترثينني، فتقول: نعم، فأمروا أن يسرعوا إلى إيتاء المهور، وقيل: الخطاب للأولياء: أخرج ابن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج أيّما، أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك ونزلت: وَآتُوا النِّساءَ الآية «٥» .\n_________\n(١) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي، إمام العربية والأدب في بغداد توفي سنة (٢٨٦) انظر الأعلام للزركلي (٧/ ١٤٤) .\n(٢) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للإمام الزمخشري (١/ ٤٦٩) . [.....]\n(٣) عبد الملك بن قريب بن علي توفي سنة (٢١٦ هـ) في البصرة، أحد أئمة اللغة والشعر، انظر الأعلام للزركلي (٤/ ١٦٢) .\n(٤) محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي أحد أئمة اللغة والأدب توفي (٣٧٠) في خراسان، انظر الأعلام للزركلي (٥/ ٣١١) .\n(٥) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٢/ ١١٩) .","vol":"1","page":213},{"text":"والضمير المجرور بمن في قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا عائد على الصّدقات، وذكر لإجرائه مجرى الإشارة، وكثيرا ما يشار بالمفرد إلى المتعدد، كأنه قيل: طبن لكم عن شيء من ذلك المذكور، وهو الصدقات، كما قال رؤبة:\nفيها خطوط من سواد وبلق ... كأنّه في الجلد توليع البهق\nأراد: كأنّ ذلك، وليس المراد من قوله تعالى: فَكُلُوهُ خصوص الأكل، إنما المراد حلّ التصرف فيه، وخصّ الأكل بالذكر، لأنه معظم وجوه التصرفات المالية، وتقدّم نظيره في قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النساء: ٢] والهنيء والمريء صفتان من هنؤ الطعام يهنؤ هناءة، فهو هنيء، ومرؤ يمرؤ مراء، فهو مريء.\nقيل: معناهما واحد، وهو خفة الطعام على المعدة، وانحداره عنها بلا ضرر.\nوقيل: الهنيء الذي يلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته، وقيل: ما ينساغ في مجراه، وهو المريء كأمير، وهو رأس المعدة اللاصق بالحلقوم، سمّي بذلك لمرور الطعام فيه أي انسياغه.\nدلت هذه الآية على أمور منها، أن الفروج لا تستباح إلا بصداق ملزم، سواء سمّي ذلك في العقد أو لم يسمّ.\nوأن الصداق ليس في مقابلة الانتفاع بالبضع، لأنّ الله تعالى جعل منافع النكاح:\nمن قضاء الشهوة، والتوالد، مشتركة بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر، فكان ذلك عطية من الله ابتداء.\nوأنه يجوز للزوجة أن تعطي زوجها مهرها، أو جزءا منه، سواء أكان مقبوضا معينا، أم كان في الذمة، فشمل ذلك الهبة والإبراء، وأنه ينبغي للأزواج الاحتياط فيما أعطت نساؤهم، حيث بني الشرط على طيب النفس، فقال: فَإِنْ طِبْنَ ولم يقل: فإن وهبن إعلاما بأنّ المراعى في ذلك هو تجافيها عن المعطى طيّبة به نفسها، من غير أن يكون السبب فيه شراسة خلق الزوج، أو سوء معاشرته.\nوأنه يحلّ للزوج أخذ ما وهب زوجته بالشرط السابق من غير أن يكون عليه تبعة في الدنيا والآخرة.\nواحتج الجصاص بقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً على إيجاب المهر كاملا للمخلو بها خلوة صحيحة، ولو طلّقت قبل المساس، وأنت تعلم أنّ هذه الآية عامة في كل النساء بسواء المخلوّ بها وغيرها، إلّا أنّ قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧] يدل على أنه لا يجب للمخلوّ بها إلا نصف المهر، وهذه الآية خاصّة، ولا شك أن الخاصّ مقدم على العام، فالخلوة الصحيحة لا تقرّر المهر كلّه.","vol":"1","page":214},{"text":"قال الله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) أصل السفه: الخفة والحركة. يقال تسفّهت الريح الشجر إذا أمالته، والمراد به هنا خفّة الأحلام، واضطراب الآراء، ومن معاني القيام الانتصاب على القدمين، والاعتدال، وما يعاش به، وهذا الأخير هو المناسب هنا.\nواختلف المفسّرون في تعيين المخاطبين بقوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ كما اختلفوا في المراد من السفهاء على أقوال أشهرها: أن المخاطبين هم أولياء اليتامى، والسفهاء هم اليتامى مطلقا، أو المبذرون بالفعل، والأموال أموالهم، لا أموال الأولياء، وعليه يكون ذكر هذه الآية الكريمة رجوعا لبيان شيء من الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى، وتفصيلا لما أجمل فيما سبق، ويكون ذكر الأحكام المتعلقة بنكاح الأجنبيات ومهورهنّ وهبتهنّ استطرادا، وإنما أضيفت الأموال إلى ضمير الأولياء المخاطبين مع أنها أموال اليتامى للمبالغة في حملهم على المحافظة عليها، بتنزيل أموال اليتامى منزلة أموال الأولياء، لما بين الولي واليتيم من الاتحاد في الجنس والنسب، ونظيره قوله تعالى: فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: ٦١] وقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] فإنّ المراد لا يقتل بعضكم بعضا، إلّا أنّه عبّر عن نوعهم بأنفسهم مبالغة في الزجر عن القتل، حتى كأنّ قتلهم قتل أنفسهم، وعلى هذا القياس قوله تعالى: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا إذ عبّر عن جعل الأموال مناطا لمعاش اليتامى بجعلها مناطا لمعاش الأولياء، وإلى تفسير الآية بما ذكرنا ذهب عكرمة وابن جبير وكثير من متأخري المفسرين.\nوروي عن ابن عباس وابن مسعود ﵃ أنّ الخطاب لكلّ عاقل من الناس جميعا، وأنّ المراد من السفهاء النساء والصبيان، والمقصود النهي عن إيتاء المال لمن لا رشد له من هؤلاء، وعليه تكون إضافة الأموال إلى ضمير المخاطبين على حقيقتها.\nوقيل: المراد من السفهاء النساء خاصة، سواء أكنّ أزواجا أم أمهات أم بنات.\nوقيل: إنّ السفهاء عامّ في كلّ من ليس له عقل يفي بحفظ المال وحسن التصرف فيه، ويدخل فيه الصبيّ والمجنون والمحجور عليه للتبذير.\nوعلى أي تأويل ترى في قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا دلالة على النهي عن تضييع المال، ووجوب حفظه وتدبيره، وحسن القيام عليه، حيث قد جعله تعالى سببا في إصلاح المعاش وانتظام الأمور، وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن.","vol":"1","page":215},{"text":"وقال بعضهم: لأن أترك مالا يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس.\nوقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمدا ومجدا فإنّه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.\nوقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: هي إن أدنتني منها فقد صانتني عنها، وفي منثور الحكم: من استغنى فقد كرم على أهله، وكانوا يقولون: اتّجروا واكتسبوا، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم فيه كان أول ما يأكل دينه.\nوَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ أي اجعلوا أموالكم مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن تتّجروا فيها حتى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال، لئلا يأكله الإنفاق، وهذا ما يقتضيه جعل الأموال نفسها ظرفا للرزق والكسوة، ولو قيل (منها) لكان الإنفاق من نفس المال.\nوفي الآية دلالة على وجوب الحجر على المبذّرين من وجهين:\nأحدهما: منعهم من أموالهم:\nوالثاني: إجازة تصرفنا عليهم في الإنفاق عليهم من أموالهم، وشراء أقواتهم وكسوتهم.\nوَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا كل ما سكنت إليه النفس لحسنه شرعا أو عقلا من قول أو عمل فهو معروف، وكل ما أنكرته النفس لقبحه شرعا أو عقلا فهو منكر، فالمراد بالقول المعروف هنا الكلام الذي تطيب به نفوسهم، كأن يقول الولي لليتيم: مالك عندي، وأنا أمين عليه، فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك.\nوعن مجاهد وابن جريج أنهما فسرا القول المعروف بعدة جميلة في البر والصلة، وقال القفال: إن كان صبيا فالولي يعرفه أنّ المال ماله. وهو خازن له، وأنه إذا كبر ردّ إليه ماله، وإن كان سفيها وعظه ونصحه، وحثّه على الطاعة، ونهاه عن التبذير والإسراف، وعرّفه أنّ عاقبة الإتلاف فقر واحتياج.\nقال الله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)\nالابتلاء: الاختبار.\nالمراد ببلوغ النكاح هنا وبلوغ الحلم المذكور في قوله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ [النور: ٥٩] الوصول إلى حد البلوغ، وهو حد التكليف، والتزام الأحكام، وذلك إما أن يكون بالاحتلام أو الحيض أو بالسن كما هو معروف في كتب الفقه.","vol":"1","page":216},{"text":"وأصل الإيناس النظر إلى ما يؤنس به من بعد مع وضع اليد على العين، وقيل:\nأصله الإبصار مطلقا، وقيل: الإحساس، وعلى كل فالمراد به هنا التبيّن: أي علم الرشد بيّنا، والرشد الاهتداء إلى وجوه الخير، والمراد به هنا الاهتداء إلى حفظ الأموال فقط، أو مع صلاح الدين، وإذا متمحضة للظرفية أو شرطية وجوابها الجملة الشرطية بعدها.\nلمّا أمر الله بإيتاء أموالهم على الإطلاق بقوله: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ شرع في تعيين وقت تسليمهم أموالهم، وبيان شرط ذلك الدفع، فأمر الأولياء باختبار اليتامى في عقولهم وأحوالهم حتّى إذا علموا منهم بعد البلوغ أنّ لهم فهما وعقلا وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد دفعوا إليهم أموالهم.\nواتفق الإمامان أبو حنيفة والشافعي على أنّ هذا الاختبار يكون قبل البلوغ وتشهد لهما الغاية، وقال الإمام مالك: إنه بعد البلوغ.\nوفرّع أبو حنيفة على ذلك أنّ تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة، لأنّ ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولي في البيع والشراء مثلا، وذلك يقتضي صحة التصرف، وقال الشافعي: الاختبار لا يقتضي الإذن في التصرف، ولا يتوقف عليه، بل يكون الاختبار دون التصرف، على حسب ما يليق بحال الصبي، فابن التاجر مثلا يختبر في البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد، وحينئذ يعقد الولي إن أراد، وعلى هذا القياس.\nوأنت خبير بأنّه لو جاز إذن الصبي في التصرف بالفعل لجاز دفع المال إليه وهو صبي، لأنّ المعنى الذي من أجله منع عنه ماله هو بعينه يقتضي عدم صحة تصرفه.\nوأيضا تصرف الصبي في ماله يتوقف على دفعه إليه، ودفعه إليه موقوف على شرطين: بلوغه، ثم رشده.\nوظاهر قوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ أنه لا تدفع أموالهم إليهم، ولو بلغوا، ما لم يؤنس منهم الرشد، وهو مذهب الشافعي، وقول الصاحبين «١»، وبه قال مجاهد، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عنه أنه قال: لا يدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط، ما لم يؤنس منه رشد، ونسب هذا القول للشعبي.\nوقال الإمام أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع إليه ماله، وإن لم يؤنس منه\n_________\n(١) وهما: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، البغدادي، وهو أول من نشر مذهب أبي حنيفة، كان من حفاظ الحديث توفي سنة (١٨٢) انظر الأعلام للزركلي (٨/ ١٩٣)، ومحمد بن الحسن بن فرقد، أبو عبد الله ولد بواسط ونشأ بالكوفة، مات في الري سنة (١٨٩ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٦/ ٨٠) .","vol":"1","page":217},{"text":"رشد، وتقدم احتجاجه على ذلك عند الكلام على قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ.\nونزيد على ما تقدّم أن الجصاص وصاحب «الكافي» قالا في الاحتجاج لمذهب الإمام: إنّ الشرط (رشد) نكرة، فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه، وأوّل أحوال البلوغ قد يقارنه السفه باعتبار أثر الصبا، وإذا امتدّ الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا، وحدث ضرب من الرشد لا محالة.\nوأنت تعلم أنّه إذا كان ضرب من الرشد كافيا كان الدفع حينئذ عن إيناس الرشد- وهو مذهب الشافعي والصاحبين- فلا يصحّ أن يقال: إنّ مذهب الإمام وجوب دفع المال إلى اليتيم بعد الخمس والعشرين سنة، سواء أونس منه رشد أم لا، بل يكون الخلاف بين الإمام وغيره في تعيين الرشد الذي اعتبر شرطا للدفع في الآية ماذا هو؟\nوذلك أمر آخر وراء ما نقل عن الإمام في هذه المسألة: على أنه إن أريد بهذا الضرب من الرشد الرشد في مصلحة المال، فكونه لا بد أن يحصل في سن خمس وعشرين سنة في حيز المنع، وإن أريد ضرب من الرشد كيفما كان فهو يكاد يكون مصادمة للآية، لأنها كالصريحة في اشتراط الرشد في ضبط الأموال ورعايتها، ألا ترى أن الابتلاء المأمور به في أول الآية هو ابتلاؤهم فيما يتعلق بحفظ المال ورعايته، وقد قال الله تعالى بعد ذلك الأمر: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلخ فيجب أن يكون المراد فإن آنستم منهم رشدا في رعاية مصالح المال، لا ضربا من الرشد كيفما كان، وإلا تفكك النّظم، وضاع انسجام الكلام.\nومخالف الإمام يقوّي الاستدلال بالآية على مذهبه بالقياس الجلي، وذلك أن الصبيّ إنما منع منه ماله لفقدان العقل الهادي إلى حفظ المال وكيفية الانتفاع به، فإذا كان هذا المعنى قائما بالشيخ والشاب كانا في حكم الصبي، فوجب أن يمنع دفع المال إليهما ما لم يؤنس منهما الرشد.\nقال صاحب «روح المعاني» «١» من الحنفية: ولقوة كلام المخالف في هذه المسألة شنّع ابن حزم- ودأبه التشنيع على الأئمة- على أبي حنيفة ﵁، مع أنّ من تدبر ما ذهب إليه الإمام علم أن نظره في ذلك دقيق، لأن اليتيم إذا بلغ مبلغ الرجال، واعتبر إيمانه وكفره، وسلّم الله إليه نفسه يتصرف فيها حسب اختياره، كان منع ماله عنه أشبه شيء بالظلم، وهذا وإن اقتضى دفع المال إليه بعد البلوغ فورا، إلا أنّنا أخّرنا الدفع إلى هذه المدة للتأديب، ورجاء الرشد والكف عن السفه، وما فيه من تبذير المال وفساده.\nوسنّ البلوغ ثمانية عشر سنة زيد عليها سبع سنوات، لأنها مدة معتبرة شرعا في\n_________\n(١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للإمام الألوسي (٤/ ٣٠٧) .","vol":"1","page":218},{"text":"تغيير الأحوال، إذ الطفل يميّز بعدها، ويؤمر بالصلاة كما في الحديث «١»، وبانضمامها إلى سن البلوغ يكمل لبّه، ويبلغ أشدّه، ألا ترى أنه قد يصير جدا صحيحا في هذه السن، فإذا بلغ هذه السن، ولم يتأدب: انقطع عنه الرجاء غالبا.\nوَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ.\nالإسراف: مجاوزة الحدّ المباح إلى ما لم يبح.\nوالبدار: المسارعة، والمفاعلة بمعنى أصل الفعل، أو على أنها بأن يبادر الولي أخذ مال اليتيم، واليتيم يبادر نزعه.\nكبر: يكبر كعلم يعلم، يستعمل في السن، وكبر يكبر كعظم يعظم في القدر والشرف.\nواستعف عن الشيء كف عنه، وتركه، وهو أبلغ من عف، كأنه طلب زيادة العفة.\nالمعنى: أن الله ينهى الأولياء والأوصياء أن يأكلوا أموال اليتامى مسرفين ومبادرين كبرهم، ويرشدهم إلى أنّ من كان منهم ذا مال فليكفّ نفسه عن مال اليتيم، ولينتفع بما آتاه الله، ومن كان منهم فقيرا فليأكل من مال اليتيم بقدر حاجته الضرورية، من سد الجوعة، وستر العورة.\nوجملة: وَلا تَأْكُلُوها إلخ، معطوفة على جملة وَابْتَلُوا الْيَتامى ولا يصح عطفها على جواب الشرط قبلها، لفساد المعنى، لأنّ جواب الشرط وهو فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ يكون بعد البلوغ، والأكل إسرافا وبدارا أن يكبروا يكون قبل البلوغ، والنهي عن الأكل- الذي هو أساس الانتفاع، وتكثر الحاجة إليه- يدلّ على أن غيره من سائر الانتفاعات منهيّ عنه بطريق الأولى.\nوقد استدلّ الجصاص بقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا على أنه لا يجوز للولي إمساك مال اليتيم بعد ما يصير في حد الكبر، قال: ولولا ذلك لما كان لذكر الكبر هاهنا معنى، إذ كان الولي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده، فهذا يدلّ على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه.\nوجعل أبو حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة، لأنّ مثله يكون جدا، ومحال أن يكون جدا ولا يكون في حد الكبار.\nويقول الشافعية: إنّ المراد من قوله: أَنْ يَكْبَرُوا أن يبلغوا راشدين، عملا بقوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وعبّر عن ذلك بالكبر لأنّ الغالب أنّ من بلغ حدّ الرجال كان رشيدا.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ١٩٧)، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الفلاح حديث رقم (٤٩٤)، والترمذي في الجامع الصحيح (٢/ ٢٥٩)، كتاب الصلاة، باب ما جاء متى يؤمر الصبي حديث رقم (٤٠٧) .","vol":"1","page":219},{"text":"وظاهر قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ يدل على الإذن للوصيّ الفقير في أن ينتفع من مال اليتيم بمقدار الحاجة، ويشهد لذلك قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا فإنّه مشعر بأنّ له أن يأكل بقدر الحاجة، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا [النساء: ١٠]، إنه يدل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، والأكل الذي لا يعد ظلما هو الأكل بالمعروف وما أخرجه أحمد وأبو داود والنّسائي وابن ماجه من\nحديث ابن عمرو أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: ليس لي مال، وإني وليّ يتيم، أفآكل من ماله؟ فقال «كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا متأثّل مالا، ومن غير أن تقي مالك بماله» «١»\nفإنّه يدلّ على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، والأكل الذي لا يعدّ ظلما هو الأكل بالمعروف، وإلى هذا الظاهر ذهب عطاء وقتادة، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس، فقد أخرج ابن المنذر والطبراني عنه أنه قال: يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله، ومنفعته له، ما لم يسرف أو يبذّر «٢» .\nبقي النظر في هذا الذي يأخذه الولي من مال اليتيم، أيعدّ أجرة أم لا؟ حكى صاحب «روح المعاني» «٣» أنّ مذهب الحنفية أنه ليس بأجرة، ومن ذهب إلى أنه أجرة لم يفرّق بين الغني والفقير كما هو القياس في كل عمل يقابل بأجر، لا فرق فيه بين العامل الغني والعامل الفقير، وحينئذ يكون الأمر في قوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ محمولا على الندب، كما هو اللائق بمحاسن العادات، ولا تزال في مجال الاجتهاد والنظر هذه الأجرة أهي مقدرة بكفاية الولي أم هي أجرة المثل؟ مقتضى القواعد الفقهية أنها تكون مقدرة بأجر المثل، سواء أكفت الولي أم لا.\nوذهب جماعة من العلماء إلى أنه ليس للوليّ أن ينتفع من مال اليتيم بشيء، وافترق هؤلاء في تأويل قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ إلى طائفتين:\nالأولى تقول: إن له أن يأخذ من مال اليتيم قرضا بقدر ما يحتاج إليه، ثم إذا أيسر قضاه، وهذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي العالية «٤»، وأكثر الروايات عن ابن عباس.\n_________\n(١) أحمد في المسند (٢/ ١٨٦)، وأبو داود في السنن (٣/ ٣٦)، كتاب الوصايا باب ما جاء في ما لولي اليتيم حديث رقم (٢٨٧٢)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٥٦٧)، كتاب الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم حديث رقم (٣٦٧٨) وابن ماجه في السنن (٢/ ٩٠٧)، كتاب الوصايا حديث رقم (٢٧١٨) .\n(٢) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٢/ ١٢٢) .\n(٣) روح المعاني للإمام الألوسي (٤/ ٢٠٨) .\n(٤) رفيع بن مهران الرياحي البصري، الإمام المقرئ، الحافظ المفسر توفي سنة (٩٣ هـ) انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (٥/ ٢٠٧) ترجمة (٤٥٢) .","vol":"1","page":220},{"text":"والطائفة الثانية: ذهبت إلى أن ذلك حق اليتيم، ينفق عليه من ماله بحسب حاله، وحكي ذلك عن يحيى بن سعيد، ويميل إليه كلام الجصاص، وهو كما ترى تأويل بعيد كل البعد، لا ينتظم مع قوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ.\nومن هذه الطائفة من ادّعى نسخ هذه الآية بقوله تعالى بعدها: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا فقد أخرج أبو داود وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ نسختها إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إلخ.\nفَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا من معاني الحسيب الكافي والمحاسب، وكلاهما محتمل هنا.\nيأمر الله تعالى الأولياء والأوصياء أن يشهدوا على اليتامى حين يدفعون إليهم أموالهم، بعد رعاية الشرطين السابقين: البلوغ، ثم الرشد، لأنّ ذلك الإشهاد أبعد عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل في الأمانة.\nواختلف العلماء في أنّ الوصي إذا ادّعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع إليه ماله هل يصدّق؟ وكذلك إذا قال: أنفقت عليه في صغره، هل هو مصدّق؟\nفقال الإمامان مالك والشافعي: لا يصدق، وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه:\nيصدّق.\nواحتج مالك والشافعي بهذه الآية، فإنّ قوله تعالى: فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وليس معنى الوجوب هنا أنه يأثم إذا لم يشهد، بل المراد أنّ الإشهاد لا بد منه في براءة ذمته ظاهرا، حتى إذا دفع المال ولم يشهد، ثم طالبه اليتيم، فالقول قول اليتيم بيمينه.\nوقال الحنفية: إنّ الأمر للندب، وصرفه عن الوجوب أن الوصي أمين، والأمين إذا ادّعى الردّ على من ائتمنه صدّق، وقالوا إن قوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا يشهد لهم في عدم لزوم البينة، فإنّ معناه أنه لا شاهد أفضل من الله تعالى فيما بينكم وبينهم، روي ذلك عن سعيد بن جبير.\nواختار جمهور المفسّرين أن المعنى وكفى بالله محاسبا لكم، فلا تخالفوا ما أمرتم به، ولا تتجاوزوا ما حدّ لكم. ولا يخفى موقع المحاسب هنا، وما فيه من الإشارة إلى أن الوصي سيحاسب على ما في يده من مال اليتيم، ثم يجزى على عمله الجزاء الأوفى.","vol":"1","page":221},{"text":"قال الله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) .\nهذا شروع في بيان أحكام المواريث بعد بيان الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى التي آلت إليهم بالميراث.\nكان من عادتهم في الجاهلية ألا يورّثوا النساء ولا الصغار، يقولون: إنما يرث من يحارب ويحمي الحوزة ويجوز الغنيمة. وللرد عليهم نزلت هذه الآية، قال ابن جبير وغيره «١» .\nوروي أنّ أوس بن ثابت مات، وخلّف بنتين وابنا صغيرا وزوجة، فجاء ابنا عمه، فزويا ميراثه عن أولاده وزوجه، على سنتهم في الجاهلية، فقالت امرأته لهما:\nتزوّجا البنتين، وكانت بهما دمامة، فأبيا، فأتت رسول الله ﷺ، فشكت إليه، فقال:\nارجعي حتى أنظر ما يحدث الله، فنزلت: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ الآية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ابني العم أن لا يفرّقا من مال أوس شيئا، فإنّه قد أنزل عليّ فيه شيء، أخبرت أنّ للذكر والأنثى نصيبا، ثم نزل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] إلى قوله:\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء: ١٢] فدعا رسول الله ﷺ بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي بين الأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولم يعط ابني العم شيئا «٢» .\nوفي بعض طرقه أن الميت خلّف زوجه وبنتين وابني عم، فأعطى رسول الله ﷺ الزوجة الثمن، والبنتين الثلثين، وابني العم الباقي.\nوللعلماء في تفسير هذه الآية أقوال:\nفمن الناس من أبقاها على ظاهرها، فجعل المراد من الرجال الذكور البالغين، ومن الوالدين الأب والأم بلا واسطة، ومن النساء الإناث البالغات. يكون المعنى حينئذ:\nللذكور البالغين نصيب مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم، كإخوتهم وأخواتهم، وأعمامهم وعماتهم، وللإناث البالغات كذلك نصيب مما ترك آباؤهن إلخ.\nويكون الله تعالى قد بيّن في هذه الآية أن الإرث غير مختصّ بالرجال كما هو عادتهم في الجاهلية، بل هو أمر مشترك بين الرجال والنساء، ولا مانع من الاقتصار في الآية على هذا القدر جريا على سنة الله في التشريع الإسلامي من التدرج في الأحكام، إذ كان من عادة القوم توريث الكبار من الرجال دون الصغار والنساء كما علمت، فأراد الله سبحانه أن ينقلهم عن تلك العادة قليلا على التدريج، لأنّ الانتقال من العادة شاقّ ثقيل على الطبع، فإذا كان دفعة عظم وقعه، وصعب على النفوس تلقيه بالقبول، وإذا كان على التدريج سهل أمره، وخفّ على\n_________\n(١) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٢/ ١٢٣) .\n(٢) المرجع نفسه (٢/ ١٢٢) .","vol":"1","page":222},{"text":"النفوس تعاطيه، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل أولا ثم أردفه بالتفصيل.\nوفي اختيار هذا الأسلوب التفصيلي- مع أنه كان يكفي أن يقال: للرجال والنساء نصيب إلخ- اعتناء بشأن النساء، وإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث، ومبالغة في إبطال حكم الجاهلية، بإلغاء ما كانوا يعتبرونه من الأوصاف الخاصة بالرجال سببا مضموما إلى القرابة في استحقاق الميراث، فالله قد أهدر وصف الرجولة في ميراث الإنسان من والديه وأقاربه، وجعل سبب هذا التوارث القرابة فحسب، والرجال والنساء سواء في ذلك، فكما يكون للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، يكون للنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون.\nومن العلماء من عمّم في الرجال والنساء، فجعل المراد من الرجال الذكور مطلقا، سواء أكانوا كبارا أم صغارا، والمراد من النساء الإناث كذلك، ويكون المراد التسوية بين الذكور والإناث في أنّ لكل منهما حقا فيما ترك الوالدان والأقربون، ومنهم من حمل الرجال على الصغار من الذكور، وحمل النساء على الصغار من الإناث كذلك، وعلل هذا الاقتصار بأن فيه اعتناء بشأن اليتامى، وردّا صريحا على طريقة الجاهلية في التوريث.\nوعلى كل حال فظاهر الآية يشهد للحنفية القائلين بتوريث ذوي الأرحام، لأنّ العمات والخالات وأولاد البنات من الأقربين، فوجب دخولهم تحت قوله سبحانه:\nلِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ إلخ فثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فمستفاد من دلائل أخر كما هو الحال في غيرهم.\nوحاول الإمام الرازي «١» الردّ على الحنفية، فادعى أنّ المراد من الأقربين الوالدان والأولاد، وحينئذ لا يدخل فيهم ذوو الأرحام، وعليه يكون عطف الأقربين على الوالدين من عطف العام على الخاص، وهو تأويل ظاهر التكلف.\nوقوله تعالى: مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ بدل من (ما) الثانية، بإعادة العامل، ويقدّر مثل هذا في الجملة الأولى، والفائدة منه التنصيص على أن التوريث يكون في التركات الضئيلة، كما يكون في التركات العظيمة، وفيه أيضا دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة، وبذلك تنقطع طماعية الكبار من الورثة في أن يختصوا بمثل السيف والخاتم والمصحف واللباس البدني.\nوكلمة نَصِيبًا مَفْرُوضًا مصدر مؤكد بتأويله بمعنى العطاء، أو حال، وأصل الفرض الحز في الشيء، ويسمّى الحز في سية القوس فرضا، ثم توسّع فيه، فاستعمل بمعنى القطع والتقدير، وما أوجبه الله تعالى، وأولى المعاني هنا في كلمة مَفْرُوضًا أنها بمعنى مقدّرا.\n_________\n(١) في كتابه: مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير (٩/ ١٩٥) .","vol":"1","page":223},{"text":"قال الله تعالى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) المراد بالقسمة: التركة بين الورثة، وأولوا القربى: من لا يرثون، لكونهم محجوبين، أو لكونهم من ذوي الأرحام.\nيأمر الله بإعطاء من حضر القسمة من هؤلاء ما يجبر خاطرهم، وتطيب به نفوسهم، وقد اختلف العلماء في هذه الآية، أهي محكمة أم منسوخة؟ فذهب ابن المسيّب والضحاك وابن عباس في رواية عطاء عنه إلى أنها منسوخة بآية المواريث يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلخ.\nوذهب ابن عباس في رواية عكرمة عنه وجمهور المفسرين إلى أنها محكمة، ثم اختلفوا في ذلك الإعطاء، أهو واجب أم مندوب؟ فمن ذهب إلى الوجوب تمسّك بظاهر الأمر، وأوجب على الوارث الكبير وعلى ولي الصغير أن يرضخا لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر ما تطيب به نفسه.\nومنهم من قال: على الوارث الكبير الدفع، وعلى ولي الصغير القول المعروف بأن يعتذر إليهم، ويعرّفهم أن أصحاب المال صغار لا يقدّرون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقهم.\nوذهب فقهاء الأمصار إلى أنّ هذا الإعطاء مندوب طولب به الكبار من الورثة، وحجتهم في ذلك أنه لو كان لهؤلاء حقّ معيّن لبينه الله تعالى، كما بيّن سائر الحقوق، وحيث لم يبيّن، علمنا أنه غير واجب، وأيضا لو كان واجبا لتوفّرت الدواعي على نقله، لشدة حرص الفقراء والمساكين، ولو كان ذلك لنقل إلينا على سبيل التواتر، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس بواجب.\nوالضمير المجرور في قوله تعالى: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ يرجع إلى ما ترك الوالدان والأقربون، أو إلى القسمة بمعنى المقسوم باعتبار معناها، لا باعتبار لفظها، كما في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ [يوسف: ٧٦] .\nوالقول المعروف مفسّر كما تقدم بالعدّة الجميلة، وبألا يتبع العطية بالمن والأذى بالقول، وبأن يعتذر لمن لا يعطيه شيئا.\nقال الله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الآية: يعني بذلك\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٨٣) . [.....]","vol":"1","page":224},{"text":"الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف، يخاف عليهم العيلة والضيعة، ويخاف بعده ألا يحسن إليهم من يليهم. يقول: فإن ولي مثل ذريته ضعافا يتامى فليحسن إليهم، ولا يأكل أموالهم إسرافا وبدارا أن يكبروا، والآية على هذا أمر للأوصياء أن يخشوا ربهم، ويتقوه في اليتامى، الذين يلونهم، فيعاملونهم بمثل ما يحبون أن تعامل به ذريتهم الضعاف بعد وفاتهم، والمقصود حثّ الأولياء، وبعثهم على حفظ أموال اليتامى بتنبيههم على حال أنفسهم وذرياتهم من بعدهم ليتصوروها، ويعرفوا مكان العبرة فيها. ولا شكّ أن ذلك من أقوى البواعث والدواعي في هذا المقصود.\nوالآية على هذا المعنى مرتبطة بما قبلها، لأنّ قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ إلخ في معنى الأمر للورثة، أي أعطوهم حقهم، وليحفظ الأوصياء ما أعطوه، ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم.\nوأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس أيضا أنه قال في الآية: يعني الرجل يحضره الموت، فيقال: تصدّق من مالك، وأعتق، وأعط منه في سبيل الله، فنهوا أن يأمروا بذلك، يعني أنّ من حضر منكم مريضا عند الموت، فلا يأمره أن ينفق من ماله في العتق، أو في الصدقة أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبيّن ماله وما عليه من مال، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع. يقول: أليس أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف، أي صغار، لا يرضى أن يتركهم بغير مال، فيكونوا عيالا على الناس، فلا ينبغي لكم أن تأمروا بما لا ترضون به لأنفسكم ولأولادكم، ولكن قولوا الحق من ذلك، وعلى هذه الرواية تكون الآية أمرا لمن حضر المريض من العوّاد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا أولاد المريض، ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم، فلا يأمروه بما يضر ورثته.\nولم تخرج الآية بهذا التأويل عن أنها واردة في حفظ مال اليتيم والتوصية به، وعلى هذا يكون أول الكلام للأوصياء، وما بعده للورثة، وهذه الآية للأجانب، أمروا ألا يتركوا المريض يضرهم، وألا يأمروه بما يضرهم، فالآية مرتبطة بما قبلها أتمّ الارتباط.\nوعلى كلا القولين ترى المقصود من الأمر ألا يؤذوا اليتامى، ولا يضيّعوا حقوقهم، حتّى لا يعاقبهم الله في ذريتهم من بعدهم، فيسلّط عليهم من يؤذيهم، ويضيّع حقوقهم، وفي ذلك تهديد لهم بأنهم إن فعلوه أضاع الله أولادهم، ورمز إلى أنهم إن راعوا الأمر حفظ الله ذريتهم من بعدهم.\nوالقول السديد في قوله تعالى: وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا الصواب العدل الموافق للشرع بأن يقول الولي لليتيم ما يقول لولده من القول الجميل الهادي إلى محاسن الآداب، وسنّي الخصال، ويقول عائد المريض ما يذكّره التوبة والنطق الشهادتين وحسن الظن بالله، وما يصده عن الإسراف في الوصية وتضييع الورثة.","vol":"1","page":225},{"text":"قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) يقال: صلي النار كرضي يصلاها، إذا قاسى حرّها، سواء بالقرب منها أو بالدخول فيها، والمراد هنا سيدخلون سعيرا.\nوالسعير: فعيل، بمعنى مفعول، من سعّرت النار إذا أوقدتها وألهبتها.\nوالآية مسوقة لتأكيد الأوامر والنواهي فيما سبق وتقريرها. وفي تقييد الأكل بحالة الظّلم دلالة على أن مال اليتيم قد يؤكل على وجه الاستحقاق، كالأجرة والقرض مثلا، فلا يكون ذلك ظلما، ولا الآكل ظالما.\nوذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها:\nإما لأنه قد شاع في استعمالهم أن يقولوا: أكل فلان في بطنه، يريدون ملء بطنه، فكأنه قيل: إنما يأكلون ملء بطونهم نارا، حتى يبشموا بها.\nوإما للتأكيد والمبالغة كما في قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٦٧] والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله: وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] والقلوب لا تكون إلا في الصدور، وقوله: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: ٣٨] والطير لا يطير إلا بجناحين، فقد قالوا: إنّ الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة، وفيه على كل حال تبشيع لأكل مال اليتيم في حالة الظلم، وتنفير منه.\nاختلف المفسرون في كلمة نارًا أهي باقية على معناها، أم مجاز بمعنى ما يفضي إلى النار؟ ذهب إلى الأول عبيد الله بن أبي جعفر، فقد روي عنه أنه قال: من أكل مال اليتيم، فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فمه جمرا، ويقال له: كل ما أكلته في الدنيا، ثم يدخل السّعير الكبرى.\nوأخرج ابن جرير «١» وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: حدّثني النبي ﷺ عن ليلة أسري به، قال: «نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار، فيقذف في أفواههم حتّى يخرج من أسافلهم، ولهم خوار وصراخ، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال:\nالذين يأكلون أموال اليتامى ظلما» .\nوالجمهور من المفسرين على أنّ كلمة نارًا مجاز مرسل من ذكر المسبب وإرادة السبب، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا الإشارة فيه إلى أكل واحد، فكان حمله على التوسع أولى.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٤/ ٢٨٤) .","vol":"1","page":226},{"text":"وظاهر الآية أنّ هذا الحكم عامّ لكل من يأكل مال اليتيم، سواء كان مؤمنا أم كافرا، لكنّ ابن جرير «١» أخرج عن زيد بن أسلم أنه قال: هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يوّرثون اليتامى، ويأكلون أموالهم، ولا يخفى أنّه إن أراد أنّ حكم الآية خاصّ بأهل الشرك فهو غير مسلم، وإن أراد أنها نزلت فيهم فلا بأس، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nوفي بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس واحترزوا من مخالطة اليتامى حتى شقّ ذلك على اليتامى أنفسهم، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ «٢» [البقرة: ٢٢٠] .\nوزعم بعض الجهال أن قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى إلخ منسوخ بقوله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وهو قول باطل، لأنّ الآية التي معنا في النهي عن الظلم، وهذا لا يصير منسوخا بحال، بل المقصود أنّ مخالطة اليتامى، إن كانت على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الإثم، كما في الآية التي معنا، وإن كانت على سبيل التربية والإحسان فهو من أعظم أبواب البرّ كما في قوله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>خاتمة</span>\nعلم الله أنّ اليتامى قد فقدوا بموت آبائهم من يعولهم، ويقوم بكفالتهم، وأنهم لصغرهم عاجزين عن القيام بمصالحهم، فكان من رحمته جلّ شأنه بهم، وكمال عنايته بأمرهم: أن أنزل فيهم تسع آيات تتلى متتابعات من أول سورة النساء إلى آخر الآية السابقة، قرّر فيها جميعا الأمر بحفظ مال اليتيم ورعايته، وأكّد فيها النهي عن أكل ماله، وتضييع حقه، كما أنه أنزل فيهم آيات متفرقات، كلها تدل على العناية بهم، وتحث على حفظ مالهم، وحسن القيام بشؤونهم: فمنها قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ\n[الأنعام: ١٥٢] وقوله تعالى: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ [النساء: ١٢٧] وقوله جلّ شأنه فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) [الضحى: ٩] وقوله سبحانه:\nفِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة: ٢٢٠] وكذلك ورد التنويه بشأن من أحسن في كفالتهم\nبقوله ﷺ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى» «٣» .\n_________\n(١) المرجع نفسه (٤/ ١٨٤) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٣٦)، كتاب الوصايا، باب المخالطة حديث رقم (٢٨٧١) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢١٨)، ٦٨- كتاب الطلاق، ٢٥- باب اللعان حديث رقم (٥٣٠٤)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٢٨٣)، كتاب البر باب ما جاء في رحمة اليتيم حديث رقم (١٩١٨) .","vol":"1","page":227},{"text":"فما أدلّ هذا على سعة رحمة الله بالضعفاء وعظيم فضله عليهم!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>آيات المواريث</span>\nقال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) قد ذكرنا لك فيما تقدم بعض الروايات في أسباب نزول آيات المواريث، ونذكر لك رواية أخرى فنقول:\nأخرج ابن جرير «١» في سبب نزول آيات المواريث عن السدي يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أنه قال: كان أهل الجاهلية لا يورّثون الجواري ولا الصغار من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها: أم كجّة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجّة ذلك إلى النبي ﷺ، فأنزل الله ﵎ هذه الآية: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ثم قال فى أم كجّة: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ.\nمن ذلك يعلم الباحث أنّ الشريعة الإسلامية جاءت والعرب تظلم النساء، ولا تعطيهن من ميراث أزواجهن وآبائهن شيئا، بدعوى أنهنّ لا يقاتلن العدوّ، ولا يحزن الغنيمة، فقرّرت الشريعة بهذه الآية لهن حقا في الميراث، وكبر ذلك على العرب، فكانوا يودّون أن ينسخ ذلك الحكم، أو ينسى، لما أنه كان يخالف ما ألفوه، فقد روى ابن جرير «٢» عن ابن عباس قال: إنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد، الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يجوز الغنيمة، اسكتوا عن هذا الحديث لعلّ رسول الله ينساه، أو نقول له فيغيره، فقال بعضهم: يا رسول الله أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس، ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبيّ الميراث، وليس يغني شيئا؟ وكانوا\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٨٥) .\n(٢) المرجع نفسه (٤/ ١٨٥) .","vol":"1","page":228},{"text":"يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا من قاتل، ويعطونه الأكبر فالأكبر.\nهذا شأن الإسلام مع المرأة أخذ بضبعيها، وأناف بها على اليفاع. ورّثها بعد أن لم تكن ترث، وجعل لها نصيبا مفروضا على كره من الرجال، ولكن نبتت نابتة في هذا الزمان يقولون: إن الإسلام بخس المرأة حقها في الميراث، وجعلها على النصف من حظ الرجل، ويريدون تسوية المرأة بالرجل في الميراث.\nومن نظر وجد أنّ الشريعة عاملت المرأة بالرأفة، فهي حين أعطتها نصف حظ الرجل جعلت نفقتها ونفقة خدمها وأولادها على الرجل، وحين أعطت الرجل ضعف المرأة كلّفت الرجل بالنفقة على زوجته وأولادها، فنصيب الرجل يشركه فيه الكثير، ونصيبها لها خاصة، فأيّ برّ بالمرأة أعظم من هذا البر، وأيّ رفق بها أكثر من هذا الرفق، هذا إلى ما منحتها إياه من حق الميراث، وقد كانت محرومة هذا الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>ميراث الأولاد</span>\nيقول الله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أي يعهد إليكم في ميراث أولادكم، وهذا إجمال بيانه ما بعده لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إلخ أي إذا مات الميت، وترك أولادا ذكورا وإناثا، فللذكر مثل حظ الأنثيين، فيكون حظّ الذّكر ضعف حظّ المرأة فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ أي وإن كان المتروكات نساء فوق اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ يقول الله:\nفإن ترك النساء ليس معهن ذكور، فإن كن ثلاثا فأكثر فلهن الثلثان، وإن كانت واحدة، أي وإن كانت المتروكة واحدة فلها النصف.\nوقد ذكر الله حكم البنت إذا لم يكن معها أخ ذكر، وحكم البنات إذا انفردن أيضا، ولم يذكر الله حكم البنتين إذا انفردتا عن أخ ذكر، وقد اختلف العلماء في حكمهما، فألحقهما ابن عباس بالبنت الواحدة، وأعطاهما النصف، ووجهه أنّ الله تعالى قال: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ فجعل الثلثين للنساء إذا كن فوق اثنتين، فلا نعطيهما إذا كانتا اثنتين.\nوقال الجمهور: البنتان لاحقتان بالبنات، فلهما الثلثان كما لهن الثلثان، وهذا أولى لأمور:\nأولها: قياس البنتين على الأختين، وقد قال الله فيهما: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ، والبنات أقرب للميت من الأختين، فإذا كان للأختين الثلثان فأولى أن يكونا للبنتين.\nثانيهما: أن البنت تأخذ مع أخيها الثلث، فأولى أن تأخذه مع أختها، ويكون لهما الثلثان.","vol":"1","page":229},{"text":"ثالثها: أنه\nروي عن ابن مسعود في «الصحيح» «١» عن النبي ﷺ أنه قضى في بنت وبنت ابن وأخت: بالسدس لبنت الابن، والنصف للبنت تكملة الثلثين، فجعل لبنت الابن مع البنت الثلثين، فبالأحرى يكون للبنتين الثلثان.\nوقد يجوز أن يكون معنى قوله: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فإن كنّ نساء اثنتين فما فوق، كقوله: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الأنفال: ١٢] أي اضربوا الأعناق فما فوقها.\nوقد تحصّل أنّ الله ذكر للأولاد في الميراث ثلاث أحوال:\n١- أن يترك الميت أولادا ذكورا وإناثا، فهم يرثون المال، للذكر ضعف الأنثى.\n٢- أن يترك الميت بنتين فما فوق، وليس معهما أخ ذكر، فلهما أو لهن الثلثان.\n٣- أن يترك الميت بنتا واحدة، وليس معها أخ ذكر، فلها النصف.\nوقد ذكرت السنّة حالة أخرى، وهي: أن يترك الميت بنتا، وبنت ابن، فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس.\nوقال العلماء: إن أولاد الابن وأولادهم يقومون مقام الأولاد إذا عدموا، وإنّ الطبقة العليا تحجب الطبقة السفلى، فإن كان الولد الأعلى ذكرا سقط الأسفل، وإن كان الولد الأعلى أنثى أخذت الأنثى حقها، وبقي الباقي لولد الولد، إن كان ذكرا، وإن كان ولد الولد أنثى أعطيت العليا النصف، وأعطيت السفلى السدس، تكملة الثلثين، لأنا نقدرهما بنتين متفاوتتين في الرتبة، فاشتركتا في الثلثين بحكم البنتية، وتفاوتتا في القسمة بتفاوت الدرجة، وبهذه الحكمة جاءت السنة.\nوإن كان الولد الأعلى بنتين أخذتا الثلثين، فإن كان الولد الأسفل أنثى لم يكن لها شيء إلا أن يكون بإزائها أو أسفل منها ذكر، فإنّها تأخذ معه ما بقي، للذكر مثل حظ الأنثيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>ميراث الأبوين</span>\nوَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ.\nيقول: ولكل واحد من أبوي الميت السدس إن كان له ولد، ذكرا أو أنثى، واحدا كان أو جماعة، فإن لم يكن ولد ذكر ولا أنثى، وورثه أبواه، فلأمه الثلث.\nفإن كان له إخوة، فلأمه السدس، فإخوة الميت ينقصون الأمّ من الثلث إلى\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ٧)، ٨٥- كتاب الفرائض، ٨- باب ميراث ابنة ابن مع ابنة حديث رقم (٦٧٣٦) .","vol":"1","page":230},{"text":"السدس، وإذا شرط الله في حجبها من الثلث إلى السدس الجماعة من الأخوة علم أنّ الأخ الواحد لا يحجبها عن الثلث، فلها معه الثلث.\nأما الأخوان فقد اختلف فيهما العلماء، أيكونان كالأخوة فهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، أم يكونان كالأخ الواحد فلا يحجبانها! بالأول قال جمهور الصحابة والعلماء المجتهدين، وبالثاني قال ابن عباس، وحجته أنّ الله قال: إِخْوَةٌ والجمع خلاف التثنية، فمن يحجب من الإخوة الجمع لا الاثنان.\nوقد أخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس أنه دخل على عثمان ﵃ فقال: لم صار الأخوان يردّان الأم إلى السدس، وإنما قال الله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان ﵁: هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار؟\nوحجة الجمهور أن الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمية، والأخوان جمع واحد إلى واحد، وضمّ له، وقد ورد في اللغة إطلاق الجمع على الاثنين، قال الله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤] وقال: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) [ص: ٢١] ثم قال: خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ [ص: ٢٢] وهذا سائغ إذا قام الدليل، والدليل أنهم لما رأوا الشارع جعل الأختين كالثلاث في الميراث، والبنتين كالثلاث، جعل الأخوين كالثلاثة في الحجب، ولا فرق في الإخوة بين أن يكونوا ذكورا أو إناثا، أو ذكورا وإناثا، والذكر من الأخوة كالأنثى في هذا الباب.\nوقد علمنا مما تقدم أن للأم الثلث، ولا يحجبها عنه إلى السدس إلا الفرع الوارث، أو اثنان فصاعدا من الإخوة أو الأخوات.\nوأن للأب السدس مع الفرع الوارث، فإن كان الفرع الوارث بنتا أخذت النصف، وورث الأب بالفرض والتعصيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>مسألة العمريتين</span>\n١- ماتت امرأة وتركت زوجا وأبوين. لو ذهبنا نورّث الأم على حسب ما مضى كان لها الثلث، ومعلوم أنّ للزوج النصف، فيكون الباقي- وهو السدس- للأب، وحينئذ تأخذ الأم- وهي أنثى- ضعف الأب، وهو ذكر. وهذا لم يعهد في الفرائض، فإنه إذا اجتمع ذكر أو أنثى في طبقة كالابن والبنت، والجد والجدة والأب والأم، والأخ والأخت فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما تأخذ الأنثى، أو يساويها، وإما أن تأخذ الأنثى ضعف الذكر، فهذا خلاف قاعدة الفرائض.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٨٨) .","vol":"1","page":231},{"text":"وقد وقعت هذه المسألة للصحابة، فقال فيها عمر وعثمان وابن مسعود وزيد بن ثابت وجمهور الصحابة: إن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوج، وهو السدس، وللأب الثلث.\nوقد خالف فيها ابن عباس، فقال: للأم ثلث المال، وناظر فيها زيد بن ثابت، وقال: أين في كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال زيد: وليس في كتاب الله إعطاؤها الثلث كله مع الزوجين، وقد أشار زيد إلى جواب المسألة، وهو أنّ الله أعطاها الثلث إن لم يكن ولد، وورثه الأبوان فقط، لأنه قال: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فلو كانت تستحقّ الثلث مطلقا ولو مع وارث آخر لكان قوله: وَوَرِثَهُ أَبَواهُ عديم الفائدة، فعلم أنها تستحقّ الثلث إذا لم يكن معهما وارث.\nبقيت حالة وهي ألا يكون ولد ولم ينفرد الأبوان بالميراث، وذلك لا يكون إلا مع الزوج والزوجة، فإما أن تعطى الثلث كاملا، وهو خلاف معهود الفرائض، وإما أن تعطى السّدس، والله لم يجعلها لها فرضا إلا في موضعين، مع الولد، ومع الأخوة، وإذا امتنع هذا وهذا، كان الباقي بعد فرض الزوجين هو المال الذي يستحقه الأبوان، ولا يشاركهما فيه مشارك، فهو بمنزلة المال كله إذا لم يكن زوج ولا زوجة، فإذا تقاسماه أثلاثا كان الواجب أن يتقاسما الباقي بعد فرض الزوجين كذلك.\n٢- مات رجل، وترك زوجة وأبوين، هذه ثانية العمريتين، وفيها أيضا تأخذ الأم ثلث الباقي في بعد فرض الزوجة، والكلام فيها مثل الكلام في سابقتها سواء بسواء.\nفَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ قال الزمخشري «١»:\nمتعلق بما تقدم من قسمة المواريث كلها، لا بما يليه وحده، كأنه قيل: قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها.\nوقد روي عن رسول الله ﷺ أن الدين مقدّم على الوصية،\nروى ابن جرير «٢» عن علي ﵁ أنكم تقرءون هذه الآية مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ إنّ رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، فليس لأحد من الورثة، ولا من الموصّى لهم حقّ في التركة إلا بعد قضاء الدين، ولو استغرق الدّين التركة فليس لأحد شيء.\nوهذا الدّين الذي قدّم على الوصية والميراث تقدّم عليه مؤونة تجهيز الميت، فكما أنه لا سبيل للغرماء إلى قوته وكسوته في حياته، كذلك لا سبيل لهم إلى مؤونة تجهيزه في وفاته.\nوإنما قدّم الدين على الوصية والميراث، لأن ذمته مرتهنة به، وأداء الدين أولى\n_________\n(١) في تفسيره الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/ ٤٨٣) .\n(٢) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٩٠) .","vol":"1","page":232},{"text":"من فعل الخير الذي يتقرّب به، والوصية إنما تقدّم على الميراث في بعض المال، وهو الثلث، وإنما كان كذلك لأنه لو منع من الوصية البتة لفاته باب من الخير عظيم. ولو سلّط عليه جميعه لربما أخرجه كله بالوصية، ولم يبق لورثته شيء، فجعل الله له عند موته أن يوصي بالثلث فقط، ليجمع بين خيره وخير ورثته.\nوإنما قدّم الله الوصية على الدين في الذكر، مع أنه مقدّم عليها، وأولى منها، ولا وصية إلّا بعد وفاء الدين، لأنّ الدين معلوم قوته، قدّم أو لم يقدّم، فأراد أن يقوّي من شأن الوصية، فقدمها في الذكر.\nعلى أن أَوْ لا تقتضي الترتيب، وأَوْ هاهنا للإباحة، كما في قولك:\nجالس الحسن أو ابن سيرين. والمعنى: من بعد أحدهما، ومن بعدهما إذا اجتمعا.\nآباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا يقول الله تعالى: هؤلاء الذين أوصاكم الله فيهم، وحدّ أنصباءهم، هم آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فحد أنصباءهم ولم يكل ذلك إليكم، لأنكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا.\nفَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ نصب المصدر المؤكد، أي فرض الله ذلك فريضة.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يعلم بما يصلح خلقه، وهو ذو حكمة في تدبيره، وفيما قسّم من ميراث بعضكم من بعض، وفيما يقضي بينكم من الأحكام، فسلموا قسمته في المواريث، وسلّموا ما قضى به من إعطاء النساء والضعفاء- وقد كنتم تحرمونهم- لأنّه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>ميراث الأزواج والزوجات</span>\nقال الله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ الورثة المذكورون في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. أقسام ثلاثة، لأنّ الوارث إما أن يكون متصلا بالميت بواسطة، أو بغير واسطة. فالأول هو الكلالة، والثاني إما أن يكون السبب النسب أو الزوجية، فتلك أقسام ثلاثة، وأعلى هذه الأقسام وأشرفها ما كان الاتصال فيه حاصلا ابتداء من جهة النسب، وذلك هو الأولاد والوالدان، فالله تعالى قدم حكم هذا القسم لذلك، ثم عقّبه بالقسم الثاني، وهو ما كان الاتصال فيه حاصلا ابتداء من جهة الزوجية، وهذا القسم متأخر في الشرف عن القسم الأول، لأنّ القسم الأول أصلي، والثاني طارئ، ويلي ذلك القسم","vol":"1","page":233},{"text":"الثالث وهو الكلالة، لأن الاتصال فيه ليس ابتداء، بل بواسطة، ولأن القسمين الأولين لا يعرض لهما السقوط بحال، بخلاف القسم الثالث، فإنه قد يعرض له السقوط بالكلية.\nوقد جعل الله للزّوج النصف من زوجته إن لم يكن لها ولد، وجعل له الربع منها إن كان لها ولد، سواء أكان ذلك الولد منه أم من غيره، وسواء في ذلك الذكر والأنثى، والواحد والمتعدد، والمباشر وولد الولد.\nوجعل ميراث الزوجة من زوجها الربع إن لم يكن للزوج ولد، وجعل لها الثمن إن كان له ولد على التعميم السابق، فإن تعددت زوجات الميت اشتركن في الربع، أو في الثمن.\nوهذا كله من بعد الوصية والدّين كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>ميراث الكلالة</span>\nقال الله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ.\nاختلف الصحابة رضوان الله عليهم في الكلالة. فذهب أبو بكر إلى أنّها من عدا الوالد والولد، أخرج ابن جرير «١» عن الشعبي، قال: قال أبو بكر ﵁: إني رأيت في الكلالة رأيا، فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه بريء. إن الكلالة ما خلا الوالد والولد.\nوذهب عمر إلى أنها من عدا الولد، وروي أنّ عمر رجع عن ذلك بعد أن طعن، وقال: كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له، وأنا أستحيي أن أخالف أبا بكر، الكلالة من عدا الوالد والولد.\nوروي عنه أيضا التوقف، وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بيّنها الرسول ﷺ لنا أحب إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، والربا، ويظهر أنّ حجة عمر ﵁ أن الله ذكر الكلالة في آخر السورة فقال: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء: ١٧٦] والظاهر أن قوله: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ تفسير للكلالة، والراجح قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ويدلّ على ذلك اشتقاق الكلمة فإنّ مادة (كلّ) تدل على الضعف، يقال: كلّ الرجل يكلّ كلالا وكلالة إذا أعيا، وذهبت قوته، ثم استعاروا هذا اللفظ للقرابة، لا من جهة الولادة أي القرابة الضعيفة، وقد علمت أنّ القرابة بالولادة قوية، فلا يطلق عليها كلالة، ويدل على ذلك أنّ الله حكم بتوريث\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٩٢) .","vol":"1","page":234},{"text":"الأخوة والأخوات إذا ورث كلالة، ولا شكّ أنّ الإخوة والأخوات لا يرثون عند وجود الأب، فوجب ألا يكون الوالد من الكلالة.\nالكلالة ترد وصفا للميت، ويراد بها من لا يرثه والد ولا ولد، وقد ترد وصفا للوارث، ويراد بها من عدا الوالد. فمن الأوّل قول الشاعر «١»:\nورثتم قناة المجد لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم ومن الثاني ما في حديث جابر قال: مرضت مرضا أشفيت منه على الموت، فأتاني النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة، وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد «٢» .\nوالظاهر أنها في الآية وصف للميت، لأنّها حال من نائب فاعل يورث، وهو ضمير الميت، ثم إذا كانت مصدرا قدّر مضافا، أي ذا كلالة، وإن كانت صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق لم يحتج الأمر إلى مضاف.\nوالمراد بالأخوة هنا الأخوة للأم، دون الأخوة الأشقاء، ودون الإخوة للأب، بدليل قراءة سعد بن أبي وقاص (وله أخ أو أخت من أم) «٣» ويدل عليه أيضا غير هذه القراءة أن الله ذكر ميراث الإخوة مرتين هاهنا، ومرة في آخر هذه السورة، فجعل هاهنا للواحد السدس، وللأكثر الثلث شركة، وجعل في آخر السورة للأخت الواحدة النصف، وللاثنتين الثلثين، وللذكر المال، فوجب أن يكون الإخوة لأب وأم أو لأب، فتعيّن أن يكون المراد هنا الإخوة لأم، ويرجحه أنّ الفرض هنا الثلث أو السدس، وهو فرض الأم، فناسب أن يكون فرض الإخوة الذين يدلون بها، وهم الإخوة لأم.\nوقد تبين أنّ الإخوة لأم لهم حالتان:\n١- أخ لأمّ منفرد، أو أخت لأم منفردة، وله أو لها السدس.\n٢- أن يتعدد الأخ لأم أو الأخت لأم وفي هذه الحالة يكونون شركاء في الثلث، يقسّم بينهما بالسوية، لأنثاهم مثل ذكرهم، لأن مطلق التشريك يدلّ عليه.\nويمنع الإخوة لأمّ من الميراث الوالد والولد، لأنّ الله جعل لهما ذلك النصيب إذا كان الميت يورث كلالة، وقد ذكرنا أنّها من يرثه غير الوالد والولد.\nوهنا بحث لفظي، وهو أن الله تعالى قال: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ ثم قال: وَلَهُ أَخٌ فكنّى عن الرجل، ولم يكنّ عن المرأة، وهذا في العطف\n_________\n(١) الفرزدق، انظر البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (٣/ ١٩٧) .\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٤/ ١٩٣) .\n(٣) رواه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٧٨) . [.....]","vol":"1","page":235},{"text":"بأو جائز، ويجوز في مثل هذا الكلام أن تكنّي عن المرأة أو تكنّي عنهما معا، قال الفراء «١»: إذا جاء حرفان في معنى بأو جاز إسناد التفسير إلى أيهما أريد، ويجوز إسناده إليهما أيضا، تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله، يذهب إلى الأخ، أو فليصلها يذهب إلى الأخت ولو قلت: فليصلهما جاز أيضا.\nمِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ.\nيقول الله: هذه القسمة للإخوة للأم من بعد وصية يوصي بها الميت، أو دين وهو غير مضار الورثة بوصيته أو دينه، والمضارة بالوصية أن يوصي بأكثر من الثلث، أو به فأقل، قاصدا ضرار الورثة دون وجه الله، والمضارّة في الدين أن يقرّ بدين لمن ليس له عليه دين، وعن قتادة كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه.\nوتفيد الآية أن الوصية والدين اللذين قصد بهما الضرار لا يجب تنفيذهما، لأنه شرط في إخراجهما قبل التوريث عدم المضارة.\nوَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ مصدر مؤكد، ناصبه يوصيكم، أي يوصيكم بذلك وصية، أي يعهد إليكم به عهدا وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ يقول: والله ذو علم بمصالح عباده وبمضارهم، وبمن يستحق الميراث ومن لا يستحق، وبمقدار ما يستحقه المستحق حَلِيمٌ لا يعجّل بالعقوبة على من عصاه فظلم عباده، وأعطى الميراث لأهل الجلد والقوة، وحرم الضعفاء من النساء والصغار، فهو معاقبهم، ولكنه يحلم عليهم، فلا يعاجلهم بالعقوبة، فلا يظنوا أنهم سيفلتون فلا يعاقبون.\nقال الله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) حدّ كل شيء ما فصل بينه وبين غيره، ومنه حدود الدار، وحدود الأرضين، لفصلها بين ما حد بها وبين غيره.\nفالمعنى: هذه القسمة التي قسمها لكم ربكم، والأنصباء التي جعلها لأحيائكم من أموال موتاكم فصول ما بين طاعته ومعصيته، فالكلام على حذف مضاف، أي حدود طاعته، وإنما ترك لعلمه من الكلام. ومن يطع الله ورسوله بالتزام ما حدّ من المواريث يدخله جنات تجري من تحت أشجارها وزرعها الأنهار، باقين فيها، لا يموتون ولا يفنون، ودخول الجنة الباقية هو الفوز العظيم.\n_________\n(١) انظر كتابه في معاني القرآن (١/ ٢٥٧) .","vol":"1","page":236},{"text":"قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) يقول الله: ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدود ما حدّ من المواريث يدخله نارا باقيا فيها، لا يموت ولا يفنى، وله عذاب مذل، مخز من عذبّ به، وهذا يحمل على الذين تعدّوا حدوده مكذبين بصلاحها.\nوهنا مسائل لا بد من ذكرها لتعلقها بآيات المواريث:\n١- قال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلخ، وهذا يعمّ أولاد المسلمين والكافرين، والأحرار والأرقاء، والقاتلين عمدا وغير القاتلين، وكذلك يقال فيما بعده، ولكن السنة خصصت البعض من هذا العموم، فأخرجت الكافر،\nفقد ورد في «الصحيح» «١» عن النبي ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» .\nوورد أيضا قوله ﷺ: «لا يتوارث أهل ملتين» «٢»\n، وقد أخذ الجمهور بظاهر هذين الحديثين، فلم يورّثوا مسلما من كافر، ولا كافرا من مسلم.\nوذهب بعضهم إلى أنّ الكافر لا يرث المسلم ولكنّ المسلم يرث الكافر، قال الشعبي: قضى معاوية بذلك، وكتب به إلى زياد «٣»، فأرسل ذلك زياد إلى شريح القاضي وأمره به، وكان شريح قبل ذلك يقضي بعدم التوريث، فلما أمره زياد بذلك كان يقضي به، ويقول: هكذا قضى أمير المؤمنين، وحجتهم ما\nروي أن معاذا كان باليمن، فذكروا له أن يهوديا مات وترك أخا مسلما، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول:\n«الإسلام يزيد ولا ينقص، وورّثه» «٤»\nفكأنه خصّص الحديثين الأولين بهذا الحديث الأخير، ثم خصص بهما الآية.\nوأنت تعلم أن\nحديث «الإسلام يزيد ولا ينقص»\nليس نصا في إرث المسلم من الكافر، فلا يخصّص به، وكما أن الكافر لا يرث المسلم لا يحجبه، وقال ابن مسعود: يحجب، وهذا ليس بظاهر، لأنّ الشريعة جعلته في باب الإرث كالعدم، فكذلك في باب الحجب، لأنه أحد حكمي الميراث، وكما أن الكافر لم يدخل في\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ١٤)، ٨٥- كتاب الفرائض، ٢٦- باب لا يرث المسلم الكافر حديث رقم (٦٧٦٤)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٣٣)، ٢٣- كتاب الفرائض حديث رقم (١/ ١٦١٤) .\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٣٧٠)، كتاب الفرائض، باب لا يتوارث حديث رقم (٢١٠٨)، وأبو داود في السنن (٣/ ٥٣)، كتاب الفرائض باب هل يرث المسلم الكافر حديث رقم (٢٩١١)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٩١٢)، كتاب الفرائض باب ميراث أهل الإسلام حديث رقم (٢٧٣١) .\n(٣) أي زياد بن أبيه.\n(٤) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٥٣)، كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر حديث رقم (٢٩١٢) وأحمد في المسند (٥/ ٢٣٦) .","vol":"1","page":237},{"text":"قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ كذلك لم يدخل في قوله: إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ.\nوقد رأوا أيضا أنّ الحرّ والعبد لا يتوارثان، لأن العبد لا يملك، وأن القاتل عمدا لا يرث من قتله، معاملة له بنقيض مقصوده.\n٢- قد يترك الميت أصحاب فروض لا تستغرق فروضهم الميراث، ومعهم عاصب، كأن يترك بنتين وعمّا، فللبنتين الثلثان، ويبقى الثلث، ولم يبيّن في آيات المواريث لمن يكون الباقي، وقد بيّنت السنة حكم ذلك.\nفقد ورد في «الصحيح» «١» أن رسول الله ﷺ قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت فلأولى رجل ذكر»\nولأجل ذلك قدم الأقرب في العصبة على الأبعد، كالأخ الشقيق يقدم على الأخ لأب، وابن الأخ الشقيق يقدم على ابن الأخ لأب، ويقدم الأخ للأب على ابن الأخ الشقيق.\n٣- قد يحدث أن يجتمع أصحاب فروض لا تستغرق فروضهم الميراث، وليس معهم عاصب، وقد اختلف العلماء في الباقي بعد أنصباء ذوي الفروض، فقال بعضهم: يردّ على ذوي الفروض بقدر حقوقهم.\nوقال بعضهم: لا يرد عليهم، بل هو لبيت مال المسلمين، وعلى القول الأول عامة الصحابة. وبالثاني قال زيد بن ثابت، وبه أخذ عروة والزهري والشافعي، لكنّ المحققين من الشافعية قالوا: إذا لم ينتظم بيت المال يردّ على ذوي الفروض بنسبة فروضهم، وإلا كان لبيت المال.\nوالقائلون بالرد اختلفوا فيمن يردّ عليه، فالأكثرون على أنه يردّ على جميع ذوي الفروض إلا الزوجين، وهو مذهب الحنفية والشافعية.\nوألحق ابن عباس بالزوجين الجدة في المنع، وقال عثمان ﵁: يرد على ذوي الفروض جميعا حتى الزوجين.\nاحتج من أبى الردّ بأن الله تعالى قدّر نصيب أصحاب الفرائض بالنص الظاهر، فلا يجوز أن يزاد عليه، لأن الزيادة تعدّ لحدود الله في الميراث، وقد قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) .\nوبأنّ الفاضل عن فروضهم مال لا مستحق له فيكون لبيت المال، كما إذا لم يترك وارثا أصلا، اعتبارا للبعض بالكل.\nواحتج القائلون بالرد بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأحزاب: ٦]\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ٦)، ٨٥- كتاب الفرائض، ٥- باب ميراث الولد حديث رقم (٦٧٣٢)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٣٣)، ٢٣- كتاب الفرائض، ١- باب ألحقوا الفرائض بأهلها حديث رقم (٢/ ١٦١٥) .","vol":"1","page":238},{"text":"أي بعضهم أولى بميراث بعض بسبب الرحم، فهذه الآية دلّت على استحقاقهم جميع الميراث بصلة الرحم، وآية المواريث أوجبت استحقاق جزء معلوم من المال لكل واحد منهم، فوجب العمل بالآيتين، بأن يجعل لكل واحد فرضه بتلك الآية، ثم يجعل ما بقي مستحقا لهم للرحم بهذه الآية، ولهذا لا يرد على الزوجين بوصف الزوجية، لانعدام الرحم في حقهما، إذا لم يكونا من ذوي الأرحام.\n٤- قد يجتمع ذوو فروض مقدّرة في كتاب الله، فإذا ذهبنا نعطيهم فروضهم المقدّرة ضاقت التركة عن أنصبائهم، كزوج، وأخت شقيقة، وأم، فلو أخذت الأخت النصف، والزوج النصف، والأمّ الثلث، استغرق النصفان التركة، ولم يبق فيها ثلث، ولم تحدث مسألة كهذه في عهده ﷺ، وإنما أول ما حدثت في عهد عمر ﵁.\nوقد اختلف رأيه ورأي ابن عباس، فكان رأي عمر العول، وهو أول من حكم بالعول في الإسلام، وذلك أنّه قسّم التركة على سهامهم، فأدخل النقص عليهم جميعا، تشبيها بالغرماء إذا ضاق المال عن ديونهم، فإنهم يتحاصّون بقدر ديونهم، وذهب ابن عباس إلى أنه يقدّم ما قدم الله، ويؤخّر ما أخر، وهذا الأثر الذي سنتلوه عليك يشرح لك المسألة.\nذكر «شارح السراجية» «١» أن أول من حكم بالعول عمر، فإنه وقعت في عهده صورة ضاق مخرجها عن فروضها، فشاور الصحابة فيها، فأشار العباس بالعول، وقال: أعيلوا الفرائض، فتابعوه على ذلك، ولم ينكره أحد إلا ابنه بعد موته، فقيل له: هلا أنكرته زمن عمر، فقال: هبته، وكان مهيبا.\nوسأله رجل كيف تصنع بالفريضة العائلة؟ فقال أدخل الضرر على من هو أسوأ حالا، وهن البنات والأخوات، فإنهنّ ينقلن من فرض مقدّر إلى فرض غير مقدّر، فقال رجل: ما تغنيك فتواك شيئا، فإنّ ميراثك يقسّم بين ورثتك على غير رأيك فغضب وقال: هلا تجتمعون حتى نبتهل، فنجعل لعنة الله على الكاذبين، إنّ الذي أحصى رمل عالج عددا لم يجعل في مال نصفين وثلثا.\nونحن نرى أن هنا أصلين يمكن أن تقاس هذه المسألة على كل منهما:\nالأصل الأول: إن التركة يقدم فيها الأهم ك (التجهيز) على المهم ك (الدين) ويقدم الدين على الوصية، فكذلك هذه المسألة، وإلى هذا ذهب ابن عباس.\n_________\n(١) علي بن محمد بن علي المعروف بالشريف الجرجاني فيلسوف من كبار العلماء بالعربية، انظر الأعلام للزركلي (٥/ ٧) .","vol":"1","page":239},{"text":"الأصل الثاني: الغرماء، إذا ضاق المال عن ديونهم فإنهم يتحاصّون على قدر مالهم، فيمكن أن تشبه هذه المسألة بها، وإليه ذهب عمر والصحابة ونرى أنه أعدل.\nقال الله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) اللاتي: جمع التي، وهي تستعمل في جمع من يعقل، أما إذا أريد جمع ما لا يعقل من المؤنث فإنه يقال التي، فتقول: النسوة اللاتي خرجن، والأثواب التي لبست، وبعضهم يسوّي بينهما، فيقول في الجمع المؤنث لمن يعقل: التي، والأول هو المختار.\nوالفاحشة: الفعلة القبيحة، وهي مصدر عند أهل اللغة، كالعافية، يقال: فحش الرجل يفحش فحشا وفاحشة، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل، واتفقوا على أنّ المراد بها هنا الزنى، والإتيان الفعل والمباشرة، يقال: أتى الفاحشة وأتى بها بمعنى.\nيقول الله: والنساء اللاتي يزنين من نسائكم، فأشهدوا على زناهنّ أربعة من رجالكم، فإن شهدوا بذلك، فاحبسوهن في البيوت حتى يتوفاهنّ ملك الموت، أو يجعل الله لهن مخرجا مما أتين به.\nوقد كان ذلك في أول الأمر، ثم جعل الله لهن سبيلا: الجلد والرجم.\nأخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ إلى قوله تعالى أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ثم أنزل الله ﵎ بعد ذلك: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢] فإن كانا محصنين رجما، فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما.\nوأخرج «٢» أيضا عن عبادة بن الصامت قال: قال نبي الله ﷺ: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب تجلد مائة وترجم بالحجارة. والبكر جلد مائة ونفي سنة» .\nوقد ذهبت العلماء إلى أنّ السبيل الذي جعل للثيب هو الرجم دون الجلد، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رجم ولم يجلد، فاستدلوا بما صح من فعل النبي ﷺ «٣» على قوله: وهو خبر عبادة بن الصامت.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ١٩٨) .\n(٢) المرجع نفسه (٤/ ١٩٨) .\n(٣) انظر حديث بريدة في صحيح مسلم (٣/ ٣٢١)، ٢٩- كتاب الحدود، ٥- باب من اعترف على نفسه بالزنى حديث رقم (٢٢/ ١٦٩٥) .","vol":"1","page":240},{"text":"قال الله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) يقول الله: الرجل والمرأة اللذان يأتيان الفاحشة منكم فآذوهما بالقول، وعيّروهما، ووبخوهما على ما أتيا من الفاحشة، وإن تابا وأصلحا فاتركوا إيذاءهما، إن الله كان توابا على عباده، رحيما بهم، وقد اختلف في المراد باللذين يأتيان الفاحشة على أقوال:\n١- أنهما الرجل والمرأة البكران، وهو قول السدي وابن زيد.\n٢- أنهما الرجلان الزانيان، وهو قول مجاهد.\n٣- أنهما الرجل والمرأة لا فرق بين بكر وثيب، وهو قول عطاء.\nوالمختار أنهما الرجل والمرأة البكران، أما أنه لم يرد الرجلين فلأنه قال:\nواللذان، والعرب تعبّر في مثل هذا إما بالمفرد، وإما بالجمع، ولا تعبر بالتثنية إلا إذا كان الفعل لا يكون إلا من اثنين، كالزنى. وأرادت أن تبين حكم الفاعل والمفعول.\nوأما أنهما بكران دون الثيبين فلأن الله ذكر حكمين: أحدهما: الحبس في البيوت، والثاني: الإيذاء، ولا شك أن من حكم عليه بالأول خلاف من حكم عليه بالثاني، والشرع يخفف في البكر، ويشدد على الثيّب، ولذلك لما نسخ هذا الحكم، جعل للثيب الرجم، وللبكر الجلد، فجعلنا الحكم الشديد وهو الحبس على الثيب، والحكم الأخف وهو الإيذاء على البكر.\nوقد نسخ حكم هذه الآية بآية النور، فجعل حكم الزانيين البكرين جلد مائة.\nأخرج ابن جرير «١» عن الحسن البصري وعكرمة قالا: في قوله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما الآية نسخ ذلك بآية الجلد فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ.\nوأخرج أيضا «٢» عن ابن عباس قوله: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فأنزل الله بعد هذا: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ فإن كانا محصنين رجما في سنّة رسول الله ﷺ.\nوقد علمت من القول المختار أنّ الله ذكر في آيتي النساء حكم الزانيات الثيّبات، وحكم الزاني والزانية البكرين، ولم يذكر حكم الزاني الثيب، ولعلّه تركه لعلمه بالقياس على المرأة الثيب، هذا تفسير السلف في الآيتين.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ٢٠٢) .\n(٢) المرجع نفسه (٤/ ٢٠٢) .","vol":"1","page":241},{"text":"ولأبي مسلم الأصفهاني تفسير آخر بناه على مذهبه من عدم نسخ شيء من القرآن، وهو أنّ المراد باللاتي يأتين الفاحشة السحاقات، وباللذين يأتيانها اللوطيان، أما حكم الزنى فبيّن في سورة النور، ويرى أنّ هذا أولى لوجوه:\nأولا: أنه يبقي كلّ آية على حكمها، فلا ينسخ منها شيء.\nوثانيا: أنّ الآية الأولى خاصة بالنساء، والثانية خاصة بالذكور، فيعلم أنه أراد فاحشة تكون من النساء في الأولى وهي السحاق، وفاحشة تكون من الذكور في الثانية وهي اللواط، ولو أراد الزنى لذكر حكم الزاني والزانية في آية واحدة، كما في سورة النور.\nوثالثا: أنه على هذا التفسير لا يكون في الآيتين تكرار، أما على القول الآخر فتكون الآيتان في الزنى فيفضي إلى تكرار الشيء في الموضع الواحد مرتين، وقد علمت مما تلوناه عليك من تفسير السلف أنه لا قائل بهذا القول من السلف، وأنه لا تكرار، إذا الحكم الأول في الثيب، والحكم الثاني في البكر.\nوقد زعم الرازي أنّ مجاهدا من السلف قد قال بهذا القول، ولعله قد ظن أن مجاهدا يريد من الرواية التي تقدمت في الرجلين اللواط، وقد نظرنا فوجدنا أنه يريد الزانيين، بدليل أنه رأى أن آية النور نسختها.\nقال الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) لما ذكر الله في الآية السابقة أنّ توبة اللذين أتيا الفاحشة تفيدهما، ناسب أن يبيّن بعد شروط التوبة ووقتها فقال: إِنَّمَا التَّوْبَةُ ... إلخ.\nيعني ليس قبول التوبة على الله لأحد من خلقه إلا لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ، وظاهر الآية أنّ من عمل السوء عالما به لا تقبل توبته، وهذا مخالف لما علم من الشريعة، ومن مثل قوله: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣] .\nوإن من عمل السوء عن جهل مؤاخذ، وفي حاجة إلى التوبة، مع أنّه لم يذنب ولمكان هذا ذهب العلماء إلى تأويل الجهالة مذاهب شتى، أقربها أنّ كلّ من عصى الله سمّي جاهلا، وسمّي فعله جهالة، قال الله حكاية عن يوسف: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ [يوسف: ٣٣] وقال: قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [البقرة: ٦٧] وقال: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [هود: ٤٦] .\nووجه تسمية العاصي جاهلا- وإن عصى عن علم- أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما عصى ربّه فلما لم يستعمل هذا العلم صار كأنّه لا علم له،","vol":"1","page":242},{"text":"فسمي العاصي جاهلا لذلك، سواء أتى ذلك مع العلم بكونها معصية، أم مع الجهل بذلك، وإلى ذلك ذهب كثير من السلف.\nأخرج ابن جرير «١» عن قتادة قوله: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أنّ كل شيء عصي به فهو جهالة، عمدا كان أو غيره.\nوأخرج «٢» أيضا عن مجاهد قال: كل من عمل بمعصية الله فذاك منه بجهل حتى يرجع عنه.\nوذهب الفخر الرازي إلى أنّ الجهالة على معناها، وأنّ الآية عرضت لمن يجب قبول توبته وجوب تفضل، وذلك ليس إلا لمن عمل السوء عن جهالة، أما من فعل السوء عن علم فليس يجب قبول توبته على الله، والتزم أن بعض من يعملون السوء عن جهل مذنبون كاليهودي الذي لا يعلم بطلان مذهبه.\nوإنما أوخذ لأنه متمكن من أن يعلم، وهذا فرق بينه وبين الناسي، قوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ معنى القرب فيه يعلم من مقابله، وهو قوله: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ. فكل ما كان قبل حضور الموت فهو قريب، وحضور الموت هو وصولهم إلى حالة يغلبون فيها على عقولهم، ويشتغلون بكرب الحشرجة.\nومِنْ فيه للتبعيض، والمعنى: ثم يتوبون بعد وقت قريب، وسمّى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمنا قريبا ففي أي جزء من هذا أوقع توبته فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد.\nفَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفائدة هذه بعد قوله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ أن يبيّن أن ما أوجبه على نفسه سيفي به، فهذا وعد منه تعالى بذلك.\nوَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا بضعف الإنسان أمام الشهوة والغضب حَكِيمًا في قبول توبة ذلك الضعيف.\nقال الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٨) أخبر الله أنه لا توبة للذين يعملون السيئات، حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، وهذا المعنى قد نطقت به آيات عدة.\nقال تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر: ٨٥] وقال حكاية عن\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ٢٠٢) .\n(٢) المرجع نفسه (٤/ ٢٠٣) . [.....]","vol":"1","page":243},{"text":"فرعون لما أدركه الغرق: آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) [يونس: ٩٠، ٩١] وقال: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها (١٠٠) [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] .\nوَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ عطف على الذين يعملون السيئات، وهذا يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن المراد بهم الذين قرب موتهم، فيكون بيّن بهذا أن الإيمان لا يقبل من الكافر عند حضور الموت.\nوالثاني: أن يكون المراد أنّ الكفار إذا ماتوا على الكفر لا تقبل توبتهم.\nأُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا، أَعْتَدْنا: أعددنا وهيأنا، والإشارة بأولئك إلى الفريقين.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) كانت المرأة قبل الإسلام مهضومة الحقّ، يعتدى عليها بأنواع من الاعتداء، فكان ذلك من أنعم الشريعة الإسلامية على المرأة:\nالنعمة الأولى: كان الرجل في الجاهلية إذا مات وجاء ابنه أو بعض ورثته وألقى ثوبه على امرأته: كان أحقّ بها من نفسها، فإن شاء تزوجها، ولم يدفع لها مهرا، وإن شاء زوّجها من أحبّ، وأخذ مهرها، فكانوا يرثونها كما يرثون المال، كأنّهم يظنونها ملكا لمورّثهم بما أصدقها من صداق، فأنزل الله هذه الآية ناهيا عن تلك العادة الذميمة فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا فبين بذلك أنها ليست متاعا يورث.\nروى ابن جرير «١» عن ابن عباس في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاؤوا زوّجوها، وإن شاؤوا لم يزوّجوها، وهم أحقّ بها من أهلها، فنزلت هذه الآية.\nوأخرج «٢» أيضا عن السدي قال: أما قوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا فإن\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ٢٠٧) .\n(٢) المرجع نفسه (٤/ ٢٠٨) .","vol":"1","page":244},{"text":"الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه، فهو أحقّ بها أن ينكحها بمهر صاحبه، أو ينكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهم أحقّ بنفسها.\nوعلى ذلك يكون المعنى: لا يحل لكم أن ترثوا آباءكم وأقاربكم نكاح نسائهم وهن لذلك كارهات.\nوأخرج ابن جرير «١» عن الزهري في قوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا قال: نزلت في ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس لامرأته وليّه، فيمسكها حتى تموت فيرثها، فنزلت فيهم.\nعلى هذا يكون المعنى: لا يحل لكم إذا مات أولياؤكم أن تمسكوا نساءهم حتى يمتن فترثوهن.\nوالظاهر الأول، لأن مآل الثاني بيان أنهم ليسوا من ورثتها، وذلك معلوم من آيات الميراث، فإنها بيّنت من ترث، بخلاف حمله على المعنى الأول، فإنه يؤدي معنى جديدا.\nوقرئ كرها وكرها بالفتح والضم ومعناهما واحد، وقيل: الكره بالضم المشقة وبالفتح الإكراه.\nالنعمة الثانية من نعم الشريعة الإسلامية على النساء: كانوا إذا تزوج أحدهم امرأة وكرهها حبسها وعضلها، حتى تفتدي منه، فنهوا عن ذلك إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، فيجوز حبسها، والفاحشة قيل: هي الزنى، وقيل النشوز، والأولى أن تعم كل ذلك.\nوأخرج ابن جرير «٢» عن ابن عباس قوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ يقول: لا تقهروهن لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيضربها لتفتدي.\nوقال آخرون: إنّ الذين نهوا عن العضل هم أولياء الميت الذين يرثون وقال آخرون: إنهم أولياء المرأة، وهذا ليس بظاهر، لأنّ أولياءها لم يؤتوها شيئا، والله يقول: لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن.\nوقوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ يحتمل أن يكون مجزوما على النهي، ويحتمل أن يكون معطوفا على تَرِثُوا.\n_________\n(١) المرجع نفسه (٤/ ٢٠٩) .\n(٢) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٢/ ٢١٠) .","vol":"1","page":245},{"text":"والعضل: الحبس والتضييق، وقرئ مبيّنة بالكسر والفتح فأما الكسر فقد أسند البيان إليها على المجاز. وأما الفتح فعلى معنى أنه بينها غيرها.\nالنعمة الثالثة: كان الرجال يسيئون عشرة النساء، فيغلظون لهنّ القول، ويضارّوهن، فقال الله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال الزجاج: هو النّصفة بالميت والنفقة، والإجمال في القول.\nولو عمل المسلمون بهذا الأمر لسعدت الأسر وشملتها السعادة، لأنّ أسباب شقاء الأسر ترجع إلى سوء العشرة، وافتئات الرجل على المرأة في حقوقها، كأن يخادن عليها، أو يهجرها إلى الخانات والرفقة، ويغلظ لها في القول، فيفسد ما بينهما، وتسوء أخلاق أولادهما من طول النزاع وسوء الأسوة.\nعن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس إنّ النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حقّ، ولهن عليكم حقّ، ومن حقّكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا، ولا يعصينكم في معروف، وإذا فعلن ذلك فلهنّ رزقهنّ وكسوتهن بالمعروف» «١» .\nفَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فلا تفارقوهن للكراهة وحدها فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا كأن يعطفكم عليهن، فيجعل منهنّ لكم زوجات رضيات، أو يرزقكم منهنّ بأولاد صالحين، فالضمير فيه يرجع إلى شَيْئًا.\nقال الله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٢١) النعمة الرابعة: كان من ظلم الرجال للنساء أن الرجل إذا أراد طلاق امرأته استردّ ما دفعه من مهر، وربما توسّل إلى ذلك برميها بالفاحشة، أو تهديدها بذلك، فنهى الله عن ذلك في هاتين الآيتين، وجعله بهتانا وإثما مبينا، وأنكر عليهم أخذه، ووبّخهم على ذلك بعد أن أفضوا إليهن، وأخذن منهم ميثاقا غليظا.\nوقد أخذ من هذه الآية جواز الإغلاء في المهور، لأنّ الله قال: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا ومنع أن يأخذوا منه شيئا، والقنطار: المال الكثير الوزن، وإن كان النبي ﷺ وأصحابه كانوا يقلّلونه.\nوقد روي عن عمر أنه قال- وهو على المنبر- ألا لا تغالوا في صدقات النساء،\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره جامع البيان (٤/ ٢١٢) .","vol":"1","page":246},{"text":"فإنّها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر يعطينا الله وتحرمنا أنت، أليس الله سبحانه يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا؟ فقال عمر: امرأة أصابت وأمير أخطأ «١» .\nوقد احتج أبوبكر الرازي «٢» بهذه الآية على أنّ الخلوة الصحيحة تقرّر المهر قال: وذلك لأنّ الله تعالى منع الزوج أن يأخذ منها شيئا من المهر، وهذا المنع مطلق، ترك العمل به قبل الخلوة، فوجب أن يبقى معمولا به بعد الخلوة. قال: ولا يجوز أن يقال: إنه مخصوص بقوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧] .\nوذلك أنّ الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس فقال عمر وعلي المراد من المسيس الخلوة، وقال عبد الله: هو الجماع، وإذا صار مختلفا فيه امتنع جعله مخصّصا لعموم هذه الآية.\nوهذه المسألة خلافية، فقد ذهب الحنفية إلى أن المهر يتقرّر بالخلوة، وذهب الشافعية إلى أنّه يتقرّر بالجماع لا بالخلوة، ولمالك في ذلك ثلاث روايات:\nإحداهن: يتقرر المهر بالخلوة.\nوثانيتهن: لا يتقرّر المهر إلا بالوطء.\nوثالثتهن: يتقرر بالخلوة في بيت الإهداء، والأصح: تقرّره بالخلوة مطلقا، وقد علمت حجة القائلين بتقريره بالخلوة.\nوقد رأى القائلون بأنّه لا يتقرر بالخلوة أنّ هذه الآية مختصة بما بعد الجماع، بدليل قوله: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وإفضاء بعضهم إلى بعض هو الجماع، لأدلة ستذكر بعد.\nوأفضى: من الفضاء الذي هو السعة، يقال فضا يفضو فضوا وفضاء: إذا اتسع.\nقال الليث: أفضى فلان إلى فلان أي وصل إليه، وأصله أنه صار في فرجته وفضائه.\nوقد اختلف في المراد بإفضاء بعضهم إلى بعض، فذهب الحنفية وآخرون إلى أنه الخلوة الصحيحة.\nوذهب الشافعية إلى أنه كناية عن الجماع، وهو قول ابن عباس ومجاهد، وقد استدل الشافعية لمذهبهم أنّ الله ذكر هذا في معرض التعجب فقال:\n_________\n(١) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٢/ ١٣٣) .\n(٢) في كتاب أحكام القرآن (٢/ ١١٠) .","vol":"1","page":247},{"text":"وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة، وهو الجماع. وقد ذكر الفخر الرازي وجوها عدة أخرى وأطال فيها «١» .\nونحن نرى أن هذه الآية لم تنزل في تقرر الصداق وعدمه، فنزلت فيه آية:\nوَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧] فجعل التنصيف بالطلاق قبل المسيس، فينبغي أن يعلم ما المراد بالمسيس أهو الخلوة أم الدخول وقد تقدم ذلك في سورة البقرة.\nأما قوله تعالى: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا فهذا إنكار وتوبيخ للأزواج على ذلك الغصب. والبهتان في اللغة: الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة. وأصله من بهت الرجل إذا تحيّر، فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمه، وكان مقتضى الظاهر ألا يؤتى بوصف البهتان هنا لعدم ظهور الكذب فيه، بل كان يوصف بالظلم مثلا، ولذلك اختلف العلماء في هذه اللفظة، وتقرير مناسبتها، فقال بعضهم:\nإنه أطلق على كل باطل يتحيّر من بطلانه بهتان.\nوقيل: إنه إذا طلقها وأخذ منها ما آتاها- مع أن الله لم يبح ذلك إلا في حالة إتيانها بالفاحشة- أشعر ذلك أنها قد أتت بفاحشة، فكان أخذ المال طعنا فيها من وجه، وظلما لها من وجه آخر، وقيل: المراد أنه رمى امرأته بتهمة ليتوصل إلى أخذ المهر، ووصف الإثم بأنه مبين، لأنه مبين أمر صاحبه أنه ظالم.\nوأما قوله: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٢١) فهو إنكار، والميثاق الغليظ الذي أخذته قال مجاهد وقتادة وغيرهما: هو قوله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٢] وهذا وإن كان ميثاقا من الله فإنه ينسب إليهن، لأنهن السبب.\nوقيل: هو كلمة النكاح، وهي قوله: نكحت،\nوقد ثبت عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «اتقوا الله في النساء، فإنّكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» «٢» .\nوقيل: هو الصحبة والعشرة.\nووصفه بالغلظة لقوته وعظمته. وقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟\n_________\n(١) في تفسيره: مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير (١٠/ ١٥) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح حديث رقم (١٥٥٧) ومسلم في الصحيح (٢/ ٨٨٩)، كتاب الحج حديث رقم (١٢١٨) .","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>ما يحرم من النساء</span>\nقال الله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) كانوا في الجاهلية يخلفون آباءهم على نسائهم، فنهاهم الله عن ذلك، وعفا لهم عما قد سلف قبل التحريم، فلا يؤاخذهم، ووصفه بأنه فاحشة، لأن امرأة الأب تشبه الأم، وبأنه مقت، والمقت بغض مقرون باستحقار، ووصف به العقد لأنّه سبب إلى المقت، وكانت العرب تسمي هذا النكاح المقت، وتسمي ولد الرجل من امرأة أبيه مقيتا.\nوقال: وَساءَ سَبِيلًا وهو معطوف على الخبر، بتقدير مقولا فيه، لأنه إنشاء.\nأخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرّمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل الله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ.\nوالاستثناء في قوله: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ استثناء منقطع، والمعنى: لكن ما قد سلف فلا تثريب عليكم فيه، كقوله: لا تلق فلانا إلا ما لقيت، أو هو استثناء متصل مما يستلزمه النهي، ويستوجبه مباشرة المنهي عنه، كأنه قيل: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، فإنه معاقب عليه إلا ما قد سلف.\nوقيل: إن إِلَّا هنا بمعنى (بعد) كقوله: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: ٥٦] أي بعد الموتة الأولى.\nوكانَ هنا قيل: إنها زائدة، وقيل: ليست زائدة ولكنها منسلخة عن خصوص الماضي، كقوله: وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ٩٦] .\nوقد علمت مما تقدّم أن ما هنا عبارة عن النساء، فقد وقعت على العاقل، وقيل: إنها مصدرية، والمعنى: ولا تنكحوا نكاحا مثل ما نكح آباؤكم من أنكحة الجاهلية الفاسدة.\nوقد اختلف العلماء فيمن زنى بها الأب أتحرم على ولده كما حرمت عليه زوجته، أم لا تحرم، فيكون الوطء الحرام غير ناشر للحرمة كالوطء الحلال، وكذلك اختلفوا في الزنى بأم الزوجة أو بنتها: أيحرّم الزوجية أم لا يحرمها، وإلى الأول ذهب أبو حنيفة والصاحبان والثوري والأوزاعي وقتادة والحسن، وإلى الثاني ذهب الشافعي والليث والزهري وربيعة.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ٢١٢) .","vol":"1","page":249},{"text":"واختلفت الرواية عن مالك، ففي «الموطأ» عنه مثل قول الشافعي، وروى عنه ابن القاسم مثل أبي حنيفة، وقال سحنون «١»: أصحاب مالك يخالفون ابن القاسم فيها ويذهبون إلى ما في «الموطأ» .\nوسبب الخلاف الاشتراك في اسم النكاح، فهو يطلق على الوطء، وعلى العقد، فمن قال: إنّ المراد به في الآية الوطء حرّم من وطئت ولو بزنى، ومن قال: المراد به العقد لم يحرّم بالزنى.\nونحن سنشرح المسألة بعض الشرح فنقول:\nنقل الجصاص «٢» عن أبي عمر غلام ثعلب قال: الذي حصّلناه عن ثعلب عن الكوفيين والمبرّد عن البصريين أنّ النكاح في أصل اللغة هو اسم للجمع بين الشيئين، تقول العرب: أنكحنا الفرا فسنرى، هو مثل ضربوه للأمر، يتشاورون فيه، ويجتمعون عليه، ثم ينظر عماذا يصدرون فيه، معناه جمعنا بين الحمار وأتانه، وسمّى الوطء نكاحا، لأنّه جمع بين الرجل والمرأة، وأطلق على العقد نكاح، لأنّه سبب له.\nوليس يختلف أنه قد أطلق في القرآن ولسان العرب على الوطء مرة، وعلى العقد أخرى، فمن إطلاقه على الوطء، قوله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور: ٣] إذ لو كان العقد للزم الكذب.\nوقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ [النساء: ٦]\nوقوله ﷺ: «ناكح اليد ملعون»\nوقول الأعشى:\nومنكوحة غير ممهورة ... وأخرى يقال له فادها\nيقصد المسبية الموطوءة بغير مهر ولا عقد.\nوقول الآخر:\nومن أيّم قد أنكحتها رماحنا ... وأخرى على عمّ وخال تلهّف\nومن إطلاقه على العقد قوله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب: ٤٩] وقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور: ٣٢] وقوله:\nفَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ [النساء: ٣]\nوقوله ﷺ: «النكاح من سنّتي» «٣»\nأي العقد،\nوقوله:\n_________\n(١) عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الملقب بسحنون قاض فقيه ولد في القيروان، انظر الأعلام للزركلي (٤/ ٥) .\n(٢) في كتابه أحكام القرآن (٢/ ١١٢) .\n(٣) رواه ابن ماجه في السنن (١/ ٥٩٢)، كتاب النكاح، باب ما جاء في فضل النكاح حديث رقم (١٨٤٦) .","vol":"1","page":250},{"text":"«أنا من نكاح ولست من سفاح»\nوإنما الخلاف فيما هو الراجح، أهو الوطء أم العقد؟\nأن يكون المراد بالنكاح في الآية الوطء، قالوا: لأنه فيه حقيقة، وفي العقد مجاز، والحمل على الحقيقة أولى، حتى يقوم الدليل على الحمل على المجاز، وإذا كان المراد به الوطء فلا فرق بين الوطء الحلال والوطء الحرام.\nقالوا: ويدلّ عليه من جهة النظر أنّ الوطء آكد في إيجاب التحريم من العقد، لأنّا لم نجد وطأ مباحا إلا وهو موجب للتحريم، كالوطء بملك اليمين، ونكاح الشبهة، وقد وجدنا عقدا صحيحا لا يوجب التحريم، وهو العقد على الأم لا يوجب تحريم البنت، ولو وطئها حرمت، فعلمنا أنّ وجود الوطء، لأنّ التحريم لم يخرجه من أن يكون وطأ صحيحا.\nوللشافعية أن يقولوا النكاح، وإن كان مجازا في العقد: ولكنه اشتهر فيه حتى صار حقيقة، كالعقيقة، كانت اسما لشعر المولود، ثم أطلقت على الشاة التي تذبح عند حلقه مجازا، واشتهر ذلك، حتى صارت حقيقة فيها، تفهم منها عند الإطلاق.\nوقد عبّر الله بجانب هذه المحرمات بما يفيد الزوجية كقوله: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ.\nويدلّ لهم من جهة النظر أنّ الله جعلها محرما بالمصاهرة تكريما لها، كما جعلها محرما من النسب تكريما للنسب، فكيف يجعل هذه الحرم للزنى وهو فاحشة ومقت، وإنما جعل زوجة الأب محرما، وكذلك زوجة الابن وأم الزوجة وبنتها لشدة الاختلاط بين الأصهار، فجعلن محارم، لتنقطع طماعية المرء منهن، فيقل الفساد، لأنّ الطمع داعية الفساد، وبذلك تسهل الخلطة على الأصهار، ويأمنون مغبتها، وهذا المعنى ليس موجودا في الزنى، وهذا الذي ذكرناه يفهم من كلام الشافعي في «الأم» فقد قال:\nفإن زنى بامرأة أبيه وابنه أو أم امرأته فقد عصى الله، ولا تحرم عليه امرأته، ولا على أبيه، ولا على ابنه امرأته، لو زنى بواحدة منهما، لأن الله ﷿ إنما حرّم بحرمة الحلال تعزيزا لحلاله، وزيادة في نعمته بما أباح منه، بأن أثبت به الحرمة التي لم تكن قبله، وأوجب بها الحقوق، والحرام خلاف الحلال.\nوالظاهر ما ذهب إليه الشافعية والقول الراجح عند المالكية عن عدم التحريم بالزنى للعلة التي ذكرت، ويكون مقيسا على النسب، فكما أن النسب لا يثبت بالزنى، كذلك التحريم لا يثبت بالزنى.\nقال الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ","vol":"1","page":251},{"text":"وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ أي حرّم نكاحهن، وحذف لدلالة الكلام عليه، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ومن تحريم الميتة تحريم أكلها، ولأنّ قوله:\nوَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ يدل عليه.\nأخرج ابن جرير «١» عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إلى قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ.\nوأخرج «٢» أيضا عنه قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ:\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ حتى بلغ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قال: والسابعة: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>السبع اللاتي حرّمن من النسب</span>\n١- الأم: وهي كل امرأة لها عليك ولادة، ويرتفع نسبك إليها بالبنوه، سواء أكانت منك على عمود الأب أو على عمود الأم، فتحرم عليك أمك وجداتك وإن علون من جهة الأب، أو من جهة الأم.\n٢- البنت: وهي كل امرأة لك عليها ولادة سواء أكانت بنتا مباشرة أو بواسطة، فتشمل البنات، وبنات الأولاد وإن سفلن.\n٣- الأخت: وهي كل امرأة شاركتك في أصليك أبيك وأمك، أو في أحدهما، ولا تحرم أخت أختك إذا لم تكن أختا لك، كأن تكون لك أخت من أبيك لها أخت لأمها من رجل آخر.\n٤- العمة: كل امرأة شاركت أباك ما علا في أصليه أو في أحدهما.\n٥- الخالة: كل امرأة شاركت أمك مهما علت في أصليها أو في أحدهما.\n٦- بنت الأخ: كل امرأة لأخيك عليها ولادة.\n٧- بنت الأخت: كل امرأة لأختك عليها ولادة.\nفإن قيل: تحريم الجدّات وبنات الأولاد، هل أخذ من الآية أم من دليل آخر؟\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٤/ ٢٢٠) . [.....]\n(٢) المرجع نفسه (٤/ ٢٢٠) .","vol":"1","page":252},{"text":"قلنا: إن الأم إذا كانت حقيقة في الأم المباشرة مجازا في الأم غير المباشرة فتحريم الأم من الآية، والجدات من الإجماع.\nوقال بعضهم: إنّ إطلاق الأم على الأم المباشرة والجدة من باب المشترك المعنوي، وعلى ذلك يكون تحريم الجدات من الآية، وكذا القول فيما ماثله.\nوقد اختلف في البنت من الزنى أهي داخلة في قوله: وَبَناتُكُمْ فتكون حراما، ولها حرمة البنت الشرعية، أم ليست داخلة، فلا تكون حراما، وليس لها حرمة البنت الشرعية؟\nبالأول قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي.\nولعل أبا حنيفة نظر إلى الحقيقة، وأنها مختلقة من مائه، وبضعة منه فحرمها عليه.\nأما الشافعي فنظر إلى أن الشارع لم يعطها حكم البنتية، فلم يورّثها منه، ولم يبح الخلوة بها، ولم يجعل له عليها ولاية، وليس له أن يستلحقها،\nوقال ﷺ: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» «١» .\nوالوجه ما ذهب إليه أبو حنيفة من الحرمة قياسا على ولد الزنى، فإنّه تحرم عليه أمه، وليس بينهما إلا أنه متخلق منها، وبضعة منها، فكذلك بنت الزنى مع أبيها، ونفي بعض لوازم البنت عنها للعقوبة لا يقتضي نفي البقية، وجواز نكاحها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>السبع المحرمات بغير النسب</span>\n١- الأم من الرضاع: وهي كل امرأة أرضعتك، وكذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة، إما من جهة النسب، أو من جهة الرضاع.\n٢- الأخت من الرضاع: وهي ثلاث:\nأخت لأبيك وأمك، وهي المرأة التي رضعت من أمك بلبن أبيك.\nأخت لأبيك، وهي المرأة التي أرضعتها امرأة أبيك رضاعا بلبنه.\nأخت لأمك، وهي المرأة التي أرضعتها أمك بلبن غير لبن أبيك.\nولم يذكر من المحرّم بالرضاع في القرآن سوى الأمهات والأخوات، والأم أصل، والأخت فرع، فنبه بذلك على جميع الأصول والفروع.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٦)، ٣٤- كتاب البيوع، ٣- باب تفسير المشبهات حديث رقم (٢٠٥٣)، ومسلم في الصحيح (٢/ ١٠٨٠)، ١٧- كتاب الرضاع، ١٠- باب الولد للفراش حديث رقم (٣٦/ ١٤٥٧) .","vol":"1","page":253},{"text":"وأيضا لما سمى المرضعة أما، والمرضعة أختا، فقد نبه بذلك على أنه أجرى الرضاع مجرى النسب، وقد جاءت السنّة مؤكدة بصريح العبارة لهذا المفهوم،\nفقد ثبت أن النبيّ ﷺ قال: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» «١» .\nوثبت في «الصحاح» «٢» عن علي أنه قال: قلت يا رسول الله مالك تنوّق في قريش وتدعنا؟\nقال: «وعندكم شيء»؟\nقلت: نعم، ابنة حمزة فقال رسول الله ﷺ: «إنها لا تحلّ لي إنّها ابنة أخي من الرضاعة» وذلك لأنّ ثويبة أرضعت حمزة والنبيّ ﷺ.\nوظاهر قوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ يقتضي أنّ مطلق الرضاع محرّم، وبذلك قال مالك وأبو حنيفة.\nوذهب الشافعي إلى أنه لا تحرّم إلا خمس رضعات، واستدل بما\nرواه مسلم «٣» وغيره أن النبيّ ﷺ قال: «لا تحرّم المصة ولا المصتان» «٤» «لا تحرّم الإملاجة ولا الإملاجتان» «٥»\nوبما رواه مالك وغيره عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهنّ مما يقرأ من القرآن.\nوهذا الحديث الأخير لا يصحّ الاستدلال به، لاتفاق الجميع أنه لا يجوز نسخ تلاوة شيء من القرآن بعد وفاة الرسول ﷺ، ولا إسقاط شيء منه، وهذا الحديث يفيد أنه سقط شيء من القرآن بعد وفاته.\nوأما الحديث الأول، فكان مقتضى مذهب الشافعي أن يحرّم بما زاد على الرضعتين، لأنه يقول بالمفهوم.\nوقد رأى الحنفية أنه لا يجوز تخصيص آية التحريم هذه بخبر الواحد، لأنها محكمة، ظاهرة المعنى، بينة المراد، لم يثبت خصوصها بالاتفاق، وما كان هذا وصفه، فغير جائز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٢٠١)، ٥٢- الشهادات، ٧- باب الشهادة على الأنساب حديث رقم (٢٦٤٥) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٧١)، ١٧- كتاب الرضاع، ٣- باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة حديث رقم (١١/ ١٤٤٦) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٧٣)، ١٧- كتاب الرضاع، باب في المصة والمصتان حديث رقم (١٧/ ١٤٥٠) .\n(٤) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٧٤)، ١٧- كتاب الرضاع، ٥- باب في المصة والمصتان حديث رقم (١٨/ ١٤٥١) .\n(٥) رواه مالك في الموطأ كتاب الرضاع، باب ما جاء في الرضاعة حديث رقم (١٧) .","vol":"1","page":254},{"text":"وقد أخرج أبو بكر الرازي «١» عن طاووس عن ابن عباس أنه سئل عن الرضاع فقلت: إن الناس يقولون: لا تحرّم الرضعة ولا الرضعتان، قال: قد كان ذاك، أما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم.\nفقد عرف ابن عباس خبر العدد في الرضاع، وأنه منسوخ بالتحريم بالرضعة الواحدة.\nاختلف العلماء في لبن الفحل أيحرّم أم لا يحرّم؟ وصورته: أن يتزوج رجل امرأتين، فتلدا منه، وترضع إحداهما صبية، والأخرى غلاما، فمن ذهب إلى أن لبن الفحل يحرّم حرّم الصبية على الغلام، لأنهما أخوان من الرضاع لأب، وهذا هو المتصوّر، لما\nثبت في البخاري «٢» عن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن على عائشة بعد أن نزل الحجاب، فقالت عائشة: والله لا آذن لأفلح حتى أسأل رسول الله ﷺ، فإن أبا القعيس ليس هو الذي أرضعني، إنما أرضعتني المرأة، قالت عائشة: فلما دخل رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله! إن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليّ فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك، فقال: «إنه عمك فليلج عليك»\nوهو مذهب أكثر الأئمة.\nيقتضي قوله تعالى: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ أنّ الرضاع يحرّم ولو في سن الكبر، إلا أن قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة: ٢٣٣] بيّن زمن الرضاعة، فذهب العلماء إلى أنّ من أرضع خارج الحولين لا يكون ابنا من الرضاعة، وأكد هذا ما\nروي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء من الثدي، وكان قبل الفطام» رواه الترمذي والنسائي «٣» .\nوقد رأت عائشة أنّ رضاع الكبير محرّم،\nللحديث الصحيح «٤» عنها قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فضلا، وقد أنزل الله ﷾ فيهم ما علمت، فكيف ترى يا رسول الله فيهم؟\nفقال النبي ﷺ: أرضعيه خمس رضعات يحرم بها، فكانت تراه ابنا من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة تأخذ.\n_________\n(١) في كتابه أحكام القرآن (٢/ ١٢٥) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ١٥٣)، ٦٧- كتاب النكاح، ٢٣- باب لبن الفحل حديث رقم (٥١٠٣) .\n(٣) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٤٥٨)، كتاب الرضاع، باب ما ذكر أن الرضاع حديث رقم (١١٥٢) .\n(٤) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٧٦)، ١٧- كتاب الرضاع، ٧- باب رضاعة الكبير حديث رقم (٢٦/ ١٤٥٣) .","vol":"1","page":255},{"text":"وأباه سائر أزواج النبي ﷺ وقلن: والله ما نرى ذلك إلا رخصة من رسول الله ﷺ لسهلة.\n٣- أمهات نسائكم: وهنّ أمهات الزوجات.\n٤- ربائبكم: اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن:\nوالرائب جمع ربيبة، فعيلة بمعنى مفعولة، من قولك ربّها يربّها، إذا تولّى أمرها، وهي بنت الزوجة من غيرك، وسميت بذلك لأنّ زوج أمها في الغالب يتولّى أمرها. ومقتضى ظاهر التلاوة أن الربيبة لا تحرم على زوج أمها إلا بشرطين:\nأولهما: كونها في حجره.\nثانيهما: أن يكون دخل بأمها.\nأما الأول: فلم يشترطه جمهرة العلماء، قالوا: إنه خرج مخرج الغالب، لا أنه قيد في التحريم.\nوالربيبة حرام على زوج أمها سواء أكانت في حجره أو لم تكن في حجره.\nوروى مالك بن أوس عن علي أنها لا تحرم حتى تكون في حجره،\nأخذا بظاهر القرآن.\nولكنّ سائر الصحابة وعامة الفقهاء على القول الأول.\nوأما الثاني فهو متفق عليه، إلا أنهم اختلفوا في الدخول فقال الطبري والشافعي:\nإنه الجماع، وقال مالك وأبو حنيفة: هو التمتع من اللمس والقبلة، وقال عطاء وعبد الملك بن مروان: هو النظر إليها بشهوة.\nوقد اختلف العلماء في الدخول: أهو شرط في تحريم أمهات النساء، كما هو شرط في الربيبة، أم ليس شرطا فيهن؟\nفروي عن علي، وجابر، وابن الزبير، وزيد بن ثابت، ومجاهد، أنه شرط فيهن، فلا تحرم أمّ الزوجة بالعقد، بل بالدخول بها.\nقال سائر العلماء: إنه ليس شرطا فيهن.\nوسبب الخلاف اختلافهم في قوله: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أهو وصف لنسائكم من قوله: مِنْ نِسائِكُمُ فقط أم هو وصف لها ولنسائكم من قوله: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ.\nوقد احتجّ الأولون بأنه لو كان لهما للزم أن يكون وصفا لمعمولي عاملين مختلفين، لأنّ إحداهما العامل فيها الإضافة، والأخرى العامل فيها حرف الجر، وذلك منعه البصريون كالعطف على معمولي عاملين مختلفين، وهذا الاستدلال لا يصح، لأنّ هذا أجازه الكوفيون.","vol":"1","page":256},{"text":"والأولى أن يقال: إنه يحتمل أن يكون ذلك شرطا في تحريم الربيبة فقط، وأن يكون شرطا في تحريم أمهات النساء أيضا، ولا تحلّ الفروج بالاحتمال، فالاحتياط يقضي أن يجعل شرطا في الربيبة فقط.\n٥- حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم:\nالحلائل جمع حليلة، فعيلة بمعنى مفعلة أي محلة.\nحرم الله على الأب زوجة ابنه، كما حرم على الابن زوجة أبيه وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ.\nوقد أرسلها الله فلم يقيدها بالدخول، فيعلم أنها تحرم على الأب بمجرد عقد الابن عليها، وقيد الله الأبناء بالذين من أصلابكم ليخرج الابن الدعيّ، فهذا تحل حليلته لمن تبناه، وذلك فائدة التقييد.\nوقد كانت العرب تحرّم زوجة الابن بالتبني على من تبنّاه، فأحلّها الإسلام، وتزوّج النبيّ ﷺ زينب بنت جحش زوج زيد بن حارثة الذي تبناه رسول الله ﷺ، تزوجها بعد أن طلقها زيد، فقالت العرب: تزوّج محمد امرأة ابنه، فنزل: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ [الأحزاب: ٣٧] وقوله: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥] ونزل في ذلك أيضا:\nوَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ.\nفإن قيل: إنّ هذا القيد يخرج الابن من الرضاع كما يخرج الابن بالتبني.\nقيل: إن الابن بالرضاع حرمت حليلته\nبقوله ﷺ: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» .\nوقد رأى الفخر الرازي أنّ اسم الحليلة كما يشمل الزوجة يشمل الأمة، لأنها أيضا تحلّ، فقوله: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يفيد حرمة أمة الابن أيضا.\nوذهب الحنفية إلى أن اسم الحليلة خصّ عرفا بالزوجة، فلا تكون داخلة في الآية، ولا تحرم على الأب بمجرد ملك الابن إياها، بل بالوطء.\n٦- وأن تجمعوا بين الأختين:\nحرّم الله أن يجمع الرجل بين الأختين في النكاح، وقوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا ...\nفي تأويل مصدر معطوف على أُمَّهاتُكُمْ.\nوقد رأى علي في بعض الروايات عنه أنه يحرم الجمع بينهما بملك اليمين أو إحداهما بنكاح والأخرى بملك اليمين، وحجته أن الله حرم الجمع بين الأختين، وهذا يشمل الجمع بينهما بملك اليمين.","vol":"1","page":257},{"text":"وذهب الفقهاء إلى جواز الجمع بينهما بملك اليمين، أو بزواج من إحداهما وملك الأخرى، ولا يجوز له إلا وطء إحداهما، فإذا وطئها حرمت عليه الأخرى، وحجتهم أنّ الجمع المذكور هنا هو الجمع في النكاح.\nذهب مالك والشافعي إلى أنه إذا طلّق الأخت طلاقا بائنا حلّت له أختها، ولو لم تخرج من عدتها، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا تحلّ له أختها حتى تخرج الأولى من عدتها.\nودليل الأولين أنّ الله قد حرم الجمع، ولا جمع إذا أبان الأولى، لأنها بإبانتها انتفت الزوجية، بدليل أنه لا يصح له وطؤها، وإذا وطئها حدّ.\nودليل أبي حنيفة أن الأولى محبوسة عليه للعدة، والثانية محبوسة عليه أيضا بالزوجية، فقد جمع بينهما في الحبس.\nوالظاهر ما ذهب إليه الإمامان مالك والشافعي، لأنّ الله حرّم الجمع في الزوجية، ولا زوجية للبائن.\nوقوله: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ يقال فيه ما قلناه في مثلها قريبا.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ولذلك لم يؤاخذهم بما كان منهم من الجمع بين الأختين فيما سلف في الجاهلية، وحكمة تحريم من حرّمن وأبّد تحريمهنّ. إما من النسب، فإنّه لما اقتضت طبيعة الوجود تكوين الأسرة، وكانت الأسرة محتاجة إلى الخلطة والمعاشرة، فلو أبيح من ذكرنا من المحارم، لتطلعت إليهنّ نفوس محارمهنّ، وكان فيهنّ طمع، والخلطة تسهل السبيل، فيكثر الوقوع في الفاحشة، والطبائع جبلت على الغيرة، فيغار الرجل من ابنه على أمه وأخته، ووقوع الفاحشة يدعو للمنازعات والمخاصمات والشغب وحدوث القتل، وحجز بعض المحارم عن بعض فيه مشقة وغير متيسر، فأبّد الله تحريم الزواج بالمحرمات من النسب ليسد باب الطمع، وإذا سدّ باب الطمع انتفت خواطر السوء، فلا يقع الفسوق الداعي إلى النزاع والخصام.\nولمثل هذه العلة حرّمت المحرمات من الصهر، فإنّ المرأة تحتاج أمّها وبنتها أن تزورها في بيت الزواج، لو لم يجعلا محارم لتطلعت إليهنّ نفس الزوج وكان ما يترتب على ذلك من المفاسد.\nوأيضا الضرورة داعية إلى أن يتزوج الأباعد من الأباعد، لأنّه ليس لكل امرأة قريب ذكر يتزوج بها، فلو لم تكن هذه الحرمة مؤبدة لشغلت الخطيب الوساوس أن يكون أبوها أو أخوها هتك عفتها، ولهذه الحرمة المؤبدة يتزوج الرجل امرأة وهو مطمئن إلى عفافها، وآمن من أن يكون أبوها أو أخوها أو من هو شديد الخلطة بها من أبناء إخوتها سلب عفتها.","vol":"1","page":258},{"text":"وإنما حرّم الجمع بين الأختين لأنّ الضرائر يكون بينهن من الكراهة والبغضاء ما هو معلوم، فلم يشأ الله أن يعرّض أرحام الأختين للقطيعة بتجويز كونهما ضرتين، يتغايران ويتباغضان، وكذلك القول في المرأة والخالة، والمرأة والعمة، وكذلك كل امرأتين لو جعلت إحداهما ذكرا حرّمت على الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>تحريم ذوات الأزواج</span>\nقال الله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) المحصنات عطف على أُمَّهاتُكُمْ فهنّ من المحرمات.\nمادة (ح ص ن) تدلّ على المنع، ومنه الحصن، لأنه يمنع من فيه، ويقال: أحصن الرجل إذا تزوّج، وأحصن إذا أسلم، وأحصن إذا صار حرّا، وأحصن إذا عف، وفي جميع ذلك معنى المنع، فالرجل إذا تزوّج منع نفسه من الزنى، وإذا أسلم منع نفسه من القتل، وإذا عتق فقد منع نفسه من الاستيلاء، والعفيف يمنع نفسه من الفحش.\nفمن وروده بمعنى تزوج\nقوله ﷺ: «أحصنت؟» يعني تزوجت.\nقال: نعم.\nوقال ﷺ: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن منهم ومن لم يحصن» «١» .\nومن وروده بمعنى أسلم قوله: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ ومن وروده بمعنى الحرية قوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ.\nومن وروده بمعنى العفاف قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور: ٤] .\nوالمراد بالمحصنات في الآية المتزوجات، فهي تحرّم ذوات الأزواج، واستثنى المملوكات، وقد استشكل هذا الاستثناء، فإنّ ذوات الأزواج إذا كنّ من إمائه محرمات على مالكيهن، ولأجل هذا اختلف في تأويل الآية: فذهب بعضهم إلى أن ذلك في بيع الأمة، فهو يقول: حرّمت عليكم ذوات الأزواج إلا ما طرأ على ملكهن ببيع، فيحللن، وذلك لأنّ بيع الأمة طلاقها، فمن باع أمة متزوجه كان ذلك البيع طلاقا\n_________\n(١) رواه أبو داود كتاب السنن (٤/ ١٥٧)، باب إقامة الحد على المريض حديث رقم (٤٤٧٣) وأحمد في المسند (١/ ٩٥) .","vol":"1","page":259},{"text":"لها، وهذا ليس براجح، لأنّ الزواج كما جامع الملك السابق يجامع الملك الطارئ،\nوقد ورد أن النبيّ ﷺ خيّر بريرة لما بيعت «١»\n، ولو كان بيعها طلاقها لما خيّرها.\nوقيل- وهو المختار- إنّ ذلك في حق المسبيات إذا كنّ ذوات أزواج، فهو يقول: وحرّم عليكم ذوات الأزواج إلا ما ملكتموهن بسبي، فسباؤكم إياهنّ هادم لنكاحهن.\nويؤيد هذا ما ذكر في سبب نزول الآية.\nروى مسلم في «صحيحه» «٢» عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث جيشا إلى أوطاس، فلقوا عدوا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، وكأنّ ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهنّ من المشركين، فأنزل الله ﷿ في ذلك: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ\nأي فهنّ حلال لكم إذا انقضت عدتهن.\nفتضمّن هذا الحكم إباحة وطء المسبية بالملك، وإن كان لها زوج من الكفار.\nوقيل: إنّ المراد بالمحصنات الحرائر، وقوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلا ما ملكتموهنّ بعقد زواج صحيح، وهذا ليس بظاهر، لأنّ الله قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [المؤمنون: ٥، ٦] فجعل ما ملكت أيمانهم مقابلا للأزواج، والقرآن يفسّر بعضه بعضا.\n(كتب الله عليكم) مصدر مؤكّد أي: كتب الله ذلك- وهو تحريمه ما حرّم عليكم- كتابا، وفرضه فرضا.\nوَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.\nوَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ عطف على قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ومن قرأها بالبناء للفاعل عطفها على كتب المقدر.\nمحصنين: أعفّاء.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢١٠)، ٦٨- كتاب الطلاق، ١٤- باب لا يكون بيع الأمة طلاقا حديث رقم (٥٢٧٩)، ومسلم في الصحيح (٢/ ١١٤١)، ٢٠- كتاب العتق، ٢- باب إنّما الولاء حديث رقم (٦/ ١٥٠٤) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ١٠٧٩)، ١٧- كتاب الرضاع، ٩- باب جواز وطء المسبية، حديث رقم (٣٣/ ١٤٥٦) . [.....]","vol":"1","page":260},{"text":"مسافحين: زناة، من السفاح وهو الزنى، مأخوذ من السفح، وهو صب الماء، لأنّ الزاني لا غرض له من فعلته إلا ذلك.\nأَنْ تَبْتَغُوا مفعول لأجله، أي: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ إرادة أَنْ تَبْتَغُوا السناء بِأَمْوالِكُمْ حالة كونكم أعفّاء غير زناة، فلا تضيّعوا أمولكم في الزنى، فتذهب أموالكم، وتفتقروا، ويجوز أن يكون قوله: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ بدلا من قوله: ما وَراءَ ذلِكُمْ، واسم الإشارة في قوله: ذلِكُمْ يرجع إلى المحرّمات المذكورة قبل، وقد اعترض على ذلك بأنّ هذا يقتضي أنّ المحرمات هي من ذكرن، وأنّ من عداهن حلال، مع أنه قد ثبت حرمة نساء غير من ذكرن، وذلك كالمبتوتة، وما زاد على الرابعة، والملاعنة، والجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها.\nأما الجمع بين المرأة وعمتها فقد فهم تحريمه من قوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بطريق القياس، لأنّ العلة في تحريم الجمع هي القرابة القريبة، فكلّ من بينهما قرابة قريبة حرم الجمع بينهما، فجاز أن يقال: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أي من ذكرن أي إما بطريق النص، أو بطريق القياس.\nومن يجوّز تخصيص القرآن بخبر الواحد المشهور يقول: إنّ آية الحلّ خصّصت\nبقوله ﷺ: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا المرأة على خالتها» «١» .\nوأما البقية: غير الملاعنة فقد خصّصت آيات تحريمهن آية وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ.\nوأما الملاعنة فقد خصّص الآية\nقوله ﷺ فيها: «المتلاعنان إذا تفرّقا لا يجتمعان قبل موته» .\nفَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (ما) واقعة على الاستمتاع، والعائد في الخبر محذوف، أي فآتوهن أجورهن عليه. كقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) [الشورى: ٤٣] أي منه، ويجوز أن تكون واقعة على النساء، وأعاد الضمير في (به) عليها باعتبار اللفظ، وفي مِنْهُنَّ باعتبار المعنى، وقوله: فَرِيضَةً معمول لفرض محذوف، والمراد بالأجور المهور، لأنها في مقابلة الاستمتاع، فسميت أجرا.\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ من حطّ لكله أو بعضه، أو زيادة عليه.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٢٨)، كتاب النكاح، ٤- باب تحريم المرأة وعمتها وخالتها حديث رقم (٣٣/ ١٤٠٨) .","vol":"1","page":261},{"text":"أمر بإيتاء الأزواج مهورهن، وأجاز الحط بعد الاتفاق برضا الزوجين وعلى ذلك تكون الآية نزلت في النكاح المتعارف.\nوقيل: نزلت في المتعة، وهي أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين، وكان الرجل ينكح امرأة وقتا معلوما ليلة، أو ليلتين، أو أسبوعا بثبوت أو غير ثبوت، ويقضي منها وطرا، ثم يتركها.\nواتفق العلماء على أنها كانت جائزة، ثم اختلفوا، فذهب الجمهور إلى أنها نسخت، وذهب ابن عباس إلى أنها لم تنسخ، وهناك رواية عنه أنها نسخت، وروي أنه رجع عن القول بها قبل موته.\nوالراجح أنّ الآية ليست في المتعة، لأنّ الله ذكر المحرّمات في النكاح المتعارف، ثم ذكر أنه أحلّ ما وراء ذلكم، أي في هذا النكاح نفسه.\nوالراجح أنّ حكم المتعة الثابت بالسنة قد نسخ، لما أخرج مالك «١» عن علي أنّ الرسول ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.\nوروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: غدوت على رسول الله ﷺ، فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: «يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإنّ الله قد حرّمها عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء فليخلّ سبيلها، لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» «٢» .\nوروي عن عمر: لا أوتى برجل تزوّج امرأة إلى أجل إلّا رجمتهما بالحجارة.\nويدل على تحريم المتعة قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ والمستمتع بها ليست ملك يمين بالاتفاق، وليست زوجة لانتفاء خصائص الزوجية عنها، لأنها لا ترثه، ولا يلحق به ولدها.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا بمصالح عباده حَكِيمًا فيما شرع لكم من الأحكام، ولذلك شرع لكم هذه الأحكام اللائقة بحالكم.\nقال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ، كتاب النكاح، باب المتعة حديث رقم (٥٤٢) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٢٥)، ١٦- كتاب النكاح، ٣- باب نكاح المتعة، حديث رقم (٢١/ ١٤٠٦) .","vol":"1","page":262},{"text":"وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلى قوله: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ.\nأصل الطّول الفضل والزيادة، والمراد به هنا الزيادة في المال والسّعة.\nوالمراد بالمحصنات: الحرائر، بدليل مقابلتهن بالمملوكات.\nلما بيّن الله من لا يحل من النساء ومن يحل منهن، بيّن لنا فيمن يحل أنه متى يحل؟ وعلى أي وجه يحل؟ فقال: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلخ يقول: ومن لم يستطع منكم زيادة في المال، وسعة يبلغ بها نكاح الحرّة: فلينكح أمة من الإماء المؤمنات، وإذا ضممت إلى هذا القدر قوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ كان ظاهر الآية يدلّ على أنّ الله شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة:\nالأول: ألا يجد الناكح مالا يتزوّج به حرّة.\nوالثاني: أن يخشى العنت، وسيأتي بيانه.\nوالثالث: أن تكون الأمة التي يريد نكاحها مؤمنة، لا كافرة.\nوإنما ضيّق الله في نكاح الإماء باشتراط هذه الشروط لما في نكاحهم من أضرار، أهمّها تعريض الولد للرق، لأن الولد يتبع الأمّ في الرق والحرية، فإذا كانت الأم رقيقة علقت بالولد رقيقا، وذلك يوجب النقص في حقّ الوالد وولده- وسنذكر بعض الأضرار عند قوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ- وبهذا الظاهر تمسك الشافعيّ ﵁، وهو أيضا قول ابن عباس وجابر وسعيد بن جبير ومكحول وآخرين.\nوروي أنّ مسروقا والشعبيّ قالا: نكاح الأمة بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير، لا يحل إلا للمضطر.\nوروي عن علي وأبي جعفر ومجاهد وسعيد بن المسيّب وآخرين أنهم قالوا:\nينكح الأمة وإن كان موسرا.\nوذهب الإمام أبو حنيفة ﵁ إلى جواز نكاح الأمة لمن ليس تحته حرّة، سواء أكان واجدا طول حرة أم لا، وسواء أخشي العنت أم لا، وسواء أكانت الأمة مسلمة أم لا، واحتج الحنفية على ذلك بالعمومات الكثيرة، كقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣] وقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ [النور: ٣٢] وقوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥]، وجميع ذلك يتناول الإماء الكتابيات، ولم يشترط فيه عدم الطول، ولا خوف العنت، فلا يخرج منه شيء إلا بما يوجب","vol":"1","page":263},{"text":"التخصيص، ولم تنتهض هذه الآية التي معنا حجة مخصّصة! أما أولا: فلأنّها ما دلت على ما ذهب إليه المخالف إلا بمفهوم الشرط، ومفهوم الصفة، وهما ليسا بحجة عند الإمام ﵁.\nوأما ثانيا: فعلى تقدير الحجّيّة يكون مقتضى المفهومين عدم الإباحة إذا اختلّ الشرط أو عدمت الصفة، وعدم الإباحة أعمّ من ثبوت الحرمة أو الكرامة، ولا دلالة للأعم على ما خص بخصوصه، فيجوز ثبوت الكراهة عند فقدان الشرط، كما يجوز ثبوت الحرمة سواء بسواء، والكراهة أقلّ في مخالفة العمومات، فتعيّنت، فقلنا بها.\nوقالوا في قوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ: إنه ليس بشرط، وإنما هو إرشاد للإصلاح، لعموم مقتضى الآيات.\nوأجاب الشافعية: بأن هذه العمومات لا تعارض الآية التي معنا إلا معارضة العامّ للخاص، والخاص مقدّم على العام، وبأن الحنفية خصصوا عموم هذه الآيات فيما إذا كان تحته حرة، فقالوا: لا يجوز له نكاح الأمة، وإنما خصّصت لصون الولد عن الإرقاق، وهذا المعنى قائم في محل النزاع، فيجب أن يعطى حكمه، وهو عدم الجواز، وبأن صون الولد عن الإرقاق يمنع من نكاح الأمة، ولكن الآية أباحته لضرورة من خشي العنت، وفقد الطّول إلى الحرة، وشرطت أن تكون الأمة مسلمة، ففيما عدا ذلك يرجع إلى الأصل وهو المنع من النكاح.\nروي عن أبي يوسف ﵀ أنه تأوّل قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا على عدم وجود الحرة في عصمته، وأن وجود الطول هو كون الحرة تحته، وعليه يكون المراد بالنكاح في قوله: أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الوطء، ويكون التقدير: ومن لم يستطع منكم وطء الحرة. إلخ. والذي لا يستطيع وطء الحرة هو من لا يكون تحته حرة، فيكون منطوق الآية مساويا لقولنا: ومن ليس تحته حرة فلينكح أمة، وبذلك تنقلب الآية حجة للحنفية.\nقال الفخر الرازي: وجوابه أن أكثر المفسرين فسروا الطول بالغنى، وعدم الغنى تأثيره في عدم القدرة على العقد، لا في عدم القدرة على الوطء. اه.\nنزيد على ذلك تأويل أبي يوسف ﵀ مع مخالفته رأي الجمهور من المفسرين لم ينه الإشكال بتمامه، إذ لا يزال الوصف في قوله تعالى: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ محل خلاف، وكذلك قوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ لا يزال أيضا محل خلاف. ألهما مفهوم يعمل به أم ليس لهما مفهوم؟ ويعود الكلام من أوله، وتعود الشبهة جذعة:\nوللحنفية دليل خاص بجواز نكاح الأمة الكتابية، وهو قياسها على الحرة والمملوكة الكتابيتين.","vol":"1","page":264},{"text":"وأجاب الشافعي بأنه إذا تزوّج الحرة الكتابية، أو وطئ مملوكته الكتابية، فهناك نقص واحد، أما إذا تزوّج الأمة الكتابية فهناك نقصان الرق والكفر، فظهر الفرق.\nوَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ معناه اعملوا على الظاهر في الإيمان، فإنكم مكلفون بظواهر الأمور، والله يتولى السرائر، فالإيمان الظاهر كاف في صحة نكاح الأمة، ولا يشترط فيه العلم بالإيمان علما يقينيا، إذ لا سبيل لكم إليه.\nبَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فيه تأويلان:\nالأول: أنكم وفتياتكم من جنس واحد، وكلكم أولاد آدم، فلا تستنكفوا أن تنكحوا الإماء عند الضرورة.\nوالثاني: أنكم مشتركون في الإيمان، والإيمان أعظم الفضائل، فالتفاوت فيما وراءه لا ينبغي الالتفات إليه. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣] وهذا التأويل يقوّي قول الشافعي إن الإيمان شرط في نكاح الأمة، وعلى كلا التأويلين الجملة معترضة لتأنيس قلوبهم، وإزالة النفرة عن نكاح الإماء، وكانوا في الجاهلية يفتخرون بالأنساب، ويضعون من شأن الابن الهجين، فأعلمهم الله بهذه الكلمة أنّه لا فضل لأحد على أحد إلا بالدّين، وأنه لا ينبغي التخلّق بأخلاق الجاهلية الأولى.\nفَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ أعيد فيه الأمر- مع فهمه مما قبله- لزيادة الترغيب في نكاح الإماء، والمراد بالإذن هنا الرضا، وبالأهل أهل المولى.\nاتفق العلماء على أنّ نكاح الأمة بغير إذن سيدها غير جائز، عملا بظاهر هذه الآية، فإنّ قوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح، وإن لم يكن النكاح واجبا\nكقوله ﷺ: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم» «١»\nفالسلم ليس بواجب، لكنّه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط.\nوكذلك اتفقوا على أنّ نكاح العبد بغير إذن سيده غير جائز إلا قولا حكيناه فيما سبق عن الإمام مالك، ونفى بعض علماء المالكية نسبة هذا القول إلى الإمام ﵁.\nوقد روينا لك\nحديث جابر: «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر»\nوقلنا:\nإن في تنفيذ نكاح الرقيق تعييبا له، فلا يملكه إلا بإذن مولاه.\nوالمراد بعدم جواز نكاح الرقيق بغير إذن مولاه عند الشافعي أنه نكاح باطل غير صحيح، ويشهد له ظاهر الآية والحديث.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٥٩)، ٣٥- كتاب السلم، ٢- باب السلم في وزن معلوم حديث رقم (٢٢٤٠)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٢٦)، ٢٢- كتاب المساقاة، ٢٥- باب السلم حديث رقم (١٢٧/ ١٦٠٤) .","vol":"1","page":265},{"text":"والمراد بعدم الجواز عند الحنفية عدم النفاذ، لا عدم الصحة، بل هو موقوف كعقد الفضولي، وإلى هذا ذهب مالك، وهو رواية عن أحمد كما قال صاحب «روح المعاني» «١» .\nوادّعى بعض الحنفية أنّ الآية تدلّ على أنّ للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهن، لأنّه اعتبر فيها إذن الموالي لا عقدهم، وهو غير سديد لوجهين:\nأمّا أولا: فلأنّ الآية دلت على أن رضا المولى لا بد منه، فأما أنه كاف في النكاح فليس في الآية دليل عليه، لأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم، فلعل العاقد يكون هو المولى أو الوكيل، فلا يلزم جواز مباشرتهن العقد بأنفسهن.\nوأما ثانيا: فلأنّه وإن يكن المراد من الأهل الموالي، لكن الفقهاء حملوا ذلك على من له ولاية للتزويج، وذلك إما المولى إن كان رجلا، أو ولي مولاه إن كان مولاه امرأة.\nولو سلّم أن المراد بالأهل الموالي لا غير فهو عام يتناول الذكور والإناث، والدلائل الدالة على أن المرأة لا تنكح نفسها خاصة، والخاص مقدّم على العام.\nوَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أكثر المفسرين على أن المراد بالأجور المهور، وعلى هذا التأويل تكون الآية دالّة على وجوب مهر الأمة إذا نكحها، سواء أسمي المهر في العقد أم لم يسمّ، ويكون قوله: بِالْمَعْرُوفِ مرادا منه مهر المثل، أو إيصال المهر إليها على العادة عند المطالبة من غير مطل ولا تأخير.\nوالآية على ظاهرها تؤيّد ما حكاه بعض العلماء عن الإمام مالك أن مهر الأمة لها. وهذا يوجب كون الأمة مالكة، مع أنه لا ملك للقن، فلعله أراد أنها مالكة لمهرها يدا، كالعبد المأذون له في التجارة، لأن الإذن في نكاحها إذن لها في أن تضع يدها على المهر، فيجب التسليم إليها كما هو ظاهر الآية.\nوأكثر الأئمة على أنّ المهر للسيّد، لأنّه وجب عوضا عن منافع البضع المملوكة للسيد: وهو الذي أباحها للزوج بعقد النكاح، فوجب أن يكون هو المستحق لبدلها، ولأنه لا ملك للقن، لقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [النحل: ٧٥] وهذا ينفي كون المملوك مالكا لشيء أصلا.\nولقوله ﷺ: «العبد وما في يده لمولاه» .\nوأجاب الجمهور عن ظاهر الآية بأن المراد: وآتوهن مهورهن بإذن أهلهن، وهذا القيد مقدّر في الكلام، لتقدم ذكره، أو أنّ المراد وآتوا: أهلهن مهورهن، وإنما\n_________\n(١) روح المعاني (٥/ ١٠) .","vol":"1","page":266},{"text":"أضاف إيتاء المهور إليهن لتأكيد إيجاب المهر، والتنبيه على أنه حقّهن من جهة أنه ثمن بضعهن، وإنما تأخذه الموالي بجهة ملك اليمين.\nواختار بعض العلماء أنّ المراد من أجورهن النفقة عليهن، فكأنّه تعالى بيّن أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها إذا سلمت إليه كالحرة، وحصلت التخلية من المولى بينه وبينها، ويكون قوله: بِالْمَعْرُوفِ هنا معناه آتوهن نفقتهن بالمعتاد المتعارف فيما بينكم، كقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٣٣] وعلى هذا التأويل لا يكون في الآية دلالة على ما حكي عن الإمام مالك أن المهر للأمة لا لسيدها.\nمُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ.\nالمحصنات هنا العفائف.\nوالمرأة المسافحة هي التي تؤاجر نفسها مع أي رجل أرادها. والتي تتخذ الخدن هي التي تتخذ صاحبا معينا.\nوكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين، وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بأنها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبرا عندهم، أفرد الله كل واحد من هذين القسمين بالذكر، ونصّ على حرمتهما معا، ونظير ذلك قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأعراف: ٣٣] وقوله: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأنعام: ١٥١] .\nوهذه الكلمات واقعة حالا من مفعول فَانْكِحُوهُنَّ أو وَآتُوهُنَّ وظاهر ذلك يمنع من نكاح الأمة الزانية، لكنه\nروي أنّ النبيّ ﷺ سئل عن نكاح الزانية فقال: «أوله سفاح وآخره نكاح»\nلذلك، ولأنّ الحرام لا يحرّم الحلال حمل العلماء هذه الآية على الندب والاستحباب.\nوسيأتي حكم نكاح الزانية عند قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً [النور: ٣] .\nفَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ، يقول الله: فإذا أحصنّ بالتزوج فإن زنين فحدّهنّ نصف حدّ الحرائر، وظاهر هذا أنّ الأمة لا تحدّ إذا زنت ما لم تتزوّج، وحكي هذا الظاهر مذهبا لمجاهد وطاووس. قال الزهري: المزوّجة محدودة في القرآن، وغيرها بالسنة،\nروى الشيخان «١» عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال:\n«إن زنت اجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير» .\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٣٦)، ٣٤- كتاب البيوع، ٦٦- باب بيع العبد حديث رقم (٢١٥٣، ٢١٥٤)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٣٢٨)، ٢٩- كتاب الحدود، ٦- باب رجم اليهود حديث رقم (٣٠/ ١٧٠٣) .","vol":"1","page":267},{"text":"فهذا الحديث الشريف دلّ على أنّ قوله: فَإِذا أُحْصِنَّ لم يجر مجرى الشرط، بل جيء به لدفع فتوهم أنّ التزويج يزيد في حدّهن، فلا مفهوم له.\nومعلوم أنّ حدّ الحرائر الثيبات الرجم، وهو لا يتنصّف، فلا يكون مرادا هنا، وحدّ الحرائر الأبكار جلد مئة، ونصفه خمسون جلدة، فهو حد الأمة مطلقا كما علمت.\nذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ الإشارة إلى نكاح الإماء، وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر، ثم توسّع فيه، فاستعمل في كل جهد ومشقة، والمراد به هنا الزنا، وقد علمت أنّ خشية الزنى شرط آخر في جواز نكاح الإماء عند الشافعي ﵁، وأن أبا حنيفة ﵁ لا يجعل ذلك شرطا، وإنما هو إرشاد للأصلح.\nوَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ يقول الله تعالى: وصبركم عن نكاح الإماء خير لكم من نكاحهن، وإن رخص لكم فيه بشروطه السابقة: ذلك لما فيه من إضرار بعد تعريض الولد للرق، فإنهنّ ممتهنات مبتذلات خرّاجات ولاجات، وذلك ذلّ ومهانة لا يكاد يتحملها غيور، ولأنّ حق الموالي فيهن أقوى من حق الزوجية، فقد يستخدمونهن أكثر الأوقات، ولا يسلمونهن لأزواجهن إلا قليلا، وقد يسافرون بهن، أو يبيعونهن لحاضر أو باد، وفي ذلك مشقة عظيمة على الأزواج لا سيما إذا كان لهم منهنّ أولاد.\nوفي مسند الديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت» .\nوأخرج عبد الرزاق عن عمر ﵁ أنه قال: «إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه، وإذا نكح الأمة فقد أرقّ نصفه» وعن ابن عباس أنه قال: ما تزحف ناكح الأمة عن الزنى إلا قليلا، وعن أبي هريرة وابن جبير مثله.\nوَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: والله واسع المغفرة، كثيرها، فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحهن، وفي ذلك تنفير عنه حتى كأنه ذنب، وهو واسع الرحمة كثيرها، فلذلك رخص لكم في نكاحهن.\nقال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا (٢٨) مثل هذا التركيب يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وقع في كلام العرب قديما، ومعلوم أنّه يمتنع أو يضعف دخول اللام على المفعول المتأخر عن فعله المتعدي، وقد خرّجه النحاة على مذاهب، فمذهب سيبويه وجمهور البصريين أن مفعول يُرِيدُ محذوف، واللام للتعليل. والتقدير: يريد الله تحليل ما أحل، وتحريم ما حرم، ليبين لكم.","vol":"1","page":268},{"text":"وذهب بعض البصريين إلى أنّ الفعل مؤوّل بمصدر من غير سابك، على حد «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» والتقدير: إرادة الله كائنة للتبيين.\nوذهب الكوفيون إلى أنّ اللام ناصبة للفعل، وأنها تقوم مقام أن في فعل الإرادة والأمر، فيقال: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم، وعليه قوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [الصف: ٨] يعني يريدون أن يطفئوا، ومثله وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الأنعام: ٧١] أي أمرنا أن نسلم.\nوالمعنى: يريد الله بإنزال هذه الآيات أن يبيّن لكم التكاليف، ويميّز فيها الحلال من الحرام والحسن من القبيح.\nوَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي يهديكم مناهج من تقدّمكم من الأنبياء الصالحين، لتقفوا أثرهم، وتهتدوا بهداهم، وليس المراد أنّ جميع ما شرع لنا من الحلال كان مشروعا بعينه للأمم السابقين كذلك، بل المراد أنّ الله كما قد شرع للأمم السابقين من الأحكام ما بهم حاجة إليه، وما اقتضته مصالحهم، كذلك شرع لنا ما بنا الحاجة إليه، وما تدعو إليه مصالحنا، فإنّ الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في أنفسها إلا أنها متفقة في باب المصالح.\nوَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ التوبة ترك الذنب، مع الندم والعزم على عدم العود، وذلك مما يستحيل إسناده إلى الله تعالى، فلا بد من تأويل فيه، فإما أن يراد من التوبة المغفرة مجازا لتسببها عنها، وذلك مراد من قال: معنى وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يقبل توبتكم، وإما أن يراد من التوبة الإرشاد إلى ما يمنع عن المعاصي أو الإرشاد إلى ما يكفّرها.\nواختار المحققون من العلماء أن الخطاب ليس عاما لجميع المكلفين، بل لطائفة معيّنة قد تاب الله عليهم في نكاح الأمهات والبنات، وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات، وحصلت لهم هذه التوبة بالفعل.\nوالذي دعاهم إلى تخصيص هذا الخطاب أنه لو كان عاما لعارضه تخلف المراد عن الإرادة، وهي علّة تامة، فلا يدفع هذا التعارض إلى تخصيص الخطاب.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يعني والله ذو علم شامل لجميع الأشياء، فيعلم ما شرع لكم من الأحكام، وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم، وما ينفع عباده المؤمنين وما يضرهم، وهو حكيم يراعي في جميع أفعاله الحكمة والمصلحة، فيبيّن لمن يشاء، ويهدي من يشاء، ويتوب على من يشاء.\nقال الله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) الجملة الأولى مؤكّدة لقوله تعالى: وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ والمراد بالذين يتبعون","vol":"1","page":269},{"text":"الشهوات الفسقة المنهمكون في المعاصي. وقيل: هم اليهود والنصارى، وقيل: هم المجوس كانوا يحلّون الأخوات وبنات الإخوة والأخوات، فلما حرّمهنّ الله تعالى قالوا: إنكم تحلون بنت الخالة والعمة، مع أنّ الخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا أيضا بنات الأخ والأخت، فكانوا يريدون أن يضل المؤمنون فنزلت هذه الآية.\nوالميل العظيم هو الانحراف عن الحق إلى الباطل، ولا شكّ أنه عظيم بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندرة، واعترف بأنّها خطيئة، ولم يستحلّها.\nيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في جميع التكاليف إحسانا منه إليكم، ونظيره قوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧] وقوله:\nيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] وقوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]\nوقوله ﵊: «جئتكم بالحنيفية السمحة» «١»\nوذلك لأنه وإن حرّم علينا ما ذكر تحريمه من النساء، فقد أباح لنا غيرهن من سائر النساء، تارة بالنكاح، وتارة بملك اليمين، وكذلك جميع المحرمات، قد أباح لنا من جنسها أضعاف ما حظر، فجعل لنا مندوحة عن الحرام بما أباح من الحلال.\nوهذه الآيات يحتجّ بها في المصير إلى التخفيف فيما اختلف فيه الفقهاء، وسوّغوا فيه الاجتهاد، ومن شمائله ﷺ أنه ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما «٢» .\nوَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا يستميله هواه وشهوته، ويستشيطه خوفه وحزنه، فهو عاجز عن مخالفة الهوى، وتحمّل مشاق الطاعة، فلذلك خفّف الله عنه في التكاليف، ورخّص له في كثير من الأحكام.\nوروي عن ابن عباس «٣» أنه قال: ثماني آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ\nما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ.\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند (٥/ ٢٦٦) و(٦/ ١١٦) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٤/ ٢٠١)، ٦١- كتاب المناقب، ٢٣- باب صفة النبي ﷺ حديث رقم (٣٥٦٠)، ومسلم في الصحيح (٤/ ١٨١٣)، ٤٣- كتاب الفضائل، ٢٠- باب مباعدته ﷺ للآثام حديث رقم (٧٧/ ٢٣٢٧) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ حديث رقم (٣٥٦٠) .","vol":"1","page":270},{"text":"قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) ينهى الله كل أحد من المؤمنين عن أكل مال غيره بالباطل، وعن أكل مال نفسه بالباطل، لأنّ قوله تعالى: أَمْوالَكُمْ يقع على مال نفسه ومال غيره، وأكل مال نفسه بالباطل إنفاقه في المعاصي، وأكل مال غيره بالباطل فيه وجهان:\nأحدهما: ما قاله السدي: وهو أن يأكل بالربا والقمار والبخس والظلم. فالباطل ما يخالف الشرع.\nوثانيهما: ما قاله ابن عباس والحسن وهو أن يأكل بغير عوض، فالباطل كل ما يؤخذ بغير عوض.\nوقد تضمن الأكل بالباطل أكل أبدال العقود الفاسدة، كبيع ما لا يملك، وكمن اشترى شيئا من المأكول فوجده فاسدا لا ينتفع به، كالجوز والبيض والبطيخ، فيكون أكل ثمنه أكل مال بالباطل. وكذلك ثمن كل ما لا قيمة له ولا ينتفع به كالقردة والخنازير والذباب والزنابير والميتة والخمر، وكذلك أجرة النائحة وآلة اللهو.\nهذا يدلّ على أنّ من باع بيعا فاسدا وأخذ ثمنه أنه منهي عن أكل ثمنه، وعليه رده.\nوقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً الاستثناء فيه منقطع.\nوقرأ الكوفيون بنصب تجارة، وعليها يكون اسم تَكُونَ عائدا على الأموال، أي: إلا أنّ تكون الأموال المتداولة بينكم تجارة صادرة عن تراض منكم.\nوقرأ الباقون برفع تجارة، وحاصل المعنى: لا تقصدوا أكل الأموال بالباطل، لكن اقصدوا كون الأموال تجارة عن تراض، أو لكن اقصدوا وقوع تجارة عن تراض.\nوالتجارة اسم يقع على عقود المعاوضات، المقصود بها طلب الأرباح، وخصّها بالذكر من بين سائر أسباب الملك لكونها أغلب وقوعا، وأوفق لذي المروءات.\nأخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل: قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أطيب الكسب كسب التجار: الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا» .\nوقد دلّ ظاهر قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ على إباحة جميع أنواع التجارات ما حصل التراضي بين المتعاقدين، إلا أنه قد خص منها أشياء بنصّ الكتاب، وأشياء بسنة الرسول ﷺ: فالخمر والميتة ولحم الخنزير","vol":"1","page":271},{"text":"وسائر المحرمات في الكتاب لا يجوز الاتجار فيها، لأنّ إطلاق لفظ التحريم يقتضي أنّ سائر وجوه الانتفاع محرّمة، ولأنّ رسول الله ﷺ جعل النهي عن الشحوم نهيا عن أكل ثمنها،\nففي الحديث: «لعن الله اليهود حرّم عليهم الشحوم فباعوها، فأكلوا ثمنها» «١» .\nونهى رسول الله ﷺ عن بيع المنابذة، والملامسة «٢»، وبيع الحصاة وبيع الغرر، «٣» وبيع العبد الآبق «٤»، وبيع ما لم يقبض «٥»، وبيع ما ليس عند الإنسان «٦»، ونحوها من البيوعات المجهولة والمعقودة على غرر. كل ذلك ونحوه مخصوص من ظاهر قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ.\nوظاهر الآية يشهد للحنفية والمالكية ومن نفى خيار المجلس، لأنّ الآية تقتضي حلّ التصرف في المبيع بوقوع البيع عن تراض، سواء تفرّق المتبايعان أم لم يتفرقا، فإنّ الذي يسمى تجارة في عقد البيع إنما هو الإيجاب والقبول. وليس التفرّق والاجتماع من التجارة في شيء.\nوالقائلون بخيار المجلس ومنهم الشافعي والثوري والليث وغيرهم يقولون: إن الآية مخصوصة بما رواه البخاري «٧» وغيره من\nقوله ﷺ: «البيّعان كلّ واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار»\nكما خصصت بأحاديث النهي عن البيوع الباطلة، فيما تقدم.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٥٧)، ٣٤- كتاب البيوع، ١١٢- باب بيع الميتة حديث رقم (٢٢٣٦) (بلفظ مختلف) ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٠٧)، ٢٢- كتاب المساقاة، ١٣- باب تحريم الخمر والميتة حديث رقم (٧١/ ١٥٨١) (بلفظ مختلف) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٣٤)، ٣٤- كتاب البيوع، ٦٣- باب بيع المنابذة حديث رقم (٢١٤٦)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١١٥١)، ٢١- كتاب البيوع، ١- باب إبطال بيع الملامسة حديث رقم (١/ ١٥١١) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١١٥٣)، ٢١- كتاب البيوع، ٢- باب بطلان بيع الحصاة حديث رقم (١٥١٣) .\n(٤) رواه ابن ماجه (٢/ ٧٤٠)، كتاب التجارات، باب النهي عن شراء ما في بطون الأنعام حديث رقم (٢١٩٦) .\n(٥) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١١٥٩)، ٢١- كتاب البيوع، ٨- باب بطلان بيع المبيع قبل القبض حديث رقم (٢٩/ ١٥٢٥) . [.....]\n(٦) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٧٣٧)، كتاب التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك حديث رقم (٢١٨٧) .\n(٧) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٢٤)، ٣٤- كتاب البيوع، ٤٤- باب البيعان بالخيار حديث رقم (٢١١١)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١١٦٣)، ٢١- كتاب البيوع، ١٠- باب ثبوت خيار المجلس حديث رقم (٤٣/ ١٥٣١) .","vol":"1","page":272},{"text":"وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ لما كان المال شقيق الروح من حيث إنه سبب قوامها، وبه صلاحها، حسن الجمع بين التوصية بحفظ المال، والتوصية بحفظ النفس.\nوظاهر قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ النهي عن أن يقتل المؤمن نفسه، وعلى هذا الظاهر اقتصر البلخي فقال: المراد النهي عن قتل الإنسان نفسه في حال غضب أو ضجر.\nونظير ذلك\nقوله ﷺ: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ بها في بطنه في نار جهنم» «١» .\nولكن جمهور المفسرين على أن المعنى: لا يقتل بعضكم بعضا، وإنما قال:\nأَنْفُسَكُمْ مبالغة في الزجر،\nوقد ورد في الحديث: «المؤمنون كالنفس الواحدة» «٢»\nولأنّ العرب يقولون: قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم، لأن قتل بعضهم يجري مجرى قتلهم.\nوأنكر بعض الناس قول البلخي، وقال: إن المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه، لأنه ملجأ إلى ألا يقتل نفسه، وذلك لأنّ الصارف عنه في الدنيا قائم، وهو الألم الشديد والذم العظيم، والصارف عنه أيضا في الآخرة قائم، وهو استحقاق العذاب الشديد.\nوإذا كان الصارف خالصا امتنع منه أن يقتل نفسه، وإذا كان كذلك لم يكن للنهي عنه فائدة.\nوهذا غير سديد، لأنّ قتل النفس ما لم ينه عنه لا يعلم أنه يوجب العذاب الأليم في الآخرة، وربما تخيّل الإنسان أن نفسه ملكه، فإذا بخع نفسه فلا عقوبة عليه، إذ هو لم يعتد على غيره.\nوكم من مؤمن بالله واليوم الآخر يلحقه من الغم والأذية ما يظنّ معه أن القتل عليه أسهل، وإذا كان كذلك كان في النهي عن قتل الإنسان نفسه فائدة أي فائدة، لا سيما في عصرنا الحاضر، حيث ضعف إيمان الناس، وغلب عليهم حبّ الدنيا، واستهوتهم الشهوات، وسرت إليهم عدوى الانتحار، فترى الواحد منهم يفضّل أن يقتل نفسه لدريهمات خسرها في تجارته، أو لخلاف بينه وبين زوجته، أو لضيق ذات\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٧/ ٤١)، ٧٦- كتاب الطب، ٥٦- باب شرب السم حديث رقم (٥٧٧٨)، ومسلم في الصحيح (١/ ١٠٣)، ١٥- كتاب الإيمان، ٤٧- باب غلظ تحريم الإنسان نفسه حديث رقم (١٧٥/ ١٠٩) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ٢٠٠)، ٤٥- كتاب الصلة، ١٧- باب تراحم المؤمنين حديث رقم (٦٧/ ٢٥٨٦) (بلفظ مختلف) .","vol":"1","page":273},{"text":"يده أو لأنّ فلانا رفض خطبته أو ما أشبه ذلك من توافه الأمور.\nولا مانع من أن تكون الآية نهيا عن قتل أنفسهم، وعن قتل بعضهم بعضا، وعما يؤدي إلى ذلك: كتناول المخدرات، واستعمال السموم الضارة بالجسم، والمجازفة فيما يخشى منه الهلاك.\nأخرج الإمام أحمد وأبو داود «١» عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: لما بعثني النبي ﷺ عام ذات السلاسل احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكر ذلك له، فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب»؟\nقلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ الآية فتيممت، ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا.\nففهم عمرو ﵁ أنّ الآية تتناول بعمومها مثل حالته، وأقره النبي ﷺ على ذلك.\nوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا تعليل للنهي، أي إنما ينهاكم عن أكل الحرام وإهلاك الأنفس، لأنه لم يزل بكم رحيما.\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) .\nالمشار إليه أقرب مذكور، وهو قتل النفس. روي ذلك عن عطاء، وقيل: هو وما قبله.\nوقيل: مجموع ما تقدم من المحرّمات من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا [النساء: ١٩] إلى هنا، وقيل: من أول السورة إلى هنا.\nوالعدوان: الإفراط في مجاوزة الحد، وأصل الظلم النقص والجور ومجاوزة الحد، فقيل: المراد بالظلم هنا قصد التعدي على حدود الله، وهو كفر.\nوقيل المراد: بالعدوان والظلم معنى واحد، ودفع التكرار بأن المراد بالعدوان التعدي على الغير، وبالظلم ظلم النفس بتعريضها للعقاب.\nوالمعنى: أن من يفعل ذلك المحرم حال كونه ذا عدوان وظلم عاقبه الله على ذلك في الآخرة بإدخاله نارا شديدة الإحراق، وإدخاله النار أمر هيّن على الله، لا يمنعه منه مانع.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ١٤٠)، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب حديث رقم (٣٣٤)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٠٣) .","vol":"1","page":274},{"text":"قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) واجتناب الشيء تركه والابتعاد عنه، كأنه ترك جانبه وناحيته.\nوالتكفير الغفر والمحو.\nوالمراد بالسيئات: الصغائر لوقوعها في مقابلة الكبائر.\nوالمدخل الكريم: الجنة.\nواختلف العلماء في الذنوب أهي متفاوتة، فيها كبائر وفيها صغائر، أم لا؟\nفروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ كل شيء عصي الله به فهو كبيرة. وهذا القول ضعيف، لأن هذه الآية قد فصلت بين الكبائر وما يكفّر باجتناب الكبائر. فلو كانت الذنوب بأسرها كبائر لم يصح هذا الفصل.\nوالجمهور على أن الذنوب متفاوتة منقسمة إلى كبائر وصغائر، قال العلامة ابن حجر الهيتمي: إنه لا خلاف بين الفريقين في المعنى، وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق، لإجماع الكل على أنّ من المعاصي ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح فيها، وإنما الأولون فروا من التسمية، فكرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة نظرا إلى عظمة الله تعالى، وشدة عقابه، وإجلاله عن تسمية معصيته صغيرة، لأنها إلى باهر عظمته كبيرة أيّ كبيرة، ولم ينظر الجمهور إلى ذلك، لأنه معلوم، بل قسّموها إلى قسمين كما تقتضيه صرائح الآيات والأخبار، ولا سيما هذه الآية اه.\nوالقائلون بانقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر فريقان:\nفريق يقول: الكبيرة تتميز عن الصغيرة في نفسها وذاتها.\nوفريق يقول: هذا الامتياز إنما يكون بحسب حال فاعليها، فربّ ذنب يكون صغيرة بالنسبة لشخص وكبيرة بالنسبة لآخر، ولذلك قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.\nوالذين ذهبوا إلى أنّ الكبيرة تمتاز في نفسها عن الصغيرة اختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافا شديدا، فمنهم من ضبطها بالعد، ومنهم من ضبطها بالحد.\nفقيل في عدها عن ابن عباس في إحدى الروايات: إنّها ما ذكره الله من أول هذه السورة إلى هنا، وقيل: هي سبع كما\nفي «الصحيحين» «١»\n«اجتنبوا السبع الموبقات» .\n«الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم،\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ٢٥٦)، كتاب الوصايا، ٢- باب قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا حديث رقم (٢٧٦٦)، ومسلم في الصحيح (١/ ٩٢)، ١- كتاب الإيمان، ٣٨- باب بيان الكبائر حديث رقم (١٤٥/ ٨٩) .","vol":"1","page":275},{"text":"وأكل الربا، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» .\nوقيل تسع، وقيل عشر، وقيل أكثر، فقد روى عبد الرزاق عن ابن عباس أيضا أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب، وروى ابن جبير أنه قال:\nإلى السبعمائة أقرب.\nوالذين ضبطوا الكبيرة بالحد ذكروا لها عدّة تعاريف، فمنهم من قال: هي كل معصية أوجبت الحد، وقيل: هي كل ذنب قرن بالوعيد الشديد في الكتاب أو السنة.\nوقيل: هي كل معصية أوجبت الحد أو قرنت بالوعيد الشديد. وقيل: هي كل ما نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم، إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة.\nقال الواحدي: الصحيح أن الكبيرة ليس لها حدّ يعرفها العباد به، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها، ولكنّ الله تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهيّ عنه رجاء أن تجتنب الكبائر، ونظير ذلك إخفاء ليلة القدر والصلاة الوسطى وساعة الإجابة اه.\nيريد أنّ الله تعالى لو بيّن لنا أنّ الكبائر ليست إلا كذا وكذا عدا أو حدا، وانضم إلى ذلك ما عرفناه من هذه الآية أنه متى احترزنا عن الكبائر صارت صغائرنا مكفّرة، لكانت الآية إغراء لنا بالإقدام على الصغائر، والإغراب بالقبيح لا يليق. ولكن يجوز أن يبيّن في بعض الذنوب أنه كبيرة ولا يكون في ذلك إغراء إذ لم يبيّن جميع الكبائر لا عدّا ولا حدّا.\nوبعد فقد استشكلت الآية مع ما رواه مسلم «١» من\nقوله ﷺ: «الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»\nووجه الإشكال أنّ الصلوات إذا كفّرت لم يبق ما يكفره غيرها، فلم يتحقق مضمون الآية، وأن اجتناب الكبائر إذا كفّر لم يبق ما تكفره الصلوات، فلم يتحقق مضمون الحديث.\nوأجيب عنه بأجوبة أصحها أن الآية والحديث بمعنى واحد، فمضمون الحديث أنّ من اجتنب ترك الصلاة، واجتنب الكبائر كفّرت سيئاته الصغائر، وهذا هو معنى الآية، فيكون الحديث بيانا وتنبيها على أنّ ترك الصلاة من الكبائر فتدبّر.\nقال الله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) التمني: طلب ما يعلم أو يظن أنه لا يكون.\nينهى الله المؤمنين عن فعل من أفعال القلوب، وهو الحسد، ليطهّر باطنهم. بعد\n_________\n(١) رواه في الصحيح (١/ ٢٠٩)، ٢- كتاب الطهارة، ٥- باب الصلوات الخمس حديث رقم (١٦/ ٢٣٣) .","vol":"1","page":276},{"text":"أن نهاهم عن أكل الأموال بالباطل، وقتل النفس، وذلك من أفعال الجوارح ليطهّر ظاهرهم.\nوقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية وجوها أشهرها ما روي عن مجاهد أنّ أم سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعفنا، فليتنا كنا رجالا فنزلت الآية «١» .\nروي عن ابن عباس في معنى الآية: لا يقل أحدكم ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي، فإنّ ذلك يكون حسدا، ولكن ليقل: اللهم أعطني مثله.\nوعلى هذا التأويل تكون الآية على ظاهرها، ويكون معناها، ولا تتمنوا ما ميّز الله به بعضكم من المال والجاه، وكل ما يجري فيه التنافس، فإنّ هذا التفضيل قسمة صادرة من حكيم خبير نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [الزخرف: ٣٢] وعلى من كان حظه من الدنيا قليلا أن يرضى بما قسم الله له، ولا يحسد غيره، لأنّ الحسد أشبه شيء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه.\nوقدّر بعضهم في الكلام مضافا ينساق إليه الذهن، ويقتضيه المقام فقال: المعنى ولا تتمنوا مثل ما فضل الله به بعضكم على بعض، لأنّ المقام ليس مقام طلب زوال النعمة عن الغير، بل إنما هو طلب نعمة خاصّة أن تكون له، وأما أن تزول عن غيره أو لا تزول فليس من القصد في شيء.\nوعلى هذا التأويل يكون تمني مثل ما للغير منهيا عنه، لأنه قد يكون ذريعة إلى الحسد، ولأنّ تلك النعمة التي تمناها بخصوصها ربما كانت مفسدة له في دينه، ومضرة عليه في دنياه، فلا يجوز أن يقول: اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، ولا ولدا مثل ولده، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحا لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي، ولا يتعرّض لمن فضل عليه.\nويؤيد تأويل ابن عباس في الآية ما\nروي عنه ﷺ أنه قال: «لا يتمنّ أحد مال أخيه، ولكن ليقل اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله» .\nوقوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ تعليل للنهي السابق، أي لكل من فريقي الرجال والنساء حظّ مقدّر في الأزل من نعيم الدنيا في التجارات والزراعات، وغير ذلك من المكاسب، فلا يتمنّ أحد خلاف ما قسم له.\nوقوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ. حذف منه مفعوله لإفادة العموم، أي:\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٢١)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٢٢) .","vol":"1","page":277},{"text":"واسألوا ما شئتم من إحسانه الزائد، وإنعامه المتكاثر، فإنه سبحانه يعطيكموه إن شاء.\nوعن رسول الله ﷺ أنه قال: «سلوا الله من فضله، فإنّ الله يحب أن يسأل، وإنّ من أفضل العبادة انتظار الفرج» «١» .\nوقال سفيان بن عيينة: لم يأمر سبحانه بالمسألة إلا ليعطي.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ولذلك فضل بعض الناس على بعض حسب استعدادهم وتفاوت درجاتهم.\nقال الله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>شرح المفردات</span>\nالتنوين في كلمة كُلِّ عوض عن مضاف إليه مفرد، سيأتي بيانه.\nوالموالي جمع مولى، لفظ مشترك بين معان، فيقال للسيد المعتق: مولى، لأنه ولي النعمة في عتقه، ويسمّى مولى النعمة، ويقال للعبد المعتق: مولى، ويقال للحليف: مولى، ويقال للناصر: مولى، ويقال للعصبة، موالي، وهذا الأخير هو الأليق بهذه الآية الكريمة، ويؤيده ما\nروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أنا أولى الناس بالمؤمنين، من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلا أو ضياعا فأنا وليه» «٢» .\nوالأيمان جمع يمين، ومعناه هنا اليد اليمنى، وإسناد العقد إلى الأيمان مجاز، لأنه كان من عادتهم أن يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد.\nواختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ فذكروا لذلك أوجها نجملها لك فيما يلي:\n١- ولكلّ إنسان موروث جعلنا وارثا من المال الذي ترك، وهنا تمّ الكلام ويكون قوله تعالى: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ جوابا عن سؤال مقدّر نشأ من الجملة السابقة، كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: الوالدان والأقربون، أو قيل: ومن هذا الإنسان الموروث؟ فقيل: الوالدان والأقربون، فالوالدان والأقربون إما أن يكونوا الوارثين أو المورثين، وعلى كل فالكلام جملتان.\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٥٢٨)، كتاب الدعوات باب في انتظار الفرج، حديث رقم (٣٥٧١) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ١١٦)، ٤٣- كتاب الاستقراض، ١١- باب الصلاة على من ترك دينا حديث رقم (٢٣٩٩)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٣٨)، ٢٣- كتاب الفرائض، ٤- باب من ترك مالا، حديث رقم (١٤/ ١٦١٩) .","vol":"1","page":278},{"text":"٢- ولكل إنسان وارث ممن تركهم الوالدان والأقربون جعلنا موروثين، فالجار والمجرور في قوله: مِمَّا تَرَكَ متعلق بمحذوف صفة للمضاف إليه، و(ما) بمعنى من، والكلام جملة واحدة.\n٣- ولكل قوم جعلناهم وارثا نصيب مما ترك والداهم وأقربوهم، فيكون في الكلام مبتدأ محذوف، ويكون قوله: مِمَّا تَرَكَ صفة ذلك المبتدأ، وقوله: لِكُلٍّ خبره، والكلام جملة واحدة.\n٤- ولكل مال من الأموال التي تركها الوالدان والأقربون جعلنا ورثة يلونه ويحوزونه، وعليه يكون لِكُلٍّ متعلقا بجعلنا، مِمَّا تَرَكَ صفة المضاف إليه، والكلام جملة واحدة أيضا.\nوأما قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فالراجح فيه أنه جملة مستقلة عن سابقتها، مؤلّفة من مبتدأ وخبر، وزيدت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط.\nوقد اختلف المفسرون في تأويل هذه الجملة على وجوه نذكرها فيما يلي:\n١- أنّ المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء، وهم موالي الموالاة، وكان لهم نصيب من الميراث، ثم نسخ.\nأخرج ابن جرير «١» وغيره عن قتادة قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول هدمي هدمك، ودمي دمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فجعل له السدس من جميع المال، ثم يقسّم أهل الميراث ميراثهم، ثم نسخ ذلك بعد في سورة الأنفال بقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [الأنفال: ٨] وروي مثل ذلك عن ابن عباس وغيره.\n٢- أن المراد بهم الأدعياء، وهم الأبناء بالتبني، وكانوا يتوارثون بذلك السبب، ثم نسخ بآية الأنفال.\n٣- أن المراد بهم إخوان المؤاخاة، وقد كان النبيّ ﷺ يؤاخي بين الرجلين من أصحابه، وكانت تلك المؤاخاة سببا في التوارث، ثم نسخ ذلك بما تلونا «٢» .\n٤- يرى أبو مسلم الأصفهاني أن المراد بهم الأزواج، والنكاح يسمى عقدا.\n٥- يرى الجبائي أنّ المراد بهم الموالي، وأنّ قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٥/ ٣٤) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٢١١)، ٦٥- كتاب التفسير، ٧- باب وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ حديث رقم (٤٥٨٠) .","vol":"1","page":279},{"text":"معطوف على الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ويختار الوجه الرابع في تأويل قوله تعالى:\nوَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ إلخ أي ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون، والذين عقدت أيمانكم موالي، أي وارثا، فآتوا الموالي نصيبهم، ولا تدفعوا المال إلى الحليف، بل إلى المولى الوارث.\n٦- أنّ المراد بهم الحلفاء، يؤتون نصيبهم من النصرة والنصح وحسن العشرة.\nأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس، فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي لهم، وروي عن مجاهد مثله.\n٧- يرى الأصم أن المراد بهم الحلفاء، يؤتون من التركة على سبيل التحفة والهدية بالشيء القليل، كما أمر تعالى لمن حضر القسمة أي أن يعطى شيئا.\nوبعد فقد اختلف فقهاء الأمصار في توريث موالي الموالاة، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: من أسلم على يدي رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره فميراثه له.\nوقال مالك وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي: ميراثه للمسلمين.\nاحتج الحنفية بهذه الآية وبالحديث، أما وجه الدلالة في الآية فهو أنّ قوله تعالى:\nوَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ يقتضي ظاهره نصيبا ثابتا لهم، والنصرة والنصيحة والوصية ليست بنصيب ثابت، فتأويل الآية على النصيب الثابت المسمى في عقد المحالفة أولى وأشبه بمفهوم الخطاب من تأويل الآخرين، فقد عقلنا من ذلك أنّ لمولى الموالاة نصيبا من الميراث، وقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ لم ينسخ هذا الحكم، إنما حدث وارث آخر هو أولى من مولى الموالاة، كحدوث ابن لمن له أخ، لم يخرج الأخ عن أن يكون من أهل الميراث إلا أن الابن أولى منه، وكذلك أولوا الأرحام أولى من الحليف، فإذا لم يكن رحم ولا عصبة فالميراث لمن حالفه وجعله له.\nوأما\nالحديث فهو ما روي عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته» «١» فقوله: «هو أولى الناس بمماته»\nيقتضي أن يكون أولاهم بميراثه، إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في الميراث.\nوقال المالكية والشافعية: لا دلالة في الآية على أنّ الحليف يرث، لأن دلالتها على ذلك موقوفة على ثلاثة أمور.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٤٨)، كتاب الفرائض، باب في الرجل يسلم على يدي الرجل حديث رقم (٢٩٠٢) .","vol":"1","page":280},{"text":"أن يكون المراد بالذين عقدت أيمانكم الحلفاء.\nوأن يكون المراد بالنصيب النصيب في الميراث.\nوأن تكون الآية محكمة غير منسوخة.\nوقد علمت اختلاف المفسرين من السلف في تأويل الآية، وأن الذين أوّلوا الموصول بالحلفاء قالوا بنسخ الحكم، أو حمل النصيب على غير الميراث، على أنّ الآية في بعض وجوه التأويل تدل على عدم توريثهم، كما تقدم قريبا عن الجبائي.\nوحديث تميم الداري ليس نصا في الميراث، فإنّه يحتمل أنه أولى بمعونته وحفظه في محياه ومماته، ومعونته وحفظه بعد موته يكونان بحفظ أولاده ورعاية مصالحهم ومعونتهم، ومع ذلك فهو معارض بما\nرواه جبير بن مطعم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» «١»\nفهذا الحديث يقتضي بطلان حلف الإسلام، ومنع التوارث به، فإذا كان الحديثان متعارضين والآية محتملة لعدة وجوه فالأشبه الرجوع بها إلى ما قاله أئمة التفسير من الصحابة والتابعين مثل ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، فإنّهم أعرف منا بالناسخ والمنسوخ، وقد قالوا: إنها منسوخة بآية الأنفال، وظاهر قول ابن عباس: «وقد ذهب الميراث» أن الحليف كان له على حليفه النصرة والنصيحة، وكان له نصيب في تركته، فلما نزلت آية الأنفال نسخت نصيبه من الميراث وبقي ما كان له من النصرة والمشورة.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا أي أنه سبحانه لم يزل عالما بجميع الأشياء، مطلعا على جليها وخفيها، فيعلم من آتى الوارثين حقهم ومن منعهم، وسيجازي كلّا من المؤتي والمانع على حسب ما عمل، فهي في هذه الحالة وعد للطائعين ووعيد للعاصين.\nقال الله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) قوّام: صيغة مبالغة من القيام على الأمر بمعنى حفظه ورعايته، فالرجل قوّام على امرأته، كما يقوم الوالي على رعيته بالأمر والنهي والحفظ والصيانة.\nوالقنوت: دوام الطاعة.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ١٩٦١)، ٤٤- كتاب فضائل الصحابة، ٥٠- باب مؤاخاة النبي ﷺ حديث رقم (٢٠٦/ ٢٥٣٠) . [.....]","vol":"1","page":281},{"text":"وأصل النشز بسكون الشين وفتحها المكان المرتفع، فالنشوز الترفع الحسي، ثم توسّع فيه، فاستعمل في الترفع مطلقا، والمراد بالنشوز هنا العصيان والترفع عن المطاوعة.\nوالعظة: النصيحة والزجر.\nالمضاجع: مواضع الاضطجاع.\nوروى مقاتل أن سعد بن الربيع نشزت عليه امرأته، فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي ﷺ فقال: أفرشته كريمتي فلطمها! فقال النبي ﷺ: لتقتص من زوجها، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال النبي ﷺ: ارجعوا، هذا جبريل أتاني وأنزل الله هذه الآية، وتلاها النبي ﷺ.\nجعل الله للرجال حقّ القيام على النساء بالتأديب والتدبير والحفظ والصيانة، وعلّل ذلك بسببين:\nأولهما: ما فضل الله به الرجل على المرأة في العقل والرأي والعزم والقوة، ولذلك خصّ الرجال بالرسالة، والنبوة، والإمامة الكبرى والصغرى، وإقامة الشعائر:\nكالأذان، والإقامة، والخطبة، والجمعة، والجهاد، وجعل لهم الاستبداد بالفراق والرجعة وإليهم الانتساب، وأباح لهم تعدد الأزواج، وخصهم بالشهادة في أمهات القضايا، وزيادة النصيب في الميراث، والتعصيب، إلى غير ذلك.\nوثانيهما: ما ألزمه الله إياه من المهر والسكنى والنفقة.\nوقد دلت الآية على أمور:\n١- تفضيل الرجل على المرأة في المنزلة والشرف.\n٢- أنّ للزوج تأديب زوجته ومنعها من الخروج.\n٣- أن له حق الحجر على زوجته في مالها، فلا تتصرف فيه إلا بإذنه، لأن الله جعله قوّاما عليها بصيغة المبالغة، والقوّام الناظر على الشيء، الحافظ له، والمالكية يقولون بهذا المبدأ على تفصيل فيه، محلّه كتب الفروع.\n٤- وجوب النفقة على الزوج لزوجته.\n٥- أنّ على الزوجة طاعة زوجها إلا في معصية الله،\nوفي الخبر: «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» «١» .\n٦- أنّ لها حق المطالبة بفسخ النكاح عند إعسار الزوج بالنفقة أو الكسوة، لأنه\n_________\n(١) رواه ابن ماجه في السنن (١/ ٥٩٥)، كتاب النكاح، باب حق الزوج حديث رقم (١٨٥٢) .","vol":"1","page":282},{"text":"إذا خرج عن كونه قواما عليها، فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح، وهذا مذهب المالكية والشافعية.\nأما الحنفية فيقولون: ليس لها حق الفسخ لقوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] .\nفَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ هذا شروع في تفصيل أحوال النساء، وكيفية القيام عليهن، بحسب اختلاف أحوالهن، وقد قسّمهن الله قسمين:\nطائعات، وناشزات.\nفالمرأة القانتة التي تطيع ربها، وتطيع زوجها، وتحفظه في نفسها وعفتها، وفي ماله وولده في حال غيبته- وهي في حضوره أحفظ- مثل هذه يقال لها امرأة صالحة وكفى.\nوأما المرأة الناشز فطريق القيام عليها بالتأديب والتقويم هو ما قال الله تعالى:\nوَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ إلخ.\nوظاهر قوله تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ إلخ أنه خبر، وبعض العلماء يقول المراد به الأمر بالطاعة، فالمعنى: لتطع المرأة زوجها، ولتحفظه في نفسها وفي ماله، حتى تكون امرأة صالحة للحياة الزوجية، تستحق جميع حقوق الزوجة الصالحة.\nويؤيد ذلك قوله تعالى: بِما حَفِظَ اللَّهُ فإنّ معناه، أنّ عليهن أن يطعن أزواجهن، ويحفظنهم، في مقابلة ما حفظه الله لهن من حقوق قبل الأزواج من مهر ونفقة ومعاشرة بالمعروف، فهو جار مجرى قولهم: هذا بذاك، أي هذا في مقابلة ذاك، وعليه تكون (ما) اسم موصول.\nوقيل: معنى بِما حَفِظَ اللَّهُ إن السبب في طاعتهن وحفظهن أزواجهن هو حفظ الله لهن، وعصمته إياهن، ولولا أنّ الله حفظهن وعصمهن ما حفظن أزواجهن، وعليه تكون (ما) مصدرية.\nوقد أخرج البيهقي وابن جرير وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها، ثم قرأ رسول الله ﷺ: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ إلى قوله تعالى:\nحافِظاتٌ لِلْغَيْبِ.\nوفي «الصحيح» «١»\n«نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على ولد، وأرعاه على زوج في ذات يده» .\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ١٩٥٨)، ٤٤- كتاب فضائل الصحابة، ٤٩- باب من فضائل نساء قريش، حديث رقم (٢٠٠/ ٢٥٢٧) .","vol":"1","page":283},{"text":"وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ.\nهذا هو القسم الثاني من قسمي النساء اللاتي جعل الله للرجال حق القيام عليهن، كما سبق، وهو خطاب للأزواج، وإرشاد لهم إلى طريق القيام عليهن.\nوأصل الخوف فزع القلب عند الشعور بحدوث أمر مكروه في المستقبل، وقد يتوسع فيه، فيستعمل بمعنى العلم، لأنّ خوف الشيء إنما يكون للعلم بموقعه، وقد علمت أنّ النشوز هو العصيان، وظاهر الآية ترتب العقوبات المذكورة على خوف النشوز، وإن لم يقع النشوز بالفعل، وهو بعيد، لذلك أوّل العلماء هذه الآية عدة تأويلات، فمنهم من فسّر الخوف بالعلم، ومنهم من قدر مضافا: تخافون دوام نشوزهن، أو أقصى مراتب نشوزهن.\nومنهم من قدر معطوفا محذوفا: تخافون نشوزهن ونشزن.\nومنهم من أبقى الخوف على أصله، وجعل جزاءه الوعظ فقط، تخافون نشوزهن بظهور أماراته، كخشونة بعد لين، وتعبيس بعد طلاقة، وإدبار بعد إقبال، ومتى ظهرت هذه الأمارات كان للزوج أن يعظها فقط، ويخوّفها عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، فإن لم تمتثل كان ذلك نشوزا محققا، وله فيه الوعظ والهجران والضرب.\nوالمراد بالوعظ أن يقول لها مثلا: اتقي الله! فإنّ لي عليك حقا، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو ذلك.\nواختلفوا في معنى الهجران في المضاجع، فقيل: إنه كناية عن ترك جماعهن، وقيل: المراد تركهنّ منفردات في حجرهنّ ومحل مبيتهن، فيكون في ذلك ترك جماعهن وترك مكالمتهن، ولا يزيد في هجر الكلام عن ثلاثة أيام.\nوفسر العلماء الضرب المباح بأنه الضرب غير المبرح،\nأخرج الجصاص «١» عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه خطب بعرفات في بطن الوادي فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، وأن لكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهنّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» .\nوأخرج ابن جرير «٢» نحوه، وروى ابن جريج عن عطاء قال: الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه، ومثله عن ابن عباس، وقال سعيد عن قتادة: ضربا غير شائن «٣» .\n_________\n(١) أخرجه الإمام أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن (٢/ ١٨٩) .\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ٤٤) .\n(٣) المرجع نفسه (٥/ ٤٤) .","vol":"1","page":284},{"text":"وقال العلماء: ينبغي ألا يوالي الضرب في محل واحد، وأن يتقي الوجه فإنه مجمع المحاسن، ولا يضربها بسوط ولا بعصا، وأن يراعي التخفيف في هذا التأديب على أبلغ الوجوه.\nومع أنّ الضرب مباح فقد اتفق العلماء على أنّ تركه أفضل.\nأخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصديق ﵁ قالت: كان الرجال نهوا عن ضرب النساء، ثم شكوهنّ إلى رسول الله ﷺ فخلى بينهم وبين ضربهن، ثم قال: «ولن يضرب خياركم» «١» .\nوروي نحوه عن عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ وفيه: «ولا تجدون أولئكم خياركم» «٢»\nومعناه أن الذين يضربون أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا، فدل الحديث على أن الأولى ترك الضرب.\nواختلف العلماء في هذه العقوبات أهي مشروعة على الترتيب أم لا؟ ومنشأ الخلاف اختلافهم في فهم الآية، فمن رأى عدم الترتيب يقول: الواو لا تقتضيه، والفاء في قوله: فَعِظُوهُنَّ لا دلالة لها على أكثر من ترتيب المجموع على النشوز، فله أن يقتصر على إحدى العقوبات أيا كانت، وله أن يجمع من غير ترتيب بينها.\nومن ذهب إلى وجوب الترتيب يرى أن ظاهر اللفظ وإن دلّ على مطلق الجمع، فإنّ فحوى الآية تدل على الترتيب، إذ الواو داخلة على جزاءات مختلفة متفاوتة واردة على سبيل التدرج من الضعيف إلى القوي إلى الأقوى، فإنّه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك جار مجرى التصريح بأنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشد.\nوروي عن علي ﵁ ما يؤيد ذلك فإنه قال: يعظها بلسانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.\nفَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا.\nتبغوا: تطلبوا، أي: فإن رجعن إلى طاعتكم بعد هذا التأديب فلا تطلبوا سبيلا وطريقا إلى التعدّي عليهن. أو: فلا تظلموهن بطريق من طرق التعذيب والتأديب.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا قيل: المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النساء، والمعنى أنه تعالى قاهر كبير قادر ينتصف لهن، ويستوفي حقهن، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن، وأكبر درجة.\n_________\n(١) و(٢) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٢/ ١٥٥) .","vol":"1","page":285},{"text":"وقيل: المقصود منه حثّ الأزواج، وبعثهم على قبول توبة النساء، والمعنى:\nأنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها، وتتركوا معاقبتها.\nقال الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) المراد بالخوف هنا: العلم.\nوالشقاق: الخلاف والعداوة، وأصله من الشق، وهو الجانب، لأنّ كلّا من المتخالفين يكون في شق غير شق الآخر.\nو(بين) من الظروف المكانية غير المتصرفة، وإضافة الشقاق إليها توسّع، والأصل شقاقا بينهما، فللملابسة بين الظرف والمظروف نزّل الظرف منزلة الفاعل أو المفعول، وشبه بأحدهما ثم عومل معاملته في الإضافة إليه، فقيل شِقاقَ بَيْنِهِما.\nوقيل: الإضافة بمعنى (في) والضمير في (بينهما) للزوجين لدلالة النشوز- وهو عصيان المرأة زوجها- عليهما.\nوالخطاب هنا للحكام، فإنه تعالى لما ذكر نشوز المرأة، وأنّ للزوج أن يعظها، ويهجرها في المضجع، ويضربها، بيّن أنه لم يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم منهما، ويتوجه حكمه عليهما.\nوظاهر الأمر في قوله تعالى: فَابْعَثُوا أنه للوجوب، وبه قال الشافعي، لأنه من باب رفع الظلامات، وهو من الفروض العامة والمتأكدة على القاضي.\nوظاهر وصف الحكمين بأن أحدهما يكون من أهله، والثاني يكون من أهلها أن ذلك شرط على سبيل الوجوب، لكنّ العلماء حملوه على وجه الاستحباب، وقالوا:\nإذا بعث القاضي حكمين من الأجانب جاز، وذلك لأنّ فائدة بعث الحكمين استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين، وإجراء الصلح بينهما، والشهادة على الظالم منهما، وهذا الغرض يؤديه الأجنبي كما يؤديه القريب، إلا أن الأقارب أعرف بحال الزوجين من الأجانب، وأشدّ طلبا للإصلاح، وأبعد عن الظنّة بالميل إلى أحد الزوجين، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس، فيطلعوا على ما في ضمير كلّ من حب وبغض، وإرادة صحبة أو فرقة، لذلك كان الأولى والأوفق أن يكون أحد الحكمين من أهل الزوج والثاني من أهل الزوجة.\nواختلف العلماء فيما يليه الحكمان: أيليان الجمع والتفريق دون إذن الزوجين، أم ليس لهما تنفيذ أمر يلزم الزوجين دون إذن منهما؟","vol":"1","page":286},{"text":"فذهب علي وابن عباس والشعبي ومالك إلى أن لهما أن يلزما الزوجين دون إذنهما ما يريان فيه المصلحة، مثل أن يطلق الرجل، أو تفتدي المرأة بشيء من مالها.\nفهما عندهم حاكمان موليان من قبل الإمام.\nوقال الحسن وأبو حنيفة وأصحابه: ليس للحكمين أن يفرّقا إلا برضا الزوجين، فهما عندهم وكيلان للزوجين.\nوللشافعي في المسألة قولان.\nوليس في الآية ما يرجح أحد الرأيين على الآخر، بل فيها ما يشهد لكلّ من الرأيين:\nفالشهادة للرأي الأول أنّ الله تعالى سمّى كلا منهما حكما، والحكم هو الحاكم، وإذا جعلهما الله حاكمين فقد مكّنهما من الحكم.\nوالشهادة للرأي الثاني أنه تعالى لم يضف إليهما إلا الإصلاح، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوّض إليهما، ولما كانت الآية محتملة للرأيين، ولم يصحّ في المسألة شيء عنه ﷺ كانت المسألة اجتهادية، وكلام أحد المجتهدين لا يقوم حجة على الآخر، فالترجيح للرأي والقياس، والذي يظهر لنا أنّ القياس يقتضي ترجيح الرأي الثاني، لأنه لا خلاف أنّ الزوج لو أقر قبل التحكيم بالإساءة إليها لم يجبرها الحاكم على الطلاق، وأنّ الزوجة لو أقرت كذلك قبل التحكيم بالنشوز لم يجبرها الحاكم على الافتداء، فإذا كان ذلك حكمهما قبل بعث الحكمين، فكذلك يكون الحكم بعد بعثهما، لا يجوز إيقاع الطلاق من غير رضا الزوج وتوكيله، ولا إخراج المال عن ملكها من غير رضاها.\nوالضمير في قوله تعالى: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يجوز أن يكون للحكمين، ويجوز أن يكون للزوجين، وكذلك الضمير في قوله تعالى يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما والأوفق جعل الضمير الأول للحكمين، والثاني للزوجين، أي إن يقصد الحكمان إصلاح ذات البين بنية صحيحة، مع إخلاص النصيحة لوجه الله تعالى، إن يقصدا ذلك يوفق الله بين الزوجين بالألفة والمحبة، ويلقي في نفسيهما الموافقة وحسن العشرة.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا المراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق، فإنه سبحانه عليم بظواهر الأمور وبواطنها، فيعلم ما يريده كلّ واحد منهم، وسيجازيهم على حسب ما علم.\nقال الله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا (٣٦) لما أرشد الله كلا من الزوجين إلى المعاملة الحسنة، وندب الحكّام إلى إزالة ما","vol":"1","page":287},{"text":"بينهما من الخصومة، أرشد الناس جميعا إلى طائفة من خلال الخير، وبيّن لهم أنواعا من الأخلاق الحسنة التي تعلمهم كيف يعامل بعضهم بعضا، وقد ذكر من ذلك في هذه الآية ثلاثة عشر نوعا ما بين مأمور به ومنهي عنه:\n١- أمرنا أن نعبده، والعبادة: المبالغة في الخضوع، ويكون ذلك بفعل ما أمر الله به لمجرد أنه أمر به، وترك ما نهى عنه لمجرد أنه نهى عنه، سواء في ذلك أعمال القلوب- ومنها التوحيد- وأعمال الجوارح.\n٢- ونهانا أن نشرك به شيئا: والإشراك ضد التوحيد، فيفهم من النهي عن الإشراك الأمر بالتوحيد، فالعطف من قبيل عطف الخاص على العام، وقدم في هذه التكاليف ما يتعلّق بحقه تعالى لأمرين:\nالأول: أنّ هذا الذي تعلق بحقه تعالى وهو العبادة والإخلاص فيها أساس الدين، ومداره الأعظم، ومن دونه لا يقبل الله من العبد عملا ما.\nوالثاني: أن في ذلك إيماء إلى ارتفاع شأن الأمور الآتية وإن كانت متعلقة بحقوق العباد، لأن قرنها بالعبادة والتوحيد يكسبها رفعة شأن وعظم قدر عند الله.\n٣- وأمرنا بالإحسان إلى الوالدين: وقد قرن الله تعالى إلزام برّ الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع من القرآن منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا [الإسراء: ٢٣] وقوله جلّ شأنه: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: ١٤] وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما، ووجوب برهما، والإحسان إليهما.\nوقد ورد في وجوب بر الوالدين آيات كثيرة، وأحاديث مشهورة، وبر الوالدين طاعتهما في معروف، والقيام بخدمتهما، والسعي في تحصيل مطالبهما، والبعد عن كل ما يؤذيهما.\n٤- وإلى ذي القربى: وهو صلة الرحم، على نحو ما ذكر في أول السورة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ والإحسان إلى الأقارب يكون بمودتهم ومواساتهم.\n٥- وإلى اليتامى: كما وصّى في أول السورة وفي غيرها، قال ابن عباس:\nيرفق بهم يربيهم، وإن كان وصيا فليبالغ في حفظ أموالهم.\n٦- وإلى المساكين: والإحسان إلى المسكين إما بالتصدق عليه، وإما برده ردا جميلا، كما قال تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) [الضحى: ١٠] .\n٧- وإلى الجار ذي القربى: وهو الذي قرب جواره، أو من له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين.","vol":"1","page":288},{"text":"٨- وإلى الجار الجنب: وهو الذي بعد جواره، أو من ليس له مع الجوار قرابة.\nأخرج البخاري «١» في «الأدب المفرد» عن عبد الله بن عمرو أنه ذبحت له شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي، أهديت لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه» .\nوأخرج الشيخان «٢» أنه ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره» .\nوتحديد الجوار موكول إلى العرف، والإحسان إلى الجار يكون من وجوه: منها مواساته إن كان فقيرا، ومنها حسن العشرة، وكف الأذى عنه، والمحاماة دونه ممن يحاول ظلمه، وقد عد بعض العلماء من حق الجوار الشفعة لمن بيعت دار إلى جنبه.\n٩- وإلى الصاحب بالجنب: وهو الرفيق في كل أمر حسن كالتعلم والسفر والصناعة، وكمن جلس بجنبك في مسجد، أو مجلس، وغير ذلك.\nوعن علي كرم الله وجهه: الصاحب بالجنب المرأة.\n١٠- وإلى ابن السبيل: وهو المنقطع عن ماله، أو الضعيف، ومعنى ابن السبيل صاحب الطريق، كما يقال لطير الماء ابن ماء، فالمسافر للزومه الطريق سمّي ابن السبيل، والضيف كالمجتاز غير المقيم، فسمّي ابن السبيل تشبيها بالمسافر.\n١١- وإلى ما ملكت أيماننا: قال قتادة: هم العبيد والإماء، أخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال: «كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يغرغر بها في صدره، وما يفيض بها لسانه» «٣» .\nوقال بعض العلماء: كلّ حيوان فهو مملوك، والإحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة.\n١٢- ونهانا عن الاختيال: فإنّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا معناه: أنه يكره المختال الفخور، أي أنه يعاقبه على خيلائه وفخره، والمختال: ذو الخيلاء والكبر، قال الزجاج: إنما ذكر الاختيال هاهنا لأن المختال\n_________\n(١) انظر الأدب المفرد للإمام البخاري، صفحة (٥٠)، باب يبدأ بالجار حديث رقم (١٠٥)، وأبو داود في السنن (٤/ ٣٧٧)، كتاب الأدب، باب في حق الجوار حديث رقم (٥١٥٢) والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٢٩٤) في كتاب البر، باب ما جاء في حق الجوار حديث رقم (١٩٤٣) .\n(٢) رواه البخاري (٧/ ١٠٤)، ٧٨- كتاب الأدب، ٣١- باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر حديث رقم (٦٠١٨)، ومسلم في الصحيح (١/ ٦٨)، ١- كتاب الإيمان، ١٩- باب الحث على إكرام الجار حديث رقم (٧٧/ ٤٨) .\n(٣) رواه أحمد في المسند (٣/ ١١٧)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٩٠٠)، كتاب الوصايا، باب هل أوصى رسول الله ﷺ حديث رقم (٢٦٩٧) .","vol":"1","page":289},{"text":"أنف من أقاربه إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء، فلا يحسن عشرتهم.\n١٣- ونهانا عن الفخر: والفخور هو الذي يعدّد مناقبه على الناس تطاولا وتعاظما.\nأخرج الطبراني عن ثابت بن قيس بن شماس قال: كنت عند رسول الله ﷺ فقرأ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ إلخ، فذكر الكبر، وعظّمه، فبكى ثابت. فقال له رسول الله ﷺ: «ما يبكيك»؟ فقال: يا رسول الله إني لأحبّ الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي.\nقال: «فأنت من أهل الجنة، إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك، ولكن الكبر من سفه الحقّ، وغمط الناس» «١» .\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)\nاختلف في سبب نزول الآية، فأخرج أبو داود والترمذي وحسّنه والنسائي والحاكم وصححه، عن علي كرم الله وجهه قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف ﵁ طعاما، فدعانا، وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني، فقرأت: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) [الكافرون: ١] أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون فنزلت «٢» .\nوفي رواية ابن جرير «٣» وابن المنذر عن علي كرم الله وجهه أن إمام القوم يومئذ هو عبد الرحمن بن عوف، وكانت الصلاة صلاة المغرب، كان ذلك لما كانت الخمر مباحة.\nوقد فهم الصحابة من النهي في أول الأمر أن الممنوع هو قربان الصلاة في حال السّكر، فكانوا لا يتناولون مسكرا حتى إذا صلّوا العشاء شربوا، فقال عمر ﵁: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت آية المائدة فتركوا الشراب كله.\nوقيل: إنّ سبب النزول هو ما رواه ابن جريج عن إبراهيم النخعي قال: نال أصحاب رسول الله ﷺ جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى\n_________\n(١) انظر الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي (٢/ ١٦٢) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٣٢٣)، كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر حديث رقم (٣٦٧١)، والترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٢٢)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٢٦) .\n(٣) جامع البيان المشهور بتفسير الطبري في تفسيره رواه ابن جرير (٥/ ٦١) .","vol":"1","page":290},{"text":"النبي ﷺ فنزلت، والجمهور على أنها نزلت في غزوة المريسيع حين عرّس «١» النبي ﷺ ليلة، فسقطت عن عائشة قلادة كانت لأسماء، فبعث رجلين في طلبها، فنزلوا ينتظرونهما، فأصبحوا وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة وقال: حبست رسول الله ﷺ والمسلمين على غير ماء فنزلت «٢» .\nفلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة، فجعل يقول: ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر، وفي رواية: يرحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين فرجا، وهذا يدلّ على أن سبب النزول كان في فقد الماء في السفر.\nوالسكر المذكور في الآية هو السكر من الشراب، بدليل ما ورد في سبب النزول، وبدهي أن النهي موجه إلى جماعة المؤمنين أن يقربوا الصلاة، وهم على هذا الحال، فإنها قد تجرهم إلى ما يضرهم في دينهم من حيث لا يشعرون، ولقد أثّر فيهم النهي أثره، فكانوا يمتنعون من الشراب إلى ما بعد صلاة العشاء، ولا معنى لا دعاء نسخ الآية، إذ المؤمنون ما زالوا منهيين أن يقربوا الصلاة وهم سكارى. ولم تؤثر آية المائدة في هذا النهي شيئا حتى يقال: إنها نسخته.\nوقد اختلف العلماء في معنى الصلاة في قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فذهب جماعة إلى أن المراد منها موضعها وهو المسجد، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي ﵁، والكلام إذا على حذف مضاف، وهو مجاز شائع، وقد عهد استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى في القرآن، كما في قوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ [الحج: ٤٠] فقد فسرها ابن عباس بأنها كنائس اليهود.\nويؤيد حمل الصلاة على هذا المعنى أن الله تعالى يقول: لا تَقْرَبُوا والقرب والبعد أولى به أن يكون في المحسات، فحملناه على المسجد، ولأنّا لو حملناه على الصلاة لم يصح الاستثناء في قوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حتى لو حملنا عابر السبيل على المسافر، لأنّ هذا الحكم حينئذ ليس خاصا بالمسافر، لأنّ كل من عجز عن استعمال الماء، سواء لفقده، أو عدم القدرة على استعماله كذلك، وأيضا فإنّ ظاهر النهي يدلّ على أنّ عابر السبيل ليس له أن يقرب الصلاة جنبا إلا بعد اغتسال، وهو إذا لم يجد الماء يقرب الصلاة كغيره بالتيمم.\nوأيضا فقد ذكر الله في الآية حكم المسافر في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ\n_________\n(١) التعريس: النزول آخر الليل، انظر لسان العرب (٦/ ١٣٦) .\n(٢) رواه ابن جرير في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ٦٨- ٦٩) . [.....]","vol":"1","page":291},{"text":"إلخ. فيكون ذلك تكرارا، فمن أجل ذلك حملنا لفظ الصلاة على المسجد.\nوذهب الأكثرون إلى أن الصلاة باقية على حقيقتها، والمعنى: لا تصلوا وأنتم سكارى، ولا أنتم جنب، إلا في حال كونكم مسافرين حتى تغتسلوا، ويكون ذكر هذا الحكم قبل قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تشويقا إلى بيان الحكم عند فقد الماء، فكأنه قيل:\nفإن لم تقدروا على استعمال الماء فإني مبيّن حكم ذلك بقولي: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى إلى آخره.\nويقرب لهؤلاء ما ذهبوا إليه أن الله يقول: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فإنّه يدل على أنّ المراد لا تقربوا نفس الصلاة، إذ المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه، أما الصلاة ففيها أقوال مشروعة يمنع السكر منها، وهي القراءة والدعاء والذكر، فكان حملها على ما يقتضيه ظاهر اللفظ أولى.\nوقد ترتب على هذا خلافهم في حكم اجتياز المسجد للجنب، فمن ذهب إلى أن المراد من الصلاة موضعها، وهو المسجد، أخذ من الاستثناء أن الجنب ممنوع من المسجد إلا في حال العبور، فإنه يجوز له أن يعبر دون أن يمكث.\nوأما على القول الثاني فيكون معنى الآية لا تقربوا الصلاة في حال السكر، ولا في حال الجنابة حتى تغتسلوا، إلا إذا كنتم مسافرين، وحكم ذلك سأقصه عليكم، أما حرمة دخول المسجد للجنب فيستدل عليها بمثل ما\nروت عائشة ﵂ قالت جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجّهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة، فخرج إليهم بعد وقال: وجّهوا هذه البيوت فإني لا أحلّ المسجد لجنب ولا حائض» «١»\nوغير هذا من الأدلة.\nبقي أنّ بعض المفسرين يريد أن يأخذ من قوله: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وجوب القراءة في الصلاة، لأن الآية تنهى عن قرب الصلاة في حال السكر حتى يعلم المصلّي ما يقول: فلا بد أن يكون الذي يقول شيئا يمنع منه السكر، ولا شيء سوى القراءة.\nولكنا إذا عرفنا أنّ الصلاة مناجاة ووقوف بين يدي مالك يوم الدين، العزيز القهار، كان معنى النهي لا تصلحوا حتى تكونوا على درجة من العلم والفهم تمكّنكم وتؤهّلكم للوقوف بين يدي ملك الملوك، وليس بنا حاجة لأن نلتمس دليلا على وجوب القراءة في الصلاة، لأن ذلك أمر متفق عليه، وأدلته كثيرة.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ٩٧)، كتاب الطهارة، باب في الجنب حديث رقم (٢٣٢)، ورواه ابن ماجه في السنن (١/ ٢١٢)، كتاب الطهارة، باب ما جاء في اجتناب الحائض حديث رقم (٦٤٥) .","vol":"1","page":292},{"text":"والجنب: اسم يستوي في الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، وأصل الجنابة البعد، ويقال للذي يجب عليه الغسل من حدث الجنابة: جنب، لأنّ جنابته تبعده عن الصلاة وعن المسجد وقراءة القرآن حتى يتطّهر.\nوَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا.\nذكرت هذه الآية والآية التي في المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦] الآية للتيمم أسبابا أربعة: المرض، والسفر، والمجيء من الغائط، وملامسة النساء، ورتبت عليها تيمم الصعيد الطيّب عند عدم وجود الماء فهما بظاهرهما تفيدان أنّ كلا من هذه الأسباب بمجرده يبيح التيمم عند عدم الماء.\nفالسفر عند عدم الماء مبيح للتيمم، والمرض أيا كان نوعه مبيح للتيمم عند عدم الماء، وكذلك ملامسة النساء، والمجيء من الغائط، وقد جاء بيان السنة العملية كذلك موافقا لما يفيده النظم الكريم، حيث أجاز التيمم عند فقد الماء حقيقة لكل هؤلاء، غير أنّه زاد أن المريض إذا كان مرضه يمنعه من استعمال الماء جاز له التيمم، كما روي في حديث عمرو بن العاص ﵁ أنه تيمم مع وجود الماء لخوف البرد فأجازه النبيّ ﷺ ولم ينكر، وقد اتفقوا على جوازه.\nبقي أنه ما الفائدة إذا في ذكر السفر والمرض في جملة الأسباب ما دام المسافر والمريض والمقيم والصحيح سواء، لا يباح لهم التيمم إلا عند فقد الماء؟\nقال المفسرون في هذا: أما المسافر فلما كان غالب حاله عدم وجود الماء جاء ذكره كأنه فاقد الماء وأما المريض فإنّ تعليق الحكم به مشعر بأن مرضه له مدخل في السببية، ولذلك ترى ابن عباس ﵄ وجماعة من التابعين يقولون في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أنه المجدور، ومن يضره الماء، وذلك أنّ المريض الذي لا يضره الماء لا معنى للترخيص له في التيمم، فذكر ليدل على أن مرضه حينئذ يقوم مقام عدم وجود الماء حقيقة، فلم يبق حينئذ إلا الجنب وما في معناه، والجائي من الغائط وما في معناه من غير المسافرين والمرضى، فهو إنما يباح لهم التيمم إذا فقدوا الماء.\nوعلى هذا يكون قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا راجعا إلى الأخيرين فقط، وهما المجيء من الغائط، وملامسة النساء، وتكون أسباب التيمم المذكورة في الآية ثلاثة على الحقيقة: المرض، والسفر، وفقد الماء في حال الإقامة والصحة.\nغير أنّ عطف هذه الأسباب بعضها على بعض بأو يقتضي أنها متقابلة، ومن قضية تقابلها أن يكون المسافر غير المريض، وكل منهما غير الجائي من الغائط","vol":"1","page":293},{"text":"والملامس، وذلك يقتضي أنّ السفر مبيح للتيمم، ولو من غير حدث، وكذلك المرض، مع أن التيمم لا يطلب إلا من المحدث.\nوأجاب عن ذلك بعض العلماء بأن السبب في عدم ذكر الحدث مع المرض والسفر أنّ الكلام في الجنابة في السفر، حيث قال: وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فحال الجنابة معهما ملحوظ، حيث هذا بيان للحكم إذا لم يتيسر الغسل من الجنابة لفقد الماء، وأما الحدث الأصغر فيهما فيعلم حكمه من حكم الجنابة لدلالة النص.\nومن العلماء من اختار في تأويل الآية رأيا آخر: فذهب إلى أنّ أَوْ في قوله:\nأَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ بمعنى الواو، ويكون المعنى عليه: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ويكون ذلك في معنى قولك: إن كنتم مرضى أو مسافرين محدثين حدثا أصغر أو أكبر، وفقدتم الماء حقيقة أو حكما، بأن لم تقدروا على استعماله مع وجوده، فتيمموا صعيدا طيبا.\nوقد جاءت أَوْ بمعنى الواو كثيرا كما في قوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) [الصافات: ١٤٧] فإن معناه ويزيدون، وكقوله: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما [النساء: ١٣٥] معناه إن يكن غنيا وفقيرا فالله أولى بهما.\nونقل صاحب «روح المعاني» «١» عن بعضهم أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا جنبا ولا جائيا أحد منكم من الغائط أو لامسا، يعني ولا محدثين، ثم قيل: وإن كنتم مرضى أو على سفر: فتيمموا وفيه الفصل بين الشرط والجزاء والمعطوف عليه من غير نكتة.\nوأقرب هذه التأويلات هو ما حملنا عليه الآية في أول الأمر، وما ورد عليه- من أن ذلك يقتضي أن السفر بنفسه سبب، وكذا المرض ولو من غير حدث- يندفع متى روعي الكلام في أمر الطهارة من الأحداث، وأنها الغسل، انظر إلى قوله تعالى: وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فأمر الحدث أمر مقرّر مفروغ منه، إنما الكلام في الأعذار المبيحة للتيمم، ولا سبب في الحقيقة إلا فقد الماء، وفقد الماء له مظاهر، فمن مظاهره السفر، وعدم الماء فيه غالب، وإن وجد فأغلب أمره أن يكون محتاجا إليه، ومن مظاهره المرض، وجعل المرض من أسباب التيمم مشعر بأن ذلك إنما يكون في مرض لا يمكن معه استعمال الماء، والمظهر الحقيقي لفقد الماء أن يكون خاليا من هذه الأعذار، ثم لا تجد الماء وأنت محدث حدثا أصغر أو أكبر.\nعلى هذا الوجه يصح أن تفهم الآية، ولا شيء في فهمها حينئذ من التكلف،\n_________\n(١) انظر روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للإمام الألوسي (٥/ ٤٢) .","vol":"1","page":294},{"text":"ويليه أن تكون أَوْ في قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ بمعنى الواو، والمعنى عليه قد عرفته.\nولنرجع إلى تفسير مفردات الآية:\nوَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا فإن المعنى أنه لا يحل لكم القرب من الصلاة وأنتم جنب إلا بأن تكونوا عابري سبيل، وإلا أن تغتسلوا، ولما كان الغسل قد لا يمكن، شرع في بيان الطهارة الواجبة حينئذ، والأعذار التي تبيحها.\nوفسر بعضهم قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ بمعنى إلا معذورين بعذر شرعي، وقد تقدم أن المراد بالمرض ما يمنع من استعمال الماء مطلقا، سواء كان لتعذر الوصول إليه أم لتعذر استعماله.\nوقد أخرج ابن جريج عن ابن مسعود أنه قال: المريض الذي رخص له في التيمم الكسير والجريح، فإذا أصابته الجنابة لا يحل جراحته إلا جراحة لا يخشى عليها.\nأَوْ عَلى سَفَرٍ أو مسافرين، والسفر الطويل هنا كالقصير، فإنّك عرفت أن ذكر السفر هنا لا دلالة له على شيء، إذ المدار على فقد الماء، وإنما ذكر لأن فقد الماء معه غالب.\nوبذكر المسافر هنا يستدلّ من ذهب إلى أنّ المراد بالصلاة المسجد، وقد تقدم، وهو ظاهر، ومن ذهب إلى أن المراد الصلاة بحقيقتها الشرعية يقول: إنه إنما ذكر هنا مع فهمه مما تقدم لبناء الحكم الشرعي عليه، وبيان أن المريض مثله ومساو له في ذلك.\nأَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، والمجيء منه كناية عن الحدث، لأنّ العادة كانت أنّ من يريد قضاء الحاجة يذهب إليه ليواري شخصه عن أعين الناس.\nأَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ اختلف السلف رضوان الله عليهم أجمعين في المراد من الملامسة هنا، فقال علي وابن عباس وأبو موسى والحسن وعبيدة والشعبي: هي كناية عن الجماع، وكانوا لا يوجبون الوضوء ولا التيمم لمن مس امرأة.\nوقال عمر وابن مسعود: المراد من الملامسة المسّ باليد، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء.\nوقد اختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر والثوري والأوزاعي: لا وضوء على من مسّ امرأة، سواء أكان المس بشهوة، أو بغير شهوة.\nوقال مالك: إن مسها بشهوة تلذّذا فعليه الوضوء، وكذا إن مسته بشهوة تلذذا.","vol":"1","page":295},{"text":"وقال الحسن بن صالح: إن قبل بشهوة فعليه الوضوء، وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليه.\nوقال الشافعي: إذا مس جسدها فعليه الوضوء، سواء أكان المس لشهوة أو لغير شهوة.\nاستدل القائلون بأنّ المسّ ليس بحدث بما\nروي عن عائشة من طرق مختلفة أنّ النبيّ ﷺ كان يقبل نساءه ثم يصلي ولا يتوضأ «١» . وكان يقبلهن وهو صائم\n. ومن ذلك\nحديث عائشة أنها طلبت النبيّ ﷺ ليلة. قالت: فوقعت يدي على أخمص قدمه وهو ساجد، يقول: «أعوذ بعفوك من عقوبتك وبرضاك من سخطك» «٢»\nفثبت بذلك أن المس ليس بحدث.\nثم إن ظاهر مادة المفاعلة فيما يكون فيه الفعل من الجانبين مقصودا، وذلك في الجماع دون اللمس باليد، وأيضا فإنّ اللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد، إلا أنه قد عهد في القرآن إطلاقه كناية عن الجماع، كما في قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: ٢٣٧] بل هذا اللفظ قد اشتهر في هذا المعنى، تسمعهم يقولون في المرأة البغي، لا تردّ يد لا مس «٣»، يريدون أنها ليست عفيفة.\nوأيضا فالظاهر أن المراد في هذه الآية من الملامسة أو اللمس في القراءة الأخرى الجماع، لأجل أن تكون شاملة للحدثين الأصغر في قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ والأكبر في قوله: أَوْ لامَسْتُمُ أما إذا أريد منه اللمس باليد مثلا، فإنه يكون قليل الفائدة، إذ المجيء من الغائط واللمس حينئذ من واد واحد.\nوأما من يرى أن الملامسة هي لمس البدن فهو يقول: إنّ اللمس حقيقة في المس باليد، والملامسة مفاعلة، وهو في الجماع مجاز أو كناية، ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة.\nوالواقع أنّ اللمس حقيقة في المس باليد كما في قوله:\nلمست بكفي كفّه أبتغي الغنى ولكنه قد تعورف عند إضافته إلى النساء في معنى الجماع، ويكاد يكون ظاهرا\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ٧٨)، كتاب الطهارة، باب الوضوء حديث رقم (١٧٨) والترمذي في الجامع الصحيح (١/ ١٣٣)، كتاب الطهارة باب ما جاء في ترك الوضوء حديث رقم (٨٦)، والنسائي في السنن (١- ٢/ ١١٢)، كتاب الطهارة باب ترك الوضوء حديث رقم (١٧٠) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٣٥٢)، ٤- كتاب الصلاة، ٤٢- باب ما يقال في الركوع والسجود حديث رقم (٢٢٢/ ٤٨٦) .\n(٣) رواه النسائي في السنن كتاب النكاح، باب تزويج الزانية حديث رقم (٣٢٢٩) .","vol":"1","page":296},{"text":"فيه، كما أن الوطء حقيقته المشي بالقدم، فإذا أضيف إلى النساء لم يفهم منه غير الجماع.\nوروى ابن جرير «١» عن سعيد بن جبير قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي ليس الجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس، فقلت: إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي:\nليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع! فقال: من أي فريق كنت؟\nفقال: كنت من الموالي، قال: غلب فريق الموالي إن المسّ واللمس والمباشرة الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء. وفي رواية، ولكنّ الله يكني ويعفّ.\nوقد اختار ابن جرير «٢» أن الملامسة في الجماع، وإليك نصّ عبارته، قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة\nالخبر عن رسول الله ﷺ أنّه قبل بعض نسائه ثم صلّى ولم يتوضأ «٣»\n، وساق في ذلك أخبارا كثيرة بنحو ما قلناه آنفا.\nفَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.\nأي إذا أصابكم ما تقدّم من موجبات الطهارة، فطلبتم الماء لتتطهروا به فلم تجدوه، بأن عدمتموه، أو وجدتموه ولكن بثمن لا تقدرون على دفعه، أو وجدتموه ولكنكم تحتاجون إليه، ولا تقدرون على استعماله فتيمموا: أي اقصدوا صعيدا طيبا.\nوقد اختلف العلماء في المراد بالصعيد ما هو؟ فقال بعضهم: هو الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غراس، وقال بعضهم: إنه الأرض المستوية، وقال بعضهم: بل الصعيد التراب، وقال آخرون: هو وجه الأرض، وقال بعضهم: هو الأرض ذات التراب والغبار.\nومعنى الطيب: الحلال الطاهر.\nومعنى الآية: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فأردتم أن تصلّوا، ففقدتم الماء، فاعمدوا إلى الأرض الطاهرة، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم.\nوظاهر الآية يفيد أنّ وجود ماء أي ماء لا يصح معه التيمم، إذ قد رتبت الآية الأمر بالتيمم على نفي وجود ماء.\nوذلك يقتضي أنه لو وجد ماء، وكان في حاجة شديدة إليه، أو لا يقدر على\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ٦٥) .\n(٢) المرجع نفسه (٥/ ٦٧) .\n(٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":297},{"text":"استعماله أنه لا يتيمم، ولكن لما قاله الله تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة: ٦] وقال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] فهم منه أن الغرض من شرع التيمم هو التيسير على الناس، والتيسير على الناس لا يكون بإلزامهم أن يفقدوا ما معهم من الماء في الطهارة ليقعوا في العطب من جرّاء العطش أو الجوع.\nوكذلك فهم من ترتيب التيمم على عدم الماء أن المراد ماء يكفي للطهارة، وأما ما لا يكفي لها فوجوده غير معتدّ به.\nوقد اختلف فقهاء الأمصار في جواز التيمم بالحجر وما ماثله من كل ما كان من الأرض، فجوّزه أبو حنيفة، واشترط أبو يوسف أن يكون المتيمم به ترابا أو رملا وقال مالك: يتيمّم بالحصا والجبل: وحكي عن أصحابه عنه أنه أجاز التيمم بالزرنيخ والنّورة ونحوهما، وروى أشهب عنه أنه يجيز التيمم بالثلج.\nوقال الشافعي ﵁: إنما التيمم من التراب.\nومنشأ الخلاف في فهم الطيّب، فمن حمله على الطاهر قال: المراد كلّ ما كان من جنس الأرض، بشرط الطهارة.\nوقد أطلق الطيب وأريد به الحلال الطاهر، كما في قوله تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ٥٧] .\nومن فهم أنه ينبت قال: إنّ المراد الأرض الصالحة للإنبات، وهي ذات التراب، وقد أطلق الطيب وأريد منه ذلك كما في قوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: ٥٨]، للأولين أن يقولوا: إنّ هذا الإطلاق غير مراد هنا، لأنّ المراد بالطيّب في قوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ البلد الذي ليست أرضه سبخة، ونحن مجمعون على جواز التيمم بتراب الأرض السبخة، فعلمنا أنّ الطيّب بهذا المعنى غير مراد هنا.\nوهذا وظاهر قوله تعالى في سورة المائدة: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: ٦] يدلّ على أنّ المراد بالصعيد: شيء يصل أثر منه إلى الوجه واليدين عند المسح.\nوهل المسّ على الحجر الأملس يصل منه شيء إلى الوجه واليدين؟\nفنحن نرى أنّ الظاهر قول من قال: بأن المراد بالصعيد تراب الأرض، والسنة تؤيّد هذا،\nفقد روي عن النبي ﷺ من طرق صحيحة «١»، جعلت لي الأرض مسجدا، وتربتها طهورا\n،\nوروي و«ترابها طهورا»\nنعم\nقد ورد في هذا المعنى «جعلت لي\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٣٧١)، ٥- كتاب المساجد حديث رقم (٤/ ٥٢٢) .","vol":"1","page":298},{"text":"الأرض مسجدا وطهورا» «١»\nولكنّ هذا يجب أن يحمل على ما جاء في الروايتين الأخريين جمعا بين الروايات.\nفَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا.\nهذا بيان لكيفية التيمم، وقد اختلف فيها فقهاء الأمصار، فذهب الحنفية والمالكية والشافعية والثوري والليث إلى أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه يمسحه بها، وضربة لليدين يمسحهما بها إلى المرفقين، وهو مرويّ عن جابر وابن عمر.\nوقال الأوزاعي: تجزئ ضربة واحدة للوجه والكوعين.\nوقال الزهري: ويمسح يديه إلى الإبط.\nوقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح: يتيمم بضربتين، يمسح بكل واحدة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه، وقد نقل أبو جعفر الطحاوي فيما رواه الجصاص عنه أنّ هذا الرأي لم يعرف عن غيرهما.\nوقد جاء في السنة ما يؤيد ما ذهب إليه الجمهور،\nفقد روي عن ابن عمر «٢» وابن عباس «٣» عن النبي ﷺ في صفة التيمم أنه ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.\nوقد يقال: إنّ ظاهر قوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ يقتضي مسح البعض كما دلّ على ذلك قوله في الوضوء: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [المائدة: ٦] إذ الباء تقتضي التبعيض، إلا أن الفقهاء قد اتفقوا على أنه لا يجوز له الاقتصار على القليل، وأن عليه مسح الكثير، بل ذكر الكرخي من الحنفية أنه إن ترك شيئا قليلا أو كثيرا لم يجزئه، وقد جاءت الباء في قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩] ولا يجوز الاقتصار في الطواف على بعض البيت فما هنا من هذا القبيل.\nهذا وقد عرض المفسرون هنا إلى أنّ التيمم هل يكفي لصلوات متعددة ما دام فاقدا للماء أم لا؟\nونحن نرى أنّ الآية التي نحن بصدد تفسيرها لا يستفاد منها شيء من هذا لا نفيا ولا إثباتا، وإنما ذلك يستفاد من أدلة أخرى تطلب في كتب الفقه.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا يعفو عما كان منكم من قيامكم للصلاة وأنتم سكارى، ويستر ذنوبكم، فلا تعودوا لمثلها فيعود عليكم إثمه وعذابه.\n_________\n(١) المرجع نفسه (٥/ ٥٢٣) .\n(٢) رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٤) .\n(٣) المرجع نفسه (١/ ١١٣) .","vol":"1","page":299},{"text":"قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)\nالأمانة مصدر سمّي به المفعول وهو ما يؤتمن عليه.\nروي في سبب نزول هذه الآية أنّ رسول الله ﷺ لما دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار باب الكعبة، وكان سادنها. وصعد إلى السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب يده، وأخذ منه المفتاح، وفتح، ودخل رسول الله ﷺ، وصلّى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية، فأمر النبيّ عليا أن يرده إلى عثمان، ويعتذر إليه، فقال عثمان لعلي: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق! فقال: لقد أنزل الله في شأنك قرآنا، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، فهبط جبريل ﵇ وأخبر النبي ﷺ أنّ السدانة في أولاد عثمان أبدا «١» .\nنزلت الآية على هذا السبب الخاص، وليس ذلك بمخرج اللفظ عن عمومه، فهو عام يتناول كل ما يؤتمن عليه الإنسان، سواء أكان ذلك في حق نفسه أم في حق غيره من العباد، أم في حق ربه، فكلّ ذلك يجب رعاية الأمانة فيه، فرعاية الأمانة فيما هو من حقوق الله أن تمتثل أوامره. وتجتنب نواهيه، قال ابن مسعود ﵁:\nالأمانة في كل شيء لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.\nوقال ابن عمر ﵁: خلق الله فرج الإنسان وقال: هذا أمانة خبأتها عندك، فاحفظها إلا بحقها.\nوأما رعاية الأمانة في حقّ النفس، فهو ألا يقدم الإنسان إلا على ما ينفعه في الدنيا والآخرة، وفي هذا\nيقول الرسول ﷺ: «كلكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» «٢» .\nوأما رعاية الأمانة في حقّ الغير فهو رد الودائع والعارية، وعدم غش الناس في كل ما يتصل بالمعاملة، من بيع وشراء، وجهاد ونصيحة، وألا يفشي عيوب الناس، وينشر الفاحشة.\n_________\n(١) ذكره البغوي في تفسيره معالم التنزيل المشهور بتفسير البغوي ط ٣، بيروت، دار المعرفة ١٩٩٢ (١/ ٤٤٣- ٤٤٤) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (١/ ٢٤٢)، ١١- كتاب الجمعة، ١١- باب الجمعة حديث رقم (٨٩٣)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٤٥٩)، ٣٣- كتاب الإمارة، ٥- باب فضيلة الإمام حديث رقم (٢٠/ ١٨٢٩) . [.....]","vol":"1","page":300},{"text":"وقد اعتنى القرآن بشأن الأمانة، وبيّن خطرها وعظيم قدرها في مواضع كثيرة، فقال: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [الأحزاب: ٧٢] وقال: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) [المؤمنون: ٨] وقال:\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال: ٢٧]\nوقال ﵊: «لا إيمان لمن لا أمانة له» «١»\nوقال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» .\nقد رأيت أنّ الأمانات عامة واجبة الأداء، لا فرق بين واحدة منها وواحدة، ولا بدّ من دفعها إلى أهلها عند طلبهم إياها، وأما حكم الأمانة في حال الهلاك، وأنها مضمونة أو غير مضمونة، أو بعضها مضمون وبعضها الآخر غير مضمون، فنحن لا نعرض له، لأنّا نراه لا يتصل بالآية، ومردّه إلى أدلته في كتب الفقه.\nوَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ.\nإقامة العدل بين الناس أمر تقتضيه طبيعة العمران، وتشهد به بداية العقول، ولا بد للمجتمع الإنساني منه، حتّى يأمن الضعيف سطوة القوي، ويستتبّ الأمن والنظام بين النّاس.\nومن أجل هذا تجد الشرائع السماوية تنادي بوجوب إقامة العدل، قال تعالى في كتابه الحكيم: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: ٩٠] وقال: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى\n[الأنعام: ١٥٢] وقال: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: ٨] وقال: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص: ٢٦] .\nقال النبي ﷺ فيما رواه أنس عنه: «لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت. وإذا استرحمت رحمت» .\nوقد ذمّ الله الظلم والظالمين في آيات كثيرة قال: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات: ٢٢] وقال: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢] وقال في عاقبة الظلم: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل: ٥٢] ومن الظلم الحكم بغير ما أنزل الله.\nوقوله تعالى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ مشعر بأنّه لا بدّ للناسي أن يوجد فيهم من يحكم بينهم. وقد دلت الأدلة على أنّ الحكم لإمام المسلمين، يقضي بين الناس بما يراه موافقا للشرع فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) [النساء: ٦٥] .\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند (٣/ ١٣٥) .","vol":"1","page":301},{"text":"إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي نعم شيء يعظكم، أو نعم الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف، يرجع إلى المأمور به من أداء الأمانات، والحكم بين الناس بالعدل.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا يبصر ما يكون منكم من أداء الأمانات وخيانتها فيحاسبكم عليه، ويسمع ما يكون من حكمكم بين الناس فيجازيكم به.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)\nلمّا أمر الله الولاة بأن يسيروا في حكمهم بين الناس على مقتضى العدل، وكان العدل لا يتحقّق إلا أن يلتزمه الناس، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ إلخ وقد اختلف المفسّرون في المراد بأولي الأمر، فذهب بعضهم إلى أنهم أمراء المسلمين، فيدخل فيهم الخلفاء الراشدون، والملوك والسلاطين، والقضاة وغيرهم، وذهب بعضهم: إلى أنّهم أمراء السرايا، وقال آخرون: إنّهم العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية، ويعلمون الناس دينهم.\nوذهب الروافض إلى أنهم الأئمة المعصومون، بل لقد غلت طائفة منهم وزعمت أن المراد من أولي الأمر علي بن أبي طالب وحده.\nونحن نرى أنه ليس ما يمنع أن يكون الجميع مرادا عدا ما ذهب إليه الخوارج، فالخلفاء واجبو الطاعة، وأمراء السرايا واجبو الطاعة، والعلماء واجبو الطاعة، كل ذلك واجب، ما لم يكن إلمام بمعصية، وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nويرى الفخر الرازي أنّ المراد من أولي الأمر أهل الحل والعقد، ويريد من ذلك أن يستدل بالآية على حجية الإجماع، وهو يدعم رأيه هذا بأنّ الله ذكر ثلاثة، واجبة طاعتهم: الله، ورسوله، وأولو الأمر، والله ورسوله مقطوع بعصمتهم، فوجب أن يكون أولوا الأمر كذلك، ولا نجد من أولي الأمر على ما ذكره المفسرون من هو واجب العصمة إلا أهل الحل والعقد عند اجتماعهم على أمر من الأمور،\n«لن تجتمع أمتي على ضلالة»\nفينبغي أن يكون المراد من أولي الأمر أهل الحل والعقد، ويكون ذلك دليلا على حجية الإجماع.\nوقد ذكر الله الأمر بطاعة الله والأمر بطاعة الرسول وأولي الأمر، ثم أمر برد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول، جعل ذلك محقّقا للإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ووصفه بأنه خير وأحسن مآلا، وذلك يقتضي أن يكون الردّ إلى الله والرسول غير طاعة الله والرسول، وإلا كان ذلك تكرارا محضا، إذ يؤول الكلام إلى أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر، فإن تنازعتم في شيء فأطيعوا الله والرسول وذلك لغو ينزّه القرآن عن","vol":"1","page":302},{"text":"مثله إذ لو اقتصر على قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ لفهم الأمر بالطاعة في كل الأحوال.\nوأيضا فإنّه كيف يتأتّى النزاع في أمر علم حكم الله ورسوله نصا فيه؟ إن ذلك يكون خروجا عما يقضي به الأمر بالطاعة، ومن أجل ذلك قيل: إنه يجب أن يكون الأمر بطاعة الله ورسوله فيما ثبت نصا عنهما أنه حكم الله في كتابه أو سنة رسوله، فأما ما لم ينصّ فيهما على حكمه فهذا الذي يصحّ أن يتنازع الناس في حكمه، لأنهم لا يجدون نصّا يلزمهم طاعته، وبما أنه لا يمكن أن يحوي الكتاب ولا أن تحوي السنة نصوص الأحكام في أشخاص المسائل، إذ أشخاص المسائل لا تتناهى. فجاز أن تكون حوادث لا نجد لها حكما في كتاب ولا سنة، فهذه هي التي قال الله لنا فيها:\nفَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أي فارجعوا فيه إلى ما في الكتاب والسنة من أحكام- حيث يكون الحكم قد ورد من أجل حكمة ناط الشارع بها الحكم، ورتّبه عليها، وحيث تجدون هذه الحكمة فيما جدّ لديكم من الحوادث- تعلموا أنّ هذا الحكم الذي في الكتاب أو السنة مرتبا على هذه العلة هو حكم الله في كتابه أو سنة رسوله فيما جدّ من الحوادث.\nوهذا هو القياس الذي فهمه معاذ ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأقرّه الرسول عليه، حيث\nروي أنه قال: «كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟» .\nقال: «أقضي بكتاب الله» .\nقال: «فإن لم يكن في كتاب الله؟» .\nقال: «أقضي بسنة نبي الله» .\nقال: «فإن لم يكن في كتاب الله وسنة رسول الله؟» .\nقال: «أجتهد رأيي لا آلو» .\nقال: فضرب على صدره وقال: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله» «١» .\nوإذا جرينا على ما رآه الفخر الرازي من تفسير أولي الأمر: بأهل الحل والعقد تكون الآية دالّة على حجية الكتاب والسنة والإجماع والقياس.\nوفي قوله: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ما يشعر بكون المتنازع فيه مما لا نص فيه، وإلا كان واجب الطاعة، غير محل للنزاع كما قدمنا.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ٢٩٥)، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي حديث رقم (٣٥٩٢)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٦١٦)، كتاب الأحكام، باب القاضي حديث رقم (١٣٢٧)، وأحمد في المسند (٥/ ٢٣٠) .","vol":"1","page":303},{"text":"وقد يقال: كيف قال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وطاعة رسوله هي طاعة الله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ؟ [النساء: ٨٠] .\nقيل: ذلك إيماء إلى الكتاب والسنة، فالكتاب إلى الله، والسنة إلى الرسول، وإن كان الكلّ من عند الله.\nفَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ التنازع: الاختلاف مأخوذ من النزع، الذي هو الجذب، لأنّ كلا من المتنازعين يجذب الحجة من صاحبه.\nإِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وعيد من الله لكل من حاد عن طاعة الله ورسوله، والردّ إليهما عند الاختلاف، وهو في معنى قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥] .\nذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا، اسم الإشارة يرجع إلى ما أمروا به من طاعة الله ورسوله، والردّ إليهما عند المنازعة.\nوالتأويل: المآل والعاقبة.\nقد يؤخذ من الآية التي معنا أنّ أدلة الأحكام الشرعية أربعة لا غير، وهي:\nالكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإنّ غيرها لا يصحّ التعويل عليه في إثبات الأحكام، ولا الردّ إليه عند النزاع، لأنّ الأحكام إما منصوصة في كتاب أو سنة، وذلك قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وإما مجمع عليها من أولي الأمر بعد استنادهم إلى دليل علموه، وذلك قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وإما غير منصوص ولا مجمع عليها، وهذه سبيلها الاجتهاد، والرد إلى الله والرسول وذلك هو القياس، فما أثبته الفقهاء والأصوليون غير هذه الأربعة كالاستحسان الذي يراه الحنفية دليلا، وإثبات الأحكام الشرعية تمشيا مع المصالح المرسلة الذي يقول به المالكية، والاستصحاب الذي يقول به الشافعية كلّ ذلك إن كان غير الأربعة فمردود بظاهر هذه الآية، وإن كان راجعا إليها، فقد ثبت أنّ الأدلة أربعة.\nقال الله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)\nتحرير رقبة: التحرير عبارة عن جعل العبد حرا، والحرّ في الأصل الخالص، وإنما سمي به من ليس رقيقا لأنّه خالص مما يكدر إنسانيته.","vol":"1","page":304},{"text":"الدية: قال الواحدي: الدية من الودي كالشية من الوشي، والأصل ودية، فحذفت الواو، يقال ودى فلان فلانا أدى ديته إلى وليه، ثم إنّ الشرع خصّص هذا اللفظ بما يؤدّى في بدل النفس دون ما يؤدّى في بدل المتلفات، ودون ما يؤدّى في بدل الأطراف.\nوقوله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً.\nمعناه: وما كان جائزا لمؤمن قتل مؤمن إلا خطأ، والاستثناء فيه قيل: إنه منقطع بمعنى لكن، كقوله: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً [النساء: ٢٩] وقيل: إنه متصل، وهو مستثنى مما يستلزمه وقوع المنهي عنه من الإثم، كأنّه قيل: لا يقتل المؤمن المؤمن فإنه إثم، إلا الخطأ فلا إثم عليه.\nوقيل: إنّ في الكلام تقديما وتأخيرا، والأصل: وما كان مؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ، كقوله: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ [مريم: ٣٥] وقوله: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [النمل: ٦٠] .\nوإنما حملت هاتان الآيتان على خلاف الظاهر، لأنّ الله لا يحرم عليه شيء، وإنما ينفى عنه ما لا يليق به، ولأنّ الله لم يحرّم عليهم أن ينبتوا شجرها، وإنما ينفي عنهم إمكان أن ينبتوا شجرها، والذي حدا بالقائلين إنه استثناء منقطع إلى القول به أنه لو كان متصلا، وما قبله نفي لجواز القتل، لكان مقتضيا أنّ القتل خطأ جائز.\nوانتصاب خطأ إما على أنه مفعول لأجله، أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ، أو على أنّه صفة لمصدر محذوف، أي قتلا خطأ، أو على أنه حال بتأويله بمخطئ.\nثم لما ذكر الله قتل الخطأ بيّن حكمه فقال: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي فعليه تحرير رقبة، ودية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا بالدية، أي إلا أن يعفوا، وسمي العفو صدقة، لأنه معروف،\nوقال النبي ﷺ: «كلّ معروف صدقة» «١» .\nوسبب نزول هذه الآية ما كان من عيّاش بن أبي ربيعة، أخرج ابن جرير «٢» عن السدي وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً قال: نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة المخزومي، وكان أخا لأبي جهل بن هشام لأمه، وإنه أسلم وهاجر في المهاجرين الأولين قبل قدوم رسول الله ﷺ، فطلبه أبو جهل والحارث بن هشام، ومعهما رجل\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٦٩٧)، ١٢- كتاب الزكاة، ١٦- باب بيان أن اسم الصدقة حديث رقم (٥٢/ ١٠٠٥) .\n(٢) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ١٢٩) .","vol":"1","page":305},{"text":"من بني عامر بن لؤي، فأتوه بالمدينة، وكان عياش أحبّ إخوته إلى أمه، فكلّموه وقالوا: إنّ أمك قد حلفت ألا يظلّها بيت حتى تراك، وهي مضطجعة في الشمس، فإنها لتنظر إليك، ثم أرجع وأعطوه موثقا من الله لا يحجزونه حتى يرجع إلى المدينة، فأعطاه بعض أصحابه بعيرا له نجيبا، وقال: إن خفت منهم شيئا فاقعد على النجيب، فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه، وجلده العامري، فحلف ليقتلن العامريّ، فلم يزل محبوسا بمكة حتى خرج يوم الفتح، فاستقبله العامري، وقد أسلم، ولا يعلم عياش بإسلامه، فضربه فقتله، فأنزل الله وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً يقول: وهو لا يعلم أنه مؤمن وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فيتركوا الدية.\nقد أوجب الله القصاص في القتل في آية البقرة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة: ١٧٨] وأوجب الدية والكفارة في القتل الخطأ في الآية التي معنا، فيعلم أن الذي وجب فيه القصاص هو القتل العمد، لا ما يشمل الخطأ، وقد رأى مالك في بعض الروايات عنه أنّ القتل إما عمد وإما خطأ، ولا ثالث لهما، لأنّه إما أن يقصد القتل فيكون عمدا، أو لا يقصده فيكون خطأ، ولا واسطة، والكتاب يساعده.\nأما سائر فقهاء الأمصار فقد أثبتوا واسطة بين العمد والخطأ، وهو شبه العمد، وإلى ذلك ذهب عمر وعلي وعثمان وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري والمغيرة، ولا مخالف لهم من الصحابة، وحجتهم في إثباته أن النيات مغيّبة عنا، لا اطلاع لنا عليها، وإنما الحكم بما ظهر، فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبا حكمنا بأنه عامد، لأنّ الغالب أنّ من يضرب بآلة تقتل يكون قصده القتل، ومن قصد ضرب رجل بآلة لا تقتل غالبا كان مترددا بين العمد والخطأ، فأطلقنا عليه شبه العمد، وهذا بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى الواقع ونفس الأمر، إذ هو في الواقع إما عمد وإما خطأ، وقد أشبه العمد من جهة قصد الضرب، وقد أشبه الخطأ من جهة أنّ الآلة لا تقتل غالبا.\nوقد استدلوا أيضا بما\nروي أنّ النبي ﷺ قال: ألا إنّ قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا والحجر ديته مغلظة مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها\n، وهو حديث مضطرب عند أهل الحديث «١»، ذكر أبو عمر بن عبد البر «٢» أنه لا يثبت من جهة الإسناد. ومالك ﵀ يرى أنّ ما يسمى شبه عمد هو عمد يجب\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٩٩)، كتاب الديات، باب الدية حديث رقم (٤٥٨٨)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٤٠٩)، كتاب القسامة باب كم دية شبه العمد حديث رقم (٤٨٠٥)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٨٧٧)، كتاب الديات باب شبه العمد حديث رقم (٢٦٢٧) .\n(٢) هو عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي صاحب كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد.","vol":"1","page":306},{"text":"فيه القصاص، وقد روي عنه أيضا أنه يثبت شبه العمد، والذين أثبتوا شبه العمد اختلفوا فيما هو عمد وما هو شبه عمد على أقوال كثيرة، أشهرها ثلاثة:\n١- قال أبو حنيفة: العمد ما كان بالحديد، وكل ما عدا الحديد من القضيب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد.\n٢- قال أبو يوسف ومحمد: شبه العمد ما لا يقتل مثله.\n٣- قال الشافعي: شبه العمد ما كان عمدا في الضرب خطأ في القتل، أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل، فتولّد عنه القتل، والخطأ بما كان خطأ فيهما جميعا، والعمد ما كان عمدا فيهما جميعا.\nوما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀ من جعل كلّ قتل بغير الحديد شبه عمد ضعيف، فإنّ من ضرب رأس إنسان بنحو حجر رحى فقتله، وادعى أنه ليس عامدا كان مكابرا، والمصلحة تقتضي بالقصاص في مثله، لأنّ الله شرع القصاص صونا للأرواح عن الإهدار، ولو كان القتل بالمثقّل لا قصاص فيه لارتكبه الناس، فشفوا نفوسهم بقتل أعدائهم، ونجوا من القصاص.\nوالفقهاء يعتمدون في إثبات العمد وشبهه والخطأ على الآلة التي بها القتل وأشياء أخرى ذكرت في الفروع، وكان مقتضى النظر أن يبحث في ظروف القتل، وما أحاط به من ملابسات، وفي قرائن الأحوال لنعلم نية القاتل: أهو عامد أم مخطئ، إلا أنهم رأوا أنّ نية القاتل لا اطلاع لنا عليها، فاكتفوا بالنظر في الآلة التي كان بها القتل، ونحن نوافق على أنّ نية القاتل لا اطلاع لنا عليها.\nلكن ينبغي أن ننظر نظرا أوسع في جميع الملابسات المحيطة لنعلم نيته، ولعلّه لو قيل بذلك لم يكن بعيدا من الشريعة.\nوقد أوجب الله في القتل الخطأ أمرين: عتق رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله، فأما الرقبة المؤمنة فقد قال ابن عباس والحسن والشعبي فيها: لا تجزئ الرقبة إلا إذا صامت وصلّت. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: يجزئ الصبيّ إذا كان أحد أبويه مسلما.\nحجة الأولين أن الله شرط الإيمان فلا بد من تحققه، والصبيّ لم يتحقق منه.\nوحجة الآخرين: أنّ الله قال وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا فيدخل فيه الصبيّ، فكذلك يدخل في قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ والرقبة قد ذكروا أنها على القاتل، فأما الدية فهي على العاقلة، وقد وردت أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ الدية على العاقلة «١»، والعاقلة قال الحجازيون: هم قرابته من جهة أبيه، وهم عصبته.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٨٧٩)، كتاب الديات، باب الدية على العاقلة حديث رقم (٢٦٣٣) .","vol":"1","page":307},{"text":"وقال الحنفية: العاقلة هم أهل ديوانه.\nوحجة الحجازيين أنه تعاقل الناس في زمن رسول الله ﷺ، وفي زمن أبي بكر، ولم يكن هناك ديوان، وإنما كان الديوان في زمن عمر بن الخطاب، فإن قيل: كيف يجني الجاني وتؤخذ عاقلته بجريرته فيحملون الدية، والله يقول: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤]\nوقال النبي ﷺ: «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه»\nوقال لأبي رمثة وابنه: «إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه» «١» .\nقلنا: إنّ هذا ليس من باب تحميل الرجل وزر غيره، لأنّ الدية على القاتل ابتداء.\nوتحميل العاقلة إياها من باب المعاونة، وكما تعاونه العاقلة فتدي عنه، يعاونها هو فيدي عنها، وكما تتعاون القبيلة في النّصرة، فتدفع بنفسها العدوّ المغير، تتعاون بمالها، فيدي بعضها عن بعض، وقد كان تحمّل العاقلة الدية معروفا عند العرب، وكانوا يعدّونه من مكارم الأخلاق، والنبي ﷺ بعث ليتمّم مكارم الأخلاق، والمعاونة والتناصر وتحمّل المغارم مما يقوّي الألفة، ويزيد في المحبة، وقد ورد من الأحاديث ما يدلّ على أنّ العاقلة تحمل الدية.\nوروى المغيرة أنّ امرأة ضربت بطن امرأة أخرى فألقت جنينا ميتا فقضى رسول الله ﷺ على عاقلة الضاربة بالغرّة، فقام حمل بن مالك فقال: كيف ندي من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك بطل.\nفقال النبي ﷺ: «هذا من سجع الجاهلية» «٢» .\nوقد ورد أنّ عمر ﵁ قضى على عليّ بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعليّ كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير بميراثها «٣» .\nوقد ذهب أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج إلى أن الدية على القاتل لا على العاقلة، اعتمادا على ما ذكرناه من العمومات، وعلى أنّ قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ يقتضي أنّ من يجب عليه هو القاتل، والذي يناسب أن يكون كذلك في الدية، وقد علمت أنّ الآثار مجمعة على أنّ الدية على العاقلة.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٦٥)، كتاب الديات، باب النفس حديث رقم (٤٤٩٥)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٤٢٣)، كتاب القسامة باب هل يؤخذ أحد بجريرة أحد حديث رقم (٤٨٤٧)، والترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٥٥)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٨٧) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٣١١)، ٢٨- كتاب القسامة، ١١- باب دية الجنين حديث رقم (٣٧/ ١٦٨٢) واللفظ عنده «أسجع كسجع الأعراب» .\n(٣) انظر تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير للرافعي، كتاب الديات، (٤/ ١٠٣) .","vol":"1","page":308},{"text":"بقي أن يقال: إذا اختلف النظام الاجتماعي عما كان عليه في زمن العرب، وفقدت عصبية القبيلة بعضهم لبعض، وصار كل امرئ معتمدا على نفسه دون قبيلته، كما في النظام الحاضر، يكون الأوفق الأخذ برأي الأصم والخوارج أم برأي الجمهور؟\nهذا محل اجتهاد، والحكمة في إيجاب الله الدية أن القاتل قد فوّت على أهل القتيل منفعتهم به، ولم يتعمّد قتله حتى يكون القصاص، فأوجب الله الدية مالا يدفع لورثة المقتول عوضا عما فاتهم من منافعه، وتطييبا لخواطرهم، فلا تتطلع نفوسهم للانتقام.\nومقدار دية الخطأ مختلف فيها فأما على أهل الإبل فمائة، منها- وهي مخمّسة- عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكرا، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، عند مالك والشافعي.\nوكذلك عند أبي حنيفة إلا أنه يجعل ابن اللبون ابن مخاض، وهي تؤجّل، تؤخذ نجوما على ثلاث سنين، وأما دية شبه العمد فهي مثلثة: منها أربعون خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة.\nومالك لا يقول بشبه العمد إلا في قتل الوالد لولده.\nوأما دية العمد فما اصطلح عليه عند أبي حنيفة ومالك على المشهور من قوله.\nوأما عند الشافعي فكدية شبه العمد، وأما على أهل الذهب فألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم عند مالك، وعند العراقيين على أهل الورق عشرة آلاف درهم.\nقال الشافعي بمصر: لا تؤخذ من أهل الذهب ولا من أهل الورق إلا قيمة الإبل بالغة ما بلغت، وقوله بالعراق مثل قول مالك.\nويدل للشافعي في قوله الأول ما روي «١» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: كانت الديات على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين.\nقال: فكان ذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبا فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذمة لم يرفع فيها شيئا.\nوقد روى أهل السنن الأربعة «٢» عنه ﷺ: «إن دية المعاهد نصف دية المسلم»\nولفظ\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٨٣)، كتاب الديات، باب الدية كم هي؟ حديث رقم (٤٥٤٢) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٩٧)، كتاب الديات، باب دية الذمي حديث رقم (٤٥٨٣)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ١٨)، كتاب الديات حديث رقم (١٤١٣) .","vol":"1","page":309},{"text":"ابن ماجه «١»: قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى.\nواختلف الفقهاء في ذلك، فقال مالك: ديتهم نصف دية المسلمين في الخطأ والعمد، وقال الشافعي: ثلثها في الخطأ والعمد، وقال أبو حنيفة: بل كدية المسلم في الخطأ والعمد، وحجة مالك حديث عمرو بن شعيب، وحجة الشافعي أنّ عمر جعل ديته أربعة آلاف، وهي ثلث دية المسلم، وراعى أبو حنيفة أصله وهو جريان القصاص بين المسلم والذمي، فكما سوّى بينهما في القصاص سوّى بينهما في الدية.\nوالدية تأخذها ورثة المقتول، وهي كميراث يقضى منها الدين، وتنفّذ منها الوصية، وتقسّم على الورثة.\nروي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فشهد بعض الصحابة أنّ رسول الله ﷺ أمره أن يورّث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك.\nفَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أوجب الله في المؤمن الساكن بدار الحرب إذا قتله مؤمن تحرير رقبة مؤمنة، دون الدية، وإنما حملنا الآية على ذلك، ولم تحملها على المؤمن الذي يتّصل نسبه بقوم عدو، وهو ساكن ببلاد الإسلام، لانعقاد الإجماع على وجوب الدية فيه.\nوَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ جعل الله في قتل المعاهد ما جعله في قتل المسلم من الدية وتحرير الرقبة.\nوحمل بعضهم الآية على المسلم الذي هو في قوم معاهدين، وليس بظاهر، لأنّه يكون تكرارا، إذ حكمه داخل في قوله: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً.\nولا معنى لإفراده، لأنه لم يخالف حكمه بخلاف المؤمن الذي هو في قوم عدو، فإنه أفرده، لأنّ حكمه يخالف الأول.\nفَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا يقول الله: فمن لم يملك رقبة، ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين توبة من الله، أي قبولا ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته، والعامل فيه محذوف. إما (شرع) أو (نقلكم) من العتق عند العجز إلى الصوم.\nوفي التعبير بالتوبة إشارة إلى أنّ القاتل ملوم، وأنه كان ينبغي له أن يتحرّى، وقد أوجب الله في صيامه الشهرين التتابع، فلو أفطر يوما وجب الاستئناف، إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس أو مرض يمتنع معه الصوم.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٨٨٣)، كتاب الديات باب دية الكافر حديث رقم (٢٦٤٤) .","vol":"1","page":310},{"text":"وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا فقد علم أنّ القاتل خطأ لم يتعمّد، فلذلك لم يؤاخذه، وعلم أنه فوّت على ورثة المقتول مصلحتهم بقتله، ففرض الدية تعويضا لهم، وهذا غاية في الحكمة والمصلحة.\nقال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا (٩٣) يقول الله تعالى: ومن يقتل مؤمنا عامدا فجزاؤه على قتله عذاب جهنّم باقيا فيها، وغضب الله عليه لما ارتكبه من هذا الجرم الفظيع، وأخزاه وأعدّ له عذابا عظيما.\nبعد أن ذكر الله حكم من قتل المسلم خطأ، ذكر هنا حكم من قتله عامدا، واقتصر على ذكر عقوبته في الأخرى، لأنّه ذكر عقوبته في الدنيا وهي القصاص في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة: ١٧٨] .\nوقد استدلّ المعتزلة بهذه الآية على القطع بعذاب الفسّاق، وخلودهم في النار، إن لم يتوبوا، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة شتّى. منها أنّ هذه الآية نزلت في كافر قتل مسلما، ويرد عليه أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأيضا قد ثبت في الأصول أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب له يدلّ على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وبذلك علمنا من قوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨] إن السرقة علة القطع.\nومنها أنّ هذا وعيد بأنه سيفعل ذلك في المستقبل، والخلف في الوعيد كرم، وهذا مردود، لأنّ الوعيد قسم من الخبر، فإذا جوّز على الله الخلف فيه، فقد جوّز عليه الكذب، وهو باطل.\nومنها أن هذه الآية دلّت على أن جزاء القاتل هو ما ذكر، وليس فيها ما يدلّ على أنه سيوصل هذا الجزاء إليه، وهذا مثل ما يقول السيد لعبده، جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا، ولكن لا أفعله. وهذا ضعيف أيضا، لأنّ الله ذكر في هذه الآية أنّ جزاءه ما ذكر، وذكر في آيات أخرى أنه سيوصل جزاء عاملي السوء إليهم، قال: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] وقال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة: ٨] .\nواختار الرازي في الجواب أنّ هذه الآية قد خصّصت في موضعين:\nأحدهما: القتل العمد، إذا لم يكن عدوانا، كقتل القصاص.\nوالثاني: القتل الذي تاب عنه القتل وإذا دخلها التخصيص في هاتين المسألتين فنحن نخصّص هذا العموم فيما إذا حصل العفو بدليل قوله تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨] .","vol":"1","page":311},{"text":"وقد ذهب ابن عباس إلى أنّ المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا لا تقبل له توبة.\nأخرج ابن جرير «١» عن سالم قال: كنت جالسا مع ابن عباس، فسأله رجل فقال:\nأرأيت رجلا قتل مؤمنا متعمدا أين منزله؟\nقال: جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعدّ له عذابا عظيما.\nقال: أفرأيت إن هو تاب، وآمن، وعمل صالحا، ثم اهتدى.\nقال: وأنّى له الهدى ثكلته أمّه والذي نفسي بيده\nلسمعته يقول- يعني النبي ﷺ-: «يجيء يوم القيامة معلّقا رأسه بإحدى يديه، إما بيمينه أو بشماله، آخذا صاحبه بيده الأخرى تشخب أوداجه حيال عرش الرحمن، يقول: يا ربّ سل عبدك هذا علام قتلني» «٢»\nفما جاء نبيّ بعد نبيكم، ولا نزل كتاب بعد كتابكم.\nوقال جمهور العلماء: إنّ توبة القاتل تقبل، ويدل له أن الكفر أعظم من هذا القتل، والتوبة عن الكفر تقبل، فالتوبة عن القتل أولى بالقبول.\nوأيضا آيات الفرقان تدل على قبول توبته، وهي قوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا [الفرقان: ٦٨- ٧٠] .\nوأيا ما كان الأمر، فالآية تعدّ قتل المؤمن من الكبائر، وتهدّد القاتل بأنواع من التهديد والعقاب.\nوقد ورد في الأحاديث من التغليظ في قتل المسلم ما هو قريب مما في الآية:\nقال رسول الله ﷺ: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم» «٣» .\nوقال أيضا: «لو أنّ رجلا قتل بالمشرق، وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه» .\nوقال أيضا: «إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه» .\nوقال أيضا: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله» «٤» .\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ١٣٨) . [.....]\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٢٤)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٢٩)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٩٥) في تحريم الدم حديث رقم (٣٩٩٩)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٨٧٤)، كتاب الديات حديث رقم (٢٦٢١) .\n(٣) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ١٠)، كتاب الديات، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن حديث رقم (١٣٩٥)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٩٣) حديث رقم (٣٩٨٧) .\n(٤) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٨٧٤)، كتاب الديات باب التغليظ في قتل مسلم ظلما حديث رقم (٢٦٢٠) .","vol":"1","page":312},{"text":"فعلى من ينشد الحيطة لنفسه في آخرته، ألا يقتل مسلما، ولا يعين على قتل مسلم بشهادة باطلة ونحوها.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) ضَرَبْتُمْ له معان منها السفر، وكأنه سمي به، لأنّ المسافر يضرب دابّته بعصاه ليصرفها كما يريد، ثم سمي به كلّ مسافر، أو لأنه يضرب برجليه الأرض في سيره.\nفَتَبَيَّنُوا وقرئ فتثبتوا وهما من التفعل بمعنى الاستفعال، أي اطلبوا بيان الأمر وثباته، ولا تتعجلوا فيه من غير روية.\nالسَّلامَ وقرئ السلم وهما الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التسليم أي تحية أهل السلام.\nمعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله إذا سرتم سيرا لله تعالى في جهاد الكفار، ورأيتم من تشكّون أهو سلم لكم أم حرب، فاطلبوا بيان أمره، ولا تعجّلوا بقتله، ولا تقولوا لمن استسلم لكم لست مؤمنا، أو لمن أظهر إليكم الإسلام لست مؤمنا، تبتغون متاع الحياة الدنيا، فإنّ عند الله مغانم كثيرة من رزقه ونعمته، فالتمسوها بطاعته، فهي خير لكم.\nكَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أي كهذا الذي كان مستخفيا بالإسلام من قومه- ولما وجدكم أظهر لكم دينه- كنتم من قبل مستخفين بدينكم من كفار قريش، فمنّ الله عليكم بإعزاز دينه، وتقوية شوكة الإسلام، فأظهرتم دينكم، فتبينوا أمر من أشكل عليكم أمره إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ومنه تعجيلكم بقتل من لم يتبيّن لكم شأنه ابتغاء عرض الدنيا الزائل وحطامها الفاني.\nوقال الزمخشري «١»: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالاستقامة، والاشتهار بالإيمان، وإن صرتم أعلاما فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكانة، ولا تقولوا: إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلّما إلى استباحة دمه وماله، وقد حرمهما الله.\n_________\n(١) تفسيره في الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/ ٥٥٣) .","vol":"1","page":313},{"text":"سبب نزول هذه الآية: قد اختلف فيه، ونحن نقتصر هنا\nعلى رواية واحدة «١»: قيل: إنّ مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم، ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول الله ﷺ كان عليها غالب بن فضالة الليثي، فهربوا، وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، وصعد، فلما تلاحقوا وكبّروا، كبر ونزل، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد، واستاق غنمه، فأخبروا رسول الله ﷺ، فوجد وجدا شديدا، وقال: «قتلتموه إرادة ما معه» ثم قرأ الآية على أسامة، فقال: يا رسول الله استغفر لي، فقال: «فكيف بلا إله إلا الله» قال أسامة: فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي، وقال: أعتق رقبة.\nويؤخذ مما تقدم أنّ الكافر إذا قال: لا إله إلا الله، حرم قتله، لأنّه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله.\nوقد قال الفقهاء: إذا قتله في هذه الحالة قتل به، وإنما لم يقتل أسامة لأنّه كان في صدر الإسلام، وتأوّل أنه قالها متعوّذا، وأنّ العاصم قولها مطمئنا.\nوقد ورد الحديث الصحيح «٢» مبينا أنّ قول لا إله إلا الله عاصم كيفما كان،\nقال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» .\nقال الله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)\nالضرب في الأرض: السير فيها- قال الله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ [المزمل: ٢٠] .\nوقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء: ٩٤] .\nالقصر: من الشيء الحدّ منه وجعله أنقص مما كان، وهو بهذا المعنى في الصلاة يحتمل النقص من عددها، ويحتمل النقص من صفتها وهيئتها، فالأول أن تصير الرباعية ثنتين، والثاني التخفيف في هيئتها كأن تكون ذات ركوع وسجود، يمتنع المشيء فيها، فتصير ذات إيماء يباح الانتقال فيها، وكأن يصلي المأموم خلف الإمام الصلاة كاملة فيقتصر على جزء منها مع الإمام، ثم ينتظر حتى يجيء مأموم آخر فيصلي مع الإمام ما بقي من صلاة الإمام ثم ينصرف، ويتم كل من المأمومين صلاته\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٥/ ١٤١) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٥٢)، ١- كتاب الإيمان، ٨- باب الأمر بقتال الناس حديث رقم (٣٣/ ٢١) .","vol":"1","page":314},{"text":"منفردا، كلّ ذلك حطّ من الصلاة، ونقص لها، وتخفيف على فاعلها.\nوقد اختلف العلماء في المراد بالقصر هنا، أهو القصر في عدد ركعات الصلاة أم هو القصر من هيئتها، والقائلون بأنّ القصر نقص عدد الركعات اختلفوا في المراد من الصلاة أهي صلاة المسافر أم هي الصلاة في حال الخوف من العدو، فعلى الأول يكون القصر للصلاة في السفر بالنظر لما كانت عليه في الحضر.\nوذهب ابن عباس وجابر بن عبد الله إلى الثاني، قال ابن عباس: فرض الله صلاة الحضر أربعا وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم، وهذا القول ليس بظاهر، لأنّ القرآن صريح في أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم القوم أنفسهم طائفتين، يصلّي الإمام بطائفة منهما شيئا من الصلاة، ثم تأتي طائفة أخرى لم يصلّوا فيصلون مع الإمام، ونحن متفقون على أنّ المأموم عليه أن يؤدي مثل ما يؤدي الإمام، فما معنى قولهم: إن صلاة الخوف ركعة؟ إن أرادوا أنها ركعة بجماعة مع الإمام بالنظر لكل من الطائفتين فهو مسلم، ولا يثبت لهم ما قالوا من أنّ صلاة الخوف ركعة، وإن قالوا: إن كل طائفة ليس عليها إلا الذي صلت مع الإمام، فهو مخالف لما حكينا من الاتفاق على أن المأموم عليه أن يفعل مثل ما فعل الإمام، وقد دلّت كلّ الأخبار التي رويت في صلاة النبي ﷺ لصلاة الخوف أنها ركعتان، يصلّي بكل طائفة ركعة، وعلى هذا يجب أن يحمل قول ابن عباس وجابر رضي الله تعالى عنهما أن صلاة الخوف ركعة، أنها ركعة لكل طائفة مع الإمام، وتقضي كل منهما ركعة دون الاقتصار على ركعة واحدة.\nوقد استدلّ القائلون بأنّ القصر قصر عدد الركعات بما\nروي عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب: كيف تقصر وقد أمّنا، وقد قال الله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت النبيّ ﷺ فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» «١» .\nوهذا يدلّ على أنّ المراد بالقصر في الآية القصر في عدد الركعات، لأنّ السائل فهم أنّ ذلك لا يكون إلا في الخوف، وقد فعل في الأمن\nفقال النبي ﷺ: «هو صدقة»\nفدلّ على أنّ القصر الذي في الآية من جنس القصر الذي يكون في الأمن، وذلك نقص في الركعات دون الصفة، وأيضا فإنّ القصر أن تقتصر من الشيء على بعضه، والقصر في الصفة تغيير، لا إتيان بالبعض، لأنه جعل الإيماء بدل الركوع\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٤٧٨)، ٦- كتاب المسافرين، ١- باب صلاة المسافرين حديث رقم (٤/ ٦٨٦) .","vol":"1","page":315},{"text":"والسجود مثلا. وأيضا: فإنّ (من) في قوله: مِنَ الصَّلاةِ للتبعيض، وذلك في الاقتصار على بعض الركعات أظهر.\nوأما دليل الذين قالوا: إنّ المراد بقصر الصلاة في الآية قصر الصفة والهيئة دون نقصان أعداد الركعات فهو أنّ الآية في صلاة السفر. أليس الله يقول: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الفطر والأضحى ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم ﵊» «١» فقد أخبر أنّ صلاة السفر سواء أكانت صلاة أمن أم خوف تمام غير قصر.\nفإذا معنى القصر في الآية قصر الصفة لا قصر عدد الركعات، وهم يحملون قول عمر: «عجبت مما عجبت منه» على أنه لعله كان قد ظن في بادئ الأمر أنّ القصر في صلاة الخوف قصر عدد الركعات، فلما سمع\nمن النبي ﷺ: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر»\nعلم أن القصر في الآية إنما هو في الصفة.\nوقد اختلف الفقهاء في أنّ فرض المسافر في الظهر والعصر والعشاء أهو ثنتان، أم هو مخيّر بين القصر والإتمام، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: فرض المسافر ركعتان إلا في المغرب، فإنها ثلاث: فإن صلّى المسافر أربعا ولم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته، وإن قعد بعدهما مقدار التشهد تمت صلاته مع الكراهية، لتركه السلام، بمنزلة من صلّى الفجر أربعا بتسليمة، وقال حماد بن سليمان: إذا صلّى أربعا أعاد.\nوقال مالك: إذا صلّى المسافر أربعا أعاد ما دام في الوقت، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه.\nوقال الشافعي ﵁: القصر رخصة، فإن شاء قصر وإن شاء أتمّ. احتجّ الشافعي ﵀ بأن ظاهر الآية نفي الجناح عنهم في القصر، وهذا اللفظ مشعر بأنّه رفع عنهم لزوم الإتمام من غير إلزام لهم بالقصر. وأيضا فقد روي عن عائشة أنها قالت: «قصر رسول الله وأتمّ» .\nوكان عثمان ﵁ يتم ويقصر ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وأيضا فقد جرى الشرع في رخص السفر على التخيير كالصوم والفطر فالقصر كذلك.\nواحتجّ الحنفية بما روي عن عمر أنه قال: صلاة السفر تمام غير قصر على لسان نبيكم، وبأن النبي ﷺ التزم القصر في أسفاره كلها\nفقد روي عن ابن عباس رضي الله\n_________\n(١) رواه النسائي في السنن (٣- ٤/ ٢٠٣)، كتاب صلاة العيدين، باب عدد صلاة العيدين حديث رقم (١٥٦٥)، وأحمد في المسند (١/ ٣٧) .","vol":"1","page":316},{"text":"عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسافرا صلّى ركعتين حتى يرجع «١» .\nوروي عن عمران بن حصين حججت مع النبي ﷺ فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وقال لأهل مكة: «صلوا أربعا فإنّا قوم سفر» «٢» .\nوقال ابن عمر: صحبت رسول الله ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين،\nوصحبت أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ في السفر، فلم يزيدوا على ركعتين، حتى قبضهم الله «٣»، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] وقال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨]\nوقال النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» «٤»\nوقد كانت صلاته في السفر ركعتين فوجب اتباعه، وذلك لأننا متفقون على أن لفظ الصلاة في القرآن مجمل يلتحق به البيان، والبيان فعل الرّسول أو قوله، وهذا فعله، وهذا قوله.\nوأيضا لو كان مراد الله التخيير بين القصر والإتمام لبيّن ذلك كما بينه في الصوم، وأما ما ورد عن عثمان فقد اعتذر عنه بأنه قد تأهّل، فإنّه حين أتم بمنى أنكر عليه الصحابة، قال: إنما أتممت لأني تأهلت بهذا البلد،\nوقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تأهّل ببلد فهو من أهله» «٥» .\nوقد قالت عائشة فيما روي عنها: أول ما فرضت الصلاة وأتمّ فيحمله الحنفية على قصر الفعل، وإتمام الحكم جمعا بين الروايات. وأما ظاهر قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فهم يتأوّلون القصر على قصر الصفة.\nوقد ذكر صاحب «الكشاف» «٦» وجها آخر في قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فقال: إنهم لما ألفوا الإتمام فربما خطر ببالهم أنهم نقصوا في قصر الصلاة، فنفي الجناح من أجل ذلك.\nوظاهر تعليق القصر على الضرب في الأرض يدلّ على القصر في مطلق السفر، سواء في ذلك السفر للحج والجهاد والتجارة وغيرها، وأيضا قوله: «صلاة السفر ركعتان» يدل على ذلك.\n_________\n(١) رواه الجصاص في أحكام القرآن (٢/ ٢٥٤) .\n(٢) المرجع نفسه (٢/ ٢٥٤) .\n(٣) رواه الجصاص في أحكام القرآن (٢/ ٢٥٤) .\n(٤) رواه البخاري في الصحيح (١/ ١٧٥)، ١٠- كتاب الأذان، ١٨- باب الأذان للمسافر حديث رقم (٦٣١) .\n(٥) رواه أحمد في المسند (١/ ٦٢) .\n(٦) الإمام الزمخشري في كتابه الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/ ٥٥٨) . [.....]","vol":"1","page":317},{"text":"وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: «لا تقصر إلا في حج أو جهاد» .\nوعن عطاء قال: لا أرى أن يقصر الصلاة إلا من كان في سبيل الله.\nلكن هذا مخالف لظاهر الآية، ولا تمسك لهم بما روي أن النبيّ ﷺ لم يقصر إلا في حج أو جهاد، فإنما ذلك لأنّه لم يسافر إلا في حج أو جهاد.\nوقد تمسك داود الظاهري بهذا الظاهر، وقال: إن قليل السفر وكثيره سواء في جواز القصر، فالمدار في تحقيق القصر عندهم على تحقق شرطه، وهو الضرب في الأرض.\nوأما الجمهور فقد قالوا: إنّ الضرب في الأرض حقيقته الانتقال من مكان إلى مكان. وظاهر أنّ مجرد الانتقال من مكان إلى مكان لا يكون سببا في الرخصة، فلا بدّ أن يكون الضرب المرخّص ضربا مخصوصا، ولما كان ذلك لا يعرف إلا ببيان السنة لمقدار الانتقال المرخّص، ولم يرد في بيان السنة ترخيص في القصر في أقل من سفر يوم، وذلك أنه حصل في المسألة روايات:\n١- روي عن عمر ﵁ أنه قال: يقصر في يوم تامّ، وبه قال الزهري والأوزاعي.\n٢- قال ابن عباس: إذا زاد على يوم وليلة قصر.\n٣- قال أنس بن مالك: المعتبر خمسة فراسخ.\n٤- قال الحسن: مسيرة ليلتين.\n٥- قال الشعبيّ والنخعيّ وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن، وهي مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وعنهم: يومان وأكثر الثالث.\n٦- قال مالك والشافعي: أربعة برد، كل بريد أربعة فراسخ.\nفهذه الأقوال على ما بينها من الاختلاف تدلّ على إجماعهم على أنّ السفر المرخّص مقدّر بقدر مخصوص هو الذي فيه الاختلاف.\nوقد عول الحنفية في مذهبهم على\nقوله ﵊: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام «١»، وعلى ما ورد في منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم»\nفدلّ هذا على أنّ ما دون الثلاث ليس سفرا، بل هو في حكم الإقامة، حيث جعل الثلاث فاصلا بين الخروج دون محرم وعدمه.\nوأما الشافعية فإنهم عوّلوا في مذهبهم على ما\nروي عن مجاهد وعطاء عن ابن\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٢٣٢)، ٢- كتاب الطهارة، ٢٤- باب التوقيت في المسح حديث رقم (٨٥/ ٢٧٦) .","vol":"1","page":318},{"text":"عباس أن النبيّ ﷺ قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان» .\nوقد تقدم الكلام على أدلة الحنفية والشافعية في الصوم، إنما الذي يعنينا الآن هو ما ذهب إليه الظاهرية، فنحن نقول لهم: إن الآية مجملة، وقد أجمع السلف على أن السفر مقدّر، وقد بينت السنة أنه مقدر على خلاف في الروايات مرجعه إلى الترجيح، فهو عند الترجيح يثبت أحد الأقوال في التقدير، وهو خلاف ما يدّعون.\nوقد زعم الظاهرية أيضا أنّ القصر في السفر إنما يكون عند الخوف تمسكا بالشرط في قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إذ هو يفيد أن القصر إنما يحصل عند الخوف، فما لم يكن خوف لم يكن قصر، ولكنّا نقول: إنّ الآية لا تدل على أكثر من أنه عند الخوف يصح القصر، أما في حال عدم الخوف فهل يصح أم لا؟ ذلك ما لم تعرض له الآية، بل هي ساكتة عنه، وهذا السكوت عنه قد بينته السنة، وفائدة التقييد بالخوف في الآية بيان حال السفر الذي كانوا عليه وقتئذ إذ غالب أسفارهم إنما كان في حرب العدو، على أنّ لنا أن نقول إنّ القصر الذي في الآية هو قصر صفة في إحدى صلوات السفر، وهي الصّلاة في حال الخوف.\nثم ماذا يقول الظاهرية في قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا هل يقولون: السفر المرخّص إنما يكون في حال الخوف من الكفار فقط وأما من العدو مطلقا فلا، ما نظنهم يقولون بالتزامه، إذ المعقول أن الذي يصلح أن يكون علة هو خوف الفتنة مطلقا، وحيث كان الأمر كذلك فهم محجوجون بما احتجوا به.\nإِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي إن خفتم أن يتخذ أعداؤكم اشتغالكم بالصلاة وطولها فرصة لتغلّبهم عليكم فتفتنون وتغلبون. فلا تمكنوهم من هذا، بل اقصروا من الصلاة، ويصحّ أن يكون المراد إن خفتم أن يفتنكم الكافرون في حال الركوع والسجود حيث لا ترون حركاتهم فصلوا راجلين أو راكبين آمنين.\nوالفتنة: الشدة والمحنة والبلية.\nإِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا فهم يتربّصون بكم الدوائر ليوقعوا بكم، وتتمّ لهم الغلبة عليكم، وقد سهلت لكم الطريق في قتالهم، فلا تدعوا لهم فرصة لينفذوا منها إلى غرضهم، ولو كانت تلك الفرصة هي الصلاة التي لا تترك بحال، فقد جعلت لكم أن تقصروا منها.\nقال الله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ","vol":"1","page":319},{"text":"مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٠٢)\nهذا شروع في بيان كيفية صلاة الخوف.\nوقبل الكلام على معنى الآية نقول: قد ذهب الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة في إحدى الروايات عنه والحسن بن زياد إلى أنّ ما اشتملت عليه الآية من الأحكام كان خاصا بوجود النبيّ ﷺ في الجيش أخذا من ظاهر قوله: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ ثم هو يقول: إن هذا الحكم في حال وجود النبي ﷺ كان معقول المعنى، مراعاة لوجوب التسوية بين أفراد الجيش في إحراز فضيلة الصلاة مع النبيّ ﷺ، ولذلك اغتفر لهم في الصلاة ما لم يغتفر في غيرها من الصلوات، من إباحة المشي، والسير مع الإمام، ثم مفارقته قبل تمام الصلاة معه، وحمل السلاح إلى غير ذلك. وأما بعد زمن النبيّ فلا داعي إلى أعمال من شأنها أن تفسد الصلاة في غير ضرورة، إذ من الممكن أن تتعدد الأئمة في الجيش، فيصلّي بكل فرقة إمام في أوقات مختلفة، مع بقاء العدة والحذر من العدو، وبعد رسول الله ﷺ لا يفضل إمام إماما، وفي الإمكان اختيار أئمة على سواء، فالضرورة التي كانت في إحراز فضل الصلاة مع الرسول ﷺ قد زالت، فلا حاجة إلى صلاة الخوف بكيفية من كيفياتها التي وردت وذهب إليها الفقهاء.\nولكنّ جمهور الفقهاء على خلاف هذا، وأن صلاة الخوف لا تزال مشروعة، وهم مختلفون فيما بينهم على الكيفية التي تصلّى بها صلاة الخوف، وقد تقرّر عندهم أن خطاب النبيّ ﷺ خطاب لأمته: فلا مستمسك لأبي يوسف بالخطاب.\nوأما الشرط (إذا) فهو لا يدل على أكثر من ترتب وجود قسمة المصلين طائفتين على وجوده فيهم، ولكن لا دلالة على أنه إذا عدم الوجود فيهم انعدمت هذه القسمة.\nبعد هذا نقول: إنه ورد أنّ النبيّ ﷺ قد صلّى صلاة الخوف على هيئات مختلفة، في مواضع مختلفة، وقد يكون صلاها في كلّ مرة على هيئة تخالف ما صلاها عليه في المرات الأخرى، وقد اتخذ الفقهاء من هذه الروايات على هذه الأوضاع المختلفة أدلة على مذاهبهم المختلفة وقد يكون في مخالفة النبي ﷺ بين الأوضاع وفي الأماكن المختلفة: ما يصح أن يكون دليلا على أن الأمر فيها متروك لإمام الجيش، يصلّي بالناس حسبما تقضي المصلحة الحربية، وقد قال هذا أو ما يقرب من هذا كلّ من أبي بكر الرازي وابن جرير الطبري «١» .\n_________\n(١) رواه أبو بكر الرازي في كتابه أحكام القرآن (٢/ ٢٥٨)، وابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ١٦٥) .","vol":"1","page":320},{"text":"ولنذكر أقوال الفقهاء في كيفية صلاة الخوف مع ما يوافق كلّ قول منها من الروايات التي رويت عن رسول الله ﷺ فيها بحسب الاستطاعة فنقول:\n١- ذهب أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يقسم الإمام القوم طائفتين، تقوم طائفة مع الإمام، وطائفة إزاء العدو، فيصلّي بهم ركعة وسجدتين، ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم، ثم تأتي الطائفة الأخرى التي بإزاء العدو، فيصلّي بهم الإمام ركعة وسجدتين، ويسلّم هو، وينصرفون إلى أصحابهم، ثم تأتي الطائفة التي بإزاء العدو، وتقضي ركعة بغير قراءة وتتشهد، وتسلم، وتذهب إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيقضون ركعة بقراءة.\nفقد جاء في السنة ما يدل على أن النبيّ ﷺ صلاها على هذا الوجه.\nروى الزهري عن سالم عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ صلّى بإحدى الطائفتين ركعة: والطائفة الأخرى مواجهة للعدو، ثم انصرفوا، وقاموا في مقام أولئك. وجاء أولئك، فصلّى بهم ركعة أخرى، ثم سلّم، ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم، وهؤلاء فقضوا ركعتهم «١» .\nوروي مثله عن نافع وابن عمر وابن عباس.\n٢- وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: إذا كان العدو بينهم وبين القبلة جعل الناس طائفتين، فيكبر ويكبرون جميعا، ويركع ويركعون جميعا معه، ويسجد الإمام والصف الأول، ويقوم الصف الآخر في وجه العدو، فإذا قاموا من السجود سجد الصف الآخر، فإذا فرغوا من سجودهم قاموا وتقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، فيصلّي بهم الإمام الركعة الأخرى كذلك.\nوإذا كان العدو في دبر القبلة قام الإمام ومعه صفّ مستقبل القبلة، والصف الآخر يستقبل العدوّ، فيكبر ويكبرون جميعا، ويركع ويركعون جميعا، ثم يسجد الصف الذي مع الإمام سجدتين، ثم ينقلبون فيكونون مستقبلي العدو، ثم يجيء الآخرون، فيسجدون، ويصلّي بهم الإمام الركعة الثانية، فيركعون جميعا، ويسجد الصف الذي معه، ثم ينقلبون إلى وجه العدو، ويجيء الآخرون، فيسجدون معه، ويفرغون، ثم يسلم الإمام وهم جميعا.\nوعن أبي يوسف ﵀ روايتان غير التي ذكرناها في مفتتح الكلام إحداهما يوافق فيها أبا حنيفة، والأخرى يوافق فيها ابن أبي ليلى إذا كان العدو في القبلة، ويوافق فيها أبا حنيفة إذا كان العدو دبر القبلة.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٦٤)، ٦٤- كتاب المغازي، ٣٢- باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم (٤١٣٣)، ومسلم في الصحيح (١/ ٥٧٤)، ٦- كتاب صلاة المسافرين ٥٧- باب صلاة الخوف حديث رقم (٣٠٥/ ٨٣٩) .","vol":"1","page":321},{"text":"وقد روي في السنة ما يوافق قول ابن أبي ليلى.\nروى عكرمة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ في غزاة فلقي المشركين بعسفان، فلما صلّى الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه، قال بعضهم لبعض يومئذ: كان فرصة لكم، لو أغرتم عليه ما علموا بكم حتى تواقعوهم، قال قائل منهم: فإنّ لهم صلاة أخرى أحبّ إليهم من أهلهم وأموالهم، فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها، فأنزل الله ﷿: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ الآية، وأعلمه ما ائتمر به المشركون. فلما صلّى رسول الله ﷺ العصر، وكانوا قبالته في القبلة، فجعل المسلمين خلفه صفين، فكبر رسول الله ﷺ فكبروا جميعا، ثم ركع وركعوا معه جميعا، فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه، وقام الصف الذين خلفهم مقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله ﷺ من سجوده، وقام، سجد الصف الثاني، ثم قاموا وتأخر الذين يلون رسول الله ﷺ وتقدم الآخرون، فكانوا يلون رسول الله ﷺ فلما ركع ركعوا معه جميعا، ثم رفع فرفعوا معه، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو، فلما فرغ رسول الله ﷺ من سجوده، وقعد الذين يلونه، سجد الصف المؤخّر، ثم قعدوا فتشهدوا مع رسول الله ﷺ جميعا فلما سلّم سلّم عليهم جميعا، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعض ينظر إليهم قالوا: قد أخبروا بما أردنا.\n٣- وقال مالك ﵁: يتقدم الإمام بطائفة، وطائفة بإزاء العدوّ، فيصلّي بالتي معه ركعة وسجدتين، ويقوم قائما، وتتمّ الطائفة التي معه لأنفسها ركعة أخرى، ثم يتشهدون، ويسلّمون، ثم يذهبون إلى مكان الطائفة التي لم تصلّ، فيقومون مكانهم، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلّي بهم ركعة وسجدتين، ثم يتشهدون، ويسلّم، ويقومون، فيتمّون لأنفسهم الركعة التي بقيت.\n٤- وقال الشافعي ﵁ مثل قول مالك إلا أنه قال: لا يسلّم الإمام حتى تتمّ الطائفة الثانية لأنفسها، ثم يسلّم معهم، قال ابن القاسم: وكان مالك يقول بهذا لحديث رومان، ثم رجع عنه إلى حديث القاسم، وفيه أنّ الإمام يسلّم، ثم تقوم الطائفة الثانية فيقضون.\nأما حديث رومان الذي أشرنا إليه فهو ما روى يزيد عن رومان عن صالح بن خوّات مرسلا عن النبي ﷺ «١»، وذكر فيه أنّ الطائفة الأولى صلت الركعة الثانية قبل أن يصليها النبيّ ﷺ.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٦٢)، ٦٤- كتاب المغازي، ٣٢- باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم (٤١٢٩)، ومسلم في الصحيح (١/ ٥٧٥)، ٦- كتاب صلاة المسافرين، ٥٧- باب صلاة الخوف حديث رقم (٣١٠/ ٨٤٢) .","vol":"1","page":322},{"text":"وأما\nحديث القاسم فهو ما روى ابنه عنه عن صالح بن خوّات عن سهل بن أبي حثمة أنّ رسول الله ﷺ صلّى بهم صلاة الخوف فصفّ صفّا خلفه، وصف مصافّ العدو، فصلّى بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء، وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة، ثم قاموا فقضوا ركعة ركعة، وقد كان ذلك في غزوة ذات الرقاع.\nوقد رويت روايات أخرى بغير هذه الأوضاع لا نطيل بذكرها. فأنت ترى الروايات عن الرسول ﷺ مختلفة، ولعلّ السبب في الاختلاف ما أشرنا إليه سابقا.\nوالآية التي نحن بصددها يمكن إرجاعها إلى هذه الروايات على تفاوت بينها، وسترى شيئا من ذلك.\nوَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ أي إذا كنت أيها النبيّ مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم، فأقمت لهم الصلاة، فاجعلهم طائفتين، تقوم طائفة منهم معك في الصلاة، وظاهر هذا يخالف مذهب ابن أبي ليلى، لأنّ نص الآية مشعر بأنّ قيام طائفة منهم معه يكون حال قيامه هو في الصلاة، بأن تفتتح الصلاة بعد افتتاحه، ومن مقتضى قوله: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ أنّ الطائفة الأخرى لا تقوم معه، وابن أبي ليلى يقول: يكبرون جميعا، ويركعون جميعا، ثم تنفرد طائفة منهم بالسجود معه.\nوَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فاعل الأخذ إما المصلون، وإما غيرهم، فإن كان ضمير الفاعل للمصلين فإنّ المراد من السلاح المأخوذ حينئذ ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، والأمر بأخذ ذلك حينئذ للاحتياط ودفع الطوارئ، وأما إن كان ضمير الفاعل لغير المصلين، فالأمر بالأخذ لأنهم الذين يكونون في قبالة العدو.\nفَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ أي إذا سجد المصلون مع الإمام فليكن غير المصلين من ورائهم، يدفعون عنهم العدوّ إذا أراد الإيقاع بهم، وربما تعلّق بهذا ابن أبي ليلى حيث ترتّب الأمر بالكون من ورائهم على السجود، فدلّ ذلك على أنه قبل السجود لا يطلب منهم أن يكونوا من ورائهم، وما ذلك إلا لأنهم مشتركون معهم في الصلاة، ولكننا نقول: إن ذلك غير لازم، إذ كثيرا ما تسمّى الصلاة سجودا، أو نقول: خصّ الأمر بالكون من ورائهم بحال السجود تنبيها على وجوب اليقظة والاحتراس في هذه الحال، لأنّها التي يظنّ العدوّ فيها انشغالهم بالصلاة، وربما كانت مباغتة لهم فيها.\nوَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ هذا ظاهر أيضا في أنّ الطائفة الثانية لم تكن مع الأولى، بدليل أنه أمرها بالإتيان، وعلى مذهب ابن أبي ليلى لا يكون إتيان، بل تأخّر من التي سجدت مع الإمام أولا، وليس في هذا اللفظ دليل على أنّ الطائفة الأولى تقضي في مكانها قبل مبارحته، أو على أنها تذهب قبالة العدو قبل","vol":"1","page":323},{"text":"القضاء، ولا على أنّ الطائفة الثانية تقضي في مكانها، بل اللفظ صالح للجميع، وليس فيه دليل أيضا على أنّ الإمام يسلّم بمجرد انتهائه من الركعة الثانية، ولا أنه ينتظر حتى تفرغ الثانية من قضاء ما فاتها.\nوإنما يطلب ذلك من السنة، وأنت تعلم أنّ السنة قد جاءت بالجميع.\nوَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ هذا أمر للجميع بعد انتهاء الصلاة، وضم هذا الأمر بأخذ الحذر وهو التيقظ إلى الأمر بأخذ السلاح فقط عقب الركعة الأولى، لأنّ العدو في أول الصلاة لا يقوى عنده باعث المباغتة، لأنهم كانوا قياما في أولها، وإنما يقوى عنده ذلك في آخرها حين يتكرر منهم السجود، فمن أجل ذلك أمر في الأول بأخذ الأسلحة فقط، وهنا بأخذها وأخذ الحذر.\nوَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً.\nأي أنّ أعداءكم يتربّصون بكم الدوائر، ويتحيّنون لقتالكم الفرصة، ويودون لو تمكنوا منكم، فتغفلون عن عدتكم وما تقاتلونهم به، فتكون حربهم إياكم وغلبتهم عليكم سهلة ميسورة، ولن يمنعكم منهم إلا الحذر والرباط وإعداد العدة، فاحذروهم، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ أي أنّه لا يمنعكم من عدوكم إلا الاستعداد له، فإن تعذّر عليكم حمل الميرة والسلاح للمطر أو المرض أو غير ذلك من الأعذار، فليس عليكم إثم في أن تضعوا أسلحتكم التي حالت الضرورة بينكم وبين حملها، ولكن يجب أن تكونوا على حذر وتيقظ من مباغتة العدو ومفاجأته، فبثوا له العيون والأرصاد، واتخذوا من فنون الدفاع في الحرب وأساليبه ما لا يجعل عدوكم على علم بما أنتم عليه من ضرورة حتى لا يفاجئكم، فتتم الهزيمة عليكم.\nإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا إنما عقّب الله تعالى الأمر بأخذ الحذر والسلاح بهذا الوعيد، لأنّ الأمر قد يتوهّم منه أنّ العدو شديد، وذلك قد يعقب وهما في النفوس، فإزالة لهذا الوهم قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا إذا كان ذلك خبرا منه تعالى بأنه مهينهم وخاذلهم وغير ناصرهم البتة، ليعلم المؤمنون أنّ الأمر بالحذر منهم، إنما هو لما جرت به سنة الله من إتباع المسببات الأسباب حتى لا يتهاونوا ويتركوا الأسباب جانبا.\nوقد اختلف الفقهاء في كيفية صلاة الخوف في المغرب، فقال الحنفية ومالك والحسن بن صالح والأوزاعي والشافعية: يصلّي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعة، غير أن المالكية والشافعية يقولون: إنّ الإمام ينتظر قائما حتى تتمّ الطائفة","vol":"1","page":324},{"text":"الأولى لنفسها، وتجيء الثانية على ما بينهما من خلاف في سلام الإمام.\nواختلفوا أيضا في الصلاة حال اشتباك القتال أتجوز أم لا؟ فقال الحنفية: لا صلاة حال اشتباك القتال، فإن قاتل فيها فسدت صلاته. وقال مالك: يصلي بالإيماء إذا لم يقدر على الركوع والسجود. وقال الشافعي: لا بأس أن يضرب الضربة، ويطعن الطعنة، فإن تابع الضرب والطعن فسدت صلاته، والأدلة تلتمس في غير الآية.\nقال الله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) يقول الله تعالى: فإذا فرغتم أيها المؤمنون من صلاتكم التي بينا لكم كيفيتها، فاذكروا الله قياما وقعودا ومضطجعين على جنوبكم، واذكروه معظمين خاشعين، سائليه النصر والظفر، فإنه الذي بيده النصر، وهو القادر على كل شيء، ومثل هذا في المعنى قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا.\nوقد طلب الله تعالى من عباده أن يذكروه دائما، والذكر أداة الفلاح، إذ هو وسيلة الخشية، ومتى وجدت الخشية وجدت الطاعة، واجتنبت المعصية، وذلك هو الفوز والسعادة.\nروى ابن جرير «١» عن ابن عباس في قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا أنه كان يقول: لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها جزاء معلوما، ثم عذر أهلها في حال غير الذكر، فإنّ الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه. ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال.\nوقيل: إنّ معنى الآية: إن أردتم أداء الصلاة، واشتد الخوف إذا اشتبكتم في القتال، فصلوا كيفما كان. وهذا يوافق ما ذهب إليه الشافعيّ، ﵁ من وجوب الصلاة حال المحاربة، وعدم جواز تأخيرها عن الوقت، وأنت ترى أنّ ذلك بعيد من لفظ قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ.\nفَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ أي أقمتم، وهو مقابل لقوله: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ سميت الإقامة طمأنينة لما فيها من السكون والاستقرار، ويصح أن يكون المراد فإذا أمنتم وزال عنكم الخوف الذي ترتب عليه قصر صفة الصلاة وهيئتها.\nفَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أدوها على وجهها الذي كانت عليه قبل هذا، وأتموها، وعدّلوا أركانها، وراعوا شروطها، وحافظوا على حدودها.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٥/ ١٦٦) .","vol":"1","page":325},{"text":"وقيل: إنّ معنى ذلك فإذا اطمأننتم، وأمنتم في الجملة: فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي حال القلق والانزعاج، ونسب ذلك إلى الإمام الشافعي قال صاحب «روح المعاني»: وليست هذه النسبة صحيحة.\nإِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا فرضا محدودا بأوقات لا تجوز مجاوزتها، بل لا بد من أدائها في أوقاتها سفرا وحضرا، وقيل: المعنى كانت عليهم أمرا مفروضا مقدّرا في الحضر بأربع ركعات، وفي السفر بركعتين، فلا بدّ أن تؤدّى في كلّ وقت حسبما قدّر فيه، وقد ورد القرآن هكذا في توقيتها مجملا، ومرجع البيان فيه إلى السنة، فما ذكرت السنة أنه وقت وحد للصلاة وجب اتباعه.\nقال الله تعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤) بعد أن بيّن الله تعالى ما يجب أن يكون عليه المؤمنون في قتال عدوهم من أخذ الحذر أثناء الصلاة عاد إلى بعث المؤمنين على نحو آخر من المذهب الكلامي، وسوق الدعوى يحدوها الدليل.\nوَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ لا تضعفوا في قتالهم، ولا تتواكلوا، ولا يمنعكم منه ما يظن أن يصيبكم في قتال أعدائكم من ألم القتل والجرح، فإنّ ذلك أمر مشترك من شأنه أن يقع بكم، ويقع بأعدائكم ما دام لم ينثن أعداؤكم عن قتالكم، فما بالكم تخافونه دونهم.\nوَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ بل إنّ أعداءكم إذا جاز لهم أن يخافوا فهم حقيقون بأن يخافوا، فإنّهم لا حجة لهم في الإقدام على أمر هو مظنة هلاكهم، فإنّهم على الباطل، والباطل مهما مدّ الله له في الأجل فهو في النهاية مدفوع. بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، ولم يعدهم الله بالنصر كما وعدكم، ولا ثمرة تعود عليهم من قتالهم هذا، فإنهم وإن تمّت لهم الغلبة أمامهم جهنم مفتحة الأبواب، عميقة الغور، أعدت للكافرين المعاندين لكم، وقد وعدكم نصره، وضمن لكم الجنة، وأنتم الفائزون في الحالين، وأنتم بما تعبدون الله وتوحدونه لا تشركون به شيئا، تطمعون في نصره ورحمته، وهم بما يعبدون من الأصنام، وما هم عليه من العناد: ليس عندهم مثل هذا الطمع، أليس يكفي هذا وحده باعثا لكم على القتال دونهم؟\nوَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا لا يكلفكم شيئا إلا ما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم على مقتضى علمه وحكمته.","vol":"1","page":326},{"text":"قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)\nروي في أسباب نزول الآية أخبار كثيرة، كلها متفقة على أنها نزلت في شأن رجل يقال له طعمة بن أبيرق، على خلاف فيما وقع منه، قال الفخر الرازي: إنّ طعمة سرق درعا، فلما طلبت الدرع منه رمى واحدا من اليهود بسرقتها، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهودي جاء قوم طعمة إلى النبي ﷺ، وطلبوا منه أن يعينهم على مقصودهم، وأن يلحق الخيانة باليهودي، فهمّ الرسول ﷺ بذلك فنزلت الآية «١»\n. وقيل: إنّ واحدا وضع عند طعمة درعا على سبيل الوديعة، ولم يكن هناك شاهد، فلما طلبها منه جحدها، وقيل: إنّ المودع لما طلب الوديعة زعم طعمة أن اليهودي سرق الدرع.\nوقد قال العلماء: إنّ ذلك يدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين، وإلا لما طلبوا من الرسول ﷺ أن يلحق السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان، انظر إلى قوله تعالى في الآيات التي بعد هذه وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ.\nوقد روي أن طعمة هرب بعد الحادثة إلى مكة وارتد، وسقط عليه حائط كان يثقبه للسرقة فمات.\nلِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ أي بما أعلمك الله في كتابه، وأنزله إليك بوحيه، ويصح أن يكون المراد بما جعله الله رأيا لك، إما من طريق الوحي، أو الاجتهاد، وليس يلزم من تأويل الآية على العلم بطلان القياس، لأنّك قد عرفت أنّ القياس راجع إلى الكتاب والسنة، والعلم به عمل بأمر الله، وقد اختلف العلماء في أن النبي ﷺ له أن يجتهد، أو ليس له ذلك، والمسألة لها موضع غير هذا في الأصول يجمع أدلة الطرفين.\nغير أن الذي يلزم التنبيه إليه أن الذي يقول: إنه يجوز له الاجتهاد يقول: إنه يجوز عليه الخطأ، لكنّه لا يقرّ على الخطأ، ويستشهد بمثل الحادثة التي نحن بصددها، فإنه قد بيّن له الحكم، وبمثل ما حدث في أسارى بدر.\nوَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا الخائنون هو طعمة وقومه ومن يعنيه أمره منهم، واللام للتعليل، أي لا تكن لأجل الخائنين مخاصما لما يستعدونك عليه، وقيل: إنّ اللام بمعنى عن أي لا تكن مخاصما ومدافعا عنهم ضد البراءة وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٢٨)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٣٦)، وابن جرير (٥/ ١٧٠) .","vol":"1","page":327},{"text":"هممت به في أمر طعمة وبراءته التي لم تتثبّت في شأنها، والأمر بالاستغفار في هذا وما ماثله لا يقدح في عصمة الأنبياء، لأنه لم يكن منه إلا الهم، والهم لا يوصف بأنه ذنب فضلا عن المعصية، بل إنّ ذلك من قبيل إن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وما أمره بالاستغفار إلا لزيادة الثواب، وإرشاده وإرشاد أمته إلى وجوب التثبت في القضاء، وقيل: إن المراد استغفر لأولئك الذين زعموا عندك براءة الخائن.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا يغفر لمن استغفره، ويرحم من استرحمه.\nقال الله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)\nالاستفتاء: طلب الإفتاء، والإفتاء: إظهار المشكل من الأحكام وتبينه، كأنّ المفتي لما بيّن المشكل قد قوّاه وصيّره فتيا.\nسبب النزول:\nأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت المواريث في سورة النساء شقّ ذلك على الناس وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يعمل في المال ولا يقوم فيه، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل الذي يعمل في المال؟ فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء، فانتظروا، فلما رأوا أنه لا يأتي حدث، قالوا: لئن تمّ هذا إنه لواجب ما عنه بد. ثم قالوا: سلوا، فسألوا النبي ﷺ فأنزلت هذه الآية «١» . وروي مثل ذلك عن ابن عباس ومجاهد.\nوعن عائشة أنها نزلت في توفية الصداق لهن. وكانت اليتيمة تكون عند الرجل، فإذا كانت جميلة، ولها مال، تزوّج بها وأكل مالها، وإذا كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها. فأنزل الله هذه الآية «٢» .\nمعلوم أنّ الصحابة لم يطلبوا الإفتاء عن ذوات النساء، وإنما طلبوا الإفتاء عن حال من أحوالهن، وشيء يتعلّق بهن، فلا بد من تقدير محذوف في الكلام، فبعض المفسرين قدّر ذلك المحذوف أمرا خاصا، وجعل سبب النزول قرينة على تعيين ذلك المحذوف المسئول عنه، فقال: المراد يستفتونك في ميراثهن، أو في توفية صداقهن، أو في نكاحهن.\nواختار بعضهم التعميم في المسئول عنه، لأنّ سبب النزول لا يخصّص، ولأنّ تقدير العام أتمّ فائدة وأشمل، فقال: المراد يستفتونك فيما يجب لهن وعليهن مطلقا، وقد كان رسول الله ﷺ يسأل عن أحكام كثيرة تتعلّق بالنساء.\n_________\n(١) و(٢) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام السيوطي (٢/ ٢٣١) .","vol":"1","page":328},{"text":"وكذلك اختلفوا في المراد بما كتب لهنّ في قول الله تعالى: اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ فقيل: ما فرض لهن من الميراث، وقيل: من الصداق، وقيل: من النكاح، وقيل: ما يعم ذلك كله وغيره.\nوقوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ قد ذهب فيه المعربون مذاهب شتى، وأولى وجوه الإعراب أن تكون (ما) اسم موصول مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: والذي يتلى عليكم في القرآن كذلك، أي يفتيكم فيهن أيضا. وذلك المتلو في الكتاب هو قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى [النساء: ٣] إلخ.\nوحاصل المعنى: أنهم كانوا يسألون عن أحوال كثيرة من أحوال النساء، فما كان منها غير مبيّن الحكم قبل نزول هذه الآية ذكر أن الله يفتيهم فيه. وما كان منها مبيّن الحكم في الآيات المتقدمة أحالهم فيه إلى تلك الآيات المتقدمة وذكر أنها تفتيهم فيما عنه يسألون.\nوقد جعل دلالة الكتاب على الأحكام إفتاء من الكتاب، ألا ترى أنه يقال في المجاز المشهور إن كتاب الله بيّن لنا هذا الحكم، وكما جاز هذا جاز أيضا أن يقال:\nكتاب الله أفتى بكذا.\nوقوله تعالى: فِي يَتامَى النِّساءِ صلة يُتْلى أي يتلى عليكم في شأنهن.\nوالإضافة في يتامى النساء من إضافة الصفة للموصوف عند الكوفيين، والبصريون يمنعون ذلك، ويجعلون الإضافة هنا على معنى (من) أو (اللام) أي في اليتامى من النساء، أو في أولادهن اليتامى.\nوَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ أي في أن تنكحوهن، أو عن أن تنكحوهن، فقد ورد في أخبار كثيرة أن أولياء اليتامى كانوا يرغبون فيهنّ إن كن جميلات، ويأكلون ما لهنّ وإلا كانوا يعضلونهن طمعا في ميراثهن.\nوحذف الجار هنا لا يعدّ لبسا، بل إجمال، فكل من الحرفين مراد على سبيل البدل.\nواحتج بعض الحنفية بقوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة، لأنّ الله ذكر الرغبة في نكاحها، فاقتضى جوازه.\nوالشافعية يقولون: إنّ الله ذكر في هذه الآية ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم، فلا دلالة فيها على ذلك. على أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحهن فعله في حال الصغر.\nوَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ عطف على يتامى النساء، وكانوا- كما علمت- لا يورثونهم كما لا يورثون النساء.","vol":"1","page":329},{"text":"وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ أي قل الله يفتيكم إلخ ويأمركم أن تقوموا لليتامى بالقسط. أو هو معطوف على (يتامى النساء) والتقدير وما يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين من الولدان، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط.\nوَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا أي وما تفعلوه من خير يتعلّق بهؤلاء المذكورين أو بغيرهم فإنّ الله يجازيكم عليه ولا يضيع عنده منه شيء.\nقال الله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) هذا من الأحكام التي أخبر الله تعالى أنه يفتيهم بها في النساء مما لم يتقدم ذكره.\nوالخوف هنا مستعمل في حقيقته، إلا أنّه لا يكون إلا بعد ظهور الأمارات تدل عليه. مثل أن يقول الرجل لامرأته: إنك قد كبرت، وإني أريد أن أتزوج شابّة جميلة.\nوالأصل في البعل أنه السيد، وسمّي الزوج بعلا لكونه كالسيد لزوجته.\nوالنشوز- وتقدم معناه- يكون وصفا للمرأة لما تقدم ويكون وصفا للرجل كما هنا، والمراد به هنا ترفّع الرجل بنفسه عن المرأة، وتجافيه عنها: بأن يمنعها نفسه ومودته.\nوالإعراض الانصراف عنها بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه. مثل أن يقلل محادثتها، أو مؤانستها لطعن في سن، أو دمامة، أو شين في خلق أو ملال.\nوالإعراض أخف من النشوز.\nأخرج الترمذي وحسّنه عن ابن عباس قال: خشيت سودة ﵂ أن يطلّقها رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية «١» .\nوأخرج الشافعي عن ابن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت تحت رافع بن خديج، فكره منها أمرا إما كبرا أو غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك، فاصطلحا على صلح، فجرت السنة بذلك، ونزل القرآن «٢» .\nوروي عن عائشة أنّها نزلت في المرأة تكون عند الرجل، فتطول صحبتها، فيريد أن يطلّقها، فتقول: أمسكني وتزوج بغيري، وأنت في حل من النفقة والقسم «٣» .\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٣٢)، كتاب التفسير حديث رقم (٣٠٤٠) .\n(٢) انظر الدر المنثور السيوطي في التفسير بالمأثور للسيوطي (١/ ٢٣٢) .\n(٣) رواه ابن ماجه في السنن (١/ ٦٣٤)، كتاب النكاح، باب المرأة حديث رقم (١٩٧٤) .","vol":"1","page":330},{"text":"يقول الله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا والمقصود إن خافت امرأة من زوجها تجافيا أو انصرافا عنها فلا إثم عليهما في أن يجريا بينهما صلحا، بأن تترك المرأة له يومها كما فعلت سودة ﵂ مع رسول الله ﷺ، أو تضع عنه بعض ما يجب لها من نفقة أو كسوة، أو تهب له شيئا من مهرها، أو تعطيه مالا لتستعطفه وتستديم المقام معه.\nوفي قوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما دفع لما يتوهم من أن ما يأخذه الزوج كالرشوة فلا يحل.\nوجملة وَالصُّلْحُ خَيْرٌ معترضة، أي والصلح بين الزوجين أكثر خيرا من الفرقة وسوء العشرة، على معنى أنه إن يكن في الفرقة أو سوء العشرة خير فالصلح خير من ذلك. أو والصلح خير من الخيور وليس بشر.\nوَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ اعتراض ثان، وفائدة الاعتراض الأوّل الترغيب في المصالحة. وفائدة الاعتراض الثاني تمهيد العذر في المماكسة والمشاحّة.\nوحضر: متعد لواحد، والهمزة تعديه إلى مفعول ثان كما هنا. فالمفعول الأول نائب الفاعل، والثاني كلمة الشحّ، ويجوز العكس. والشح: البخل مع الحرص، والمراد وأحضر الله الأنفس الشحّ أي جبل الله النفوس على الشح، فلا تكاد المرأة تسمح بحقها، ولا يكاد الرجل يجود بالإنفاق وحسن المعاشرة على التي لا يريدها.\nوَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا هذا خطاب للأزواج بطريق الالتفات، قصد به استمالتهم وترغيبهم في حسن المعاملة، والصبر على ما يكرهون، أي وإن تحسنوا معاشرة النساء، وتتقوا النشوز، والإعراض مهما تضافرت أسبابهما، فإنّ الله يجازيكم على ذلك أحسن الجزاء، ويثيبكم عليه خير المثوبة.\nيؤخذ من هذه الآية أن الرجل إذا قضى وطرا من امرأته، وكرهتها نفسه، أو عجز عن حقوقها، فله أن يطلقها، وله أن يخيّرها إن شاءت أقامت عنده ولا حق لها في القسم والوطء والنفقة، أو في بعض ذلك بحسب ما يصطلحان عليه، فإذا رضيت بذلك لزم وليس لها المطالبة بشيء مضى من ذلك على الرضا.\nوهل لها في المستقبل الرجوع في ذلك الصلح؟\nمن العلماء من قال: إنّ حقها في القسم والنفقة يتجدد، فلها الرجوع في ذلك متى شاءت.\nوقال آخرون: إنّ هذا الصلح خرج مخرج المعاوضة، وقد سمّاه الله صلحا، فيلزم كما يلزم ما تصالح عليه الناس من الحقوق والأموال، فليس لها حق الرجوع فيه","vol":"1","page":331},{"text":"بأيّ حال، ولو مكّنت من ذلك لم يكن صلحا، بل يكون من أكبر أسباب المعاداة والشريعة منزهة عن ذلك.\nوهنا أبحاث:\nالأول: رب قائل يقول إذا كان نشوز الرجل يحلّ له أن يأخذ من مال امرأته شيئا، أفلا يتخذ بعض الأزواج النشوز- بل التهديد به- وسيلة لأخذ مال المرأة، وانتقاصها حقها، وهلا يعدّ أخذ المال بهذه الوسيلة أخذا بسيف الإكراه، وأكلا لأموال الناس بالباطل.\nونحن نقول: إذا كان الرجل يرغب في زوجته حقيقة، ويود بقاءها في عصمته، ولكنه تظاهر بالنشوز والإعراض اجتلابا لمالها، واستدرارا لخيرها، كان ذلك حراما، وكان أخذ المال بهذه الوسيلة أكلا لأموال الناس بالباطل، وقد حرّم الله أكل أموال الناس بالباطل، وحرّم مشاقة الرجل زوجته لغرض أخذ شيء من مالها، كما قال:\nوَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء: ١٩] إلى أمثال ذلك.\nليس في مثل هذا النشوز والإعراض المصطنعين نزلت الآية، إنما الآية في رجل يرغب حقيقة في فراق زوجته لسبب ما، وقد جعل الله للرجل حق الطلاق، واستبدال زوج مكان زوج وأحلّ في هذه الآية الصلح بين الزوجين إذا كانا على ما وصفنا، رجل يريد الفراق لسبب من الأسباب، وامرأة تريد المقام معه، وإذا تراضيا على شيء من حق المرأة تنزل عنه في مقابلة أن ينزل الرجل عن شيء من حقه وهو الطلاق، لم يكن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، على أنّ الله تعالى أرشد الرجل إلى ترك النشوز مهما تكاثرت أسبابه، ووعده على ذلك الأجر والمثوبة، في قوله: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.\nالثاني: قال الله تعالى في نشوز المرأة وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء: ٣٤] وقال في نشوز الرجل: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا فجعل لنشوز المرأة عقوبة من زوجها يعظها ويهجرها في المضجع ويضربها. ولم يجعل لنشوز الرجل عقوبة من زوجته، بل جعل له ترضية وتلطفا. فما معنى ذلك؟\nالجواب عن ذلك من وجوه:\n١- قد علمت أنّ الله جعل الرجال قوامين على النساء، فالرجل راعي المرأة ورئيسها المهيمن عليها، ومن قضية ذلك ألا يكون للمرؤوس معاقبة رئيسه، وإلا انقلب الأمر، وضاعت هيمنة الرئيس.\n٢- أنّ الله فضل الرجال على النساء في العقل والدين، ومن قضية ذلك ألا","vol":"1","page":332},{"text":"يكون نشوز من الرجل إلا لسبب قاهر، ولكن المرأة لنقصان عقلها ودينها يكثر منها النشوز لأقل شيء، وتتوهمه سببا، فلا جرم جعل الله لنشوزهن عقوبة حتى يرتدعن، ويحسنّ حالهن. وأنّ في مساق الآيتين ما يرشد إلى أنّ النشوز في النساء كثير، وفي الرجال قليل، ففي نشوز المرأة عبر باسم الموصول المجموع إشارة إلى أنّ النشوز محقق في جماعتهن. وفي نشوز الرجل عبر بإن التي للشك، وبصيغة الإفراد، وجعل الناشز بعلا وسيدا مهما كان. كل ذلك يشير إلى أنّ النشوز في الرجال غير محقق، وأنه مبنيّ على الفرض والتقدير، وأنه إذا فرض وقوعه فإنما يكون من واحد لا من جماعة، وأن ذلك الواحد على كل حال سيد زوجته.\n٣- أنّ نشوز الرجل أمارة من أمارات الكراهة وإرادة الفرقة، وإذا كان الله قد جعل له حق الفرقة ولم يجعل للمرأة عليه سبيلا إذا هو أراد فرقتها، فأولى ألا يجعل لها عليه سبيلا إذا بدت منه أمارات هذه الفرقة.\nالثالث: قال الجصّاص «١» في قوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ إنّه جائز أن يكون عموما في جواز الصلح في سائر الأشياء إلا ما خصّه الدليل، وذلك يدلّ على جواز الصلح عن إنكار، والصلح من المجهول، ونازعه في ذلك الفخر الرازي فقال: إنّ الصلح في الآية مفرد دخل عليه حرف التعريف، والمفرد الذي دخل عليه حرف التعريف مختلف في إفادته العموم، ولو سلّم أنّه يفيد العموم، فإنما ذلك إذا لم يكن هناك معهود سابق، أما إذا كان هناك معهودا سابقا كما في الآية، فالأصح أنّ حمله على المعهود السابق أولى من حمله على العموم، وذلك لأنا إنما حملناه على العموم والاستغراق ضرورة أنّا لو لم نقل ذلك لصار مجملا، ويخرج عن الإفادة، وإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور، فوجب حمله عليه، وبذلك يندفع استدلال الجصّاص، ويكون المعنى: والصلح المعهود- وهو الصلح بين الزوجين- خير.\nوأنت تعلم أنّ الجصاص لم يجزم بأن اللفظ عام، بل قال: إنه يجوز أن يكون عاما، كما يجوز أن يكون خاصّا بالصلح بين الزوجين، على أنّ وقوع الجملة اعتراضا، وجريانها مجرى الأمثال مما يرجح كون اللفظ عاما، فتدبر ذلك.\nقال الله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا (١٣٠) يخبر الله هنا بأنّ العدل بين النساء غير مستطاع، وفي آية سابقة قال:\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٢/ ٢٨٣) .","vol":"1","page":333},{"text":"فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: ٣] فشرط في جواز الجمع بين النساء الوثوق من العدل بينهن. والعدل غير مستطاع، فكأن الجمع بين النساء غير جائز، لأنه مشروط بشرط قد أخبر الله أنه لا يتحقق ولن يكون، من أجل ذلك ترى أئمة التفسير من السلف الصالح كابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وأبي عبيدة وغيرهم يقولون:\nإن العدل الذي أخبر الله عنه أنه غير مستطاع هو التسوية بين الزوجات في الحب القلبي، وميل الطباع، ومعلوم أنّ ذلك غير مقدور.\nوأما العدل الذي جعل شرطا في جواز الجمع بينهن فهو التسوية بينهن فيما يقدر عليه المكلف ويملكه، مثل التسوية بينهن في القسم والنفقة والكسوة والسكنى وما يتبع ذلك من كل ما يملك ويقدر عليه.\nوأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي مليكة أنّ الآية نزلت في عائشة ﵂، وكان رسول الله ﷺ يحبها أكثر من غيرها.\nوروى الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه، فيعدل، ثم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» «١»\nوعنى رسول الله ﷺ: بما لا يملكه هو، ويملكه الله: المحبة وميل القلب غير الاختياري.\nومعنى الآية إنكم لن تقدروا على التسوية بين النساء في الحب وميل الطباع، فالتفاوت بينهن في الود والمحبة حاصل ولا محالة، وليس في استطاعتكم جلبه ولا دفعه، فالله قد عفا لكم عنه، ولستم مكلفين به ولا منهيين عنه، ولكن ذلك التفاوت في الحب له نتائج تظهر في الأقوال والأفعال التي تملكونها، وتقدرون عليها، ويصح تعلق الأحكام بها، فأنتم منهيون عن إظهار التفاوت في القول والفعل المقدورين لكم.\nوقال بعض العلماء: حقيقة العدل بين النساء التسوية بينهن في كل شيء، بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب في شأن من الشؤون، كالقسم والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها ما لا يكاد يحصر. والعدل بهذا المعنى غير مقدور للمكلف البتة. ولو حرص على إقامته وبالغ فيه، والعجز عن حقيقة العدل لا يمنع عن تكليفكم أيها الأزواج بما دونها من المراتب التي تستطيعونها، فإنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، وما لا يدرك كله لا يترك كله.\nفَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فلا تجوروا على المرغوب عنها كلّ الجور،\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٢٠٩)، كتاب النكاح باب القسم بين النساء حديث رقم (٢١٣٤)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٤٤٦)، كتاب النكاح حديث رقم (١١٤٠)، وابن ماجه في السنن (١/ ٦٣٣)، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء حديث رقم (١٩٧١)، وأحمد في المسند (٦/ ١٤٤) .","vol":"1","page":334},{"text":"فتمنعوها حقها من غير رضا منها، واعدلوا ما استطعتم، فإنّ عدم العدل بينهن يوقد نار الغيرة والحقد في نفوسهن، ويغريهن بالشر والفساد. وفي ذلك من المفاسد ما يربو على مصلحة تعدد الزوجات في نظر الشارع الحكيم.\nوفي قوله تعالى: فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ضرب من التوبيخ للأزواج، أي لا ينبغي ولا يليق بكم أن تجوروا على الضرائر، فتدعوها كالمعلقة لا هي ذات بعل ولا مطلقة، فإما أن تعدلوا بينهن، وإلا فالفرقة أولى، كما قال تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [البقرة: ٢٢٩] .\nأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من كان له امرأتان فمال مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط» «١»\nوكان السلف الصالح يستحبون أن يسووا بين الضرائر حتى في الطيب، يتطيّب لهذه كما يتطيب لهذه. وعن ابن سيرين في الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى.\nوَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا أي وإن تصلحوا ما كنتم تفسدون من أمورهن فيما مضى بميلكم إلى إحداهن، وتتداركوه بالتوبة، وتتقوا بالجور فيما يستقبل، فإنّ الله يغفر لكم ما مضى من الحيف، ويتفضل عليكم برحمته وإحسانه.\nظاهر هذه الآية يوجب التسوية في القسم بين الحرة والأمة. وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك ﵁، لكنّ جمهور الأئمة على أنّ الأمة المزوّجة على النصف من الحرة في القسم محتجين على ذلك بأن الإمام عليا ﵁ قضى بذلك، ولا يعرف له في الصحابة مخالف مع انتشار هذا القضاء وظهوره، وموافقته للقياس، فإنّ الله ﷾ لم يسوّ بين الحرة والأمة لا في الطلاق ولا في العدة ولا في الحد ولا في الملك ولا في الميراث ولا في الحج ولا في مدة الكون عند الزوج ليلا ونهارا، ولا في أصل النكاح، بل جعل نكاحها بمنزلة الضرورة، فاقتضى ذلك ألا يسوّي بينها وبين الحرة في القسم.\nومن هذه الآية يعلم أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة، فإنها لا تملك، وكانت عائشة ﵂- كما علمت- أحبّ نسائه إليه ﷺ، وأخذ من هذا أنّه لا تجب التسوية بينهن في الوطء، لأنّه موقوف على المحبة والميل، وهي بيد مقلّب القلوب.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٢٠٩)، كتاب النكاح حديث رقم (٢١٣٣)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٤٤٧)، كتاب النكاح حديث رقم (١١٤١)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٧٤)، كتاب في عشرة النساء حديث رقم (٣٩٥٢)، وابن ماجه في السنن (١/ ٦٣٣)، كتاب النكاح حديث رقم (١٩٦٩) .","vol":"1","page":335},{"text":"وفصّل بعض العلماء في ذلك فقال: إن تركه لعدم الداعي إليه فهو معذور، وإن تركه مع الداعي إليه، ولكن داعيه إلى الضرر أقوى، فهذا مما يدخل تحت قدرته وملكه، فإن أدّى الواجب عليه منه لم يبق لها حق، ولم يلزمه التسوية وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به.\nوَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ بعد أن رغّب الله في الصلح بين الزوجين وحثّ عليه ذكر في هذه الآية جواز الفرقة إذا لم يكن منها بد، وسلّى كلا من الزوجين، ووعد كل واحد منهما بأنه سيغنيه عن الآخر إذا قصد الفرقة تخوّفا من ترك حقوق الله التي أوجبها.\nوَكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا. أي وكان الله ولا يزال غنيا كافيا للخلق، حكيما متقنا في أفعاله وأحكامه.\nقال الله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)\nأخرج ابن أبي حاتم أنّ هذه الآية نزلت في جابر بن عبد الله ﵁.\nوأخرج الشيخان عن جابر أنه قال دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، ثم صبّ عليّ فعقلت فقلت يا رسول الله: إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث، فنزلت آية الفرائض «١»\nوهذه الآية آخر آيات الأحكام نزولا.\nوروي أنّ أبا بكر ﵁ قال في خطبة له: ألا إن الآية التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض [١٢]، فأولها في الولد والوالد، وثانيها في الزوج والزوجة، والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء [١٧٦] أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم. أو من الأب، والآية التي ختم بها سورة الأنفال [٧٥] أنزلها في أولي الأرحام، وقد أجمع العلماء على أنّ هذه الآية في ميراث الإخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب. وأما الإخوة والأخوات لأم ففيهم نزلت الآية السابقة في صدر السورة وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً إلخ وتقدّم لك بيان ذلك مستوفى.\nواختلف العلماء في المراد بالولد في قوله تعالى: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وقوله تعالى:\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٢١٠)، ٦٥- كتاب تفسير القرآن، ٤- باب يُوصِيكُمُ اللَّهُ حديث رقم (٤٥٧٧)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٢٣٤)، ٣٢- كتاب الفرائض، ٢- باب ميراث الكلالة حديث رقم (٥/ ١٦١٦) . [.....]","vol":"1","page":336},{"text":"إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فقال بعضهم: إن المراد به الذكر، لأنّه المتبادر، ولأنّه لو أريد به ما يشتمل الذكر والأنثى لكان مقتضى مفهومه أن الأخت لا ترث النصف مع وجود البنت، مع أنها ترثه معها عند جميع العلماء غير ابن عباس، ولكان مقتضاه أيضا أنّ الأخ لا يرث أخته مع وجود بنتها، والعلماء متفقون على أنه يرث الباقي بعد فرض البنت وهو النصف.\nوالمختار الذي عليه المحققون أن الولد هنا عامّ في الذكر والأنثى، لأنّ الكلام في الكلالة وهو من ليس له ولد أصلا، لا ذكر ولا أنثى، وليس له والد أيضا، إلا أنه اقتصر على ذكر الولد ثقة بظهور الأمر. ولأنّ الولد مشترك معنويّ وقع نكرة في سياق النفي، فيعم الابن والبنت، وما ورد على المفهوم ليس بقادح.\nأما أولا: فلأن الأخت لا يكون لها فرض النصف مع وجود الولد مطلقا، أما مع الابن فلأنّه يحجبها. وأما مع البنت فلأنها تصيرها عصبة، فلا يتعين لها فرض، نعم يكون نصيبها مع بنت واحدة النصف بحكم العصوبة لا الفرضية، فلا حاجة إلى تخصيص الولد بالابن لا منطوقا ولا مفهوما.\nوأما ثانيا: فلأن الأخ لا يرث أخته مع وجود بنتها. لأنّ المتبادر من قوله تعالى: وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ أنه يرث جميع تركتها عند عدم الولد، ومفهومه أنّه عند وجود الولد لا يرث جميع تركتها، أما مع الابن فلأنه يحجبه، وأما مع البنت فلأنه يرث الباقي بعد فرضها، فصحّ أن الأخ لا يرث أخته مع وجود بنتها، تدبّر ذلك فإنّه دقيق.\nوبعد فإنّ الآية قدّرت في ميراث الإخوة والأخوات من الميت الكلالة صورا أربعا:\nالأولى: أن يموت امرؤ وترثه أخت واحدة، فلها النصف بالفرض، والباقي للعصبة إن كانوا، وإلا فلها بالرد.\nوكما ترث الأخت الواحدة من أخيها النصف، كذلك ترثه من أختها، لأنّ مقدار الميراث لا يختلف باختلاف الميت ذكورة وأنوثة، وإنما يختلف باختلاف الوارث.\nالثانية: أن يكون الأمر بالعكس تموت امرأة ويرثها أخ واحد فله جميع التركة، وكما يرث الأخ الواحد جميع تركة أخته كذلك يرث جميع تركة أخيه.\nالثالثة: أن يكون الميت أخا أو أختا وورثه أختاه، فلهما الثلثان.\nالرابعة: أن يكون الميت أخا أو أختا، والورثة عدد من الإخوة والأخوات، فللذكر مثل حظ الأنثيين.\nوظاهر الآية في هذه الصورة الرابعة عدم التفرقة بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأب","vol":"1","page":337},{"text":"في أنهم يشتركون في التركة إذا اجتمعوا، لكنّ السنّة خصصت هذا العموم، فقدمت الأشقاء على الإخوة لأب، فإذا اجتمع الصنفان حجب الإخوة الأشقاء الإخوة لأب.\nبقي من الصور المحتملة في الميراث بالأخوة:\n١- أن يكون للميت الكلالة عدد من الإخوة الذكور، فالحكم أنهم يحوزون جميع التركة، لأنّ الواحد منهم إذا انفرد حاز التركة كلها، فأولى إذا اجتمعوا أن يحوزوها.\n٢- أن يكون للميت الكلالة أكثر من أختين، فالحكم أنهن يأخذن الثلثين بالفرض، لأنّ أكثر من بنتين لا يزدن عن الثلثين، فأولى ألا يزيد الأكثر من أختين عن الثلثين، وقد تقدم ذلك.\nيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا مفعول يبيّن محذوف، والمصدر المنسبك مفعول لأجله بتقدير مضاف، أي: يبين الله لكم الحلال والحرام، وجميع الأحكام كراهة أن تضلوا.\nويجوز أن يكون المصدر هو مفعول (يبيّن) أي يبين الله لكم ضلالكم، لتجتنبوه، فإن الشر يعرف ليتقى، والخير يعرف ليؤتى.\nوَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من الأشياء التي من جملتها أحوالكم وما يصلح لكم منها وما لا يصلح.\nعَلِيمٌ ذو علم شامل محيط، فيبيّن لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>من سورة المائدة</span>\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>شرح المفردات</span>\nيقال أوفى ووفى (بفتح الفاء مخففة) ووفّى (بتشديد الفاء) بمعنى أدّى ما التزمه، مع المبالغة في حالة التشديد، والكلّ ورد في القرآن أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة: ١١١] وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) [النجم: ٣٧] .\nوالعقود: جمع عقد، وهو في الأصل الربط، تقول عقدت الحبل بالحبل إذا ربطته به، وعقدت البناء بالجص إذا ربطته به، وتقول: عقدت البيع لفلان إذا ربطته بالقول، واليمين في المستقبل تسمّى عقدا لأنّ الحالف ربط نفسه بالمحلوف عليه وألزمها به.\nالمراد بالعقود هنا ما يشمل العهود التي عقدها الله علينا، وألزمنا بها من الفرائض والواجبات والمباحثات من معاملاتهم ومناكحاتهم.\nوالأنعام: جمع نعم (بفتحتين) وأكثر ما يطلق على الإبل، ولكن المراد به هنا ما يشمل الإبل والبقر والغنم.\nوالحرم: جمع حرام، بمعنى محرم، كعناق وهي الأنثى من ولد المعز وعنق بالضم.\nدعا الله المؤمنين وناداهم بوصف الإيمان، ليحثهم على امتثال ما يكلفهم به، فإنّ الشأن في المؤمنين الانقياد لما يكلّفون به من قبل الله تعالى، وطالبهم بالوفاء بالعقود أي التكاليف التي أعلمهم بها، والتزموها بقبولهم الإيمان الذي يعتبر تعهّدا منهم بالعمل بمبادئه، والوقوف عند حدوده، ومن هذه التكاليف ما يعقد الناس بعضهم مع بعض من الأمانات والمعاملات.\nثم قال تعالى تمهيدا للنبيّ عن بعض محرمات الإحرام أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ أي من الإبل والبقر والضأن والمعز.","vol":"1","page":339},{"text":"والبهيمة في الأصل كلّ حيّ لا يميّز، سمّي بذلك لأنه أبهم عن أن يميز أي حجب، فهو عام يشمل الأنعام وغيرها، سواء أكانت من ذوات الأربع أم لا، وإضافته للبيان، أيّ بهيمة هي الأنعام، وخرج بها غير الأنعام، سواء كان من ذوات الحوافر كالخيل والبغال والحمير أم من غيرها مثل الأسد والنمر والذئب.\nوقيل: البهيمة خاصّ بذوات الأربع، وقال ابن عباس: المراد بالبهيمة هنا أجنة الأنعام، فهي حلال متى ذكّيت أمهاتها، وهو مذهب الشافعية، وإنما لم يقل أحلّت لكم الأنعام ليشير إلى أنّ ما يماثل الأنعام مثلها في الحل كالظباء وبقر الوحش ما لم يدلّ الدليل على حرمته.\nلما كان الإحلال لا يتعلق إلا بالأفعال كان من اللازم إضمار فعل يناسب الكلام، وقد دلّ على هذا بقوله تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) [النحل: ٥] أي لتنتفعوا بها في الدفء وغيره، فالمراد أحلّ لكم الانتفاع ببهيمة الأنعام، وهو يشمل الانتفاع بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها وما أشبه ذلك.\nثم قال: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ أي يستثنى من حلّ بهيمة الأنعام ما يتلى عليكم في آية تحريمه: من الميتة والمنخنقة إلخ فإنّ كلّ هذا حرام ما لم تدرك ذكاته، وهو حيّ بالتفصيل الذي يأتي.\nوقوله: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ حال من الكاف في أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ.\nإِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ أي يشرع ما يشاء من تحليل وتحريم بحسب ما تقتضيه حكمته البالغة، فأباح بهيمة الأنعام في جميع الأحوال، وأباح الصيد في بعض الأحوال دون بعض، ولا اعتراض عليه، لأنّه مالك الأشياء وخالقها، فيتصرف فيها كما يشاء بحكمته وحسن تدبيره.\nوينبغي أن يعلم أنّ العقود التي يجب الوفاء بها لا تشمل التعاقد على المحرمات، فلا يجب الوفاء به، ومثله حلف الجاهلية على الباطل، كحلفهم على التناصر والميراث، بأن يقول أحد الطرفين للآخر إذا حالفه: دمي دمك وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، فيتعاقدان بذلك على النّصرة والحماية سواء أكانت بحق أم بباطل، فأبطل الإسلام التناصر على الباطل بقوله تعالى: وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ\nوقوله ﵊: «لا ضرر ولا ضرار» «١»\nوبنهيه عن العصبية العمية كما\n_________\n(١) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٧٨٤)، ١٣- كتاب الأحكام، ١٦- باب من بنى في حقه حديث رقم (٢٣٤٠) و(٢٣٤١)، ومالك في الموطأ (٢/ ٧٤٥)، ٣٦- كتاب الأقضية، ٢٦- باب القضاء حديث رقم (٣١)، وأحمد في المسند (١/ ٦٧٢) .","vol":"1","page":340},{"text":"رواه مسلم والنسائي «١» من\nقوله ﵊: «من قتل تحت راية عمّية يدعو لعصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية»\nوأبطل هذا التوارث بآية المواريث، وبقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأحزاب: ٦] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>الأحكام</span>\nيؤخذ من الآية: وجوب الوفاء بالتكاليف الإسلامية، وبالعقود التي يجريها الناس بعضهم مع بعض فيما هو مأذون فيه، كالقيام بأداء المهور والنفقات في باب النكاح، والمحافظة على مال المستأمن ونفسه في باب الأمان، والمحافظة على الوديعة والعارية والعين المرهونة وردها على أصحابها سالمة، وما أشبه ذلك، ويؤخذ منها أيضا حلّ ذبائح الأنعام من جهة الانتفاع بلحومها وجلودها وعظامها وأصوافها وحرمة الصيد في حال الإحرام.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢) الشعائر: جمع شعيرة، وهي في الأصل ما جعل شعارا على الشيء وعلامة عليه، مأخوذ من الإشعار بمعنى الإعلام من جهة الإحساس، ويقال: شعرت بكذا أي علمته، ومنه سمّي الشاعر، لأنه بفطنته يشعر بما لا يشعر به غيره والمراد بالشعائر هنا قيل: مناسك الحج، وهو مروي عن ابن عباس، وقيل: فرائض الله التي حدها لعباده، وهو قول عطاء، وقيل: الأحكام الإسلامية كلها، فإنّ أداءها أمارة على الإسلام والتعبد بأحكامه، وهو المعوّل عليه.\nوإحلال الشعائر استباحتها والإخلال بأحكامها، وعدم المبالاة بحرمتها، والشهر الحرام رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم فلامه للجنس، وسمّي الشهر حراما باعتبار أنّ إيقاع القتال فيه حرام.\nوالهدي ما يتقرب به المرء من النّعم ليذبح في الحرم.\nوالقلائد: جمع قلادة وهي تطلق على ما يعلّق في عنق المرأة للزينة، وعلى ما يعلّق في عنق البعير أو غيره من النعم من جلد أو قشر شجر ليعلم أنّه هدي فلا يتعرّض له.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٤٧٨)، ٣٣- كتاب الإمارة، ١٣- باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين حديث رقم (٥٧/ ١٨٥٠)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ١٣٩)، كتاب التحريم، باب التغليظ حديث رقم (٤١٢٥) .","vol":"1","page":341},{"text":"والآمّون: جمع آم بمعنى قاصد من أم يؤم بمعنى قصد، والرضوان مصدر بمعنى الرضا، والشنآن مصدر بمعنى البغض يقال شنئته بالكسر أشنؤه بفتح النون شنئا بسكونها وشنآنا بفتح النون وسكونها أي أبغضته.\nينادي الله المؤمنين وينهاهم بقوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ أي أحكام دينه على الوجه العام أو أعمال الحج ومناسكه كالإحرام والطواف والوقوف بعرفة وبقية أعمال الحج، ومعنى إحلالها الإخلال بأحكامها كاستعمال الطيب ولبس المخيط والصيد والقرب من النساء فإن ذلك يخل بواجبات الإحرام وكطواف الزيارة محدثا أو جنبا فإن ذلك يخل بواجب الطهارة في الطواف والوقوف بعرفة حدثا أو جنبا أو بعد قربان النساء فإن ذلك يخل بواجب الطهارة وحرمة قربان النساء بالنسبة للوقوف ثم قال: ولا الشهر الحرام أي لا تحلوه بالقتال فيه وعدم المبالاة بحرمته وقد نسخ هذا الحكم.\nبقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] فإنه ليس المراد بالأشهر الحرم أشهر الحج وإنما المراد بها الأشهر التي حرم الله قتالهم فيها وضربها أجلا لهم يسيحون فيها في الأرض ويفكرون في أمر الإسلام مع التروي والنظر فإن اعتنقوا الإسلام في أثنائها فقد نجوا وإلا عاملهم بما عامل به غيرهم من القتل والأسر ويدل على أن هذا الحكم منسوخ الإجماع على جواز قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم ثم قال:\nولا الهدى أي لا تحلوا النعم التي يتقرب بها إلى الله تعالى لتذبح في الحرم وإحلالها هو التعرض لها وسلبها أو الانتفاع بها في غير ما سيقت له من التقرب إليه تعالى وأخذوا من ذلك عدم جواز الأكل من الهدايا التي تقدم للذبح في الحرم إلا أنهم استثنوا من ذلك هدى التطوع والقرآن والتمتع وحسا من المرقة فيبقى غيرها على عدم الجواز لأنها دماء مخالفات وكفارات وعقوبات فلا يجوز الانتفاع بشيء منها وقال:\nوَلَا الْقَلائِدَ. أي لا تحلوا القلائد أي الهدايا ذوات القلائد والهدايا التي تقلد هي ما كانت للتطوع أو النذر أو القرآن أو التمتع أما الهدايا التي تجب بسبب الجنايات فلا تقلد. القلائد أعلام تقام للمسرات وذلك ظاهر إذا كانت للتطوع أمثاله أما إذا كانت بسبب الجنايات كانت عقوبات للمخالفات فلا وجه لإعلانها والتنويه بها.\nوتفسير القلائد بالهدايا ذوات القلائد يدل على أنها نوع من الهدى السابق فكأنه قال لا تحلوا الهدى وخصوصا الهدايا ذوات القلائد ويحتمل أن يراد بالقلائد نفسها ويكون المراد النهى عن سلبها وتجريد الهدايا عنها فإن ذلك مما يعرض الهدايا للضياع.\nوقوله: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ أي لا تحلوا قوما قاصدين إلى البيت الحرام لزيارته بأن تصدوهم عنه بأي وجه كان بأن تقاتلوهم أو تسلبوا أموالهم أو تزعجوهم وتخوفوهم.","vol":"1","page":342},{"text":"وقوله: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا حال من الضمير المسكن في آمّين أي لا تتعرضوا لهم حال كونهم يطلبون من ربهم ثوابا ورضوانا لتعبدهم في بيته الحرام.\nقيل المراد بالآمّين المسلمين الذين يقصدون بيت الله للتعبد فيه وحينئذ يكون التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم للتشريف، ويكون ابتغاء الفضل والرضوان ظاهرا، وتكون الآية على هذا محكمة لا نسخ فيها.\nوقيل المراد بالآمين المشركين، ويؤيده ما قيل من أن الآية نزلت في الحطم بن ضبعة البكري، حين قدم المدينة بخيله وأصحابه، ولكنه دخلها وحده حتى كان بين يدي النبي ﷺ، وسمع منه، ثم قام وقد وعد النبيّ ﵇ بأن يأتي مع أصحابه ليسلموا، وانصرف مع أصحابه، فمر بسرح المدينة، فاستاق ما مرّ به وهرب، فلما كان موسم الحج، خرج الحطم حاجا في حجاج بني بكر بن وائل، ومعه تجارة عظيمة، فسأل المسلمون النبيّ ﷺ أن يأذن لهم في التعرض له فأبى النبي ﷺ، ثم نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ إلخ. وحينئذ يفسّر ابتغاء الفضل بطلب الرزق بالتجارة، وابتغاء الرضوان بأنّهم كانوا يزعمون أنهم على سداد في دينهم، وأن الحجّ يقربهم إلى الله تعالى، ثم نسخت إباحة حجهم بعد ذلك.\nوقيل: المراد بالآمين ما يشمل المسلمين والمشركين فإنهم كانوا يحجون جميعا، ثم نسخت إباحة حج المشركين بقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: ٢٨] وقوله: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ [التوبة: ١٧] ويكون ابتغاء الفضل والرضوان عاما للدنيوي والأخروي ولو في زعم المشركين.\nفقد نهى الله تعالى المسلمين في صدر هذه الآية عن أمور خمسة:\nمنها ما ترغب النفوس في التمتع به كالمباحات التي حرّمت لأجل الإحرام من استعمال الطيب، ولبس المخيط، والقرب من النساء، واصطياد الطيور والحيوانات.\nومنها ما ترغب فيه النفوس بمقتضى شهواتها الغضبية كالانتقام ممن عاداها، وحال بينها وبين رغباتها.\nومنها ما ترغب فيه النفوس الضعيفة كالتعرض للهدايا، فأرشدهم الله تعالى إلى أنّ هذه الرغبة مهما عظمت لا تغيّر شيئا من أحكام الله تعالى، ثم قال: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا أي إذا خرجتم من الإحرام أبيح لكم الصيد، وبالطبع يحلّ لكم أيضا كل ما كان مباحا قبل الإحرام.\nوإنما خص الصيد بالذكر لأنّهم كانوا يرغبون فيه كثيرا كبيرهم وصغيرهم وعظيمهم وحقيرهم، وللإشارة إلى أنّ الذي ينبغي الحرص عليه ما يعد قوتا تندفع به","vol":"1","page":343},{"text":"الحاجة فقط، لا ما يكون من الكماليات، وما يكون إرضاء لشهوة الغضب.\nوَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا.\nجرم تتعدى إلى مفعول واحد، كقولك جرم ذنبا، وإلى مفعولين كما في الآية، أي لا يكسبنكم بغض قوم لأجل أنهم صدوكم عن المسجد الحرام عام الحديبية أن تعتدوا عليهم للانتقام منهم، وهذا نهي عن إحلال قوم من الآمين خصوا به مع اندراجهم في النهي عن إحلال الكل، لاستقلالهم بأمور ربما يتوهّم أنها مصححة لإحلالهم، وداعية إليه..\nوالشنآن مصدر أضيف إلى مفعوله، وأن صدوكم متعلق بالشنئان، بإضمار لام العلة، وإنما قدم قوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا على هذه الجملة مع تعلقها بقوله: وَلَا آمِّينَ للإشارة إلى أنّ التحلل من الإحرام لا يصحّح لهم التعدي على الآمين بل يجب عدم التعرض لهم إلى أن يخرجوا من هذه العبادة فإنّهم لم يخرجوا عن أنهم يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا، فالواجب أن يذكّر بعضكم بعضا بوجوب المحافظة على شعائر الله، وأن تتعاونوا على البر وأعمال الخير التي منها الإغضاء عن سيئات القوم احتراما للمسجد الحرام، وعلى التقوى أي تعاونوا على اتخاذ وقاية تقيكم من متابعة الهوى، والتمسك بأسباب العذاب الأليم وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ أي لا تتعاونوا على الجرائم التي يأثم فاعلها، وعلى مجاوزة حدود الله بالاعتداء على القوم وهم يبتغون فضلا من ربهم وَاتَّقُوا اللَّهَ بفعل ما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن لا يتقيه، وإظهار اسم الجلالة هنا لإدخال الروعة وتربية المهابة في القلوب.\nقال الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) شروع في ذكر المحرّمات التي أشير إلى شيء منها بقوله: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فحرّم الميتة لخبث لحمها ببقاء بعض المواد الضارة في جسمها. وهي الحيوان الذي مات دون ذكاة شرعية، فيحرم أكلها بالاتفاق، وأما شعرها وعظمها فقال الحنفية: طاهران يجوز استعمالهما، وقال الشافعية: نجسان لا يجوز استعمالهما، وقد استثني من الميتة المحرمة نوعان: السمك والجراد عند الجميع، ويدل على هذا الاستثناء ما ورد من\nقوله ﵊: «أحلت لنا ميتتان ودمان،","vol":"1","page":344},{"text":"فالميتتان السمك والجراد، والدمان الكبد والطحال» ذكره الدارقطني «١» .\nوحرم الدم أي المسفوح أي السائل من الحيوان عند التذكية، وأما الدم السائل من الحيوان الحي فقليله وكثيره حرام، وكانوا يملؤون الأمعاء من الدم، ويشوونه، ويأكلونه، فحرّمه الله، لأنه قذر يضر الأجسام.\nوحرم لحم الخنزير وكذلك شحمه وجلده باتفاق، وإنما خصّ اللحم بالذكر لأنه المقصود الأهم، وأما شعره فقال قوم بجواز استعماله في الخرز، والحقّ أن إباحة استعماله كانت للضرورة، وقد اندفعت الضرورة باختراع الآلات والأدوات التي تؤدي هذا المعنى بيسر.\nوحرم ما أهل لغير الله به، أي حرم الحيوان الذي أهل أي رفع الصوت لغير الله بسببه أي عند ذبحه، سواء اقتصر على ذكر غير الله كقوله عند الذبح: باسم المسيح، أو باسم فلان، أو جمع بين ذكر الله وذكر غيره بالعطف عليه كقوله باسم الله واسم فلان، أما بدون العطف كقوله باسم الله المسيح نبي الله، أو باسم الله محمد رسول الله، فقال الحنفية: تحل الذبيحة، ويعتبر ذكر غيره كلاما مبتدأ، ولكنه يكره الوصل صورة بخلاف العطف: فإنّه يكون نصا في ذكر غير الله.\nوحرم المنخنقة أي التي خنقت أو انخنقت بالشبكة أو بغيرها حتى ماتت.\nوحرم الموقوذة أي التي ضربت بالخشب أو بالحجر حتى ماتت.\nوحرم المتردية أي التي سقطت من علو إلى أسفل، أو وقعت في بئر فماتت.\nوحرم النطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح.\nوحرم ما أكل السبع بعضه ومات بجرحه.\nوهذه الخمسة تأخذ حكم الميتة التي ماتت حتف أنفها، لأنها لم تذكّ ذكاة شرعية، ولم يسل دمها بحيث يخرج جميعه منها، ثم قال: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ أي إلا ما أدركتموه حيا فذكيتموه.\nوتفصيل الكلام في ذلك: أنهم اتفقوا على أن الخنق وما معه إذا لم يبلغ بالحيوان إلى درجة اليأس من حياته بأن غلب على الظن أنه يعيش مع هذه الحالة كانت الذكاة محللة له، أما إذا غلب على الظن أنه يهلك بما حصل، فقال قوم: تعمل فيه الذكاة، وهو المشهور من مذهب الشافعي، والمنقول عن الزهري وابن عباس، وهو مذهب الحنفية، فإنهم يقولون في كتبهم: متى كانت عينه تطرف، أو ذنبه يتحرك، أو رجله تركض، ثم ذكّي فهو حلال، وقال قوم: لا تعمل فيه الذكاة، وروي الوجهان عن الإمام مالك ﵃ أجمعين.\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند (٢/ ٩٧) .","vol":"1","page":345},{"text":"ومنشأ الخلاف في أن الذكاة تعمل أو لا تعمل اختلافهم في أن الاستثناء متصل أو منقطع، فمن رأى أنه متصل يرى أنه أخرج من الجنس بعض ما تناوله اللفظ، فما قبل كلمة الاستثناء حرام، وما بعدها خرج منه، فيكون حلالا، ومن رأى أنه منقطع يرى أنه لا تأثير للاستثناء في الجملة المتقدمة، وكأنه قال ما ذكيتموه من غير الحيوانات المتقدمة فهو حلال تتمتعون به كما تشاؤون.\nويؤيد القول بأن الاستثناء متصل إجماع العلماء على أن الذكاة تحلّل ما يغلب على الظن أنه يعيش، فيكون مخرجا لبعض ما يتناوله المستثنى منه فيكون الاستثناء فيه متصلا.\nواحتج من قال: إن الاستثناء منقطع بأن التحريم إنما يتعلق بهذه الحيوانات بعد الموت وهي بعد الموت لا تذكى، فيكون الاستثناء منقطعا، وأجيب عن ذلك بأن الاستثناء متصل باعتبار ظاهر الحال، فإن ظاهر هذه الحيوانات أنها تموت بما أصيبت به، فتكون حراما بحسب الظاهر إلا ما أدرك حيا وذكّي، فإنه يكون حلالا، والتحريم وإن كان لا يتعلق بها حقيقة إلا بعد الموت كما يقولون، إلا أن اتصال الاستثناء يكفي فيه هذا الظاهر، خصوصا إذا لوحظ أنها إذا ذكيت وهي حية كانت مساوية لغيرها من بقية الحيوانات المذكاة، فلا وجه للقول بعدم حلها.\nوالاستثناء المتصل على ما تقدم يرجع إلى الأصناف الخمسة من المنخنقة وما بعدها، وهو قول علي وابن عباس والحسن، وقيل: إنه خاص بقوله: وَما أَكَلَ السَّبُعُ والأول هو الظاهر.\nوحرم وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ: جمع نصاب كحمار وحمر، وقيل: جمع نصب بفتح وسكون، كسقف وسقف، وقيل مفرد، وجمعه أنصاب، كطنب وأطناب، وعلى كلّ فهي حجارة كانوا ينصبونها حول الكعبة، ويذبحون قرابينهم التي يتقرّبون بها إلى معبوداتهم عليها، ويعظّمونها، ويعتبرون الذبح لآلهتهم قربة، وكون الذبح على النصب قربة أخرى، ولهذا كانوا يلطّخون النصب بدم الذبائح، كأنهم يثبتون بذلك كون الذبح وقع قربة.\nوليست النصب هي الأوثان، فإنها حجارة غير منقوشة، بخلاف الأوثان فإنّها حجارة منقوشة.\nوحرم الاستقسام بالأزلام أي محاولة معرفة ما قسم وقدر في الأمر من الخير أو الشر بالأزلام، جمع زلم بفتحتين، وهو السهم قبل أن يتصل ويراش، وهي سهام ثلاثة، كتب على أحدها أمرني ربي، وعلى الثاني نهاني ربي، ولم يكتب على الثالث شيء، فإذا أراد أحدهم سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو غير ذلك يعمد إلى هذه","vol":"1","page":346},{"text":"السهام، وكانت موضوعة في حقيبة حول الكعبة، فيخرج منها واحدا فإن خرج الآمر مضى لحاجته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد التناول، وسميت هذه السهام أزلاما لأنّها زلمت بضم فكسر، أي سوّيت، فلم يكن نتوء أو انخفاض، وإنما ذكر هذا النوع هنا مع أنه ليس من المطعوم، لأنه لما كان يعمل حول الكعبة ذكر بجانب ما ذبح على النصب التي حول الكعبة.\nثم قوله تعالى: ذلِكُمْ فِسْقٌ يحتمل أن يكون راجعا إلى كل ما تقدم، أي أنّ التلبس بما تقدم ذكره تمرّد وخروج على أحكام الله تعالى، ويحتمل أن يكون راجعا إلى الاستقسام بالأزلام، والمعنى أنّهم فسقوا وخرجوا عن الحد بالاستقسام بالأزلام، لأنّهم إن أرادوا بالرب في قولهم: أمرني ونهاني ربي جانب الله تعالى كانوا قد كذبوا على الله، وافتروا عليه، وإن أرادوا الأصنام كان ذلك شركا وجهالة، وعلى كلّ فقد فسقوا وتمردوا، وخرجوا عن الحد.\nفإن قيل: إن الاستقسام بالأزلام لم يخرج عن أنه من جملة الفأل، وكان ﵇ يحب الفأل «١» فلم صار فسقا؟\nأجيب بالفرق بين الفأل وبين الاستقسام بالأزلام، فإنّ الفأل أمر اتفاقي تنفعل به النفس وتنشرح للعمل مع رجاء الخير منه، بخلاف الاستقسام بالأزلام فإنّ القوم كانوا يعملون بالأزلام عند الأصنام، ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام بإرشاد الأصنام وإعانتها، فلهذا كان الاستقسام بها فسقا وكفرا.\nولما حذّر الله تعالى المؤمنين من تعاطي المحرمات التي ذكرها حرضهم على التمسك بما شرعه لهم، وثبته في قلوبهم، وبشرهم بما يقوّي عزيمتهم ويربّي فيهم الشجاعة والشهامة فقال: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أي من إبطال دينكم وغلبتكم عليه فَلا تَخْشَوْهُمْ أي لا تخافوا من أن يظهروا عليكم، واخشوا جانب الله تعالى فقط، أي استمروا على خشيته، والإخلاص له.\nوالمراد باليوم الزمان الحاضر، وما يتصل به من الماضي والآتي. وقيل المراد يوم نزول هذه الآية، وهو يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع، والنبي ﷺ واقف بعرفات على ناقته العضباء.\nالْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا ليس المراد بإكمال الدين أنه كان ناقصا قبل اليوم ثم أكمله، وإنما المراد أن من أحكامه قبل اليوم ما كان مؤقتا في علم الله، قابلا للنسخ، ولكنها اليوم قد كملت، وصارت مؤبّدة صالحة لكل زمان ومكان، والمراد بإكماله إتمامه في نفسه وفي ظهوره، أما إتمامه في نفسه فكان\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند (٢/ ٣٣٢) .","vol":"1","page":347},{"text":"باشتماله على الفرائض المقدسة، والحلال والحرام بالتنصيص على أصول العقائد، والتوقيف على أساس التشريع وقوانين الاجتهاد، نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: ١] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [سبأ: ٣] ونحو إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: ٩٠] وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [النحل: ٩١] وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩] ونحو وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠] .\nوَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ.\nوأما إتمامه في ظهوره فكان بإعلاء كلمته، وغلبته على الأديان كلها، وموافقته للمصالح العامة، حتى إنّ كثيرا ممن لم يعتنقوا الدين الإسلامي يقتبسون منه ما يصلح أحوالهم، ويعين على ضبط أمورهم، وتدبير شؤونهم.\nوقد تمسّك بعضهم بقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ في نفي القياس، وبطلان العمل به، لأنّ إكمال الدين يقتضي أنه تعالى نصّ على أحكام جميع الوقائع، إذ لو بقي بعض لم يبيّن حكمه لم يكن الدّين كاملا.\nوأجيب بأنّ غاية ما يقتضيه كمال الدين أن يكون الله تعالى قد أبان الطريق لجميع الأحكام، وقد أمر الله بالقياس، وتعبّد المكلفين به في مثل قوله تعالى:\nفَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: ٢] فكان هذا مع النصوص الصريحة بيانا لكلّ أحكام الوقائع غاية الأمر أنّ الوقائع صارت قسمين: قسم نص الله تعالى على حكمه وقسم أرشد الله تعالى إلى أنّه يمكن استنباط الحكم فيه من القسم الأول، فلم تصلح الآية متمسكا لهم.\nوَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بالإكمال في الدين والشريعة بما فتح الله عليكم من دخول مكة آمنين مطمئنين، ومن انقياد الناس لكم وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا أي اخترته لكم دينا، تأتمرون بأوامره، وتنتهون بنواهيه، بحيث لا أقبل منكم غيره كما قال تعالى:\nوَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥] .\nفَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ المخمصة المجاعة قال أهل اللغة: الخمص والمخمصة خلو البطن من الطعام عند الجوع، وأصله من الخمص الذي هو ضمور البطن، وهذه الجملة متصلة بذكر المحرّمات، وقوله:\nذلِكُمْ فِسْقٌ إلى قوله: دِينًا اعتراض أكّد به معنى التحريم، فإنّ منع الناس عن هذه الخبائث من جملة الدين الكامل، والنعمة التامة، والإسلام الذي هو الدين المرضي عند الله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ ألجأه الاضطرار وأصابه الضر فِي مَخْمَصَةٍ أي مجاعة، فتناول من المحرمات شيئا غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ أي غير مائل لإثم، وغير","vol":"1","page":348},{"text":"راغب في التمتع بما يوجب الإثم، بمعنى أنه يتناول منها ليدفع الضرورة لا للتلذذ، ولا يتجاوز الحد الذي يسدّ الرمق فقوله هنا: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ بمنزلة قوله في سورة البقرة: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [البقرة: ١٧٣] فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يغفر لهم تناول ما كان محرما إذا اضطروا إليه رَحِيمٌ بعباده حيث أحسن إليهم بإباحة ما يدفع عنهم الضرر ولو كان محرّما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>الأحكام</span>\nيؤخذ من الآية ما يأتي:\n١- حرمة الميتة وما ذكر معها في الآية.\n٢- حلّ البهيمة المذكاة من المنخنقة وما معها متى ذكّيت وبها حياة.\n٣- إباحة هذه المحرمات عند الاضطرار إليها لدفع الضرر.\n٤- أنّ حل التناول من هذه المحرمات مقيّد بأمرين:\nالأول: أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط.\nالثاني: أن لا يتجاوز ما يسدّ الرمق، أما إذا قصد التلذذ وإرضاء الشهوة، أو تجاوز المقدار الذي يدفع الضرر، كان واقعا في المحرم على خلاف في ذلك تقدم تفصيله في سورة البقرة.\nقال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) كلمة (ماذا) يجوز أن تجعل اسماء واحدا للاستفهام في محل رفع بالابتداء وجملة (أحلّ لكم) خبر.\nويجوز أن تجعل (ما) وحدها اسم استفهام مبتدأ ولفظ (ذا) بمعنى الذي خبر، وجملة (أحلّ لكم) صلة (لذا) وضمّن السؤال معنى القول، فصح أن ينصب الجملة في قوله (ماذا أحل لهم) .\nوالطيبات جمع طيب، وهو في اللغة المستلذّ، ويسمى الحلال المأذون فيه طيّبا تشبيها له بما هو مستلذّ، لأنهما اجتمعا في انتفاء المضرّة، ولكنّ المراد به هنا المستلذ لا الحلال، لأنّه لا معنى لأن يقولوا: ماذا أحل لهم؟ فيقال: أحل لكم الحلال، فإنّه غير مفيد.\nوالجوارح، جمع جارحة، وهي الكواسب من الطيور والسباع، من (جرح) إذا كسب كما قال تعالى: وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [الأنعام: ٦٠] أي كسبتم وقال: الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ\n[الجاثية: ٢١] أي اكتسبوا.","vol":"1","page":349},{"text":"والمكلبون جمع مكلّب، وهو الذي يؤدّب الكلاب وغيرها، ويعلمها أن تصيد لأصحابها، وإنما اشتق الاسم من الكلب مع أنه يعلّم الكلاب والبزاة وغيرها، لأنّ التأديب أكثر ما يكون في الكلاب، فكلّ ما يصاد به من السبع والكلب والصقر والبازي يحل أكل صيوده، وإن لم تدرك ذكاتها، وهو مذهب الجمهور، وقيل: لا يحل إلا ما صاده الكلاب تمسّكا بقوله تعالى: مُكَلِّبِينَ.\nوتمسك الجمهور بعموم قوله تعالى: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ فإنه يشمل الكلاب وغيرها، غاية الأمر أنه يحتاج إلى نكتة للتعبير بقوله: مُكَلِّبِينَ وقد علمت النكتة مما تقدم على أنّ كل سبع قد يسمّى كلبا، كما\nورد أنه ﵊ قال في ابن أبي لهب «اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك» «١»\nفأكله الأسد في طريقه إلى الشام.\nهذه الآية وردت لذكر المحللات بعد ذكر المحرمات، كأنه لما تلا لهم ما حرّمه عليهم من خبيثات المآكل، سألوا عما أحلّ لهم فنزلت الآية، وروي أنه قدم عدي بن حاتم، وزيد بن المهلهل الطائيان على رسول الله ﷺ وقالا: إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فما يحل فنزلت الآية.\nوروي أيضا عن أبي رافع أنه قال أمرني رسول الله ﷺ أن أقتل الكلاب. فقال الناس: يا رسول الله ما الذي أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت «٢» .\nوالمعنى: يقول لك قومك مع تعدّد فرقهم واختلاف مقاصدهم: ماذا أحلّ لنا، فقل لهم بالنسبة للطائفة الأولى: أحل لكم الطيبات، أي كل ما يستلذ وتشتهيه النفوس المعتدلة، فالمراد الاستطابة عند أهل المروءة والرزانة والأخلاق الجميلة الهادئة، لا ما يعم ممن سقطت مروءتهم وقست قلوبهم، وتمردوا في أفكارهم، فإنّ أهل البادية ومن سقطت مروءتهم يستطيبون أكل جميع الحيوانات، فلا عبرة بهم، والذي يستطاب عند أهل المروءة حلال متى اقترن بشرطه، كالذكاة وذكر اسم الله عليه، ولو زعم بعض الناس تحريمه كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فهي مما يستطاب ويحل.\nوقل لهم بالنسبة للطائفتين الثانية والثالثة: أحل لكم ما علّمتم من الجوارح، والحل هنا يتعلق بالحيوانات المعلّمة نفسها أي يحل لكم اقتناؤها، وبيعها، وهبتها يؤيد ذلك رواية أبي رافع، لكن يستثنى من الحل أكلها، فإنّ الدليل ورد بتحريمه.\nويتعلق أيضا بصيودها، يؤيد ذلك قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ورواية عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل المتقدمة.\n_________\n(١) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٥٣٩) .\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٦/ ٥٧) .","vol":"1","page":350},{"text":"وقوله: (مكلّبين) حال من فاعل علّمتم، أي وما علمتم من الجوارح حال كونكم معلمين ومؤدبين.\nوقوله تعالى: تُعَلِّمُونَهُنَّ حال من فاعل علمتم، أو من الضمير في (مكلّبين) أي وحال كونكم تعلمونهن مما علمكم الله، فلا بد من أمور ثلاث.\nأن تكون الجوارح معلمة.\nوأن يكون من يعلمها ماهرا في التعليم مدرّبا فيه.\nوأن يعلم الجوارح مما علمه الله بأن تقصد الصيد بإرسال صاحبها، وأن تنزجر بزجره، وأن يمسك الصيد.\nولا يأكل منه إذا كان كلبا ونحوه، وأن يعود إلى صاحبه متى دعاه إذا كان مثل البازي، فإنّ الفقهاء يقولون: يعرف تعليم الكلب بترك الأكل ثلاثا. ويعرف تعليم البازي بالرجوع إلى صاحبه إذا دعاه. وبيّنوا الفرق بأنّ تعليم الحيوان يكون بترك ما يألفه ويعتاده، وعادة الكلب السلب والنهب، فإذا ترك الأكل ثلاثا عرف أنّه تعلم، وعادة البازي النفرة فإذا دعاه صاحبه فعاد إليه عرف أنّه تعلّم.\nفَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ يقال أمسك الكلب على صاحبه إذا أمسك الصيد ولم يأكل منه، أما إذا أكل منه فإنه لم يمسك على صاحبه، وكلمة (من) في قوله: (مما أمسكن) يحتمل أن تكون بيانية أي فكلوا الصيد، وهو ما أمسكن عليكم، والمراد ما جرحه الكلب مثلا ومات من جرحه، أو أدركه الصائد حيّا وذكّاه. ويحتمل أن تكون (من) للتبعيض أي كلوا بعض ما أمسكن عليكم، وهو ما جرحه ومات من جرحه، أو أدركه الصائد حيا وذكاه لا ما جرحه ولم يمت من جرحه ولكنه افترسه سبع فمات منه، وعلى هذا تكون البعضية في الجزئيات، ويجوز أن تكون البعضية في الأجزاء باعتبار أن المأكول هو البعض وهو اللحم دون الجلد والريش والدم والعظم.\nوَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أي على الكلب مثلا عند إرساله، فيكون الضمير عائدا إلى ما علمتم، أو اذكروا اسم الله على الصيد عند الإمساك أي إذا أدركتم ذكاته فيكون الضمير عائدا إلى ما أمسكن.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ أي احذروا مخالفة أمره فيما أرشدكم إليه، واتخذوا وقاية من عذابه بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه.\nإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ يحاسبكم على ما تعملون من غير توان ولا إمهال، ولما ذكر فيما سبق شيئا من المحرمات والمحللات ناسب هنا ذكر الحساب كأنّه يقول بعد بيان الحلال والحرام وما يرضيه وما يغضبه: ينبغي التنبه إلى أنه تعالى سيحاسب العاملين على أعمالهم من غير توان متى جاء يوم الحساب.","vol":"1","page":351},{"text":"يؤخذ من الآية ما يأتي:\n١- إباحة الطيبات أي المطعومات التي تستطيبها النفوس الكريمة دون الخبائث التي أرشدت الشريعة إلى تحريمها.\n٢- إباحة الصيد بالجوارح بشرط كونها معلمة، وكون معلمها مؤدبا (بكسر الدال) ماهرا، وكونه يعلمها مما علمه الله مما دوّنه الفقهاء وفصلوه تفصيلا.\n٣- إباحة ما جرحته الجوارح وقتلته وأدركه الصائد ميتا لإطلاق قوله: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ.\n٤- وجوب ذكر الله عند الإرسال كما\nورد من قوله ﷺ: «إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله فكل» «١»\nأما عند إدراكه حيّا فتجب التسمية عند ذكاته على خلاف في ذلك.\nقال الله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) طعام الذين أوتوا الكتاب هو الذبائح، وقيل: الخبز والفاكهة، وقيل: جميع المطعومات، والمعوّل عليه الأول، والمحصنات جمع محصنة، وهي الحرة.\nوقيل: العفيفة، والأجور جمع أجر، والمراد به المهر، وعبّر عنه بالأجر للدلالة على أنّ عين المحصنة لا تملك بالمهر.\nمحصنين بكسر الصاد أي متعففين بالزواج، يقال أحصن الرجل فهو محصن، أي تعفف فهو متعفف، وأحصن الزواج الرجل محصن بفتح الصاد، أي أعفّه الزواج، فهو معف بفتح العين.\nمسافحين: جمع مسافح، يقال: سافح الرجل المرأة إذا جامعها في الزنى من غير تحرّي الأسرار، وسمي مسافحا لأنه سفح ماءه، أي صبّه ضائعا.\nوالأخدان: جمع خدن بكسر الخاء وسكون الدال، وهو الصديق، يطلق على الذكر والأنثى، والمراد بالخدن هنا البغيّ التي يخادنها الرجل، أي يصادقها ليفجر بها وحده سرّا.\nأخبر الله تعالى في الآية السابقة بأنّه أحلّ الطيبات، وكان المقصود بيان الحكم\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٧١)، ٧٢- كتاب الذبائح، ٢- باب صيد المعراض حديث رقم (٥٤٧٦)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٥٢٩)، ٣٤- كتاب الصيد، ١- باب الصيد بالكلاب حديث رقم (١/ ١٩٢٩) .","vol":"1","page":352},{"text":"والإخبار، وأعاده في هذه الآية للدلالة على أنّه تعالى كما أكمل الدين وأتمّ النعمة فيه أكمل النعمة فيما يتعلق بالدنيا التي منها إحلال الطيبات، وطعام أهل الكتاب، والمحصنات المؤمنات، والمحصنات الكتابيات.\nوالمراد بالطيبات ما يستطاب ويشتهى عند أهل النفوس الكريمة.\nوالمراد بطعام أهل الكتاب ذبائحهم عند الجمهور، وهو الراجح، لا الخبز والفاكهة، ولا جميع المطعومات، لأنّ الذبائح هي التي تصير طعاما بفعلهم، وأما الخبز والفاكهة والمطعومات فهي مباحة للمؤمنين قبل أن تكون لأهل الكتاب، وبعد أن تكون لهم فلا وجه لتخصيصها بأهل الكتاب.\nوخصّ هذا الحكم بأهل الكتاب لأنّ المجوس لا يحل أكل ذبائحهم، ولا التزوج بنسائهم، وإنما قال: وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم، للتنبيه على أنّ الحكم مختلف في الذبائح والمناكحة، فإنّ إباحة الذبائح حاصلة من الجانبين، بخلاف إباحة المناكحات. فإنها في جانب واحد، والفرق واضح، لأنّه لو أبيح لأهل الكتاب التزوج بالمسلمات، لكان لأزواجهن الكفار ولاية شرعية عليهن، والله تعالى لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعيا، بخلاف إباحة الطعام من الجانبين فإنها لا تستلزم محظورا.\nوأحل لكم المحصنات المؤمنات أي الحرائر أو العفائف، أو المراد المصونات، فيعم الحرائر والعفيفات، وتخصيصهن بالذكر للحث على ما هو الأولى في عقدة النكاح، لا لنفي ما عداهن، فإنّ نكاح الإماء لغير المالكين صحيح بشرطه، وكذا نكاح غير العفيفات.\nوأحل لكم المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم من اليهود والنصارى، أي أحلّ لكم الحرائر والعفيفات من أهل الكتاب، سواء أكنّ ذميات أم حربيات، وتخصيص الحرائر العفيفات بالذكر للحث على ما هو الأولى، كما سبق، لا لنفي ما عداهن، وقيّد الحل بإيتاء المهور في قوله: إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ للدلالة على تأكّد وجوب المهر حتى كأنّه إذا لم يؤدّ المهر لا تحل له الزوجة، وللحثّ على ما هو الأولى، وهو إيتاء الصداق قبل الدخول.\nوقوله: مُحْصِنِينَ حال من فاعل آتَيْتُمُوهُنَّ أي أحل لكم محصنات أهل الكتاب إذا آتيتموهن أجورهن حال كونكم محصنين، أي متعففين بالزواج بهن (غير مسافحين) حال من ضمير مُحْصِنِينَ أو صفة لمحصنين، أي غير مجاهرين بالزنى، ولا متخذي أخدان، أي ولا مسرّين، وهو إما مجرور معطوف على غَيْرَ مُسافِحِينَ زيدت فيه (لا) لتأكيد النفي المستفاد من (غير) أو منصوب معطوف على غَيْرَ مُسافِحِينَ.","vol":"1","page":353},{"text":"وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ سيقت هذه الجملة للتحذير من المخالفات وللترغيب فيما تقدم من<span data-type=\"title\" id=toc-64> الأحكام</span>، أي ومن يكفر بشرائع الله وتكاليفه فقد خاب في الدنيا والآخرة.\nأما في الدنيا فباعتبار أن جميع أعماله حابطة ولاغية، لا فائدة فيها، وهو في ذلك معرّض للإذلال بالسيف حتى يسلم، أو يعطي الجزية عن يد وهو صاغر، وأما في الآخرة فهو هالك بنيران حامية مشتعلة، لا طاقة لأحد بها.\nأطلق الإيمان وأراد المؤمن به مجازا، وقيل: المراد ومن يكفر برب الإيمان، فهو مجاز بالحذف.\n\nالأحكام\nيؤخذ من الآية ما يأتي:\n١- إباحة الطيبات من الرزق.\n٢- إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب.\n٣- إباحة إطعام أهل الكتاب من طعام المسلمين.\n٤- إباحة نكاح المحصنات المؤمنات والمحصنات الكتابيات.\n٥- عدم الاعتداد بالأعمال إذا كان العامل جاحدا أحكام الله وشرائعه.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) للإنسان شهوات يجب أن يتمتع بها، وعليه واجبات يتحتم أن يؤديها، وأغلب شهواته منحصرة في المطعومات والمناكحات، ولمّا تفضل الله تعالى على الإنسان ببيان ما أحلّه وما حرّمه من المطاعم والمناكح شرع في بيان ما يجب عليه أداؤه لله تعالى، ليكون القيام بما وجب عليه شكرا له تعالى على ما أنعم به عليه فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلخ.\nوالمراد بالقيام إلى الصلاة إرادة القيام إليها من إطلاق المسبب وإرادة السبب، وإنما وجب تأويل القيام بإرادته لأنه لو بقي على حقيقته لزم تأخير الوضوء ووجوبه عن القيام إلى الصلاة، والاشتغال بها، وهو باطل بالإجماع، وليس المراد بالقيام انتصاب القامة، وإنما المراد به الاشتغال بأعمال الصلاة، أي إذا أردتم ذلك فاغسلوا إلى آخره.","vol":"1","page":354},{"text":"وإيجاب الوضوء عند إرادة الصلاة لا ينافي أنه يجب أيضا إذا ضاق الوقت، فإنّ وقت الصلاة إذا ضاق وجب الوضوء والصلاة وجوبا مضيقا، بمعنى أنّه يأثم بترك كلّ منهما، وإنما ربط الأمر بالوضوء بحالة إرادة الصلاة للإشارة إلى أن الشأن في المؤمنين إقامتها وعدم الإهمال في أدائها.\nوظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إليها وإن لم يكن محدثا، والإجماع على خلافه، ولهذا قالوا: إن الخطاب للمحدثين للإجماع على أنّ الوجوب لم يكن إلا عليهم، ولأنّ في الآية ما يدل عليه، فإنّ التيمم بدل عن الوضوء، وقائم مقامه، وقد قيّد وجوب التيمم في الآية بوجود الحدث، وهو يدل على أنّ الأصل مقيّد بوجوب الحدث ليتأتّى أن يكون البدل قائما مقام الأصل، ولأن الأمر بالوضوء نظير الأمر بالاغتسال، وهو مقيّد بالحدث الأكبر في قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا فيكون نظيره، وهو الأمر بالوضوء مقيّدا بالحدث الأصغر.\nويستأنس لاعتبار هذا القيد بما جاء في قراءة شاذة «إذا قمتم إلى الصّلاة وأنتم محدثون» وأما ما ورد من أنه ﵊ وخلفاؤه كانوا يتوضؤون لكل صلاة فلم يكن ذلك بطريق الوجوب، يدل عليه ما\nورد من قوله ﵊: «من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات» «١»\nمع ما\nورد من أنه ﵊ يوم الفتح صلّى الصلوات الخمس بوضوء واحد فقال له عمر بن الخطاب ﵁:\nيا رسول الله صنعت شيئا لم تكن تصنعه، فقال ﵊: «عمدا صنعته يا عمر» «٢»\nيعني يريد بيان الجواز فيكون الوضوء على طهر مندوبا فقط لا واجبا.\nوالوجه مأخوذ من المواجهة، وهي تقع بما كان من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا، فيجب غسل كل ما في هذه الدائرة فإن كان له لحية خفيفة وجب غسل الشعر والبشرة التي تحته، وإن كانت غزيرة وجب غسل ظاهرها فقط، ولكن لا يجب إيصال الماء إلى داخل العين لما في التزامه من الحرج، وقد قال تعالى في آخر الآية: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ. وأما الفم والأنف فأخذ حكمهما من دليل آخر.\nو(إلى) في قوله: إِلَى الْمَرافِقِ وإِلَى الْكَعْبَيْنِ تدل على أن ما بعدها غاية لما قبلها فقط، وأما دخول الغاية في الحكم أو خروجها عنه فلا دلالة لها عليه، وإنما هو\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ٣٧)، كتاب الطهارة باب الرجل يجدد الوضوء حديث رقم (٦٢)، والترمذي في الجامع الصحيح (١/ ٨٧)، كتاب الطهارة باب من جاء في الوضوء حديث رقم (٥٩) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٢٣٢)، ٢- كتاب الطهارة، ٢٥- باب جواز الصلوات حديث رقم (٨٦/ ٢٧٧) .","vol":"1","page":355},{"text":"أمر يدور مع الدليل الخارجي، ففي مثل قولنا حفظت القرآن من أوله إلى آخره، وقوله تعالى: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء: ١] ما بعد (إلى) داخل في حكم ما قبلها، لأنّ الغرض في المثال الأول للدلالة على حفظ كل القرآن، وللعلم العادي في المثال الثاني بأنه ﵊ لا يسرى به وهو زعيم ديني من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى- وهو من أعظم بيوت العبادة- من غير أن يدخله ويتعبد فيه.\nوفي مثل قوله تعالى: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] وقوله: أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: ١٨٧] ما بعد (إلى) غير داخل في حكم ما قبلها، لأنّ الإعسار في المثال الأول علة في الإنظار، وبالميسرة تزول العلة، فيطالب بالدين، ولا يثبت الإنظار معها، ولأنه في المثال الثاني لو دخل الليل في حكم الصيام للزم الوصال، وهو غير مشروع في حقنا، وقوله: إِلَى الْمَرافِقِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فقال الجمهور: بوجوب غسل المرفقين والكعبين احتياطا في العبادات، خصوصا إذا لوحظ أن الأيدي والأرجل تتناول في الاستعمال المرفقين والكعبين وما وراءهما، فيكون ذكرهما لإسقاط ما وراءهما لا غير، فيجب غسل المرفقين والكعبين لذلك، وهو مذهب الحنفية والشافعية. وقال زفر من الحنفية: لا يجب غسلهما لأنّ (إلى) لانتهاء الغاية، وما يجعل غاية للحكم يكون خارجا عنه.\nوَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ اتفق الفقهاء على أنّ مسح الرأس من فرائض الوضوء، ولكنهم اختلفوا في مقدار المسح، فقال المالكية: يجب مسح الكل أخذا بالاحتياط.\nوقال الشافعية: يكفي مسح أقل ما يطلق عليه اسم المسح أخذا باليقين.\nوقال الحنفية: يفترض مسح ربع الرأس أخذا ببيان النبي ﷺ كما روي عن المغيرة بن شعبة أنّ النبيّ ﷺ كان في سفر، فنزل لحاجته، ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته «١» .\nومنشأ الخلاف هنا اعتبار الباء في قوله: بِرُؤُسِكُمْ زائدة أو أصلية فقال المالكية والحنابلة، إن الباء كما تكون أصلية تكون زائدة لتقوية تعلق العامل بالمعمول، واعتبارها هنا زائدة أولى، لأنّ التركيب حينئذ يدل على وجوب مسح كل الرأس، والبعض داخل فيه، فيكون ماسح الكل آتيا بالفرص بيقين، فيجب مسح الكل احتياطا.\nوقال الحنفية والشافعية: إنّ هذه الأدوات التي منها الباء موضوعة للدلالة على معان، فمتى أمكن استعمالها دالة على هذه المعاني وجب استعمالها على هذا النحو.\nوالباء موضوعة للتبعيض، ويمكن استعمالها هنا فيه، فإننا نجد فرقا في المعنى\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٢٣٠)، ٢- كتاب الطهارة، ٢٣- باب المسح على الناصية حديث رقم (٨٣/ ٢٧٣) .","vol":"1","page":356},{"text":"بين وجودها في مثل هذا التركيب وعدم وجودها، لأنّك إذا قلت مسحت يدي بالحائط كان المفهوم مسح اليد ببعض الحائط لا بجميعه، وإذا قلت مسحت الحائط بيدي كان المفهوم مسح جميع الحائط، ومتى ظهر الفرق بين إدخال الباء وبين إسقاطها وجب أن يحمل قوله:\nوَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ على بعض الرأس وفاء بحق الحرف.\nإلا أن الحنفية استندوا في تقدير البعض بثلاث أصابع على رأي، وبربع الرأس على رأي آخر إلى ما رواه المغيرة بن شعبة كما تقدم.\nوأما الشافعية فقالوا: إن أقل ما ينطبق عليه اسم المسح داخل بيقين، وما عداه لا يقين فيه، فلا يكون فرضا.\nوقوله: وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب معطوف على وجوهكم، فيجب غسل الأرجل إلى الكعبين، يؤيّد ذلك عمل النبي ﷺ وعمل أصحابه في حياته وبعد مماته، فكان الحكم مجمعا عليه.\nوأما قراءة الجر فمحمولة على الجوار، كما في قوله في سورة هود إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود: ٢٦] بجر الميم لمجاورة يوم المجرور، وفائدة الجر للجوار هنا في قوله: وَأَرْجُلَكُمْ التنبيه على أنه ينبغي الاقتصاد في صب الماء على الأرجل، وخص الأرجل بذلك لأنها مظنة الإسراف، لما يعلق بها من الأدران.\nوالكعبان تثنية الكعب، وهو العظم الناتئ بين الساق والقدم، ولكل رجل كعبان يجب غسلهما.\nوَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا أصل الفعل تطهّروا، أدغمت التاء في الطاء فسكنت، فأتى بالهمزة، أي فاغسلوا بالماء أبدانكم جميعها، فإنّ الأمر بالتطهير لما لم يتعلق بعضو دون عضو كان أمرا بتحصيل الطهارة في كل البدن، يدل على ذلك أنّ الوضوء لما تعلّق بعضو دون عضو نص الله تعالى في الأمر به على تلك الأعضاء التي أوجب غسلها، وإنما حملت الطهارة بالماء لأنّ الماء هو الأصل فيها، كما يشير قوله تعالى:\nوَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال: ١١] .\nوالجنابة معنى شرعي يستلزم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلى أن يغتسل الجنب. وقد بيّن النبي ﷺ لحصول الجنابة سببين:\nالأول: نزول المني،\nفإنه ﵊ يقول في هذا الشأن «الماء من الماء» «١»\nأي يجب استعمال الماء للغسل من أجل الماء، أي المني.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٢٦٩)، ٣- كتاب الحيض، ٢١- باب إنّما الماء من الماء حديث رقم (٨٠/ ٣٤٣) .","vol":"1","page":357},{"text":"والثاني: التقاء الختانين،\nفإنه ﵊ يقول: «إذا التقى الختانان وجب الغسل» «١» .\nوكما يجب الغسل للجنابة يجب عند انقطاع حيض ونفاس، لقوله تعالى في الحيض: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢]\nولحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنه ﵊ قال لها: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» رواه البخاري «٢»\n. وللإجماع على أن النفاس كالحيض.\nواختلف الفقهاء في المضمضة والاستنشاق في الغسل، فقال المالكية والشافعية:\nلا يجبان فيه، وقال الحنفية والحنابلة: يجبان.\nحجة المالكية والشافعية: ما ورد من أنّ قوما كانوا يتحدثون في مجلس رسول الله ﷺ في أمر الغسل وكلّ يبين ما يعمل،\nفقال ﵊: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات، فإذا أنا قد طهرت» «٣» .\nوحجة الحنفية والحنابلة أنّ الأمر بالتطهير يعمّ جميع أجزاء البدن الظاهرة والباطنة، ولكنّ الباطنة التي لا يمكن غسلها سقطت للحرج، فبقيت الطهارة متعلقة بالظاهرة والباطنة التي يمكن غسلها، وهي الفم والأنف، فكانت المضمضة والاستنشاق من الواجبات في الغسل، وأيضا رأينا أنه تعلقت بهما أحكام تدلّ على اعتبارهما من الأعضاء الظاهرة، وأحكام تدلّ على اعتبارهما من الأعضاء الباطنة، فمن الأول ما قالوه من أنه إذا تمضمض الصائم أو استنشق لا يفسد صومه، وهو دليل اعتبارهما من الظاهرة، ومن الثاني ما قالوه من أنّه إذا خرج القيء من الجوف إلى الفم ثم عاد، لا يفسد صومه وهو دليل اعتبارهما من الباطنة، وحيث اجتمع فيه شبه الأعضاء الظاهرة والباطنة كان الاحتياط في باب الطهارات في وجوب غسلهما.\nوأجيب عما تمسك به المالكية والشافعية بأن الغرض من الحديث بيان أنّه لا يجب الوضوء بعد الغسل كما فهم ذلك كثير من الصحابة فبيّن ﵊ أنّ الواجب الغسل فقط، وأنّ الطهارة الصغرى تدخل في الطهارة الكبرى.\nوَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ.\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند (٦/ ٢٢٩) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (١/ ٩١)، ٦٠- كتاب الحيض، ٩- باب الاستحاضة حديث رقم (٣٠٦) .\n(٣) رواه مسلم (بلفظ مختلف) في الصحيح (١/ ٢٥٨)، ٣- كتاب الحيض، ١١- باب استحباب الإفاضة، حديث رقم (٥٤/ ٣٢٧) . [.....]","vol":"1","page":358},{"text":"بعد أن بيّن الله تعالى وجوب استعمال الماء في الوضوء والغسل عند إرادة الصلاة بيّن هنا أنّ وجوب استعمال الماء مقيّد بأمرين:\nالأول: وجود الماء. والثاني: القدرة على استعماله من غير ضرر.\nأما إذا انعدم الماء أو وجد ولكنّ مريد الصلاة مريض يضره الماء، فالوجوب ينتقل من استعمال الماء إلى التيمم في حالتي الحدث الأصغر والأكبر.\nفالتيمم رخصة مبنية على أعذار العباد، وهو حكم سقط به حكم آخر هو وجوب استعمال الماء لعذر، وهو عدم القدرة على استعمال الماء، فهو رخصة إسقاط في المحل، لاقتصاره على الوجه واليدين، وفي الآلة لقيامة مقام الماء عند عدم القدرة على استعمال الماء.\nوظاهر النص جواز التيمم للمريض مطلقا، ولكنّه مقيّد بمن يضره الماء، كما روي عن ابن عباس وجماعة من التابعين من أنّ المراد بالمريض المجدور، ومن يضره الماء كما تقدم في سورة النساء، ولذلك رأى الفقهاء أنّ المرض أنواع:\nالأول: ما يؤدي استعمال الماء فيه إلى التلف في النفس أو العضو بغلبة الظن، أو بإخبار الطبيب المسلم الحاذق، وفي هذه الحالة يجوز التيمم باتفاق.\nوالثاني: ما يؤدي استعمال الماء معه إلى زيادة العلة، أو بطء المرض، وفي هذه الحالة يجوز التيمم عند الحنفية والمالكية، وهو أصح قولي الشافعي لما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر في رأسه فشجّه، ثم احتلم، فخاف من زيادة العلة إن استعمل الماء، فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على استعمال الماء. فاغتسل، ثم ازدادت علته ومات، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ علم بما حصل\nفقال ﵊: «قتلوه، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم» «١» .\nالثالث: ما لا يخاف معه تلفا ولا بطأ، ولا زيادة في العلة من استعمال الماء، وفي هذه الحالة لا يجوز التيمم عند الحنفية والشافعية، لأنّه لم يخرج عن كونه قادرا على استعمال الماء، فلا يرخّص له في التيمم وعند المالكية يجوز التيمم لإطلاق النص.\nالرابع: أن يكون المرض حاصلا لبعض الأعضاء، فإن كان الأكثر صحيحا وجب غسل الصحيح ومسح الجريح، ولا يجوز التيمم، وإن كان الأكثر جريحا يجوز التيمم، وهذا مذهب الحنفية. وعند الشافعية: يغسل الصحيح، ثم يتيمم مطلقا. وعند المالكية: جاز له التيمم مطلقا.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ١٤١)، كتاب الطهارة، باب المجروح يتيمم حديث رقم (٣٣٦) .","vol":"1","page":359},{"text":"ومن ذلك يتبيّن أن المريض يترخّص بالتيمم، ولو كان الماء موجودا، بخلاف المسافر كما سيأتي، فإنّ ترخّصه مقيّد بعدم الماء.\nوقوله: أَوْ عَلى سَفَرٍ وإن كنتم مستقرين على سفر لا تجدون معه الماء وكنتم محدثين فَتَيَمَّمُوا أي فيلزمكم التيمم إلخ. وليس المراد سفر القصر وإنما المراد السير خارج العمران، سواء وصل إلى مسافة القصر أم لا، بخلافه في قوله تعالى في سورة البقرة فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٤] فإنّ المراد به سفر القصر.\nوإنما قيد الأمر هنا بالسفر مع أن المنظور إليه عدم الماء، لأنّ السفر هو الذي يغلب فيه عدم الماء، بخلاف الحضر، ولو فرض عدم الماء في الحضر وجب التيمم على المحدث عند إرادة الصلاة عند الحنفية والمالكية والشافعية.\nأَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ وتقدم في [النساء: ٤٣] أنّ هذه كناية في قضاء الحاجة، وكل ما يخرج من السبيلين ملحق بقضاء الحاجة بدلالة الأحاديث الواردة عليه، و(أو) هذه بمعنى الواو، فإنّ الأمر بالتيمم للوجوب، ولا يجب التيمم في المرض أو السفر إلا عند الحدث مع إرادة الصلاة أو وجوبها، ولأنها إذا لم تكن بمعنى الواو لزم أن تكون قسما ثالثا مغايرا للمريض والمسافر، فلا يكون وجوب الطهارة عليهما متعلقا بالحدث، مع أنّ الوجوب لا يتعلق بهما إلا إذا كانا محدثين، فوجب أن تكون (أو) بمعنى الواو، ولذلك نظائر كما تقدم.\nأَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ تقدم الكلام على تفسير هذه الجملة مستوفى [النساء: ٤٣] وملخّصة أنّ الملامسة هنا يحتمل أن يراد بها الجماع، كما تأولها علي وابن عباس وغيرهما من السلف، وكانوا لا يوجبون الوضوء على من مسّ امرأة باليد، ويحتمل أن يراد بها المس باليد، كما تأولها بذلك عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود من السلف، وكانا يوجبان الوضوء على من مس امرأة باليد، وقد تقدّم ترجيح القول بأن المراد بها الجماع، كما تقدم تفصيل الخلاف بين الفقهاء في ذلك أيضا.\nفَلَمْ تَجِدُوا ماءً المراد بعدم وجدان الماء عدم القدرة على استعماله، سواء كان لعدم وجوده، كما في السفر، أو للضرر الذي يخشى من استعماله كما في حالة المرض، أو لمانع يمنع من استعماله كما إذا وجد الماء، ولكنه يخاف عطشا أو سبعا، أو وجده بأكثر من قيمته، فمثل هذا لا يعد واجدا للماء عند الحنفية والمالكية والشافعية.\nوقد وقع الخلاف بين الأئمة في المراد من وجود الماء الذي يمنع من التيمم، فقال المالكية: المراد بوجود الماء الوجود الحكمي، بمعنى أن الشخص يتمكن شرعا من استعماله من غير ضرر، والحنفية يقولون بالمراد الوجود الحسي، بمعنى أنه يتمكن","vol":"1","page":360},{"text":"تمكنا حسيا من استعماله من غير ضرر، وينبني على هذا الخلاف أنّ من وجد الماء وهو في الصلاة يتمادى ولا يقطع الصلاة عند المالكية، لأنه لا يتمكن شرعا من استعماله من غير إبطال الصلاة، وهو لا يجوز له أن يبطل الصلاة، وعند الحنفية يبطل تيممه، فتبطل الصلاة ويجب استعمال الماء.\nوإطلاق الماء يدل على عدم جواز التيمم عند وجود الماء الذي تغيّر بطول المكث، فإنه لم يخرج عن أنه ماء.\nوالمراد لم تجدوا ماء كافيا للوضوء أو للغسل، فلو وجد ماء كافيا لبعض الوضوء أو للغسل يتيمم عند الحنفية والمالكية، ولا يستعمل الماء في شيء من أعضائه.\nوعند الشافعية والحنابلة: يستعمل الماء في بعض الأعضاء، ثم يتيمم، لأنه لا يعدّ فاقدا للماء مع وجود هذا القدر.\nفَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ تقدّم أنّ الصعيد: هو التراب على القول المختار الظاهر.\nوالتيمم المطلوب شرعا هو استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهير، والعضوان هما: الوجه واليدان إلى المرفقين عند الحنفية، وهو أرجح القولين عند الشافعية وإلى الرسغين عند المالكية والحنابلة.\nوحجة الحنفية أن الأيدي في قوله: وَأَيْدِيَكُمْ تشمل العضو كله إلا أنّ التيمم بدل عن الوضوء، والبدل لا يخالف الأصل إلا بدليل، وقد جعل المرفق غاية في الأصل، فليكن غاية في البدل بدلالة النص، وأنه\nروى جابر بن عبد الله أنّ النبي ﷺ قال: «التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة للذّراعين إلى المرفقين» .\nوكان مقتضى التعبير بالباء في قوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ جواز مسح بعض الوجه كما سبق مثله في وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ إلا أن الحنفية والشافعية أوجبوا الاستيعاب لما روي عن عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله أنهما حكيا تيممه ﵊، وفيه استيعاب الوجه واليدين إلى المرفقين، ولأنّ التيمم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل واجب، فيكون البدل كذلك ما لم يدل دليل على خلافه، ولم يوجد.\nواختلف الفقهاء في لزوم إيصال التراب إلى الوجه واليدين وعدمه، فقال الحنفية والمالكية: لا يلزم، وقال الشافعية: يلزم، وسبب اختلافهم الاشتراك الواقع في حرف (من) في قوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ فإنّها ترد للتبعيض، وترد للابتداء، وتمييز الجنس، فرجّح الشافعية حملها على التبعيض من جهة قياس التيمم على الوضوء، وفي الوضوء يجب استعمال بعض الماء، فيجب في التيمم استعمال بعض التراب.","vol":"1","page":361},{"text":"ورجح الحنفية والمالكية حملها على الابتداء، وتمييز الجنس، لما ورد في الأحاديث الكثيرة التي ترشد إلى آداب التيمم من أنّ المتيمم ينفض يديه، ليتناثر التراب، فيمسح وجهه ويديه من غير تلويث، ولما\nورد من أنه ﵊ تيمم على حائط بضربتين للوجه واليدين «١»\nوالظاهر أنه لا يعلق على يديه شيء من التراب.\nما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ.\nالحرج: الضيق، ولما بيّن الله تعالى فيما سبق أنه متى لم يتمكن المتطهر من استعمال الماء جاز له أن يتيمم، وكان في هذا تيسير عظيم على المسلمين، أعقبه بهذه الآية ليدل على فضله تعالى وعظيم إحسانه بطريق الصراحة، والمعنى أنّ الله وسّع عليكم فأمركم بالطهارة بالماء عند وجوده، وبالطهارة بالتراب عند عدمه، لأنّه تعالى لم يرد أن يضيّق عليكم بالتزام حال واحدة في حال اليسر والعسر، وَلكِنْ يُرِيدُ هذه التكاليف لِيُطَهِّرَكُمْ من الأدران، وينظفكم من الضعف والكسل والفتور الذي يعتري الجسم من حين لآخر، كالذي يكون عند القيام من النوم، وعند اندفاع الخبث وسيلان الدم والقيء، وما أشبه ذلك. وينظفكم أيضا من الأدران النفسية، كالتمرد وعدم الامتثال، فإنّ المتمرد ربما يزعم أنّ أعضاء الوضوء مثلا نظيفة لم تصب بشيء من النجاسات، أو أنّ التراب لم يخلق مطهّرا، وإنما خلقه الله ملوّثا، فلا ينقاد لهذه الأوامر.\nأما الذي يشعر بالعبودية، ويستحضر جلال الله تعالى فلا يسعه عند عدم إدراك حكمة التشريع إلا الانقياد والامتثال لأمره تعالى. فإنّ الله يريد هذه التكاليف ليطهركم من الأدناس الحسية والمعنوية.\nوَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ باليسر في الدين، وبإرشادكم إلى التمتع بنعمة الأعمال الدينية بعد إرشادكم إلى التمتع بنعمة الدنيا بإباحة الطيبات من المطاعم والمناكح لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي كي تشكروه لإنعامه عليكم، فلعل للتعليل، أو المعنى ليتم نعمته عليكم حال كونكم متلبسين بحالة ترجون معها شكر الله تعالى، فتكون (لعل) للترجي الواقع من المخاطبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>وهاهنا أمور</span>\nالأول: يؤخذ من الآية أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، لأنّه تعالى أوجب الطهارة بالماء عند إرادة الصلاة، وبيّن أنه إذا انعدم الماء وجب التيمم، فدل ذلك على أن المأمور به أداء الصلاة مع الطهارة، فأداؤها دون الطهارة لا يكون أداء للمأمور به، فلا يسقط الفرض به، فتكون الطهارة شرطا لصحة الصلاة.\n_________\n(١) رواه مسلم (بلفظ مختلف) (١/ ٢٨١)، ٣- كتاب الحيض، ٢٨- باب التيمم حديث رقم (١١٤/ ٣٦٩)، وأبو داود في السنن (١/ ١٣٨)، كتاب الطهارة، باب التيمم حديث رقم (٣٣٠) .","vol":"1","page":362},{"text":"الثاني: التيمم بدل عن الوضوء في الحدث الأصغر باتفاق، وأما كونه بدلا عن الغسل في الحدث الأكبر فهو محل خلاف بين السلف، فالمروي عن عليّ وابن عباس والحسن وأبي موسى والشعبي، وهو قول أكثر الفقهاء أنه بدل عنه أيضا، فيجوز التيمم لرفع الحدث الأكبر.\nوالمرويّ عن عمر وابن مسعود أنه ليس بدلا عن الغسل، فلا يجوز التيمم له لرفع الحدث الأكبر.\nالثالث: يؤخذ من الآية أنّ الطهارة لا تجب إلا عند الحدث، لأنها تضمنت أن التيمم بدل عن الوضوء والغسل، وقد أوجبه الله على مريد الصلاة متى جاء من الغائط، أو لامس النساء، ولم يجد الماء، وهو يدلّ على أن الطهارة بالماء واجبة على مريد الصلاة متى جاء من الغائط أو لامس النساء أيضا، لأنّ البدل لا يخالف الأصل إلا بدليل، ولم يوجد فلا تجب الطهارة إلا عند الحدث.\nودلت الآثار الصحيحة على أنّ الريح والمذي والودي ينقض الوضوء كالبول والغائط.\nقال الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) لما ذكر الله فيما سبق التكاليف التي كلّف بها المؤمنين أردفه بما يوجب عليهم القبول والثبات، عليه، وهو منحصر بحسب ما ذكره في أمرين:\nالأول: نعمة الله عليهم.\nوالثاني: الميثاق الذي أخذ عليهم بالسمع والطاعة لكل ما يلقى عليهم، والتزموا قبوله والعمل به.\nأما الأول: فلأنّ الإنعام يوجب على المنعم عليه تعظيم المنعم، وإجلاله، والتودد إليه بفعل ما يرضيه، واجتناب ما يغضبه، خصوصا إذا كان الإنعام وافرا، والإحسان جما.\nوإنما وحّد النعم ليشير إلى أنّ التأمل في جنس النعم كالنظر إلى الحياة والصحة والعقل والهداية وحسن التدبير والصون عن الآفات والعاهات، فجنس هذه النعم لا يقدر عليه غير الله تعالى، فيكون وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل.\nوإنما قال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ وهو يشعر بنسيانها، مع أن مثلها لا ينسى، خصوصا إذا لوحظ أنها متواترة في جميع الأزمان، للإشارة إلى أنه لكثرة هذه النعم وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد الذي لكثرة وجوده قد يغفل المرء عنه.","vol":"1","page":363},{"text":"وأما الثاني: فالظاهر أن المراد بالميثاق المواثيق التي جرت بينه ﵇ وبين المؤمنين ليكونوا على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه، مثل مبايعته الأنصار ليلة العقبة، ومبايعته عامة المؤمنين تحت الشجرة، وهي بيعة الرضوان، وغيرهما من المواثيق التي أعطى فيها المؤمنون العهد بالسمع والطاعة في حالتي اليسر والعسر، وإنما أضيف الميثاق إليه تعالى مع أنه كان الرسول ﷺ، لأنّ الله تعالى هو المرجع، كما أشير إلى ذلك بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠] وبقوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] .\nثم إنّه تعالى أكد على المؤمنين وجوب العمل بهذه المواثيق، فذكّرهم بأنهم التزموها وقبلوها، وقالوا: سمعنا وأطعنا، ثم حذرهم من نقضها ونسيان النعم بقوله:\nوَاتَّقُوا اللَّهَ أي اتخذوا وقاية من عذاب الله الذي أعدّه لمن نقض العهد أو جحد النعم ولم يشكر الله عليها إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بخفيات الأمور الكامنة في الصدور، المستقرة فيها استقرارا يصحح إطلاق اسم الصاحب عليها، وكما يعلم الله خفيات الأمور يعلم جليات الأمور من باب أولى، وهذه الجملة تعليل لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>الأحكام</span>\nيؤخذ من الآية ما يأتي:\n١- وجوب تذكّر نعم الله التي يتمتع بها المرء مع اعتقاد أنها بتيسير الله ومحض إحسانه، لينشط في واجب الشكر عليها.\n٢- وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق التي يفيد تنفيذها في الصالح العام وخير المجتمع.\n٣- وجوب تقوى الله فيما أمر به ونهى عنه.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) لما ذكر الله تعالى المؤمنين في الآية السابقة بما يوجب عليهم الانقياد لأوامره ونواهيه أقبل عليهم يخاطبهم، ويطالبهم بالانقياد لتكاليفه، سواء منها ما تعلق بجانبه تعالى وما تعلق بجانب عباده فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ أي قوموا قياما كثير العد لله تعالى بالحق في كل ما يلزمكم القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به، والنهي عن المنكر واجتنابه.\nوكونوا شُهَداءَ بِالْقِسْطِ أي أدوا الشهادات في حقوق الناس بالعدل كما في قوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ أي شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [النساء: ١٣٥] .","vol":"1","page":364},{"text":"وقيل: المراد الشهادة على الناس بمعاصيهم يوم القيامة كما في قوله تعالى:\nلِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] أي كونوا من أهل العدالة الذين حكم الله بأنهم يكونون شهداء على الناس يوم القيامة وقيل المراد الشهادة لأمر الله بأنّه الحق، والظاهر الأول، وإن كان الثاني أنسب بكون الآية نزلت في يهود بني النضير، ومعنى كونه يشهد لله أنه لا يحابي بشهادته أهل وده وقرابته، ولا يمنع شهادته عن أعدائه وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا أي لا يحملنّكم بغض قوم على أن تجوروا عليهم في معاملتهم، وأن تظلموهم في محاكمتكم لهم، وأن تعتدوا عليهم في أنفسهم وأولادهم.\nقيل: نزلت هذه الآية في يهود بني النضير حين ائتمروا على الفتك برسول الله ﷺ، فأوحى الله إليه بذلك، ونجّاه من كيدهم، فأرسل ﵊ إليهم يأمرهم بالرحيل من جوار المدينة، فامتنعوا وتحصنوا بحصونهم، فخرج ﵊ إليهم بجمع من أصحابه، وحاصرهم ستّ ليال، اشتد الأمر فيها عليهم، فسألوا النبيّ ﷺ أن يكتفي منهم بالجلاء، وأن يكفّ عن دمائهم، وأن يكون لهم ما حملت الإبل.\nوكان البعض من المؤمنين يرى لو يمثل النبيّ ﷺ بهم، ويكثر من الفتك فيهم فنزلت الآية لنهيهم عن الإفراط في المعاملة بالتمثيل والتشويه، فقبل النبي ﵊ من اليهود ما اقترحوه «١» .\nوقيل: نزلت في المشركين الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام عام الحديبية، كأنه تعالى أعاد النهي هنا ليخفّف من حدة المسلمين ورغبتهم في الفتك بالمشركين بأيّ نوع من أنواع الفتك.\nاعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى نهاهم أولا عن أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم صرّح لهم بالأمر بالعدل، للتأكيد، ثم ذكر علة الأمر بالعدل بقوله: هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى أي العدل في معاملة الأعداء أقرب إلى اتقاء المعاصي على الوجه العام، أو المعنى: أن العدل في معاملة الأعداء أقرب إلى اتقاء عذاب الله على الوجه العام أيضا، وبه يندفع ما قد يقال: إن العدل من التقوى، فكيف يقال هو أقرب للتقوى.\nثم أمر بالتقوى على الوجه العام فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي اتخذوا وقاية من عذابه في جميع أعمالكم، فإنّ الله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>الأحكام</span>\nيؤخذ من الآية ما يأتي:\n١- وجوب القيام لله تعالى بكل التكاليف التي وجهها إلينا.\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٦/ ٩١) .","vol":"1","page":365},{"text":"٢- وجوب أداء الشهادات على وجهها من غير محاباة ولا ظلم.\n٣- وجوب العدل في معاملة الأعداء والأحباب.\n٤- وجوب تقوى الله على الوجه العام.\nقال الله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)\nنص الله تعالى في الآية السابقة على تغليظ الإثم في قتل النفس بغير قتل نفس ولا فساد في الأرض حيث قال: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وبيّن في هذه الآية أنّ الفساد الذي يوجب القتل ما هو؟ فإن بعض ما يكون فسادا في الأرض لا يوجب القتل كشهادة الزور والسرقات وهتك الأعراض من غير المحصن، فقال: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ إلخ.\nنزلت هذه الآية في قطّاع الطريق لا في المشركين ولا في المرتدين، فإنّ كلّا منهما إذا تاب قبلت توبته، سواء أكانت التوبة قبل القدرة عليهم أم بعدها، أمّا قطّاع الطريق فيسقط عنهم الحد إذا تابوا قبل القدرة عليهم، ولا يسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم.\nقيل: نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وكان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد على أنه لا يعينه ولا يعين عليه، وأنه إن أتاه أحد من المسلمين أو مرّ عليه من يقصد النبيّ ﷺ لا يتعرض له بسوء، فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بقوم من بني هلال، وكان هلال غائبا، فقطعوا عليهم الطريق، وقتلوا منهم، وأخذوا أموالهم.\nوقيل: نزلت في قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله عهد، فنقضوا العهد، وقطعوا الطريق على المسلمين. وعلى كلّ فقوله: يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا يتناول كلّ من اتصف بهذه الصفة سواء أكان كافرا أم مسلما، غاية الأمر أن يقال: إنّ الآية نزلت في الكفار، ولكنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nومحاربة الناس لله على وجه الحقيقة غير ممكنة، لتنزهه عن أن يكون من الجواهر والأجسام التي تقاتل أو تقاتل، ولأنّ المحاربة تستلزم أن يكون كلّ من المتحاربين في جهة ومكان، والله منزّه عن ذلك، فيكون مجازا، إما من المخالفة والإغضاب مع التلبس بحالة تشبه حالة المحاربين، فإنّ قطّاع الطريق يخرجون ممتنعين مجاهرين بإظهار السلاح وقطع الطريق، أو المعنى يحاربون أولياء الله","vol":"1","page":366},{"text":"ورسوله، فيكون نظير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: ٥٧] .\nوالمحاربون هم الذين يجتمعون بقوة وشوكة يحمي بعضهم بعضا، ويقصدون المسلمين، أو أهل الذمة في أرواحهم وأموالهم.\nوالسعي في الأرض بالفساد عبارة عن إخافة الطرق بحمل السلاح، وإزعاج الناس، سواء أصحبه قتل النفوس وأخذ الأموال أم لا.\nواتفق العلماء على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كانوا قطّاع الطريق، وأما إذا حصلت في المصر ففيها الخلاف، فقال أبو حنيفة: لا يكون قاطعا للطريق، لأنّ المجني عليه يلحقه الغوث في الغالب، فلا يتمكن المجتمعون من المقاتلة، وروي عن مالك أنه لا يكون محاربا حتى يقطع على ثلاثة أميال من القرية، وروي عنه أيضا إذا كابر في المصر باللصوصية كان محاربا، تجري عليه أحكام قطاع الطريق، وهو مذهب الإمام الشافعي، لإطلاق قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إلخ.\nواختلفوا في الحكم المستفاد من هذه الآية، فقال قوم من السلف: الآية تدل على التخيير بين هذه الأجزية، فمتى خرجوا لقطع الطريق وقدر عليهم الإمام خيّر بين أن يجري عليهم أيّ نوع من هذه الأحكام، وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا، وإلى هذا ذهب سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وعطاء بن أبي رباح وهو مذهب المالكية.\nوقال قوم آخرون من السلف: الآية تدل على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها من الجنايات، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطّعت يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السّبل ولم يقتل ولم يأخذ مالا نفي من الأرض، وهو ما رواه عطاء عن ابن عباس، وذهب إليه قتادة والأوزاعي، وهو مذهب الشافعية والصاحبين من الحنفية وأكثر العلماء.\nوأبو حنيفة يحمل الآية على التخيير، لكن لا في مطلق المحارب، بل في محارب خاص، وهو الذي قتل النفس وأخذ المال، فالإمام مخيّر في أمور أربعة:\nإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم.\nوإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم.\nوإن شاء صلبهم فقط.\nوإن شاء قتلهم فقط. ولا يجوز إفراد القطع في هذه الحالة، بل لا بدّ من انضمام القتل أو الصلب إليه، لأنّ الجناية قتل وأخذ مال، والقتل وحده فيه القتل، وأخذ المال وحده فيه القطع، ففيهما مع الإخافة والإزعاج لا يعقل القطع وحده، هذا مذهب الإمام أبي حنيفة.\nوقال صاحباه: في هذه الصورة يصلّبون ويقتلون ولا يقطعون، واتفق أبو حنيفة","vol":"1","page":367},{"text":"مع أصحابه على أنهم إذا قتلوا فقط يقتلون، وإذا أخذوا المال فقط تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف لا غير، وإن أخافوا الطريق ولم يأخذوا مالا ولم يقتلوا نفسا ينفون من الأرض.\nحجة المالكية ظاهر الآية، فإنّ الله تعالى ذكر هذه الأجزية بكلمة (أو) وهي موضوعة للتخيير، كما في كفارة اليمين، وكفارة جزاء الصيد، فيجب العمل بحقيقة هذا الحرف ما لم يدل الدليل على خلافه، ولم يوجد، فيثبت التخيير.\nحجة الشافعية والصاحبين وأكثر العلماء: أنّ الآية لا يمكن إجراؤهما على ظاهر التخيير في مطلق المحارب لأمرين:\nالأول: أن العقل يقضي أن يكون الجزاء مناسبا للجناية، يزداد بازديادها، وينقص بنقصها، وقد وردت الشريعة بهذا الذي يراه العقل حيث قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠] فالتخيير في جزاء الجناية القاصرة بما يشمل جزاء الجناية الكاملة، وفي الجناية الكاملة بما يشمل جزاء القاصرة خلاف المشروع، يؤيّد هذا إجماع الأمة على أنّ قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال لا يكون جزاؤهم المعقول النفي وحده، وهو يدل على أنّه لا يمكن العمل بظاهر التخيير.\nوالثاني: أن التخيير الوارد في الأحكام المختلفة بحرف التخيير إنما يجري على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا، كما في كفارة اليمين، وكفارة جزاء الصيد، أما إذا كان السبب مختلفا، فإنّه يخرج التخيير عن ظاهره، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد في نفسه، وقطع الطريق متنوع، وبين أنواعه تفاوت في الجريمة، فقد يكون بأخذ المال فقط، وقد يكون بالقتل لا غير، وقد يكون بالجمع بين الأمرين، وقد يكون بالتخويف لا غير، فكان سبب العقاب مختلفا، فلا يحمل ظاهر النص على التخيير، بل يحمل على بيان الحكم لكل نوع، فيقتلون ويصلبون إن قتلوا وأخذوا، وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال لا غير، وينفون من الأرض إن أخافوا الطريق ولم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا.\nونظير ذلك قوله تعالى: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [الكهف: ٨٦] فإنّه ليس الغرض التخيير، وإنما المعنى ليكن شأنك مع قومك تعذيب من جحد وظلم، والإحسان إلى من آمن وعمل صالحا، فلما اختلف السبب لم تحمل الآية على التخيير، بل على بيان الحكم لكل نوع.\nويؤيد ما ذهب إليه أبو حنيفة أنّ الآية لا يمكن صرفها إلى ظاهر التخيير في مطلق المحارب، فإما أن تحمل على ترتيب الأحكام ويضمر في كل حكم ما يناسبه من الجنايات، وفيه إلغاء حرف التخيير بالمرة، وإما أن يعمل بظاهر التخيير بين","vol":"1","page":368},{"text":"الأجزية الثلاثة، لكن لا في مطلق المحارب، بل في محارب خاص، وهو الذي قتل النفس وأخذ المال، وهذا هو الأقرب والأولى، لأن فيه عملا بحقيقة حرف التخيير، وبما هو المعقول المؤيد بما وردت به الشريعة.\nوقوله: وَيَسْعَوْنَ معطوف على يُحارِبُونَ وقوله: فَسادًا حال من فاعل يَسْعَوْنَ بتأويله باسم الفاعل، أو هو مصدر مؤكّد ل يَسْعَوْنَ فإنّه بمعنى يفسدون إفسادا، فهو مصدر حذفت زوائده، أو هو اسم مصدر مؤكد.\nوقوله: أَنْ يُقَتَّلُوا خبر عن المبتدأ الذي هو (جزاء) والمراد يقتلون حدا، أي من غير صلب إن أفردوا القتل، ولا يسقط القتل حينئذ بعفو الأولياء، ولا فرق بين أن يكون القتل بآلة جارحة أو بغيرها، والإتيان بصيغة التفعيل لما في القتل هنا من الزيادة باعتبار أنه محتوم لا يسقط، ولو عفا الأولياء.\nوقوله: أَوْ يُصَلَّبُوا أي مع القتل إن قتلوا النفس وأخذوا المال.\nوقوله: أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أي إن أخذوا المال لا غير، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ إن أخافوا الطريق، ولم يقتلوا نفسا، ولم يأخذوا مالا.\nوكيفية الصلب أن يصلب حيا على الطريق العام يوما واحدا، أو ثلاثة أيام لينزجر الأشقياء، ثم يطعن برمح حتى يموت، وهو مرويّ عن أبي يوسف، وذكره الكرخي أيضا.\nوقيل: يقتل ويصلّى عليه، ثم يصلب، وهو مذهب الشافعية، والنفي من الأرض هو الحبس عند الحنفية، والعرب تستعمل النفي بهذا المعنى كثيرا، لأنّ الشخص إذا نفي فارق بيته وأهله، فكأنّه نفي من الأرض، وقيل: النفي هو طلبهم عند الفرار، وعدم تمكينهم من الإقامة في مكان خاص، بمعنى أنه إذا طلبهم الإمام، فإن قدر عليهم أقام عليهم الحد، وإن هربوا طلبهم في البلدة التي ينزلون بها، فإن هربوا إلى بلدة أخرى طلبهم أيضا، وهكذا.\nوكيفية القطع أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، سواء أكانوا أخذوا المال من مسلم أم من ذمي، بشرط أن يكون المال بحيث لو قسم يخص كل واحد: قدر عشرة دراهم عند الحنفية، أو ربع دينار عند الشافعية كما في السرقة، ولم يعتبر الإمام مالك هذا الشرط، لأنّه يرى إجراء الحكم عليهم بأي نوع من أنواعه بمجرد الخروج، ولو لم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا.\nذلِكَ الذي فصل من الأحكام لَهُمْ خِزْيٌ كائن فِي الدُّنْيا أي ذل وفضيحة وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ لعظم جناياتهم، واقتصر في الدنيا على الخزي مع أنّ لهم فيها عذابا أيضا، وفي الآخرة على العذاب مع أن لهم فيها خزيا أيضا، لأن","vol":"1","page":369},{"text":"الخزي في الدنيا أعظم من عذابها، والعذاب في الآخرة أشد من خزيها.\nويؤخذ من الآية أن الحدود لا تسقط العقوبة في الآخرة حيث قال: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ فالحدود من الزواجر لا من الجوابر، كما هو صريح الآية، وقيل: إن الحدود تجبر الذنوب وتكفرها، بدليل\nقوله ﵊ في الحديث الصحيح «من أصاب من هذه المعاصي شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئا فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه» «١» .\nوأجيب عن الحديث بأن الآية قطعية فيجب أن يقيّد الحديث الذي هو ظني بما لا يتنافى مع الآية، وقد قالوا: يجب حمل الحديث على ما إذا تاب عن الذنب، فتوبته تكفّر إثم الجريمة، وإنما أضاف الكفارة إلى العقاب في الحديث باعتبار أنّ الظاهر أن من يقع في يد الحاكم، ويرى أنّ الحد واقع عليه لا محالة يندم على ما فعل، ويتوب منه، فيكفّر الله عنه إثم الجريمة، فيكون العقاب سببا في الكفارة بواسطة.\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ استثناء لإخراج بعض ما تناول اللفظ، ولكنّه مخصوص بما هو من حقوق الله تعالى كما يدل عليه قوله تعالى: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أما ما هو من حقوق الأولياء من قصاص أو مظلمة في مال أو غيره فهو ثابت لهم، إن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا استوفوا.\nوالمراد أنّ التوبة قبل القدرة عليهم لا تسقط عنهم القتل حدا، الذي من آثاره أنه ينفّذ عليهم ولو عفا الأولياء، ولا تسقط عنهم القتل قصاصا، الذي أمره مفوّض إلى رأي الأولياء، إن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا استوفوا.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) سبق هذه الآية بيان خطر القتل والفساد وحكمهما، والإشارة إلى الغفران للتائبين، فكان من المناسب أن يأمر الله المؤمنين أن يتقوه في كل ما يأتون وما يذرون، فيتركوا المعاصي ومن جملتها القتل والفساد، ويفعلوا الطاعات ومنها السعي في إحياء النفوس، ودفع الفساد، والمسارعة إلى التوبة والاستغفار. فقال جلّ شأنه:\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ.\nثم قال: وَابْتَغُوا أي اطلبوا لأنفسكم إِلَيْهِ أي إلى ثوابه ورضاه الْوَسِيلَةَ أي افعلوا الطاعات، واتركوا ما نهاكم عنه، فذلكم وحده هو الطريق\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ٢٠)، ٨٦- كتاب الحدود، ٩- باب الحدود حديث رقم (٦٧٨٤)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٣٣٣)، ٢٩- كتاب الحدود، ١٠- باب الحدود حديث رقم (٤١/ ١٧٠٩) .","vol":"1","page":370},{"text":"المقرّبة من رضاه، الموصلة إلى ثوابه. والوسيلة فعلية بمعنى ما يتوسل به، أي يتقرب، وليست مصدرا، ولذا تعلّق بها ما قبلها، وهو (إليه) .\nقال العلامة أبو السعود «١»: ولعلّ المراد بها الاتقاء المأمور به، فإنّه ملاك الأمر كله، كما أشير إليه، وذريعة لنيل كل خير، ومنجاة من كل ضير. فالجملة حينئذ جارية مما قبلها مجرى البيان والتأكيد، أو مطلق الوسيلة وهو داخل فيها دخولا أولياء.\nوقيل: الجملة الأولى أمر بترك المعاصي، والثانية أمر بفعل الطاعات.\nولما كان فعل الحسنات وترك السيئات شاقا على النفس الداعية إلى اللذات الحسية، المخالفة للعقل الداعي إلى الفضائل أردف الله تعالى هذا التكليف بقوله:\nوَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.\nقال الإمام فخر الدين «٢»: وهذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية، ونحن نشير هاهنا إلى واحد منها، وهو: أن من يعبد الله تعالى فريقان: منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله، ومنهم من يعبده لغرض آخر، والمقام الأول هو المقام الشريف العالي، وإليه الإشارة بقوله: وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ أي في سبيل عبوديته وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته، والمقام الثاني دون الأول، وإليه الإشارة بقوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه، والفوز بالمحبوب.\nقال الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)\nأوجب الله تعالى في الآية السابقة قطع الأيدي والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة، وبيّن في هذه الآية أنّ أخذ المال على سبيل السرقة يوجب القطع أيضا، وإن كان بينهما اختلاف ما.\nقيل: نزلت هذه الآية في طعمة بن أبيرق حين سرق درع جار له، يدعى قتادة بن النعمان في جراب دقيق، به خرق، وخبأها عند زيد بن السمين اليهودي، فتناثر الدقيق من بيت قتادة إلى بيت زيد، فلما تنبه قتادة للسرقة التمسها عند طعمة فلم توجد، وحلف ما أخذها، وما له بها علم، ثم تنبهوا إلى الدقيق المتناثر، فتتبعوه حتى وصل إلى بيت زيد، فأخذوها منه، فقال: دفعها إليّ طعمة، وشهد ناس من اليهود بذلك، وهمّ رسول الله ﷺ أن يجادل عن طعمة، لأنّ الدرع وجد عند غيره، فنزل قوله تعالى، وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ\n[النساء: ١٠٧] ثم نزلت هذه الآية لبيان حكم السرقة، وفرّ طعمة، ومات أثناء فراره.\n_________\n(١) في تفسيره إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (٣/ ٣٢) .\n(٢) في تفسيره مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير (١١/ ٢٢٠) .","vol":"1","page":371},{"text":"وَالسَّارِقُ مبتدأ خبره محذوف، والمعنى حكم السارق والسارقة مما يتلى عليكم، وقوله: فَاقْطَعُوا جملة مبينة لحكمهما، فهما جملتان، ويحتمل أن تكون جملة فَاقْطَعُوا خبرا عن المبتدأ، وحسّن اقترانها بالفاء أنّ الألف واللام في المبتدأ قائمة مقام الاسم الموصول، وخبره يقترن بالفاء كثيرا، خصوصا إذا روعي أنه جزاء، والجزاء يقترن بالفاء.\nولما كانت السرقة معهودة كثيرا من النساء كالرجال صرّح بالسارقة للزجر، ومزيد العناية بالبيان، وإن كان المعهود إدراج النساء في الأحكام الواردة في شأن الرجال.\nوالسرقة في اللغة: أخذ المال مطلقا في خفاء وحيلة، ولكنه ورد عن النبي ﷺ ما يبيّن أنّ قطع الأيدي لا يكون في مطلق السرقة، بل في سرقة شخص معيّن مقدارا معينا من حرز المثل، ولذلك عرف الفقهاء السرقة بأنها: أخذ العاقل البالغ مقدارا مخصوصا خفية من حرز بمكان، أو حافظ، ودون شبهة.\nأما العقل والبلوغ فلأنّ السرقة جناية، وهي لا تتحقق دونهما.\nوأما المقدار فقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا قطع إلا في عشرة دراهم فصاعدا، أو قيمتها من غيرها، وروي عن الصاحبين أنه لا قطع إلا فيما يساوي عشرة دراهم مضروبة.\nوقال مالك والشافعي والأوزاعي: لا قطع إلا في ربع دينار.\nحجة الحنفية ما\nرواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا قطع فيما دون عشرة دراهم» «١» .\nوما روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر وأيمن الحبشي وأبي جعفر وعطاء وإبراهيم من أنهم كانوا يقولون: لا قطع إلا في عشرة دراهم.\nوحجة المالكية والشافعية: ما روي عن عائشة ﵂ أنّها قالت: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا» وما\nروي عن عائشة أيضا من أنه ﵊ قال: «لا تقطع يد السّارق إلا في ربع دينار فصاعدا» «٢» وهذا القول منقول عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.\nوإذا لوحظ أن الحدود تدرأ بالشبهات، وأنّ الاحتياط أمر لا يجوز الإغضاء عنه، وأنّ الحظر مقدّم على الإباحة أمكن ترجيح مذهب الحنفية، لأنّ المجنّ المسروق في عهده\n_________\n(١) رواه النسائي في السنن (٧- ٨/ ٤٥٥)، كتاب قطع السارق حديث رقم (٤٩٥٦) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ٢١)، ٨٦- كتاب الحدود، ١٤- باب قول الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ حديث رقم (٦٧٨٩) .","vol":"1","page":372},{"text":"﵊ الذي قطعت فيه يد السارق، وهو الأصل الذي تقطع في مثله يد السارق قدّره بعضهم بثلاثة دراهم، وبعضهم بأربعة، وبعضهم بخمسة، وبعضهم بربع دينار، وبعضهم بعشرة دراهم، والأخذ بالأكثر أرجح، لأنّ الأقل فيه شبهة عدم الجناية، والشبهة تدرأ الحدود، ولأنّ التقدير بالأقل يبيح الحد في أقل من العشرة، والتقدير بالعشرة يحظر الحد فيما هو أقل منها، والحاظر مقدّم على المبيح.\nفالاحتياط في عقوبة القطع يقضي بأنّ اليد لا تقطع إلا في سرقة عشرة دراهم فما فوقها.\nوأما اعتبار الحرز، فلما\nورد من أنه ﵊ سئل عن حريسة الجبل فقال: «فيها غرامة مثلها، وجلدات نكالا، فإذا آواها المراح، وبلغ ثمن المجن، ففيها القطع» «١»\n. ولما\nورد من أنه ﵇ قال: «ليس في الثمر المعلّق قطع حتى يؤويه الجرين، فإذا آواه الجرين ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن» «٢»\nومنه يعلم أنّ الإحراز شرط في القطع.\nوالحرز قد يكون بما بني للسكنى وحفظ الأموال، ومثله المضارب والخيم والفسطاط مما يسكن الناس فيه، ويحفظون به أمتعتهم.\nوقد يكون الحرز بالحافظ في الصحراء والمساجد والرحاب والطرقات أما النوع الأول من الحرز فهو ظاهر، وأما الثاني فالأصل في كون الحافظ حرزا\nحديث صفوان بن أمية حين دخل المسجد ونام فيه، وتوسّد رداءه، فاستل اللص الرداء من تحت رأسه، واستيقظ صفوان، فأدرك اللص وساقه إلى رسول الله ﷺ، فأمر ﵊ بقطعه، فقال صفوان: لم أرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة.\nفقال ﵊: «فهلا قبل أن تأتيني به» «٣» .\nوأما اعتبار عدم الشبهة، فلما روي واشتهر من\nقوله ﵊: «ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم» «٤»\n. فلا يقطع من سرق من مال له فيه شركة أو سرق من مدينة مثل دينه، ولا يقطع\n_________\n(١) رواه النسائي في السنن (٧- ٨/ ٤٥٦)، كتاب قطع السارق، باب التمر المعلق حديث رقم (٤٩٥٧) .\n(٢) المرجع نفسه (٤٩٥٨) .\n(٣) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٢٨)، كتاب الحدود، باب فيمن يسرق حديث رقم (٤٣٩٤) والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٤٣٨)، كتاب السرقة، باب الرجل يتجاوز للسارق حديث رقم (٤٨٩٣)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٨٦٥)، كتاب الحدود باب من سرق حديث رقم (٢٥٩٥) .\n(٤) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٢٥)، كتاب الحدود، باب ما جاء من درء الحدود حديث رقم (١٤٢٤) .","vol":"1","page":373},{"text":"العبد إذا سرق من مال سيده، ولا الأب من مال ابنه، وما أشبه ذلك لوجود الشبهة، ولا قطع معها.\nوتثبت السرقة بالإقرار مرّة، وبشهادة رجلين على السرقة للقطع، فإن شهد رجل وامرأتان على السرقة لا تقبل للقطع، ولكنّها تقبل لضمان المسروق، وهذا مذهب الحنفية والمالكية الشافعية.\nوإطلاق السارق يشمل الأحرار والعبيد، والذكور والإناث، والمسلمين والذميين.\nوفي قوله: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما مقابلة الجمع بالجمع، وهي تقتضي القسمة آحادا، فيدلّ التركيب على أنّ كل سارق تقطع منه يد واحدة، واليد التي تقطع هي اليمنى للإجماع على ذلك، ولقراءة عبد الله بن مسعود ﵁ (فاقطعوا أيمانهما) .\nواليد تطلق على العضو المخصوص إلى المنكب، وعلى هذا العضو إلى مفصل الكف، كما في قوله تعالى لموسى ﵊: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل: ١٢] والمراد ما كان إلى مفصل الكفّ، ولا خلاف بين السلف من الصدر الأول، ولا بين فقهاء الأمصار في أنّ قطع يد السارق يكون إلى مفصل الكفّ لا إلى المرفق ولا إلى المنكب، وقال الخوارج، تقطع إلى المنكب، وقال قوم: تقطع الأصابع فقط.\nحجة الجمهور ما\nرواه محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة ﵃ أنّ رسول الله ﷺ قطع يد السارق من الرسغ\n، وما\nروي عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ﵄ أنهما كانا يقطعان يد السارق من مفصل الرّسغ\n، فكان هو المعوّل عليه.\nوإذا عاد السارق إلى السرقة ثانيا قطعت رجله اليسرى باتفاق الحنفية والمالكية والشافعية لما\nرواه ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قطع الرجل بعد اليد.\nولما\nروي عن علي وعمر أن كلا منهما كان يقطع يد السارق اليمنى، ولما عاد السارق إلى السرقة قطع كل منهما رجله اليسرى\n، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر على كل منهما أحد، فكان إجماعا.\nولما\nرواه الدارقطني من أنه ﵊ قال: «إذا سرق السارق فاقطعوا يده، ثم إن عاد فاقطعوا رجله» «١» .\n_________\n(١) انظر نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي، كتاب السرقة، باب ما يقطع فيه وما لا يقطع (٣/ ٥٦٢) .","vol":"1","page":374},{"text":"وإذا عاد إلى السرقة ثالثا وقف القطع عند الحنفية، فلا يقطع منه عضو بعد ذلك، ولكنّه يضمّن المسروق، ويعزّر بالحبس حتى تظهر توبته، لما\nروي عن علي بن أبي طالب أنه أتي بسارق للمرة الثالثة فقال: لا أقطع، إن قطعت يده فبأيّ شيء يأكل، وبأي شيء يستنجي، وإن قطعت رجله فبأيّ شيء يمشي، إني لأستحيي من الله، ثم ضربه بخشبة وحبسه «١» .\nوروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، وعند المالكية والشافعية:\nتقطع يده اليسرى، وإن عاد إلى السرقة رابعا تقطع رجله اليمنى.\nوإذا كانت العين المسروقة قائمة، وردّت إلى مالكها، وقطعت يد السارق ثم عاد إلى سرقتها مرّة ثانية فلا يقطع فيها عند الحنفية، وأما المالكية والشافعية فيقولون بالقطع، وهو رواية عن أبي يوسف لإطلاق\nقوله ﵊: «فإن عاد فاقطعوه» .\nتمسّك الحنفية بما يؤخذ من\nقوله ﵊: «لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه» «٢»\nفإنّ عدم ضمان المال يدلّ على أنّ المال أصبح غير معصوم في حق السارق بعد قطع يده، لأنّه لو كان معصوما مع قطع يده لوجب ضمانه، وحيث لم يجب الضمان تبيّن أن المال غير معصوم في حقه، فإذا كانت العين المسروقة قائمة، وردت إلى المالك، فلا نزاع في أنّ العصمة عادت إليها، ولكن مع هذا لا زالت شبهة سقوط العصمة قائمة، فأشبهت المباح في حقه، فلا تقطع يده في سرقتها ثانية فإنّ الحدود تدرأ بالشبهات.\nوإذا قطعت يد السارق، وكانت العين المسروقة قائمة وجب ردها إلى صاحبها، وإذا كانت هالكة أو مستهلكة فلا ضمان عليه عند الحنفية، وقال المالكية: يضمّنها إن كان موسرا، ولا شيء عليه إن كان معسرا.\nوقال الشافعية: يضمنها مطلقا، أما ردها وهي قائمة فلما ورد من أنه عليه الصلاة السلام ردّ رداء صفوان إليه حين قطع يد السارق، وأما عدم الضمان عند عدمها\nفلقوله ﵊: «لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه» .\nوحجة القائلين بالضمان قياسه على سائر الأموال الواجبة، فإنّهم أجمعوا على رد العين المسروقة إذا كانت موجودة، وهو يستلزم أنها إذا لم تكن موجودة تكون في ضمانه، كما في سائر الأموال الواجبة، ترد بنفسها إن كانت قائمة، ويرد مثلها إن\n_________\n(١) انظر نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي، كتاب السرقة، فصل في كيفية القطع وإثباته (٣/ ٥٧٠) . [.....]\n(٢) رواه النسائي في السنن (٧- ٨/ ٤٦٢)، كتاب السرقة، باب تعليق يد السارق حديث رقم (٤٩٨٤) .","vol":"1","page":375},{"text":"كانت هالكة، ويدلّ على ذلك أيضا ما ورد من\nقوله ﵊: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» «١» .\nوقوله: جَزاءً مفعول له، أو مصدر مؤكد لفعله الدال عليه قوله:\nفَاقْطَعُوا أي فجازوهما جزاء وقوله: بِما كَسَبا متعلق (بجزاء) على الإعراب الأول، وبقوله: فَاقْطَعُوا على الإعراب الثاني، و(ما) مصدرية، أي بسبب كسبهما، أو موصولة، أي بسبب الذي كسباه.\nوقوله: نَكالًا مفعول له للإشعار بأنّ القطع للجزاء. والجزاء للنكال فيكون مفعولا له متداخلا كالحال المتداخلة.\nوالنكال: الإهانة والتحقير للمنع من العودة.\nوقوله: مِنَ اللَّهِ متعلق بمحذوف صفة لنكالا.\nوَاللَّهُ عَزِيزٌ أي غالب في تنفيذ أوامره، يمضيها كيف يشاء من غير منازع ولا ممانع، وهو حَكِيمٌ في تشريعه، لم يشرع إلا ما فيه المصلحة، فمن تاب من السرّاق من بعد ظلمه بما وقع منه من السرقة، وأصلح في توبته بأن تكون التوبة عند الجمهور، وقيل: تسقطه، لأن ذكر الغفور الرحيم يدل على سقوط العقوبة، والعقوبة المذكورة هي القطع.\nقال الله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)\nالسحت: الاستئصال من سحته إذا استأصله، ومنه قوله تعالى: فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ [طه: ٦١] أي يستأصلكم، ويطلق السّحت على الحرام الخسيس الذي يعيّر به الإنسان، لأنّه يستأصل فضيلة الإنسان وشرفه، ويستأصل جسده في النار في الآخرة، ويطلق أيضا على شدة الجوع، لأنّ من كان شديد الجوع يستأصل ما يصل إليه من الطّعام.\nوقد روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد أنّ السحت الرشوة\n، وأجر البغي وعسب الفحل، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وحلوان الكاهن، والاستئجار في المعصية، ويرجع أصل ذلك كله إلى الحرام الخسيس الذي يعيّر به الإنسان ويخفيه.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٢٨٤)، كتاب البيوع، باب تضمين العارية حديث رقم (٣٥٦١)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٥٦٦)، كتاب البيوع، باب العارية حديث رقم (١٢٦٦)، وابن ماجه في السن (٢/ ٨٠٢)، كتاب الصدقات، باب العارية حديث رقم (٢٤٠٠) .","vol":"1","page":376},{"text":"ونزلت «١» هذه الآية في اليهود، كان الحاكم منهم إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة سمع كلامه، وعوّل عليه، ولا يلتفت لخصمه، فكان يأكل السّحت، ويسمع الكذب، وكان الفقراء منهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية، ويسمعوا منهم الأكاذيب لترويج اليهودية والطعن على الإسلام، فالفقراء كانوا يأكلون السحت الذي يأخذونه منهم، ويسمعون الكذب، فهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ وقيل: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ الذي كانوا ينسبونه إلى التوراة أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ للربا، كما قال تعالى: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ [النساء: ١٦١] .\nوالرشوة قد تكون في الحكم، وهي محرمة على الراشي والمرتشي،\nوقد روي أنه ﵊ لعن الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما «٢»،\nلأنّ الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه كان فاسقا من جهة أنّه قبل الرشوة على أن يحكم بما يفترض عليه الحكم به، وإن حكم بالباطل كان فاسقا من جهة أنه أخذ الرشوة، ومن جهة أنه حكم بالباطل.\nوقد تكون الرشوة في غير الحكم، مثل أن يرشو الحاكم ليدفع ظلمه عنه، فهذه الرشوة محرّمة على آخذها، غير محرمة على معطيها، كما روي عن الحسن قال: لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه، وكما روي عن جابر بن زيد والشعبي:\nأنهما قالا: لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم.\nوقد ورد أنه ﵊ حين قسم غنائم بعض الغزوات وأعطى العطايا الجزيلة أعطى العباس بن مرداس أقل من غيره، فلم يرق ذلك في نظره فقال شعرا يتضمن التعجب من هذا التصرف فقال ﵊: «اقطعوا لسانه» فزادوه حتى رضي\n، فهذا نوع من الرشوة رخّص فيه السلف لدفع الظلم عن نفسه، يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه.\nفَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ\nقيل: نزلت هذه الآية في أمر خاص هو رجم اليهوديين اللذين زنيا، وأراد اليهود الترخيص لهما، فأنكروا الرجم، وتحاكموا إلى رسول الله ﷺ، فبحث ﵊ في كتبهم، وأطلعهم على آية الرجم، وبيّن لهم كذبهم وتحريفهم في كتاب الله، ثم رجم اليهوديين وقال: «اللهم إني أول\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٦/ ١٥٤) .\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٦٢٢)، كتاب الأحكام، باب ما جاء في الراشي والمرتشي حديث رقم (١٣٣٦)، وأحمد في المسند (٥/ ٢٧٩) .","vol":"1","page":377},{"text":"من أحيا سنة أماتوها» «١»\nوإنما بحث ﵊ في هذه الحادثة في كتبهم لأنّ الحدود الإسلامية لم تكن نزلت، فأقام الرجم على شريعة موسى ﵊، وأما ما نزل حكمه في الشريعة الإسلامية فلا يجوز للمسلم المحكّم أن يحكم فيه بغير حكم الإسلام.\nوقيل: نزلت في أمر خاص هو الدية بين بني قريظة وبني النضير، فكان بنو النضير يرون أنّ لهم شرفا يقضي بأن دية النضيري ضعف دية القرظي فغضب بنو قريظة، وتحاكموا إلى رسول الله ﷺ فحكم بينهم بالحق وجعل الدية سواء، وإذا لوحظ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أمكن القول بأنّ الآية عامة في كل من جاء إلى الرسول ﷺ يتحاكم إليه.\nوظاهر الآية أنّه ﵊ مخيّر بين أن يحكم بينهم وبين أن يعرض عنهم، ولكنّ المتقدمين اختلفوا فقال النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبو بكر الأصم وأبو مسلم أنّ حكم التخيير الذي تدل الآية عليه ثابت غير منسوخ.\nوقال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة: إن هذا الحكم منسوخ بقوله تعالى:\nوَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وبعضهم وفق بين المختلفين بأنّ التخيير ورد في أهل العهد الذين ليسوا من أهل الذمة كبني قريظة والنضير، فلا يجب على الحاكم المسلم أن يجري عليهم أحكام المسلمين، وإن ترافعوا إليه كان مخيّرا بين أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم، وقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ورد في أهل الذمة الذين لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وعلى هذا فلا نسخ في الآية، وهذا هو أساس قول الحنفية:\nإن أهل الذمة والمسلمين سواء في إجراء الأحكام الإسلامية عليهم، كعقود المعاملات والتجارات والمواريث والحدود، إلا أنهم لا يرجمون، لأنّهم غير محصنين، ويجوز لهم الاتجار في الخمر والخنزير دون المسلمين.\nوقد ورد أنه ﵊ قال في كتابه إلى أهل نجران: «إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله»\nفجعلهم كالمسلمين في تحريم الربا عليهم.\nوقال الشافعية: إنّ أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا وجب على الحاكم أن يحكم بينهم بما أنزل الله، وأما المعاهدون فلا يجب عليه ذلك إذا تحاكموا إلينا، بل هو مخيّر بين الحكم بينهم وبين الإعراض عنهم.\nوَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا الغرض من هذه الجملة بيان حال الأمرين\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٣٢٧)، ٢٩- كتاب الحدود، ٦- باب رجم اليهود حديث رقم (٢٨/ ١٧٠٠) .","vol":"1","page":378},{"text":"اللذين خيّر فيهما ﵊، وكانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف، كالجلد بدل الرجم، فإذا أعرض عنهم شق ذلك عليهم، وتغيظوا منه، وربما يقصدونه بالأذى، فأخبره الله تعالى بأنه إن رأى الإعراض عنهم فلا بأس عليه، فإنّهم لا يضرونه بشيء أبدا، وقدم حال الإعراض للمسارعة إلى أنه لا ضرر عليه فيه، وإن كان مظنة الغيظ والحقد، ثم قال: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي بالعدل الذي جاءت به الشرائع، أو جاء به الإسلام إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي العادلين الذين يحاربون المظالم.\nوهاهنا أمور:\nالأول: أنّ المحكّم ينفذ حكمه فيما حكّم فيه، فإنّ اليهود حكّموا رسول الله ﷺ، ونفذ حكمه فيهم.\nالثاني: أنه ﵊ حكم بينهم بشريعة موسى ﵊، ولكن كان ذلك قبل أن تنزل عليه الحدود، أما الآن وقد أكمل الله الدين، وتقررت الشريعة، فلا يجوز لأي محكّم أن يحكم بغير الأحكام الإسلامية، لا فرق بين المسلمين وغيرهم.\nوالثالث: قال الإمام الشافعي: التحكيم جائز، ولكن الحكم غير لازم، وإنما هو فتوى، فإن شاء المستفتي عمل بها أو تركها.\nقال الله تعالى: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) قال النيسابوري: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ تعجيب من الله لرسوله ﷺ من تحكيمهم لوجوه:\nمنها عدولهم عن حكم كتابهم.\nومنها رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدونه مبطلا.\nومنها إعراضهم عن حكمه بعد أن حكّموه، وهذا غاية الجهالة ونهاية العناد.\nوالواو في قوله: وَعِنْدَهُمُ للحال من التحكيم والعامل ما في الاستفهام من التعجيب.\nأما قوله: فِيها حُكْمُ اللَّهِ فإما أن ينتصب حالا من التوراة على ضعف وهي مبتدأ، خبره عِنْدَهُمُ.\nوإما أن يرتفع خبرا عنها، والتقدير وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ ناطقة بحكم الله، فيكون عِنْدَهُمُ متعلقا بالخبر.","vol":"1","page":379},{"text":"وإما ألا يكون له محل، ويكون جملة مبينة لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، كقولك: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب، فما تصنع بغيره.\nوأنّثت التوراة لما فيها من صورة تاء التأنيث.\nثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ عطف على يُحَكِّمُونَكَ و(ثم) لتراخي الرتبة، أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم.\nوَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إخبار بأنهم لا يؤمنون أبدا، أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون اه.\nقال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤) نبه الله بهذه الآية اليهود الذين أنكروا ما تضمن كتابهم من مثل وجوب رجم الزاني والاقتصاص من القاتل المعتدي، ووبخهم على مخالفة الأحبار المتقدمين، والأنبياء المبعوثين إليهم.\nوالمراد (بالهدى) بيان الأحكام والتكاليف، والمراد (بالنور) بيان ما ينبغي أن يعتقد من توحيد الله وأمور النبوة والمعاد.\nوالنَّبِيُّونَ من بعثهم الله في بني إسرائيل من بعد موسى لإقامة التوراة، ومعنى إسلامهم انقيادهم لحكم التوراة، وعن قتادة: يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا محمدا ﵊، فقد حكم على من زنى من اليهود بالرجم، وكان هذا حكم التوراة، وذكر بلفظ الجمع تعظيما، ونظيره قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠] .\nوقال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى، وتقرير أنّ الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية ولا بالنصرانية كما زعموا، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه.\nولِلَّذِينَ هادُوا أي تابوا من الكفر متصل ب (يحكم) يعني أن النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا، أي لأجلهم، وفيما بينهم، أو هو مؤخّر من تقديم، فيكون التقدير: فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا.\nوَالرَّبَّانِيُّونَ العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس، وتدبير أمورهم، والقيام بمصالحهم.\nوَالْأَحْبارُ جمع حبر، بكسر الحاء أو فتحها، والمراد العلماء المتقنون الصالحون.","vol":"1","page":380},{"text":"وقوله: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ معناه بما استودعوا من علمه، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه على وجهين:\nأحدهما: أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم.\nوالثاني: ألا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه. ويتعلق قوله: بِمَا اسْتُحْفِظُوا بالأحبار على معنى العلماء أو (يحكم) .\nوقوله: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ خطاب لليهود الذين كانوا في عصر رسول الله ﷺ، وقد أقدموا على تحريف التوراة خائفين أو طامعين، ولما كان الخوف أقوى تأثيرا من الطمع قدّم الله ذكره فقال: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ والمعنى:\nإياكم أن تحرفوا كتابي خوفا من الناس والملوك والأشراف، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم، وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم، فإنما يخشى العاقل عقاب ربّه وحده.\nثم أتبع أمر الخوف بأمر الطمع والرغبة فقال: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا أي كما نهيتكم عن تغيير أحكامي من أجل الرهبة أنهاكم عن التغيير للطمع في المال أو الجاه، فمتاع الدنيا قليل، والرشوة التي تأخذونها سحت، لا بقاء لها، ولا منفعة، فلا ينبغي أن تضيّعوا بها الدّين والثواب الدائم.\nوقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وعيد شديد، المقصود منه تهديد اليهود الذين أقدموا على تحريف حكم الله في الزاني المحصن والاقتصاص من القاتل المعتدي، ومعناه أنهم لما أنكروا حكم الله المنصوص عليه في التوراة، وقالوا: إنّه غير واجب، أصبحوا كافرين، لا يستحقون اسم الإيمان لا بموسى والتوراة، ولا بمحمد والقرآن.\nهذا وقد احتج جماعة بهذه الآية على أنّ شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا، لأنّ الله تعالى يقول: فِيها هُدىً وَنُورٌ والمراد بيان أصول الشرع وفروعه، ولو كانت التوراة منسوخة غير معتبرة الحكم بالكلية لما كان فيها هدى ونور، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط للزوم التكرار، على أن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم، فلا بد أن تكون الأحكام الشرعية داخلة فيها، لأنا- وإن اختلفنا في أنّ غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا- غير مختلفين في أنّ سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها.\nوأيد الخوارج أيضا بآخر هذه الآية قولهم: كلّ من عصى الله فهو كافر، فقالوا إنها نص في أنّ كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله. ولم يوافقهم جمهور الأئمة، بل دفعوا شبهتهم بأن قوله تعالى:","vol":"1","page":381},{"text":"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه وأقر بلسانه كونه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا تتناوله الآية.\nقال الله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) لما جعل اليهود ديّة النضيري أكثر من دية القرظي، ومنعوا أن يقتل به، مخالفين في هذا ما في التوراة، وما حكم به رسول الله ﷺ حين سألوه، نزلت هذه الآية.\nومعنى (كتبنا) فرضنا. وقد أخذ أبو حنيفة من الآية أن يقتل المسلم بالذمي.\nوقالت الشافعية: الآية خبر عن شرع من قبلنا، وشرعهم ليس شرعا لنا.\nوقرأ البعض (النفس) وجميع ما عطف عليه منصوبا، ونصب فريق الكلّ ما عدا الجروح فقد رفعه على القطع، ورفع آخرون ما سوى (النفس) على جعل ذلك ابتداء الكلام.\nوتدلّ الآية على جريان القصاص في جميع ما ذكر فيها، ويرى العلماء أنّ المراد بقوله: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ استيفاء ما يماثل فعل الجاني منه، فلا يجوز التعدي، وعليه فتؤخذ العين اليمنى باليمنى عند وجودها، ولا تؤخذ اليسرى باليمنى وإن رضي المقتص منه. وقالوا: إنما تؤخذ العين بالعين إذا فقأها الجاني متعمّدا، فإن أصابها خطأ ففيها نصف الدية، فإن أصاب العينين معا خطأ ففيهما الدية كاملة، ورأى البعض أن في عين الأعور الدية كلّها، لأنّ منفعته بها كمنفعة ذي العينين أو قريبة منها.\nوإذا فقأ الأعور عين الصحيح فعليه القصاص عند أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية كاملة دية عين الأعور، وقال أحمد بن حنبل:\nلا قود عليه، وعليه الدية كاملة.\nواختار ابن العربي الأول، لأنّ الله تعالى قال: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والأخذ بعموم القرآن أولى، فإنّه أسلم عند الله، والقصاص بين صحيح العين والأعور كهيئته بين سائر الناس، ومتمسّك مالك أنّ الأدلة لما تعارضت خيّر المجني عليه. وحجة ابن حنبل أنّ في القصاص من الأعور أخذ جميع البصر ببعضه، وذلك ليس بمساواة.\nوالقصاص من الأنف إذا كانت الجناية عمدا كالقصاص من سائر الأعضاء، وكذلك يقتص من صالم الأذن وقالع السن.\nوقوله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ معناه أنها ذات مقاصة، وهو تعميم للحكم","vol":"1","page":382},{"text":"بعد ذكر بعض التفاصيل، والمراد منه: كل ما تمكن المساواة فيه من الأطراف كالقدمين واليدين، ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة- مثلا- وهي التي توضح العظم، أي تكشفه. أما الذي لا يمكن القصاص فيه كرض في لحم، أو كسر في عظم ففيه حكومة.\nوفي قوله تعالى: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ الضمير في (به) يعود إلى القصاص وقوله: فَهُوَ راجع إلى التصدق الدال عليه الفعل، والضمير في (له) يحتمل أن يعود إلى العافي المتصدق.\nروى عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «من تصدق من جسده يشيء كفّر الله تعالى عنه مثل ما تصدّق»\nويحتمل رجوعه إلى الجاني المعفوّ عنه، أي لا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك العفو، وأما المتصدق فأجره على الله تعالى.\nثم ذيل الله تعالى هذه الأحكام بما يوجب العمل بها، وهو قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي ومن لم يحكم بما أنزل الله من الأحكام والشرائع فقد تعدّى حدود الله، ووضع الشيء في غير موضعه. قال الرازي: وفيه سؤال، وهو أنه تعالى قال أولا: فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وثانيا هُمُ الظَّالِمُونَ والكفر أعظم من الظلم، فلما ذكر أعظم التهديدات أولا فأي فائدة في ذكر الأخف بعده.\nوجوابه: أن الكفر من حيث إنه إنكار لنعمة المولى، وجحود لها، فهو كفر، ومن حيث إنه يقتضى إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس، ففي الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق سبحانه، وفي هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه «١» اه.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)\nقد أمر الله تعالى في أول السورة بإيفاء العقود، وقد قالوا في تفسيره: إنّ ذلك شامل للوقوف عند حدود الله، والتزام ما أحله الله، واجتناب ما حرمه، وعدم تعدّي تلك الحدود، وقد نص بعد ذلك على عدم إحلال ما حرم الله في قوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ إلخ. وهو نوع من إيفاء العقود، وفي هذه الآية يقول الله تعالى: لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وهو بيان للنوع المقابل لما ذكر أولا. أي كما نهيتكم عن إحلال ما حرّم الله أنهاكم عن تحريم ما أحل الله.\n_________\n(١) انظر تفسير مفاتيح الغيب للإمام الرازي (١٢/ ٨) .","vol":"1","page":383},{"text":"والطيبات اللذائذ التي تشتهيها النفوس، ولا تعافها الطباع، لا شتمالها على ما ينفع، وتجردها عما يضر.\nوقد روي في سبب نزول هذه الآية أن النبيّ ﷺ جلس إلى أصحابه يوما في بيت عثمان بن مظعون يعظهم، فوصف لهم يوم القيامة، وبالغ، وأشبع الكلام في الإنذار والتحذير، فعزموا على أن يرفضوا الدنيا، ويحرّموا على أنفسهم المطاعم الطيبة، والمشارب اللذيذة، وأن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، وأن لا يناموا في فراش النساء، بل لقد عزم بعضهم على أن يجبّ مذاكيره، ويلبسوا المسوح، ويسيحوا في الأرض فوصل خبرهم إلى النبي ﷺ فسألهم فقالوا: ما أردنا إلا خيرا، فقال لهم: «إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» «١» .\nوليس في ذلك شيء من الحض على الاستزادة من أسباب الشهوات، بل ذلك نهي عن الرهبانية الموصلة إلى هدم الأجسام، وانحلال القوى، ومتى انهدمت الأجسام، وانحلت القوى، تسرب الخراب والاضمحلال إلى الأمة، قلا تقوى على العمل.\nوأيضا فالناس مطالبون أن يعملوا عقولهم في مصلحة المجتمع، وأنّى لهم ذلك وقد انهدمت أجسامهم فضاعت عقولهم. والعقل السليم في الجسم السليم، ومع ذلك فالله لما نهانا عن تحريم الطيبات نهانا عن الاعتداء، وقال: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ فهو يأمرنا أن نكون وسطا، وأن نلتزم التوسط في الأمور.\nوقد ذهب المفسرون مذاهب في المراد من قوله تعالى: لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ فمنهم من ذهب إلى أن المراد لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله.\nومنهم من قال: لا تظهروا باللسان تحريم ما أحل الله.\nومنهم من قال: لا تجتنبوا ما أحل الله اجتنابا يشبه اجتنابكم لما حرم الله.\nومنهم من قال: لا تحرّموا على غيركم بالتقوى ما أحل الله.\nومنهم من قال: لا تحرّموا على أنفسكم بنذر أو يمين، وهو حينئذ في معنى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ١] .\nومنهم من يرى أن المراد النهي عن أن يغصب شيئا ويخلطه بماله فيحرم ماله، لعسر تمييزه عن المخلوط به.\nوأنت ترى أنه لا مانع من إرادة كل هذه الوجوه من الآية، فهي تحتملها جميعا، ولا داعي لتخصيصها بالبعض.\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٧/ ٧) .","vol":"1","page":384},{"text":"وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. أي: لا تعتدوا بتحريم الطيبات، ويحتمل أن يكون المعنى لا يحملنكم النهي عن تحريم الطيبات إلى استعمالها على وجه الإسراف، على حد قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١] ويحتمل أن يكون المراد: اقتصروا على ما أحل الله لكم من الطيبات، ولا تجاوزوها إلى ما حرّم عليكم.\nوَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) أي كلوا ما أحلّ لكم وطاب مما رزقكم الله. (فحلالا) مفعول (لكلوا) و(مما رزقكم الله) حال منه، وسوغ مجيئها من النكرة تقدّمها عليها.\nويستدل بالآية على أن الرزق اسم يتناول الحلال والحرام، ولو كان خاصا بالحلال لما كان لوصفه به كبير فضل.\nوتذييل الآية بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ بعث على المحافظة على ما أوصاهم به، والمداومة عليه، وقد أمر الله بالتقوى عقب النهي عن تحريم الطيبات، والأمر بالأكل من الرزق الطيب الحلال، ليشعرنا أنه لا منافاة بين التلذذ بالطيبات من الرزق وبين. التقوى، غير أنّه يجب أن تكن تقوى الله رائدنا فيما نقدم عليه من عمل، فلا نسرف، ولا نقتر، ولا نضارّ أحدا.\nوالآية بعمومها دليل على حرمة الرهبانية.\nوقد جاء النهي عنها صريحا في «القرآن» وفي السنة، فقد صرح «القرآن» بأن الرهبانية مبتدعة.\nوجاء في السنة من طرق كثيرة\nعن النبي ﷺ: «من كان موسرا لأن ينكح فلم ينكح فليس مني»\nوالآية على هذا في معنى قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: ٣٢] .\nقال الله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) قيل في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس ﵄ أنهم لما حرّموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس. حلفوا على ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» .\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٧/ ١٠) .","vol":"1","page":385},{"text":"واللغو من القول الساقط الذي لا يعتدّ به، وهو في اليمين الذي لا يتعلق به حكم.\nوقد اختلف السلف في تعيينه شرعا،\nفعن عائشة أنها قالت: إن رسول الله ﷺ قال: «هو كلام الرجل في بيته، لا والله، وبلى الله» «١» .\nوروي عنها أنّها قالت: لغو اليمين لا والله، بلى والله «٢» .\nروي عن ابن عباس في لغو اليمين أن يحلف على الأمر أنه كذلك.\nوروي عنه أنه قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان.\nوذهب بعض العلماء إلى أن اللغو في اليمين هو الغلط من غير قصد بسبق اللسان.\nويرى بعضهم أنّ اللغو أن تحلف على المعصية تفعلها، فينبغي ألا تفعلها، ولا كفارة فيه، واستدل له\nبحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها. فليتركها، فإنّ تركها كفارة» «٣» .\nواختلف فقهاء الأمصار فيها أيضا فذهب الحنفية إلى أن اللغو هو: الحلف على شيء مضى وأغلب ظنه الصدق. وحكى الجصاص أنّ ذلك مذهب مالك والليث والأوزاعي.\nونقل عن الربيع عن الشافعي أنّ من حلف على شيء أنّه وقع وهو يظنه كذلك فعليه كفارة، وكأن الشافعي ﵁ لا يرى اليمين في مثل هذا المثال لغوا، بل يراها يمينا معقودة.\nوقد تقدم الكلام في سورة البقرة في بيان مذاهب الفقهاء في اليمين اللغو والغموس والمنعقدة، وهي أيضا معروفة في الفقه، وكذلك أحكامها، حيث يجعل الحنفية الأقسام الثلاثة متباينة في الحكم، فاللغو لا شيء فيه، وكذلك يقول جميع الفقهاء.\nإنما الكلام عندهم فيما هو حكم اللغو والغموس:\nيرى الحنفية أن جزاء الغموس الغمس في جهنم، وأنّها لا تكفر. والشافعية يقولون: إنّ الغموس تكفّر، لأنّ الله يقول: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، ومن تعمّد الكذب في يمينه فقد كسب بقلبه إثما، وهو مؤاخذ به، لأنّه عقد قلبه على الكذب في اليمين، وقد قال الله فَكَفَّارَتُهُ إلخ.\nوالحنفية يقولون: إنّ اليمين الغموس هي المذكورة في قوله: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة: ٢٢٥]\n_________\n(١) المرجع نفسه (٢/ ٢٤١) .\n(٢) المرجع نفسه (٢/ ٢٤٠- ٢٤١) .\n(٣) رواه أحمد في المسند (٢/ ١٨٥) .","vol":"1","page":386},{"text":"والمؤاخذة بها هو عقاب الآخرة. ويدل له قوله تعالى:\nإِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ [آل عمران: ٧٧] فذكر الوعيد فيها ولم يذكر الكفارة.\nوقد روى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بيمين آثمة على منبري هذا فليتبوأ مقعده من النار» «١»\nولم يذكر الكفارة.\nوالمسألة مبسوطة في كتب الفروع. وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ يحتمل أن تكون (ما) مصدرية، أي بتعقيدكم الأيمان، وتوثيقها بالقصد والنية.\nويحتمل أن تكون (ما) موصولة، والعائد محذوف، أي بما عقدتم الأيمان عليه.\nوالمعنى: لكن يؤاخذكم بنكث ما عقدتم الأيمان عليه، أو بنكث تعقيدكم اليمين.\nويحتمل أن يكون المعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم اليمين إذ حنثتم، وحذف الشرط للعلم به، وقد عرفت أنّ الشافعية يدخلون الغموس في اليمين المعقودة، ففيها الكفارة عندهم، والحنفية يقولون: لا كفارة في الغموس.\nفَكَفَّارَتُهُ أي فكفارة يمينكم إذا حنثتم، أو فكفارة نكثه إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ذهب الشافعية إلى جواز إخراج الكفارة قبل الحنث إذا كانت مالا، وأما إذا كانت صوما فلا، حتى يتحقّق السبب بالحنث، واستدلوا بظاهر هذه الآية، حيث ذكر الكفارة مرتبة على اليمين، من غير ذكر الحنث، وقال الله تعالى: ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وقاسوها أيضا على إخراج الزكاة قبل الحول. وأما الصوم فلا ينتقل إليه إلا بعد العجز عن الخصال الثلاثة قبله، ولا يتحقق العجز إلا بعد الحنث ووجوب التكفير.\nوالحنفية يرون أنّ الآية فيها إضمار الحنث، وهو متعيّن، إذ لم يقل أحد ولا الشافعية بوجوب الكفارة قبل الحنث، فالحنث وإن لم يذكر إلا أنه معلوم، فهي على حد قوله تعالى: وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٥] حيث كان وجوب العدة مرتبا على الإفطار المقدّر.\nونحن نرى أنّ الآية لا تصلح شاهدا لواحد من الطرفين.\nمِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ لا من جيده فيقع الحيف عليكم، ولا من رديئه فتبخسوا المسكين حقه، ويجوز أن يكون المراد من أوسطه في المقدار، أي: إذا كان فرد يأكل كثيرا، أو فرد يأكل قليلا فتوسطوا بين المقدارين، وأطعموا المسكين هذا\n_________\n(١) رواه ابن ماجه في السنن (١/ ٧٧٩)، كتاب الأحكام، باب اليمين حديث رقم (٢٣٢٥) .","vol":"1","page":387},{"text":"الوسط. وقدّره الشافعية بمدّ لكل مسكين، والحنفية قدّروه بما يجب في صدقة الفطر.\nوالجار والمجرور مِنْ أَوْسَطِ متعلّق بمحذوف صفة لمصدر محذوف، أي إطعاما كائنا من أوسط.\nأَوْ كِسْوَتُهُمْ عطف على (إطعام) إما باعتبار أن الكسوة مصدر، أو على إضمار مصدر.\nأَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وقد اشترط الشافعية فيها الإيمان، لأنّ النص لم يقيّد هنا، وقيّد في مواضع أخر كالقتل مثلا، فدل ذلك على أنّ القيد حيث وجد فهو مقصود.\nوالحنفية لا يرون هذا.\nإلى هنا نصّت الآية الكريمة على أنّ كفارة اليمين الإطعام، أو الكسوة، أو التحرير.\nوقد اختلف العلماء في متعلّق خطاب التكليف، فذهب بعض المعتزلة إلى أنّ الواجب الجميع، ويسقط بالبعض.\nوقيل: الواجب واحد بعينه عند الله، ويتعين بفعل المكلف، فيختلف بالنسبة للمكلفين.\nوقيل غير هذا، والمسألة معروفة في علم الأصول، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ واشترط الحنفية فيها التتابع، وهو مذهب ابن عباس ومجاهد، وأخرج الحاكم وابن جرير وغيرهم من طريق صحيح أنّ أبي بن كعب كان يقرأ الآية هكذا (ثلاثة أيام متتابعات) «١» وروي هذا أيضا عن ابن مسعود، وقال سفيان: نظرت في مصحف الربيع فرأيت فيه: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات) .\nوأما الشافعي فلا يشترط التتابع، لأنه يرى أن هذه قراءات شاذّة لا يحتجّ بها، ولعلها لم تثبت عنده.\nذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وحنثتم. وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ أي احفظوا أنفسكم من الحنث فيها، أو لا تبذلوها وأقلوا من الحلف، فإنّ ذلك مسقط لهيبتكم، وهو حينئذ في معنى قوله: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ [البقرة: ٢٢٤] ومنه قول الشاعر:\nقليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا بدرت منه الأليّة برّت\nوقيل: إنّ معنى ذلك راعوها حتى لا تحنثوا فيها، فتلزمكم الكفارة.\nكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي مثل هذا البيان الشافي بيّن الله لكم أحكامه، لتشكروه على ما أنعم عليكم.\n_________\n(١) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٥٣٩) .","vol":"1","page":388},{"text":"قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) الخمر: اسم لما خامر العقل وغطّاه من الأشربة، أيا كان نوعها، أو هو خاصّ بما كان من ماء العنب النيّئ الذي غلى واشتد وقذف بالزبد.\nيرى الحنفية أنّ الخمر حرّمت، ولم يكن العرب يعرفون الخمر في غير المأخوذ من ماء العنب، فالخمر عندهم اسم لهذا النوع فقط، وما وجد فيه مخامرة العقل من غير هذا النوع لا يسمى خمرا، لأنّ اللغة لا تثبت من طريق القياس، والحرمة عندهم تتعدى إلى المسكر لأنها معلولة بالإسكار، لا لأن المسكر خمر.\nويرى غيرهم أنّ الخمر اسم لكل ما خامر العقل وغلبه، فغير ماء العنب حرام بالنص إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلخ.\nوالواقع: أنه قد وردت آثار مختلفة في معاني الخمر، فقد روي عن ابن عمر أنّه قال: «حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء..» .\nولقد كان بالمدينة من المسكرات نقيع التمر والبسر، فدل ذلك على أن ابن عمر وهو عربي ما كان يرى أنّ اسم الخمر يتناول هذين ...\nوفي مقابل هذا روى عكرمة عن ابن عباس قال: نزل تحريم الخمر وهو الفضيخ نقيع البسر، وهذا يدل على أنّ ابن عباس يرى أنّ غير العنب يسمى خمرا.\nوروى ثابت عن أنس قال: حرمت علينا الخمر يوم حرّمت وما نجد خمور الأعناب إلا القليل، وعامة خمورنا البسر والتمر.\nوروي عنه أنّه سئل عن الأشربة، فقال: حرّمت الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة، فكان عنده أنّ ما أسكر من هذه الأشربة فهو خمر.\nوروي عن عمر أنه قال: إنّ الخمر حرّمت وهي من خمسة أشياء من: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل.\nوروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن من الحنطة خمرا، وإن من الشعير خمرا، وإن من الزبيب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا» «١» .\nوروي عنه ﷺ أنه قال: «الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنب» «٢» .\nولقد أطلنا بذكر هذه الآثار لمعرفة منشأ الخلاف، والحنفية يقولون فيما خالف\n_________\n(١) و(٢) سبق تخريجه. [.....]","vol":"1","page":389},{"text":"مذهبهم من هذه الأخبار: إنها لبيان الحكم الشرعي، والحرمة بالقياس لتحقيق علة الحرمة، وهي الإسكار في القدر المسكر من هذه الأشياء.\nوأنت تعلم أن النزاع لو اقتصر على هذا يكون نزاعا في التسمية، والكلام إنما هو في الحكم، والمسلمون جميعا بحمد الله متفقون في الحكم من حيث الحرمة إلا شيئا يروى عن أبي حنيفة في حل القليل من غير الأصناف الأربعة، وهو ما لم يبلغ حدّ الإسكار، وقد نص بعض المتأخرين من الحنفية على أنّ هذه الرواية لا يجوز العمل بها ولا الفتوى، حتى في خاصة النفس، وأنّ الحكم أنّ ما أسكر كثيره فقليله حرام.\nغير أنّه يتبع الكلام في الحرمة كلام في الأحكام الأخرى كالنجاسة والحدّ، فمن يرى أنّ هذه الأشياء خمر، وأنها يشملها اسم الخمر يقول: إنها نجسة بقوله تعالى:\nرِجْسٌ وأنّ فيها الحد الذي ثبت بدليله المعروف في الفقه.\nومن يرى أنها حرام من طريق القياس لإسكارها. هل يرى أنّ النجاسة ووجوب الحد ثبت للخمر للإسكار ومخامرة العقل، فينقل الحكم، وهو النجاسة ووجوب الحد، كما نقل الحرمة بالقياس للإسكار، أم هو يرى أنّ الذي ثبت بعلة الإسكار إنما هو الحرمة فقط، فلا يعدي النجاسة ووجوب الحد إلى غير ماء العنب والأشربة المعدودة عنده.\nوهل يورث الخلاف الذي رويناه فيما تقدم شبهة تسقط الحد؟ ذلك يجب الرجوع فيه إلى الفقه وقواعده، فإنّ ذلك لا ارتباط له بالآية التي معنا.\nوالميسر: أصله من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار في توزيعه. وقد بيّن ذلك عند تفسير قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: ٢١٩] .\nوقد روي عن الإمام علي أنّه الشطرنج.\nوعن عثمان وجماعة أنّه النرد، وقال جماعة من أهل العلم: القمار كله من الميسر. ويراد منه: تمليك المال بالمخاطرة، فكل مخاطرة بالمال قمار، وهو من الميسر، وهو حرام.\nرِجْسٌ أي قذر تعافه العقول. وعن الزجاج: الرجس كل ما استقذر من عمل قبيح، وقد يطلق الرجس على النجس.\nمِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ من تسويله وتزيينه. فَاجْتَنِبُوهُ أي اجتنبوا الرجس لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ راجين الفلاح بهذا الاجتناب.\nولقد شدد الله في الآية الكريمة أمر الخمر والميسر تشديدا يصرف النفوس عنه إلى غير عود، فصدّرت الجملة (بإنما) وقرنا بالأصنام والأزلام وهما ما هما من الشناعة، وسميا رجسا من عمل الشيطان، وذاك غاية القبح، ثم أمر باجتنابهما، وأضاف","vol":"1","page":390},{"text":"الاجتناب إلى أعيانهما، حتى كأنهم مما يفرّ منهما، ثم جعل اجتنابهما سببا للفلاح والفوز، فهل مع هذا كله يعود الناس إليهما، إن ذلك لحسرة؟! ولقد أردف الله ذلك ببيان المضار التي تنجم من جراء الخمر والميسر، عسى أن يكون في ذلك ذكرى لمن ألقى السمع فقال:\nإِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أي بسبب تعاطيهما، أما الخمر فإنّها تذهب العقل، ومتى ذهب العقل جاءت العربدة وأفعال المجانين، ولو كان مجنونا لغفر الناس له ما يكون منه من أذى، فيتأذى الناس منه ويبغضونه لما يلحقهم من شره، ولا عذر له، فيغرس في قلوبهم الغل والضغينة، وما جر عليه ذلك إلا الخمر. وأما الميسر فإنه في حال انشغاله بالقمار يكون فاقد الإحساس والشعور، لا يبالي بالمال يخرج من يده إلى غير رجعة، طمعا في أن ينال أكثر منه، فإذا رجع خاسرا أكل قلبه الحسد، وامتلأت نفسه حقدا وحفيظة، وربما أداه ذلك إلى قتل من ظن أنّه سبب خسارته إن أمكنته الفرصة، وإن لم تمكنه رجع إلى نفسه بالقتل، أو بالهم والاكتئاب، وإن صادفه الحظ وكان رابحا امتلأ قلب صاحبه عليه غلا وضغينة. والحوادث منا في السمع والبصر كل يوم أصدق شاهد. دع ما يتخذه كل المتقامرين من وسائل خسيسة، وأيمان كاذبة يستعملونها في سبيل تحقيق أطماعهم، وكثيرا ما أودت تلك الوسائل بأصحابها.\nوَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ بعد أن بيّن الأضرار التي تعود على المتقامرين والمخمورين في الدنيا بيّن أنّ ضررهما ليس قاصرا على الدنيا فقط، بل هما ضارّان بالدين أيضا، فإنّهما يمنعان من الذكر ومن الصلاة، ومتى منعا من الذكر والصلاة فقد صار الشخص فاجرا، لا يرقب في الله إلا ولا ذمة، فهو مستهتر، لا يبالي ما يرتكب من الآثام، فماذا يمنعه، وقد بعد من الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.\nفَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ في هذه الجملة من الردع والزجر والتهديد ما بلغ الغاية، وأنّ الأمر من الشدة والهول بحيث لا يمنعه إلا انتظار الجواب (انتهينا) انظر كيف قال عمر حين سمعها، وقد كان طلب البيان الشافي بعد آية البقرة قولة الخائف الوجل: انتهينا يا رب. ولقد سبق القول في سورة البقرة أن آية الخمر [٢١٩] التي فيها، كانت أول ما نزل في الخمر، ثم نزلت آية النساء، ثم هذه.\nوأخرج الربيع أنه لما نزلت آية البقرة قال رسول الله ﷺ: «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر» ثم نزلت آية النساء. فقال النبي ﷺ: «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر» ثم نزلت آية المائدة فحرّمت الخمر عند ذلك.","vol":"1","page":391},{"text":"قال الله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) أمر بالطاعة في كل ما جاء عن الله والرسول ﷺ ويدخل فيه ما جاء في الخمر والميسر دخولا أوليا، وتحذير عن المخالفة، فإنّها موقعة في المهالك فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم ولم تعملوا بما أمرتم به فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ وقد بلّغكم فانقطعت حجتكم، وانسد أمامكم سبيل الاعتذار، ولم يعد لكم مطمع في التعلّة، وإن ذلك لتهديد شديد.\nقال الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) روي عن ابن عباس وجابر والبراء بن عازب وأنس بن مالك وغيرهم في سبب نزول هذه الآية: أنه لما حرّمت الخمر قالت الصحابة: كيف بمن ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» .\nوقد فهم عمر بن الخطاب هذا المعنى من الآية. وقد أراد أن يقيم الحد على قدامة بن مظعون حين شهد عليه الشهود بأنه شربها. روى الزهري أن الجارود سيد بني عبد القيس وأبا هريرة شهدا على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر، وأراد عمر أن يجلده.\nفقال قدامة: ليس لك ذلك، لأن الله يقول: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت اجتنبت ما حرّم الله.\nوالطعم يطلق في اللغة على التذوق والتلذذ بما يؤكل ويشرب وهو هنا بهذا المعنى.\nوبحسب ما ذكرنا من سبب النزول يكون معنى الآية: ليس على من آمن بالله واتقاه وعمل صالحا جناح فيما تناوله من المحرمات قبل تحريمها إذا ما اتقى الله في محارمه، وآمن به، وعمل صالحا، ثم استمر على هذه التقوى وهذا الإيمان في المستقبل، ثم اتقى الله فيما أحل له، وأحسن في استعماله.\nومن هذا الذي قلنا تعرف معنى التقوى والإيمان المكرّرين في الآية، وتعرف معنى الإحسان الذي زيد فيها، وهو وجه من وجوه كثيرة أوردها المفسّرون لبيان أنه لا تكرار في الآية، ولنذكر بعضا منها، فقد قال بعضهم: إن التقوى والإيمان الأولين يراد بهما حصول أصل التقوى، وأصل الإيمان، والثانيين يراد منهما الثبات والدوام، والتقوى الثالثة اتقاء ظلم العباد مع ضم الإحسان إليه.\nوذهب بعضهم إلى أن التقوى الأولى تقوى المحرمات قبل نزول هذه الآية،\n_________\n(١) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٣/ ١٧١) .","vol":"1","page":392},{"text":"والثانية: اتقاء الخمر والميسر، والثالثة اتقاء ما يحدث بعد هذه الآية.\nوذهب بعضهم إلى أنّ التقوى الأولى اتقاء الكفر، والثانية اتقاء الكبائر، والثالثة اتقاء الصغائر.\nوذهب بعضهم إلى أنّ المراد من هذا التأكيد في الحثّ على الإيمان والتقوى.\nيبقى أن يقال: كيف شرط الله في رفع الجناح عن المطعومات والمشروبات الإيمان والتقوى مع أنّ الجناح مرفوع عن المباح من المطعومات حتى عن الكافرين، ولكن متى عرف أن ذلك كان جوابا عن سؤال بشأن مؤمنين خيف أن ينالهم شيء من الإثم على ما تناولوا من المحرمات قبل التحريم، وأن الآية بصدد طمأنة السائل على أصحابه، وأنهم ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأنّها مثل قول الله تعالى في شأن من مات قبل الصلاة إلى الكعبة وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: ١٤٣] متى عرف ذلك ظهرت فائدة الشرط وتذييل الآية بقوله تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ للإشادة بشأن الإحسان في ذاته، وشأن هؤلاء الذين نزلت الآية فيهم.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) تقدّم الكلام غير مرة في معنى الابتلاء، وأنّ المراد منه في مثل هذا المقام أن يعامل العباد معاملة المبتلي المختبر، ليتعرف حالهم وهل يثبتون على المحن والشدائد أو لا يثبتون.\nأخرج ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن مقاتل أنها نزلت في عمرة الحديبية حيث ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون، فكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم، وكانوا متمكنين من صيدها أخذا بأيديهم، وطعنا، برماحهم، وذلك قوله تعالى: تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ فهموا بأخذها، فنزلت هذه الآية، وخص الأيدي والرماح، لأن الصيد يكون بهما غالبا.\nوالتنكير في قوله تعالى: بِشَيْءٍ للتحقير، وإنما امتحنوا بهذا الشيء الحقير تنبيها على أنّ من لم يثبت أمام هذه الأشياء التافهة كيف يثبت عند شدائد المحن، ويمكن أن يقال: إنّ التنوين للتعظيم، باعتبار جزاء الاعتداء عليه فإنّه عظيم، و(من) في قوله: مِنَ الصَّيْدِ للتبعيض، إما باعتبار أن المراد صيد البر لا صيد البحر، أو صيد الحرم دون صيد الحل.\nلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ أي ليظهر ما علمه أزلا من أهل طاعته ومعصيته حاصلا منهم فيما لا يزال فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ أي فمن تجاوز حدّ الله في الصيد بعد هذا التنبيه فله عذاب أليم، لأنّ المخالفة بعد الإنذار مكابرة وعدم مبالاة، والمراد","vol":"1","page":393},{"text":"بالعذاب عذاب الآخرة، وقيل: بل وعذاب الدنيا، فقد روي عن ابن عباس. قال: هو أن يوسع ظهره وبطنه جلدا، ويسلب ثيابه.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ النهي عن القتل يدلّ على تحريم إزهاق روح الصيد مطلقا، سواء كان من طريق الفعل أو من طريق التسبب، كالإشارة والدلالة مثلا، ويؤيد هذا المعنى\nقوله عليه الصلاة والسالم لبعض أصحابه: «هل أشرتم، هل دللتم»، قالوا: لا. قال: «إذن فكلوا» «١»\n. فدل هذا على أنّ للإشارة والدلالة مدخلا في التحريم، وأنّهما مما يتناوله النهي في قوله تعالى: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ فكان النهي متناولا للقتل من طريق المباشرة والتسبب. والمراد بالصيد المصيد، وقد اختلف في المراد بمدلوله، فذهب بعضهم إلى أنّ المراد منه الحيوان المتوحش مطلقا سواء أكان مأكولا أم غير مأكول، وخصّه بعضهم بالمأكول، وبالأوّل قال الحنفية، وبالثاني قال الشافعية، وانبنى على هذا الخلاف أن من قتل سبعا وهو محرم فهل يجب عليه الجزاء أو لا يجب، قال الحنفية: يجب، وقال الشافعية: لا يجب.\nاستدل الحنفية لمذهبهم بأن الصيد اسم عام يتناول كل ما يصاد من المأكول ومن غير المأكول، وهو اسم عربي واضح الدلالة على معناه، وقد كانت العرب تصطاد، وتطلق اسم الصيد على كل ما تناولته أيديهم ورماحهم.\nولم تنحصر فائدة حل الاصطياد في الأكل، بل قد تكون الفوائد التي هي غير الأكل أجدى من الأكل، ومغرية بالصيد أكثر منه، كصيد الفيلة للانتفاع بسنها مثلا، فيبقى اسم الصيد عاما في الحلال والحرام، لا يخرج منه شيء إلا ما أخرجه الدليل.\nوقد فهم الصحابة هذا فامتنعوا من فعله مطلقا، حتى أذن لهم ﷺ في الخمس الفواسق، فهي خارجة من هذا العام بهذا الإذن.\nوقد قال الإمام علي ﵁: صيد الملوك أرانب وثعالب وإذا ركبت فصيدي الأبطال\nفسمى الثعلب، صيدا، وهو مما لا يؤكل، إذ هو من السباع ذات الناب.\nوذكر الفخر الرازي حجة الشافعية فقال: حجة الشافعي القرآن والخبر. أما القرآن فهو أنّ الذي يحرم أكله ليس بصيد، فوجب أن لا يضمن. إنما قلنا: إنه ليس\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٨٥١)، ١٥- كتاب الحج، ٨- باب تحريم الصيد حديث رقم (٥٦/ ١١٩٦) .","vol":"1","page":394},{"text":"بصيد، لأن الصيد ما يحل أكله لقوله تعالى: بعد هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا فهذا يقتضي حل صيد البحر بالكلية، وحل صيد البر خارج وقت الإحرام، فثبت أنّ الصيد ما يحل أكله، والسبع لا يحل أكله، فوجب أن لا يكون صيدا، وإذا ثبت أنه ليس بصيد، وجب أن لا يكون مضمونا، لأنّ الأصل عدم الضمان. تركنا العمل به في ضمان الصيد بحكم هذه الآية.\nفبقي ما ليس بصيد على وفق الأصل.\nهذه عبارة الفخر الرازي أوردناها بنصها. ونحن لا نظن أن الإمام الشافعي وهو من هو يسلك هذا الطريق في الحجاج، فإنه يقال: ما الذي تدل عليه آية أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ إنها إن دلت على شيء فليس الذي تدل عليه أن الصيد هو المأكول. إذ هي قد أحلت شيئين صيدا وطعاما، فهما شيئان عامّ وخاصّ، فالأول الصيد مطلقا، والثاني طعامه، فهي تبيح الصيد انتفاعا وطعاما.\nانظر إلى مَتاعًا لَكُمْ أي نفعا، وهو أعمّ من أن يكون من طريق الأكل أو طريق الحلية مثلا، وأما قوله تعالى: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا فهو كقوله تعالى:\nلا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ فإن دلت هذه على حل صيد غير المأكول دلت الأخرى، فنحن نرى أنّ هذه الآية التي ساقها الفخر دليلا لا تنهض دليلا على الدعوى.\nقال الفخر بعد ذلك: وأما الخبر فهو الحديث المشهور، وهو\nقوله ﵊: «خمس فواسق لا جناح على المحرم أن يقتلهنّ في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والحية، والعقرب، والكلب العقور» «١»\nوفي رواية أخرى: «السبع العادي» «٢»\nقال والاستدلال به من وجوه:\nأحدها: أن قوله: «والسبع العادي» نص في المسألة.\nثانيها: أنه ﵊ وصفها بكونها فواسق، ثم حكم بحلّ قتلها، والحكم المذكور عقيب الوصف المناسب مشعر بكون الحكم معلّلا بذلك الوصف.\nوهذا يدل على أنّ كونها فواسق علة لحل قتلها، ولا معنى لكونها فواسق إلا كونها مؤذية، وصفة الإيذاء في السباع أقوى، فوجب جواز قتلها.\nثم أتى بوجه ثالث لا يخرج في المعنى عن الثاني وهو أن الشارع خصها بهذا الحكم لا ختصاصها بمزيد الإيذاء، وصفة الإيذاء في السباع أتم، فوجب القول بجواز قتلها، وإذا ثبت جواز قتلها وجب أن لا تكون مضمونة.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٨٥٦)، ١٥- كتاب الحج، ٩- باب ما يندب للمحرم حديث رقم (٦٦/ ١١٩٨) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٢/ ١١٣)، كتاب الحج، باب ما يقتل من الدواب حديث رقم (١٨٤٨) .","vol":"1","page":395},{"text":"وما ندري إذا أراد الفخر أن يستدل للحنفية فماذا يقول: إنه لا يقول ولا يفعل أكثر من أن يقول: وحجة الحنفية، ثم يذكر هذا الدليل، فإنك قد عرفت أن الحنفية يقولون: إن الصيد اسم عام يتناول المأكول وغير المأكول لا يخرج عنه شيء إلا ما أخرج الدليل، وقد أخرج الدليل الخمس الفواسق، لأنها فواسق، لا لأنها ليست بصيد، أو لأنها غير مأكولة، فهذا دليل للحنفية لا عليهم. وأما ما ذكر من الرواية الأخرى التي صرح فيها باسم «السبع العادي» فالحنفية لهم أن يقولوا: بل هم قد قالوا فعلا: إن صح هذا الحديث فنحن نقول بموجبه، فقد جاء في الحديث وصف السبع بالعادي، والعادي معناه الضاري، وهم يقولون بقتل كل ما يكون منه عدوان دفعا لعدوانه، وإضافة هذا الوصف دليل على أنه من غير الفواسق، وفي ذلك دليل على أنه إنما يحل قتله في حال ضراوته وعدوانه. والحنفية يقولون: إن السبع لو قتل في هذه الحال لا جزاء فيه، فأنت ترى أنّ هذه الحجة التي ساقها الفخر الرازي للتدليل على مذهب الشافعية لا تصلح دليلا على الدعوى.\nوإنما يصلح دليلا لهم أن يقوم الدليل على أنّ الصيد خاصّ بالمأكول، فإن ثبت هذا كانت الآية حجة لهم، وإلا فهي ظاهرة في العموم حتى يقوم الدليل على الخصوص، وقد قال الفخر الرازي في الرد على بيت الإمام علي الذي استدل به الحنفية: إنه غير وارد، لأن الثعلب مأكول، فهو صيد، ونحن نقول به، والرد من هذه الجهة مقبول له أنه ثبت أنه إنما سماه صيدا لأنه مأكول، وهذه هي محل النزاع «١» .\nوعلى أي حال فالآية ظاهرها العموم حتى يقوم الدليل على الخصوص.\nوَأَنْتُمْ حُرُمٌ حرم جمع حرام، وقد قيل: إن المراد وأنتم محرمون بالحج، وقيل: بل المراد وقد دخلتم بالحرم، وقيل: هما مرادان بالآية، وعلى هذا المعنى الأخير فهذه الآية تدلّ على أنّ المحرم ممنوع من الصيد مطلقا داخل الحرم وخارجه، وعلى أنّ الحلال ممنوع من الصيد داخل الحرم.\nوَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ظاهر الآية ترتيب الجزاء المخصوص على القتل العمد، وقد اختلف السلف في ذلك على ثلاثة أقوال: فالجمهور على أنّ الجزاء يترتب على قتل الصيد مطلقا، سواء تعمّد القاتل قتله أو أخطأ فيه، وسواء كان ذاكرا لإحرامه أو ناسيا.\nوإنما خصّ العمد بالذكر لأجل أن يرتّب عليه الانتقام عند العود، لأنّ العمد هو الذي يترتب عليه ذلك، دون الخطأ.\n_________\n(١) انظر تفسير مفاتيح الغيب للإمام الرازي (١٢/ ٨٧) .","vol":"1","page":396},{"text":"بقي أن يقال: هذا حكم العمد قد عرف من الآية وأنّ فيه الجزاء، فمن أين الجزاء في الخطأ.\nقيل: إن جزاء الخطأ معروف من الدليل الذي يقرّر التسوية في ضمان المتلفات. إذ إنّ من قتل صيد إنسان عمدا أو خطأ في غير الحرم، أو أتلف مالا مملوكا لإنسان عمدا أو خطأ فعليه جزاؤه، فهذا حكم عام في جميع المتلفات. بل قد عرف في باب جنايات الإحرام بوجه خاص أنه لا فرق بين معذور وغير معذور في وجوب الفدية، وما الخطأ إلا عذر من الأعذار، غاية ما يؤثر في العقوبة الأخروية فيسقطها.\nوإذا ثبت أن جناية الإحرام يستوي فيها المعذور وغير المعذور علمنا أن القتل العمد والخطأ في وجوب الجزاء سواء، وليس ذلك إثباتا للكفّارة بالقياس، بل بما ثبت به أن ضمان المتلفات يستوي فيه العمد والخطأ.\nوذهب ابن عباس فيما رواه قتادة عنه: أنه لا شيء في الخطأ، وهو قول طاوس وعطاء ومجاهد في إحدى الروايتين عنه.\nوالرواية الأخرى أنّه إن قتله عامدا ناسيا لإحرامه، أو قتله خطأ ذاكرا لإحرامه فهذا الذي يحكم عليه بالجزاء. أما من قتله عامدا ذاكرا لإحرامه فهذا لا ينفعه الجزاء.\nفقد أخرج ابن جرير «١» عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمدا غير ناس لحرمه، ولا مريد غيره، فقد حل، وليس له رخصة، ومن قتله ناسيا إحرامه، أو أراد غيره، فذلك العمد المكفر.\nوروى ابن أبي نجيح عنه أيضا في هذا المعنى قال: من قتله ناسيا لإحرامه متعمّدا لقتله، فذلك الذي يحكم عليه، فإن قتله ذاكرا لإحرامه متعمّدا قتله لا يحكم عليه، ولا حجّ له.\nوفي رواية: هذا لا يحكم عليه. هذا أجلّ من أن يحكم عليه. وقال ابن زيد:\nأما الذي يتعمّد فيه، وهو ناس لحرمه، أو جاهل أن قتله غير محرّم، فهؤلاء الذين يحكم عليهم. فأما من قتله متعمدا بعد نهي الله، وهو يعلم أنّه محرم، وأنه حرام، فذلك يوكل إلى نقمة الله.\nفهذه أقوال ثلاثة في قتل الصيد، وقد علمت أن الجمهور على الأوّل وعلمت وجهه. فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ قرئ فَجَزاءٌ بالرفع والتنوين، والمعنى على هذه القراءة فالواجب جزاء مماثل للمقتول.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٧/ ٢٧) .","vol":"1","page":397},{"text":"وقرئ فجزآء مثل برفع جزاء مضافا إلى مِثْلُ ما قَتَلَ وظاهر هذه القراءة أنّ الجزاء إنما هو جزاء مثل المقتول لا جزاء المقتول.\nقالوا: إن ذلك خارج مخرج: مثلك جدير بالإكرام، والمعنى أنت جدير بالإكرام، ومن ذلك قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [الأنعام: ١٢٢] إذ المعنى كمن هو في الظلمات، ويجوز أن تكون الإضافة على معنى (من) والمعنى فجزاء من مثل ما قتل.\nومِنَ النَّعَمِ يحتمل أن يكون حالا من الجزاء، والمعنى فجزاء مماثل للمقتول حال كون الجزاء من النعم، وجوّز بعضهم أن يكون بيانا لما في قوله: ما قَتَلَ والمعنى عليه: فجزاء مماثل للمقتول حال كون المقتول من النعم، وأنت تعلم أن ذلك إنما يتم على رأي أبي عبيد والأصمعي اللذين يقولان: إن النعم كما يكون من الأهلي يكون من الوحشي، وهو خلاف المشهور، إذ إنّ المشهور أن النعم يطلق على الإبل وحدها، وعلى البقر والغنم مضمومة إلى الإبل، ويصح أن يكون حالا من الضمير في (قتل) وهو قريب من هذا المعنى.\nوقد اختلف العلماء في المراد بالمثل، فقد روي عن ابن عباس أن المثل النظير، ففي الظبية شاة، وفي النعامة بعير، وكذا كل صيد قتل يجب فيه نظيره في المنظر، وهو مذهب محمد بن الحسن والشافعي ومالك والإمامية، وحجتهم أن الله أوجب مثل المقتول مقيّدا بكونه من النعم، فلا بد أن يكون الجزاء مثلا من النعم، وذلك لا يكون إلا بأن يكون من الحيوانات التي تماثل المقتول، فلا تجب القيمة لأنّها ليست من النعم.\nوقد أوجب الصحابة رضوان الله عليهم كعلي وعمر وعبد الله بن مسعود وغيرهم في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، إلى غير ذلك. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن الواجب هو قيمة الصيد المقتول باعتبار كونه صيدا قبل الصيد، يقوّم في المكان الذي صيد فيه، أو في أقرب الأماكن إليه، وفي زمان الصيد، لأنّ القيمة تتفاوت باعتبار المكان والزمان، وخلاف محمد إنما هو فيما له مثل، أما ما لا مثل له فالواجب القيمة عنده كما هي عند أبي حنيفة وأبي يوسف.\nوأما الشافعي فقد روي عنه أنه يعتبر المماثلة ولو في الصفات، فأوجب في الحمامة شاة، لأنّ الحمامة تشبه الشاة في عب الماء وفي الهدير.\nاحتج أبو حنيفة وأبو يوسف: بأن الله أوجب مثل المقتول مطلقا، والمطلق ينصرف إلى الفرد الكامل منه، وذلك يكون فيما هو مماثل في الصورة والمعنى، وذلك طنما هو من المشارك في النوع، وإيجاب ذلك متعذر، لأنّ نوع الصيد صيد، وهو محذور، فننتقل منه إلى ما يقاربه، وهو المثل في المعنى، فوجب المصير إليه،","vol":"1","page":398},{"text":"وذلك لأنّه قد عهد في الشرع عند إطلاق المثل أن يراد المشارك في النوع أو القيمة، فقد قال الله تعالى في ضمان العدوان: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ والمراد من المثل النظير بالنوع في المثليات، والقيمة في القيميات، فهو مشترك معنوي، والحيوانات قد اعتبرها الشارع من القيميات للاختلاف الباطني في أبناء النوع الواحد، فأولى أن يراد بالمثل القيمة فيما اختلف نوعه.\nوقد أهدر الشارع في ضمان المتلفات المماثلة الحاصلة في الصورة الظاهرة في أبناء النوع الواحد، فعدم اعتبارها فيما اختلف نوعه أظهر، ولسنا نقول إننا نعتبر القيمة ونصرفها نقدا، بل نحن نعتبرها معيارا تعرف بها قيمة الصيد، ثم يشترى بها ما يساويها من النعم إن بلغت هديا، وإلا أطعم بها مساكين، أو صام بمقدارها. فالمدار في الجزاء على المثل الذي هو القيمة، ليمكن أن يلجأ الحكمان إليها في تعيين الواجب من النعم.\nويستشهد الحنفية لمذهبهم بقوله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فإن الالتجاء إلى حكمين اثنين من عدول المسلمين إنما يكون في شيء تختلف أنظار الناس فيه، وذلك ليس إلا القيمة. فإنّ مقابلة الصفات الظاهرة من العبّ والهدير قد لا تخفى على أحد.\nوللشافعي ومحمد ﵄ أن يقولا: بل الأمر على العكس، فلم يوجب الله في ضمان سائر المتلفات غير الصيد الالتجاء إلى الحكمين، لأنّ الوقوف على القيمة سهل، فأما الوقوف على المضاهاة والمشاكلة في صفات الحيوانات وهيئاتها وطبائعها مما لا يهتدي إليه إلا الخبير بهذه الصفات والطبائع، والخبير بهذه الأشياء في الناس قليل. وما نظن أحدا يشعر أنّ بين الحمامة والشاة شبها في العب والهدير إلا من درس طبائع الحيوان وخواصه، فمن أجل ذلك احتجنا إلى الحكمين.\nيَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أي أنّ الجزاء الواجب يحكم به حكمان عدلان من المسلمين حال كون المحكوم به هديا بالغ الكعبة. أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أي من قتل صيدا فالواجب عليه جزاء مثله من النعم يبينه الحكمان، أو كفارة هي طعام مساكين أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا أو ما يساوي ذلك، أي الجزاء المماثل صياما يقدر لكل ما يساوي طعام مسكين صوم يوم، وما قل عن طعام المسكين يصوم عنه يوما، لأنّ الصيام لم يعهد في أقل من يوم.\nوأنت ترى في الآية (أو) التي للتخيير، فأين التخيير يا ترى: أهو لمن وجب عليه الجزاء، أم هو للحكمين، ومتى حكما بشيء التزمه قاتل الصيد لا يتعداه.\nقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن الحكمين يقدران قيمة الجزاء، وأنه يساوي كذا من الهدي، وكذا من طعام المساكين، وكذا من الصيام، وقاتل الصيد مخيّر بين أيّها يفعل.","vol":"1","page":399},{"text":"وقال محمد وهو محكيّ عن الشافعي أيضا: بل الخيار للحكمين، ومتى حكما بشيء والتزمه القاتل لا يتعداه.\nويريد أبو حنيفة: أن يأخذ من قوله: (هديا) دليلا على أنّ الواجب في الجزاء القيمة، لأن الهدي لم يعرف إلا فيما تجوز به الضحايا، وهو الجذع من الضأن، والثني من غيره، لأنّ مطلق اسم الهدي ينصرف إليه، كما في هدي المتعة والقران.\nولمحمد والشافعي أن يقولا: إن اسم الهدي قد يطلق على كل ما يهدى، وقد تأيّد هذا المعنى عندهما بما روي من أن الصحابة أوجبوا عناقا وجفرة.\nوأبو حنيفة يجيب عما ورد من فعل الصحابة: بأنهم إنما أوجبوه طعاما لا هديا، وأبو حنيفة يجيز أن يكون الإطعام من الصغار التي لا تصلح للضحايا على أنها طعام لا هدي.\nهذا وقد دلت الآية الكريمة على أنّه إذا كان الجزاء هديا فلا بدّ أن يبلغ الكعبة، فيذبح هناك.\nقال العلماء: والمراد من الكعبة الحرم، وإنما خصّت بالذكر للتعظيم، فلو ذبحه في غير الحرم كان إطعاما. والإطعام كما يكون في الحرم يكون في غيره، وقد نقل عن الشافعي أنّ الإطعام كذلك اعتبارا بالهدي.\nومحلّ إثبات ذلك أو نفيه في الفقه، لأنّ الآية لم تقيّد الإطعام بكونه بالغ الكعبة.\nلِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ أي شرعنا ما شرعنا من الجزاء على قتل الصيد ليذوق القاتل وبال أمره.\nوالوبال في الأصل الثقل، ومنه الوابل للمطر الكثير، والوبيل للطعام الثقيل الذي يعسر هضمه، والمرعى الوخيم.\nوالمعنى شرعنا ذلك ليذوق من قتل الصيد ثقل فعله وسوء عاقبته.\nعَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ لكم من الصيد وأنتم محرمون، فلم يجعل فيه إثما، ولم يوجب فيه جزاء، ولم يؤاخذكم على ما كان منكم في الجاهلية من ذلك، مع أنه ذنب عظيم، حيث كنتم على شريعة إسماعيل، وقد كان الصيد فيها محرّما.\nوَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ أي ومن عاد إلى قتل الصيد بعد ورود النهي فالله ينتقم منه، وهو العزيز الذي لا يغالب، المنتقم الذي لا يدفع انتقامه.\nوالمراد بالانتقام الانتقام في الآخرة.\nوأما الكفارة فقد أوجبها الجمهور على العائد، فيتكرر الجزاء عندهم بتكرر القتل، وهو مذهب عطاء والنخعي والحسن وابن جبير.","vol":"1","page":400},{"text":"وروي عن ابن عباس وشريح أنه إن عاد لم يحكم عليه بكفارة، حتى إنهما كانا يسألان المستفتي هل أصبت شيئا قبله؟ فإن قال: نعم، لم يحكم عليه، وإن قال: لا، حكم عليه. وهم في هذا الذي ذهبوا إليه يتمسكون بظاهر الآية.\nوالجمهور يقولون: إن عذابه والانتقام منه في الآخرة لا ينافي وجوب الجزاء عليه، وإنما لم ينصّ عليه لعلمه مما تقدم.\nقال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) أي أحل لكم أيها المحرمون ما يصاد من الماء بحرا كان أو نهرا، أو غيره، والمراد به الحيوان الذي يكون توالده ومثواه في الماء، سواء أكان مأكولا، أم غير مأكول.\nوقد قيل: إنّ هذا الترخيص خاصّ بالسمك، أما طير البحر فلا يتناوله الترخيص وَطَعامُهُ المراد منه ما يطعم منه ويحل أكله، فهو من عطف الخاص على العام، ويكون الحل الواقع على الصيد المراد منه حل الانتفاع مطلقا، ثم عطف عليه ما يفيد حل الأكل خاصة امتنانا بالإنعام بما هو قوام الحياة، وهو الأكل.\nولا شكّ أنّ الصيد من البحر قد يقصد لمنافع أخرى غير الأكل، كأخذ زيته، وما يحويه بعض حيوان البحر من العظم والسن والعنبر وغير ذلك.\nوذهب ابن أبي ليلى إلى أنّ المراد من الصيد والطعام المعنى المصدري، فكأنه قيل: أحل لكم الاصطياد من البحر، وأن تطعموا ما صدتموه، ومن أجل ذلك ذهب هو إلى أنّ جميع حيوان البحر مأكول.\nوقيل: بل المراد بصيد البحر ما أخذ بحيلة، وبطعامه ما ألقاه البحر أو جزر عنه الماء.\nغير أنّ هذا ربما يعكّر على الحنفية الذين يقولون بحرمة ما طفا على وجه الماء من السمك الميت، وإن كان لهم أن يقولوا في الجواب: إن ما طفا ليس مما ألقاه البحر، بل هو ميت لعلة أخرى غير الصيد وغير إلقاء البحر وانحسار الماء عنه، وهو حينئذ ميتة يشملها قول الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣] وقد تقدّم الكلام فيه في سورة البقرة.\nوقيل: المراد بصيد البحر السمك الطري: وبطعامه السمك المملوح، وسميّ طعاما لأنه يدّخر للاقتيات؟ قالوا: وهذا بعيد، لأنه داخل تحت قوله: صَيْدُ الْبَحْرِ لأنّه قبل أن يملّح كان طريا.\nمَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ أي أحللنا لكم ذلك لتتمتعوا به مقيمين ومسافرين، ولا","vol":"1","page":401},{"text":"شكّ أنّ صيود البحر فيها متعة ومنفعة في السفر والحضر، سواء بالأكل أو بالادخار، أو بما يخرج منه مما ينتفع به.\nويرى بعضهم أنّ التمتع به على التوزيع، فالطريّ منه للمقيمين، والقديد للمسافرين. وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ هو ما يكون توالده ومثواه في البر مما هو متوحش بأصل خلقته، والتحريم هنا إما منصبّ على ذات المصيد، أو على الفعل، فإن كان الثاني فالآية إنما تدل على حرمة الاصطياد فقط، وأما الأكل منه بأن ما يصيده حلال فلا تدل الآية على منعه، فمن يرى منعه فليلتمس له دليلا من غير الآية. وأما إذا كان التحريم منصبا على ذات المصيد فهو يقتضي تحريم جميع وجوه الانتفاع بالصيد، إلا ما يخرجه الدليل على ما تقرّر في الأصول، فيشمل تحريم الصيد والأكل وغيرهما، وقد عرفت أن قتل الصيد يخرج منه أشياء كالكلب العقور والذئب والسبع الضاري، لأنها من الخمس الفواسق:\nأما الذئب فلأنه عدّ نصا في بعض الروايات من الخمس الفواسق، وفي بعضها قيل: إنّه المراد من الكلب العقور، وأما السبع الضاري فلضراوته، والشافعي يخرج هذه الثلاثة، لأنها ليست بصيد، لأنّ الصيد عنده ما يؤكل على ما تقدّم.\nما دُمْتُمْ حُرُمًا أي محرمين، وظاهر الآية تحريم كلّ الصيد على المحرم، سواء أصاده هو أم محرم آخر أم حلال، سواء كان للمحرم دخل في صيده، أم لم يكن له دخل.\nوالمسألة خلافية عند السلف، فمذهب ابن عباس وابن عمر وجماعة أنّ الصيد مطلقا حرام على المحرم عملا بظاهر الآية، وأيضا\nفقد أخرج مسلم «١» عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيا، أو بعضه، أو بعض لحمه، أو عضوا من لحم صيد على اختلاف في الروايات، وهو ﵊ بالأبواء أو بودان، فردّه ﷺ، قال: فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهي قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» .\nويرى أبو هريرة وعطاء ومجاهد وابن جبير وعمر وطلحة وعائشة أنه يحل له أكل ما صاده الحلال، وإن صاده لأجله ما دام لم يدل عليه، ولم يشر إليه، ولم يأمره بصيده «٢»، وهو رواية الطحاوي عن أبي حنيفة، ووجهه أنّ الخطاب للمحرمين، فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم، والمراد ما يصيدونه حقيقة أو حكما بأن يدلّوا عليه، أو يشيروا إليه، أو يأمروا به.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٨٥٠)، ١٥- كتاب الحج، ٨- باب تحريم الصيد حديث رقم (١١٩٣) .\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":402},{"text":"وقد روى محمد عن أبي حنيفة عن ابن المنكدر عن طلحة بن عبيد الله تذاكرنا لحم الصيد يأكله المحرم والنبي ﷺ نائم، فارتفعت أصواتنا، فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: «فيم تتنازعون» .\nفقلنا: في لحم الصيد يأكله المحرم، فأمرنا بأكله.\nوروى مسلم عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: خرج رسول الله ﷺ حاجا، وخرجنا معه، فصرف نفرا من أصحابه فيهم أبو قتادة، فقال: «خذوا ساحل البحر حتى تلقوني» . قال: فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا قبل رسول الله ﷺ أحرموا كلهم إلا أبا قتادة، فإنّه لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فأصاب منها أتانا، فنزلوا فأكلوا من لحمها قال: فقالوا: أكلنا لحما ونحن محرمون إلخ القصة، وفيها أنهم استفتوا رسول الله ﷺ فقال: «هل معكم أحد أمره أو أشار عليه بشيء» . قالوا: لا، قال: «فكلوا» «١»\n. وعن مالك والشافعي وأحمد وداود ﵏ أنه لا يباح ما صيد له لما\nرواه أبو داود والترمذي والنسائي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «صيد البر لكم حلال وأنتم محرمون، ما لم تصيدوه، أو يصاد لكم» «٢» .\nوَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ اتقوه فيما نهاكم عنه من الصيد وفي جميع المعاصي فإنكم ستعرضون عليه يوم الحشر، ويحاسبكم حسابا عسيرا.\nقال الله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) سمّي البيت الحرام كعبة لعلوّه، وارتفاع شأنه، ومن ذلك الكعبان، للعظمين الناتئين بجانبي القدمين، ويقال: كعب ثدي المرأة إذا نتأ وبرز الْبَيْتَ الْحَرامَ بيان الكعبة على جهة التمدح، فإنّه معظّم عندهم منذ القدم، لحرمته وقِيامًا لِلنَّاسِ مفعول جعل الثاني، ومعنى كون البيت الحرام قياما للناس أنّ به قوامهم في صلاح أمورهم دينا ودنيا. حيث جعله الله مثابة للناس وأمنا، فيه يأمن الخائف، وينجو اللاجئ، وبه يطعم البائس الفقير، مما جعل الله في الحج من مناسك بها عمارة واد غير ذي زرع،\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٨٥٣)، ١٥- كتاب الحج، ٨- باب تحريم الصيد للمحرم، حديث رقم (٥٩/ ١١٩٦) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٢/ ١١٣)، كتاب المناسك، باب لحم الصيد حديث رقم (١٨٥١)، والترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٢٠٤)، كتاب الحج، باب ما جاء في أكل الصيد حديث رقم (٨٤٦)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٢٠٥)، كتاب الحج، باب إذا أشار إلى الصيد حديث رقم (٢٨٢٦) .","vol":"1","page":403},{"text":"ولولا ما فرض الله من الحج والنّسك ما استطاع أحد أن يقيم فيه، وقد جعل الله الدعاء فيه مقبولا، والحسنات فيه مضاعفة، لتشتد رغبة الناس فيه، فيزيد الخير، وتعم البركة. هذا إلى ما في اجتماع الناس ومجيئهم من البلاد النائية، والأقطار المختلفة من منافع دونها منافع المؤتمرات التي يلجأ إليها الناس اليوم لتعرّف وجوه مصلحة المجتمع، انظر كيف قال الله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ [الحج: ٢٧، ٢٨] ولا تنس ما في أعمال الحج من منافع، حيث يتجرد الناس عن أمور الدنيا، لا يحملهم شيء على هذا التجرد إلّا تقوى الله، والمبادرة إلى امتثال أمره. يتذكرون باجتماعهم وتجرّدهم هول المحشر، والوقوف بين يدي ربهم، فتشتد خشيتهم، ويعظم خوفهم، فيتجنبون الموبقات والآثام.\nقال سعيد بن جبير: من أتى هذا البيت يريد شيئا للدنيا والآخرة أصابه.\nوأخرج ابن جرير «١» عن ابن زيد قال: كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض، ولم يكن في العرب ملوك كذلك. فجعل الله لهم البيت الحرام قياما يدفع به بعضهم عن بعض. فلو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه عنده ما قتله.\nوتعظيم البيت وجعله أمنا للخائف وملجأ للعائذ، أمر أودعه الله في قلوب الناس منذ القدم، وليس هناك ما يمنع الناس من الاعتداء غير ما أودعه الله في القلوب من الهيبة والجلال، وتعظيم البيت. وقد طبع الناس على الشر، فلا يكبح جماحهم في نفوسهم إلا امتثال أمر الله. وبذلك أمكن أن يعيش الناس في هذه الأرض الجرداء.\nفسبحان المدبر الحكيم.\nوَالشَّهْرَ الْحَرامَ معطوف على الكعبة، والمعنى وجعل الشهر الحرام قياما للناس، والمراد منه الشهر الذي يؤدّى فيه الحج، أو الجنس فيشمل الأشهر الأربعة، وقد عرفت أنّ المراد من القيام الصلاح في الدنيا والآخرة. ولا شكّ أنّ الشهر الحرام كذلك حيث يقوم فيها الحاج ممتثلا أمر ربه، ويقدم النسك، فينتفع، وينتفع الناس، ويأمن الخائف، حيث إنهم كانوا يأمنون فيها، ويتصرفون في معايشهم، فهو قيام للناس أيضا وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ معطوف على ما قبله أيضا وَالْهَدْيَ ما يهدى إلى الحرم ولا شك أنّه قيام للناس، به يقيم الفقر صلبه وَالْقَلائِدَ جمع قلادة والمراد بها ما يقلّد به البعير، وما كانوا يفعلونه من تقليد أنفسهم ومطيّهم بلحاء الشجر، حتى لا يتعرض لهم أحد بسوء، وقيل: بل المراد من القلائد ذوات القلائد، وخصت بالذكر لأنّ بها يعرف كون الهدي هديا، فلا يتعرّض له أحد بسوء حتى يبلغ محلّه، فيؤدي الغرض\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (٧/ ٥٠) .","vol":"1","page":404},{"text":"الذي من أجله شرع ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فإنّ شرع الحج وما فيه من مناسك ومنافع يقتضي حكمة وتدبيرا يستلزمان العلم بتفاضل الأشياء، وما ينطوي عليه من الأسرار، وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وذكر العامّ بعد الخاصّ ليكون الخاصّ كالدليل على العام.\nقال الله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣)\n(البحيرة): فعيلة بمعنى مبحورة، أي مشقوقة، قال الزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنيها، وشقوها، وامتنعوا من نحرها، ولا تطرد من ماء ولا مرعى، وقيل فيها غير ذلك.\nو(السائبة): فاعلة من سيبته فساب، إذا تركته فهو سائب، روي عن ابن عباس أنها التي تسيّب للأصنام، فتعطى للسدنة، وقيل غير ذلك.\nو(الوصيلة): قال الزجاج: هي الشاة إذا ولدت ذكرا كان لآلهتهم، وإذا ولدت أنثى كانت لهم، وإن ولدت ذكرا وأنثى قيل وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وقيل غير ذلك.\nو(الحامي): قال أبو عبيدة والزجاج: إنه الفحل يضرب في مال صاحبه عشر سنين، وقيل غير ذلك.\nوالمعنى: ما شرع الله هذه الأشياء وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ حيث كانوا يفعلون ما يفعلون وينسبونه إلى شرع الله، وهم لا يعقلون أنّ ذلك افتراء على الله، وهو تنديد بهم لتعطيلهم العقل والنظر، إذ لو نظروا لعلموا أنّ هذه وثنية وشرك. والله لا يأمر بالكفر، ولا يرضاه لعباده.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)\nشَهادَةُ بَيْنِكُمْ: يجوز أن يكون مبتدأ وخبره اثنان، على حذف مضاف أي شهادة بينكم شهادة اثنين، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفا، أي فيما أمرتم أن","vol":"1","page":405},{"text":"يشهدوا اثنان، ويكون اثنان فاعلا بالشهادة، وقرئ شَهادَةُ بالنصب والتنوين، أي ليقم شهادة بينكم اثنان، وعلى القراءة الأولى تكون إضافة شهادة إلى الظرف، وهو بينكم على التوسع.\nوإِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: شارفه، وظهرت أمارته، وهو ظرف متعلّق بشهادة وحِينَ الْوَصِيَّةِ بدل منه، وفي هذا الإبدال تنبيه على أنّ الوصية لا ينبغي أن نتهاون فيها.\nذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ صفتان لاثنان أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ عطف على اثنان، وظاهر الآية أنّ المراد اثنان من المؤمنين، أو آخران من غير المؤمنين، لأنّ الله وجّه الخطاب للمؤمنين جميعا، فإذا قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ فهما من غير المؤمنين.\nوقال بعضهم: مِنْكُمْ أي من قبيلتكم، ومن غيركم، أي من غير قبيلتكم إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي سافرتم فيها فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ أي قاربتم الأجل، فليس المراد الموت بالفعل، وإنما المراد مشارفته، والعرب قد تعبّر بالفعل عن مقاربته ومشارفته تَحْبِسُونَهُما تقفونهما، وتصبرونهما، للحلف مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ صلاة العصر، وإنما فهمت صلاة العصر مع أن الصلاة مطلقة، لأنّها كانت معهودة للحلف عندها، وكان أهل الحجاز يقعدون للحكومة بعدها، وقيل: أي صلاة كانت، وقوله:\nإِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ جوابه محذوف دلّ عليه ما قبله، أي إن أنتم ضربتم في الأرض فآخران من غيركم، وجملة الشرط وجوابه اعتراضية، فائدتها التنبيه على أنّ شهادة اثنين من غير المسلمين إنما هي عند الضرورة، وقوله: تَحْبِسُونَهُما إما صفة لآخران، أو مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: ماذا نفعل بهما، فقال:\nتحبسونهما من بعد الصلاة.\nفَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ أي شككتم في أمرهما، وجوابه محذوف علم مما قبله، أي فحلّفوهما لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا الضمير في به يرجع إلى القسم المفهوم من فَيُقْسِمانِ والمعنى لا نشتري بصحة القسم ثمنا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى أي لو كان المقسم له ذا قربى، قال الزمخشري «١»: أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو كان المقسم له قريبا على معنى أنّ هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبدا، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [النساء: ١٣٥] .\nوَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ لا نكتم شهادة الله، أي الشهادة التي أمر الله بحفظها.\n_________\n(١) انظر تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للإمام الرازي (١/ ٦٨٨) .","vol":"1","page":406},{"text":"وروي عن الشعبي أنه وقف على شَهادَةُ وابتدأ اللَّهِ بمد الهمزة وتأويلها أنه حذف حرف القسم، وعوّض عنه همزة الاستفهام، والمعنى على القسم. وقرئ اللَّهِ بدون مد على القسم أيضا، وقد ذكر سيبويه أن من العرب من يطرح حرف القسم ولا يعوض منه حرف الاستفهام، فيقول: الله لقد كان كذا.\nفَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا أي اطّلع على أنهما فعلا ما أوجب إثما، واستوجبا أن يقال: إنهما من الآثمين.\nفَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ قرئ استحقّ على البناء للمفعول، والمعنى فشاهدان آخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الإثم، أي من الذين جني عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته، والْأَوْلَيانِ خبر لمبتدأ محذوف.\nأي هما الْأَوْلَيانِ كأنّه قيل: من هما؟ فقيل: الْأَوْلَيانِ أو بدل من الضمير في يقومان، ومعنى الْأَوْلَيانِ الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما بأحوال الميت، ويجوز أن يكون الْأَوْلَيانِ نائب فاعل اسْتَحَقَّ على حذف مضاف، أي استحق عليهم انتداب الأولين.\nوقرئ على البناء للفاعل والمعنى من الذين استحق عليهم الأوليان أو يجرّد وهما للشهادة، ويقدموهما لها، ويظهروا بهما كذب الكاذبين فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي ما اعتدينا في طلب هذا المال وفي نسبتهما إلى الخيانة، إنا إذا اعتدينا وخوّناهما وهما ليسا خائنين لمن الظالمين!.\nذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ أي ما تقدم من الحكم أقرب أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة بالشهادة على وجهها الذي تحمّلوها عليه خوفا من عذاب الله، وهذه حكمة شرعية التحليف بالتغليظ المتقدم.\nوقوله تعالى: أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ بيان لحكمة ردّ اليمين على الورثة، وهو معطوف على مقدّر ينبئ عنه المقام، كأنه قيل: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذاب الآخرة، أو يخافوا أن تردّ أيمان على الورثة بعد أيمانهم، فيظهر كذبهم على رؤوس الأشهاد، فيكون ذلك الخوف داعيا إلى أن ينزجروا عن الخيانة التي تؤدي إليه، فأي الخوفين كان وجد المطلوب، وهو تأدية الشهادة دون تحريف ولا تبديل.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا سمع إجابة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ.\nيؤخذ من الآية أنّ الله طلب أن يشهد الموصي على وصيته اثنين عدلين من المؤمنين فإن كان في سفر، وأشرف على الموت، ولم يجد من المؤمنين، أشهد من غير المؤمنين على وصيته، فإذا أديا الشهادة، وارتاب ورثة الميت في شهادتهما حلف","vol":"1","page":407},{"text":"الشاهدان بعد صلاة العصر على أنهما صادقان فيما شهدا به. فإن اطّلع على خيانة من هذين الشاهدين، فليقم اثنان من ورثة الميت الموصي، ويقسمان بالله على كذبهما، وهذا الحكم أقرب إلى أن يؤتى بالشهادة على وجهها، خوفا من الله، أو خوفا من العار.\nسبب نزول هاتين الآيتين أنّ تميم بن أوس الداري وعدي بن زيد خرجا إلى الشام للتجارة، وكانا حينئذ نصرانيين، ومعهما بديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما مهاجرا، فلما قدموا الشام مرض بديل، فكتب كتابا فيه جميع ما معه، وطرحه في متاعه، ولم يخبرهما بذلك، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله، ومات، ففتشاه، فوجدا فيه إناء من فضة منقوشا بالذهب، فأخفياه، ودفعا المتاع إلى أهله، فأصابوا فيه الكتاب، فطلبوا منهما الإناء، فقالا: ما ندري، إنما أوصى إلينا بشيء، وأمرنا أن ندفعه إليكم، ففعلنا، وما لنا بالإناء من علم، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية، واستحلفهما بعد صلاة العصر عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يأخذا شيئا مما دفع إليهما، ولا كتما، فحلفا على ذلك، فخلّى ﵊ سبيلهما، ثم إنّ الإناء وجد بمكة، فقال من بيده الإناء: اشتريته من تميم وعدي، وقيل لما طالت المدة أظهراه، فبلغ ذلك بني سهم فطلبوه منهما، فقالا: كما اشتريناه من بديل. فقالوا: ألم نقل لكما هل باع صاحبنا من متاعه شيئا؟ فقلتما: لا. قالا: ما كان لنا بينة فكرهنا أن نقرّ به، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ، فنزل قوله ﷿: فَإِنْ عُثِرَ\nالآية، فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر أنهما كذبا وخانا فدفع الإناء إليهما «١»، وفي الآية سؤالات:\nأ- يؤخذ من ظاهر الآية أنّ غير المسلم تجوز شهادته على المسلم.\nاثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ والآيات الأخرى تدلّ بعمومها على عدم صحة شهادة غير المسلمين. وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [البقرة: ٢٨٢] وغير المسلمين ليسوا بعدول. ولمكان هذا السؤال اختلف العلماء في الجواب عنه، فذهب بعضهم إلى أنّ المراد ذوا عدل منكم، أو آخران من غيركم من غير قبيلتكم، ويبين فساد هذا الجواب أنّ الله خاطب المؤمنين عامّة في أول الآية. فإذا قال: مِنْكُمْ أو مِنْ غَيْرِكُمْ كان الظاهر من المؤمنين أو من غير المؤمنين.\nوذهب آخرون إلى أنّ هذه الآية قد نسخت وبطل حكمها، ويبعد هذا الجواب\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٢٤٠)، كتاب التفسير باب ومن سورة المائدة حديث رقم (٣٠٥٩) .","vol":"1","page":408},{"text":"أن دعوى النسخ لا تقبل إلا بحجة، وليس مع القائلين بالنسخ إلا مجرّد الدعوى، كيف وقد عمل بها أصحاب رسول الله ﷺ بعده.\nروي أنه شهد رجلان من أهل دقوقا على وصية مسلم فاستحلفهما أبو موسى بعد العصر ما اشترينا به ثمنا ولا كتمنا شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين، ثم قال: إن هذه القضية ما قضي بها من زمان رسول الله إلى اليوم.\nوقد قالت السيدة عائشة ﵂: إنه لا منسوخ في المائدة.\nوروي أيضا: المائدة من آخر القرآن نزولا، فأحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها.\nوذهب آخرون إلى أن المراد من الشهادة أيمان الأوصياء للورثة، فما في الآية ليس شهادة، بل هو وصية، ويذهب إلى أنّ الأيمان قد سميت شهادة في القرآن وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ [النور: ٦] .\nوهذا الجواب أيضا بعيد عن ظاهر الآية لأنه قال: اثْنانِ، واليمين لا تختص بالاثنين، وقال: ذَوا عَدْلٍ واليمين لا يشترط فيها ذلك، وقال: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ [النساء: ١٠١] هو ليس شرطا أيضا في اليمين.\nوأحسن الأجوبة عن ذلك ما ذهب إليه علماء الحديث، وقاله الإمام أحمد: من أنه أجيزت شهادة الكفار في السفر للضرورة، قال صالح بن أحمد قال أبي: لا تجوز شهادة أهل الذمة إلا في مواضع: في السفر الذي قال الله تعالى: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فأجازها أبو موسى الأشعري.\nوقد روي عن ابن عباس أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ من أهل الكتاب، وهذا موضع ضرورة لأنّه في سفر، ولا نجد من يشهد من المسلمين، وإنما جاءت في هذا المعنى وهو مذهب شريح، وقول سعيد بن المسيب، وحكاه عن ابن عباس.\nوبقي في المسألة بحث، وهو أتجوز شهادتهم عند أحمد في كل ضرورة أم لا تجوز إلا في ضرورة السفر؟ قال ابن تيمية: وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضوع هو ضرورة يقتضي هذا التعبير قبولها في كل ضرورة حضرا وسفرا، ولو قيل: تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون لكان له وجه.\nهذا في شهادة الكفار على المسلمين، وأما شهادة بعضهم على بعض فذهب كثير من العلماء إلى منعها، واحتجوا بظواهر من القرآن مثل قوله: فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ [النساء: ١٥] وقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] وقوله:\nمِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [البقرة: ٢٨٢] .\nوذهب آخرون إلى جوازها، وأجابوا عن هذه الآيات بأنّ هذا إنما هو في الحكم بين المسلمين، فإنّ السياق كله في ذلك، فإن الله تعالى قال: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ","vol":"1","page":409},{"text":"مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ\nإلى قوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فلا تعرض في شيء من ذلك لحكم أهل الكتاب البتة.\nواحتجوا بقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] فأخبر أنّ منهم الأمين على مثل هذا القدر من المال، فكونه أمينا على قرابته وأهل ملته أولى، وبقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الأنفال: ٧٣] فأثبت لهم الولاية بعضهم على بعض. وهي أعلى رتبة من الشهادة وغاية الشهادة أن تشبّه بها، فإذا كان له أن يزوّج ابنته وأخته، ويلي مال ولده: فقبول شهادته عليه أولى وأحرى.\nواحتجوا أيضا بما\nروي عن جابر بن عبد الله ﵄ أنّ اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا فقال رسول الله ﷺ: «ائتوني بأربعة منكم يشهدون»\nوبما\nثبت في «الصحيح» «١»: مرّ على رسول الله ﷺ بيهودي وقد حمم فقال: «ما شأن هذا»؟ فقالوا: زنى، فقال: «ما تجدون في كتابكم» إلخ.\nفأقام الحد بقولهم، ولم يسأل اليهودي واليهودية، ولا طلب اعترافهما، وهذا هو الفقه. فإنّ أهل الذمة يتعاملون فيما بينهم بالبيع والإجارة والمداينة، وتقع بينهم الجنايات، ويتعدّى بعضهم على بعض، ولا يكون لهم شهداء إلا من أنفسهم، ويتخاصمون إلى قضاء المسلمين، فإذا لم يحكموا بينهم بشهودهم المرضيين عندهم ضاعت حقوقهم، وأدّى ذلك إلى الظلم والفساد، فالحاجة ماسّة إلى قبول شهادة بعضهم على بعض، وقد يكون بينهم الصادق الذي يتحرّى الصدق في أخباره، فيطمئن القاضي إلى قبول قوله.\nوإذا كان القصد من الشهادة الحكم بينهم بالعدل، ورفع التظالم، وإيصال كل ذي حق منهم إلى حقه: فكل شهادة منهم أوقعت في نفس القاضي ظنّا بصدقها وجب العمل بها للعدل والحق.\nب- إنّ هذه الآية تجيز شهادة المدعين لأنفسهم واستحقاقهم بمجرد أيمانهم، وهذا يخالف ما علم من الشريعة من أنّ\n«البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» «٢»\nوما علم من الشريعة هو محض العدل، لأنه\n«لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى قوم دماء قوم وأموالهم» «٣»\nأما جواب الجمهور عن هذا فمعروف وهو أن هذه الآية منسوخ حكمها.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٣٢٧)، ٢٩- كتاب الحدود، ٦- باب رجم اليهود حديث رقم (٢٨/ ١٧٠٠) . [.....]\n(٢) و(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٣٣٦)، ٣٠- كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه حديث رقم (١/ ١٧١١) .","vol":"1","page":410},{"text":"وأما على ما ارتضيناه من أنه لا نسخ فيها فالجواب هو ما يأتي: إنّ اليمين جعلت في جانب المدّعى عليه بقوة جانبه، بأن الأصل يشهد له، فإذا قوي جانب المدّعي بشاهد حلف معه فاليمين تكون بجانب أقوى المتداعيين شبهة. وهنا قد قوي جانب المدعي بالعثور على أنهما استحقا إثما، فلا جرم كانت اليمين في جانبهم، فليس هذا مخالفا للأصول، وإنما هو متفق معها، فقوة جانبهم بالعثور على الخيانة، كقوة جانب المدعي بالشاهد، وقوة جانبه بنكول خصمه عن اليمين، وقوة جانبه باللوث، وقوة جانبه بشهادة العرف في تداعي الزوجين وغير ذلك.\nج- هذه الآية تقتضي بتحليف الشاهد، والشاهد لا يحلف وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: ٢٨٢] والجواب أنّ هذه الشهادة بدل عن شهادة المسلم للضرورة، فطلب الاحتياط فيها.\nعلى أنّ بعض السلف ذهب إلى تحليف الشاهد المسلم إذا ارتاب فيه الحاكم، وقد حلّف ابن عباس المرأة التي شهدت بالرضاع.","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>من سورة الأنعام</span>\nقال الله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)\nلما قال المشركون: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال ﵊: «الله قتلها»، قالوا: فتزعم أنّ ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الصقر والكلب حلال، وما قتله الله حرام فأنزل الله قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلخ.\nوجمهور المفسّرين على أنّ في الآية الأولى حصرا مستفادا من عدم اتباع المضلين المشار إليه بقوله تعالى قبل هذه الآية: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ\nومستفاد أيضا من الشرط إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ فيكون المعنى: اجعلوا أكلكم مقصورا على ما ذكر اسم الله عليه، ولا تتعدوه إلى الميتة، ولولا هذا القصر لم يلاق الجواب الاعتراض، ويكون الكلام متعرضا لما لا يحتاج إليه، وساكتا عما يحتاج إليه.\nوَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنكار لأن يكون لهم شيء يدعوهم إلى ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه من البحائر والسوائب ونحوها. وفي ذلك إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يعولوا على عوائد الجاهلية في تحريم ما لم يحرّمه الله، ولا أن يعولوا على اعتراضاتهم وشبههم الواهية.\nوقوله: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ حال مؤكدة للإنكار، أي أنه ليس هناك سبب يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، والحال أنه قد بيّن المحرّم عليكم في قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى إلخ فبقي ما عدا ذلك على الحل.\nوقوله تعالى: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ معناه لكن الذي اضطررتم إلى أكله مما هو محرّم عليكم حلال لكم حال الضرورة.\nوَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ معناه أن كثيرا من الكفار ليضلون الناس بتحريم الحلال وتحليل الحرام كما حرموا البحيرة والسائبة،","vol":"1","page":412},{"text":"وأحلوا الميتة بأهوائهم وشهواتهم الباطلة، وبغير علم أصلا، إنما هو محض الهوى، وسيجازيهم الله على هذا الاعتداء لا محالة.\nقال الله تعالى: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) قيل: المراد اتركوا جميع المعاصي ما أعلنتم وما أسررتم. وقيل: ما عملتم وما نويتم. وقيل: ظاهِرَ الْإِثْمِ أفعال الجوارح وَباطِنَهُ أفعال القلوب.\nوقيل: اتركوا الزنى في الحوانيت واتخاذ الأخدان.\nوقد روي أنّ أهل الجاهلية كانوا يرون أنّ الزنى إذا ظهر كان إثما، وإذا استتر فلا إثم فيه. ثم أخبر الله أنه لا بدّ سيجازي مرتكبي المعاصي على عصيانهم.\nقال الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) المتبادر من المقام تخصيص ما لم يذكر اسم الله عليه بالحيوان، فيكون ذلك نهيا عن الأكل من الحيوان الذي لم يذكر اسم الله عليه، فتحرم الميتة وما ذكر عليه اسم غير الله ومتروك التسمية عمدا كان تركها أم سهوا، وإلى ذلك ذهب داود، وروي عن الحسن وابن سيرين.\nوقال الشافعي: متروك التسمية حلال مطلقا، وهو رواية عن مالك.\nوذهب الحنفية إلى التفرقة بين العمد والنسيان، فحرموا متروك التسمية عمدا، وأحلّوا متروك التسمية نسيانا. وهذا هو الصحيح من مذهب مالك. وعن أحمد ثلاث روايات أصحها عندهم وهي المشهورة عنه: أن التسمية شرط للإباحة، فإن تركها عمدا أو سهوا في صيد فهو ميتة، وفي الذبيحة إن تركها سهوا حلّت، وإن تركها عمدا فعنه روايتان.\nوحجة داود ومن قال بقوله هذه الآية الكريمة، وهي ظاهرة في ذلك.\nوللحنفية في تقرير مذهبهم من الآية طريقان:\nالأول: أن ظاهر الآية يقتضي شمولها لمتروك التسمية نسيانا، إلا أنّ الشارع جعل الناسي ذاكرا، لعذر من جهته، وفي ذلك رفع للحرج، فإنّ الإنسان كثير النسيان، فيكون متروك التسمية سهوا مخصوصا من حكم الآية.\nوالثاني: أنّ الناسي ليس بتارك التسمية، بل هي في قلبه على ما\nروي عنه ﷺ أنه قال: «تسمية الله على كل مسلم»\nوحينئذ يكون متروك التسمية عمدا أو سهوا بقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة: ٣] إلى قوله تعالى: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ","vol":"1","page":413},{"text":"[المائدة: ٣] فأباح المذكى، ولم يذكر التسمية، وليست التسمية جزءا من مفهوم الذكاة، فإنّ الذكاة لغة الشق والفتح وقد وجدا.\nوبحديث البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: إنهم قالوا: يا رسول الله إن قومنا حديثو عهد بالجاهلية يأتون بلحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا أفنأكل منها؟\nفقال رسول الله ﷺ: «سموا وكلوا» «١»\nقال أصحاب الشافعي هذه التسمية المستحبة عند أكل كل طعام، وشرب كل شراب.\nوأجابوا عن هذه الآية بأنّ المراد فيها ما ذبح للأصنام، يدل على ذلك وجوه:\nالأول: أنّ من أكل متروك التسمية ليس بفاسق، وقد قال الله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ.\nوالثاني: أن قوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ يدل على أن المراد ما ذبح على اسم الأصنام، فإن معناه إنّكم لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم الأصنام فقد رضيتم بألوهيتها، وذلك يوجب الشرك.\nوالثالث: أن قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ لا يجوز أن يكون معطوفا على النهي قبله، لأنّ عطف الخبر على الإنشاء ضعيف إن لم يكن ممنوعا، فكان قوله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ قيدا في النهي، فصار هذا النهي مخصوصا بما إذا كان الأكل فسقا، ثم طلبنا في كتاب الله تعالى أنه متى يكون الأكل فسقا فوجدناه مفسّرا في آية أخرى، وهي قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلى أن قال: رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فصار الفسق في هذه الآية مفسّرا بما أهلّ به لغير الله، وإذا كان كذلك كان قوله:\nوَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ مخصوصا بما أهلّ به لغير الله.\nوأجاب بعض الشافعية بجواب آخر وهو حمل النهي على كراهة التنزيه جمعا بين الأدلة. ومع هذا فالأولى بالمسلم أن يجتنب متروك التسمية، لأنّ ظاهر هذا النص قوي.\nوَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ أي وإن إبليس وجنوده ليوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوا محمدا وأصحابه في أكل الميتة، كما سبق.\nوقال عكرمة: المراد بالشياطين مردة المجوس من أهل فارس، وكانوا قد كتبوا إلى قريش أنّ محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتّبعون أمر الله، ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال، وما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله هذه الآية «٢» .\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٨١)، ٧٢- كتاب الذبائح، ٢١- باب ذبيحة الأعراب حديث رقم (٥٥٠٧)، وأبو داود في السنن (٣/ ١٩)، كتاب الأضاحي، باب ما جاء في أكل اللحم حديث رقم (٢٨٢٩)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٢٧٢)، كتاب الضحايا، باب ذبيحة من لم يعرف حديث رقم (٤٤٤٨)، وابن ماجه في السنن (٢/ ١٠٥٩)، كتاب الذبائح، باب التسمية حديث رقم (٣١٧٤) .\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٨/ ١٢) .","vol":"1","page":414},{"text":"وقوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ يعني وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ في تحليل الميتة، أو في تحليل ما أهلّ به لغير الله إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ وفيه دليل على أنّ من استحل الحرام واتبع غير الله في دينه كان كافرا، لأنه أشرك بالله غيره، بل آثر حكمه على حكم الله. وهذا الكلام على تقدير القسم وحذف اللام الموطئة، أي ولئن أطعتموهم إنّكم جواب القسم أغنى عن جواب الشرط، وأجاز المبرّد أن يكون الجواب للشرط بلفظ الماضي.\nقال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)\nالمعروشات من الكرم: ما يحمل على العريش، وهو عيدان تصنع كهيئة السقف، ويوضع الكرم عليها.\nوغير المعروشات: الملقيات على وجه الأرض من الكرم أيضا. وقيل المعروش ما يحتاج إلى عريش يحمل عليه من الكرم وما يجري مجراه. وغير المعروش: الشجر المستغني باستوائه على سوقه عن التعريش. والأكل: الثمر المأكول.\nوالحصاد: حصد الزرع إذا انتهى وجاء زمانه.\nسيقت هذه الآية هي ومثيلتها السابقة في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ الآية لإقامة الدلائل على تقرير التوحيد.\nالمعنى: أنّ الله وحده هو الذي خلق وأظهر هذه الجنات من غير أن يكون معه شريك.\nوقوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ أمر إباحة، وفائدة التقييد بقوله: إِذا أَثْمَرَ الترخيص للمالك في الأكل منه قبل أداء حقّ الله تعالى.\nواختلف العلماء في الحق الواجب في الثمر المفهوم من قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ فعن ابن عباس أنه الزكاة الواجبة، وهي العشر، أو نصفه. وفي رواية أخرى على الخبر أيضا أنه ما كان يتصدق به يوم الحصاد بطريق الوجوب من غير تعيين المقدار، ثم نسخ بالزكاة، واختار هذه الرواية بعض العلماء، لأنّ الزكاة فرضت بالمدينة، وهذه السورة مكية.\nوأجاب الإمام الرازي «١» عن ذلك بأنّا لا نسلّم أنّ الزكاة لم تكن واجبة بمكة، وكون آيتها مدنية لا يدلّ على ذلك. على أنه قد قيل: إنّ هذه الآية من سورة الأنعام مدنية. وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.\n_________\n(١) انظر تفسير مفاتيح الغيب للإمام الرازي (١٣/ ٢١٣) .","vol":"1","page":415},{"text":"لما أباح الله للمالك أن يأكل من الثمر قبل أداء حق الله تعالى فيه نهى عن الإسراف في الأكل المرخّص فيه قبل الحصاد، كيلا يؤدي إلى بخس حق الفقراء، وقال الزهري: المعنى لا تنفقوا في معصية الله، ويروى نحوه عن مجاهد، فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال: لو كان أبو قبيس ذهبا فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفا، ولو أنفق درهما في معصية الله تعالى كان مسرفا.\nومن هنا قال بعض الحكماء: لا سرف في الخير، ولا خير في السرف. وقال مقاتل: لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام «إنّ الله لا يحب المسرفين» بل يبغضهم من حيث إسرافهم ويعذّبهم عليه إن شاء.\nقال الله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)\nروي عن طاوس أنّ أهل الجاهلية كانوا يستحلّون أشياء، ويحرمون أشياء، فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» .\nوقد ذكر الله قبل هذه الآية ما كانوا يحرمون من الأنعام، وذمّهم على تحريم ما أحله، وعنّفهم، وأبان عن جهلهم، لأنّهم حرّموا بغير وحي من الله، ثم أتبع ذلك البيان الصحيح فقال: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إلخ فبيّن بذلك أنّ التحليل والتحريم لا يثبت كلّ منهما إلا بالوحي.\nوإذ ليس في الوحي محرّم غير أربعة أشياء: الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، والفسق الذي أهل لغير الله به: ثبت أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة.\nواستشكلت هذه الآية بأنها حصرت المحرمات في هذه الأربعة، ولا شك أنها أكثر من ذلك. وأجيب عن ذلك بأجوبة:\nالأول: أن المعنى لا أجد محرّما مما كان أهل الجاهلية يحرّمونه من البحائر والسوائب كما يشير إلى ذلك سبب النزول والآيات السابقة على هذه الآية. وعلى هذا المعنى يكون الاستثناء منقطعا، أي لا أجد ما حرّموه، لكن أجد الأربعة محرّمة، والاستثناء المنقطع ليس كالمتصل في إفادة الحصر، كما نبهوا على ذلك.\nوالجواب الثاني: أن المعنى لا أجد إلى الآن محرّما على طاعم يطعمه إلا الأربعة، ولم يرتض الإمام الرازي «٢» هذين الجوابين، لأنّه ورد في القرآن الكريم غير\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٨/ ٥٠) .\n(٢) انظر تفسير مفاتيح الغيب للإمام الرازي (١٣/ ٢١٩) .","vol":"1","page":416},{"text":"هذه الآية ثلاث آيات كلّها تفيد حصر المحرمات في هذه الأربعة ففي سورة النحل قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [النحل: ١١٥] وفي سورة البقرة قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [البقرة: ١٧٣] وإنما تفيد الحصر، فالآيتان تفيدان الحصر وفي سورة المائدة قوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [المائدة: ٢] وهذه جملة حاصرة، وأجمع المفسرون على أنّ مراد الله بما يتلى هو قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣] إلخ. وليس فيه إلا الأربعة، وأما المنخنقة وما معها فإنما هي من أقسام الميتة، وخصّت بالذكر لأنّهم كانوا يستحلّونها، وإذ كانت الآيات الثلاث تدل على حصر المحرم في الأربعة وجب القول بدلالة الآية التي معنا على الحصر، لتطابق الآيات التي ذكرنا، لأنّها كلها في موضوع واحد، وإن من هذه الآيات ما نزل بعد استقرار الشريعة، فآية البقرة مدنية، وليس قبلها ذكر ما كانوا يحرّمون من البحائر والسوائب، وكذلك آية المائدة مدنية، وهي من آخر القرآن نزولا، ولا شيء قبلها يقتضي تقييدها، والأصل عدم التقييد، فيدل ذلك على أنّ الحكم الثابت في الشريعة من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء.\nوالجواب الثالث: وهو المرضي أنّ الآية وإن دلت على الحصر مخصوصة بالآيات والأخبار الدالّة على تحريم ما حرّم من غير الأربعة، مثل قوله تعالى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف: ١٥٧] فذلك يقتضي تحريم كلّ الخبائث المستقذرة، كالنجاسات وهوام الأرض، ومثل ما\nرواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية «١» .\nوما روياه «٢» عن أبي ثعلبة الخشني أنّ النبي ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع.\nوفي رواية ابن عباس: وأكل كل ذي مخلب من الطير «٣» . وما\nروياه «٤» عن عائشة وحفصة وابن عمر من قوله ﷺ: «خمس من الدواب كلّهن فاسق يقتلن في\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٨٥)، ٧٢- كتاب الذبائح، ٢٧- باب لحوم الخيل، حديث رقم (٥٥٢٤)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٥٤١)، ٣٤- كتاب الصيد، ٦- باب في أكل لحوم الخيل حديث رقم (٣٦/ ١٩٤١) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٨٦)، ٧٢- كتاب الذبائح، ٢٩- باب أكل كل ذي ناب حديث رقم (٥٥٣٠)، ومسلم في الصحيح (٣/ ١٥٣٣)، ٣٤- كتاب الصيد، ٣- باب تحريم أكل كل ذي ناب حديث رقم (١٢/ ١٩٣٢) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٥٣٤)، ٣٤- كتاب الصيد، ٣- باب تحريم أكل ذي ناب حديث رقم (١٦/ ١٩٣٤) .\n(٤) سبق تخريجه.","vol":"1","page":417},{"text":"الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب والفأر، والكلب العقور»\nففي الأمر بقتلهنّ دلالة على تحريم أكلهنّ، لأنّها لو كانت مما يؤكل لأمر بالتوصل إلى دفع أذاها بذكاتها، فلما أمر بقتلها، والقتل إنما يكون لا على وجه الذكاة، ثبت أنها غير مأكولة.\nوكذلك ما نهى رسول الله ﷺ عن قتله، لأنّ ما يؤكل لا ينهى عن قتله.\nوالشافعية يخصّصونها أيضا بما\nروي عنه ﷺ أنه قال: ما استخبثته العرب فهو حرام.\nوشنع عليهم الإمام الرازي «١» في ذلك، ولكن كلامه لا يخلو عن وهن، ورأي الشافعية في ذلك أن الحيوان الذي لم يرد فيه بخصوصه نصّ بالتحليل أو بالتحريم، ولم يؤمر بقتله، ولم ينه عن قتله، فإن استطابته العرب فهو حلال، وإن استخبثته فهو حرام. ومعتمدهم في ذلك قوله تعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف: ١٥٧] وقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ [المائدة: ٤] قالوا: وليس المراد بالطيب هنا الحلال، لأنّه لو كان المراد الحلال لكان تقديره أحل لكم الحلال، وليس فيه بيان، وإنما المراد بالطيبات ما يستطيبه العرب، وبالخبائث ما يستخبثونه، قالوا: ولا يرجع في ذلك إلى طبقات الناس، وينزل كل قوم على عادتهم في الاستطياب والاستخباث، لأنه يؤدي إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام واضطرابها، وذلك يخالف قواعد الشرع، فيجب اعتبار العرب، فهم أولى الأمم بأن يؤخذ باستطيابهم واستخباثهم، لأنهم المخاطبون أولا، وهم جيل معتدل لا يغلب فيهم الانهماك على المستقذرات، ولا العفافة المتولدة من التنعم.\nقالوا: وإنما يرجع إلى العرب الذين هم سكان القرى والريف، دون سكان البوادي الذين يأكلون ما دب ودرج من غير تمييز، وتعتبر عادة أهل اليسار والثروة، وحال الخصب والرفاهية.\nوبعد فقد احتجّ بظاهر الآية: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إلخ كثير من السلف فأباحوا ما عدا المذكور فيها.\nفقد أخرج أبو داود عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن أكل القنفذ فقرأ الآية.\nوأخرج ابن أبي حاتم وغيره بسند صحيح عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير قالت: قُلْ لا أَجِدُ إلخ.\nوعن ابن عباس أنه قال: ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرّم الله تعالى في كتابه: قُلْ لا أَجِدُ الآية.\nهذا واستدل بقوله سبحانه: عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ على أنه إنما حرّم من الميتة ما\n_________\n(١) انظر كتاب أحكام القرآن للإمام الرازي (٣/ ٢١) .","vol":"1","page":418},{"text":"يتأتى فيه الأكل منها، فلم يتناول الجلد المدبوغ والشعر ونحوه، وقد فهم النبيّ ﷺ من النظم الكريم ذلك.\nأخرج أحمد «١» وغيره عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة- وفي بعض الروايات أنها كانت لميمونة- فقال رسول الله ﷺ: «لو أخذتم مسكها» فقالت:\nنأخذ مسك شاة قد ماتت! فقال ﵊: «إنما قال الله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً\nوإنكم لا تطعمونه، إن تدبغوه تنتفعوا به» .\nوقوله تعالى: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا يدلّ على أنّ المحرم من الدم ما كان سائلا. قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح، فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، ولا الدم المختلط باللحم في المذبح، ولا ما يبقى في العروق من أجزاء الدم، فإنّ ذلك كله ليس بسائل.\nواستدل الشافعية بقوله سبحانه: فَإِنَّهُ رِجْسٌ على نجاسة الخنزير بناء على عود الضمير على خنزير، لأنّه أقرب مذكور.\n_________\n(١) في المسند (٦/ ٣٣٤)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ١٩٣)، حديث رقم (٤٢٤٥/ ٠٠٠) .","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>من سورة الأعراف</span>\nقال الله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)\nأي إذا قرأ أيّ قارئ غيركم فاستمعوا له سماع تدبر وتذكر.\nواللام في قوله لَهُ قيل: إنها لام الأجل، وقيل: إنّها صلة، والمعنى فاستمعوه، وقيل: إنّها بمعنى (إلى) .\nوالإنصات السكوت يقال: نصت وأنصت إذا سكت وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي لكي تفوزوا بالرحمة التي هي أقصى ما تبتغون.\nوقد وردت الآية هكذا عامة في وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل الأحوال، وعلى جميع الأوضاع خارج الصلاة وداخلها، كلّ ذلك يجب فيه الاستماع والإنصات للقرآن الكريم إذا قرئ.\nوقد اختلف العلماء في الحكم إذا كان الناس خلف الإمام هل يجب عليهم الاستماع والإنصات، ويسقط عنهم فرض القراءة، أم لا يجب عليهم؟ بل عليهم أن يقرؤوا سواء في ذلك جهريّة الإمام وسرّيته، أو ذلك خاص بالسرية دون الجهرية.\nذهب الحنفية إلى أنّ المأموم لا يقرأ خلف الإمام مطلقا جهرا كان يقرأ الإمام أو سرا.\nوذهب جماعة إلى أنّ المأموم يقرأ إذا أسرّ الإمام، ولا يقرأ إذا جهر، وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن محمد والزهري ومالك وابن المبارك وأحمد.\nوذهب الشافعي ﵁ فيما رواه المزني عنه إلى أن المأموم يقرأ مطلقا أسرّ الإمام أو جهر، وروى البويطي عنه أنّه يقرأ في السرية أمّ القرآن، ويضم السورة، وفي الجهرية أمّ القرآن فقط.\nقال الآلوسي: والمشهور عند الشافعي أنّه لا سورة للمأموم الذي يسمع الإمام في جهرية، بل يستمع، فإن بعد بأن لم يسمع، أو سمع صوتا لا يميز حرفه، أو كانت سرّيّة قرأ في الأصح.\nتلك هي آراء العلماء في قراءة المأموم خلف الإمام، والحنفية يحتجون بظاهر","vol":"1","page":420},{"text":"هذه الآية، يقولون: إن الله تعالى طلب ممن قرئ القرآن بمحضر منه شيئين: الاستماع والإنصات، وذلك عام في كل الأحوال والأوقات، لا يخرج منه شيء إلا ما أخرجه الدليل، فإن أخرج الدليل مثلا ما إذا كان المصلي يصلي وآخر ليس معه في الصلاة يقرأ، كان ذلك خارجا، وبقي ما عداه على وجوب الاستماع والسكوت، وإذا كانت سرية اكتفينا منه بالإنصات، لأنه الممكن، وهو يعلم أنّ الإمام يقرأ، فعليه أن يلزم الصمت عملا بهذه الآية.\nوالحنفية في هذا الذي ذهبوا إليه يشاركون كثيرا من جلة الصحابة رضوان الله عليهم، فهو مذهب علي، وابن مسعود، وسعد، وجابر، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي سعيد، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأنس.\nبل لقد روي عن بعضهم ذمّ من قرأ خلف الإمام،\nفقد روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي كرم الله وجهه قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة.\nوعن زيد بن ثابت قال: من قرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابا.\nوروي عنه أنّ من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له.\nوقال الشعبي: أدركت سبعين بدريا كلهم يمنعون المقتدي عن القراءة خلف الإمام.\nويروي الحنفية تأييدا لمذهبهم أخبارا كثيرة بعضها مرفوع وفي رفعه مقال، وبعضها مرسل.\nمن ذلك ما أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في «سننه» عن مجاهد قال: قرأ رجل من الأنصار خلف رسول الله ﷺ في الصلاة فنزلت: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ إلخ.\nوأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» «١» .\nوأخرج أيضا عن جابر أنّ النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءته له قراءة» .\nوكل ما قيل في هذا الحديث أنّه مرسل، والحنفية يحتجون بالمراسيل.\nعلى أنه قد رواه أبو حنيفة مرفوعا بسند صحيح.\nروى محمد بن الحسن في «موطئه» قال: أنبأنا أبو حنيفة حدثنا أبو الحسن موسى ابن أبي عائشة عن عبد الله بن\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (١/ ٢٠١)، ١٠- كتاب الأذان، ٨٢- باب إيجاب التكبير حديث رقم (٧٣٤)، ومسلم في الصحيح (١/ ٣٠٩)، ٤- كتاب الصلاة، ١٩- باب ائتمام المأموم حديث رقم (٨٦/ ٤١٤) .","vol":"1","page":421},{"text":"شداد، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «من صلّى خلف إمام فإنّ قراءته له قراءة»\nوالروايات في ذلك كثيرة، وفي بعضها عن أبي حنيفة أنّ رجلا قرأ خلف النبي في الصلاة فنهاه آخر فتنازعا، وكان ذلك في الظهر أو العصر، فذكرا ذلك للنبي فقال الذي قدمنا لك.\nهذا طرف مما يحتج به الحنفية لمذهبهم.\nوأما حجة المالكية ومن يرى رأيهم: فما\nرواه مالك وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ أحد منكم آنفا»، فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال: «إني أقول ما لي أنازع في القرآن» قال فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ «١» .\nوروى مسلم «٢» عن عمران بن حصين قال: صلّى رسول الله ﷺ بنا صلاة الظهر أو العصر، فقال: «أيكم قرأ خلفي بسبح اسم ربك الأعلى»؟ فقال رجل: أنا، فقال رسول الله ﷺ: «قد علمت أنّ بعضكم خالجنيها» .\nوروي عن عبادة بن الصامت قال: صلّى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «إنّي لأراكم تقرءون وراء إمامكم» قال قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: «فلا تفعلوا إلا بأمّ القرآن» «٣»\nوأنت ترى أن هذين الحديثين يدلان على مذهب الشافعية لا على مذهب المالكية.\nوالشافعية يستدلون بهذين الحديثين وبما ثبت من أنّه لا صلاة إلا بقراءة، ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وبقوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وقد جمع البخاري في المسألة جزءا كاملا، وكان رأيه ﵀ أنّ المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية، وهو مذهب الشافعي ورواية عن مالك ﵀، وعلى كلّ حال فإنّ أدلة هذه المسألة متعارضة، وقد سلك كلّ إمام طريقا في الجمع بينها، وموضع ذلك كتب الفقه.\nقال الله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) قيل: الخطاب للنبي ﷺ، وهو أمر بإخفاء كلّ ذكر، لأنّ الإخفاء أدخل في\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ٣١٣)، كتاب الصلاة، باب من كره القراءة حديث رقم (٨٢٦)، والنسائي في السنن (١- ٢/ ٤٧٨)، كتاب الافتتاح، باب ترك القراءة حديث رقم (٩١٨) . [.....]\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٢٩٨)، ٤- كتاب الصلاة، ١٢- باب نهي المأموم حديث رقم (٤٧/ ٣٩٨) .\n(٣) رواه أبو داود في السنن (١/ ٣١١)، كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة حديث رقم (٨٢٣) .","vol":"1","page":422},{"text":"الإخلاص، وقيل: المراد بالذكر في النفس أن يكون عارفا بمعاني الأذكار التي يردّدها على لسانه، مستحضرا لصفات الكمال والعظمة والجلال، وذلك لأنّ المراد من الذكر أثره، وهو الخشية، فما لم يكن ذاكرا بقلبه فكيف يخشى.\nوقيل: الخطاب لمستمع القرآن، والمراد أمر المأموم بالقراءة سرّا بعد فراغ الإمام من قراءته تَضَرُّعًا وَخِيفَةً أي متضرعا خائفا وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ أي ذاكرا متكلما بكلام هو دون الجهر من القول.\nقال ابن عباس هو أن يسمع نفسه. وقيل: المراد أن يقع الذكر متوسطا بين الجهر والمخافتة، على حدّ قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [الإسراء: ١١٠] .\nبِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ.\nالغدو جمع غدوة، وهي ما بين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس.\nوالآصال: جمع الجمع لأصيل، وقيل: غير هذا، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس، وإنما خصّ هذين الوقتين بالذكر، قيل: لأنهما وقتا هجوع وسكون، فيكون الذكر فيهما ألصق بالقلب وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ عن ذكر الله إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) هم الملائكة، فهم ينزّهونه، ويخصّونه بغاية العبودية.\nوهذه آية من آيات السجدة المعدودة في القرآن، طلب السجود ممن قرأها، أو سمعها،\nروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» «١» .\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٨٧)، ١- كتاب الإيمان، ٣٥- باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة حديث رقم (١٣٣/ ٨١) .","vol":"1","page":423},{"text":"تفسير آيات الاحكام لفضيلة الشيخ محمّد علي السايس تحقيق ناجي إبراهيم سويدان المجلّد الثاني المكتبة العصريّة","vol":"1","page":425},{"text":"بسم الله الرّحمن الرّحيم","vol":"1","page":427},{"text":"بسم الله الرّحمن الرّحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>من سورة الأنفال</span>\nقال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)\nهذه السورة كلّها مدنية، وقيل: هي مدنية إلا قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقيل: إلا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وبعضهم استثنى خمس آيات بعد آية وَإِذْ يَمْكُرُ.\nومناسبتها لسورة الأعراف: أنها في بيان حال الرسول ﷺ مع قومه، وسورة الأعراف مبينة لأحوال أشهر الرسل مع أقوامهم.\nوسبب نزول هذه الآية ما\nأخرجه أحمد وابن حبّان والحاكم من حديث عبادة بن الصّامت ﵁ أنّ المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، وفي قسمتها، فسألوا الرسول ﷺ كيف تقسم، ولمن الحكم فيها، أهي للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ فنزلت «١» .\nوالسؤال إمّا لاستدعاء معنى في نفس المسئول، وهذا يتعدّى بنفسه تارة، وبعن أخرى، كما في هذه الآية. وإما لاقتضاء مال، فيتعدّى لاثنين بنفسه، نحو سألت زيدا مالا، وقد يتعدّى بمن، وفاعل السؤال يعود على معلوم، وهو من حضر بدرا.\nوالأنفال جمع نفل كسبب وأسباب، وهو في أصل اللغة من النّفل بفتح فسكون- أي الزيادة- ولذا سمي التطوع وولد الولد نافلة، ثم صار حقيقة في العطية لكونها تبرعا غير لازم. وتسمّى الغنيمة نفلا لأنّها منحة من الله من غير وجوب، أو لأن المسلمين فضّلوا بها على سائر الأمم التي لم تحلّ لهم، أو لأنها زيادة على ما شرع الجهاد له، وهو إعلاء كلمة الله: كذلك يسمّى بالنفل ما يشترطه الإمام للغازي زيادة على سهمه. وبعضهم فرّق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص: فالغنيمة ما حصل\n_________\n(١) انظر تفسير ابن جرير الطبري المسمى جامع البيان (٩/ ١١٦) .","vol":"1","page":429},{"text":"مستغنما ببعث كان أو بغير بعث، قبل الظفر أو بعده. والنفل ما كان قبل الظفر أو ما كان بغير قتال، وهو الفيء، أو ما يفضل عن القسم.\nإذا تبين هذا فاعلم أن الراجح هنا كون السؤال سؤال استفتاء لا استعطاء، وأنّ المراد بالأنفال الغنائم لا المشروط للغازي زيادة على سهمه، ويؤيد ذلك الراجح أمور:\n١- أنّ هذا أول تشريع للغنيمة.\n٢- ما تقدّم من سبب النزول.\n٣- قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ فإنّه لو كان السؤال طلبا للمشروط لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه.\nومن ذهب إلى المرجوح وهو أن السؤال سؤال استعطاء، وأن النفل ما يشترط للغازي فقد التزم زيادة (عن) أو جعلها بمعنى (من) وهو تكلّف لا ضرورة إليه.\nويبعده أيضا الجواب بقوله تعالى: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فإنّ المراد به اختصاص أمرها وحكمها بالله تعالى ورسوله، فيقسمها النبي ﵊ كما يأمره الله تعالى من غير أن يدخل فيه رأي أحد، ولو كان السؤال سؤال استعطاء، و(عن) زائدة لما كان هذا جوابا له، فإنّ اختصاص حكم ما شرط لهم بالله ورسوله لا ينافي إعطاءه إياهم، بل يحققه، لأنّهم إنما يسألون بموجب شرط الرسول ﵊ الصادر عنه بإذن الله، لا بحكم سبق أيديهم إليه مما يخل بالاختصاص المذكور.\nوالمعنى: يسألونك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم ولمن الحكم فيها قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي قل لهم: الأنفال لله يحكم فيها بحكمه، وللرسول يقسمها بحسب حكم الله تعالى.\nوهذه الآية محكمة بيّن فيها إجمالا أنّ الأمر مفوّض لرسول الله، وآية وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ إلخ فصّلت هذا الإجمال ببيان مصارف الغنيمة، فلا تكون ناسخة لها فَاتَّقُوا اللَّهَ أي وإذا كان أمر الغنائم لله ورسوله فاتقوه سبحانه، واجتنبوا ما أنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لشق العصا وسخطه تعالى، أو فاتقوه في كل ما تأتون وتذرون، فيدخل ما هم فيه دخولا أوليا وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي أصلحوا نفس ما بينكم، وهي الحال والصلة التي بينكم تربط بعضكم ببعض، وهي رابطة الإسلام، وإصلاحها يكون بالوفاق والتعاون والمواساة وترك الأثرة والتفوق، وبالإيثار أيضا، فذات بمعنى حقيقة الشيء ونفسه مفعول به، وقيل: إنّ (ذات) بمعنى صاحبة، صفة لمفعول محذوف، أي أحوالا ذات بينكم، ولما كانت","vol":"1","page":430},{"text":"الأحوال ملابسة للبين أضيفت إليه، كما تقول: اسقني ذا إنائك أي ما فيه، جعل كأنه صاحبه.\nوالبين في أصل اللغة يطلق على الاتصال والافتراق، وكل ما بين طرفين كما قال تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [الأنعام: ٩٤] برفع بين بمعنى الوصل، وبنصبه على الظرفية بمعنى وقع التقطع بينكم. ومن استعمال البين بمعنى الافتراق والوصل قول الشاعر:\nفو الله لولا البين لم يكن الهوى ... ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الغنائم، وفي كل أمر ونهي، وقضاء وحكم، وذكر الاسم الجليل في الأمرين لتربية المهابة وتعليل الحكم. وذكر الرسول مع الله تعالى أولا وآخرا لتعظيم شأنه، وإظهار شرفه، والإيذان بأنّ طاعته ﵊ طاعة الله تعالى: وتوسيط الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى، والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية بالإصلاح، وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ متعلق بالأوامر الثلاثة، والجواب محذوف لدلالة ما تقدّم عليه، أي فامتثلوا الأوامر الثلاثة فإنّ الإيمان يقتضي ذلك كله، أو الجواب نفس ما تقدم على الخلاف.\nوأيا ما كان، فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه، لا التشكيك في إيمانهم، وهو يكفي في التعليق بالشرط.\nوالمراد بالإيمان التصديق، ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر على معنى أن من شأنه ذلك، لا أنه لازم له حقيقة.\nوقد يراد بالإيمان الإيمان الكامل، والأعمال شرط فيه، أو شطر، فالمعنى إن كنتم كاملي الإيمان فإنّ كمال الإيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة: الاتقاء والإصلاح وإطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>ما يستنبط من الآية</span>\nيستفاد منها أمور:\n١- حرص الصحابة على السؤال عما يهمهم من أمر دينهم.\n٢- إنّ الأحكام مرجعها إلى الله تعالى ورسوله، لا إلى غيرهما.\n٣- اهتمام الشارع بإصلاح ذات البين، فهو واجب شرعا لتوقف قوة الأمة عليه وعزتها ومنعتها، ولحفظ وحدتها به.\n٤- إن امتثال ما أمر به الشارع من ثمرات الإيمان. والله أعلم.","vol":"1","page":431},{"text":"قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)\n(الزحف) قال الأزهري: أصل الزحف للصبي، وهو أن يزحف على استه قبل أن يقوم. وشبّه بزحف الصبي مشي الطائفتين اللتين تذهب كل واحدة منهما إلى صاحبتها للقتال، فتمشي كلّ فئة مشيا إلى الفئة الأخرى قبل التداني للضّراب.\nوقال الزمخشري «١»: الزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنّه يزحف، أي يدبّ دبيبا، من زحف الصبي إذا دبّ على استه قليلا، سمي بالمصدر، والجمع زحوف.\nفَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ أي لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم.\nإِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ المتحرّف للقتال هو الذي يفرّ موهما قرنه أنه منهزم، فإذا تبعه عطف عليه فقتله، وهو باب من خدع الحرب ومكايدها، وهو حال من فاعل يُوَلِّهِمْ والاستثناء مفرّغ، أو منصوب على الاستثناء أي وَمَنْ يُوَلِّهِمْ إلا رجلا متحرفا لقتال.\nأَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ التحيّز التنحي. والفئة: الجماعة.\nنهى الله عن الفرار، وتوعّد عليه أشدّ الوعيد، وهو أن يرجع بغضب من الله، وأنّ مقره في جهنم، ولم يبح الفرار إلا لاثنين:\nأحدهما: المتحرّف للقتال، وهو الذي يفرّ، ثم يكرّ مكيدة منه وخدعة.\nوالثاني: الرجل الذي يرى أنّه كالمنفرد، ويرى جماعة من المسلمين تحميه إذا انحاز إليها.\nروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: خرجت سرية وأنا فيهم، ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا، فدخلوا البيوت، فقلت: يا رسول الله نحن الفرّارون؟ فقال: «بل أنتم العكارون وأنا فئتكم» «٢» والعكارون الكرّارون العطّافون.\nوانهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! هلكت فررت من الزحف، فقال عمر ﵁: أنا فئتك.\nوهذه الآية حرّمت الفرار من القتال، وأما كم عدد العدو الذي يحرم الفرار منه فقد بينته آية الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ [الأنفال: ٦٦] .\n_________\n(١) في تفسيره الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الكتب العلمية (٢/ ١٩٩) .\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح حديث رقم (١٧٧٠) .","vol":"1","page":432},{"text":"قال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)\nهذه الآية بيّنت أن غنائم الحرب تخمّس، فيجعل خمس لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأربعة الأخماس الباقية بينت السنة أنّها تقسّم على الجيش، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، أو سهمان على خلاف في الروايات.\nوقد اختلف العلماء فيما هي الغنيمة والفيء. فقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ عنوة من الكافرين في الحرب، والفيء ما أخذ عن صلح، وقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ من مال منقول، والفيء الأرضون. وقال آخرون: الغنيمة والفيء بمعنى واحد، وزعموا أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر، فإنّ آية الحشر [٧] جعلت الفيء كلّه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وهذه الآية جعلت لهم الخمس فقط، فتكون هذه ناسخة لتلك، والظاهر أن الغنيمة والفيء مختلفان ولا نسخ.\nوقد ذكرت الآية أنّ الخمس لستة:\nأولها: الله ﷿، وقد اختلف المفسرون فيه على قولين:\n١- أن قوله: لِلَّهِ خُمُسَهُ مفتاح كلام لم يقصد به أنّ الخمس يقسم على ستة منها الله، فلله الدنيا والآخرة، بل يقسّم الخمس على خمسة للرسول ولذي القربى إلخ. ويكون الغرض من ذكر الله تعليمنا التبرك بذكره، وافتتاح الأمور باسمه.\nأو يكون معناه أنّ الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله.\nثم بيّن تلك الوجوه فقال: للرسول ولذي القربى، فأجمل أولا، ثم فصّل.\nفإن قيل: لو أراد ذلك لقال: فإنّ لله خمسه للرسول دون (واو) .\nقيل: إن العرب قد تذكر الواو والمراد إلغاؤها، كما قال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) [الصافات: ١٠٣] والمراد فلما أسلما تله للجبين، لأنه جواب لما.\nوكما قال الشاعر:\nلي شيء يوافق بعض شيء ... وأحيانا، وباطله كثير\nوالمعنى يوافق بعض شيء أحيانا.\n٢- إنّ المراد لبيت الله، فسهم الله يصرف في الكعبة نقل عن أبي العالية والظاهر القول الأول لإجماع الحجة عليه.\nثانيها: رسول الله، وقد ذكر بعضهم أنه افتتاح كلام كما قالوه في الله، والغنيمة تقسم على أربعة. وقال الأكثرون: إن الغنيمة تقسم على خمسة أولها سهم الرسول ﷺ يضعه حيث رأى.","vol":"1","page":433},{"text":"ثالثها: ذوو القربى والمراد بها قرابة رسول الله ﷺ، وقد اختلف في ذوي القربى: فقيل: هم قرابة رسول الله ﷺ من بني هاشم، وقيل: هم قريش كلها، وقيل: هم بنو هاشم وبنو المطلب وهو الراجح،\nفقد أخرج ابن جرير «١» عن جبير بن مطعم قال: لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب مشيت أنا وعثمان بن عفان ﵁ فقلنا: يا رسول الله! هؤلاء إخوتك بنو هاشم، لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» ثم شبّك رسول الله يديه إحداهما بالأخرى.\nوقيل: إن سهم ذوي القربى طعمة لرسول الله- هذا كله إذا كان رسول الله حيا- فأما بعد وفاته، فقد اختلف العلماء في سهمه وسهم ذوي قرباه، فقيل: يصرفان في معونة الإسلام وأهله وفي الخيل والسلاح.\nوقيل: هما للإمام من بعده روي عن قتادة أنه سئل عن سهم ذوي القربى، فقال: كان طعمة لرسول الله ﷺ ما كان حيّا فلما توفي جعل لولي الأمر من بعده.\nوقال العراقيون: سهم رسول الله ﷺ مردود في الخمس، والخمس مقسوم على ثلاثة أسهم على اليتامى والمساكين وابن السبيل، ويقال لهم: سهم رسول الله ﷺ سقط بموته فما الذي أسقط سهم ذوي القربى ولا يلزم من سقوط حق أحد المستحقين سقوط الآخرين.\nوقال بعضهم: سهم النبي لقرابة النبيّ ﷺ، وقال قائلون: سهم القرابة لقرابة الخليفة، ثم اجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر ﵄. وكأنّهما كانا يريان أنّ سهم ذوي القربى كان طعمة لرسول الله ﷺ في حياته، وهو لا يورث «٢» فجعلا هذين السهمين في سبيل الله.\nرابعها: اليتامى، وهم أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم.\nخامسها: المساكين، وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين.\nسادسها: ابن السبيل، وهو المجتاز سفرا قد انقطع به.\nوقد خالفت المالكية هذه الأقوال المتقدمة جميعها، ورأوا أنّ خمس الغنيمة\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (١٠/ ٥) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٣٨٠)، ٣٢- كتاب الجهاد، ١٦- باب قول النبي ﷺ: «لا نورث» حديث رقم (١٧٥٢)، والبخاري في الصحيح (٨/ ٤)، ٨٥- كتاب الفرائض، ٢- باب قول النبي ﷺ: «لا نورث» حديث رقم (٦٧٢٥) .","vol":"1","page":434},{"text":"يجعل في بيت المال، ينفق منه على من ذكر، وعلى غيرهم، بحسب ما يراه الإمام، وكأنّهم رأوا أن ذكر هذه الأصناف على سبيل المثال، وهو من باب الخاص أريد به العام. وأصحاب الأقوال والمتقدمة رأوا أنه من باب الخاص أريد به الخاص.\nروى ابن القاسم وأشهب وعبد الملك «١» عن مالك أن الفيء والخمس يجعلان في بيت المال، ويعطى الإمام قرابة رسول الله ﷺ منهما.\nوروى ابن القاسم عن مالك أنّ الفيء والخمس واحد. والذي جعل المالكية يذهبون هذا المذهب أخبار ثبتت في المغازي والسير:\n١- روي في «الصحيح» «٢» أن النبيّ ﷺ بعث سرية قبل نجد فأصابوا في سهمانهم اثني عشر بعيرا، ونفلوا بعيرا بعيرا.\n٢-\nثبت عنه ﷺ أنه قال في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي حيّا وكلّمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له «٣» .\n٣-\nثبت أنّه ﷺ ردّ سبي هوازن وفيه الخمس «٤» .\n٤-\nروي في «الصحيح» «٥» عن عبد الله بن مسعود قال: آثر النبيّ ﷺ يوم حنين أناسا في الغنيمة، فأعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عيينة مئة من الإبل، وأعطى أناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل والله إنّ هذه القسمة ما عدل فيها أو ما أريد بها وجه الله. فقلت: والله لأخبرنّ النبيّ ﷺ فأخبرته، فقال: «يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .\n٥-\nقال رسول الله ﷺ: «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم» «٦» .\nفمن هذه الأحاديث تعلم أنه قد أعطي من الخمس للمؤلفة قلوبهم وليسوا ممن\n_________\n(١) فقيه مالكي، ومؤرخ، أندلسي، صاحب كتاب الواضحة، انظر الأعلام للزركلي (٤/ ١٥٧) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ٦٨)، ٣٢- كتاب الجهاد، ١٢- باب الأنفال حديث رقم (١٧٤٩)، والبخاري في الصحيح (٤/ ٦٦)، ٥٧- كتاب الخمس، ١٥- باب ومن الدليل على أن الخمس حديث رقم (٣١٣٤) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح (٤/ ٦٧)، ٥٧- كتاب الخمس، ١٦- باب ما منّ النبي ﷺ على أسارى حديث رقم (٣١٣٩) .\n(٤) رواه البخاري في الصحيح (٤/ ٦٧)، ٥٧- كتاب الخمس، ١٥- باب من الدليل على أن الخمس حديث رقم (٣١٣١)، (٣١٣٤) .\n(٥) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٧٣٨)، ١٢- كتاب الزكاة، ٤٦- باب إعطاء المؤلفة حديث رقم (١٣٩/ ١٠٦٢) .\n(٦) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٣٧٦)، ٣٢- كتاب الجهاد، ١٤- باب التنفيل حديث رقم (٤٧/ ١٧٥٦) . [.....]","vol":"1","page":435},{"text":"ذكر الله في التقسيم، وأنه قد ردّه على المجاهدين بأعيانهم، وأنه قد أعطى بعضه وكله: وهذا يدل على أنّ ذكر هذه الأصناف في الآية بيان لبعض المصارف، لا بيان استحقاق وملك إذ لو كان استحقاقا وملكا لما جعله رسول الله ﷺ في بعض الأحيان في غيرهم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\nيقول الله: أيقنوا أنما غنمتم من شيء فقسمه كما بيّنت لكم، فاقطعوا أطماعكم عما ليس لكم من الخمس إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا على عبدنا محمد ﷺ يوم فرّقنا بين الحق والباطل ببدر، فأدلنا للمؤمنين من الكافرين، وذلك يوم التقى الجمعان، جمع المؤمنين وجمع المشركين، والله على ذلك وغيره قدير لا يمتنع عليه شيء أراده.\nقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)\nكان المؤمنون في عصر النبي ﷺ أربعة أصناف:\nالأول: المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى قبل غزوة بدر، وربما تمتد أو يمتد حكمها إلى صلح الحديبية سنة ست.\nالثاني: الأنصار.\nالثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا.\nالرابع: المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية.\nوقد بين في هذه الآيات حكم كل منها ومكانتها فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذا هو الصنف الأول وهو الأفضل الأكمل. وقد وصفهم بالإيمان- والمراد به التصديق- بكل ما جاء به محمد ﷺ، ووصفهم بالمهاجرة من ديارهم وأوطانهم فرارا بدينهم من فتنة المشركين إرضاء لله تعالى ونصرا لرسوله ﷺ، ووصفهم بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. فالجهاد بذل الجهد بقدر الوسع والطاقة ومصارعة المشاق.\nفأما ما كان منه بالأموال فهو قسمان: إيجابي: وهو إنفاقها في التعاون","vol":"1","page":436},{"text":"والهجرة، ثم في الدفاع عن دين الله كصرفها للكراع والسلاح، وعلى المحاويج من المسلمين، وسلبي: وهو سخاء النفس بترك ما تركوه في وطنهم عند خروجهم منه وأما ما كان منه بالنفس فهو قسمان أيضا:\nقتال الأعداء وعدم المبالاة بكثرة عددهم وعددهم، وما كان قبل إيجاب القتال من مغالبة الشدائد، والصبر على الاضطهاد، والهجرة من البلاد.\nوقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ قيل: هو متعلق بجاهدوا قيد لنوعي الجهاد، ويجوز أن يكون من باب التنازع في العمل بين هاجروا وجاهدوا. ولعل تقديم الأموال على الأنفس لما أن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعا وأتم دفعا للحاجة حيث لا يتصور المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال.\nوَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا هذا هو الصنف الثاني في الفضل كالذكر. ووصفهم بأنهم الذين آووا الرسول ﷺ ومن هاجر إليهم من أصحابه، ونصروهم، ولولا ذلك لم تحصل فائدة الهجرة، ولم يكن مبدأ القوة والسيادة، فالإيواء يتضمن معنى التأمين من المخافة، إذ المأوى هو الملجأ والمأمن، ومنه إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ [الكهف: ١٠] آوى إِلَيْهِ أَخاهُ [يوسف: ٦٩] وقد كانت يثرب مأوى وملجأ للمهاجرين، شاركهم أهلها في أموالهم، وآثروهم على أنفسهم، وكانوا أنصارا لرسول الله ﷺ، يقاتلون من قاتله، ويعادون من عاداه، ولذلك جعل الله حكمهم وحكم المهاجرين واحدا في قوله: أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي يتولى بعضهم من أمر الآخرين أفرادا أو جماعات ما يتولونه من أمر أنفسهم عند الحاجة من تعاون وتناصر في القتال، وما يتعلق به من الغنائم، وغير ذلك، لأنّ حقوقهم ومصالحهم مشتركة، حتى إن المسلمين يرثون من لا وارث له من الأقارب.\nوقال بعض المفسرين: إن الولاية هنا خاصة بولاية الإرث، لأنّ المسلمين كانوا يتوارثون في أول الأمر بالإسلام، والهجرة دون القرابة، بمعنى أنّ المسلم المقيم في البادية أو في مكة أو غيرها من بلاد الشرك لم يكن يرث المسلم الذي في المدينة وما في حكمها إلا إذا هاجر إليها، فيرث ممن بينه وبينه مؤاخاة من الأنصار، وذلك أنّ المهاجري كان يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري، ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري، واستمر ذلك إلى أن فتحت مكة، وزال وجوب الهجرة، وغلب حكم الإسلام، فنسخ التوارث بالإسلام المصاحب للهجرة، وهذا التخصيص باطل، والمتعين أن يكون لفظ الأولياء عاما يشمل كل معنى يحتمله كما تقدم.\nوالمقام الذي نزلت فيه هذه الآية- بل السورة كلها- يأبى أن يكون المراد به حكما مدنيا من أحكام الأموال فقط، فهي في الحرب، وعلاقة المؤمنين بعضهم ببعض،","vol":"1","page":437},{"text":"وعلاقتهم بالكفار. وكل ما يصح في مسألة التوارث أنها داخلة في عموم هذه الولاية.\nوقال الأصم: الآية محكمة، والمراد: الولاية بالنصرة والمظاهرة، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا هذا هو الصنف الثالث من أصناف المؤمنين، وهم المقيمون في أرض الشرك تحت سلطان المشركين وحكمهم- وهي دار الحرب والشرك- بخلاف من يأسره الكفار من أهل دار الإسلام، فله حكم أهل هذه الدار.\nوكان حكم غير المهاجرين أنه لا يثبت لهم شيء من ولاية المؤمنين الذين في دار الإسلام، إذ لا سبيل إلى نصر أولئك لهم، ولا إلى تنفيذ هؤلاء لأحكام الإسلام فيهم. والولاية حقّ مشترك على سبيل التبادل، ولكنّ الله خص من عموم الولاية المنفية الشامل لما ذكرنا من الأحكام شيئا واحد فقال: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ فأثبت لهم حق نصرهم على الكفار إذا قاتلوهم أو اضطهدوهم لأجل دينهم.\nوإن كانوا هم لا ينصرون أهل دار الإسلام لعجزهم، ثم استثنى من هذا الحكم حالة واحدة. فقال: إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ يعني إنما يجب عليكم أن تنصروهم إذا استنصروكم في الدين على الكفار الحربيين، دون المعاهدين، فهؤلاء يجب الوفاء بعهدهم، لأنّ الإسلام لا يبيح الغدر والخيانة بنقض العهود.\nوهذا الحكم من أركان سياسة الإسلام الخارجية العادلة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فلا تخالفوا أمره، ولا تتجاوزوا ما حدّه لكم، كيلا يحل عليكم عقابه.\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي في النصرة والتعاون على قتال المسلمين، فهم في جملتهم فريق واحد تجاه المسلمين، وإن كانوا مللا كثيرة يعادي بعضهم بعضا. وقيل: إنّ الولاية هنا ولاية الإرث كما قيل بذلك في ولاية المؤمنين فيما قبلها، وجعلوه الأصل في عدم التوارث بين المسلمين والكفار. وفي إرث ملل الكفر بعضهم لبعض.\nوقول بعض المفسرين: إن هذه الجملة تدل بمفهومها على نفي المؤازرة والمناصرة بين جميع الكفار وبين المسلمين، وإيجاب المباعدة والمصارمة وإن كانوا أقارب غير مسلّمين، لأنّ صلة الرحم عامة في الإسلام للمسلم والكافر كتحريم الخيانة. والأصح عند الشافعية أنّ الكافر يرث الكافر، وهو قول الحنفية والأكثر، ومقابله عند مالك وأحمد. وعنهما التفرقة بين الذمي والحربي، وكذا عند الشافعية.\nوعن أبي حنيفة «١» لا يتوارث حربي من ذمي، فإن كانا حربيين شرط أن يكونا من دار واحدة.\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني ط ١، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٠ (٢/ ٦١٠) .","vol":"1","page":438},{"text":"وعند الشافعية لا فرق. وعندهم وجه كالحنفية، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ أي إن لم تفعلوا ما ذكر، وهو ما شرع لكم من ولاية بعضكم لبعض، وتناصركم وتعاونكم تجاه ولاية الكفار بعضهم لبعض تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ تحصل فتنة عظيمة فيها: هي ضعف الإيمان، وظهور الكفر بتخاذلكم وفشلكم المفضي إلى ظفر الكفار بكم، واضطهادكم في دينكم، لصدكم عنه وَفَسادٌ كَبِيرٌ وهو سفك الدماء على ما روي عن الحسن، فالمراد فساد كبير فيها. وقيل: مفسدة كبيرة في الدين والدنيا.\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا هذا ليس مكررا مع ما تقدم، لأنّ مساق الأول لإيجاب التواصل بينهما، ومساق الثاني الثناء عليهم، والشهادة لهم بأنهم هم المؤمنون حقّ الإيمان وأكمله، دون من أقام بدار الشرك مع حاجة الرسول ﷺ والمؤمنين إلى هجرته، وأعاد وصفهم الأول لأنهم به كانوا أهلا لهذه الشهادة، وما يليها من الجزاء المذكور في قوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لا يقدر قدرها وَرِزْقٌ كَرِيمٌ لا تبعة له ولا منة فيه.\nوَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ هذا هو الصنف الرابع من المؤمنين في ذلك العهد، وهم من تأخر إيمانهم وهجرتهم عن الهجرة الأولى، أو عن نزول هذه الآيات. فيكون الفعل الماضي آمَنُوا وما بعده بمعنى المستقبل، وقيل:\nعن يوم بدر، وقيل: عن صلح الحديبية، وكان سنة ست. وجعلهم تبعا لهم وعدهم منهم دليل على فضل السابقين على اللاحقين.\nوَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ أولوا الأرحام أصحاب القرابة، وهو جمع رحم ككتف وقفل. وأصله رحم المرأة الذي هو موضع تكوين الولد من بطنها، ويسمّى به الأقارب، لأنهم في الغالب من رحم واحد. وفي اصطلاح علماء الفرائض: هم الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب.\nوالمعنى المتبادر من نص الآية أنها في ولاية الرحم والقرابة بعد بيان ولاية الإيمان والهجرة. فهو ﷿ يقول: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ أجدر وأحق من المهاجرين والأنصار الأجانب بالتناصر والتعاون. وكذا التوارث في دار الهجرة في عهد وجوب الهجرة. ثم في كل عهد هم أولى بذلك فِي كِتابِ اللَّهِ أي في حكمه الذي كتبه على عباده المؤمنين، وأوجب به عليهم صلة الأرحام والوصية بالوالدين وذي القرابة في هذه الآية وغيرها.\nوجملة القول إنّ أولوية أولي الأرحام بعضهم ببعض هو تفضيل لولايتهم على ما هو أعم منها من ولاية الإيمان وولاية الهجرة في عهدها. فالقريب أولى بقريبه ذي رحمه المؤمن المهاجر والأنصاري من المؤمن الأجنبي. وأما قريبه الكافر فإن كان","vol":"1","page":439},{"text":"محاربا للمؤمنين فالكفر مع القتال يقطعان له حقوق الرحم. ثم ختم الله هذه السورة بقوله: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو تذييل لجميع أحكام السورة وحكمها، مبيّن أنها محكمة لا وجه لنسخها ولا نقضها.\nفالمعنى: أنه شرع لكم هذه الأحكام في الولاية العامة والخاصة والعهود وصلة الأرحام عن علم واسع محيط بكل شيء من مصالحكم الدينية والدنيوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>ما يستفاد من الآيات</span>\n١- ثبوت ولاية النصرة بين المؤمنين في دار الإسلام.\n٢- عدم ثبوت ولاية النصرة بين المؤمنين الذين في دار الإسلام والمؤمنين في دار الحرب أو خارج دار الإسلام إلا على من يقاتلهم لأجل دينهم، فيجب نصرهم عليه إذا لم يكن بيننا وبينه ميثاق صلح وسلام بحيث يكون نصرهم عليه نقضا لميثاقه.\n٣- ولاية الكفار بعضهم لبعض.\n٤- أننا إذا لم نمتثل ما شرعه الله من تحقيق ولاية النصرة بيننا بأن والينا الكفار أدى ذلك إلى ضعفنا، وظهورهم علينا.\n٥- أن ما شرعه الله سبحانه من أحكام القتال والغنائم وقواعد التشريع وسنن التكوين والاجتماع، وأصول الحكم المتعلقة بالأنفس ومكارم الأخلاق والآداب ناشئ عن علم واسع شامل محيط بالمصالح الدينية والدنيوية والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>من سورة التوبة</span>\nقال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦)\nتعاهد النبي ﷺ مع الكفار من مشركي مكة وغيرهم على ألا يصد عن البيت الحرام أحد من الطرفين، ولا يزعج أحد في الأشهر الحرم. وهذا هو العهد العام الذي كان بينه ﵊ وبين أهل الشرك من العرب، وكان من وراء ذلك عهود بينه ﵊ وبين كثير من قبائل العرب إلى آجال مسماة، وقد نقض كثير من المشركين عهودهم مع رسول الله ﷺ.\nولمكانة الدين الإسلامي من مكارم الأخلاق، وللإشارة إلى أنه ليس الغرض من فرض الجهاد سفك الدماء، وإنما المهم الوصول إلى الإيمان وترك الجحود. أرشد الله المؤمنين بقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ إلخ. إلى أن من جاء من المشركين الذي نقضوا العهد يطلب الأمان ليسمع كلام الله، ويتدبر، ويطلع على حقيقة الدين، يجب تأمينه وحمايته حتى يصل إلى غايته، ولا يجوز قتله، ولا التعدي عليه. ومتى أراد العودة إلى بلاده يجب تيسير الطريق أمامه ليصل إلى مأمنه، أي مسكنه الذي يأمن فيه. ذلك التسامح الذي أمرتكم به من إجارة المستجير منهم، وإبلاغه مأمنه بسبب أن هؤلاء المشركين قوم لا يعلمون حقيقة الإسلام، ومن جهل شيئا عاداه، أو هم قوم جهلة، ليسوا من أهل العلم، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يفهموا الحق، وحينئذ لا تبقى لهم معذرة.\nوقد ورد أنه جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأجل لسماع كلام الله، أو لحاجة أخرى فهل يقتل؟ فقال علي: لا، إنّ الله تعالى قال: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ.\nوهنا أمور:\nالأول: أن المذكور في الآية كون المستجير طالبا لسماع القرآن، ويلحق به كونه طالبا لسماع الأدلة على كون الإسلام حقا، وكونه طالبا للجواب عن الشبهات التي عنده، لأنّ كل هؤلاء يطلبون العلم ويسترشدون عن الحق، ومن كان كذلك تجب إجارته.","vol":"1","page":441},{"text":"الثاني: قيل: المراد من قوله: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ سماع جميع القرآن، وقيل:\nسماع سورة براءة، لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين، وقيل: سماع كل ما يدل على أن الإسلام حق.\nالثالث: نصّ الفقهاء من الحنفية على أن الحربي إذا دخل دار الإسلام مستجيرا لغرض شرعي كسماع كلام الله، أو دخل بأمان لتجارة وجب تأمينه بحيث يكون محروسا في نفسه وماله إلى أن يبلغ داره التي يأمن فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>يؤخذ من الآية ما يأتي</span>\n١- جواز تأمين الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدل على صحة الإسلام.\n٢- أنه يجب علينا تعليم كل من التمس منا أن نعلمه شيئا من أمور الدين.\n٣- أنه يجب على الإمام أن يحفظ الحربي المستجير، وأن يمنع الناس عن أن ينالوه بشيء من الأذى، لأن هذا هو المقصود من الإجارة والتأمين.\n٤- أنه يجب على الإمام أن يبلغه مأمنه بعد قضاء حاجته، فلا يجوز تمكينه من الإقامة في دار الإسلام إلا بمقدار قضاء حاجته، عملا بإشارة قوله تعالى: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ وقد نص الفقهاء من الحنفية على أنه يجب على الإمام أن يأمره بالخروج متى انتهت حاجته، وأن يعلنه بأنه إن أقام بعد الأمر بالخروج سنة في دار الإسلام فلا يمكّن من الرجوع إلى بلاد الحرب، ويصير ذميا، وتوضع عليه الجزية.\nقال الله تعالى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) شروع في تحقيق حقيقة ما سبق من البراءة وأحكامها المتفرعة عليها، وتبيين الحكمة الداعية إلى ذلك، بأنه إذا ظهروا علينا لا يرقبون فينا إلّا ولا ذمة.\nو(كيف) للاستفهام الإنكاري لا بمعنى إنكار الواقع، بل بمعنى إنكار الوقوع.\nو(يكون) من الكون التام. و(كيف) محلها النصب على التشبيه بالحال أو الظرف، أو من الكون الناقص، و(عهد) اسمها، وفي خبرها ثلاثة أوجه:\nالأول: أنه (كيف) وقدم للاستفهام، و(للمشركين) متعلّق بمحذوف وقع حالا من (عهد) أو متعلق بيكون عند من يجوّز التعلق بالناقص.\nوالثاني: أن خبر (يكون) هو (للمشركين) و(عند) على هذين ظرف للعهد، أو ليكون، أو صفة للعهد.","vol":"1","page":442},{"text":"والثالث: أن الخبر (عند الله)، و(للمشركين) حينئذ متعلّق بمحذوف حال من (عهد) أو متعلق بيكون كما تقدم، أو بالاستقرار الذي تعلّق به الخبر، ولا يضرّ تقديم معمول الخبر على الاسم لكونه حرف جر. و(كيف) على الوجهين الثاني والثالث نصب على التشبيه بالظرف أو الحال، كما في صورة الكون التام، والمراد بالمشركين الناكثون للعهد، لأنّ البراءة إنما هي في شأنهم.\nوالعهد: ما يتفق رجلان أو فريقان من الناس على التزامه بينهما لمصلحتهما المشتركة، فإن أكّداه ووثقاه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي ميثاقا، وهو مشتق من الوثاق بالفتح، وهو الحبل والقيد. وإن أكّداه باليمين خاصّة سمي يمينا، وقد يسمّى بذلك لوضع كل من المتعاقدين يمينه في يمين الآخر عند عقده.\nوفي توجيه الإنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى ثبوته لأنّ كل موجود يجب أن يكون وجوده على حال من الأحوال قطعا. فإذا انتفت جميع أحوال وجوده، فقد انتفى وجوده على الطريق البرهاني: أي على حال. أو في أي حال يوجد لهم عهد معتدّ به عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ يستحق أن تراعى حقوقه، ويحافظ عليه إلى إتمام المدة، ولا يتعرض لهم بسببه قتلا ولا أخذا، وتكرير كلمة (عند) للإيذان بعدم الاعتداد به عند كل من الله تعالى ورسوله على حدة.\nوالمعنى: بأية صفة وأية كيفية يثبت للمشركين عهد من العهود عند الله يقره لهم في كتابه وعند رسوله ﷺ يفي لهم به، وتفون به أيها المؤمنون اتباعا له ﷺ، وحالهم الذي بينتها الآية التالية تأبى ثبوت ذلك لهم إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، في هذا الاستثناء وجهان:\nأحدهما: أنه منقطع، أي لكن الذين عاهدتم إلخ.\nوالثاني: أنه متصل، وفيه حينئذ احتمالان: أحدهما: أنه منصوب على أصل الاستثناء من (المشركين) والثاني أنه مجرور على البدل منهم، لأنّ معنى الاستفهام المتقدم نفي، أي ليس يكون للمشركين عهد إلا الذين لم ينكثوا.\nوعلى أنه منقطع فالذين مبتدأ خبره جملة (فما استقاموا)، وهؤلاء المعاهدون المستثنون هنا هم المذكورون سابقا في قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا إلخ [التوبة: ٤] وإنما أعيد ذكر استثنائهم لتأكيده بشرطه المتضمن لبيان السبب الموجب للوفاء بالعهد. وهو أن تكون الاستقامة عليه مرعية من كل واحد من الطرفين المتعاقدين إلى نهاية مدته.\nوهذا زائد على ما هنالك من وصفهم بأنه لم ينقصوا من شروط العهد شيئا، ولم يظاهروا على المسلمين أحدا، واعلم أن قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ","vol":"1","page":443},{"text":"الْمَسْجِدِ الْحَرامِ\nاعتراض بين قوله: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ وقوله المفسّر له: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً.\nوقوله: عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ المراد به جميع الحرم كما هي عادة القرآن إلا ما استثني، فالعندية فيه على حذف مضاف، أي عند قرب المسجد الحرام، وكان ذلك العهد يوم الحديبية سنة ست.\nفَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ أي فمهما يستقم لكم هؤلاء فاستقيموا لهم. أو فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، إذ لا يجوز أن يكون الغدر ونقض العهد من قبلكم.\nوقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ تعليل لوجوب الامتثال، وتبيين على أنّ مراعاة العهد من باب التقوى، وأن التسوية بين الغادر والوفي منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركا.\nومما يستفاد من هذه الآية: أن العهد المعتد به عند الله وعند الرسول هو عهد غير الناكثين، وأن من استقام على عهده نعامله بمقتضاه، وأن مراعاة العهد من تقوى الله التي يرضاها لعباده.\nقال الله تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)\nلما بدأ الله ﷾ سورة التوبة بذكر البراءة من المشركين وبالغ في إيجاب ذلك بتعداد فضائحهم وقبائحهم أراد أن يحكي شبهاتهم التي كانوا يحتجون بها في أنّ هذه البراءة غير جائزة، مع الجواب عنها.\nومما\nيروى في سبب النزول عن ابن عباس أنه لما أسر العباس يوم بدر عيّره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم، فأغلظ علي له القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا، فقال له علي ﵁: ألكم محاسن؟\nفقال: نعم، إنّا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة ونسقي الحاج. فأنزل الله ﷿ ردا على العباس: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ\nإلخ «١» والمراد أنها تتضمن الرد على ذلك القول الذي كان يقوله ويفخر به هو وغيره من كبراء المشركين أيضا، لا أنها نزلت عند ما قال ذلك لأجل الرد عليه في أيام بدر، بل نزلت في ضمن السورة بعد الرجوع من غزوة تبوك.\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (١٠/ ٦٦) .","vol":"1","page":444},{"text":"وقوله تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ إلخ النفي في مثله يسمّى نفي الشأن، وهو أبلغ من نفي الفعل، لأنّه نفي له بالدليل، والعمارة للمسجد كما يؤخذ من نصوص اللغة تطلق على عبادة الله فيه مطلقا، وعلى النسك المخصوص المسمى بالعمرة، وهي خاصّة بالمسجد الحرام، وعلى لزومه والإقامة فيه لخدمته الحسية، وعلى بنيانه وترميمه. وكلّ ذلك مراد هنا، لأنّ اللفظ يدل عليه، والمقام يقتضيه. والمختار عند الحنفية استعمال المشترك في معانيه التي يقتضيها المقام تبعا للشافعي وابن جرير.\nوقوله: مَساجِدَ اللَّهِ قرئ بالإفراد، والمتبادر منه إرادة المسجد الحرام، لأنّه المفرد العلم الأكمل الأفضل، وإن كان المفرد المضاف يفيد العموم في الأصل.\nومن قرأ بالجمع فإما أن يراد جميع المساجد، فيشمل المسجد الحرام أيضا، الذي هو أشرفها، وهذا آكد، لأنّ طريقه طريق الكناية، كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك.\nوإما أن يراد المسجد الحرام، وجمع لأنه قبلة المساجد، أو لأن كل بقعة منه مسجد.\nوقوله: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ حال من الواو في (يعمروا) وهو قيد للنفي قبله مبين لعلته. والعلة الحقيقية هي نفس الكفر لا الشهادة به، ونكتة تقييده بها بيان أنه كفر صريح معترف به، لا تمكن المكابرة فيه. والشهادة بالكفر: قيل إنها بإظهار آثار الشرك من نصب الأوثان حول البيت والعبادة لها. وقيل: بقولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وقيل: بقولهم كفرنا بما جاء به محمد.\nوالظاهر شمول الشهادة لذلك كله.\nوالمعنى: ما كان ينبغي ولا يصح للمشركين، ولا من شأنهم الذي يقتضيه شركهم، أو الذي يشرعه، أو يرضاه الله منهم أو يقرهم عليه، أن يعمروا مسجد الله الأعظم وبيته المحرم بأي نوع من أنواع العمارة المتقدمة في حال كونهم كافرين، شاهدين على أنفسهم بالكفر قولا وعملا، لأنّ هذا جمع بين الضدين، فإنّ عمارة مساجد الله الحسية إنما تكون لعمارتها المعنوية، بعبادته فيها وحده، ولا تصح ولا تقع إلا من المؤمن الموحّد له، وذلك ضد الكفر به.\nوهاهنا مسألتان:\nالأولى: هل يجوز أن يستخدم المسلم الكافر في بناء المساجد، أو لا يجوز، لأنّه من العمارة الحسية الممنوعة، قيل بالثاني، وفيه نظر، لأنّ الممنوع منها إنما هو الولاية عليها، والاستقلال بالقيام بمصالحها، كأن يكون ناظر المسجد وأوقافه كافرا.\nوأما استخدام الكافر في عمل لا ولاية فيه، كنحت الحجارة، والبناء والنجارة، فلا يظهر دخوله في المنع، ولا فيما ذكر من نفي الشأن.","vol":"1","page":445},{"text":"والثانية: يؤخذ من «تفسير المنار» «١» أنه إذا وقع من بعض الحكام والأفراد من غير المسلمين أن من بنى مسجدا للمسلمين أو أوصى بمال لعمارة مسجد لهم لمصلحة له في ذلك، جواز قبولنا مثل هذا المسجد، وهذه الوصية بشرط ألا يكون فيهما ضرر ديني أو سياسي، لأنّه حينئذ يكون كمسجد الضرار.\nأُولئِكَ المشركون حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي بطلت أجور أعمالهم الخيرية:\nكصدقة، وصلة رحم، وقرى ضيف، وإغاثة ملهوف، وغيرهما مما يفخرون به:\nكعمارة مسجد، وسقاية حاج، فلا ثواب لهم عليها في الآخرة لعدم شرطها، وهو الإيمان، وإن كانوا يجازون عليها في الدنيا بإعطاء الولد والمال والصحة والعافية.\nوَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ لعظم ما ارتكبوه. وهذه الجملة قيل: عطف على جملة حَبِطَتْ على أنها خبر آخر لأولئك وقيل: هي مستأنفة كجملة أُولئِكَ حَبِطَتْ وفائدتهما تقرير النفي السابق.\nالأولى من جهة نفي استتباع الثواب، والثانية: من جهة نفي استدفاع العذاب.\nإِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) .\nبعد أن بين عدم استحقاق المشركين لعمارة مساجد الله أثبتها للمسلمين الكاملين، وجعلها مقصورة عليهم بالفعل، وهم الجامعون بين الإيمان بالله على الوجه الحق، والإيمان باليوم الآخر الذي فيه الجزاء، وبين إقامة الصلاة المفروضة بأركانها وآدابها، وتدبر تلاوتها وأذكارها، التي تكسب مقيمها مراقبة الله وحبه والخشوع له والإنابة إليه، وإعطاء زكاة الأموال لمستحقيها، وبين خشية الله دون غيره ممن لا ينفع ولا يضر كالأصنام وسائر ما عبد من دون الله خوفا من ضرره، أو رجاء في نفعه.\nفالمراد بالخشية الديني منها دون الغريزي، كخشية أسباب الضرر الحقيقية، فإنّ هذا لا ينافي خشية الله.\nقيل: ولم يذكر الإيمان بالرسول ﷺ مع الإيمان بالله، لأنه لما ذكر الصلاة وهي لا تتم إلا بالأذان والإقامة والتشهد، وهذه الأشياء تتضمن الإيمان بالرسول ﷺ كان ذلك كافيا.\nفَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أي فأولئك الجامعون لهذه الأوصاف هم الذين يرجون بحق أو يرجى لهم بحسب سنن الله في أعمال البشر وتأثيرها في إصلاحهم أن يكونوا من جماعة المهتدين إلى ما يحب الله ويرضى من عمارة مساجده حسا ومعنى.\n_________\n(١) تفسير المنار لمحمد رشيد رضا طبعة بيروت، دار الفكر (١٠/ ٢٠٨) .","vol":"1","page":446},{"text":"ومعلوم أنّ الرجاء المستفاد من عسى لا يصح أن يكون صادرا من الله، لأنّ حقيقته ظنّ بحصول أمر وقعت أسبابه، واتخذت وسائله من مبتغيه.\nويستنبط من الآيتين أمور:\n١- أنّ أعمال البر الصادرة من المشركين لا تجلب لهم ثوابا في الآخرة، ولا تدفع عنهم عذابا.\n٢- أن كل ما اتصف بالإيمان، وما عطف عليه من الأوصاف المتقدمة فهو الجدير دون غيره بأن يقبل الله منه عمارة مساجده.\n٣- أخذ بعضهم من قوله تعالى: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ أنه ينبغي لمن بنى مسجدا أن يخلص لله في بنائه بحيث لا يكون الباعث له على بنائه رياء ولا سمعة.\n٤- يؤخذ من التعبير بعسى في جانب المؤمنين قطع طماعية المشركين في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها، وافتخروا بها، حيث بيّن الله تعالى أن حصول الاهتداء لمن آمنوا بالله، ولم يخشوا غيره دائر بين لعل وعسى. وإذا كان حال المؤمنين هكذا فلا يليق بالمشرك أن يرجو لنفسه الهداية والفوز بالخير فضلا عن قطعه بذلك.\n٥- التنويه بفضل عمارة المساجد وقد ورد في عمارة المساجد الحسية والمعنوية أحاديث كثيرة:\nومنها ما رواه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وغيرهم من\nحديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان، وتلا إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ» الآية «١»\nوهو نص في العمارة المعنوية، كما أنّ الحديث الأول نص في الحسية.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)\nالأكثرون على أن لفظ المشركين خاصّ بعباد الأوثان. وقال قوم: يتناول جميع الكفار، ويدل لهذا القول قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨] أي لا يغفر أن يكفر به، وهذا هو الظاهر.\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ١٤)، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، حديث رقم (٢٦١٧)، وأحمد في المسند (٣/ ٦٨)، وابن ماجه في السنن (١/ ٢٦٣)، ٤- كتاب المساجد، ١٩- باب لزوم المساجد حديث رقم (٨٠٢) .","vol":"1","page":447},{"text":"والنجس- بفتح الجيم- مصدر.\nوالعيلة: الفقر والفاقة.\nنهى الله المؤمنين عن أن يقرب المشركون المسجد الحرام، أي عن تمكينهم من قربان المسجد الحرام، وعلّل هذا بأنهم نجس، إما لخبث باطنهم، أو لأن معهم الشرك المنزل منزلة النجس الذي يجب اجتنابه، أو لأنهم لا يتطهرون، ولا يغتسلون، ولا يجتنبون النجاسات.\nوقوله: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا تفريع على نجاستهم، واختلف العلماء في المراد بالمسجد الحرام فقال عطاء: الحرم كله قبلة ومسجد، فليس المراد خصوص المسجد الحرام، وإنما المراد منعهم من دخول المسجد الحرام ومكة والحرام. وقيل: المراد خصوص المسجد الحرام وهو مذهب الشافعية أخذا بظاهر اللفظ، وقيل المراد المسجد الحرام بالنص، وبقية المساجد تقاس عليه، لأن العلّة، وهي النجاسة، موجودة في المشركين، والحرمة موجودة في كل مسجد- وهو مذهب المالكية- فلا يجوز تمكينهم من دخول المسجد الحرام والمساجد كلها.\nوقيل: ليس المراد النهي عن دخول المسجد الحرام، وإنما المراد النهي عن أن يحج المشركون ويعتمروا كما كانوا يعملون في الجاهلية- وهو مذهب الحنفية- ويؤيد ذلك أمور:\n١- قوله: بَعْدَ عامِهِمْ هذا فإنّ تقييد النهي بذلك يدل على اختصاص المنهي عنه بوقت من أوقات العام، أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا، وهو العام التاسع من الهجرة.\n٢-\nقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حين نادى بسورة براءة: ألا لا يحجّ بعد عامنا هذا مشرك.\n٣- قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ فإنّ خشية العيلة تكون بسبب انقطاع تلك المواسم، لمنع المشركين من الحج والعمرة، لأن المؤمنين كانوا ينتفعون بالتجارات التي تروج في مواسم الحج.\n٤- إجماع المسلمين على منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة وسائر أعمال الحج، وإن لم تكن في المسجد.\nوقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي إن خفتم فقرأ بسبب منعهم من الحج وانقطاع ما كانوا يجلبونه إليكم من الأرزاق والمكاسب، فسوف يغنيكم الله.\nوهذا الجزاء إخبار عن غيب في المستقبل وقد وقع الأمر مطابقا لهذا الخبر، فقد أسلم الناس من أهل جدة، وصنعاء وحنين وتبالة وجرش وكثر ترددهم على","vol":"1","page":448},{"text":"مكة بالتجارات وحمل الطعام وما يعاش به، وقد أرسل الله عليهم السماء مدرارا، فكثر خيرهم، واتسعت أرزاقهم، وتوجه الناس إليهم من أقطار الأرض.\nوالتعبير بالمشيئة في قوله: إِنْ شاءَ لتعليم رعاية الأدب مع الله تعالى كما في قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧] وللإشارة إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على أنّ المطلوب يحصل حتما، بل لا بد من أن يتضرع المرء إلى الله تعالى في طلب الخيرات، وفي دفع الآفات إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بأحوالكم وحَكِيمٌ يعطي ويمنع عن حكمة وصواب.\nوهاهنا أمور:\n١- أنه علم مما تقدم أنه لا يجوز تمكين المشرك من دخول المسجد الحرام فقط عند الشافعية، ومن دخول المسجد الحرام والمساجد كلها عند المالكية، ويستثنى من ذلك حالة العذر، كدخول الذمي المسجد للتقاضي أمام الحاكم المسلم.\nوأباح الحنفية دخول الذمي المساجد كلها.\n٢- نقل صاحب «الكشاف» «١» عن ابن عباس أنّ أعيان المشركين نجسة كالكلاب والخنازير تمسكا بهذه الآية، ولكن اتفق الفقهاء على خلاف ذلك، وأن أبدانهم طاهرة للإجماع على أنهم لو أسلموا كانت أجسامهم طاهرة، مع أنّه لم يوجد ما يطهرها من الماء أو النار أو التراب أو مثل ذلك. ويدل له أيضا أنّه ﵊ كان يشرب من أواني المشركين.\n٣- قيل الفضل في قوله: يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هو حمل الطعام إلى مكة من البلاد التي أسلم أهلها كجدة وصنعاء كما تقدم، فإنّه سد حاجتهم وأغناهم عما في أيدي المشركين، وقيل: المراد به الجزية، وقيل: الفيء قال الله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) أمر الله المسلمين في الآيات السابقة بقتال أهل الشرك، وعدم تمكينهم من المسجد الحرام، وفي هذه الآية أمر الله بقتال أهل الكتاب- التوراة والإنجيل- إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية، وبيّن أن العلة في لزوم قتالهم أمور:\nالأول: أنّهم لا يؤمنون بالله ما داموا على حالتهم التي هم عليها، فإنّ اليهود يعتقدون أنّ الإله جسم، مع أن الإله الحق منزه عن الجسمية والشبيه، فهم لا يؤمنون بوجود الإله الحق المنزه عن الجسمية.\n_________\n(١) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للإمام الزمخشري (٢/ ٢٦١) .","vol":"1","page":449},{"text":"والأنصاري يعتقدون أن الإله حلّ في عيسى، مع أنّ الإله الحق منزّه عن الحلول في غيره، فهم لا يؤمنون بوجود الإله الحق المنزه عن الحلول في غيره.\nالثاني: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر على الوجه الذي وردت به الآيات والنصوص، فإنهم يعتقدون بعث الأرواح دون الأجسام، ويرون أنّ أهل الجنة لا يأكلون ولا يشربون، ولا يتمتعون بالحور العين، ولا يرون وجود أنهار ولا أكواب ولا أشجار مما وردت به النصوص، ويقولون: إنّ نعيم الجنة وعذاب النار معان تتعلّق بالروح فقط، كالسرور والهم، فهم لا يؤمنون باليوم الآخر على الوجه الذي وردت به النصوص.\nالثالث: أنّهم لا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله محمد ﵊ في الكتاب والسنة. وقيل: المراد برسوله الذي يزعمون اتباعه، وهو موسى وعيسى ﵉ لليهود والنصارى، بل حرّفوا التوراة والإنجيل، وأتوا بأحكام من عند أنفسهم، فهم يخالفون أصل دينهم المنسوخ اعتقادا وعملا.\nالرابع: أنهم لا يدينون دين الحق، أي لا يتخذون دين الحق دينا يعتقدون ويعملون بأحكامه، وهو الإسلام الناسخ لسائر الأديان بصريح قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] وقوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥] .\nوالتعبير عن اليهود والنصارى بالاسم الموصول للدلالة على أن الصلة علّة في الحكم، فالعلة في وجوب قتالهم أنه لم يؤمنوا بالله واليوم الآخر إلخ، وقال: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ\nليبيّن أنّ المراد بالذين لا يؤمنون بالله إلخ هم أهل الكتاب، والغرض تمييزهم عن المشركين في الحكم، لأنّ الواجب في المشركين القتال إلى أن يسلموا، وأما الواجب في أهل الكتاب فهو القتال أو الإسلام أو الجزية، وقوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ غاية لانتهاء القتال.\nوالجزية: اسم لما يعطيه المعاهد على هذه، مأخوذة من: جزى الرجل العامل أجره يجزيه، إذا أدّى ما وجب عليه للعامل من أجره، فكذلك إذا أدّى المعاهد الجزية فقد أدّى ما وجب عليه. وقوله: عَنْ يَدٍ يحتمل أن يراد باليد يد المعطي أو يد الآخذ. فإن أريد يد المعطي كان المعنى حتى يعطوا الجزية إعطاء لا تمتنع يدهم عن أنّ تمتد به، فيكونون منقادين طائعين، فإنّ من أبى وامتنع لا يعطي يده، ومن انقاد وأطاع أعطى يده.\nولهذا يقول: أعطى يده إذا انقاد وأطاع، ونزع يده إذا خرج عن الطاعة.\nويصح أن يكون المعنى: حتى يعطوا الجزية عن يد المعطي إلى يد الآخذ، والمراد حتى يعطوها بأيديهم نقدا لا نسيئة ولا مبعوثة على يد أحد.","vol":"1","page":450},{"text":"وإن أريد يد الآخذ كان المعنى حتى يعطوا الجزية إعطاء ناشئا عن قهر يد قاهرة مستولية عليهم، وهي يد المسلمين، أو كان المعنى حتى يعطوا الجزية إعطاء ناشئا عن يد، أي عن إنعام عليهم، لأن قبول الجزية منهم، وترك أرواحهم نعمة عظمى تسدى إليهم.\nوقوله: وَهُمْ صاغِرُونَ معناه أن يعطوا الجزية وهم بحالة الصّغار والذل، فلا يقبل منهم أن يتأففوا، أو يظهروا السخط على ولاية المسلمين، أو يرموهم بالظلم والاستبداد، ولا يعقل أن يعطى المعاهدون الجزية على هذه الحالة إلا إذا كان ولاة المسلمين على استعداد تام في أمر القوة المادية، بحسب ما يناسب الزمان والمكان، وفي القوة المعنوية، بحيث تكون التربية العامة لجماعة المسلمين مما تربي فيهم ملكة التيقظ والعزة والشجاعة والعصبية والتراحم فيما بين أفراد المسلمين بعضهم مع بعض، إلى آخر ما ورد في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ.\nقال الله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)\nعدّة القوم جماعتهم، وعدّة المرأة أقراؤها، وأيام إحدادها على زوجها. ومن الأول قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ أي جماعتها، والقيم الذي يتولى إصلاح غيره.\nوالمستقيم الذي لا عوج فيه. والدين الإسلامي قيم يصلح من تمسك بمبادئه وأحكامه، وهو في ذاته أحكام مستقيمة لا عوج فيها، صالحة لكل زمان ومكان.\nكان اليهود والنصارى وغيرهم من الطوائف التي ليست عربية يعتمدون في معاملاتهم وأعيادهم على السنة الشمسية. وكانت السنة الشمسية ثلاثمئة وخمسة وستين يوما وربع يوم. وفي كل أربع سنوات يتكوّن من الكسر عندهم يوم كامل، فتكون السنة ثلاثمئة وستة وستين يوما، وفي كل مئة وعشرين سنة تزيد السنة شهرا كاملا، فتكون السنة ثلاثة عشر شهرا، وتسمى كبيسة.\nوكانت الأمة العربية تعتمد في معاملاتها وعبادتها على السنة القمرية، وكانت السنة القمرية ثلاثمئة وأربعة وخمسين يوما وكسرا. ولم يكن للكسر حكم. وقد توارثوا التعامل بذلك عن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام.\nوقد وردت الشريعة الإسلامية بمراعاة السنة القمرية في آيات كثيرة منها هذه الآية التي معنا حيث يقول الله فيها: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ والأشهر الحرم من الشهور القمرية، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم. ومنها قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس: ٥] فجعل","vol":"1","page":451},{"text":"تقدير القمر بالمنازل علة لمعرفة السنوات والحساب، وهو إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بدورة القمر، ومنها قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩] ولهذا كانت السنة القمرية وشهورها العربية هي التي يعتد بها عند المسلمين في صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم ومعاملاتهم وأحكامهم.\nوباعتبار نقصان السنة القمرية عن الشمسية أحد عشر يوما تقريبا تنتقل الشهور العربية من فصل إلى فصل، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة وفي الصيف مرة أخرى. وكان الأمر يشق على العرب أيام الجاهلية بهذا السبب، وكذلك كانوا إذا حضروا للحج حضروا للتجارة أيضا، وربما يكون الوقت غير مناسب لحضور التجارات من أطراف البلاد، فيختل بذلك نظام تجارتهم، وكان كثير من العرب يخالط الطوائف الأخرى فتعلموا منهم الاعتماد على السنة الشمسية، فأقدموا على الكبس بتكميل النقص الذي في السنة القمرية لتساوي السنة الشمسية، واعتبروا ذلك مبررا لاعتمادهم على السنة الشمسية، فاختاروا للحج وقتا معينا لمصلحتهم، لينتفعوا بتجاراتهم وعباداتهم ومصالحهم.\nوكانوا مع هذا يجعلون شهر المحرم مثلا حلالا عام وحراما في عام آخر، بحسب رغباتهم، وكانوا يؤخّرون الشهور، ويقدمونها بحسب أسمائها تبعا لغايتهم.\nفإذا كانوا في حرب، ودخل شهر رجب مثلا، قالوا: نسميه رمضان، ونطلق اسم رمضان على رجب. وهذا الأخير هو النسيء الذي اخترعوه. وهو وإن كان سببا لحصول مصالحهم الدنيوية إلا أنه يستلزم تغيير حكم الله تعالى فيما تعبدهم به.\nكما أنهم اخترعوا الكبس بطريقة غير التي كانت عند غيرهم. فكانوا لتكميل النقص الذي في السنة القمرية عن الشمسية يزيدون في كل ثلاث سنوات شهرا، لتكون السنة قمرية شمسية. ولكل هذا استوجبوا الذم العظيم، ونزلت «١» هذه الآية، أي إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ في علمه تعالى: اثْنا عَشَرَ شَهْرًا لا أكثر ولا أقل، للرد على ما أقدم على الزيادة، فمن حكم على بعض السنوات بأنها صارت ثلاث عشر شهرا فقد جرى على خلاف حكم الله، وأبطل كثيرا من العبادات المؤقتة.\nوهذه العدة للشهور ثابتة في علمه تعالى، وفِي كِتابِ اللَّهِ أي في اللوح المحفوظ الذي كتب فيه ما كان وما يكون. أو فيما كتبه الله وأوجب على عباده الأخذ به، وكذلك هي ثابتة في اليوم الذي خلق الله فيه السموات والأرض.\nوقوله: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ- جمع حرام- أي أربعة محرّمة حرّم فيها بعض ما كان مباحا في غيرها، أو هي ذات حرمة تمتاز بها عن بقية الشهور، فقد ورد أنّ\n_________\n(١) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٣/ ٢٣٧) .","vol":"1","page":452},{"text":"المعصية فيها أشد عقابا، وأنّ الطاعة فيها أعظم ثوابا. ولله تعالى أن يعظّم من الأزمان والأمكنة والناس ما شاء لا معقب لحكمه، فقد ميّز البلد الحرام عن سائر البلاد، وميّز يوم الجمعة ويوم عرفة عن سائر الأيام، وميّز شهر رمضان عن بقية الشهور، وميّز بعض الليالي كليلة القدر، وبعض الأشخاص بإعطائه الرسالة. وهذا غير مستبعد، لأنه لا مانع من أن يعلم الله تعالى أنّ وقوع الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيرا في طهارة النفوس وأنّ وقوع المعاصي فيها أقوى تأثيرا في خبث النفس.\nوأجمع العلماء على أنّ ثلاثة من الأشهر الحرم متوالية وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب. وقد أشير إلى ذلك بقوله ﵊ في خطبة طويلة في حجة الوداع: منها أربعة حرم أولهن رجب مضر، بين جمادى وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.\nوقوله: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ تحريم الأشهر الحرم هو الدين القيم. أي الحكم الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج، بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية. فمعنى كونه قيّما أنه قائم لا يبدل ولا يغير، ودائم لا يزول، فلا يجوز نقل تحريم المحرم مثلا إلى صفر. وذلك للرد على ما كان يعمله أهل الجاهلية من تقديم بعض أسماء الشهور، وتأخير البعض.\nفَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أي في الأشهر الحرم أَنْفُسَكُمْ بأن تعملوا النسيء، فتنقلوا الحج من الشهر الذي أمر الله بإقامته فيه، إلى شهر آخر، وتغيّروا حكم الله تعالى.\nأو المراد النهي عن جميع المعاصي بسبب ما لهذه الأشهر من مزيد الأثر في تعظيم الثواب والعقاب، كما أشير إلى ذلك بقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧] . فهذه الأشياء لا تجوز في غير هذه الأشهر، إلا إنه أكّد في المنع منها فيها تنبيها على زيادتها في الشرف.\nوَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً نهاهم الله تعالى عن أن يظلموا أنفسهم في الأشهر الحرم. وأمرهم بقتال المشركين من غير تقييد بزمن، فيدلّ النص بظاهره على أن القتال في الأشهر الحرم مباح، ولهذا نقل عن عطاء الخراساني أنه قال: أحلّت القتال في الأشهر الحرم بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يشير إلى ما فيها من قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ومن قوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وأما آيات البقرة الدالة على تحريم القتال في الأشهر الحرم فهي منسوخة بآيات التوبة، لأنّ سورة التوبة نزلت بعد سورة البقرة بسنتين. ويدل له أنه ﵊ حارب هوازن بحنين وثقيفا بالطائف في شهر شوال وبعض ذي القعدة.","vol":"1","page":453},{"text":"وسئل سعيد بن المسيب هل يصح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم. وهو المنقول عن قتادة والزهري وسفيان الثوري، ولكل هذا كان القول بإباحة القتال في الأشهر الحرم هو الذي عليه المعوّل.\nوقوله: كَافَّةً حال من الفاعل أو من المفعول، والمعنى على الأول: قاتلوا المشركين حال كونكم جميعا متعاونين غير متخاذلين، كما يقاتلونكم مجتمعين متعاونين غير متخاذلين.\nوالمعنى على الثاني: قاتلوا المشركين حال كونهم جميعا لا فرق بين طائفة وطائفة، ما يقاتلونكم جميعا من غير مراعاة فريق منكم دون فريق.\nوكلمة كَافَّةً من الكلمات التي توحد وتؤنث بالهاء لا غير، فلا تثنّى ولا تجمع ولا تذكّر كالخاصة والعامة.\nوقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ أي مع أوليائه الذين يخافون من غضبه، ويتخذون وقاية من مخالفة أمره. وهو معهم بالنصر والمعونة فيما يباشرونه من القتال وغيره. ووضع المظهر موضع المضمر للثناء عليهم بالتقوى، ولحثّ القاصرين عليها، وللإشعار بأنها المدار في الفوز والفلاح.\nقال الله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧) النَّسِيءُ مصدر بمعنى التأخير، كالنذير والنكير، بمعنى الإنذار والإنكار، من نسأت الإبل عن الحوض إذا أخرتها، أنسؤها نسأ ونساء ونسيئا. والمراد النسيء في الشهور بمعنى تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر ليس له تلك الحرمة، بسبب أنه كان يشق عليهم أداء عبادتهم وتجاراتهم على اعتبار السنة القمرية، حيث كان حجهم يقع مرة في الشتاء ومرة في الصيف، فيتألمون من مشقة الصيف، ولا ينتفعون بتجاراتهم ومرابحاتهم التي كانوا يودون استصحابها في موسم الحج، وربما لا يتيسر لهم ذلك.\nوكذلك كانوا أصحاب حروب وغارات، وكانوا يكرهون أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها، فتركوا اعتبار السنة القمرية، واعتمدوا على السنة الشمسية، ولزيادتها عن السنة القمرية احتاجوا إلى الكبس، فكانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرا، وكانوا ينقلون الحج من بعض الشهور إلى بعض، ويؤخّرون الحرمة الحاصلة من شهر إلى شهر، ويستبيحون الحروب والغارات في الشهر الذي نقلوا حرمته، واستمروا في ذلك حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، وحرموا أربعة أشهر من شهور العام اكتفاء بمجرد العدد، فكان هذا التحليل","vol":"1","page":454},{"text":"والتحريم زيادة في كفرهم، الحاصل باعتقاد الشريك لله تعالى وعبادة الأصنام.\nوقوله: يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بالبناء للمفعول، أي يوقع الذين كفروا بسبب النسيء في الضلال، أي يوقعهم الله في ضلال زيادة على ضلالهم القديم. وقرئ بالبناء للفاعل، أي يضلهم الله، يحلّون الشهر المؤخر عاما ويحرّمونه عاما آخر.\nثم قيل إنّ أول من عمل النسيء نعيم بن ثعلبة الكناني وكان مطاعا في قومه الذين كانوا يسألونه أن يؤخّر حرمة الشهر إلى شهر آخر ليغيروا فيه على أعدائهم، فيقول قد فعلت، ثم يعملون ما يشاؤون..\nوقوله: لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ أي يوافقها في العدد، واللام متعلقة بالفعل الثاني، أو بما دل عليه مجموع الفعلين فيحلوا بهذه المواطأة ما حرمه الله من القتال، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ أي حسّن الشيطان لهم أعمالهم السيئة، فظنوا ما كان سيئا حسنا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي لا يرشد الضالين الذين يختارون السيئات ويستقبحون الأعمال الصالحة.\nقال الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)\nأفادت إِنَّمَا حصر الصدقات في هذه الأصناف الثمانية، وأنها تصرف إليهم، ولا تصرف إلى غيرهم.\nوقد كان لفظ الصدقة في عرف الشرع في صدر الإسلام يشمل الزكاة الواجبة والصدقة المندوبة. قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التوبة: ١٠٣]\nوقال ﵊: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» «١»\nوفي كتاب أبي بكر لأنس بن مالك حين وجهه إلى البحرين:\nهذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله تعالى بها رسوله ﷺ «٢» .\nواتفق العلماء على أن قوله تعالى: الصَّدَقاتُ يشمل الزكاة الواجبة. واختلفوا في الصدقة المندوبة، فمنهم من قال بدخولها في لفظ الآية الكريمة، ومنهم من قال:\nلا تدخل، فمن قال بدخولها يرى أن اللفظ عامّ يتناول كل صدقة، سواء الواجبة والمندوبة، بل إنّ المتبادر من لفظ الصدقة هو المندوبة، فإذا أدخلنا فيه الزكاة الواجبة\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٦٧٣)، ١٢- كتاب الزكاة حديث رقم (١/ ٩٧٩)، والبخاري في الصحيح (٢/ ١٣٦)، ٢٤- كتاب الزكاة، ٤- باب ما أدي زكاته حديث رقم (١٤٠٥) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ١٥٤)، ٢٤- كتاب الزكاة، ٣٨- باب زكاة الغنم حديث رقم (١٤٥٤) .","vol":"1","page":455},{"text":"فلا أقل من أن تدخل فيه أيضا الصدقة المندوبة، وتكون الفائدة بيان أنّ مصارف جميع الصدقات ليس إلا هؤلاء الأصناف الثمانية.\nومن يرى أن المراد بالصدقات هنا هو الزكاة الواجبة يستدل على ذلك بأمور:\nالأول: أن (ال) في الصدقات للعهد الذكري، والمعهود هو الصدقات الواجبة التي أشار الله إليها بقوله قبل هذه الآية: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [التوبة: ٥٨] والصدقات التي كان قوم من المنافقين يعيبون النبي ﷺ فيها وفي تقسيمها هي الزكاة الواجبة، فقد روي أنّ بعض المنافقين كان يعيب الرسول ﷺ في توزيع الصدقة، ويزعمون أنه يؤثر بها من شاء من أقاربه وأهل مودته، وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل فيها، كلّ ذلك كان في الصدقات الواجبة، فلما ورد قوله تعالى عقب ذلك:\nإِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ دلّ على أنّ المراد الصدقات التي سبق الكلام فيها: وهي الصدقات الواجبة.\nالثاني: أنّ الصدقات المندوبة يجوز صرفها في غير الأصناف الثمانية باتفاق، مثل بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وتكفين الموتى وتجهيزهم ونحو ذلك، فلو كانت الصدقة المندوبة داخلة في الآية لما جاز صرفها في مثل هذه الوجوه.\nالثالث: أن الله تعالى جعل للعاملين عليها سهما فيها، ولم يعهد في الشرع نصب عامل لجباية الصدقات المندوبة، فلو كانت الصدقة المندوبة داخلة في الآية لوجب على الإمام أن ينصب العمال لجبايتها حتى يأخذوا سهمهم منها، ولم يقل بذلك أحد.\nالرابع: أثبت الله هذه الصدقات بلام التمليك للأصنام الثمانية، والصدقات المملوكة لهم ليست إلا الزكاة الواجبة.\nوفي الآية جمعان: بالواو وجمع بالصيغة، فالشافعي يبقيها على ظاهرها في الجمعين معا، فيجب عند صرف جميع الصدقات الواجبة سواء الفطرة وزكاة الأموال، إلى ثمانية الأصناف، لأن الآية أضافت جميع الصدقات إليهم بلام التمليك، وشرّكت بينهم بواو التشريك، فدلك على أن الصدقات كلها مملوكة لهم، مشتركة بينهم، فإن كان مفرّق الزكاة هو المالك أو وكيله سقط نصيب العامل، ووجب صرفها إلى الأصناف السبعة بالسوية، لا يرجح صنف على صنف إن وجدوا، وإلا فللموجود منهم، ولا يجوز أن يصرف لأقل من ثلاثة من كل صنف، لأن أقل الجمع ثلاثة. وإن كان مفرقها الإمام أو نائبه وجب استيعاب الأصناف كلها، بهذا قال عكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري وداود الظاهري.\nوقال الأئمة أبو حنيفة «١» ومالك وأحمد ﵏: للمالك صرفها إلى صنف\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ١٢١) .","vol":"1","page":456},{"text":"واحد، قال أبو حنيفة ومالك: له صرفها إلى شخص واحد من أحد الأصناف، واستحب مالك صرفها إلى أمسهم حاجة.\nقال إبراهيم النخعي: إن كانت قليلة جاز صرفها إلى صنف، وإلا وجب استيعاب الأصناف.\nوما نقل عن الأئمة الثلاثة هو المروي عن عمر وابن عباس وحذيفة والحسن البصري وعطاء وسعيد بن جبير والضحاك والشعبي والثوري، واختار جمع من أصحاب الشافعي جواز دفع صدقة الفطر لثلاثة فقراء أو مساكين، بل ذهب الروياني «١» من الشافعية إلى جواز دفع زكاة المال أيضا إلى ثلاثة من أهل السّهمان، قال: وهو الاختيار لتعذر العمل بمذهبنا، ولو كان الشافعي حيّا لأفتانا به.\nوحمل الأئمة الثلاثة وموافقوهم الآية الكريمة على التخيير في هذه الأصناف، ومعناها: لا يجوز صرفها لغير هذه الأصناف، وهو فيه مخير. فالآية لبيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا لتعيين الدفع لهم.\nويدلّ له قوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٧١]\nوقوله ﷺ: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم» «٢»\nفإن عموم ذلك يقتضي جواز دفع جميع الصدقات إلى الفقراء حتى لا يعطى غيرهم، بل ظاهر اللفظ يقتضي إيجاب ذلك،\nلقوله ﷺ: «أمرت ...»\nفدلّ ذلك على جواز الاقتصار على صنف واحد.\nوأما دليل جواز الاقتصار على شخص واحد من أحد الأصناف فهو أن الجمع المعرّف بأل حقيقة إما في العهد وإما في الاستغراق. ومجاز في الجنس الصادق بواحد. والحقيقة هنا متعذّرة، لأنّ الاستغراق غير مستقيم، إذ يصير المعنى أن كل صدقة لكل فقير، وهو ظاهر الفساد، وليس هناك معهود ليرتكب العهد. وإذا تعذرت الحقيقة وجب الرجوع إلى المجاز، فيصير المعنى في الآية.\nأن جنس الصدقة لجنس الفقير. وجنس الفقير يتحقق بواحد، فيجوز الصرف إلى شخص واحد.\n_________\n(١) عبد الواحد بن إسماعيل، فقيه الشافعية في زمانه، رحل إلى بخارى ونيسابور وانتقل إلى الري ثم أصبهان، مات قتلا سنة (٥٠٢) انظر الأعلام للزركلي (٤/ ١٧٥) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٢/ ١٣٣)، ٢٤- كتاب الزكاة، ١- باب وجوب الزكاة حديث رقم (١٣٩٥) و(١٤٩٦) (بلفظ مختلف) .","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>بيان الأصناف الثمانية</span>\nالصنفان الأول والثاني: الفقراء والمساكين قال الإمام الشافعي في حد الفقير: إنه من ليس له مال ولا كسب يقع موقعا من حاجته، والمسكين هو الذي يقدر على ما يقع موقعا من كفايته، إلا أنه لا يكفيه، فالفقير أسوأ حالا من المسكين.\nوقال الإمامان أبو حنيفة «١» ومالك: إنّ المسكين أسوأ حالا من الفقير، والخلاف في ذلك لا يظهر له فائدة في الزكاة، لأنه يجوز عند أبي حنيفة ومالك صرف الزكاة إلى صنف واحد بل إلى شخص واحد من صنف. لكن يظهر للخلاف فائدة في الوصية للفقراء دون المساكين، أو العكس، وفيمن أوصى بألف للفقراء ومئة للمساكين مثلا.\nومحل الخلاف إنما هو عند ذكر اللفظين معا، أو ذكر أحدهما مع نفي الآخر، أما إذا ذكر أحدهما ولم ينف الآخر، كما إذا قال: أوصيت للفقراء بكذا، فلا خلاف في أنه يجوز أن يعطي المساكين، وهذا معنى قول بعضهم: إنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وحجة الشافعي فيما ذهب إليه وجوه:\nأولها: أنه تعالى بدأ بذكر الفقراء، وهو جلّ شأنه إنما أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعا لحاجتهم، وتحصيلا لمصلحتهم، وهذا يدلّ على أن الذي وقع الابتداء بذكره يكون أشدّ حاجة، لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم.\nثانيها: أن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره، فعيل بمعنى مفعول، فهو ممنوع من التقلب والكسب، ومعلوم أن لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال.\nثالثها: ما\nروي عنه ﷺ أنه كان يتعوّذ من الفقر «٢» وقد قال: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين» «٣»\nفلو كان المسكين أسوأ حالا لتناقض الحديثان لأنه حينئذ يكون قد تعوذ من الفقر ثم سأل حالا أسوأ منه، أما إذا قلنا إن الفقير أسوأ حالا فلا تناقض البتة. وقد توفي رسول الله ﷺ وهو يملك أشياء كثيرة، فدل ذلك على أن كونه مسكينا لا ينافي كونه مالكا لبعض الأشياء.\nرابعها: قوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ [الكهف: ٧٩]\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ١٢٠) .\n(٢) رواه النسائي في السنن (٧- ٨/ ٦٥٥)، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من الفقر حديث رقم (٥٤٧٩) .\n(٣) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٣٨١)، ٣٧- كتاب الزهد، ٧- باب مجالسة الفقراء حديث رقم (٤١٢٦) . [.....]","vol":"1","page":458},{"text":"فقد وصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر، ولم نجد في كتاب الله ما يدل على أن الفقير يملك شيئا، فكان الفقير أسوأ حالا من المسكين.\nخامسها: نقل الشافعي وابن الأنباري وخلائق من أهل اللغة أن المسكين الذي له ما يأكل، والفقير الذي لا شيء له، وحجة الحنفية وموافقيهم وجوه:\nالأول: ما نقل عن الأصمعي وأبي عمرو بن العلاء ويونس وغيرهم من أهل اللغة أنّ المسكين أسوأ حالا من الفقير.\nوالثاني: قوله تعالى: أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) [البلد: ١٦] أي ألصق جلده بالتراب ليواري به جسده، وألصق بطنه به لفرط الجوع، فإنه يدل على غاية الضرر والشدة، ولم يوصف الفقير بذلك.\nوالثالث: أن المسكين هو الذي يسكن حيث يحل، لأجل أنه ليس له بيت يسكن فيه، وذلك يدل على نهاية الضرر والبؤس.\nوإذا تأملت في أدلة الطرفين علمت أن لا مقنع في دليل منها إلا في أدلة النقل عن أهل اللغة، والنقلان متعارضان، وأيّا ما كان الأمر فقد اتفق الرأيان على أن الفقراء والمساكين صنفان. وروي عن أبي يوسف ومحمد أنهما صنف واحد، واختاره الجبائي، ويكون العطف بينهما لاختلاف المفهوم.\nوفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى لفلان وللفقراء والمساكين، فمن قال: إنهما صنف واحد جعل لفلان نصف الموصى به، ومن قال: إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك.\nواقتضى ظاهر الآية جواز دفع الزكاة لمن شمله اسم الفقير والمسكين، سواء في ذلك آل البيت وغيرهم، وسواء الأقارب والأجانب، والمسلمون والكفار، إلا أنّ الأحاديث الصحيحة قيّدت هذا الإطلاق،\nففي الصحيحين «١» من رواية ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: أعلمهم أنّ عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فاقتضى ذلك أن الصدقة مقصورة على فقراء المسلمين، فلا يجوز دفع شيء من الزكاة إلى كافر سواء في ذلك الفطرة وزكاة المال.\nوحكى النووي في مجموعه عن ابن المنذر أن أبا حنيفة ﵁ يجيز دفع الزكاة إلى الكفار.\nوكذلك لا يجوز دفعها إلى من تلزم المزكي نفقته من الأقارب والزوجات من\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٥٠)، ١- كتاب الإيمان، ٧- باب الدعاء حديث رقم (١٩٢٩)، والبخاري في الصحيح (٢/ ١٦٥)، ٢٤- كتاب الزكاة، ٦٣- باب أخذ الصدقة حديث رقم (١٤٩٦) .","vol":"1","page":459},{"text":"سهم الفقراء والمساكين، لأن ذلك إنما جعل للحاجة، ولا حاجة بهم مع وجود النفقة لهم، ولأنه بالدفع إليهم يجلب إلى نفسه نفعا، وهو منع وجوب النفقة عليه.\nولا يجوز دفعها إلى هاشمي باتفاق الأئمة، لما\nرواه مسلم «١» عن المطلب بن ربيعة أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» .\nوقال الشافعي: لا يجوز دفعها إلى مطلبي أيضا لما\nرواه البخاري في «صحيحه» «٢» عن جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ بني هاشم وبني المطلب شيء واحد وشبّك بين أصابعه»\nولأنه حكم واحد يتعلق بذوي القربى، فاستوى فيه الهاشمي والمطلبي كاستحقاق الخمس.\nهذا وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يعطى للفقير والمسكين، فقال الشافعي: يجوز أن يدفع إلى كل منهما ما تزول به حاجته، ولا يزاد على ذلك، سواء صار بذلك مالكا للنصاب أم لا.\nوكره أبو حنيفة «٣» أن يعطى إنسان من الزكاة مئتي درهم، وأي مقدار أعطيه أجزأ، وأبو يوسف يمنع ما زاد على النصاب.\nوأما مالك ﵁ فإنه يرد الأمر فيه إلى الاجتهاد.\nوقال الثوري: لا يعطى من الزكاة أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما.\nيرى الشافعي أن الله تعالى أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعا لحاجتهم، وتحصيلا لمصلحتهم، فالمقصود من دفع الزكاة سد الخلة، ودفع الحاجة، فيعطى الفقير والمسكين ما يسد خلته، ويدفع حاجته.\nويرى أبو حنيفة ومالك أن الآية ليس فيها تحديد مقدار ما يعطى كل واحد منهم، وقد علمنا أنه لم يرد بها تفريق الصدقة على الفقراء على عدد الرؤوس لامتناع ذلك وتعذره، فثبت أنّ المراد دفعها، إلى بعض أيّ بعض كان. ومعلوم أنّ كل واحد من أرباب الأموال مخاطب بذلك، فاقتضى ذلك جواز دفع كل واحد منهم جميع صدقته إلى فقير واحد، قلّ المدفوع أو كثر، فثبت بظاهر الآية جواز دفع المال الكثير إلى واحد من الفقراء من غير تحديد للمقدار، وإنما كره أبو حنيفة أن يعطى إنسان مائتي\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٧٥٢)، ١٢- كتاب الزكاة، ٥١- باب ترك استعمال آل النبي على الصدقة حديث رقم (١٦٧/ ١٠٧٢) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٤/ ٦٨)، ٥٧- كتاب الخمس، ١٧- باب ومن الدليل على أنّ الخمس حديث رقم (٣١٤٠) .\n(٣) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ١٢٣) .","vol":"1","page":460},{"text":"درهم، لأن المائتين هي النصاب الكامل، فيكون غنيا مع تمام ملك الصدقة، ومعلوم أنّ الله تعالى إنما أمر بدفع الزكوات إلى الفقراء لينتفعوا بها ويتملكوها، فلو أعطى الفقير مئتي درهم فإنّه لا يتمكن من الانتفاع بها إلا وهو غني، فكره أبو حنيفة من أجل ذلك دفع النصاب الكامل إلى إنسان واحد.\nالصنف الثالث: العاملون عليها وهم السعاة لجباية الصدقة، ويدخل فيهم الحاشر، والعريف، والحاسب، والكاتب، والقسّام وحافظ المال، ويعطى العامل عند الحنفية والمالكية ما يكفيه ويكفي أعوانه بالوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام المال باقيا، وإذا استغرقت كفايتهم الزكاة، فالحنفية لا يزيدونهم على النصف.\nوعند الشافعية يعطون من سهم العاملين- وهو الثمن- قدر أجرتهم، فإن زادت أجرتهم على سهمهم تمم لهم، قيل: من سائر السهمان، وقيل: من بيت المال.\nوهذا الذي ذهب إليه الشافعي هو قول عبد الله بن عمر وابن زيد، وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات، وظاهر الآية معهما.\nوفيما يعطاه العاملون شبه بالأجرة وشبه بالصدقة.\nفبالاعتبار الأول حل إعطاء العامل الغني، وسقط سهم العامل إذا أدى الزكاة رب المال إلى الإمام أو إلى الفقراء.\nوبالاعتبار الثاني: لا تحل للعامل من آل البيت، ولا لمولاهم، ولا لغير المسلم. فعن ابن عباس أنه قال: بعث نوفل بن الحارث ابنيه إلى رسول الله ﷺ فقال: انطلقا إلى عمكما، لعله يستعملكما على الصدقة، فجاءا فحدثا النبي ﷺ بحاجتهما،\nفقال لهما: «لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء، لأنها غسالة الأيدي، إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم» «١» .\nوروي عن علي أنه قال للعباس: سل النبي ﷺ أن يستعملك على الصدقة، فسأله فقال: «ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس» «٢» .\nوأبى رسول الله ﷺ أن يبعث أبا رافع- مولاه- عاملا على الصدقات وقال: «أما علمت أن مولى القوم منهم» «٣» .\n_________\n(١) رواه ابن سعد كما في كنز العمال للمتقي الهندي حديث رقم (٣٣٤٥١) .\n(٢) روي عن ابن عباس كما في كنز العمال للمتقي الهندي حديث رقم (١٦٥٣٠) .\n(٣) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٤٦) في الزكاة، باب ما جاء في كراهية الصدقة حديث رقم (٦٥٧)، وأبو داود في السنن (٢/ ٤٤)، كتاب الزكاة، باب الصدقة حديث رقم (١٦٥٠)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ١١٢)، كتاب الزكاة، باب مولى القوم منهم حديث رقم (٢٦١١) .","vol":"1","page":461},{"text":"وأخذ بعض العلماء من قوله تعالى: وَالْعامِلِينَ عَلَيْها أنه يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة. وتأكّد هذا الوجوب بعمل النبي ﷺ والخلفاء من بعده.\nففي «الصحيحين» «١» من رواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ استعمل ابن اللتبية على الصدقات.\nوروى أبو داود والترمذي «٢» عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: ولّى رسول الله ﷺ رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال: اتبعني تصب منها. فقلت: حتى أسأل رسول الله ﷺ، فسألته فقال لي: «إن مولى القوم من أنفسهم» .\nوالأحاديث في هذا الباب كثيرة.\nويدل على الوجوب أيضا أن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه، ومنهم من يبخل، فوجب أن يبعث الإمام من يأخذ الزكاة.\nولا يبعث إلا حرا عدلا فقيها يستطيع أن يجتهد فيما يعرض من مسائل الزكاة وأحكامها.\nويدل قوله تعالى: وَالْعامِلِينَ عَلَيْها على أنّ أخذ الصدقات إلى الإمام وأنه لا يجزئ ربّ المال أن يعطيها المستحقين، لأنه لو جاز لأرباب الأموال أداؤها إلى المستحقين لما احتيج إلى عامل لجبايتها، فيضر بالفقراء والمساكين، فدل ذلك على أن أخذها إلى الإمام، وتأكد هذا بقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً لكن ربما يعارضه قوله تعالى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) [المعارج: ٢٤، ٢٥] فإنه إذا كان ذلك الحق حقا للسائل والمحروم وجب أنه يجوز دفعه إليهما ابتداء.\nمن أجل ذلك ترى للعلماء تفصيلا في أموال الزكاة: فإن كان مال الزكاة باطنا فقد أجمعوا على أن للمالك أن يفرقها بنفسه، كما أنّ له أن يدفعها إلى الإمام، وإن كان مال الزكاة ظاهرا كالماشية والزروع والثمار فجمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار على أنّه يجب دفعها إلى الإمام، فإن فرقها المالك بنفسه لم يحتسب له بما أدى، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية، وقول من قولي الشافعي عملا بظاهر قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ولأن الزكاة مال للإمام فيه حق المطالبة، فوجب الدفع إليه كالخراج والجزية، وقال الشافعي في الجديد: يجوز أن يفرقها بنفسه، لأنها زكاة، فجاز أن يفرقها بنفسه كزكاة الباطن.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٦٧٦)، ١٢- كتاب الزكاة، ٣- باب في تقديم الزكاة حديث رقم (١/ ٩٨٣)، والبخاري في الصحيح (٢/ ١٥٦)، ٢٤- كتاب الزكاة، ٤٩- باب قوله تعالى: (وفي الرقاب) حديث رقم (١٤٦٨) .\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":462},{"text":"الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم قال العلماء: المؤلفة قلوبهم ضربان: مسلمون وكفار، فأما الكفار فقد كانوا يتألفون لاستمالة قلوبهم إلى الدخول في الإسلام، ولكف أذيتهم عن المسلمين،\nوقد ثبت أنّ النبي ﷺ أعطى قوما من الكفار يتألف قلوبهم ليسلموا\n. ففي «صحيح مسلم» «١»\nأنه أعطى صفوان بن أمية من غنائم حنين\n، وصفوان يومئذ كافر.\nوعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ لما قسّم من غنائم حنين للمتألفين من قريش وفي سائر العرب وجد هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم، وأنّه قال لهم:\n«أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قواما ليسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام» «٢» .\nواختلف العلماء في إعطاء الكفار من سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة، فروي عن الحسن وأبي ثور وأحمد أنهم يعطون، وهو قول عند المالكية.\nوذهب الحنفية والشافعية وأكثر العلماء: إلى أن إعطاءهم إنما كان في عهد رسول الله ﷺ في أول الإسلام في حال قلة عدد المسلمين، وكثرة عدوهم، وقد أعزّ الله الإسلام وأهله، واستغنى بهم عن تألف الكفار، ولذلك فإنّ الخلفاء الراشدين ﵃ بعد رسول الله ﷺ لم يعطوهم، وقال عمر ﵁: إنا لا نعطي على الإسلام شيئا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.\nوأجابوا عن الحديث بأن النبي ﷺ أعطاهم من خمس الخمس وكان ملكا له خالصا يفعل فيه ما يشاء، أما الزكاة فلا حق فيها للكفار.\nوأما المسلمون من المؤلفة قلوبهم فهم أصناف: صنف لهم شرف في قومهم يطلب بتألفهم إسلام نظائرهم. وصنف أسلموا ونيتهم في الإسلام ضعيفة، فيتألفون لتقوى نيتهم ويثبتوا.\nففي «صحيح مسلم» «٣»\nأن رسول الله ﷺ أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن لكل واحد منهم مئة من الإبل، وأعطى رسول الله ﷺ الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم أيضا لشرفهما في قومهما.\nوصنف ثالث: وهم قوم يليهم جماعة من الكفار إن أعطوا قاتلوهم.\nوصنف رابع: وهم قوم يليهم قوم من أهل الزكاة إن أعطوا جبوها منهم. وقد ثبت أن أبا بكر أعطى عدي بن حاتم حين قدم عليه بزكاته وزكاة قومه عام الردة.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٧٣٣)، ١٢- كتاب الزكاة حديث رقم (١٠٦٠) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٧٣٣)، ١٢- كتاب الزكاة، ٤٦- باب المؤلفة قلوبهم حديث رقم (١٣٧/ ١٠٦١) .\n(٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":463},{"text":"وقد اختلف العلماء في المؤلفة قلوبهم من المسلمين، فذهب الحنفية «١» إلى أنّ سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط بعد وفاته ﷺ سواء أكانوا من الكفار أم من المسلمين، لأن المعنى الذي لأجله كانوا يعطون قد زال بإعزاز الإسلام واستغنائه عن تأليف القلوب واستمالتها إلى الدخول فيه، وذهب إلى هذا كثير من أئمة السلف، واختاره الروياني وجمع من متأخري أصحاب الشافعي، وعلى هذا يكون عدد الأصناف سبعة لا ثمانية.\nوالمنقول عن نص الشافعي وأصحابه المتقدمين أن حكم المؤلفة قلوبهم من المسلمين لا يزال معمولا به، وهو قول الزهري وأحمد، وإحدى الروايتين عن مالك.\nوالآية في ظاهرها يشهد لهم.\nواختلف القائلون بسقوط سهم المؤلفة في توجيه رأيهم، مع أن الآية في ظاهرها جعلت للمؤلفة قلوبهم نصيبا من الزكاة، فقال صاحب «الهداية» «٢» من الحنفية: إن هذا الصنف من الأصناف الثمانية قد سقط، وانعقد إجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق ﵁، وحينئذ يكون هذا الإجماع أو مستنده ناسخا للآية في صنف المؤلفة.\nوقال آخرون في وجه سقوطه: إنه من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته، كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار.\nالصنف الخامس: ما أشار إليه بقوله: وَفِي الرِّقابِ في قوله تعالى: وَفِي الرِّقابِ محذوف، والتقدير: وفي فك الرقاب. واختلف أهل العلم في تفسير الرِّقابِ\nفقال عليّ كرم الله وجهه وسعيد بن جبير والزهري والليث بن سعد والشافعي وأكثر العلماء: يصرف سهم الرقاب إلى المكاتبين.\nوقال مالك وأحمد: يشترى بسهمهم عبيد ويعتقون، ويكون ولاؤهم لبيت المال.\nوقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة، ولكن يعطى منها في رقبة، ويعان بها مكاتب.\nوقال بعض العلماء: يفدى من هذا السهم الأسارى.\nوحجة الشافعي وموافقيه أن قوله تعالى: وَفِي الرِّقابِ كقوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وهناك يجب الدفع إلى المجاهدين، فكذا هنا يجب الدفع إلى الرقاب، ولا يمكن الدفع إلى الشخص الذي يراد فك رقبته إلا إذا كان مكاتبا، ولو اشترى بالسهم عبيدا لم يكن الدفع إليهم، وإنما هو دفع إلى سادتهم، وانتفاعهم بالعتق ليس تمليكا، لأنّ العتق إسقاط.\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ١٢٠) .\n(٢) الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ١٢٠) . [.....]","vol":"1","page":464},{"text":"وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قوله وَفِي الرِّقابِ يريد المكاتبين. وتأكد هذا بقوله تعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ [النور: ٣٣] .\nوحجة المالكية أن الرقاب جمع رقبة، وكل موضع ذكرت فيه الرقبة فالمراد عتقها، والعتق والتحرير لا يكون إلا في القن، كما في الكفارات فلا بد من عتق رقبة كاملة ملكا ويدا، وحجة الحنفية أن قوله تعالى: وَفِي الرِّقابِ يقتضي أن يكون للمزكي مدخل في عتق الرقبة، وذلك ينافي كونه تاما فيه.\nومن قال بفك الأسارى من سهم الرقاب يرى أن المراد تخليص المسلم من حال النقص وفداء مسلم وتخليصه من أيدي الكفار أولى من عتق مسلم تملكه يد مسلمة.\nولا نعلم خلافا في أنه لا يجوز إعطاء المكاتب الكافر، ولا عتق قن كافر.\nوالقائلون بإعطاء المكاتب شرطوا فيه الحاجة، فإن حل عليه نجم ولم يكن معه ما يؤديه أعطي مقدار النجم أو ما يكمله، وإن كان معه ما يفي بالنجم لم يعط شيئا.\nقال الشافعي وأصحابه: يجوز صرف الزكاة إلى المكاتب بغير إذن سيده، ويجوز الصرف إلى السيد بإذن المكاتب، ولا يجوز الصرف إلى السيد بغير إذن المكاتب، والأولى صرفها للسيد بإذن المكاتب، لأن الله تعالى أضاف الصدقات للأصناف الأربعة الذين تقدّم ذكرهم باللام، ولما ذكر الرقاب أبدل حرف اللام بحرف في فقال:\nوَفِي الرِّقابِ فلا بد لهذا العدول من فائدة وهي أنّ الأصناف الأربعة الأول يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات على أنه ملك لهم، يتصرفون فيه كما شاؤوا. وأما المكاتبون فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم من الرق، فكان الدفع إلى السادات محققا للصرف في الجهة التي من أجلها استحق المكاتبون سهم الزكاة، وكذلك القول في الغارمين يصرف المال إلى قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون إليه، وابن السبيل يعطي ما يعينه في بلوغ مقصده.\nالصنف السادس: الغارمون أصل الغرم في اللغة اللزوم، ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا [الفرقان: ٦٥] والغريم يطلق على صاحب الدين، وعلى المدين لملازمة كل منهما صاحبه.\nوأما الغارم فهو الذي عليه الدين، لأنه التزمه وتكفل بأدائه. ولم يختلف العلماء أن الغارمين هم المدينون، وأما قول مجاهد: الغارم من ذهب السيل بماله أو أصابه حريق فأذهب ماله فمحمول على أنه أراد من ذهب ماله وعليه دين. وأما من ذهب ماله وليس عليه دين فإنّه لا يسمى غريما، وإنما يسمى فقيرا أو مسكينا.\nوظاهر الآية أن المدين يعطى مطلقا سواء أوجد وفاء لدينه أم لا، وسواء استدان لنفسه أم لغيره، وسواء أكان دينه في معصية أم لا.","vol":"1","page":465},{"text":"ولكن الحنفية يخصصون الغريم بمن لا يملك نصابا فاضلا عن دينه «١»، وحجتهم في ذلك\nقوله ﷺ: «وأردها في فقرائكم»\nفإنّ هذا يدل على أنّ الصدقة لا تعطى إلا للفقراء.\nوقال الشافعية: إن استدان لنفسه لم يعط إلا مع الفقر، وإن استدان لإصلاح ذات البين أعطي من سهم الغارمين، ولو كان غنيا، لما\nروى أبو داود «٢» عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين، فتصدّق على المسكين، فأهدى المسكين إليه» .\nوقال قوم: إذا كان الغريم قد استدان في معصية فإنه لا يدخل في عموم الآية، لأن المقصود من صرف المال المذكور في الآية الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، ومثل هذا لا يؤمن إذا أدّي عنه دينه أن يستدين غيره، فيصرفه في الفساد.\nالصنف السابع: ما أشار الله إليه بقوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nقال أبو حنيفة ومالك والشافعي ﵏: يصرف سهم سبيل الله المذكور في الآية الكريمة إلى الغزاة الذين لا حقّ لهم في الديوان، وهم الغزاة إذا نشطوا غزوا.\nوقال أحمد ﵀ في أصح الروايتين عنه: يجوز صرفه إلى مريد الحج.\nوروي مثله عن ابن عمر.\nوحجة الأئمة الثلاثة المفهوم في الاستعمال المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله تعالى هو الغزو، وأكثر ما جاء في القرآن الكريم كذلك، وأن حديث أبي سعيد السابق في صنف الغارمين يدل على ذلك، فإنه ذكر ممن تحل له الصدقة الغازي، وليس في الأصناف الثمانية من يعطى باسم الغزاة إلا الذين نعطيهم من سهم سبيل الله تعالى.\nواستدل لما\nروى عن أحمد بحديث أبي داود «٣» عن ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحج معك.\nقالت: أحجّني مع رسول الله ﷺ.\nفقلت: ما عندي ما أحجك عليه.\nقالت: أحجني على جملك فلان.\nفقلت: ذلك حبيسي في سبيل الله.\nفقال: «أما إنّك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله» .\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ١٢١) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٣٨)، كتاب الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة حديث رقم (١٦٣٥) .\n(٣) رواه أبو داود في السنن (٢/ ١٥٨)، كتاب المناسك، باب العمرة حديث رقم (١٩٩٠) .","vol":"1","page":466},{"text":"وأجاب الجمهور بأن الحج يسمى سبيل الله ولكن الآية محمولة على الغزو لما ذكرناه.\nوفسر بعض الحنفية سبيل الله بطلب العلم، وفسره في «البدائع» «١» بجميع القرب فيدخل فيه جميع وجوه الخير مثل تكفين الموتى، وبناء القناطر، والحصون، وعمارة المساجد، لأن قوله تعالى: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ عام في الكل. وأيّا ما كان الأمر فقد اشترط الحنفية للصرف في سبيل الله الفقر.\nوقال الشافعية يعطي الغازي مع الفقر والغنى، للخبر الذي ذكرناه في الغارم، ويعطى ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والفرس، فإن أخذ ولم يغز استرجع منه.\nالصنف الثامن: ابن السبيل ابن السبيل الذي يعطى من الصدقة: هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة. قال العلماء: وإنما يعطى ابن السبيل بشرط حاجته في سفره، ولا يضر غناه في غير سفره، فيعطى ما يبلغ به مقصده. فإن كان سفره في طاعة كحج وغزو وزيارة مندوبة أعطي بلا خلاف.\nوإن كان سفره في معصية لم يعط بلا خلاف، لأنّ ذلك إعانة على المعصية.\nوإن كان سفره في مباح كرياضة فللشافعية فيه وجهان:\nأحدهما: لا يعطى، لأنه غير محتاج إلى هذا السفر.\nالثاني: يعطى، لأنّ ما جعل رفقا بالمسافر في طاعة جعل رفقا بالمسافر في مباح كالقصر والفطر.\nمسألة: هذه مسألة تشترك فيها الأصناف السابقة كلها: قال الرافعي «٢» نقلا عن أصحاب الشافعي: من سأل الزكاة وعلم الإمام أنه ليس مستحقا لم يجز له صرف الزكاة إليه، وإن علم استحقاقه جاز الصرف إليه بلا خلاف، ولم يخرّجوه على الخلاف في قضاء القاضي بعلمه، مع أن التهمة هاهنا مجالا أيضا للفرق بأن الزكاة مبنية على الرّفق والمساهلة، وليس فيها إضرار بمعين، بخلاف قضاء القاضي.\nوإن لم يعرف حاله فالصفات قسمان: خفية وجلية.\nفالخفي: الفقر والمسكنة. فلا يطالب مدعيه ببينة لعسرها، فلو عرف له مال وادعى هلاكه لم يقبل إلا ببينة.\n_________\n(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني بيروت، دار الكتب العلمية (٢/ ٤٥- ٤٦) .\n(٢) عبد الكريم بن محمد القزويني، شيخ الشافعية في زمانه، كان له مجلس في قزوين، وتوفي منها سنة (٦٢٣ هـ)، ينتهي نسبه إلى رافع بن خديج الصحابي، انظر الأعلام للزركلي (٤/ ٥٥) .","vol":"1","page":467},{"text":"وأما الجلي فضربان:\nأحدهما: يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في المستقبل، وذلك في الغازي وابن السبيل، فيعطيان بقولهما بلا بينة ولا يمين، ثم إن لم يحققا ما ادعيا، ولم يخرجا استردّ منهما ما أخذا. وإلى متى يحتمل تأخير الخروج؟ قال السرخسي: ثلاثة أيام، قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذا على التقريب، وأن يعتبر ترصده للخروج، وكون التأخير لانتظار أو للتأهب بأهب السفر ونحوها.\nالضرب الثاني: يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في الحال، وهذا الضرب يشترك فيه بقية الأصناف، فالعامل إذا ادعى العمل طولب بالبينة، وكذلك المكاتب، والغارم، وأما المؤلف قلبه فإن قال: نيتي ضعيفة في الإسلام قبل قوله، لأن كلامه يصدقه، وإن قال: أنا شريف مطاع في قومي طولب بالبينة.\nقال الرافعي: واشتهار الحال بين الناس قائم مقام البينة في كل من يطالب بها من الأصناف، لحصول العلم أو الظن بالاستفاضة اه من «مجموع» النووي «١» بتصرف.\nوقوله تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ بعد قوله: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ إلخ جار مجرى قوله فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة، فهو زجر عن مخالفة هذا الظاهر، وتحريم لإخراج الزكاة عن هذه الأصناف وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم حَكِيمٌ لا يشرع إلا ما فيه الخير والصلاح للعباد.\nقال الله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤)\nذكر في تفسير قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] ما رواه البخاري «٢» وغيره عن ابن عمر حين أراد النبي ﷺ أن يصلي على عبد الله بن أبي.\nونسوق الحديث بتمامه هنا لأنّ فيه ذكر السبب في نزول هذه الآية:\nقال ابن عمر ﵄: لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله أتصلّي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلّي\n_________\n(١) يحيى بن شرف الحوراني النووي، أبو زكريا، محيي الدين، علامة بالفقه والحديث تعلم في دمشق، وأقام بها زمنا طويلا له مصنفات عدّة توفي سنة (٦٧٦ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٨/ ١٤٩) .\n(٢) رواه البخاري الصحيح (٥/ ٢٤٦)، ٦٥- كتاب التفسير، باب اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ حديث رقم (٤٦٧٠) .","vol":"1","page":468},{"text":"عليه! فقال رسول الله ﷺ: «إنما خيّرني الله فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً وسأزيده على السبعين، قال: إنه منافق. قال: فصلّى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ الآية» .\nوفي رواية له «١» عن ابن عباس عن عمر أنه قال: فلما أكثرت عليه ﷺ قال:\n«أخّر عني يا عمر، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها» الحديث.\nوالظاهر أنّ عمر فهم النهي الذي أشار إليه بقوله: تصلي عليه وقد نهاك ربك من قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية، وليس كما قال بعضهم أنه فهم النهي من قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] إلخ، إذ لو كان عمر يشير إلى هذه الآية لما طابق الجواب السؤال.\nوأخرج أبو يعلى وغيره عن أنس أن رسول الله ﷺ أراد أن يصلّي على عبد الله بن أبي، فأخذ جبريل ﵇ بثوبه فقال: وَلا تُصَلِّ ... الآية\n. فرواية أبي يعلى تدل على أنه ﷺ لم يصل على عبد الله بن أبي.\nولكنّ أكثر الروايات تدل على أنّ رسول الله ﷺ صلّى عليه فكان في ذلك تعارض.\nفبعض العلماء يقول: رواية أبي يعلى لا تعارض رواية البخاري، فالمعوّل عليه رواية البخاري، وبعضهم جمع بين الروايتين حسبما أمكن فقال: المراد في الصلاة في رواية عمر وابنه الصلاة اللغوية بمعنى الدعاء، أو أنّ المراد بقوله: (فصلّى عليه) أنه دعا الناس للصلاة عليه، وتوجّه بهم إلى مكان الميت، فلما همّ بالصلاة عليه صلاة الجنازة أخذ جبريل بثوبه إلخ.\nوالمراد من الصلاة المنهي عنها صلاة الجنازة المعروفة، وفيه دعاء للميت واستغفار واستشفاع.\nوماتَ ماض بالنسبة إلى سبب النزول وزمان النهي، ولا ينافي عمومه وشموله لمن سيموت.\nوأَبَدًا ظرف متعلق بالنهي.\nومعنى وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ النهي عن الوقوف على قبره حين دفنه، أو لزيارته.\nومعنى القبر على هذا مدفن الميت. وجوّز بعضهم أن يراد بالقبر: الدفن ويكون المعنى: لا تتول دفنه.\nإِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ تعليل للنهي عن الصلاة والقيام على القبر فإنّ الصلاة\n_________\n(١) رواه البخاري الصحيح (٥/ ٢٤٦)، ٦٥- كتاب التفسير، ١٢- باب، حديث رقم (٤٦٧١) .","vol":"1","page":469},{"text":"على الميت والقيام على قبره احتفال بالميت، وإكرام له واحترام، وليس الكافر من أهل الاحترام والتعظيم.\nوَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ معناه أنّهم مع كفرهم متمردون في دينهم خارجون عن الحد فيه.\nوالظاهر أنّ هذه الآية لا تدل على وجوب الصلاة على موتى المسلمين، بل غاية ما تفيده أنّ الصلاة على الميت مشروعة، والوجوب مستفاد من الأحاديث الصحيحة،\nكقوله ﷺ: «صلوا على صاحبكم» «١»\nوقد نقل العلماء الإجماع على ذلك إلا ما حكي عن بعض المالكية أنّه جعلها سنة.\nوقد دلت الآية على معان:\nمنها حظر الصلاة على موتى الكفار، وحظر الوقوف على قبورهم حين دفنهم، وكذلك تولي دفنهم، وألحق بعض العلماء بذلك تشييع جنائزهم.\nومنها مشروعية الوقوف على قبر المسلم إلى أن يدفن، وأن النبي ﷺ كان يفعله «٢» . وقد قام على قبر حتى دفن الميت، وكان ابن الزبير إذا مات له ميت لم يزل قائما على قبره حتى يدفن. وفي «صحيح مسلم» «٣» أنّ عمرو بن العاص ﵁ قال عند موته: إذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور، ويقسّم لحمها حتى أستأنس بكم، وانظر ماذا أراجع به رسل ربي.\nقال الجصاص: من الناس من جعل قوله تعالى: وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ قيام الصلاة.\nقال: وهذا خطأ من التأويل، لأنه تعالى قال: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ فنهى عن القيام على القبر كنهيه عن الصلاة على الميت، فغير جائز أن يكون المعطوف هو المعطوف عليه بعينه اه.\nقال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)\nوَتُزَكِّيهِمْ: تنمي حسناتهم وأموالهم.\nوَصَلِّ عَلَيْهِمْ: ادع لهم، واستغفر لهم.\nسَكَنٌ من معاني السكن والسكون، وما تسكن النفس إليه وتطمئن من الأهل والمال والوطن. وكلّ من هذين المعنيين يصحّ أن يكون مرادا.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٢٣٧)، ٢٣- كتاب الفرائض حديث رقم (١٤/ ١٦١٩) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٣/ ١٦٦)، ٢٣- كتاب الجنائز، باب الاستغفار حديث رقم (٣٢٢١) .\n(٣) رواه مسلم الصحيح كتاب الإيمان حديث رقم (١٢١) .","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>سبب النزول</span>\n: روي عن ابن عباس ﵄ أن هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم لمّا تاب الله عليهم جاؤوا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله! هذه أموالنا التي كانت سببا في تخلفنا، فتصدق بها عنا، واستغفر لنا.\nفقال ﵊: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» فنزلت هذه الآية، فأخذ رسول الله ﷺ من أموالهم الثلث.\nقال الحسن: وكان ذلك كفارة الذنب الذي حصل منهم.\nوقد راع كثير من المفسرين سبب النزول، فجعل الضمير في قوله تعالى:\nخُذْ خاصا بهذه الحادثة، وتكون الصدقة المأخوذة منهم صدقة تطوع معتبرة في كمال توبتهم، وجارية في حقهم مجرى الكفارة، وليس المراد بها الزكاة المفروضة، لأنها كانت واجبة من قبل.\nوعن الجبائي أن المراد بها الزكاة، وأمر ﷺ بأخذها هنا دفعا لتوهم إلحاقهم ببعض المنافقين، فإنها لم تكن تقبل منهم، كما يشير إليه قوله تعالى: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ [التوبة: ٥٣] .\nومن الناس من لم يجعل سبب النزول حكما على الآية حيث قال: إنّ الضمير في قوله تعالى: مِنْ أَمْوالِهِمْ راجع إلى أرباب الأموال من المؤمنين مطلقا، ويدخل فيهم الذين اعترفوا بذنوبهم، وقد عرف مرجع الضمير بدلالة الحال عليه، كقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) [القدر: ١] وقوله جل شأنه: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥] وقوله عزّ اسمه: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: ٣٢] وعلى هذا الرأي أكثر الفقهاء، إذا استدلوا بهذه الآية. على إيجاب الزكاة. قال الجصاص: وهو الصحيح، إذ لم يثبت أن هؤلاء القوم- يعني المعترفين- أوجب الله عليهم صدقة دون سائر الناس سوى زكاة الأموال، وإذا لم يثبت بذلك خبر فالظاهر أنهم وسائر الناس سواء في الأحكام والعبادات، وأنهم غير مخصوصين بها دون غيرهم من الناس، وإذا كان مقتضى الآية وجوب هذه الصدقة على سائر الناس كانت الصدقة هي الزكاة المفروضة، إذ ليس في أموال الناس حقّ واجب يقال له صدقة سوى الزكاة المفروضة.\nوليس في قوله تعالى: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها دلالة على أنها صدقة مكفرة للذنوب غير الزكاة المفروضة، لأنّ الزكاة المفروضة أيضا تطهّر وتزكي مؤدّيها. وسائر الناس من المكلفين محتاجون إلى ما يطهّرهم ويزكيهم.\nوقوله تعالى: مِنْ أَمْوالِهِمْ عام في أصناف الأموال، فيقتضي ظاهره أن يؤخذ من كل صنف بعضه، وحكى الجصاص عن شيخه أبي الحسن الكرخي أنه كان يقول:","vol":"1","page":471},{"text":"متى أخذ من صنف واحد فقد قضى عهده الآية، وكذلك يقتضي ظاهر اللفظ، أنه لا يجزئ أخذ القيمة.\nوالمقدار المأخوذ مجمل هنا، قد وكل الله بيانه إلى الرسول ﷺ. وأكثر الآيات التي ذكر الله فيها إيجاب الزكاة ذكرت في مواضع من كتابه بلفظ مجمل مفتقر إلى البيان في المأخوذ والمأخوذ منه، ومقادير النّصب، ووقت الاستحقاق، فكان البيان فيها موكولا إلى بيان السنة، وبعض الآيات نصّ الله فيها على الصنف الذي تجب فيه الزكاة، فيما نصّ الله تعالى عليه من أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة الذهب والفضة بقوله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [التوبة: ٣٤] ومما نص عليه زكاة الزرع والثمار في قوله جل شأنه: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ إلى قوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [الأنعام: ١٤١] وبينت السنة سائر الأموال التي تجب فيها الزكاة:\nمثل عروض التجارة والإبل والبقر والغنم السائمة على إختلاف الفقهاء في بعض ذلك.\nوظاهر قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أنّه يجب على الإمام أو نائبه إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق، وبهذا أخذ داود وأهل الظاهر. وأما سائر الأئمة فقد حملوا الأمر هنا على الندب والاستحباب، قالوا: وإن ترك الدعاء جاز، لأنّ\nالنبي ﷺ قال لمعاذ: «أعلمهم أنّ عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وتردّ في فقرائهم» «١»\nولم يأمره بالدعاء لهم، ولأنّ الفقهاء جميعا متفقون فيما لو دفع المالك الزكاة إلى الفقراء أنّه لا يلزمهم الدعاء، فيحمل الأمر على الاستحباب قياسا على أخذ الفقراء.\nوأما صيغة الدعاء فلم يرد فيها تعيين إلا ما\nرواه الستة «٢» غير الترمذي من قوله ﷺ: «اللهم صلّ على آل أبي أوفى»\nومن هنا قال الحنابلة وداود وأهل الظاهر: لا مانع أن يقول آخذ الزكاة اللهم صل على آل فلان، وقال باقي الأئمة:\nلا يجوز أن يقال: اللهم صل على آل فلان، وإن ورد في الحديث، لأنّ الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كما أنّ\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٧٥٦)، كتاب الزكاة، ٥٤- باب الدعاء، حديث رقم (١٧٦/ ١٠٧٨)، والبخاري في الصحيح (٢/ ١٥٦)، ٢٤- كتاب الزكاة، ٦٤- باب صلاة الإمام حديث رقم (١٤٩٧) .","vol":"1","page":472},{"text":"قولنا: «﷿» مخصوص بالله تعالى، وكما لا يقال: محمد ﷿، وإن كان عزيزا جليلا، ولا يقال: أبو بكر ﷺ أو علي ﷺ، وإن صح المعنى.\nقالوا: وإنما أحدث الصلاة على غير الأنبياء مبتدعو الرافضة في بعض الأئمة، والتشبه بأهل البدع منهيّ عنه.\nولا خلاف أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم، فيقال: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه، لأنّ السلف استعملوه، وأمرنا به في التشهد ولأن الصلاة على التابع تعظيم للمتبوع. قالوا: والسلام في حكم الصلاة، لأنّ الله تعالى قرن بينهما، فلا يفرد به غائب غير الأنبياء.\nوأما استحبابه في مخاطبة الأحياء تحية لهم، وفي تحية الأموات، فهو أمر معروف وردت به السنة الصحيحة.\nهذا وقد قال الشافعي: وبأي لفظ دعا جاز، وأحبّ أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورا، وبارك لك فيما أبقيت.\nواحتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر ﵁ بهذه الآية، فقالوا: إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات، ثم أمره بأن يصلّي عليهم، وذكر أن صلاته سكن لهم، فكان وجوب الزكاة مشروطا بحصول ذلك السكن، ومعلوم أنّ غير الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك السكن، فلا يجب دفع الزكاة إلى أحد غير الرسول ﷺ.\nوهذه شبهة ضعيفة، فإنّه لو سلم لهم أنّ هذه الآية وردت في وجوب الزكاة المفروضة، فإنّ نائب الرسول- وهو الإمام العادل- قائم مقام الرسول في كل ما يتعلق بأحكام الدين، إلا ما قام الدليل على اختصاص الرسول به، وليس تخصيص الرسول بالخطاب دليلا على اختصاص الحكم به، فإنّ معظم الأحكام الشرعية وردت خطابا للرسول ﵊: وإن سائر الآيات دلت على أنّ الزكاة إنما وجبت دفعا لحاجة الفقير، وإعانة على أبواب من البر في مصلحة الأمة، فنظام الزكاة من النظم الجليلة التي تحقق مصلحة عامة لمجموع الأمة، فهي باقية ما بقيت الأمة.\nوَاللَّهُ سَمِيعٌ يسمع الاعتراف بالذنب عَلِيمٌ بما في الضمائر من الندم. أو أنه سميع يجيب دعاءك لهم، عليم بما تقتضيه الحكمة في مصالح الناس.\nقال الله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ","vol":"1","page":473},{"text":"طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)\nفَلَوْلا للتحضيض، وهي داخلة هنا على الماضي، فتفيد التوبيخ والتنديد على ترك الفعل فيما مضى، والأمر به في المستقبل.\nوالفرقة والطائفة بمعنى، لكنّ سياق الكلام هنا، ومِنْ التبعيضية، يقتضيان أنّ المراد بالفرقة هنا الجماعة الكثيرة، وأن الطائفة جماعة أقل من الفرقة المرادة هنا.\nوعن السلف في سبب نزول هذه الآية روايتان:\nفروى الكلبي «١» عن ابن عباس ﵄ أن الله تعالى لما شدّد على المتخلفين قالوا: لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية أبدا، ففعلوا ذلك، وبقي رسول الله ﷺ وحده، ونزل قوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا الآية.\nوأخرج ابن جرير «٢» وابن المنذر عن مجاهد أنه قال: إنّ ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفا، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا، فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرّجا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا إلخ.\nهاتان روايتان مختلفتان في سبب النزول، فرواية ابن عباس تجعل النفر المنهي عنه هو نفر المؤمنين جميعا للجهاد. نهوا عن ذلك لما يترتب عليه من الإخلال بالتعلم، فكما أنّ الجهاد فرض في الدين، كذلك تلقي العلم عن الرسول ﷺ، وأخذ الأحكام المتجددة عنه فرض من فروض الدين، فلا ينبغي أن يكون في إقامة أحد الفرضين، إخلال بالآخر ومن الميسور أن نجمع بين الفرضين ونؤدّي كلّا من الواجبين، وطريق ذلك أن تنفر للجهاد طائفة من كل فرقة، وتبقى طائفة أخرى تتفقه في الدين، وتسمع من الرسول ﷺ، حتى إذا رجع إليهم إخوانهم من الغزو، علموهم ما تلقوه من أحكام الدين. وعلى هذا المعنى: لا يكون قوله تعالى: لِيَتَفَقَّهُوا متعلقا بنفر، لأن النفر للجهاد ليس علة في التفقه.\nوإنما هو متعلق بفعل مفهوم من الكلام، إذ المعنى لتنفر من كل فرقة طائفة\n_________\n(١) محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي، أبو النضر، نسبابة، عالم بالتفسير والأخبار وأيام العرب، ولد في الكوفة وتوفي فيها، انظر الأعلام للزركلي (٦/ ١٣٣) . [.....]\n(٢) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (١١/ ٤٨) .","vol":"1","page":474},{"text":"وتبقى طائفة ليتفقهوا في الدين، فضمير يتفقهوا وينذروا يعود إلى الطائفة الباقية.\nورواية مجاهد تجعل النفر المنهي عنه هو خروجهم جميعا لطلب العلم والتفقه في الدين، نهوا عن ذلك لما فيه من الإخلال بتعاطي أسباب الكسب والابتغاء من فضل الله وخيره بالتجارة والزراعة ووسائل الكسب، فكما أنّ طلب العلم ومعرفة الحلال والحرام من فرائض الدين، كذلك ابتغاء فضل الله بهذه الوسائل من فرائض الدين، فلا ينبغي أن تكون إحدى العبادتين سببا في الإخلال بالأخرى، والجمع بينهما ميسور بأن تنفر من كل فرقة طائفة لتتفقه في الدين، وتعلّم قومها إذا رجعت إليهم، وهذا المعنى هو مقتضى ظاهر الآية، واتساقها، فإنّ النفر على هذا المعنى يكون علة للتفقه في الدين، والطائفة النافرة هي التي تتفقه في الدين، وهي التي تنذر قومها إذا رجعت إليهم. لكن يعكر على هذا المعنى أنّ الآية تكون منقطعة عما قبلها، فإنّ ما قبلها وارد في شأن الجهاد والغزو في سبيل الله، ونصرة دينه، إلا أن يقال: إنه ﷾ لما بيّن وجوب الهجرة والجهاد، وكل منهما سفر لعبادة، ناسب ذلك أن يذكر السفر الآخر وهو الهجرة لطلب العلم والتفقه في الدين، والآية على كلا الرأيين تدلّ على أن التفقه في الدين من فروض الكفاية.\nوما\nروي عن أنس بن مالك أنّ النبي ﷺ قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»\nفعلى تسليم صحته يكون محمولا على ما يتوقف عليه أداء الفرائض، فمن لا يعرف حدود الصلاة ومواقيتها فحتم عليه أن يتعلمها، وكذلك الزكاة والصوم والحج وسائر الفروض.\nأما ما سوى ذلك من الأحكام الدينية التي لا تتوقف عليها صحة عبادته فتعلمها فرض على الكفاية، إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين.\nوتدلّ الآية أيضا على أنّ خبر الواحد حجة، لأنّ الطائفة مأمورة بالإنذار، والإنذار يقتضي فعل المأمور به، وإلا لم يكن إنذارا، ولأنّه سبحانه أمر القوم بالحذر عند الإنذار، لأن معنى قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ليحذروا.\nوليس الاستدلال بالآية على حجية خبر الواحد متوفقا على أنّ الطائفة تصدق على الواحد الذي هو مبدأ الأعداد، بل يكفي في ذلك صدقها على ما لم يبلغ حدّ التواتر.\nوقوله تعالى: مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ عام يقتضي أن ينفر من كل جماعة تفردوا بقرية- قلوا أو كثروا- طائفة.","vol":"1","page":475},{"text":"وكان الظاهر أن يقال بدل وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ليعلّموا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يفقهون، لكنه اختير ما في النظم الجليل للإشارة إلى أنّه ينبغي أن يكون غرض المعلّم الإرشاد والإنذار، وغرض المتعلم اكتساب الخشية لا التبسط والاستكبار.\nقال حجة الإسلام الغزالي «١» ﵀: كان اسم الفقه في العصر الأول اسما لعلم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، ويدل عليه هذه الآية، فما به الإنذار والتخويف هو الفقه، دون تعريفات الطلاق واللعان والسلم والإجارات.\nوسأل فرقد السبخي الحسن عن شيء فأجابه فقال: إن الفقهاء يخالفونك، فقال الحسن: ثكلتك أمك! هل رأيت فقيها بعينك، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكافّ عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم، ولم يقل في جميع ذلك الحافظ لفروع الفتاوى اهـ.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) الغلظة: الشدة في القتال والعنف في القتل والأسر ونحو ذلك.\nوروي عن الحسن أنّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] .\nوالمحققون على أنه لا نسخ إذ لا تعارض بين هذه الآية والآيات التي زعمها الحسن ناسخة. فقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ورد في الأمر بقتال المشركين جميعا في أي مكان كانوا. والآية التي معنا للإرشاد، ورسم الخطة المثلى في قتل الكفار، إذ من المعلوم أنه لا يمكن قتال جميع الكفار، وغزو جميع البلاد في وقت واحد، فكان أحسن الخطط في قتالهم البدء بقتال الأقرب فالأقرب، حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد، وبذلك يحصل الغرض من قتال المشركين كافّة.\n_________\n(١) محمد بن محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد، حجة الإسلام، فيلسوف متصوف رحل إلى نيسابور ثم بغداد ثم الحجاز فمصر وعاد إلى بلدته له مؤلفات عديدة، انظر الأعلام للزركلي (٧/ ٢٢) .","vol":"1","page":476},{"text":"وقوله تعالى: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ليس المقصود به أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين غلظة، بل المراد أمر المؤمنين بالاتصاف بالغلظة على الكفار، حتى يجدهم الكفار متصفين بذلك.\nوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالعصمة والنصر.\nوإذا كان المراد بالمتقين المخاطبين كان التعبير بالمظهر بدل الضمير للتنصيص على أنّ الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى، والشهادة بكونهم من زمرة المتقين.\nوإذا كان المراد بالمتقين الجنس كان المخاطبون داخلين فيه دخولا أوليا، والكلام تعليل وتوكيد لما قبله، أي قاتلوهم، وأغلظوا عليهم، ولا تخافوهم، لأنّ الله معكم، أو لأنّكم متقون، والله مع المتقين.","vol":"1","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>من سورة النحل</span>\nقال الله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)\nويجوز أن يكون متعلقا بقوله تعالى: تَتَّخِذُونَ، والسكر في الأصل مصدر سكر يضم ويفتح كالرشد والرشد، وقد اختلف السلف في تأويل السكر والرزق الحسن، فروي عن الحسن وسعيد بن جبير السكر: ما حرم منه، والرزق الحسن ما حل منه.\nوروي عن جماعة منهم النخعي والشعبي أن السكر خمر، وعن ابن شبرمة أنه خمر إلا أنه من التمر. وقد فهم هؤلاء من الامتنان باتخاذه حلّه في الأصل، ثم قالوا:\nهو منسوخ بتحريم الخمر.\nوروي عن ابن عباس نحو قول الأولين الذين قالوا: السكر المحرم، والرزق الحسن الحلال.\nوروي عنه أيضا أنّ السّكر النبيذ، والرزق الحسن الزبيب، وقد يتعلق الحنفية في الاستدلال لأبي حنيفة بهذه الآية في تحليل قليل المسكر من غير الخمر، ويقولون:\nإنّ الله امتن على عباده باتخاذ السّكر من ثمرات النخيل والأعناب، ولا يقع الامتنان إلا بمحلّل، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ، فإذا وصل إلى السكر لم يجز.\nويعضّدون هذا من السنة بما\nروي عن النبي ﷺ قال: «حرّم الله الخمر بعينها:\nالقليل منها والكثير. والسّكر من كل شراب» «١»\n، وأنت تعلم أن الاستدلال بالامتنان في الآية لا ينهض، فإنه إن كانت الآية قبل تحريم الخمر فهي تدل على أنها غير مرغوب فيها، إذ قد جعل الله السكر غير الرزق الحسن، وذلك كاف في تقبيحها.\nوقد روي أنّ النبي ﷺ قال عند نزول هذه الآية: «إنّ ربكم ليقدم في تحريم الخمر» «٢»\n، على أنّ الآية قد جمع فيها بين اتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات\n_________\n(١) رواه النسائي في السنن (٧- ٨/ ٧٢٩)، كتاب الأشربة حديث رقم (٥٧١٤- ٥٧١٧) . (بلفظ مختلف) .\n(٢) رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٢/ ٣١٨) .","vol":"1","page":478},{"text":"النخيل والأعناب، فيجوز أن يكون ذلك جمعا بين العتاب في اتخاذ السكر، والامتنان بالرزق الحسن، ويكون المعنى: أتتخذون منه سكرا ورزقا حسنا.\nوإن كانت بعد التحريم ففي مقابلة السكر بالرزق الحسن ما يرده إلى المحرم، ويكون ذلك تقريعا شديدا لمن يقدم عليه.\nوالحاصل أنّا نرى أن الآية ليس فيها ما يشهد بالحل، إذ الكلام في الامتنان بخلق الأشياء لمنافع الإنسان، ولم تنحصر المنافع في حل التناول، فقد قال الله في شأن الخمر:\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة: ٢١٩] فهل انحصرت منافع السكر على فرض أنه النبيذ في الشرب؟\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ستعملون عقولهم بالنظر والتأمل، فيعلمون أن ربهم بهم رؤوف رحيم، وأنه يجب أن يخصّ بالعبادة وحده.\nقال الله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨)\nظاهر الآية جعل الاستعاذة عقب القراءة، وبه قال بعض الظاهرية. والجمهور على أن ذلك على حد قوله: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: ٦] وقوله: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا\n[الأنعام: ١٥٢] وقوله: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الأحزاب: ٥٣] وقوله: إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [المجادلة: ١٢] الذي تطلب من أجله الاستعاذة- وهو دفع وسوسة الشيطان- يقتضي تحصيل الاستعاذة قبل القراءة، وهذا المعنى يشير إلى قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: ٥٢] .\nوكيفية الاستعاذة عند جمهور القراء أن يقول:\n«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وقد تضافرت الروايات عن رسول الله ﷺ بهذه الصيغة «١»\n، وهناك صيغ أخرى وردت: كأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم «٢»، والأمر بها للندب عند الجمهور، وعن الثوري أنها واجبة، وظاهر الآية يؤيده، إذ الأمر للوجوب. والجمهور يقولون: إنه صرفها عن الوجوب ما ورد أنّه ﷺ لم يعلمها الأعرابي «٣» وأيضا فقد روي أنه كان يتركها.\nثم هل هي مندوبة في أول الصلاة فقط أو في كل ركعة، خلاف بين الفقهاء يعرف في الفقه، ومبناه على أنّ الاستعاذة قد رتبت على شرط، فتتكرر بتكرره. ثم\n_________\n(١) رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٤/ ١٣٠) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (١/ ٢٩٨)، كتاب الصلاة، باب من لم ير الجهر ببسم الله حديث رقم (٧٨٥) .\n(٣) انظر ما رواه مسلم في الصحيح (١/ ٢٩٨)، ٤- كتاب الصلاة، ١١- باب وجوب قراءة الفاتحة حديث رقم (٤٥/ ٣٩٧) .","vol":"1","page":479},{"text":"بعد ذلك هل الصلاة عمل واحد فيكتفى بالاستعاذة في أولها، فمن راعى أنها عمل واحد مفتتح بقراءة يقول: إنها طلبت في بدء القراءة، وقد قالها، فلا يكررها، لأنّه لم يفرغ من العمل الذي بدأه بها. والآخرون يرون أنها قد رتّبت على القراءة، وكل ركعة فيها فيبدأ قراءته في كل ركعة بالاستعاذة.\nقال الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)\nفي قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ وجوه من الإعراب، أحسنها أنّ (من) مبتدأ محذوف الخبر، يدل عليه قوله بعد ذلك فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ والتقدير: من كفر بالله من بعد إيمانه فعليه غضب إلا من أكره إلخ.\nوالحذف في مثل ذلك كثير، وجوز الرفع على القطع، والنصب على إضمار فعل الذم، واستبعد أبو حيان النصب على الذم.\nوجوز بعضهم كون (من) بدلا من الذين لا يؤمنون بآيات الله، ورد بأن المبدل منه مطروح من الكلام، وهو حينئذ يقتضي أن لا يفتري الكذب إلا من كفر بعد إيمانه، وأيضا هذا يتنافى مع سياق الآية الأولى، لأنها سيقت للرد على كفار قريش، وهم كفار أصليون.\nوجوز بعضهم غير ذلك، وأما قوله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ فهو استثناء متصل من (من)، لأنّ الكفر أعمّ من أن يكون اعتقادا فقط، أو قولا فقط، أو اعتقادا وقولا، ومن نطق بكلمة الكفر كافر، واطمئنان قلبه بالإيمان أمر مبطن لا اطلاع لأحد عليه، ولذلك صح الاستثناء ظاهرا.\nوَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ أصل الاطمئنان سكون بعد انزعاج، والمراد هنا السكون والثبات على الإيمان بعد الانزعاج الحاصل بالإكراه، وقد يستدلّ بالآية على أن الإيمان هو التصديق بالقلب، حيث اكتفي بوجود الاعتقاد، وهو استدلال واه، إذ إنّ من يقول: إن القول ركن الإيمان لا يعني أنه لا يسقط للضرورة ترخيصا.\nوَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا أنس به، واطمأن إليه، واعتقده، وطابت به نفسه، وانفسح له صدره، و(من) شرطية، وجوابها فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، والتنوين للتهويل وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يتناسب مع عظيم جرمهم.\nوقد روي في أسباب نزول هذه الآية أنّ عمار بن ياسر وقوما كانوا أسلموا، ففتنهم المشركون، فثبت على الإسلام بعضهم، وافتتن بعضهم. وقد روي أنّ عمارا أخذه بنو المغيرة، فغطوه في بئر ميمون، وقالوا: اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك وهو كاره، فشكا إلى رسول الله ﷺ، فقال له: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنا","vol":"1","page":480},{"text":"بالإيمان، فقال النبي ﷺ: «فإن عادوا فعد» فنزلت هذه الآية «١» .\nوقد قالوا: إن هذا أصل في جواز إظهار الكفر في حال الإكراه وقالوا أيضا: إنّ الإكراه الذي يبيح ذلك هو أن يبلغ حدّا يخاف معه على نفسه أو بعض أعضائه التلف. إن لم يفعل ما أمر به، فأبيح له في هذه الحالة أن يظهر الكفر.\nوقد قالوا: يجب أن يجنح إلى التعريض فيما أمر به ما أمكنه، فإن ضيّق عليه حتى لم يكن للتعريض سبيل وسعه أن يفعل، فإن خطر بباله التعريض ولم يعرّض كان كافرا. وأما إن لم يخطر بباله شيء من ذلك بأن كان همه أن يخرج من الإكراه، وانحصر فكره في ذلك فلا شيء عليه.\nوحكم هذا الترخيص للإكراه كما يجري في الكفر يجري في غيره، غير أنه إذا أكره على قتل إنسان لا يجوز له أن يفعل، وهناك أمور يجب عليه فيها أن يفعل، فإن لم يفعل كان آثما- وهي مبيّنة في الفقه، وفي الأصول عند الكلام على أقسام الرخصة- والذي يعنينا هنا هو الإكراه على الكفر ما حكمه، فقد أمر النبي ﷺ عمارا أن يعود إلى مجاراتهم في القول إن عادوا إلى إكراهه، فما موجب الأمر؟\nقالوا: إنه للإباحة، والصارف له عن الوجوب ما روي عن خبيب بن عدي ﵁ لما أراد أهل مكة أن يقتلوه، لأنه لم يعطهم التقية، بل صبر حتى قتل، فكان عند النبي ﷺ خيرا من عمار في إعطائه التقية، أضعف إلى ذلك أنّ في الصبر على المكروه إعزازا للدين، وغيظا للمشركين، فهو بمنزلة من قاتل المشركين حتى قتل، فتأثير الإكراه في هذه الصورة إنما هو إسقاط المأثم فقط.\nوقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» «٢»\nفألحق المكره بالمخطئ والناسي.\nوقد وقع خلاف بين الفقهاء في طلاق المكره وعتاقه ونكاحه وأيمانه، فذهب الحنفية إلى أنّ الطلاق ونحوه يلزمه، لأن الطلاق يعتمد الاختيار، والإكراه ينفي الرضا، ويحقق الاختيار. وغيرهم يذهب إلى عدم لزومه، استدلالا بالحديث المتقدم والحنفية يحملونه على رفع الحكم الأخروي وهو المأثم، والكلام مستوفى في الفقه، فارجع إليه إن شئت.\nومسألة طلاق المكره مسألة خلافية من الصدر الأول، فقد روي القول بالوقوع عن علي وعمر وسعيد بن المسيب وشريح وإبراهيم النخعي والزهري وقتادة.\n_________\n(١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (١٤/ ١٢٢) .\n(٢) سبق تخريجه، بلفظ (إنّ الله تجاوز) بدل (رفع عن أمتي) .","vol":"1","page":481},{"text":"وروي القول بعدم الوقوع عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن وعطاء وعكرمة وغيرهم، وروي عن الشعبي تفصيل يرجع إلى من حصل منه الإكراه، إن كان السلطان لم يلزمه الطلاق، وإن كان غيره لزمه.\nقال الله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)\nيقول الله ادْعُ يا محمد الناس إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ أي إلى شريعة ربك، وهي الإسلام بِالْحِكْمَةِ أي بالقول المحكم وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ بالعبر التي تؤثّر بها في قلوبهم وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ خاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها، فاصفح عمّا نالوا به عرضك من الشتم والهجاء، ولن لهم في القول، وقابل السوء بالحسنى، وليكن قصدك من الخصومة الوصول إلى الحق، فلا تعمل ما يعمله السفهاء في جدالهم من رفع الصوت، وسب الخصم، والمغالبة باليد والسباب إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وبمن اهتدى إليه، فمجازيهم على ضلالهم واهتدائهم، فله الجزاء لا إليك، وإنما عليك الدعوة والبلاغ.\nوذهب ابن رشد والفخر الرازي وبعض فلاسفة المسلمين إلى أنّ المراد بالحكمة البرهان الذي يفيد يقينا لا يحتمل النقيض، وبالموعظة الحسنة الخطابة التي تفيد الظن الظاهر والإقناع، والمراد بقوله: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ استعمل معهم أحسن صناعة الجدل، فاستعمل معهم المقدمات المسلّمة عند الجمهور، أو عند المناظر، لتصل إلى الحق ولا تستعمل معهم المقدمات الباطلة، وتروجها عليهم بالسفاهة والشغب والحيل الباطلة.\nقالوا: وإنما احتيج لهذه الصناعات الثلاثة: البرهان، والخطابة، والجدل، لأن الناس متفاوتون في العقول والأفهام، فمنهم من بلغ رتبة الحكمة، فلا يقنعه إلا البرهان المفيد لليقين الذي لا يحتمل النقيض، لا حالا ولا مآلا.\nومنهم الطرف الآخر، المقابل للأول، وهم جمهور الناس، وهؤلاء لا يفيدهم إلا صناعة الخطابة. والبرهان مضرّ بهم، فلا يصلون إليه، وربما أفسد استعماله معهم عليهم أمرهم.\nالقسم الثالث بين بين، فقد ارتفع عن طبقة العامة، ولم يصل إلى طبقة الخاصة، وهؤلاء لا يصلحهم إلا الجدل الحسن، وفي هذا دليل على أن القرآن من عند الله، لأنّ هذه معارف لا يصل إليها إلا الحكماء الذين مارسوا الحكمة وانقطعوا لها! ومحمد ﷺ نشأ أميا، لم يمارس الحكمة، فظهور هذه الحكمة العالية على لسانه دليل على أنّه من عند من علّم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم.","vol":"1","page":482},{"text":"هذا تلخيص ما قالوه، والمعنى حسن في نفسه إلا أن حمل الكلام عليه بعيد، لأنّ الجدل في لسان العرب هو الخصومة، وتخصيصه بالقياس المؤلف من المسلمات اصطلاح منطقي حادث، ولا يسوغ حمل ألفاظ القرآن على الاصطلاحات الحادثة، ولا يصحّ فهمها إلا مراعى فيها معانيها التي وضعتها لها العرب، وما أرادوه يصحّ أن يكون داخلا في الحكمة، فإنّ المراد بها الطريق المحكم في الدعوة، ولا إحكام في الدعوة إلا إذا خوطب الناس بما يفقهون، فلا يخاطب العوام بالجدل والبرهان، ولا كل صنف من الناس إلا بما هو لائق به.\nومن ذلك يعلم أن القائم بالدعوة ينبغي أن يكون على حظّ عظيم من علم النفس وعلم الاجتماع وطبائع الأفراد والأمم، فإنّه ليس شيء أنجع في الدعوة من معرفة طبائع الناس وميولهم، وتغذية هذه الطبائع والميول بما يناسبها.\nومن الحمق أن يظنّ أن الناس متساوون في القدرة والأفهام فيما إذا خوطبوا على درجة واحدة من الخطاب، وكما أن الأمراض مختلفة، وأدويتها كذلك مختلفة، وليس دواء واحد نافعا لكل مرض ولكل مريض، كذلك أمراض النفوس، تحتاج إلى علاجات مختلفة، وتركيبات متباينة، وربّ دواء أفاد إنسانا، وأضر بآخر، وربما أفاده في وقت، وأضر به في آخر، ومدار الأمر على معرفة الداعي أنّ الغرض من القول الإفهام والتأثير، فيسلك لذلك سبله، وعلى أن يكون عنده عقل مفكر، ولسان مؤثر، سنذكر حديثا يدل على مقدار رفق النبي ﷺ في الدعوة، ومقدار نجاح هذا الرفق.\nروى أبو أمامة أنّ غلاما شابا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به، فقال النبي ﷺ: «قرّبوه إذن» فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي ﷺ: «أتحبه لأمك» قال: لا جعلني الله فداك، قال: «كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك» قال: لا جعلني الله فداك. قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم أتحبه لأختك» قال: لا جعلني الله فداك. قال: «وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم» فوضع رسول الله ﷺ يده على صدره وقال: «اللهم طهّر قلبه، واغفر ذنبه، وحصّن فرجه» فلم يكن شيء أبغض إليه منه «١» .\nوينبغي أيضا أن يكون الداعي شجاعا في الحق فلا يهن، صارما في الصدق، فلا يضعف، مخلصا فانيا في مبدئه فلا يبيعه بزخارف الدنيا وزينتها.\nوالمثل الأعلى في ذلك صاحب الدعوة الإسلامية فقد اعترضوا سبيل الدعوة.\nبكل أنواع الإيذاء، وفتنوا المؤمنين. فلم يثن ذلك رسول الله ﷺ عن عزمه، وصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٥٦) .","vol":"1","page":483},{"text":"ثم جاءت قريش إلى عمه أبي طالب، وعرضوا عليه أن يأخذ محمد ما شاء من مال ويترك ما يدعو إليه، فذكر أبو طالب للنبي ﷺ ذلك فبكى\nوقال: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه» «١» .\nقال الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) (١٢٦) واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون (١٢٧) عُوقِبْتُمْ بِهِ أصل العقاب المجازاة على الفعل، فالفعل ابتداء ليس عقابا، وإنما سمّاه الله هنا عقابا على طريق المشاكلة ضَيْقٍ تخفيف الضيق أي في أمر ضيق، ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين كالقيل والقول.\nلما أمره الله بدعوة الناس إلى الإسلام، وكان في ضمن الدعوة تسفيه آرائهم، وإبطال عقائدهم، وتضليل طرائقهم، وهذا مما يدعو إلى الحمية والاعتداء على الداعي بأنواع الاعتداء، وربما حمل ذلك الداعي على مقابلة الشر بأكثر منه، نهى الله هنا عن مقابلة الشر بأكثر منه، فقال: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، ثم دعا إلى الصبر، وعدم مقابلة الشر بمثله، وحبب فيه فقال: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ.\nوقد قيل في سبب نزول هذه الآيات:\nإنّ النبي ﷺ لما رأى حمزة وقد مثّل به المشركون، قال: «والله لأمثّلن بسبعين منهم مكانك» «٢» فنزل جبريل ﵇ بخواتيم سورة النحل، فكف رسول الله ﷺ عما أراد\n، وتكون سورة النحل مكية إلا هذه الآيات.\nوقيل إنّ هذا كان قبل الأمر بالجهاد العام، حين كان المسلمون لا يقاتلون إلا من قاتلهم، ولا يبدؤون بالقتال، فتكون كقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) .\nوحمل الآية على قصة حمزة غير ظاهر لأنّ ذلك يجعل الآيات مفككة لا ارتباط لها، فالظاهر ما حملنا الآية عليه، وقريب منه قول مجاهد وابن سيرين: إن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم، قال ابن سيرين: إن أخذ منك رجل شيئا فخذ منه مثله.\nوالضمير في قوله: لَهُوَ يرجع إلى المصدر في قوله: صَبَرْتُمْ والمصدر إما\n_________\n(١) السيرة النبوية لابن هشام بيروت، دار الفكر (١/ ١٧٦- ١٧٧) .\n(٢) انظر السيرة النبوية لابن هشام بيروت، دار الفكر (٢/ ٦١٠) .","vol":"1","page":484},{"text":"أن يراد به الجنس أي وللصبر خير للصابرين، وأنتم منهم إذا صبرتم. وإما أن يراد به صبركم، أي لصبركم خير لكم، فوضع الصابرين موضع لكم ثناء عليهم.\nوَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أمر الله بالصبر أمرا صريحا بعد أن ذكر حسن عاقبته، ولما كان الصبر شاقا ذكر ما يعين عليه فقال: وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ فالجأ إليه في طلب الصبر، والتثبيت في الأمر وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ يدعوه إلى عدم الجزع والهلع بترك الحزن، والحزن سببه إما فوات محبوب أو توقع مكروه، فبيّن الله ما يستعين به على الصبر، وهو ترك الحزن، فقال: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على إخوانك المسلمين الذين قتلوا، وهم قتلى أحد، ولا تك في ضيق مما يمكرون، أي ولا يضق صدرك من مكرهم، فإنّ الله ينجيك من مكرهم، لأنّه مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا بالنصر والمعونة، أي هو ولي الذين اجتنبوا المعاصي وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ في أعمالهم، ومن التقوى والإحسان الصبر.\nوقيل: إن الضمير في قوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ يرجع إلى الكافرين، فيكون كقوله: وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [المائدة: ٦٨] روي عن هرم بن حبان أنه قيل له حين احتضر: أوص، فقال: إنما الوصية من المال، ولا مال لي وأوصيكم بخواتيم سورة النحل.","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>من سورة الإسراء</span>\nقال الله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩)\nأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ أصل الدلوك: الميل والزوال، وهذا المعنى يصح أن يراد منه ميل الشمس عن كبد السماء، وزوالها عنه وقت الظهيرة، ويصح أن يراد منه ميلها وزوالها عن الأفق في وقت الغروب، ولعلّ هذا هو منشأ اختلاف العلماء في تعيين الوقت المأمور فيه بإقامة الصلاة لدلوك الشمس.\nفقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، ومنهم ابن عباس وابن مسعود إلى أنّ المراد من دلوك الشمس غروبها.\nبل لقد روى ابن جرير «١» عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقسم على ذلك. فقد أخرج أن أبا عبيدة بن عبد الله كتب إلى عقبة بن عبد الغافر أن عبد الله بن مسعود كان إذا غربت الشمس صلّى المغرب، ويفطر إن كان صائما، ويقسم عليها يمينا ما يقسمه على شيء من الصلوات، بالله الذي لا إله إلا هو إنّ الساعة لميقات هذه الصلاة، ويقرأ فيها تفسيرها من كتاب الله أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ.\nوأخرج أيضا «٢» عن مجاهد عن ابن عباس قال: دلوك الشمس غروبها.\nوذهب آخرون إلى أن دلوكها ميلها إلى الزوال، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر والحسن، وعليه الجمهور، قالوا: والصلاة التي أمر بها ابتداء من هذا الوقت هي صلاة الظهر، وقد أيّدوا هذا القول بوجوه:\nمنها ما\nروي عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (١٠/ ٩١) .\n(٢) المرجع نفسه (١٠/ ٩١) . [.....]","vol":"1","page":486},{"text":"خرجوا حين زالت الشمس، فقال ﷺ: «هذا حين دلكت الشمس» .\nوهذا الحديث إن صحّ كان هو العمدة في الباب وابن جرير «١» وإن كان من أنصار هذا الرأي ينصّ على أنّ الخبر ونحوه في إسناده شيء، وإن كان لم يعينه.\nومن الوجوه أيضا النقل عن أهل اللغة، فقد قالوا: إنّ الدلوك في كلام العرب الزوال، ولذا قيل الشمس إذا زالت دالكة. قال ابن جرير «٢»: وهذا تفسير أهل الغريب أبي عبيدة والأصمعي وأبي عمرو والشيباني وغيرهم، وقالوا أيضا:\nإنّ أصل الدلوك مأخوذ من دلك العين حين تنظر ما لا تقوى على النظر إليه، وهذا إنما يكون عند الزوال لقوة الشمس فيه، حتى إنّ الناظر لا يستطيع أن ينظر، حتى يضع كفه على حاجبه، يمنع عن عينه شعاع الشمس.\nعلى أنّ الدلوك لو كان اسما لمطلق الميل لكان حمله على ميلها إلى الزوال في وقت الظهر أولى، وذلك لأنّ الآية تكون قد دلّت على الأمر بإقامة الصلاة ابتداء من الظهر إلى دخول الظلمة، أو إلى نصف الليل، فتكون قد انتظمت أربع صلوات.\nوَقُرْآنَ الْفَجْرِ دلت على الصلاة الخامسة، ولو حملنا الدلوك على الغروب تكون الآية قد دلّت على صلاتي المغرب والعشاء: إن لم نقل إنها تدل على صلاة واحدة هي صلاة المغرب.\nوقد قالوا: كلما كان المدلول عليه كثيرا كان الحمل عليه أولى، فيكون حمل الدلوك على ميل الشمس إلى الزوال في الظهيرة أولى من حمله على الزوال للغروب.\nواللام في قوله: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ لام الوقت والأجل، لأنّ الوقت سبب الوجوب.\nإِلى غَسَقِ اللَّيْلِ قيل: غسق الليل سواده وظلمته، وقال بعضهم: غسق الليل دخول أوله. وأصله من غسقت العين إذا هملت بالدمع، والغاسق السائل، فمعنى غسق الليل انصب بظلامه، وذلك أن الظلمة كأنها تنصب على العالم.\nفمعنى الآية والله أعلم: أدم إقامة الصلاة من الظهيرة إلى وقت هجوم الظلمة، أو إلى غيبوبة الشفق، أو إلى منتصف الليل على ما قيل في تفسير الغسق. وعلى هذا تكون هذه الآية والتي بعدها على ما يجيء قد دلتا على الأمر\n_________\n(١) المرجع نفسه (١٠/ ٩٢) .\n(٢) المرجع نفسه (١٠/ ٩٢) .","vol":"1","page":487},{"text":"بالصلاة من الظهيرة إلى العشاء، وذلك أربع صلوات على حسب البيان الذي وردت به السنة العملية، وعلى الأمر بالصلاة في الفجر، وتلك هي الصلاة الخامسة.\nولقد أراد بعضهم أن يفهم من الأمر بإقامة الصلاة من دلوك الشمس إلى غسق الليل أنّ الله قد بين في الآيتين ثلاثة أوقات: وقت الدلوك، ووقت الغسق، ووقت الفجر، ووقت الدلوك فيه صلاتان، وهما: الظهر والعصر، ووقت الغسق فيه صلاتان: المغرب والعشاء، فدلّ ذلك على جواز الجمع بين الظهر والعصر، لأنّ وقتهما الدلوك، وجمع المغرب إلى العشاء، لأنّهما في الغسق، وهو استدلال عجيب، إذ إنّ كل ما في الآية أنّها أمرت بإقامة الصلاة من دلوك الشمس إلى الغسق، فهل هذا أمر يشغل كل هذا الوقت بالصلاة، أو أمر بفعل الصلاة في بعض أجزائه، وما مقدار هذا البعض؟ كل هذا خارج عن مدلول الآية، وقد بينته السنة، فإن كانت قد ورد فيها جمع الصلاتين، أو الصلوات من غير عذر، فبيانها هو الدليل، وإن كان قد ورد فيها أن الجمع بين الصلاتين لا يجوز إلا بشروط، وفي أوقات دون أخرى، كان ذلك هو الدليل على أن الجمع إنما يجوز بهذه الشروط.\nوحيث إنه قد انجر الكلام إلى الجمع فنقول: قد روي عن ابن مسعود وابن عباس جواز جمع الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء مطلقا ولو من غير عذر، والجمهور على خلاف مذهبهما.\nفالشافعية: يجيزون جمع التقديم والتأخير بشروط تعلم من كتبهم، والحنفية يقولون: لا جمع إلا في الظهر والعصر جمع تقديم يوم عرفة، والمغرب والعشاء جمع تأخير في مزدلفة، ويعرف ذلك من كتبهم أيضا.\nوَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا وَقُرْآنَ معطوف على الصلاة، أي وأقم قرآن الفجر، وقد قال أبو بكر الرازي «١»: إنّ ذلك يدلّ على وجوب القراءة في الصلاة، ووجه الدلالة أن الآية تدلّ على الأمر بقرآن الفجر، ولا نعلم قراءة واجبة في الفجر إلا أن تكون القراءة في صلاة الفجر، وقد حمل بعضهم القرآن في قوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ على الصلاة في الفجر. قال أبو بكر الرازي: وهو عدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل، وذلك غريب من أبي بكر، فإنّ الدليل هو ما قاله: من أنا لا نعلم قرآنا واجبا في ذلك\n_________\n(١) أحكام القرآن للإمام الرازي (٣/ ٢٠٦) .","vol":"1","page":488},{"text":"الوقت، وإن كان له أن يقول: إن الفجر فيه قرآن واجب، وهو قرآن الفجر، ولكن هذا إن أثبت له ما أراد فهو يثبت وجوب القراءة في الفجر، فمن أين وجبت في كل الصلوات، سيقول من دليل آخر، فنقول: ذلك هو الدليل على وجوب القراءة.\nعلى أنا لا نرى أنّ حمل القرآن في قوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ على الصلاة يؤدي إلى الغرض الذي أراده الجصاص من هذا، وهو أخذ وجوب القراءة في الصلاة، فإنّ تسمية صلاة الفجر بالقرآن إنما كانت لأن القراءة جزء مهمّ فيها، كما سميت الصلاة بالركوع والسجود.\nوقد أراد الفخر الرازي أن يأخذ من قوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ دليلا على مذهب الشافعية، في استحباب التغليس بالفجر، ويقول في وجه الدلالة: إنّه أمر بإقامة الصلاة في الفجر، والفجر إنما سمي فجرا، لأنّ نور الصبح يفجر ظلمة الليل، قال وظاهر الأمر للوجوب، فمقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة الصلاة في أول وقت الفجر، إلا أنا أجمعنا على أنّ الوجوب غير حاصل، فيبقى الأمر للندب.\nوأنت تعلم أنّ أمر تحديد الصلوات قد ثبت بالسنة في حديث جبريل، الذي بيّن فيه أول الوقت وآخره، فدلّ ذلك على الجواز في كل الوقت، فأفضلية التقديم على التأخير والعكس تحتاج إلى دليل مستقل، ك:\n«أبردوا بالظهر» «١»\n، «ولا تزال أمتي بخير: ما عجّلوا المغرب وأخّروا العشاء» «٢»\n، فالتغليس بالفجر والتنوير والإسفار به يحتاج إلى دليل مستقل، فالحكم هو ما يدلّ عليه ذلك الدليل.\nوقد أخذ الفخر الرازي من تسمية صلاة الفجر بالقرآن الحثّ على تطويل القراءة في الصلاة، وهو وجيه.\nإِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا قالوا: إن معنى ذلك أنّ ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام.\nقال الفخر- بعد سوق هذا الكلام- ويحتمل أن يكون المراد من قوله: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا الترغيب في أن تؤدى هذه الصلاة بجماعة، ويكون المعنى:\nكونها مشهودة بالجماعة الكثيرة، وهو حسن أيضا.\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩) .\nوَمِنَ اللَّيْلِ الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره، قم، و(من) للتبعيض، والمعنى: قم بعض الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ الهجود: النوم، ولكنه أريد منه هنا\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (١/ ١٥٤)، ٩- كتاب مواقيت الصلاة، ٩- باب الإبراد حديث رقم (٥٣٨) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (١/ ١٧٢)، كتاب الصلاة، باب وقت المغرب حديث رقم (٤١٨) .","vol":"1","page":489},{"text":"التيقظ، فقال بعضهم: هو من أسماء الأضداد، حتى قال أبو عبيدة: الهاجد النائم، والهاجد المصلي بليل.\nوذهب بعضهم إلى أن إطلاق المتهجد على المصلي بليل إطلاق شرعي، كأنه إنما سمّي بذلك لأنه ألقى الهجود، وهو: النوم عن نفسه، كما قيل للعابد: متحنث، لأنّه ألقى الحنث عن نفسه، ومتحرّج ومتأثمّ ومتحوّب لمن ألقى الحرج والإثم والحوب عن نفسه.\nويرى بعضهم أن التهجد أخصّ من الصلاة بالليل، فلا يقال لكل من صلّى بالليل: متهجد، وإنما يقال لمن نام، ثم قام فصلّى، ثم رقد، فقام فصلّى، وهو مروي عن الحجاج بن عمر المازني قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلّى حتى يصبح أنه قد تهجد، إنما التهجد الصلاة بعد الرّقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ، وحينئذ فلا يكون إطلاق التهجد على المصلي على هذا النحو مجازيا، لأنّ الهاجد هو النائم، والمتهجد طالب النوم، لأنّه كلما صلّى كان طالبا للنوم بعد الصلاة، فيكون التهجد في هذا المعنى حقيقيا بِهِ بالقرآن نافِلَةً لَكَ النفل الزيادة، وقد اختلف العلماء في معنى كون التهجد زيادة خاصة بالنبي ﷺ لأن صلاة الليل ما تزال لكلّ من صلّى بليل، فذهب ابن جرير «١» في جماعة من السلف إلى أنّ معنى زيادتها له، خاصة أنها فريضة عليه، زيدت على المكتوبات الخمس بالنسبة له خاصّة.\nوذهب جماعة إلى أنّ معنى كونها نافلة له، أنّ النوافل إنما يحتاج إليها لتكون كفارة لذنوب من يفعلها، والنبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه، فهي زائدة له، لأنّ غيره نافلته تكفّر ذنبه، وأما نافلة النبي ﷺ فلا تلاقي ما تكفره، فمن هذا كانت زائدة، وهو مروي عن مجاهد وآخرين.\nولم يرتض هذا القول ابن جرير، وقال: نزلت سورة النصر قبل قبض الرسول ﷺ وفيها أمره بالاستغفار وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا [النصر: ٣] .\nوقد روي عنه ﷺ أنه كان يزيد في الاستغفار في اليوم على مئة مرة «٢»\n، وكلما اشتد قرب العبد من ربه كلما زاد خوفه منه، وإن كان السيد قد أمنه، وذلك مقام يعرفه أهله.\nعَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا كلمة (عسى) في كلام العرب تفيد التوقع، وهي هنا للوجوب، قالوا: إنما كانت للوجوب لأنّها تفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانا\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (١٥/ ٩٦) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ٢٠٧٥) ٤٨- كتاب الذكر حديث رقم (٤/ ٢٧٠٢) .","vol":"1","page":490},{"text":"في شيء، ثم حرمه منه كان غارّا، وهذا المعنى مستحيل على الله تعالى، وقد أفاض ابن جرير «١» في بيان هذا المعنى.\nوالمقام المحمود: قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة العظمى في إسقاط العقاب.\nوقد اختلف العلماء بعد هذا اختلافا يقصد منه إلى الكيفيات والتفاصيل، والمدار فيها على الأخبار الواردة، فما ورد منها من طريق صحيح كان المعوّل عليه في بيان كيفية الشفاعة والمقام المحمود، وكل ما تدلّ عليه الآية أن النبيّ عليه أفضل الصلاة والسلام سيبعثه الله مبعثا يحمده الناس عليه حمدا بالغا، وذلك لأنه منقذهم من هول العذاب.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (١٥/ ٩٧) .","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>من سورة الحج</span>\nقال الله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)\nينبغي قبل تفسير هذه الآيات أن نبيّن حكمة الحجّ، وتاريخ مشروعيته فنقول:\nأ- حكمة الحج: لعلّك تكون في حاجة إلى إطالة القول في بيان الحكمة في شرح الحج، والسرّ الذي من أجله كتب الله هذه الفريضة على المسلمين، بعد ما عملته في دراساتك السابقة في هذا الشأن، وإذا فيكون تعرّضنا هنا لشيء من هذا البيان إنما نقصد به التذكير على وجه الإجمال، بما سبق لك من التفصيل.\nشرع الله الحج إلى بيته الكريم لمنافع عظيمة تعود على المسلمين في دينهم ودنياهم:\n١- فمناسك الحج من أعظم مظاهر الخشية والإخلاص لله في الذكر والدعاء والعبادة.\n٢- وهي كذلك دلائل على التجرّد من زينة الدنيا، وبواعث على عدم التعلق بشهواتها وزخرفها.\n٣- وهي بواعث على الرحمة والإحسان، والعدل والمساواة، إذ يكون الناس هناك في مستوى واحد، لا فرق بين أمير ومأمور، ولا بين غني وفقير.\n٤- هذا إلى ما يعود على سكان مكة، وجزيرة العرب، والناس جميعا من المنافع المعيشية والتجارية، وما يتهيأ لهم هناك من الاجتماع والتعارف، والاتفاق على ما ينهض بالمسلمين في جميع بقاع الأرض.\nب- تاريخ مشروعية الحج: أما تاريخ مشروعيته فأنت تعلم أنّه كان مفروضا في زمن سيدنا إبراهيم ﵊، والآيات التي معنا من أقوى الدلائل على ذلك.","vol":"1","page":492},{"text":"فإذا قلنا: إن فرضيته باقية لم تنسخ في عهد نبي بعده كانت الأوامر الواردة به في شريعتنا تأكيدا لهذه الفرضية، وإذا علمت أن نبينا محمدا ﷺ قد حجّ حجتين قبل الهجرة، وحج بعد الهجرة حجة الوداع في السنة العاشرة، علمت أنّ أولى هذه الحجات وقعت عن فريضة الإسلام.\nوإن قلنا: إن فرضيته قد نسخت بعد سيدنا إبراهيم، كان وجوبه علينا ثابتا بقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧] إذ هي الآية الصريحة في هذا الوجوب.\nوأما قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦] عام الوفود على الراجح، وهذا العام هو الذي قدم فيه وفد نجران على رسول الله ﷺ، وصالحهم فيه على الجزية، ومعلوم أنّ مبدأ مشروعية الجزية كان عام غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، وعلى هذا يكون مبدأ فرضية الحج في السنة التاسعة، وتكون الحجتان اللتان فعلهما النبي ﷺ قبل ذلك نافلتين، تطوّع بهما على دين سيدنا إبراهيم ﵊.\nولقائل أن يقول: فلماذا لم يبادر النبيّ ﷺ بأداء الحج في تلك السنة، وهو أفضل الخلق، وأسبقهم إلى الخيرات، وأسرعهم إلى تأدية فرائض الله، وكيف يرسل أبا بكر ليحج بالناس، ويؤخر هو حجته إلى السنة التي بعدها؟\nوالجواب على ذلك أنه رؤي أن الوقت الذي خرج فيه أبو بكر ليحج بالناس كان زمن النسيء، ولم يكن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض حتى تعود عشر ذي الحجة إلى مركزها الحقيقي من السنة، وكان النبي ﷺ يعلم أنها ستعود إلى مركزها الحقيقي، وينضبط نظام السنين القمرية في السنة العاشرة فتأخر النبيّ ﷺ إلى السنة العاشرة كان لحكمة عظيمة، كي يقع حجّة الذي سيكون منهاجا للناس جميعا في الوقت الحقيقي الذي فرض الله على الناس أن يقوموا فيه بتلك الشعيرة، وليس على أبي بكر ولا على غيره ممن كانوا معه من حرج في حجهم في ذلك الوقت ما دام أمر الزمان لم يتقرر بعد.\nونعود إلى التفسير:\nوَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ الأذان والتأذين الإعلام برفع الصوت على نحو ما يكون للصلاة. والمراد هنا النداء في الناس بأنّ الله قد كتب عليهم الحجّ، ودعاهم إلى أدائه.\nرِجالًا جمع راجل، كقيام جمع قائم، أي ماشين.\nوَعَلى كُلِّ ضامِرٍ الضامر النحيف الهزيل، والمراد به هنا الهزيل من مشقة السفر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يأتين صفة لضامر، لأنه لما دخلت عليه أداة العموم صيّرته بمعنى ضوامر. والمعنى: وعلى ضوامر يأتين.","vol":"1","page":493},{"text":"والفج أصله الطريق بين الجبلين، ثم استعمل في الطريق الواسع مطلقا. وتوسّع فيه حتى صار يستعمل في طريق.\nوالعميق أصله البعيد أسفل، أي بعيد القاع، فاستعمل في البعيد مطلقا، لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ المراد بالمنافع ما يصيبون من خير الدنيا والآخرة:\nفخير الدنيا ما يصيبون من لحوم الذبائح، وأنواع التجارات، وما تكون في ذلك الاجتماع العظيم من التعارف، وأما خير الآخرة فهو ما يؤدون من تلك الشعائر التي هي سبب رضوان الله عليهم، وشهودها حضورها ونيلها.\nفِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ قيل: هي عشر ذي الحجة. وقيل: هي العاشر واليومان بعده، وقيل: والثلاثة بعده.\nوَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ قيل: المراد بذكر اسم الله حمده وشكره والثناء عليه، و(على) حينئذ للتعليل.\nواختار الزمخشري «١» أنّ ذكر اسم الله على البهيمة كناية عن ذبحها، و(على) حينئذ للاستعلاء، والبهيمة في الأصل اسم لكل ما له أربع قوائم، والمراد بها هنا ما يكون من الإبل والبقر والغنم.\nالْبائِسَ الْفَقِيرَ البائس من أصابه بؤس وشدة. والفقير المحتاج، سواء أكان له بلغة من العيش أم لا.\nثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ التفث القذر والوسخ، وقضاؤه إنهاؤه وإزالته، والمراد ما ينشأ عنه التفث من طول الشعر والأظفار.\nوَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ النذر: ما التزمه الإنسان من أعمال البر.\nوَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ العتيق الكريم، ومنه عتاق الإبل والخيل كرائمها، أو هو القديم، لأنّه أول بيت وضع للناس، أو هو العتيق بمعنى المعتق المتحرر من تسلط الجبارين واستيلائهم، فلا يريده أحد بعدوان إلا رده الله عنه، وجعل عاقبة بيته السلامة والحفظ.\nالمعنى: يأمر الله تعالى نبيه إبراهيم ﵊ بعد ما فرغ من بناء البيت بأن ينادي في الناس، ليعلمهم أنّ الله قد كتب عليهم الحج إلى هذا البيت العتيق، ليدركوا فيه منافع وخيرات كثيرة، تعود عليهم في دينهم ودنياهم، ويؤدّوا شعائر الله، ويذكروا اسمه الكريم على الذبائح التي يذبحونها شكرا لله على توفيقه إياهم وإرشادهم إلى ما يصلحهم، وأنه لا حرج على أصحاب تلك الذبائح أن يأكلوا\n_________\n(١) في تفسيره: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (٣/ ١٥٣) .","vol":"1","page":494},{"text":"منها، بل ينبغي لهم أن يواسوا الفقراء والبائسين، وأن يشاركوهم في الأكل منها، ولا يترفّعوا عليهم، وأنه يجب عليهم أن يتحلّلوا من قيود الإحرام متى فرغوا من المناسك الواقعة قبل الطواف، وأنه يجب عليهم أيضا أن يوفوا بما التزموه بالنذر من ذبح وغيره. وأن يطوفوا بالبيت طواف الإفاضة، أو طواف الوداع على ما قيل.\nقد يقال: إنه لم يكن حول الكعبة حينذاك أحد يسمع نداء سيدنا إبراهيم، فكيف يؤمر بهذا النداء الذي يذهب في الفضاء؟\nوالجواب أن الله ﷾ قد أيدّ رسله بالمعجزات الخارجة عن مجرى العادات، فهو سبحانه قادر على أن يوصل صوت إبراهيم إلى من يشاء في تلك النواحي البعيدة، والأصقاع المترامية.\nوقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس «١» قال: لما فرغ إبراهيم ﵊ من بناء البيت قال:\nربّ قد فرغت، فقال: أذّن في الناس بالحج. قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال تعالى: أذّن وعليّ البلاغ. قال: رب كيف أقول، قال: قل يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه أهل السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيبون من أقصى البلاد، يلبون.\nعلى أنا نشاهد اليوم آلات الإذاعة تنشر الأصوات في جميع بقاع الأرض، فلا تحجزها جبال، ولا تضعفها بحار ولا قفار، فمن يشاهد هذه الحقائق التي يستطيعها كل من يزاول علومها، لا يمكنه أن يكابر في معجزات الأنبياء.\nهذا، وقيل إنّ المخاطب بالتأذين والدعوة إلى الحج هو نبينا محمد ﷺ، وأنه أمر بذلك حينما عزم على الحج في السنة العاشرة من الهجرة، وأن نظم الآية مع التي قبلها لا يأباه، إذ المخاطب في قوله تعالى قبل هذه الآية: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ هو النبي ﷺ، ويكون المعنى حينئذ: واذكر يا محمد إذ بوأنا لإبراهيم، وأذن في الناس بالحج، ولكنك ترى أنّ في الآية الأولى أوامر ونواهي كلها متوجهة إلى إبراهيم ﵊، فالظاهر أنّ الأمر بالتأذين أيضا لإبراهيم، إذ الغرض من تطهير البيت إعداده للطائفين والقائمين والركع السجود، فيكون دعاؤه الناس بعد ذلك للحج متناسبا غاية التناسب مع إعداد البيت وتطهيره.\nوبعض العلماء ردّ احتمال توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ بأن سورة الحج مكية، فنزولها قبل حجة الوداع بالضرورة، فلا يستقيم أن يكون المأمور بالدعاء هو النبي ﷺ.\n_________\n(١) انظر ما رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٤/ ٣٥٥) .","vol":"1","page":495},{"text":"ولكن هذا الردّ ينهار متى علمت أنّ الراجح هو أن سورة الحج مدنية، ما عدا آية وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى وثلاث آيات بعدها، كما هو مروي عن قتادة، وفي رواية، عن ابن عباس أنّ السورة كلها مدنية، وهو قول الضحاك أيضا.\nما في الآيات من الأسرار:\nإذا كان الغرض من دعاء الناس للحج أن يأتوا إلى البيت الحرام، فالسرّ في العدول عن ذلك إلى التعبير بالإتيان إلى إبراهيم ﵊ أنه هو الداعي، والقدوة لهم فيما يكون بعد.\nوقوله تعالى: وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ كلمة (كل) فيه للتكثير لا للإحاطة، على حد قوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ٢٣] والسر في ذلك إفادة أن الركبان الآتين من الأماكن البعيدة يكونون كثيرين جدا، حتى كأنّهم يمتطون جميع الضوامر.\nلِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ نكّرت المنافع لإفادة عظمتها وكثرتها، أو التنكير فيها للتنويع.\nوَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ اختير هذا الأسلوب مع أنّ الذبح هو المعدود من مناسك الحج، كالذبح للمتعة والقرآن، ليفيد أن ذكر الله وحده خالصا من شوائب الشرك هو المقصود الأعظم، وتوسيط الرزق لبعثهم على الشكر والتقرب بتلك القربة، والتهوين عليهم في الإنفاق، وفي قوله تعالى: فَكُلُوا إلخ التفات إليهم بالخطاب، ليؤكّد لهم إباحة الأكل من تلك الذبائح، فلا يتحرّجوا من ذلك، وليبعثهم على مشاركة البائسين والفقراء ومواساتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>ما في الآيات من الأحكام</span>\n: ١- قوله تعالى: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ فيه دليل على جواز كلّ من المشي والركوب في الحج.\n٢- استدل بعض المالكية على أنّ المشي في الحج أفضل من الركوب، بتقديمه عليه في الآية. وإلى هذا ذهب ابن عباس، فقد أخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، والبيهقي، وجماعة عنه أنه قال: ما آسى على شيء فاتني إلا أني لم أحج ماشيا حتى أدركني الكبر: أسمع الله تعالى يقول: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ فبدأ بالرجال قبل الركبان.\nولكنّك ترى أنّ مجرد التقديم لا يدل على الأفضلية، لجواز أن يكون تقديم الرجال على الركبان للإشارة إلى مسارعة الناس في الامتثال، حتى إن الماشي ليكاد يسبق الراكب، فإذا كان المشي أفضل، فإنما هو لأدلة أخرى. من ذلك ما\nأخرجه ابن سعد وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن","vol":"1","page":496},{"text":"للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللماشي بكل قدم سبعمائة حسنة من حسنات الحرم» قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم. قال: «الحسنة مئة ألف حسنة» «١» .\n٣- وفي قوله جل ذكره: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ دلالة على جواز التجارة في الحج، روي عن مجاهد أنه قال: المنافع التجارة، وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة. وروي مثل ذلك عن ابن عباس، وقد نص الفقهاء على أنّ التجارة جائزة للحاج من غير كراهة، إذا لم تكن هي المقصودة من السفر.\n٤- استدلّ المالكية بقوله تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ على أنّ ذبح الهدي لا يجوز ليلا، لأنّ الله جعل ظرف النحر هو الأيام لا الليالي، وأنت تعلم أنّ اليوم كما يطلق على النهار يطلق على مجموع النهار والليل، وغير المالكية يرى كراهة الذبح ليلا، لاحتمال الخطأ فيه بسبب الظلمة.\nوقد اختلف العلماء في المراد بالأيام المعلومات، فذهب الإمام مالك وأبو يوسف ومحمد إلى أنها أيام النحر، وهي العاشر من ذي الحجة، واليومان بعده، وهو مروي عن علي وابن عمر.\nوقال الإمامان أبو حنيفة والشافعي: الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، وهي معلومات لأنّ شأن المسلمين أن يحرصوا على معرفتها، ويتحرّوا هلال ذي الحجة لما يقع في ذلك من المناسك العظيمة، ولعلهم يقولون: إنّ المراد بالذكر ما يشمل التسمية على الذبائح وغيرها من الحمد والشكر والتكبير، وعلى هذا ينبغي أن تكون (على) في قوله جلّ شأنه عَلى ما رَزَقَهُمْ للتعليل كما في قوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ [البقرة: ١٨٥] .\nثم اختلف في أيام النحر، فالحنفية والإمام مالك قالوا:\nإنها ثلاثة أيام: العاشر وما بعده، وهو مروي عن جمع من الصحابة، منهم: عمر وعلي\n، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وكثير من التابعين.\nوقال الشافعي: إنها أربعة العاشر وما بعده. وقيل: إلى هلال المحرم، ولعل المذهب الأول أرجح، لأنّ بقية الأقوال لم ينقل ما يؤيّدها عمن يسامي أولئك الصحابة والتابعين.\nوقد احتج لمذهب الشافعي بما\nروى البيهقي عن جبير بن مطعم أنّ النبي ﷺ قال في حديث: «وكلّ أيام التشريق ذبح»\nولا شك أنّ أيام التشريق ثلاثة بعد يوم\n_________\n(١) انظر ما رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٤/ ٣٥٥) .","vol":"1","page":497},{"text":"النحر، ولكنّ هذا الحديث ضعيف قال فيه الإمام أحمد: لم يسمعه ابن أبي حسين من جبير بن مطعم، وأكثر روايته عن سهو.\nوقال البيهقي إنه من رواية سليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام، عن جبير، ولم يدركه، ورواه من طرق ضعيفة متصلا.\n٥- ظاهر قوله تعالى: فَكُلُوا مِنْها وجوب الأكل من الهدايا، لكنّ هذا الظاهر غير مراد، فإنّ السلف متفقون على أنه لا يجب الأكل من شيء من الهدايا، إذ غاية ما أفاده هذا الأمر أنه رفع ما كان عليه أهل الجاهلية من التحرج عن الأكل من الهدايا، فأباح الأكل منها، أو ندب إليه، لقصد مواساة الفقراء، ومواساتهم في الأكل. فالأمر إما للإباحة أو للندب.\nثم إنّ جواز الأكل من الهدايا ليس عاما في كل هدي، فإنّ دم الجزاء لا يجوز الأكل منه اتفاقا، ودم التطوع يجوز الأكل منه اتفاقا أيضا. أما دم القران والتمتع فقال الشافعية: إنه دم جبر، فلا يجوز الأكل منه، والحنفية يقولون: إنه دم شكر، فأباحوا الأكل منه، والظاهر يشهد لهم، فإنّ الآية فيها ترتيب قضاء التفث على الذبح والطواف، ولا دم تترتب عليه هذه الأفعال إلا دم المتعة والقرآن فإن سائر الدماء يجوز ذبحها قبل هذه الأفعال وبعدها، فثبت أنّ المراد في الآية دم المتعة والقران. هذا\nوقد ثبت أنّ النبي ﷺ أكل من البدن التي ساقها في حجة الوداع، وقد كان قارنا على ما هو الراجح.\nونصّ الفقهاء على أنه يلحق بالأكل الانتفاع بجلودها وأصوافها، كما أنّه يجوز إطعام الأغنياء منها، فإنّ الآية أباحت لصاحب الذبيحة أن يأكل منها، ولو كان غنيا، ومتى جاز له أن يأكل وهو غني جاز أن يؤكل غنيا.\n٦- ظاهر قوله تعالى: وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ وجوب إطعام الفقراء من الهدايا، وبهذا الظاهر أخذ الشافعيّ، فأوجبوا إطعام الفقراء منها. وقال أبو حنيفة: إنه مندوب، لأنها دماء نسك، فتتحقق القربة فيها بإراقة الدم، أما إطعام الفقراء فهو باق على حكمه العام.\n٧- في الاقتصار على الأكل والإطعام دلالة على أنّه لا يجوز بيع شيء من الهدايا، ويشهد لذلك ما\nروى البخاري ومسلم عن علي ﵁ قال: أمرني النبي ﷺ أن أقوم على بدنه فقال اقسم جلودها وجلالها، ولا تعط الجازر منها شيئا «١» .\n_________\n(١) ما رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٩٥٤)، ١٥- كتاب الحج، ٦١- باب الصدقة حديث رقم (٣٤٨/ ١٣١٧)، والبخاري في الصحيح (٢/ ٢٢٦)، ٢٥- كتاب الحج، ١٢٠- باب لا يعطي الجزار من الهدي حديث رقم (١٧١٦) .","vol":"1","page":498},{"text":"فإذا لم يجز إعطاء الجازر أجرته منها فأولى إلا يجوز بيع شيء منها.\n٨- في قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ دلالة على وجوب التحلل الأصغر، وذلك بالحلق أو التقصير.\n٩- وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ فيه دلالة على وجوب الوفاء بالنذر، وأداء ما التزمه الإنسان من أعمال البر، سواء أكان من جنسه واجب أم لا.\n١٠- وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فيه دلالة على لزوم هذا الطواف، والمراد به طواف الإفاضة، كما هو مروي عن ابن عباس وجماعة من التابعين، وبهذا قال فقهاء الأمصار.\nوقيل: الطواف في الآية هو طواف الصدر. وهو بعيد، لأنّ الطواف الذي يلي قضاء التفث إنما هو طواف الإفاضة الذي اتّفق على أنّه ركن، فمن البعيد جدا أن تتعرض الآية لطواف الوداع الذي اختلف في عدّه من المناسك، وتترك ما هو أهم منه وأعظم.\nهذا والحكم بأنّ وقت هذا الطواف أيام النحر كلها أو اليوم الأول فقط لا يؤخذ من هذه الآية، كما أنه لا يؤخذ منها اشتراط الطهارة وستر العورة فيه، لأنّ اسم الطواف يقع على الدوران حول الكعبة، فعلى أي حالة حصل هذا الدوران فقد حصل مسمى الطواف، ومن اشترط شيئا وراء ذلك فإنما طريقه السنة وعمل النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.\nقال الله تعالى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) اسم الإشارة في مثل هذا الموطن يؤتى به للفصل بين كلامين، كما في قول زهير وقد تقدم له وصف هرم بالشجاعة والكرم:\nهذا وليس كمن يعيا بخطبته ... وسط الندى إذا ما ناطق نطقا\nوكما في قوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) [ص: ٥٥] ويقدر له ما يتم به الكلام، أي الأمر ذلك، أو امتثلوا ذلك.\nوَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ الحرمات جمع حرمة، قيل: هي بمعنى ما حرّمه الله من كلّ منهي عنه، أو من المنهيات في باب الحج فقط، كما روي عن ابن عباس أنّها فسوق، وجدال، وجماع، وصيد. وتعظيمها يكون باجتنابها.\nوقيل: الحرمات الأشياء التي جعل الله لها احتراما في الحج وغيره، وهي جميع التكاليف وقيل: وهي مناسك الحج خاصّة.","vol":"1","page":499},{"text":"وقيل: إنها حرمات خمس: المشعر الحرام، والمسجد الحرام، والبيت الحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحل، وتعظيم هذه الأشياء ظاهر.\nفَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ الضمير الأول راجع إلى التعظيم المأخوذ من يُعَظِّمْ أي أن تعظيم هذه الأشياء ينال به الإنسان مثوبة قد ضمنها الله ﷾ له، وعلى هذا لا يكون خَيْرٌ أفعل تفضيل. أو نقول: إنه للتفضيل والمفاضلة على سبيل التنزل، وإرخاء العنان، أي على فرض أن ترك التعظيم فيه شيء من الخير، فالتعظيم أفضل منه.\nوَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ المراد حلّ ذبحها وأكلها، ثم إنه ليس المقصود بما يتلى (ما ينزل في المستقبل) ما يعطيه ظاهر الفعل المضارع، بل المراد ما سبق نزوله، مما يدل على حرمة الميتة، وما أهل به لغير الله أو ما يدل على حرمة الصيد في الحرم أو حالة الإحرام.\nوعلى هذا يكون السر في التعبير بالمضارع التنبيه إلى أن ذلك المتلو ينبغي استحضاره والالتفات إليه، والاستثناء متصل إن أريد من المستثنى ما يكون محرما من خصوص الأنعام. وإن أريد به ما يشمل الدم ولحم الخنزير كان منقطعا. والظاهر الأول، والجملة معترضة لدفع ما عساه يقع في الوهم من أنّ تعظيم حرمات الله في الحج قد يقضي باجتناب الأنعام، كما قضى باجتناب الصيد.\nفَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ، الرجس: القذر، وقوله: مِنَ الْأَوْثانِ بيان له.\nوالأوثان: الأصنام، وسمّاها الله رجسا تقبيحا لها، وتنفيرا منها.\nوالمراد باجتنابها اجتناب عبادتها وتعظيمها. ولتأكيد ذلك أوقع الاجتناب على ذاتها، وهذه الجملة مرتبطة بما قبل الاعتراض، مترتبة على حكمه، أي إذا كان تعظيم حرمات الله فيه الخير وفيه رضا الله تعالى وكان من تعظيم هذه الحرمات اجتناب ما نهى الله عنه، فاجتنبوا الأوثان، ولا تعظموها، ولا تذبحوا لها كما كان يفعل أهل الجاهلية.\nوَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ.\nالزور الكذب والباطل، وسمي زورا لميله عن وجه الحق، من الزور بفتح الواو وهو الميل والانحراف، وإضافة القول إليه بيانية.\nقيل: المراد بقوله: الزُّورِ خلط أهل الجاهلية في تلبيتهم، وقولهم فيها:\nلبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل.\nوقيل المراد به قولهم في البحائر والسوائب إنّها حرام، وأن تحريمها من الله.\nوالأحسن التعميم في قول الزور حتى يشمل الشهادة الباطلة،\nفقد أخرج أحمد","vol":"1","page":500},{"text":"وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود «١» أنه ﷺ قال: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» ثلاثا، وتلا هذه الآية.\nحُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ الحنيف المائل عن الديانات الباطلة إلى الدين الحق، مأخوذ من الحنف بالتحريك وهو الميل، وقد اشتهر عند العرب إطلاق الحنيف على كل متمسك بدين إبراهيم ﵊.\nوالمعنى: اجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور حال كونكم ثابتين على الدين الحق، مخلصين لله في العبادة، من غير أن تجعلوا لغيره معه شركة فيها. فهما حالان مؤكّدتان لما قبلهما من الاجتناب.\nوَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ.\nخَرَّ. معناه سقط من علو.\nفَتَخْطَفُهُ تختلسه بسرعة وقوة.\nوهذه الجملة مستأنفة مقرّرة لوجوب اجتناب الشرك.\nوالمعنى: أن من جعل لله شريكا فقد حق عليه الخسار والبوار، وهو في شركه شبيه به إذا سقط من جو السماء، فاجتمعت عليه الطيور الجارحة، فمزقته، وذهب كل منها بقطعة منه، فتمّ بذلك هلاكه.\nوظاهر على هذا أن التشبيه من باب تشبيه التمثيل، ويصح أن يكون تشبيها مفرقا.\nأَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ، هوى يهوي سقط من علو. وهوى به أسقطه.\nوالسحيق: البعيد، ماضيه سحق كبعد.\nهذا تشبيه ثان لمن أشرك بالله، والعطف فيه إما على قوله: خَرَّ مِنَ السَّماءِ أو على فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ والمعنى أنّ حال المشرك في شركه، وما يؤدي إليه من سوء العاقبة، شبيهة بحاله إذا أخذته ريح عاصفة، فقذفت به في مهوى عميق، لا يكون له منه خلاص ولا نجاة، أو أنّ حاله في ذلك شبيهة بحاله إذا خرّ من السماء، فعصفت به الريح، وهوت به في مكان سحيق.\nوالتشبيه على هذين الوجهين تشبيه تمثيل، ويصح أن يكون تشبيها مفرقا أيضا، فيشبه الشيطان الذي يضله ويغويه بالريح التي تهوي به وترديه، ويشبه الشرك بالوادي\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٢٩٨)، كتاب الأقضية، باب في شهادة الزور حديث رقم (٣٥٩٩)، وأحمد في المسند (٤/ ٣٢١)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٤٧٥)، كتاب الشهادات، باب في شهادة الزور حديث رقم (٢٣٠٠) وابن ماجه في السنن (٢/ ٧٩٤) ١٣- كتاب الأحكام، ٣٢- باب شهادة الزور حديث رقم (٢٣٧٢) .","vol":"1","page":501},{"text":"العميق الذي لا ينجو من قذف فيه. ونتيجة هذه التشبيهات واحدة، والغرض من ذلك كله تقبيح حال الشرك، والتنفير منه.\nولا يخفى عليك ما يؤخذ من هذه الآية من الأحكام فيما يتعلق بحرمات الله، والانتفاع بالأنعام، والإشراك بالله، وشهادة الزور.\nوليس في قوله تعالى: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ما يدل على تعزير شاهد الزور، فإنّ غاية ما أفاده تحريم شهادة الزور، وما روي عن عمر ﵁ من أنه كان يعزّر شاهد الزور، ويأمر فينادى عليه بالأسواق. وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد، فإنما ذلك شيء يرجع إلى السياسات الشرعية، فللحاكم أن يفعل من ذلك ما يراه أحفظ لحقوق العامة، وأردع لأهل الفساد.\nقال الله تعالى: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) الشعائر: العلامات التي تعرف بها الأشياء، فهي تشعر بها وتدل عليها، وقد اختلف في المراد بها هنا: فقيل: إنها الدين كله أوامره ونواهيه، فهي شعائر الله، لأنّ امتثالها والوقوف عند حدودها يدل على الطاعة لله تعالى، والإخلاص له. وقد اضطر من يقول بهذا أن يفسّر البيت العتيق في قوله جلّ شأنه: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ بالجنة، وهو كما ترى بعيد.\nوقال ابن عمر ﵄ والإمام مالك والحسن: إنها عرفة، ومنى والصفا والمروة، والبيت الحرام، وغيرها من مواضع الحج، وهو لا يخلو من شيء، فإن الله تعالى قال في شأنها: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ والمحلّ في الحج قد اشتهر في المكان الذي تذبح فيه الهدايا كما سيأتي. فالظاهر أنّ المراد بالشعائر الأنعام التي تساق هديا للكعبة، كما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما وسميت بذلك لأنّها تدل على الحج، أو على طاعة سائقيها لله تعالى، وتعظيمها يكون بأن تختار سمينة حسنة غالية الأثمان.\nوالتقوى هي الخشية التي تبعث على اتباع الأوامر واجتناب المناهي. ولا يخفى عليك أنّ الضمير في كلمة فَإِنَّها عائد على الشعائر، وهي لا تصلح أن تكون بعضا من التقوى إذا كانت (من) للتبعيض، ولا أن تكون ناشئة من التقوى إذا كانت (من) للابتداء، فلا بد من تقدير يصلح لذلك. كما أنك تعلم أنه لا بد من رابط في قوله:\nفَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ يعود على المبتدأ، وهو (من) فيكون مآل الكلام هكذا: ذلك ومن يعظّم شعائر الله فإنّ تعظيمه إياها من تقوى القلوب.\nهذا ويصحّ في ضمير (فإنها) أن يكون راجعا إلى حالة المعظّم التي يدل عليها الفعل السابق في الآية، وعلى هذا فلا يحتاج إلا إلى الرابط فقط، والمعنى أنّ من","vol":"1","page":502},{"text":"يعظّم الأنعام التي يسوقها للحرم، فيختارها سمانا حسانا، فإن تعظيمه إياها لا محالة ناشئ من التقوى الحقيقية، ودليل على أنه يخشى الله خشية تمكّنت من قلبه، فهو بتعظيمها قد جمع بين مظهر الخشية وحقيقتها، فعمله هذا هو عمل المخلصين، وليس كعمل المنافقين، الذين يأتون بصور الأعمال من غير أن يكون في قلوبهم شيء من الإخلاص. يدل على هذا إضافة التقوى إلى القلوب.\nولا شك أن الإخلاص والتقوى والخشية هي غاية ما يتمنى الإنسان أن يدركه في هذه الدنيا، ليصل به إلى سعادة الآخرة.\nوإخبار الله تعالى بثبوت التقوى لمن عظّم تلك الشعائر من شأنه أن يحرك الناس، ويبعثهم على الاهتمام بأمرها، والعناية بتخيرها، والفرح بسوقها.\nويؤكد هذا المعنى إضافة هذه الشعائر إليه تعالى.\nروي أنه ﷺ أهدى مئة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب أي حلقة من ذهب.\nوروي أن عمر ﵁ أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار. وكان قد سأل النبي ﷺ أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك، وقال: بل أهدها، وكان ابن عمر ﵄ يسوق البدن مجلّلة بالقباطي، فيتصدق بلحومها وجلالها.\nقال الله تعالى: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) مَنافِعُ الظاهر أنّ المراد بها المنافع الدنيوية من الركوب والدّر والصوف والوبر، ليكون قوله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ مفيدا معنى جديدا. فإنّ الخير ظاهر في ثواب الآخرة، فيكون في الأنعام التي تساق هديا إلى الكعبة منافع دنيوية ومنافع أخروية.\nأما الأجل المسمى فقد اختلف في معناه، فقال الإمام الشافعي: إنّه وقت نحرها، وهو مروي عن عطاء.\nوقال الحنفية: إنه وقت تعيينها وتسميتها هديا، كما روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد، وقتادة.\nوالمحل بالكسر من حلّ الشيء يحلّ بالكسر حلولا إذا وجب، أو انتهى أجله،\nوفي الحديث: «حلّت له شفاعتي» «١»\nوجبت. ويقال: حل الدين: انتهى أجله، فالمحل في الآية مكان الحلول، أي المكان الذي ينتهي فيه أجل تلك الأنعام، أو المكان الذي يجب ذبحها فيه.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (١/ ١٧١)، ١٠- كتاب الأذان، ٨- باب الدعاء حديث رقم (٦١٤) . [.....]","vol":"1","page":503},{"text":"ومعنى أن محلها إلى البيت العتيق أنّ المكان الذي تذبح فيه الهدايا منته إلى البيت العتيق، ومتصل به، إذ هو الحرم، ولا شك أن الأمر كذلك، فإنّه ليس نفي البيت، ولا ما حوله من المسجد، إذ لا يحل الذبح فيهما، والمحل بهذا المعنى هو المراد في الآيات الأخرى، منها قوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦] وقوله جلّ شأنه: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح: ٢٥] وهو المعين في قوله عزّ اسمه: هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥] وعلى هذا يكون المعطوف بثم في الآية كلاما تاما أريد به بيان المكان الذي تذبح فيه الهدايا، بعد ما بين حكم تعظيمها والانتفاع بها إلى الأجل المعين، وقيل: إنّ المراد بالمحل نفس الحلول بمعنى الذبح، وقيل أيضا:\nإنّ المحل زمان الحلول. وعلى هذين القولين يكون محلها معطوفا على منافع، ويكون قوله تعالى: إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ حالا من الضمير في محلها. والتقدير لكم فيها منافع دنيوية إلى أجل مسمى وبعده لكم منفعة دينية مقتضية للثواب الأخروي، وهو وجوب نحرها، أو وقت نحرها، وفي ذلك مبالغة، حيث جعل وقت النحر نفسه منفعة، والظاهر الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>ما في الآية من الأحكام وأقوال العلماء في ذلك</span>\n: قد علمت أنّ الشافعية فسّروا الأجل المسمى في الآية بوقت نحر الهدي، وعلى هذا قالوا بجواز الانتفاع بالشعائر بعد سوقها حتى تنحر، وقالوا أيضا: إنما يجوز الانتفاع إذا كانت هناك حاجة تدعو إليه، ولو لم تصل لدرجة الاضطرار:\nأما الانتفاع بغير حاجة فلا يجوز، فلو احتاج لشيء من لبنها ولو لم يصل إلى درجة المخمصة فله أن يشرب منه، وكذلك إذا كان يعلم أنّ صوفها أو وبرها يضرها، فله أن يجزّه وينتفع به، وليس عليه قيمته للفقراء، قالوا: والأولى أن يتصدق به عليهم. هذا هو المشهور من مذهبهم، وعندهم رواية أخرى عن الإمام الشافعي أنه لا يجوز الانتفاع إلا للمضطر.\nأما الحنفية فإنهم يفسّرون الأجل المسمى في الآية بوقت سوقها. فلا يجيزون الانتفاع بها بعد السوق إلا في حالة الاضطرار.\nوقال بعضهم: إنه يجوز الانتفاع بها مطلقا في حالتي الاختيار والاضطرار.\nونقل ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر القول بوجوب الركوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>ولمن أجاز مطلقا حجج:</span>\n١- قد أثبتت الآية منافع في الشعائر، وأباحت الانتفاع بها، وهي لا تكون شعائر إلا بعد سوقها هدايا، وتعيينها لذلك، فيلزم أن يكون الانتفاع بها بعد السوق أيضا.\n٢- ثمّ إنّ الآية لم تقيّد جواز الانتفاع بحالة دون أخرى، فالتقييد بحالة الاضطرار","vol":"1","page":504},{"text":"كما يقول الحنفية، أو بالحاجة كما هو مشهور مذهب الشافعية زيادة ليست في الآية.\n٣- ثم إنّ الأحاديث الواردة في ذلك مطلقة أيضا،\nفقد روي عن أنس ﵁ أنه قال: رأى رسول الله ﷺ رجلا يسوق بدنة، فقال: «اركبها» قال: إنّها بدنة.\nقال: «اركبها» قال: إنّها بدنة قال: «اركبها» ثلاثا. متفق عليه «١» .\nوروي عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول- في البدنة-: «اركبها بالمعروف» «٢»\nفالحديثان مطلقان كالآية فيجوز الانتفاع بالبدنة على كل حال، وإذا فلا يكون فرق بين البدنة والناقة التي لم يسقها، فليس عليه فيما ينتفع به من ذلك ضمان.\nحجة الشافعية: استدلّ الشافعية بما أورده المجيزون في دليلهم الأول، وبأنّ إطلاق الآية يجب أن يقيّد بما ورد من الأحاديث التي تفيد أنّ الإباحة تثبت للحاجة: من ذلك: ما\nرواه أحمد والنسائي عن أنس أنه ﵊ رأى رجلا يسوق بدنة، وقد أجهده المشي فقال: «اركبها» قال: إنّها بدنة. قال: «اركبها، ولو كانت بدنة» «٣» .\nوروي عن جابر أنه ﷺ قال: «اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهرا» «٤»\nفهذان الحديثان يدلان على أنّ الإباحة إنما كانت لمسيس الحاجة إلى الانتفاع. قالوا:\nوعلى هذا يجب أن تحمل الآية والأحاديث المطلقة جمعا بين الأدلة.\nثم إنه ليس في كل ذلك دليل على وجوب ضمان شيء من منافع الهدي، فلا يضمن المنتفع شيئا منها للفقراء، نعم إذا كان الركوب ينقص قيمتها نقصا بينا فعليه ضمان هذا النقص.\nحجة الحنفية: قال الحنفية ينبغي أن تحمّل الشعائر في الآية على الأنعام التي يراد سوقها للكعبة، لا على البدن التي سيقت بالفعل، فهي مجاز بقرينة إيقاع التعظيم عليها، فإنّ الآية ندبت إلى تعظيمها. ولا شك أنّ من تعظيمها تخيّرها سمينة حسنة، وذلك إنما يكون قبل سوقها وتعيينها هديا وهذه الأنعام التي تكون هديا بالسوق هي التي أباح الله الانتفاع بها إلى الأجل المسمى.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٩٦٠)، ١٥- كتاب الحج، ٦٥- باب جواز ركوب البدنة حديث رقم (٣٧٣/ ١٣٢٣)، والبخاري في الصحيح (٣/ ٢١٩) ٢٥- كتاب الحج، ١٠٣- باب ركوب البدن حديث رقم (١٦٩٠) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٩٦١)، ١٥- كتاب الحج، ٦٥- باب ركوب البدنة حديث رقم (٣٧٥/ ١٣٢٤) .\n(٣) رواه النسائي في السنن (٥- ٦/ ١٩٥ كتاب المناسك، باب ركوب البدنة حديث رقم (٢٨٠١) .\n(٤) رواه مسلم في الصحيح كتاب الحج حديث رقم (١٣٢٤)، وأبو داود في السنن (٢/ ٨١)، باب ركوب البدن حديث رقم (١٧٦١)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٤٨)، والنسائي (٥- ٦/ ١٩٤)، كتاب المناسك باب ركوب البدنة حديث رقم (٢٨٠١) .","vol":"1","page":505},{"text":"ثم إنه ينبغي تفسير الأجل المسمى بوقت سوقها لا وقت نحرها، لأنّ صاحبها قد جعلها بالسوق خالصة لله تعالى، فقد خرجت عن ملكه بذلك فلا يجوز له حينئذ أن ينتفع بشيء منها إلا عند الضرورة، وما انتفع به كان حقا للفقراء يجب أن يعوضهم منه مقدار قيمته.\nيشهد لهذا ما ورد من الأحاديث التي قيّدت جواز الانتفاع بحالة الضرورة، فيجب أن يحمل غيرها عليها جمعا بين الأدلة. من ذلك ما\nرواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر «١»: أنه سئل عن ركوب الهدي فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا»\nفمن هذا يعلم أن الجواز خاصّ بحالة الضرورة، فإنّ الإلجاء إلى ركوبها هو الاضطرار إليه. وقالوا أيضا: إن ركوبها ينافي تعظيمها، إذ في الركوب امتهان واستهانة ظاهرة، مع أنّ تعظيمها مطلوب بنفس الآية، وإذا فلا يركبها إلا إذا ألجئ.\nحجة القائلين بالوجوب: استدل القائلون بالوجوب بظاهر الأمر بالركوب فيما سبق من الأحاديث. وقالوا أيضا: إنّ في ركوبه مخالفة لما كان يصنعه أهل الجاهلية من مجانبة البحيرة والسائبة والوصيلة. وهو مردود بأنّ النبي ﷺ لم يركب هديه، ولم يركبه غيره، ولم يأمر الناس جميعا بركوب هداياهم، إلا ذلك المضطر، كما تقدم، فدل ذلك على عدم الوجوب.\nأما المالكية فالمشهور من مذهبهم أنه يكره الانتفاع بالبدن بركوبها ووبرها ولبنها، ولو كان لبنها فاضلا عن حاجة أولادها، والوجه فيه ظاهر، ومذهبهم على هذا قريب من مذهب الحنفية.\nوقال النووي من الشافعية والزيلعي من الحنفية: إنّ الإمام مالكا يقول بجواز ركوب البدن، ولو من غير حاجة، فلو صحّ هذا فالحجج المتقدمة ناطقة بخلافه.\nهذا والظاهر من قوله تعالى: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أنّ جميع الهدايا يجب أن تذبح في هذا المحل، سواء في ذلك ما تعلّق وجوبه بالإحرام، كما في جزاء الصيد والفدية ودم التمتع ودم الإحصار، وما التزمه الإنسان كما في الدم الذي يتطوّع به إلى الحرم، أو ينذره كذلك.\nقال الله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) المنسك: بفتح السين وكسرها: مفعل من النسك، بمعنى العبادة، فيصح أن\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":506},{"text":"يراد به النسك نفسه، ويصح أن يراد به مكان النسك أو زمانه، وعلى كل حال فالظاهر أنّ المراد بالنسك هنا عبادة خاصة، وهي الذبح تقرّبا إلى الله تعالى.\nفَلَهُ أَسْلِمُوا الإسلام لله الإخلاص له في الطاعة، وامتثال أوامره ونواهيه.\nوَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الإخبات الخشوع، وقيل: التواضع. وقيل: الاطمئنان:\nمأخوذ من الخبت وهو المطمئن من الأرض، وهي معان متقاربة ويصحّ أن يكون ما ذكر في الآية بعده تفسيرا له.\nولا يخفى عليك أنّ قوله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا معطوف على قوله سبحانه: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ وأنّ تقديم المفعول فيه لإفادة الحصر.\nوالمعنى: أنّ الله جلّ شأنه قد شرع نسك الذبح لجميع الأمم التي خلت من قبل، يتقربون به إليه تعالى، ويذكرون اسمه الكريم عند الشروع فيه، وأن ذلك ليس خاصّا بأمة محمد ﷺ، ولا ببعض الأمم الأولى دون البعض، أو المعنى أنه تعالى قد خصص لكل أمة من الأمم مكانا أو زمنا يذبحون فيه، ولعل سرّ الإخبار بشرع هذا النسك لجميع الأمم من قبل هو تحريك النفوس، وبعثها إلى المسارعة إلى هذا النوع من البر، والاهتمام بهذه القربة، حيث إنّها قربة قد وردت بها الشرائع الأولى، وتتابعت عليها.\nوفي هذا الإخبار أيضا إشعار بأنّ أهل الجاهلية الذين كانوا يذبحون لأصنامهم، والذين كانوا يخلطون في التسمية على ذبائحهم- إنما كانوا يفعلون ذلك من عند أنفسهم، واتباعا لمحض شهواتهم وأهوائهم، فإنّ شرائع الله كلها قد أجمعت على أنّ التقرب بالذبح إنما يكون لله وحده، وأنّ الشروع في ذلك إنما يكون باسمه وحده، إذ ليس للناس إلا إله واحد، وهو الذي رزقهم، وشرع لهم، وكلّفهم، فليس لهم أن يميلوا بالعبادة إلى غيره، فقوله تعالى: فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ بمثابة العلة لما قبله من تخصيص اسمه الكريم بالذكر، لأنّ تفرده تعالى بالألوهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح غير اسمه، وإنما قيل: فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ولم يقل فإلهكم واحد لإفادة أنه تعالى واحد في ذاته، كما أنه واحد في ألوهيته.\nوقوله تعالى: فَلَهُ أَسْلِمُوا مرتّب بالفاء على الحكم بوحدانية الإله، فإنّه متى كان الإله واحدا فقد وجب تخصيصه بالعبادة والإذعان له في جميع الأحكام، وإفادة التخصيص ظاهرة من تقديم المعمول.\nوقوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ فيه توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ بعد ما كان متوجها إلى الناس، فالله سبحانه يأمر نبيّه أن يبلغ الناس أنّ من أذعن منهم لله، وأخلص له العمل والاعتقاد، فإنه يكون له أحسن الجزاء.","vol":"1","page":507},{"text":"والسرّ في تحويل الخطاب للنبي ﷺ هو أنّ مقام الأمر والنهي يناسبه أن يتجلّى الإله على العباد بعظمة الألوهية وقهرها وسلطانها، فيوجه أوامره إليهم كأنه يخاطبهم من غير وسيط، ليكون ذلك أدخل للهيبة في قلوبهم، وأبعث على خشوعهم وانقيادهم.\nفلما انتهى أمر التكليف عطف الخطاب إلى النبي ﷺ فأمره أن يبلّغهم وعد الله للعاملين المخلصين، إذ إنّ عملهم بذلك يكفي فيه أن يحدثهم به النبيّ المعصوم الذي هو الواسطة بينهم وبين خالقهم.\nويؤخذ من هذه الآية: وجوب الذكر على الذبيحة حيث كان هو المقصود من الذبح الذي هو واجب، ووجوب اعتقاد أنّ الله واحد، ووجوب الإسلام بمعنى الإخلاص لله في العمل.\nقال الله تعالى: الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وصف الله في هذه الآية المخبتين بأربع صفات تجد بعضها مرتبا على بعض أحسن ترتيب:\nالأولى: الخوف والخشوع عند ذكر الله.\nوالثانية: الصبر على الآلام والمشقات.\nوالثالثة: إقامة الصلاة.\nوالرابعة: الإنفاق مما رزقهم الله.\nفهؤلاء المخبتون إذا سمعوا ذكر الله تحرّكت قلوبهم، وخفقت لما وقع فيها من الهيبة والخوف من عقاب الله وانتقامه، ولا شك أنّ هذا الخوف يحملهم على الرضا بقضاء الله تعالى، والصبر على ما يريده لهم من الآلام والشدائد، سواء في ذلك ما يكون في التكاليف وأنواع التعبدات، وما يلاقون من المشقات في أسفارهم لطاعة الله كما في الحج، وكل ما يصابون به في أنفسهم وأموالهم، ويحملهم كذلك على إحسان الأعمال، والقيام بما كلفهم الله إياه حقّ القيام.\nوالإنفاق: قيل: إنّ المراد به الزكاة المفروضة، وقيل: إنه صدقة التطوع، وقيل: هو عام يشمل النوعين جميعا، وقد سبق لك شيء من هذا في أكثر من موضع، كما أنّه سبق لك في مثل هذه الآية بيان السر في تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر من بين سائر التكاليف، وأنّ الصلاة أهمّ التكاليف البدنية، كما أنّ الزكاة أهمّ التكاليف المالية: لما يترتب عليهما من صلاح النفوس واعتدالها، وسد حاجات الأمة وتقويم فقرائها وضعفائها.\nوينبغي أن تعلم أنّ قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ معطوف على المقيمي الصلاة باعتبار معناه، أي والذين يقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقناهم.","vol":"1","page":508},{"text":"قد يقال: أنّ وصف المخبتين في هذه الآية بأنّهم الذين يجلون عند ذكر الله يخالف ما وصفوا به في قوله عزّ اسمه: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد: ٢٨] فما هذا، وكيف يكون التوفيق بين آيتين إحداهما تثبت أنّ ذكر الله موجب للخوف والوجل، والأخرى تصرّح بأن ذكر الله يوجب سكون القلوب واطمئنانها، وزوال ما قد يعتريها من خوف وفزع أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨] .\nوالجواب أن الاطمئنان والوجل أمران يجدهما المؤمن المتقي، ويشعر بهما في قلبه في حالتين متمايزتين، ولسببين مختلفين، فهو إذا استحضر وعيد الله امتلأت نفسه هيبة، واقشعر جلده، ووجف قلبه، وخاف عذاب الآخرة، ثم إذا لمح جانب الوعد الكريم، واستحضر رحمة الله وسعة عفوه اطمأن قلبه، وسكن روعه، وصدق قول الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ فالحالة الثانية حالة الوعد والأولى حالة الوعيد، وأيضا فإنّ المؤمن كثيرا ما تصادفه في هذا الدنيا عقبات وشدائد، إذا عرضت لضعيف الإيمان واهن العزيمة اضطرب لها قلبه، وانشعب منها فؤاده، واستولى عليه الفزع والهلع. أما المؤمن الصادق فإنه يرجع بها إلى الله، ويستعين عليها بذكر الله، فيرتاح لكل ما يجري به قضاؤه وقدره، فهذه حالة السكون والاطمئنان إلى ذكر الله.\nأما خوفه ووجله فهو لكون تقصيره فيما عليه من موجبات العبودية للواحد القهار، وهذا الخوف تلتهب له نفسه، ويرتجف له جنانه.\nيؤخذ من الآية: أن التقوى، والخشية، والصبر على المكاره، والمحافظة على الصلاة، والرحمة بالفقراء، والإحسان إليهم، من أعظم ما ينال به العبد رضا الله تعالى، لما لها من الشأن العظيم، إذ عليها يقوم صلاح العباد والبلاد.\nقال الله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) (البدن) جمع بدنة، وهي اسم للواحد من الإبل ذكرا أو أنثى، سميت بذلك لعظم بدنها. وقد اشتهر إطلاقها في الشرع على البعير يهدى إلى الكعبة، وقد تطلق البدنة على البقرة أيضا لما أنها تجزئ في الهدي والأضحية عن سبعة كالبعير.\nقال الحنفية: إن البدنة صارت من قبل المشترك في المعنيين، فمن نذر بدنة أجزأته بقرة. وبذلك قال عطاء وسعيد بن المسيب.\nروى مسلم «١» عن جابر ﵁ أنه قال: كنّا ننحر البدنة عن سبعة:\nفقيل: والبقرة؟ قال: وهل هي إلا من البدن.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٩٥٥)، ١٥- كتاب الحج، ٦٢- باب الاشتراك حديث رقم (٣٥٣/ ١٣١٨) .","vol":"1","page":509},{"text":"وعن ابن عمر ﵄ أنّه قال: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر.\nأما الشافعية فقالوا: لا تطلق البدن بالحقيقة إلا على الإبل، وإطلاقها على البقر إنما يكون بضرب من التجوّز، فلو نذر بدنة لا تجزئه بقرة، وبهذا قال مجاهد، ويشهد له ما\nرواه أبو داود «١» عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة»\nفإنّ العطف يقتضي المغايرة، والظاهر أنّ اسم البدنة حقيقة فيما يكون من الإبل، وأن إطلاقها على البقرة لم يصل إلى مرتبة الحقيقة.\nفأمّا قول جابر: وهل هي إلا من البدن، وقول ابن عمر: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر، فقد يحمل على أنهما أرادا اتحاد الحكم فيهما، وهذا شيء غير اشتراك اللفظ بينهما، وعلى كلّ حال فالمراد من البدن في الآية الإبل، وقوله تعالى:\nصَوافَّ ووَجَبَتْ جُنُوبُها يدل على ذلك، إذ نحر الحيوان قائما لم يعهد إلا في الإبل خاصّة.\nولا يؤخذ من هذا أنّ الهدي خاص بالإبل. بل تخصيصها بالذكر لأنّها الأفضل من غيرها في الهدايا.\nصَوافَّ جمع صافة، وهي ما صفت قوائمها وسوقها واقفة، وقرئ صوافن جمع صافنة، قيل: إنها بمعنى صافة، وقيل: بل بمعنى أنّها قائمة على ثلاث قوائم، والرابعة مرفوعة، وهكذا يفعل بالإبل عند نحرها، مأخوذ من صفن الفرس إذا وقفت على ثلاث وطرف سنبك الرابعة، وقرئ صوافي جمع صافية بمعنى خالصة لله تعالى.\nوَجَبَتْ جُنُوبُها من معاني الوجوب السقوط، وجب الجدار سقط، ووجبت الشمس غربت، فوجبت جنوبها سقطت على الأرض، والجنوب: جمع جنب، وهو الشق، وسقوط جنوبها كناية عن موتها.\nالْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ: القانع الراضي بما قدّر الله له من الفقر والبؤس، فلا يتعرّض لسؤال الناس، مأخوذ من قنع يقنع كرضي يرضى وزنا ومعنى.\nالمعتر المعترض لسؤال الناس، فإنّ المعترّ كالممعتري هو من يعتري الأغنياء، ويذهب إليهم المرّة بعد المرّة، وقيل بعكس هذا: القانع: السائل، من قنع يقنع بالفتح فيهما. والمعترّ: الذي لا يسأل، كأنّه يدفع عار السؤال بترك السؤال.\nمعنى الآية: أن الله ﷾ يمتنّ على عباده بأن جعل لهم في البدن يسوقونها إلى مكة قربة عظيمة، حيث جعلها شعيرة من شعائره، وعلما من أعلام\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٣/ ١١)، كتاب الضحايا، باب في البقر والجزور حديث رقم (٢٨٠٨) .","vol":"1","page":510},{"text":"دينه، ودليلا على طاعته، ففي سوقها للحرم، ونحرها هناك، خير عظيم وثواب كبير، يناله أصحابها في الآخرة.\nوهكذا ترى أننا قد حملنا الخير هنا على الثواب الأخروي. والمنافع فيما تقدم على حظ الدنيا، ليكون الكلام كما قلنا مفيدا فائدة جديدة، وقد رتّب الله ﷾ الأمر بذبحها، أو الأمر بذكر اسمه الكريم عند الذبح على ما قبله من جعلها شعائر. أو على قوله: لَكُمْ فِيها خَيْرٌ وأنه تعالى يمتنّ أيضا على عباده في هذه البدن، فأباح لهم إذا نحروها أن يأكلوا منها، وأن يتصدقوا على الفقراء، السائل منهم وغير السائل.\nثم ختم الله ﷾ الآية بقوله: كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ومعناه سخرنا هذه البدن، وذللناها لكم، وأخضعناها لتصريفكم مع ضخامتها وقوتها التي بها، كان يمكن أن تتأبّى عليكم فلا تعطيكم قيادها، أو تندّ منكم فتتأبد تأبد الوحوش.\nفالله جلت قدرته قد سخّرها لكم ذلك التسخير العجيب، وسهل لكم أن تقفوها صواف، وأن تعقلوها، وتضربوا في لباتها، فتقع على جنوبها صريعة، وعلى هذا تكون الكاف صلة في قوله: كَذلِكَ، ويكون مآل القول سخرناها لكم ذلك التسخير البديع.\nويصحّ أن تبقى الكاف على معناها مفيدة للتشبيه، ويكون ذلك من تشبيه الشيء بنفسه مبالغة، كأن ذلك التسخير بلغ في عظمه وغرابته مبلغا فاق به كلّ عجيب، حتى إذا أريد تشبيهه بشيء كان لا بدّ أن يردّ إلى نفسه فيشبه بها.\nوقيل: إنّ المشبه به هو تسخيرها، حين تكون صواف معقولة إحدى القوائم، والمشبه هو تسخيرها من قبل في ركوبها والحمل عليها، وغير ذلك من سائر وجوه الانتفاع.\nوجملة القول: إنّها نعمة جليلة، ومنّة عظيمة تستوجب من العباد أن يشكروا الله عليها، ويصرفوا ما أنعم به عليهم في الوجوه التي رسمها لهم الدين الحنيف.\nفقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تعليل لما قبله. وكلمة (لعل) فيه ليست للرجاء الذي هو توقع الأمر المحبوب، لأنّه مستحيل على الله تعالى من حيث أنه ينبئ عن الجهل بعواقب الأمور. قال ابن الأنباري «١»: إنّ لعلّ ترد بمعنى كي في لسان العرب، واستشهد على ذلك بقول من يراه حجة:\nفقلتم لنا كّفوا الحروب لعلّنا ... نكفّ ووثقتم لنا كلّ موثق\nفإنّ توثيق العهد بإنهاء الحرب لا يستقيم معه أن يكون معنى (لعلنا) الرجاء وتوقع الكف، إنما الذي يصلح له ذلك أن تكون لعلّ بمعنى كي.\n_________\n(١) عبد الرحمن بن محمد، أبو البركات، مؤرخ، وأديب ولغوي كان زاهدا عفيفا، خشن العيش والملبس سكن بغداد وتوفي فيها سنة (٥٧٧) انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٣٢٧) .","vol":"1","page":511},{"text":"هذا ويؤخذ من الاقتصار في الآية على البدن مع ورود الشرع بجواز الهدي من بهيمة الأنعام أنّ البدن في الهدايا أفضل من غيرها من البقر والغنم.\nويؤخذ من الآية أيضا: الندب إلى نحر الإبل وهي قائمة معقولة إحدى القوائم، وأنه لا يجوز أن يؤكل منها بعد نحرها حتى تفارقها الحياة.\nومقتضى الأمر في قوله جلّ شأنه: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ وجوب ذكر اسم الله حينئذ، وهو يؤيّد بظاهره قول من يرى من الأئمة وجوب التسمية على الذبيحة. ومن يرى ندب التسمية يؤوّل الأمر على الندب، أو يؤول ذكر اسم الله على الشكر والثناء.\nأما حكم الأكل منها وإطعام الفقراء فقد سبق لك القول فيه.\nقال الله تعالى: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) النيل: الإدراك والإصابة.\nوالتكبير في الآية: قيل: إنه ما يكون عند الذبح: بسم الله، الله أكبر، والأحسن أن يفسّر بالتعظيم والتقديس والشكر.\nوالإحسان: هو إتقان العمل، والإتيان به على الوجه المطلوب، ومنه\nقوله ﷺ لما سئل عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنّك تراه» «١» .\nالمعنى: بأنّ من يريد رضا الله تعالى فلا يظن أنه يدرك ذلك باللحوم والدماء من حيث إنها لحوم ودماء، وإنما ينال ذلك بالتقوى والإخلاص، في العمل، فإنّ الأعمال دون التقوى والإخلاص كصور أجسام لا روح فيها ولا حياة.\nوللآية وجه آخر من التفسير- إن صح ما قيل في سبب نزولها- ذلك أنّه روي عن ابن عباس ومجاهد أنّ جماعة من المسلمين كانوا هموا أن يفعلوا في ذبائحهم فعل أهل الجاهلية، يقطعون لحومها، وينشرونها حول الكعبة، وينضحون عليها من دمائها، فنزلت الآية تزجرهم عن هذا الفعل، وترشدهم إلى ما هو الأجدر بهم والأليق بإيمانهم أن يفعلوه في ذبائحهم، حتى يدركوا رضا الله تعالى.\nوعلى هذا يكون المعنى: أن من يريد رضا الله تعالى، ويرجو أن ينال منه المثوبة بما يقرّب من هدي، فلا يظن أنّه ينال ذلك باللحم يقطعه وينثره، ولا بالدم يلطخ به الكعبة الطاهرة فعل أهل الشرك من الجاهلية، وإنما ينال ذلك بتقوى الله، والبعد عن مثل تلك الأعمال التي تجانب روح الإسلام وطهارته، والتي ليس فيها شيء من الإخلاص لله.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح كتاب الإيمان حديث رقم (٣٧) .","vol":"1","page":512},{"text":"فقوله تعالى: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها هو كما علمت على تقدير الرضا، أو ما في معناه، أي لن ينال رضا الله لحومها ولا دماؤها، ولكن ينال رضاه التقوى منكم.\nوأنت ترى أنّ الآية قد نفت عن اللحوم والدماء أن تنال رضوان الله، مع أنه ليس من شأنها أن يقال فيها: تنال أو لا تنال، ولكن قصد المبالغة في الأخبار بأنّ أصحابها لا ينالون الرضا والثواب بها وحدها إذا لم يكن معها التقوى والإخلاص هو الذي قضى أن يكون نظم الآية على هذا النحو البديع، كأنه قيل: إذا كان يتصور أن تنال الدماء واللحوم نفسها أجر الله ورحمته صحّ أن يدرك أصحابها بها وحدها شيئا من ذلك، ففي الآية نوع من التجوز.\nوترى أيضا أنه قد أعيد في الآية حديث تسخير الأنعام، وتذليلها للناس، لأن في الإعادة تذكيرا بالنعمة يبعث على شكرها والثناء على الله من أجلها، والقيام له بما يجب لعظمته وكبريائه، لأنّه تعالى سخر لهم تلك البهائم، وأخضعها لتصريفهم، وأراهم ما يصنعون فيها، وكيف يتقرّبون بها.\nومن هذا تعلم أن (على) في الآية الكريمة للتعليل، وأنّ (ما) مصدرية، ويصح أن تكون (ما) نكرة موصوفة، أو اسما موصولا مع مراعاة أن العائد محذوف، وفي صرف الخطاب للنبي ﷺ، وأمره بتبشير المحسنين أعمالهم الآتين بها على الوجه المطلوب، ووعدهم بأنّ لهم من الله الجزاء الطيب على فعلهم ما علمته آنفا.\nهذا وفي الآية دلالة على أنّ التقوى وشكر الله تعالى والإحسان في العمل له جلّ شأنه من أهمّ المطالب الشرعية التي لا يجوز لأحد إغفالها أو التهاون فيها.\nقال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) يصحّ أن يكون هذا كلاما متصلا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وما وقع في البيت- من ذكر مناسك الحج وشعائره، وما فيها من منافع الدنيا والآخرة- استطراد لمزيد تعظيم شأن البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، وتسجيل قبح صدهم للمسلمين عنه، وإخراج أهله منه ظلما وعدوانا، وتفويت هذه المنافع عليهم، لأنّ الجناية يعظم أمرها بعظم ما يترتب عليها من تفويت المنافع والإيقاع في الأضرار. ولأن خطورة الجناية تدلّ على خطر المجني عليه، وناهيك بجناية تقع على البيت الحرام، مع ما له من قداسة وحرمة، وتفوت على الناس منافع الحج مع ما فيها من خيري الدنيا والآخرة، ويكون قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا رجوعا إلى موضوع السياق، لبيان عاقبة هؤلاء الصادّين عن سبيل الله والمسجد الحرام، من قهرهم، وخذلانهم، وكسر شوكتهم، ونصر المسلمين عليهم، وإزالة صدهم، وتمكين المسلمين من البيت بعد تمكينهم منهم","vol":"1","page":513},{"text":"«إنّ الله ليملي للظالم حتّى إذا أخذه لم يفلته» «١» .\nويصحّ أن يكون متصلا بما قبله مباشرة، وذلك أنه تعالى لما بيّن مناسك الحج، وما فيه من المنافع، وكان في ذلك مزيد إلهاب وتشويق لنفوس المسلمين إلى البيت الحرام، والوقوف بالمشاعر العظام، ولكن أنّى لهم ذلك، وقد صدّهم المشركون، ووقفوا سدا منيعا دون إرواء هذه النفوس المتعطشة إلى رؤية هذا الحرم المقدس، الذي عاشوا طوال حياتهم في ظلّه وتحت حمايته، والذي عزّ عليهم فراقه، ولم ينقطع حنينهم إليه، والذي كان قلب الرسول صلوات الله وسلامه عليه معلّقا به، حتى إنه نظر إليه حين خروجه من مكة\nوقال: «والله إنّك لأحبّ أرض الله إليّ، وإنك لأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أنّ أهلك أخرجوني منك ما خرجت» «٢»\nوإذا ذاك توجهت قلوبهم إلى ربّ هذا البيت، واستشرفت نفوسهم إلى عون الله ونصره وحماية بيته من عدوان المعتدين، وتخليصه من أيدي الجبابرة الظالمين، وذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا توطينا لنفوسهم، وتقوية لعزائمهم، وإعدادا لهم للجهاد والقتال الذي سيكون به تحقيق آمالهم، وتحرير أوطانهم وعقائدهم.\nوعلى كلّ فهو وعد من الله ﷿، وبشارة للمؤمنين بنصر الله لهم، وتمكينهم من عدوهم، وكف بوائقه عنهم، وفي ضمنه وعيد شديد، وتهديد للمشركين بقهرهم وخذلانهم وكسر شوكتهم وزوال دولتهم، وفيه تمهيد وتوطئة لمشروعية الجهاد.\nهذا وصيغة المفاعلة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ إما للمبالغة في الدفع، أو للدلالة على تكرره فقط، لأنّ صيغة المفاعلة تدلّ على تكرر الفعل وحصوله من الجانبين، وقد تجرّد عن معنى حصوله من الجانبين، فتبقى دلالتها على التكرر من جانب واحد كالممارسة، أي أنه تعالى يبالغ في دفع غائلة المشركين وبأسهم مبالغة لا تدع لهم غائلة من غوائلهم، أو أنه تعالى يدفع بأسهم وغوائلهم مرة بعد مرة حسبما يتجدد ذلك منهم، كقوله تعالى: كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [المائدة: ٦٤] .\nقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ نفي المحبة كناية عن البغض، وأوثر (لا يحب) على (يبغض) تنبيها على مكان التعريض، وأن المؤمنين هم أحباء الله وأولياؤه.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ١٩٩٧)، ٤٥- كتاب البر، ١٥- باب تحريم الظلم حديث رقم (٥٩/ ٢٥٨٣)، والبخاري في الصحيح (٥/ ٢٥٥)، ٦٥- كتاب التفسير، ٥- باب وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ حديث رقم (٤٦٨٦) .\n(٢) انظر مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي حديث رقم (٥٤٩٩) وقال روى الترمذي بعضه، ورواه أبو يعلى ورجاله ثقات.","vol":"1","page":514},{"text":"ومعنى خَوَّانٍ كَفُورٍ أي خوان في أماناته تعالى، وهي أوامره ونواهيه، أو جميع الأمانات، ونظيره قوله تعالى: لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال: ٢٧] وكفور، أي لنعمه ﷿.\nقيل: إنه تعليل لما في ضمن الوعد الكريم من الوعيد للمشركين في الجملة الأولى، وقيل: تعليل للوعد الكريم نفسه، وضعّف هذا بأنّ قول القائل: دفعت زيدا عن بكر لبغض زيد ليس فيه كثير عناية ببكر، وهذا لا يناسب المقام.\nوهناك وجه آخر في ربط الجملة الثانية بالأولى، وحاصله أنك عرفت أنّ الجملة الأولى مشتملة على وعد صراحة ووعيد ضمنا، وإذا نظرت إلى الجملة الثانية وجدت أنها مشتملة على ثبوت البغض للمشركين صراحة، وهو يناسب الوعيد الضمني في الجملة الأولى، فيكون علة له، وعلى ثبوت المحبة للمؤمنين ضمنا كما هو قضية إيثار (لا يحب) على (يبغض) وهو يناسب الوعد المصرّح به في الجملة الأولى، فيكون علة له، وعلى هذا يكون منطوق الجملة الثانية علة لمفهوم الجملة الأولى، ومفهومها علة لمنطوقها، ويصير المعنى هكذا: إن الله يدافع عن الذين آمنوا لحبه إياهم، ويخذل المشركين ويقهرهم لبغضه إياهم، وعلى كلّ فإنّ ربط نفي الحب بالخوان الكفور يدلّ على أنّ علّة النفي هي الخيانة والكفر، ويدل بمفهومه على أنّ علة ثبوت المحبة في مقابله هي الأمانة والشكر، اللذان هما من خواص المؤمن.\nوهنا أمران جديران بالالتفات:\nالأول: أن صيغة المبالغة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ لبيان الواقع، وأنهم كانوا كذلك، لا لتقيد البغض بغاية الخيانة والكفر المشعر بمحبة الله تعالى للخائن الكافر، وكثيرا ما تذكر القيود لبيان الواقع، حتى قيل: إنّه الأصل في استعمالها، ومن هذا القبيل قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً [آل عمران: ١٣٠] ولا شكّ أنك إذا نظرت إلى هؤلاء المشركين، وما وقع منهم من الأفاعيل المنكرة، عرفت أنهم حقيقة بلغوا الغاية في الخيانة والكفر.\nالأمر الثاني: أنّ المراد نفي الحب عن كل فرد من الخونة الكفرة، فالمراد عموم السلب وشموله لجميع الأفراد، لا سلب العموم، وقول البيانيين: إنّ تقديم النفي على أداة العموم يفيد سلب العموم فالحق أنه حكم أكثري لا كلي، بدليل قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة: ٢٧٦] وقوله: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) [القلم: ١٠] وقوله:\nإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [لقمان: ١٨] وكذلك ما معناه، فالمعتبر إذا في الحقيقة هو القرائن، فمتى دلّت على عموم السلب كان الكلام لعموم السلب، تقدّم النفي أو تأخّر.\nونقل بعضهم عن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وجها آخر بناء على أنّ","vol":"1","page":515},{"text":"الحكم كلي، وحاصله أنه قد يعدل بحسب الظاهر عما يدل على عموم السلب إلى ما يفيد سلب العموم ظاهرا، وإن كان السلب عاما بحسب الحقيقة تعريضا بأنّ المخاطبين شرّ هذا النوع، كما جاء في الآية الكريمة: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ تعريضا بما نزلت فيهم من الأعداء بأنّ محبة الله تعالى لا تنالهم بأي وجه من الوجوه، وأنّه لو تعلّقت محبة الله بخائن كافر فإنّها لا تتعلق بأولئك، لأنهم شر هذا النوع، ولا يخفى عليك أن بناء الحكم على أبعد الفروض والاحتمالات أبلغ وأقوى، لأن بناءه على تلك الصورة يجعل السامع لا يتطرق إليه أي احتمال آخر في خلاف الحكم.\nقال الله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الإذن معناه الترخيص، فهو للإباحة بعد الحظر، وقرئ كلّ من أُذِنَ ويُقاتَلُونَ بالبناء للمفعول وبالبناء للفاعل.\nهذه هي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية، على ما روى الحاكم في «المستدرك» عن ابن عباس ﵄.\nوأخرجه عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري وكذا النسائي بإسناد صحيح عنه موقوفا عن عائشة ﵂.\nوأخرج أحمد والترمذي وحسّنه والنسائي وابن سعد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما خرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ليهلكنّ، فنزلت:\nأُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا. قال ابن عباس: فهي أول آية نزلت في القتال «١» .\nوأخرج ابن جرير عن أبي العالية: أول آية نزلت فيه وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [البقرة: ١٩٠] .\nوفي «الإكليل» للحاكم أنّ أوّل آية نزلت فيه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ.\nوالظاهر الأول، وبه قال كثير من السلف كابن عباس ومجاهد، والضحاك وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل وقتادة وغيرهم، ويؤيده أيضا ذكرها بعد الوعد بالمدافعة والنصر.\nالمفردات: أُذِنَ المقصود به إباحة القتال ومشروعيته على القول الأول، وحكاية الإذن الحاصل من قبل توطئة لبيان أسباب المشروعية وغايتها على القول الثاني.\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٣٠٥)، كتاب التفسير حديث رقم (٣١٧١)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٣٠٩)، كتاب الجهاد، باب وجوب الجهاد حديث رقم (٣٠٨٥)، وأحمد في المسند (١/ ٢١٦)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ٥٢) .","vol":"1","page":516},{"text":"لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ المراد بهم المهاجرون، كما يدلّ عليه وصفهم بالإخراج من الديار بغير حق، لأنّ هذا الوصف لا ينطبق إذ ذاك إلا عليهم.\nوالمأذون فيه هو القتال، وحذف لدلالة المقام عليه.\nووصفهم بالقتال الواقع عليهم على قراءة المبني للمفعول على حقيقته، سواء قلنا: إنها أول آية نزلت في القتال أم لا، لأنّ قتال المشركين واضطهادهم لهم كان حاصلا على كل حال.\nوأما وصفهم بالقتال الواقع منهم على قراءة المبني للفاعل فعلى أنها ليست أول آية نزلت في القتال يكون على حقيقته أيضا، وعلى أنها أول آية نزلت فيه يكون وصفهم عند بدء الإذن بالقتال إما على تقدير الإرادة والحرص، أي يريدون أن يقاتلوا المشركين، ويحرصون على ذلك، وإما على إرادة استحضار ما يكون منهم في المستقبل، وحقيقة قد كانوا حريصين كل الحرص على هذا القتال، فإنّ الدفاع عن النفس والعقيدة والوطن أمر محبب إلى النفوس، لا سيما إذا كانت تعتقد أنها على الحق، وأن خصمها على الباطل.\nالمعنى: لما وعد الله ﷿ في الآية السابقة المؤمنين بالدفاع وكفّ غوائل المشركين عنهم، وأوعد في ضمن هذا الوعد الكافرين بالقهر والخذلان، أتبع ذلك ببيان مشروعية الجهاد والإذن لهم في قتال أعدائهم، مع بيان أسبابه وغايته، للإيذان بأنّ طريق الدفاع الموعود به عن الأولياء وسبيل القهر والخذلان الموعود به للأعداء هو إذنه تعالى للمؤمنين في القتال، كما يدل على ذلك قوله تعالى في الآية التالية: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لأن القتال في سبيل الله من أعظم المواطن التي تتجلى فيها رعاية الله وعنايته بالمؤمنين بما يفاض عليهم في تلك المواقف الرهيبة من النصر والتأييد، وتثبيت قلوبهم، وإمدادهم بالأسباب الحسية والمعنوية على ما عرف وتواتر من نفحات الله لهم في مواطن الحرب وميادين القتال.\nثم بيّن الله تعالى سبب الإذن في القتال على سبيل الإجمال بقوله: بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا فالله تعالى أذن للمسلمين في قتال عدوهم وندبهم للجهاد في سبيله، لا حبا في إراقة الدماء وإزهاق الأرواح، ولا لمجرد البطش والقهر، كما يزعم خصوم الإسلام، فإنّ الإسلام دين أمن وسلام، وبشير رحمة وطمأنينة، ولكنه تعالى أذن لهم لأجل أن يدفعوا ذلك الظلم الذي وقع عليهم من جانب المشركين والذي أصابهم في أوطانهم وأنفسهم ودينهم، فإنه ﷺ ما كاد يصدع بالأمر، ويجهر بالدعوة، حتى هاج هائج قريش، وتذمرت على المسلمين، وأعلنوا عليهم حربا شعواء، وأعملوا فيهم يد الانتقام الوحشي، لا يألون في مؤمن إلّا ولا ذمة، وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ","vol":"1","page":517},{"text":"الْحَمِيدِ (٨)\n[البروج: ٨]، ونالوا منهم أشد ما يناله عدوّ من عدوه، طمعا في ارتدادهم عن دينهم، والحيلولة بينهم وبين الالتفات حول الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وقد غاب عنهم أن الدين الحق متى خالطت بشاشته القلوب، واستقر في أعماق النفوس، كان التعذيب والتقتيل والتنكيل أهون عليها من انتزاع الدين منها.\nولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي\nفكانوا أمام هذه العواصف الهوجاء والمواقف الرهيبة والفتن التي كانت كقطع الليل المظلم أثبت على حبهم لرسولهم ﷺ من الجبال الرواسي، فما استطاعوا فتنة مسلم عن دينه، ولا تحويل قلبه عن حب الله وحب رسوله ﷺ.\nلم يقف ظلم هؤلاء الظالمين عند حد الأتباع والأنصار، بل آذوا رسول الله ﷺ بأشد أنواع الإيذاء، رموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، وحثوا على رأسه التراب، ووضعوا بين كتفيه وهو ساجد بين يدي ربه سلا «١» جزور وهم يتضاحكون، وأغرت ثقيف سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويرمون عراقيبه بالحجارة حتى اختضب نعلاه بالدماء، وهذا قليل من كثير مما فعلوه معه ﷺ، وهو صابر على أذيّتهم، محتسب عند الله ما يناله معهم.\nفعلوا كل هذا وأكثر منه بالمسلمين حتى ألجئوهم على الخروج من أوطانهم وترك أموالهم وأهليهم فرارا بدينهم.\nفأيّ ظلم أقبح وأشنع من هذا الظلم الذي لم يرتكبوه إلا انتصارا للباطل، واضطهادا للحق، وإيثارا لعبادة الأوثان على عبادة الله الواحد القهار، والذي لم يتعفف أهله عن الإسفاف في الخصومة والفجور في الإيذاء.\nقال تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ذهب كثير من المفسرين إلى أنه وعد بالنصر، وتأكيد لما مرّ من الوعد بالدفاع عن المؤمنين، وتصريح بأنّ المراد بالوعد السابق ليس مجرد تخليصهم من أيدي عدوهم، بل إظهارهم عليهم، وتمكينهم في الأرض، وهو إخبار وارد على سبيل العزة والكبرياء، كما يقول الملك: إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك. لا يريد بذلك حقيقة الإخبار بالقدرة على ذلك، بل يريد أنه سيفعل على سبيل التأكيد.\nوذهب ابن كثير إلى أن المعنى: أنه تعالى قادر على نصر المؤمنين من غير قتال وجهاد، ولكنه أذن لهم في القتال، وندبهم إلى الجهاد، لأنه يريد من عباده بذل جهدهم في طاعته، كما قال تعالى:\n_________\n(١) سلا الجزور: هو اللفافة التي يكون بها الجنين عند الولادة، وهو من الآدمية المستيمة.","vol":"1","page":518},{"text":"فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد: ٤] .\nوقال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [التوبة: ١٦] وقال:\nوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) [محمد: ٣١] .\nوقال: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) [العنكبوت: ٢] .\nأقول: وعلى هذا القول يكون المقصود هو تنبيه المسلمين إلى أنّ الدنيا دار ابتلاء واختبار، وأنّ الحياة ميدان تسابق وتنافس، وأن مدار هذا الدين على الإرادة والاختبار، لا على الإكراه والاضطرار، وأنّ الجزاء من جنس العمل فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة: ٧، ٨] ولا يكون ذلك كله إلا بفتح أبواب العمل أمام العاملين، ودعوة الناس إلى الجهاد والكفاح، وابتلائهم بمواقع الشدائد والمحن، لكي يتبين المجاهدون من القاعدين، والمخلصون من المنافقين. ومن آمن حبا في الله ورسوله ممن آمن حبا في الإبقاء على نفسه وماله وجاهه، وإلا فلو كان النصر حليف المسلمين من غير قتال وجهاد، وكان المؤمن معافى في نفسه وماله وولده، متقلبا في أحضان النعيم من مهده إلى لحده، لما كانت الدنيا دار ابتلاء واختبار ولما كان إيمان المؤمن اختيارا وترجيحا للإيمان على الكفر، وإيثارا لمرضاة الله ومحابّه على مرضاة نفسه وشهواته، ولبطلت التكاليف المبنية على الإرادة والاختيار ومحاربة النفس والهوى، ولما كان الجزاء ثمرة للعمل، ونتيجة لازمة للكد والتعب، فعليهم أن يلتزموا هذه السنن، وأن يعملوا على مقتضاها، وفي ذلك بلوغ المأمول وإنجاز الموعود.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)\nقيل: إن الأمر في هذه الآية بالركوع والسجود والعبادة وفعل الخير متوجه إلى الناس جميعا، إذ إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، غير أن الخطاب فيها خصّ به المؤمنون لمزيد الاعتناء بهم وتشريفهم، ولأنهم هم الذين ينتفعون بهذا التكليف.\nوقيل: إن هذه الأوامر خاصة بالمؤمنين، كما أنّ الخطاب متوجه إليهم وحدهم. أما الكفار فإنّهم لما أعرضوا عن قبول دين الله، ولم يستجيبوا لرسول الله ﷺ، وأبوا من قبل أن يمتثلوا لهذه الأوامر، أعرض الله عنهم، وصرف خطابه وأوامره إلى أهل طاعته الذين يعرفون حقه، ويمتثلون أحكامه. أما أولئك الكفار فإنّهم لا ينفع فيها إرشاد، ولا يرجى منهم قبول ولا امتثال، فهم جديرون بالترك والإهدار. وهذا المعنى أحسن وأوجه، وهو سائر حتى مع القول بتكليف الكفار بالفروع، وهو الذي","vol":"1","page":519},{"text":"يناسبه ما ورد في الآية الآتية من اجتباء المخاطبين، وتسميتهم بالمسلمين، وإعلاء شأنهم بقبول شهادتهم على الأمم يوم القيامة.\nوقد اختلف في المراد بالركوع والسجود في الآية. فقال الحنفية: إن المراد بهما معا الصلاة، فالأمر بهما أمر بالصلاة، وإنما عبّر عن الصلاة بهما لأنهما أهم أركانها وأفضلها. وقيل: إنهما كنايتان عن الذلة والخضوع. وقيل: المراد معناهما الشرعي المعروف. وقد أمر بهما لأنّ الناس في أول الإسلام كانوا يصلون تارة بغير ركوع، وتارة بغير سجود، فالله أمرهم بإتمام الصلاة والإتيان فيها بالركوع والسجود.\nوقال الشافعية إنّ الركوع مجاز عن الصلاة لاختصاصه بها. أما السجود فالمراد به سجود التلاوة. والعبادة: هي كل فعل تتجلى فيه الذلة والاستكانة تحت قهر الإله وسلطانه، وعلى هذا قيل: إن المراد بها التكاليف التي تربط العبد بربه، فهي أعمّ مما قبلها.\nأما فعل الخيرات فهو عام للتكاليف جميعها، يشمل ما يصلح علاقة العبد بالرب، وما يصلح علاقات الناس بعضهم مع بعض، فأنت تجد هذه الأوامر مرتبة، بدئ فيها بعبادة خاصة: وهي الصلاة، ثم ثنّي بما هو أعم منها: وهو جميع العبادات، ثم أتبع ذلك بما هو أعم من الكل: وهو فعل الخيرات الشامل للعبادات وللإحسان في المعاملات، وبعضهم حمل العبادة على الفرائض، وفعل الخير على النوافل.\nوالفلاح: هو الفوز بنيل البغية، ولا شكّ أن بغية كل عابد سائر على نهج الشريعة إنما هي السعادة الدائمة في الآخرة، وهناءة العيش في الدنيا، وقد علمت آنفا ما ينبغي أن يقال في كلمة (لعل) الواردة في كلام الله تعالى. ويصحّ أن يراد منها هنا أيضا الرجاء الحقيقي.\nولكن على تقدير صدوره من العباد فيكون المعنى عليه: يا أيها الذين آمنوا صلوا، وأدوا لله كل ما تعبدكم به، وافعلوا كلّ ما كلّفكم مما فيه الخير لكم ولأمتكم حالة كونكم راجين الفلاح، ومتوقعين الفوز ودرك الرغائب، فالله سبحانه يرشد المؤمنين إلى أنّه ليس من شأن العبد الذليل الذي يشعر قلبه الخشية من الله والخوف من جبروته أن يقطع بنتيجة في عمل من الأعمال التي كلّفها، بل ينبغي أن تكون حاله بعد أن يحسن عمله حالة الرجاء، وتوقع ما يؤمّل من نتيجة صالحة، إذ إن العواقب مجهولة، وقد يكون مقصّرا بعض التقصير في أعماله، فلم يأت بها على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه.\nظاهر من الآية أنها قد جمعت أنواع التكاليف، وأحاطت بفروع الشريعة، فلم يفلت منها فرض ولا ما دون الفرض، وظاهر أيضا أنها قصدت إلى الصلاة التي هي","vol":"1","page":520},{"text":"عماد الدين، فأمرت بها مستقلا، ولم تقتصر على طلبها في عموم العبادات، ولا شكّ أن ذلك يدلّ على تأكّدها وفرضيتها على الناس جميعا.\nغير أن الشافعية قالوا: إنّ الآية آية سجدة، وأخذوا من الأمر بالسجود فيها سجود التلاوة مطلوب لها كغيرها من بقية آيات السجود، مستندين في هذا إلى ما يأتي:\n١- إنّ السجود حقيقة في المعنى المعروف: وهو وضع الجبهة على الأرض، فمتى أمكن حمل اللفظ عليه فلا يصح العدول عنه إلا لموجب، وهو غير موجود في الآية.\n٢- وقالوا: أيضا: قد ورد في السنة ما يؤيّد هذا المعنى، ويكشف عن المراد بالسجود في الآية، فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن مردويه والبيهقي في «سننه» عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: «نعم فمن لم يسجدهما، فلا يقرأهما» «١» .\nوأخرج أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم عن عمرو بن العاص أنّ رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصّل، وفي الحج سجدتان «٢» .\nوكان يقول بهذا علي، وعمر، وابنه عبد الله، وعثمان، وأبو الدرداء، وابن عباس في إحدى الروايتين عنه، وبه أخذ أيضا الإمام أحمد، واللّيث وابن وهب، وابن حبيب من المالكية ﵃ جميعا.\nوقال أبو حنيفة «٣»، ومالك، والحسن، وابن المسيب، وابن جبير، وسفيان الثوري ﵃: إنّ هذه الآية ليست آية سجدة، واستدلوا بما يأتي:\n١- إنّ اقتران السجود بالركوع دليل أنّ المراد به سجود الصلاة، كما في قوله تعالى: وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: ٤٣] فإذا لم يكن هذا الاقتران موجبا لحمل السجود على سجود الصلاة، وأنه عبر عن الصلاة بمجموع الأمرين، فلا أقلّ من أن يكون مرجحا، لذلك فلا يصح أن يؤخذ من الآية أنّ السجود فيها سجود التلاوة.\n٢- ما\nروي عن أبي ﵁ أنه عدّ السجدات التي سمعها من رسول الله ﷺ وعدّ في الحج سجدة واحدة «٤» .\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٢/ ٤٧٠)، كتاب الصلاة، باب السجدة حديث رقم (٥٧٨)، وأبو داود في السنن (١/ ٥٢١)، كتاب الصلاة حديث رقم (١٤٠٢)، وأحمد في المسند (٤/ ١٥١) . [.....]\n(٢) رواه أبو داود في السنن (١/ ٥٢١)، كتاب الصلاة، باب تفريع أبواب السجود حديث رقم (٤٠١)، وابن ماجه في السنن (١/ ٣٣٥)، ٥- كتاب إقامة الصلاة، ٧٠- باب عدد سجدات القرآن حديث رقم (١٠٥٧) .\n(٣) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ٨٥) .\n(٤) رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٠٥) .","vol":"1","page":521},{"text":"وما روي عن ابن عباس وعبد الله بن عمر ﵄ أنهما قالا: سجدة التلاوة في الحج هي الأولى، والثانية سجدة الصلاة.\nقالوا: وهذا المروي عن ابن عباس وابن عمر هو تأويل ما روي عن عقبة بن عامر على فرض صحته، مع أنّ فيه مقالا، وكذا في حديث عمرو بن العاص، وإليك ما قيل فيهما:\nأما حديث عقبة فقال الترمذي وأبو داود وغيرهما: إن إسناده ليس بالقوي، قالوا: لأنّ فيه عبد الله بن لهيعة، وقال الحاكم: إن عبد الله بن لهيعة أحد الأئمة، وإنما نقم اختلاطه في آخر عمره.\nوأما حديث عمرو بن العاص فقيل فيه: إنّه ضعيف أيضا، لأنّ في سنده عبد الله بن منين الذي قال فيه عبد الحق: إنّه لا يحتج به، وقال ابن القطان: إنه مجهول، لا يعرف له حال. وقالا أيضا: إنّ الراوي عن ابن منين هو الحارث بن سعيد العتقي المصري وهو لا يعرف أيضا اهـ.\nقال الله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) الجهاد: هو بذل الطاقة، واستفراغ الوسع في مدافعة العدو، وهو قسمان عظيمان، تحت كل منهما أنواع، فالقسم الأول جهاد العدو الباطن، وتحته نوعان:\n١- جهاد النفس.\n٢- جهاد الشيطان.\nوالقسم الثاني: جهاد العدو الظاهر، وتحته ثلاثة أنواع:\n١- جهاد الكفار.\n٢- جهاد المنافقين.\n٣- جهاد أهل الظلم والبدع والضلالات الاعتقادية والعملية.\nفالجهاد في القسم الأول يكون بمخالفة هوى النفس، ومدافعة وساوس الشيطان. وهذا هو أصل الجهاد، وأشدّ أنواعه، وهو الجهاد الأكبر، كما\nروي أنّ النبيّ ﷺ لما عاد من غزوة تبوك قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» «١»\nولهذا كان فرض عين على كل فرد، لا يغني فيه أحد عن أحد شيئا، وفرضيته ثابتة من مبدأ الإسلام.\n_________\n(١) حديث ضعيف، انظر الأسرار المرفوعة للملا علي القاري حديث رقم (٢١١) .","vol":"1","page":522},{"text":"وكذلك جهاد أهل الظلم والبدع، فهو فريضة على كل مكلف على حسب استعداده، وبقدر استطاعته، كما\nقال رسول الله ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» «١» .\nأما جهاد الكفار والمنافقين، فإنّه يكون بالحجة والبيان، كما يكون جهاد الكفار أيضا بالسيف والسنان. فجهادهم بالحجة واجب أيضا من مبدأ البعثة، كما في الأنواع السابقة، يشهد لذلك قوله تعالى في سورة الفرقان: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا (٥٢) [الفرقان: ٥١، ٥٢] فالمجاهدة بالقرآن لا شك أنها من نوع الجهاد بالحجة والبرهان، وهذا النوع فرض كفاية على الأمة، يتصدى له أهل القدرة عليه من العلماء الواقفين على أسرار الشريعة، العارفين بمسالك القول وطرائق الإقناع.\nأما الجهاد بالسيف وغيره من آلات القتال فهذا هو الذي لم يشرع إلا بعد هجرة النبي ﵊ إلى المدينة، وهو فرض كفاية على المسلمين، يجزئ فيه أن يقوم به بعضهم متى كانوا قادرين على أن يصدوا غارات العدو، وأن يدفعوه عن بقية المسلمين وبلادهم، وإلا فعلى حسب ما يرى الإمام، حتى لو أعلن النفير العام كان فرض عين على كلّ واحد من القادرين على القتال.\nوبعد فقد اختلف العلماء في المراد بالجهاد في قوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ فعن ابن عباس أنّ المراد به قتال الكفار والمشركين، وهو مرويّ عن الضحاك أيضا. وعن عبد الله بن المبارك: أنه مخالفة النفس والهوى، والأولى أن يحمل على المعنى العام الذي يشمل هذا وذاك.\nوقد علمت فيما سبق أنّ الراجح في سورة الحج أنها مدنية ما عدا آيات ليست هذه الآية منها، فلا يكون حينئذ مانع من حمل الجهاد على ما يشمل قتال الكفار وغيره، أما على اعتبار أنها مكية فيتعين تفسير الجهاد بجهاد النفس والشيطان على ما هو معروف، إذ إن القتال لم يفرض إلا بعد الهجرة.\nوالجهاد في الله معناه الجهاد في سبيله، ومن أجل دينه، وحقّ الجهاد في الله أن يكون بقوة وعزيمة صادقة، وأن يكون خالصا لإعلاء دين الله وتأييد شريعته، فلا ينبغي للمسلم أن يخشى في الانتصار للحق لومة لائم، كما لا يجوز له في جهاد الكفار أن يقاتل من أجل غنيمة أو غيرها من الشهوات الدنيوية.\nوعلى تفسير حق الجهاد بذلك تكون الآية محكمة غير منسوخة بقوله تعالى:\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٦٩)، ١- كتاب الإيمان، ٢- باب كون النهي عن المنكر حديث رقم (٤٩) .","vol":"1","page":523},{"text":"فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ كما يقول مجاهد والكلبي، فإنّهما يقولان: إنّ حقّ الجهاد غاية لا يستطيعها عامّة المكلفين، فإنّها قد تتجاوز الوسع وحد الاستطاعة، ولكنك قد علمت الصواب في ذلك.\nوإضافة (حق) إلى (جهاد) في قوله تعالى: حَقَّ جِهادِهِ من إضافة الصفة للموصوف: كما يقال: حق يقين، وشبيه به قولهم فلان حق عالم، وهو جد ذكي، أما إضافة جهاد للضمير في قوله: جِهادِهِ فهي لأدنى ملابسة. وذلك لأنّ هذا الجهاد لما كان مطلوبا لله ومن أجل دينه كان خاصّا به ﷾، فصحّ أن تقع فيه هذه الإضافة التي تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه وأصله: وجاهدوا في الله حق جهادكم فيه، فحذف المضاف إليه، والجار للضمير فاتصل الضمير بالمضاف.\nهُوَ اجْتَباكُمْ الاجتباء: الاصطفاء والاختيار. وهذه الجملة واقعة في مقام التعليل للأمر بالجهاد، فالله وفّق المسلمين لقبول الإسلام، واختارهم لدينه، وشرّفهم بأن يكونوا خدام شريعته، يقيمونها، ويحفظونها ممن يريدها بتحريف أو عدوان، فجدير بمن اختارهم الله لهذا الأمر العظيم أن يبذلوا كل ما عندهم من استطاعة في حماية دينه، وألا يهملوا رعايته، أو يهنوا في حراسته، ولا شكّ أنّ الحكم بأنه سبحانه قد اجتبى المسلمين لذلك، من خير ما يبعثهم على أن يجاهدوا في الله حق الجهاد.\nوَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ الحرج: الضيق كما فسره بذلك ابن عباس ومجاهد.\nأكد الله بهذا وجوب الجهاد على الناس، ولزوم محافظتهم على الدين الذي اختارهم لحمايته، فإنّه نفى أن يكون في أحكامه شيء من العسر والشدة التي تضيق بها صدورهم، ولا تتسع لها قدرهم، وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون هناك مانع يمنعهم من مراعاتها، كما لا يكون لهم عذر إذا تهاونوا فيها، ولم يقوموا بخدمتها حق القيام، ما دام قد تحقّق المقتضى للجهاد، وهو اجتباؤهم، وانتفى المانع، وهو الحرج في التكاليف، وأنت خبير بأن هناك فرقا كبيرا بين المشقة في الأحكام الشرعية وبين الحرج والعسر فيها، فإنّ الأولى حاصلة، قلما تخلو عنها التكاليف، فإنّ التكليف هو إلزام ما فيه كلفة ومشقة.\nأما المشقة الزائدة التي تصل إلى حد الحرج فهي المرفوعة عن المكلفين فقد فرض الله الصلاة على المكلف في اليوم خمس مرات، وأوجب عليه أن يؤديها من قيام، وهذا شيء لا حرج فيه، ثم هو إذا لم يستطع الصلاة من قيام فله رخصة أن يصلي من قعود، أو بالإيماء. وكذلك شريعة الصيام لا تصل فيها المشقة إلى درجة العسر، إذ إن المفروض على الناس صيام شهر في كل عام، ومع ذلك فقد رخّص الله","vol":"1","page":524},{"text":"للمكلّف في حالات تعظم فيها المشقة عليه أن يفطر، فأباح الفطر لكلّ من المسافر والمريض والهرم والحامل والمرضع، وهكذا تجد جميع التكاليف في ابتدائها ودوامها مراعى فيها التخفيف والتيسير على العباد، كما يشهد بذلك قوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧] وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] وغير ذلك في هذا المعنى كثير.\nمِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ الملة والدين والشريعة شيء واحد، وكلمة مِلَّةَ منصوبة على المصدرية بفعل يدلّ عليه قوله تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فإنه يفيد معنى التوسعة، أي وسع عليكم في دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم، فحذف المصدر المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ويصحّ أن تكون منصوبة على الاختصاص بفعل تقديره: أعني ملة أبيكم إبراهيم، وقيل: إنها منصوبة على الإغراء أي الزموا ملة أبيكم إبراهيم وظاهر أنه على الإعراب الأول لا يكون في الكلام دلالة على أنّ شريعتنا هي شريعة إبراهيم ﵊.\nوحينئذ فلا مانع من تفسير الملة بالأحكام الشرعية كلها الاعتقادية والعملية، أما الإعرابان الآخران فإنّهما يدلان على اتحاد الشريعتين، وعلى هذا ينبغي قصر الملة على الأحكام الأصلية المتعلقة بالاعتقاد، إذ لا شك أنها واحدة في شريعتنا وشريعة إبراهيم ﵊، بل هي واحدة في جميع الشرائع لم تتغير بتغير الأزمان والأقوام، اقرأ قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣] وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) [الأنبياء: ٢٥]\nوقول النبي ﷺ: «الأنبياء أولاد علّات» «١»\nيريد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة، وعلى هذا يكون تخصيص إبراهيم ﵊ بالذكر ليقويّ تمسك المؤمنين من أمة محمد ﷺ بشريعته إذ إنّ أكثرهم من نسل إبراهيم ﵊، فهم يحبونه حب الأبناء للآباء، ولا شكّ أنّ هذا الحب يقوّي فيهم روح الاستمساك بشريعة نبيهم محمد ﷺ، إذ كانت هي شريعة أبيهم إبراهيم من قبل. وقد تبين لك من هذا معنى أبوة إبراهيم ﵊ للمؤمنين من هذه الأمة.\nويصحّ أن يقال: إنه ﵊ أب لنبينا محمد ﷺ، ومحمد ﷺ كالأب لأمته من حيث إنه سبب لحياتهم السعيدة في الآخرة.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ١٨٣٧)، ٤٣- كتاب الفضائل، ٤٠- باب فضائل عيسى حديث رقم (١٤٣/ ٢٣٦٥)، والبخاري في الصحيح (٤/ ١٧١)، ٦٠- كتاب الأنبياء، ٤٨- باب (واذكر في الكتاب) حديث رقم (٣٤٤٢) .","vol":"1","page":525},{"text":"هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وفي هذا اختلف العلماء في مرجع الضمير من قوله: هُوَ سَمَّاكُمُ فعن ابن زيد والحسن: أن الضمير لإبراهيم ﵊، سمانا المسلمين قبل نزول القرآن، وذلك ظاهر، وسمانا المسلمين في القرآن لأنه تسبب في هذه التسمية بقوله: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: ١٢٨] فلما استجاب الله دعاءه، وجعلنا أمة مسلمة من ذريته، كان إبراهيم كأنّه سمانا مسلمين.\nوذهب ابن عباس ومجاهد والضحاك إلى أن المسمّي هو الله جل شأنه، ويؤيد هذا الرأي قراءة أبي بن كعب (الله سماكم المسلمين) وابقاء الإسناد على ظاهره خير من التأويل فيه، وجعله مستعملا في حقيقته ومجازه.\nواللام في قوله تعالى: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ إما لام العاقبة، وهي متعلقة بسماكم على الوجهين في ضميره، وشهادة الرسول على أمته معناها الإخبار بأنّه قد بلّغهم رسالة ربه، وإما لام التعليل.\nوعلى في قوله: عَلَيْكُمْ بمعنى اللام، على حد قوله تعالى: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: ٣] ومعنى شهادة الرسول لهم أن يزكيهم عند الله يوم القيامة، ويشهد بعدالتهم إذا شهدوا على الأمم السابقين ويكون التعبير بعلى لما في الشهيد من معنى الرقيب والمهيمن.\nوقد تبين لك أنّه لا بد على هذين الوجهين من التأويل في قوله تعالى: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ إما في (اللام) وإما في كلمة (على) والسبب في ذلك هو أنه لم يظهر للقائلين بهما الوجه في أن يعلل تعديل هذه الأمة وتسميتها مسلمة بشهادة الرسول عليها، إذ المستقيم إنما هو تعليل ذلك بقبول شهادتها على غيرها.\nوالحق أنه لا حاجة لذلك التأويل، ولا مانع من بقاء كل من: على واللام على أصل معناه، ويكون قول شهادة الرسول ﷺ على الأمة علة في الحكم بعدالة ذلك الحكم الذي دلّت عليه تسميته مسلما، إذ لا شك أنه ﷺ مسلم لله، وأنه سيد المسلمين، فهو داخل في قوله تعالى: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ دخولا أوليا، ويكون قبول الشهادة من أمته على الأمم الأخرى علة في تسميتها مسلمة كذلك. ويكون في الكلام تفصيل في الشهادة بعد إجمال في التسمية بالمسلمين، وهذا وجه وجيه لا خفاء فيه.\nقد يقال: إنه بعد هذا كله لا يظهر التعليل إلا إذا كانت التسمية بالمسلمين واقعة من الله تعالى، كما هو أحد الرأيين، فإنّه واضح جدا أن يقال: سماهم الله مسلمين هذه التسمية الدالّة على حكمه بعدالتهم، ليقبل شهادتهم على غيرهم، أما إذا كانت","vol":"1","page":526},{"text":"التسمية من إبراهيم ﵊ كما هو الرأي الآخر، فلا يظهر ذلك التعليل، إذ يكون معنى الكلام عليه: سماهم إبراهيم هذه التسمية التي تضمّنت حكمه بعدالتهم، ليقبل الله شهادتهم على الناس يوم القيامة وفيه ما ترى.\nوالجواب: أنّ تسمية سيدنا إبراهيم إياهم بالمسلمين قد أقرّها الله تعالى، فكأنّ الحكم بعدالتهم صادر منه جل شأنه، فيكون الله هو الذي عدّلهم ليقبل شهادتهم، وهذا الجواب مستقيم ولا غبار عليه.\nوبعد ... فشهادة النبي ﷺ وشهادة أمته يوم القيامة يثبت بها شرف عظيم له ﵊ ولهذه الأمة، فإنّ الله تعالى يصدّق قوله يوم القيامة على أمته في دعوى تبليغه إياها، لكن سائر المرسلين مع عصمتهم سوف يحتاجون لإثبات ما يدّعون على أقوامهم إلى من يشهد لهم بين يدي الله ﷿.\nوكذلك هذه الأمة شرّفها الله بأن جعلها أهلا للشهادة على سائر الأمم، فهي تشهد على الناس جميعا، ولا يشهد عليها أحد منهم، إنما الذي يشهد عليها هو نبيّها الذي هو أشرف الخلق أجمعين. وفي هذا فضل كبير.\nوَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ورد أنه يؤتى بالأمم وأنبيائهم فيقال للأنبياء: هل بلغتم أممكم، فيقولون: نعم بلغناهم، فينكرون فيؤتى بهذه الأمة فيشهدون أنّهم قد بلغوا، فتقول الأمم لهم: من أين عرفتم، فيقولون: عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق.\nفَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ قد سبق لك معنى إقامة الصلاة. أما الاعتصام فمعناه اتخاذ العصمة، وهي ما يعصم الشيء ويمنعه مما يضره. فالاعتصام بالله هو الثقة به، والالتجاء إليه، والاستعانة بقوته العظمى على دفع كلّ مكروه، وقيل: إن الاعتصام بالله هو الاستمساك بدينه والتزام شريعته.\nوهذه الجملة مرتبة بالفاء على ما قبلها، من اجتباء المخاطبين، وتسميتهم مسلمين، وتشريفهم بقبول شهادتهم على الأمم.\nوقد ختم الله الأوامر في هاتين الآيتين بالأمر بإقام الصلاة مع سبق الأمر بها في قوله تعالى: ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا على ما علمت، ثم عطف عليه الأمر بإيتاء الزكاة لما تقدم لك كثيرا من أنهما أصل الخير وأسّ الفلاح، ثم أتبعهما الأمر بالاعتصام به ﷾، فإن هذا الاعتصام هو مبعث القوة، وهو سبيل الفوز، فمن استنصر بالله نصره، ومن لاذ بحماه أمّنه، ومن استعان بقوته يسّر له أمره، وأمكنه مما يريد.\nهُوَ المولى يطلق على معان: منها المالك، والناصر، والمعتق، والجار، وابن العم، والحليف. وأولاها الأول، وفي هذه الجملة هُوَ مَوْلاكُمْ عدة جميلة،","vol":"1","page":527},{"text":"تشدّ العزم، وتقوّي القلب، وتوجب الاطمئنان وحسن الاعتماد على الله، وهي في منزلة العلة لما قبلها من الأمر بالاعتصام، فلذلك فصلت عنه.\nوالمعنى: ثقوا بالله، والجؤوا إليه، واحتموا بحمايته، لأنّه هو مالككم وخالقكم، يغار عليكم، ويحفظكم، ويدفع المكروه عنكم.\nفَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ النصير العظيم النصرة، الكامل المعونة.\nوالمخصوص بالمدح ضمير يرجع إلى الله تعالى.","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>من سورة النور</span>\nقال الله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)\nوَفَرَضْناها الفرض: قطع الشيء الصلب، والتأثير فيه، والمراد به هنا الإيجاب على أتم وجه، أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيا.\nآياتٍ بَيِّناتٍ ترد الآية في القرآن بمعنى الكلام المتصل إلى مقطعه الاصطلاحي وبمعنى العلامة، وفي هذه السورة آياتٍ بَيِّناتٍ واضحة الدلالة على أحكامها. مثل الآيات التي نيطت بها أحكام الزنى، والقذف، واللعان، والحلف على ترك الخير، والاستئذان، وغض البصر، وإبداء الزينة للمحارم وغير المحارم، وإنكاح الأيامى، واستعفاف من لم يجد نكاحا، ومكاتبة الأرقاء، وإكراه الفتيات على البغاء، وطاعة الرسول ﷺ، والسلام على المؤمنين. إلى كثير من الأحكام التي ذكرت في هذه السورة.\nوفي هذه السورة أيضا طائفة من الآيات الكونية، والظواهر الطبيعية، فيها دلالات واضحة، وحجج قاطعة، على توحيد الله وكمال قدرته: مثل النور والظلمة، والتأليف بين السحاب، وإنزال المطر من خلاله، ووميض البرق ولمعانه، وتقليب الليل والنهار، واختلاف الحيوانات في أشكالها وهيئاتها وطبائعها، مع اتحاد المادة التي منها خلقت، إلى غير ذلك من حجج التوحيد وشواهد القدرة.\nوإذا علمت أنّ إطلاق الآية على كلّ من المعنيين- الكلام والعلامة- حقيقي علمت أنّ كلمة آية مشترك لفظي، فمن أجاز استعمال المشترك في معنييه لا مانع عنده من إرادة المعنيين جميعا في قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ ومن أبى استعمال المشترك في معنييه يحتّم إرادة أحد المعنيين لا غير، فيحتمل أن يكون المراد بالآيات الآيات التي نيطت بها الأحكام في هذه السورة، ومعنى كونها بينات أنها واضحة الدلالة على ما نيط بها من الأحكام، ويحتمل أن يكون المراد بالآيات ما في هذه السورة من دلائل التوحيد، وشواهد القدرة، ومعنى كونها بينات أن دلالتها على ما ذكر واضحة ظاهرة وعلى هذا الاحتمال يكون قوله تعالى: وَفَرَضْناها إشارة إلى الأحكام والحدود المبينة في السورة. وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ إشارة إلى آيات التوحيد، ويؤيّد هذا الاحتمال قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فإنّ معنى التذكر أن يعاد إلى الذاكرة ما كان معلوما، والأحكام التي في هذه السورة لم تكن معلومة لهم","vol":"1","page":529},{"text":"حتى يتذكروها، ولكن دلائل التوحيد وشواهده معروفة للناس، ولكنهم لم يفطنوا لها، فهم ليسوا في حاجة إلى أكثر من أن يلتفتوا إليها فيتذكروها بعد النسيان.\nوالمعنى: هذه سورة أنزلناها، وفرضنا ما فيها من أحكام، وأنزلنا فيها دلائل وعلامات على توحيد الله وكمال قدرته، لتتذكروها، فتعتقدوا وحدانيته وقدرته جلّ شأنه.\nومعلوم أن إنزال السورة كلها يستلزم إنزال هذه الآيات منها، فيكون التكرار في قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لكمال العناية بشأنها، كما هي الحال في ذكر الخاصّ بعد العام.\nقال الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزنى مقصور في اللغة الفصحى، وهي لغة الحجازيين. وقد يمدّ في لغة أهل نجد.\nوالزنى من الرجل وطء المرأة في قبل من غير ملك ولا شبهة ملك، والزنى من المرأة تمكينها الرجل أن يزني بها.\nوالجلد بفتح الجيم: ضرب الجلد بكسرها. وقد جاء صوغ فعل مفتوح العين من أسماء الأعيان يقال: رأسه، وظهره، وبطنه، وفأده، وحسه: إذا أصاب رأسه وظهره وبطنه وفؤاده وحسه.\nوجوّز الراغب أن يكون معنى جلده ضربه بالجلد مثل: عصاه ضربه بالعصا، وسافه ضربه بالسيف، ورمحه أي طعنه بالرمح.\nوالرأفة: الشفقة والعطف.\nفِي دِينِ اللَّهِ في طاعته وإقامة حدّه الذي شرعه.\nوَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما شهد كسمع شهودا: حضر.\nطائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الطائفة في الأصل اسم فاعل مؤنّث من الطواف، وهو الدوران، والإحاطة، فهي إما صفة مفرد مؤنث أي نفس طائفة، فتطلق حينئذ على الرجل الواحد. وإما صفة جماعة، أي جماعة طائفة، فتطلق على من فوق الواحد.\nويكاد اللغويون يجمعون على أنه يقال للواحد طائفة كما يقال لمن فوقه طائفة.\nوفي المراد بها هنا أقوال سنبينها فيما بعد.\nوقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا إلخ شروع في تفصيل الأحكام التي أشير إليها في قوله جل شأنه: وَفَرَضْناها والرفع في قوله جلّ شأنه الزَّانِيَةُ عند سيبويه والخليل على أنه مبتدأ، خبره محذوف، والكلام على حذف مضاف، والتقدير: مما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني، ويفهم من كلام سيبويه في «الكتاب» أن النهج المألوف","vol":"1","page":530},{"text":"في كلام العرب- إذا أرادوا بيان معنى وتفصيله اعتناء بشأنه- أن يذكروا قبله ما هو عنوان وترجمة له، وهذا لا يكون إلا بأن يبنى الكلام على جملتين.\nوقد يقال: ما الحكمة في أن بدأ الله في الزنى بالمرأة وفي السرقة بالرجل؟\nوالجواب: إن الزنى من المرأة أقبح، فإنّه يترتب عليه تلطيخ فراش الرجل، وفساد الأنساب، وعار على العشيرة أشد وألزم، والفضيحة بالحمل منه أظهر وأدوم، فلهذا كان تقديمها على الرجل أهم.\nوأما السرقة فالغالب وقوعها من الرجال، وهم عليها أجرأ من النساء وأجلد وأخطر، فقدّموا عليهنّ لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>حدّ الزنى</span>\nكان حد الزنى في أول الإسلام ما قصّه الله علينا في سورة النساء من قوله جلّ شأنه: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) [النساء: ١٥، ١٦] فكانت عقوبة المرأة أن تحبس، وعقوبة الرجل أن يعيّر ويؤذى بالقول، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ.\nأخرج مسلم وأبو داود والترمذي «١» عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان نبي الله ﷺ إذا نزل عليه كرب لذلك، وتربّد وجهه، فأنزل الله تعالى عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلمّا سرّي عنه قال: «خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مئة والرجم» .\nمعنى تربّد: تغيّر.\nوأخرج أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: قال الله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ إلى قوله: سَبِيلًا فذكر الرجل بعد المرأة، ثم جمعهما فقال: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فنسخ الله ذلك بآية الجلد فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وتقدّم لك في تفسير هاتين الآيتين ما يغني عن الإعادة، فارجع إليه في سورة النساء.\nظاهر قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ أنّ أولياء الأمر من\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ٣١٦)، ٢٩- كتاب الحدود، ٣- باب حد الزنا، حديث رقم (١٣/ ١٦٩٠)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٣٢)، كتاب الحدود، باب الرجم حديث رقم (١٤٣٤)، وأبو داود في السنن (٤/ ١٣٥)، كتاب الحدود، باب في الرجم حديث رقم (٤٤١٥) .","vol":"1","page":531},{"text":"الحكام مكلّفون أن يجلدوا من زنى من ذكر أو أنثى مئة جلدة، سواء المحصن منهم وغيره. لكنّ السنة القطعية فرّقت في الحد بين المحصن وغير المحصن. وأجمع الصحابة ﵃ ومن تقدّم من السلف وعلماء الأمة، وأئمة المسلمين على أن من زنى وهو محصن فإنّه يرجم حتى يموت، ولا نعلم خلافا في ذلك لأحد إلا بعض المبتدعة من الخوارج، فإنّهم قالوا: إن الرجم غير مشروع، وإنه لا فرق في الحدّ بين المحصن وغير المحصن، وسنبيّن فساد مذهبهم إن شاء الله.\nوالقائلون بأن الرجم مشروع قد اختلفوا فيه، أهو تمام ما على المحصن من العذاب، أم هو والجلد قبله حد المحصن.\nفإلى الأوّل ذهب جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وإلى الثاني ذهب علي ﵁ وإسحاق وأهل الظاهر، وهو رواية عن أحمد ﵀.\nفعلى رأي الجمهور يكون المراد بالزانية في الآية الكريمة البكرين، وتكون الآية مخصوصة بالسنة القطعية، أو بالآية المنسوخة التلاوة «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله» على كلام فيها.\nوعلى رأي أهل الظاهر، تكون الآية باقية على عمومها، ويكون الرجم حكما زائدا في حقّ المحصن ثبت بالسنة.\nوالظاهر أيضا من قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ أنّه يشمل الرقيق وغيره، فيكون الحدّ في الجميع واحدا، لكن قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ أخرج الإماء من هذا الحكم، فإنّ الآية نزلت فيهن، وكذلك أخرج العبيد، لأنّه لا فرق بين الذكر والأنثى بتنقيح المناط.\nوقال بعض أهل الظاهر عموم قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة، إلا أنه ورد النص بالتنصيف في حق الأمة، فلو قسنا العبد عليها لزم تخصيص عموم الكتاب بالقياس، يعني وهم لا يقولون به.\nومن الظاهرية من قال: الأمة إذا تزوجت فحدّها في الزنى خمسون جلدة لقوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ إلخ. فإذا لم تتزوج فحدّها مئة جلدة للعموم في كلمة الزَّانِيَةُ.\nوجمهور الفقهاء على رد هذين الرأيين بما سلف لك هنا وفي سورة النساء.\nوكذلك عموم قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إلخ يشمل المسلم والكافر. غير أن الحربي لما يلتزم أحكامنا، ولم تنله يدنا كان خارجا من هذا الحكم، وبقي العموم فيمن عداه من المسلمين وأهل الذمة. وبهذا قال جمهور الفقهاء.\nوروي عن مالك ﵀ أن الذمي لا يجلد إذا زنى، قيل: وهو مبنيّ على أنّ الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة.","vol":"1","page":532},{"text":"وظاهر الآية أيضا أنّ مئة الجلدة هي تمام حد البكر، فإنّ قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ قصد به بيان حكم الزنى، فكان المذكور تمام حكمه، لأنّ السكوت في مقام البيان يفيد الحصر، فيفهم منه أنّ حكم الزانية والزاني ليس إلا الجلد، فمن زاد على الجلد تغريب عام عمل بالسنة، وجعلها حكما على ظاهر الكتاب.\nويرى الفقهاء جميعا ما عدا أهل الظاهر أنّ حد الرقيق مطلقا نصف حد الحر، لا فرق بين الذكر والأنثى، ولا بين الثيب والبكر.\nويرى بعض أهل الظاهر أنّ التنصيف خاصّ بالأمة، أما العبد فهو كالحر البكر في الحد.\nويرى بعض آخر منهم أنّ التنصيف خاص بالأمة المتزوجة. أمّا الأمة غير المتزوجة والعبد فحدّهما حدّ الحر البكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>أدلة الخوارج والرد عليها</span>\nاستدل الخوارج على أنّ الرجم غير مشروع بثلاثة أدلة:\nالأول: أن الله تعالى قال في حق الإماء: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [النساء: ٢٥] فجعل حد الإماء نصف حد المحصنات من الحرائر. والرجم لا يتنصّف، فلا يصحّ أن يكون حدّا للمحصنات من الحرائر.\nوالثاني: أن الله تعالى فصّل أحكام الزنى وأطنب فيها بما لم يطنب في غيرها، والرجم أقصى العقوبات وأشدها، فلو كان مشروعا كان أولى بالذكر.\nوالثالث: أن قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ يقتضي وجوب الجلد وعمومه لكل الزناة. وإيجاب الرجم على بعضهم يقتضي تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وهو غير جائز على مذهبهم.\nوأجاب الجمهور على الأول بأن المراد من المحصنات في قوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ الحرائر. والحرائر نوعان: ثيبات وأبكار، وحد النوعين على التوزيع الرجم وجلد مئة، ولما كان الرجم لا يتنصّف كان العذاب مخصوصا بغير الرجم للدليل العقلي، وكان الرجم غير مشروع في حق الأرقاء. وتقدّم لك شيء من هذا في تفسير قوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ في سورة النساء.\nوعن الثاني بأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدّد المصالح فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول هذه الآيات، وكفى بالسنة ووظيفتها البيان والتكميل- بيانا وتفصيلا.","vol":"1","page":533},{"text":"وعن الثالث بأنّ تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عندنا، لأنّ اللفظ العام في القرآن الكريم وإن كان قطعيا في متنه ظني في دلالته، فأمكن تخصيصه بالدليل المظنون، وإن سلمنا أنّ خبر الآحاد لا يخصص القرآن فلا نسلم أنّ الرجم ثبت بطريق الآحاد، بل هو ثابت بالتواتر. رواه أبو بكر وعمر وعلي ﵃ وجابر وأبو سعيد الخدري وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فهو على الأقل متواتر المعنى كشجاعة علي وجود حاتم.\nوالآحاد إنما هي في تفاصيل صوره وخصوصياته. والخوارج كسائر المسلمين يوجبون العمل بالمتواتر معنى كالمتواتر لفظا إلا أن انحرافهم عن الصحابة، وتركهم التردد إلى علماء المسلمين والرواة منهم أوقعهم في جهالات كثيرة.\nولقد عابوا على عمر بن عبد العزيز ﵁ القول بالرجم، وقالوا: ليس في كتاب الله تعالى فألزمهم بأعداد الركعات ومقادير الزكوات فقالوا: ذلك من فعله ﷺ وفعل المسلمين. فقال: وهذا أيضا كذلك.\nوكان عمر بن الخطاب ﵁ ألهم أمر هؤلاء الخوارج، فقد روي عن ابن عباس أنّه قال: سمعت عمر ﵁ يخطب ويقول: إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها وو عيناها، ورجم رسول الله ﷺ، ورجمنا بعده، وأخشى إن طال بالناس زمن أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى في كتابه، فإنّ الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال أو النساء، قامت البينة أو كان حمل أو اعتراف، والله لولا أن يقول الناس زاد في كتاب الله تعالى لكتبتها. أخرجه الستة «١» .\nوروى الزهري بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال: قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، وقد قرأنا الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فرجم النبي ﷺ ورجمنا بعده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>دليل الظاهرية والرد عليهم</span>\nاستدل أهل الظاهر على وجوب الجلد والرجم في حد المحصن بالعموم في الآية مع ما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت ﵁ من\nقوله ﷺ: «والثيب بالثيب جلد مئة ورمي بالحجارة»\nوفي رواية غيره «ورجم بالحجارة» .\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٣١٧)، ٢٩- كتاب الحدود، ٤- باب رجم الثيب حديث رقم (١٥/ ١٦٩١)، والبخاري في الصحيح (٨/ ٣٢)، ٨٧- كتاب الحدود، ١٦- باب الاعتراف حديث رقم (٦٨٢٩)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٢٨)، كتاب الحدود، باب في تحقيق الرجم حديث رقم (١٤٣١)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٨٥٣)، ٢٠- كتاب الحدود، ٩- باب الرجم حديث رقم (٢٥٥٣) .","vol":"1","page":534},{"text":"وما\nرواه البخاري وغيره عن علي كرم الله وجهه من قوله حين جلد شراحة ثم رجمها: جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ.\nوأجاب الجمهور بأن الآية مخصوصة وخبر أبي داود متروك العمل بما\nرواه الستة «١» عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله تعالى، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله تعالى وائذن لي.\nفقال رسول الله ﷺ: «قل» .\nفقال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أنّ على ابني الرجم فافتديت منه بمئة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مئة وتغريب عام، وإن على امرأة هذا الرجم. فقال: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى، الوليدة والغنم ردّ عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس- لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، فغدا عليها فاعترفت فأمر بها النبي ﷺ فرجمت. فقد دل هذا الحديث على أنّ الرجم هو تمام الحد على المحصن، ولو وجب الجلد إذ ذاك لذكره النبي ﷺ.\nوإنّ قصة ما عز رويت من جهات مختلفة وليس فيها ذكر الجلد مع الرجم، وكذا قصة الغامدية.\nوقد تكرر الرجم في زمانه ﷺ ولم يرو أحد أنه جمع بينه وبين الجلد، فقطعنا بأنّ حد المحصن لم يكن إلا الرجم.\nوأما جلد علي كرم الله وجهه شراحة، ثم رجمه إياها فهو رأي له لا يقاوم ما ذكر من القطع عن رسول الله ﷺ، وكذلك لا يقاوم إجماع غيره من الصحابة رضوان الله عنهم. ولعل عمله هذا محمول على مثل ما رواه أبو داود عن جابر ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ برجل زنى فجلد الحد، ثم أخبر أنّه محصن فأمر به فرجم.\nوأيضا فإنّ المعنى المعقول يأبى اجتماع الجلد مع الرجم، لأن الجلد حينئذ يعرى عن المقصود الذي شرع الحد لأجله، وهو الانزجار أو قصده إذ كان القتل لا حقا له.\nوللشافعية قاعدة في مثل هذا وهي أن الفعل إذا كان له جهتا عموم وخصوص،\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ٤٣)، ٨٧- كتاب الحدود، ٣٣- باب هل يأمر الإمام حديث رقم (٦٨٥٩)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٣)، كتاب الحدود، باب الرجم حديث رقم (١٤٣٣)، وأبو داود في السنن (٤/ ١٤٦)، كتاب الحدود، باب المرأة حديث رقم (٤٤٤٥)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٦٢٢)، كتاب القضاة حديث رقم (٥٤١٢)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٨٥٢)، ٢٠- كتاب الحدود، ٧- باب حد الزنى حديث رقم (٢٥٤٩) .","vol":"1","page":535},{"text":"وكان لكل من جهتيه حكم فإنّه إذا أوجب أعظم الأمرين بجهة خصوصه لا يوجب أدونهما بجهة عمومه: مثاله خروج المني من القبل لمّا أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل بخصوص كونه خروج مني لم يوجب أدونهما وهو الوضوء بعموم كونه خارجا، كذلك زنى المحصن لما أوجب أعظم الحدين وهو الرجم بخصوص كونه زنى محصن لم يوجب أدونهما وهو الجلد بعموم كونه زنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>أقوال الفقهاء في النفي</span>\nعلمت أن الحنفية «١» يقولون: إنّ النفي ليس من الحد في شيء، وإنه مفوّض إلى رأي الإمام، وحجتهم في ذلك ظاهر الآية الكريمة، فإنها اقتصرت في مقام البيان على مئة جلدة، فلو كان النفي مشروعا لكان ذلك نسخا للكتاب، وجميع ما روي عن النبي ﷺ في النفي لم يخرج عن كونه من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا تقوى على نسخ الكتاب، ولو كان النفي حدّا مع الجلد لكان من النبي ﷺ توقيف للصحابة، لئلا يعتقدوا عند سماع التلاوة أنّ الجلد هو جميع الحد، ولوجب أن يكون وروده في وزن ورود نقل الآية وشهرتها. فلما لم يكن خبر النفي بهذه المنزلة، بل كان وروده من طريق الآحاد ثبت أنه ليس بحد.\nوقد روى الستة «٢» غير النسائي عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ قالا: سئل رسول الله ﷺ عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير» .\nقال مالك: الضفير الحبل،\nوفي رواية: «فليجلدها ولا تثريب عليها»\nفظاهر الحديث أنّ الجلد هو تمام الحد، ولو كان النفي من الحد لذكره النبي ﷺ.\nوقد روي عن عمر بن الخطاب أنه غرّب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر، فلحق بهر قل فقال عمر: لا أغرب بعدها أحدا ولم يستثن الزنى.\nوروي عن علي كرّم الله وجهه أنه قال في البكرين إذا زنيا: إنهما يجلدان ولا ينفيان، وإنّ نفيهما من الفتنة.\nفإذا كانت الأخبار المثبتة للنفي معارضة بما سمعت، وهي بعد لم تخرج عن كونها أخبار آحاد، فليس بجائز أن نزيد في حكم الآية بهذه الأخبار، لأنّه يوجب\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ٣٨٦) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ٣٢٨)، ٢٩- كتاب الحدود، ٦- باب رجم اليهود حديث رقم (٢٠/ ١٧٠٣)، والبخاري في الصحيح (٨/ ٣٧)، ٨٧- كتاب الحدود، ٢١- باب إذا زنت الأمة حديث رقم (٦٨٣٩)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٣٠)، كتاب الحدود، باب الرجم حديث رقم (١٤٣٣)، وأبو داود في السنن (٤/ ١٥٥)، كتاب الحدود، باب في الأمة تزني حديث رقم (٤٤٦٩)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٨٥٧)، ٢٠- كتاب الحدود، ١٤- باب إقامة الحدود حديث رقم (٢٥٦٥) .","vol":"1","page":536},{"text":"النسخ على ما سمعت، لا سيما مع إمكان استعمالها على وجه لا يوجب النسخ في الآية، ولا يدفع حكم الأخبار، وذلك بإبقاء الآية على حكمها، وأن الجلد هو تمام الحد، وجعل النفي على وجه التعزيز، ويكون النبي ﷺ قد رأى في ذلك الوقت نفي البكر لأنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية، فرأى ردعهم بالنفي بعد الجلد، كما أمر بشق روايا الخمر، وكسر الأواني، لأنّه أبلغ في الزجر، وأحرى بقطع العادة.\nوالقائلون بأن النفي من تمام الحد احتجوا بحديث عبادة بن الصامت وقد تقدم، وفيه تنصيص على أن النفي من الحد، وقد ورد مثله في قصة العسيف، وتكرّر ذكر النفي فيها على أنّه من الحد، ولا مانع من الزيادة على حكم الآية بخبر الآحاد.\nعلى أنّه ليس ذلك زيادة في حكم الآية، فإنّ إيجاب الجلد المفهوم من الآية مشترك بين إيجاب الجلد مع التغريب، وإيجابه مع نفي التغريب، ولا إشعار في الآية بأحد القسمين، إلا أن عدم التغريب للبراءة الأصلية، فإيجابه بخبر الواحد لا يدفع حكم الآية، ولا يزيل إلا محض البراءة الأصلية.\nوالحاصل أنّ القائلين بالنفي يجعلون الجلد في الآية من قبيل الماهية بلا شرط شيء، والقائلين بعدم النفي يجعلون الجلد في الآية من قبيل الماهية بشرط لا شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>أقوال الفقهاء في حد الذمي المحصن</span>\nترى الحنفية «١» أنّ حدّ الذمي المحصن هو الجلد لا الرجم، واحتجوا على ذلك بأمور:\n١- منها ما\nرواه إسحاق بن راهويه بسنده عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «من أشرك بالله فليس بمحصن» «٢»\nووجه الدلالة فيه أن الإحصان هنا ظاهر في إحصان الرجم، فيكون هذا الحديث معارضا لما ثبت من فعله ﷺ، من رجم اليهوديين، وليس تاريخ يعرف به تقدم أحدهما على الآخر، فنرجع إلى الترجيح، والترجيح معنا، إذ المعلوم أنه إذا تعارض القول والفعل، ولم يعلم المتقدم من المتأخر، يقدّم القول على الفعل، ولأنّ هذا القول موجب لدرء الحد، والفعل يوجب استيفاءه، والأولى في الحدود ترجيح الرافع عند التعارض، لأنّ الحدود تدرأ بالشبهات، ورجم الذمي حدّ تمكنت فيه الشبهة، فيجب درؤه.\n٢- وإن النعمة في حق المسلم أعظم، فكانت جنايته أغلظ، كقوله تعالى في أمهات المؤمنين: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: ٣٠] .\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ٣٨٥) .\n(٢) رواه الدارقطني في سننه (٢/ ٢٥٠، ٣/ ١٤٧)، كتاب الحدود. عن ابن عمر.","vol":"1","page":537},{"text":"٣- وإن إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام بالإجماع، فكذا إحصان الرجم، والجامع كمال النعمة.\nويرى الشافعية أنّ حد الذمي المحصن الرجم، وحجتهم في ذلك عموم\nقوله ﷺ: «إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» .\nوما\nثبت في «الصحيحين» «١»\nمن أنه النبي ﷺ رجم يهوديين زنيا\n، فإن كان ذلك منه ﷺ حكما بشرعه فهو ظاهر، وإن كان حكما بشرع من قبله فقد صار شرعا له، وأيضا فإنّ زنى الكافر مثل زنى المسلم في الحاجة إلى الزاجر.\nثم أجابوا عن أدلة الحنفية فقالوا في الحديث: إنه مضطرب، قال فيه إسحاق:\nقد رفع هذا الخبر مرة ووقف على ابن عمر مرة أخرى، ورواه الدارقطني في «سننه» وقال: لم يرفعه غير إسحاق بن راهويه، ويقال: إنه رجع عنه، والصواب تفسير الإحصان في\nقوله ﷺ: «من أشرك بالله فليس بمحصن»\nبالتزويج يجعل الحديث في ظاهره مصادما للواقع، فينبغي أن يكون المراد بالمحصن فيه المحصن الذي يقتصّ له من المسلم، فيكون الذمي الثيب محصنا إحصان الرجم، فثبت رجمه لعموم\nقوله ﷺ: «وزنى بعد إحصان» .\nوأجابوا عن قول الحنفية: أن النعمة في حق المسلم أعظم إلخ بأنه معارض بأن الإسلام من كسب العبد، وزيادة الخدمة إن لم تكن سببا في تخفيف العقوبة فلا أقل من ألا تكون سببا في زيادتها.\nوأجابوا عن القياس على حد القذف بأن حد القذف ثبت لرفع العار كرامة للمقذوف، والكافر لا يكون محلا للكرامة، وصيانة العرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>الكلام فيمن يلي الحد</span>\nالخطاب في قوله تعالى: فَاجْلِدُوا لأولياء الأمر من الحكام، لأنّ هذا حكم يتعلّق باستصلاح الناس جميعا، وكل حكم من هذا القبيل فإنما تنفيذه على الإمام.\nوقد جعل الفقهاء مثل هذا الأمر من الأدلة على وجوب نصب الخليفة، لأنه تعالى أمر بإقامة الحد، ولا يقوم به إلا الإمام، وما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا.\nولا نعلم خلافا في أنّ الذي يلي إقامة الحد على الأحرار إنما هو الإمام أو نائبه.\nأما الأرقاء ففيمن يلي حدهم خلاف. فالإمامان مالك والشافعي يجيزان للسيد أن\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٣٢٦)، ٢٩- كتاب الحدود، ٦- باب رجم اليهود، حديث رقم (١٦٩٩)، والبخاري في الصحيح (٨/ ٣٨)، ٨٧- كتاب الحدود، ٢٤- باب أحكام أهل الذمة حديث رقم (٦٨٤١) . [.....]","vol":"1","page":538},{"text":"يحد عبده وأمته في الزنى والخمر والقذف. وللشافعي في السرقة قولان، والإمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر يقولون لا يملك السيد أن يقيم حدا ما.\nاحتجّ مالك والشافعي بما\nأخرجه الستة «١» غير النسائي من قوله ﷺ في الأمة: «إن زنت فاجلدوها» الحديث،\nوبما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن ومن لم يحصن» «٢» .\nوبما روي عن ابن عمر ﵄ أنه أقام حدا على بعض إمائه، فجعل يضرب رجليها وساقيها، فقال له سالم ﵀: أين قول الله تعالى:\nوَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟ فقال: أتراني أشفقت عليها، إنّ الله لم يأمرني أن أقتلها.\nولم يكن ابن عمر واليا ولا نائبا عن وال. وبأنّ الإمام لما ملك إقامة الحد على العبد كان السيد بإقامته أولى، لأن تعلّق السيد بالعبد أقوى من تعلق الإمام بالرعية، إن الملك أقوى من عقد البيعة، وإقامة الحد من السيد إنما هي بطريق الملك لغرض الاستصلاح كالحجامة والفصد.\nواحتج الحنفية بأنّ قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ عامّ في كل زان وزانية، والخطاب فيه لا شك أنه خطاب مع الأئمة دون سائر الناس، ولم يفرّق في المحدودين بين الأحرار والعبيد «٣»، فوجب أن تكون إقامة الحد على الأحرار وعلى العبيد للأئمة دون سائر الناس.\nثم أجاب الحنفية عن الأحاديث التي يفيد ظاهرها إثبات حد الأرقاء لمواليهم بأن المراد أن الموالي يرفعون أمر عبيدهم إلى الحكام ليجلدوهم ويقيموا الحد عليهم، وجلد ابن عمر بعض إمائه إن صحّ كان رأيا له لا يعارض العموم في الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>حكم اللواط والسحاق وإتيان البهائم</span>\nقال الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ فخصّ هذا الحكم بالزنى، ومعلوم أنّ العرف واللغة يفرّقان بين الزنى واللواط والسحاق وإتيان البهائم، فليس واحد من هذه الثلاثة الأخيرة داخلا في حكم الآية.\nولما نقل عن الشافعي في أصح قوليه: إن حكم اللواط كحكم الزنى قال بعض أصحابه: إن اللواط زنى، لأنّه مثل الزنى في الصورة وفي المعنى، فيكون اللائط زانيا فيدخل في عموم الآية.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ٣٣٠)، ٢٩- كتاب الحدود، ٧- باب تأخير الحد رقم (١٧٠٥) .\n(٣) هذا كلام فيه وهم، انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١/ ٣٨٤) .","vol":"1","page":539},{"text":"وهذا القول ليس بسديد لأنّه يصادم العرف واللغة، ألا تراه لو حلف لا يزني فلاط أو بالعكس لم يحنث، وكيف يكون اللواط زنى، وقد اختلف الصحابة في حكمه، وهم أعلم باللغة وموارد اللسان.\nوقال بعض آخر من الشافعية: اللواط غير الزنى، إلا أنه يقاس عليه بجامع كون الطبع داعيا إليه فيناسب الزاجر، وهذا أيضا ليس بسديد، لأنه بعد تسليم أن الطبع يدعو إلى اللواط فإنّ الزنى أكثر وقوعا، وأعظم ضررا لما يترتب عليه من فساد الأنساب، فكان الاحتياج فيه إلى الزاجر أشد وأقوى.\nولعل أقوى أدلة الشافعي فيما ذهب إليه ما\nرواه أبو موسى الأشعري عنه ﷺ أنه قال: «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان» «١»\nفإنّ هذا الخبر إن لم يدل على اشتراك اللواط والزنى في الاسم والحقيقة فلا أقل من اشتراكهما في الحكم، وبقول الشافعي هذا قال أبو يوسف ومحمد.\nوالقول الثاني من قولي الشافعي في حد اللائط: إنه يقتل: إما بحز الرقبة كالمرتد، وإما بالرجم، وهو مروي عن ابن عباس، وقول أحمد وإسحاق، ورواية عن مالك، وإما بالهدم عليه، ويروى عن أبي بكر الصديق، وإما بالرمي من شاهق، وهو مشهور مذهب مالك.\nوقال أبو حنيفة ﵀: ليس في اللواط «٢» حد، بل فيه تعزير، لأنه وطء لا يتعلق به المهر، فلا يتعلق به الحد، ولأنه لا يساوي الزنى في الحاجة إلى شرع الحد، لأن اللواط لا يرغب فيه المفعول به طبعا، وليس فيه إضاعة النسب، وأيضا\nفقوله ﷺ: «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير حق» «٣»\nقد حظر قتل المسلم إلا بإحدى هذه الثلاث، وفاعل ذلك خارج عن ذلك، لأنه لا يسمى زانيا، وأنت تعلم أنّه لم يثبت عنه ﷺ أنه قضى في اللواط بشيء، لأنّ هذا المنكر لم تكن تعرفه العرب، ولم يرفع إليه ﷺ حادثة منه، ولكن\nثبت عنه أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» رواه أصحاب السنن الأربعة «٤»\nوإسناده صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن.\n_________\n(١) رواه السيوطي في الجامع الصغير والدر المنثور.\n(٢) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١/ ٣٨٩) .\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٤٧)، كتاب الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي حديث رقم (١٤٥٦)، وأبو داود في السنن (٤/ ١٥٣)، كتاب الحدود، باب فيمن عمل قوم لوط حديث رقم (٤٤٦٢)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٨٥٦)، ٢٠- كتاب الحدود، ١٢- باب من عمل عمل قوم لوط حديث رقم (٢٥٦١) .","vol":"1","page":540},{"text":"وحكم أبو بكر الصديق بقتل اللائط، وكتب به إلى خالد بن الوليد بعد مشاورة الصحابة.\nونقل بعض الحنابلة إجماع الصحابة على أنّ حدّ اللواط القتل، وإنما اختلفوا في كيفيته: فمنهم من قال: يرمى من شاهق، ومنهم من قال: يهدم عليه حائط، ومنهم من قال: يقتل رميا بالحجارة.\nهذا ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في أن السحاق لم يشرع فيه إلا التعزير.\nوأما إتيان البهائم ففي رواية عن أحمد أنه كاللواط، عقوبته القتل، وهو قول مرجوح عند الشافعية. والصحيح أنّه ليس فيه إلا التعزير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>صفة الجلد</span>\nقوله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ قد تأوّله جماعة على أنّه نهي عن التخفيف في الجلد، وتأوله آخرون على أنه نهي عن ترك الحد وإسقاطه، ولا مانع عندنا من أن يكون اللفظ منتظما للمعنيين، أي لا ترأفوا بهما فتسقطوا الحد عنهما أو تخففوه، بل الواجب استيفاؤه كاملا غير منقوص وإذا ضم ذلك إلى ما يفهم من قوله تعالى: فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ أي اضربوا جلدها ضربا لا يتجاوز الألم فيه الجلد إلى اللحم كان المطلوب بمجموع اللفظين أن يكون الجلد على حد الاعتدال.\nروى عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال: أتي عمر بسوط فيه شدة، فقال: أريد ألين من هذا، فأتي بسوط فيه لين، فقال: أريد أشدّ من هذا، فأتي بسوط بين السوطين فقال: اضرب ولا يرى إبطك، وأعط كل عضو حقه، وروي مثل ذلك عن ابن مسعود وعلي وأنس بن مالك ﵃.\nواتفق العلماء جميعا على أنّ الضارب يتقي الوجه والفرج. وروي عن علي كرّم الله وجهه استثناء الرأس أيضا، وبه قال أبو حنيفة ومحمد.\nوينبغي أن ينزع عن المحدود ما يمنع من الثياب أن يصل إليه ألم الضرب، كالحشو والفراء، لأنّ الضرب فوق الحشو والفرو لا يسمّى ضربا في العادة، ألا ترى أنّه لو حلف أن يضرب فلانا فضربه وعليه حشو أو فرو فلم يصل إليه الألم أنه لا يكون ضاربا ولم يبر في يمينه، ولو وصل إليه الألم كان ضاربا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>تحريم الشفاعة في الحدود</span>\nقلنا إن قوله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ معناها النهي عن تخفيف الحد وإسقاطه، فيكون في ذلك دليل على أنّه لا تجوز الشفاعة في إسقاط حد الزنى، لأنّ فيه تعطيلا لحدود الله أن تقام، وليس ذلك لخصوصية في الزنى، بل مثله سائر الحدود تحرم الشفاعة فيها، فقد صحّ أنه ﵊ أنكر على حبّه","vol":"1","page":541},{"text":"أسامة بن زيد حين شفع في فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية، وكانت سرقت قطيفة أو حليا،\nفقال له: «أتشفع في حد من حدود الله تعالى» ثم قام فاختطب فقال: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» أخرجه الخمسة «١» .\nوعن ابن عمر ﵄ أنّه سمع النبي ﷺ يقول: «من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله تعالى فقد ضادّ الله ﷿» أخرجه أبو داود «٢» .\nوكما تحرم الشفاعة في الحدود يحرم على الإمام قبول الشفاعة فيها، فعن الزبير بن العوام ﵁ أنه لقي رجلا قد أخذ سارقا يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا حتى أبلغ به إلى السلطان، فقال الزبير:\nإنما الشفاعة قبل أن يبلغ السلطان، فإذا أبلغ السلطان لعن الشافع والمشفع. أخرجه مالك «٣»\nوفي رواية أنّه قال: إذا بلغ الحد إلى الإمام فلا عفا الله عنه إن عفا.\nوأما قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فالغرض منه التهييج والإلهاب والحث على الامتثال كما يقال للرجل: إن كنت رجلا فافعل كذا، ولا شكّ في أنه رجل، كذلك المخاطبون لا شك في أنّهم مؤمنون، لكن قصد تهييجهم، وتحريك حميتهم، ليجدّوا في طاعة الله تعالى، ويجتهدوا في إجراء أحكامه على وجهها، وفي ذكر اليوم الآخر تذكير لهم بما فيه من العقاب ليستأصلوا عاطفة اللين في استيفاء حدود الله تعالى،\nوفي الحديث: «يؤتى بوال نقص من الحد سوطا فيقال له، لم فعلت ذاك؟ فيقول:\nيا رب رحمة بعبادك، فيقول له: أنت أرحم بهم مني، فيؤمر به في النار» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>حضور الحد</span>\nظاهر الأمر في قوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يقتضي وجوب الحضور على طائفة من المؤمنين، لكنّ الفقهاء أجمعوا على أنّ حضور الجمع\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٤١٥)، ٢٩- كتاب الحدود، ٢- باب قطع السارق، حديث رقم (١٦٨٨)، والبخاري في الصحيح (٢/ ٢١)، ٨٦- كتاب الحدود، ١٣- باب كراهية الشفاعة حديث رقم (٦٧٨٨)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٢٩)، كتاب الحدود، باب كراهية أن يشفع في الحدود حديث رقم (١٤٣٠)، والنسائي في السنن (٧- ٨/ ٤٣٩)، كتاب قطع السرقة، باب ذكر المخزومية حديث رقم (٤٨٩٥)، وابن ماجه في السنن (٢/ ٨٥١)، ٢٠- كتاب الحدود، ٦- باب الشفاعة حديث رقم (٢٥٤٧) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن كتاب الأقضية، باب فيمن يعين حديث رقم (٣٥٩٧) .\n(٣) رواه مالك في الموطأ كتاب الحدود، باب ترك الشفاعة حديث رقم (٨٣٤) .","vol":"1","page":542},{"text":"مستحبّ لا واجب، والمقصود من حضورهم إعلان إقامة الحد للتنكيل وللعبرة والموعظة.\nواختلف العلماء في هذه الطائفة: فعن مجاهد والنخعي وأحمد: هي في الآية واحد. وقال عطاء وعكرمة وإسحاق: اثنان فصاعدا، وهو القول المشهور لمالك وقال قتادة والزهري: ثلاثة فصاعدا، وعن الشافعي وزيد أربعة بعدد شهود الزنى، وقال الحسن: عشرة، وعن ابن عباس الطائفة: الرجل فما فوقه إلى أربعين رجلا من المصدقين بالله، وأولى الأقوال بالصواب أنّ المراد بالطائفة هنا جماعة يحصل بهم التشهير والزجر، وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص.\nوفي قوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما.. دليل على أنّ هذا الحد عقوبة لا استصلاح من قبل أنّه سماه عذابا، ولو كان الغرض منه الاستصلاح لكان الأولى به أن يسمّى تأديبا، ويمكن أن يراد من العذاب ما يمنع من المعاودة كالنكال، فيصح أن يكون الغرض منه الاستصلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>الكلام في نكاح الزناة والمشركين</span>\nقال الله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) الظاهر أنّ المراد من النكاح هنا العقد، لأنّ أكثر استعماله في لسان الشرع بمعنى العقد، بل قال الزجّاج وغيره: إنه لم يرد في كتاب الله إلا بهذا المعنى.\nوظاهر أيضا أن كلّا من الجملتين خبر، وأنّ معناهما أنّ الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة، وأن الزانية لا يتزوجها إلا زان أو مشرك، ولو أجرينا هذين الخبرين على ظاهرهما كانا غير مطابقين للواقع، فإنّا نرى الزاني قد يتزوج المؤمنة العفيفة، والزانية قد يتزوجها المؤمن العفيف. فكان إجراء الجملتين على ظاهر هما مشكلا، وللعلماء في حلّ هذا الإشكال تأويلات منها القوي، ومنها الضعيف، وسنذكرها مرتبة على حسب ترتيبها في القوة فيما نرى.\n١- إن الكلام نهي جيء به في صورة الخبر للمبالغة، ويؤيده قراءة عمر بن عبيد لا يَنْكِحُ بالجزم، ويكون التحريم على ظاهره، والإشارة إلى النكاح المفهوم من الفعل، وكان الحكم كذلك في صدر الإسلام، ثم نسخ.\nقال سعيد بن المسيب: كان الحكم عاما في الزناة ألا يتزوج أحدهم إلا زانية، ثم جاءت الرخصة، ونسخ ذلك بقوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ والزانية من أيامى","vol":"1","page":543},{"text":"المسلمين، وبهذا القول قال مجاهد والشافعي والجبّائي وغيرهم. وعلى هذا الرأي اعتراضان:\nأحدهما: أنّ العام لا ينسخ الخاصّ، لا سيما على أصل الشافعي، فإنّ ما تناوله الخاص متيقّن، وما تناوله العام مظنون، فالعام المتأخر محمول على الخاص.\nوالثاني: أنّه يلزم عليه حلّ نكاح المسلم للمشركة الوثنية، وحلّ نكاح المشرك للمسلمة، فإنّ الجملة الأولى وردت على سبيل الحصر، فتنحل إلى جملتين:\nأولاهما: تفيد أنّه يحرم على الزاني أن يتزوج المؤمنة العفيفة.\nوثانيتهما: تفيد أنّه يباح له أن يتزوج الزانية، والمشركة وثنية أو من أهل الكتاب.\nوكذلك الجملة الثانية تنحل إلى جملتين.\nأولاهما: تفيد أنّ الزانية لا يتزوجها المؤمن العفيف. وثانيتهما: تفيد أنّ الزانية يحل لها أن تتزوج الزاني والمشرك.\nولأصحاب هذا التأويل أن يقولوا في دفع الاعتراض الأول: إنّ العام الذي اعتبرناه ناسخا قد انضمّ إليه من الآيات والأحاديث والإجماع ما صيّر دلالته على تناوله متيقنا، كدلالة الخاص على ما تناوله، قال الله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣]\nوقال رسول الله ﷺ: «الحرام لا يحرّم الحلال»\nوأجمع فقهاء الأمصار على جواز أن يتزوج الزاني بالعفيفة، وأن تتزوج الزانية بالعفيف.\nولهم أيضا في دفع الاعتراض الثاني أن يلتزموا القول بأنّ نكاح المسلم للوثينة كان حلالا في صدر الإسلام، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة: ٢٢١] وأن نكاح الكافر كان كذلك حلالا قبل الهجرة وبعدها إلى السنة السادسة سنة صلح الحديبية، وبعد غزوة الحديبية «١» نزلت آية التحريم: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة: ١٠] ولا مانع أن تكون الآية التي معنا نزلت قبل السنة السادسة، ففي هذه السورة آيات نزلت قبل هذه السنة، وهي آيات قصّة الإفك: بل فيما روى ابن أبي شيبة عن ابن جبير ما يفيد أنّ هذه الآية التي معنا مكيّة، وحينئذ يكون النسخ قد تناول الحكمين في الآية جميعا.\n٢- إنّ هذه الآية وردت في تقبيح حال الزاني ببيان أنه بعد أن رضي بالزنى لا يليق به أن ينكح العفيفة المؤمنة، وإنما يليق به أن ينكح زانية مثله، أو مشركة أسوأ\n_________\n(١) انظر ما رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٨٠)، ٦٤- كتاب المغازي، ٣٦- باب غزوة الحديبية حديث رقم (٤١٨٠) .","vol":"1","page":544},{"text":"حالا منه. وكذلك الزانية بعد أن رضيت بالزنى لا يليق بها أن ينكحها مؤمن عفيف، وإنما يليق بها أن ينكحها زان مثلها، أو مشرك أسوأ حالا منها، فجملة: لا يَنْكِحُ في الموضعين خبر مراد به لا يليق به أن ينكح كما تقول: الشيخ لا يصبو، والسلطان لا يكذب، والأب لا يقتل ابنه، أي لا يليق بهم أن يفعلوا ذلك، نزّل فيه عدم لياقة الفعل منزلة عدم الفعل، وهو كثير في الكلام.\nثم الإشارة في قوله تعالى: وَحُرِّمَ ذلِكَ إن كان الزنى المفهوم من قوله:\nالزَّانِي لا يَنْكِحُ إلخ فالتحريم على ظاهره، وإن كانت الإشارة للنكاح المفهوم من الفعل فالمراد من التحريم معناه اللغوي، وهو المنع، مثله في قوله تعالى: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) [الأنبياء: ٩٥] .\nوعلى هذا التأويل اعتراضان:\nأولهما: أنه لا يتمشى مع سبب النزول فإنها نزلت:\nإما\nفي مرثد بن أبي مرثد حين سأل رسول الله ﷺ عن نكاح عناق، وكانت من بغايا مكة، فلم يرد عليه النبيّ ﷺ شيئا حتى نزل: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية فقال رسول الله ﷺ: «يا مرثد لا تنكحها» .\nوإما في جماعة من فقراء المهاجرين استأذنوا النبيّ ﷺ في التزوج ببغايا من الكتابيات والإماء، كنّ بالمدينة، فأنزل الله فيهم هذه الآية، وسواء أكان سبب النزول هو الأول أم الثاني، فإنّ الظاهر من سياقه أنّ الآية وردت لتحريم العفيفة على الزاني والزانية على العفيف.\nوثاني الاعتراضين أنّ الآية على هذا التأويل تفيد أنه يليق بالزاني المؤمن أن يتزوّج بوثنية، ويليق بالزانية المؤمنة أن يتزوجها مشرك.\nولأصحاب هذا التأويل أن يقولوا في دفع الاعتراض الأول: الآية على هذا المعنى لا تنافي سبب النزول، فإنّه لا مانع أن يكون\nقول النبي ﷺ لمرثد: «لا تنكحها»\nمعناه: لا يليق بك أن تتزوجها بعد أن علمت أنّ الله جعل من صفات المؤمن العفيف أنه لا يليق به من حيث هو مؤمن عفيف أن يرضى بنكاح الزانية، ولا مانع أيضا أن يكون فقراء المهاجرين كفّوا عن نكاح البغايا لهذا المعنى.\nوأن يقولوا في دفع الاعتراض الثاني: إن اللياقة إنما هي بالنظر إلى الزنى، فلا ينافي أنه لا عتبارات أخرى يحرم على المسلم أن يتزوّج المشركة الوثنية، ويحرم على المسلمة أن تتزوج مشركا.\n٣- إبقاء الخبر على ظاهره وجعل الكلام مخرّجا مخرج الغالب المعتاد، جيء به لزجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنى. ومعناه أن الفاسق الخبيث الذي","vol":"1","page":545},{"text":"من شأنه الزنى والفجور لا يرغب غالبا إلا في فاسقة خبيثة من شكله أو في مشركة.\nوالزانية الخبيثة كذلك لا يرغب فيها في الأعم الأغلب إلا خبيث مثلها أو مشرك.\nونظير هذا الكلام لا يفعل الخير إلا تقي، وقد يفعل الخير من ليس بتقي، فيكون جاريا مجرى الغالب.\nوالإشارة في قوله تعالى: وَحُرِّمَ ذلِكَ إن كانت للزنى فالتحريم على ظاهره، وإن كانت للنكاح فالتحريم بمعنى التنزيه، أي ينبغي أن يتنزّه المؤمنون عن ذلك النكاح، وعبر عن التنزيه بالتحريم للتغليظ، فإنّ نكاح الزواني يتضمّن التشبّه بالفسّاق، والتعرّض للتهمة وسوء القالة، والطعن في النسب، إلى كثير من المفاسد.\nوعلى هذا التأويل اعتراضان:\nالأول: أن إطلاق الزاني والزانية على من شأنهما الزنى والفسق لا يخلو عن بعد، لأنهما فيما تقدم من قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا لم يكونا بهذا المعنى، والظّاهر اتحاد معنى اللفظ في الآيتين.\nوالثاني: أنه ليس بمسلّم أن الغالب في الزاني أنه لا يرغب في العفيفة، فإنّ كثيرا من الزناة يتحرّون في النكاح أكثر مما يتحرّى غيرهم.\n٤- إبقاء الخبر على ظاهره، وتأويل النكاح على معنى الوطء، ويكون المراد الإخبار بأنّ الزاني لا يطأ حين زناه إلا زانية أو أخس منها، وهي المشركة.\nوالزانية لا يطؤها حين زناها إلا زان من المسلمين أو أخس منه، وهو المشرك. وحرم الله ذلك الزنى على المؤمنين.\nوهذا القول مروي عن ابن عباس وعروة بن الزبير وعكرمة، وهو قول أبي مسلم.\nوعلى هذا التأويل أيضا اعتراضان:\nالأول: أن فيه إجراء لفظ النكاح على غير المعهود في القرآن.\nوالثاني: أن الزاني قد يزني بغير زانية، والعكس، فقد يعلم أحدهما أن هذا زنى، والآخر جاهل به يظن الحلّ، فيكون هذا الخبر غير مطابق للواقع، فإذا قالوا:\nإن الغالب في الزنى أن يكون معروفا للطرفين على أنه زنى.\nقلنا: إن الكلام يكون حينئذ من قبيل الإخبار بالواضحات، إذ المآل أن الزاني حين يزني بزانية لا يزني إلا بزانية، وهذا كلام خال عن الفائدة، وغاية ما تمحّلوا له أنهم قالوا: إن معنى الآية الإخبار عن اشتراكهما في الزنى، وأنّ المرأة كالرجل في ذلك، فإذا كان الرجل زانيا فالمرأة مثله إذا طاوعته وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها، ففائدة الخبر الحكم بمساواتهما في استحقاق الحد وعقاب الآخرة.\n٥- إنّ الخبر بمعنى النهي، والتحريم على حقيقته، والحكم مخصوص بسبب","vol":"1","page":546},{"text":"النزول، فتكون الآية واردة في قوم مخصوصين بأعيانهم، وفي تعيينهم خلاف يرجع إلى الخلاف في سبب النزول.\nفعن ابن عباس وابن عمر أنّ جماعة من المسلمين كانوا في جاهليتهم يزنون ببغايا مشهورات متعالنات، فلما جاء الإسلام وأسلموا لم يمكنهم الزنى، فأرادوا لفقرهم زواج أولئك النسوة، إذ كان من عاداتهن الإنفاق على من تزوّجهنّ فنزلت الآية فكفوا عن زواجهن «١» .\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد ﵁، وكان رجلا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، فكانت امرأة بغيّ بمكة، يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وكان وعد رجلا من أسرى مكة أن يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط، فلما انتهت إليّ عرفتني، فقالت: مرثد، قلت: مرثد، فقالت: مرحبا وأهلا، هلمّ فبت عندنا الليلة، فقلت: يا عناق قد حرم الله تعالى الزنى. قالت: يا أهل الخيام، هذا الرجل الذي يحمل أسراكم. قال: فتبعني ثمانية، فانتهيت إلى غار فجاؤوا حتى قاموا على رأسي، وبالوا، فظلّ بولهم على رأسي، وأعماهم الله تعالى عني. قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي، فحملته حتى قدمت المدينة، فأتيت النبيّ ﷺ، فقلت: يا رسول الله! أنكح عناقا؟ فأمسك ولم يرد عليّ شيئا حتى نزل: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) فقال رسول الله ﷺ: «يا مرثد لا تنكحها» أخرجه أصحاب السنن «٢» .\nفالمراد بالزاني أحد أولئك القوم، أطلق عليه اسم الزنى الذي كان يفعله في الجاهلية للتوبيخ، فهو مجاز باعتبار ما كان، والمراد بالزانية إحدى هؤلاء البغايا، وهذا التأويل معترض من وجوه:\nأولا: جعل سبب النزول حكما على العام، والمعتمد أنّ سبب النزول لا يخصّص.\nثانيا: أنه يبعد أن يعبّر في أحكام القرآن الكريم بلفظ عام ثم يراد منه قوم مخصوصون ينتهي الحكم بوفاتهم.\n_________\n(١) انظر ما رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٥/ ١٩) .\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٣٠٧)، كتاب التفسير، حديث رقم (٣١٧٧)، وأبو داود في السنن (٢/ ١٨٠)، كتاب النكاح، باب قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً حديث رقم (١- ٢٠)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٣٧٤)، كتاب النكاح، باب تزويج الزانية حديث رقم (٣٢٢٨) .","vol":"1","page":547},{"text":"ثالثا: أنه يبعد كل البعد أن يصف الله بالزنى أحد أولئك القوم وهم مهاجرون قد أسلموا وحسن إسلامهم، ومحا الله عنهم كل أوضار الشرك وآثاره.\nرابعا: عدم التوافق بين معنى الزاني والزانية هنا، ومعناها في الآية السابقة:\nالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا إلخ وقد قلنا: إنّ الأولى اتحاد المعنى في كلّ من الآيتين.\nولعلّك تفهم من صنيعنا في ترتيب هذه التأويلات أنّ أقواها وأولاها بالصواب فيما نرى الأول والثاني.\nوبعد ... فإنا ذاكرون لك هنا خلاف السلف في تزويج الزانية، فعليّ وعائشة والبراء وابن مسعود في إحدى الروايتين عنه أنّ من زنى بامرأة أو زنى بها غيره لا يحل له أن يتزوجها.\nوعن علي إذا زنى الرجل فرق بينه وبين امرأته، وكذلك هي إذا زنت.\nوعن الحسن أنّ المحدودة في الزنى لا يتزوجها إلا محدود مثلها.\nوأبو بكر، وعمر، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود في الرواية الأخرى عنه، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير في آخرين من التابعين، وفقهاء الأمصار جميعا: على جواز نكاح الزانية، وأنّ الزاني لا يوجب تحريمها على الزوج، ولا يوجب الفرقة بينهما.\nويؤيد هذا الرأي ما أخرجه الطبراني والدارقطني «١» من\nحديث عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن رجل زنى بامرأة، وأراد أن يتزوجها فقال: «أوله سفاح وآخره نكاح، والحرام لا يحرّم الحلال» .\nوما رواه أبو داود والنسائي «٢» وغيرهما عن ابن عباس أنّ رجلا قال للنبي ﷺ:\n«إن امرأتي لا تمنع يد لا مس» . قال ﷺ: «غربها» قال: أخاف أن تتبعها نفسي قال:\n«فاستمتع بها»\nوإسناده إسناد صحيح.\nقال أبو سليمان الخطابي إمام هذا الفن في «معالم السنن» قوله: «لا تمنع يد لامس» معناه الزانية، وأنها مطاوعة من أرادها، لا ترد يده، قال:\nوقوله: «غرّبها»\nأي أبعدها بالطلاق، وأصل الغرب البعد، قال: وفيه دليل على جواز نكاح الفاجرة.\nوقوله ﷺ: «فاستمتع بها»\nأي لا تمسكها إلا بقدر ما تقضي متعة النفس منها ومن وطرها، والاستمتاع بالشيء الانتفاع به إلى مدة، ومنه نكاح المتعة، ومنه قوله تعالى:\nإِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ [غافر: ٣٩] اه وهكذا فسره المحققون من الفقهاء\n_________\n(١) انظر كنز العمال للمتقي الهندي، حديث رقم (٤٧٦٥٧) . [.....]\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٢/ ١٧٩)، كتاب النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد حديث رقم (٢٠٤٩)، والنسائي (٥- ٦/ ٣٧٥)، كتاب النكاح، باب تزويج الزانية حديث رقم (٣٢٢٩) .","vol":"1","page":548},{"text":"وأهل الحديث، فيكون فيه حجة على جواز نكاح الزانية، وعلى أنّ الزوجة إذا زنت لا ينفسخ نكاحها.\nوأما تأويل من تأوّله على أنها سخية تعطي، ولا ترد من يلتمس منها مالا، فهو تأويل بعيد عن الصواب، إذ لو أراد هذا لقال: لا ترد يد ملتمس، ولقال له النبيّ ﷺ: أحرز عنها مالك.\nوقد يقال: لماذا بدئ بالزاني هنا وبدئ بالزانية في الآية السابقة، وما السر في ذلك؟\nوالجواب: أنه بدئ بالزانية هناك لما علمت آنئذ وبدئ بالزاني هنا لأنّ هذه الآية مسوقة لذكر النكاح، والرجل فيه هو الأصل، لأنّ إبداء الرغبة والتماس النكاح بالخطبة إنما يكون من الرجل لا من المرأة في مجرى العرف والعادة.\nقد يظن من لا يدقق النظر أنّ معنى الجملتين: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ واحد، وأنّه لا فرق بينهما، ولكن هذا ظنّ خاطئ، لأنّ معنى الجملة الأولى أنّ الزاني لا يرغب إلا في زانية أو مشركة، ولو اقتصر على هذه الجملة لم يعرف حال الزانية، فجاءت الجملة الثانية مبينة أنه لا يرغب فيها إلا زان أو مشرك، فالجملة الأولى تصف الزاني بأنّه لا يرغب في العفيفات المؤمنات، وإنما يرغب في الفواجر أو المشركات، والجملة الثانية تصف الزانية بأنّها لا يرغب فيها الأعفاء المؤمنون، وإنما يرغب فيها الفجار أو المشركون، وهذان معنيان مختلفان، لأنّه لا يلزم عقلا من كون الزاني لا يرغب إلا في زانية أنّ الزانية كذلك لا يرغب فيها غير الزاني، فجاءت الجملة الثانية مبينة لهذا المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>حد القذف</span>\nقال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) أصل الرمي: القذف بشيء صلب، يقال: رمى فلانا بالحجر ونحوه: قذفه به، ورمى الحجر: ألقاه، واستعمال الرمي في الشتم مجاز، وهو المراد هنا، والقرينة قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ لأنّ الإتيان بالشهادة هنا في مصلحة الرامين، وليس من المعقول أن يكون من مصلحتهم الإتيان بأربعة يشهدون بأنهم رموا المحصنات بالحجر أو نحوه، فتعيّن أن يكون المراد أنّهم يشتمون المحصنات ويرمونهم بالعيب، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يشهدون على صدقهم فيما رموا به المحصنات من العيب. ثم المراد بذلك العيب الزنى، ويدلّ عليه إيراد الجملة عقيب الكلام في الزنى وأحكامه.\nوالتعبير عن المفعول بالمحصنات، وأشهر معاني الكلمة العفيفات المنزّهات عن","vol":"1","page":549},{"text":"الزنى، فكأنه قيل: يرمون المنزهات عن الزنى، ويكاد هذا يكون صريحا في أنّ المراد يرمونهم بالزنى، ثم اشتراط أربعة من الشهود مع العلم بأنه لا شيء يتوقف ثبوته على شهادة أربعة إلا الزنى يقوّي أنّ المراد الرمي بالزنى.\nوأصل الإحصان: المنع، والمحصن بالفتح يكون بمعنى الفاعل والمفعول، وهو أحد الكلمات الثلاث التي جاءت نوادر يقال: أحصن فهو محصن، وأسهب فهو مسهب، وأفلح- إذا افتقر- فهو مفلح، والفاعل والمفعول في هذه الأحرف الثلاثة سواء.\nوالمفهومات التي يطلق عليها لفظ الإحصان أربعة: فالمرأة تكون محصنة:\nبالعفاف والإسلام، وبالحرية، وبالتزوج. وكذلك الرجل.\nوالصور التي يتحقق بها القذف أربع: فقد يكون القاذف والمقذوف رجلين، وقد يكونان امرأتين، وقد يكون القاذف رجلا والمقذوف امرأة، وقد يكون القاذف امرأة والمقذوف رجلا. فهل نستطيع أن نأخذ من الآية أحكام الصور الأربع؟ لا شك أنّ الآية جعلت الرامي من جنس الرجال، والظاهر أنّ المراد من المحصنات النساء المحصنات، وحينئذ تكون الآية تعرّضت بالنص لصورة واحدة من الصور الأربع، وهي أن يكون القاذف رجلا والمقذوف امرأة.\nأما حكم الصور الثلاث الباقية فإنما يثبت بدلالة النص، للقطع بإلغاء الفارق، وهو صفة الأنوثة في المقذوف، وصفة الذكورة في القاذف، واستقلال دفع العار بالتأثير في شرع الحكم، وحينئذ يكون تخصيص الذكور في جانب القاذف، والإناث في جانب المقذوف لخصوص الحادثة.\nوقد أخرج البخاري «١» أنّ الآية نزلت في عويمر وامرأته، وعن سعيد بن جبير أنّها نزلت في قصة الإفك. ومن قال: إنّ المراد بالمحصنات في الآية الفروج المحصنات، أو الأنفس المحصنات، لم يخل قوله عن وهن وضعف.\nولم تشرط الآية في القاذف أكثر من عجزه عن الإتيان بأربعة شهداء، لكنّ قواعد الشرع تقتضي بأنّ المخاطب بمثل هذا الحكم إنما هو أهل التكليف: البالغ العاقل المختار العالم بالتحريم حقيقة أو حكما الملتزم بالأحكام إلى آخر ما هو مبيّن في كتب الفروع.\nوكذلك لم تشرط في المقذوف أكثر من أن يكون محصنا، وقد كان يكفي في تحقق الشرط أن يكون المرمي محصنا بأي معنى من معاني الإحصان الأربعة، إلا أنه لما كان ثبوت الحد يجب فيه الاحتياط، فلا يثبت إلا عن يقين: وجب اعتبار سائر\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٣)، ٦٥- كتاب التفسير، ١- باب الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ حديث رقم (٤٧٤٥) .","vol":"1","page":550},{"text":"المفهومات التي يطلق عليها لفظ الإحصان إلا ما أجمع على عدم اعتباره هنا، وهو كون المرمي زوجا أو زوجة.\nوأشهر معاني الإحصان: العفّة عن الزنى، فمن أجل ذلك كانت العفة عن الزنى، معتبرة في تحقق الإحصان هنا قطعا، لا نعلم في ذلك خلافا لأحد، فمن قذف شخصا غير عفيف لا يحدّ باتفاق.\nواشتراط العفة عن الزنى في تحقق الإحصان يستتبع اشتراط البلوغ والعقل في تحققه أيضا، إذ إن الصبي لا يقال فيه عفّ عن الزنى، وكذلك المجنون لا يقال فيه:\nعفّ عن الزنى، كما لا يقال للمجبوب: عفّ عن الزنى، وكما لا يقال للأعمى: عفّ عن النظر إلى المحرمات، إنما يقال عفّ عن الزنى لمن كان يتصوّر الزنى منه، ثم كفّ عنه، وذلك البالغ العاقل الفحل.\nولا بد من اعتبار الحرية، لأنّها من معاني الإحصان- على ما علمت- والرقيق ليس بمحصن بهذا المعنى، وإذا كان محصنا من جهة أخرى، فغاية ما فيه أنّه محصن من وجه، وغير محصن من وجه، وذلك شبهة في إحصانه، فوجب درء الحد عن قاذفه.\nوكذلك لا بد من اعتبار الإسلام أيضا في تحقيق الإحصان، فالكافر ليس بمحصن بهذا المعنى، وإذا كان محصنا من جهة أخرى، فغايته أنه محصن من وجه وغير محصن من وجه، فيكون ذلك شبهة في إحصانه، فيجب درء الحد عن قاذفه.\nولولا أنّ الإجماع قائم على عدم اعتبار الإحصان بمعنى التزوج لكان عدم التزوج شبهة في إحصان المقذوف، فلا يحد قاذفه.\nوالحاصل أنّه يعتبر في تحقق إحصان المقذوف العفة عن الزنى، والحرية والإسلام، وأما البلوغ والعقل فإنّهما من لوازم العفة- كما علمت- وهذا الذي ذكرناه لك هو رأي الجمهور من العلماء وفقهاء الأمصار، وأصحّ الروايتين عن أحمد، ولبعض الفقهاء خلاف في شيء من ذلك: فداود الظاهري لا يشترط الحرية في المقذوف، ويرى أنّ قاذف العبد يحد، فإن كان يكتفي في الإحصان بالعفة لشهرته فيها لزمه القول بحد من قذف كافرا عفيفا.\nوروي عن ابن أبي ليلى أنّ من قذف ذميّة لها ولد مسلم يحدّ. قال بعضهم:\nوكذلك يحد قاذفها إذا كانت تحت مسلم. ذهبوا إلى ذلك دفعا للعار الذي يلحق ابنها أو زوجها المسلم.\nوعن أحمد في إحدى الروايتين القول بحدّ قاذف الصبي الذي يجامع مثله.\nوقال مالك في الصبية التي يجامع مثلها: يحدّ قاذفها، ألحق مالك وأحمد في هذه الرواية دور المراهقة بالبلوغ، ونظرهما في ذلك إلى أنّ المراهق يلحقه العار كما يلحق","vol":"1","page":551},{"text":"البالغ، فوجب الحدّ لدفع العار. وكذلك يقول مالك والليث: يحدّ قاذف المجنون لدفع العار الذي يلحقه.\nوالجمهور يمنعون لحوق العار للصبي والمجنون إذا نسبا إلى الزنى، ولو فرضنا لحوق العار فليس ذلك على الكمال، فيندرئ الحد عن قاذفهما، وليس معنى ذلك أنه لا عقوبة على قاذفهما، بل يجب على الإمام تعزيره للإيذاء.\nوقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ قد شرط في تحقق القذف المستوجب للعقوبة عجز القاذف عن الإتيان بأربعة يشهدون أنهم قد رأوا المقذوف يزني، والتاء في بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ في ظاهرها تفيد اعتبار كونهم من الرجال، والحكم كذلك، لأنّه لا مدخل لشهادة النساء في الحدود باتفاق. ولم يستفد من الآية في صفة هؤلاء الشهداء أكثر من أنهم أربعة رجال من أهل الشهادة. وللعلماء خلاف في أهل الشهادة من هو فالشافعية يقولون: لا بد في أهل الشهادة أن يكون عدلا، والحنفية يقولون: الفاسق من أهل الشهادة، فإذا شهد أربعة فسّاق فهم قذفة عند الشافعية يحدون كما يحد القاذف الأول، إذ لم يأت بأربعة من أهل الشهادة. والحنفية يقولون: لا حد عليه، لأنه أتى بأربعة من أهل الشهادة، إلا أنّ الشرع لم يعتبر شهادتهم لقصور في الفاسق، فثبتت بشهادتهم شبهة الزنى، فيسقط الحد عنهم وعن القاذف، وكذلك عن المقذوف لاعتبار العدالة في ثبوت الزنى.\nوظاهر العموم في الآية أنه يكفي أن يكون أحد الأربعة زوج المقذوفة، وبهذا الظاهر قال أبو حنيفة وأصحابه.\nوقال مالك والشافعي: يلاعن الزوج، ويحدّ الثلاثة، وحجتهم في ذلك أنّ الشهادة بالزنى قذف، بدليل أنّ الشاهد يحدّ إذا لم يكمل النصاب، ولفظ الآية وإن كان عاما إلا أن آية اللعان جعلت للزوج حكما يخصه، وآية اللعان أخصّ من الآية التي معنا، والخاصّ مقدّم على العام.\nوظاهر الإطلاق في الآية أنّه إذا أتى بأربعة شهداء كيفما اتفق مجيئهم مجتمعين أو متفرقين فهو آت بمقتضى النص، واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية، وبهذا الظاهر قال مالك والشافعي، وأيدا قولهما بالقياس على الشهادة في سائر الأحكام، بل تفريقهم أولى، لأنه أبعد عن التهمة والتواطؤ.\nوأيضا فليس من الممكن أن يشهدوا معا في وقت واحد، فلا بد أن يسمع القاضي شهادتهم واحدا بعد آخر، فكذلك إذا اجتمعوا عند بابه، ثم دخلوا عليه واحدا بعد آخر.\nوقال أبو حنيفة: إذا جاؤوا متفرقين لم يسقط الحد عن القاذف، وعليهم حد","vol":"1","page":552},{"text":"القذف، وحجته في ذلك أن الشاهد الواحد لما شهد صار قاذفا ولم يأت بأربعة شهداء، فوجب عليه الحد، وخرج عن كونه شاهدا، ولا عبرة بتسميته شاهدا إذا فقد المسمى، فلا خلاص من هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع.\nوظاهر الآية أيضا أنه إذا لم يأت القاذف بتمام العدة، بأن أتى باثنين أو ثلاثة منها جلد، ولم تتعرّض الآية لحكم الشهود إذا لم يكملوا النصاب، والمأثور أنّهم يحدون، فقد صحّ أنه رفع إلى عمر بن الخطاب حادثة شهد فيها على المغيرة بن شعبة بالزنى: شبل بن معبد وأبو بكرة وأخوه نافع وكان رابعهم زيادا، فلم يجزم بالشهادة بحقيقة الزنى، فحد الثلاثة عمر بمحضر من الصحابة ﵃، ولم ينكروا عليه.\nوقوله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً المخاطب فيه هم أولياء الأمر من الحكام.\nوقد سبق الكلام آنفا فيمن يلي الحدّ في تفسير قوله تعالى: فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وظاهر العموم في اسم الموصول في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ إلخ أنّ الزوج وغيره في هذا الحكم سواء، وأن الزوج إذا قذف زوجته، وعجز عن البينة فعليه الحد.\nلكن آية اللعان قد جعلت للزوج مخرجا إذا هو عجز عن البينة، فشرعت له اللعان كما يأتي، فتكون آية اللعان مخصّصة للعموم في الموصول هنا، وظاهر العموم أيضا أنّ الرقيق والحر في ذلك الحكم سواء، وأنّ كلا منهما يجلد ثمانين جلدة إذا وقع القذف منه بشرطه، وبهذا الظاهر قال ابن مسعود والأوزاعي، وهو أيضا مذهب الشيعة.\nلكنّ فقهاء الأمصار مجمعون على أنّ حد الرقيق في القذف أربعون جلدة على النصف من حد الحر، كما في الزنى، وعلى ذلك تكون الآية خاصة بالأحرار.\nوظاهر قوله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ أنّ الإمام يقيم الحدّ ولو من غير طلب المقذوف، وبهذا قال ابن أبي ليلى.\nوقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي: لا يحد إلا بمطالبة المقذوف.\nوقال مالك: إذا سمعه الإمام يقذف حده ولو لم يطلب المقذوف، إذا كان مع الإمام شهود عدول.\nولا يخفى أنّ القول بتوقف استيفاء الحد على المطالبة ظاهر في أنّ الحد حق العبد، كما أنّ تنصيفه على الرقيق ظاهر في أنّه حق لله، ومما لا شكّ فيه أن في القذف تعديا على حقوق الله تعالى، وانتهاكا لحرمة المقذوف، فكان في شرع الحد صيانة لحق الله ولحق العبد. هذا المقدار لا خلاف فيه لأحد، إنما الخلاف بين الشافعية والحنفية في الذي يغلب من الحقين على الآخر. فالشافعية يغلّبون حق العبد باعتبار حاجته وغنى الله جلّ شأنه. والحنفية يغلبون حق الله تعالى، لأنّ ما للعبد من","vol":"1","page":553},{"text":"الحقوق يتولى استيفاءه مولاه، فيصير حق العبد تابعا لحق الله تعالى، فإذا غلّبنا حق الله تعالى كان حقّ العبد مستوفى لا مهدرا، وليس العكس كذلك. فما لا تعارض فيه من الصور بين حقّ الله وحق العبد فأمره ظاهر، وكذلك ما اتفق فيه الفريقان على تغليب أحد الحقين.\nفمثال ما لا تعارض فيه أن يقذف الحرّ، ويعجز عن البينة، ويطلب المقذوف إقامة الحد عليه، فيستوفيه الإمام.\nومن أمثلة ما اتفقا فيه على تغليب حق الله تعالى حدّ العبد إذا قذف، فلولا تغليب حق الله فيه ما تنصف، ومما اتفقا فيه على تغليب حق العبد أنه إذا لم يطلب المقذوف إقامة الحد فليس للإمام أن يستوفيه.\nأما ما تعارض فيه الحقان واختلف الشافعية والحنفية في حكمه فمن أمثلته أنه إذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد، فالحنفية يقولون بسقوطه تغليبا لحق الله تعالى، ولأنّه ليس مالا، ولا بمنزلة المال، بل هو حق محض كخيار الشرط وحق الشفعة.\nوقال الشافعية: لا يسقط الحد بموت المقذوف، بل يقوم ورثته مقامه في المطالبة به، ويرثونه عنه تغليبا لحق العبد.\nومنها: أنّه إذا قذف جماعة بكلمة واحدة أو بكلمات متعددة فالحنفية يقولون بتداخل الحد، وعليه للجميع حدّ واحد تغليبا لحق الله تعالى، كمن زنى مرارا أو سرق أو شرب الخمر كذلك، وقال الشافعية: لا يتداخل الحد، فعليه لكل منهم حد تغليبا لحق العباد.\nومنها: إذا عفا المقذوف عن الحد، فإنه يصحّ العفو عند الشافعية، ويسقط الحد تغليبا لحق العبد. وقال الحنفية: لا يسقط الحد بعفو المقذوف بعد طلبه إقامته.\nفَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ هذه ثلاث عقوبات ترتبت على القذف بشرطه، وليس في الآية ما يدلّ على أن بعض هذه العقوبات مرتب على بعض، لأنّ العطف فيها بالواو. بل غاية ما أفادته الآية أنّ المجموع مرتب على القذف بشرط، فكأنه قيل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجمعوا لهم هذه العقوبات الثلاث: جلدهم ثمانين جلدة، ورد شهادتهم، وتفسيقهم.\nفظاهر الآية أنه متى قذف وعجز عن البينة استحق العقوبات الثلاث، ولا يتوقف رد شهادته على جلده. وبهذا الظاهر قال الشافعي والليث. وقال أبو حنيفة ومالك: لا ترد شهادته إلا بعد جلده، فما لم يجلد يكون مقبول الشهادة، وحجتهما في ذلك أنّ الواو، وإن لم تقتض الترتيب، لكنّ الظاهر من الترتيب في الذكر أنه على وفق الترتيب في الحكم، وأنّ الأصل قبول شهادته ما لم يطرأ مانع، وأنّ\nقوله ﷺ: «المسلمون","vol":"1","page":554},{"text":"عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف» «١»\nصريح في شهادة القاذف لا ترد إلا بعد حده.\nوالخطاب في قوله تعالى: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا لأولياء الأمر من الحكام، لأنّه على نسق الخطاب في قوله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً والمراد بالشهادة الإخبار بحق للغير على الغير أمام الحاكم، ولفظ (شهادة) نكرة واقعة في سياق النهي، فيكون عاما، وظاهر العموم فيه يقتضي أنّ شهادة القاذف مردودة سواء أكانت واقعة منه قبل القذف أم بعد القذف، وكذلك شهادة من قذف وهو كافر، ثم أسلم. ومن قذف وهو عبد، ثم أعتق: كل هؤلاء لا تقبل شهادتهم بمقتضى العموم في اللفظ. إلا أنّ الحنفية استثنوا الكافر إذا حدّ في القذف ثم أسلم، فإنّ شهادته بعد إسلامه تكون مقبولة.\nنظروا في ذلك إلى أن الكافر الذي أسلم قد استفاد بالإسلام عدالة لم تكن موجودة من قبل، فلم تدخل تحت الرد، والذي دخل تحت الرد إنما هو شهادته التي كان أهلا لها عند القذف، وهي شهادته على أهل دينه.\nواختلف العلماء في ردّ شهادة القاذف: أهو من تمام الحد أم ذلك عقوبة زائدة على الحد؟\nفذهب الحنفية «٢» إلى أن ردّ شهادته من تمام حده، ويشهد لهم ظاهر الآية، فقد رتّبت على القذف بشرطه عقوبتين، وأوجبت على الإمام استيفاءهما من القاذف، فكأنّ الظاهر أن مجموعهما حد القذف، ألا ترى أن الشافعية قد فهموا من\nقوله ﷺ: «البكر بالبكر جلد مئة وتغريب سنة»\nأنّ مجموع الجلد والتغريب حد الزاني البكر. وقال مالك والشافعي: الحد هو جلد ثمانين فقط، وأما رد الشهادة فهو عقوبة زائدة على الحد، وحجتهم في ذلك أنّ المعروف في الحدود أنها عقوبات بدنية، ورد الشهادة عقوبة معنوية، والحدود التي شرعت لحفظ الأرواح والدين والعرض والعقل والمال كلها عقوبات بدنية محسوسة، وحد القذف شرع لصيانة العرض، فكان إلحاقه بالأعم الأغلب أولى.\nوأيضا\nفقوله ﷺ لهلال بن أمية: «البينة أو حدّ في ظهرك»\nيدلّ على أنّ الجلد هو تمام الحد، إذ لو كان رد الشهادة من تمام الحد لما صحّ بأن يقول: «أو حد في ظهرك» لأن رد الشهادة لا يكون في ظهره، بل ولا في سائر جسمه، واتفاق الصحابة على أنّ حد السكران ثمانون جلدة، وعلى أنّه مثل حد المفتري يدل على أن حدّ المفتري هو الجلد فقط، إذ لو كان ردّ الشهادة من الحد في القذف لكان من الحد في السكر، ولوجب رد شهادة من سكر، ولم يقل بذلك أحد.\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٣/ ٢٨٠) .\n(٢) انظر الهداية شرح بداية المبتدي (١/ ٤٠٥) .","vol":"1","page":555},{"text":"وقد عرّفوا الحد بأنه فعل يلزم الإمام إقامته، وليس الردّ فعلا يلزم الإمام إقامته، لأنه عمل سلبي.\nويترتب على هذا الخلاف أنّ من قال بأنّ ردّ الشهادة من تمام الحد يلزمه القول بأنّ الحاكم لا يرد شهادة القاذف إلا بطلب المقذوف، فما لم يطلب المقذوف رد شهادة قاذفه لا ينبغي للحاكم أن يردها، إذ كانت من الحد، والحد لا يستوفيه الحاكم إلا بطلب المقذوف، فهل مذهب الحنفية كذلك؟ ومن قال بأن رد الشهادة ليس من الحد لا يرى رد الشهادة موقوفا على طلب المقذوف.\nوقوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ معناه على ما قال بعضهم الإخبار بأنّهم عند الله وفي حكمه فاسقون خارجون عن طاعته، سواء أكانوا كاذبين في قذفهم- وذلك ظاهر- أم كانوا صادقين فيه. فإنّهم هتكوا عرض المؤمن، وأوقعوا السامع في الشك والريبة من غير مصلحة دينية. فكانوا فسقة لذلك. ويؤخذ من ذلك أنّ القذف مع العجز عن البينة معصية عظيمة، سواء أكان القاذف كاذبا أم صادقا.\nواختار الزمخشري «١» أنّ الجملة إنشائية في المعنى وإن كانت خبرية في اللفظ، فمعنى وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فسّقوهم. ولعل مراده اعتبروهم فسقة، واحكموا بفسقهم، وعاملوهم معاملة الفساق لأنّ الله أخبر بأنهم فاسقون. والأمر قريب.\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) قال الشافعي: توبة القاذف إكذابه نفسه، وفسّره الإصطخري من أصحاب الشافعي بأن يقول كذبت فيما قلت فلا أعود إلى مثله، وقال أبو إسحاق المروزي «٢» من أصحاب الشافعي: لا يقول كذبت، لأنه ربما يكون صادقا، فيكون قوله كذبت كذبا، والكذب معصية، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول: القذف باطل، وندمت على ما قلت، ورجعت عنه ولا أعود إليه.\nوقال بعض العلماء: توبة القاذف كتوبة غيره، أمر بينه وبين ربه، ومرجعها إلى الندم على ما قال، والعزم على ألا يعود.\nوالسر في أنّ الشافعي أدخل في معنى التوبة التلفظ باللسان، مع أن التوبة من عمل القلب، أنه يرتب عليها حكما شرعيا، وهو قبول شهادة المحدود إذا تاب، فلا بدّ أن يعلم الحاكم توبته حتى يقبل شهادته.\nوالحنفية لا يقبلون شهادة المحدود في قذف وإن تاب وأصلح، لذلك كانت\n_________\n(١) في تفسيره الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، (٣/ ٢١٤) .\n(٢) إبراهيم بن أحمد المروزي، فقيه انتهت إليه رياسة الشافعية بالعراق ولد بمرو، وأقام ببغداد وتوفي بمصر، انظر الأعلام للزركلي (١/ ٢٨) .","vol":"1","page":556},{"text":"التوبة عندهم عملا قلبيا بين العبد وربه، ليس من الضروري اطلاعنا عليه، لأنّه ليس هناك حكم عملي يترتب على هذه التوبة، ومنشأ الخلاف في ذلك خلافهم في الاستثناء في الآية وإلام يرجع.\nومسألة رجوع الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو مسألة أصولية ذكر الأصوليون الخلاف فيها بين العلماء.\nوالمشهور عند الأصوليين أنّ أصحاب الشافعي يقولون برجوعه إلى جميع الجمل، وأنّ أصحاب أبي حنيفة يقولون برجوعه إلى الجملة الأخيرة، وجماعة من المعتزلة يقولون بالتفصيل، وآخرون يقولون بالاشتراك، وآخرون يقولون بالوقف، وليس هذا محل ذكر الحجج للمختلفين.\nوالذي ينبغي ذكره هنا أنّ الخلاف بين الشافعية والحنفية إنما هو في الكلام إذا خلا عن دليل يدل على أحد الرأيين، أما إذا كان في الكلام دليل على أحد الرأيين فإنّه يجب المصير إليه بلا خلاف. فقوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [النساء: ٩٢] قد اشتمل على قرينة تعيّن أنّ الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة وحدها. وتلك القرينة هي امتناع عود الاستثناء إلى تحرير الرقبة، لأنّه حقّ الله تعالى، وتصدق الولي لا يكون مسقطا لحق الله تعالى.\nوكذلك قوله تعالى في المحاربين: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [المائدة: ٣٣] إلى قوله ﷾: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة: ٣٤] فيه دليل على رجوع الاستثناء إلى الجمل كلها، فإنّ التقييد بقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ يمنع عود الاستثناء الأخيرة وحدها، أعني قوله سبحانه: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ [البقرة: ١١٤] إذ لو عاد إليها وحدها لم يبق لهذا القيد فائدة، إذ من المعلوم أنّ التوبة من الذنب تسقط العذاب الأخروي سواء أكانت قبل القدرة عليهم أم بعدها، فلم يكن للتقييد بقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فائدة إلا سقوط الحدّ.\nونعود إلى الآية التي معنا قول الله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فيه ثلاث جمل متعاطفة بالواو، ومعقبة بالاستثناء، ولا خلاف بين الفريقين أنّ الاستثناء غير راجع إلى الجملة الأولى، أما على رأي الحنفية فظاهر، وأما على رأي الشافعية فلأنّ المحافظة على حقّ العبد قرينة على عدم رجوع الاستثناء إلى الجلد، فإنّ حق العبد لا يسقط بتوبة الجاني، فلم يبق إلا الجملتان الأخيرتان: رد الشهادة، والفسق، وإذ لا قرينة تعين أحد الأمرين فقد وقع الخلاف، ووجب التحاكم إلى الحجة والدليل، وأنت إذا رجعت إلى أدلة الفريقين- وهي كثيرة في كتب الأصول- فإنّك لا تجد فيها- على كثرتها- دليلا سلم من نقد.","vol":"1","page":557},{"text":"وقد حاول بعض أجلاء الحنفية الانتصار لمذهبه فقال: إنّ في الآية قرينة تدل على أنّ الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة وحدها. وبيان ذلك أن قوله تعالى:\nوَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ جملة مستأنفة بصيغة الإخبار، منقطعة عما قبلها، جيء بها لدفع ما عساه يخطر بالبال من أن القذف لا يصلح أن يكون سببا لهذه العقوبة، لأنّه خبر يحتمل الصدق، وربما يكون حسبة، فكان ذلك الاحتمال شبهة فيه، والشبهة تدرأ الحد، فكان قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ دفعا لذلك الوهم، ومعناه أنّهم- مع قيام هذا الاحتمال- قد فسقوا بهتك عرض المؤمن بلا فائدة، حيث عجزوا عن الإثبات، فمن أجل ذلك استحقوا هذه العقوبة، وإذا كانت الجملة الأخيرة مستأنفة توجّه الاستثناء إليها وحدها.\nوأنت خبير بأنّ مآل هذا التأويل أنّ العلة في هذه العقوبة فسقهم، وإذا كان الفسق الذي هو علة في ردّ الشهادة قد أثرت فيه التوبة فرفعته، ومحت أثره، فإنّه يلزم من ذلك أن يرتفع ردّ الشهادة الذي هو معلولة، وينمحي أثره، لضرورة زوال الحكم بزوال علته.\nوكذلك حاول بعض أجلّاء الشافعية الانتصار لمذهبه، فجعل جملة تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا مستأنفة منقطعة عن الجملة التي قبلها، لأنّها ليس من تتمة الحدّ لما علمت آنفا، ويكون قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ اعتراضا جاريا مجرى التعليل لعدم قبول الشهادة، غير منقطع عما قبله، ولهذا جاز توسطه بين المستثنى والمستثنى منه، ولا تعلّق للاستثناء به.\nولكنك تعلم أنّ القول باستئناف جملة وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ إلخ بعيد كل البعد.\nولعلّ الأولى في الاستثناء ما ذهب إليه الزمخشري «١» حيث قال: الذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط، والمعنى: ومن قذف فاجمعوا لهم بين الأجزية الثلاثة إلا الذين تابوا منهم، فيعودون غير مجلودين، ولا مردودي الشهادة، ولا مفسقين اهـ. أي لكن هذا الظاهر لم يعمل به في خصوص الجلد للإجماع على أنه لا يسقط بالتوبة لما فيه من حق العبد، فبقي الاستثناء في ظاهره عائدا إلى ردّ الشهادة والتفسيق.\nهذا وقد سبق أبا حنيفة إلى القول بعدم قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب كثير من علماء التابعين منهم الحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير.\nوإلى ما ذهب إليه الشافعي من قبول شهادته إذا تاب ذهب أكثر التابعين وجميع فقهاء الأمصار غير الحنفية. وفي «صحيح البخاري» أنّ عمر ﵁ جلد أبا\n_________\n(١) انظر الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للإمام الزمخشري (٢/ ٢١٤) .","vol":"1","page":558},{"text":"بكرة وشبل بن معبد ونافعا بقذف المغيرة بن شعبة. ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته.\nوقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل لما يفيده الاستثناء: أي إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم، ولا تفسّقوهم، لأنّ الله غفور رحيم، أو فلا تفسوقهم لأنّ الله غفور رحيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>اللعان</span>\nقال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) في «القاموس»: الشهادة: الخبر القاطع ... وأشهد بكذا أحلف اهـ وفي قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: ١٦] بعد قوله جلّ شأنه: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ دليل على أنّ الشهادة ترد بمعنى اليمين، وقد أجرت العرب الشهادة: أفعال العلم واليقين مجرى اليمين وتلقتها بما يتلقى القسم، وأكدت بها الكلام كما يؤكد بالقسم.\nوقد شاع في لسان الشرع استعمال الشهادة بمعنى الإخبار بحقّ للغير على الغير، وتسمّى أيضا بينة.\nوقد ذكر مادة الشهادة في آيات اللعان خمس مرات: أما الأولى فالمراد بها البيّنة بلا خلاف وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ أي وليس لهم بينة أربعة رجال عدول يشهدون بما رموهن به من الزنى.\nوأما الثانية فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ فأولى الأقوال بالصواب فيها أنّها بمعنى البينة أيضا، وأنّ المراد فبينته المشروعة في حقه أن يقول أربع مرات إلخ، ويكون الكلام على حد «ذكاة الجنين ذكاة أمه» أي الذكاة الشرعية التي تحلّ الجنين هي ذكاة أمه. فذكاة أمه ذكاة له، كذلك هنا، قول الزوج الكلمات الخمس بينة له على صدق ما يقول، وقائمة مقام أربعة رجال عدول يشهدون على صدقه.\nوأما الثلاثة الباقية «أربع شهادات بالله، أن تشهد أربع شهادات بالله» فهي محتملة لأن تكون بمعنى الإخبار عن علم، وبمعنى الحلف والقسم، لأنّ معنى «أربع شهادات بالله» أن يقول أربع مرات: أشهد بالله إلخ وقول القائل: أشهد بالله على كذا يحتمل أن يكون خبرا مؤكدا بالشهادة، كما يؤكّد بالقسم، ويحتمل أن يكون قسما مؤكدا بلفظ الشهادة، والعلماء مختلفون في المراد هنا بكلمات اللعان في قول أحد المتلاعنين: أشهد بالله إلخ، فمنهم من قال: هي شهادات غلبت عليها أحكام","vol":"1","page":559},{"text":"الشهادات، ومنهم من قال: هي أيمان غلبت فيها أحكام الأيمان، وسيأتي بيان ثمرة الخلاف في ذلك.\nوظاهر قوله تعالى: إِلَّا أَنْفُسُهُمْ أنه استثناء متصل. وقيل: إن (إلا) بمعنى (غير) ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية، فإنّ (إلا) و(غير) يتعاوران الاستثناء والوصفية، فتكون (غير) للاستثناء حملا على (إلا) وصفة حملا على (غير) ومن العلماء من جعل الاستثناء هنا منقطعا لظهور أن الزوج ليس من البينة التي كان يصحّ أن يستشهدها لو وجدها. وأولى الأقوال في هذا الاستثناء أنه متصل، وأن فيه تغليب الشهداء حتى شملوا الزوج القاذف، والسر في هذا التغليب الإشارة من أول الأمر إلى اعتبار قوله، وعدم إلغائه، ليوافق ما آل إليه اللعان في آخر الأمر من اعتبار قوله في سقوط الحد عنه بكلماته وحدها.\nواللعن: الطرد من رحمة الله والغضب: السخط، وهو أشد من اللعن، فلذلك أضيف الغضب إلى المرأة لما أنّ جريمتها وهي الزنى أشد من جريمة الرجل، وهي القذف.\nوالدرء: الدفع، ومنه فَادَّارَأْتُمْ [البقرة: ٧٢]: تدافعتم. والعذاب: كل مؤلم، والمراد به هنا حدّ الزنى أو التعزير بالحبس ونحوه، على اختلاف الرأيين كما ستعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>سبب نزول آيات اللعان</span>\nذكر العلماء في سبب نزول هذه الآيات روايات\nفأخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس «١» ﵄ أنّ هلال بن أمية ﵁ قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبي ﷺ: «البينة أو حدّ في ظهرك» فقال: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول: «البينة أو حدّ في ظهرك» فقال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله تعالى ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل ﵊، وأنزل عليه.\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ حتى بلغ إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فانصرف النبي ﷺ، فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ يقول: «الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا لها: إنّها موجبة. قال ابن عباس ﵄ فتلكأت ونكصت، وظننا أنها ترجع، ثم قالت: والله لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي ﷺ: «أبصروها. فإن\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٥)، ٦٥- كتاب التفسير، ٣- باب (ويدرأ عنها العذاب) حديث رقم (٤٧٤٧)، والترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٣٠٩)، كتاب التفسير، تفسير سورة النور حديث رقم (٣١٧٩)، وأبو داود في السنن (٢/ ٢٥٣)، كتاب الطلاق، باب في اللعان حديث رقم (٢٢٥٤) .","vol":"1","page":560},{"text":"جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء» فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ: «لولا ما مضى من كتاب الله تعالى لكان لي ولها شأن» .\nوقيل: إنها نزلت في عاصم بن عدي، وقيل: إنها نزلت في عويمر بن نصر العجلاني، وفي «صحيح البخاري» ما يشهد لهذا القول، بل قال السّهيلي: إنه هو الصحيح، ونسب غيره إلى الخطأ.\nونحن ندع الخلاف في سبب النزول جانبا، والذي يهمنا من ذلك أن جميع الروايات متفقة على ثلاثة أمور:\nأولها: أن آيات اللعان نزلت بعد آية قذف المحصنات بتراخ، وأنها منفصلة عنها.\nوالثاني: أنهم كانوا قبل نزول آيات اللعان يفهمون من قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية أنّ حكم من رمى الأجنبية وحكم من رمى زوجته سواء.\nوالثالث: أنّ هذه الآية نزلت تخفيفا على الزوج، وبيانا للمخرج مما وقع فيه مضطرا.\nونريد أن نبيّن علاقة آيات اللعان بآية القذف، فقواعد أصول الحنفية تقضي بأنّ آيات اللعان ناسخة للعموم في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ لتراخي نزولها عنها.\nوعلى ذلك يكون ثبوت الحد على من قذف زوجته منسوخا إلى بدل بيّنته آيات اللعان، وليس في هذه الآيات حكم يتعلق بقاذف زوجته أكثر من أنه يلاعن.\nوسائر الأئمة غير الحنفية يقولون: إن آيات اللعان جعلت قاذف زوجته إذا لم يأت بأربعة شهداء- مخيّرا بين أن يلاعن أو يقام عليه الحد، فتكون آيات اللعان مخصّصة لعموم قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ويكون نظم الآيتين هكذا: كلّ من قذف محصنة ولم يأت بأربعة شهداء. فموجب قذفه الحد لا غير، إلا من قذف زوجته، فموجب قذفه إياها الحد أو اللعان.\nولعلّك تقول: لماذا كان حكم قاذف زوجته مخالفا لحكم قاذف الأجنبية، وما السرّ في أنه قد جاء هكذا مخففا؟\nوالجواب ببيان حكمة مشروعية اللعان، وذلك أنّه لا ضرر على الزوج في زنى الأجنبي، والأولى له ستره، وأما زنى زوجته فيلحق به العار وفساد النسب، فلا يمكنه الصبر عليه، ومن الصعب عليه جدا أن يجد البينة، فتكليفه إياها فيه من العسر والحرج ما لا يخفى.\nوأيضا فإنّ الغالب أنّ الرجل لا يرمي زوجته بالزنى إلا عن حقيقة، إذ ليس له الغرض في هتك حرمته، وإفساد فراشه، ونسبة أهله إلى الفجور، بل ذلك أبغض إليه، وأكره شيء لديه، فكان رميه إياها بالقذف دليل صدقه، إلا أنّ الشارع أراد كمال","vol":"1","page":561},{"text":"شهادة الحال بذكر كلمات اللعان المؤكّدة بالأيمان، فجعلها- منضمة إلى قوة جانب الزوج- قائمة مقام الشهود في قذف الأجنبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>شروط المتلاعنين</span>\nشرط الحنفية في الزوج الذي يصحّ لعانه أن يكون أهلا لأداء الشهادة على المسلم، وفي الزوجة أن تكون كذلك أهلا لأداء الشهادة على المسلم، وأن تكون ممن يحد قاذفها، فلا لعان بين رقيقين، ولا بين كافرين، ولا بين المختلفين دينا، ولا بين المختلفين حرية ورقّا، أما كون الزوج من أهل الشهادة فلقوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فإنّ الاستثناء متصل في ظاهره، والمعروف في الاستثناء المتصل أنّ يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فيكون الزوج شاهدا يعتبر فيه ما يعتبر في أهل الشهادة، وأيضا فكلمات اللعان من الزوج في ظاهرها شهادات مؤكدات بأيمان، فيجري على قائلها ما يجري على الشهود، وكذلك جعل الله كلمات الزوج الأربع بدلا من الشهود، وقائمة مقامهم عند عدمهم، فلا أقلّ من أن يشترط في قائلهن ما يشترط في أحد الشهود.\nوأما كون الزوجة من أهل الشهادة فلأن لعانها معارضة للعانه، فكما اشترطنا في الزوج أن يكون أهلا لأداء الشهادة على المسلم، كذل يشترط في الزوجة أن تكون أهلا لأداء الشهادة على المسلم، حتى يكون في لعانها قوة المعارضة للعانه.\nوأما كون الزوجة ممن يحد قاذفها فلأنّ اللعان كما علمت بدل عن الحد في قذف الأجنبية، فلا يكون لعان في قذف الزوجة إلا حيث يجب الحد على قاذفها لو كان أجنبيا.\nويشهد للحنفية في اشتراطهم هذه الشروط أيضا ما\nرواه ابن عبد البرّ في «١» «التمهيد» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنّ النبي ﷺ قال: «لا لعان بين مملوكين ولا كافرين» .\nوما رواه الدارقطني «٢» من حديثه أيضا عن أبيه عن جده مرفوعا «أربعة ليس بينهم لعان: ليس بين الحر والأمة لعان، ليس بين الحرة والعبد لعان، وليس بين المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان»\nوما\nرواه عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن شهاب قال: من وصية النبي ﷺ لعتّاب بن أسيد أن لا لعان بين أربع\n، فذكر معناه، وهذه الأحاديث الثلاثة وإن كان نقاد الحديث قد\n_________\n(١) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ أديب، بحاثة، ولد بقرطبة، وتوفي بشاطبة سنة (٤٦٣ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٨/ ٢٤٠) .\n(٢) انظر سنن الدارقطني (٣/ ١٦٣)، كتاب النكاح عن عبد الله بن عمرو.","vol":"1","page":562},{"text":"تكلموا في كل واحد منها، فإنّ الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه يحتجّ به لما عرف في موضعه.\nوهذا الذي ذهب إليه الحنفية قال به الأوزاعي والثوري وجماعة، وهو رواية عن أحمد ﵀.\nوذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى إلى أنّ اللعان يصحّ من كلّ زوجين، سواء أكانا مسلمين أم كافرين، عدلين أم فاسقين، محدودين في قذف أم غير محدودين، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وربيعة وسليمان بن يسار. وحجتهم في ذلك عموم قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ قالوا: وقد سمّى رسول الله ﷺ اللعان يمينا،\nفإنّه لما علم أن امرأة هلال بن أمية جاءت بولدها شبيها بشريك بن سحماء قال فيها: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» رواه أبو داود\nبإسناد لا بأس به «١» . يريد ﷺ بالأيمان ما سبق من لعانها. فقد سمّى كلمات اللعان أيمانا، فلا يشترط في المتلاعنين إلا ما يشترط في أهل الأيمان.\nوقالوا أيضا: إنّ حاجة الزوج الذي تصحّ منه الشهادة إلى اللعان ونفي الولد كحاجة من تصحّ شهادته سواء، والأمر الذي نزل به مما يدعو إلى اللعان، كالذي ينزل بالعدل الحر، وليس من محاسن الشريعة أن ترفع ضرر أحد النوعين وتجعل له فرجا ومخرجا مما نزل به، وتدع النوع الآخر في الآصار والأغلال لا مخرج مما نزل به ولا فرج.\nوأما الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فقد علمت ما فيه من الاحتمالات.\nوكذلك علمت ما في حديث عمرو بن شعيب، فلم يبق إلا الكلام في ألفاظ اللعان: أهي شهادة أم يمين، فالحنفية وموافقوهم غلّبوا فيها جانب الشهادة، فشرطوا في المتلاعنين أهلية الشهادة.\nوالشافعية وموافقوهم غلّبوا فيها معنى اليمين، فلم يشترطوا في المتلاعنين إلا أن يكونا ممن تصح أيمانهم.\nظاهر قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية يقتضي أنّ الزوج إذا قذف امرأته بعد الطلاق أنه لا لعان بينهما، لأنها حينئذ ليست زوجة، وبهذا الظاهر قال عثمان البتي «٢» .\nوقال أبو حنيفة والشافعي: إذا وقع القذف في عدّة طلاق رجعي جرى بينهما اللعان، لأنّ المطلقة طلاقا رجعيا في حكم الزوجة ما دامت في العدة. وقال مالك\n_________\n(١) انظر سنن أبي داود (٢/ ٢٥٣)، كتاب الطلاق، باب اللعان حديث رقم (٢٢٥٤) .\n(٢) عثمان البتي، فقيه البصرة، أبو عمرو، بيّاع البتوت (الأكسية الغليظة) اسم أبيه مسلم وقيل أسلم وقيل سليمان وأصله من الكوفة، انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (٦/ ٣٦٤) ترجمة (٨٩١) .","vol":"1","page":563},{"text":"﵁: إن كان هناك نسب يريد أن ينفيه، أو حمل يتبرأ منه لا عن. وإذا لم يكن هناك حمل يرجى، ولا نسب يخاف تعلقه لم يكن للعان فائدة، فلم يحكم به، وكان قذفا مطلقا داخلا تحت قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>كيفية اللعان</span>\nكلمات اللعان هي على ما في كتاب الله تعالى: أن يقول الزوج أربع مرّات أشهد بالله إني لمن الصادقين، وفي المرّة الخامسة يقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.\nوشهادة الحال قرينة على تعيين متعلّق الصدق والكذب في قوله: لَمِنَ الصَّادِقِينَ مِنَ الْكاذِبِينَ أي فيما رميتها به من الزنى ونفي الولد، وكذلك المرأة تقول في لعانها أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وفي المرة الخامسة تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، وتكتفي بدلالة الحالة عن ذكر متعلّق الصدق والكذب، هذه كلمات اللعان على ما حكاها الله سبحانه تراها قد اكتفي فيها بشهادة الحال عن بيان متعلّق الصدق والكذب.\nإلا أنّ بعض العلماء اشترط أن يذكر باللفظ متعلّق الصدق والكذب لقطع احتمال أن ينوي متعلقا آخر للصدق والكذب.\nوكذلك ظاهر الآية أنه لا يقبل من الرجل أقلّ من خمس مرات، ولا يقبل منه إبدال اللعنة بالغضب، وكذلك لا يقبل من المرأة أقل من خمس مرات ولا أن تبدل الغضب باللعنة.\nوظاهر الآية أيضا البداءة بالرجل في اللعان، وهو مذهب الجمهور من فقهاء الأمصار. وأبو حنيفة ﵀ يعتدّ بلعانها إذا بدئ به. ومرجع الخلاف بين الإمام أبي حنيفة والجمهور من الفقهاء في هذا إلى أن الفقهاء يرون لعان الزوج موجبا للحد على الزوجة، ولعانها يسقط ذلك الحد، فكان من الطبيعي أن يكون لعانها متأخرا عن لعانه. وأبو حنيفة لا يرى لعان الزوج موجبا لشيء قبلها، فليس من الضروري أن يتأخر لعانها عن لعانه، وسيأتي لهذه المسألة مزيد تفصيل في الكلام على فائدة اللعان.\nهذه كيفية اللعان المأخوذة من القرآن، ويزاد عليها من السنة أنّه إذا كانت المرأة حاملا، وأراد الزوج أن ينفي ذلك الحمل وجب أن يذكره في لعانه، كأن يقول: وإنّ هذا الحمل ليس مني، هذا رأي الأئمة الثلاثة وجمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة: لا لعان لنفي الحمل، وإذا نفاه في لعانه لم ينتف، وسبيله إذا أراد نفيه أن ينتظر حتّى تضع حملها، فيلاعن لنفيه، لاحتمال أن يكون ما بها نفاخ وليس بحمل.\nوكذلك إذا كان هناك ولد يريد الزوج نفيه عنه وجب التعرّض لذلك في اللعان، وأخذ العلماء من أحاديث اللعان أيضا أنّه يندب أن يقام الرجل حتى يشهد، والمرأة","vol":"1","page":564},{"text":"قاعدة، وتقام المرأة والرجل قاعد حتّى تشهد، وأن يعظها القاضي أو نائبه بمثل قوله لكل منهما عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب: اتق الله، فإنّها موجبة، ولعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، كما يستحب التغليظ بالزمان والمكان، وحضور جمع من عدول المسلمين، على خلاف في ذلك بين الفقهاء، محلّه كتب الفروع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>ما يترتب على اللعان</span>\nظاهر قوله تعالى: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ وقوله جلّ شأنه: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ أنّ اللعان من الزوج يسقط عنه حدّ القذف، ويوجب على الزوجة حدّ الزنى، وبيان ذلك من وجهين:\nالأول: أن قوله: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ إلخ معناه فالشهادة المشروعة في حقه التي تعمل عمل شهادة البينة إذا كان القاذف أجنبيا أن يأتي بكلمات اللعان على الوجه المبيّن في الآية، ومعلوم أنّ مقتضى شهادة البينة من الأجنبي وموجبها هو سقوط حد القذف عنه، ووجوب حد الزنى على المقذوف، وإذ قد أقام الله كلمات اللعان من الزوج مقام البينة من الأجنبي وجب أن يكون مقتضى كلمات اللعان وعملها هو شهادة الشهود الأربعة وعملها، فكما أسقطت الشهادة من الأجنبي حدّ القذف عنه، وأوجبت حد الزنى على المقذوف، كذلك كلمات اللعان من الزوج، تأخذ هذا المقتضى، وتعمل هذا العمل بعينه، فتسقط حد القذف عن الزوج، وتوجب حد الزنى على الزوجة.\nوالوجه الثاني: أنّ كلمة العذاب في قوله تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ.. لا يصح أن يراد منها عذاب الآخرة، لأن الزوجة إن كانت كاذبة في لعانها لم يزدها اللعان إلا عذابا في الآخرة، وإن كانت صادقة فلا عذاب عليها في الآخرة حتى يدرأه اللعان، فتعيّن أن يراد به عذاب الدنيا، ولا يصحّ أن تكون اللام فيه للجنس، لأنّ لعانها لا يدرأ عنها جميع أنواع العذاب في الدنيا، فتعين أن تكون اللام للعهد، والمعهود هو المذكور في قوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وهذا هو عذاب حد الزنى. ويشهد لذلك\nقوله ﷺ لخولة بنت قيس كما في بعض الروايات «الرجم أهون عليك من غضب الله»\nفقد فسر النبي ﷺ العذاب المدروء عنها بالرجم. وأيضا\nفقوله ﷺ على ما في الروايات الأخرى التي بلغت حدّ الشهرة أو التواتر لخولة عند ما أتمت كلمات اللعان الأربع «عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» «١»\nيشهد بأن المراد بالعذاب الحد، إذ لو كان المراد به الحبس- وهي إنما تحبس لتلاعن- لما كان لتذكيرها بهذا القول من فائدة، فثبت من هذا أنّ لعان الزوج يسقط حد القذف عنه، ويوجب حد\n_________\n(١) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٥/ ٢١)، وابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (١٨/ ٦٦- ٦٧) .","vol":"1","page":565},{"text":"الزنى عليها، وحينئذ يكون لعانها مسقطا للحد عنها، وبهذا قال الإمام مالك والشافعي والحجازيون، وخلائق من العلماء.\nوقال أبو حنيفة ﵀: آيات اللعان نسخت الحد عن قاذف زوجته فليس عليه حد في قذف زوجته فكيف يسقط لعانه حدا لم يثبت عليه وكذلك لا يوجب لعانه حدّ الزنى على الزوجة، لأن حد الزنى لا يثبت إلا بأربعة شهود أو بالإقرار أربع مرات، وليس لعان الرجل في قوة الشهود الأربعة، وليس نكولها بصريح في الإقرار.\nوعلى هذا الخلاف ينبني خلافهم في حكم الممتنع من اللعان من الزوجين فمالك والشافعي ومن وافقهما يقولون: الزوج الممتنع من اللعان يدخل في حكم قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، فإذا كانت زوجته ممن يحدّ قاذفها حدّ، وإلا عزر، لأنّ اللعان جعل رخصة له، فلما أبى أن يلاعن فقد أضاع على نفسه هذه الرخصة، فكان حكمه وحكم غير الزوج سواء. والزوجة الممتنعة عن اللعان بعد لعان زوجها يقام عليها حدّ الزنى، وهو مختلف بإحصانها ورقها وحريتها.\nوالحنفية يقولون: إذا امتنع الزوج من اللعان حبس حتى يلاعن، لأن اللعان حق توجه عليه، وحكمه حكم سائر الحقوق التي لا يمكن استيفاؤها إلا بالقهر والتعزير، فللحاكم حبسه وتهديده حتى يلاعن أو يكذّب نفسه في القذف، فيقام عليه حده.\nووافق الحنفية الإمام أحمد في حكم الزوجة الممتنعة في إحدى الروايتين عنه، وفي رواية أخرى عنه لا تحبس، ويخلى سبيلها كما لو لم تكمل البينة، وهذا قول غريب جدا، إذ كيف يخلّى سبيلها ويدرأ عنها العذاب بغير لعان، وهل هذا إلا مخالفة لظاهر القرآن.\nفأولى الأقوال بالصواب هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، ودل عليه ظاهر القرآن من أنّ لعان الزوج يسقط عنه حد القذف، ويوجب على الزوجة حدّ الزنى. وأنّ لعانها يدرأ عنها حد الزنى، ولم تتعرض آيات اللعان لأكثر من هذه النتائج.\nوأما نفي الولد، والفرقة بين المتلاعنين، والتحريم المؤبد بينهما، فإنّما مأخذها من السنة لا من القرآن الكريم. فنفي الولد مصرّح به في حادثة هلال بن أمية وغيرها، والروايات الدالة على أنه من نتائج اللعان كثيرة تكاد تبلغ حد الشهرة أو التواتر، وقد صرح العلماء بأنّ المقصود الأصلي من اللعان إنما هو نفي الولد.\nوكذلك الفرقة بين المتلاعنين ثبتت بالسنة الصحيحة، وللعلماء في موجبها خلاف. فقال الشافعي: إنها تقع بمجرد لعان الزوج وحده، وإن لم تلاعن المرأة، وحجته في ذلك أنّها فرقة حاصلة بالقول، فيستقل بها قول الزوج وحده كالطلاق، ولا تأثير للعان الزوجة إلا في دفع العذاب عن نفسها، كما قال تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ","vol":"1","page":566},{"text":"تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ\nففيه دلالة على أنّ كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج إلا درء العذاب عن الزوجة.\nوقال مالك وأحمد في إحدى الروايتين وأهل الظاهر: لا تقع الفرقة إلا بلعانهما جميعا، فإن تمّ لعانهما حصلت الفرقة، ولا يعتبر تفريق الحاكم. واحتجوا بأنّ الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين، ولا يكونان متلاعنين بلعان الزوج وحده، وأيضا لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لا عنت المرأة وهي أجنبية، ولكنّه تعالى أوجب اللعان بين الزوجين.\nوقال أبو حنيفة وأحمد في روايته الأخرى: إنّ الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانهما، وتفريق الحاكم بينهما، والحجة في ذلك قول ابن عباس في حديثه، ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وهذا يقتضي أنّ الفرقة لم تحصل قبله، وقول عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، هي طالق ثلاثا، فقوله هذا يقتضي بقاء العصمة بعد اللعان، إذ لو وقعت الفرقة باللعان لكان كلامه لغوا، وتطليقه إياها عبثا، ولما أقره النبي ﷺ على شيء من ذلك.\nوقال عثمان البتي وطائفة من فقهاء البصرة: لا يقع باللعان فرقة البتة، لأنّ أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقا في قذفه، وهذا لا يوجب تحريما، كما لو قامت البينة على زناها. وأما تفريق النبي ﷺ بين المتلاعنين في قصة عويمر العجلاني فذلك لأنّ الزوج كان طلقها ثلاثا قبل اللعان.\nوأما التحريم المؤبد بينهما فقال به عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وجمع من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف والثوري وأبو عبيد، والسنة الصحيحة صريحة في أنّ المتلاعنين لا يجتمعان أبدا.\nوقال أبو حنيفة ومحمد وسعيد بن المسيّب: إن أكذب الزوج نفسه فهو خاطب من الخطاب، وقد يحتجّ لهم بعموم قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣] وقوله جلّ شأنه: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء: ٢٤] .\nوالذي تقتضيه حكمة اللعان أن يكون التحريم مؤبدا، فإنّ لعنة الله وغضبه قد حلّ بأحدهما لا محالة، ولا نعلم عين من حلّ به ذلك منهما يقينا، فوجب التفريق بينهما خشية أن يكون الزوج هو الذي قد وجبت عليه لعنة الله، وباء بها، فيعلو امرأة غير ملعونة، وحكمة الشرع تأبى ذلك، كما تأبى أن يعلو الكافر المسلمة. وأيضا فإنّ النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبه لا تزول أبدا، فإنّ الرجل إن كان صادقا عليها، فقد أشاع فاحشتها، وفضحها على رؤوس الأشهاد، وأقامها مقام الخزي والغضب، وإن كان كاذبا: فقد أضاف إلى ذلك أنّه بهتها، وزاد في غيظها وحسرتها.\nكذلك المرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رؤوس الأشهاد، وأوجبت عليه","vol":"1","page":567},{"text":"لعنة الله، وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه، وخانته في نفسها، وألزمته العار والفضيحة، وأحوجته إلى هذا المقام المخزي، فحصل لكل واحد منهما من صاحبه من النفرة والإساءة والوحشة ما لا يكاد يلتئم معه شملهما، وما يبعد معه أن يعود بينهما السكن والمودة والرحمة التي هي سر الحياة الزوجية الهنية الراضية، فاقتضت حكمة الله- وشرعه كلّه حكمة ومصلحة وعدل ورحمة- تأبيد الفرقة بينهما، وقطع أسباب اتصالهما بعد أن تمحضت صحبتهما مفسدة، واستحال اجتماعهما إلى ضرر وشقاق.\nهذه أحكام مترتبة على قذف الرجل زوجته وحدها، فأما إذا قذف معها أجنبي فهذا موضع قد اختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة ومالك: لكل منهما حكمه، فيلاعن للزوجة ويحدّ للأجنبي.\nوقال أحمد: يجب عليه حد واحد لهما، ويسقط هذا الحد بلعانه، سواء أذكر المقذوف في لعانه أم لم يذكره. وقال الشافعي: إن ذكر المقذوف في لعانه سقط الحد له، كما يسقط الحد للزوجة، وإن لم يذكره في لعانه حد له.\nوالذين أسقطوا حكم قذف الأجنبي باللعان حجتهم ظاهرة، فإنّه ﷺ لم يحد هلال بن أمية لشريك بن سحماء، وقد سمّاه صريحا، وأيضا فإنّ الزوج مضطر إلى قذف الزاني لما أفسد عليه من فراشه، وربما يحتاج إلى ذكره ليستدل بشبه الولد له على صدقه، كما استدل النبي ﷺ على صدق هلال بشبه الولد بشريك، فكان قذفه تابعا لقذف الزوجة، فوجب أن يسقط حكم قذفه ما أسقط حكم قذفها.\nوأجاب القائلون بأن اللعان لا يسقط حدّ الأجنبي عن عدم إقامة الحد لشريك بجوابين.\nالأول: أن شريكا كان يهوديا، وهو باطل، والصحيح أن شريك بن عبدة، وأمه سحماء، وهو حليف الأنصار، ولم يكن يهوديا، وهو أخو البراء بن مالك لأمه.\nوالجواب الثاني: أنه لم يطالب به، وحد القذف إنما يقام بعد المطالبة، وهو غير سديد أيضا، لأن شريكا لما استقر عنده أنه لا حقّ له في هذا القذف لم يطالب به، ولم يتعرض لقاذفه. وإلا فغير معقول أن يسكت عن براءة عرضه وله طريق إلى إظهارها بحد قاذفه، والقوم كانوا أشدّ حميّة وأنفة، وأقوى تمسكا بالمحافظة على الكرامة.\nهذا وقد استدلّ بمشروعية اللعان على جواز الدعاء باللعن على كاذب معيّن، لأنّ قول الزوج: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، دعاء على نفسه باللعن على تقدير كذبه، فإذا كان هذا جائزا فأولى منه بالجواز الدعاء باللعن على شخص مقطوع بكذبه.\nوكذلك استدل بمشروعية اللعان على إبطال قول الخوارج: إن الزنى والكذب في القذف كفر، وذلك لأنّ الزوج الذي قذف زوجته إن كان صادقا كانت زوجته زانية، وإن لم يكن صادقا كان كاذبا في قذفه، فأحدهما لا محالة كافر مرتد، والردة توجب الفرقة بينهما من غير لعان.","vol":"1","page":568},{"text":"وبهذه المناسبة ينبغي أن نذكر حكم قذف الزوج زوجته وحكم نفيه الولد:\nقال العلماء: لا يحل للرجل قذف زوجته إلا إذا علم زناها أو ظنه ظنا مؤكدا، كأن شاع زناها بفلان، وصدّقت القرائن ذلك. والأولى به تطليقها سترا عليها ما لم يترتب على فراقها مفسدة. هذا إذا لم يكن هناك ولد، فإن أتت بولد علم أنه ليس منه، أو ظنه ظنا مؤكدا وجب عليه نفيه، وإلا كان بسكوته مستلحقا لمن ليس منه، وهو حرام، كما يحرم عليه نفي من هو منه. وإنما يعلم أنّ الولد ليس منه إذا لم يطأها أصلا، أو وطئها وأتت به لدون ستة أشهر من الوطء. فإن أتت به لستة أشهر فأكثر، فإن لم يستبرئها بحيضة حرم النفي، وإن استبرأها بحيضة كان ذلك في مجال النظر، فإن قلنا إنّ الحمل لا يمنع الحيض حرم النفي، وإن قلنا إنّ الحمل يمنع الحيض حل النفي. وإذا وطئ وعزل حرم النفي، وكذلك إذا علم زناها وجاز كون الولد منه وكونه من الزنى حرم النفي لتقاوم الاحتمالين، والولد للفراش.\nقال الله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) فيه التفات من الغيبة إلى خطاب الرامين والمرميات بتغليبهم عليهن، وسرّ هذا الالتفات أن يستوفي مقام الامتنان حقّه في المواجهة، وحال الحضور أتم وأكمل منه في الغيبة وعدم المواجهة، وجواب (لولا) محذوف، وإنما حسن حذفه ليذهب الوهم في تقديره كل مذهب، فيكون أبلغ في البيان، وأبعد في التهويل والإرهاب، على حد قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام: ٢٧] والمعنى أن من آثار فضل الله عليكم ورحمته بكم وتوبته على عباده وحكمته في أفعاله أن شرع اللعان بين الزوجين، ولولا ذلك لحصل لهما من الحرج ما لا يحيط به البيان، فلو لم يكن اللعان مشروعا لوجب على الزوج حدّ القذف، مع أن الظاهر كما تقدم صدقه، وأنه لا يفتري عليها لاشتراكهما في العار والخزي، ولو جعل شهاداته موجبة لحد الزنى عليها لفات النظر لها، ولو جعل شهاداتها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له. فكان من الحكمة وحسن النظر لهما جميعا أن جعل شهادات كلّ منهما دارئة لما توجه إليه من عذاب الدنيا، وآذن الكاذب منهما أن يلج باب التوبة حتى ينجو من عذاب الآخرة، فسبحانه ما أوسع رحمته، وأجلّ حكمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>الاستئذان في دخول البيوت</span>\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)\nالآيات التي تقدّمت في صدر الصورة كانت في حكم الزنى وبيان أنّه قبيح ومحرّم، وأنّ صاحبه يستحق العذاب والنكال، ولما كان الزنى طريقه النظر والخلوة","vol":"1","page":569},{"text":"والاطلاع على العورات، وكان دخول الناس في بيوت غير بيوتهم مظنة حصول ذلك كلّه أرشد الله ﷿ عباده إلى الطريقة الحكيمة التي يجب أن يتبعوها إذا أرادوا دخول هذه البيوت، حتى لا يقعوا في ذلك الشر الوبيل، وأيضا فإنّ أصحاب الإفك لم يكن لهم متكأ في رمي عائشة ﵂ إلا أنها كانت مع صفوان في خلوة أو ما يشبه الخلوة، لذلك نهى الله ﷾ عن دخول البيوت بغير إذن حتّى لا يؤدي ذلك إلى القدح في أعراض البرآء الأطهار.\nروي في سبب نزول هذه الآية أن امرأة أتت النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على الحالة التي أحبّ أن لا يراني عليها أحد، ولا ولد ولا والد فيأتيني آت، فيدخل عليّ فكيف أصنع؟ فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلخ.\nوكلمة بُيُوتًا نكرة واقعة في سياق النهي فكانت في ظاهرها شاملة البيوت المسكونة وغير المسكونة، إلا أن مقابلتها بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ يقتضي حملها على المسكونة فقط. والمراد بالبيوت المضافة إلى المخاطبين في قوله تعالى: غَيْرَ بُيُوتِكُمْ البيوت التي يسكنونها. فالمعنى: لا تدخلوا بيوتا مسكونة لغيركم حتى تستأنسوا إلخ.\nالاستئناس: استفعال. قيل: إنه من آنس بالمد بمعنى علم فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا [النساء: ٦] فالاستئناس طلب العلم. فالذي يريد أن يدخل بيت غيره مكلّف قبل الدخول أن يستأنس، أي يتعرّف من أهله ما يريدونه من الإذن له بالدخول وعدمه، فهو بمعنى الاستئذان. وقد فسّره بذلك ابن عباس كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم وابن الأنباري وابن جرير «١» وابن مردويه. وهو أيضا تفسير ابن مسعود وإبراهيم وقتادة ﵃.\nويدل على أنّ المراد بالاستئناس الاستئذان قوله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: ٥٩] فإنّ المراد بالذين من قبلهم هم المخاطبون في الآية التي معنا. وقد سمّى الله تعالى استئناسهم استئذانا.\nوعن ابن عباس من طريق شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عنه أنه كان يقرأ هذا الحرف حتى تستأذنوا ويقول: غلط الكاتب. وهذا يوافق ما رواه الحاكم وصححه والضياء في كتابه «الأحاديث المختارة» والبيهقي عن ابن عباس أيضا أنه قال في: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أخطأ الكاتب. وإنما هي حتى تستأذنوا ومن أجل أنّ هذه الرواية فيها كما ترى دلالة على أن ابن عباس ينكر وجها من وجوه القراءات المتواترة\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (١٨/ ٨٧) . [.....]","vol":"1","page":570},{"text":"للقرآن الكريم- ولا شك أنّ القول بهذا فيه شر كبير- لهذا أنكر أبو حيان هذه الرواية عن ابن عباس وقال: إنّه ﵁ يجل مقامه أن يذهب هذا المذهب الفاسد، ومن روى عنه ذلك فهو طاعن في الإسلام، ملحد في الدين «١» .\nلكن غير أبي حيان ممن لا يرى رأيه في هذه الرواية يجيب عنها بغير ما أجاب، فابن الأنباري لم ينكرها، بل قال: إنها ضعيفة ومعارضة بروايات أخرى عن ابن عباس، منها ما تقدّم لك أنه كان يفسر الاستئناس بالاستئذان، وهذا يدلّ على أنّه ما كان ينكر قراءة حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا.\nوبعض العلماء لم يجادل في صحة الرواية التي يقول فيها ابن عباس بخطأ الكاتب نظرا إلى أنها رويت من عدة طرق في بعضها قوة وجودة لهذا اضطر أن يؤول قوله: «أخطأ الكاتب» بأنه ينبغي أن يكون مراد به أنّ الكاتب الذي عهد إليه أن يكتب القرآن بحرف واحد يجتمع عليه الناس أخطأ في اختيار هذا الحرف حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا دون الحرف الثاني تستأذنوا وكان ينبغي أن يختار الثاني، لأنّه أبين وأوضح دلالة على المعنى، ولأنّ معناه محدود، إذ ليس في اللفظ تجوّز ولا اشتراك.\nوهذا الجواب الأخير هو مختار المحققين من العلماء وأئمة التفسير.\nويصح أن يكون الاستئناس مأخوذا من الأنس بضم الهمزة، وهو سكون النفس واطمئنان القلب وزوال الوحشة، فإنّ القادم على بيت غيره مستوحش لا يدري أيؤذن له بالدخول أم لا، فعليه أن يستأنس أولا، أي يلتمس ما يؤنس ويزيل وحشته، وذلك الالتماس إنما يكون بالاستئذان.\nوقيل: إنّ المراد بالاستئناس إعلام الطارق أهل البيت إعلاما تاما أنه قادم عليهم، ويدل له ما\nروي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: قلنا يا رسول الله ما الاستئناس؟ فقال:\n«يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة يتنحنح يؤذن أهل البيت» «٢» .\nوقيل: إنّ المراد بالاستئناس فعل ما يؤنس أهل البيت، ويدفع عنهم الوحشة التي كانت تلمّ بهم لو لم يفعل. وذلك يكون بالتنحنح وما يشبهه، فهذه معان أربعة للاستئناس:\nالأول: أن القادم يطلب العلم برأي أصحاب البيت في دخوله.\nوالثاني: أنه يطلب منهم ما يؤنسه ويزيل وحشته.\nوالثالث: أنه يعلمهم إعلاما مؤكدا بقدومه.\nوالرابع: أنه يؤنسهم بعمل ما، كأن يسبح أو يكبر، ومنه ما تعارفه الناس اليوم من دقّ الباب دقا خفيفا دلالة على طلب الإذن.\n_________\n(١) انظر البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (٦/ ٤٤٥) .\n(٢) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٥/ ٣٨) .","vol":"1","page":571},{"text":"وأنت ترى أنّ مآل المعنيين الأولين للاستئناس هو الاستئذان، فيكون القادم منهيا عن الدخول قبل أن يأتي بعبارة صريحة تدلّ على الاستئذان، وحينئذ لا يباح له الدخول إلا أن يؤذن له، إذ لا معنى للاستئذان دون أن ينتظر الإذن، فيكون تأويل الآية هكذا: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا ويؤذن لكم، ويدل على هذا المضمر قوله تعالى بعد: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ.\nأما على المعنيين الآخرين فظاهر الآية أنّه لا يتوقف دخول القادم على أن يأذن له بذلك أهل البيت ما دام قد أعلمهم وأزال وحشتهم. وبهذا قال مجاهد وعكرمة، ولعلّك ترى أنّ هذا الرأي ضعيف، فإنّ إعلامهم ودفع الوحشة عنهم لا ينبغي أن يكون كافيا في إباحة الدخول، إذ الحكمة التي من أجلها شرع الاستئذان هي أنّ اقتحام البيوت بغير إذن قد يؤدي إلى أن يقع نظر الداخل على ما لا يحل النظر إليه، أو يطلع على ما يكره أهل الدار اطلاعه عليه.\nوظاهر الآية الكريمة أنّه لا بدّ قبل الدخول من الاستئذان والسلام معا، وعليه جمهور الفقهاء، فكلّ من الاستئذان والسلام مطلوب غير أنّ الطلب فيهما متفاوت، فالطلب في الاستئناس على سبيل الوجوب، والطلب في السلام على سبيل الندب، كما هو حكم السلام في غير هذا الموطن.\nوظاهرها أيضا تقديم الاستئذان على السلام، لأنّ الأصل في الترتيب الذكري أن يكون على وفق الترتيب الواقعي، وبهذا الظاهر قال بعض العلماء. وجمهور الفقهاء على تقديم السلام على الاستئذان، وحجتهم في ذلك عموم\nقوله ﷺ فيما أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله تعالى عنه: «السلام قبل الكلام» «١» .\nوما أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في «الأدب» «٢» عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلّم، قال: لا يؤذن له حتّى يسلم.\nوما أخرجه ابن أبي شيبة وابن وهب عن زيد بن أسلم قال: أرسلني أبي إلى ابن عمر ﵄ فجئته فقلت أألج؟ فقال: ادخل، فلما دخلت قال: مرحبا يا ابن أخي، لا تقل أألج، ولكن قل: السلام عليكم. فإذا قيل: وعليك، فقل: أأدخل؟ فإذا قالوا: ادخل، فادخل «٣» .\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٥٦)، كتاب الاستئذان، باب ما جاء في السلام حديث رقم (٢٦٩٩) .\n(٢) الأدب المفرد للإمام البخاري صفحة (٢٨٧)، ٤٩٤- باب الاستئذان غير السلام حديث رقم (١٠٩٨) .\n(٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٨/ ٤٦٤)، والسيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٥/ ٣٩) .","vol":"1","page":572},{"text":"وما أخرجه قاسم بن أصبغ وابن عبد البر عن ابن عباس قال: استأذن عمر ﵁ على النبي ﷺ فقال: السلام على رسول الله السلام عليكم أيدخل عمر؟\nوبعض العلماء فصّل في المسألة فقال: إن كان القادم يرى أحدا من أهل البيت سلّم أولا، ثم استأذن في الدخول، وإن كانت عينه لا تقع على أحد منهم قدّم الاستئذان على السلام. وهذا قول جيّد، ولا ينافيه حديث الترمذي والآثار السابقة، فإنّه يمكن أن تحمل على الحالات التي يكون فيها القادم بحيث يرى أهل البيت. فالأصل أن يقدّم الاستئذان على السلام كما هو ظاهر الآية إلا أن يكون القادم بحيث يرى أهل الدار، فينبغي أن يحييهم أولا بالسلام، ثم يستأذن. وفي هذا جمع بين الأدلة.\nوظاهر الآية أنّ الاستئذان غير مقيّد بعدد، فإن استأذن مرة فأجيب بالإذن دخل، وإن أجيب بالرد رجع، وإن لم يجب فلا عليه أن يرجع.\nوقال بعض العلماء: إنّ الاستئذان ثلاث مرات، فمن لم يؤذن له بعدهن فليرجع، إلا إذا أيقن أنّ من في البيت لم يسمع، فإنّه يجوز له الزيادة على الثلاث.\nوالحكمة في هذا العدد أنّ المرة الأولى لإسماع من في البيت، والثانية: ليتهيؤوا، والثالثة: ليأذنوا، أو يردوا. واستدلّ هؤلاء بما\nروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الاستئذان ثلاث: بالأولى يستنصتون، وبالثانية: يستصلحون، وبالثالثة: يأذنون أو يردون»\nوبما\nروي عن أبي سعيد الخدري «١» قال: كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعا، فقلنا له: ما أفزعك؟ فقال أمرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، فرجعت فقال: ما منعك أن تأتيني؟\nفقلت: قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي. وقد قال ﵊: «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع» فقال: لتأتيني على هذا بالبينة أو لأعاقبنك، فقال أبيّ بن كعب: لا يقوم معك إلا أصغر القوم. قال أبو سعيد: وكنت أصغرهم، فقمت معه، فأخبرت عمر أنّ النبي ﷺ قال ذلك.\nوالراجح أنّ الواجب إنما هو الاستئذان مرة، فأما إكمال العدد ثلاثا فهو حقّ المستأذن، إن شاء أكمله، وإن شاء اقتصر على مرة أو مرتين.\nفقد روى الزهري عن عبيد الله بن أبي ثور عن ابن عباس ﵄ قال:\nسألت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان تظاهرتا عليه، اللتان قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤]؟\nفقال: حفصة وعائشة، قال: ثم أخذ يسوق الحديث، وذكر اعتزال النبي في المشربة،\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٧/ ١٦٩)، ٧٩- كتاب الاستئذان، ١٣- باب التسليم حديث رقم (٦٢٤٥) .","vol":"1","page":573},{"text":"قال: فأتيت غلاما أسود فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، فرجعت فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد، فرجعت إلى الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت. قال:\nفوليت مدبرا، فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل فقد أذن لك. الحديث «١» ... ففي رجوع عمر ﵁ بعد المرة الثانية دليل على أنّ إكمال الثلاث ليس مطلوبا، بل هو حقّ المستأذن.\nوهذا ومن الأدب في الاستئذان أنه إذا وقف المستأذن ينتظر الإذن فلا يستقبل الباب بوجهه، بل يجعله عن يمينه أو شماله.\nفقد روي أنّ أبا سعيد الخدري استأذن على رسول الله ﷺ وهو مستقبل الباب، فقال ﵊: «لا تستأذن وأنت مستقبل الباب» .\nوكان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر «٢» .\nقالوا: لأنّ الدّور لم يكن عليها حينئذ ستور. ولكن ينبغي أن يكون الأمر كذلك في الدور الآن، ولو كانت مغلقة الأبواب عند الاستئذان، فإنّ الطارق إذا استقبلها فقد يقع نظره عند الفتح له على ما لا يجوز، أو ما يكره أهل البيت اطلاعه عليه.\nوظاهر الآية أنّ الاستئذان واجب على كلّ طارق، ولو كان أعمى، وبذلك قال العلماء، لأنّ من عورات البيوت ما يدرك بالسمع، ففي دخول مكفوف البصر على أهل بيت بغير إذنهم إيذاء لهم. فأما ما\nرواه الشيخان من قوله ﷺ: «إنما جعل الاستئذان من أجل النّظر» «٣»\nفهو جار على الغالب، وليس الحصر فيه على سبيل التحقيق، بل هو حصر ادعائي مبني على المبالغة، وكمال العناية بالحث على حفظ النظر، وسياق القصة التي قال فيها النبي ﷺ ذلك يدلّ على ما ذكرناه، فقد روى سهل بن سعد أنّه اطلع رجل في حجرة من حجر النبي ﷺ، ومع النبي مدرى يحكّ بها رأسه فقال: «لو أعلم أنّك تنظر لطعنت بها في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل النّظر» وإذا كان الأمر كذلك، وكان القصد المبالغة والتشديد على ذلك الرجل الذي كان يطّلع على حجرة النبي ﷺ علم الغرض من ذلك الحصر، ولم يكن في الحديث حينئذ دلالة على نفي أنه قد يكون الاستئذان من أجل السمع. فالمقصود إفادة أنّ النظر من أقوى الأسباب التي شرع لها الاستئذان.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ١٤٢)، ٤٦- كتاب المظالم، ٢٥- باب الفرقة حديث رقم (٢٤٦٨) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٤/ ٣٨٦)، كتاب الأدب، باب كم مرة يسلم حديث رقم (٥١٨٦) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٦٩٨)، كتاب الآداب، ٩- باب تحريم النظر حديث رقم (٤٠/ ٢١٥٦)، والبخاري في الصحيح (٧/ ١٦٨)، ٧٩- كتاب الاستئذان، ١١- باب الاستئذان حديث رقم (٦٢٤١) .","vol":"1","page":574},{"text":"وظاهر التعبير في الآية باسم الموصول الخاص بجماعة الذكور أنّ النساء ليس عليهن استئذان، ولكنّك تعلم أنّ الحكمة التي من أجلها شرع الاستئذان متحققة في الرجال والنساء معا، ولهذا قال العلماء: إنّ في الآية تغليب الرجال على النساء، كما هو المعهود في الأوامر والنواهي القرآنية المبدوءة بمثل هذا النداء.\nوعلى هذا يكون على المرأة إذا أرادت أن تدخل بيت غيرها أن تستأذن قبل الدخول. فإنّ الناس قد يكرهون أن يطلع بعض النساء على بيوتهم، ويظهرن على ما فيها من أسراره.\nأخرج ابن أبي حاتم عن أمّ إياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة ﵂ فقلت: ندخل؟ فقالت: فقالت واحدة: السلام عليكم، أندخل؟ قالت:\nادخلوا. ثم قالت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الآية.\nوالظاهر من تخصيص النهي ببيوت الغير في قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ أنّ بيوتهم لا يثبت فيها هذا الحكم. والحكم كذلك إذا كانت البيوت خاصة بهم، لا يسكن معهم فيها غيرهم من الأجانب أو المحارم. أما إذا كان فيها أحد من هؤلاء فإنّ الاستئذان يكون مطلوبا أيضا.\nفقد أخرج مالك في «الموطأ» «١» عن عطاء بن يسار أنّ رجلا قال للنبي ﷺ: أأستأذن على أمي؟ قال: «نعم» قال: ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: «أتحب أن تراها عريانة؟» قال: لا.\nقال: «فاستأذن عليها» .\nوأخرج ابن جرير «٢» والبيهقي عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا أمهاتكم وأخواتكم.\nوروى الطبري عن طاوس قال: ما من امرأة أكره إليّ أن أرى عورتها من ذات محرم.\nوقال الله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: ٥٩] فأوجب على من بلغ من الأطفال أن يستأذن من غير تفرقة بين الأجانب والمحارم، غير أنه ينبغي أن تعلم أنّ أمر الاستئذان في الدخول على المحارم أيسر منه في الأجنبيات من حيث كان يجوز أن يطّلع من المحارم على ما لا يجوز أن يطّلع من غيرهن: كالشعر، والصدر، والساق. وكذلك الاستئذان على الزوجات والمملوكات الأمر فيه أيسر من الاستئذان على المحارم. فقد قال الفقهاء: إنه يستحب أن يستأذن\n_________\n(١) الموطأ للإمام مالك حديث رقم (٩٦٣) .\n(٢) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري (١٨/ ٨٧- ٨٨) .","vol":"1","page":575},{"text":"الرجل قبل دخوله بيته، أو يأتي بما يدلّ على قدومه كالتسبيح والتنحنح، فإنّه قد تكون المرأة في شأن لا تحب أن يطلع عليه زوجها أو سيدها.\nوظاهر الآية عموم النهي عن دخول البيوت بغير إذن في جميع الأزمان والأحوال، ولكن يجب أن يستثنى من ذلك ما تقضي به الضرورة، كهجوم لصوص على الدار، أو اشتعال النار فيها، فإنّ لمن يعلم ذلك أن يدخلها بغير إذن أصحابها.\nوبعد فإتماما للفائدة نسوق لك مسألة لها صلة كبيرة بالموضوع، وقد اختلف في حكمها الفقهاء. وذلك أنّه إذا رأى أهل الدار أحدا يطلع عليهم من ثقب في الباب، فطعن أحدهم عينه فقلعها، فهل عليه تبعة هذا الفعل من قصاص وغيره؟\nقال الإمامان الشافعي وأحمد ورجال من أهل الحديث: لا شيء عليه، وحجتهم في ذلك ما\nأخرجه الشيخان «١» عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فقد هدرت عينه» .\nوما رواه سهل بن سعد ﵁ أن النبيّ ﷺ قال لمن اطلع في إحدى حجراته، وكانت في يده مدرى يحكّ بها رأسه: «لو كنت أعلم أنّك تنظر لطعنت بها في عينك» «٢» .\nوفي رواية أنس بن مالك ﵁: أنّ رجلا اطلع من بعض حجر رسول الله ﷺ، فقام إليه رسول الله ﷺ بمشقص أو بمشاقص، قال: فكأني أنظر إليه يختله ليطعنه «٣» .\nوقال الإمامان أبو حنيفة ومالك: إنّ من قلع عين غيره على هذا النحو كان جانيا وعليه القصاص أو الأرش، لعموم قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة: ٤٥] .\nوأيضا فإنّ الاتفاق على أنّه إذ دخل الرجل الدار بغير إذن أهلها، فاعتدي عليه من أجل ذلك بقلع عينه فإنّ ذلك يعتبر جناية تستوجب الأرش أو القصاص، فإذا كان دخول الدار واقتحامها على أهلها مع النظر إلى ما فيها غير مبيح لقلع عين ذلك\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٦٩٩)، ٣٨- كتاب الآداب، ٩- باب تحريم النظر، حديث رقم (٤٣/ ٢١٥٨)، والبخاري في الصحيح (٨/ ٥٧)، ٨٨- كتاب الديات، ٢٣- باب من اطلع، حديث رقم (٦٩٠٢) .\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٦٩٩)، ٣٨- كتاب الآداب، ٩- باب تحريم النظر حديث رقم (٤٢/ ٢١٥٧)، رواه البخاري في الصحيح (٧/ ١٩٨)، ٧٩- كتاب الاستئذان، ١١- باب الاستئذان حديث رقم (٦٢٤٢) . [.....]","vol":"1","page":576},{"text":"الداخل، فلا يكون النظر وحده من ثقب الباب مبيحا ذلك بالطريق الأولى.\nوأجابوا عن حديث أبي هريرة بأنه ضعيف وعلى فرض صحته ينبغي أن يؤول لمخالفته الأصول، وتأويله أن من اطلع في دار قوم بغير إذنهم فزجر ومنع من ذلك، فقاوم فقلعت عينه بسبب المقاومة والمدافعة فهي هدر. كما أنّه إذا حاول دخول الدار فمنع، فقاوم وغالب، فذهبت عينه فهي هدر.\nلكن الشافعية ومن وافقهم يقولون: إنّ هذه حادثة ورد فيها حكم يخصّها، فهي مستثناة من عموم قوله تعالى: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ. ويقولون بالفرق بين من يتجسس على أهل الدار ويطلع عليهم وعلى عوراتهم من ثقب الباب وهم لا يشعرون، وبين من دخل عليهم وبصّرهم بنفسه، وحملهم على أن يتستروا منه. فلا شك أنّ الأول أعظم جرما من الثاني، فلو قلعوا عينه فلا شيء عليهم، وذهبت عينه هدرا.\nواسم الإشارة في قوله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عائد على المذكور في الآية، وهو الاستئناس والسلام، فإفراد الإشارة إليه باعتبار أنه المذكور، ويصحّ أن تكون الإشارة للدخول المطلوب شرعا، وهو الذي دلّ عليه قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا.\nوالظاهر أن كلمة خَيْرٌ أفعل تفضيل، ولا شك أنّ الاستئذان قبل الدخول مع البدء بتحية الإسلام خير مما كان عليه العرب في الجاهلية من الدمور، وهو الدخول بغير استئذان، ومن قولهم في التحية: حييتم صباحا، أو: حييتم مساء، فإنّ أحدهم كان يدخل بغير استئذان على صاحبه في داره، فربما وجده مع امرأته في لحاف واحد، وكان كثير منهم يشقّ عليه ذلك، ويتأذّى به. والدمور وإن لم يكن فيه شيء من الخير قد فرض فيه ذلك على سبيل التنزل، أو مراعاة لاعتبارهم أن فيه خيرا، إذ كانوا يرون أن الاستئذان مذلة تأباها النفوس.\nويرى بعض المفسرين أنّ كلمة خَيْرٌ صفة عارية عن معنى التفضيل وحينئذ لا تقتضي إثبات الخيرية للدخول بغير إذن، ولا لتحية الجاهلية.\nوكلمة لعلّ في قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ للتعليل، والحكم المعلّل بها مطوي يدل عليه قوله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أي أرشدكم الله إلى ذلك الأدب، وبيّنه لكم لتجعلوه على ذكر منكم، فتعملوا بموجبه.\nقال الله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) قد تكون البيوت المسكونة خالية من أصحابها في وقت من الأوقات، وفي هذه الحال لا يحلّ أيضا لمن يجدها كذلك أن يدخلها، فإنّ خبيئات البيوت عورات لها، والدخول من غير إذن قد يؤدي إلى الاطلاع على هذه العورات، فيجب على الطارق","vol":"1","page":577},{"text":"أن يمتنع عن دخولها حتى يأذن له أصحابها، وليس شيء يبيح الدخول إلا هذا الإذن الذي يصدر ممن يملكه، فإذن العبد والصبيّ والخادم لا يبيح الدخول في البيوت التي لا يوجد بها أصحابها، كما لا يبيح الدخول في البيوت التي يكونون فيها إلا أن يكون أحدهم رسولا من قبل صاحب الدار، وفي هذه الحالة لا يكون الإذن من هؤلاء، إنما هو من صاحب الدار.\nوإنما قيل: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا ولم يقل: فإن لم يكن فيها أحد، لأنّ التعبير الأول أشمل، إذ عدم وجود أحد فيها يصدق مع خلو البيوت من أصحابها في الواقع، كما يصدق مع كونهم فيها. فالمدار على ظن الطارق واعتقاده، فإن كان يعتقد أنه ليس بها أحد فلا يحلّ أن يدخلها، سواء أكان الأمر كذلك أم كان على خلاف ما ظنّ.\nوَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ أي أنّه لا يليق بكم أيها المؤمنون أن تلحوا في الاستئذان، وأن تقفوا على الأبواب أو تقعدوا أمامها بعد أن تردّوا، ويقال لكم: ارجعوا، فإنّ الوقوف حينئذ فيه ذلة ومهانة لكم، وفيه إيلام لأصحاب البيوت، فالرجوع أزكى لكم، وأطهر لأخلاقكم، وأبعد بكم عن دنس الرذيلة.\nوَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ هذا وعيد لمن يعمل على خلاف ما أرشد الله ﷾ إليه، فمن دخل تلك البيوت التي لا يجد فيها أصحابها، أو حاول دخولها بغير إذنهم، أو لج في الاستئذان، أو وقف على الباب بعد ما علم أنه لا يراد له الدخول: فالله عليم بهذا الذي يعمله. والقصد من هذا الإخبار إفادة لازمه، وهو المجازاة على هذه الأعمال.\nقال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩) سبب نزول هذه الآية على ما\nأخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل أنّه لما نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا إلخ قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله فكيف بتجار قريش الذين يختلفون بين مكة والمدينة والشام وبيت المقدس، ولهم بيوت معلومة على الطريق- يريد الخانات التي في الطرق- فكيف يستأذنون ويسلمون وليس فيها ساكن؟ فرخّص الله سبحانه في ذلك، فأنزل قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ إلى آخر الآية\n. فتكون هذه الآية مخصّصة لعموم الآية السابقة كما علمت.\nوقال ابن عباس فيما أخرجه عنه أبو داود في الناسخ، وابن جرير «١»، أنّ قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها قد نسخ بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ إلخ واستثنى منه البيوت غير المسكونة.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان في تفسير القرآن المشهور بتفسير الطبري (١٨/ ٩١) .","vol":"1","page":578},{"text":"وكذلك روي عن عكرمة والحسن ما يدلّ على استثناء البيوت غير المسكونة من عموم البيوت في الآية السابقة.\nوقول ابن عباس: إنّ هذه الآية التي معنا قد نسخت الآية السابقة معناه أنها خصصتها. وكثيرا ما يطلب المتقدمون كلمة النسخ على معنى التخصيص.\nهذا- والبيوت غير المسكونة تشمل الخربات التي ليست لأحد، وتشمل البيوت العامرة التي تقصد لمنافع عامة غير السكنى كالحمامات والحوانيت والبيوت التي لا تختص بسكنى أحد، كالرباطات والفنادق، فهذه البيوت كلها لا حرج في دخولها بغير إذن، إذا كان للمرء في دخولها حاجة، كالاستحمام، والبيع والشراء، والاستكنان من الحر والبرد، وحفظ الرحال والسلع، فإنّ العرف جرى فيها بالإذن العام.\nوالتعميم في البيوت غير المسكونة- على ما علمت- لا ينافيه ما روي عن محمد بن الحنفية وابن جبير والضحاك من أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين. ولا ما روي عن غيرهم أنّها الخربات تقصد للتبرز فيها، إذ ليس الغرض من ذلك الحصر، وإنما المراد التمثيل.\nوقوله تعالى: فِيها مَتاعٌ لَكُمْ يصحّ أن يكون صفة ثانية للبيوت، ويصحّ أن يكون مستأنفا سيق لتعليل الإباحة ورفع الحرج. وعلى كل حال فإذا لم تكن للإنسان حاجة تدعوه لدخول هذه البيوت فليس له دخولها، إذ إنّ ذلك يكون ضربا من العبث الذي لا خير فيه.\nوقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ وعيد لأهل الريبة الذين يدخلون هذه البيوت لمحاولة الاطلاع على العورات أو غيرها من الأغراض السيئة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>حكم النظر وإبداء الزينة</span>\nقال الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنّ غضّ البصر أمر مستحسن، وأدب جميل ينبغي للمستأذن أن يتحلّى به عند الدخول، فإنّ دخول بيت الغير مظنة الاطلاع على العورات. وقد جيء في صورة حكم عام كلف به المؤمنين جميعا، حتّى يشمل المستأذنين وغيرهم.\nوسبب نزول هذه الآية على ما\nأخرجه ابن مردويه «١» عن علي كرّم الله وجهه أنّ\n_________\n(١) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٥/ ٤٠) .","vol":"1","page":579},{"text":"رجلا مرّ على عهد رسول الله ﷺ في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به، فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط، وهو ينظر إليها، إذا استقبله الحائط، فشقّ أنفه، فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله ﷺ، فأخبره أمري، فأتاه، فقصّ عليه قصته، فقال النبي ﷺ: «هذا عقوبة ذنبك» وأنزل الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ إلخ.\nيأمر الله نبيه أن يحث المؤمنين على أن يغضوا أبصارهم عمّا لا يحل، ويحفظوا فروجهم عن المحرمات، ويبيّن لهم أن ذلك أطهر لأخلاقهم، وأبعد بهم عن مظان الريبة وسوء السمعة.\nوالفعل المضارع يَغُضُّوا مجزوم في جواب قُلْ ومفعول القول محذوف، والتقدير: قل للمؤمنين غضوا أبصاركم يغضوها. وكذلك التقدير في وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ وفي هذا إشارة إلى أنّ شأن المؤمنين أن يسارعوا إلى امتثال الأوامر، حتى كأنّهم لفرط مطاوعتهم لا ينفك فعلهم عن أمره ﵊.\nوغضّ البصر إطباق الجفن على الجفن، أو هو خفض الجفن الأعلى وإرخاؤه، ومن الثاني قول كعب بن زهير:\nوما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغنّ غضيض الطرف مكحول\nفليس يريد أنها مغمضة عينها مطبقة أجفانها، بل إنها خافضة الطرف من الحياء والخفر.\nوكلمة مِنْ قيل: إنها صلة على مذهب الأخفش «١»، والراجح أنها أصلية، وهي على ذلك تحتمل معاني أظهرها أنّها للتبعيض، أي يغضوا بعض أبصارهم، وهو كناية عن غض بصرهم عن بعض المبصرات، وهي التي لا تحلّ، أو يغضوا بعض أبصارهم عند النظر إلى المحرمات، فلا يحملقوا بأعينهم في محرّم، ويكون المعنى على هذا الوجه على إرادة توبيخ من يكثر التأمّل في المحرم، كما تقول لمن عهدت أنه يأتي نوعا من المنكر، ورأيته يسترسل فيه: بعض هذا يا فلان. فأنت لا تريد منه أن يقتصر على بعض هذا المنكر، ولا تفيد بهذا أنك ترضاه له، وأنك تقرّه عليه، بل غرضك أن تلومه وتوبخه على التمادي فيه.\nوربما ساعد على هذا المعنى ما سبق في نزول الآية، مما يدل على أنّ الرجل والمرأة كان كل منهما يمعن النظر في صاحبه، حتى وسوس الشيطان لهما أنّ كلّا منهما معجب بالآخر.\n_________\n(١) سعيد بن مسعدة، عالم العربية، من مصنفاته (معاني القرآن) توفي سنة (٢١٥) انظر الأعلام للزركلي (٣/ ١٠١) .","vol":"1","page":580},{"text":"وقد يرشّح هذا المعنى أيضا تغيير النظم في هذه الآية، وصرف الخطاب فيها عن وجهه بتوجيهه إلى النبي ﷺ، وتكليفه أن يأمر الناس بغض الأبصار، فإنّ في هذه الطريقة إشعارا بأنّ هذا الفعل قبيح، وأنّ صاحبه يستحق أن يعرض عنه، ويصرف الخطاب إلى غيره.\nولا يلزم من مراعاة هذا المعنى في جانب الأمر بغضّ البصر أن يراعى أيضا في الأمر بحفظ الفروج، فإنّ أمر الفروج عظيم ينبغي أن يشدد فيه أكثر مما يشدد في غيره، فلا يستقيم مع ذلك أن يؤتى في جانب الأمر بحفظ الفروج بعبارة توهم صورتها أنّ بعض الفروج قد يتساهل فيه، [و] لا يشدد في الأمر بحفظه.\nوقال صاحب «الكشاف» «١»: إنما دخلت مِنْ في غضّ البصر دون حفظ الفرج للدلالة على أنّ أمر النظر أوسع، ألا ترى أنّ المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن وسوقهن وأقدامهن، وكذلك الجواري المستعرضات للبيع، وأنّ الأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها. وأمّا أمر الفرج فمضيّق، وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما استثني منه، وحظر الجماع إلا ما استثني منه.\nوقد اختلف في المراد بحفظ الفروج، فقيل: إنّ معناه تجنب الزنى واللواطة، وقيل: إن المراد سترها، فلا يحل للمؤمن أن يكشف عن سوءته، ولا أن يلبس لباسا رقيقا يشفّ عما تحته، ويبين عورته، ولا مانع من إرادة المعنيين جميعا.\nثم لا يخفى وجه الجمع بين أمرين:\nأحدهما: متعلق بحفظ الأبصار.\nوالثاني: متعلق بحفظ الفروج فإنّ النظر إلى المحرم من أقوى الدواعي إلى الوقوع في الفجور، فكان حراما، لأن من شأنه أن يؤدي إلى الحرام، فإن وقع القصر على محرم من غير قصد وجب أن يصرف عنه، وليس على المرء إثم في النظرة الأولى غير المقصودة،\nفقد روى مسلم «٢» عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري.\nوروى أبو داود عن بريدة قال قال رسول الله ﷺ لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإنّ لك الأولى وليست لك الآخرة» «٣» .\nذلِكَ أَزْكى لَهُمْ أي ما ذكر من غضّ البصر وحفظ الفرج أطهر لقلوبهم، وأنقى\n_________\n(١) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري (٣/ ٢٢٩) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ٦٩٩)، ٣- كتاب الآداب، ١٠- باب نظر الفجأة حديث رقم (٢١٥٩) .\n(٣) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٩٤)، كتاب الآداب، باب نظر الفجأة حديث رقم (٢٧٧٨)، وأبو داود في السنن (٢/ ٢١٤)، كتاب النكاح، باب ما يؤمر به حديث رقم (٢١٤٩) .","vol":"1","page":581},{"text":"لدينهم، وأبعد بهم عن الريبة. وأفعل التفضيل هنا للمبالغة في أنّ غضّ الأبصار وحفظ الفروج يطهّران النفوس من دنس الرذائل، أو أنّ المفاضلة على سبيل الفرض والتقدير، أو باعتبار ظنهم أنّ في استيفاء اللذة نفعا.\nإِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ الخبرة: العلم القوي الذي يصل إلى بواطن الأشياء، ويكشف عن دخائلها، فالله خبير بما يصنعون. عليم علما تاما بظواهر أعمالهم وبواطنها، لا تخفى عليه من ذلك خافية، وهو وعيد وتهديد على مثال ما سبق.\nقال الله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) جرت عادة القرآن الكريم في التكاليف العامة والآداب التي تشمل نوعي الذكور والإناث أن يوجّه الأمر والنهي، ويصرف الخطاب إلى جماعة الذكور، وتكون النساء داخلات في الحكم بطريق تغليب الرجال عليهن، أو بطريق المقايسة.\nوقد يكون للنساء حكم يخصّهنّ، فيفردن بالذكر من أجله. وعلى هذه الطريقة جاء قوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ الآية، لأنهن زدن عن الرجال أحكاما تخصهن، وهي النهي عن إبداء زينتهن إلا ما استثنى الله تعالى. والأمر بإرخاء خمرهن على جيوبهن، والنهي عن كل فعل يلفت النظر إلى زينتهن، وينبّه الناس عليها.\nأمرت هذه الآية الكريمة المرأة بغضّ بصرها، ولم تعين ما يجب غض البصر عنه، كما أنّ الآية السابقة لم تعيّن ما يجب على الرجال غض أبصارهم عنه، وقد تكفّلت السنة ببيان ذلك، فحظرت على المرأة أن تنظر من غير زوجها إلى ما بين السرة والركبة، سواء في ذلك الرجال والنساء، وسواء أكان ذلك بشهوة أم بغير شهوة، حظرت عليها أيضا أن تنظر إلى شيء من بدن الرجل بشهوة. كلّ هذا محل اتفاق بين الفقهاء جميعا.\nأما نظرها إلى ما تحت الركبة وفوق السرة فقد اختلفت الروايات فيه.\nفأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه عن أم سلمة قالت: كنت عند النبي ﷺ وميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال","vol":"1","page":582},{"text":"رسول الله ﷺ: «احتجبا منه» فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟\nفقال: «أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه» «١»؟.\nوفي «الموطأ» عن عائشة أنّها احتجبت من أعمى فقيل لها: إنّه لا ينظر إليك، قالت: لكنّي انظر إليه.\nفهاتان الروايتان بظاهرهما تحظران على المرأة أن تنظر إلى شيء من بدن الرجل الأجنبي، وهو قول أحمد، وأحد قولي الشافعي، وصححه النووي، وهو أيضا ظاهر قوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ.\nوفي «الصحيحين» «٢» وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا انظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي يسأم.\nولأحمد «٣» عنها أن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله ﷺ في يوم عيد قالت:\nفاطلعت من فوق عاتقه، فطأطأ لي منكبيه، فجعلت انظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت، ثم انصرفت.\nوقد صحّ أنّ النبي ﷺ أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم وقال:\n«إنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده» «٤»\nولا شكّ أن مساكنتها له تستلزم نظرها إليه.\nوصحّ أيضا أنّ النبي ﷺ مضى إلى النساء في المسجد يوم عيد، فذكّرهن ومعه بلال، وأمرهنّ بالصدقة «٥» . وبعيد ألا ينظرن إلى النبي ﷺ وإلى بلال حين كن يسمعن الموعظة ويتصدقن، فدلّ مجموع ذلك على أنه يباح للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي إلى ما عدا ما بين سرته وركبته. وبهذا قال جمع من فقهاء الأمصار، وهو أحد قولي الشافعي كما علمت.\nوأجاب أصحاب هذا الرأي عن حديث أم سلمة، واحتجاب عائشة من الأعمى:\nبأنّ الأعمى قد يبدو من عورته المتفق على حرمة النظر إليها ما لا يشعر به فأمرن بالاحتجاب منه لذلك، فلا يلزم من ذلك عدم جواز النظر بإطلاق.\nكما أجاب أصحاب الرأي الأول عن نظر عائشة إلى الحبشة وهم يلعبون بأنّ\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٩٥)، كتاب الأدب، باب في احتجاب النساء حديث رقم (٢٧٧٩)، وأبو داود في السنن (٤/ ٣١)، كتاب اللباس، باب قوله ﷿: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ حديث رقم (٤١١٢)، وأحمد في المسند (٦/ ٢٩٦) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٦٠٧)، ٨- كتاب العيدين، ٤- باب الرخصة حديث رقم (٨٩٢)، والبخاري في الصحيح (١/ ١٣٣)، ٨- كتاب الصلاة، ٦٩- باب أصحاب الحراب حديث رقم (٤٥٤) .\n(٣) رواه أحمد في المسند (٦/ ٨٣) .\n(٤) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١١٤)، ١٨- كتاب الطلاق، ٦- باب المطلقة حديث رقم (١٤٨٠) .\n(٥) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٦٠٦)، ٨- كتاب العيدين، ٢- باب ترك الصلاة، حديث رقم (١٣/ ٨٨٤) .","vol":"1","page":583},{"text":"ذلك كان قبل نزول الحجاب، أو أنّها كانت يومئذ جارية صغيرة كما قالت هي عن نفسها. وعن سكنى فاطمة بنت قيس في بيت ابن أم مكتوم بأنه يمكن أن تساكنه وتغض بصرها عنه.\nوكذلك يمكن أن يستمع النساء إلى النبي ﷺ مع غض أبصارهن عنه ﵊ وعن بلال ﵁.\nولعل أولى ما جمع به بين هذه الأحاديث المتعارضة أن يحمل الأمر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم على الندب، وكذلك احتجاب عائشة ﵂ من الأعمى كان ورعا منها وعملا بما هو أجمل وأولى بالنساء، وحينئذ لا يكون حراما على المرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما عدا ما بين السرة والركبة، ويؤيد ذلك استمرار العمل على خروج النساء إلى الأسواق وإلى المساجد وفي الأسفار منتقبات حتى لا يراهن أحد من الرجال، ولم يؤمر الرجال بالانتقاب حتى لا يراهم النساء، فكان ذلك دليلا على المغايرة بين الرجال والنساء في الحكم. وليس بصحيح ما قيل من أن عائشة كانت صغيرة حينما كانت تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون، ولا أن ذلك كان قبل نزول الحجاب، لأنّ في بعض روايات الحديث تصريحا بأنّ هذه القصة كانت بعد قدوم وفد الحبشة، ومعلوم أنّ قدومهم كان سنة سبع وسن عائشة يومئذ ست عشرة سنة، وكانت هذه الحادثة بعد نزول الحجاب كما هو ظاهر.\nوقوله تعالى: وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ يقال فيه ما قيل في نظيره في الآية السابقة، وحاصله أنّ المراد بحفظ الفروج البعد عن الزنى والسحاق، أو سترها حتى لا يراها أحد، أو أنّ المراد الأمران جميعا.\nوَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها الزينة في الأصل اسم لكل ما يتزين به ويتجمل من أنواع الحلي والخضاب وغيرها.\nوقد اختلف العلماء في المراد بالزينة في الآية، فحملها بعضهم على معناها الحقيقي، إذ كان لا يصحّ العدول عنه متى أمكنت إرادته، وقال: إنّ الكلام دائر حول الزينة نفسها، والنهي منصبّ على إبدائها ذاتها، بدليل قوله تعالى فيما سيأتي وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ومعلوم أن ليس المراد أنهن منهيات عن إبداء الزينة مطلقا، حتى ولو كانت معروضة في منديل للبيع في الأسواق، بل المراد أنهنّ منهيات عن إبداء الزينة حين التحلي بها، واستعمالها في مواقعها، وحينئذ يكون إبداء مواقع الزينة منهيا عنه من باب أولى، فإنّه ما نهي عن الزينة إلا لملابستها تلك المواقع، فكان إبداء المواقع نفسها متمكنا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة.\nومنهم من قال: إن المراد من الزينة مواقعها من الأعضاء، إما بطريق تقدير","vol":"1","page":584},{"text":"مضاف، والأصل: ولا يبدين مواقع زينتهن. وإما بطريق إطلاق الزينة وإرادة مواقعها لقوة الملابسة بينهما. والصارف عن المعنى الحقيقي أنّ الزينة نفسها ليست مقصودة بالنهي، بدليل أنّ ما استنثني منها في قوله تعالى: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها قد فسره كثير من الصحابة والتابعين بالوجه والكفين، وظاهر أنّ المستثنى من جنس المستثنى منه، فيكون المراد من الزينة مواقعها من البدن.\nيؤيّد هذا ما\nرواه أبو داود «١» عن عائشة أنّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: «يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفيه\n، فإنّ هذا الحديث الشريف في معنى الآية.\nوظاهر قوله تعالى: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها أنّ النساء منهيات عن إبداء الزينة إلا الزينة التي ظهرت، فلسن منهيات عن إبدائها، وهو معنى لا يكاد يستقيم، لأنّ ما ظهر بالفعل فقد بدا فلا يقال فيه: إنهن غير منهيات عن إبدائه، وحينئذ فلا بد من تأويل في الكلام، وذلك بأحد وجوه ثلاثة:\nالأول: أن الاستثناء هنا منقطع، والمعنى عليه: ولا يبدين زينتهن أبدا، لكن ما ظهر منها بنفسه ومن غير قصد فهو عفو، كأن كشفت الريح عن نحرها أو ساقها.\nالثاني: أن المستثنى منه محذوف دل عليه النهي، فكأنه قيل: ولا يبدين زينتهن، وهنّ مؤاخذات على إبداء زينتهن، إلا ما ظهر منها بنفسه، فلسن مؤاخذات عليه.\nوعلى هذين التأويلين لا يكون ما ظهر من الزينة شيئا معيّنا.\nوالثالث: أنّ معنى ما ظهر: ما جرت العادة وقضت الحاجة بظهوره، وكان في ستره حرج ومشقة في المتعارف بين الناس: أي ولا يبدين شيئا من زينتهن إلا شيئا جرت العادة بظهوره، فلسن منهيات عن إبدائه، وذلك هو الوجه والكفّين وما فيهما من زينة كالكحل والخضاب والخاتم، وعلى هذا التأويل تكون الزينة نوعين: ظاهرة وباطنة، فالله قد حظر إبداء شيء من الزينة الباطنة لغير من استثني فيما يأتي، ولم يحظر إبداء الزينة الظاهرة، لأنّ الحاجة تقضي بظهورها كما علمت. وتعميم النهي أولا، ثم الاستثناء منه ثانيا مشعر بأنّه ينبغي للنساء أن يحتطن في الستر، ولا يبدين من زينتهن الظاهرة إلا ما تدعو حاجتهن إلى إبدائه.\nوعلى الاختلاف في تأويل الآية انبنى خلاف الأئمة في آرائهم ومذاهبهم في عورة المرأة، فالحنفية والمالكية على أنّ الوجه والكفين ليسا بعورة، وهو أحد قولي الشافعي، ويشهد لهم ما تقدم من\nقوله ﷺ: «يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ٢٩)، كتاب اللباس، باب فيما تبدي المرأة حديث رقم (٤١٠٤) .","vol":"1","page":585},{"text":"المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفيه «١» .\nوفي رواية عن أبي حنيفة ﵁: أن القدمين ليستا من العورة أيضا. نظر في ذلك إلى أنّ الحرج في سترهما أشدّ منه في ستر الكفين، لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء القرى الفقيرات، اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات.\nوعن أبي يوسف أن الذراعين ليستا بعورة كذلك، لما في سترهما من الحرج، فأنت ترى أصحاب هذا القول قد نحوا في الآية منحى التأويل الأخير، وأنّ المراد أنهنّ منهيات عن إبداء زينتهن إلا ما دعت الحاجة إلى ظهوره وجرى عرف الناس في عصر التنزيل على أنه من الزينة الظاهرة التي لم يحظر إبداؤها.\nوذهب الإمام أحمد إلى أن بدن الحرة كلّه عورة، فيحرم إبداء شيء منه للأجنبي، وهو أصحّ قولي الشافعي، وأصحاب هذا الرأي تأولوا الآية على أحد الوجهين: الأول والثاني، وأن المراد ما ظَهَرَ: ما ظهر بنفسه من غير قصد إلى إظهاره، ويشهد لذلك من السنة:\nما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي «٢» عن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فقال: «اصرف بصرك» .\nوما رواه أحمد وأبو داود والترمذي «٣» عن بريدة قال قال رسول الله ﷺ لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة» .\nوما رواه البخاري «٤» عن ابن عباس أن النبي ﷺ أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه- وفيه قصة المرأة الوضيئة الخثعمية- فطفق الفضل ينظر إليها، فأخذ النبي ﷺ بذقن الفضل، فحوّل وجهه عن النظر إليها.\nوقول الله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الأحزاب: ٥٣] وهو- وإن كان السبب فيه أزواج النبي ﷺ- فإنّ الحكم يتناول غيرهن بطريق القياس عليهن.\nولعلك إذا نظرت إلى أنّ الشريعة سهلة سمحة لا حرج فيها ولا مشقة، ترجّح القول بأنّ الوجه والكفين من الأجنبية ليسا من العورة، فإنّ في تكليف النساء ستر الوجه والكفين حرجا ومشقة عليهن، لا سيما الفقيرات اللاتي ليس لهن خدم، فيضطرون إلى قضاء حاجاتهن من الأسواق بأنفسهنّ.\nوينبغي أن يكون القول بهذا خاصّا بالحالات التي تؤمن فيها الفتنة، أما في غيرها من الحالات التي نخشى فيها الفتنة، وفي الأوقات التي يكثر فيها الفساق في الأسواق\n_________\n(١) و(٢) و(٣) سبق تخريجه.\n(٤) رواه البخاري في الصحيح (٧/ ١٦٤)، ٧٩- كتاب الاستئذان، ٦٢- باب قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حديث رقم (٦٢٢٨) . [.....]","vol":"1","page":586},{"text":"والطرقات، فلا يجوز للمرأة أن تخرج سافرة عن وجهها، ولا أن تبدي شيئا من زينتها.\nفأما\nقول النبي ﷺ لجرير بن عبد الله: «اصرف بصرك»\nوقوله لعلي بن أبي طالب: «لا تتبع النظرة ...»\nفمعناها النهي عن تعمد النظر إلى شيء من بدن المرأة لغير حاجة، فإن تعمد النظر إليها حينئذ لا يخلو عن ريبة، وقد أمرنا بالبعد عن مظانّ التهم والريبة.\nوأما صرف النبي ﷺ وجه الفضل عن النظر إلى الخثعمية. فإنما كان ذلك لمخافة الفتنة،\nفقد أخرج الترمذي «١»\nوصححه: أنّ العباس بن عبد المطلب قال للنبي ﷺ: لويت عنق ابن عمك؟ فقال ﵊: «رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة» .\nفكان في ذلك دليل على جواز النظر عند أمن الفتنة، ولو لم يفهم العباس أنّ النظر جائز ما قال مقالته، ولو لم يكن ما فهمه صحيحا ما أقرّه عليه النبي ﷺ.\nوأما قوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ فحكمه خاصّ بأزواج النبي ﷺ لما أنّ لهن من الحرمة ما ليس لغيرهن من النساء، فلا يقاس غيرهن عليهن في ذلك.\nهذا وقد استثنت الشريعة حالات يباح فيها للأجنبي أن ينظر من بدن المرأة إلى ما تقضي الضرورة بالنظر إليه فللخاطب والشاهد والقاضي والعامل أن يرى الوجه، حتى على رأي القائلين بأن بدن المرأة كله عورة، وكذلك للطبيب أن يرى موضع العلاج، وللشاهد بالزنى أن يرى ما يصحح له الشهادة.\nوَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ. والضرب: معناه السدل والإرخاء.\nوالخمر: جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، مأخوذ من الخمر بمعنى الستر والتغطية.\nوالجيوب: جمع جيب. وهو فتحة في أعلى القميص يبدو منها بعض النحر.\nفي هذا الأمر إرشاد من الله، وتعليم للنساء كيف يسترن بعض مواضع الزينة الباطنة منهن، أمرهن أن يرخين الخمر على جيوبهن، ليسترن الصدور والنحور، ولا يكنّ كنساء الجاهلية، إذ كانت إحداهنّ تضع خمارها على رأسها، ثم تلقي أطرافه وجوانبه من خلفها. وكانت تمشي بين الرجال هكذا، يظهر منها نحرها وصدرها. وفي ذلك دليل على أن صدر المرأة ونحرها عورة. لا يجوز للأجنبي النظر إليهما منها.\nوَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ قد تبين مما تقدّم أنّه لا يجوز للمرأة أن تبدي من زينتها خلاف ما استثناه الله تعالى بقوله: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها فحرام عليها أن تبدي معصمها أو ساقها أو جيدها أو شيئا من مواقع الزينة الباطنة منها.\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٢٣٢)، كتاب الحج، باب ما جاء أنّ عرفة كلها موقف حديث رقم (٨٨٥) .","vol":"1","page":587},{"text":"أما قوله سبحانه: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ إلخ فالمقصود منه استثناء البعولة ومن عطف عليهم من عموم من نهيت المرأة عن إبداء الزينة الباطنة له.\nأما البعولة وهم الأزواج، ويلحق بهم من له حق التسرّي من السادة، فالأمر فيهم ظاهر. وأما سائر من استثنى الله فللحاجة إلى مخالطتهم مع أمن الفتنة.\nاستثنت الآية نوعين لأجل المصاهرة: آباء الأزواج وأبناء الأزواج، وليس وراء هذين النوعين من المحارم بالمصاهرة أحد.\nواستثنت من المحارم بالنسب خمسة أنواع: هم آباء النساء، وأبناؤهن وإخوتهن، وأبناء إخوتهن وأبناء أخواتهن. ولم تذكر من المحارم الأعمام والأخوال، كما أنها لم تذكر المحارم بالرضاع. والفقهاء مجمعون على أنّ حكم هؤلاء كحكم المذكورين في الآية. أما عدم ذكر الأعمام والأخوال فلعلّ السر فيه أنّ العمومة والخئولة بمنزلة الأبوة، فكان ذكر الآباء مغنيا عن ذكر الأعمام والأخوال، وأما المحارم من الرضاع فعدم ذكرهم للاكتفاء ببيان السنة:\n«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» «١» .\nوالأنواع الباقية: هي النساء، والمماليك، والتابعون غير أولي الأربعة، والأطفال.\nفأما النساء والمماليك فقد قال الله تعالى فيهم: أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وللعلماء خلاف في المراد بكل نوع من هذين النوعين، فذهبت طائفة إلى أنّ المراد بالنساء ما يعمّ الحرائر والإماء، وعليه يكون المراد بما ملكت أيمانهنّ خصوص العبيد، لأنّ الإماء قد دخلن في النساء. وحينئذ يحل للمرأة أن تبدي زينتها الباطنة للنساء الحرائر والإماء، ولمن تملكه من العبيد، لأنّهم في ذلك ملحقون بذوي المحارم. وبهذا قال ابن عباس وعائشة وأم سلمة وكثير من السلف وهو مذهب مالك، وأحد قولي الشافعي. ويؤيده ما\nرواه أحمد وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس ﵁ أنّ النبي ﷺ أتى فاطمة ﵂ بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنّعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: «إنّه ليس عليه بأس، إنما هو أبوك وغلامك» «٢» .\nوذهبت طائفة إلى أنّ المراد بالنساء خصوص الحرائر، لأنّ المراد بما ملكت أيمانهن خصوص الإماء، وذلك لأنّ العبد فحل غير محرم ولا زوج، والشهوة فيه متحققة، والحاجة إلى الخلطة به قاصرة، فكان هو والحر الأجنبي في التحريم سواء،\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٦٨)، ١٧- كتاب الرضاع، ١- باب ما يحرم من الرضاعة حديث رقم (١٤٤٤) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٤/ ٣٠)، كتاب اللباس، باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته، حديث رقم (٤١٠٦) .","vol":"1","page":588},{"text":"وحرمة النكاح بينه وبين سيدته عارضة كحرمة أخت الزوجة، وما زاد على الأربع والأمة المزوجة بالغير، فدلّ ذلك على أنّ قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ لا يشمل العبيد، وأنّه لبيان حكم الإماء لا غير، فوجب أن يكون قوله تعالى: أَوْ نِسائِهِنَّ مقصورا على الحرائر، لا يتناول الإماء، وإلا كان قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ لغوا. وعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تبدي لعبدها من زينتها إلا ما يجوز أن تبديه للأجنبي، ولا يحلّ له أن ينظر من سيدته إلا ما يحل له أن ينظر إليه من الأجنبية، وبهذا قال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين، وكذا ابن المسيّب، فقد روي أنه رجع إليه وقال: لا تغرنّكم سورة النور فإنّها في الإناث لا في الذكور. وهو مذهب الحنفية وأحد قولي الشافعي، ويؤيده\nقوله ﷺ: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم» «١»\nوالعبد ليس بذي محرم فلا يجوز لها أن تسافر معه.\nوحينئذ لا يجوز لها أن تبدي له من زينتها ما تبديه لمحارمها.\nوأجاب أصحاب هذا القول عن حديث أنس السابق بأنّ العبد كان صغيرا إذ إنّ الغلام حقيقة في غير البالغ.\nهذا وللعلماء خلاف أيضا في المراد بالنساء مع ناحية أخرى هي ناحية الدين:\nفقال جماعة: إنّ المراد بهنّ عموم النساء بلا فرق بين المسلمات والكافرات، وعلى هذا تكون الإضافة في قوله تعالى: أَوْ نِسائِهِنَّ للإتباع والمشاكلة، فيجوز للمرأة المسلمة أن تبدي من زينتها للمرأة الكافرة ما يحل لها أن تبديه للمسلمة، وهذا هو أحد قولين عند كل من الحنفية والشافعية، وصححه الغزالي من الشافعية، وأبو بكر بن العربي من المالكية، وقال آخرون: إنّ المراد بهن خصوص النساء المسلمات، فتكون الإضافة للاختصاص، أي النساء المختصات بهن في الصحبة والأخوة في الدين، وعلى هذا لا يحل للمسلمة أن تبدي شيئا من زينتها الباطنة للكافرة. واعتمده جمع من الشافعية.\nوقال أبو السعود من الحنفية: إنّه يصح القولان في مذهبهم، هو قول أكثر السلف.\nأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في «سننه» عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي عيبدة ﵁: أما بعد فإنّه بلغني أنّ نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه من قبلك عن ذلك، فإنّه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تنظر إلى عورتها إلا من كانت من أهل ملتها.\nوأما التابعون غير أولي الإربة فقد قال الله فيهم: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ الإربة والأرب والأرب والمأربة: الحاجة. والمراد بالإربة هنا الحاجة إلى\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":589},{"text":"النساء. والمراد بالتابعين إلخ الذين يتبعون الناس لينالوا من فضل طعامهم، من غير أن تكون لهم حاجة في النساء، ولا ميل إليهن.\nوفي تعيين المراد بغير أولي الأربة من الرجال أقوال كثيرة للسلف: فنقل عنهم أنّه الشيخ الذي فنيت شهوته، أو الأبله الذي لا يدري من أمر النساء شيئا، أو المجبوب، أو الخصي، أو الممسوح، أو خادم القوم للعيش، أو المخنّث. والذي عليه المعول: أن المراد به كل من ليس له حاجة إلى النساء، وأمنت من جهته الفتنة ونقل أوصاف النساء للأجانب، فتعيين نوع من الأنواع السابقة بخصوصه لا يؤدي الغرض المقصود، فربّما كان أحد هؤلاء أعرف بالنساء، وأقدر على وصفهن ممن ليس على مثل حاله.\nأخرج مسلم وأبو داود والنسائي «١» وغيرهم عن عائشة ﵂ قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنّث، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ يوما وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال ﷺ: «أرى هذا يعرف ما هاهنا لا يدخلنّ عليكنّ هذا» فحجبوه\n. فأنت ترى أنّ النبيّ ﷺ حظر دخول ذلك المخنث على نسائه، لأنّه وصف امرأة أجنبية بحضرة الرجال الأجانب. وقد نهي الرجل أن يصف امرأته لغيره، فكيف إذا وصفها غيره من الرجال؟.\nوأما الأطفال فقد قال الله فيهم: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ قال الراغب «٢»: كلمة طفل تقع على الجمع كما تقع على المفرد، فهي مثل كلمة ضيف.\nوقيل: هي مفرد، وصحح وصفه بالجمع أنّه محلى بأل الجنسية، فهو على حد قولهم: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض. فكأنه قيل: أو الأطفال الذين لم يظهروا ... كما هو منقول عن مصحف حفصة. ويقال: ظهر على الشيء إذا طلع عليه. ويقال: ظهر على فلان إذا قوي عليه.\nفعلى الأول يكون المعنى: أو الطفل الذين لم يطلعوا على عورات النساء. وهو كناية عن أنّهم لم يعرفوا ما العورة، ولم يميزوا بينها وبين غيرها.\nوعلى الثاني يكون المعنى: أو الطفل الذين لم يقووا على النساء. أي لم يبلغوا حدّ الشهوة والقدرة على الجماع. والعورات جمع عورة، وأصلها ما يحترز من الاطلاع عليه، سواء أكان ذلك من بدن الإنسان أم من متاعه. وغلبت في سوأة الرجل أو المرأة. والمراد بها هنا سوأة المرأة.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ١٧١٦)، ٣٩- كتاب السلام، ١٣- باب منع المخنث حديث رقم (٢١٨١)، وأبو داود في السنن (٤/ ٣٠)، كتاب اللباس، باب في قوله: غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ حديث رقم (٤١٠٧) .\n(٢) حسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم، عالم في التفسير والعربية والأدب، صاحب كتاب المفردات توفي (٥٠٢) انظر الأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٥) .","vol":"1","page":590},{"text":"استثنى الله ممن لا يصح أن تبدي لهم المرأة زينتها الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء. وقد علمت أنّ عدم الظهور على عورات النساء له معنيان: فعلى المعنى الأول لا ينبغي للمرأة أن تظهر شيئا من زينتها الباطنة للمراهق الذي لم يبلغ الحلم، لكنه يعرف عورة النساء، ويميز بين ما للرجل وما للمرأة، ويلحق به من كان قريبا من المراهقة إذا كان يميز بين العورة وغيرها، ويستطيع أن يحكي ما يراه، وعلى المعنى الثاني لا يحرم على المرأة أن تبدي زينتها لمن دون المراهقة، ولا للمراهق أيضا إلا إذا كان فيه تشوّق للنساء، والأمر على المعنى الثاني أوسع في الإباحة منه على المعنى الأول.\nويؤيد المعنى الأول أنّ الطفل مأمور بالاستئذان فى أوقات ثلاثة بيّنها الله تعالى بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [النور: ٥٨] .\nولا شك أن المأمور بذلك من الأطفال إنما هو الطفل الذي يعرف عورات النساء، ويخشى من دخوله في هذه الأوقات التي هي مظنة اختلال التستر أن يحكي ما يراه، ويصف ما يقع عليه بصره، سواء أكان مراهقا أم لا، فالطفل المأمور بالاستئذان في الأوقات الثلاثة، هو الذي يعرف العورة وهو الذي ينبغي للمرأة ألا تبدي له شيئا من زينتها، وعليه يكون المراد بالأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء: الأطفال الذين لا يعرفون ما العورة لصغرهم.\nوَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ الضرب بالأرجل الدقّ بها على الأرض في المشي، والزينة هنا الخلاخل: أي لا يجوز للمرأة أن تدقّ برجليها في مشيتها لتسمع الناس صوت خلاخلها، فإنّ ذلك يحرك في قلوب الرجال الشهوة، ويدفعهم إلى التطلع إليها، ويحملهم على أن يظنوا بها ميلا إلى الفسوق، وإذا كان السبب في تحريم هذا الفعل هو ما يؤدي إليه من الفتنة والفساد، كان كلّ ما في معناه مما يجر إلى الفتنة والفساد ملحقا به في التحريم، كتحريك الأيدي بالأساور، وتحريك الجلاجل في الشعر. فالتنصيص في الآية على الضرب بالأرجل ليس لقصر النهي عليه، بل لأنّ هذا هو ما كان عليه نساء الجاهلية، فقد كانت إحداهنّ تمشي في الطريق، حتى إذا مرت بمجلس من مجالس الرجال وفي رجلها خلخال ضربت برجلها الأرض، فصوّت الخلخال. فنهى الله سبحانه المؤمنات عن ذلك.\nوظاهر الآية أنهنّ منهيات عن الضرب بأرجلهن، بقصد أن يعلم الناس ما يخفين من زينة، فيقتضي بمفهومه أنّه لا إثم على المرأة أن تضرب برجلها إذا لم تقصد بذلك تنبيه الناس على زينتها، ولعلّ هذا غير مراد، وإنّ تقييد النهي عن الضرب بحالة القصد إنما هو لموافقة سبب النزول، ومثل هذا لا يعتبر مفهومه.\nويصحّ أن تكون اللام في قوله تعالى: لِيُعْلَمَ لام العاقبة، ويكون المعنى","vol":"1","page":591},{"text":"على ذلك أنهنّ منهيات عن الضرب بأرجلهن أمام الرجال الأجانب مطلقا، سواء أقصدن إعلامهم أم لم يقصدن. فإنّ عاقبة الضرب بالأرجل وفيها الخلاخل أن يعلم الناس ما يخفين من الزينة فيفتتنوا بهن.\nوبالقياس على ما تقدم قال الفقهاء: إنّه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها متعطرة بحيث تشمّ منها الرائحة الطيبة،\nفقد أخرج أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقبل صلاة امرأة تطيّبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة» «١» .\nوروى أبو داود والنسائي عن أبي موسى ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: «كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت، فمرّت بالمجلس، فهي كذا وكذا» «٢»\nيعني زانية.\nواستدل الحنفية بهذا النهي على أنّ صوت المرأة عورة، فإنّها إذا كانت منهية عن فعل يسمع له صوت خلخالها، فهي منهية عن رفع صوتها بالطريق الأولى.\nوالظاهر أنّه إذا أمنت الفتنة لم يكن صوتهنّ عورة، فإنّ نساء النبي ﷺ كنّ يروين الأخبار للرجال، وفيهم الأجانب من غير نكير ولا تأثيم.\nوَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. ختم الله ﷾ هذه الآية الكريمة بأمر المؤمنين أن يتوبوا من التقصير الذي لا يخلو عنه أحد منهم، لا سيما ما يتعلّق بإبداء الزينة والنظر إليها. فالآية تشير بهذا الختام إلى أنّه قلّما يسلم أحد من الوقوع في بعض جرائم هذا الباب، ولهذا فهم محتاجون إلى عفو الله ومغفرته. فأرشدهم الله تعالى إلى طريق ذلك بقوله: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا وخاطبهم بعنوان الإيمان، لينبههم إلى أن الإيمان الصحيح هو الذي يحمل صاحبه على الامتثال، وعلى التوبة والاستغفار مما يكون قد ارتكبه من هفوات، فإنّ التوبة سبب الفلاح والفوز بالسعادة.\nهذا وعن ابن عباس أنّ المراد مما سبق منهم في الجاهلية من النظر وغيره، والآثام التي وقعت منهم في الجاهلية، وإن كان الإسلام قد جبّها فهم مأمورون بالتوبة منها كلما تذكّروا. قال بعض العلماء: وهذا هو الحال في كل معصية تاب منها صاحبها أنه يلزمه أن يكرر التوبة منها كلّما ذكرها.\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ٥١)، كتتب الترجّل، باب ما جاء في المرأة حديث رقم (٤١٧٤)، وابن ماجه في السنن (٢/ ١٣٢٦)، ٣٩- كتاب الفتن، ١٩- باب فتنة النساء حديث رقم (٤٠٠٢) .\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٩٩)، كتاب الأدب، باب كراهية خروج المرأة حديث رقم (٢٧٨٧)، وأبو داود في السنن (٤/ ٥١)، كتاب الترجّل، باب ما جاء في المرأة تتطيب حديث رقم (٤١٧٣)، والنسائي (٧- ٨/ ٥٢٨)، كتاب الزينة باب ما يكره من الطيب حديث رقم (٥١٢٩) .","vol":"1","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>الترغيب في النكاح</span>\nقال الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ إن الله سبحانه لم يحرّم على الناس نوعا من المتاع في الدنيا إلا جعل له نظيرا من الحلال الطيب، ليكون ذلك معينا لهم، ومقويا لعزائمهم على ترك ما حرّمه عليهم، فقد حرّم الربا وأحلّ البيع، وحرّم الميتة وأحل المذكّى، وحرّم الخنزير وأحلّ النعم، كما أنّه حرّم الزنى وأحلّ النكاح.\nفبعد ما زجر الله عن الزنى ودواعيه القريبة والبعيدة من النظر وإبداء الزينة ودخول البيوت بغير استئذان رغّب في النكاح، وأمر بالإعانة عليه، فالنكاح من خير ما يحقّق العفة، ويعصم المرء عن الزنى، ويبعد به عن آثامه.\nوالْأَيامى: جمع أيم، وأصله أيايم قدّمت الميم على الياء، ثم فتحت للتخفيف، فانقلبت الياء ألفا. والأيم من لا زوج له من الرجال والنساء، سواء أكان بكرا أم ثيبا، وليس خاصّا بالنساء، قال قائلهم:\nفإن تنكحي أنكح وإن تتأيّمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيّم\nوروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ معناه: زوجوا أياماكم بعضهم من بعض.\nوكذلك ليس خاصا بمن يموت عنه زوجه، بل يقال أيضا لمن فارق بالطلاق.\nقال الشماخ:\nيقرّ لعيني أن أحدّث أنّها ... وإن لم أنلها أيّم لم تزوج\nقاله في زوجه بعد ما فارقها، هذا هو المشهور في لسان العرب.\nفالمراد بالأيامى في الآية من لا زوج له من الرجال والنساء، وقوله مِنْكُمْ معناه الذين هم من جنسكم في الحرية، بقرينة عطف الصالحين من العبيد والإماء عليه.\nوالمراد بالصلاح معناه الشرعي المعروف، وهو مراعاة أوامر الدين ونواهيه، وقيل: المراد به المعنى اللغوي، وهو الأهلية للنكاح، والقيام بواجبه، والعباد:\nكالعبيد جمع عبد، وهو الذكر من الأرقاء. والإماء: جمع أمة، وهي أنثى الرقيقة، ففي الصالحين تغليب الذكور على الإناث.\nوإنما اعتبر الصلاح في جانب الأرقاء دون الأيامى من الأحرار والحرائر، لأنّ","vol":"1","page":593},{"text":"تزويج العبيد والإماء يفوّت على سادتهم منافع كثيرة، لا يشجعهم على التغاضي عنها، والتهاون فيها إلا استقامة أولئك العبيد والإماء وصلاحهم، أو ظن قيامهم بموجب النكاح وحقوقه.\nفي الآية أمر بتزويج الأيامى من الأحرار والمملوكين، وقد اختلف العلماء في المأمورين بهذا الأمر، فقيل: إنّ هذا أمر موجّه إلى الأمة جميعها. وقيل: إنّ المأمورين هم أولياء الأحرار وسادات العبيد والإماء. ولكنك قد عرفت أنّ اسم الأيامى واقع على الذكور والإناث، فلا وجه لتخصيص الأولياء بالأمر، إذ إن الأيم الكبير من الأحرار لا ولاية لأحد عليه.\nفالوجه القول الأول: وهو أنّ المأمور الأولياء والسادات، وغيرهم من سائر الأمة، فالأمر متوجه إليهم جميعا أن ينكحوا من لا زوج له.\nوالإنكاح معناه الحقيقي التزويج، وهو إجراء عقد الزواج. ولو أريد بالإنكاح في الآية هذا المعنى لكان الناس مكلّفين أن يزوّجوا الأيامى، وفيهم الرجال الكبار، مع أنّه لا ولاية لأحد عليهم. فكان لا بد من التأويل. إما في كلمة وَأَنْكِحُوا باستعمالها في معنى أعم من إجراء العقد وهو المساعدة في النكاح والمعاونة عليه، وإما في الْأَيامى بحملها على غير الرجال الكبار، ولعلّ التأويل الأول أرجح، فإنّ الآية مسوقة للترغيب في النكاح، والذي يناسبه إبقاء الأيامى على عمومها.\nوظاهر الأمر بالإنكاح أنّه للوجوب، وبه قال أهل الظاهر، وقال السلف وفقهاء الأمصار إنّه للندب، وصرفه عن ظاهره أمور:\n- منها: أنه لو كان تزويج من ذكر في الآية واجبا لشاع العمل به في عصر النبي ﷺ، وعصر الخلفاء الراشدين من بعده، ولنقل إلينا مستفيضا لعموم الحاجة إليه، مع أنّه قد كان في عصر النبي ﷺ والعصور بعده أيامى كثيرون من رجال ونساء، ولم ينكر على واحد ترك تزويجهم.\n- ومنها: أنّ الأيم الثيب لو أبت الزواج فلا يجبرها أحد، فلو كان تزويجها واجبا لأجبرها عليه من ثبت عليه الوجوب.\n- ومنها: الاتفاق على أن السيد لا يجبر على تزويج عبده وأمته، فلا يكون تزويجهما واجبا عليه، والظاهر أن الحكم في المعطوف عليه، وهو الأيامى من الأحرار كذلك، إذ صيغة الطلب واحدة.\nواستدل الشافعية بظاهر قوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ على أنّه يجوز للولي أن يزوّج البكر البالغة دون رضاها، لأنّهم تأوّلوا الآية على أنّ الخطاب فيها للأولياء، فقد جعلت للولي حقّ تزويج موليته مطلقا، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، وسواء أرضيت","vol":"1","page":594},{"text":"أم لم ترض، ولولا أنّ أدلة أخرى جعلت الثيب أحقّ بنفسها لكان حكمها حكم البكر الكبيرة، أنه يجوز تزويجها دون رضاها.\nوأنت تعلم أنه ليس في الآية دليل على إهدار رضا الكبيرة، ولا اعتباره، لكن\nقوله ﷺ: «والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها» «١»\nيدل على وجوب استئذانها، واعتبار رضاها، فكان ذلك مخصصا للآية.\nوكذلك استدلّوا بها على أنّ المرأة لا تلي عقد النكاح، لأنّ المأمور بتزويجها وليّها فلو جاز لها أن تتولى النكاح بنفسها لفوتت على وليها ما جعله الله حقا من حقوقه، ولكنّك قد علمت أنّ الأولى حمل الخطاب في الآية على أنّه خطاب للناس جميعا على معنى ندبهم إلى المساعدة في النكاح، والمعاونة عليه، وعلى هذا فحكم مباشرة العقد ينبغي أن يؤخذ من غير هذه الآية.\nواستدل بعض الحنفية بظاهر قوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ على أنه يجوز للحر أن يتزوج بالأمة مطلقا، ولو كان مستطيعا طول الحرة.\nويقول الشافعية: إنّ قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ [النساء: ٢٥] أخصّ من الآية التي معنا، والخاصّ مقدّم على العام، فلا يجوز لمن وجد طول الحرة أن يتزوج أمة، كما تقدم ذلك في سورة النساء مفصّلا.\nوقوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ يتناول بظاهره جميع الأيامى، إلا أنّهم أجمعوا على أنّه لا بد لهذا من شروط: ألا تكون المرأة محرما للزوج بنسب أو رضاع أو مصاهرة، ولا أخت زوجته، ولا عمتها، ولا خالتها، ولا بنت أخيها، ولا بنت أختها، إلى غير ذلك من الشروط التي تكفّلت بها الآيات والأحاديث الصحيحة.\nواستدلّ العلماء بقوله تعالى: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ على أنه يجوز للمولى أن يزوج عبده وأمته دون رضاهما، لأنّ الآية جعلت للسيد حقّ تزويج كلّ منهما، ولم تشترط رضاهما.\nإِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ اختار بعض المفسرين أنّ الكناية في قوله تعالى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ راجعة إلى الأيامى من الأحرار والحرائر والصالحين من العبيد والإماء، وعلى ذلك يكون المراد من الإغناء التوسعة ودفع الحاجة، سواء أكان ذلك بملك ما يحصل به الغنى أم لا. واختار آخرون أنّها راجعة إلى الأيامى من الأحرار والحرائر خاصة، لأنّ قوله تعالى: يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ظاهر في أن يملكهم ما يحصل به الغنى، وتندفع به الحاجة، والأرقاء لا يملكون، فليسوا مرادين في الآية.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ٧٢)، ٩- كتاب الإكراه، ٣- باب لا يجوز نكاح المكره حديث رقم (٦٩٤٦) .","vol":"1","page":595},{"text":"وظاهر الجملة الشرطية أنها وعد من الله تعالى بالغنى للمتزوج.\nوقد نقل عن كثير من الصحابة والتابعين ما يدلّ على أنهم أجروا الآية على ظاهرها، وأنها عدة كريمة من الله، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: أطيعوا الله تعالى فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، قال تعالى: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.\nوأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «المصنف» عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ابتغوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.\nوروي مثل ذلك عن ابن عباس وغيره من علماء السلف.\nوالأخبار الدالة على وعد الناكح بالغنى كثيرة.\nأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة حقّ على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والمجاهد في سبيل الله» «١» .\nوأخرج الخطيب في «تاريخه» عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو إليه الفاقة فأمره أن يتزوج «٢»\n. وقد يقال: كيف تبقى الشرطية على ظاهرها، وأنها وعد من الله بإغناء الفقراء إذا تزوجوا، مع أننا نرى كثيرا من الفقراء يتزوجون، ويستمر فقرهم، ولا يبسط لهم في الرزق، ووعد الله لا يتخلف؟\nوالجواب: أنّ هذا الوعد مشروط بالمشيئة، كما هو الشأن في مثله. وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ [التوبة: ٢٨] ويرشد إلى إضمار المشيئة قوله تعالى: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فإنّ المناسب للمقام أن يقال: (واسع كريم) لكنه عدل عنه إلى ما في النظم الجليل ليفيد أنه يعلم المصلحة، فيبسط الرزق لمن يشاء، ويقدّر لمن يشاء، حسبما تقضي به الحكمة والمصلحة،\n«إنّ من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر، ولو أغنيته لفسد حاله» .\nوذهب كثير من المفسرين إلى أنّ هذا ليس وعدا من الله بإغناء من يتزوج، بل المقصود الحث على المناكحة، والنهي عن التعليل بفقر المستنكحين، فالمعنى: لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم، أو فقر من تريدون تزويجها، ففي فضل الله ما يغنيهم، والمال غاد ورائح، وليس النكاح مانعا من الغنى، ولا سببا في الفقر. وما\n_________\n(١) الترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ١٥٧)، كتاب الجهاد، باب ما جاء في المجاهد حديث رقم (١٦٥٥)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٣٦٩)، كتاب النكاح، باب معونة الله حديث رقم (٣٢١٨)، وأحمد في المسند (٢/ ٢٥١) .\n(٢) انظر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، بيروت دار الفكر (١/ ٣٦٥) .","vol":"1","page":596},{"text":"استقر في الطباع من أنّ العيال سبب في الفقر إن هو إلا ارتباط وهمي، فقد ينمّي الله المال مع كثرة العيال، وقد يحصل الإقلال مع العزوبة، والواقع يشهد بهذا.\nوتحقيق ذلك أنّ المراد بيان أنّ النكاح ليس مانعا من الغنى، فعبّر عن ذلك ببيان أنّه سبب في الغنى مبالغة، على حدّ قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الجمعة: ١٠] فإنّ ظاهره الأمر بالانتشار في الأرض إذا قضيت الصلاة، والمراد تحقيق زوال المانع وإنّ الصلاة إذا قضيت فلا مانع من الانتشار في الأرض، فعبّر عن نفي المانع من الانتشار بما يقتضي طلب الانتشار مبالغة.\nهذا وقد استدل بعض العلماء بالآية على أنّ النكاح لا يفسخ بالعجز عن النفقة، لأنّه تعالى لم يجعل الفقر مانعا من الإنكاح، بل حثّ على إنكاح الفقراء، ووعدهم بالغنى، فإذا كان الفقر ليس مانعا من ابتداء النكاح فلأن لا يكون مانعا من استدامته أولى.\nوأنت تعلم أنّ غاية ما تفيده الآية أنّه يندب ألا يردّ الخاطب الفقير ثقة بما عند الله. وهذا القدر أيضا ثابت في استدامة النكاح، فإنّه يندب للمرأة إذا أعسر زوجها بنفقتها أن تصبر وتستأني بها، وهذا لا يمنعها أن تستوفي حقها من فسخ النكاح إذا كان الشرع قد قرّر لها حق الفسخ للإعسار، فالمسألة موقوفة على ورود الشرع بالتفريق للإعسار، فإذا ورد بذلك شرع فالآية لا تنافيه.\nواستدل بهذا كثير من العلماء على أنّه يندب للفقير أن يتزوج، ولو لم يملك أهبة النكاح، فإنّه من البعيد أن يندب الله الولي إلى إنكاح الفقير، ثم يندب الفقير إلى ترك النكاح، وتمام البحث في الآية الآتية:\nوَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الاستعفاف: الاجتهاد في العفة وصون النفس. والمراد بالنكاح هنا ما ينكح به، فإنّ فعالا يكون اسم آلة كركاب لما يركب به. ويجوز أن يراد به حقيقته الشرعية. وبالوجدان: التمكن منه، ويصح أن يقدّر في الكلام مضاف، أي لا يجدون أسباب النكاح ومبادئه: كالمهر، والكسوة، والسكنى، والنفقة.\nيأمر الله الذين لا يجدون ما يتزوجون به أن يجتهدوا في العفة عن إتيان ما حرّم الله عليهم من الفواحش إلى أن يغنيهم الله من سعته، ويرزقهم ما به يتزوجون. وفي ذلك عدة كريمة بالتفضل عليهم بالغنى تأميلا لهم وتطمينا لقلوبهم.\nواستدلّ بعض العلماء بالآية على أنّه يندب ترك النكاح لمن لا يملك أهبته مع التوقان.\nوقد تقدّم أن في الآية السابقة دليلا على ندب النكاح له، فكأنّ بين الآيتين تعارض في ظاهرهما، وللعلماء في الجمع بينهما طريقان:\nفالشافعية يجعلون هذه مخصصة للآية السابقة، ويقولون: الفقراء قسمان: قسم","vol":"1","page":597},{"text":"يملك أهبة النكاح، وقسم لا يملكها. فالفقراء العاجزون عن أسباب النكاح الذين لا يملكون أهبته قد ندبهم الله بهذه الآية إلى ترك النكاح وأرشدهم إلى ما هو أولى بهم وأصلح لحالهم: من الاستعفاف وصون النفس إلى وجدان الغنى، وحينئذ يتزوجون، فتعيّن أن يكون الفقراء الذين ندب الله إلى إنكاحهم بقوله: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هم الذين يملكون أهبة النكاح، ولا شكّ أنّ الفقير الذي يملك أهبة النكاح يندب له أن يتزوج.\nوالحنفية يبقون الآية السابقة على عمومها، ويؤوّلون النكاح في هذه الآية على أنّه صفة بمعنى اسم المفعول، ككتاب بمعنى المكتوب، فالأمر بالاستعفاف هنا محمول على من لم يجد زوجة له، وحينئذ لا تعارض بين الآيتين، ولا يخفى أنّ الغاية في قوله تعالى: حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ تجعل هذا التأويل بعيدا كل البعد.\nوالكلام فيما يعتري النكاح من الأحكام واختلاف المذاهب فيه مرجعه إلى كتب الفروع.\nواستدلّ بعض الناس بهذه الآية على بطلان نكاح المتعة، لأنه لو كان صحيحا لم يتعيّن الاستعفاف سبيلا للتائق العاجز عن مبادئ النكاح وأسبابه، وظاهر الآية أنّه لا سبيل له إلا أن يصبر ويستعفف.\nوقد يقال: إذا صحّ هذا كان دليلا على تحريم الوطء بملك اليمين.\nوالجواب: أن من عجز عن المهر يكون عن شراء الجارية أشد عجزا في المتعارف الأغلب عند الناس، فلا سبيل له إلا أن يصبر ويستعفف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>مكاتبة الأرقاء</span>\nوَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ.\nالكتاب والمكاتبة: مصدرا كاتب كالعتاب والمعاتبة. والكتابة بمعنى العقد الذي يجري بين السيد وعبده على عتقه بعد أن يؤدي مالا يتفقان عليه، لفظة إسلامية لا تعرفها الجاهلية. وسمّي هذا العقد كتابة إما لأنّ العادة جارية بكتابته لتأجيل العوض فيه، وإمّا لأنّ السيد كتب على نفسه عتقه إذا أدى المال، وإما لأنّ العوض فيه يكون منجما بنجوم يضم بعضها إلى بعض مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ عامّ في العبيد والإماء إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا للعلماء في تفسير الخير هنا أقوال: منها أنّ المراد به الأمانة والقدرة على الكسب، وذكر البيضاوي أنّ هذا التفسير قد روي مرفوعا، وهو مروي عن ابن عباس، واختاره الشافعي، لأنّ مقصود الكتابة لا يحصل إلا بأمانة العبد، وقدرته على","vol":"1","page":598},{"text":"الكسب، وقد يرشّح هذا التفسير قوله تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦] .\nوفسّره بعضهم بالحرفة، وفي ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود في «المراسيل» والبيهقي في «السنن» وتعقب هذا القول ابن حجر بأنّ العبد إذا لم يكن أمينا أضاع ما كسبه، فلم يحصل المقصود من كتابته.\nوعن قتادة وإبراهيم وابن أبي صالح أنهم فسروه بالأمانة، وضعّفه ابن حجر أيضا بأنّ المكاتب إذا لم يكن قادرا على الكسب كان في مكاتبته ضرر على سيده، ولا وثوق بإعانته بنحو الصدقة والزكاة.\nوروي عن علي وابن عباس في رواية ثانية، وابن جريج ومجاهد وعطاء أنهم فسّروا الخير بالمال، ولعلّ مرادهم القدرة على كسب المال، كما هو أحد الأقوال السابقة، وإلّا فهو ضعيف لفظا ومعنى، أمّا ضعفه من جهة اللفظ فلأنّه لا يقال: فيه مال، وإنما يقال: عنده مال أو له مال، وأما ضعفه من جهة المعنى فلأنّ العبد لا مال له، وفسّر الحسن الخير بالصلاح، وهو ضعيف، لأنّه يقتضي ألا يكاتب غير المسلم، وقريب منه تفسير بعض الحنفية إياه بألا يضر بالمسلمين بعد العتق.\nبعد أن أمر الله ﷾ بإنكاح الصالحين من العبيد والإماء أمر جلّ شأنه بكتابة من يطلب الكتابة منهم، ليكون حرا، فيتصرّف في نفسه.\nوأخرج ابن السكن في سبب نزول هذه الآية «١» عن عبد الله بن صبيح قال:\nكنت مملوكا لحويطب بن عبد العزى، فسألته الكتابة فأبى، فنزل قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إلخ.\nوظاهر الأمر في قوله: فَكاتِبُوهُمْ أنّه للوجوب، وبه قال عطاء، وعمرو بن دينار، والضحاك، وابن سيرين، وداود، وحكاه بعض الناس عن عمر بن الخطاب ﵁، أخذا مما رواه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير «٢» عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين المكاتبة فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب ﵁ فأقبل علي بالدّرة، وتلا قوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ إلخ وفي رواية أنّه قال:\nكاتبه، أو لأضربنّك بالدّرة، وفي أخرى أنه حلف عليه ليكاتبنّه.\nوجمهور العلماء على أنّ الأمر في قوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ للندب والاستحباب،\nلقوله ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» «٣»\nولأنّه لا\n_________\n(١) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٥/ ٤٥) .\n(٢) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (١٨/ ٩٨) .\n(٣) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٧٢) . [.....]","vol":"1","page":599},{"text":"فرق بين أن يطلب الكتابة، وأن يطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة، فكما لا يجب هذا البيع، كذلك لا تجب الكتابة، وهذه طريقة المعاوضات أجمع، مرجعها إلى رضا الطرفين واختيارهما. وما روي عن عمر في قصة سيرين لا يدلّ على الوجوب، لأنّها لو كانت واجبة لحكم بها عمر على أنس، ولم يكن يحتاج أن يحلف عليه ليكاتبنّه، ولم يكن أنس أيضا يمتنع من شيء واجب عليه. وأما تهديد عمر إيّاه فإنما كان من كمال شفقته على رعيته، وحبه الخير لهم، فكثيرا ما كان يأمر الناس بما لهم فيه الحظ في الدين، وإن لم يكن واجبا على وجه التأديب والمصلحة.\nوذهب بعض العلماء إلى أنّ قوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ أمر ورد بعد الحظر، فهو للإباحة، لأنّ الكتابة من السيد بيع ماله بماله، وهذا محظور، فلما ورد الشرع بطلبه كان مباحا. وحينئذ يكون ندب الكتابة واستحبابها من دليل آخر، مثل قوله تعالى:\nوَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) [البلد: ١٢، ١٣] وقوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ إلى قوله: وَفِي الرِّقابِ [البقرة: ١٧٧] إلى غير ذلك من العمومات التي تندب إلى عمل البر وفعل الخير.\nوظاهر الإطلاق في قوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ جواز الكتابة، سواء أكان البدل حالّا أم مؤجلا بنجم واحد أو أكثر، وإلى ذلك ذهب الحنفية.\nومنع الشافعية الكتابة على بدل حالّ، قالوا: إنّ الكتابة تشعر بالتنجيم، فتغني عن التقييد. وأيضا لو عقدت الكتابة حالّة توجهت المطالبة على المكاتب في الحال، وليس له مال يؤدي منه، فيعجز عن الأداء، فيرد إلى الرق، ولا يحصل مقصود الكتابة.\nونظيره من أسلم فيما لا يوجد عند حلول الأجل فإنّه لا يجوز. وكذلك منع الشافعية الكتابة على أهل من نجمين، وسندهم في ذلك أنها عقد إرفاق، ومن تمام الإرفاق التنجيم، ومع أنّ هذا الرأي مروي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر تراه خلاف ظاهر الآية، ومستند الشافعية فيه ليس بالقوي.\nوقوله تعالى: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا شرط، ومشروطه الأمر بالكتابة، فإن لم يعلموا فيهم خيرا لم تجب، أو لم تندب مكاتبتهم، على الخلاف في مقتضى الأمر كما تقدم.\nبل ربما تكون الكتابة حين انتفاء الشرط محرمة، كما إذا علمنا أنّ المكاتب يكتسب بطريق الفسق، أو يضيّع كسبه في الفسق، ولو استولى عليه السيد لا متنع من ذلك، ونظيره الصدقة والقرض إذا علم أنّ من أخذهما يصرفهما في محرم فإنهما يحرمان.\nوَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ قد اختلف أهل التأويل في المأمور بإعطاء المكاتب من هو؟ وفي المال أي الأموال هو؟ فقال أكثر العلماء: المأمور بالإعطاء هو مولى العبد المكاتب، والمال الذي أمر بإعطائه منه هو مال الكتابة.","vol":"1","page":600},{"text":"ثم اختلفوا على أنّ الربع هو المراد بالآية. وعن ابن مسعود والحسن الثلث.\nوعن ابن عمر السبع. وعن قتادة العشر.\nوقال الشافعي: لم تقدّر الآية الشيء الذي يؤتيه المولى، فيكفي في الخروج من عهدة الطلب أن يؤتيه أقلّ متمول، وفي حكمه حط شيء من مال الكتابة، بل الحط أولى من الإيتاء، لأنّه المأثور عن الصحابة، ولأنه في تحقق المقصود من الكتابة أقرب من الإيتاء.\nوأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال: قال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقول: إنّ ذلك أن يكاتب الرجل غلامه، ثم يضع عنه من آخر كتابه شيئا مسمّى. قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت، وعلى ذلك أهل العلم وعمل الناس عندنا.\nثم اختلف هؤلا في الإيتاء: أهو على سبيل الفرض والتحتيم أم على سبيل الندب والاستحباب؟\nفقال سفيان الثوري وطائفة من العلماء: إنّه ليس بواجب، وإن يفعل ذلك حسن.\nوذهب الشافعي إلى أنّ الإيتاء واجب، وفي معناه الحط كما تقدم، لأنّ ظاهر الأمر في الآية الوجوب، ولا صارف عنه.\nوقال جماعة من العلماء: إنما هذا أمر متوجه إلى الناس كافة أن يعطوا المكاتبين سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضة بقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ [التوبة: ٦٠] وهذا هو مذهب الحنفية، وحكاه أبو بكر بن العربي عن مالك. وظاهر أنّ الأمر حينئذ يكون للوجوب.\nوقيل: إنّه أمر ندب للمسلمين عامة بإعانة المكاتبين بالتصدق عليهم.\nوقيل إنه أمر للموالي أن يقرضوا المكاتبين شيئا من أموالهم لاستثماره في التجارة ونحوها إعانة لهم على أداء مال الكتابة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>الإكراه على البغاء</span>\nقال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ الفتيات: جمع فتاة، وكلّ من الفتى والفتاة كناية مشهورة عن العبد والأمة في أيّ سن كانا.\nوالبغاء: زنى النساء.\nوالتحصن: التعفف عن الزنى.","vol":"1","page":601},{"text":"والعرض: المتاع سريع الزوال. والمراد به هنا ما يعمّ أجورهنّ التي يأخذنها على الزنى بهن وأولادهن من الزنى.\nأخرج مسلم وأبو داود عن جابر ﵁ «١» أنّ جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول يقال لها مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، كان يكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى الرسول ﷺ، فنزلت هذه الآية.\nوقيل: نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما على الزنى، أحدهما عبد الله بن أبي.\nوقيل: كان له ست جوار أكرههن على البغاء، وضرب عليهن ضرائب، فشكت اثنتان منهن إلخ.\nوعن علي وابن عباس أن أهل الجاهلية كانوا يكرهون إماءهم على الزنى، يأخذون أجورهن، فنهوا عن ذلك في الإسلام، ونزلت الآية.\nوعلى جميع الروايات لا سبيل إلى تخصيص الآية بمن نزلت فيه، بل هي عامة في سائر المكلّفين، لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nقد يقال: إنّ النهي عن الإكراه هنا مقيّد بأمرين: الأول: أنّهنّ يردن التحصن.\nوالثاني: أنّهم يبتغون عرض الحياة الدنيا، فيلزم القائلين بالمفهوم أنّ الإكراه على الزنى جائز إذا لم يردن التحصن، أو لم يقصدوا به عرض الحياة الدنيا، والإكراه على الزنى غير جائز بحال من الأحوال إجماعا.\nوالجواب عن ذلك من وجوه:\nالأول: أنّ الشرط لم يقصد به تخصيص النهي بحالة وجوده، وإخراج ما عداها من حكمه، بل قصد به النص على عادة من نزلت فيهم الآية، حيث كانوا يكرهونهنّ على البغاء، وهن يردن التعفف عنه. ومعلوم أنّه لا يعمل بمفهوم القيد إلا حيث لا يكون له فائدة غير المفهوم، فإذا ظهر له فائدة غير المفهوم، فلا اعتبار بمفهومه.\nوهنا قد ظهر للشرط فائدة، وهي أنّ في التنصيص على تعفف الإماء توبيخا لسادتهم، وتقبيحا لحالهم، حيث لم يبلغوا في محاسن الآداب والترفع عن الدنيا مبلغ الفتيات المبتذلات، مع وفور شهوتهن، ونقصان عقلهن، وقصور باعهن في معرفة محاسن الأمور. وكذلك قوله تعالى: لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا لم يقصد به التنصيص على هذه الحالة لإخراج ما عداها من الحكم، وإنما جيء به ليسجّل عليهم عادة كانت\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ٢٣٢٠)، ٥٤- كتاب التفسير، ٣- باب قوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ حديث رقم (٢٦/ ٣٠٢٩)، وأبو داود في السنن (٢/ ٢٧٨)، كتاب الطلاق، باب في تعظيم الزنى حديث رقم (٢٣١١) .","vol":"1","page":602},{"text":"تجري فيما بينهم أيضا، زيادة في التشنيع عليهم، وتقبيحا لما كانوا عليه من احتمال الوزر الكبير لأجل النزر الحقير.\nوالوجه الثاني: أنّ قوله تعالى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا شرط في تصور الإكراه وتحققه، وليس شرطا للنهي، وهذا الوجه ضعيف، لأنّ الإكراه قد يتصوّر إذا لم يردن التحصن، بأن تكره على زنى غير الذي أرادته، ولو سلّم أن الإكراه لا يتصور إلا إذا أردن التحصن، فذكر الإكراه مغني عن هذا القيد.\nوالوجه الثالث: أن المفهوم اقتضى ذلك الحكم، وهو جواز الإكراه على الزنى عند عدم إرادتهن التحصن، لكن ذلك الذي اقتضاه المفهوم قد انتفى لمعارض أقوى منه وهو الإجماع.\nوإيثار إِنْ في قوله تعالى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا على (إذا) لأنّ إرادة التحصن من الإماء كالشأن النادر، أو للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه عند كون إرادة التحصن في حيز التردد والشك، فكيف إذا كانت محققة الوقوع كما هو الواقع.\nفَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ اختلف أهل التأويل في المغفور له من هو، أهو المكرهون أم المكرهات؟ فأكثر العلماء من السلف والخلف على أنّ المعنى: فإنّ الله من بعد إكراههن غفور لهن رحيم بهن، ويؤيد هذا الرأي قراءة ابن مسعود: مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ورويت هذه القراءة عن ابن عباس أيضا. وأورد على هذا الرأي اعتراضان:\nأولهما: أنه يلزم عليه خلو جملة الجزاء من عائد على اسم الشرط.\nوثانيهما: أنه لا إثم عليهن حال الإكراه، لأنهنّ غير مكلفات، ولا إثم دون تكليف، فكيف تعلّقت المغفرة بهن؟\nوالجواب عن الأول: أن خلو الجزاء عن ضمير اسم الشرط لا محذور فيه، لأن اللازم لانعقاد الشرطية كون الأول سببا للثاني، وهو هنا ظاهر، على أنّ التقدير: فإنّ الله من بعد إكراههم إياهن، ففاعل المصدر هو العائد، والمحذوف كالملفوظ.\nوالجواب عن الثاني: أن تعليق المغفرة بهن إما لأنهنّ وإن كن مكرهات لا يخلو عن شائبة مطاوعة بحكم الجبلّة البشرية، وإما لتشديد المعاقبة على المكرهين، لأنّ الإماء مع قيام عذرهن إذا كنّ بصدد المعاقبة، حتى احتجن إلى المغفرة، فما حال المكرهين؟\nواختار بعض العلماء أنّ المعنى: أنّ الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهم، أي للمكرهين، وجعل ذلك مشروطا بالتوبة. وهو تأويل ضعيف لأنّ فيه تهوين أمر الإكراه على الزنى، والمقام مقام تهويل وتشنيع على المكرهين.","vol":"1","page":603},{"text":"قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) يقول الله جل ذكره: لقد أنزلنا إليكم في هذه السورة آيات تبيّن لكم ما بكم الحاجة إلى بيانه من الأحكام والحدود والشرائع، وأنزلنا لكم فيها مثلا وقصة عجيبة من قبيل أمثال الذين مضوا من قبلكم، وموعظة ينتفع بها المتقون.\nفما تقدم من أول السورة إلى هنا يشتمل على آيات ذكر فيها الحدود والأحكام الشرعية، وعلى قصة الإفك العجيبة المشابهة لقصة يوسف وقصة مريم ﵉، حيث اتهما بما اتهمت به عائشة ﵂ من الإفك، فبرأهما الله، وعلى مواعظ وزواجر مثل قوله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: ٢] وقوله جل شأنه: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ [النور: ١٢] إلخ.\nوقال بعض العلماء المراد بالآيات المبينات والمثل والموعظة جميع ما في القرآن الكريم من الآيات والأمثال والمواعظ.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)\nروي أنّ أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها غلام كبير لها في وقت كرهت دخوله فيه، فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فنزلت هذه الآية «١» .\nوروي أنّ رسول الله ﷺ بعث وقت الظهيرة إلى عمر ﵁ غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو، فدخل وعمر نائم قد انكشف عنه ثوبه، فقال عمر:\nلوددت أنّ الله ﷿ نهى آبائنا وأبناءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعة إلا بإذن، فانطلق معه إلى رسول الله ﷺ فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية، فخرّ ساجدا شكرا لله\n. وهذه إحدى موافقات رأي عمر للوحي.\nوأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنّه قال: كان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ يعجبهم أن يباشروا نساءهم في هذه الساعات، فيغتسلوا، ثم يخرجون إلى الصلاة، فأمرهم الله تعالى أن يأمروا المملوكين والغلمان ألا يدخلوا عليهم في تلك الساعات\n_________\n(١) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٥/ ٥٥) .","vol":"1","page":604},{"text":"إلا بإذن، بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ الآية، فإذا صحّ أنّ سبب النزول قصة أسماء المتقدمة كان قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطابا للرجال والنساء بطرق التغليب، لأنّ دخول سبب النزول في الحكم قطعي كما هو الراجح في الأصول.\nوقد يقال: الأمر في قوله تعالى: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ للمملوكين والصغار، وكيف يؤمر الصبي الذي لم يبلغ الحلم، ولا تكليف قبل البلوغ؟\nوالجواب من وجهين:\nالأول: أن الأمر وإن كان كذلك في الظاهر، لكنّه في الحقيقة للمخاطبين، فهم أمروا أن يأمروا مماليكهم وصبيانهم بالاستئذان، وإلى هذا المعنى يرشد كلام السدي في سبب النزول كما سبق.\nوأمر المخاطبين صبيانهم بالاستئذان إنما هو من باب التأديب والتعليم، ولا إشكال فيه، ومثله ما\nروي من قوله ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر» «١» .\nوالثاني: أنّ الأمر للبالغين من المذكورين على وجه التكليف، ولغيرهم على وجه التأديب.\nوظاهر الأمر في قوله تعالى: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ أنّ للوجوب، وبهذا الظاهر قال بعض العلماء. ولكن الجمهور على أنّه أمر استحباب وندب، وأنّه من باب التعليم والإرشاد إلى محاسن الآداب، فلو دخل المملوك المكلّف على سيده بغير استئذان لم يكن ذلك معصية منه، وإنما هو خلاف الأولى، وإخلال بالأدب. نعم إذا كان يعلم أنّ في دخوله بغير إذن إيذاء لسيده كان دخوله حينئذ حراما، لا من حيث إنه دخل بغير إذن، بل من حيث أنه آذى غيره، وعلى كلا القولين حكم الاستئذان في الأوقات الثلاثة الآتية محكم ليس بمنسوخ ولا مؤقّت بوقت قد انتهى على الصحيح.\nوزعم بعض الناس أنّه منسوخ، لأن عمل الصحابة والتابعين في الصدر الأول كان جاريا على خلافه.\nوقال آخرون: إنّ طلب الاستئذان كان في العصر الأول إذ لم يكن لهم أبواب تغلق ولا ستور ترخى. تمسّكوا في ذلك بما أخرجه أبو داود «٢» عن عكرمة قال: إنّ نفرا من أهل العراق قالوا لابن عباس ﵄: كيف ترى فى هذه الآية التي أمرنا بها ولا يعمل بها أحد. قول الله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ الآية،\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (١/ ١٩٧)، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام حديث رقم (٤٩٥) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٤/ ٣٨٨)، كتاب الأدب، باب الاستئذان حديث رقم (٥١٩٢) .","vol":"1","page":605},{"text":"فقال ابن عباس ﵄: إنّ الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم أو الولد أو اليتيمة والرجل على أهله، فأمرهم الله تعالى بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور وبالخير فلم أر أحدا يعمل ذلك بعد.\nوظاهر قوله تعالى: الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أنّ الحكم خاص بالذكور من العبيد سواء أكانوا كبارا أم صغارا، وبهذا الظاهر قال ابن عمر ومجاهد.\nوالجمهور على أنه عام في الذكور والإناث من الأرقّاء الكبار منهم والصغار.\nوعن ابن عباس أنه خاص بالصغار، وهو بعيد. وأبعد منه ما روي عن السلمي من تخصيصه بالإناث.\nوقوله تعالى: وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ كناية عن أنهم قصروا عن درجة البلوغ، ولم يصلوا حدّ التكليف، فالكلام مستعمل في لازم معناه، لأنّ الاحتلام أقوى دلائل البلوغ، وسيأتي لذلك مزيد شرح عند تفسير قوله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ إن شاء الله.\nوالجمهور على أنّ المراد بالذين لم يبلغوا الحلم الصبيان من الذكور والإناث، سواء أكانوا أجانب أم محارم، إلا أنّ قوله تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ يجعل اسم الموصول هنا خاصا بالمراهقين. كما أنّ وصفه بقوله تعالى: ومِنْكُمُ يجعله خاصا بالأحرار ويشعر بذلك أيضا ذكره في مقابلة الذين ملكت إيمانكم.\nثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ الظهيرة وقت الظهر، وقل: شدة الحر عند انتصاف النهار.\nوقد اختلف العلماء في إعراب ثَلاثَ مَرَّاتٍ تبعا لاختلافهم في المراد بها.\nفالجمهور على أنّها منصوبة على الظرفية، للاستئذان، لأنّ المعنى: ليستأذنكم المذكورون في ثلاثة أوقات: قبل الفجر، ووقت الظهيرة، وبعد صلاة العشاء.\nوقال أبو حيان: إنّها مفعول مطلق مبيّن للعدد، لأنّ المعنى: ليستأذنوكم ثلاث استئذانات كما هو الظاهر، فإنّك إذا قلت: ضربت ثلاث مرات لا يفهم منه إلا ثلاث ضربات، ويؤيده\nقوله ﵊: «الاستئذان ثلاث»\nوعليه يكون قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ إلخ ظرفا لثلاث مرات.\nوقد يقال: إنّ رأي أبي حيان يقتضي أن يكون الاستئذان ثلاث مرات واقعا في كل وقت من الأوقات الثلاثة المذكورة بعده، وليس هذا بمراد، ولعلّ هذا هو الذي حمل الجمهور على العدول عن مقتضى ظاهر اللفظ إلى القول بأنه ظرف أبدل منه الأوقات الثلاثة إبدال مفصّل من مجمل. ولأبي حيان أن يقول: إنّ مجموع","vol":"1","page":606},{"text":"الاستئذانات الثلاث واقع في مجموع الأوقات الثلاثة، فلكل وقت استئذانة واحدة، والأمر قريب.\nوقوله تعالى: ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ معناه أنّ هذه الأوقات الثلاثة السالفة الذكر هي ثلاثة أوقات يختلّ فيها تستركم عادة، فالوقت الأول: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وقت القيام من المضاجع، وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب اليقظة، وذلك مظنة انكشاف العورة.\nوالوقت الثاني: وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وقت يتجردون فيه عن الثياب لأجل القيلولة. والوقت الثالث: وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ وقت يخلعون فيه ثياب اليقظة ويلبسون ثياب النوم، وقد يتعاطون فيه مقدمات المباشرة.\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ الظاهر أنّ المراد من هذه الجملة أنّه لا إثم في ترك الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة، فذلك ترخيص في الدخول بغير استئذان في الأوقات الممتدة بين كل وقتين من الأوقات الثلاثة السابقة.\nأما الوقتان الواقعان فيما بين صلاة الفجر والظهيرة، وفما بين الظهيرة وصلاة العشاء، فترك الاستئذان فيهما أمر ظاهر، لأنّهما ليسا من أوقات العورة.\nوأما الوقت الممتد بين العشاء والفجر فترك الاستئذان فيه غير ظاهر، لأن هذا الوقت وقت نوم يختل فيه التستر عادة، فكان من حقه أن يدخل في أوقات العورة التي لا يباح فيها الدخول بغير استئذان.\nوللعلماء في ذلك توجيهات:\nمنها: أن الأمر بالاستئذان في الأوقات الثلاثة السابقة يفهم منه الأمر بالاستئذان في هذا الوقت من باب أولى، وعليه يكون حكم هذا الوقت كالمستثنى من قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ.\nومنها: أنّه مسكوت عن حكمه لندرة الوارد فيه جدا.\nومنها: أن العادة جارية بأنّ من ورد في هذا الوقت لا يرد حتى يشعر أهل البيت، ويعلمهم بوروده، لما في الدخول هذا الوقت من دون إعلام من التهمة وإساءة الظن.\nولأبي حيان رأي آخر في معنى الجملة، وهو أنّ التقدير ليس عليكم ولا عليهم جناح بعد استئذانهن فيهن، فتصرّف في الكلام بالحذف والإيصال. فحذف فاعل الاستئذان، وهو الضمير المضاف إليه، وحذف حرف الجر، فصار بعد استئذانهن، ثم حذف المصدر المضاف، فصار بعدهن. وحاصل المعنى عليه: فإذا استأذنوكم في الأوقات الثلاثة، فلا جناح عليكم ولا عليهم. وهذا المعنى وإن كان يدفع الإشكال السابق، إلّا أنّه خلاف الظاهر، والتصرف في الكلمة على هذا النحو تأباه جزالة النظم الجليل.\nوقد علمت فيما سبق أنّ الأمر في قوله تعالى: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلخ","vol":"1","page":607},{"text":"في ظاهر اللفظ موجّه لمن لم يبلغ الحلم، وهو في الحقيقة أمر لأوليائهم أن يعلّموهم الآداب الحسنة، ويأمروهم بالاستئذان في الأوقات الثلاثة السابقة، فإذا اعتبر الأمر في ظاهر اللفظ قيل: ليس عليهم جناح بعدهن، وإذا اعتبر المأمورون في الحقيقة قيل:\nليس عليكم جناح، واقتصر عليهم. لكنّ النظم الجليل قد روعي فيه الاثنان، فجمعهما في نفي الجناح مبالغة في الإذن بترك الاستئذان بعد الأوقات الثلاثة.\nوالظاهر أنّ المراد بالجناح المنفي الإثم الشرعي، أي لا إثم عليكم ولا إثم عليهم في دخولهم عليكم بغير استئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة.\nويفهم منه أنّ على المخاطبين وعلى الصغار الذين لم يبلغوا الحلم إثما إذا دخل هؤلاء الصغار في الأوقات الثلاثة من دون استئذان. وهو مشكل من وجهين:\nالأول: أن المخاطبين حمّلوا تبعة فعل غيرهم، مع أنه لا تزر وازرة وزر أخرى.\nوالثاني: أنّ الصغار غير مكلّفين، فلا يتصور في حقهم الإثم الشرعي.\nوالجواب أنّه لا مانع من تأثيم المخاطبين لتركهم تعليم الصغار، وتمكينهم إياهم من الدخول بغير استئذان في أوقات العورات. وإنّ الجناح المنفي عن الصغار الجناح العرفي، بمعنى الإخلال بالأدب والمروءة.\nنفت هذه الآية الحرج في دخول المماليك والذين لم يبلغوا الحلم بغير استئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها يحظر الدخول بغير استئذان في جميع الأوقات، فكان بين ظاهر الآيتين تعارض. وأصحّ ما دفع به هذا التعارض أنّ الآية السابقة خاصة بالأحرار البالغين، وفي حكمهم مماليك الأجانب. وهذه الآية في الصبيان ومماليك المدخول عليه، فلا تعارض.\nويؤخذ من تعليل الأمر بالاستئذان في الأوقات الثلاثة بأنها أوقات عورة، يختل فيها تسترهم: أن العبرة بتحقق هذا المعنى، بقطع النظر عن خصوص الوقت، فلو كان أهل البيت على حال يكرهون اطلاع المماليك والمراهقين عليهم فيها كانكشاف عورة ومداعبة زوجة. أو أمة. فإنّه ينبغي أن يستأذن مماليكهم وصبيانهم عليهم ولو كان ذلك في غير الأوقات الثلاثة. لأن المعنى الذي من أجله أمروا بالاستئذان، وهو خشية الاطلاع على العورات متحقق. فالأمر بالاستئذان فيها، ونفي الجناح بعدها جاريان على العادة الغالبة.\nطَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ أي وهم يطوفون عليكم بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ أي بعضكم طائف على بعض، فحذف متعلّق الجار، وهو كون خاصّ لدلالة ما قبله عليه.\nوالجملة الأولى مستأنفة لبيان العذر المرخّص في ترك الاستئذان، أي إن من","vol":"1","page":608},{"text":"شأنهم مخالطتكم، والتردد عليكم بالدخول والخروج، فرفع الحرج عنكم وعنهم في ترك الاستئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة. والجملة الثانية مؤكّدة للأولى في بيان الحكمة التي من أجلها رخّص في ترك الاستئذان، إلا أنها أشمل من الأولى، فإنّ معناها أن كلّا منكم لا يستغني عن مخالطة الآخر، فهم طوّافون عليكم، وأنتم طوّافون عليهم. وفي هذا تسلية للماليك والخدم، بأنّ التعاون في الحياة أمر مشترك بين المالك والمملوك والخادم والمخدوم.\nوكان من حق المقابلة أن يقال: طوافون عليكم، وأنتم طوافون عليهم. لكن عدل عنه إلى ما في النظم الجليل بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ مراعاة لجانب السادة المخدومين، وتلطفا في التعبير عن حاجتهم إلى المماليك والخدم.\nوتدل الآية الكريمة على اعتبار العلل في الأحكام الشرعية، لأنّ الله تعالى نبّه على العلة في طلب الاستئذان في الأوقات الثلاثة بقوله جلّ شأنه: ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ ونبّه على العذر المبيح لترك الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة بقوله عزّ اسمه:\nطَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ.\nوتدلّ الآية أيضا على أنّ من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح. على وجه التأديب والتعليم، وليعتاده ويتمرّن عليه، ليكون أسهل عليه عند البلوغ. قال تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا [التحريم: ٦] روي في تفسيرها أدّبوهم وعلّموهم.\nكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ معنى تبيين الآيات إنزالها مبينة واضحة الدلالة على معانيها وما قصد منها.\nيكثر في القرآن أنّ الله جلّ شأنه بعد أن يذكر الآيات واضحة الدلالة مبيّنة بيانا يشفي الصدور، ويعمر القلوب باليقين والاطمئنان، ويحمل السامع على أن يستيقن أن هذا هو البيان، لا بيان بعده، يردف ذلك بقوله عزّ اسمه كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ فينبه المخاطبين على أنّ هذه عادة الله في آياته كلّها يبينها البيان الشافي لقوم يعقلون.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ ذو علم شامل لكل معلوم، فيعلم ما يصلح لكم وما لا يصلح حَكِيمٌ فيشرع لكم من الأحكام ما يناسبكم، ويكفل لكم السعادة في المعاش والمعاد.\nقال الله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) قد يتوهّم بعض الناس أنّ الصبي وقد اعتاد الدخول والتردد على أهل بيت معين إذا بلغ مبلغ الرجال فلا حرج في دخوله بغير استئذان، كسابق عادته، فجاءت هذه","vol":"1","page":609},{"text":"الآية لدفع هذا التوهم، وبيان أنّ الأطفال الذين قد رخّص لهم في ترك الاستئذان في غير العورات الثلاث إذا بلغوا الحلم وجب عليهم أن يستأذنوا، كما استأذن الذين ذكروا من قبلهم في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها إلخ أي فعليهم أن يستأذنوا في كلّ الأوقات، ويرجعوا إذا قيل لهم ارجعوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>الكلام في بلوغ الصبي</span>\nقال الله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ في القاموس الحلم بالضم والاحتلام: الجماع في النوم، والاسم منه الحلم كعنق. وقال الراغب: الحلم زمان البلوغ سمي بذلك لكون صاحبه جديرا بالحلم وضبط النفس عن هيجان الغضب.\nوالصّحيح أن الحلم هنا بمعنى الجماع في النوم، وهو الاحتلام المعروف. وأنّ الكلام كناية عن البلوغ والإدراك كما سبق.\nجعلت الآية حدّ التكليف منوطا ببلوغ الصبي الحلم. ومثل الآية في ذلك\nقوله ﷺ: «رفع القلم عن ثلاث ... وعن الصبيّ حتّى يحتلم» «١»\nوقوله ﷺ: «غسل الجمعة واجب على كلّ حالم»\nوفي رواية «على كل محتلم» «٢»\nوفي حديث معاذ «٣» ﵁ أن رسول الله ﷺ أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا، يعني الجزية\n. ومعنى هذه النصوص أنّ الصبي إذا بلغ أوان الاحتلام جرت عليه أحكام البالغين، سواء احتلم أم لم يحتلم وأجمع الفقهاء على أن الغلام إذا احتلم فقد بلغ، وكذلك الجارية إذا احتملت أو حاضت أو حملت.\nلكنّهم اختلفوا في أمارات أخر تدل على البلوغ، ويناط بها التكليف من غير احتلام ولا حيض. فعن قوم من السلف أنّهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله خمسة أشبار:\nروى ابن سيرين عن أنس قال: أتي أبو بكر ﵁ بغلام قد سرق فأمر به فشبّر فنقص أنملة، فخلّى عنه.\nوعن علي كرم الله وجهه أنه قال: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٣١)، كتاب الحدود، باب المجنون يسرق حديث رقم (٤٤٠٣) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٥٨٠)، ٧- كتاب الجمعة، حديث رقم (٥/ ٨٤٦)، والبخاري في الصحيح (١/ ٢٣٩)، ١١- كتاب الجمعة، ٢- باب فضل الغسل حديث رقم (٨٧٩) .\n(٣) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٢٠)، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر حديث رقم (٦٢٣)، وأبو داود في السنن، (٢/ ١٤)، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة حديث رقم (١٥٧٦)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٢٦)، كتاب الزكاة، باب زكاة البقر حديث رقم (٢٤٥١)، وأحمد في المسند (٥/ ٢٣٠) .","vol":"1","page":610},{"text":"الحدود، يقتص له ويقتص منه.\nوفقهاء الأمصار لا يجعلون ذلك من أمارات البلوغ، فقد يكون دون البلوغ وهو طويل، وقد يكون فوق البلوغ وهو قصير.\nوعن آخرين أنهم اعتبروا الإنبات من أمارات البلوغ، يقال: أنبت الغلام إذا نبت شعر عانته. ويقال: كناية عن ذلك: اخضرّ إزاره. والشافعي ﵁ يجعل الإنبات دليلا على البلوغ في حق أطفال الكفار لإجراء أحكام الأسر والجزية والمعاهدة وغيرها عليهم. واحتجّ له بما\nروى عطية القرظي أنّ النبي ﷺ أمر بقتل من أنبت من قريظة، واستحياء من لم ينبت، قال: فنظروا إليّ فلم أكن أنبت فاستبقاني ﷺ «١» .\nوفي كتب المغازي والسير المعتمدة أنّ سعد بن معاذ ﵁ لما حكم في بني قريظة أن تقتل الرجال، وتسبى الذرية، وتقسّم الأموال أمر رسول الله ﷺ بقتل كل من جرت عليه الموسى منهم، ومن لم ينبت ألحق بالذرية «٢» .\nوروى عثمان ﵁ أنّه سئل عن غلام فقال: هل اخضرّ إزاره؟\nوفقهاء الأمصار مجمعون على اعتبار السن في البلوغ، إلا أنهم مختلفون في التقدير.\nفالمشهور عن الإمام أبي حنيفة ﵁ أن الغلام لا يبلغ إلا بعد أن يتم له ثماني عشرة سنة، وفي الجارية سبع عشرة سنة. وقال صاحباه والشافعي وأحمد: حدّ البلوغ بالسن في الغلام والجارية خمس عشرة سنة، وهو رواية عن الإمام أيضا وعليه الفتوى.\nدليل المشهور عن الإمام قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ\n[الأنعام: ١٥٢] وأقل ما قيل في بلوغ الأشدّ ثماني عشرة سنة، فيبني الحكم عليه للتيقن، غير أنّ الإناث نشوءهن وإدراكهن أسرع، فنقص في حقهن سنة، لاشتمالها على الفصول الأربعة التي يوافق واحد منها المزاج لا محالة.\nوللشافعي ومن معه أنّ العادة جارية ألا يتأخر البلوغ في الغلام والجارية عن خمس عشرة سنة، ولهم أيضا ما\nروى ابن عمر ﵄ أنه عرض على النبي ﷺ يوم أحد، وله أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه «٣»\n. واعترض الجصاص عليهم بأنّ هذا الخبر لا دلالة فيه على المدعى، لأنّ الإجازة في القتال والرد يتبعان القوة والضعف، لا البلوغ وعدم البلوغ، فلعلّ عدم\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ١٣٢)، كتاب الحدود، باب في الغلام حديث رقم (٤٤٠٤) .\n(٢) مسلم في الصحيح، ٣٢- كتاب الجهاد، ٢٢- باب حديث رقم (٦٤/ ١٧٦٨)، والبخاري في الصحيح (٥/ ٦٠)، ٦٤- كتاب المغازي، ٣١- باب مرجع النبي ﷺ حديث رقم (٤١٢١) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٤٩٠)، ٣٣- كتاب الإمارة، ٢٣- باب بيان سن البلوغ حديث رقم (٩/ ١٨٦٨) .","vol":"1","page":611},{"text":"إجازته ﵊ لابن عمر أولا إنما كان لضعفه، وإجازته إياه ثانيا إنما كانت لقوته وقدرته على حمل السلاح لا لبلوغه، ويشعر بذلك أنّه ﷺ ما سأله عن الاحتلام والسن.\nقال الله تعالى: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) القواعد: جمع قاعد بغير تاء، لأنه مختص بالنساء كحائض وطامث. قال ابن السكيت «١»: امرأة قاعد: قعدت عن الحيض. وفي «القاموس» أنها هي التي قعدت عن الولد، وعن الحيض، وعن الزوج.\nلا يَرْجُونَ نِكاحًا لا يطمعن في النكاح لكبر سنّهنّ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ يخلعنها غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ أصل التبرج: التكلّف في إظهار ما يخفى. ومادة برج تدور على الظهور والانكشاف، ومن ذلك البرج بالتحريك سعة العين بحيث يرى بياضها محيطا بسوادها كله. والبرج بالضم: الحسن. والبارجة: السفينة الكبيرة للقتال، والمراد بالتبرج هنا: تكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها.\nرخّص الله للنساء العجائز اللائي أيسن، ولم يبق لهن مطمع في الأزواج، أن يخلعن ثيابهن، من غير أن يقصدن بخلع الثياب التبرج والتكشف للرجال، ولم تبيّن الآية الثياب التي رخّص للقواعد أن يخلعنها. وللمفسرين في بيانها رأيان:\nالأول: أن المراد بها الثياب الظاهرة التي لا يفضي وضعها إلى كشف العورة:\nكالجلباب السابغ: الذي يغطي البدن كله، كالرداء الذي يكون فوق الثياب، وكالقناع:\nالذي فوق الخمار.\nوحجة أصحاب هذا الرأي ما أخرجه ابن جرير عن الشعبي أنّ أبي بن كعب قرأ: أن يضعن من ثيابهن.\nوما أخرجه ابن المنذر عن ميمون بن مهران أنّه قال: في مصحف أبي بن كعب، ومصحف ابن مسعود أن يضعن جلابيبهن وهي قراءة ابن عباس أيضا.\nقالوا: والجلباب ما تغطي به المرأة ثيابها من فوق كالملحفة، فلا حرج عليهن أن يضعن ذلك عند المحارم من الرجال وغير المحارم من الغرباء، غير متبرجات بزينة.\nوالرأي لثاني: أنهن يضعن خمرهن وأقنعتهن إذا كنّ في بيوتهن، أو من وراء الخدور والستور. ويضعّفه أنّ للشابة أن تفعل ذلك في خلوتها، فلا معنى لتخصيص القواعد بذلك.\n_________\n(١) يعقوب بن إسحاق، لغوي، أديب توفي (٤٢٤ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٨/ ١٩٥) .","vol":"1","page":612},{"text":"وقد يقال: إذا كان وضع الثوب لا يترتب عليه كشف العورة فما معنى نفي الجناح فيه؟ وهل ينفى الجناح إلا في شيء قد كان يتوهّم حظره ومنعه؟\nوالجواب: أن الله تعالى ندب نساء المؤمنين إلى أن يبالغن في التستر والاستعفاف، بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، وجعل ذلك من الحشمة ومحاسن الآداب، فإنّه أبعد عن الريبة بهن، وأقطع لأطماع ذوي الأغراض الخبيثة، فكان إدناء الجلابيب من الآداب التي ندب إليها النساء جميعا، فرخص الله للقواعد من النساء أن يضعن جلابيبهن، ونفى عنهن الجناح في ذلك، وخيّرهن بين خلع الجلباب ولبسه، ولكن جعل لبسه استعفافا وخيرا لهن من حيث إنه أبعد عن التهمة، وأنفى للظنّة.\nوَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وسيجازيهن على ما يجري بينهنّ وبين الرجال من قولهنّ وقصدهنّ.\nوقد تخرّج الآية على معنى ثالث يقتضيه ظاهرها: وهو أنّ الله تعالى كما رخّص للنساء أن يبدين زينتهن لغير أولي الإربة من الرجال كذلك رخّص للنساء غير أولات الإربة أن يضعن ثيابهنّ التي كان يحرم عليهن خلعها بحضرة الرجال الأجانب، فلا حرج على العجوز أن تخلع خمارها وقناعها، ولو أدّى ذلك إلى كشف عنقها ونحرها للأجانب، ما دامت الفتنة مأمونة، وقد يساعد على ذلك أنّ نفي الحرج في خلعهنّ ثيابهنّ يدلّ على أنّ خلع هذه الثياب قد كان محظورا قبل أن يقعدن عن الحيض والولد، أيام كان لهنّ في الرجال مطمع، وللرجال فيهنّ رغبة. ولا شكّ أن المحظور حينئذ إنما هو خلع الثياب التي يفضي خلعها إلى كشف شيء من العورة، فما كان محظورا عليهن أيام صباهن هو الذي أبيح لهنّ حين كبرن، وانقطعت رغبتهن في الرجال.\nولقد كان معروفا في لسان العرب عصر التنزيل أن معنى وضع الرجل ثوبه، ووضع المرأة ثوبها، أنّ كلّا منهما يخلع من ثيابه ما يزيد على ما يلبسه في بيته، وأمام أهله ومحارمه.\nففي «صحيح مسلم» «١» وغيره من حديث فاطمة بنت قيس أنها لما طلقها زوجها فبتّ طلاقها، أمرها رسول الله ﷺ أن تعتدّ في بيت أمّ شريك ثم أرسل إليها أنّ أمّ شريك يغشاها أصحابي، فاعتدّي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم فإنّه ضرير البصر، تضعين ثيابك عنده.\nوفي رواية: «فإنّك إذا وضعت خمارك لم يرك»\nظاهر أنّ المراد من\nقوله ﷺ: «تضعين ثيابك عنده»\nأنّها تتحلل مما يجب عليها لبسه بحضرة الرجال الأجانب.\nقال الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":613},{"text":"الحرج: الضيق. ومنه الحرجة للشجر الملتف بعضه ببعض، لضيق المسالك فيه، والمراد بالحرج هنا الإثم.\nوالمفاتح: جمع مفتح أو مفتاح، وملك المفتاح كناية عن كون الشيء تحت يد الشخص وتصرفه، كأن يكون وكيلا عن رب المال، أو قيمه في ضيعته وماشيته.\nوالصديق: من يصدق في مودتك وتصدق في مودته، يقع على الواحد وعلى الجمع، والمراد به هنا الجمع.\nوالأشتات: جمع شتّ، صفة مشبهة على فعل كحق. يقال أمر شتّ أي متفرق.\nوأصل معنى التحية طلب الحياة، كأن يقول: حيّاك الله، ثم توسّع فيه، فاستعمل في كل دعاء، وتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nمُبارَكَةً بورك فيها بالأجر.\nطَيِّبَةً تطيب بها نفس السامع.\nاختلف الرواة في سبب نزول هذه الآية اختلافا كثيرا، نشأ عنه اختلاف أهل التأويل في معنى الآية، وأوجه اتصال جملها بعضها ببعض، فذكروا في ذلك أقوالا كثيرة، نذكر لك منها أقربها للصواب، وأولاها بالاعتبار:\nفمنها: ما اختاره ابن جرير «١» وهو أنّ المراد نفي الحرج عن العمي والعرج والمرضى وجميع الناس في أن يأكلوا من بيوت الذين ذكر الله، فيكون الله قد نفى الحرج عن أهل العذر أولا، ثم نفى الحرج عن المخاطبين، ثم جمع المخاطبين مع أهل العذر في الخطاب بقوله: أَنْ تَأْكُلُوا وكذلك تفعل العرب إذا جمعت بين خبر الغائب والمخاطب غلّبت المخاطب فقالت: أنت وأخوك قمتما، وأنت وزيد جلستما، ولا تقول: أنت وأخوك جلسا.\nأخرج ابن جرير «٢» عن معمر قال: قلت للزهري في قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ: ما بال الأعمى ذكر هاهنا والأعرج والمريض؟ فقال: أخبرني عبيد الله أنّ المسلمين كانوا إذا غزوا خلّفوا زمناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم يقولون:\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (١٨/ ١٣٠) .\n(٢) المرجع نفسه (١٨/ ١٢٩) . [.....]","vol":"1","page":614},{"text":"قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا. وكانوا يتحرّجون من ذلك يقولون: لا ندخلها وهم غيّب، فأنزلت هذه الآية رخصة لهم.\nفالآية وإن كانت نزلت في تحرّج الزمنى من أن يأكلوا من بيوت من خلّفوهم على بيوتهم، إلا أنها ذكرت حكما عامّا لكل الناس، فنفت عنهم الحرج في أن يأكلوا من بيوتهم، أو بيوت آبائهم. إلخ ويدخل في ذلك سبب النزول دخولا أوليا.\nوقد يقال: إنّ أكل الناس من بيوتهم قد كان معلوما حكمه، وأنه كان حلالا لهم، فما معنى نفي الحرج فيه؟\nوالجواب: أنّ أكل الناس في بيوتهم لم يذكر هنا لنفي حرج قد كان متوهّما، وإنما ذكر لإظهار التسوية بين أكلهم من بيوت أقاربهم وموكّليهم وأصدقائهم، وأكلهم من بيوتهم. ونظيره قوله تعالى: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [آل عمران: ٤٦] قد كان معلوما أنه لا عجب في أن يتكلّم إنسان في زمان كهولته، فكان الغرض من ذكره بيان أنّ كلامه في زمن المهد مثل كلامه وهو كهل. كذلك ما معنا: الغرض بيان أنّ أكلهم من بيوت المذكورين كأكلهم من بيوت أنفسهم سواء بسواء.\nوبعض العلماء يتأوّل قوله تعالى: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ على بيوت الزوجات والأولاد.\nومنها ما اختاره الجبّائي وأبو حيان: وهو أنّ الآية تنفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في القعود عن الجهاد، وتنفي الحرج عن المخاطبين في أن يأكلوا من بيوت الذين ذكرهم الله فالمعنى: ليس على أصحاب العذر حرج في التخلف عن الجهاد، وليس عليكم أيها الناس حرج في أن تأكلوا إلخ.\nوقد يبدو أنّ في هذا العطف غرابة لبعد الجامع. ولكن إذا علم أنّ الغرض بيان الحكم كفاء الحوادث، وأن الكلام في معرض الإفتاء والبيان، وأن الحادثتين قد اشتركتا في ذلك الغرض الذي سبق له الكلام- قرب الجامع بينهما، وصح عطف إحداهما على الأخرى. قال الزمخشري «١»: ومثاله أين يستفتي مسافر عن الإفطار في رمضان وحاجّ مفرد عن تقديم الحلق على النحر، فنقول: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.\nفإن قيل: فما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله؟\nقيل: إنّ الترخيص لأهل العذر في ترك الجهاد، قد ذكر أثناء بيان الاستئذان ليفيد أن نفي الحرج عنهم في التخلف عن الجهاد مستلزم عدم وجوب الاستئذان منه\n_________\n(١) في تفسيره الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٣/ ٢٥٧) .","vol":"1","page":615},{"text":"ﷺ، فلهم القعود عن الجهاد من غير استئذان ولا إذن، كما أنّ للمماليك والصبيان دخول البيوت في غير العورات الثلاث من غير استئذان ولا إذن من أهلها.\nومنها: أنّ الآية تنفي الحرج عن الناس في أن يأكلوا مع الأعمى والأعرج والمريض، وفي أن يأكلوا من بيوتهم أو بيوت آبائهم إلخ. وذلك أنّه روي عن ابن عباس ﵄ أنه لما نزل قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: ١٨٨] تحرّج المسلمون عن مؤاكلة الأعمى، فإنه لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لأنّه لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض لأنه لا يستوفي حظّه من الطعام، فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» . ومن ذهب إلى هذا التأويل جعل كلمة عَلَى بمعنى (في) فقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ إلخ معناه ليس في الأعمى حرج، أي ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى حرج إلخ.\nومنها ما روي أنّه قد كان أهل الأعذار يتحرّجون أن يأكلوا مع الأصحاء حذرا من استقذارهم إياهم، وخوفا من تأذّيهم بأفعالهم وأوضاعهم فنزلت الآية «٢» . أي ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج في أن يأكلوا مع الأصحاء، وليس عليكم أيها الناس حرج في أن تأكلوا من بيوتكم إلخ.\nوعلى جميع الآراء ترى الآية الكريمة قد أباحت الأكل من بيوت الأقارب: الآباء، والأمهات، والإخوة، والأخوات، والأعمام، والعمات، والأخوال، والخالات.\nوأباحت أيضا الأكل مما كان تحت يد الشخص وتصرفه من مال غيره، والأكل من بيوت الأصدقاء، ولم يذكر فيها قيد ما لإباحة الأكل من هذه البيوت، فهي في ظاهرها تنافي\nقوله: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» «٣»\nوما\nفي حديث ابن عمر عنه ﷺ: «لا يحلبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه» «٤»\nوأيضا فإنّ إباحة الأكل من هذه البيوت، دون شرط ولا قيد، تدل على أنّ لهم دخولها بغير استئذان، وهو معارض لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها وقوله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الأحزاب: ٥٣] فإذا كانوا ممنوعين من دخول بيت النبي ﷺ إلا بإذن، وهو ﵊ أجود الناس وأكرمهم، وأقلهم حجّابا، كان دخولهم بيت غيره ﷺ بغير إذن أولى بالحظر، وأدخل في المنع.\n_________\n(١) رواه ابن جرير في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (١٨/ ١٢٨- ١٢٩) .\n(٢) المصدر السابق نفسه.\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٣٨٦)، كتاب الجهاد، باب فيمن قال لا يحلب حديث رقم (٢٦٢٣) .","vol":"1","page":616},{"text":"من أجل ذلك قال جماعة من المفسرين: إنما كان ذلك في صدر الإسلام، ثم نسخ بما تلونا، واستقرت الشريعة على أنّه لا يحل مال امرئ مسلم إلا برضاه، ولا ينبغي دخول البيت إلا بإذن أهله.\nوقال أبو مسلم الأصفهاني: هذه الآية في الأقارب الكفرة، أباح الله سبحانه للمؤمنين ما حظره في قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢] وقال قتادة: الآية التي معنا على ظاهرها، والأكل مباح دون إذن، لكنه لا يجمل.\nوالصحيح الذي عليه المعول في دفع هذا التعارض أنّ إباحة الأكل من هذه البيوت مقيّدة ومشروطة بما إذا علم الآكل رضا صاحب المال بإذن صريح أو قرينة، فإذا دلّ ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح.\nوقد يقال: إذا وجد الرضا جاز الأكل من بيت الأجنبي والعدو، فأي معنى في تخصيص هؤلاء بالذكر؟\nوالجواب: أن تخصيصهم بالذكر لاعتياد التبسط بينهم، فإنّ العادة في الأعم الأغلب أنّ الناس تطيب نفوسهم بأكل أقاربهم ووكلائهم وأصدقائهم من بيوتهم.\nعن الحسن أنه دخل داره، وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالا من تحت سريره، فيها الخبيص وأطايب الأطعمة، وهم مكبون عليها يأكلون، فتهلّلت أسارير وجهه سرورا، وضحك وقال: هكذا وجدناهم، يريد أكابر الصحابة.\nوكذلك يقال في دخولهم هذه البيوت: لا بد فيه من إذن صريح أو قرينة.\nونسب إلى بعض أئمة الحنفية أنّه احتج بظاهر الآية على أنّه لا قطع في سرقة مال المحارم مطلقا، لأنّها دلت على إباحة دخول دارهم بغير إذنهم، فلا يكون مالهم محرزا بالنسبة إليهم. وأنت تعلم أنّه لو سلّم أنّ ظاهر الآية يدلّ على إباحة دخول بيوت المحارم بغير إذن، فهذا الظاهر غير مراد قطعا، كما سبق على أنه يستلزم أنه لا قطع في سرقة مال الصديق، ولم يقل بذلك أحد.\nوالإجابة بأنّ الصديق إذا قصد أن يسرق مال صديقه انقلب عدوا غير سديدة، لأنّه في الظاهر صديق كما هو الفرض، ولا عبرة بنيته وقصده، فمال صديقه على هذا الرأي غير محرز بالنسبة إليه في ظاهر حاله، والشرائع إنما تجري ما ظهر من الحال، لا على ما بطن من المقاصد والسرائر.\nوأما قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فللمفسرين فيه رأيان:\nالأول: أنّه كلام متصل بما قبله، ومن تمامه، فحين نفى الحرج عنهم في الأكل","vol":"1","page":617},{"text":"نفسه أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل، فالجملة واقعة موقع الجواب عن سؤال نشأ مما قبلها، كأنّه قيل: هل نفي الحرج في الأكل من بيوت من ذكروا خاصّ بما إذا كان الأكل مع أهل تلك البيوت؟ فكان الجواب: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا.\nوالرأي الثاني: أنّه كلام منقطع عما قبله، سيق لبيان حكم آخر مماثل لما بيّن من قبل، وذلك أن قوما من العرب كانوا يتحرّجون أن يأكلوا طعامهم منفردين، وكان الرجل لا يأكل حتى يجد ضيفا يأكل معه، فإن لم يجد لم يأكل شيئا، وربما قعد الرجل منهم والطعام بين يديه لا يتناوله من الصباح إلى الرواح، وربما كانت معه الإبل الحفّل، فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل، قال حاتم الطائي:\nإذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا، فإنّي لست آكله وحدي\nوكذلك كان ناس منهم يتحرّجون أن يأكلوا مجتمعين، يخاف أحدهم إن أكل مع غيره أن يزيد أكله على أكل صاحبه.\nوكان آخرون إذا نزل بهم ضيف رأوا ألا يأكلوا إلا معه، ولو ترتب على ذلك لحوق الضرر بهم، وتعطيل مصالحهم، فنزلت الآية الكريمة لنفي الجناح عن الناس في أكلهم مجتمعين أو متفرقين، وتوسيع الأمر عليهم في ذلك، وبيان أنّ أمر الطعام ليس من العظم بحيث يحتاط فيه إلى هذا الحد وتراعى فيه هذه الاعتبارات الدقيقة المعنتة.\nوقد يقال: إنّ الآية حينئذ تسوّي بين أكل الرجل وحده وأكله مع غيره، مع أن الذي استقرت عليه الشريعة أن اجتماع الأيدي على الطعام سنة مستحسنة، وأن تركه بغير داع مذمة.\nوفي الحديث: «شر الناس من أكل وحده، وضرب عبده، ومنع رفده» .\nوالجواب أنّ الحديث محمول على من اعتاد الأكل وحده، والتزمه بخلا أن يشاركه أحد في طعامه. والآية تنفي الجناح عمن حصل منه ذلك اتفاقا، لا بخلا بالمشاركة، ولا كراهة في القرى.\nووجه آخر: وهو أنّ الحديث يذمّ من أكل وحده بأنه آثم، فهو لا يعارض الآية التي نفت الإثم عن الذي يأكل وحده.\nفَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً هذا بيان للأدب الذي ينبغي أن يراعى عند دخول بيوت الذين ذكروا من قبل. وهذا الحكم وإن كان معلوما من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها إلا أنه أعيد هنا لدفع ما عسى أن يتوهّم من أنّ الأقارب والأصدقاء بينهم من المودة ولحمة القرابة ما لا يحتاج معه إلى تبادل السلام والتحية، فكأنّ الآية تشير","vol":"1","page":618},{"text":"إلى أن القرابة والصداقة ليس معناهما إغفال الآداب العامة، وإهدار الحقوق الإسلامية، فإذا دخلت بيوت أقاربكم وأصدقائكم فلا بدّ أن تسلموا عليهم، لأنّهم منكم بمنزلة أنفسكم، فكأنّكم حين تسلمون عليهم تسلّمون على أنفسكم.\nهذا وأخرج جماعة عن ابن عباس أنّ المراد بالبيوت هنا المساجد، والسلام على الأنفس باق على ظاهره، ومن دخل المسجد فعليه أن يقول: السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.\nوروي عن عطاء أنّ المراد بالبيوت بيوت المخاطبين، فإذا دخل الرجل بيته قال: السلام علينا من ربنا إلخ.\nوعن أبي مسلم أنّ المراد بالبيوت بيوت الكفار، وداخلها يقول ما تقدم، أو يقول: السلام على من اتبع الهدى.\nوأنت تعلم أنّ الأنسب بالمقام هو الرأي الأول، وكلمة بيوتا وإن كانت نكرة في سياق الشرط، إلا أنّ الفاء في قوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ تؤذن بأن المراد بها البيوت المذكورة قبل. ومعنى كون التحية من عند الله أنها ثابتة بأمره تعالى، ومشروعة من لدنه ﷿.\nقال الضحاك: في السلام عشر حسنات ومع الرحمة عشرون، ومع البركات ثلاثون. وظاهر ذلك أنّ البادئ بالسلام يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nوأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله تعالى، سمعت الله تعالى يقول: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً فالتشهد في الصلاة التحيات المباركات الطيبات لله.\nكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي هكذا يفصّل الله لكم معالم دينكم، فيبينها لكم، كما فصّل في هذه الآية ما أحل لكم فيها، وعرّفكم سبيل الدخول على من تدخلون عليه لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لكي تفقهوا عن الله أمره ونهيه وأدبه.","vol":"1","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>من سورة لقمان</span>\nقال الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)\nالمختار عند أهل التأويل أنّ قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إلى آخر الآيتين كلام مستأنف من الله تعالى، جاء معترضا بين وصايا لقمان لابنه، ولهذا الاعتراض من البلاغة أحسن موقع، ذلك لأنّ الفائدة فيه توكيد ما تضمّنته أولى وصايا لقمان، وهو النهي عن الشرك، وتقرير أنّه ظلم عظيم، فإنه قيل: حقّا إنّ الشرك لمنهي عنه، وإنّه لظلم عظيم مهما كانت أسبابه، ومهما كان الحامل عليه، فمع أننا وصّينا الإنسان بوالديه أن يبرّهما، ويحسن إليهما، فقد نهيناه عن إطاعتهما في الشرك لو فرض أنهما طلباه منه بإلحاح وجهد.\nحَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ هذا اعتراض أيضا بين قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ وقوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ لبيان العلة في الوصية، أو في وجوب امتثالها. وقوله تعالى: وَهْنًا عَلى وَهْنٍ حال من فاعل حَمَلَتْهُ على التأويل بالمشتق، أي حملته أمه حال كونها ذات وهن على وهن، أي ذات ضعف على ضعف متتابع متزايد من حين الحمل إلى الوضع.\nوَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ الفصال الفطام، أي وفطامه يكون في انقضاء عامين، أي في أوّل زمان انقضائهما.\nاستدل العلماء غير أبي حنيفة بقوله تعالى: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ على أنّ مدة الرضاع الذي يتعلق به التحريم عامان، ومثل هذه الآية في ذلك قوله في سورة البقرة: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [البقرة: ٢٣٣] . وعلم [من] هذه [الآية] فائدة [فقد] استنبط علي وابن عباس وكثير غيرهما من قوله تعالى في سورة الأحقاف: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: ١٥] أنّ أقل مدة الحمل ستة أشهر.\nروي أنّ عثمان أمر برجم امرأة قد ولدت لستة أشهر، فقال له علي كرّم الله وجهه: قال الله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا وقال: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ.","vol":"1","page":620},{"text":"وروي أنّ عثمان ﵁ سأل الناس عن ذلك فقال له ابن عباس مثل ذلك، وأنّ عثمان رجع إلى قول علي وابن عباس، وحكى الجصاص «١» اتفاق أهل العلم على أنّ أقل مدة الحمل ستة أشهر.\nوذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن مدة الرضاع المحرّم ثلاثون شهرا «٢» . لقوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا وسنبينه إن شاء الله. ثم إنه ﵀ يحمل الآية التي معنا على الكثير الغالب في الفطام، إذ إنه لا يتجاوز به في العادة عامين، ويقول في آية البقرة إنها لبيان المدة التي تستحق فيها المطلقة أجرا على الإرضاع، إذ إنها لا تستحق أجرا فيما وراء العامين، وذلك لا ينفي أن يكون ما بعد العامين إلى تمام الثلاثين شهرا من مدة الرضاع المحرّم.\nوللحنفية في وجه الدلالة من قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا على مذهب الإمام طريقتان:\nالأولى: أنّه ذكر في الآية أمران متعاطفان أعقبا ببيان مدتهما، فتكون هذه المدة لكلّ من الأمرين استقلالا على ما يشهد به كلام الفقهاء في مثل قول المقرّ: عليّ لكلّ من فلان وفلان مئة إلى سنة أنّ السنة أجل كلّ من الدينين، فتكون الثلاثون شهرا مدة كل من الحمل والرضاع، غير أنّه قد ثبت في الحمل ما أوجب نقصه من الثلاثين شهرا، وهو ما روي عن عائشة ﵂ أنّ الولد لا يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين، ولو بقدر فلكة مغزل، ومثل هذا لا يقال بالرأي، فله حكم الحديث المرفوع، وإذا كان الأمر كذلك بقيت مدة الفصال على ظاهرها.\nوالطريقة الثانية: في معنى قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا هي أن ليس المراد بالحمل هنا حمل الجنين في البطن، بل حمل الولد بعد الولادة في مدة الرضاع، وحينئذ تكون المدة المضروبة في الآية إنما هي لشيء واحد، هو ذلك الحمل الذي ينتهي بالفصال.\nوأنت تعلم أن العلماء ومنهم أبو حنيفة متفقون فيما حكى الجصاص على أنّ أقل مدة الحمل ستة أشهر، وأنهم استنبطوا ذلك من قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا وقوله تعالى: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ.\nفتأويل الحنفية آية الأحقاف وحملهم لها على الوجهين المتقدمين ينافي ما اتفق عليه الفقهاء جميعا ويلزمهم حينئذ أحد أمرين: إما أن الإمام لم يوافق الجماعة في أنّ أقل\n_________\n(١) في كتابه أحكام القرآن (٣/ ٣٥١) .\n(٢) الهداية شرح بداية المبتدي للإمام المرغيناني (١- ٢/ ٢٤٣) .","vol":"1","page":621},{"text":"مدة الحمل ستة أشهر، وإما أن يكون له دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر غير هاتين الآيتين، ولا أظن شيئا من هذين اللازمين منقولا عن أبي حنيفة ﵀.\nأَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ أَنِ هنا على ما اختاره الزمخشري «١» وغيره تفسيرية، فما بعدها بيان لفعل التوصية، إذ هو متضمّن معنى القول. أي قلنا له: اشكر لي ولوالديك، وإنما وسّط الأمر بشكر الله تعالى مع أنّ الوصية في الآية مخصوصة بالوالدين، لإفادة أنّ لا يقع شكر الوالدين موقعه إلا بعد الشكر لله.\nفشكر الله تعالى حسن رعاية النّعم التي أنعم بها على الإنسان، وصرفها فيما خلقت له بالطاعة، وإخلاص العبادة لله، وفعل ما يرضيه. وشكر الوالدين إطاعتهما، وبرهما، والقيام بكل ما يرضيهما، إلا أنّ يكون فيه معصية لله.\nوعن سفيان بن عيينة: من صلّى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه في أدبارها فقد شكرهما. ولعل هذا بيان لبعض أفراد الشكر إِلَيَّ الْمَصِيرُ أي إنّ مرجع الناس جميعا في الآخرة إلى الله وحده، فهو الذي يحاسب العباد، ويجازيهم على ما قدّموا من أعمال.\nوهذا ظاهر في التهديد والتخويف من عاقبة المخالفة والعقوق والعصيان، كما هو وعد بالجزاء الحسن على امتثال أمر الله وطاعته وبر الوالدين وصلتهما.\nوَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما الجهاد والمجاهدة بذل الجهد، واستفراغ الوسع للوصول إلى الغرض. وهو هنا الإشراك بالله. وأراد سبحانه بنفي العلم نفي الشريك، أي لتشرك بي ما ليس بشيء، يريد الأصنام، كقوله سبحانه في شأنها ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [العنكبوت: ٤٢] .\nوَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا قيّد الصحبة بأنها في الدنيا. مع أنّ ذلك معروف، إذ الدنيا هي دار التكليف، لتهوين أمر الصحبة، والإشارة إلى أنّها في أيام قلائل، سريعة الانقضاء، فلا يضرّ تحمل مشقتها، لقلّة أيامها، ووشك انصرامها.\nو(المعروف) هنا ما يعرفه الشرع ويرتضيه، وما يقضي به الكرم والمروءة في إطعامهما وكسوتهما، وعدم جفائهما وانتهارهما، وعيادتهما إذا مرضا، ومواراتهما إذا ماتا، إلى ما هو معروف من خصال البر بهما وصلتهما.\nأبان قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إلى آخر الآيتين أنّ أمر الله بالإحسان إلى الوالدين عامّ في الوالدين المسلمين والكافرين، وأن طاعة الوالدين على أي دين كانا واجبة، إلّا إذا أمرا بمعصية، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأنّ طلب\n_________\n(١) في تفسيره الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٣/ ٤٩٤) .","vol":"1","page":622},{"text":"الوالدين من ولدهما الإشراك بالله لا يسوّغ له الشرك، ولا يعتبر إكراها يبيح النطق بكلمة الكفر تقية.\nودلّ قوله تعالى: وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا على أنّ الولد لا يستحق القود على أحد والديه، وأنّه لا يحد له إذا قذفه، ولا يحبس له بدين عليه، وأن على الولد نفقة كلّ منهما إذا احتاجا إليه، إذ كان جميع ذلك من الصحبة بالمعروف، وفعل ضده ينافي مصاحبتهما بالمعروف.\nوَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ أي اتبع سبيل من رجع إليّ بالتوحيد والإخلاص بالطاعة، لا سبيل والديك اللذين يأمرانك بالشرك.\nأخرج الواحدي «١» عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: يريد بمن أناب أبا بكر ﵁. فإنّ قوله تعالى: وَإِنْ جاهَداكَ إلخ نزل في سعد بن أبي وقاص ﵁. وإسلام سعد كان بسبب إسلام أبي بكر ﵁. وذلك كما روي عن ابن عباس أنه حين أسلم أبو بكر رآه سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، فقالوا لأبي بكر: آمنت وصدّقت محمدا ﷺ؟ فقال أبو بكر: نعم، فأتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدّقوا، فأنزل الله تعالى يقول لسعد: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني أبا بكر ﵁.\nوأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه كان يقول: من أناب هو محمد ﷺ، لكنّ جمهور المفسرين على أنّ المراد العموم، كما هو ظاهر اسم الموصول، ولذلك قالوا:\nإنّ قوله تعالى: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يدل على صحة إجماع المسلمين، وأنّه حجة لأمر الله تعالى إيانا باتباعهم. وهو مثل قوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥] .\nثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي إليّ مرجع من آمن منكم، ومن أشرك، ومن برّ، ومن عقّ، فأنبئكم عند رجوعكم بما كنتم تعملون بأن أجازي كلّا منكم بما صدر عنه من الخير والشر.\nوالجملة مقرّرة لما قبلها، ومؤكدة لوجوب الإحسان إلى الوالدين وبرهما وطاعتهما فيما يأمران به، ما دام ليس فيه معصية لله تعالى، فإذا أمرا بمعصية فلا طاعة لهما، لأنّه\n«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «٢» .\n_________\n(١) انظر أسباب النزول للإمام الواحدي النيسابوري صفحة (٣٦٣) .\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>من سورة الأحزاب</span>\nقال الله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)\nالمراد بالقلب هنا: المضغة الصنوبرية في داخل التجويف الصدري، والجعل الخلق، وإذا كان الرجل لم يخلق له قلبان- والرجل أكمل النوع الإنساني حياة- فأولى ألا يكون للأنثى قلبان، وأما الصبيان فمآلهم أن يكونوا رجالا، فالمعنى حينئذ:\nما خلق الله لأحد من الناس قلبين في جوفه، وكانت العرب تزعم أنّ كلّ لبيب أريب له قلبان، واشتهر أبو معمر الفهري بين أهل مكة بذي القلبين لقوة حفظه.\nتُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ نزل القرآن الكريم والعرب يعقلون من هذا التركيب (ظاهر من زوجته) أنه قال لها: «أنت عليّ كظهر أمّي» فهو نظير (لبّى) إذا قال: (لبيك) و(أفف) إذا قال: (أف) و(سبّح) إذا قال: (سبحان الله) و(كبّر) إذا قال: (الله أكبر) . فجاء الشرع فألحق بهذه الصيغة- «أنت عليّ كظهر أمّي» - في الحكم كلّ ما يدلّ على تشبيه الرجل زوجته أو جزءا منها بأنثى محرّمة عليه على التأبيد.\nوقد كان الظهار في الجاهلية طلاقا لا حلّ بعده برجعة ولا بعقد، لأنهم كانوا يجرون أحكام الأمومة على المظاهر منها، فأبطل الله هذه العادة، وجعل للظّهار أحكاما سوف يأتي بيانها في تفسير سورة المجادلة إن شاء الله.\nأَدْعِياءَكُمْ الأدعياء جمع دعي، وهو الذي يدعى ابنا وليس بابن، وقد كان التبني عادة فاشية في الجاهلية وصدر الإسلام، يتبنّى الرجل ولد غيره، فتجري عليه أحكام البنوّة كلّها. وقد تبنّى رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، وتبنّى حذيفة سالما مولاه، وتبنّى الخطاب- أبو عمر ﵁- عامر بن أبي ربيعة. وكثير من العرب تبنى ولد غيره، فجاء القرآن الكريم بإبطال هذا العمل وإلغائه.\nبيّنت الآية أنّ هذه الأمور الثلاثة باطلة لا حقيقة لها، فكون الرجل له قلبان أمر لا حقيقة له في الواقع. وجعل المظاهر منها أمّا أو كالأم في الحرمة المؤبّدة من","vol":"1","page":624},{"text":"مخترعات أهل الجاهلية، التي لم يستندوا فيها إلى مستند شرعي. وجعل المتبنى ابنا في جميع الأحكام مما لا حقيقة له في شرع ظاهر.\nولما كان أظهر هذه الأمور في البعد عن الحقيقة كون الرجل له قلبان قدّم الله جل شأنه قوله: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وضربه مثلا للظهار والتبني، أي كما لا يكون لرجل قلبان لا تكون المظاهر منها أما ولا المتبنّى ابنا.\nوقوله ﷿: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ الإشارة فيه إلى ما يفهم من الجمل الثلاث من كون الرجل له قلبان، وكون المظاهر منها أما والدعيّ ابنا. وزيادة قوله تعالى:\nبِأَفْواهِكُمْ للتنبيه على أنه قول صادر من الأفواه فقط، من غير أن يكون له مصداق أو حقيقة في الواقع ونفس الأمر، فلا يستتبع أحكاما كما يزعمون.\nوَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ أي فدعوا قولكم، وخذوا بقوله ﷿.\nادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ\nأخرج الشيخان والترمذي والنسائي «١» وغيرهم عن ابن عمر ﵄ أنّ زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ إلخ فقال النبي ﷺ: «أنت زيد بن حارثة بن شراحيل»\n. وكان من أمره ما\nرواه ابن مردويه عن ابن عباس «٢»\nأنّه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طيء، فأصيب في نهب من طيء، فقدم به سوق عكاظ.\nوانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوّق بها، فأوصته عمته خديجة أن يبتاع لها غلاما ظريفا عربيا إن قدر عليه، فلما قدم وجد زيدا يباع فيها، فأعجبه ظرفه، فابتاعه، فقدم به عليها، وقال لها: إني قد ابتعت لك غلاما ظريفا عربيا، فإن أعجبك فخذيه، وإلا فدعيه، فإنه قد أعجبني، فلما رأته خديجة أعجبها، فأخذته.\nفتزوجها الرسول ﷺ وهو عندها، فأعجب النبيّ ﷺ ظرفه، فاستوهبه منها، فقالت: أهبه لك، فإن أردت عتقه فالولاء لي، فأبى عليها الصلاة والسلام، فوهبته له إن شاء أعتق، وإن شاء أمسك.\nقال: فشب عند النبي ﷺ، ثم إنّه خرج في إبل لأبي طالب بأرض الشام، فمرّ بأرض قومه، فعرفه عمه، فقام إليه فقال: من أنت يا غلام؟ قال: غلام من أهل مكة.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ٨٨٤)، ٤٤- كتاب فضائل الصحابة، ١٠- باب فضائل زيد حديث رقم (٦٢/ ٢٤٢٥)، والبخاري في الصحيح (٦/ ٦)، ٦٥- كتاب التفسير، ٢- باب ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ حديث رقم (٤٧٨٢)، والترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٣٣٠)، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الأحزاب حديث رقم (٣٢٠٩) .\n(٢) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٥/ ١٨١- ١٨٢) .","vol":"1","page":625},{"text":"قال: من أنفسهم؟ قال: لا. قال: فحرّ أنت أم مملوك؟ قال: بل مملوك.\nقال: لمن؟\nقال: لمحمد بن عبد المطلب. فقال له: أعرابي أنت أم أعجمي؟ قال: عربي.\nقال: ممن أهلك؟.\nقال: من كلب. قال: من أي كلب؟ قال: من بني عبدون. قال: ويحك ابن من أنت؟ قال: ابن حارثة بن شراحيل. قال: وأين أصبت؟ قال: في أخوالي. قال:\nومن أخوالك؟ قال: طيء. قال: ما اسم أمك؟ قال: سعدى. فالتزمه وقال: ابن حارثة! ودعا أباه قال: يا حارثة هذا ابنك، فأتاه حارثة، فلما نظر إليه عرفه، كيف صنع مولاك إليك؟ قال: يؤثرني على أهله وولده، ورزقت منه حبّا فلا أصنع إلّا ما شئت، فركب معه أبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة، فلقوا رسول الله ﷺ، فقال له حارثة: يا محمد أنتم أهل حرم الله وجيرانه وعند بيته، تفكّون العاني، وتطعمون الأسير، ابني عبدك، فامنن علينا، وأحسن إلينا في فدائه، فإنّك ابن سيد قومه، وإنا سندفع إليك في الفداء ما أحببت.\nفقال رسول الله ﷺ: «أعطيكم خيرا من ذلك؟» قالوا: وما هو؟ قال: «أخيره، فإن اختاركم فخذوه بغير فداء، وإن اختارني فكفوا عنه» .\nفقالوا: جزاك الله خيرا فقد أحسنت.\nفدعاه رسول الله ﷺ فقال: «يا زيد أتعرف هؤلاء»؟ قال: نعم. هذا أبي وعمي وأخي.\nفقال ﵊: «فهم من قد عرفتهم، فإن اخترتهم فاذهب معهم، وإن اخترتني فأنا من تعلم» .\nفقال زيد: ما أنا بمختار عليك أحدا أبدا، أنت معي بمكان الوالد والعم.\nقال أبوه وعمه: أيا زيد أتختار العبودية؟ قال: ما أنا بمفارق هذا الرجل.\nفلما رأى رسول الله ﷺ حرصه عليه قال: «اشهدوا أنّه حر، وأنّه ابني يرثني وأرثه» .\nفطابت نفس أبيه وعمه لما رأوا من كرامة زيد عليه ﷺ، فلم يزل في الجاهلية يدعى زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ فدعي زيد بن حارثة.\nهُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي دعاؤهم لآبائهم، ونسبتهم إليهم بالغ في العدل والصدق، وزائد فيه في حكم الله تعالى وقضائه. فأفعل التفضيل ليس على بابه، بل قصد به الزيادة مطلقا، ويجوز أن يكون على بابه، جاريا على سبيل التهكم بهم.\nفَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ أي فهم إخوانكم في الدين ومَوالِيكُمْ","vol":"1","page":626},{"text":"أي وهم مواليكم في الدين أيضا، فليقل أحدكم: يا أخي أو يا مولاي، يقصد بذلك الأخوة والولاية في الدين.\nوَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ظاهر السياق أن المراد نفي الجناح عنهم فيما أخطؤوا به من التبني، وإثبات الجناح عليهم فيما تعمدت قلوبهم من التبني أيضا.\nوالقائلون بهذا الظاهر مختلفون في المراد بالخطأ ما هو؟\nفأخرج ابن جرير «١» وغيره عن مجاهد أنّ المراد بالخطأ الذي رفع عنهم فيه الإثم هو تسميتهم الأدعياء أبناء قبل ورود النهي. وأنّ العمد الذي ثبت فيه الإثم عليهم هو ما كان من ذلك بعد النهي، فالخطأ هنا معناه الجهل بالحكم.\nوأخرج ابن جرير «٢» وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: لو دعوت رجلا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه، لم يكن عليك بأس، ولكن ما تعمّدت وقصدت دعاءه لغير أبيه.\nأي فعليك فيه الإثم، فعلى رأي مقاتل يكون المراد بالخطأ مقابل العمد. وكلا الأمرين بعد ورود النهي.\nوأجاز بعض المفسرين أن يراد العموم في فِيما أَخْطَأْتُمْ وفي ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ويكون معنى قوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ إلخ نفي الجناح عنهم في الخطأ كله دون العمد، فيتناول ذلك لعمومه خطأ التبني وعمده. والكلام حينئذ وارد في العفو عن الخطأ، كما في\nقوله ﷺ: «إنّ الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» أخرجه ابن ماجه «٣» من حديث ابن عباس.\nوكما في\nحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إني لست أخاف عليكم الخطأ، ولكن أخاف عليكم العمد» أخرجه ابن مردويه «٤» .\nوَكانَ اللَّهُ غَفُورًا فيغفر لمن تعمّد قلبه الإثم إذا تاب رَحِيمًا من رحمته أنّه رفع الإثم عن المخطئ، ولم يؤاخذه على خطئه.\nوظاهر الآية يدلّ على أنه يحرم على الإنسان أن يتعمّد دعوة الولد لغير أبيه، وذلك محمول على ما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية. وأمّا إذا لم تكن كذلك، كما يقول الكبير للصغير على سبيل التحنن والشفقة: با بني. وكثيرا ما يقع ذلك، فالظاهر عدم الحرمة.\n_________\n(١) و(٢) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢١/ ٧٦) .\n(٣) رواه ابن ماجه في السنن (١/ ٦٥٩)، ١٠- كتاب الطلاق، ١٦- باب طلاق المكره حديث رقم (٢٠٤٥) . [.....]\n(٤) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام السيوطي (٥/ ١٨٢) .","vol":"1","page":627},{"text":"ولكن أفتى بعض العلماء بكراهته سدا لباب التشبه بالكفار. ولا فرق في ذلك بين كون المدعو ذكرا أو كونه أنثى. وإن لم يعلم علم اليقين وقوع التبني للإناث في الجاهلية.\nومثل دعاء الولد لغير أبيه انتساب الشخص إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه، وعدّ ذلك كثير من العلماء في الكبائر. وهو محمول أيضا على ما إذا كان الانتساب على الوجه الذي كان في الجاهلية، فقد كان الرجل منهم ينتسب إلى غير أبيه وعشيرته، وقد ورد في هذا الادعاء الوعيد الشديد.\nأخرج الشيخان وأبو داود «١» عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنّه غير أبيه فالجنة عليه حرام» .\nوأخرج الشيخان «٢» أيضا: «من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» .\nوأخرجا «٣» أيضا: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلم إلا كفر» .\nوأخرج الطبراني في «الصغير» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «كفر من تبرّأ من نسب وإن دقّ، أو ادعى نسبا لا يعرف» «٤» .\nقال العلماء في معنى «كفر» هنا أنّه إن كان يعتقد إباحة ذلك فقد كفر وخرج عن الإسلام. وإن لم يعتقد إباحته ففي معنى كفره وجهان:\nأحدهما: أنه أشبه فعله فعل الكفار أهل الجاهلية.\nوالثاني: أنّه كافر نعمة الله والإسلام عليه.\nوكذلك قوله في الحديث الآخر «فليس منا» أي إن اعتقد جوازه خرج عن الإسلام، وإن لم يعتقد جوازه فالمعنى: أنّه لم يتخلّق بأخلاقنا.\nوليس الاستلحاق الذي أباحه الإسلام من التبني المنهي عنه في شيء، فإن من شرط الحل في الاستلحاق الشرعي أن يعلم المستلحق- بكسر الحاء- أن المستلحق- بفتحها- ابنه، أو يظن ذلك ظنا قويا، وحينئذ شرع له الإسلام استلحاقه، وأحلّه له، وأثبت نسبه منه بشروط مبيّنة في كتب الفروع.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٨٠)، ١- كتاب الإيمان حديث رقم (١١٤/ ٦٣)، والبخاري في الصحيح (٨/ ١٥)، ٨٥- كتاب الفرائض، ٢٩- باب من ادعى حديث رقم (٦٧٦٦) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١١٤٧)، ٢٠- كتاب العتق، ٤- تحريم تولي العتيق حديث رقم (١٣٧٠) (بلفظ مختلف)، والبخاري في الصحيح (٢/ ٢٦٩)، ٢٩- كتاب فضائل المدينة، ١- باب حرم المدينة حديث رقم (١٨٧٠) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٨٠)، ١- كتاب الإيمان، ٢٧- باب حديث رقم (١١٣/ ٦٢)، والبخاري في الصحيح (٨/ ١٥)، ٨- كتاب الفرائض، ٢١- باب من ادعى حديث رقم (٦٧٦٨) .\n(٤) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ٩١٦)، ٣- كتاب الفرائض، ١٣- باب من أنكر ولده، حديث رقم (٢٧٤٤) .","vol":"1","page":628},{"text":"أما التبنّي المنهي عنه، فهو دعوى الولد مع القطع بأنّه ليس ابنه، وأين هذا من ذاك؟\nوظاهر الآية أيضا أنّه يباح أن يقال في دعاء من لم يعرف أبوه: يا أخي، أو يا مولاي، إذا قصد الأخوة في الدين، والولاية فيه، لكنّ بعض العلماء خصّ ذلك بما إذا لم يكن المدعو فاسقا، وكان دعاؤه بيا أخي أو يا مولاي تعظيما له، فإنه يكون حراما، لأننا نهينا عن تعظيم الفاسق، فمثل هذا يدعى باسمه، أو بيا عبد الله، أو يا هذا. مثلا.\nقال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٦) لعلّك ترى زيدا قد تصيبه وحشة من أنّه صار لا يدعى بعد الآن زيد بن محمد، خصوصا بعد أن كان من أمر أبيه وعمه في النبي ﷺ، لأنّه قد يرى في تخلّي النبي عن أبوته حطّا من قدره بين الناس، وقد كان هو يعتز بهذه الدعوة، لأنها تكسبه جاها عريضا ينفعه في الدنيا والآخرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية تسلية لزيد، ولبيان أنّ النبي ﷺ إن تخلى عن أبوة زيد فإلى الولاية العامة، والرأفة الشاملة التي تعم المسلمين جميعا لا تفريق بين ابن الصلب وغيره، فهو يرعاهم حق الرعاية، ويهديهم طريقا إن اتبعوه لن يضلوا بعده أبدا. وما كانت أبوته لزيد أو لأحد غيره بزائدة في ذلك شيئا، ولن ينقص زيد بتخلّي النبي عن أبوته شيئا فالرسول أولى وأحق بكل المؤمنين من أنفسهم، فهو الآمر الناهي بما يحقّق للناس سعادتهم في الدنيا والآخرة، والحفيظ على مصالحهم، لا يضيّع شيئا، وقد تأمر النفس بالسوء؟ أما الرسول فهو الذي يوحى إليه، لا ينطق عن هوى، ولا يهدي إلا إلى الخير.\nولم يذكر في الآية ما تكون فيه الأولوية، بل أطلقت إطلاقا ليفيد ذلك أولويته في جميع الأمور، ثم إنّه ما دام أولى من النفس، فهو ولى من جميع الناس بطريق الأولى.\nوقد روى البخاري «١» وغيره عن أبي هريرة ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فأيّما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني، فأنا مولاه»\n. وقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ أي منزلات منزلة الأمهات في تحريم نكاحهن،\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ١١٦)، ٤٣- كتاب الاستقراض، ١١- باب الصلاة على من ترك دينا حديث رقم (٢٣٩٩) .","vol":"1","page":629},{"text":"واستحقاق تعظيمهن، وأما في غير ذلك، فهنّ أجنبيات، فلا يقال لبناتهم أخوات المؤمنين، ولا يحرمن على المؤمنين.\nومن أجل هذا قالت السيدة عائشة لمن قالت لها يا أمه: أنا أمّ رجالكم لا أم نسائكم.\nثم الظاهر، أنّ المراد من أزواجه كل من وقع عليها اسم الزوج، سواء من طلّقها ومن لم يطلقها، فيثبت الحكم للجميع، فلا يحل نكاح أحد منهنّ حتى المطلقة، وقيل لا يثبت هذا الحكم لمن فارقها ﵊ في الحياة، كالمستعيذة «١»، وصحح إمام الحرمين وغيره قصر التحريم على المدخول بها فقط.\nوقد روي أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر ﵁ فهم برجمه فأخبره أنها لم تكن مدخولا بها فكف عنه. وفي رواية أنّه همّ برجمها، فقالت: ولم هذا؟ وما ضرب عليّ حجاب، ولا سميت للمسلمين أمّا، فكفّ عنها.\nوأما التي اختارت الدنيا منهنّ حين نزلت آية التخيير الآتية فقد ذكر بعض العلماء أنّ الخلاف الذي سمعت يجري فيها كذلك.\nواختار الرازي والغزالي القطع بالحل.\nوَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ الظاهر أنّ المراد بأولي الأرحام ذوو القرابات مطلقا، سواء كانوا أصحاب فروض أم عصبات أم ذوي أرحام. فالمراد من الآية الكريمة أنّ أصحاب القرابة أيّا كان نوعها أولى من غيرهم بمنافع بعض، أو بميراث بعض، على ما سيأتي من القول فيه.\nوقوله: فِي كِتابِ اللَّهِ المراد منه ما كتبه في اللوح المحفوظ، أو ما أنزله في القرآن من آية المواريث وغيرها، كآية الأنفال، أو المراد بكتاب الله ما كتبه وفرضه وقدّره، سواء أكان ذلك الفرض في القرآن أو في غيره.\nقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ يحتمل أن يكون راجعا إلى أولي الأرحام والمعنى:\nوأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض في النفع أو في الميراث، وقد قال بجواز هذا صاحب «الكشاف» «٢» . ويحتمل أن يكون قوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ متعلقا بأولي، والمعنى: وأولو الأرحام بعضهم أولى من المؤمنين والمهاجرين بنفع بعض، أو بميراث بعض، ويكون هذا إبطالا لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة والنصرة، على نحو ما جاء في آخر سورة الأنفال من\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٠٠)، ٦٨- كتاب الطلاق، ٣- باب من طلّق حديث رقم (٥٢٥٥) .\n(٢) انظر الكشاف للإمام الزمخشري (٣/ ٥٢٤) .","vol":"1","page":630},{"text":"قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) [الأنفال: ٧٢- ٧٥] .\nفأنت ترى أنّه كان هناك توارث بالهجرة والنصرة، ثم نسخ، وتأكّد النسخ\nبقوله ﵊: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» «١»\nوظاهر أنّ النفي لا يراد منه نفي حقيقة الهجرة، وترك بلد إلى آخر، فذلك موجود بعد الفتح، ويوجد كل يوم، بل المراد نفي الأحكام التي كانت تترتب على الهجرة كالتوارث بها، وحينئذ يكون معنى قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ أنّ التوارث الذي كان سبب الهجرة قد بطل، وصار التوارث بالرحم.\nإِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا يحتمل أن يكون الاستثناء هنا متصلا، ويحتمل أن يكون منقطعا.\nفعلى الأول: يكون استثناء من أعم الأحوال التي تقدر الأولوية فيها كالنفع، فإنّه يتنوع إلى ميراث وصدقة وهدية ووصية، وغير ذلك، ويكون المعنى: أن أولي الأرحام أولى بجميع وجوه النفع من غيرهم من المؤمنين والمهاجرين، إلّا أن يكون لكم في هؤلاء ولي تريدون أن توصوا إليه، وتسدوا إليه معروفا، فذلك جائز، ويكون هو أولى بذلك المعروف من ذوي الأرحام، فإنّ الوصية لا تجوز لهم إلا برضاء الورثة.\nوعلى الثاني: وهو أن الاستثناء منقطع فتجعل ما فيه الأولوية هو الميراث فقط، وهو المستثنى منه، ويكون فعل المعروف وهو المستثنى الوصية.\nولا شك أنّهما جنسان، وتخصيص ما فيه الأولوية بالميراث مفهوم من الكلام، إذ المسلمون جميعا بعضهم أولى ببعض في التناصر والتواصل والتراحم، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.\nوقد يكون بعض وجوه النفع الأجانب فيها أولى من ذي الرحم، فإنّ الصدقات يأخذها الفقراء وإن كانوا أجانب، ويحرم منها الأغنياء وإن كانوا أقارب.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٤٨٨)، ٣٣- كتاب الإمارة، ٢٠- باب المبايعة حديث رقم (٨٦/ ١٨٦٤) .","vol":"1","page":631},{"text":"والشيء الوحيد الذي يكون فيه ذو الرحم أولى من غيره هو الميراث، ويكون المعنى على هذا كأنه قيل: لا تورثوا غير ذي رحم، لكن أن تسدوا إلى أوليائكم المؤمنين والمهاجرين معروفا، فذلك جائز: بل هم أحق بالوصية من ذوي الأرحام.\nوترى أنّا قد فسرنا الأولياء في قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا بالأولياء من المؤمنين والمهاجرين، وذلك جريا على ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن الآية في ترك التوارث بالهجرة والمؤاخاة، ويكون هذا تمشيا مع ما أسلفناه من أنّ (من) في قوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ داخلة في المفضل عليه.\nوروي عن بعضهم أن الآية نزلت في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني، ويكون معنى الآية أولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى بميراث بعض، إلا إذا كان لكم أولياء من غيرهم، فيجوز أن توصوا إليهم، وهذا الوجه مروي عن محمد بن الحنفية وغيره.\nكانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا كان هذا الحكم الذي دلت عليه الآيتان مثبتا بالأسطار في القرآن، أو حقا مثبتا عند الله لا يمحى.\nترى مما تقدم أنّا قد فسرنا (أولي الأرحام) بذوي القرابة مطلقا، أيا كان نوعهم، وقد نقل الفخر الرازي أنّ الإمام الشافعي ﵁ فسّرها بذلك، وتبعه في هذا أبو بكر الرازي من الحنفية. ثم هو بعد ذلك يردّ فيها دليلا للحنفية على توريث ذوي الأرحام من حيث إنّ الآية قد أريد منها هذا النوع الخاص من الوارثين، بل من حيث إنّ الآية اقتضت أنّ ذا القرابة مطلقا أولى من غيره. وأما تقديم بعض ذوي القرابة على بعض فهذا به أدلته الخاصة، ويقتضي ذلك أن يكون ذو الرحم وهو الصنف الذي يدلي إلى الميت بواسطة الأنثى أولى من بيت المال، فتكون الآية حجة على من قدّم بيت المال عليهم.\nوقد اختلف العلماء في تقديم ذوي الأرحام على مولى العتاقة. فذهب بعضهم إلى أنّ ذا الرحم أولى، وهو يروى عن ابن مسعود، وظاهر الآية يساعده.\nويرى بعضهم أنّ مولى العتاقة مقدم على ذوي الأرحام، وهو مرويّ عن كثير من الصحابة، بل زعم الجصاص أنّه مذهب سائر الصحابة، وقد روي عن ابنه حمزة أعتقت عبدا ومات، وترك بنتا، فجعل النبي ﷺ نصف ميراثه لابنته، ونصفه لابنة حمزة، ولم يقل لنا الرواة هل كان للميت ذو رحم حتى يتم الدليل؟\nوهذا إن صح يدلّ أيضا على أن مولى العتاقة أولى من الرد، وهذا لا يكون إلا إذا كان مولى العتاقة محسوبا من العصبات، والعصبات أولى بالميراث من غيرهم، وقد روي أنّ النبي جعل ابنة حمزة عصبة لمولاها،\nوقد ورد أن النبي ﷺ قال: «الولاء لحمة كلحمة النّسب» .","vol":"1","page":632},{"text":"وللمخالف أن يقول: إن التشبيه يقتضي مطلق الاستحقاق، فأين تقديمه على غيره.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٤٩)\nلا خلاف بين العلماء في أنّ المراد بالنكاح هنا العقد، ولا خلاف بينهم أيضا في أنّ قيد الإيمان هنا ليس للاحتراز، بل لمراعاة الغالب من حال المؤمنين أنّهم لا يتزوجون إلا بمؤمنات، وللإشارة إلى أنه ينبغي أن يقع اختيارهم في الزواج على المؤمنات.\nوكذلك اتفقوا على أنّه ليس المراد بالمس هنا حقيقته، وهي إلصاق اليد بالجسم، وإلا لزمت العدة فيما لو طلقها بعد أن مسها بيده من غير جماع ولا خلوة.\nولم يقل بذلك أحد. بل المراد بالمس الجماع، لشهرة الكناية به وبالمماسة والملامسة ونحوها عن الجماع في لسان الشرع.\nوالعدة شرعا المدة التي تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها من الحمل، أو للتعبّد، أو للتفجّع على زوج مات.\nومعنى تَعْتَدُّونَها تعدونها عليهن، أو تستوفون عددها عليهن.\nوالمتعة في الأصل الاستمتاع، وما يتمتع به، وفي لسان أهل الشرع ما يعطيه الزوج لمطلقته إرضاء لها، وتخفيفا من شدة وقع الطلاق عليها. وبيان مقدار المتعة ونوعها قد تكفّلت به كتب الفروع.\nوأصل التسريح إرسال الماشية لترعى السرح، وهو شجر عظيم ذو ثمر. ثم توسع في التسريح، فجعل لكل إرسال في الرعي، ثم لكل إرسال وإخراج. والمراد به هنا تركهن وعدم حبسهن في منزل الزوجية، إذ لا سبيل للرجال عليهن بعد طلاقهن.\nوالسراح الجميل يكون بمجاملتهن بالقول اللين، وترك أذاهن، وعدم حرمانهن مما وجب لهن من حقوق.\nأخذ بعض العلماء من قوله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ أنّه لا طلاق قبل النكاح، فقول الرجل: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو إن تزوجت فلانة فهي طالق، لا يعدّ طلاقا، فإذا تزوج لم تطلق زوجته بهذه الصيغة التي صدرت منه قبل النكاح، سواء أخصّ أم عمّ، وسواء أنجز أم علّق.\nوقد أخرج جماعة عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن ذلك فقال: هو ليس بشيء، فقيل له: إنّ ابن مسعود كان يقول: إن طلق ما لم ينكح فهو جائز، فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن، لو كان كما قال لقال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن ولكن إنما قال: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ\nوقد ذكر في «الدر المنثور» وغيره من رواية علي وجابر ومعاذ وغيرهم ﵃","vol":"1","page":633},{"text":"عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا طلاق قبل نكاح» «١»\nوهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو مذهب الشافعي وأحمد.\nوقال الحنفية: الطلاق يعتمد الملك أو الإضافة إليه، لكنه في حال الإضافة إلى الملك يبقى معلّقا، حتى يحصل شرطه الذي هو الملك، فإذا قال للأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، كان هذا تعليقا صحيحا للطلاق على شرط النكاح، فإذا حصل هذا الشرط وقع الطلاق على فوره، وكان طلاقا في الملك بالضرورة، فكأنّه أنجزه عليها حينذاك.\nوالفرق واضح بين تنجيز الطلاق على الأجنبية، وبين تعليق طلاقها على نكاحها، فإنّ الأول طلاق لم يحصل في الملك، ولم يكن مضافا إليه. أما الثاني فإنّ وقوعه لا بد أن يصادف الملك حيث كان معلقا عليه. والحنفية لا يشترطون في التعليق على الملك أن يكون صريحا بصيغة من الصيغ المعهودة في التعليق، بل المعوّل عليه عندهم أن يكون المعنى على التعليق، فلا فرق عندهم بين التعليق اللفظي كأن يقال:\nإن تزوجت فلانة فهي طالق. والتعليق المعنوي مثل: كل امرأة أتزوجها طالق. غير أنّهم يشترطون في التعليق المعنوي ألا تكون المرأة معيّنة بالاسم أو بالإشارة مثل:\nفلانة التي أتزوجها طالق، وهذه المرأة الحاضرة التي أتزوجها طالق، فإنّ تعيين المرأة بالاسم أو بالإشارة يضعف معنى التعليق، فتلتحق هاتان الصورتان وما أشبههما بالطلاق الناجز، والطلاق الناجز لا يقع في غير الملك بالاتفاق.\nوقد حكي عن مالك ﵁ أنّه إن عمّ لم يقع، وإن سمّى شيئا بعينه امرأة أو جامعة إلى أجل وقع.\nوحكي عنه أيضا أنه إذا ضرب لذلك أجلا يعلم أنه لا يبلغه كأن قال: إن تزوجت امرأة إلى مئة سنة لم يلزمه شيء، وهذا الذي حكيناه عن الحنفية والمالكية منقول عن كثير من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين، على اختلاف في التفصيل، ليس هذا محل ذكره.\nويقول أصحاب هذا الرأي: إنّ قوله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ لا ينافي ما ذهبنا إليه، بل إنه ظاهر الدلالة على صحة قولنا، لأنّ الآية حكمت بصحة وقوع الطلاق بعد النكاح. ومن قال لأجنبية: إذا تزوجتك فأنت مطلّقة، فهي طالق بعد النكاح، فوجب بظاهر الآية إيقاع طلاقه، وإثبات حكم لفظه.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه في السنن (١/ ٦٦٠)، ١٠- كتاب الطلاق، ١٧- باب لا طلاق قبل النكاح حديث رقم (٢٠٤٨) .","vol":"1","page":634},{"text":"وأما\nقوله ﷺ: «لا طلاق قبل نكاح» «١»\n- فبعد تسليم صحته- لا ينافي ما ذهبنا إليه، لأنّ من ذكرنا مطلّق بعد النكاح.\nوقد روي عن الزهري في هذا الحديث إنما هو أن يذكر للرجل المرأة، فيقال له: تزوجها. فيقول: هي طالق البتة، فهذا ليس بشىء. فأمّا من قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق البتة فإنما طلقها حين تزوجها.\nثم إنّ عطف الطلاق في الآية على النكاح ب ثُمَّ لا يدل على أنّ الحكم خاص بالحالة التي يتراخى فيها الطلاق عن النكاح، فإنه لا فرق بين أن يقع متراخيا، وأن يقع على الفور، بل عدم الاعتداد في صورة الفورية أولى منه في صورة التراخي.\nوعلى هذا يكون التعبير ب ثُمَّ للتنصيص على الحكم في الصورة التي قد يتوهم فيها وجوب العدة، لطول المدة التي هي مظنة الملاقاة والمباشرة. وهذا ظاهر إذا كانت كلمة ثُمَّ باقية على معناها الوضعي، مفيدة للتراخي الزماني.\nويصحّ أن يراد منها التراخي في الرتبة وبعد المنزلة، فيستفاد منها أنّ مرتبة الطلاق بعيدة عن مرتبة النكاح، إذ إنّ النكاح تترتب عليه منافع كثيرة، ويثمر ثمرات طيبة. فأما الطلاق فإنّه يحل العقدة، ويفصم العروة، ويبطل ما بين الزوجين وأقاربهما من روابط وصلات. ولهذا قال بعض الفقهاء: إنّ الآية ترشد إلى أنّ الأصل في الطلاق الحظر، وأنّه لا يباح إلا إذا فسدت الزوجية، ولم تفلح وسائل الإصلاح بين الزوجين.\nوظاهر التقييد بعدم المس- الذي عرفت أنّه كناية عن الجماع- أنّ الخلوة ولو كانت صحيحة لا توجب ما يوجبه الجماع من العدة بعد الطلاق، وهو قول الشافعي في الجديد. أما الحنفية والمالكية الذين يقولون بأنّ الخلوة الصحيحة كالجماع فمن العسير جدّا أن تحمل الآية على محمل يساعدهم. وقد حاول بعضهم أن يجعل المس كناية عن الخلوة أو عما يشمل الخلوة والجماع، ولكنّ ذلك بعيد، إذ لم يعرف، ولم يشتهر إطلاق المس على الخلوة.\nوإذا فوجوب العدة بالخلوة عند من يقول بذلك لا بد له من دليل آخر، وذلك\nقوله ﷺ فيما رواه الدارقطني والرازي في «أحكام القرآن» «من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل» .\nوقال ابن المنذر: إنّ هذا قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وجابر، ومعاذ، وروي عن زرارة بن أبي أوفى أنّه\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":635},{"text":"قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أرخى الستور، وأغلق الباب، فلها الصداق كاملا، وعليها العدة، دخل بها أو لم يدخل.\nهذا وقد اختلف علماء الحنفية بعد الاتفاق على وجوب العدة بالخلوة، فمنهم من يقول: إنّها واجبة قضاء وديانة، وإنّه لا يحل للمرأة أن تتزوج بزوج آخر قبل أن تعتدّ ما دامت الخلوة بالأول صحيحة، ولو من غير وقاع. ومنهم من يقول: إنّه يحل لها ذلك متى كان الزوج لم يواقعها، فأما في القضاء فلا اعتبار إلا بالظاهر.\nوظاهر الآية أيضا أنه لا عدة على المرأة المدخول بها إذا طلّقها زوجها رجعيا، أو أبانها بينونة صغرى ثم راجعها، أو عقد عليها قبل انقضاء عدتها، ثم طلقها قبل أن يمسها، إذ إنّ هذا الطلاق الثاني يصدق عليه أنه طلاق قبل المس، وبذلك قال أهل الظاهر. فليس عليها عدة جديدة للطلاق الثاني لأنّه طلاق قبل المس، كما أنّه ليس عليها أن تكمّل العدة الأولى، لأنّ الطلاق الثاني قد أبطل الطلاق الأول. ثم يكون لها نصف الصداق في صورة البينونة، والوجه فيه ظاهر.\nوقال بعض الفقهاء ومنهم عطاء والشافعي في أحد قوليه: إنّه يجب على المرأة في الصورتين أن تبني على عدة الطلاق الأول، وليس عليها أن تستأنف عدة جديدة، إذ الطلاق الثاني لا عدة له، ولكن لا ينبغي أن يبطل ما وجب بالطلاق الأول، فإنّه طلاق بعد دخول، يجب أن تراعى فيه حكمة الشارع في إيجاب الاعتداد، وعلى الزوج نصف الصداق في صورة البينونة، كما يقول أهل الظاهر.\nوقال أبو حنيفة وأبو يوسف والثوري والأوزاعي: أنّه يجب على المرأة أن تستأنف عدة جديدة في الصورتين، لأنّ الطلاق الثاني- وإن كان لم يفصل بينه وبين الرجعة أو العقد الثاني مسّ ولا خلوة- لا يصدق عليه أنه قد حصل قبل الدخول على الإطلاق، إذ المفروض أنّ المرأة كان مدخولا بها من قبل، وعلى الرجل في صورة البينونة مهر كامل لهذا الاعتبار.\nوأما المالكية فإنّهم يفرقون بين صورتي الرجعيّ والبائن.\nفيقولون في الأولى: إنّه يجب على المرأة أن تستأنف عدة كاملة، إذ أنّها في حكم الموطوءة بعد المراجعة.\nأما في صورة البائن فإنّ النكاح بعد البينونة عقدة جديدة، فالطلاق بعدها يصدق عليه أنه طلاق قبل الدخول، فلا يوجب عدة، لكنّه لا يصحّ أن يهدم ما وجب على المرأة بالطلاق، فعليها أن تكمل العدة الأولى، ولها على المطلّق نصف المهر. فهم يوافقون أبا حنيفة في صورة الطلاق الرجعي، فيوجبون عدة كاملة، ويخالفونه في صورة البائن فيوجبون نصف المهر، وإكمال عدة الطلاق الأول.","vol":"1","page":636},{"text":"وظاهر قوله تعالى: فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها أنّ العدة حيث تجب تكون حقا للمطلّق، وقد يقول بعض من يسير مع الظواهر: إنّ العدة حقّ خالص للمطلق، فإنّه يغار على ولده، ويعنيه ألا يسقى زرعه بماء غيره، وكون العدة لا تسقط إذا أسقطها المطلّق لا يدل على أنها لسيت حقه، إذ قد عهد في الشريعة حقوق لا يملك أصحابها إسقاطها كحق الإرث وحق الرجوع في الهبة وحق خيار الرؤية.\nلكن المشهور عند الفقهاء أنّ العدة ليست حقا خالصا للعبد، فإنّ منع الفساد باختلاط الأنساب من حقّ الشارع أيضا.\nفالراجح أن العدة تعلّق بها حقّ الله وحقّ العبد ولما كانت منفعتها عائدة على العبد، وكانت غيرة الرجل مظنة أن تدفعه إلى أن يحول بين المرأة وحريتها في أن تلتمس غيره من الأزواج، حتى في هذه الحالة التي لم يحصل فيها خلوة ولا وقاع، لما كان ذلك كذلك خاطبه الله ﷾ بأنه لا سبيل له على هذه المرأة، وأنه يجب عليه أن يخلي سبيلها بالمعروف، فلا يكون في الآية دلالة على أنّ العدة حق خالص للمطلق.\nوظاهر أنّ الضمير في قوله تعالى: فَمَتِّعُوهُنَّ راجع إلى المؤمنات اللاتي طلّقن قبل أن يمسسن، سواء أكن مفروضا لهنّ أم لا. فيكون ظاهر قوله تعالى: فَمَتِّعُوهُنَّ إيجاب المتعة للمطلقة قبل الدخول، سواء أفرض لها مهر أم لم يفرض، وبهذا الظاهر كان يقول الحسن وأبو العالية.\nوقد أخرج عبد بن حميد عن الحسن أيضا أنّ لكل مطلقة متاعا، سواء أدخل بها أم لم يدخل، وسواء أفرض لها أم لم يفرض.\nوظاهر هذه الرواية الوجوب في الكلّ عملا بظاهر قوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) [البقرة: ٢٤١] . ولكنّ قوله تعالى في سورة البقرة:\nوَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧] لم يجعل للتي طلقت قبل الدخول وقد فرض لها مهر إلا نصف ما فرض لها، ولم يجعل لها متعة، لأنّ وروده في مقابلة قوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) [البقرة: ٢٣٦] يجعله كالبيان لمفهوم القيد الذي هو عدم الفرض، فيكون كالصريح في أنّ التي طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر ليس لها متعة.\nوقد علمت أنّ ظاهر الآية التي معنا يوجب لها المتعة، فكان بين الآيتين تعارض في ظاهرهما: وللعلماء في دفع هذا التعارض طرق:\nفمنهم من جعل آية البقرة مخصّصة لآية الأحزاب التي معنا، أو ناسخة","vol":"1","page":637},{"text":"لعمومها، ويكون المعنى: فمتعوهن إن لم يكن مفروضا لهم [مهر عند عقد] النكاح.\nفوجوب المتعة المستفاد من قوله تعالى: فَمَتِّعُوهُنَّ خاصّ بمن لم يفرض لها من المطلقات قبل الدخول، دون من فرض لها، وبهذا قال ابن عباس، وهو مذهب الحنفية والشافعية. ويؤيّد ذلك أن المتعة إنما وجبت للمطلقة، لإيحاش الزوج إياها بالطلاق، فإذا وجب للمطلقة قبل الدخول نصف المهر كان ذلك جابرا للإيحاش، فلم تجب لها المتعة.\nومنهم من حمل المتعة في آية الأحزاب على العطاء مطلقا، فيعم نصف المفروض والمتعة المعروفة في الفقه، وتكون الآية قد تعرّضت لحكم المطلقة قبل الدخول في صورتيها، فأوجبت لها على المطلّق شيئا تتمتّع به، وتزول به وحشتها، إلا أن ذلك الشيء في صورة الفرض مقدّر بنصف المفروض بالنص، وفي صورة عدم الفرض غير مقدّر، فإن اتفقا على شيء فذاك، وإلا قدّرها القاضي بنظره واجتهاده، معتبرا حالهما إيسارا وإعسارا، وما يليق بنسب المرأة وكرامتها.\nومنه من حمل الأمر في قوله تعالى: فَمَتِّعُوهُنَّ على الإذن الشامل للوجوب والندب، مع بقاء المتعة على معناها المعروف، فتكون الآية قد تعرّضت لحكم المطلقة قبل الدخول في صورتيها أيضا، إلا أنّه في صورة عدم الفرض يكون التمتيع واجبا، لقوله تعالى في هذه الصورة بخصوصها: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ ... وفي صورة الفرض الصحيح يكون التمتيع مستحبّا، لأنّه من الفضل المندوب إليه بقوله تعالى في هذه الصورة بخصوصها: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ وقد تقدّم لك ما في ذلك في تفسير سورة البقرة.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) الكلام على ربط الآية بما قبلها واضح بيّن. فقد كان الكلام هناك في أنكحة المؤمنين. وأحكامها. وهنا في نساء النبي ﷺ اللاتي يحلّ له نكاحهن، وأحكام أخرى تتبع النكاح.\nوالمراد من الأجور هنا: المهور والصدقات. وسميت الصدقات أجورا في هذا الموضع وغيره من القرآن الكريم لما يظهر للناس بادئ الرأي أنّ في العقد تقابلا بين","vol":"1","page":638},{"text":"المنفعة والمهر. وذلك كاف في تصحيح إطلاق اسم الأجر على المهر، وقد قلنا في بادئ الرأي، لأنّ الله تعالى يقول: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) [النساء: ٤] والنحلة العطية.\nوإنك لترى الفقهاء قاطبة في مواضع كثيرة يقولون: المهر ليس في مقابلة البضع، ولا في مقابلة المنفعة، ولا هو في مقابلة الانتفاع، إنما هو بدل وعطية لإظهار خطر المحل وشرفه. على أنّك ترى أنّ حقيقة الأجرة لا تمشي مع المهر خطوات كثيرة، فالأجرة في مقابلة المنفعة تنقسم عليها، وتتجزأ معها بحسب الزمن، وليس كذلك المهر، حيث يجب نصفه بالطلاق بعد العقد قبل المس، ويجب كله في غير هذه، ولا عبرة بمرات الانتفاع كثرة وقلّة، بل المرة الواحدة كالذي لا يتناهى من المرات. وأنت تعرف أنّ الخلوة الصحيحة مرة واحدة توجب المهر كاملا عند الحنفية، فهل ترون أن الرجل انتفع، وأنّ انتفاعه تكرّر.\nوقد جاء في الآية الكريمة عدة قيود، ما أريد بواحد منها إلا التنبيه على الحالة الكريمة الفاضلة:\nمنها، وصف أزواج النبي ﷺ باللاتي آتى أجورهن، فإنه تنبيه على الحالة الكاملة، فإن الأكمل إيتاء المهر كاملا دون أن يتأخر منه شيء. وما الذي عليه الناس من تأخير بعض المهر إلا شيء أحدثه العرف، واقتضاه الحذر بعد أن فسد حال الناس، واقتضاه التغالي في المهور أو الظهور بمظهر المغالاة فيها. وإذا كان الفقهاء قد جعلوا للمرأة حقّ الامتناع من تمكين الزوج حتى تأخذ المهر كاملا. فلا يكون الأليق أن يدفع المهر كاملا حتى لا يظهر الرجل بمظهر من يريد استحلال الفروج بالمجان. ويقول العلماء: إنّ تعجيل المهور كان سنة السلف، لا يعرف منهم غيره، وقد شكا بعض الصحابة عدم قدرته على التزوج\nفقال له ﷺ: «أين درعك الحطمية» «١» .\nومنها أن تخصيص المملوكات بأن يكنّ من الفيء من هذا القبيل، فإنّ المملوكة إذا كانت غنيمة من أهل الحرب كانت أحلّ وأطيب مما يشترى من الجلب، لأن تلك ظاهرة الحال، معروفة النشأة.\nومن تلك القيود قيد الهجرة في قوله: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ولا شك أن من هاجرت مع النبي ﷺ أولى بشرف زوجية النبي ﷺ ممن عداها.\nوإنما قلنا الذي قلنا حتى لا نخوض فيما خاض فيه المفسرون من أشياء لا تغني من الحق شيئا، فقد حاولوا أن يأخذوا من قوله تعالى: اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ أن الممهورات من نساء النبي ﷺ قد أخذن مهرهنّ كلّه معجلا وأن تعجيل المهر كان\n_________\n(١) رواه النسائي في السنن (٥- ٦/ ٤٤٠)، كتاب النكاح، باب تحلة الخلوة حديث رقم (٣٣٧٥) .","vol":"1","page":639},{"text":"واجبا عليه. لماذا؟ لأن الفقهاء قالوا: إن المراد في حل من عدم التمكين حتى تأخذ المهر. ولو لم يعجّل النبيّ ﷺ مهور نسائه لكنّ في حل من حق الامتناع، وهو لو طلبهن ما كان لهن حق الامتناع، لأنه عصيان لأمر الرسول ﷺ هكذا يقرر المفسرون حكما: هو الوجوب على الرسول ﷺ، لأن الفقهاء قالوا، وبعد تسليم الذي قالوا، كيف يكون الامتناع في هذه الحالة معصية؟!! وهو مقرر بقاعدة شرعية هي التي نقلتموها عن الفقهاء!! وكذلك نريد أن نخرج مما خاضوا فيه من بحث أن المملوكات من غير الفيء هل كنّ حلالا له أو لا؟ وإنك لتعجب حين تراهم يقولون: هل كانت تحته مملوكات من غير هذا النوع أو لم يكن؟ ثم يقررون أنه لم يكن!! وإذا سئلوا عن مارية قالوا: إنّ هدية الحربيين بمنزلة الفيء. وكان خيرا لهم من هذا أن يبحثوا المسألة من الوجهة التاريخية، ولا يكتفوا بسرد رواية لا يعلم مدى صحتها إلا الله.\nوأعجب من هذا أنّك تسمعهم يروون أن من بين أزواجه زينب بنت خزيمة الأنصارية، وهي التي كانت تعرف بأمّ المساكين. ثم يخوضون في أنّ غير المهاجرات كنّ محرّمات عليه أولا قبل التحريم والتحليل.\nابحثوا الذي وقع واعرفوه، ثم قولوا: هل الذي وقع كان واجبا لا معدى عنه:\nأم كان التزاما للحالة الفضلى؟ هذا إذا ثبت أن جميع نسائه كن مهاجرات.\nوأشد عجبا من ذلك كله خوضهم في المراد بالأزواج اللاتي أحلّهن الله لنبيه ﷺ، فيقولون: هنّ من كنّ في عصمته: كعائشة وحفصة ممن تزوجها بمهر.\nويزعمون أن الذي يلجئهم إليه هو دفع التعارض بين هذا، وبين قوله تعالى بعد ذلك:\nلا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ.\nولو أنهم حملوا الإحلال على الإذن العام بالنكاح من هذه الأصناف الأربعة:\nالممهورات، والمملوكات، والأقارب، والواهبات أنفسهن من غير مهر، ثم يجيء قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ ملزما بالوقوف عند ما انتهى إليه من الزوجات لا يعدوهنّ، كما أباح النساء للناس، ثم بيّن لهم الوقوف عند الأربع من غير المحرمات بأسباب التحريم، لو أنهم فعلوا ذلك لما كان للذي ظنوه من التعارض أي أثر. ولما كانوا في حاجة إلى أن يحملوا بنات العم وبنات العمات على القرشيات، وبنات الخال وبنات الخالات على أقاربه من بني زهرة.\nولكنّ الذي ألجأهم إلى ذلك هو أنهم لم يجدوا في نسائه واحدة من بنات عمه، وبنات عماته لم يكن منهن إلا زينب، وهذا الذي ذهبوا إليه إن نفعهم في بنات العمومة لا","vol":"1","page":640},{"text":"يجدون له أثرا في بنات الخئولة، فهو لم يتزوج واحدة من بنات خاله وخالاته.\nولقد كان يغني عن هذا كله ذكر وصف القرابة، لكن الأمر ليس كما ذهب إليه المفسرون وإنما هو تعداد للأصناف التي يباح له أن يتزوج منها على الوجه الكامل.\nكما بيّن للناس ما فرضه عليهم في أزواجهم في غير هذا الموضع.\nولو تمشينا معهم إلى آخر الآية لما استطعنا أن نمشي في الواهبات أنفسهن، فقد نصوا على أنّ الصحيح أنه لم يكن فيمن كان تحته من النساء من وهبت نفسها، قال أبو بكر ابن العربي: وروي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: لم يكن عند النبي ﷺ امرأة موهوبة. وقد بيّنا الحديث الصحيح في مجيء المرأة إلى النبي ﷺ ووقوفها عليه، وهبتها نفسها له من طريق سهل وغيره في «الصحاح» وهو القدر الذي ثبت سنده وصحّ نقله. والذي يتحقق أنها لما قالت للنبي ﷺ: وهبت نفسي لك، فسكت عنها، حتى قام رجل فقال: زوجنيها يا رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة «١» . إلخ القصة انتهى ما أردنا نقله عن ابن العربي «٢» .\nوإلى هنا يتضح أنّ المراد بالإحلال: الإذن العام، والتوسعة في الزواج من هذه الأصناف، والإباحة له في أن يختار منهنّ من تقتضي الحكمة الزواج منها.\nولعلك بهذا الذي ذكرنا تستغني عن الكلام في تفسير الآية من جديد. فهو أن هناك أشياء تكلّم فيها المفسرون، لا نرى بأسا من التعرض لها قبل الكلام فيما ذكروا من أحكام، قالوا إنها تتصل بالآية:\nفقد عرض المفسرون للحكمة في إفراد العم والخال، وجمع العمة والخالة.\n- كما تكلموا عن الشرط الثاني إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها هل هو شرط في الشرط الأول، أو في مشروط الشرط الأول: وهو الإحلال.\n- ولقد تكلموا في قوله تعالى: خالِصَةً فقالوا: هل يرجع إلى المرأة المؤمنة، أو لما قبله جميعا، وسنذكر هذا على الترتيب فنقول.\nقال المفسرون: إن المراد من بنات العم والعمة: القرشيات، فإنّه يقال للقرشيين قربوا أن بعدوا أعمامه ﵊، ويقال للقرشيات قربن أم بعدن عماته.\nوالمراد من بنات الخال والخالة البنات من بني زهرة. إطلاق العم والعمة:\nعلى أقارب الشخص من جهة أبيه، والخالة والخال على الأقارب من جهة الأم، أمر جرى به العرف.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٤٠)، ١٦- كتاب النكاح، ١٣- باب الصداق حديث رقم (٧٦/ ١٤٢٥)، والبخاري في الصحيح (٦/ ١٦٨)، ٦٧- كتاب النكاح، ٥١- باب التزويج حديث رقم (٥١٤٩) .\n(٢) انظر أحكام القرآن للإمام ابن العربي (٣/ ١٥٤٦) . [.....]","vol":"1","page":641},{"text":"وقد كان تحت النبي ﷺ ست من القرشيات، ولم تكن تحته زهرية قط. وذلك يرشد إلى أنّ المراد من الإحلال الإذن في العقد على هؤلاء، دون أن يستدعي وقوعه.\nوإذا حمل العم والعمة على ما هو المعروف، وكذا الخال والخالة كان الإحلال أيضا مراد منه ذلك. لأنّه لم يكن من بنات أعمامه تحته أحد، وكذا من بنات خؤولته، ولم يكن من بنات عمته معه إلا زينب بنت جحش.\nثم قالوا في الحكمة في إفراد العم والخال وجمع العمة والخالة كلاما كثيرا، بل إنّ من العلماء من ألف في ذلك كتابا برأسه، فمنهم من زعم أن العم والخال لم يجمعا لوقوعهما على وزن المصدر، وهو لا يجمع.\nوقيل: بل إن عدم الجمع في العم والخال جاء على الأصل من إرادة العموم عند الإضافة، وأما العمة والخالة وإن كانتا مضافين فجمعا لمكان تاء الوحدة فيهما، وهي تأبى العموم في الظاهر وجمع الكل في سورة النور في قوله تعالى: أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ [النور: ٦١] لا يسأل عن علته، لمجيئه على الأصل في نسق واحد.\nويرى بعضهم أنّ الخطاب لما كان للنبي ﷺ، ولم يكن له إلا عمّ واحد تحل بناته له، وهو أبو طالب، أما حمزة والعباس فقد كانا أخويه من الرضاعة، فقد أفرد العم من أجل ذلك، وجمعت العمات لأنهنّ كثيرات.\nويرى البعض أن الذي جرى هنا من الإفراد في العم جرى على نحو مألوف العرب، فإنك لا تكاد تجد في كلام العرب العم مضافا إليه الابن أو البنت مفردين أو مجموعين إلا مفردا، كما قيل:\nإن بني عمك فيهم رماح.\nوكما قيل:\nقالت بنات العمّ يا سلمى.\nوجاء الكلام في الخال والخالة على مثاله، وفي هذا القدر كفاية.\nوأما الشرطان في قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها فقد قالوا: إنّ الشرط الثاني شرط في الأول، فتكون هبة المرأة نفسها لا تستلزم الحل إلّا إذا وجدت إرادة الاستنكاح، ويقولون: إنّ هذه الإرادة تكون جارية مجرى القبول، وإذا كانت السين والتاء للطلب، فتكون الإرادة بمعنى الرغبة التي تسبق العقد، ثم الهبة والاستنكاح يكون بعد.\nثم إنّهم يقرّرون هنا قاعدة حاصلها: أنّه إذا اجتمع شرطان فالثاني شرط في الأول متأخر عنه في اللفظ متقدم عليه في الوجود، وهذه القاعدة لو سلمت لهم لكان ذلك مخلّا بتفسير الإرادة بالقبول، لأن القبول لا يكون إلا بعد الإيجاب، وعلى ذلك يلزم","vol":"1","page":642},{"text":"أن يقال: إن القاعدة أغلبية، وأن الآية جرت على خلاف الغالب، ولكن من أين لهم هذه القاعدة؟ وما الذي يضرّ لو أنّ مجموع الشرطين جعلا قيدين في الإحلال، سبق الثاني في الوجود أو تأخر، خصوصا وقد ذهب إلى هذا الذي نقول طائفة كبيرة من العلماء في مقدمتهم إمام الحرمين.\nونحب أن نقول: إنّ أكثر العلماء على أنّ الهبة وقعت من كثير من النساء، وقد وردت روايات كثيرة في أشخاص الواهبات. غير أنّهم مع ذلك يصحّحون أنّه لم يكن تحته ﷺ امرأة وهبت نفسها.\nوقد أخرج ابن سعد أنّ ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبي ﷺ، ووهب نساء أنفسهنّ، فلم نسمع أنّ النبي ﷺ قبل منهن أحدا.\nوقد روى ابن جرير «١» وغيره عن ابن عباس أنه قال: لم يكن عند النبيّ ﷺ امرأة وهبت نفسها.\nوأما قوله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فقد ذهب بعضهم إلى أن (خالصة) منصوب على المصدرية. وقد جاء المصدر على هذا الوزن كثيرا: كالعافية، والكاذبة. ثم هو يرجع إلى إحلال الواهبة، أي أحللنا لك الواهبة يخلص لك ذلك خلوصا. وذهب بعضهم إلى أن (خالصة) حال من امرأة، أي أحللنا لك امرأة وهبت نفسها حال كونها خالصة لك، لا تحل لأحد بعدك.\nويرى البعض أنه راجع إلى جميع المحللات، والمعنى أحللنا لك كلّ ما تقدم على أن تختص بهن، لا يكون لأحد بعدك أن ينكحهن.\nوأما قوله تعالى: قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فهو جملة اعتراضية جيء بها لتوكيد مضمون الجملة قبلها. والمعنى: أن ما ذكرناه حكمك مع نسائك، وأما حكم أمتك مع نسائهم، فعندنا علمه، نبينه لهم على حسب ما تقضي به الحكمة والمصلحة في شأنهم.\nواحتيج إلى هذا هنا حتى لا يظنّ أنّ ما جاز للنبي ﷺ في أزواجه من الشؤون يجوز لأمته، وقد كان للنبي ﷺ في النكاح وفي التسري خصائص ليست لغيره، فهو يزيد في النساء إلى التسع، وغيره لا يباح له الزيادة على الأربع، واختص النبي ﷺ بنكاح الواهبات دون الناس.\nوالذي فرضه الله على الناس في أزواجهم ألا يجاوزوا أربعا من النساء، والولي، والشهود، والمهر، والنفقة، والكسوة، على ما في بعض ذلك من خلاف بين الفقهاء.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢٢/ ١٧) .","vol":"1","page":643},{"text":"وضّحته كتب الفروع، إلى غير ذلك مما فرض الله للناس في شأن الأزواج والمملوكات، مما اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون غير شأن النبي في النساء، وما علم الله أن فيه صلاح العباد في هذا الشأن أيضا.\nلِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ قيل متعلّق بأحللنا، وهو راجع إلى جميع ما ذكر.\nوالمعنى: أحللنا لك من آتيت أجورهنّ من النساء والمملوكات والأقارب والواهبة لندفع عنك الحرج الذي يلحقك فتتفرّغ لتبليغ الرسالة.\nوقيل: هو متعلق بخالصة، أو بعاملها، أي خصصناك بنكاح من وهبت نفسها لك، لكيلا يكون عليك حرج، فلا تبحث عن مهر، ولا تسعى في تدبيره.\nويروي بعض المحققين أنه متعلق بمحذوف، أي بينا هذا البيان حتى تخرج من الحرج، ومما يظن الناس تأثيمك فيه، ومتى علموا أنّك تصدر في الذي تفعل عن وحي ربك اندفع الذي ظنوا، وكفيت الاعتراض والتأثيم.\nوَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا يغفر للناس ما لا يمكنهم التحرز عنه، رحيما بهم، يدفع عنهم الحرج والعنت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>الأحكام</span>\nأحلّ الله تعالى لنبيه توسعة عليه، وتيسيرا له في نشر الرسالة، صنوفا من النساء، صنفا يدفع له المهر، وصنفا يتمتع به بملك اليمين، وصنفا من أقاربه، وصنفا رابعا ينكحه دون مهر، بعد أن تهب المرأة نفسها للنبي ﷺ ويتم القبول، وهذا خاصّ بالنبي ﷺ يجوز له، ولا يجوز لأحد من المؤمنين.\nذلك هو محصول الآية الكريمة على ما رجّحه العلماء من جعل الخصوصية في نكاح الهبة، وإن اختلفوا في مرجح الخصوصية في هذا النكاح على ما يأتي بيانه.\nوقد أراد الكرخي أن يأخذ من تسميته المهر أجرا في قوله تعالى: آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ حجة في عقد النكاح بلفظ الإجارة، ولم يتابعه سائر الحنفية في هذا الذي ذهب إليه. ولعلّ مستند الكرخي في هذا أنّ الله قد سمّى المهر أجرا، والأجر يجب بعقد يتحقّق بلفظ الإجارة، فيصح النكاح بلفظ الإجارة.\nوليس هذا يصح مستندا، فالحنفية وهم الذين يقولون: إنّ العبرة في العقود للمعاني، يقولون: إنّ معنى الإجارة يتنافى مع عقد النكاح، إذ النكاح مبني على الإطلاق، والتوقيت يبطله، وعقد الإجارة مبني على التوقيت، حتى لو أطلق المتعاقدان العقد عن التوقيت كان مؤقتا، ويتجدد العقد ساعة فساعة، فكيف يصحّ جعل ما هو موضوع للتوقيت دالا على ما يبطله التوقيت.","vol":"1","page":644},{"text":"وشيء آخر: وهو أنّ الإجارة عقد على المنافع بعوض. وبعبارة أخرى هي تمليك المنافع بعوض.\nويقول الحنفية وقد فرّعوا الفروع على ما قالوا: إنّ النكاح ليس عقد تمليك، وإنما هو استباحة، وهما مختلفان في الآثار.\nوفرق آخر: هو أنّ «١» الحنفية يصرّحون بأنّ المهر في النكاح ليس عوضا، وإنما هو عطية أوجبها الله تعالى إظهارا لخطر المحل، ولذلك صحّ النكاح مع النص فيه على ترك المهر، ويجب مهر المثل بالدخول، ولو كان عوضا لما صح تركه، فضلا عن النص عن الإسقاط، ولو سلّم أن النكاح يقتضي التمليك فلا يصح أن يعقد بلفظ الإجارة، حتى لا يلتبس الأمر بعقد المتعة الباطل، وما ينشأ اللبس إلا من لفظ الإجارة الدالّ على التوقيت.\nوما كانت تسمية المهر أجرا لتستلزم هذا الذي ذهب إليه الكرخي، وقد بينا لك فيما تقدم المسوّغ لهذا، وهو ما يبدو من شبه بين الأجر والمهر، والمسألة في هذا سهلة، فالحنفية كلهم على غير ما يرى الكرخي.\nومما جرى الخلاف فيه بين الفقهاء عقد النكاح بلفظ الهبة لغير النبي ﷺ. فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وزفر، ومحمد، والثوري، والحسن بن صالح: يجوز، ولها ما سمّى في العقد. ومهر المثل إن لم يسمّ شيء.\nوروى ابن القاسم عن مالك أنّ الهبة لا تحل بعد النبي ﷺ إن كانت هبة نكاح، وقال الشافعي ﵁: لا يصحّ النكاح بلفظ الهبة.\nوخلاف الفقهاء تابع لنزاع العلماء في معنى قوله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فذهب جماعة إلى أن الخصوصية والخلوص الوارد في الآية هو خلوص عقد النكاح بلفظ الهبة للنبي ﷺ ألا ترى كيف قال الله تعالى: لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وكيف قال: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها وقبل ذلك: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ وفي جميع ذلك من الإشارة ما يدلّ على أن إحلال المرأة من طريق الهبة كان خاصا بالنبي ﷺ.\nوذهب آخرون إلى الخلوص والخصوصية الواردة في الآية كان في نكاح الواهبة بغير مهر. أما عقد النكاح بلفظ الهبة فكان جائزا للنبي وأمته معه، لا خصوصية فيه، وهو مروي عن مجاهد، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وزعم الذاهبون إليه أنّ الآية تدلّ عليه، وذلك أنّ الله تعالى يقول: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ٢٠٦) .","vol":"1","page":645},{"text":"جعل الله العقد خالصا للنبي، وأضاف لفظ الهبة إلى المرأة، وأضاف إلى النبي ﷺ إرادة الاستنكاح، فدلت المخالفة بين الجانبين على أنّ المراد مدلول اللفظ الذي فيه جانب المرأة، وهو ما يدل عليه لفظ الهبة من ترك العوض.\nوأيضا فلو كانت الخصوصية راجعة للفظ الهبة لجاء في اللفظ الذي يكون في جانبه، أما خصوصية أن يكون عقده بلفظ الهبة من جانب المرأة دون أن يكون فيه إسقاط العوض فيكاد يكون غير مقبول.\nووجه آخر هو أن الله تعالى قال بعد ذلك: لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وذلك يشير ظاهرا إلى أن الخصوصية دفعت حرجا. وقصر النكاح على لفظ النكاح أو التزويج لا حرج فيه، إنما الحرج يكون في إلزام المهر، لأن ذلك يلزمه مشقة السعي في التحصيل، وهو مشغول بشؤون الرسالة، ويرجّح هذا الذي نقوله قول الله تعالى في أول الآية: آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ حيث يكون إحلال الهبة مقابلا له، فيكون المعنى أحللنا لك الممهورات وغير الممهورات.\nثم هم يسوقون في ذلك حديثا رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، عن محمد بن بشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تعيّر النساء اللاتي وهبن أنفسهنّ للنبي ﷺ، قالت: ألا تستحي أن تعرض نفسها بغير صداق؟ أنزل الله ﷿: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ قالت: إني أرى ربّك ﷿ يسارع لك في هواك «١» .\nويقولون بعد ذلك أنه قد ورد أن النبي ﷺ عقد على امرأة بلفظ التمليك لرجل على ما معه من القرآن،\nفقال: «ملكتكها بما معك من القرآن»\n، وذلك يدل على صحة عقد النكاح بلفظ يدل على التمليك، ولفظ الهبة يدل على التمليك، فصح عقد النكاح به.\nذلك مجمل ما يقال في الاستدلال للمجيزين على ما ذهبوا إليه، وما نراه يدل لهم.\nوإنا لنسألهم: أين وجدتم في الآية أنّ النكاح كان دون مهر؟ أليس في لفظ الهبة؟ فكيف يكون ما يدل عليه اللفظ خاصا به ﷺ، وليس شيء يدل عليه إلا اللفظ ومع ذلك فأنتم لا تقولون بجواز عقد النكاح بلفظ الهبة مع بقاء معناه، وهو ترك العوض. والذي في الآية ترك العوض مدلولا عليه بلفظ الهبة.\nفمن أين لكم الخصوصية في المعنى دون اللفظ؟ ومن أين لكم أنه يجوز عقد النكاح لغير النبي ﷺ بلفظ الهبة مع إيجاب المهر؟ فإن كنتم تريدون أنّ عقد النكاح بلفظ الهبة يصحّ من النبي ﷺ ومن غيره، وتريدون أن تأخذوه من الآية فخذوا جواز\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٨)، ٦٥- كتاب التفسير، ٧- باب تُرْجِي مَنْ تَشاءُ ... حديث رقم (٤٧٨٨)، وأحمد في المسند (٦/ ١٥٨) .","vol":"1","page":646},{"text":"ذلك للناس جميعا بكل ما دلّ عليه، وهو العقد بلفظ الهبة من غير مهر.\nأما أن تقولوا: إنّ العقد بلفظ الهبة جائز للناس جميعا ويجب المهر، فهو الذي لا نجد لكم سندا فيه.\nوكيف يكون السند، والله تعالى يقول: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ولا يمكن رجوع الخصوصية للمعنى إلا بعد أن يكون مستفادا من اللفظ، مدلولا عليه به، ولو أسقط لفظ الهبة من العقد استبعد إسقاط المهر، فالحقّ أنّ الخصوصية راجعة إلى ما كان من عقد النكاح بلفظ الهبة، مع ما يحمل من المعنى، وهو تمليك البضع بغير عوض.\nوما سقتم من حديث عائشة لا ينفعكم، فليس فيه إلا أنّ نكاح الواهبة كان بغير عوض، وعائشة إنما فهمت ذلك من لفظ الهبة.\nونحن نقول: إنّ الخصوصية كانت في عقد النكاح بلفظ الهبة ومعناه، أما عقده بلفظ الهبة وحده دون المعنى فلا نقول: إنّ الخصوصية راجعة إليه.\nوأما ما قلتم من أن النبيّ ﷺ عقد النكاح بلفظ التمليك، فهو بعد تسليم حجية الحديث المروي فيه لا يدلّ [على ما ذهبتم إليه] .\nوهناك رواية أخرى تدل على أن العقد كان بلفظ: «زوجتكها» «١» ولا دلالة فيما رويتم، فعقد النكاح بلفظ التمليك لا يفيد أن كل ما يدل على التمليك ينعقد به النكاح، ألا ترون أن لفظ الإجارة يدل على التمليك، وأنتم لا ترون النكاح ينعقد به، لما فيه من معنى يتنافى مع المقصود من النكاح، وهو أن الإجارة مبينة على التوقيت.\nوكذلك نحن نقول بعد أن نسلّم لكم أنّ صيغ العقود يصحّ القياس فيها: إنّ لفظ الهبة نصّ على ترك العوض، والنكاح لا بدّ فيه من العوض، وإن لم يذكر في العقد، فلا يصح أن يدل عليه بلفظ صريح في ترك العوض.\nهذا ما رأينا أن نذكره مما تكلم فيه المفسرون من الأحكام، وهناك أشياء أخرى عرض لها المفسرون: كالكلام على أعمام النبي، وعمّاته، وأخواله، وخالاته ومن وهبت نفسها من النساء، وما نرى أن نتابعهم فيه، لأنّ ذلك حتى بعد صحة ما يروى لا فائدة من ذكره [هاهنا] .\nقال الله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١) الإرجاء: التأخير والتنحية.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه في السنن (١/ ٦٠٨)، ٩- كتاب النكاح، ١٧- باب صداق النساء حديث رقم (١٨٨٩) .","vol":"1","page":647},{"text":"والإيواء: الضم والتقريب.\nوالابتغاء: الطلب.\nوالعزل: الإبعاد.\nاختلف في سبب نزول هذه الآية، فروى أبو رزين العقيلي أنّ نساء النبي ﷺ لمّا أشفقن أن يطلقهنّ رسول الله ﷺ قلن: يا رسول الله! اجعل لنا من نفسك ومالك ما شئت فكانت منهن: سودة بنت زمعة، وجويرية، وصفية، وميمونة، وأم حبيبة غير مقسوم لهنّ.\nوكان ممن آوى: عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة: يضمهن ويقسم لهن.\nوقيل كان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن الرجل أن يخطبها حتى يتزوجها رسول الله ﷺ، أو يتركها.\nويكون المعنى على ما روى أبو رزين: اعزل من شئت من القسم، وضمّ إليك من تشاء.\nويرى ابن العربي «١» أنّ القولين غير صحيحين، أما ما روي عن أبي رزين فلم يرد من طريق صحيح.\nوأما الآخر، فلأنّ امتناع الخطبة بعد خطبة الرسول ﷺ لا ذكر له، ولا إشعار به، وهو مع كونه غير خاص بالنبي ﷺ لا يكاد يتسق مع باقي الآية.\nوقد اختلف العلماء في المراد من الإرجاء والإيواء:\nفقد روي عن ابن عباس أنّ معنى الآية: تطلّق من تشاء، وتمسك من تشاء.\nوروي عن قتادة: أنّ المعنى: تترك من تشاء، وتنكح من تشاء، وقد أسلفنا لك. عن أبي رزين ما يفيد أن المعنى: تترك من تشاء من غير قسم، وتقسم لمن تشاء.\nويرى ابن العربي «٢» أنّ الصحيح في سبب نزول الآية وفي معناها هو ما روي من طريق صحيحة عن عائشة أنها قالت: كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهنّ لرسول الله ﷺ، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.\nوثبت في «الصحيح» «٣» أيضا عنها أنّ رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منّا بعد أن نزلت هذه الآية: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ فقيل لها: فما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول: إن كان الأمر إليّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا أبدا.\n_________\n(١) أحكام القرآن للإمام ابن العربي (٣/ ١٥٥٤) .\n(٢) المرجع نفسه (٣/ ١٥٥) .\n(٣) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٨)، ٦٥- كتاب التفسير، ٧- باب ترجي من تشاء حديث رقم (٤٧٨٩) .","vol":"1","page":648},{"text":"ويرى ابن العربي «١» أنّ المعنى بعد ذلك هو: أن النبي ﷺ قد أذن له في غير إلزام أن يكون مردّ الأمر في القسم إليه، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم، لكنّه كان يقسم بينهن من غير أن يكون القسم فرضا عليه.\nوذلك خاصّ به دون المؤمنين. وقد ظلّ شأن النبي مع نسائه وشأن نسائه معه على هذا، حتى أدرك الكبر سودة بنت زمعة، فوهبت قسمها لعائشة، وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.\nولنرجع بعد ذلك إلى تفسير الآية بتمامها، حتّى يتبين من التفسير أيّ المعاني أجدر بأن يكون مقصودا من الآية.\nتُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ قد عرفت مما سقناه لك آنفا أنّ الإرجاء التأخير، وأن الإيواء الضم، وعرفت آراء العلماء في المراد بذلك.\nونزيد هنا أنهم اختلفوا أيضا في مرجع الضمير في (منهن)، فرآى بعضهم أنه يرجع إلى نساء الأمة جميعا، وأنّ المعنى أن لك أن تترك نكاح من تشاء من نساء الأمة، وأن تنكح من تشاء.\nوهذا القول بعينه قدمناه لك في جملة الأقوال.\nونقول: إنه لم يفد فائدة جديدة، فالمقصود منه قد استفيد من آية إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى قول الله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ على ما تقدم بيانه، وهو بعد ذلك لا يتسق مع قول الله تعالى: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ.\nويرى البعض أنّ الضمير للواهبات، ويكون المعنى إنّ لك أن تقبل هبة من تشاء، وتترك هبة من تشاء، ويروون في ذلك من الروايات ما يستندون إليه، إذ يفيد أنّ بعض الواهبات قبلهنّ الرسول ﷺ ودخل بهن، وأرجأ البعض الآخر، ولم يدخل بهن، ويقولون: إنّ منهن أمّ شريك.\nوأنت تعلم مما سبق أن العلماء اختلفوا في وقوع الهبة، وعلمت أنّ الصحيح أنّها وقعت، وعلمت كذلك أنهم اختلفوا في قبوله ﷺ الهبة منهن، وأن الصحيح أنه لم يكن تحته امرأة وهبت نفسها، ومتى علمت هذا كان لك أن تحكم بضعف هذا القول، خصوصا إذا نظرت إلى أن ضمير (منهن) للجمع، ولم يرد للواهبات ذكر بالجمع حتى يكون مرجعا، فخير أن يكون مرجع الضمير لنسائه اللاتي هنّ تحته: وأنّ المراد ترك أمر القسم إليه، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم توسعة عليه، حتى تطمئن نفوس زوجاته، على ما يأتي بيانه.\n_________\n(١) أحكام القرآن للإمام ابن العربي (٣/ ١٥٥٦) .","vol":"1","page":649},{"text":"وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ أي أنّه لا حرج ولا إثم إذا عنّ لك أن تطلب إحدى المرجئات والمعزولات، فتضمها، وتؤويها إليك بعد عزلها وإرجائها، ويجوز حمل الإرجاء والعزل هنا على الطلاق، ويكون المعنى: ومن طلبت رجوعها ممن تكون قد عزلت فلا جناح عليك في طلب رجوعها إلى العصمة.\nويجوز أن يراد منه التأخير في القسم، أو ترك القسم، ويكون المعنى: ومن طلبت إيواءها وإدخالها في القسم ممن أخرت القسم لها أو تركته، فلا جناح عليك.\nوأما أن يراد بالابتغاء طلب النكاح، وبالعزل والإرجاء تركه، على أن يكون المعنى: ومن طلبت نكاحها من اللاتي تركت فبعيد، لأنّ العزل مشعر بأن تكون المعزولة كانت في زمرة ثم عزلت، وفصلت عنها. والتي رفض نكاحها لا يقال:\nإنها كانت في زمرة فصلت وعزلت منها. ومَنْ عل كلّ هذا شرطية جوابها فلا جناح عليك.\nوروي عن الحسن أنّ معنى الآية: إنّا جعلنا لك أمر الإرجاء والإيواء، وجعلنا لك أيضا أن تطلب نكاح من تشاء عوضا ممن عزلتها بالطلاق أو بالموت. وهو في هذا يحمل الإرجاء على الطلاق، ويكون المعنى: أن الله أحلّ لك صنوفا من الأزواج، تطلق من تشاء منهن، وتعتاض عمن عزلت بالطلاق أو بالموت منهن، وعلى هذا (فمن) في قوله: مِمَّنْ عَزَلْتَ للبدل، مثلها في قوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ أي بدل الآخرة.\nذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا اسم الإشارة يرجع إلى ما تضمّنه الكلام السابق من تفويض أمر الإرجاء والإيواء إلى النبي ﷺ، أي إنّ تفويضنا الأمر- في إبقاء من تشاء، وترك من تشاء، أو في القسم وتركه إليك- أقرب أن تكون أعينهن قريرة. وذلك كناية عن سرورهن بذلك، فلا تحزن من كان لهن الإرجاء، ويرضين بما تصنع معهن. لأنّه متى علمن أنّ الأمر صار إليك، صار في مرجو المعزولة أن تكون يوما صاحبة فراش، فلا تيأس من قربك، ولا تقنط من رحمة الله.\nوأما قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ فهو خطاب للنبي ﷺ ولأزواجه ﵅، وجمع بجمع الذكور للتغليب، وتعقيب الكلام السابق بهذا يراد منه الحثّ على إصلاح ما عساه يكون في القلوب جميعا بالقدر المستطاع، فيخفف النبي ﷺ ما عساه يكون منه من أثر للميل في معاملة نسائه، ويذهب من النساء ما عساه يكون من أثر للغيرة التي تغلب النساء عادة وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا يعلم خفيّات الصدور، وما يكون لها من آثار ظاهرة وباطنة. ولا يعجل العقاب قبل الإرشاد والنصح.","vol":"1","page":650},{"text":"قال الله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢) لا يزال الكلام متصلا في خطاب الرسول ﷺ في شأن أزواجه، فلا تبحث عن الربط. و(بعد) في قوله: مِنْ بَعْدُ ظرف مبني على الضم لحذف المضاف إليه.\nوقد اختلف في تعيين هذا المحذوف على ثلاثة أقوال ترجع في الحقيقة إلى اثنين.\n١- روي عن ابن عباس ﵄ أنّه قال: المراد من (بعد) من عندك من النساء اللواتي اخترنك على الدنيا، ويكون ذلك قصرا للنبي ﷺ على أزواجه مجازاة لهنّ، وشكرا على هذا الاختيار، كما قصرهن الله عليه إكراما له في قوله:\nوَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا.\n٢- روي عن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: المراد من (بعد) من أحللنا لك في الآية المتقدمة، وهن الأصناف الأربعة.\n٣- روي عن مجاهد أن المعنى: لا يحل لك نكاح غير المسلمات.\nوهذا الرأي الأخير في الحقيقة يرجع إلى الثاني، لأنّ المروي عن أبيّ يدل عليه، إذ ليس في الأصناف التي أحلّت للنبي غير مسلمة، فيكون ما روي عن مجاهد داخلا في الذي روي عن أبيّ، ويكون المعنى: لا يحل لك من عدا من آتيت أجورهن، وقرابتك المؤمنات. المهاجرات وما ملكت يمينك ومن وهبت نفسها إليك.\nويقول ابن العربي «١»: ويقوى في النفس قول ابن عباس، والله أعلم كيف وقع الأمر.\nوسيأتي لنا كلام في هذا عند الكلام على آراء العلماء في نسخ الآية.\nوقد اختلف العلماء أيضا في قوله تعالى: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ فروي عن ابن عباس أنّ المراد: لا يحلّ لك أن تطلّق أحدا من أزواجك لتنكح غيرها.\nوروي عن مجاهد أن المعنى: لا يحل لك أن تبدل المسلمة التي عندك بمشركة، ونقل عن ابن زيد أن المعنى: لا تعطي زوجك بدلا من زوج رجل آخر.\nأما قول مجاهد فهو مبنيّ على رأيه في صدر الآية، ولو تأملت وجدت صدر الآية مغنيا عنه على حسب تأويله هو، فإنّ صدر الآية معناه عنده: لا يحل لك نكاح غير المسلمات، وذلك يقتضي تحريم العقد عليهن مطلقا، سواء أكان العقد مبتدأ، أم على وجه الإتيان بالمشركة بعد اطراح المسلمة من العصمة، وحينئذ يخلو وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ من الفائدة.\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن للإمام ابن العربي (٣/ ١٥٥٩) .","vol":"1","page":651},{"text":"وأما قول ابن زيد فباطل أيضا، فإنّ نكاح الاستبدال الذي يدّعيه حرام على كل الناس، فلا يكون هناك محلّ لتوجيه الخطاب إليه وحده.\nوأما إعراب قوله تعالى: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ فيرى البعض أنّها في موضع الحال، والمعنى: لا يحل لك أن تتبدل بهن أزواجا على أي حال، حتى حال إعجابك بحسنهن. ويرى البعض أنّ هذه جملة شرطية حذف جوابها، لفهمه من الكلام، والمعنى: ولو أعجبك حسنهنّ لا يحل لك نكاحهن.\nإِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ رأيت في الذي سبق أنّ تقييد حلّ المملوكة بكونها فيئا لا يقصد منه الاحتراز، وقد جاء استثناء المملوكات من المحرمات مطلقا، فهو متفق مع الذي قلنا هناك.\nوأما من يرى أنّ القيد هناك للاحتراز، فلعله يحمل المطلق هنا على المقيد هناك، أو لعلّه يقول: إنّ العموم هنا أبطله الخصوص هناك، وما نريد أن نعرض إلى أن النبيّ ﷺ هل كان يحل له الكافرات، أو هن كنّ محرمات عليه؟ فالواقع أنّ النبي لم ينكح كافرة بعد الرسالة، والبحث في حلهن وحرمتهن غير مجد بعد ذلك.\nبقي أنّ العلماء اختلفوا في الآية: أبقيت محكمة لم يدخلها النسخ، أم نسخت؟\nوالذين قالوا بالنسخ اختلفوا في الناسخ: أهو الكتاب أم السنة؟ فذهب جماعة إلى أنّها محكمة، وأنّ ذاك كان تكريما للمختارات، وجزاء على إحسانهن.\nويرى البعض أنها منسوخة، ويروون في ذلك حديثا عن عائشة: «ما مات النبي ﷺ إلا وقد أحلّ الله له من شاء من النساء إلا ذات محرم» «١» ويقول ابن العربي «٢» في هذا: إنه حديث ضعيف شديد الضعف.\nوالذين ذهبوا إلى النسخ اختلفوا في الناسخ، فيرى بعضهم أنّ الناسخ هو قوله تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى آخر الآية، ويقولون: إنّ الترتيب في التلاوة ليس دليل الترتيب في النزول.\nوهذا عجيب من قائليه، فإنّ النسخ في الحقيقة يعتمد ثبوت تأخر الناسخ عن المنسوخ، وأن يكون بينهما تعارض، وأين هذا مما يقولون؟ هل مجرد احتمال أن تكون الآية التي معنا متقدمة في النزول كاف لإثبات النسخ فيها؟\nأما الذين قالوا: إن الآية منسوخة بالسنة، وإن ذلك دليل على جواز نسخ الكتاب بالسنة، فأمرهم أعجب، فإن الذين يجيزون نسخ الكتاب بالسنة لا يقولون إنّه\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٣٣٢)، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الأحزاب حديث رقم (٣٢١٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٧) .\n(٢) انظر أحكام القرآن للإمام ابن العربي (٣/ ١٥٥٩) .","vol":"1","page":652},{"text":"ينسخ بكل سنة، بل كان متواترا معنى، وهو المشهور، فكيف يكون النسخ هنا بقول عائشة، وهي لم ترفعه، وفوق ذلك يقول ابن العربي فيه: إنّه حديث ضعيف.\nثم كيف جاز لهم أن يجعلوا النسخ هنا دليلا على القاعدة الأصولية: نسخ الكتاب بالسنة، والأصول لا تثبت إلا بقاطع كما يقولون. وحديثهم الذي يستدلون به على النسخ قد علمت قيمته.\nوَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا يطلع على ما يكون من كل أحد فيجازيه بحسابه.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) روي في سبب نزول هذه الآية روايات كثيرة سنذكرها، ونبيّن الصحيح منها بعد أن نقول لك: إنّ الكلام هنا بيان لما يكون عليه حال المؤمنين مع النبي ﷺ وهو في البيت، وذلك ينتظم أحوالا كثيرة بينت الآية الكريمة أحكامها: منها لزوم عدم الدخول إلا بعد صدور الإذن، وهذا يكون بعد الاستئذان. ومنها أن الدخول إذا كان لطعام فيلزم أن يكون المجيء إليه في إبانه لا قبله. وأن ينتشروا على فور الطعام، ولا يمكثوا سامرين.\nوسيأتي عند الكلام على تفسير الآية ما يراه العلماء في معنى الآية، وإنما نذكر هنا أن الآية سيقت لبيان آداب الناس في بيت الرسول ﷺ، والآية بعد هذا اشتملت على أحكام دخول البيت، وعلى حجاب النساء، ومنع المؤمنين من مخالطتهن، ولو من طريق المسألة إلا من وراء حجاب.\nوقد ذكر العلماء أسبابا كثيرة يرجع بعضها إلى مسألة دخول البيت، ويرجع بعضها الآخر إلى مسألة حجاب نساء النبي ﷺ.\nونرى أن لا مانع من أن يكون كلّ ما روي بعد أن يكون صحيحا سببا للنزول، وقد علمت مرارا أنّ الآية نزلت على أسباب كثيرة.\nروى البخاري ومسلم والترمذي واللفظ له «١» عن أنس بن مالك قال: تزوج\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٤٢)، ١٦- كتاب النكاح، ١٣- باب الصداق حديث رقم (٨٠/ ١٤٢٨)، والبخاري في الصحيح (٦/ ٢٩)، ٦٥- كتاب التفسير، ٧- باب لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا ... حديث رقم (٤٧٩١، ٤٧٩٢)، والترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٣٣٣)، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب حديث رقم (٣٢١٨) .","vol":"1","page":653},{"text":"رسول الله ﷺ، فدخل بأهله، فصنعت أمّ سليم حيسا، فجعلته في تور، وقالت لي: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ، فقل: بعثت إليك بها أمي وهي تقرئك السلام، وتقول: إنّ هذا لك منا قليل يا رسول الله. قال: فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ، فقلت: إنّ أمي تقرئك السلام، وتقول: إنّ هذا منا لك قليل يا رسول الله. فقال:\n«ضعه»، ثم قال: «اذهب فادع لي فلانا وفلانا، ومن لقيت» فسمّى رجالا. قال:\nفدعوت من سمّى ومن لقيت، قال: قلت لأنس: عددكم كما كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا أنس هات التّور» قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفّة والحجرة، فقال رسول الله ﷺ: «ليتحلّق عشرة عشرة، وليأكل كلّ إنسان مما يليه» قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم قال: قال لي: يا أنس ارفع، قال: فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت! قال: وجلس منهم طوائف يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ، ورسول الله جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله ﷺ، فخرج رسول الله ﷺ فسلّم على نسائه، ثم رجع. فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع ظنّوا أنّهم قد ثقلوا عليه، قال: فابتدروا الباب، فخرجوا كلّهم، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر، ودخل، وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج عليّ، وأنزلت هذه الآيات، فخرج رسول الله ﷺ فقرأهن على الناس: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ إلى آخر الآية [٥٣]،\nقال أنس: أنا أحدث الناس عهدا بهذه الآيات، وحجبن نساء النبي ﷺ.\nورويت روايات كثيرة قال فيها أبو بكر بن العربي «١»: إنها ضعيفة كلّها ما عدا الذي ذكرنا، وما عدا الذي روي أنّ عمر قال: قلت يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب «٢» . وما دامت الروايات لم تصح فلنعرض عن ذكرها.\nوهناك رواية أخرى في «الصحيح» «٣» أيضا تعيّن الزوجة، وذلك على نحو ما روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أنس قال: لما تزوّج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم، فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام. فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن للإمام ابن العربي (٣/ ١٥٧٥) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٢٩)، ٦٥- كتاب التفسير، باب لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا ...\nحديث رقم (٤٧٩٠) . [.....]\n(٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":654},{"text":"النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فجئت فأخبرت النبيّ ﷺ أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى:\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ.\nولعلّك بعد الذي قدّمنا في غير حاجة إلى إعادة القول في إضافة البيوت مجموعة إلى النبي ﷺ، فهي بيوته، اختصّ بها، وأعدها لسكنى أزواجه المتعددات، وقد نهى الله المؤمنين أن يدخلوا هذه البيوت إلا دخولا مصحوبا بالإذن، والاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا حال كونكم مصحوبين بالإذن لكم، وتكون باء المصاحبة مقدرة في الكلام.\nوذهب بعضهم إلى أن الباء المقدّرة باء السببية، والاستثناء من عموم الأسباب.\nوذهب الزمخشري إلى عدم تقدير الباء، وإلى أن الاستثناء من عموم الأوقات، أي لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت الإذن، وهذا متوقف على صحة وقوع المصدر المؤول مع الظرف. ويرى أبو حيان أنّ وقوع المصدر موقع الظرف خاصّ بالصريح دون المؤول، والمسألة خلافية من خلافيات النحاة، والأشهر أنه لا يجوز.\nوقوله تعالى: إِلى طَعامٍ متعلّق بيؤذن، وكان الظاهر أن يعدّى (بفي) بدل (إلى) إلّا أنّ الفعل يُؤْذَنَ ضمّن معنى الدعوة، فعدّي بما يتعدى به فعلها، وتضمينه معنى الدعوة للإيذان بأنه لا ينبغي الدخول للطعام إلا بدعوة إليه، وإن وجد صريح الإذن بالدخول، ويرى البعض أنّ إِلى طَعامٍ تنازعه تدخلوا ويؤذن.\nغَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ إناه مصدر مضاف إلى الضمير، نقول: أنى الطعام يأنى إذا نضج إنى، أي نضجا.\nويرى بعضهم أنّه ظرف بمعنى حين، وهو مقلوب آن، فجاءت النون قبل الألف، وغيرت فتحة الهمزة كسرة، والمعنى على الأول: غير منتظرين نضجه، وعلى الثاني غير منتظرين وقته، أي وقت إدراكه ونضجه، وهما متقاربان.\nثم إن (غير) منصوب على الحالية، وهي حال مترادفة، أي لا تدخلوا في حال من الأحوال، إلا حال الإذن لكم، غير منتظرين النضج أو وقته، وصاحب الحال على هذا هو واو الجماعة في لا تَدْخُلُوا.\nويرى بعضهم أنه حال من فاعل فعل محذوف، أي ادخلوها غير ناظرين إناه.\nوجوّز بعضهم أن يكون حالا من الضمير المجرور في لَكُمْ، ويكون المعنى: لا تدخلوا إلا حال الإذن، حال كونكم غير ناظرين. ويكون هذا إشارة إلى أنّ الإذن ينبغي أن يكون لمن كانت عادته لمن يسبق وقت الطعام، فإنّ ذلك يكون إثقالا على من في البيت.","vol":"1","page":655},{"text":"ويرى البعض أنّ قوله: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ حال من الواو في تَدْخُلُوا ويكون المعنى: نهيهم عن الدخول في هذه الحال، وهي حال عدم انتظار الطعام. وهم يروون في ذلك أنّ بعض أصحاب الرسول ﷺ كان يدخل في وقت الطعام من غير سابق دعوة، وكانوا يسمّون الثقلاء من أجل ذلك، وبعد تسليم ما رووا فكيف تفيد الآية النهي عن الذي كان منهم؟ لعلهم يقولون: إنّ المعنى: لا تدخلوا حال كونكم غير منتظرين وقت الطعام، إلّا أن يؤذن لكم. ويكون المراد نهيهم أن يدخلوا على الفجاءة، وأما إذا جاؤوا ومكثوا انتظارا للطعام، فلا يكون ذلك منهيا عنه وهم بهذا يدفعون ثقيلا بأثقل منه، إذ إنهم يجوز لهم حينئذ أن يدخلوا البيت، ويمكثوا ما طاب لهم المكث حتى يجيء الطعام، ويهيّأ لهم.\nوَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا هذا استدراك على ما فهم من النهي عن الدخول بغير إذن، وهو مشعر بأنّ الإذن متضمّن معنى الدعوة، وهو بعد هذا تصريح بما علم قبل.\nفَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا أمر بالتفرّق بعد الفراغ من الطعام، بعدية يرجع في تحديدها إلى ما يجري به العرف.\nوأنت بعد الذي اطلعت عليه من سبب نزول ترى أنّ النبيّ ﷺ كان قد ثقل عليه أن يمكث هؤلاء الأضياف بعد أن فرغوا من الطعام، ولم يدعوه يتفرّغ لبعض شأنه في بيته، وكان يمنعه الحياء أن يأمرهم بالتفرّق.\nوَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ الاستئناس للحديث طلب الأنس به، والطمأنينة والسرور والارتياح له، وقد أطلق نفي الاستئناس للحديث من غير بيان صاحب الحديث، للإشارة إلى أنّ المكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإطلاق، أيا كان الاستئناس، سواء كان لحديث بعضهم بعضا، أو لحديث غيرهم، فإنّ الأمر كان أمر وليمة، وقد انتهت، ولم يبق إلا أن يفرغ من البيت لبعض شأنهم، والبقاء بعد ذلك نوع من الثقل غير محمود.\nويرى بعض المفسرين أنّ قوله تعالى: مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ معطوف بالجر على (ناظرين) وتكون (لا) لتأكيد النفي، ويجوز أن تكون (لا) بمعنى (غير) معطوفة على (غير ناظرين) .\nويرى البعض أنّ (مستأنسين) حال من فاعل فعل محذوف دلّ عليه الكلام، أي ولا تمكثوا مستأنسين لحديث، واللام في قوله: (لحديث) إما تعليلية داخلة على محذوف، أي لأجل استماع الحديث، أو هي للتقوية.\nإِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ هذا بمثابة التعليل لما قبله، أي إنما نهيتم عن دخول بيت النبي ﷺ إلا في الحدود المبينة، لأن النبي ﷺ يتأذّى من الدخول على غير هذه الحدود وإيذاء النبي لا يصح أن يكون من المؤمنين، من أجل","vol":"1","page":656},{"text":"ذلك بيّنا لكم الحدود، ورسمنا الطرق، حتى لا يلحقه أذى، وقد كان النبي ﷺ ضجرا على ما عرفت من أسباب النزول. من بقاء من بقي عنده بعد انتهاء الطعام، بل لقد همّ بالقيام لينتبهوا فيقوموا فأقاموا، ولقد كان يمنعه الحياء أن يأمرهم بالانصراف.\nوقد كان من عادات العرب ألّا يطلبوا إلى الضيف الانصراف بعد القرى مهما طال المكث، وكان الناس من أجل ذلك في حاجة لأن يتعلموا آداب المنازل، والنبي ﷺ شديد الحياء، فنزل القرآن إرشادا لهم وتعليما.\nواسم الإشارة على ما ترى راجع إلى ما يكون منهم من الدخول على غير الوجوه المبيّنة، وقيل: بل هو راجع إلى مفهوم من الكلام، وهو المكث قصد الاستئناس للحديث، أو راجع إلى الاستئناس المفهوم من مستأنسين.\nوالاستحياء على الحقيقة لا يكون منهم، وإنما يكون من شيء يتصل بهم، ويلحقهم من جهته، وهو إخراجهم أو منعهم من البقاء والمكث، وإلا فالذات لا يستحيا منها، إنما يكون الاستحياء من الأفعال.\nانظر إلى قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ فإنّه يدل على أنّ الذي كان يستحي منه النبي هو الحق، وهل يتصف بالحقيقة إلا الأفعال؟ ولو كان المراد الاستحياء من ذواتهم لقال تعالى في مقابله والله لا يستحي منكم.\nوأطلق استحياء الله من الحق وأريد منه عدم السكوت عن بيانه، فسمّى السكوت عليه استحياء على طريق المشاكلة، لوقوعه بجانب استحياء الرسول ﷺ من إخراجهم.\nو[يفيد] ظاهر الآية منع مكث المدعو إلى الطعام بعد تناول الطعام إذا كان ذلك مؤذيا لصاحب البيت، وإذا كانت الآية التي معنا خاصة بآداب دخول بيت الرسول ﷺ فقد تكفّلت سورة النور ببيان آداب دخول المنازل على الإطلاق في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) [النور: ٢٧] وفي غيرها من الآيات، فارجع إليها إن شئت.\nوَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا.\nلا يزال الكلام كما ترى متصلا في ذكر آداب الدنو من بيوت النبي ﷺ، ترى ذلك ماثلا في ضمير النساء في قوله تعالى: سَأَلْتُمُوهُنَّ فهو راجع إلى نساء النبي ﷺ، وقد فهم اشتمال الكلام عليهن من النهي عن دخول البيوت، وعن إطابة المكث تلذذا بالحديث، وعن الأمر بالدخول إن كانت هناك دعوة، والانتشار عقب الطعام، ومن أن مخالفة ذلك تؤذي النبي ﷺ، وهو ما كان ليتأذّى لولا وجود النساء في البيوت، فإرجاع الضمير إلى مفهوم من الكلام السابق مؤذن بأنّه متصل بالكلام","vol":"1","page":657},{"text":"السابق، متمّم له في ذكر آداب البيوت، واقع على ما وقع عليه من سبب، فهو في غير حاجة إلى ربط جديد، ولا إلى سبب خاصّ يقع عليه، وأنه ليكفي أن يوجد شأن من الشؤون يتصل بالبيوت، لنذكر كل الأحكام التي تكفل حياطة البيوت من الأذى.\nويرى بعض المفسرين تنزيل هذه الآية على سبب خاص روي هنا من طريق صحيح، ويعدون الآية إحدى موافقات القرآن لعمر ﵁، وذلك على نحو ما قدمنا مما\nروى البخاري «١» وغيره عن أنس ﵁ أنه قال: يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر، ولو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب.\nوليس هناك ما يمنع أن يكون ذلك أحد الأسباب التي نزلت من أجلها الآيات في شأن بيوت النبي ﷺ، ويكون قد جاء في بعضها أو كلها ما يوافق رأي عمر، وحرصه على كرامة نساء الرسول ﷺ، فتكون الأسباب قد تجمّعت فنزلت الآيات متصلا بعضها ببعض في صيانة بيوت النبي ﷺ وحرمة أزواجه.\nوالمتاع ما يستمتع به حسيا كالماعون، أو معنويا كتعرّف الأحكام، والحجاب:\nالساتر، وتكليف الرجال سؤال النساء المتاع من وراء حجاب مؤذن بتكليف من في البيوت ضرب الحجاب، لأنّه من غير المعقول أن يكون ضرب الحجاب على غير أصحاب البيوت.\nذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ الإشارة راجعة إلى السؤال من وراء حجاب، أو إلى كلّ ما تقدم من الأحكام، ومعنى كونه أطهر أنّه أكثر تنزيها لقلوب الرجال والنساء من الهواجس التي تتولّد فيها عند اختلاط الرجال بالنساء، فإنّ الرؤية بريد الفتنة.\nهكذا كفل القرآن بيوت النبي ﷺ بهذه الأحكام، وأبعد عنها الريبة. واجتث أصول المخاوف والفتنة، فالآيات كما ترى خاصّة بآداب الاتصال ببيوت النبي ﷺ خاصة بلفظها، وبتوجيه الخطاب فيها، وبأسباب نزولها، وبما ذكر فيها من علة.\nوأما بيوت المؤمنين فقد تكفلت بآدابها سورة النور كما قلنا لك وآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ الآية في سورة الأحزاب وستعرف فيها آراء العلماء في الحجاب.\nوَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا.\nوالمعنى: أنّه لا يكون من شأن المؤمنين أن تقع منهم أذية للرسول ﷺ أيا كان نوعها، سواء أكانت من النوع الذي ذكر في الآية مما يتصل بالبيوت، أم من غيرها، وهذا التعميم يرشد إليه إطلاق الفعل. تُؤْذُوا عن التقييد بكونه في البيوت،\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":658},{"text":"أو في غيرها، فدلّ ذلك على أنّ شأن المؤمنين ألا يكون منهم للرسول ﷺ إلّا ما يكون إكراما وشكرا على ما أسدى إلى الأمة من خير، فلا معنى لتقييد الأذى هنا بنوع منه، كاللبث في بيوته ﷺ، والاستئناس للحديث فيها، وكون الآية وردت في هذا السياق لا يقتضي تقييدها به، بل يقتضي دخولها في العموم الذي دلّت عليه الآية.\nوذكر النبي بوصف الرسالة هنا مشعر بتوبيخ من تحدّثهم نفوسهم بأذيته، إذ ذلك يكون كفرانا بنعمة الرسالة الواجب شكرانها.\nوَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ ذكر هذا بعد النهي عن الأذى بصيغة الخبر من قبيل ذكر الخاص بعد العام، للاهتمام به، فإنّ امتهان فراش الرسول ﷺ من أكبر الأذى.\nوقد عرض المفسرون هنا للكلام في المراد من الأزواج، وقد سبق لك عند الكلام على آية التخيير شيء من هذا.\nفقد ذهب بعضهم إلى أنّ الأزواج اللائي لا ينكحن هن من ثبت لهن هذا الوصف، ولو من طريق العقد من غير أن يدخل بها. وإطلاق الأزواج هنا ظاهر في هذا.\nويرى بعضهم كإمام الحرمين قصره على المدخول بها، ونحيلك هنا على ما ذكرناه عند الكلام على المختارات، لتقف على أرجح الأقوال في ذلك.\nوقد عرض المفسّرون أيضا إلى البعدية من قوله تعالى: مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا هل هي بعدية الوفاة، أو بعدية الفراق مطلقا. وما دام أنه ﷺ لم يثبت أنّه طلق أحدا من نسائه من طريق صحيح، وحتى التي قيل: إنها اختارت الدنيا قيل: إنها جنّت، وقد منعه الله من أن ينكح أزواجا بعد اللائي كنّ معه، وأن يطلقهن ليتزوج غيرهن.\nفما نرى معنى لهذا الذي خاض فيه المفسرون، ونرى أنّ البعدية بعدية الوفاة.\nوأما الكلام في حلّ المطلقة، ومن فسخ نكاحها فهو كلام مبني على الفرض والتقدير، ولا شأن للآية به، وإن كان لنا أن نقول شيئا فذلك أنّ إضافة البعدية إلى ضميره ﷺ ظاهر في بعدية الوفاة. وأيضا فإنّ منع المؤمنين من نكاح أزواجه إنما هو لكفّ الأذى عنه ﷺ، وأي أذى يلحقه من أن تنكح امرأة نبذها، ولم تنل شرف أمومة المؤمنين. إنّ منع زواجها فيه أذاها هي، ولا يليق أن يكون مقصدا من مقاصد الشريعة إلحاق الأذى بالناس، على أنّ منعها من الزواج فيه تسوية بينها وبين من نلن رضاء الرسول ﷺ، واللازم عدم التسوية.\nإِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا اسم الإشارة راجع إلى إيذاء الرسول ﷺ، ونكاح أزواجه من بعده.\nقال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لما كان مقام البيوت خصوصا بيوت النبي ﷺ يقتضي حيطة شديدة، حتى يكون","vol":"1","page":659},{"text":"الامتثال للأحكام الواردة فيه يتفق فيه الظاهر والباطن، أعقب الله الآيات الواردة فيه بما يجعل الناس في تمام اليقظة، وعلى أشد ما يكون من الحذر، ذلك أنه نبههم إلى أنّ علمه قد أحاط بخفيات النفوس، فضلا عما يظهر منها، وذلك تهديد شديد يقطع ما يخالج النفوس من الوساوس، وما يحيط بها من دوافع الشهوات، فيعمل الناس على الإقلاع عن مجاراة الوساوس، واستئصال نوازع الشهوات، فإنّ الله مطّلع على ما ظهر وما خفي، ومجاز كلّ إنسان بحسب ذلك العلم، ومن ذا الذي يستطيع بعد هذا أن تحدثه نفسه بالدنو من الأذى، والله القادر على الجزاء قد أحاط بكل شيء علما.\nقال الله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥) قد فهم مما تقدّم أنّ على نساء النبي ﷺ أن يحتجبن عن الرجال، ولا يظهرن عليهم، وقد يفهم النصّ على عمومه، فيتناول أقرب الناس إليهنّ، وفي ذلك ما فيه من حرج، بل قد يكون فيه قطع الرحم التي أمر الله أن توصل، فجاءت هذه الآية الكريمة لبيان الأقارب الذين لا يحرم ظهور نساء النبي ﷺ أمامهم من غير حجاب.\nوقد ذكر الله من ذلك ستة أصناف هم: الآباء، والأبناء، والإخوان، وأبناء الإخوان، وأبناء الأخوات، والنساء المضافات إليهن، وما ملكت أيمانهنّ.\nوقد بقي من المحارم: الأعمام والأخوال من غير ذكر، وقد ذهب العلماء في ذلك مذاهب:\nفمنهم من يرى أنه اكتفي عنهم بذكر الآباء، وقد جرى العرف بإطلاق الأب على العم والخال.\nومنهم من رأى أنّ في ذكر أبناء الإخوان رمزا إلى قرابة العمومة، وفي ذكر أبناء الأخوات رمزا إلى قرابة الخئولة، وذلك أن من يكون ابن أخي المرأة تكون المرأة عمته، ومن يكون ابن أختها تكون هي خالته.\nوعجب أن يرى بعض العلماء أنّ عدم التنصيص على الأعمام والأخوال يقتضي وجوب الاحتجاب منهم، ويذهب في التعليل مذهبا أعجب، فيقول: إنّ الأعمام والأخوال لو اطلعوا على النساء فربّما وصفوهنّ لأبنائهم؟\nيا هؤلاء! أنتم تتكلمون في نساء متزوجات، هن أزواج النبي ﷺ، فهل يريد العم أن يفسد ابنة أخيه على زوجها- وهو المصطفى- ليزوجها لابنه، وهل تقولون:\nإنّ الحكم كذلك في سائر النساء، ولا تعدون الأخوال والأعمام محارم في حق النظر، أو تقولون إن ذلك خاص بنساء النبي ﷺ؟! وإذا كان خوف الوصف يصلح علّة للحجاب، فالوصف ممكن في الجميع، لا للأقارب فحسب، بل للأجانب، فكلّ من","vol":"1","page":660},{"text":"أبحتم له النظر يمكن أن يصفها لكل من تحلّ له، سواء أكان قريبا أم أجنبيا، والعمة والخالة تريان من المرأة كل شيء إلا العورة، ويمكن أنّ كلّ واحدة منهما تصف لابنها ما رأت من ابنة أخيها أو من ابنة أختها.\nوكيف يمكن أن يكون إمكان الوصف علة في الحجاب، وقد أباح النبي ﷺ نظر المرأة لمن أراد أن يخطبها\nوقال: «انظر إليها، فإنّه أحرى أن يؤدم بينكما» «١» .\nوقد اختلف العلماء في تعيين المراد من النساء في قوله تعالى: وَلا نِسائِهِنَّ فروي عن ابن عباس ومجاهد أنّ المراد منهنّ المؤمنات، وتكون إضافتهن إليهن باعتبار أنهن على دينهن، ويكون ذلك دليل احتجاب نساء النبي ﷺ من الكافرات.\nويرى بعضهم أنّ المراد منهن النساء القريبات، وتكون إضافتهنّ إليهن لمزيد اختصاصهن بهن، لما لهنّ من صلة القرابة، وكذلك من يكون من النساء مضافا إليهن لأي صلة أخرى، كالمتصرفات الخادمات.\nوأما ما ملكت الأيمان فهو بظاهره، ويعمّ الذكور منهم والإناث، وتخصيص بعض العلماء له بالإماء يحتاج إلى دليل يدلّ على أنّ المرأة تحتجب من عبدها، ويبقى ظاهر الآية معمولا به حتى يقوم الدليل.\nوقد تكلم بعضهم بعد ذلك في دخول المكاتب، وعدم دخوله، وهو رقيق ما بقي عليه درهم، فمن نظر إلى هذه الجهة قال: إنّ الآية تتناوله بظاهرها، وإخراجه يحتاج إلى الدليل، ومن نظر إلى أنّ الله إنما أباح الظهور للعبد لحاجة المرأة إلى خدمته، ومن حيث إنه حرّ يدا، وهو مشغول بسعيه في أداء بدل الكتابة، فهو لا يقوم بخدمة سيدته، ومن أجل ذلك لا يوجد المعنى الذي من أجله رفع الجناح في العبيد، فلا يكون مما تتناوله الآية.\nوَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا لما كان أمر الحجاب عن الأجانب، والترخيص في تركه للأقربين المحارم يحتاج إلى كثير من الحذر والتقوى، فقد يجر دخول الأقارب بيوت الأزواج إلى مفاسد ومنغّصات، وقد يكون في الكلام مع الأجانب من وراء الحجب ما لا يقل عن تلك المفاسد. وتلك أشياء قد ترتكب مع التظاهر بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وليس من علاج لهذه الحال، إلّا أن يلزم النساء خشية ربهنّ وتقواه.\nوجه الله الخطاب للنساء بعد أن كان الحديث عنهنّ حديثا عن الغائبات، حتى\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٣٩٧)، كتاب النكاح، باب النظر إلى المخطوبة حديث رقم (١٠٨٧)، وابن ماجه في السنن (١/ ٥٩٩)، ٩- كتاب النكاح، ٩- باب النظر إلى المرأة حديث رقم (١٨٦٥)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٣٧٨)، كتاب النكاح، باب إباحة النظر حديث رقم (٣٢٣٥) .","vol":"1","page":661},{"text":"يكون لهنّ من علمهن بمراقبة الله وعلمه ما قد تنطوي عليه نفوسهن وقاية ودرعا يقيهن من الوقوع في مهاوي الفساد. وانظر كيف عقّب الله أمرهنّ بالتقوى بقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا يعلم علم شهود وحضور ومعاينة، فيجازي على ما يكون، وفي ذلك منتهى التحذير من مخالفة الأوامر والنواهي، ولقد بلغ من المبالغة في تكريم أزواج النبي ﷺ أن قال بعض العلماء بحرمة نظر نساء النبي ﷺ وهنّ مستترات. قال القاضي عياض «١»: فرض الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهنّ بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهنّ كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وإن كنّ مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة. واستدلّ لذلك بما روي أنّ حفصة لما توفي عمر ﵁ كان يسترها النساء أن يرى شخصها. ويرى ابن حجر بحق أنّ ذلك إن صحّ فلا دلالة فيه.\nوقد كان نساء النبي ﷺ يؤدين الحج بعد وفاته.، ويطفن بالبيت، ويسعين بين الصفا والمروة، ولو قيل: إنّ الستر وعدم النظر إلى الشخوص أفضل ومندوب لكان شيئا يصح أن يصار إليه، ويشهد له ما روي أنّ عمر ﵁ أمر يوم وفاة زينب بنت جحش ألا يشهد جنازتها إلا ذو رحم محرم منها، عملا بالحجاب، فدلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش بقبة تضرب عليها، وقالت: إنها رأت ذلك في بلاد الحبشة، فصنعه عمر.\nقال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) قد بين الله تعالى فيما سبق أنّ شأن المؤمنين ألا تكون منهم أذية للرسول ﷺ، وذلك بعث على تكريمه ﷺ، وحياطة لمقامه الشريف، وهنا بيّن الله تعالى أنّ الله يكرم نبيّه على وجه التأكيد، فكان ما هنا بمثابة العلة لما قبله، فكأنه قيل: ما كان لكم أن تؤذوه، لأنّ الله يصلّي عليه والملائكة، وما دام الأمر كذلك فهو لا يستحق إلا الإكرام والتمجيد، وأكّد الخبر اهتماما به، وجيء به جملة اسمية لإفادة الدوام، وكانت الجملة اسمية في صدرها فعلية في عجزها للإشارة إلى أنّ هذا التمجيد الدائم يتجدّد وقتا فوقتا على الدوام.\nوقد ذكر في الآية أنّ الله وملائكته يصلّون على النبي ﷺ، وأمر المؤمنين بأن يصلوا عليه، وبأن يسلّموا تسليما. وقد عرض المفسّرون لبيان معنى صلاة الله على نبيه، وصلاة الملائكة عليه، وكذا صلاة الخلق وتسليمهم. ونحن متابعوهم فيما قالوا.\n_________\n(١) عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي أبو الفضل عالم المغرب، وإمام أهل الحديث، ولي قضاء سبتة توفي بمراكش مسموما قيل سمه يهودي، انظر الأعلام للزركلي (٥/ ٩٩) .","vol":"1","page":662},{"text":"فقيل: الصلاة من الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه، هو مروي عن البخاري عن الربيع بن أنس، ثم تعظيم الله له في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء العمل بشريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وإجزال الأجر والثواب له، وإعطائه المقام المحمود. وهل من الملائكة الدعاء له. وقيل: هي من الله الرحمة، ومن الملائكة الدعاء.\nوعلى القولين: فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة، وقد عبّر عنها بلفظ واحد أضيف إلى واو الجماعة يُصَلُّونَ فمن ذهب إلى منع الجمع بين الحقيقة والمجاز ذهب إلى أنّ في الآية حذفا تقديره هكذا: إنّ الله يصلّي، وملائكته يصلون، فتكون واو الجماعة خاصّة، وذهب بعضهم إلى أنّ تعدّد الفاعل مؤذن بتعدّد الفعل، فيكون الفعل مسندا إلى كلّ من الفاعلين.\nوذهب جماعة إلى القول بأنّه من باب عموم المجاز، لا من الجمع بين الحقيقة والمجاز، فيقدّرون معنى مجازيا عاما، ينتظم أفرادا كثيرة، ويكون كلّ فرد منها فردا حقيقيا من أفراد المعنى المجازي للعام، ويقولون: إنّ هذا المعنى العام هو الاعتناء بالمصلّى عليه، وهذا الاعتناء له أفراد، فهو يكون من الله على وجه، ويكون من الملائكة على وجه آخر.\nوأما صلاة المؤمنين عليه، فهي تعظيمهم لشأنه، وذلك يكون بوجوه كثيرة: منها الدعاء له باللفظ الوارد في ذلك، وقد جاءت كيفية الصلاة عليه من المؤمنين من طرق كثيرة، وفيها صور من الصلاة مختلفة، واختلافها يشعرك بأنّ الغرض ليس تحديد كيفية خاصّة، وإنما هي ألوان من التعظيم، وسنقتصر على بعض ما صحّ من هذه الكيفيات لأنّ استيعابها يطول.\nروى الشيخان «١» وغيرهما عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: «قل اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» .\nوأخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم «٢» عن أبي حميد الساعدي أنهم\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٣٠٥)، ٤- كتاب الصلاة، ١٧- باب الصلاة على النبي حديث رقم (٦٦/ ٤٠٦)، والبخاري في الصحيح (٦/ ٣٢)، ٦٥- كتاب التفسير، ١٠- باب إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ ... حديث رقم (٤٧٩٨) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٣٥٦)، ٤- كتاب الصلاة، ١٧- باب الصلاة على النبي حديث رقم (٦٩/ ٤٠٧)، والبخاري في الصحيح (٧/ ٢٥٢)، ٨- كتاب الدعوات، ٣٢- باب الصلاة على النبي حديث رقم (٦٣٦٠)، ومالك في الموطأ (١/ ١٦٥)، وأحمد في المسند (٥/ ٤٢٤) .","vol":"1","page":663},{"text":"قالوا: يا رسول الله كيف نصلّي عليك؟ قال رسول الله ﷺ: «قولوا: اللهم صلّ على محمّد وأزواجه وذريّته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وأزواجه وذريّته، كما باركت على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد» .\nوأخرج الجماعة «١» عن أبي سعيد الخدري قلنا: يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: «قولوا: اللهم صلّ على محمّد عبدك ورسولك، كما صلّيت على إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم» .\nوهناك روايات أخرى دون هذه في الصحة، وتخالفها بالزيادة والنقص في مواضع كثيرة، وما دام المراد تعظيم النبي ﷺ فأيّ عبارة تكون واردة من طريق صحيح كان لك أن تأخذ بها.\nوأما التسليم: فقد قيل: إنّ المعنى أن الله أمر المؤمنين أن يقولوا السلام عليك يا رسول الله، وقد اختلف في معنى السلام عليك فقيل: إنّ معناه دعاء له بالسلامة من الآفات والنقائص [أن] تحيط به وتلازمه.\nوقيل: بل السلام اسم من أسماء الله، ومعنى كونه عليه: أنه حافظه، حتى إن بعض من قال بهذا قال: إنّ الكلام على حذف مضاف، والتقدير حفظ السلام عليك.\nوقيل: بل السلام الانقياد وعدم المخالفة، ومعنى كونه عليك: ملازمته، وهو حينئذ دعاء للمسلم عليه بانقياد الناس له انقيادا ملازما بحيث لا يخالفونه.\nقالوا: إنما أكّد التسليم بالمصدر، ولم يؤكد الصلاة، لأن الصلاة قد قرنت بما يؤكدها، وهو الإخبار بأنّها تكون من الله ومن الملائكة، فكان ذلك أبعث على أن تكون من الناس.\nوخص المؤمنين بالتسليم، لأنّ الآية وردت بعد الكلام في أذية النبي ﷺ، والأذية المحدّث عنها إنما تكون من البشر.\nوقيل: بل صلاة الله مشتملة على تسليمه، وأما صلاة الناس فلا تشتمل عليه، فلذلك طلب التسليم منهم.\nويكاد العلماء يجمعون على وجوب الصلاة والتسليم عليه مرّة في العمر، بل\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٣٢)، ٦٥- كتاب التفسير، ١٠- باب إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ ...\nحديث رقم (٤٧٩٨)، وابن ماجه في السنن (١/ ٢٩٢)، ٥- كتاب إقامة الصلاة، ٢٥- باب الصلاة على النبي حديث رقم (٩٠٣)، والنسائي في السنن (٣- ٤/ ٥٦)، كتاب السهو، باب نوع آخر من الصلاة على النبي حديث رقم (١٢٩١) .","vol":"1","page":664},{"text":"لقد حكى القرطبي «١» الإجماع على ذلك، وذلك عملا بما يقتضيه الأمر صَلُّوا من الوجوب، وتكون الصلاة والسلام في ذلك ككلمة التوحيد، وذلك أنك تعلم أنّ الصحيح أنّ الأمر لا يقتضي التكرار، وإنما هو للماهية المطلقة عن قيد التكرار والمرّة، وحصوله بالمرة ضرورة من ضرورات الحصول.\nوذهب بعضهم إلى القول بوجوب الصلاة والتسليم في التشهد، وقيل: هي واجبة في الصلاة من غير قيد بمكان. وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقيّد بعدد، وقيل: تجب في كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره فيه، وقيل: تجب كلما ذكر.\nولعل هذا القول من قائليه مبنيّ على أنّ الأمر يفيد التكرار، ولعلهم يستدلون بالأحاديث الترغيبية والترهيبية الواردة في فعلها وتركها، وأنت لو اطلعت على هذه الأحاديث لفهمت من صيغتها أنّها لمجرد الترغيب، وأنّها ككل الحسنات تتضاعف، انظر إلى\nقوله ﷺ: «من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه عشرا» «٢» و«من صلّى عليّ عشرا صلّى الله عليه مائة»\nفإنك واجد أنّه متفق مع قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: ١٦٠] وما قال أحد إلا أن هذا ترغيب في الإحسان.\nوعلى كلّ فالآية لا دلالة لها إلا على الوجوب مرة، فمن زاد على هذا فعليه الدليل، ونحن لما يدل عليه ملتزمون.\nوأخيرا فليلتمس القائلون بغير ما تدل عليه الآية دليلهم في غيرها، فإن قام دليل على وجوب الصلاة والسلام في التشهد وجب، وإن دلّ على ختام الصلاة وجب، وإلا فالآية بمنأى عن هذا كله.\nقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا (٥٧) هذا عود إلى تأكيد النهي عن أذى النبي ﷺ، بعد الأمر بالصلاة والتسليم عليه اقتضته العناية الكاملة بشأن الرسول ﷺ.\nوقد قيل: إنّ المراد بأذى الله ورسوله ارتكاب ما لا يرضيانه من الكفر والعصيان، وقيل: بل إيذاء الله تعالى: ما يكون من قبيل قول اليهود والنصارى يد الله مغلولة، والمسيح ابن الله، وعزير ابن الله، وجعل الأصنام شركاء لله، وإيذاء الرسول: انتقاصه بوصفه بالشّعر والسّحر والجنون. وقيل: إيذاء الرسول ﷺ المراد هنا هو ما كان من طعنهم في نكاح صفية بنت حيي، إلى غير ذلك، ولا مانع أن يكون كلّ ذلك مرادا.\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن المشهور بتفسير القرطبي، طبعة تصوير، بيروت دار المعرفة (١٤/ ٢٣٢- ٢٣٣) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٣٠٦)، ٤- كتاب الصلاة، ١٧- باب الصلاة من النبي حديث رقم (٤٠٨) .","vol":"1","page":665},{"text":"وقيل: إن المقصود هنا إيذاء الرسول خاصة ﷺ وذكر الله ﷿ معه للتشريف، والإشارة إلى أنّ ما يؤذي الرسول ﷺ لخليق به أن يؤذي الله تعالى، ولا يرضيه، كما جعلت طاعة الرسول ﷺ ومحبته طاعة الله تعالى ومحبته.\nواللعن الطرد والإبعاد من رحمة الله، وبعد ذلك فهناك العذاب المهين المحقّر ينتظر في الآخرة.\nقال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) لما أنهى الكلام في شأن الذين يؤذون الله ورسوله ناسب ذلك أن يقرن به ذكر الذين يتعرّضون للمؤمنين بالأذى، والأذى هنا مطلق كالأذى في الآية السابقة، يتناول كل ما يصدق عليه اسم الأذى، سواء أكان بالقول أم بالفعل، وسواء أكان إيذاء للعرض أو الشرف أو المال، فإنّ الذين يلحقون بالمؤمنين أيّ نوع من أنواع الأذى يستحقون الجزاء الذي ذكر في الآية الكريمة، لا يخصّ منه شيء إلا ما خصّه الله تعالى، وهو أن يكون الإيذاء جزاء على الاكتساب، كالإيذاء بالقصاص، والإيذاء بقطع اليد في السرقة، وكالإيذاء بالتعزيرات المختلفة، وكالحقّ الوارد في\nقوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّها» «١» .\nوقد فهم أبو بكر ﵁ أنّ الزكاة حقّ المال، فقاتل مانعيه من أجله، وقال: والله لو منعوني عناقا كانوا يعطونه لرسول الله لقاتلتهم عليه. وحاجّه في ذلك عمر، فقال له: إلا بحقها، والزكاة حق الأموال، فانشرح صدره لما رآه أبو بكر.\nوقد يخطر لك أن تقول: لماذا قيل: بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا هنا، ولم يقل في الآية المتقدمة مثله؟\nونقول: لأنّ اكتساب الأذى هناك لا يكون، أما العباد فكل يوم يعدو بعضهم على بعض.\nوالمراد بالبهتان الفعل الشنيع، والإثم المبين البيّن الظاهر. واحتماله: حمله وفي التعبير بالاحتمال إشارة إلى ثقل ما يحملون من أوزار.\nويذكر المفسّرون هنا أسبابا لنزول الآية «٢»، فيقولون: هي في قوم آذوا عليا أو\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٥)، ١- كتاب الإيمان، ٨- باب حديث رقم (٢٠ و٢١)، و(١/ ٥٣)، ٨- باب الأمر بقتال الناس حديث رقم (٣٦/ ٢٢)، والبخاري في الصحيح (١/ ١٤)، ٢- كتاب الإيمان، ١٧- باب حديث رقم (٢٥) و(١/ ١١٨)، ٨- كتاب الصلاة، ٢٨- باب فصل استقبال القبلة حديث رقم (٣٩٢) .\n(٢) انظر تفصيله في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٥/ ٢٢٠- ٥٢١) .","vol":"1","page":666},{"text":"عائشة، وقيل في شأن النبي وصفيّة، وقيل: في قوم كانوا يتّبعون النساء إذا برزن لحاجتهنّ. وهي بعد ثبوتها لا تقتضي حمل الآية على واحد منها، وقد تكون الآية نزلت بعد تجمّع الأسباب.\nوقد روى البيهقي في «شعب الإيمان» عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أيّ الرّبا أربى عند الله» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:\n«أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم» ثم قرأ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا الآية.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) جرى حكم العرف بتخصيص النساء بالحرائر، وسبب النزول الآتي يقتضيه، وآخر الآية ظاهر فيه.\nوالإدناء: التقريب، أدناني منه: قرّبني منه. وهو هنا مضمّن معنى الإرخاء والسدل، ولذا عدّي بعلى، يقال: إذا زلّ الثوب عن وجه المرأة: أدني ثوبك على وجهك، أي أرخيه واسدليه. والجلابيب جمع جلباب، وقد اختلف أهل التأويل في الجلباب على ألفاظ متقاربة عمادها أنه الثوب الذي تستر به المرأة بدنها كله، ويتأتى معه رؤية الطريق إذا مشت.\nروى جماعة من المفسرين أنّه كانت الحرة والأمة تخرجان ليلا لقضاء الحاجة في الغيطان وبين النخيل من غير امتياز بين الحرائر والإماء، وكان في المدينة فسّاق لا يزالون على عاداتهم في الجاهلية، يتعرّضون للإماء، وربما تعرضوا للحرائر، فإذا قيل لهم يقولون: حسبناهن إماء فأمرت الحرائر أن يخالفن الإماء في الزي، فيستترن ليحتشمن ويهبن، فلا يطمع فيهنّ مراض القلوب.\nواختلف أهل التأويل في كيفية هذا التستر، فأخرج ابن جرير «١» وغيره عن ابن سيرين أنه قال: سألت عبيدة السلماني عن هذه الآية يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ فرفع ملحفة كانت عليه، فتقنّع بها، وغطّى رأسه كلّه حتى بلغ الحاجبين، وغطّى وجهه، وأخرج عينه اليسرى من شقّ وجهه الأيسر، وروي مثل ذلك عن ابن عباس.\nوفي رواية أخرى عنه أنها تلوي الجلباب فوق الجبين، وتشدّه، ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها، لكن تستر الصدر ومعظم الوجه.\nوأخرج عبد الرزاق وجماعة عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢٢/ ٣٣) .","vol":"1","page":667},{"text":"يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ خرج نساء من الأنصار كأن على رؤوسهنّ الغربان من أكسية سود يلبسنها.\nومعنى الآية: أنّ الله جلّ شأنه يأمر الحرائر إذا خرجن لحاجة أن يتقنّعن ويستترن، حتى يميّزن من الإماء، فلا يتعرّض لهنّ أحد بالإيذاء. هذه طريق الجمهور في تأويل الآية.\nومن المعروف أن هذه الآية نزلت بعد أن استقر أمر الشريعة على وجوب ستر العورة، فلا بد أن يكون الستر المأمور به هنا زائدا على ما يجب من ستر العورة، ولذلك ترى عبارات المفسرين على اختلاف ألفاظها متحدة في أنّ المراد بالجلباب الثوب الذي تستر به المرأة بدنها كلّه من فوق ثيابها، كالملاءة المعروفة في عصرنا.\nوعلى ذلك يكون الأمر بإدناء الجلابيب من الأدب الحسن، زيادة في الاحتياط، ومبالغة في التستر والاستعفاف، وبعدا عن مظان التهمة والارتياب.\nولا يعدّ في إجراء الأمر على ظاهره من وجوب لبس الجلباب إذا كان خروج المرأة بدونه- وإن كانت مستورة العورة- مدعاة للفتنة، وسببا في تعرّض الفساق لها، وإيذائها بالرفث وفحش القول.\nوقد يقال: إنّ تأويل الآية على هذا الوجه، وقصرها على الحرائر، قد يفهم منه أنّ الشارع أهمل أمر الإماء، ولم يبال بما ينالهنّ من الإيذاء، وتعرض الفسّاق لهن في الطرقات، مع أنّ في ذلك من الفتنة ما فيه: فهلا كان ذلك التصون والتستر عامّا في جميع النساء؟\nالجواب: أنّ الإماء بطبيعة عملهن يكثر خروجهن، وترددهنّ في الأسواق ومحالّ البياعات في خدمة سادتهن، وقضاء مصالحهم، فإذا كلّفن أن يتقنّعن، ويلبسن الجلباب السابغ كلّما خرجن، كان في ذلك حرج ومشقة عليهن، وليس كذلك الحرائر، فإنهنّ مأمورات بالاستقرار في البيوت، وعدم الخروج منها إلا في أوقات الحاجة الشديدة، فلم يكن عليهنّ من الحرج والمشقة في التقنّع والتستر ما على الإماء.\nولقد راعى الشارع هذه الحال، فنهى الناس أن يؤذوا المؤمنين والمؤمنات جميعا، سواء الحرائر والإماء، وتوعّد المؤذين بالعذاب الأليم والعقاب الشديد.\nومع هذا فإنّ الشرع لم يحظر على الإماء التقنع والتستر، ولكنّه لم يكلفهن ذلك دفعا للحرج والعسر. فللأمة أن تتقنع وتلبس الجلباب السابغ متى تيسر لها ذلك. وأما نهي عمر ﵁ الإماء في زمانه، وزجره إياهنّ عن التقنع، فإنما كان ذلك من السياسات الشرعية، لأنّه كان يخشى إذا هنّ تشبهن بالحرائر في لباسهن وزيهنّ أن يعتدن الرقة، ويضعفن عن الخدمة والعمل، وتكثر مؤنهنّ على سادتهنّ.","vol":"1","page":668},{"text":"وبعد فقد اختار أبو حيان «١» في تأويل الآية الكريمة وجها غير الوجه الذي سلكه الجمهور، فجعل الأمر بإدناء الجلابيب موجها إلى النساء جميعا، سواء الحرائر والإماء، وجعل معنى قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ أنهنّ يعرفن بالعفة والتصون، فلا يتعرّض لهنّ، ولا يتلقين بما يكرهن، فإنّ المرأة إذا بالغت في التستر والتعفف لم يطمع فيها أهل السوء والفساد، وهو رأي تبدو عليه مخائل الجودة.\nوفي «الطبقات الكبرى» أنّ أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية استنبط من هذه الآية- على رأي الجمهور في تأويلها- أنّ ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن، وإن لم يفعله السلف، لأن فيه تمييزا لهم، حتى يعرفوا، فيعمل بأقوالهم.\nوَكانَ اللَّهُ غَفُورًا فيغفر لمن امتثل أمره ما عسى أن يصدر منه من الإخلال بالتستر رَحِيمًا بعباده، حيث راعى في مصالحهم أمثال هذه الجزئيات، وأرشدهم إلى هذه الآداب الحسنة الجميلة.\n_________\n(١) في تفسيره البحر المحيط (٧/ ٢٥٠) .","vol":"1","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>من سورة سبأ</span>\nقال الله تعالى في قصة سليمان ﵇: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)\nهذا شيء من قصة نبي الله سليمان ﵇ المذكورة في هذه السورة، ولتعلم سياق الحديث فيها نذكر لك ما قبل هذه الآية. قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) [سبأ: ١٠- ١٢] .\nفضمير يَعْمَلُونَ عائد على الجن، وضمير (له) يعود على سليمان. فكما سخّر الله لسليمان الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، وسخّرها عاصفة تجري إلى مسافات بعيدة، سخّر له الجن، وجعلهم طوع أمره، ورهن مشيئته، يعملون صنوفا مما يشاء من أصناف يتعذّر عملها على البشر في ذلك الوقت، وبالسرعة التي يعملها بها الجن، ومن هذه الأشياء المحاريب: وهي جمع محراب، وهي القصور الشامخات، أو البيوت المرتفعة، أو أماكن العبادة، وقد ذكر الله المحراب في القرآن في مواضع في سورة آل عمران وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا [آل عمران: ٣٧] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ [آل عمران: ٣٩] وفي سورة ص وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) [ص: ٢١] .\nويقول الذين يفسرون المحراب بالقصر: إنه سمّي بذلك لأنه يحارب من أجله.\nوقد يبدو من قوله تعالى: يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أنّه المكان المعدّ للصلاة. وأما المحاريب المعروفة الآن بما يدخل في الحائط على سمت القبلة ليتبيّن الناس منها جهة القبلة. فيقول المفسرون: إنها شيء لم يكن قد عرف في الصدر الأول.\nغير أنّه قد يرجّح كون المحاريب بمعنى القصور الشامخات أنها ذكرت على أنها مما كان يعمله الجنّ لسليمان، وقد يكون عمل القصور مما يستعصي على الناس في ذلك الزمن، لجهلهم بفن العمارة. والتماثيل جمع تمثال بكسر التاء، وهو بوزن تفعال، ولم يرد هذا الوزن في القرآن إلا في لفظين (تلقآء) و(تبيان) .","vol":"1","page":670},{"text":"وتمثال الشيء مثاله وصورته أيا كان المثال والصورة، ذات جسم أو ليست ذات جسم، فمثال الشيء ما يماثله ويحكيه.\nوالجفان جمع جفنة: إناء يوضع فيه الطعام، وقيل: إناء عظيم.\nوالجواب أصله الجوابي جمع جابية، وهي الحوض العظيم. والقدور جمع قدر، وهو ما يطبخ فيه الطعام، وراسيات: ثابتات، إشارة إلى أنها قدور عظيمة لا تنقل من مكانها من ثقلها.\nوقوله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا إمّا جملة مستأنفة بتقدير القول، أي قلنا:\nاعملوا يا آل داود شكرا، أو حالية من فاعل (سخّرنا) أي سخّرنا قائلين اعملوا، و(شكرا) مصدر وقع موقع الحال، أي اعملوا شاكرين، وقيل: هو مفعول لأجله، وقيل غير ذلك.\nوالشكور هو الذي يشكر في جميع أحواله من الخير والضر، قيل: هو المتوفّر على أداء الشكر ما وسعه بقلبه ولسانه لا يني.\nهذا وقد جاء ذكر سليمان في القرآن الكريم ست عشرة مرة في ست من سوره:\nفي البقرة، وفي النساء وفي الأنعام، وفي الأنبياء، وفي النمل، وفي سبأ، وفي ص.\nولم يجئ هذا الذكر لتوفية قصة بتمامها أو قصص، وإنما هو تعداد لآلاء الله على سليمان:\nمنها ذكاؤه وبصره النافذ في القضاء والحكم وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ [الأنبياء: ٧٨] .\nومنها تعليمه منطق الطير وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل: ١٦] . ومنها تسخير الرياح له، تجري بأمره رخاء حيث أصاب.\nومنها إسالة عين القطر وهو النحاس المذاب، والقرآن في هذا يحدّث عن عملية صهر المعادن.\nومنها تسخير الجن، وقد جاء الكلام عن تسخير الجن في القرآن الكريم بالآية التي معنا، وفي قوله: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) [ص: ٣٧] . وفي قوله: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [النمل: ١٧] وقد صرّح القرآن الكريم في الآية التي معنا بأنّهم كانوا يعملون بين يديه بإذن ربه، لا يستطيعون أن يحيدوا عن ذلك وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ثم تحدّث عما كانوا يعملون فقال: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ إلخ.\nهذا وقد يفهم من الآية- بل هي صريحة في ذلك- أنّ نبي الله سليمان كان","vol":"1","page":671},{"text":"يتخذ التماثيل، فالقرآن صريح في امتنان الله على سليمان بأنّه سخّر له الجن لتعمل له ما يشاء عمله، من المحاريب والتماثيل، والجفان، والقدور الراسيات. صحيح أنّه لم يذكر في القرآن صراحة أنّ الجن عملت له المحاريب والتماثيل والجفان، ولكنّ تخصيص هذه الأشياء بالذكر في معرض الامتنان دليل على أنّ سليمان كان يبغي صنع هذه الأشياء، وهو قد لا يجد من يصنعها، أو يحذق صنعها، فسخّر له الجن لعملها، وأنّه يمتن عليه بذلك، وعلى هذا ففي تسخير الله الجن لعمل ما يشاء سليمان من التماثيل إذن من الله لسليمان باتخاذها، وهذا دليل على أنّ اتخاذها مشروع عند سليمان، فهل الأمر كذلك في شريعتنا، ذلك هو الذي يجمل بنا أن نتكلم فيه فنقول:\nإنّ القرآن نعى على التماثيل يعكف لها ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ [الأنبياء: ٥٢] وندّد بمن يتخذون الأصنام والأوثان آلهة، وفي القرآن من قصص إبراهيم في تحطيم الأصنام ما هو معروف، وقد ورد أنّ رسولنا الأعظم حطّم الأصنام التي كانت حول الكعبة «١»، والتي كانت على الصفا والمروة، والدين الإسلامي دين التوحيد، وعدوّ الشرك، وليس في الإسلام ذنب أعظم من الشرك إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨ و١١٦] .\nوالسنة قد جاءت بالنعي على التصوير والمصورين، وبالنهي عن اتخاذ الصور، وبالتنفير منها: وجاءت الأحاديث النبوية الشريفة في الموضوع على وجوه كثيرة من الاختلاف. ولكنّها ترجع إلى خمس أمهات ننقلها لك عن القاضي أبي بكر بن العربي، وقد كنا أحببنا أن ننقلها عن البخاري، لكنّا وجدنا إرجاعها إلى الأمهات الخمس ويرجع الفضل فيه للقاضي أبي بكر، فآثرنا الأخذ عنه، فإنّ البخاريّ ذكرها في أبواب على عادته. قال القاضي ﵁ «٢»: إنّ أمهات الأحاديث خمس أمهات:\nالأم الأولى: ما روي عن ابن مسعود وابن عباس «أنّ أصحاب الصور يعذّبون، أو هم أشدّ الناس عذابا» «٣» . وهذا عامّ في كل صورة.\nالأم الثانية:\nروي عن أبي طلحة عن النبي ﷺ: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ١٠٩)، ٦٤- كتاب المغازي، ٤٩- باب أين ركز النبي ﷺ حديث رقم (٤٢٨٧) . [.....]\n(٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي، بيروت دار الفكر. (٤/ ١٥٨٩) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٦٧٠)، ٣٧- كتاب اللباس، ٢٦- باب تحريم تصوير صورة حيوان حديث رقم (٩٨/ ٢١٠٩)، والبخاري في الصحيح (٧/ ٨٥)، ٧١- كتاب اللباس، ٨٩- باب عذاب المصورين حديث رقم (٥٩٥٠) .","vol":"1","page":672},{"text":"ولا صورة» «١» زاد زيد بن خالد الجهني: «إلا ما كان رقما في ثوب» «٢» .\nوفي رواية عن أبي طلحة نحوه، فقلت لعائشة: هل سمعت هذا؟ فقالت: لا، وسأحدثكم، خرج النبي ﷺ في غزاة، فأخذت نمطا فسترته على الباب، فلما قدم ورأى النّمط عرفت الكراهة في وجهه، فجذبه حتى هتكه، وقال: «إنّ الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين» قالت: فقطّعت منه وسادتين، وحشوتهما ليفا، فلم يعب ذلك عليّ «٣» .\nالأم الثالثة:\nقالت عائشة: كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله ﷺ: «حوّلي هذا، فإني كلّما رأيته ذكرت الدنيا» «٤» .\nالأم الرابعة:\nروي عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا مستترة بقرام فيه صورة، فتلوّن وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: «إنّ من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبّهون خلق الله» «٥» قالت عائشة: فقطّعته، فجعلت منه وسادتين.\nالأم الخامسة: قالت عائشة: كان لنا ثوب ممدود على سهوة فيها تصاوير، فكان النبي ﷺ يصلي إليه، ثم قال: أخّريه عني، فجعلت منه وسادتين فكان النبي ﷺ يرتفق بهما «٦» .\nوفي رواية في حديث النمرقة. قالت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسّدها، فقال: «إنّ أصحاب هذه الصور يعذّبون يوم القيامة، وإنّ الملائكة لا يدخلون بيتا فيه صورة» «٧» .\nهذه هي الأمهات الخمس التي جمعها ابن العربي، ومن الحقّ أن نذكر لك ما\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٦٦٩)، ٣٧- كتاب اللباس، ٢٦- باب تحريم تصوير صورة حيوان حديث رقم (٨٤/ ٢١٠٦)، والبخاري في الصحيح (٧/ ٨٤)، ٧١- كتاب اللباس، ٨٨- باب التصاوير حديث رقم (٥٩٤٩) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٦٦٥)، ٣٧- كتاب اللباس، ٢٦- باب تحريم تصوير الحيوان حديث رقم (٨٣/ ٢١٠٦)، والبخاري في الصحيح (٧١/ ٨٧)، ٧٧- كتاب اللباس، ٩٢، باب من كره القعود، حديث رقم (٥٩٥٨) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٦٦٦)، ٣٧- كتاب اللباس، ٢٦- باب تصوير الحيوان حديث رقم (٢١٠٧) .\n(٤) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٦٦٦)، ٣٧- كتاب اللباس، ٢٦- باب حديث رقم (٢١٠٧) و(٨٨/ ٠٠٠) .\n(٥) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٦٦٦)، ٣٧- كتاب اللباس حديث رقم (٩٢/ ٠٠٠)، والبخاري في الصحيح (٧/ ٨٧)، ٧٧- كتاب اللباس، ٩٥- باب من لم يدخل بيتا حديث رقم (٥٩٦١) .\n(٦) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١١٦٦)، ٣٧- كتاب اللباس، ٢٦- باب حديث رقم (٩٢/ ٠٠٠)، والبخاري في الصحيح (٧/ ٨٦)، ٧٧- كتاب اللباس، ٩٣- باب كراهية الصور حديث رقم (٥٩٥٤) .\n(٧) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٦٦٦)، ٣٧- كتاب اللباس، ٢٦- باب حديث رقم (٩٦/ ٠٠٠)، والبخاري في الصحيح (٧/ ٨٧)، ٧٧- كتاب اللباس، ٩٥- باب من لم يدخل حديث رقم (٥٩٦١) .","vol":"1","page":673},{"text":"جمع به بين هذه الأحاديث قال: تبين بهذه الأحاديث أنّ الصور ممنوعة على العموم، ثم جاء إلى ما كان رقما في ثوب، فخصّ من جملة الصور، ثم\nيقول النبي ﷺ لعائشة في الثوب المصور: «أخّريه عني، فإني كلّما رأيته ذكرت الدنيا»\nفثبتت الكراهة فيه.\nثم بهتك النبي ﷺ الثوب المصوّر على عائشة منع منه، ثم بقطعها لها وسادتين، حتى تغيرت الصورة، وخرجت عن هيئاتها، بأنّ جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز، لقولها في النمرقة: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها. فمنع منه، وتوعّد عليها.\nوتبين بحديث الصلاة إلى الصورة أنّ ذلك كان جائزا في الرقم في الثوب، ثم نسخة المنع، فهكذا استقرّ فيه الأمر والله أعلم.\nهكذا يرى ابن العربي أنّ المنع في الأول كان عاما، ثم استثنيت منه أشياء رخّص فيها، ثم زال ذلك بالرجوع إلى المنع في الكل، ونحن نرى أنّ هذه الطريقة في الجمع بعيدة. إذ فيها إثبات النسخ لجواز اتخاذ بعض الصور، والرجوع إلى الحظر الذي ادعى أنه عام.\nومعلوم أنّ النسخ يشترط فيه العلم بالتاريخ، وإلا إذا كان يكفي الإمكان فلقائل أن يقول: إن أحاديث المنع يحتمل أن تكون متقدمة، ثم جاءت أحاديث الترخيص.\nومن أجل ذلك نرى أنّ الذي يذهب إليه ابن العربي بعيد، وأنّ الأولى في الجمع أن يقال: تحمل النصوص التي فيها الحظر بإطلاق على ما كان منها مجسّدا لذي روح، ويستأنس له\nبقوله ﷺ في بعضها: «أشدّ الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون خلق الله»\nوروي من طريق آخر: «يقال لهم: أحيوا ما خلقتم»\nبل في بعضها ما هو تحد قوي بنفخ الروح\n«يعذّب حتّى ينفع فيه الروح، وما هو بنافخ» «١» .\nوبهذا يكون\nقوله ﷺ: «أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون»\nمرادا منه الذين يصوّرون صور الأجسام ذوات الروح إذا كانت على حالة بحيث يمكن أن يقال:\nإن صاحبها يضاهي بها خلق الله، وهذا أيضا إنما يكون إذا كانت كاملة الخلق بحيث لا ينقصها إلا نفخ الروح، وإذا يكون تصوير الجمادات كالجبال والأنهار والكائنات النامية التي ليست بذات روح خارجة من الحظر، لأنّها ليست مما تناولها النصّ بإشارة\n«يشبهون خلق الله»\n، وبإشارة\n«يقال لهم أحيوا ما خلقتم»\nوحتى\n«ينفخ فيها الروح وما هو بنافخ»\nإذ كل هذه الجمادات والنباتات لا تجتمع فيها كلّ هذه الصفات، فتكون\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١٦٧١)، ٣٧- كتاب اللباس، ٢٦- باب حديث رقم (١٠٠/ ٢١١٠)، والبخاري في الصحيح (٣/ ٥٤)، ٣٤- كتاب البيوع، ١٠٤- باب بيع التصاوير حديث رقم (٢٢٢٥) .","vol":"1","page":674},{"text":"خارجة من الحظر، وتبقى التماثيل المجسّمة للحيوان على هيئته الكاملة محظورات، وهي التي تكون مرادة من النص.\nوهذا تأويل قريب بالنسبة للتأويلات الأخرى، كتأويل من يحمل\n«لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة»\nعلى بيت النبي ﷺ خاصة، وكتأويل من يقول: إنّ معنى\nقوله ﷺ: «المصورون يعذّبون»\nوما ماثله في المعنى: أن المراد من يجعلون لله صورة، فإن هذه تأويلات بعيدة، فلا دليل على التخصيص بالنسبة للأول، ولا يتفق مع بقية الأحاديث والأخبار بالنسبة للثاني.\nبقيت الأحاديث المتعارضة فيما كان رقما في ثوب، وما ماثله من الرسوم التي لا ظلّ لها، فقد روي في بعض الروايات عدم دخول الملائكة بيتا يحوي الكلب أو الصورة بإطلاق، وفي بعضها استثناء الرقم في الثوب، وفي بعضها أنه رأى صورة الطائر في ثوب اتّخذ ساترا، فهتكه، أو فغضب، وقال: إنا لم نؤمر بكسوة الحجر والطين، وفي بعضها أنّ أصحاب هذه الصور يعذّبون، وكل هذه الروايات تعارض الرواية التي فيها استثناء الرقم في الثوب، وتوافق الروايات التي جائت بالإطلاق، ولكنّا نقول: إنّ الجمع بينها ممكن، إذ من الممكن أن يقال: إنّه غضب لمّا رأى الصورة معلقة أمام المارّة يستقبلونها، فربما أشعر وضعها هذا بتعظيمها، ولو كانت على غير هذا الوضع، ووضعت للاستعمال فلا بأس. وقد ارتفق بها وسادة.\nوأما تأويل ابن العربي التوسد بأن الصورة خرجت عن هيئتها، فلم يوجد في الأحاديث ما يدلّ عليه.\nويؤيّد هذا المعنى حديث الصورة التي كانت أمامه في الصلاة، فأمر بإزاحتها قائلا: «كلّما رأيتها تذكّرت الدنيا» يعني أنّ هذا نوع من الزينة التي تشغل البال.\nوكذلك يدلّ استعماله للوسادة التي اتّخذت من الساتر الذي كان فيه الصورة، وأمر بإزاحته، على أنّ المدار في النهي عن الصور والتنفير منها: ألا تتّخذ فتعظّم، فإنّ ذاك قد يجرّ إلى عبادتها، فالنهي عنها من باب سد الذرائع، فإن انتفى أن تكون الصورة في وضع يشعر بالتعظيم، وانتفى قصد التعظيم، فقد زال النهي، كما دلّ على ذلك فعل النبي ﷺ وارتفاقه بالوسائد التي فيها الصور.\nولعلّك تقول: ما دام الأمر كذلك فلنطرد الباب على وتيرة واحدة، فنجري الكلام في التماثيل المجسمة لذي الروح على هذا الوجه، فنقول: فرق بين هذه وهذه، فإنّ الصورة المجسّمة تبقى عصورا طويلة، وقد يفضي التقادم إلى نسيان المعنى الأصلي من اتخاذها، وينقلب الناس يعبدونها، ويعكفون عليها.\nقال ابن العربي: والذي أوجب النهي في شريعتنا- والله أعلم- ما كانت عليه","vol":"1","page":675},{"text":"العرب من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصوّرون ويعبدون، فقطع الله الذريعة وحمى الباب.\nوقد ورد في كتب التفسير في شأن يغوث، ويعوق، ونسر، وود، وسواع: أنّهم كانوا قوما صالحين، ثم صوّروا بعد موتهم تذكيرا بهم وبأعمالهم، ثم انتهى الحال آخر الأمر إلى عبادتهم.\nقال ابن العربي: وقد شاهدت بثغر الإسكندرية إذا مات ميت صوّروه من خشب في أحسن صورة، وأجلسوه في موضعه من بيته، وكسوه بزّته إن كان رجلا، وحليتها إن كانت امرأة، وأغلقوا عليه الباب، فإذا أصاب واحدا منهم كرب، أو تجدّد له مكروه فتح الباب عليه، وجلس عنده يبكي، ويناجيه بكان وكان، حتى يكسر سورة حزنه بإهراق دموعه، ثم يغلق الباب عليه، وينصرف عنه، وإن تمادى بهم الزمان تعبّدوها من جملة الأصنام والأوثان «١» .\nبعد هذا نقول: إنه ليس لأحد أن يحتجّ بقصة سليمان في التماثيل، فإنّها وإن كانت في شريعة من قبلنا، فقد وجد المغيّر في شريعتنا، وشريعة من قبلنا إنما تكون شريعة لنا إذا لم يوجد الناسخ، وقد وجد، على أنّ من الممكن أن يقال: إن التماثيل التي كانت في ذلك العهد يحتمل أن تكون مما أباحت شريعتنا اتخاذه، فإن لم يصلنا من طريق قاطع أنّ التماثيل التي كانت، إن كانت هناك تماثيل اتخذت، كانت تماثيل لذي روح، وحينئذ يزول الإشكال.\nوإننا لننقل لك عن العلامة ابن حجر في شرحه للبخاري آراء العلماء في اتخاذ الصور تتميما للفائدة قال ﵀: نقلا عن ابن العربي: حاصل ما في اتخاذ الصور أنّها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقما فأربعة أقوال:\nالأول: يجوز مطلقا، عملا\nبحديث: «إلا رقما في ثوب» .\nالثاني: المنع مطلقا.\nالثالث: إن كانت الصورة باقية بالهيئة، قائمة الشكل حرم، وإن كانت مقطوعة الرأس، أو تفرّقت الأجزاء جاز، قال: وهذا هو الأصح.\nالرابع: إن كانت مما يمتهن جاز، وإن كان معلقا لم يجز.\nونقل عن النووي أنّ جواز اتخاذ الصور إنما هو إذا كانت لا ظلّ لها، وهي مع ذلك مما يوطأ ويداس، أو يمتهن بالاستعمال، كالمخاد والوسائد. والقول بجواز ذلك مروي عن جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وهو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة والشافعي.\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن للإمام ابن العربي (٤/ ١٥٨٨) .","vol":"1","page":676},{"text":"ونقل عن ابن العربي أيضا أنّ ذات الظل حرّمت بالإجماع، سواء كانت مما يمتهن أم لا. قال ابن حجر: واستثني من ذلك لعب البنات.\nولعلك تريد بعد ذلك أن تعرف حكم ما يسمى بالتصوير الشمسي أو الفتوغرافي فنقول: يمكنك أن تقول: إنّ حكمها حكم الرقم في الثوب، وقد علمت استثناءه نصا. ولك أن تقول: إن هذا ليس تصويرا، بل حبس للصورة، وما مثله إلا كمثل الصورة في المرآة، لا يمكنك أن تقول: إن ما في المرآة صورة، وأن أحدا صوّرها، والذي تصنعه آلة التصوير هو صورة لما في المرآة، غاية الأمر أنّ مرآة الفتوغرافية تثبت الظلّ الذي يقع عليها، والمرآة ليست كذلك. ثم توضع الصورة أو الخيال الثابت في العفريتة في حمض خاص، فيخرج منه عدة صور. وليس هذا بالحقيقة تصويرا فإنّه إظهار واستدامة لصور موجودة، وحبس لها عن الزوال، فإنّهم يقولون: إنّ صور جميع الأشياء موجودة، غير أنها قابلة للانتقال بفعل الشمس والضوء ما لم يمنع من انتقالها مانع، والحمض هو ذلك المانع.\nوما دام في الشريعة فسحة بإباحة هذه الصور كاستثناء الرقم في الثوب فلا معنى لتحريمها، خصوصا وقد ظهر أنّ الناس قد يكونون في أشد الحاجة إليها.\nولعلنا بعد هذا نكون قد وفّينا الموضوع ما يستحقّ، والله الهادي إلى سواء السبيل.","vol":"1","page":677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>من سورة ص</span>\nقال الله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)\nوهذه قصة من قصص حياة نبي الله أيوب ﵇، ولقد عرض القرآن الكريم لذكر أيوب ﵇ في أربعة مواضع منه. فقد جاء ذكره في سورة النساء [١٦٣] في عداد الأنبياء الذين أوحي إليهم.\nإِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (١٦٣) .\nوجاء ذكره في سورة الأنعام [٨٣، ٨٤] في عداد الأنبياء من ذرية نوح ﵇: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) .\nوجاء ذكره وذكر كشف الضرّ عنه في سورة الأنبياء [٨٣، ٨٤] بعد ذكر تسخير الريح عاصفة لسليمان، وعمل الجن له في قوله تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) .\nوجاء ذكره في سورة ص [٤١- ٤٤] في قوله تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) إلى وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) .\nفأنت ترى أنّ أيوب قد ذكر مرّة في عداد النبيين الذين أوحي إليهم، ومرّة في عداد من كان من ذرية نوح من النبيين، ومرّة ثالثة في سورة الأنبياء حيث ذكر بعض ما أصابه من ضرّ مسه، وقد سأل أرحم الراحمين كشفه، فاستجاب له، فكشف ما به من ضرّ، وآتاه أهله رحمة من عنده وذكرى للعابدين.\nوقد جاء ذكره في سورة ص تفصيلا بعض التفصيل لهذا الضر الذي أصابه، وبيانا لطريق كشف الضرّ عنه، فقد جاء في تفصيل الضرّ أنّ الشيطان مسّه بنصب","vol":"1","page":678},{"text":"وعذاب، والنصب: بضم النون وإسكان الصاد: التعب، كالنّصب بالفتح فيهما، والعذاب: النكال.\nوجاء في بيان كشف الضر عنه أمره أن يركض برجله، والقول له: هذا مغتسل بارد وشراب. والمغتسل: مكان الغسل، والشراب: ما يشرب. ثم جاء في هذا البيان أيضا أنه وهبه أهله ومثلهم معهم، وأنّ ذلك كان رحمة منه وذكرى لأولي الألباب، على نحو ما جاء في سورة الأنبياء تماما بفارق بسيط، ذلك أنّه قيل في الأنبياء:\nوَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وقيل في ص: وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وقيل في الأنبياء: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ وقيل في ص [٤٣] رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ.\nوقد جاء في سورة ص زيادة لم تظهر في (سورة الأنبياء) ذلك هو قول الله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ وإنما جعلنا هذه زيادة لم تظهر، مع أنّها طريق من طرق كشف الضر الذي أصاب أيوب، لأنا رأينا القرآن قد فصل بين الضّرّ الذي أصاب أيوب في شخصه، وبين ما أصابه في أهله.\nفقال في الأول: فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ.\nوقال في الثاني: وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ. فدلّ ذلك على أنه أصابه ضران: ضرّ في النفس، وضرّ في الأهل، وقد جاء إيتاء الأهل في السورتين نصا، وجاء كشف الضّرّ في الأنبياء بلفظه، وفي ص بالأمر بالرّكض بالرجل.\nأما الأمر بأخذ الضّغث، والضرب به، فشيء جديد، جاءت به آية مستقلة، وهي في شأن من شؤون أيوب كان من الخير ألا يفعله حتّى لا يتأذّى به غيره.\nويكاد القرآن الكريم يكون صريحا في أنّ الضرّ الذي مسّ أيوب ﵇ ضر حسيّ، تلمسه من قول أيوب: مسني الضر، وقوله في سورة ص: مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ وفي قول الله: فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وقوله لأيوب: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وليس بلازم في ثبوت صبر أيوب أن يكون الضر الذي أصابه قد وصل إلى الحدّ الذي عصم منه الأنبياء، وعلى الوجه الذي ينقله المفسرون من الإسرائيليات التي لا يكاد يثبت منها شيء. بل يكفي أن يكون مرضا من الأمراض المستعصية التي ينوء بحملها الناس عادة، ويضجرون من ثقلها، وخصوصا إذا امتدّ الزمن بها، وإنّك لتفهم من التعبير عنها بمس الشيطان أنها مما لا يؤلف عادة، وكلّ غريب غير مألوف يقال فيه: إنّه من فعل الشيطان.\nوقد يكون التعبير عنها بأنها مس الشيطان للتأدب، على حد ما يقال: (إن كان خيرا فمن الله، وإن كان شرّا فمني ومن الشيطان) .","vol":"1","page":679},{"text":"فإذا احتملها الإنسان وصبر عليها صحّ أن يقال فيه: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ.\nوأما اللجوء إلى القول بأن ذلك الضّرّ هو إعراض قوم أيوب عن دعوته فرارا مما رواه المفسرون من خرافات لا تصح، فهو ظنّ لا يغني من الحق شيئا.\nفالقرآن الكريم في المواضع الأربعة التي جاء فيها ذكر أيوب لم يذكر فيها شيئا عن دعوته في قومه، ولا شيئا مما كان من قومه، ولو أنّ الذي أصاب أيوب من قومه في دعوته كان شيئا يصحّ أن يذكر لذكره الله في عبارة صريحة واضحة جلية، كما هو الشأن في الذين لقوا عنتا في سبيل دعوتهم، على أنّا لا نعتقد أنّ أحدا من الرسل لقي عنتا مثل الذي لقي إبراهيم ونوح وموسى.\nلقد بلغ من عداوة قوم إبراهيم له أن قالوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٦٨] .\nوبلغ من عناد قوم نوح أن قال فيهم: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِرارًا (٦) [نوح: ٥، ٦] وأن اضطر إلى أن يسأل الله: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) [نوح: ٢٦، ٢٧] .\nوحتى ابنه كان في معزل عنه، ولم يستمع لأبيه حتى في طلب النجاة من الغرق.\nولم يكن شأن موسى مع قومه بأقلّ من هذا، فقد أخرجه عنادهم إلى التيه، كلّ هذا وغيره أصاب الأنبياء في دعوتهم، ولم يحك القرآن أن أحدا منهم قال: مسني الضر، ولا مسني الشيطان بنصب وعذاب.\nوقد أمر الله نبينا ﷺ أن يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولم يقل أحد:\nإنّ أيوب كان من أولي العزم، مع أنّ الله يقول فيه: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا ولقد كان صبر أيوب مضرب الأمثال، وأولو العزم من الرسل هم الذين أصابهم عنت معارضة الدعوى، فصبروا، وأمر النبي ﷺ أن يتأسّى بهم.\nترانا قد أطلنا في غير ما هو مقرّر علينا، ولكن جرّنا إليه أنّا أردنا أن نبيّن المخاطب في قوله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ.\nوالضغث: في اللغة قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس. وقال ابن عباس:\nوهو عثكال النخل.\nوالحنث: يطلق على الإثم، وعلى الخلف في اليمين، وعلى هذا فقد أمر الله أيوب أن يأخذ قبضة من حشيش، أو حزمة حطب، فيضرب بها، ونهاه أن يحنث.\nوإذن لقد كان أيوب حلف ليضرب، وكان هذا الضرب مؤذيا وإذا تركه أيوب يكون حانثا مخالفا ليمينه، فنهاه الله أن يحنث، وأوجد له المخرج من إيقاع الذي","vol":"1","page":680},{"text":"يترتب على البر باليمين، وهو أن يأخذ الضغث فيضرب به، فلا يتأذّى المضروب، فيكون قد برّ بيمينه، وابتعد من الحنث، وتجنّب إيقاع الأذى بالغير.\nوقد جعل المفسرون يعيّنون من كان سيلحقه الأذى، ويذكرون السبب الذي انبنى عليه عزم إيقاع الأذى، وأخذوا يصوّرون الذي كان من أيوب تارة على أنه كان يمينا، وتارة على أنه كان نذرا، وقد ذكروا في كل ذلك روايات لم تثبت صحتها، فرووا أنّ امرأة أيوب هي المحلوف عليها، وقالوا في سبب الحلف إنّها كانت تخدمه، وضجرت من طول مرضه، فتمثّل لها الشيطان طبيبا، فقالت له:\nهل لك أن تشفي هذا المريض؟ فقال: بشرط أن يقول كلمة واحدة هي: أني شفيته: فقالت لأيوب: كلمة واحدة تقولها، وتشفى، ثم تستغفر الله، فحلف أو نذر لئن شفي ليضربنّها مئة جلدة.\nوقيل بل كانت تأتي له بالطّعام، فأتت يوما بطعام أكثر من المعتاد، وكانت قد باعت ذوائبها، فارتاب في أمرها، فحلف أو نذر.\nوقيل: بل طلبت إليه أن يسأل ربّه أن يشفيه، فظنّ ذلك منافيا للصبر فحلف.\nوقالوا في الضر الذي أصابه أقوالا كثيرة ينافي ما ثبت للأنبياء من العصمة من المنفّرات.\nوقد فهمت قبلا أنّ القرآن يدلّ على أنّ الضرّ حسي تناول البدن بإشارة (مسّني الضّرّ) ومَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ وبإشارة فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وبإشارة ارْكُضْ بِرِجْلِكَ إذ هو ظاهر في أنّه إنما أمر بذلك كطريق من طرق العلاج، وكذلك قول الله هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ فهو ظاهر في أنّ المراد أن يغتسل من المغتسل، وأن يشرب من الشراب فيشفى.\nوكذلك يدلّ القرآن على أنّه قد أصيب في أهله بغير تعيين لنوع الإصابة، أكانت بالموت أم بالمرض، أم بهما معا، فكشف عنه هذا الضر، فآتاه أهله ومثلهم معهم، والله يعلم كيف كان هذا الإيتاء، أبإحياء من مات؟ أم بمباركة من بقي وزيادة نسله؟\nوقد كان منه حلف بضرب كان من الخير ألا يفعله، فنهاه عن الحنث، وأوجد له المخرج من شرّ الأذى، فأمره بأخذ الضّغث والضرب به. ذلك كلّ ما يدل عليه القرآن الكريم، وهو ليس في حاجة إلى ما جاء في الإسرائيليات، ولو علم الله في البيان أكثر من هذا خيرا لبيّنه.\nثم قال الله تعالى: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ صبر على ما أصابه من أذى في بدنه وأهله وماله، والأواب: كثير التأويب والرجوع إلى الله في كلّ أموره.\nفأنت ترى أنّ أيوب كان قد حلف على ضرب يتكرّر مرارا، وذلك يؤذي","vol":"1","page":681},{"text":"المضروب، فأوجد له تحلّة القسم، وذلك بالضرب بالضغث، ويظهر أنّه لم يكن عنده كفارة اليمين.\nوبناء على رأي بعض الأصوليين الذين يقولون: إنّ شرع من قبلنا شرع لنا قال الحنفية: إنّ من حلف ليضرب مئة ضربة، فأخذ حزمة من حطب عدد عيدانها مئة، فضرب بها برّ بيمينه، ولا كفارة عليه، لأنّ الله قد رخّص لأيوب هذا، وجعله غير حانث به، وما دام غير حانث فهو بار، لأنّه لا واسطة بين الحنث والبر، ومن أجل أنّه برّ لا تجب الكفارة، لأن الكفارة في شريعتنا إنّما تجب عند الحنث.\nوالمالكية- وإن كانوا يقولون بهذه القاعدة الأصولية- ويقولون: هي رخصة خاصة بأيوب، بدليل توجيه الخطاب له، وبما ذكر للترخيص من العلة. ويقول ابن العربي «١»\n: إنّما انفرد مالك عن القاعدة لتأويل بديع هو أنّ مجرى الأيمان عند مالك في سبيل النية والقصد أولى، لقوله ﷺ: «إنّما الأعمال بالنيات» «٢»، وقصة أيوب ﵇ ولم يصح فيها شيء يبيّن كيفية اليمين حتى نلتزم شريعته فيها. انتهى ملخصا فلا معنى لترك ما دلت عليه شريعتنا لشيء لا نعرف ما هو، وشريعتنا تقضي بحمل الأيمان على اللغة، أو على العرف، واللغة لا تجعل الضارب مرة بسوط ذي شعب ضاربا مرات بعدد الشعب، وكذا العرف، فوجب أن نجري على ما هو الحكم عندنا بموجب العرف واللغة.\nولذلك لا يجوز هذا فيمن وجب عليه الحد إذا كان صحيحا، وأما إذا كان مريضا فهذه رخصة في حدّ المريض خاصّة، وإن شئت فقل: إنّها حدّ المريض إذا كان لا يقوى على احتمال الحد، ولذلك نرى أنّ الأولى الأخذ برأي مالك في المسألة خصوصا وأنّ الكفارة شرعت عند إرادة العدول عن مقتضى اليمين إلى ما هو خير، بل لقد قال بعضهم: إنّ المخالفة إلى الخير كفارة.\nبقي أنّ بعض العلماء يريد أن يأخذ من هذه الآية مشروعية الحيلة، وسنسمعك شيئا من حججهم، وشيئا من ردّ ابن القيم في كتابه «أعلام الموقعين» عليهم، ونوصيك بقراءته في هذا الموضوع، فهو نفيس.\nوقبل أن ننقل لك عن ابن القيم نقول: إنّ الحيلة- كما هو ظاهر من اسمها- ما يقصد به الاحتيال لدفع شيء عن وجهه الذي هو عليه، أو جلبه من غير وجهه الذي\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن للإمام ابن العربي (٤/ ١٦٤٠) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٥١٥)، ٣٣- كتاب الإمارة، ٤٥- باب قوله ﷺ: «إنما الأعمال» حديث رقم (١٥٥/ ١٩٠٧)، والبخاري في الصحيح (١/ ٣)، ١- كتاب الوحي، ١- باب كيف بدء الوحي حديث رقم (١) .","vol":"1","page":682},{"text":"هو عليه، كأولئك الذين يتظاهرون أنّهم يؤدون الزكاة، فيجيئون بفقير يعطونه شيئا من المال، وقد تواضعوا على أن يهبه لهم، ثم وثم، حتى ينتهي ما عليهم من الزكاة، عدّا على الفقير، وهبة من الفقير لهم.\nومثل آخر ذلك الذي أسماه الحنفية إسقاط الصلاة، وقاسوها على الحج عن الغير، وعلى فدية الصوم، ولسنا نريد أن نقول لهم شيئا في القياس والجامع والفارق، وإنما هو شيء أوجدوه، قصدوا منه الإحسان إلى الفقراء، ثم أجازوا الحيلة في إسقاط ما يسقط الصلاة، فقالوا: يعطى الفقير نصف صاع، ثم يهبه، وتتكرّر العملية بعدد الصلوات المتروكة، أو بعدد الأيام المتروكة، فيكونون قد أحسنوا إلى الفقراء، وتسقط الصلاة عن ميتهم.\nوهناك أمثلة كثيرة، فقد أدخلوا الحيلة في كلّ شيء: أدخلوها في التحليل في المطلق ثلاثا، وأدخلوها في الزكاة، وفي الاستبراء، وفي كفارة الصيام. وما ندري لماذا شرعت الأحكام بعد إذ جاءت الحيل، وانفتح بابها لعدم التزام الأحكام، وللعلماء آراء في مشروعية الحيلة، فبعضهم يمنعها مطلقا، وبعضهم يجيزها مطلقا، وبعضهم يقول: إن عطلت مصلحة شرعية كالتحيّل في الزكاة لا تقبل، وإلا قبلت.\nونحن ننقل لك طرفا من أدلة المجيزين وأدلة المانعين عن العلّامة ابن القيم ﵀ قال:\nقال أرباب الحيل: قد أكثرتم من ذمّ الحيل، وأجلبتم بخيل الأدلة ورجلها، وسمينها ومهزولها، فاستمعوا الآن تقريرها، واشتقاقها من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة وأئمة الإسلام، وأنّه لا يمكن لأحد إنكارها.\nقال الله تعالى لنبيه أيوب: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ فأذن لنبيه أيوب أن يتحلّل من يمينه بالضرب بالضّغث، وقد كان نذر أن يضربها ضربات معدودة. وهي في المتعارف الظاهر إنما تكون متفرقة، فأرشده تعالى إلى الحيلة في خروجه من اليمين، فنقيس عليه سائر الباب، ونسميه وجوه المخارج من المضائق ولا نسميه بالحيل التي ينفر الناس من اسمها.\nوأخبر تعالى عن نبيه يوسف ﵇ أنّه جعل صواعه «١» في رحل أخيه، ليتوصل بذلك إلى أخذه من إخوته، ومدحه بذلك، وأخبر أنّه برضاه وإذنه، كما قال:\nكَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: ٧٦] .\n_________\n(١) إناء يشرب فيه، انظر لسان العرب لابن منظور (٨/ ٢١٥) مادة صوع. [.....]","vol":"1","page":683},{"text":"وقال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) [النمل: ٥٠] فأخبر الله أنّه مكر بمن مكر بأنبيائه ورسله.\nوكثير من الحيل هذا شأنها، يمكر بها على الظالم والفاجر، ومن يعسر تخليص الحق منه، فتكون وسيلة إلى نصر مظلوم، وقهر ظالم، ونصر حق، وإبطال باطل، والله تعالى قادر على أخذهم بغير وجه المكر الحسن، ولكن جازاهم بجنس عملهم، وليعلّم عباده أنّ المكر الذي يتوصّل به إلى إظهار الحق، ويكون عقوبة للماكر، ليس قبيحا.\nوقد ساق ابن القيم بعد ذلك آثارا، عن الصحابة، وأحاديث من السنة، وأقوالا عن السلف والأئمة، يتمسك بها القائلون بمشروعية الحيلة، يطول المقام بذكرها، فنحيلك على «أعلام الموقعين» «١» إن أردتها.\nثم أخذ يرد على هذا الذي تمسّك به القوم، فأطال في إبداع، ونحن نذكر هنا طرفا منه.\nقال: ونحن نذكر ما تمسكتم به في تقرير الحيل والعمل بها، ونبيّن ما فيه، متحرّين العدل والإنصاف، منزّهين لشريعة الله وكتابه وسنة رسوله ﷺ عن المكر والخداع والاحتيال المحرم، ونبيّن انقسام الحيل والطرق إلى ما هو كفر محض، وفسق ظاهر، ومكروه، وجائز، ومستحب، وواجب عقلا أو شرعا، ثم نذكر فصلا نبيّن فيه التعويض بالطرق الشرعية عن الحيل الباطلة، فنقول وبالله التوفيق، وهو المستعان وعليه التكلان:\nأما قوله تعالى لنبيه أيوب ﵇ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ فقال شيخنا: الجواب: أنّ هذا ليس مما نحن فيه، فإنّ للفقهاء في موجب هذه اليمين في شرعنا قولين: يعني إذا حلف ليضربنّ امرأته أو عبده مئة ضربة:\nأحدهما: قول من يقول موجبها الضرب مجموعا أو مفرقا، ثم منهم من لا يشترط مع الجمع الوصول إلى المضروب، فعلى هذا تكون هذه الفتيا موجب هذا اللفظ عند الإطلاق، وليس هذا بحيلة، إنما الحيلة بصرف اللفظ عن موجبه عن الإطلاق.\nوالقول الثاني: أن موجبه الضرب المعروف، وإذا كان هذا موجبه لم يصح الاحتجاج علينا بما يخالف شرعنا من شرائع من قبلنا، لأنّا إن قلنا: «ليس شرعا لنا مطلقا» فظاهر، وإن قلنا: «هو شرع لنا» فهو مشروط بعدم مخالفته شرعنا، وقد انتفى الشرط.\nوأيضا فمن تأمّل الآية علم أنّ هذه الفتيا خاصة الحكم، فإنّها لو كانت عامة الحكم في حقّ كلّ أحد لم يخف على نبي كريم موجب يمينه، ولم يكن في قصّها علينا كبير عبرة، فإنما يقصّ علينا ما خرج عن نظائره، لنعتبر به، ونستدل به على حكمة الله فيما قصّه علينا.\n_________\n(١) انظر أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم بيروت، دار الجيل (٣/ ٢٩٠- ٤٠٣) .","vol":"1","page":684},{"text":"ثم قال: ويدل عليه اختصاص قوله تعالى: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل، كما في نظائرها، فعلم أنّ الله سبحانه إنما أفتاه بذلك جزاء له على صبره، وتخفيفا عن امرأته ورحمة بها.\nوأيضا فإنّه تعالى إنما أفتاه بهذا لئلا يحنث، كما قال: وَلا تَحْنَثْ وهذا يدلّ على أنّ الكفارة لم تكن مشروعة في شريعته: بل ليس في اليمين إلا البرّ أو الحنث، وقد كان ذلك مبررا في شريعتنا قبل شروع الكفّارة «لم يكن أبو بكر يحنث في يمين حتّى أنزل الله كفارة اليمين» .\nوإذا كان كذلك، يكون كأنّه نذر ضربها، وهو نذر لا يجب الوفاء به، لما فيه من الضرر عليها. ولا يغني عنه كفارة يمين، لأنّ تكفير النذر فرع عن تكفير اليمين، فإذا لم تكن كفارة النذر مشروعة إذ ذاك، فكفارة اليمين أولى: وقد علم أنّ الواجب بالنذر يحتذى به حذو الواجب بالشرع وإذا كان الضرب الواجب بالشرع. يجب تفريقه إلّا إذا كان المضروب ميؤوسا من شفائه، فيكون الواجب أن يجتمع الضرب، لمكان العذر.\nوبعد كلام طويل قال في قصة يوسف: نحن نسأل القائلين بجواز الحيل: هل تجيزون أنتم مثل هذا في شريعتنا حتى يكون لكم أن تحتجّوا بمثله؟ وأما مجرد وجوده في شريعة يوسف فليس ينفعكم.\nقال شيخنا: ومما قد يظنّ أنّه من جنس الحيل التي بيّنا تحريمها، وليس من جنسها قصة يوسف، حين كاد الله له في أخذ أخيه، كما قصّ ذلك في كتابه [يوسف: ٧٠]، فإن فيه ضروبا من الحيل الحسنة:\nمنها: جعله بضاعتهم في رحالهم، ليرجعوا بعد المعرفة.\nومنها: جعل السقاية في رحل أخيه ليظهره بمظهر السارق، فيحتجزه. وقد ذكروا أنّ ذلك كان بمواطأة بينه وبين أخيه، وعلى ذلك فليس هناك حيلة.\nثم أطال في بيان الموضوع، ونحن نجتزئ منه بهذا.\nوبعد فإنّ التحايل على إسقاط التكاليف الشرعية أمر تنفر منه الطباع، وما ندري هل علم المحتالون أنّ حيلهم تنطلي فتسقط التكاليف أو هم قد اتخذوا عند الله عهدا أنه لا يجازيهم على هذا التحايل؟ ثم من يخادعون!!! التحايل في الحرب في اتقاء الظالمين أمر مقبول إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ [آل عمران: ٢٨] أما التحايل لإسقاط التكاليف، ولأكل الأموال من غير وجهها فما نظنّ أحدا يقول به.\nوفي هذا القدر كفاية، ونكرر الوصية بمطالعة الموضوع في مراجعه، فإنّه نفيس، ويكفي أن نبهناك إليه، والله وليّ التوفيق.","vol":"1","page":685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>من سورة الأحقاف</span>\nقال الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦)\nقدمنا لك في سورة لقمان [١٤] ما فيه كفاية في تفسير الآية الأولى وفي بيان ما تشتمل من أحكام، وخلاف العلماء في مدة الرضاع، ومستندهم الذي يستندون إليه في تدعيم آرائهم، ونحن من أجل ذلك لا نعيده، وإن احتجت إلى شيء منه فارجع إليه هناك، وإنما نذكر هنا ما لم يرد له ذكر هناك.\nالكره: بفتح الكاف وضمها المشقة كالضّعف والضّعف بالفتح والضم. ومن ظريف ما يقولون في بيان المفردات هنا: أنّ المشقة تكون بعد الحمل بقليل لا وقت الحمل، بل حين يثقل الولد في بطنها، وكأنّهم ظنّوا أنّ القرآن يحدّد وقت المشقة.\nوهذا الموضع لبيان المتاعب التي تتجشمها الأمّ أثناء الحمل، حتى يكون ذلك مرقّقا للولد على أمه، فالمدار أن يكون تعب في أثناء الحمل. وقد يسبق الكره ثقل الولد، بل هو الواقع الكثير، فإنّ الوالدات يتحمّلن كثيرا من المتاعب في أيام الوحم، فيمتنعن من الطعام ومن الشراب، ويعفن كل شيء.\nوقوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً غاية لمحذوف، تقديره فعاش أو طالت حياته، حتى إذا بلغ أشده.\nوالأشد: القوة، وبلوغه استحكامه، وذلك يكون بكماله في القوة المادية والعقلية. وبلوغ الأربعين سنة قيل: هو وقت بلوغ الأشد، وذلك هو الوقت الذي يكتمل فيه الخلق، وتقوى متانته، ولذلك قيل: إنّه لم ينبأ نبيّ قبل الأربعين، وإن كان بعض العلماء على خلافه، مستدلا بما ورد في شأن عيسى ويحيى من مثل: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) [مريم: ٣٠] . ومن مثل: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: ١٢] .","vol":"1","page":686},{"text":"ويرى ابن العربي أنّه يجوز بعث الصبي، ولكنه لم يقع، وتأوّل الأدلة على أنّها إخبار عمّا سيكون، لا عمّا وقع بالفعل، قال: ومثله كثير في القرآن.\nعلى أنّه لا مانع من أن تبقى الآيات على ظاهرها، ويكون ذلك على خلاف الغالب في الأنبياء.\nقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ.\nأوزعه بالشيء: أغراه به، فأوزع فهو موزع، أي مغرى إذا أغراه غيره، والمراد هنا حمله على سلوك سبيل الشكر والتوفيق إلى السير فيه.\nوالمراد بالنعمة التي أنعم الله بها عليه وعلى والديه، قيل: نعمة الدين، وقيل:\nكلّ ما في الإنسان من نعمة وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ [النمل: ١٩] معطوف على أَنْ أَشْكُرَ والعمل الصالح المرضي ما يكون سالما من غوائل عدم القبول وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي اجعل الصلاح يسير فيها، ويمشي خلالها، ويتفشّى فيها، ويرسخ، حتى يكون لها خلقا وطبعا. وأصلح: أصله يتعدى بنفسه، وإنما عدّي بالحرب (في) لإفادة الرسوخ والسريان إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ من جميع الذنوب والآثام وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أنفسهم إليك، المنقادين لك، الخاضعين لربوبيتك.\nأُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا. هذا إشارة إلى الإنسان المذكور في قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ وجمعه باعتبار أفراده الذين تحقق فيهم ما ذكر من الأوصاف المذكورة، من معرفة حقوق الوالدين، والرجوع إلى الله بسؤال التوفيق للشكر، إلى آخر ما في الآية، وهو إيذان بأنّ هذه الأوصاف هي صفات الإنسانية الكاملة، من اتصف بها فهو الإنسان، وأصحابها هم الذين يكرمهم الله، فيتقبل عنهم ما قدموا من صالح العمل وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فيعفو عنها، إذ هي تتلاشى بجانب الحسنات إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١٤] وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ الذي وعدهم الله به في كتبه وعلى لسان أنبيائه، والله منجز ما وعد.","vol":"1","page":687},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>من سورة محمد ﷺ</span>\nقال الله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤)\nأثخن في العدو- بالغ في الجراحة فيهم، وأثخن فلانا أوهنه. وحَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ أي غلبتموهم، وكثرت فيهم الجراح.\nوالمعنى: أنهم صاروا لا قبل لهم بالحرب، ولا قدرة لهم على قتالكم من شدة ما أصابهم.\nوالوثاق: ما يشد به، وأوثقه به: شده فيه.\nومن عليه منّا: أنعم، واصطنع عنده صنيعة.\nوفداه يفديه فداء، وافتدى به، وفاداه: أعطي شيئا فأنقذه، والفداء ككساء: ذلك الشيء المعطى.\nوالأوزار، جمع وزر بكسر الأول: الإثم، والثقل، والسلاح، والحمل الثقيل.\nهذا هو بيان المفردات التي تحتاج إلى بيان في الآية الكريمة.\nومعنى الآية بعد هذا: أنّ الله تعالى يأمر المؤمنين عند لقاء الكفار في الحرب ألا تأخذهم في قتال الكفار شفقة، بل عليهم أن يعملوا فيهم السلاح، فيضربوا به رقابهم، وأن يستمر ذلك حتى يهنوا ويضعفوا، وتخضد شوكتهم، فلا يبقى لهم بعد ذلك قدرة على قتال المسلمين، فإذا انتهت الحرب بإثخانهم وقهرهم، فعلى المؤمنين أن يشدّوا وثاق من قدروا عليه منهم، وذلك كناية عن قيد الأسر، ووقوعهم أسرى في يد المؤمنين هنالك بعد الأسر، واستقرارهم في قبضة المؤمنين يكون لنا أن نبقيهم كذلك أسرى أرقاء، يقتسمهم الغانمون على ما ورد في قسمة الغنائم، وأن ننعم عليهم بالإطلاق من غير مقابل، فيكون ذلك يدا لنا عليهم، ومنة نمنّ عليهم بها، حيث أصبح الأعداء لا يخشى بأسهم. وأن نأخذ الفداء في مقابل إطلاقهم، لنسد بالفداء ما عساه يكون عند المؤمنين من حاجة إليه، وقد جعل الله تعالى غاية هذه الأوامر وضع الحرب أوزارها وآثامها وشرورها، التي تلحق الناس منها، أو وضع الأثقال والتبعات","vol":"1","page":688},{"text":"التي تلحق الناس في الحروب، أو وضع الحرب سلاحها، فلا يكون قتال بعد.\nثم قال الله تعالى: (ذلك) وقد كثر في لغة العرب استعمال اسم الإشارة عند الفصل بين كلامين، والانتهاء من الأول وإرادة الانتقال إلى الثاني.\nكأنه قيل: ذلك هو ما نريد أن نقوله في هذا الشأن، ونقول بعده كذا وكذا. أو احفظ ذلك والأمر بعده كذا وكذا، فاسم الإشارة للفصل بين كلامين، والكلام في الإعراب بعد ذلك سهل يسير.\nوالكلام الذي بعده يقصد منه بيان الحكمة في شرع القتال مع قدرة الله أن ينتصر على أعدائه من غير أن تكون حرب بينهم وبين أوليائه، وتلك الحكمة هي امتحان الناس، واختبار صبرهم على المكاره، واحتمالهم للشدائد أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) [آل عمران: ١٤٢] .\nثم بيّن الله تعالى بعد ذلك أنّ الذين يكون من حظّهم أن يقتلوا في سبيل الله ستحفظ أعمالهم، وتخلّد لهم، ثم هم بعد ذلك في روضات الجنات يحبرون.\nوالآية الكريمة بعد هذا متفقة مع آية الأنفال ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال: ٦٧] غير أنّ آية الأنفال لم يذكر فيها ما يكون بعد الإثخان، والآية التي معنا بيّن فيها أنّ المؤمنين عليهم بعد غلبة الأعداء وقهرهم أن يشدوا الوثاق، ثم لهم بعد ذلك أن يمنّوا على من أوثقوهم من غير فداء، ولهم أن يفادوهم، وقد تسأل بعد هذا وأين استرقاقهم؟ فنقول: إن الاسترقاق قد فهم من الأمر بشدّ الوثاق. وبعد هناك حالان أذن لنا فيهما الشارع الكريم: هما المن والفداء.\nوإنا نذكر لك هنا آراء العلماء في المن على الأسرى وأخذ فدائهم ثم نعقب عليه بما يفتح الله به:\nقد اختلف العلماء فيما دلّت عليه الآية الكريمة في مواضع: منها المراد بالذين كفروا، فذهب بعضهم إلى أنهم المشركون، وهو مروي عن ابن عباس، وذهب بعضهم إلى أن المراد كلّ من ليس بيننا وبينهم عهد ولا ذمة، ويظهر أنّ هذا هو الصحيح، إذ الآية عامة، والتخصيص لا دليل عليه.\nوقد اختلف أيضا في المراد من ضرب الرقاب، فذهب السدي إلى أنّ المراد منه القتال، وذهب جماعة على أن المراد منه قتل الأسير صبرا، والظاهر الأول، فإنّه الذي ينساق إليه الذهن من قول الله: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ إذ جعل الإثخان وهو الإضعاف- غاية لضرب الرقاب، فأين قتل الأسير صبرا، وهو إنما يقع في الأسر بعد إثخانه وضعفه.\nوكذلك اختلف العلماء في المراد من الفداء، فقال بعضهم: المراد من المفاداة","vol":"1","page":689},{"text":"العتق: وقال بعضهم: إنّ المراد إطلاق سراحهم في مقابل ما يأخذه المسلمون منهم، وقد يكون المقابل أسرى من المسلمين عند الكفار، من طريق التبادل، حسبما يتيسر عند المفاداة، وقد يكون المقابل مالا، أو عتادا يأخذه المسلمون في نظير أسرى الحرب.\nواختلفوا كذلك في المراد من وضع الحرب أوزارها، بعد الذي علمت من معاني الأوزار، فقال بعضهم: إنّ وضع الأوزار كناية عن الإيمان، والمعنى حتى يؤمنوا ويذهب الكفر، وقال بعضهم: بل المراد حتى ينزل عيسى ﵇، وأنت لو نظرت إلى قول الله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٣] رجحت الأول على الثاني، نعم إنّ نزول عيسى قد ورد فيه أنّه حين يكون لا يكون على ظهر الأرض كافر، ولكنّ نزول عيسى أمر لا شيء في الآية، ولا في غيرها مما جاء في القرآن، يشعر به.\nبقي بعد كلّ هذا خلاف العلماء في الأحكام التي دلّت عليها الآية من التخيير بين الاسترقاق والإطلاق دون مقابل والفداء، ألا تزال هذه الأحكام معمولا بها، أم نسخ العمل بها، وتغيّرت الأحكام.\nفذهب بعضهم إلى أنّها منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] وذهب البعض إلى أنّ النسخ إنما هو في بعض ما تناولته فقط، فهي منسوخة في حقّ عبّاد الأوثان، فهؤلاء لا يمنّ عليهم، ولا يفادون، لأنّنا منهيون عن معاهدتهم، وقال الضحاك: لا نسخ فيها، بل هي باقية الحكم في كل ما دلّت عليه.\nويرى سعيد بن جبير، أنّ الكفار بعد أن يثخنوا ويضعفوا فالحكم فيهم باق لا يتغير، أما قبل أن يضعفوا فلا يجوز أن يكون هناك منّ ولا فداء، وهذا يتفق مع ما أشير إليه في قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال: ٦٧] وقد اختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا.\nقال الجصاص «١»: اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير، لا نعلم بينهم خلافا فيه، وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في قتل الأسير. منها قتله عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث [وهو الذي قالت أخته:\nأمحمّد ها أنت صنو كريمة ... في قومها، والفحل فحل معرق\nما كان ضرّك لو مننت وربّما ... منّ الفتى، وهو المغيظ المحنق\nقتل بعد الأسر يوم بدر.\nوقتل النبيّ ﷺ يوم أحد أبا عزّة الشاعر، بعد ما أسر.\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص (٣/ ٣٩١) .","vol":"1","page":690},{"text":"وقتل بني قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بالقتل وسبي الذرية. ومنّ على الزبير بن باطا من بينهم.\nوفتح خيبر بعضها صلحا وبعضها عنوة، وشرط على ابن أبي الحقيق ألا يكتم شيئا، فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله «١» .\nوفتح مكة، وأمر بقتل هلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وآخرين. وقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة» .\nواختلف الفقهاء في فداء الأسير، فقال الحنفية جميعا: لا يفادى الأسير بالمال، ولا يباع السّبي لأهل الحرب، فيرجعون حربا علينا، وقال أبو حنيفة: لا يفادون بأسرى المسلمين أيضا، وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس أن يفادى أسرى المؤمنين بأسرى المشركين، وهو قول الثوري والأوزاعي.\nونقل المزني عن الشافعي: أن للإمام أن يمنّ على الرجال الذي ظهر عليهم، أو يفادي بهم.\nأما المجيزون للفداء بأسرى المسلمين وبالمال، فيستدلّون بقوله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً فقد أجازت الآية الكريمة الفداء مطلقا غير مقيّد، وبأن النبيّ ﷺ فادى أسرى بدر بالمال.\nويحتجون للفداء بأسرى المسلمين بما\nروى ابن المبارك عن معمر عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين: قال أسرت ثقيف رجلين من أصحاب النبي ﷺ، وأسر أصحاب النبي ﷺ رجلا من بني عامر بن صعصعة، فمرّ به على النبي ﷺ فقال الأسير: علام أحبس؟ فقال: «بجريرة حلفائك» فقال: «إني مسلم» فقال النبي ﷺ: «لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كلّ الفلاح» . ثم مضى رسول الله ﷺ فناداه أيضا، فأقبل، فقال: إني جائع فأطعمني، فقال النبي ﷺ: «نعم هذه حاجتك» ثم فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما «٢» .\nوروي أنّ النبي ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين\n، ولم يذكر في هذه الرواية إسلام الأسير.\nوالذين يقولون بعدم الجواز يقولون: إنّ هذه الآية نسختها آية فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة: ٥]\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٣/ ٩٢)، كتاب الخراج، باب ما جاء في حكم أرض خيبر حديث رقم (٣٠٠٦) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ٢٢٦٢)، ٢٦- كتاب النذر، ٣- باب لا وفاء لنذر، حديث رقم (٨/ ١٦٤١)، وأبو داود في السنن (٣/ ٢٠٠)، كتاب الأيمان حديث رقم (٣٣١٦) .","vol":"1","page":691},{"text":"وبقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) [التوبة: ٢٩] .\nويقولون:\nإنّ ما كان من النبي ﷺ في صلح الحديبية: «إنّ من جاءنا منهم رددناه عليهم» «١»\nقد نسخ. ونهى النبي ﷺ عن الإقامة بين أظهر المشركين،\nوقال: «من أقام بين أظهر المشركين فقد برئت منه الذّمة» «٢»\nوما روي في أسارى بدر منسوخ بما تلونا.\nهذه حجج الفريقين قد سقناها لك، وإنك لترى فيها أنّ النبي فعل أشياء كثيرة مختلفة، فمنّ\nوقال: «اذهبوا فأنتم الطّلقاء»\nوقال: «من دخل دار فلان فهو آمن» .\nوفي الوقت نفسه قتل جماعة من الأسرى،\nوقال: «اقتلوهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة»\nوقتل يهود بني قريظة نزولا على حكم سعد بن معاذ، وكانوا قد رضوا حكمه، ومنّ على واحد منهم، وفادى بالمال والمسلمين، وترى أنّ كلّ ذلك قد كان تبعا للمصلحة الحربية، وقد أرشد الله تعالى في القرآن الكريم إلى أنّ المصلحة الحربية فوق كلّ اعتبار، انظر إلى قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) [الأنفال: ٦٧] فقد عاتب الله نبيه على اتخاذ الأسرى قبل أن تقوى شوكة الإسلام، وقبل أن يتمّ خذلان العدو وقهره.\nوقد يكون في إباحة الأسر قبل الغلبة تقوية قلوب الأعداء، إذ يقولون: ما دمنا سنكون أحياء نأكل ونشرب، فما لنا نخضع لدعوتهم، فيستمرّون في مناوشة المسلمين، ومداومة حربهم كلّ يوم. أما إذا علموا أنّه لا هوادة في الحرب، وأنهم مقتولون إن لم يؤمنوا، وأنهم لا ملجأ لهم من الله إلا إليه أسلموا، وقبلوا الدعوة، أو أسلموا أمورهم، وانقادوا، وذلوا، فلا يقومون بحرب، ولا يقلقون راحة المسلمين، فما لنا لا نوادعهم، ونأسر منهم، فنسترقّ، ونمنّ، ونفادي، فانظر عظمة الإسلام ومكارمه.\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ١١٥)، كتاب السير، باب الأسارى حديث رقم (١٥٦٨)، وابن ماجه في السنن (١/ ٦٨٩)، ١- كتاب الكفارات، ١٦- باب النهي عن النذر حديث رقم (٢١٢٤) .\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ١٣٢)، كتاب السير، باب كراهية المقام حديث رقم (١٦٠٤)، وأبو داود في السنن (٢/ ٣٩٤)، كتاب الجهاد، باب النهي حديث رقم (٢٦٤٥) .","vol":"1","page":692},{"text":"وقد جاء القرآن بالترخيص في هذا صريحا في الآية التي معنا.\nوالقول بالنسخ لا حاجة إليه، وقواعد النسخ تأباه، إذ النسخ مشروط- بعد المعارضة- بعدم إمكان الجمع بعد ثبوت التأخر في الناسخ، والتقدم في المنسوخ.\nوحيث إنه لا معارضة فإنّ لنا أن نقول: إنّ آيات القتال كانت في أولئك الذين كانوا حربا على المسلمين، وأخرجوهم من ديارهم، وظاهروا على إخراجهم، وعاهدوا، ونقضوا عهدهم، أو نقول: إن المصلحة الحربية والتمكين لقاعدة المسلمين (جزيرة العرب) ألا يبقى فيها دينان، قضت بالقتل حتى تطهر الجزيرة.\nانظر إلى قول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٢٨] .\nوبعد فإنّا نرى أن يفوّض إلى أهل الذكر والبصر بالحرب أمر الحرب، ووضع خططها، والتصرف في الأسرى وغيرهم، بحسب ما تقضي المصلحة الحربية، فإن رأوا إبادتهم خيرا أبادوهم، وإن رأوا استرقاقهم استرقوهم، وإن رأوا المفاداة بالمال وبالأسرى فعلوا، فيترك لهم أمر تقدير المصلحة.\nوما نحسبنا مخطئين إذا قلنا: إنّ الذي كان من النبي ﷺ من الأعمال المختلفة كان نزولا على مقتضى المصلحة، ولذلك نراه كان يجتهد في تعرّف وجوه المصلحة، فيستشير أبا بكر وعمر، ويختلف أبو بكر وعمر، ويجيء القرآن مؤيدا لأحد الرأيين، وكذلك نزوله على تحكيم سعد بن معاذ، ولو كان الأمر أمر خطة مرسومة، وحدا لا يتخطّى، لما كان هناك معنى للاستشارة، ولا للنزول على الرضا بالتحكيم ولما خالف في الحرب الواحدة بين أسير وأسير، فقتل هذا ومنّ على غيره. فالمصلحة العامة وحدها هي المحكّمة، وهي الخطة التي تتّبع في الحروب، خصوصا والحرب مكر وخديعة، وما دامت مكرا وخديعة فليترك للماكرين وضع خطط المكر والخديعة، ولا يرسم لهم كيف يمكرون، وإلا ما كانوا ماكرين.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣)\nإطاعة الله ورسوله امتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما.\nوقد نهى الله المؤمنين في الآية الكريمة عن إبطال أعمالهم، وذلك يدل بظاهره على أنّ من شرع نافلة، ثم أراد تركها، ليس له ذلك.\nواختلف العلماء:\nفذهب الشافعي ﵀ إلى أنّ له ذلك، قال الشافعي هو تطوّع: و«المتطوّع","vol":"1","page":693},{"text":"أمير نفسه» «١» وإلزامه إياه مخرج عن وصف التطوع ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: ٩١] .\nوذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه ليس له ذلك. وقال المالكية والحنفية: هو أمير نفسه، ولا سبيل عليه قبل أن يشرع، أمّا إذا شرع فقد ألزم نفسه، وعقد عزمه على الفعل، فوجب عليه أن يؤدي ما التزم، وأن يوفي بما عقد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١] والله أعلم.\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ١٠٩)، كتاب الصوم، باب ما جاء في إفطار الصائم حديث رقم (٧٣٢) .","vol":"1","page":694},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>من سورة الحجرات</span>\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)\nاشتملت سورة الحجرات على إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق، وبيّنت لهم أقوم الطرق التي يسلكونها في حياتهم الدنيا، وخير المناهج التي ينتهجونها في معاملتهم، فبيّنت لهم أنواعا من الأدب، تختلف باختلاف من تكون المعاملة معه.\nوذلك أنه إمّا أن تكون المعاملة: مع الله تعالى، أو مع الرسول ﷺ، أو مع غيرهم من بني آدم وهؤلاء على قسمين، لأنهم إما مؤمنين ملتزمين الطاعة، أو خارجين عن حدودها وهؤلاء هم الفاسقون. والمؤمن الذي التزم حدود الطاعة إما أن يكون حاضرا أو غائبا، فهذه خمسة أصناف.\nوقد جاء خطاب المؤمنين ب (يا أيها الذين آمنوا) في هذه السورة خمس مرات، بيّن تعالى في كلّ مرّة مكرمة تتناسب مع من تكون المعاملة معه.\n- فقال في جانب الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وذكر الرسول ﷺ إنما جيء به هنا لأنه الذي يوضّح طريق طاعة الله تعالى.\n- وقال في جانب المعاملة مع الرسول ﷺ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ.\n- وقال في جانب المؤمن الخارج عن حدود الطاعة (الفاسق): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا.\n- وقال في جانب المعاملة مع المؤمنين الحاضرين: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ.\n- وقال في جانب الغائب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ.","vol":"1","page":695},{"text":"ومن أراد أن يقف على المكرمتين الأوليين فليطلبهما في كتب التفسير. ولنبدأ بالآية التي معنا.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) .\nيحذّر الله المؤمنين في هذه الآية، ويرشدهم إلى وجوب عدم الاعتماد على أقوال الكذبة الفاسقين، فإنّ الاستماع إليهم يوقع الفتنة بين المؤمنين، فيفشلوا، وتذهب ريحهم، وتتمكن العداوة والبغضاء من نفوسهم، وحينئذ يعضّون أصابعهم ندما، ولا ينفع الندم.\nوقد يبدو أنّ مقتضى الترتيب أن تؤخّر آية الفاسق بعد آيات المؤمنين، ولكن لما كان الاستماع إلى الفاسق والاعتماد عليه قد يؤدي إلى فتنة وفساد كبير قدّم الكلام فيه، اعتناء بأمر المسلمين، واهتماما بأمر سلامتهم من الفتن، التي يجرّها الاعتماد على من يوضعون خلال المؤمنين، يبغونهم الفتنة.\nوقد روي في سبب نزول هذه الآية ما أخرجه أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني وغيرهم «١» بسند جيّد عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله ﷺ، فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه، وأقررت به، فدعاني إلى الزكاة، فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إليّ يا رسول الله رسولا لإبّان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة.\nفلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول فلم يأت، فظنّ الحارث أن قد حدث فيه سخطة من الله ﷿ ورسوله، فدعا بسروات قومه، فقال لهم: بأنّ رسول الله ﷺ كان وقّت لي وقتا يرسل إليّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة كانت، فانطلقوا فنأتي رسول الله ﷺ، وبعث رسول الله الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أخو عثمان ﵁ لأمه إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد إلى أن بلغ بعض الطريق فرق، فرجع، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إنّ الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي. فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه حتّى استقبله البعث، وقد فصل عن المدينة، قالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم:\nإلى من بعثتم؟\n_________\n(١) انظر المسند للإمام أحمد بن حنبل (٤/ ٢٧٩) .","vol":"1","page":696},{"text":"قالوا: إليك، قال: ولم؟ قالوا: إنّ رسول الله ﷺ بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنّك منعته الزكاة، وأردت قتله قال: لا والذي بعث محمدا بالحق، ما رأيته بتة، ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال: «منعت الزكاة، وأردت قتل رسولي؟» قال: لا والذي بعثك بالحق، ما رأيته ولا رآني، ولا أقبلت إلا حين احتبس عليّ رسول رسول الله ﷺ خشية أن تكون سخطة من الله ﷿ ورسوله، قال:\nفنزلت الحجرات: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ.\nولم يختلف الذين رووا أسباب النزول في أنّ الوليد بن عقبة بن أبي معيط كان الشخص الذي جاء بالنبإ، إنما اختلفوا في أسباب قوله، فمنهم من روى أنّه خاف وفرق حين رأى جماعة الحارث وقد خرجت في انتظاره، فظنها خرجت لحربه، ومنهم من\nروى أنّه كان بينه وبينهم موجدة في الجاهلية، فجاء إلى النبي ﷺ وقال:\nإنّهم قد تركوا الصلاة، وارتدوا، وكفروا بالله، فلم يعجل رسول الله ﷺ، وبعث خالد بن الوليد إليهم، وقال: «ارمقهم عند الصلاة، فإن كان القوم قد تركوا الصلاة فشأنك بهم، وإلا فلا تعجل عليهم» .\nوهنا يختلف الذين رووا سبب النزول مرة أخرى، فيروي بعضهم ما قدمنا من أنّهم قدموا، وقابلوا البعث حيث فصل من المدينة.\nويروي بعض آخر أنّ خالد بن الوليد ﵁ خرج إليهم، ودنا منهم عند غروب الشمس، فكمن حيث يسمع الصلاة، فرمقهم، فإذا هو بالمؤذن قد قام حين غربت الشمس، فأذّن ثم أقام الصلاة، فصلوا المغرب.\nفقال خالد: ما أراهم إلّا يصلون، فلعلهم تركوا غير هذه الصلاة، ثم كمن حتى إذا جنح الليل وغاب الشفق أذّن مؤذنهم، فصلوا. فقال: فلعلهم تركوا صلاة أخرى، فكمن حتى إذا كان في جوف الليل تقدّم حتى أطل الخيل بدورهم، فإذا القوم تعلّموا شيئا من القرآن، فهم يتهجدون به من الليل، ويقرؤونه. ثم أتاهم عند الصبح فإذا المؤذن حين طلع الفجر قد أذّن ثم أقام، فقاموا فصلوا، فلما انصرفوا وأضاء لهم النهار إذا هم بنواصي الخيل في ديارهم، فقالوا: ما هذا؟ قال: خالد بن الوليد.\nقال: يا خالد ما شأنك؟\nفقال: والله أنتم شأني، أتي النبي ﷺ فقيل له: إنكم كفرتم بالله وتركتم الصلاة، فجعلوا يبكون، فقالوا: نعوذ بالله أن نكفر بالله أبدا، فصرف الخيل وردّها عنهم، حتى أتى النبيّ ﷺ، وأنزل الله قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا «١» .\nوقد عرفت مرارا أنّ الآية تكون عامة، وإن نزلت على سبب خاص، ما دام\n_________\n(١) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٦/ ٨٩) .","vol":"1","page":697},{"text":"لفظها عاما، وقد قال الحسن: فو الله لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة إنّها لمرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء.\nوالفاسق: الخارج من حدود الشرع، من قولهم: فسق الرطب: إذا خرج عن قشره، وسمي به الفاسق لانسلاخه عن الخير، والفسق أعمّ من الكفر، لأنه يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، ولكن تعورف فيما كان بكثيره، يكثر ما يقال لمن كان مؤمنا، ثم أخلّ بجميع الأحكام أو ببعضها.\nوالتبين: طلب البيان، وقد قرئ (فتثبتوا) بدل فَتَبَيَّنُوا وهما متقاربان، إذ التثبت طلب الثبات، وما كان ثابتا كان قريب المعرفة. ويرى بعض اللغويين أنّه لا يقال للخبر نبأ حتى يكون ذا فائدة عظيمة، ويكون معنى الآية: إن جاءكم أيّ فاسق بنبإ عظيم، له نتائج عظيمة، فلا تقبلوه بادئ الأمر، بل توقّفوا فيه، وتثبتوا، حتى تأمنوا العاقبة.\nوالتعبير بكلمة (إن) التي هي (للشك) للإشارة إلى أنّ الغالب في المؤمن أن يكون يقظا، يعرف مداخل الأمور، وما يترتّب عليها، وإذ يكون هذا شأن المؤمنين فلا يجيئهم كاذب يكذب عليهم، وإن وقع ذلك يكون على ندرة وقلّة.\nوقوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ تعليل للأمر بالتبين، وهو إمّا مقدّر فيه لام التعليل قبل (إن) و(لا) النافية بعدها، أي فتبينوا لئلا تصيبوا، وإما مقدر فيه (الكراهة) أي كراهة أن تصيبوا. وقوله: بِجَهالَةٍ أي متلبسين بجهالة، أي جاهلين حالهم، أو تصيبوهم بسبب جهالتهم أمرهم وما هم عليه.\nو(أصبح) هنا بمعنى (صار) والمعنى: فتصيروا من بعد تبيّن الأمر نادمين، ويستمر معكم هذا الندم.\nوالندم ضرب من الغم، وهو أن يلحق النادم الغمّ على ما وقع منه، يتمنى أنه لم يقع، وهو غمّ يصحب الإنسان صحبة لها دوام ولزوم، لأنه كلما تذكر فعله راجعه الندم.\nوقد استدلّ بالآية على أنّ الفاسق أهل للشهادة، وإلا لم يكن للأمر بالتبين فائدة، قاله الآلوسي، وقال الأثري: إنّ العبد إذ شهد لا تقبل شهادته، ولا يحتاج فيها إلى التبيّن.\nومذهب الحنفية «١» أنّ الفاسق لا تقبل شهادته وإن كان أهلا لها، ولو قضى بها القاضي كان عاصيا، وينفذ قضاؤه، وتقبل شهادته عندهم في النكاح، لأنّ الشهادة من باب الولاية، وهو لمّا جاز أن يكون وليا على الزوجة في مالها، جاز أن يلي عليها في بضعها، وعبارته في النكاح عبارة، وتعبير عن ثبوت العقد لا إلزام فيها، ومن مذهبهم ألا تقبل الشهادة من الفاسق فيما فيه إلزام، والإلزام الذي في النكاح لم يجئ من الشهادة، وإنما جاء من التزام المتعاقدين في العقد.\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ١٣١) .","vol":"1","page":698},{"text":"واستدلّ بالآية أيضا على قبول خبر الواحد العدل، وتقرير الاستدلال بها من وجهين:\nالأول: أنه قد رتب الأمر بالتبين على مجيء الفاسق لنبأ، فيفيد ذلك أن الفسق علة للتبين، ومعنى كون الشيء علة لشيء آخر، أن يكون له تأثير في وجوده، لا يوجد إلا معه، وإلا فلو وجد دونه لما كان علة له، والفرض أنّه العلة.\nوقد رد هذا بأنّ إثبات العلية بطريق ترتّب الحكم على الوصف إثبات بظني، ولا ينهض حجة في إثبات أصل من الأصول، ولأنّ الاقتصار على شيء لا ينفي ثبوت الحكم فيما عداه.\nوالثاني أن التبين مشروط بمجيء الفاسق، ومفهوم هذا الشرط انعدام الأمر بالتبين عند عدم الشرط، فيثبت انعدام التبين في خبر الواحد العدل فيكون مقبولا، وهو مردود، بأنّ ذلك قول ناشىء من اعتبار مفهوم المخالفة حجة، وهو مختلف فيه، فلا يثبت به أصل من الأصول، لأنّ الظواهر لا تكفي في إثبات المسائل العلمية.\nواستدل الحنفية بالآية على قبول خبر الواحد المجهول الحال، لأنّها دلت على أنّ الفسق شرط وجوب التثبت والتبين، فيقتصر فيه على محل وروده، ويبقى ما وراءه على الأصل، وهو القبول.\nوأنت ترى أنّ هذا استدلال مبني على أنّ الأصل العدالة. والخصم ينازعهم فيه، ويقول: بل الأصل عدمها، والظاهر أنّ مسألة قبول المجهول مبنية على هذا، فإن صحّ أنّ الأصل العدالة، فهو باق على عدالته، حتى يتبين خلافها، وإن كان الأصل عدمها، فهو داخل في الفسق، ويكون المراد منه من لم تتبيّن عدالته.\nواستدلّ بالآية أيضا على أنّ من الصحابة من ليس بعدل، لأن الله تعالى أطلق الفاسق على الوليد بن عقبة، فإنّها نزلت فيه، وسبب النزول لا يمكن إخراجه من اللفظ العام، وهو صحابي بالاتفاق، وتكون الآية ردّا على قول من ذهب إلى أنهم كلهم عدول ولا نبحث عدالتهم في رواية ولا شهادة.\nوالمسألة خلافية، وفيها أقوال كثيرة:\nأحدها، هذا وعليه أكثر العلماء سلفا وخلفا.\nوالثاني: أنّهم كغيرهم، فيبحث على العدالة فيهم كما يبحث عنها في غيرهم رواية وشهادة، إلا من يكون ظاهر العدالة أو مقطوعها كالشيخين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.\nوثالثها: أنهم عدول إلى زمن عثمان، ويبحث عن عدالتهم من مقتله.\nورابعها: أنهم عدول إلا من قاتل عليا والمسألة لها موضع غير هذا، ولكل أدلته وبراهينه.","vol":"1","page":699},{"text":"ثم إنّ الفاسق قسمان:\nقسم فاسق غير متأوّل، وهذا لا خلاف أنه لا يقبل خبره.\nوقسم فاسق متأوّل: كالجبرية والقدرية، ويقال له: المبتدع بدعة واضحة، وهذا قد اختلف فيه، فمن الأصوليين من ردّ شهادته وروايته، ومنهم من قبلهما.\nفأما الشهادة فلأنّ ردها لتهمة الكذب، والفسق من حيث الاعتقاد لا يدل عليه، بل قد يكون أمارة الصدق، لأنّ الذي جعله يذهب مذهبه هو تعمقه في الدين، والكذب حرام في كلّ الأديان، ومن المبتدعة من يقول: بكفر الكاذب.\nوأما الرواية: فلأنّ من احترز عن الكذب على غير الرسول ﷺ فهو على الرسول ﷺ أشدّ تحرّزا، فهذا يجب أن يكون حالهم ما لم يظهر منهم ما ينافيه، وعلى هذا جمهور أهل الفقه والحديث.\nوذهب الشافعي وبعض العلماء إلى الأول، لأنّ الآية إنما دلّت على التثبت من قول يقوله الفاسق، وظاهر أنّ ذلك إنما كان لأنّ الغالب في الفاسق أن يكذب، فإذا ظهر أنه ممن لا يكذب، فالآية لم تعرض له، والذين تقبل شهادتهم من المبتدعة قوم يتشدّدون في الدين، لا يبيحون الكذب، فلم يكونوا ممن تناولته الآية الكريمة.\nوَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) .\nيرى الزمخشري أنّ الجملة المصدّرة (بلو) لا تكون كلاما مستأنفا، لأدائه إلى تنافر النظم. ولكن تكون كلاما متصلا بما قبله، وهي هنا (حال) من أحد الضميرين في (فيكم) المستتر المرفوع، أو البارز المجرور.\nوالمعنى: أنّ فيكم رسول الله على حال يجب عليكم تغييرها، وهي أنّكم تحاولون معه أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعنّ لكم من رأي، وينزل على إرادتكم فعل المطواع لغيره، التابع له فيما يرتئيه. وهو لو فعل ذلك لعنتم، ووقعتم في العنت والهلاك، يقال: فلان يتعنّت فلانا، أي يطلب ما يؤديه إلى الهلاك. ويقال:\nأعنت العظم إذا هيض بعد الجبر. وقد يستفاد من هذا أنّ بعض المؤمنين كانوا يزيّنون للرسول ﷺ الإيقاع بقوم الحارث وتصديق الوليد في نبئه، وأنه كانت تفرط منهم نظائر ذلك من الهنات، وأنّ فريقا منهم كان يتصوّن، ويزعم إيمانهم، وجدّهم في التقوى فلا يجسرون على ذلك، وسيأتي بيان ذلك عند قوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ.","vol":"1","page":700},{"text":"ويرى بعضهم أنه يجوز أن يكون قوله: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ كلاما مستأنفا، وذلك أنّه لما قال الله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ثم قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ كان ذلك بمثابة أنّ طريق الكشف والتبيّن سهل وممكن، وهو الرجوع إلى الرسول ﷺ. لأنه فيكم، يبيّن لكم، ويرشدكم، وفي ذلك تنزيل لهم منزلة الجاهلين بمكان الرسول ﷺ فيهم، وبوظيفته من البيان والإرشاد بينهم.\nفاتجه من ذلك: أن يسأل سائل: ماذا فعلوا حتى نسبوا إلى التفريط، وقرّعوا بجهل منزلة الرسول ﷺ فيهم؟\nفجاء قوله تعالى: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ مومئا إلى ما كان منهم من محاولة أن ينزل الرسول ﷺ على رأيهم في الذي يرون، واتباع إشارتهم فيما يقولون.\nوذلك أنّه بيّن لهم النتيجة التي تترتب على نزوله على إرادتهم، والخضوع لإشارتهم، فقال: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وأنت ترى أن هذا القول وإن كان حسنا من حيث المعنى، إلّا أن فيه تغاضيا عن أنّ قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ معطوف (بالواو) وهو مرتبط بما قبله، وفيما ذهب إليه هذا البعض ما يفضي بترك العطف.\nوظاهر كذلك أنّ ما ذهبوا إليه فيه إضمار لا حاجة إليه، ولا ضرر في جعل الجملة لَوْ يُطِيعُكُمْ حالا من أحد الضميرين، على ما ذهب إليه الزمخشري «١» . والمعنى على أحد الوجهين: هو جعلها حالا من الضمير المستتر، وأمّا الوجه الآخر فالمعنى: (واعلموا أنّ فيكم رسول الله) حال كونكم على حال تتنافى مع مقامه بينكم، تلك الحال هي إرادتكم أن ينزل على إرادتكم، وذلك ضارّ بكم، يترتب عليه عنتكم وهلاككم.\nوجاء قوله: (لو يطيعكم) على صيغة المضارع بدل الماضي للدلالة على أنهم كانوا يريدون إطاعة الرسول ﷺ لهم إطاعة مستمرة، بدليل قوله تعالى: فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ وذلك أن صيغة المضارع تفيد التجدد والاستمرار، تقول: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، تريد أنّ ذلك شأنه، وأنّه مستمر على ذلك.\nوقوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ استدراك على ما يقتضيه الكلام من وقوع العنت بهم. والمعنى: أنّ ما هم عليه كان يقتضي هلاكهم، ولكن منع من ذلك أنّ الله هدى فريقا منهم، وحبّب إليه الإيمان، فآمن، وزينه في قلبه، فأقام عليه، فلم يكن شأنه شأن أولئك الذين يريدون قلب الأوضاع، بأن يتّبعهم الرسول ﷺ في الذي يرون.\n_________\n(١) في تفسيره الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٤/ ٣٦١) .","vol":"1","page":701},{"text":"وكان الظاهر على هذا المعنى أن يقول: ولكنّ الله حبّب إلى بعضكم الإيمان، ولكنّه عمّم الخطاب تعريضا بمن فرط منه ذلك، وإشارة إلى أنهم وقد دخلوا في الإيمان واستقر الإيمان في قلوبهم ما كان ينبغي أن يكون ذلك شأنهم، فاستغني عن التنصيص على خطاب البعض لذلك، وأيضا فإنّه لما ذكر الصفة التي تميز هذا الفريق اكتفى بها عن التنصيص على الموصوف، مراعاة لما في تعميم الخطاب من فائدة التعريض.\nويرى بعضهم أنّ الخطاب لجميع المؤمنين، والمعنى عليه: أنّه لم يلحقكم العنت، لأنّه يعلم أنّه لم يدفعكم إلى ما أنتم فيه إلا حبّكم الإيمان، ومقامه في قلوبكم، وكرهكم الكفر، ونفرتكم من الفسوق والعصيان.\nومعنى تحبيب الإيمان إليهم تقريبه لهم، وإدخاله في قلوبهم، ومعنى تزيينه في قلوبهم إقامته فيها، بحيث لا يفارقها، وذلك أنّ من أحبّ شيئا فقد يفارقه، ولكن إذا زيّن له يستمر في الإقامة عليه والمكث فيه.\nوقد ذكر الله الإيمان، وقابله بأمور ثلاثة كرهها إليهم، وهي: الكفر، والفسوق، والعصيان. والإيمان اسم لثلاثة أشياء: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح. فالكفر هو الإنكار، وهو يقابل الإذعان بالجنان. والفسوق يقابل الإقرار باللسان، وقد سبق إطلاق الفسق على المجيء بالنبإ الكاذب، وسيجيء إيراده بهذا المعنى في قوله: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وذلك يدلّ على استعمال الفسق في الأمر القولي.\nوهو في هذا المعنى مناسب لاشتقاق كلمة الفسق، فإنّها في أصل وضعها تدلّ على الخروج، مأخوذة من فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، فهو يدلّ على الظهور والكذب يظهر ويعرف، فمن ثمّ صحّ إطلاق الفسق عليه. وأما العصيان فهو ترك العمل. ويرى بعضهم أنّ الكفر: الشرك، والفسوق: الكبيرة، والعصيان: الصغيرة.\nوقوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ الإشارة فيه إلى الفريق الذي حبّب إليه الإيمان، وزيّن في قلبه، والخطاب فيه للرسول ﷺ وفي تسميتهم بالراشدين إشارة إلى أنهم أقاموا على اتباع أمر الرسول ﷺ ووقفوا عند إرشاده، وعرفوا مقامه ومكانه بينهم، فاستحقوا الرشد وكانوا راشدين. وفيه تعريض بالفريق الآخر حيث ابتعدوا عما يوصلهم إلى الرشد.\nفَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) قوله: (فضلا) إما منصوب على أنه مفعول له، والعامل فيه فعل مفهوم من قوله (الراشدون) أي وفّقهم الله إلى الرشد، فضلا، منه ونعمة، والعامل فيه حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ويكون قوله: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ جملة اعتراضية، وإما منصوب عل أنّه مصدر من غير لفظ العامل، وهو الراشدون،","vol":"1","page":702},{"text":"وذلك أن الرشد فضل، فكأنه قيل: هم الراشدون رشدا، أو هو مصدر، وعامله محذوف، أي تفضل فضلا، وأنعم نعمة. والفضل: ما في خزائن الله، وهو مستغن عنه، والنعمة: ما يصل من الفضل إلى العبد.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يعلم من يتحرّى الخبر ومن لا يتحراه، ومن يريد الرسول ﷺ على ما تقتضي به الحكمة ومن لا يريده، وهو فوق هذا يعلم الأشياء، ويعلم الرسول ﷺ بها، ويأمره منها بما تقضي به الحكمة، فيجب أن تقفوا عند أمره، وأن تجتنبوا الاقتراح عليه.\nقال الله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) لما حذّر الله المؤمنين نتائج الاستماع لنبأ الفاسق، أراد أن يبيّن ما يتدارك به الأمر لو وقع، فقال: وَإِنْ طائِفَتانِ الطائفة: أقل من الفرقة، بدليل قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢] كذا قيل، ولك أن تقول: لولا تقدّم الفرقة ما فهم منه هذا المعنى، فالطائفة الجماعة، والفرقة الجماعة، وقد تكون الجماعة قليلة، وقد تكون كثيرة.\nوالتعبير (بإن) للإشارة إلى أنّه لا ينبغي أن يقع القتال بين المسلمين، وأنه إن وقع فإنما يقع من الندرة والقلة، التي يشكّ في وجودها، وجاء اقْتَتَلُوا بلفظ الجمع، مع أنّ الظاهر مجيئه بلفظ التثنية، لأن الطائفة وإن كان مفردا في اللفظ فهو جمع في المعنى، فروعي فيه المعنى أولا، ثم روعي اللفظ ثانيا، في قوله: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما.\n(واقتتلوا) بمعنى تقاتلوا، والمراد بالإصلاح في قوله: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما الأولى بذل النصح والإرشاد، وإزالة الشبه التي تكون عند إحداهما، أو عند كليهما، ودعوتهما إلى النزول على حكم الله.\nفَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى البغي: العدوان، والمراد الغلو بغير الحق، وعدم الإذعان للنصيحة فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ أي استمرّوا في قتالها حتى ترجع إلى حكم الله، أو إلى ما أمر الله به من عدم البغي.\nفَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ بفصل ما بينهما من أسباب الخصومة ونتائجها، ولا تكتفوا بمجرد المتاركة والموادعة، خشية أن تكون إحداهما أو كلاهما تركته تقية، وانتظارا للفرصة تسنح، وتقييد الصلح بالعدل هنا لأنه بعد القتال، وذلك مظنة الحيف، أي لا يحملنكم ما كان منهم من عناد وبغي على أن تظلموهم، ولا على أن","vol":"1","page":703},{"text":"تظلموا عدوّهم لضعفه، بل يجب أن تعدلوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى.\nوَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي اعدلوا، والزموا العدل في كل الأمور، فإنّ الله يحب المقسطين، فيجازيهم أحسن الجزاء.\nسبب النزول: أخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير «١» وغيرهم في سبب نزول هذه الآية عن أنس ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ: لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه، وركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليه، قال: إليك عنّي، فو الله لقد آذاني ريح حمارك، فقال رجل من الأنصار:\nوالله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه، وغضب للأنصاري آخرون من قومه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فأنزل الله فيهم: وَإِنْ طائِفَتانِ.\nوقيل: كان النبي ﷺ متوجها لزيارة سعد بن عبادة في مرضه، فمر على عبد الله بن أبي بن سلول، فقال ما قال، فرد عليه عبد الله بن رواحة، فتعصّب لكل أصحابه، فتقاتلوا، فنزلت، فقرأها ﷺ فاصطلحوا، وكان ابن رواحة خزرجيا، وابن أبي أوسيا.\nوقيل: إنّها نزلت في رجل من الأنصار يقال له عمران، وكان تحته امرأة يقال لها:\nأم زيد، وقد أرادت أن تزور أهلها، فحبسها زوجها، وجعلها في علية له، لا يدخل عليها أحد من أهلها، فبعثت المرأة إلى أهلها، فجاء قومها، فأنزلوها لينطلقوا بها، واستعان الرجل بقومه، فجاؤوا ليحولوا بين المرأة وأهلها، فتدافعوا، وكان بينهم معركة، فنزلت فيهم هذه الآية، فبعث رسول الله ﷺ فأصلح بينهم، وفاؤوا إلى أمر الله «٢» .\nوالخطاب في الآية الكريمة لولاة الأمور، والأمر فيها للوجوب، فيجب الإصلاح بالنصح، فإن أبت إحداهما إلا البغي، وجب قتالها ما قاتلت، فإن رجعت عن بغيها، والتزمت حكم الله تركت.\nهذا وقد تمسّك جماعة بما جاء في سبب النزول، وقالوا: يقتصر في قتال الفئة الباغية على ما دون السلاح، ولا يجوز مقاتلتهم بالسلاح، وهو لا يصح أن يتمسّك به. فأنت تعلم أنّ الله قال: فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ وهو أمر بالمقاتلة إلى\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٤٢٤)، ٣٢- كتاب الجهاد، ٤٠- باب حديث رقم (١١٧/ ١٧٩٩)، والبخاري في الصحيح (٣/ ٢٢١)، ٥٣- كتاب الصلح، ١- باب ما جاء في الإصلاح، حديث رقم (٢٦٩١)، وأحمد في المسند (٣/ ١٥٧) .\n(٢) انظر تفسير ابن جرير الطبري المسمى جامع البيان في تفسير القرآن (٢٦/ ٨١) .","vol":"1","page":704},{"text":"الفيئة، فإذا كانوا لا يفيئون إلا بالسيف وجب قتالهم به، لأن الغرض من المقاتلة هو الفيئة، وهي لا تحصل إلا به، وقد وقع من الصحابة قتال البغاة بالسيف، وكفى بهم قدوة، ونزول آية عامة على واقعة خاصة لا يخصص العام، على أنّ القتال إنما شرع عند البغي قمعا للفتنة بين المسلمين، والمفروض أنّ العلاج قد استعصى بالنصح، ويراد اتخاذ علاج حاسم، فليترك الأمر لمن يباشر الحسم، فإن رأى أنّ الدواء يستأصل بما دون السلاح كان مسرفا في الزيادة، وإن رأى أنّ الفتنة لا تدفع إلا بالسلاح فعل حتى الفيئة.\nواختلفت أقوال الفقهاء في أموال البغاة التي أخذت منهم أثناء قتالهم، فعن الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة: أن أموالهم لا تكون غنيمة. وإنما يستعان على حربهم بكراعهم وسلاحهم عند الاستيلاء عليه، فإذا وضعت الحرب أوزارها ردّ المال عليهم، وكذا يردّ الكراع والسلاح إذا لم يبق أحد باغيا.\nوروي عن أبي يوسف: أن ما وجد في أيدي أهل البغي من كراع وسلاح فهو فيء يقسّم ويخمس، وإذا تابوا لم يؤخذوا بدم ولا مال استهلكوه.\nوروي عن الإمام مالك ﵁: ما استهلكه الخوارج من مال ودم ثم تابوا لم يؤخذوا به، وما كان قائما بعينه ردّ، وهو مروي عن الأوزاعي والشافعي.\nوقال الحسن بن صالح: إذا قوتل اللصوص المحاربون فقتلوا، وأخذ ما معهم، فهو غنيمة لمن قاتلهم بعد إخراج الخمس، إلا أن يكون شيء قد علم أنّهم سرقوه من الناس، وعرف أصحابه، فإنّه يردّ عليهم.\nوما استهلك من أموالهم أثناء التجمع للقتال، والتفريق عند وضع الحرب أوزارها، لا ضمان فيه بالإجماع.\nوقد جاء في حديث أخرجه الحاكم «١» ما يوضّح الحكم في المسألة، فقد جاء فيه قال ﵊: «يا ابن أم عبد هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة» .\nفقال: الله ورسوله أعلم. قال: «لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسّم فيئها» .\nوقد روى عكرمة بن عمار بسنده عن ابن عباس أنّ الخوارج نقموا على علي ﵁ أنّه لم يسب ولم يغنم، فحاجّهم قائلا: أفتسبون أمّكم عائشة، ثم تستحلون منها ما تستحلّون من غيرها؟ فإن فعلتم لقد كفرتم.\nوقد سئل أبو وائل: أخمّس علي أموال أهل الجمل؟ قال: لا.\n_________\n(١) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٢/ ١٥٥) . [.....]","vol":"1","page":705},{"text":"وإنما ذكر الله العدل في الإصلاح بعد الفيئة، لأنّ هذا وقت قد غلبت فيه الفئة الباغية على أمرها، ويغلب أن تظلم، وتصادر أموالها، وما أخذ منها لا يردّ إليها.\nفالعدل وذكره هنا بمثابة أن يقال: لا يحملنّكم قهركم إياهم على ظلمهم، فهم طائفة من المؤمنين عصمت دماؤهم، وعصمت أموالهم، وما حصل منهم يكفي فيه قهرهم، وما نالهم من الهزيمة، فتكون الآية حينئذ ظاهرة في أنّه لا يجوز أسرهم بعد الفيئة، ولا يكون مالهم فيئا ولا يضمّنون شيئا.\nقال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) بيّن الله تعالى في الآية السابقة أنّه لو ظهرت بوادر القتال بين طائفتين من المؤمنين، فالواجب إصلاح ذات البين بالنصح والإرشاد، فإن جنحا للسلم، فقد كفى الله المؤمنين القتال، وإن جنحت إحداهما، وبغت الأخرى، فالواجب قتال الباغية حتّى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت ورجعت فالواجب الإصلاح بالعدل، لا يجهز على جريح، ولا يسبى أحد، ولا يقسم الفيء، وهنا بيّن الله تعالى أنّ الإصلاح كما يجب بين الجماعات فهو واجب بين الأفراد، حتّى لا يظنّ ظانّ أنّ الإصلاح إنما يجب عند اختلاف الجماعات والطوائف، لأنّ اختلاف الجماعات شديد البلاء، يخشى منه على المسلمين أن تذهب ريحهم، ويتمكّن منهم عدوّهم. فأمّا إذا كان الخلاف بين فردين فليست له هذه الأهمية، فلا يجب الإصلاح، فدفعا لهذا الوهم قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وقد ذهب بعض أهل اللغة، إلى أنّ إخوة جمع الأخ من النسب، وأما الأخ بمعنى الصديق فجمعه إخوان، فجعل الله الإخوة في الإسلام إخوة في النسب، فأعطاها اسمها توكيدا لأمر المحافظة عليها، وإشارة إلى أنهم في الإسلام إخوة، وأن الإسلام ينتمون إليه كما ينتمي الإخوة إلى أبيهم.\nأبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم\nوزيادة في أمر العناية بالإصلاح بين الأخوين ذيّل الله الأمر به بالأمر بالتقوى، لأنّه لما لم يكن عاما فقد لا يخشى ضرره، فلا يتسارع الناس إلى إزالته، فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يعني والله أعلم: فأصلحوا بينهما، وليكن رائدكم في هذا الإصلاح تقوى الله وخشيته، والخوف منه، فالتزموا الحق العدل، ولا تحيفوا، ولا يكن منكم ميل لأحد الأخوين، فإنّهم إخوانكم، وليس أحدهما بالنسبة إليكم فاضلا والآخر مفضولا، إذ الذي جمع بينكم وبينهما الإسلام، وفي الإسلام تذهب الفوارق وتتلاشى.\nالحصر (بإنما) يفيد أنّ أمر الإصلاح ووجوبه إنما هو عند وجود الإخوة في الإسلام، فأما بين الكفار فلا، وأما بين المسلم والكافر، فللمسلم علينا النصرة","vol":"1","page":706},{"text":"والإعانة مطلقا إن كان خصمه حربيا. ونصره وإعانته عند وقوع ظلم عليه إن كان خصمه ذميا أو صاحب أمن.\nوأما إن كان خصمه ذميا والمسلم ظالم له، فالواجب علينا وضع الظلم، فقد استحق بعقد الذمة أن يكون له ما لنا وعليه ما علينا.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) السخر: الهزء، قيل: وهو النظر إلى المسخور بعين النقص، وقال القرطبي: إنّ السخرية وهي اسم منه، الاستحقار والاستهانة، والتنبيه على العيوب والنقائص بوجه يضحك منه. والأكثر تعدية فعله (بمن) وهي لغة الكتاب العزيز، كما تدل عليه الآية التي معنا، وقوله تعالى: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ [هود: ٣٨] ويقال: فلان سخرة، بوزن همزة.\nإذا كان يهزأ به الناس، وقد تكون السخرية بمحاكاة الفعل بالقول والإشارة، أو الضحك على كلام المسخور منه إذا بدا منه تخبط أو غلط، أو على صنعته، أو قبح صورته، ويرى بعضهم أن السخرية ذكر الشخص بما يكره على وجه مضحك بحضرته. ويرى البعض أنّ المراد منها احتقار القول أو الفعل بحضور صاحبه.\nوالآية نزلت في قوم بني تميم، سخروا من بلال وسلمان وعمّار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة «١» .\nوقد ذكر فيها النهي عن السخرية بالنساء تتميما لبيان الحكم.\nوروي أنّها في شأن أمّ سلمة حين سخر منها بعض الصحابيات، وقيل غير ذلك.\nوقوله ﷿: عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ تعليل للنهي، أي عسى أن يكون المسخور منه عند الله خيرا من الساخر، ف «ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبرّه» وقيل: بل المعنى عسى أن يبدّل الله الحال، ويعكس الأمر، فيصير المسخور منه عزيزا رفيع الجانب، والساخر ذليلا مهانا، وهو حينئذ على حد قوله:\nلا تهن الفقير علّك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه\nوقد ذكر الله تعالى النساء مع القوم في الآية، فكان ذلك قرينة على أنّ المراد\n_________\n(١) انظر ما رواه السيوطي في كتابه الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٦/ ٩١) .","vol":"1","page":707},{"text":"بالقوم الرجال. ويرى بعضهم أنّ القوم اسم خاصّ بالرجال لا يدلّ على النساء إلا من طريق التغليب، ومنه ما جاء في بيت زهير:\nوما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء\nوكأنّ هذا المعنى يرجع إلى أنّ لفظ القوم مأخوذ من أنّ الرجل قوّام على المرأة، وهو في الأصل: إما مصدر بمعنى القيام، ثم استعمل في جماعة الرجال، وإما اسم جمع لقائم.\nوقد جاء النهي عن السخرية موجها إلى جماعة الرجال والنساء، وإن كان حكم الفرد من الفريقين كذلك، جريا على ما كان حاصلا، وما هو الأغلب من وقوع السخرية في المجامع والمحافل. وما دامت علة النهي عامة، فهو يفيد عموم الحكم لعموم العلة.\nوكلمة (عسى) في مثل هذا التركيب الذي أسندت فيه إلى (أن، والفعل) قيل:\nتامة، لا تحتاج إلى خبر، و(أن) وما دخلت عليه في محل رفع على الفاعلية. وقيل ناقصة، وسد ما بعدها مسد جزءيها.\nوَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا يعب بعضكم بعضا، وقد جعل الله لمز بعض المؤمنين لمزا للنفس، لأنهم كنفس واحدة، فمتى عاب المؤمن أخاه، فكأنّه عاب نفسه.\nوقد ذكر الله في الآية النهي عن ثلاثة أشياء: عن السخرية، وعن اللمز، وعن التنابز بالألقاب.\nأما التنابز بالألقاب: وهو التعاير بها، فمغايرته للسخرية واللمز ظاهرة.\nوأما السخرية واللمز، فقد ذهب العلماء في المغايرة بينهما إلى وجوه، فمنهم من يرى أنّ السخرية احتقار الشخص مطلقا على وجه مضحك بحضرته، واللمز التنبيه على معايبه، سواء أكان على مضحك أم غيره، وسواء أكان بحضرته أم لا، وعلى هذا اللّمز أعم من السخرية، ويكون من عطف العام على الخاص، لإفادة الشمول.\nومنهم من يرى السخرية الاحتقار واللمز والتنبيه على المعايب، أو تتبعها، وهو يرى أنّ العطف من قبيل عطف العلة على معلولها. كأنّه قيل: لا يحقّر أحد لعيبه، وهذا الوجه لا يكاد يظهر له كبير معنى.\nومنهم من يرى أنّ اللمز خاص بما كان من السخرية على وجه الخفية، وعليه العطف من عطف الخاص على العام، مبالغة في النهي عنه، كأنه جنس آخر.\nويرى بعضهم أن المعنى: ولا تأتوا من الأفعال ما يكون سببا لأن يلمزكم الناس، ويكون المعنى لا يسخر أحد من أحد، ولا يفعلنّ أحد ما يقتضي أن يلمزه الناس.\nوَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ التنابز: التعاير، والتداعي بالألقاب، وخصّ في العرف","vol":"1","page":708},{"text":"بالمكروه منها، وقد نقل عن العلماء النصّ على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره، سواء أكان صفة له، أم لأبيه، أم لأمه، أم لكلّ من ينتسب إليه.\nبِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ تعليل للنهي، والاسم هنا المراد منه الذكر، والمراد: ذم أن يجتمع اسم الفسوق الذي يلحق الناس بسبب التنابز مع الإيمان، وذلك تغليظ شديد، حيث جعل التنابز فسقا، وفيه من التنفير منه ما لا يخفى.\nوقيل: بل المعنى: لا ينسبن أحدكم غيره إلى الفسق الذي كان فيه بعد اتصافه بالإيمان، كأنّه قيل: لا تشهّروا بالناس بذكر ما كانوا عليه من فسق بعد ما حصلوا على الإيمان، ويكون ذلك نهيا عن أن ينادى من دخل الإسلام بصفته التي كان عليها، وقد استثني من النهي دعاء الرجل بلقب قبيح لا على سبيل الاستخفاف والإهانة، بأن يكون على قصد التمييز، كقول المحدّثين: سليمان الأعمش.\nوَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي من لم يتب عما نهي عنه من الأمور الثلاثة فهو ظالم، وكأنه لا ظالم سواه، لأنه وضع العصيان موضع الطاعة، وعرّض نفسه للعذاب.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يقال اجتنب الشيء أي كان منه على جانب، ثم استعمل في التباعد مطلقا، فمعنى قوله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ تباعدوا عن كثير من الظن، وجيء بلفظ (كثير) منكّرا، ليحتاط فيه، فيكون بعيدا عن بعض الظن الذي هو إثم إذا ابتعد عن الكثير منه.\nوالظن أنواع: منه ما هو محرّم، ومنه ما هو واجب ومنه ما هو مندوب، ومنه ما هو مباح.\nفالمحرم: كسوء الظن بالله والعياذ بالله. وسوء الظن بالمسلم مستور الحال، ظاهر العدالة،\nفقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ بالله ﷿» «١» .\nوعنه أنه قال: «إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث» «٢» .\nوقد جاء في القرآن الكريم: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [يونس: ٣٦] وقال الله تعالى: وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا [الفتح: ١٢]\nوفي الحديث: «إنّ الله تعالى حرّم من المسلم دمه وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السوء» .\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ٢٢٠٥)، ٥١- كتاب الجنة، ١٩- باب الأمر بحسن الظن حديث رقم (٢٨٧٧) .\n(٢) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٦/ ٩٢) .","vol":"1","page":709},{"text":"وعن النبي ﷺ: «من أساء بأخيه الظنّ فقد أساء الظنّ بربّه، إن الله تعالى يقول:\nاجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ.\nوقد قدمنا أنّ الممنوع إساءة الظن بالمسلم المستور ظاهر العدالة، وأما من يتعاطى الرّيب، والمجاهرة بالخبائث، فلا يحرم إساءة الظن به، فليس الناس أحرص منه على نفسه، وقد أمر أن يتجنب الريب، وألّا يقف مواقف التّهم، فمن وقف مواقف التهم اتّهم.\nوالظن الواجب: يكون فيما تعبّدنا الله تعالى بعلمه، ولم ينصب عليه دليلا قاطعا، فهنا يجب الظن للوصول إلى المعرفة التي تعبّدنا الله بها، وما غلب على ظنه فهو الذي تعبّدنا الله به. ومن ذلك قبول شهادة العدل، وتحرّي القبلة، وتقويم المستهلكات، وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها نصّ عن الشارع.\nوالمندوب من الظن: ظنّ الخير بالمسلم، وقد تقول: ما دام سوء الظن محرّما، فما بال حسن الظن مندوبا؟\nولكن إذا علمت أنّ هناك واسطة، وهو ألا يظن شيئا علمت أنّه لا يلزم التقابل في الحكم.\nوالظنّ المباح: قد مثّلوا له بالشك في الصلاة، وكأنهم يريدون من الظنّ استواء الطرفين، ومثّلوا له أيضا بالظن الذي يعرض في القلب، مما يوجب الريبة،\nوقد قال النبي ﷺ: «إذا ظننتم فلا تحققوا»\nأي لا توجدوا أثرا لهذا الظن.\nوحرمة الظن بالناس إنما تكون إذا كان لسوء الظن أثر يتعدّى إلى الغير، وأمّا أن تظنّ شرا لتتقيه، ولا يتعدّى ذلك إلى الغير، فذلك محمود غير مذموم، وهو محمل ما\nورد من أنّ (من الحزم سوء الظن) .\nو(احترسوا من الناس بسوء الظن) .\nوما جاء في الحكم: (حسن الظنّ ورطة، وسوء الظنّ عصمة) .\nوقوله تعالى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ تعليل للأمر باجتناب الظنّ. والإثم الذنب الذي يستحقّ فاعله العقوبة عليه.\nوَلا تَجَسَّسُوا أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم، وتستكشفوا ما ستروه. والتجسس: تفعل من الجس، وهو بمعنى التحسس على ما قيل، وبعضهم يرى أنهما متغايران، وأن التجسس معرفة الظاهر، وبالحاء تتبع البواطن، وقيل:\nبالعكس، والأمر مرجعه إلى اللغة. وقد عدّ العلماء التجسس من الكبائر.\nوقد أخرج أبو داود وغيره عن أبي برزة الأسلمي قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنّه","vol":"1","page":710},{"text":"من يتّبع عوراتهم يتّبع الله عورته ومن يتّبع الله عورته يفضحه في بيته» «١» .\nوَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أي لا يذكر بعضكم بعضا بما يكره.\nأخرج مسلم وأبو داود والترمذي «٢» وغيرهم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» . قيل:\nأفرأيت لو كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه» .\nومعلوم أنّ المراد من هذا النهي النهي عن الإيذاء بتفهيم الغير معايب المغتاب، وذلك يتناول كلّ طرق الإفهام، وهو يتناول أيضا كلّ ما يكره، سواء في دينه أو دنياه، وفي خلقه أو خلقه، وفي ماله، أو ولده، أو زوجته، أو مملوكه، أو خادمه، أو لباسه، وخصّه بعضهم بما لا يذمّ شرعا من الصفات، فمن ذكر الزاني بأنّه زان لا يكون مغتابا، ولا يحرم عليه هذا الذكر عنده. واستدل لذلك\nبقول رسول الله ﷺ: «اذكروا الفاجر بما فيه، يحذره الناس» .\nولم يرفض الجمهور ذلك، وقالوا: الحديث ضعيف لا ينهض حجة: قال أحمد: وهو منكر، وقال البيهقي: ليس بشيء، ولو صحّ فهو محمول على فاجر متهتّك يعلن فجوره وتهتكه.\nويرى بعضهم أنّ الذكر بالمكروه يحرم مطلقا في الغيبة والحضور، ونصّ بعض المفسرين على أنه المعتمد، ويكون التقييد بالغيبة خارج مخرج الغالب، إذ إنّ الغالب أن الناس تستحي من أن تذكر أحدا بمعايبه في حضرته.\nأَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ هذا مثال ذكره الله تنفيرا من الغيبة، وتبعيدا منها، وهو مثل بالغ النهاية في تأدية المراد، قد وضّح فيه ما يصدر من المغتاب من حيث صدوره عنه، ومن حيث تعلقه بصاحبه على أفحش وجه تستقبحه العقول، وتنفر منه الطباع، وتنكره الشرائع، وقد ذكر المثل على سبيل الاستفهام التقريري، وهو لا يقع إلّا في كلام مسلّم عند السامع، حقيقة أو ادّعاء، وقد أسند في المثل الفعل إلى أحد إيذانا بأنّه لا يستقر في طبع أحد كائنا من كان أن يقدم على أن يأكل لحم إنسان، فضلا عن أن يحبه، وما بالك به إذا كان المأكول لحم أخيه؟ لا\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٤/ ٢٩٢)، كتاب الأدب، باب في الغيبة حديث رقم (٤٨٨٠)، وأحمد في المسند (٤/ ٤٢١) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ٢٠٠١)، ٤٥- كتاب البر، ٢٠- باب تحريم الغيبة حديث رقم (٧٠/ ٢٥٨٩)، والترمذي في الجامع الصحيح (٤/ ٢٩٠)، كتاب البر، باب الغيبة حديث رقم (١٩٣٤)، وأبو داود في السنن (٢/ ٢٩٠)، كتاب الأدب، باب في الغيبة حديث رقم (٤٨٧٤) .","vol":"1","page":711},{"text":"شك أنه يكون أشنع، وماذا تكون الشناعة إذا كان الأخ ميتا؟ إنّها تكون شناعة ما فوقها شناعة.\nفقد بيّن الله بهذا المثل أوضح بيان أنّ وقوع المغتاب في عرض الناس بذكر معايبهم يشبه أن يكون أكلا للحومهم، وهم إخوته، وليتهم كانوا حاضرين، بل هو إنما ينهش أعراضهم وهم غائبون، فهو كالكلب ينهض لحوم الجيف. ولو عقل الناس هذا المثل، وما استعمل فيه من طرق التنفير ما أقدموا على الغيبة.\nوالفاء في قوله تعالى: فَكَرِهْتُمُوهُ فإن الفصيحة مقدّر معها (قد) وهي واقعة في جواب شرط مقدّر، أي إن عرض لكم هذا فقد كرهتموه، ولا يمكنكم إنكار كراهته.\nوبعضهم: إنّ المعنى فأنتم تكرهونه، ويكون الكلام تصريحا بجوابهم عن الاستفهام، كأنّهم قالوا: لا نحب، فقال الله تعالى: فأنتم كرهتموه، وعبر بالماضي للمبالغة.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ عطف على مقدّر، كأنه قيل: امتثلوا ما أمرتم به، ونهيتم عنه، واتقوا الله إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ تعليل للأمر بالتقوى، وتوّاب: معناه كثير القبول لتوبة من تاب.\nوالغيبة محرّمة بنص إلهيّ في الآية الكريمة، وقد نقل القرطبي «١» الإجماع على أنها من الكبائر. والغزالي: يرى أنّها من الصغائر، وهو عجيب من عمدة الأخلاق الغزالي، ولعلّه أراد أن يخفف على الناس لمّا رأى فشوها فيهم، لا يخلو منهم من لا يرتكبها إلا النادر، ولكنّا ما علمنا أنّ إطباق الناس على منكر يكون سببا في تخفيفه ولو لم يرد فيها من دلائل التحريم غير ما ذكر في هذه الآية وأنّها من أشنع القبائح لكان ذلك كافيا في كونها من الكبائر.\nوليس لأحد أن يتعلّق بما ورد من\nقوله ﵊ فيما رواه أحمد «٢» عن أبي بكرة أنّه قال: بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ، وهو آخذ بيدي، ورجل عن يساري، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول الله ﷺ: «إنّهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير» وبكى إلى أن قال: وما يعذبان إلا في الغيبة والبول\nإذ المراد أنهما ما كان يكبر عليهما أن يتجنّبا سبب هذا العذاب، فكان أحدهما لا يستنزه من البول، وإنّه ليسير، وكان الآخر لا يبتعد عن الغيبة، وما هو عليه بعسير.\nولو أنّ الإمام الغزالي ﵀ ذهب إلى أنّ بعضها ليس بكبيرة، بل هو من الصغائر لكان الأمر هينا فإنّك عرفت أنّ الغيبة إنما نهي عنها من أجل الإيذاء، وهو مراتب، فلن يكون ذكر معايب الثوب أو القربة مثلا ببالغ حدّ الخوض في العرض من جهة الإيذاء، فالغيبة حرام، ويجب على المغتاب أن يبادر إلى التوبة والاستغفار منها.\n_________\n(١) انظر الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي (١٦/ ٣٣٧) .\n(٢) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٩) .","vol":"1","page":712},{"text":"وقد أخرج العلماء أشياء لا يكون لها حكم الغيبة فيما إذا كان العيب لغرض صحيح شرعي لا يتوصل إليه إلا به.\nفمن ذلك التظلم: فلمن ظلم أن يشكو لمن يظنّ منه القدرة على إزالة ظلمه.\nومنه الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على تغييره.\nومنه الاستفتاء: كأن يقول للمفتي ظلمني فلان بكذا، فما طريق الوصول إلى حقي؟\nومنه أن يكون صاحب العيب مجاهرا بالمعصية، كشربه الخمر- للذين يتظاهرون-.\nومنه جرح الرواة والمصنفين والمفتين مع عدم الأهلية، وكلّ ما فيه تحذير المسلمين من الشر، إذا تعين ذلك طريقا له.\nهذا وقد اشتملت الآية الكريمة على الأمر باجتناب الظنّ باجتناب أثره، ثم النهي عن طلب تحقيق ذلك الظن بقوله: ولا تجسسوا ثم النهي عن ذكر ما عسى أن يكون المتجسس قد وقف عليه، فهذه ثلاثة مترتبة: ظنّ، فعلم من طريق التجسس، فاغتاب.","vol":"1","page":713},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>من سورة الواقعة</span>\nقال الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠)\nقبل أن نتكلّم عن تفسير الآيات نقول: قد ورد القسم على هذا النحو في القرآن الكريم كثيرا، منه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) [الانشقاق: ١٦، ١٧] وفَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) [التكوير: ١٥، ١٦] ولا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) [القيامة: ١] وفَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) [الحاقة: ٣٨] وفَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ [المعارج: ٤٠] ولا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) [البلد: ١] .\nوقد جاء على غير هذه الصورة، أي من غير (لا) النافية، ومن غير الفعل (أقسم) . وقد جاء القسم على أنواع: إمّا قسم الله بنفسه موصوفا بالربوبية فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [الذاريات: ٢٣] والقسم هنا على مضمون جملة خبرية فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) [الحجر: ٩٢، ٩٣] .\nوإمّا قسم بالذّات معنونة بلفظ الجلالة: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: ٥٧] وتارة يكون القسم بأشياء من خلقه: (كالصافّات) (والطور) (والذاريات) (والنجم) و(مواقع النجوم) و(الشمس وضحاها) و(الفجر) و(البلد) و(القيامة) و(التين والزيتون) .\nوتارة يكون القسم بالقرآن موسوما باسمه يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) [يس: ١، ٢] ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) [ص: ١] ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) [ق: ١] أو موسوما باسم الكتاب حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) [الزخرف: ١، ٢ والدخان: ١، ٢] .\nومهما يكن المقسم به فالمقسم عليه لا يعدو أن يكون من أصول الإيمان التي يجب على الخلق معرفتها، فهو تارة يكون قسما على التوحيد، كقوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) [الصافات: ١- ٤] .\nوتارة يكون قسما على أنّ القرآن حقّ، كقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) وقوله: حم (١)","vol":"1","page":714},{"text":"وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ\n[الدخان: ١- ٣] وقوله: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ١- ٣] على بعض الوجوه في جواب القسم.\nوتارة يكون المقسم عليه أنّ محمدا رسول يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) [يس: ١- ٣] .\nوتارة يكون المقسم عليه نفيا لصفة ذميمة عن الرسول الأكرم ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) [القلم: ١، ٢] ووَ النَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) [النجم: ١، ٢] ومن هذا قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) [الحاقة: ٣٨- ٤١] .\nوتارة يكون المقسم عليه الجزاء والوعد والوعيد مثل قوله تعالى: وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا (١) فَالْحامِلاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجارِياتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) [الذاريات: ١- ٥] ومنه قوله: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) [الذاريات: ٢٣] ومنه:\nإلى قوله: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) [المرسلات: ١- ٧] ومنه وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) إلى قوله: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) [الطور: ١- ٨] .\nهذا وقد أمر الله نبيّه أن يقسم على الجزاء والمعاد في ثلاثة مواضع، قال: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: ٧] وقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ: ٣] وقال تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس: ٥٣] .\nوقد جاء المقسم عليه أحوالا من أحوال الإنسان التي هو عليها: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) [الليل: ١- ٤] .\nووقع القسم على صفة الإنسان: وَالْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) [العاديات: ١- ٦] .\nوجاء القسم على عاقبة الإنسان: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [التين: ١- ٦] وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) [العصر: ١- ٣] .\nقد أردنا بهذا الذي ذكرنا أن نريك فنون القسم في القرآن، سواء في المقسم به والمقسم عليه، ولولا الإطالة في غير الموضوع المقرّر لذكرنا لك شيئا من فنون القرآن","vol":"1","page":715},{"text":"الكريم في جواب القسم، وإنّه تارة يكون إنشاء، وتارة يكون خبرا، وتارة يكون مذكورا، وتارة يكون محذوفا، لكنّ ذلك يحتاج إلى الشرح والإيضاح، فيطول، ونريد أن نرجع إلى القول في الذي معنا.\nفَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) .\nقد أطلعناك على أمثلة كثيرة من هذا النوع من القسم في القرآن الكريم، ويمتاز ما معنا بأنه قيل فيه صراحة وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) فكان هذا دليلا على أنّ هنا قسما وحلفا مثبتا، وأنّ الكلام إثبات قسم لا نفي قسم.\nولقد كانت الصورة الظاهرة صورة نفي القسم مجالا فسيحا للعلماء، أجهدوا فيه قرائحهم، وأبدوا آراءهم في بيان المراد، والجمع بينه وبين قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) فذهب بعضهم إلى أنّ (لا) زائدة، مثلها في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ [الحديد: ٢٩] معناه ليعلم، والمعنى هنا: فأقسم بمواقع النجوم، والقول بالزيادة يكاد لا يرتضيه أحد.\nوذهب بعضهم إلى أن (لا) هي لام القسم بعينها، أشبعت فتحتها، فتولدت منها الألف، نظير الألف في قول الشاعر:\nأعوذ بالله من العقراب\nحيث أشبعت فتحة الراء، فتولّدت منه الألف، وحينئذ تتحد القراءتان، قراءة مدّ اللام وعدم مدها في المعنى، ويكون المد مدّ إشباع، ويكفي في ضعف هذا القول اعتراف قائليه بقلّة هذا التوليد في لغة العرب. على أنّ هذا يوقعنا في شيء آخر، لا يقرّه النحويون، وهو خلوّ فعل القسم إذا كان مستقبلا من النون، فإنّ النحاة يقولون: إذا وقع الفعل مستقبلا مقرونا باللام في حيّز القسم وجب اتصال الفعل بنون التوكيد، وحذفها ضعيف جدا، حتى لقد اضطروا إلى تخريج القراءة الأخرى لاقسم على أنّ اللام للابتداء، وليست للقسم، وقالوا: إنّها داخلة على مبتدأ محذوف، والمعنى:\nفلأنا أقسم، وإن كان هذا التخريج لا يخلو من شيء.\nوقيل: بل النفي على حاله، و(لا) نفي لمحذوف، هو ما كان يقوله الكفار في ذم القرآن، من أنّه سحر وشعر وكهانة. ثم استؤنف الكلام بعد ذلك، ويكون حاصل المعنى: فلا صحة لما يقولون، أقسم بمواقع النجوم إلخ وفوق أن الحذف لا دليل عليه، فهو لا يتفق مع ما يقول النحاة من أنّ اسم لا وخبرها لا يصحّ حذفهما، إلا إذا كانا في جواب سؤال، كما تقول: هل من رجل في الدار؟ فنقول: لا.\nعلى أنّ علماء المعاني يقولون في مثل هذا الموضع: إنّ العطف بالواو متعيّن، كما يقال: هل شفي فلان من مرضه فيقال: لا، وأطال الله بقاءك.","vol":"1","page":716},{"text":"ويرى الفخر الرازي «١» أن كلمة (لا) هي نافية على معناها، غير أن في الكلام مجازا تركيبيا، وتقديره أن نقول: (لا) في النفي هنا مثلها في قول القائل: لا تسألني عما جرى عليّ، يشير إلى أن ما جرى عليه أعظم من أن يشرح فلا ينبغي أن يسأله، فإن غرضه من السؤال لا يحصل، ولا يكون غرضه من ذلك النهي إلّا بيان عظمة الواقعة، ويصير كأنه قال: جرى عليّ أمر عظيم، ويدل عليه أن السامع يقول له: ماذا جرى عليك، ولو فهم من حقيقة كلامه النهي عن السؤال لما قال: ماذا جرى عليك، فيصحّ منه أن يقول: أخطأت حيث منعتك عن السؤال، ثم سألتني وكيف لا، وكثيرا ما يقول ذلك القائل الذي قال: لا تسألني عند سكوت صاحبه عن السؤال، أو لا تسألني، وتقول: ماذا جرى عليك؟ ولا يكون للسامع أن يقول: إنك منعتني عن السؤال: كل ذلك تقرّر في أفهامهم: أنّ المراد تعظيم الواقعة لا النهي.\nإذا علم هذا فنقول في القسم: مثل هذا موجود من أحد وجهين:\nإما أن لكون الواقعة في غاية الظهور، فيقول: لا أقسم بأنه على هذا الأمر، لأنه أظهر من أن يشهر، وأكثر من أن ينكر، فيقول: لا أقسم، ولا يريد به القسم ونفيه، وإنما يريد الإعلام بأن الواقعة ظاهرة، وإما لكون المقسم به فوق ما يقسم به، والمقسم صار يصدق نفسه فيقول: لا أقسم يمينا بل ألف يمين، ولا أقسم برأس الأمير برأس السلطان، ويقول: لا أقسم بكذا، مريدا لكونه في غاية الجزم.\nوالثاني: يدل عليه أنّ هذه الصيغة لم ترد في القرآن، والمقسم به هو الله تعالى أو صفة من صفاته، وإنما جاءت أمور مخلوقة، والأول لا يرد عليه إشكال إن قلنا:\nإن المقسم به في جميع المواضع رب الأشياء، كما في قوله: وَالصَّافَّاتِ المراد منه رب الصافات، فإذا قوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) أي الأمر أظهر من أن يقسم عليه وأن يتطرّق الشك إليه.\nولعلك بعد كلام الفخر تكون قد فهمت أن نفي القسم استعمل في القسم من طريق أوكد.\nوقبل أن نتكلم على معنى القسم من الله بذاته، أو بأشياء من خلقه، نتكلم على تفسير الآية التي معنا، لنفرغ إلى القول في هذه النواحي باستفاضة.\nأُقْسِمُ أحلف بِمَواقِعِ النُّجُومِ المواقع جمع موقع، وموقع الشيء ما يوجد فيه، وما يسقط فيه إن كان من أشياء مرتفعة. وعليه، فمواقع النجوم قيل: المشارق والمغارب جميعا، لأنها موجودة فيها. وقيل: المغارب فقط، لأنّ عندها تسقط النجوم. وقيل: بل مواقعها مواضعها من بروجها في السماء ومنازلها منها. وقيل: بل\n_________\n(١) في تفسيره مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير (٢٩/ ١٨٧) .","vol":"1","page":717},{"text":"المراد مواقعها يوم القيامة إذا الكواكب انتثرت، وسنتكلّم بعد على حكمة القسم بمواقع النجوم خاصة.\nوَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) عظيم خبر (إن) وقوله: لَوْ تَعْلَمُونَ اعتراض بين إنّ وخبرها. والضمير في قوله: (إنه) يرجع إلى القسم المفهوم من الكلام على ما تقدّم توضيحه. ولَوْ تَعْلَمُونَ شرط، جوابه: إمّا محذوف بالكلية، لأنه لا يتعلق بذكره غرض، إذ المقصود هو نفي ما دخلت عليه (لو) . وكأن المعنى: إنّه لقسم عظيم. لو تعلمون. وذلك أنّ (لو) حرف يدلّ على امتناع شيء لامتناع غيره، وعلى ذلك فهي تدلّ على نفي مدخولها لانتفاء شيء آخر، فإذا قد أفاد دخول (لو) على (تعلمون) انتفاء علمهم، وهذا هو الذي يعنينا، أما الجواب فعلمه بعد ذلك كأنّه لا يعني.\nويقول الفخر الرازي «١»: إنّ فائدة مجيء النفي على هذه الصورة بدل قوله:\n(وإنه لقسم عظيم) ولا تعلمون أنّ النفي على الصورة التي معنا أوكد، لأنّ إتيانه عليها ذكر للشيء بدليله. أما الصورة الأخرى فليس فيها إلا إثبات عظم القسم مقترنا بنفي علمهم من غير تعرّض للإشعار بسبب نفي العلم عنهم. أما هنا فكأنّه قيل: لو كان عندكم أثارة من علم لثبت عندكم عظم القسم، فإن كان أحد يشكّ في ذلك، فمنشأ الشك ليس لعدم العظم في نفس الأمر، بل لأنّه لا يعلم، وأين هذا من ذاك.\nوإما أن يكون جواب (لو) مقدّرا مفهوما من خبر (إن) أي لو كان عندكم علم لعظّمتموه، لكنكم لم تعظّموه فلا علم عندكم، وترى أنّا لم نقدّر لتعلمون مفعولا، بل جعلناه منزّلا منزلة اللازم، ويصحّ أن يقدّر له مفعول يدلّ عليه خبر (إن) .\nإِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) .\nالضمير في (إنّه) يرجع إلى معلوم للمخاطبين، وهو الكلام العربي الذي أنزله الله على محمد ﷺ وكان الكفار يقولون فيه: إنه شعر، إنه سحر إنّه كهانة وافتراء.\nفقال الله في الرد عليهم: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)، وقال بعضهم: هو الكلام من أول سورة الواقعة إلى هنا مما جاء فيها من التوحيد، والحشر، والدلائل التي سيقت لإثباتها، وذلك أنهم كانوا يقولون: هذا كلام من عند محمد لم ينزل عليه من عند الله، فقال الله في الردّ عليهم: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) .\nوالقرآن مصدر أريد منه اسم المفعول، فهو بمعنى المقروء، على حد قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى [الرعد: ٣١] وهو\n_________\n(١) في تفسيره مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير (٢٩/ ١٨٩) .","vol":"1","page":718},{"text":"من باب هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان: ١١] وقيل: بل هو اسم لما يقرأ من الكلام المنزّل إلخ كالقربان اسم لما يتقرّب به، والمشركون وإن كانوا لا يجهلون أنّه مقروء إلا أنهم كانوا ينازعون في أنه قرآن كريم، وأيضا كانوا يقولون: هو من عند محمد، وكانوا ينكرون تنزيله وأنّ محمدا يتلو عليهم ما سمع من الوحي.\nومعنى كونه كريما: أنّه طاهر الأصل، ظاهر الفضل، يجد فيه كلّ الناس ما يريدون من خير:\n«إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا أبدا كتاب الله» «١»\nوقد وصف الله القرآن بأوصاف كثيرة، وصفه بكونه حكيما، وبكونه عزيزا، وبكونه كريما، وبكونه مجيدا، وهو كريم، من أقبل عليه أخذ منه ما أراد، وهو عزيز من أعرض عنه ذلّ، وهو حكيم بما اشتمل عليه من كنوز الحكمة، وهو مجيد بما اشتمل عليه من شريف المقاصد.\nوقوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) أفاد شيئين: الأول: أنه مظروف في كتاب والثاني: أنّه مكنون. فأما ظرفيته في الكتاب فلنا أن نقول: إنّه على حد فلان كريم في نفسه، حيث لا يراد إنّ المظروف شيء والمظروف فيه شيء آخر، فإنّ الشيء لا يكون ظرفا لنفسه، فالقرآن- وهو كتاب- كريم، في كتاب أي نفسه، أو كريم ثبت كرمه في كتاب، هو اللوح المحفوظ، أو يقال: إنّ المظروف هو جملة إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) والمظروف فيه هو كتاب، ويكون المعنى: إنّ مضمون هذه الجملة ثابت في كتاب هو اللوح المحفوظ، وقد قيل: الكتاب هو اللوح المحفوظ، وقيل: هو المصحف، وقيل: بل هو كتاب من الكتب المنزلة: كالتوراة، والإنجيل. وأما كونه مكنونا: فالمكنون هو المستور، فإن كان الكتاب اللوح المحفوظ فمعنى كونه مكنونا أنّه مستور عن الأعين، لا يطّلع عليه إلا نفر مخصوص من الملائكة، ويصحّ أن نقول: إن المكنون أريد منه المحفوظ، ويكون الكن كناية عن الحفظ، لأنّ الشيء إذا كان شريفا عزيزا لا يكتفى في صونه وحفظه بطرق الحفظ المعتادة، بل يستر عن العيون، وكلّما ازدادت عزته ازداد ستره، زيادة في الصون. فقد استعمل الكن والستر وأريد منه المبالغة في الحفظ والصيانة، وقيل: إنّ معنى كونه في كتاب مكنون كونه محفوظا من التبديل والتغيير، فهو على حد قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩] .\nوأما قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) فإما أن نجعله من صفة الكتاب بمعنى اللوح المحفوظ، وإما أن يكون صفة أخرى للقرآن الكريم.\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٦٢١)، كتاب المناقب، باب مناقب أهل بيت النبي ﷺ حديث رقم (٣٧٨٦) .","vol":"1","page":719},{"text":"وعلى الأول: فالمطهرون الملائكة، وطهارتهم نزاهتهم عمّا في طبيعة الإنسان من الشهوة التي هي من مقتضيات المادة، ونفي مسه إلا من هؤلاء يراد منه أنّه لا يطّلع عليه إلا هؤلاء.\nوعلى الثاني: فالمراد من المطهرين يحتمل أن يكون الخالين عن الحدثين الأصغر والأكبر، وتكون الطهارة مرادا منها الطهارة الشرعية. ويكون المعنى: لا يمس القرآن إلا من كان على طهارة من الحدثين. والنفي على معنى أنّه لا ينبغي، كمثله في قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً [النور: ٣] .\nويرى البعض فرارا من كون الجملة خبرية أنّ (لا) ناهية، والضمة التي في (يمسه) ضمة اتباع، لا ضمة إعراب، وقد صرّح الفخر الرازي «١» بضعف هذا القول وإن روي عن ابن عطية. ومع كون الجملة صفة للقرآن فيحتمل أن يكون المراد من المطهرين الملائكة، وهو مروي من عدّة طرق: فعن قتادة أنّه قال في الآية: ذاك عند ربّ العالمين، لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة، فأما عندكم فيمسه المشرك والنجس والمنافق الرجس، وقد روي عن الإمام مالك ﵁: أحسن ما سمعت في الآية: الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلا المطهرون. أنّها بمنزلة الآية التي في عبس كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) [عبس: ١١- ١٦] .\nوقيل: الآية صفة القرآن حقا، والمراد من المطهرين الخالون من الشرك، والمراد من المس الطلب، مثله في قوله تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ [الجن: ٨] وقد عرفت أنّ المسّ بمعنى اللمس، والمعنى: أن القرآن لا يطلبه للعمل به إلا المطهّرون من دنس الشرك.\nوأما قوله: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) فهو وصف آخر للقرآن الكريم، والتنزيل بمعنى منزل أو يقال: وصف به لأنّ القرآن ينزل نجوما على خلاف سائر الكتب.\nوقد أنهينا القول في تفسير الآيات، وهنا أشياء لا بدّ أن نتعرض لها، لأن بعضها من الأحكام التي أراد الفقهاء أن يأخذوها من الآية. وبعضها الآخر وعدناك به، وهو ما يتعلّق بالقسم. ولنشرع في البعض الأول، وهو ما يتعلّق بالأحكام.\nقد رأيت أثناء التفسير أنّ من المفسرين من يريد إرجاع الضمير في لا يَمَسُّهُ إلى القرآن الكريم، وأنّ من الآراء في (المطهرين) رأيا يقول: هم المطهرون من الناس وأنّ طهارتهم هي الطهارة الشرعية من الحدثين. على هذين الاعتبارين يقوم الاستدلال بعض الفقهاء بالآية على عدم مس المحدثين للمصحف، وعدم مس المحدث\n_________\n(١) في تفسيره مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير (٢٩/ ١٩٣) .","vol":"1","page":720},{"text":"للمصحف أمر يكاد يجمع عليه، ومن أجازه من الفقهاء أجازه لضرورة التعلم، أو التعبد عند بعضهم، وقد يكون الحكم مسلّما لا اعتراض عليه، إنما الذي لا يسلّم هو أن يكون الحكم مأخوذا من هذه الآية، فإنّك لمست ما فيها من احتمالات كثيرة، بل ويرجّح بعض العلماء أن الكتاب هو اللوح المحفوظ، وأنّ الضمير في (يمسه) راجع إليه، وأنّه حتى على فرض أن الكتاب القرآن، فليس هو المصحف، بل هو المصحف الذي بأيدي الملائكة، ولئن كان هو المصحف فالمطهرون يحتمل أن يراد منهم المؤمنون، ويراد من المس الإدراك، ويكون المعنى لا تفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلوب الملوثة أن تجد نور الإيمان. قال البخاري في هذه الآية: لا يجد طعمه إلا من آمن به.\nوقد رجّح العلماء أنّ المراد من الكتاب الكتاب الذي بأيدي الملائكة، على نحو ما هو مذكور في قوله تعالى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) [عبس: ١٣- ١٦] والكتاب بهذا المعنى هو الذي يصحّ وصفه بأنه لا يمسه إلا المطهرون، إذ هو بأيديهم، وأما غيرهم فهم لا يمسونه، لأنه ليس في متناولهم، وقد ذكروا في ترجيح ذلك وجوها كثيرة.\nمنها أن الآية سيقت تنزيها للقرآن عن أن تنزيل به الشياطين، وأنّه في محل مضمون لا يصل إليه فيمسه إلّا المطهرون، وأما الأخبثون من خلقه، فلا يصلون إليه، ويكون ذلك على حد قوله تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) [الشعراء: ٢١٠، ٢١١] أفرأيت كيف نفى الله ابتغاء مجيئهم به، ونفى استطاعتهم أن ينزلوا به، وكذلك آية عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) [عبس: ١] التي أسلفنا لك ذكرها.\nومن وجوه الترجيح: أنّ السورة مكية، ومعلوم أنّ القرآن في مكة أكثر عنايته كان موجها إلى أصول الدين: من تقرير التوحيد، والمعاد والنبوة. وأما الأحكام، وبخاصّة ما يتعلق منها بمس الأشياء في تفاصيل جزئية فمردّه إلى المدني من السور.\nومن وجوه الترجيح: أن القرآن في أول نزوله لم يكن جمع في مصحف، بل لم يكن تمّ نزولا حتى يكون الناس في حاجة إلى بيان حكم مس المصحف، نعم إنه يحتمل أن يكون خبرا عما يكون.\nومن الوجوه أيضا: أنّ الله تعالى قال في وصف الكتاب: مَكْنُونٍ وذلك كناية عن الصون والستر عن الأعين، لا تناله أيدي البشر. اسمع قول الكلبي في تفسير الآية، قال: هو مكنون من الشياطين. وقال مجاهد: مكنون لا يصيبه تراب ولا غبار، هل ترى أنّ المصحف لا يمسه غبار، أم ذاك خبر عن شيء في السماء؟ قال أبو إسحاق: مصون في السماء.","vol":"1","page":721},{"text":"على أنّ ذلك يتفق تماما مع قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) ولو نظرت إلى أنّ الآية سيقت للرد على المكذبين لوجدت الذي نقول أبلغ في الرد عليه من وصفه بأنه لا يمسه المحدثون.\nعلى أنّ الآية خبر، وتأويلها على الوجه الذي ذكرنا يبقيها على خبريتها، أمّا تأويلها على الوجه الآخر، فيحتاج إلى إخراجها عن الخبرية إلا الإنشاء، والأصل إبقاء الخبر على خبريته حتى يوجد المقتضى، ونحن نبحث عنه فلا نجده.\nعلى أنّه لو كان المعنى ما ذهبوا إليه لقيل: لا يمسه إلا المتطهرون بدل إلا المطهرون، فالمطهرون من تكون طهارتهم من غيرهم، أما المتطهرون فطهارتهم مسندة إليهم، وحيث أراد الله هذا المعنى قال فيه: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢] .\nوفي الحديث: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين» «١» .\nومن وجوه الترجيح أنّه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن وصفه بكونه مكنونا ذا فائدة كبيرة، إذ ما فائدة أن يقال: إنّ القرآن في مستور، وكل الكتب كذلك.\nإنما سيقت الآية الكريمة لمدحه وتشريفه، وبيان الخصال التي اختص بها، والتي تدلّ على أنّه منزل من عند الله، وأنّه محفوظ مصون، لا تصل إليه الشياطين، ولا يمسه إلا السفرة الكرام البررة.\nنعم إذا كان المفسرون تبعا للفقهاء يستدلّون بالآية من وجهها الذي استدل بها منه ابن تيمية على الحكم كان حسنا، حيث قال: إنّ الآية تدلّ على الحكم من باب الإشارة والتنبيه، لأنّه ما دامت صحف القرآن في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فالصحف التي بأيدينا كذلك ينبغي ألا يمسها إلا الطاهر.\nعلى أنّهم لو ذهبوا إلى السنة لوجدوا بها الذين يطلبون،\nفقد روى أصحاب السنن «٢» من حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أنّ في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات:\n«ألا يمسّ القرآن إلا طاهر»\nوقد رجّح العلماء صحة ما رواه ابن حبان في «صحيحه» ومالك في «الموطأ» ثم الآثار بعد ذلك كثيرة.\nولعل هذا يغنيك عن الرجوع إلى ترجيح أحد الآراء على غيره في التفسير، أما الحكم فنحن نسلم به من دليله إذا كان في غير الآية، والآثار عليه كثيرة: منها ما ورد\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (١/ ٧٨)، كتاب الطهارة، باب فيما يقال بعد الوضوء، حديث رقم (٥٥) .\n(٢) انظر صحيح ابن حبان (١٤/ ٥٠١- ٥١٥)، وموطأ مالك حديث رقم (١٩٩) .","vol":"1","page":722},{"text":"في حديث إسلام عمر أنّه قال لأخته: أعطوني الكتاب الذي تقرءون، فقالت: لا يمسه إلا المطهرون، فقام، واغتسل، وأسلم ومسّ المصحف.\nوعن كثير من الصحابة أنهم كانوا يأمرون أبناءهم بالوضوء لمس المصحف.\nوعن الحسن والنخعي كراهة مس المصحف على غير وضوء. ثم اسمع رأي الجصاص بعد أن نقل الخلاف الذي عرفت آنفا، قال أبو بكر «١»: إن حمل اللفظ على حقيقة الخبر فالأولى أن يكون المراد القرآن الذي عند الله، والمطهرون الملائكة. وإن حمل على النهي وإن كان في صورة الخبر، كان عموما فينا، وهذا أولى، لما\nروي عن النبي ﷺ أنه كتب لعمرو بن حزم «ولا يمس القرآن إلا طاهر»\nفوجب أن يكون نهيه هذا بالآية إذ هي تحتمله.\nولننتقل بعد ذلك للكلام في القسم وفاء بالذي وعدناك، وسيكون كلامنا في الموضوع من ناحيتين:\nناحية القسم من الله.\nوناحية بمواقع النجوم خاصّة لأنه معنا، ومن حقك أن تعرف وجه القسم بها، واختصاصها بالموضع الذي وردت فيه. فنقول:\nقد رأيت أول ما كتبنا أنّا سقنا لك أنواعا من القسم الوارد في القرآن، فعرفت أنّه أقسم بذاته، وأنّه أقسم بأشياء غير الذات، ومنها القرآن الكريم، وأريناك أمثالا كثيرة فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الذاريات: ٢٣] يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) [يس: ١، ٢] وَالصَّافَّاتِ وَالطُّورِ (١) إلخ، وقد كان العلماء فرقتين في قسمه بغير ذاته، فمنهم من سلك طريق التأويل، وصرف العبارات عن ظاهرها، فقالوا مثلا يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢): أي وربّ القرآن الحكيم، وَالضُّحى (١): ورب الضحى. وهلم جرا.\nوزعموا أن الذي حملهم على هذا التأويل أنهم:\n١-\nقد رأوا أن النبي ﷺ نهى عن الحلف بغير الله، وقال: «من كان حالفا فيحلف بالله أو ليذر» «٢»\n، والنهي يقتضي قبح المنهي عنه، فإذا ورد في الشرع ما ظاهره أنّه حلف بغير الله وجب تأويله، وردّه إلى أن يكون حلفا بالله.\n٢- أنّ الحلف بالشيء يقتضي أن يكون المقسم به معظما، والتعظيم لا يكون إلا لله، فوجب أن تحمل الأقسام على ذلك.\n٣- أنه قد ورد مصرّحا به على هذا النحو في قوله تعالى:\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن للإمام أبي بكر العربي (٣/ ٤١٦) . [.....]\n(٢) رواه النسائي في السنن (٧- ٨/ ٧)، كتاب الأيمان، باب التشديد في الحلف حديث رقم (٣٧٧٣) .","vol":"1","page":723},{"text":"وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) [الشمس: ٥- ٧] حيث جاء الحلف بالذات بعد الحلف بالسماء وبالأرض وبالنفس، فلا بدّ أن يكون القسم في الجميع على هذا المعنى.\nأما الفرقة الأخرى من العلماء فذهبت إلى أنّ القسم وقع بأعيان الأشياء المقسم بها، وقد قالوا في الاحتجاج على صحة ما ذهبوا إليه:\n١- أن القسم هو بهذه الأشياء في الظاهر، والعدول عنه عدول عن الظاهر، ولا يكون إلا لدليل، وما ذكرتم لا يصلح دليلا، لأن ما منع من العباد لا يلزم أن يكون ممنوعا صدوره من الله. إذ المانع في حق العباد أن في القسم بغير الله تعظيما لذلك الغير، والعباد يجب ألا يشركوا مع الله أحدا في التعظيم. وهذا المعنى غير مدرك في جانب الله تعالى، فهو إذ يعظّم، فإنما يعظّم أشياء دانت له بالربوبية، ولا يمكن في العقل أن تتعاظم على من هي في قبضة يده وبسطة سلطانه.\nوهو إذا يعرّف الناس بعظمتها، فإنما يرشدهم إلى عظمة خالقها، وأنه إذ يقسم بها فإنما يقسم لأنّ لها شأنا بديعا، ومنفعة عند العبد يدركها، وينتقل من إدراك إتقان صنعها إلى أنه لا بد أن تكون صادرة عن المدبر الحكيم، اللطيف الخبير، ثم هي فوق ذلك نعمة من نعمه على عباده، والحلف بها تذكير بالنعمة لتقابل بالشكر.\n٢- إنه قال تعالى: وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فأقسم بالسماء، ثم عطف عليها ما بناها، وذلك على طريقتكم قسم بالباني، فلو كان القسم على تقدير مضاف لتكرر القسم في الموضع الواحد من غير موجب، إذ يصير المعنى وباني السماء وبانيها، وطاحي الأرض وطاحيها، ومسوّي نفس ومسويها.\nومثل هذا ينزّه عنه القرآن الكريم.\nولو قلنا على طريقتنا إنّ هذا قسم بالسماء وببانيها، أو ببنايتها لم يلزم هذا المحذور، فتعيّن أن يكون القسم قسما بأعيان هذه الأشياء.\n٣- أنّه لا يبعد أن يقسم بهذه الأشياء تنبيها إلى شرفها، وما حوت من إبداع وإتقان، ليكون ذلك دليلا على عظمة خالقها، وأنّه إله واحد. ويكون ذلك من تضافر الحجج على المدعى الواحد، فهو قسم واستدلال بما في المقسم به من وجوه الدلالة المختلفة، ومن أجل ذلك نقول: لا داعي إلى التأويل، والقسم قسم بأعيان الأشياء وحقيقتها.\nوهنا سؤال يتردّد كثيرا، حاصله أن يقال: ما فائدة القسم؟ والمخاطب أحد رجلين: مؤمن بالقرآن، ومكذب به، وما كان المؤمن محتاجا وهو مؤمن إلى قسم، فهو مصدّق من غير يمين. وإن كان من المكذبين الذين لم تغنهم الآيات والنذر، فكيف يصدّق لمجرد القسم بعد أن لم يؤثّر فيه الدليل؟","vol":"1","page":724},{"text":"ويقول العلماء جوابا عن هذا: إنّ هذه الأيمان والأقسام لم تجئ لإثبات الدعاوى، فالدعاوى لها ما يثبتها، وقد اقترنت من دلائل الإثبات بما لا يدحض، إنما جاءت هذه الأقسام لتوكيد ما ثبت من طريق الحجة والبرهان على منهاج العرب وأسلوبهم في توكيد الكلام بالحلف، وقد كان القسم أحد أساليب التوكيد عندهم، والقرآن بلغتهم نزل.\nعلى أننا نحيلك إلى التبصر في كل الأقسام الواردة في القرآن، وبالتأمل فيها تجدها أشياء في مواضعها أقسم بها، وقد حوت من الدلائل ما يجعل القسم ليس قسما في الواقع، وإنما هو تذكير بالدليل الذي يشتمل عليه المقسم به، فهو يذكر في معرض القسم، وهو مخلوق من المخلوقات، فتتوجه النفس إلى سر القسم بهذا المخلوق متسائلة: ما القسم بهذا؟ وما معناه؟ وما مغزاه؟ وما سره؟ ثم تتوجه من ذلك إلى ما في القسم به، باعتبار ما ينبعث منه من بواعث التعظيم، ويكون حاصل المعنى، وحق هذه الأشياء التي ينطق صنعها ووجودها بالعظمة أنّ المقسم عليه لحق.\nوما دمنا قد وصلنا إلى هذا فلنتكلم على القسم بمواقع النجوم:\nيقول الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) والحديث قبل القسم من أول سورة الواقعة في شأن الواقعة والقيامة الكبرى، وما يكون فيها من أشياء جسام إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) ثم ذكر الله أقسام الخلق يومئذ، ثم ذكر الأدلة القاطعة على عموم قدرته، وعلى المعاد. فذكر النشأة الأولى دليلا: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) .\nثم ذكر إخراج النبات من الأرض، وإنزال الماء من السماء. وخلق النار، وسأل الناس أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) ثم ذكر أنّه جعل ذلك تذكرة ومتاعا، وأمر نبيه أن يسبّح باسم ربه العظيم، ثم أقسم بمواقع النجوم على إثبات القرآن، وكرمه وصونه، وحفظه، وأنه تنزيل من رب العالمين.\nوقد عرفت طرفا من أقوال العلماء في المراد بالمواقع، وما دام الكلام سيكون في سر القسم بها نذكر شيئا مما قيل فيها غير ما سمعت:\nفقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: النجوم آيات القرآن، ومواقعها نزولها شيئا بعد شيء. وقد روي مثل هذا عن سعيد بن جبير، ومقاتل، وقتادة.","vol":"1","page":725},{"text":"وقيل: النجوم الكواكب، ومواقعها مساقطها عند الغروب، وهو قول أبي عبيدة، وقد تقدم قول كهذا.\nوقيل: بل مواقعها انتثارها وانكدارها يوم القيامة، وهو مروي عن الحسن.\nويقول الذي يقول المواقع المساقط عند الغروب: إنّ الله تعالى يقسم بالنجوم وطلوعها، وجريانها وغروبها، إذ فيها، وفي أحوالها الثلاث آية وعبرة ودلالة.\nوالنجوم متى ذكرت في القرآن الكريم فالمراد منها الكواكب، انظر إلى قوله تعالى:\nوَإِدْبارَ النُّجُومِ [الطور: ٤٩] وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ [الأعراف: ٥٤] ومن هنا يمكن أن يقال- بل هو قد قيل: إنّ المناسبة بين المقسم به وهو النجوم ومواقعها، وبين المقسم عليه وهو القرآن، أنّ النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغواية، وتلك ظلمات حسية، وهذه ظلمات معنوية، تلك يؤمن جانبها بالنجوم، وهذه تتوقى بهداية القرآن، فالقسم هنا قد جمع فيه بين هدايتين.\nهداية ومنافع، ليدير الناس وجوههم إلى القرآن، ويتبصّروا ما فيه جيدا، فيعلموا أنّه هاديهم الذي لا يضلون معه. ولا تنس كذلك أنّ الله قد جعل النجوم رجوما للشياطين، وفي آيات القرآن من رجوم الشياطين ما تجعل الشياطين يولّون عند سماعه، وما نريد أن نترك هذا الموضع حتى نسمعك رأي الفخر الرازي «١» في هذا:\nقال ﵀ بعد سؤال حاصله: هل في القسم بمواقع النجوم خاصة فائدة؟\nقلنا: نعم، فائدة جليلة، وبيانها أنّا قد ذكرنا أنّ القسم بمواقعها، وأن المواقع كما هي مقسم به، هي من الدلائل، وقد بيّناه في الذاريات، وفي الطور، وفي النجم، وفي غيرها، فنقول هي هنا كذلك.\nوذلك من حيث أنّ الله تعالى لما ذكر خلق الآدمي من المني وموته، بيّن بإشارته إلى إيجاد الضدين في الأنفس، قدرته واختياره، ولما كان هذا دليلا من دلائل الأنفس ذكر أيضا من دلائل الآفاق على قدرته واختياره فقال: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ إلى غير ذلك، وذكر قدرته على زرعه، وجعله حطاما. وخلقه الماء عذبا فراتا، وجعله أجاجا، إشارة إلى أنّ القادر على الضدين مختار، ولما لم يكن قد ذكر من الدلائل السماوية شيئا، ذكر الدليل السماوي في معرض القسم، وقال: بِمَواقِعِ النُّجُومِ فإنها أيضا دليل الاختيار، لأنّ كون كلّ واحد في موضع من السماء دون غيره من المواضع مع استواء المواضع في الحقيقة دليل على أنّ الفاعل مختار. فقال:\n_________\n(١) انظر كتابه مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير (٢٩/ ١٨٨) .","vol":"1","page":726},{"text":"بِمَواقِعِ النُّجُومِ ليشير إلى البراهين النفسية والآفاقية بالذكر، كما قال تعالى:\nسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت: ٥٣] وهذا كقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) [الذاريات: ٢٠- ٢٢] حيث جمع بين الأنواع الثلاثة كذلك هنا اه.\nوهو جميل كما ترى، غير أنّ للباحث أن يقول: ظاهر كلام الفخر أنّ القسم بمواقع النجوم لإثبات القدرة والاختيار لفاعل مختار، لكن الآية تقول: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) وظاهر ذلك أنّ المراد إثباته هو هذا الذي سيق مساق المقسم عليه، فمن أين إثبات القدرة والفاعل المختار في القسم بمواقع النجوم؟\nوفي النفس من كلام الفخر روعة، ومن آثارها أن نقول: إنّ هذا استدلال على القدرة والفعل من طريق القسم على القرآن وكرمه وصونه، وأنّه تنزيل من رب العالمين بمواقع النجوم من طريق أبلغ، وكأنّه بعد أن سيقت الدلائل السابقة، والتي كان ختامها القسم بمواقع النجوم، وذكرت في القرآن كأنه قيل: اذكروا هذه الدلائل، وتعرّفوا نتائجها، واذكروا معها مواقع النجوم، وتعرّفوا نتيجة الاستدلال بها، تعلموا أنّ القرآن- الذي جاء بهذا- كريم، وأنّه مصون، وأنّه تنزيل من رب العالمين.\nوقبل أن نختم الموضوع نقول: إنّ قوله تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) توكيد لما قبله، وتقرير له. وكما أنّه لازم لكونه قرآنا كريما بهذا في كتاب مكنون، فهو ملزوم له، فهو دليل وهو مدلول، وكفى هذا خاتمة للموضوع.","vol":"1","page":727},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>من سورة المجادلة</span>\nقال الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)\nثبت في السنن والمسانيد «١»\nأنّ أوس بن الصامت قال لزوجته خولة بنت ثعلبة بن مالك في شيء راجعته فيه: أنت عليّ كظهر أمّي وكان الرجل في الجاهلية إذا قال لزوجته ذلك حرمت عليه، فندم من ساعته، فدعاها، فأبت، وقالت: والذي نفس خولة بيده، لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله ﷺ، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّ أوسا تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما خلا سنّي، ونثرت بطني، جعلني عليه كأمه، وتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني بها وإياه فحدثني بها، فقال ﵊:\n«ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن» وفي رواية: «ما أراك إلا قد حرمت عليه» .\nقالت: ما ذكر طلاقا، وجادلت رسول الله ﷺ مرارا، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك فاقتي، وشدّة حالي، وروي أنها قالت: إنّ لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك، وما برحت حتى نزل القرآن فيها.\nفقال ﷺ: «يا خولة أبشري» قالت: خيرا، فقرأ ﵊ عليها: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها.\nقال النحاة: إنّ قد الداخلة على الماضي لا بدّ فيها من معنى التوقع، يعنون أنه لا يقال: قد فعل إلا لمن ينتظر الفعل، أو يسأل عنه، ولذلك قال سيبويه: وأما قد فجواب هل فعل، لأنّ السائل ينتظر الجواب، وقال الخليل: هذا الكلام لقوم ينتظرون الخبر، يريد أنّ الإنسان إذا سئل عن فعل، أو علم أنّ المحدّث يتوقع أن يخبر به قال: قد فعل. وإذا كان المخبر مبتدئا قال: فعل كذا وكذا.\nو(قد) هنا فيها معنى التوقع، فإنّ السماع في قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٢٤١)، كتاب الطلاق، باب الظهار حديث رقم (٢٢١٤) .","vol":"1","page":728},{"text":"مجاز عن القبول والإجابة بعلاقة السببية. ولا شكّ أن النبي ﷺ كان يتوقع أن يجيب الله دعاءها ويفرّج كربها.\nتُجادِلُكَ فِي زَوْجِها أي تراجعك الكلام في شأن زوجها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ الشكوى أن تخبر عن مكروه أصابك، وهي من الشكو، وأصله فتح الشكوة، وإظهار ما فيها، والشكوة وعاء كالدلو، أو القربة الصغيرة، يتخذ للماء واللبن ونقع الزبيب والتمر، ثم شاع استعمال الشكوى في إظهار البثّ، وما انطوت عليه النفس من المكروه.\nوَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما السمع هنا على حقيقته المعروفة، وهي أنّه صفة يدرك بها الأصوات، غير صفة العلم، أو أنه نوع من الإدراك يرجع إلى صفة العلم. والتحاور:\nالمرادّة في الكلام، وهو قريب من معنى المجادلة.\nإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أي أنه تعالى يسمع كل المسموعات، ويبصر كل المبصرات، على أتم وجه وأكمله، ومن لازم ذلك أن يسمع تحاورهما، ويبصر هيئة المجادلة حين رفعت رأسها إلى السماء مبتهلة ضارعة.\nقالت عائشة ﵂: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت خولة بنت ثعلبة تشكو إلى رسول الله ﷺ وأنا في كسر البيت يخفى عليّ بعض كلامها، فأنزل الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) أخرجه البخاري والنسائي «١» .\nقال الله تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) الظهار لغة مصدر ظاهر، مفاعلة. يقال: ظاهر زيد عمرا، إذا قابل ظهره بظهره حقيقة، وظاهره غايظه، وإن لم يكن هناك تقابل حقيقة، باعتبار أنّ المغايظة تقتضي هذه المقابلة، وظاهره: ناصره باعتبار أنّه يقال قوّى ظهره إذا نصره، وظاهر بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر، باعتبار ما يلي به كل منهما الآخر ظهر الثوب. وظاهر من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي. وكان ذلك طلاقا في الجاهلية كما تقدم، وقال بعض العلماء: وكان طلاقا أيضا في أوّل الإسلام،\nلقوله ﷺ في الرواية السابقة: «ما أراك إلا قد حرمت عليه»\n. وحكى بعضهم أنّه كان طلاقا يوجب حرمة مؤبدة لا رجعة فيه. وقيل: لم يكن طلاقا من كل وجه، بل كانت الزوجة تبقى معلقة، لا ذات زوج،\n_________\n(١) رواه البخاري (٨/ ٢١٢)، ٩٨- كتاب التوحيد، ٩- باب وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا والنسائي كتاب الطلاق، باب الظهار حديث رقم (٣٤٦٠) .","vol":"1","page":729},{"text":"ولا خلية تنكح غيره، وكان الظاهر أن يقال: ظاهر زوجته، كما يقال طلق زوجته، إلا أنّه لتضمنه معنى التبعيد عدّي بمن.\nوقوله تعالى: ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ ليس خبر المبتدأ، إنما هو دليله، والخبر محذوف، والتقدير: الذين يظاهرون من نسائهم مخطئون، لسن أمهاتهم، ما أمهاتهم على الحقيقة إلا اللائي ولدنهم، فلا يشبّه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الله بهن.\nوَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وصف الله الظهار بأنه منكر وزور، باعتبار أنّ قول الرجل لامرأته (أنت عليّ كظهر أمي) يتضمّن إخبارا وإنشاء، فالأول من جهة إخباره بأنها تشبه أمه، والثاني من جهة أنه أنشأ طلاقها وتحريمها، فهو خبر زور، وإنشاء منكر، ينكره الشرع، ولا يعرفه.\nوَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ كثير العفو والمغفرة، فيغفر لهم ما سلف من الظهار، ويعفو عمن ارتكبه إذا تاب.\nتمسّك المالكية بظاهر قوله تعالى: مِنْكُمْ في أنّ الذمي إذا قال لزوجته أنت عليّ كظهر أمي لم يعتبر ذلك ظهارا، ولم تترتب عليه أحكام. وهذا هو المنقول عن الحنابلة، وهو المعول عليه عند الحنفية، إلا أنّ الحنفية لم يستدلوا عليه بمفهوم قوله تعالى: مِنْكُمْ، بل حجتهم في ذلك أنّ الذمي ليس من أهل الكفّارة.\nوقال الشافعية كما يصح طلاق الذمي وتترتب عليه أحكامه، يصحّ ظهار الذمي وتترتب عليه أحكامه، وقوله تعالى: مِنْكُمْ إنّما ذكر للتصوير والتهجين، لأن الظهار كان مخصوصا بالعرب، فليس من مفهوم الصفة ليستدل به على عدم صحة الظهار من الذمي.\nواعترض قول الشافعية بصحة ظهار الذمي مع اشتراطهم النية في الكفارة بخصالها الثلاث والإيمان في الرقبة. والذمي ليس من أهل النية، ويتعذّر ملكه للرقبة المؤمنة.\nوأجابوا عن ذلك بأنّ خصال الكفارة منها ما هو عبادة بدنية وهو الصوم، ومنها ما هو من قبيل الغرامات وهو العتق والإطعام، والنية فيما كان من قبيل الغرامات إنّما هي للتمييز، فلا يشترط فيها الإسلام، كما في قضاء الديون. فالذمي يكفّر بالإعتاق والإطعام، ولا يكفّر بالصوم، لأنه لا يصح منه، كما أنّ العبد المظاهر لا يكفّر بغير الصوم، لأنه لا يملك. ويتصور ملك الذمي للعبد المسلم بإسلام قنّه، أو بقوله لمسلم: أعتق عبدك عن كفارتي فيجيبه، فإن لم يمكنه شيء من ذلك وهو موسر، منع الوطء لقدرته على ملك الرقبة المسلمة، بأن يسلم فيشتريها، وكذلك لا ينتقل من الصوم إلى الإطعام لقدرته عليه بالإسلام. فإن عجز عن الصوم لكبر ونحوه انتقل إلى الإطعام، ونوى للتمييز أيضا.","vol":"1","page":730},{"text":"قال العلماء: لفظ النساء المضاف إلى الرجال حقيقة في الزوجات دون الإماء، لأنّ المتبادر من كلمة نساء الرجل إنما هو زوجاته دون إمائه، فلا يقال فيهن نساؤه، إنما يقال جواريه وإماؤه وسراريه. والتبادر من أمارات الحقيقة، وحينئذ يكون ظاهر قوله تعالى: مِنْ نِسائِهِمْ أنّ الظهار إنما يكون في الزوجات، فلو قال لأمته:\nالموطوءة، أو غير الموطوءة: أنت عليّ كظهر أمي، لم يعتبر ذلك ظهارا، ولم تترتب عليه أحكام الظهار، وهو منقول عن كثير من الصحابة والتابعين ﵃، وإليه ذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.\nوقد نقل عن مالك والثوري صحة الظهار في الأمة مطلقا.\nوعن سعيد بن جبير وعكرمة وطاوس والزهري صحته في الأمة الموطوءة، ذهبوا إلى التعميم في قوله تعالى: مِنْ نِسائِهِمْ كما عمّ قوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ [النساء: ٢٣] الزوجات والإماء، فحرّم بنت الأمة كما حرّم بنت الزوجة.\nواقتضى قوله تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ أنه ليس للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شيء، وهو متفق عليه بين الأئمة الأربعة، وقال أبو بكر بن العربي: وهو صحيح معنى، لأنّ الحل والعقد والتحليل والتحريم في النكاح بيد الرجال، ليس بيد المرأة منه شيء.\nونقل أبو حيان عن الحسن بن زياد أنّها تكون مظاهرة، ويلزمها التكفير قبل التماس.\nوعن الأوزاعي وعطاء وإسحاق أنّ عليها كفارة يمين، وعن الزهري: أنها تكفّر كفارة الظهار، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها.\nوكذلك اقتضى عموم الموصول في قوله تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ صحة ظهار العبد من زوجته، لأنّ أحكام النكاح في حقه ثابتة. وإن تعذّر عليه العتق والإطعام، فإنه قادر على الصيام. وحكى الثعلبي عن مالك أنّه لا يصح ظهار العبد.\nولكنّ الذي عليه المعوّل عند المالكية هو صحة ظهاره.\nويؤخذ من قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا أنّ الظهار حرام، بل اعتمد فقهاء الشافعية القول بأنه كبيرة، لأنّ فيه الإقدام على إحالة حكم الله تعالى وتبديله دون إذنه سبحانه. ولأنّ من أقدم على الظهار بعد أن أخبر الله بأنه منكر من القول وزور يعتبر كاذبا معاندا للشرع، فمن ثمّ كان كبيرة.\nقال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا","vol":"1","page":731},{"text":"ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)\nرتب الله الكفارة على الظهار الذي يعقبه العود، وقد اختلف أهل التأويل في العود ما هو؟\nفحكى عن مجاهد أنّ الظهار في الإسلام عود إلى ما كان عليه أهل الجاهلية، ومعنى الآية عنده: والذين كان من عادتهم أن يظاهروا من نسائهم، فقطعوا ذلك بالإسلام، ثم يعودون لمثله، فعلى من عاد منهم تحرير رقبة من قبل أن يتماسا.. إلخ فالكفارة تجب بنفس الظهار في الإسلام. وقد روي مثل ذلك عن طاوس والثوري وعثمان البتّي.\nوقال أبو العالية وأهل الظاهر: العود تكرار لفظ الظهار وإعادته، فلا تلزم الكفارة إلا إذا أعاد لفظ الظهار.\nواختلفت الروايات عن الأئمة الأربعة، فأصحّ الروايات عن أبي حنيفة أنّ العود هو العزم على الوطء.\nوروى ابن الجلّاب عن مالك روايتين: أولاهما: أنه العزم على الوطء. وثانيتهما: أنه العزم على الإمساك. وابن العربي ينقل عن «الموطأ» أنه العزم عليهما معا.\nوقال الإمام أحمد في قوله تعالى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا قال: هو الغشيان إذا أراد أن يغشى كفّر. اه.\nوقال الشافعي: الذي عقلت مما سمعت في يَعُودُونَ لِما قالُوا أنّ المظاهر حرم مس امرأته بالظهار، فإذا أتت على المظاهر مدة بعد القول بالظهار ولم يحرّمها بالطلاق الذي يحرّم به، ولا شيء يكون له مخرج من أن تحرم عليه به، فقد وجب عليه كفارة الظهار، كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسك ما حرّم على نفسه عاد لما قال فخالفه، فأحل ما حرّم، ولا أعلم له معنى أولى به من هذا.\nفأمّا مجاهد ومن يرى رأيه، فلم يخف عليهم أنّ العود شرط في الكفارة، ولكنّ العود عندهم هو العود إلى ما كان عليه أهل الجاهلية من المظاهرة من الزوجات، وهكذا استعملوا العود في معناه الحقيقي، كما قال الله تعالى في جزاء الصيد: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [المائدة: ٩٥] أي ومن عاد للاصطياد بعد نزول تحريمه، وكما قال تعالى: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا [الإسراء: ٨] أي وإن عدتم إلى الذنب عدنا إلى العقوبة، وقد أخبر الله عن الظهار أنه منكر وزور، فهو معصية منهيّ عنه، والعود إلى المنهي عنه فعله بعد النهي عنه.","vol":"1","page":732},{"text":"ولا يخفى أنّ حمل الكلام على تأويل مجاهد ومن يرى رأيه خروج بالآية عن مقتضى الفصاحة، وتفكيك لنظمها. فإنّهم جعلوا الفعل المستقبل الدالّ على الاستمرار يَظْهَرُونَ بمعنى الماضي المنقطع. وجعلوا العائد غير المظاهر، إذ المظاهرون على رأيهم أهل الجاهلية، والعائدون أهل الإسلام، فإذا ساغ فهم ذلك في رجل ظاهر في الجاهلية، ثمّ ظاهر في الإسلام، فكيف يسوغ في رجل لم يظاهر في الجاهلية، أو لم يدرك الجاهلية أصلا؟\nومعلوم أنّ مساق الآية لبيان حكم المظاهر في الإسلام، وعليه ينطبق سبب النزول، وأيضا فإنّ رسول الله ﷺ أمر أوس بن الصامت بالكفّارة، ولم يسأله أظاهر في الجاهلية أم لا؟\nوأما أبو العالية وأهل الظاهر فقد استدلوا على رأيهم بأنّ الذي يعقل من لغة العرب في العود إلى الشيء إنما هو فعل مثله مرّة ثانية، كما قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] والفعل معدّى باللام كآية الظهار سواء بسواء، واتفق أهل التأويل على أن عودهم لما نهوا عنه هو إتيانهم مرة ثانية بمثل ما أتوا به أول مرة.\nوكذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وهو في سورة المجادلة بعد ذكر الظهار بآيات، والعهد قريب.\nوقالوا أيضا: أصحّ خبر في الظهار حديث عائشة ﵂ أنّ أوس بن الصامت كان به لمم، فكان إذا اشتد به لممه ظاهر من زوجته، فأنزل الله فيه كفّارة الظهار. فهذا الحديث يقتضي التكرار.\nوقالوا أيضا: فما عدا تكرار اللفظ: إما إمساك وإما عزم وإنما فعل، وليس واحد منها عودا لما قال، فلا يكون الإتيان به عودا، لا لفظا ولا معنى.\nوأجاب الجمهور عن ذلك بأنّ هذا الرأي يقتضي أنّ الظهار أول مرة لا يترتب عليه كفارة، وقصة خولة تدفعه، لأنّه لم ينقل التكرار، ولا سأل عنه ﷺ، وكذلك لم يسأل النبي ﷺ سلمة بن صخر حين ظاهر من زوجته فألزمه الكفارة: أهذا ظهار مكرّر، أم هو أول ظهار؟\nوأما حديث عائشة فما أصحّه، وما أبعد دلالته على ما قالوا، فإنّ غاية ما أفاده أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته مرات كثيرة، وأن زوجته جاءت آخر مرة تجادل رسول الله ﷺ وتشتكي إلى الله، فأنزل الله تحريم الظهار، ورتّب عليه وجوب الكفارة قبل التماس، فكان الذي أخذ هذا الحكم هو المرة الأخيرة، وأما ما قبلها من مرات المظاهرة فإنّها لغو لا حكم لها، أو أنها كما في بعض الآراء كانت طلاقا.\nأما الأئمة الأربعة وأكثر المجتهدين فلم يخف عليهم أنّ الظاهر من قوله تعالى:","vol":"1","page":733},{"text":"ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أنّهم يكررون ما قالوا، إلّا أنّه منع من هذا الظاهر أن التكرار لم ينقل في قصة خولة وزوجها أوس، ولا في قصة سلمة بن صخر، وأنّ النبيّ ﷺ لم يسأل أوسا ولا سلمة عنه.\nوقد قال أهل اللغة إذا قال قائل: (عاد لما فعل) جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى، وهذا ظاهر. وجاز أن يريد أنه نقض ما فعل وتداركه. لأنّ التصرف في الشيء بنقضه وتداركه لا يمكن إلا بالعود إليه، فلما منع من إجراء اللفظ على ظاهره ما تقدم، وجب المصير إلى المعنى الثاني وهو النقض والتدارك.\nإلا أنّ الأئمة مختلفون في العمل الذي ينقضه المظاهر ويتداركه، فيرى غير الشافعي أنّ الظهار يوجب تحريما للزوجة لا يرفعه إلا الكفارة، فالذي يريد المظاهر نقضه وتداركه هو تحريمها عليه، ونقض ذلك التحريم وتداركه إنما يكون بوطئها، أو بالعزم على وطئها، أو باستباحة وطئها، على خلاف بينهم تقدم بيانه.\nويرى الشافعي أنّ كلمة الظهار فيها تشبيه الزوجة بالأم، وهذا التشبيه يقتضي فراقها، فالذي يريد المظاهر نقضه والرجوع عنه هو فراقها، فإن مضت مدة تتسع للفراق الشرعي ولم يفارق صار ناقضا لمقتضى ما قال راجعا عنه. وإن اتصل بلفظ الظهار فرقة فليس بعائد.\nواعترض القول بأن العود هو الوطء بأنّ الآية ناصّة على وجوب الكفارة قبل الوطء، فيكون العود سابقا عليه، فكيف يكون هو الوطء؟\nوأجاب بعض من يرى هذا الرأي بأنّ المراد من قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا من قبل أن يباح التماس شرعا، والوطء أولا حرام، موجب للتكفير، وهذا الجواب خروج باللفظ عن مقتضى ظاهره، من غير أن يقوم عليه دليل سوى التزام هذا المذهب.\nوأجاب آخرون: بأنّ قوله تعالى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا معناه ثم يريدون العود، كما قال تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨] وكما قال: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦] ونظائره مما يطلق الفعل فيه على إرادته لوقوعه بها، وهذا معنى قول الإمام أحمد وقد تقدّم: إذا أراد أن يغشى كفّر.\nواعترض القول بأنّ العود هو العزم على الوطء بأنّ الآية لما نزلت، وأمر رسول الله ﷺ المظاهر بالكفارة، لم يسأله هل عزم على الوطء؟ والأصل عدم ذلك، والوقائع القولية كهذه يعمّها الاحتمال، فتكون الكفارة واجبة، سواء أعزم على الوطء أم لم يعزم.\nوالجواب أنّ النبيّ ﷺ ترك السؤال عن ذلك، لعلمه به من خولة، فقد أخرج","vol":"1","page":734},{"text":"الإمام أحمد وأبو داود «١» وغيرهما من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام قال:\nحدثتني خولة بنت ثعلبة قالت: فيّ وفي أوس بن الصامت أنزل الله تعالى صدر سورة المجادلة، كنت عنده شيخا كبيرا قد ساء خلقه، فدخل عليّ يوما، فراجعته بشيء، فغضب، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ثم رجع، فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليّ، فإذا هو يريدني عن نفسي، قلت: كلا والذي نفس خولة بيده، لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت، حتّى يحكم الله ورسوله فينا. ثم جئت إلى رسول الله ﷺ، فذكرت له ذلك، فما برحت حتّى نزل القرآن ... الخبر. فإنّ ظاهر قولها: فذكرت له ذلك أنّها ذكرت كلّ ما وقع. ومنه طلب أوس وطأها، المكنّى عنه ب: يريدني عن نفسي. وذكرها ذلك له ﵊ أهمّ لها من ذكرها إياه ليوسف بن عبد الله بن سلام.\nواعترض القول بأنّ العود هو إمساكها زمنا يتّسع للفراق الشرعي ولم يفارق، بأن الله تعالى قال: ثُمَّ يَعُودُونَ وكلمة (ثم) تقتضي التراخي الزماني، والإمساك المذكور معقب لا متراخ، فلا يعطف بثم، بل بالفاء.\nوالجواب أن زمن الإمساك ممتدّ، ومثله يجوز فيه العطف بثم، والعطف بالفاء باعتبار ابتدائه وانتهائه.\nوقوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مبتدأ ثان، خبره محذوف أي فعليهم تحرير رقبة، والجملة خبر الموصول، ولتضمنه معنى الشرط زيدت الفاء في خبره، والمراد بالرقبة المملوك من تسمية الكل باسم الجزء فتحرير الرقبة إعتاق المملوك، وجعله حرّا.\nوقد أطلق الله الرقبة هنا، ولم يقيّدها بالإيمان، فاقتضى ذلك إجزاء عتق الرقبة في الكفارة، وبهذا الظاهر قال الحنفية وأهل الظاهر، وقالوا: لو كان الإيمان شرطا لبيّنه سبحان، كما بينه في كفارة القتل، فوجب أن يطلق ما أطلقه الله، ويقيد ما قيده، فيعمل بكلّ منهما في موضعه، وزاد الحنفية أنّ اشتراط الإيمان هنا زيادة على النص، وهو نسخ، والقرآن لا ينسخ إلّا بالقرآن أو الخبر المشهور، ولا يحمل المطلق على المقيّد إلا في حكم واحد في حادثة واحدة، ولا يلزم من التقييد في كفارة القتل الذي هو أعظم، ثبوت مثله في كفارة الظهار الذي هو أخف، فلا يصحّ أن تكون آية القتل بيانا لآية الظهار.\nوذهب مالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه إلى اشتراط الإيمان في كفارة غير القتل، كما هو شرط في كفارة القتل، قالوا في بيان ذلك واللفظ للشافعي: شرط الله سبحانه في الرقبة في القتل أن تكون مؤمنة، وأطلق هنا، كما شرط العدالة في\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":735},{"text":"الشهادة، وأطلق الشهود في مواضع، فاستدللنا به على أنّ ما أطلق على معنى ما شرط.\nعلى أنّه سبحانه إنما ردّ زكاة المسلمين على المسلمين لا على المشركين وفرض الله الصدقات، فلم تجز إلا لمؤمن، وكذلك ما فرض من الرقاب، لا يجوز إلا لمؤمن.\nقال الشافعي: وإنّ لسان العرب يقتضي حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه، فحمل عرف الشرع على مقتضى لسانهم. قال: ولو نذر رقبة مطلقة لم يجزه إلا مؤمنة، وهذا بناء على هذا الأصل، وأن النذر محمول على واجب الشرع، وواجب العتق لا يتأدّى إلا بعتق المسلم. ومما يدلّ على هذا\nأنّ النبيّ ﷺ قال لمن استفتى في عتق رقبة منذورة: «ائتني بها»، فسألها: «أين الله»؟ فقالت: في السماء.\nفقال: «من أنا»؟ فقالت: أنت رسول الله. فقال: «أعتقها فإنّها مؤمنة» «١»\nقال الشافعي: فلما وصفت بالإيمان أمر بعتقها اه.\nوالضمير في قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا للمظاهر والمظاهر منها معلومين من السياق، والتماسّ كناية عن الجماع، فدلّت الآية على حرمة الجماع قبل التكفير.\nوألحق الحنفية بالجماع دواعيه من التقبيل ونحوه، لأنّ الأصل أنه إذا حرّم الشيء حرّم بدواعيه، إذ طريق المحرم محرم، وأظهر القولين عند الشافعية الجواز، لأن حرمة الجماع ليست لمعنى يخل بالنكاح، فلا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، فإنّ الحائض يحرم جماعها دون دواعيه، والصائم يحرم منه الوطء دون دواعيه، والمسبية يحرم وطؤها دون دواعيه.\nأوجبت الآية الكفارة قبل المسيس، وقد يذهب من يتمسّك بالظواهر إلى أنّه إذا وطئ قبل أن يكفّر أثم، وسقطت عنه الكفارة، لأنه قد فات وقتها، ولم يبق له سبيل إخراجها قبل التماس، وهذا الحكم منقول عن الزهري وسعيد بن جبير وأبي يوسف.\nولكنّك تعلم أنّ الآية مع أنّها وقتت للكفارة ميقاتا هو ما قبل المسيس، فإنّها مع ذلك حرّمت على المظاهر العائد المسيس حتى يكفر، فما لم يكفر لا يحل له وطؤها، ولو وطئها مئة مرة، وفوات وقت الأداء لا يسقط الواجب في الذمة، كالصلاة والصيام وسائر العبادات. فلا يزال المظاهر مطالبا بالكفّارة.\nوقد دلت على ذلك السنة الصحيحة\nأخرج أبو داود والترمذي «٢» وغيرهما أنّ سلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته، فوقع عليها قبل أن يكفّر، فقال ﷺ: «ما\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٣٨١)، ٥- كتاب المساجد، ٧- باب الكلام في الصلاة حديث رقم (٣٣) .\n(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٥٠٣)، كتاب الطلاق، باب كفارة الظهار حديث رقم (١٢٠٠)، وأبو داود (٢/ ٢٤٠)، كتاب الطلاق، باب الظهار حديث رقم (٢٢١٣)، وابن ماجه في السنن (١/ ٦٦٥)، ١٠- كتاب الطلاق، ٢٥- باب الظهار حديث رقم (٢٠٦٢) .","vol":"1","page":736},{"text":"حملك على ذلك»؟ فقال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. قال رسول الله ﷺ:\n«فاعتزلها حتى تكفّر»\nفحكم رسول الله ﷺ بوجوب الكفارة على من وطئ قبل أن يكفّر، وإلى ذلك ذهب الأئمة الأربعة وأكثر المجتهدين.\nويروى عن مجاهد في الرجل يطأ قبل أن يكفّر أنّ عليه كفارتين، وصحّ مثله عن ابن عمر وعمرو بن العاص ﵃، ووجه قولهم: أنّ إحدى الكفارتين للظهار الذي اقترن به العود. والثانية للوطء المحرم، كالوطء في نهار رمضان، وكوطء المحرم. وعن الحسن وإبراهيم أنّ عليه ثلاث كفارات، ولا يعلم لذلك وجه إلا أن يكون عقوبة على إقدامه على الحرام، وحكم رسول الله ﷺ يدلّ على خلاف هذه الأقوال.\nذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ أي الحكم بالكفارة، تزجرون به عن مباشرة ما يوجبه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ عالم بجميع أعمالكم، ظواهرها وبواطنها، ومجازيكم عليها كلها، فحافظوا على حدود ما شرع لكم، ولا تخلّوا بشيء منه.\nفَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) .\nفَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا أي فمن لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا.\nوالمراد بمن لم يجد الرقبة من لم يملك الرقبة ولا ثمنها فاضلا عن قدر كفايته، واختلفت مذاهب الفقهاء في بيان قدر الكفاية، ومحلّ ذلك كتب الفروع، وكذلك اختلفوا في اعتبار وقت اليسار والإعسار. فذهب مالك والشافعي في أظهر أقواله إلى اعتبار ذلك بوقت التكفير والأداء، لأنّ الكفّارة عبادة لها بدل من غير جنسها، كالوضوء والتيمم، والقيام من الصلاة والقعود فيها، فاعتبر وقت أدائها.\nوذهب أحمد والشافعي في أحد أقواله إلى اعتبار ذلك بوقت الوجوب، تغليبا لشائبة العقوبة، كما لو زنى قنّ ثم عتق، فإنّه يحدّ حدّ القنّ.\nوقد جرى عرف الشارع على اعتبار الشهور بالأهلة، فلا فرق بين التام والناقص، فمن بدأ بالصوم في أول الشهر كمّل الشهرين بالهلال، ولو اتفق أنهما ناقصان أجزأه ذلك إجماعا. ومن بدأ بالصوم في أثناء الشهر- فقد اختلفوا فيه، فقال الشافعية: بحسب الشهر بعده بالهلال لتمامه، ويتم الأول من الثالث ثلاثين يوما، لتعذّر الهلال فيه. وقال الحنفية: لا بدّ من ستين يوما.\nأوجبت الآية التتابع في صيام الشهرين، فلو أفطر يوما منهما ولو الأخير من غير عذر، انقطع التتابع، ولزمه الاستئناف اتفاقا. ومن صور الفطر بغير عذر أن","vol":"1","page":737},{"text":"يتخللها يوم يحرم صومه كيوم النحر، لأنّه لو ابتدأ صوم الشهرين وهو يعلم أنّ يوم النحر سيتخللهما فسد صومه، لأنّه نيته لصوم الكفارة مع علمه بطروء المبطل تلاعب منه، فهو كالإحرام بالظهر قبل وقتها، مع العلم بذلك. ولو ابتدأ صومهما وهو لا يعلم أنّ يوم النحر سيتخللهما صحّ صومه، لكنّه لا يعتدّ به في الكفارة، لأنّه قطع التتابع بتقصيره.\nأما الإفطار بعذر فقد اختلفت مذاهب الفقهاء فيه، فذهب الحنفية إلى وجوب الاستئناف لزوال التتابع المشروط، وهو قادر عليه عادة.\nوذهب مالك والشافعي في أحد قوليه إلى أنه لا يقطع التتابع، لأنّ التتابع لا يزيد على أصل وجوب رمضان، وهو يسقط بالعذر.\nوفرّق بعض العلماء بين العذر الذي يمكن معه الصوم: كالسفر والمرض، والعذر الذي لا يمكن معه الصوم: كالجنون والإغماء جميع النهار، فجعل الأول قاطعا للتتابع، والثاني غير قاطع له.\nوأوجبت الآية أن يكون صوم الشهرين المتتابعين قبل المسيس، وقد رأى بعض الظاهرية أنّ من وطئ قبل أن يصوم شهرين متتابعين أثم بالوطء، وسقطت عنه الكفارة لفوات وقتها وعدم التمكن من إيقاع الصيام المتتابع قبل المسيس. كما قالوا ذلك فيمن وطئ قبل العتق، وقد تقدم. والجواب هنا هو الجواب هناك.\nواختلف الفقهاء فيمن وطئ التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلا متعمدا ونهارا ناسيا.\nفذهب أبو حنيفة ومحمد ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه إلى وجوب استئناف الصوم عملا بظاهر الآية، فإنها أمر بصيام شهرين متتابعين لا مسيس فيهما. فإذا جامعها في خلال الشهرين لم يأت بالمأمور به.\nوذهب أبو يوسف والشافعي وأحمد في رواية أخرى عنه إلى عدم وجوب الاستئناف، لأنّ هذا الوطء لم يفسد الصوم، فلم يتخلّل الشهرين إفطار، فلم ينقطع التتابع، وليس من شرط التتابع ألا يتخلل الشهرين جماع.\nوكما أنّ ظاهر الآية وجوب صوم شهرين متتابعين لا مسيس فيهما، كذلك ظاهرها وجوب صوم شهرين متتابعين لا مسيس قبلهما، فلو كان الواطئ في خلالهما غير آت بالمأمور به، لكان الوطئ قبلهما غير آت بالمأمور به، ولفات الامتثال بالوطء قبلهما، ولا قائل به غير أهل الظاهر، فوجب حينئذ حمل قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا على تحريم المسيس قبل أن يتمّ صيام الشهرين المتتابعين، لا على أنّ عدم المسيس شرط في الاعتداد بالصوم.","vol":"1","page":738},{"text":"فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا أي فمن لم يستطع صيام شهرين متتابعين بأن لم يستطع الصيام: أو لم يستطع تتابعه لسبب من الأسباب، كهرم، ومرض لا يرجى زواله، أو يطول زمانه، أو لحوق مشقة شديدة لا تحتمل عادة، فعليه إطعام ستين مسكينا.\nأطلقت الآية إطعام المساكين، ولم تقيده بقدر ولا تتابع، فاقتضى ذلك أنّه لو أطعمهم فغداهم وعشاهم من غير تمليك جاز، وكان ممتثلا لأمر الله تعالى، وهذا قول الجمهور أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وسواء أطعمهم جملة أم متفرقين، وليس معنى هذا [أن] تمليك المساكين لا يجزئ، بل المراد أنّ الآية أمرت بالإطعام الذي هو حقيقة في إعطاء الطعام، سواء أكان ذلك بالتمليك أم بالإباحة، فأيهما وقع من المكفر أجزأه.\nوأوجب الشافعية تمليكهم، قالوا: نحن لا ننكر أنّ الآية تحتمل التمليك والإباحة، إلا أنّ السنة وردت بالتمليك، وجرى عرف الشرع في الصدقة الواجبة أنّها مقدرة مشروط فيها التمليك، فكما أنّ الزكاة وصدقة الفطر لا بدّ فيهما من التمليك، كذلك الكفارة لا بدّ فيها من التمليك، ولا تجزئ فيها الإباحة. وذلك لأن التمليك أدفع للحاجة، فلا تقوم مقامه الإباحة.\nثم اختلفت المذاهب في المقدار الذي يملّك لكل مسكين. فقال الحنفية: يعطى لكل مسكين نصف صاع من برّ، أو صاع من شعير أو تمر، ومستندهم في ذلك أخبار ذكرها صاحب «فتح القدير» .\nوقال الشافعية: لكل مسكين مدّ من غالب قوت محل المكفّر، لأنّه صحّ في رواية عنه ﷺ تقدير الكفارة بستين مدا، وصحّ في رواية أخرى تقديرها بستين صاعا، والنسخ هنا متعذّر للجهل بالتاريخ، ولإمكان الجمع بين الروايتين، فكان ذلك الجمع متعينا، فحملت رواية الستين صاعا على بيان الجواز الصادق بالندب.\nومذهب مالك فيما روى عنه ابن وهب مدان، وقيل: مد وثلثا مد، وقيل: ما يشبع من غير تحديد.\nوظاهر قوله تعالى: فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا أنّه لا بدّ من استيفاء عدد الستين، فلو أطعم واحدا ستين يوما لم يجزه إلا عن واحد. هذا قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه، والثانية إن وجد غيره لم يجزئه، وإن لم يجد غيره أجزأه. وهو ظاهر مذهبه. والثالثة: أنّ الواجب إطعام طعام ستين مسكينا، ولو لواحد في ستين يوما، وهو مذهب أبي حنيفة «١» ﵀، قالوا: لأنّ المقصود سدّ خلة\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ٣٠١) .","vol":"1","page":739},{"text":"المحتاج، والحاجة تتجدد كل يوم، فالدفع إليه في اليوم الثاني كالدفع إلى غيره، وكالدفع إليه في اليوم الأول، وأنت تعلم أنّ الآية نصّت على ستين مسكينا، وبتكرر الحاجة في مسكين واحد لا يصير هو ستين مسكينا، فكان التعليل بأنّ المقصود سدّ خلة المحتاج إلخ مبطلا لمقتضى النصّ فلا يجوز.\nألا ترى الحنفية حين قالوا: لا يجزئ الدفع لمسكين واحد طعام ستين دفعة واحدة، علّلوا ذلك بأنّ التفريق واجب بالنص، مع أنّ تفريق الدفع غير مصرّح به، وإنما هو مدلول التزامي لعدد المساكين، فالنص على العدد أولى بالاعتبار، لأنّه المستلزم، وغاية ما يعطيه كلامهم أنّه بتكرر الحاجة يتكرر المسكين حكما، فكان تعدّدا حكما. وحينئذ يلزم أنّ يكون المراد بالستين مسكينا في الآية مسكينا حقيقة أو حكما، من باب عموم المجاز الذي يشمل تعدد المساكين حقيقة، وتعددهم حكما، فيكون ستين مسكينا مجازا عن ستين حاجة، وهو أعم من كونها حاجات ستين مسكينا، أو حاجات واحد في ستين يوما. ولا يخفى أنّه لا مقتضى للعدول عن الحقيقة إلى هذا المجاز، وأن ظاهر الآية إنما هو عدد معدوده ذوات المساكين، وتعدد الذوات مما يصح أن يكون مقصودا معقول المعنى لما في تعميم الجميع من بركة الجماعة، وشمول المنفعة، واجتماع القلوب على المحبة والدعاء.\nوظاهر الاقتصار في الآية على المساكين أنّه لا يجزئ دفع الكفارة إلّا إلى المساكين، ويدخل فيهم الفقراء، كما يدخل المساكين في لفظ الفقراء عند الإطلاق.\nوقد قالوا: كما علمت المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، هذا مذهب الجمهور.\nوعمّم أصحاب أحمد وغيرهم الحكم في كلّ من يأخذ من الزكاة لحاجته، وهم الفقراء والمساكين وابن السبيل والغارم لمصلحته والمكاتب، ولكنّ ظاهر القرآن اختصاصها بالمساكين على ما علمت.\nوقد أطلقت الآية المسكين هنا، ولكنّ الفقهاء شرطوا فيه اعتبارا بمسكين الزكاة ألّا يكون ممن تلزم المكفر نفقته، وألا يكون هاشميا ولا مطلبيا ولا كافرا على خلاف في ذلك بين الفقهاء، منشؤه اختلاف أقوالهم في مسكين الزكاة.\nواستنبط بعض الشافعية من التعبير في جانب تحرير الرقبة بعدم الوجود، وفي جانب الصيام بعدم الاستطاعة، أنّه لو كان له مال غائب ينتظره ليعتق منه ولا يصوم، ولو كان مريضا يرجى برؤه، ولكنه يدوم في ظنه مدة شهرين يطعم، ولا ينتظر البرء ليصوم، ووافقهم الحنفية في عدم الصوم لا في الإطعام.\nثمّ إنّ الله سبحانه قيّد التكفير بكونه قبل المسيس في العتق والصيام، وأطلقه في","vol":"1","page":740},{"text":"الإطعام، فكان ذلك ظاهرا في أنّه لو وطئ قبل الإطعام أو في خلاله لم يأثم، ولا يستأنف، ونقل عن هذا بعض الناس عن أبي حنيفة، ولكنّه توهم، والذي عليه المعول عنده ﵀ أنّه يأثم، ولا يستأنف الإطعام، وبهذا قال جمهور الفقهاء.\nأما عدم استئناف الإطعام فوجهه ظاهر، وأما حرمة الوطء فدليل الفقهاء عليها مختلف بحسب اختلافهم في قواعد الأصول، فمن يرى حمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحادثة يقول: استفيد حكم ما أطلقه الله مما قيّده، إما بيانا، وإما قياسا قد ألغي فيه الفارق بين الصورتين، فإنّ المعروف عن الشرع في الأعم الأغلب ألا يفرّق بين المتماثلين، وقد ذكر الله مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا مرتين، ونبّه بذلك على تكرّر حكمه في الكفارات الثلاث، ولو ذكره في آخر الكلام مرة واحدة لأوهم اختصاصه بالإطعام، ولو ذكره في أول مرة فقط لأوهم اختصاصه بالعتق، وإعادته في كل مرة تطويل، فكان أفصح الكلام وأبلغه وأوجزه ما جاء به النظم الجليل.\nوأيضا فإنّه نبه بوجوب التكفير قبل المسيس في الصوم مع تطاول زمنه وشدة الحاجة إلى المسيس فيه، على أن اشتراط تقدم الإطعام الذي لا يطول زمنه أولى.\nعلى أنّ قوله ﷺ في الخبر الحسن. وقد تقدّم\n«اعتزلها حتّى تكفّر عنك» «١»\nيشمل التكفير بالإطعام.\nوأما الحنفية الذين لا يرون حمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحادثة، فلهم على حرمة الوطء قبل الإطعام دليلان.\nالأول: أنّ إباحة الوطء قبل الإطعام قد تفضي إلى الممتنع، والمفضي إلى الممتنع ممتنع، بيان ذلك: أنّه لو قدر على العتق أو الصيام في خلال الإطعام أو قبله يلزمه التكفير بالمقدور عليه، فلو أبيح للعاجز عنهما القربان قبل الإطعام ثم اتفق أنّه قدر على العتق فوجب التكفير به، لزم أن يقع العتق بعد التماس، وهو ممتنع.\nواعترض على هذا الدليل بأنّ القدرة حال قيام العجز بالفقر والكبر والمرض الذي لا يرجى زواله أمر موهوم، والأمور الموهومة لا تراعى في إثبات الأحكام ابتداء، بل غايتها أن تراعى في ثبوت الاستحباب ورعا.\nوالدليل الثاني: ما تقدم من\nقوله ﷺ: «اعتزلها حتى تكفّر»\nوقد يقال: إن هذا الحديث ليس نصا في الموضوع، لأنّ النبي ﷺ قال ذلك للمظاهر قبل أن يتبين عجزه\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٣/ ٥٠٣)، كتاب الطلاق، باب في المظاهر حديث رقم (١١٩٩)، وأبو داود في السنن (٢/ ٢٤٢)، كتاب الطلاق، باب في الظهار حديث رقم (٢٢٢١)، والنسائي (٥- ٦/ ٤٧٩)، كتاب الطلاق، باب الظهار حديث رقم (٣٤٥٨)، وابن ماجه في السنن (١/ ٦٦٦)، ١٠- كتاب الطلاق ٢٦- باب المظاهر حديث رقم (٢٠٦٥) .","vol":"1","page":741},{"text":"عن الإعتاق والصوم، فجاز أن يراد اعتزلها حتى تكفّر بالعتق، أو حتّى تكفّر بالصوم.\nبقي أن يقال: لم تذكر الآية حكم من عجز عن الخصال الثلاث، أتسقط الكفارة عنه أم تستقر في ذمته ويحرم عليه المسيس حتى يكفر؟\nوالذي استظهره العلماء أنّها لا تسقط، بل تستقر في ذمته، حتى يتمكن، قياسا على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات، كجزاء الصيد وغيره. ولأنّ أصحاب السنن رووا أنّ النبيّ ﷺ أعان أوس بن الصامت بعذق من تمر، وأعانته زوجته بمثله فكفّر، وأمر سلمة بن صخر أن يأخذ صدقة قومه فيكفّر بها عن نفسه، ولو سقطت بالعجز لما أمرهما بإخراجها.\nوقد أطلنا هنا بذكر الفروع، لأننا نراها كلها متعلقة بتفسير الآية، والله الموفق.\nذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الإشارة إلى ما سبق من البيان وتفصيل الأحكام، وتعليمهم إياها. أي ذلك الذي بيّنا فيما مرّ واقع وحاصل لتؤمنوا بالله ورسوله، وتعملوا بما شرع لكم، وترفضوا ما كنتم عليه في جاهليتكم.\nوَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي الأحكام المذكورة حدود الله فالزموها، وقفوا عندها لا تتعدوها وَلِلْكافِرِينَ الذين يتعدونها عَذابٌ أَلِيمٌ على كفرهم. وأطلق الكافر على متعدي الحدود تغليظا وزجرا، نظير قوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [آل عمران: ٩٧] .\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)\nالتناجي: التسار والمناجاة المسارّة. مأخوذ من النجوة، وهي ما ارتفع من الأرض، وسمّيت بذلك، لأن المتسارين يكونان بخلوة في نجوة من الأرض، بعيدا عن المتسمعين، أو سمّيت بذلك لأنّ السرّ يصان، فكأنه ارتفع عن الناس، ومن هذا قال الشاعر:\nوفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أني جماعها\nيظلّون شتّى في البلاد وسرّهم ... إلى صخرة أعيا الرّجال انصداعها\nوقيل: إنّ التناجي من المناجاة، وهي الخلاص، وكأنّ المتناجيين يتعاونان على أن يخلّص أحدهما الآخر.\nوالآية التي معنا خطاب المؤمنين، وأريد من النهي هنا التعريض بأولئك الذين كانوا يدورون في المجالس يشيعون السوء ويتناقلونه، حتى يؤثّر ذلك في أقارب","vol":"1","page":742},{"text":"الغائبين في الغزو من المؤمنين الخلص، فكانوا يقولون: تم كيت وكيت، فكانت تنخلع قلوب أقارب المؤمنين من سوء ما يشاع عن أهليهم، وكان يكاد يؤثّر ذلك فيهم لولا أن الكذب حبله غير طويل، فلم يلبث الغائبون أن يعودوا منصورين على خير ما يكون النصر، ويفتضح أمر أولئك الذين لا تخلو منهم أمة، أولئك دعاة التردد والهزيمة، ضعفاء النفوس، لا تقوى نفوسهم على مجالدة أعدائهم، فيلجؤون إلى مقالة السوء يرددونها، يرجون من وراء ذلك الفتّ في عضد خصومهم، ولقد كان اليهود والمنافقون يلجأون إلى هذه الحال دائما، فكانوا يتناجون دون المؤمنين.\nوكلّما مروا بهم يتغامزون، فلما كثر ذلك، شكا منهم المؤمنون إلى الرسول ﷺ، فنهاهم عن ذلك، ولكن الضعيف دائما يجد في هذا التناجي سلوة يستر بها ضعفه، فلم ينتهوا، فأنزل الله فيهم. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ.\nوكانت هذه الحال حالا ذميمة مؤذية، فنهى المؤمنين أن يفعلوا هذا، فيكون فيهم هذا الصنف من الناس، فهم لم يكن منهم هذا التناجي المذموم حتى ينهوا عنه، إنما نهوا عنه تعريضا بأولئك الذين لا يعيشون إلّا في الظلام، ويصطادون في الماء العكر، أرأيت الآية التي سقنا لك فيهم، وهذا الآية كيف نهي المؤمنون فيها أن يتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ﷺ، وهذا هو الذي كان منهم، ثم هو تحذير للمؤمنين أن يفعلوا فعلهم، فيستحقوا ما استحق أولئك من العاقبة.\nوقيل: بل الخطاب للمنافقين، وسمّاهم مؤمنين باعتبار ثوبهم الذي يظهرون فيه، والظاهر الأول، فإنّ الآية نهت المؤمنين أن يتناجوا بالإثم والعدوان، أي بما هو إثم في ذاته، ثم هو عدوان على منصب الرسالة، إذ يجعل الناس ينفضّون من حول الرسول ﷺ، ثم أمرتهم إذا كان لا بدّ لهم من التناجي أن يتناجوا بما هو برّ وخير، وبما هو وقاية لهم، وحفظ من عذاب الله، ثم أمرتهم بأن يتقوا الله الذي إليه يحشرون، فيحاسبهم على ما كان منهم بعد أن يطلعهم عليه، لا تخفى عليه منه خافية، ثم قال الله في تعليل ما تقدّم إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا.\nوأسندت النجوى إلى الشيطان باعتبار أنّه الذي يوسوس بها ويزينها للناس فيرتكبونها، وغايته منه إدخاله الحزن على الذين آمنوا، ولكنّهم ما داموا مؤمنين فلن يضرّهم منه شيء وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ واسم ليس إمّا الشيطان، وإمّا التناجي، وما دام الأمر كلّه لله، فإن قدّر الله مكروها فهو لا بدّ كائن، وإن أراد خيرا فلا رادّ لفضله، يصيب به من يشاء.\nوَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ولا يبالوا ما يكون من نجوى الشيطان، لأن الذي","vol":"1","page":743},{"text":"يتناجى به المنافقون إن وقع فهو بقضاء الله ومشيئته، وما شاء لا بدّ أن يكون.\nوالقصد من هذا إزالة ما عساه يدخل في نفوس المؤمنين بتأثير هذه المناجاة.\nثم إنّ التناجي بين المؤمنين قد يكون منهيا عنه، روى البخاريّ ومسلم «١» وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس، من أجل أنّ ذلك يحزنه» .\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) كان المؤمنون يتنافسون في القرب من رسول الله ﷺ، ويتسابقون إلى ذلك، لا يكاد أحد يؤثر غيره بمجلسه من رسول الله ﷺ، واتفق أنّ رسول الله ﷺ جلس يوم الجمعة في الصّفة، وفي المكان ضيق، وكان ﵊ يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر، منهم ثابت بن قيس بن شماس، وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله ﷺ فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فردّ النبي عليهم. ثم سلّموا على القوم، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم، ينتظرون أن يوسع لهم، فشقّ ذلك على رسول الله ﷺ، فقال لبعض من حوله: قم يا فلان ويا فلان، فأقام نفرا مقدار من قدم، فشقّ ذلك عليهم، وعرفت كراهيته في وجوههم.\nواتخذ المنافقون من ذلك طريقا عسى أن يصلوا منه إلى قلوب المؤمنين، فقالوا: ما عدل رسول الله بإقامة من أخذ مجلسه وأحبّ قربه لمن تأخر عن الحضور، فأنزل الله قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا الآية.\nأخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان.\nوالتفسّح في المجلس: التوسع فيه، أي إذا قال لكم قائل كائنا من كان:\nتوسعوا، فليفسح بعضكم عن بعض، ليأخذ القادم مكانه في المجلس، فإنّ ذلك سبب المودة والمحبة بينكم، ومدعاة للألفة وصفاء النفوس.\nولئن كانت الآية نزلت في خصوص التوسع في مجلس رسول الله ﷺ، فإنّها لمرسلة عامة في كل المجالس التي يكون فيها خير للناس، مجالس العلم، ومدارسة القرآن، ومجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، ومجالس الرأي والشورى، ومجالس الناس في مجتمعاتهم للأغراض الدينية.\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٧/ ١٨٣)، ٧٩- كتاب الاستئذان، ٤٦- باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة حديث رقم (٢٦٩٠)، ومسلم في الصحيح (٤/ ١٧١٨)، ٣٩- كتاب السلام، ١٥- باب تحريم المناجاة حديث رقم (٣٧/ ٢١٨٤) .","vol":"1","page":744},{"text":"يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ في رحمته، أو في منازلكم في الجنة، أو في قبوركم، أو في دوركم، أو في رزقكم، وفي كل ما تحبّون التوسعة فيه.\nوَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا النشز: الارتفاع في مكان، والمراد هنا النهوض من المجلس، أي: وإذا قيل لكم انهضوا للتوسعة على المقبلين فانهضوا، ولا تباطؤوا.\nوقال الحسن وقتادة والضحاك: إنّ المعنى: وإذا دعيتم إلى قتال أو صلاة أو طاعة فأجيبوا.\nوقيل: إذا دعيتم للقيام عن مجلس الرسول فقوموا، لأن رسول الله ﷺ كان أحيانا يؤثر الانفراد في أمر الإسلام أو لبعض شأنه، ولا مانع من تعميم الحكم في كل مجلس، فإذا دعت الحاجة إلى أن ينفرد صاحب المجلس في أمر، أو إلى أن يخلو ببعض الجالسين، فله أن يطلب في رفق إلى الجالسين أن يقوموا، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم ضررا من فوات المصلحة التي دعت إلى الانفراد.\nوهذا مما لا نزاع لأحد في جوازه.\nنعم لا يجوز للقادم أن يقيم أحدا ليجلس هو في مجلسه،\nفقد روى مالك والبخاريّ ومسلم «١» وغيرهم عن ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، ولكن تفسّحوا أو توسّعوا» .\nوقد جرى الحكم أنّ من سبق إلى مباح فهو أولى به، والمجالس من هذا المباح، وعلى القادم أن يجلس حيث انتهى به المجلس، إلا أنّ مكارم الأخلاق تقضي على الجالسين بتقديم أولي الفضل وأهل الحجى والحلوم، بذلك جرى عرف الناس وعوائدهم في القديم والحديث.\nولقد كان هذا هو الشأن بين الصحابة في مجلس الرسول ﷺ، فكانوا يقدّمون بالهجرة وبالعلم وبالسن.\nروى أبو بكر بن العربي «٢» بسنده عن أنس بن مالك ﵁: بينا رسول الله ﷺ في المسجد وقد طاف به أصحابه إذ أقبل علي بن أبي طالب، فوقف وسلّم، ثم نظر مجلسا يشبهه، فنظر رسول الله ﷺ في وجوه أصحابه أيهم يوسّع له، وكان أبو بكر جالسا على يمين النبي ﷺ، فتزحزح له عن محله، وقال: هاهنا يا أبا الحسن، فجلس بين النبي ﷺ وبين أبي بكر، فقال: «يا أبا بكر! إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل» .\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٧١٤)، ٣٩- كتاب السلام، ١١- باب تحريم إقامة الإنسان، والبخاري في الصحيح (٧/ ١٧٧)، ٧٩- كتاب الاستئذان، ٣١- باب لا يقيم الرجل الرجل حديث رقم (٦٢٦٩) .\n(٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٧٤٧) .","vol":"1","page":745},{"text":"وثبت في «الصحيح «١» أنّ عمر بن الخطاب كان يقدّم عبد الله بن عباس على الصحابة، فكلّموه في ذلك، فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) [النصر: ١] فسكتوا. فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله ﷺ. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم، ثم قال: بهذا قدمت الفتى.\nوكان التقدم في مجلس الجمعة بالبكور، إلا ما يلي الإمام، فإنّه لذوي الأحلام والنّهى.\nوكان التقدم في مجلس القتال إذا اصطفوا للحرب لذوي النجدة والمراس من الناس، والتقدم في مجلس الرأي والشورى لمن له بصر بالشورى، وخبرة بالأمور.\nيَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ. اختلف المفسرون في المراد بالموصول هنا الَّذِينَ آمَنُوا ووَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ فقال جماعة: المراد من (الذين آمنوا) كلّ المؤمنين، سواء من أوتوا العلم منهم، ومن لم يؤتوه. والمراد من (الذين أوتوا العلم) العلماء من المؤمنين خاصة، وعلى ذلك يكون العطف من عطف الخاص على العام، تعظيما للعلماء بحسبانهم، كأنهم جنس آخر.\nوقال قوم: المراد بالذين آمنوا: المؤمنون الذين لم يؤتوا العلم، بدليل مقابلته بالذين أوتوا العلم، وهذا مروي عن ابن مسعود، وابن عباس ﵃، وعليه يكون العطف عطف متغايرين بالذات، ويكون الموصول الثاني معمولا لفعل محذوف دلّ عليه المذكور، ويكون معمول الفعل المذكور محذوفا، دلّ عليه المعمول المذكور، ويكون الكلام من عطف الجمل، والتقدير: يرفع الله الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات تليق بهم، ويرفع الذين أوتوا العلم درجات.\nوقال آخرون: المراد بالموصولين واحد، والعطف لتنزيل التغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات. والمعنى: يرفع الله الذين آمنوا العالمين درجات.\nوعلى هذه الأوجه يكون رفع الدرجات جزاء لامتثالهم لأمر النهوض من المجالس، وفي هذا الجزاء مناسبة للعمل المأمور به، وهو ترك ما كانوا يتنافسون فيه من الجلوس في أرفع المجالس وأقربها من النبي ﷺ، فلما كان الممتثل لذلك يخفض نفسه تواضعا لله، وامتثالا لأمره جوزي على تواضعه برفع الدرجات و«من تواضع لله رفعه» وذهب آخرون إلى أنّ جملة يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ كالتعليل للأمر السابق، أي إذا قيل لكم انهضوا للتوسعة على القادمين فانهضوا، لأنّ\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ١١٣)، ٦٥- كتاب التفسير، ٤٠- باب قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك) حديث رقم (٤٩٧٠) .","vol":"1","page":746},{"text":"منهم مؤمنين علماء رفعهم الله درجات على غيرهم، فأوسعوا لهم في المجالس وأكرموهم كما أكرمهم الله.\nثم الآية بعد هذا دليل على فضل العلماء، ولا يقلّ ما روي من الآثار والأخبار في ذلك عن دلالة الآية في الظهور والوضوح،\nفقد أخرج الترمذي وأبو داود «١» وغيرهما عن أبي الدرداء مرفوعا «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» .\nوأخرج الدارمي «٢» عن عمر بن كثير عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فبينه وبين النبيين درجة»\nوعنه ﷺ: «بين العالم والعابد مئة درجة، بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعون سنة» «٣» .\nوعنه ﷺ: «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء» «٤» .\nوحسب العلماء أن يلوا الأنبياء، ويتقدّموا الشهداء.\nوالمراد بالعلم الذي أوتوه هو العلم النافع في الدنيا والدين، ولن يكون العلم نافعا يرفع صاحبه حتى يكون هو من العاملين، وإلا كان من الذين يقولون ما لا يفعلون، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) .\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) قد علمتم فيما سبق أن الصحابة كانوا يتنافسون في القرب من رسول الله ﷺ في مجلسه، ويتسابقون عليه، وأنه صعب على بعضهم أن يقوم للمتأخر، وقد كان بعضهم يناجي الرسول ﷺ في بعض شأنه، وكانوا يكثرون من هذه المناجاة، فكان ذلك يشقّ على الرسول ﷺ، وقد يستثقله الحاضرون، فأراد الله أن يحدّ من هذه المناجاة، وهي لا يمكن منعها، فقد يكون لبعض الناس شأن لا يحبّ الكلام فيه إلا مناجاة، وشؤون الناس لا يمكن ضبطها، ولا معرفة مقدار الأهمية فيها، إلا بعد\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٤٧)، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه حديث رقم (٢٦٨٢)، وأبو داود في السنن (٣/ ٣١٣)، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم حديث رقم (٣٦٤١) . [.....]\n(٢) رواه الدارمي في السنن (١/ ١٠٠)، باب فضل العلم والعالم.\n(٣) المرجع نفسه.\n(٤) رواه ابن ماجه في السنن (٢/ ١٤٤٣)، ٣٧- كتاب الزهد ٣٧- باب ذكر الشفاعة حديث رقم (٤٣١٣) .","vol":"1","page":747},{"text":"حصول المناجاة بالفعل، فأمر الله المؤمنين أن يقدّموا صدقات عند مناجاة الرسول ﷺ، بهذا ترى أنّ الآية متصلة بما قبلها تمام الاتصال، فكلّ منهما متعلّق بما يكون في مجلس الرسول ﷺ وما يفعله الجالسون في المجلس الشريف.\nأمر الله المؤمنين بذلك حدّا للمناجاة التي تكون لغير حاجة ومنعا منها، ونفعا للفقراء الذين يكونون في مجلس الرسول ﷺ وقد تدعو المناجاة إلى أن يقوموا من مجلسهم لهذا الذي يريد أن يناجي الرسول ﷺ، فإذا كان هذا القيام سيعود بالفائدة على الفقراء اطمأنت قلوب القائمين، فقراء كانوا أو أغنياء، فإنّ الأغنياء يطيب خاطرهم لنفع الفقراء.\nوالتعبير بقوله تعالى: بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً يراد منه أن تكون الصدقة حاضرة عند النجوى، على طريق تمثيل النجوى بمن له يدان، أو هو استعارة مكنية تقوم على تشبيه النجوى بالإنسان، وإثبات اليدين تخييل.\nويقول المفسرون: إن هذا الأمر اشتمل على فوائد كثيرة:\nمنها: تعظيم أمر الرسول ﷺ، وإكبار شأن مناجاته، كأنها شيء لا ينال بسهولة.\nومنها: التخفيف عن النبي ﷺ بالتقليل من المناجاة.\nومنها: تهوين الأمر على الفقراء الذين قد يغلبهم الأغنياء على مجلس الرسول ﷺ، فإنهم إذا علموا أنّ قرب الأغنياء من الرسول ﷺ، ومناجاتهم له تسبقها الصدقة لم يضجروا.\nومنها: عدم شغل الرسول ﷺ بما لا يكون مهما من الأمور، فيتفرغ للرسالة فإنّ الناس وقد جبلوا على الشحّ بالمال يقتصدون في المناجاة التي تسبقها الصدقة.\nومنها: تمييز محبّ الدنيا من محبّ الآخرة، فإنّ المال محكّ الدواعي.\nهذا وقد اختلف العلماء في مقتضى هذا الأمر، أهو الوجوب أم هو الندب.\nفقال بعضهم بالوجوب، مستدلا بأنّ الآية فيها أمر بتقديم الصدقة عند النجوى، والأمر للوجوب، ثم قال الله في آخر الآية: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ومثل هذا لا يقال إلا في الواجبات التي لا تترك.\nوقال بعضهم: إن الأمر هنا للندب والاستحباب، وذلك أنّ الله قال في الآية:\nذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ومثل هذا قرينة تصرف الأمر عن ظاهره، وهو إنما يستعمل في التطوع دون الفرض.\nوأيضا قال الله تعالى في الآية التي بعد هذه مباشرة: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ وهذا يزيل ما في الأمر الأوّل من احتمال الوجوب، انظر إلى قوله: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ.","vol":"1","page":748},{"text":"وقد أجاب القائلون بالوجوب: بأنه كما يوصف التطوع بأنّه خير وأطهر، كذلك يوصف الفرض، بل هو أولى.\nوأما آية أَأَشْفَقْتُمْ فهي ناسخة للوجوب الذي ثبت بالأمر، ولا يلزم من اتصال الآيتين في التلاوة اتصالهما في النزول.\nوهؤلاء القائلون بالوجوب وبالنسخ اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ، فقال بعضهم: ما بقي المنسوخ إلّا ساعة من نهار، وينسب ما روي عن تأخّر كبار الصحابة عن تقديم الصدقة إلى ضيق الوقت، وروي أنه بقي الأمر عشرة أيام ثم نسخ.\nوقد روى عن علي بن أبي طالب أنه أول من عمل بهذا الأمر، وآخر من عمل به، وأنه كان عنده دينار فصرفه إلى عشرة دراهم، فكلما ناجى الرسول ﷺ قدّم درهما.\nويرى أبو مسلم الأصفهاني عدم وقوع النسخ، ويقول في هذه الآية: إنّه كان يوجد بين المؤمنين جماعة من المنافقين، كانوا يمتنعون من بذل الصدقات، وإنّ فريقا منهم عدل عن نفاقه، وصار مؤمنا ظاهرا وباطنا إيمانا حقيقيا. فأراد الله تعالى أن يميزهم عن المنافقين الذين لا يزالون على نفاقهم، فأمر بتقديم الصدقة، ليتميز هؤلاء من هؤلاء، وإذا كان هذا التكليف لهذه المصلحة المقدرة لذلك الوقت، لا جرم يقدر التكليف بذلك الوقت.\nقال الفخر الرازي: وحاصل قول أبي مسلم أنّ ذلك التكليف كان مقدرا بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة، فلا يكون هذا نسخا.\nثم قال: وهذا كلام حسن لا بأس به، والمشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ ومنهم من قال: إنه منسوخ بوجوب الزكاة.\nونحن نرى مع الفخر الرازي أنّ كلام أبي مسلم كلام حسن، لكنّا نبحث عن أولئك الذين حسن إيمانهم، الذين أريد تمييزهم من المنافقين، فلا نجد أنّ أحدا تصدّق.\nبل لقد روي أنّه لم يعمل بهذه الآية إلا الإمام علي بن أبي طالب، ولقد عجب الناس كيف لم يعمل كبار الصحابة بهذا التكليف، وصاروا يعتذرون عنه بأنه لم يبق إلا ساعة من نهار، ومنهم من قال: إنّه استمر عشرة أيام، ومنهم من قال: نسخ قبل أن يعمل به أحد.\nويعجبنا قول الفخر في الدفاع عن عدم عمل الصحابة: أنه على تقدير أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت ولم يفعلوا فهذا لا يجر إليهم طعنا، وذلك أن الإقدام على هذا العمل مما يضيق به قلب الفقير، ويوحش قلب الغني، لأنه إن لم يفعل جرّ ذلك إلى الطعن فيه، فهذا العمل لما كان سببا لحزن الفقير، ووحشة الغني، لم يكن في تركه كبير مضرة، بل لقد بينا أنهم إنما كلّفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة. ولما كان الأولى بهذه المناجاة أن تكون متروكة، لم يكن تركها سببا للطعن.","vol":"1","page":749},{"text":"والذي أعجبنا من كلام الفخر هو الجزء الأخير منه، وأما ما قبله فهو قابل للمناقشة، وما نرى في عدم فعل الصحابة طعنا ولا شينا، بل إنّهم فهموا أنّ شرعية هذا الحكم قصد منها الحد من المناجاة الكثيرة، فيضيع وقت الرسول ﷺ، وقد سبق أن قلنا: إن المناجاة لا يمكن منعها، فمنها الضروري، ومنها ما يكون فيه مصلحة عامة للمسلمين.\nوأما الصدقة فلم تطلب لأنّها صدقة، فالصدقات مطلوبة، ومرغب فيها من غير توقف على المناجاة، ولو أنّ الصحابة فهموا أن المقصود التوسل بالمناجاة لتكون بابا من أبواب الصدقة ما تأخروا، فمنهم من نزل عن جميع ماله، ومنهم من كان يريد أن يتصدّق بالثلثين، لأنه لا يرثه إلا ابنة واحدة. وما دام المقصود القصد من المناجاة التي تشغل الرسول ﷺ فليحرصوا على القصد، على أنّهم وجدوا في قوله تعالى:\nفَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فسحة. فمن ذا الذي كانت دراهمه ودنانيره حاضرة معه في مجلس الرسول ﷺ حتى يتصدق بها، أو يقال: إنه لم يمتثل الأمر؟\nونظنّ أنّا بما قدمنا نجدك في غنى عن تفسير الآية الأولى، وأما قوله: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) فمعناه أخفتم تقديم الصدقات لما فيها من إنفاق المال، فإذ لم تفعلوا ما أمرتم به، وتاب عليكم، ورخّص لكم في الترك، فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، ولا تفرّطوا فيها وفي سائر الطاعات.\nوليس يشتمّ من هذه الآية أنه وقع منهم تقصير، فإنّ التقصير إنما يكون إذا ثبت أنه كانت مناجاة لم تصحبها الصدقة، والآية قالت: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا أي ما أمرتم به من التصدق، وقد يكون عدم الفعل لأنهم لم يناجوا، فلا يكون عدم الفعل تقصيرا.\nوأما التعبير بالإشفاق من جانبهم فلا يدل على تقصيرهم، فقد يكون الله علم أنّ كثيرا منهم استكثر التصدق عند كل مناجاة في المستقبل لو دام الوجوب، فقال الله لهم: أَأَشْفَقْتُمْ.\nوكذلك ليس في قوله: وَتابَ اللَّهُ ما يدل على أنهم قصّروا، فإنّه يحمل على أنّ المعنى أنه تاب عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفا، ومثل هذا يجوز أن يعبّر عنه بالتوبة، ولذلك عقب عليه بما يكون شكرا على هذا التخفيف فقال: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يعني أنّه إذا تاب عليكم، وكفاكم هذا التكليف، فاشكروه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومداومة الطاعة، لأنه المحيط بأعمالكم ونياتكم.","vol":"1","page":750},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>من سورة الحشر</span>\nقال الله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)\nأفاء: قال المبرّد: يقال: فاء إذا رجع، ومنه قوله تعالى في الإيلاء: فَإِنْ فاؤُ [البقرة: ٢٢٦]، وأفاءه الله ردّه، وقال الأزهري «١»: الفيء ما ردّه الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال: إمّا بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، أو يصالحوا على جزية يؤدونها من رؤوس أموالهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم، كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله ﷺ، على أنّ لكل ثلاثة منهم حمل بعير مما شاؤوا، سوى السلام، ويتركون الباقي، فهذا المال الذي تركوه هو الفيء، وهو ما أفاء الله على المسلمين، أي رده من الكفار إلى المسلمين.\nولابن العربي في تسمية أيلولة هذه الأموال فيئا معنى لطيف لا بأس أن نطلعك عليه، قال ﵀: ما أَفاءَ يريد ما ردّ، وحقيقة ذلك، أنّ الأموال في الأرض للمؤمنين حقا، ولعله يشير بذلك إلى معنى قوله تعالى: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] فيستولي عليها الكفار مع ذنوبهم عدلا، فإذا رحم الله المؤمنين ردّها عليهم من أيدي الكفار رجعت في طريقها ذلك، فكان ذلك فيئا.\nوالضمير في (منهم) للذين كفروا من أهل الكتاب المذكورين في أول السورة:\nهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ وهم يهود بني النضير فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ يقال: وجف الفرس والبعير: يجف وجفا ووجيفا، أسرع في السير، وأوجفه صاحبه: حمله على السير السريع، والضمير في (عليه) يرجع إلى ما في قوله: ما أَفاءَ اللَّهُ والركاب: ما يركب، وهو اسم جمع، وقد خصّ في لسان العرب\n_________\n(١) محمد بن أحمد، إمام في اللغة، توفي (٣٧٠ هـ)، من مصنفاته تهذيب اللغة، انظر الأعلام للزركلي (٥/ ٣١١) .","vol":"1","page":751},{"text":"بما كان من الإبل خاصة، لا يكادون يطلقون اسم الراكب إلّا على راكب البعير، وإن كانت التسمية للاشتقاق من الركوب، ويوجد هذا المعنى في غير راكب البعير، لكنّ العرب كثيرا ما يقصرون اللفظ على بعض ما يوجد فيه مبدأ الاشتقاق.\nوَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ المعنى: أنّ هذه الأموال وإن كانت فيئا فإنّ الله جعلها لرسوله خاصّة، لأن رجوعها له لم يكن من طريق قتالكم لهم، بل كان عن طريق إلقاء الرعب في قلوبهم، ولم يتكلف الناس فيه سفرا، ولا تجشّموا رحلة، ولا أنفقوا مالا، وما كان من عمل الناس في حصارهم فهو عمل يسير لا يعتد به في جانب إلقاء الرعب فيهم، ومن أجل ذلك كان الفيء للرسول ﷺ.\nولعلك من هذا استشعرت أنّ في الآية محذوفا دلّ عليه الكلام، وهو خبر (ما) في قوله: وَما أَفاءَ اللَّهُ تقديره فلا شيء لكم فيه، دلّ عليه قوله: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يظهركم على أعدائكم من غير حاجة إلى حرب هذا هو تفسير هذه الآية.\nوقد جاء الكلام فيما يؤخذ من الأعداء في ثلاثة مواضع من القرآن:\nالأول: في قوله تعالى في سورة الأنفال: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ [الأنفال: ٤١] .\nوالموضع الثاني: هو الآية الأولى التي معنا: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ الآية.\nوالموضع الثالث: هو الآية التي بعدها: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ.\nوقد نقلنا لك من الآيات ما يفهم منه أنّ الآيات تبدو متخالفة الحكم، فآية الأنفال تقول: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ فأسندت الغنم لهم، ثم قالت: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ إلخ فدلّ ذلك على أنّ الغنيمة توزّع أخماسا، على حسب ما فهمته في الفقه، وما عرفته في تفسير الآية في الأنفال.\nوالآية التي معنا تقول: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ومعنى هذا على ما علمت: أن ما ردّه الله على رسوله من أموال الكفار لا شيء لكم فيه، لأنّكم لم توجفوا عليه، وإنما هو للرسول ﷺ خاصة، يصرفه كيف شاء.\nوالآية الثالثة خالفت هذه الآية، فلم تقل منهم، بل قالت: مِنْ أَهْلِ الْقُرى ووزّعت الفيء كتوزيع الغنيمة، مع فرق واحد هو أنّ آية الأنفال وزعت فيها الغنيمة وقيل فيها: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وآية الحشر جعلت الفيء بين الذين ذكروا في الأنفال، ولم يشر فيها إلى الخمس.","vol":"1","page":752},{"text":"ولقد كان ما بدا من خلاف بين الآيات مثار الخلاف بين العلماء في مدلول الآيات، فمنهم من يرجع آية الحشر الثانية إلى آية الأنفال، ويجعل آية الحشر الأولى منسوخة، ومنهم من يقول: الآيات الثلاث لثلاثة معان متباينة:\nفآية الأنفال في الأموال تؤخذ عنوة.\nوآية الحشر الأولى [٦] فيما يتركه الكفار فرارا ويأخذه المسلمون بعدهم من غير قتال.\nوآية الحشر الثانية [٧] فيما يؤخذ صلحا من جزية وخراج، وما شابه ذلك.\nوالأحكام في الآيات مختلفة بحسب ذلك، فما يكون غنيمة يقسّم بين الغانمين، وما يؤخذ فرارا فهو للرسول، يأكل منه، ويصرفه بعد ذلك في مصالح المسلمين، وما يؤخذ صلحا فهو لمن ذكر الله في آية الحشر الثانية، وسنزيدك بعض الإيضاح فنقول:\nإنّ من العلماء من جعل الغنيمة غير الفيء، وقال: الغنيمة: ما أخذه المسلمون من أموال الكفار في الحرب، والفيء: ما أخذ من غير حرب، وجعل آية الأنفال في الغنيمة، وقال: إن آية الحشر الأولى في الكفار من أهل الكتاب من بني النضير، لم يتكلّف المسلمون عناء في مقاتلتهم، ولم يكن للمسلمين يومئذ خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافات كثيرة، إذ لم يكن بينها وبين المدينة سوى ميلين، ولم يركب إلا رسول الله ﷺ وكان راكبا جملا، فلما كانت المقاتلة قليلة، ولم يكن للمسلمين فيها خيل ولا ركاب، جعل ما أخذ من الكفار كلّه للرسول ﷺ، يعول منه أهله، وينفق الباقي في مصالح المسلمين، ثم جعل الآية الثانية من الحشر بيانا لما أفاء الله على المسلمين من أموال سائر الكفار، ويجعل الآية الثانية كأنّها جواب سؤال نشأ من الآية الأولى كأنّه قيل: قد علمنا حكم الفيء من بني النضير، فما حكم الفيء من غيرهم، فقال: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ولذلك ترى العطف.\nوقد نقل الآلوسي الفرق بين الغنيمة والفيء عن بعض الشافعية، وقال: إن الحنفية قالوا بالتفرقة أيضا، ونقولها عن «المغرب» وغيره من كتب اللغة، قالوا: الغنيمة:\nما نيل من الكفار عنوة والحرب قائمة. وحكمها أن تخمّس، وباقيها للغانمين خاصة.\nوالفيء: ما نيل منهم بعد وضع الحرب أوزارها، وصيرورة الدار دار الإسلام، وحكمه أن يكون لكافة المسلمين، ولا يخمّس بل يصرف جميعه في مصالح المسلمين.\nونقل هذا الحكم الإمام ابن حجر عمّن عدا الإمام الشافعي من الأئمة الأربعة:\nوقال: إن الشافعي خمّس الفيء قياسا على الغنيمة التي ثبت التخميس فيها بالنص.\nبجامع أنّ كلّا منهما مال الكفار، استولى عليه المسلمون، واختلاف سبب الاستيلاء بالقتال وغيره لا تأثير له.\nوقد روي عن عمر ﵁ أنه صنع بأرض العراق ما حكمت به الآية،","vol":"1","page":753},{"text":"وكان بعض الصحابة قد طلب إليه قسمته بين المسلمين كالغنيمة، فاحتجّ عليهم بالآية، ووافقه علي وعثمان وطلحة والزبير، بل إنّ المخالفين أيضا رجعوا إليه بعد ما حكّم الآية.\nوالذي يعنينا هنا هو اختلاف العلماء في الفيء يخمّس أو لا يخمّس؟ أما توزيع الخمس فليس لنا به تعلق، لأنه ليس في الآية، ولأنّه تقدّم خلاف العلماء فيه في سورة الأنفال [٢٨] فارجع إليه إن شئت، ولنأخذ في تفسير الآية الثانية.\nقال الله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.\nقد ذكر الله تعالى أنّ ما ردّه على رسوله من أهل القرى هو لمن ذكرهم في النظم الكريم، وهم ستة، وقد اختلف العلماء- الذين قالوا بالقسمة أخماسا، أربعة أخماس للغانمين، وخمس لمن ذكر الله تعالى في قسمة هذا الخمس بين الذين ذكروا- فقال جماعة: يقسّم خمسة أسهم للخمسة الذين ذكرهم الله، وهم الرسول، وذو القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل وأما الله ﷾ فإنّما كان ذكره معهم افتتاح كلام تيمّنا بذكره، وإلا فهو مالك السموات والأرض.\nوذهب بعضهم إلى أنّ الخمس ستة أسهم، منها سهم الله يصرف إلى حاجة بيته، وهو الكعبة، إن كانت قريبة، وإلا فإلى مسجد كلّ بلدة ثبت فيها الخمس، ويقول الجمهور: إنّ جعل السهام ستة خلاف المعهود عن السلف في تفسير ذلك.\nوأما سهم الرسول ﷺ فقد كان له في حياته، ينفق منه على نفسه وعياله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين.\nثم اختلف العلماء في هذا السهم بعد وفاته ﷺ، فذهب الحنفية إلى سقوطه، وقالوا في تعليل ذلك: إنّ الخلفاء الراشدين ذهبوا فيه هذا المذهب، ولو كانوا يعلمون انتقاله للخلفاء ما أسقطوه، ثم إنّه جعل للرسول ﷺ، وهو مشتق من الرسالة، وذلك مؤذن بأنّ الرسالة علة في هذا الجعل. وقد انتهت الرسالة، فينتهي ما نيط بها من الحكم.\nونقل عن الشافعي ﵁: أنّه يصرف للخليفة، لأنّ النبيّ ﷺ كان يستحقه لإمامته لا لرسالته، ولكنّ الأكثر من الشافعية على أنّ السهم باق، ولكنه يصرف في مصالح المسلمين العامة، وهذا معنى\nقوله ﷺ: «مالي مما أفاء الله عليكم إلّا الخمس، والخمس مردود عليكم» «١» .\nوأما سهم ذي القربى فهو لذي قرباه ﷺ، وهم معروفون في الفقه، وقد مرّ\n_________\n(١) انظر ما رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٣/ ١٨٦) .","vol":"1","page":754},{"text":"الخلاف فيهم في سورة الأنفال، فلا نعيده، وكذا بيان اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، فارجع إليه إن شئت.\nهذا وممّن قال بأن الفيء كلّه للرسول ﷺ في حياته الإمام الغزالي ﵁، وممن ذهب إلى أنّ الفيء يصرف مصرف الغنيمة الإمام الزمخشري «١» ﵁، فقد جعل آية الحشر الثانية بيانا للآية الأولى، مستدلا بترك العطف على ما مرّ.\nوذهب أيضا إلى أنّ المراد بأهل القرى، هو المراد بالضمير في بني النضير في مِنْهُمْ وهم بنو النضير.\nوذهب المحقق ابن عطية إلى أنّ الآية الأولى في بني النضير خاصة. وإلى أنّ الفيء فيها للرسول ﷺ خاصة، وأما الآية الثانية فالمراد من أهل القرى فيها غير بني النضير، وهم أهل الصفراء وينبع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب التي تسمّى قرى عرينة، والحكم في أموال هؤلاء هو ما قال الله: إنها فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى.\nكَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ الدولة بضم الدال وفتحها ما يدول ويدور للإنسان من الغنى والغلبة، وفرّق بعضهم بين مضموم الدال ومفتوحها، فقالوا: إنّها بضم الدال ما يدول للإنسان من المال، وبفتحها ما يكون له من النصر.\nوقال بعضهم: هي بالضم اسم لما يتداول، وبالفتح مصدر بمعنى التداول، وقال بعضهم: بل هما لفظان لمعنى واحد.\nوالجملة بعد هذا تعليل لتقسيم الفيء، والضمير في يكون للفيء. والمعنى. أنا قسمنا الفيء هذا التقسيم كي لا يختص به الأغنياء، أو كي لا يكون دولة وغلبة جاهلية بينكم، كما كان الأغنياء منهم يستأثرون بالغنيمة، وكانوا يعتزّون به.\nوَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.\nذهب بعض المفسرين إلى أنّ معنى (آتاكم) أعطاكم من الفيء، وأنّ ما نهاكم أي عن أخذه، فانتهوا عن أخذه، وكأنّه يستعين على ذلك بالمقام.\nوذهب بعضهم إلى أنّها في كلّ ما أمر الرسول ﷺ به ونهى عنه، وفي جملة ذلك الفيء استدلالا بما في الآية من ألفاظ العموم، ولأنّه قال بعدها: وَاتَّقُوا اللَّهَ حيث يتناول كل ما يجب فيه التقوى.\nوالآية بعد هذا توجب امتثال أوامر الرسول ﷺ ونواهيه أيضا، والله أعلم.\n_________\n(١) انظر تفسير الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٠٢) .","vol":"1","page":755},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>من سورة الممتحنة</span>\nقال الله تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)\nواختلف العلماء في المراد من الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فذهب بعضهم إلى أنّهم مؤمنون، قعدوا عن الهجرة ضعفا منهم عن القيام بها. وقيل: بل هم مؤمنون من مكة، أقاموا بين الكفرة، وتركوا الهجرة مع القدرة، وزاد مجاهد على أن المهاجرين والأنصار كانوا يريدون برّ هؤلاء القاعدين عن الهجرة، ولكنهم تحرّجوا من برهم، لتركهم فرض الهجرة.\nوعلى هذين القولين تكون الآية باقية الحكم، وأنّه ليس ما يمنع المسلمين في دار الإسلام من بر إخوانهم المسلمين الذين بقوا في دار الحرب.\nوقال بعضهم: إنّ المراد النساء والصبيان من الكفرة، الذين لا يقاتلون، وهو مروي عن عبد الله بن الزبير.\nوقال الحسن: هم قوم من خزاعة وبني الحرث بن كعب، وكنانة، ومزينة:\nكانوا صالحوا النبي ﷺ على ألا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه، وعليه فالآية خاصة بعدم النهي عن برّ من بينه وبين المسلمين عهد، وهي باقية الحكم.\nوقد أخرج البخاريّ وأحمد «١»\n، وجماعة أنها في أم أسماء بنت أبي بكر، وكانت قد قدمت على بنتها أسماء بهدية، وهي مشركة، وقيل: بل جاءت تطلب صلتها، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها، حتّى أرسلت إلى عائشة ﵂ لتسأل رسول الله ﷺ عن هذا، فسألته، فأنزل الله قوله تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ الآية.\nقال الآلوسي: والأكثر على أنها في كفرة اتصفوا بما في حيز الصلة، سواء في\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٣/ ١٩٢)، ٥- كتاب الهبة، ٢٩- باب الهدية حديث رقم (٢٦٢٠)، وأحمد في المسند (٦/ ٣٤٤) .","vol":"1","page":756},{"text":"ذلك النساء والصبيان والمعاهدون، ومجيئها بعد آية لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ يقرّب هذا، فقد بيّن الله تعالى أنّه لا ينهانا عن برّ أحد من الناس، إلا من قاتلنا، وظاهر على قتالنا، وأخرجنا من ديارنا، وظاهر على إخراجنا. وأما من عدا هؤلاء من الكفار فلم ينهنا عن برهم والإقساط إليهم، إذ علّة النهي عن البرّ أنّهم آذونا، فلا يكونون أهلا لبرنا، فإذا انتفت العلة انتفى النهي.\nومعنى قوله: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ أنّه لا ينهى المسلمين عن الإحسان إلى من اتصفوا من الكفرة بهذه الصفات المذكورة، وهي عدم المقاتلة في الدين، وعدم إخراج المسلمين من ديارهم، ومعنى الإقساط الإفضاء بالقسط، وهو العدل، فمعنى تقسطوا إليهم تفضوا إليهم بالقسط والعدل، فالإقساط مضمّن معنى الإفضاء، ولذلك عدّي بإلى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ العادلين.\nوقد استدلّ بالآية بعض العلماء على جواز التصدّق على أهل الذمة دون أهل الحرب على وجوب النفقة للأب الذمي دون الحربي، لأنّه يجب قتله والاستدلال على هذا الأخير استدلال عجيب، إذ كلّ ما في الآية عدم النهي عن البرّ، وهل عدم النهي عن البرّ يستلزم وجوب البر، والشهاب الخفاجي قد نقل أنّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] وإن كان القول بالنسخ لا يكاد يظهر.\nإِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ.\nأي ليس النهي عن موالاة الأعداء نهيا عن البر بمن لم يقاتلكم، ولم يخرجكم من دياركم، إنما ينهاكم الله عن أعدائه وأعدائكم، الذين قاتلوكم من أجل دينكم، وألجئوكم إلى الخروج من دياركم، وظاهروا على إخراجكم، وأعانوا عليه، هؤلاء هم الذين نهاكم الله وينهاكم أن تتولوهم، وتلقوا إليهم بالمودة.\nوَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأنفسهم بتعريضها للعذاب، حيث فعلوا ما يوجبه، وهو اتخاذ الأعداء أولياء وهم ظالمون، لأنّهم وضعوا الولاية وضع العداوة، وكأنه لا يستحق وصف الظلم إلّا هؤلاء.\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) غير المؤمنين فريقان:\nأحدهما: كافر، عدو لله وللمؤمنين، لا يألو جهدا في أذاهم، والإيقاع بهم ما","vol":"1","page":757},{"text":"استطاع إلى ذلك سبيلا، وهؤلاء قد نهانا الله عن برّهم، وتوليهم، وموادتهم، بل أمرنا أن نقعد لهم كل مرصد، وأن نعدّ لقتالهم ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل.\nوالفريق الثاني: قوم كافرون، ولكنهم لم يقاتلونا، ولم يخرجونا من ديارنا، ولم يظاهروا، إما لعهد بيننا وبينهم، وإما لأنهم قوم ضعاف لا يستطيعون حربا، ولا قتالا، ولا إخراجا، ولا مظاهرة على إخراج، وهؤلاء قد بيّن الله أنه لا ينهانا عن برّهم والإقساط إليهم.\nوهناك فريق لا يعلم المؤمنون حالهم على الجزم، وهم يظهرون الإيمان، فهؤلاء بيّن الله حكمهم في الآيات التي معنا، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ إلخ نزلت هذه الآية بعد صلح الحديبية،\nوقد روي أنّه ﷺ أمر عليا ﵁ أن يكتب عقد الصلح، فكتب: باسمك اللهم. هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنّ من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه ردّه عليه، ومن جاء قريشا من محمّد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنّه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحبّ أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.\nوقد نفّذ رسول الله ﷺ العهد، فجاءه أبو جندل بن سهيل فرده، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في مدة العهد، وإن كان مسلما.\nثم جاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أمّ «١» كلثوم بنت عقبة بن معيط إحدى المؤمنات الجائيات، فخرج أخواها عمّار والوليد، حتى قدما على رسول الله ﷺ، فكلّماه في أمرها ليردها إلى قريش، فنزلت الآية، فلم يردها ﷺ.\nوقيل: نزلت الآية في امرأة تسمّى سبيعة بنت الحارث الأسلمية، جاءت مؤمنة مهاجرة، وطلبوا ردّها. فنزلت «٢» الآية.\nوقيل: نزلت في غيرها، ولعل سبب النزول متعدّد، وعلى أي حال فالآية في امرأة أو نساء جئن مهاجرات بعد صلح الحديبية.\nوقد منعت الآية إرجاع هؤلاء النسوة إلى الكفار. فقيل: نزلت الآية بيانا لنص العقد، وأنه ما تناول إلّا الرجال، غير أنّ هذا يكون من تخصيص العام بالمتأخر، لأنّ نصّ عقد الصلح كان عاما «من جاء إلى محمد من قريش دون إذن وليه ردّه عليه»\n_________\n(١) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٧/ ٣٧٦) ترجمة (٧٥٨٥) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٥/ ٨٠)، ٦٤- كتاب المغازي، ٣٦- باب غزوة الحديبية حديث رقم (٤١٨٠) .","vol":"1","page":758},{"text":"ومن العلماء من لا يجيز التخصيص بالمتأخر، فلعلّ هذا القائل يلتزم الذهاب إلى قول الجبّائي ومن وافقه في جواز تخصيص العام بالمخصّص المتأخر، وقد نسب إلى الزمخشري أنّ هذا ليس من باب التخصيص، وإنما هو من بيان المجمل، ذلك أنه يرى أنّ هذه الصيغ لا تفيد العموم من طريق الوضع، بل هي من باب المطلق، وتدلّ على العموم بالقرائن. وعلى هذا (فمن) التي في عقد الصلح كانت مجملة، وجاءت الآية مبينة لها، وليس هذا من تأخير البيان عن وقت الحاجة، بل هو تأخيره لوقت الحاجة، فإنّ الحاجة إليه إنما كانت عند مجيء المؤمنات مهاجرات، وقد نزلت الآية عنده بيانا للإجمال الذي في العقد.\nوقد ذهب جماعة إلى أنّ التعميم في عقد الصلح لم يكن من طريق الوحي، بل كان اجتهادا منه ﷺ أثيب عليه بأجر واحد، وجاءت هذه الآية بعدم إقراره على هذا الاجتهاد، ومسألة اجتهاده ﷺ في الأحكام مسألة مختلف فيها، ومن يجيزها يقول: ما دام أنه يجيء الوحي بعدم التقرير على الخطأ فلا ضير فيها، وقد جاءت الآية بعدم التقرير على التعميم.\nوذهب جماعة إلى أنّ العهد كان بوحي، وجاءت الآية ناسخة، ومن لا يجيز نسخ السنة بالكتاب يقول: نسخ العهد بالسنة، وهي امتناعه ﷺ من الرد، وجاءت الآية مقرّرة لهذا الامتناع.\nومن العلماء من يرى أن العهد كان على غير الصيغة المتقدمة، وأنه كان يشتمل على نصّ خاص بالنساء، صورته أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج ردّت على زوجها ما أنفق، وللنبي ﷺ من العهد مثل ذلك، وعلى هذا فالآية موافقة للعهد مقرّرة له.\nوهذا هو الذي عليه المعوّل، وأما الأقوال قبله فإنّها تنافي روح التشريع الإسلامي من جهة أنّ الوفاء بالعهد واجب، ولا ينبغي لأحد الطرفين أن يستبدّ بتخصيص نصوصه أو إلغائها دون موافقة الطرف الثاني.\nوأنت تعلم أنّ عهد الحديبية ما نسخ إلا بعد أن نقضته قريش، ونكثوا أيمانهم، يوضّح ذلك ما جاء في سورة التوبة: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) [التوبة: ١٢، ١٣] . وما دام العهد قد نسخ فنسخه نسخ لما اشتمل عليه من الحكم.\nولنرجع إلى تفسير الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ.","vol":"1","page":759},{"text":"المراد إذا جاءكم النساء اللائي يظهرن الإيمان، وإنما كان هذا هو المراد لأنّ الله تعالى يقول: فَامْتَحِنُوهُنَّ ثم قال: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فدل ذلك على أنّ الغرض من الامتحان علم إيمانهن، وقوله تعالى: مُهاجِراتٍ منصوب على الحالية، وجيء به بعد قوله تعالى: إِذا جاءَكُمُ لبيان العلة في عدم إرجاعهن، إذ هنّ ما هجرن مكة وانتقلن منها إلا حبا في الله، وفرارا بدينهن من أذى الكفار، وهنّ الضعيفات اللاتي لا جلد لهنّ على الإيذاء، فإذا قضى نصّ العهد أن يبقي الرجال، فهم يتحمّلون الأذى، أما هؤلاء اللاتي اضطررن إلى الهجرة، فكيف يلزمهنّ البقاء، وهنّ لا يستطعن حماية أنفسهنّ فَامْتَحِنُوهُنَّ فاختبروهن بما ترونه موصلا إلى غلبة الظن بإيمانهنّ.\nوقد روي عن ابن عباس في كيفية امتحانهن أنه قال: كانت المرأة إذا جاءت النبيّ ﷺ حلّفها عمر ﵁ بالله بأنها ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله.\nوعن ابن عباس أيضا أنّ امتحانهنّ أنّ رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب فقال:\nقل لهن إن رسول الله ﷺ بايعكن على ألا تشركن بالله شيئا إلخ ما في الآية الآتية، وسيأتي أنّ آية مبايعة النساء لها سبب غير هذا.\nوقوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ جملة اعتراضية جيء بها لإفادة أنّ الامتحان الغرض منه الوصول إلى غلبة الظن، وإلا فالحقيقة لا يعلمها على ما هي عليه إلا الله وحده سبحانه، فإنه المطلع على ما في القلوب، يعلم السرّ وأخفى فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ أي فإن تبيّن بعد الامتحان إيمانهنّ، وغلب على ظنكم هذا، فلا ترجعوهنّ إلى أزواجهنّ الكفار، وإنما أقحمنا لفظ الأزواج أخذا من قوله بعد: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ فإنّه استئناف قصد منه بيان علّة النهي عن إرجاعهن إلى الكفار، وجملة لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ أفاد الفرقة، وتحقيق زوال النكاح الأول على الثبوت والاستقرار، والجملة الثانية: وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ أفادت أنّ النكاح في المستقبل لا يستأنف للكفار، وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا أي أعطوا أزواجهنّ مثل ما أنفقوا عليهن من المهر، وقد قيل: إنّ ذلك واجب، وقيل: إنّه مندوب، وقد فعل ذلك في زمن النبي ﷺ، فقد روي أنّ ربيعة الأسلمية لما جاءت تزوجها عمر، وأعطى زوجها ما أنفق. وقيل: إنّ هذا الحكم غير باق، لأنّ ذلك كان في المهاجرات، وقد ذهبت الهجرة\n«ولا هجرة بعد الفتح»\nعلى أنك قد سمعت ما روي من أنّ العهد كان فيه نصّ جاءت الآية مقرّرة له، وقد انتهى العهد بما فيه، فلا بقاء لهذا الحكم الآن.\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي إنه لا تثريب عليكم في نكاحهن","vol":"1","page":760},{"text":"عند إيتاء الأجور، فمتى أعطيت الأجور، فليس شيء وراء ذلك يمنع من الحلّ.\nوأنت تعلم أنّ هذا الحكم وإن كان قد بطل العمل به بالنسبة لمن جرى بينه وبين النبي ﷺ عهد الحديبية من قريش، فإنّه لا مانع أن يكون معمولا به في العهود التي تجري بين المسلمين والكفار في مثل تلك الحالة التي كان عليها المسلمون يومئذ. فإذا عاهدناهم على أنّ من جاءتنا مؤمنة من أزواجهم رددنا عليهم ما أنفقوا وجب الوفاء بذلك العهد.\nهذا وقد اختلف العلماء في الحربية تخرج إلى المسلمين مسلمة، فقال أبو حنيفة: إذا خرجت الحربية مسلمة، ولها زوج كافر في دار الحرب، وقعت الفرقة بينهما، ولا عدّة عليها. وقال أبو يوسف ومحمد: تقع الفرقة، وعليها العدة. وإن أسلم الزوج بعد ذلك لم تحل له إلا بنكاح جديد، وإليه ذهب سفيان الثوري.\nوقال مالك والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي: إن أسلم الزوج قبل أن تحيض ثلاث حيض فهي امرأته. ولا تحل الفرقة إلا إذا انقضت العدة، فإذا انقضت فلا سبيل له عليها إن اجتمع معها في الإسلام بعد ذلك، ولا تحل له إلا بعقد جديد.\nوالخلاف بين الحنفية وغيرهم إنما هو في الحربيين إذا أسلمت المرأة وخرجت مهاجرة إلى دار الإسلام، فإنّ الحنفية يقولون في هذه الصورة بالخروج من دار الحرب وهي مسلمة: وقعت الفرقة، فسبب الفرقة اختلاف الدارين، والمراد به عندهم أن يكون أحد الزوجين من أهل دار الحرب، والآخر من أهل دار الإسلام، ولا اعتبار لمضي العدة وعدمه. وغيرهم يقول: لا عبرة باختلاف الدار، فإذا أسلمت المرأة انتظر إسلام زوجها زمن العدة، سواء أبقيت في دار الحرب أم خرجت وحدها مهاجرة.\nوأما إذا كانا ذميين، فأسلمت المرأة، فمذهب الحنفية «١» أنّه لا تقع الفرقة حتى يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم، وإلا فرّق بينهما، وكذلك إذا بقيا في الحرب.\nوالجماعة يقولون كما قالوا في الصورة الأولى، أي أنها تنتظر زمن العدة، فإن جمعها وإياه الإسلام، في العدة فهي امرأته، وإلّا حصلت الفرقة.\nوقد استدل الحنفية لمذهبهم بقوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ.\nوقالوا في وجه استدلالهم بالآية: إنّ المهاجرة إلى دار الإسلام قد صارت من أهل دار الإسلام، وزوجها باق على كفره من أهل دار الحرب، فقد اختلفت داراهما وحكم الله بوقوع الفرقة بينهما بقوله: فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ولو كانت\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١/ ٢٣٩) .","vol":"1","page":761},{"text":"الزوجية باقية لكان الزوج أولى بها، وقد قال الله: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ.\nوأيضا قوله تعالى: وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا يدلّ على ذلك، لأنه لو كانت الزوجية باقية لما استحقّ الزوج ردّ المهر، لأنه لا يستحق البضع وبدله.\nقالوا: ويدل عليه أيضا قوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ لأنه لو كان النكاح باقيا لما جاز لأحد أن يتزوجها.\nواستدلوا أيضا بقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ لأنّ معناه عندهم لا تتمسكوا بها، ولا تعتدوا بها، ولا تمنعكم عصمة الكافرين السابقة من التزوج بهنّ.\nوقال الحنفية أيضا: اتفق الفقهاء على جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج في دار الحرب إذا لم يسب زوجها معها، ولا سبب يجوّز هذا في نظرهم إلا اختلاف الدارين، لأنه ليس معنا إلا طروء الملك، واختلاف الدارين وطروء الملك من حيث هو لا يقتضي فساد النكاح، بدليل أنّ الأمة التي لها زوج لو بيعت لا تقع الفرقة بينهما، وكذلك إذا مات السيد عن أمة لها زوج، لم يكن انتقال الملك إلى الوارث سببا للفرقة.\nوالجماعة يقولون: إنّ سبب الفرقة هو الإسلام، لأنها لم تعد صالحة لأن تكون فراشا لكافر، وهذا المعنى متحقّق، سواء أبقيت في دار الحرب، أم خرجت، والعدة لازمة شرعا في كل ذات زوج ما دامت حرة، وقد عرفت عدة الحرة في الشرع، وقد كان موجب الفرقة بينهما من قبل الزوج، وهو بقاؤه على الكفر، فإذا أسقط الزوج هذا الموجب في وقت يمكنه فيه التدارك، فهي امرأته، لأن المانع من بقاء زوجية قد زال قبل فوات الأوان.\nوقد روي عن مجاهد قال: إذا أسلم وهي في العدة فهي امرأته، وإن لم يسلم فرّق بينهما. وعن عطاء مثل هذا، وكذلك عن الحسن، وابن المسيّب. وأيضا قد روي عن ابن عباس ﵄ قال: ردّ النبي ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة، وبقي زوجها بمكة مشركا، ثم ردها عليه بعد إسلامه.\nوالحنفية ردّوا الاستدلال بهذا الحديث من وجوه، قالوا: إنّ هذه الرواية فيها أنّه ردها بعد ست سنين، وذلك لا يعمل به عندكم. وقالوا: إن رواية ابن عباس ومذهبه يخالف مرويّة، على أنّه قد روي هذا الحديث من طريق آخر جاء فيه أنه ردها عليه بنكاح ثان. والكلام في هذا الحديث محله كتب الحديث، والذي يعنينا إنما هو الآية.\nيقول الجماعة: إنّ هذه الآية بل الآيات لا دليل فيها، فإنّ عدم الإرجاع إلى الكفار مبني على مجيء المؤمنات مهاجرات، فلم جعلتم العلة هي الهجرة وحدها،","vol":"1","page":762},{"text":"وهي دون الإيمان لا تصلح علة، إذ إنّها لو صلحت لكان خروج الحربية إلينا بأمان موجبا للفرقة، وهو لا يوجبها اتفاقا، وكذلك المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان، أو أسره أهل الحرب لا يبطل نكاح امرأته التي في دار الإسلام.\nوجواب الحنفية عن هذا- بأنّ المراد أن يكون من أهل دار الإسلام- جواب لا ينفع، فإنّه تستر وراء الألفاظ، وإلّا فأهليتها لدار الإسلام موجودة وهي في دار الحرب إذا أسلمت قبله، فلماذا تنتظرونه حتى يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم، وإلا فرّق بينهما. فالأهلية فوجودة من اللحظة الأولى، فلو كانت الأهلية هي الموجبة لحصلت الفرقة بالإسلام لمجرده، وهو ما نقول به، غاية الأمر أننا نخالفكم في العدة، أنتم تقولون بعدم وجوبها، ونحن نقول بوجوبها، لأننا نرى أن العدة شرعت لتعرف براءة الرحم، ولحقّ الزوج، حتى لا يضيع نسب ولده، فإذا أسلم وامرأته في العدة فهو أحقّ بها، لأن المانع من بقاء الزوجية قد زال، والعدة واجبة على الزوجة غير المسبية، وهذه زوجة غير مسبية، فتلزمها العدة.\nقال الحنفية في مسألة العدة: إنّ قوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ظاهر في عدم وجوب العدة، لأنّه لم يشترط في رفع الجناح في النكاح إلا إيتاء المهر، ولو كان هناك شيء غير هذا لبينه.\nوللجماعة أن يقولوا في هذا الدليل: إنّه متروك الظاهر، وإلا لا قتضى أن يصحّ النكاح بغير شهود، وهو لا يصحّ بالاتفاق، بل هو لا يصح إلا مستوفيا كلّ شرائطه، فلو كان تحته أختها لا يحل له أن ينكحها مهما دفع من المهر.\nنعم قد يقال في هذا: إن الله تعالى يقول: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ والنكاح حقيقة شرعية معروفة الأركان والشرائط، فالمفروض استيفاؤها، والآية سيقت لدفع ما كان يظنّ من أنّ للنكاح الأول حرمته، وأنّه باق، فنفت الآية هذا الظن، ورفعت الجناح في النكاح مع استيفاء الشرائط والأركان وانتفاء الموانع.\nوأما استدلال الحنفية بقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ فتأويله عند الجماعة: ولا تمسكوا بعصم نسائكم المشركات الباقيات في دار الحرب، وتكون الآية لمنع بقاء نكاحهن، كما منع ابتداء نكاح المشركات وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة: ٢٢١] . ويكون المراد منع المؤمنين من أن يكون بينهم وبين نسائهم الباقيات على الشرك علقة من علق الزوجية أصلا، وعدم الاعتداد بذلك النكاح، فهو لا يمنع خامسة ولا نكاح أختها.\nوقد يساعد على هذا التأويل قوله تعالى: وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا. فإن معناه: اسألوا الكفار مهور نسائكم، ولهم من السؤال مثل ذلك، وعليكم الإجابة.","vol":"1","page":763},{"text":"وأما قياس الحنفية طروء الملك في المسبية على بيع الأمة المزوّجة في أنّ كلّا لا يقتضي فساد النكاح، فهو قياس مع الفارق. فإنّ الذي حصل للمسبية إنما هو استرقاق واستحداث رق بعد حرية، والذي حصل في الأمة المبيعة إنما هو انتقال ملك من شخص إلى شخص.\nذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ فاتبعوه، ولا تحيدوا عنه، وقد روي أنّ الصحابة أدوا إلى المشركين ما أنفقوا من مهور المهاجرات، وأبى المشركون أن يدفعوا مهور من بقي عندهم من نساء المؤمنين، فنزل قوله تعالى: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) .\nوالمعنى: إن انفلت منكم شيء من أزواجكم وانحاز إلى جانب الكفار وجاء دوركم ونوبتكم في استيفاء ما أنفقتم من المهور على أزواجكم، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم من المسلمين مثل ما أنفق هؤلاء الأزواج من مهور المهاجرات اللاتي هاجرن إليكم وتزوجتموهنّ، ولا تدفعوا إلى أزواجهنّ الكفار، ويكون ذلك قصاصا.\nإباء عن الدفع منكم بإباء عن الدفع منهم.\nوقد روي عن الزهري ما يوافق هذا المعنى قال: يعطي من لحقت زوجته بالكفّار من صداق من لحق بالمسلمين من زوجات الكفّار، وعلى هذا تكون المعاقبة بمعنى العقبى والنوبة، وعن الزجاج أنّ المعنى: فقاتلتم الكفار وأصبتم منهم الغنائم، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الغنائم.\nوقد روي عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ كان يعطي الذي ذهبت زوجته من الغنيمة قبل أن تخمّس المهر، لا ينقص منه شيئا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ فلا يزد أحدكم عن الذي أنفق، ولا ينقص المعطى منه شيئا، وذلك شأن المؤمن، فإيمانه يدفعه إلى أن يخشى الله، ويتقيه في كل أعماله وأحواله.","vol":"1","page":764},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>من سورة الجمعة</span>\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)\nالمراد بالنداء الأذان والإعلام، والمراد بالصلاة المنادى لها صلاة الجمعة، بدليل قوله: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إذ غيرها من الصلوات التي يؤذّن لها لا مزية لها في يوم الجمعة عن غيره.\nوالأذان الذي يجب السعي عنده اختلف فيه، فقال بعضهم: المراد به الأذان الذي بين يدي الخطيب، ووجه هذا أنّه الأذان الذي كان على عهد النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر، فقد كان لرسول الله ﷺ مؤذّن واحد، وكان إذا جلس النبيّ ﷺ على المنبر أذّن على باب المسجد، وإذا نزل من على المنبر أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر كذلك، ويرى بعضهم أنّ السعي إنما يجب عند الأذان الأول الذي على المنارة، وهو الأذان الذي زاده عثمان ﵁، وذلك حين رأى كثرة الناس وتباعد مساكنهم، فأمر بالأذان الأول على داره التي تسمّى الزوراء، فإذا جلس على المنبر أذّن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام الصلاة، وفي بعض الروايات زاد الأذان الثالث، وكونه ثالثا، لأنّ الإقامة تسمّى أذانا، كما في\nقوله ﵊: «بين كلّ أذانين صلاة» «١» .\nوهذا القول هو الظاهر من مذهب الحنفية، وهم قد نظروا فيه إلى المعنى.\nوذلك أنّ المراد من النداء الإعلام، والسعي إنما يجب عند الإعلام، وقد فهم عثمان ﵁ هذا المعنى، وزاد النداء الثاني ليتمكّن الناس من حضور الخطبة والصلاة من أماكنهم البعيدة، ولم تكن بالمسلمين حاجة إلى هذا في زمن النبي ﷺ لقرب مساكنهم من المسجد، ولأنّهم كانوا يحافظون على أن يجيئوا في أوّل الوقت- إن لم يكن قبله- محافظة على أخذ الأحكام عن الرسول ﷺ فكان النداء الذي بين يدي الخطيب يسمعهم\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٥٧٣)، ٦- كتاب المسافرين، ٥٦- باب بين كل أذانين حديث رقم (٣٠٤/ ٨٣٨)، والبخاري في الصحيح (١/ ١٧٥)، ١٠- كتاب الأذان، ١٦- باب بين كل أذانين صلاة حديث رقم (٦٢٧) .","vol":"1","page":765},{"text":"فيحضرون سراعا، ويدركون الخطبة من أولها، لقرب المساكن من المسجد.\nوالسعي عند الأذان الثاني يفوّت على الناس سماع الخطبة التي خفّضت من أجلها الصلاة، ويفوّت عليهم السنة القبلية.\nومن يرى أنّ السعي إنما يجب بالأذان الذي بين يدي الخطيب يقول: إنّه النداء الذي كان في زمنه ﷺ، وهو أحرص الناس على أن يؤدّي المؤمنون الواجب عليهم في وقته، فلو كان السعي واجبا قبل ذلك لبيّن لهم، ولجعل بين الأذان والخطبة زمنا يتّسع لحضور الناس، ومسألة السنة القبلية فيها كلام، وربّما كان في عمل الرسول ﷺ والأذان بين يديه وهو على المنبر ما يدل على أنّ السنة القبلية التي كانت في الظهر لم تعد مطلوبة في الجمعة، ومع ذلك فهي سنة، وهل يمكن أن يقال: إن السعي يجب قبل وقته لتحصيل سنة لم تثبت، ومع ذلك فالمصلي يندب له أن يجيء مبكّرا لفوائد جمة، منها أداء السنّة.\nهذا وقد تكلّم المفسرون هنا في لفظ (من) وأنّها بمعنى (في) وتبعيضية، كما تعرّضوا لحركة (ميم) الجمعة، وما فيها من لغات، وفي أصل مدلولها قبل أن تكون علما، والمناسبة عند النقل، وذلك بحث لا طائل تحته بعد أن صارت الجمعة في لغاتها جميعا علما على اليوم المعروف من أيام الأسبوع.\nوقد اختلف العلماء في أول جمعة صلّيت في الإسلام، فقد أخرج عبد الرزّاق وعبد بن حميد عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة قالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه بكل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه، فنذكر فيه الله تعالى ونشكره، فقالوا: يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة بذلك، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين، وذكّرهم، وسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا، وذبح لهم شاة، وغدّاهم، وعشّاهم منها «١» .\nوهذا الخبر مرويّ عن غير ابن سيرين أيضا فقد أخرج أبو داود وابن ماجه والبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب أن أباه كان إذا سمع النداء ترحّم على أسعد بن زرارة، فقلت: يا أبتاه أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلّما سمعت الأذان للجمعة ما هو؟ قال: لأنّه أول من جمع بنا في نقيع الخضمات في هزم من حرّة بني بياضة، قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعين رجلا «٢» .\n_________\n(١) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٦/ ٢١٨) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (١/ ٤٠٢)، كتاب الصلاة، باب الجمعة حديث رقم (١٠٦٩)، وابن ماجه في السنن (١/ ٣٤٣)، ٥- كتاب إقامة الصلاة، ٧٨- باب فرض الجمعة حديث رقم (١٠٨٢) .","vol":"1","page":766},{"text":"قال الكمال بن الهمام: الظاهر من هذه الروايات أنّ صلاة أسعد بن زرارة للجمعة كانت قبل أن تفرض «١» .\nويرى العلامة ابن حجر أنّ الجمعة فرضت في مكة، ولم تقم بها، إما لعدم تكامل العدد، وإما لأنّ أمرها كان على الإظهار، والنبي ﷺ كان في مكة غير متمكن من الإظهار.\nوقال: إنّ أول من أقامها بالمدينة أسعد بن زرارة، بقرية على ميل من المدينة، فلعلّها فرضت، ثم نزلت الآية، ولكن يمنع من هذا ما\nروي عن النبي ﷺ أنّه خطب فقال: «إن الله فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا، إلى يوم القيامة، فمن تركها استخفافا بها، أو جحودا لها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ولا زكاة له، ولا حج له، ولا صوم له، ولا برّ له حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه» «٢»\n. حيث ذكر في هذا الحديث أنّه لا حج له، والحج وإن كان قد اختلف في مبدأ افتراضه، إلا أنّهم صححوا أنه في السنة السادسة من الهجرة، فالظاهر أنّ الجمعة كانت بعد ذلك.\nويرى بعض آخر من العلماء أنّ أول من جمع بالناس مصعب بن عمير،\nفقد أخرج الدارقطني عن ابن عباس قال: أذن النبي ﷺ بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير: «أما بعد، فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقرّبوا إلى الله بركعتين» قال: فهو أول من جمع، حتى قدم النبي ﷺ المدينة.\nوقد جمع بين هذين بأنّ جمع أسعد كان بغير أمر الرسول ﷺ وجمع مصعب كان بأمره، وأول جمعة صلّاها النبي ﷺ كانت بعد مقدمه بأربعة أيام حيث أدركه وقتها في بني سالم بن عوف، فصلّاها في بطن واد لهم، حيث خطب ﷺ، وصلّى بالناس.\nوقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ السعي المراد منه المشي دون إفراط في السرعة.\nأخرج الستة في كتبهم عن أبي سلمة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم، فصلّوا، وما فاتكم فأتموا» «٣» .\n_________\n(١) انظر فتح القدير للإمام كمال الدين السيواسي المعروف بابن الهمام الحنفي بيروت، دار الفكر (٢/ ٥١) . [.....]\n(٢) رواه ابن ماجه في السنن (١/ ٣٤٣)، ٥- كتاب إقامة الصلاة، ٧٨- باب فرض الجمعة حديث رقم (١٠٨١) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٤٢٠)، ٥- كتاب المساجد، ٢٧- باب ما يقال في تكبيرة الإحرام رقم (١٥١/ ٦٠٢)، والبخاري في الصحيح (١/ ٢٤٦)، ١١- كتاب الجمعة، ١٨- باب المشي إلى الجمعة حديث رقم (٩٠٨) .","vol":"1","page":767},{"text":"والمراد من ذكر الله الخطبة والصلاة جميعا، لاشتمالهما عليه، واستظهر بعضهم أنّ المراد به الصلاة، وقصره بعضهم على الخطبة.\nوقد ورد الذكر في الآية مطلقا غير محدود، ومن أجل ذلك قال الحنفية: إنه لا يشترط في الخطبة اشتمالها على ما يسمّى خطبة عرفا، لأنّ الله تعالى ذكر الذكر من غير تفضيل بين كونه طويلا أو قصيرا، يسمى خطبة أو لا يسمى خطبة، فكان الشرط هو الذكر مطلقا، وما ورد من الآثار مشتملا على بيان الكيفية فهو يدل على السنية أو الوجوب، ولا ينتهض دليلا على أنه لا يجوز إلا ذلك. ودونه تبطل الخطبة، ولا تصح الصلاة، بل هو اختيار للفرد الكامل من أفراد المطلق.\nوالشافعية يشترطون أن يأتي الخطيب بخطبتين مستوفيتين لشروط خاصة، واستدلوا على ذلك بآثار وردت فيها، فإن ثبتت هذه الأدلة، وانتهضت دليلا لإثبات الشرطية، فهي الدليل.\nوقد جاء في الآية الأمر بالسعي، والأمر للوجوب، فيكون السعي واجبا، وقد أخذوا من هذا أنّ الجمعة فريضة، وذلك أنّه قد رتّب الأمر للذكر على النداء للصلاة، فإذا كان المراد بالذكر هو الصلاة، فالدلالة ظاهرة، لأنه لا يكون السعي لشيء واجبا حتّى يكون ذلك الشيء واجبا.\nوأما إذا كان المراد بالذكر الخطبة فقط فهو كذلك، لأن الخطبة شرط الصلاة، وقد أمر بالسعي إليه، والأمر للوجوب، فإذا وجب السعي للمقصود تبعا، فما ذلك إلا لأن المقصود بالذات واجب، ألا ترى أن من ارتفع عنه وجوب الجمعة لا يجب عليه السعي لها، إذا فالسعي تابع لوجوب الجمعة، والجمعة جاء طلبها والنكير على تركها في السنة، وقد انعقد الإجماع على وجوبها بشروطها.\nوقد أجمعوا على اشتراط العدد فيها، بل هي ما سميت جمعة إلا لما فيها من الاجتماع، وقد اختلف في أقلّ عدد تنعقد به الجمعة على أقوال كثيرة: ابتدأت من الاثنين إلى الثمانين، ولقد قيل: إنه قد زادت الأقوال فيها على ثلاثة عشر قولا.\nوالكلام فيها من حيث التحديد ومن حيث الأدلة يرجع [فيه] إلى كتب الفقه وكتب السنة، فإنّ الآية لم تعرض لشيء منها.\nوَذَرُوا الْبَيْعَ المراد من البيع المعاملة، فهو مجاز عن ذلك، فيعم البيع والشراء والإجارة، ولقد ذهب جماعة إلى أنّ الأمر للوجوب، فيكون الاشتغال بهذه الأشياء محرّما.\nوقال بعضهم: هو مكروه تحريما، بل لقد زعم بعضهم أنّ الكراهة تنزيهية، بناء على أنّ الأمر للندب، ولم يرتضه كثير من العلماء، وقد قالوا: إنّ التحريم يستمرّ إلى فراغ الإمام من الخطبة.","vol":"1","page":768},{"text":"وأما مبدأ التحريم فهو مبنيّ على الخلاف الذي قد علمته في المراد بالنداء، وظاهر أنّ المأمور بالسعي هو المأمور بترك البيع، وأما من عداهم فلا يشملهم الأمر، فإنّ الأمر بترك البيع إنما كان لوجوب السعي.\nوقد روي عن بعض السلف أنّ ترك البيع وقت النداء واجب على الناس جميعا من وجب عليه السعي ومن لم يجب.\nذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي السعي إلى ذكر الله، وترك أعمالكم من أجل ذلك خير لكم وأنفع، والتفضيل باعتبار ما في المعاملة من المنافع الدنيوية، وقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ معناه: إن كنتم من أهل العلم عرفتم أنّ امتثال أوامر الله في الذهاب إلى الجمعة، والانتفاع بما يلقى على الناس من مواعظ خير لكم في الدنيا والآخرة.\nفي الدنيا حيث يبصّركم الإمام بما فيه خيركم ونجاتكم من الأذى، وفي الآخرة برضا الله عنكم، حيث امتثلتم أمره.\nقال الله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) .\nأي إذا فرغتم من أداء الصلاة فتفرّقوا في الأرض إلى حيث تؤدّون أعمالكم التي كنتم تركتموها من أجل الذكر، واطلبوا الربح من فضل الله وفيض إنعامه.\nوقد قالوا: إن هذا أمر ورد بعد الحظر فهو للإباحة، وعليه فليس يطلب من الإنسان أن يخرج من المسجد بعد الصلاة، لا وجوبا ولا ندبا.\nولقد روي عن بعض السلف أنّه كان إذا انتهت الصلاة خرج من المسجد، ودار في السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد فصلّى ما شاء أن يصلّي، فقيل له: لأي شيء تصنع هذا؟ قال: إني رأيت سيّد المرسلين يصنع هذا، وتلا قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ رضي الله عن أصحاب رسول الله، فقد كانوا يتأسون بالمصطفى حتى في حركاته وسكناته.\nوَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وفي وقت اشتغالكم بأعمالكم، ولا تكتفوا بالذكر الذي سعيتم من أجله، لكي تفوزوا بخير الدارين.\nوقد عرض المفسرون هنا لأحكام كثيرة تتعلق بالجمعة، كاشتراط المصر، وكون الخطبة قبل الصلاة أو بعدها، وهل هناك سنن قبلية، أو بعدية؟ ونحن نرى أن هذه الأحكام لا تدل عليها الآية، ولا من طريق الإشارة، فيرجع إليها في السنة والفقه.","vol":"1","page":769},{"text":"قال الله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي «١» وغيرهم عن جابر بن عبد الله قال:\nبينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائما، إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ، حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلا، أنا فيها وأبو بكر وعمر، فأنزل الله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا إلى آخر السورة.\nبهذا تضافرت الروايات على اختلاف بينها في التفاصيل،\nوفي بعض الروايات أنّ رسول الله ﷺ قال: «لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم نارا»\nوفي بعضها:\nكان الباقي ثمانية، وفي بعض آخر: بقي أربعون رجلا، وكانت العير لعبد الرحمن بن عوف تحمل طعاما، وكان قد أصاب المدينة جوع وغلاء سعر.\nولما كانت الآية نزلت بعد أن ترك من ترك رسول الله في موقفه، قال العلماء:\nإن إِذا مستعملة في الماضي، ولما كان العطف بين قوله: تِجارَةً أَوْ لَهْوًا ب أَوْ صحّ مجيء الضمير في إليها مفردا، ورجع الضمير إلى التجارة دون اللهو، لأن الانفضاض كان لها بالأصالة، ولهوهم كان للفرح بمجيء التجارة التي أنقذتهم مما هم فيه من الجوع وغلاء السعر، وقد روي أنّه حين جاءت العير استقبلها الناس بالفرح وضرب الدفوف، فخرج المنفضون على ذلك.\nوقد استدل العلماء بقوله تعالى: وَتَرَكُوكَ قائِمًا على مشروعية القيام أثناء الخطبة، والمشروعية أمر متفق عليه بين العلماء، وقد ثبت في السنة أنّ النبي ما خطب إلا قائما، وكذلك الخلفاء من بعده، استمرّ الأمر هكذا إلى زمن بني أمية، حيث وجد منهم من استهان بأمر الخطبة فخطب جالسا.\nنعم قد روي أن أول من خطب جالسا معاوية ﵁، وقد حمل العلماء هذه الرواية على فرض صحتها على أنّه كان عاجزا عن القيام، وإلا فمقام معاوية أجلّ من أن يخالف ما كان عليه الرسول ﷺ.\nأخرج البخاري ومسلم «٢» عن ابن عمر أن النبيّ كان يخطب خطبتين يجلس بينهما.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٥٩٠)، ٧- كتاب الجمعة، ١١- باب قوله تعالى: إِذا رَأَوْا تِجارَةً حديث رقم (٣٩/ ٨٦٣)، والبخاري في الصحيح (٢/ ٧٥)، ٦٥- كتاب التفسير، ٢- باب وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً حديث رقم (٤٨٩٩)، والترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٣٨٦)، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الجمعة، حديث رقم (٣٣١١)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٧٠) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٥٨٩)، ٧- كتاب الجمعة، ١٠- باب ذكر الخطبتين حديث رقم (٣٣/ ٨٦١)، والبخاري في الصحيح (١/ ٢٥١)، ١١- كتاب الجمعة، ٣- باب القعدة بين الخطبتين حديث رقم (٩٢٨) .","vol":"1","page":770},{"text":"وحكم القيام في الخطبة أنّه سنة عند الحنفية «١»، ويرى الشافعية أنّه أحد شروطها، وأنت تعلم أنّ الحنفية لا يثبتون الشرط إلا بقطعي، وهو غير موجود هنا.\nوالشافعية يتمسكون بما في الآية من إشارة، وبما ثبت من السنة عن النبي ﷺ والخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية على ما عرفت قبلا.\nقُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ قدمت التجارة على اللهو عند الرؤية، لأنها كانت الباعث الأقوى على الخروج، وأخّرت هنا لأنّه أقوى في الذم، والغرض التنفير، فكان من المناسب تقديمه.\nوَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فهو الذي يقدّر الأقوات وييسرها، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، وما يمسك فلا مرسل له، وما يرسل فلا ممسك له، إلا من بعد إذنه، وما ينبغي لأحد أن يهجر عبادة الله من أجل شيء، إن كان له فسوف يأتيه، وإذا لم يكن له فلن يفيد فيه الإسراع إليه، والجري وراءه، وهو لو شاء الحرمان منه لحرمه وهو في البيت، بل وفي اليد إلى الفم.\nوقد حاول العلماء أن يستدلوا بما روي في أسباب النزول من أعداد الباقين والمنفضين على العدد في الجمعة، فمن صحّ عنده أن الباقين كانوا اثني عشر قال: إنّ العدد المعتبر في الابتداء هو العدد المعتبر في البقاء، فلو كان العدد الباقي لا تصحّ به الجمعة لما صحت الجمعة، ولم يرو أنّهم أعادوها.\nوقد ردّ هذا الاستدلال من وجوه:\nأولا: قد روي أنّ الباقي كان أربعين، وروي أنه كان ثمانية، ولو سلّم أنهم كانوا اثني عشر، فلا دلالة فيه، لأنّه لا يدل إلا على أنّها تصح باثني عشر، وهو لا يفيد أنها لا تصح بما دون ذلك، فأين التحديد باثني عشر.\nوقد سبق أن قلنا: إن الآية لا يؤخذ منها شيء من هذه الأحكام التي يثبتها الفقهاء في الجمعة، ولا دلالة لها على أكثر من وجوب السعي عن الجمعة، وعلى وجوب ترك البيع وشؤون الدنيا من أجل الصلاة، وعلى أنّه لا يجوز أن يترك الناس الخطيب يخطب وينصرفوا إلى أي شأن آخر.\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١/ ٨٩) .","vol":"1","page":771},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>من سورة الطلاق</span>\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا (١)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ إنما كان النداء خاصا بالنبي ﷺ، والخطاب بالحكم عاما له ولأمته تكريما له ﵊، وإظهارا لجلالة منصبه، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهارا لمقامه فيهم، واعتبارا لترؤسه، وإنه المتكلّم عنهم، وإنه هو الذي يصدرون عن رأيه، ولا يستبدّون بأمر دونه.\nوقيل الجمع في قوله: إِذا طَلَّقْتُمُ للتعظيم، مثل قوله تعالى: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون: ٩٩] وقول القائل:\nألا فارحموني يا إله محمد.\nوقيل: أراد يا أيها النبيّ ويا أيها المؤمنون، فحذف لدلالة الخطاب عليه.\nوقيل: أراد يا أيها النبيّ قل للمؤمنين إذا طلقتم النساء إلخ.\nوقد اتفق المفسّرون على اعتبار التجوّز في قوله تعالى: إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ لأن الكلام لا يستقيم دونه، لما فيه من تحصيل الحاصل، أو كون المعنى إذا طلقتموهن فطلقوهنّ مرة ثانية، وهو غير مراد قطعا، فلا بدّ من التجوّز، إما بإطلاق المسبب وإرادة السبب، وإما بتنزيل المشارف للفعل منزلة الشارع فيه، والمعنى: إذا أردتم تطليقهن تطلقوهن لعدتهنّ.\nواللام في قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ لام التوقيت كاللّام الداخلة في التاريخ، نحو كتبته لثلاث مضين من المحرم، أي فطلّقوهن في عدتهن، أي في وقتها. والمراد بالأمر بإيقاع الطلاق في ذلك النهي عن إيقاعه في الحيض، وردت بذلك السنة الصريحة، فالمعنى: إذا أردتم تطليقهنّ، فلا تطلقوهن في الحيض، فهو مثل\nقوله ﷺ «١»: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ٢٢٦)، ٢٢- كتاب المساقاة، ٢٤- باب الرهن، حديث رقم (١٦٠٤)، والبخاري في الصحيح (٣/ ٥٩)، ٣٥- كتاب السلم، ١- باب السلم في الوزن حديث رقم (٢٢٤٠) .","vol":"1","page":772},{"text":"ليس معناه إيجاب السلم، بل معناه النهي عن السلم فيما لم يعلم كيله أو وزنه أو أجله.\nوكذلك\nقوله ﷺ «١»: «كل مما يليك»\nليس معناه إيجاب الأكل. بل معناه: النهي عن أن يجيل يده في الإناء، وهكذا جرى عرف اللسان العربي في كل ما كان من هذا القبيل، فكانت الآية دليلا على حرمة الطلاق في الحيض.\nواتفق الفقهاء على أنّ ذلك طلاق بدعي محرّم. والمعنى: فيه الإضرار بالزوجة بتطويل المدة التي تتربصها، فإنّ بقية الحيض لا تحسب من العدة عند من يرى أنّ الأقراء الأطهار، وكذلك لا تحسب هي ولا الطهر بعدها من العدة عند من يرى أنّ الأقراء الحيض.\nوأيضا ليس من الوفاء ولا من المروءة أن يطلقها في وقت رغبته عنها، لسبب لا دخل لها فيه.\nوألحق الفقهاء بذلك في الحرمة الطلاق في النفاس، لما ذكر من المعنى.\nوأتت السنة الصحيحة بصورة ثالثة للطلاق البدعي المحرم، وهي أن يطلّقها في طهر جامعها فيه، والمعنى في ذلك أنه ربما يندم على الطلاق إذا ظهر الحمل، إذ الإنسان قد يسمح بطلاق الحائل لا الحامل، وقد لا يتيسّر له ردها، فيتضرر هو والولد.\nواستثنى كثير من الفقهاء من الطلاق المحرّم خلعها في الحيض بعوض منها، لأنّ بذلها المال يشعر بحاجتها إلى الخلاص، وبرضاها بتطويل المدة، وقد قال تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وأذن النبيّ ﷺ لثابت بن قيس في الخلع على مال من غير استفصال عن حال زوجته «٢» .\nاستدلّ أهل الظاهر بقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ على أنّ الطلاق في الحيض لا يقع، ولا يترتب عليه حكم، لأن الآية ظاهرة في النهي عن الطلاق في غير العدة.\nوقد بينت السنة ذلك، بأنه الطلاق في الحيض.\nوثبت عن رسول الله ﷺ من حديث عائشة ﵂ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» «٣»\nوفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٥٩٩)، ٣٦- كتاب الأشربة، ١٣٥- باب آداب الطعام حديث رقم (١٠٧/ ٢٠٢٢)، والبخاري في الصحيح (٦/ ٢٤١)، ٧٠- كتاب الأطعمة، ٢- باب التسمية حديث رقم (٥٣٧٦) .\n(٢) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٢٤٤)، كتاب الطلاق، باب في الخلع حديث رقم (٢٢٢٧)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٤٨١)، كتاب الطلاق، باب في الخلع حديث رقم (٣٤٦٢) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٣٤٣)، ٣٠- كتاب الأقضية، ٨- باب نقض الأحكام حديث رقم (١٧/ ١٧١٨)، والبخاري في الصحيح (٣/ ٢٢٢)، ٥٣- كتاب الصلح، ٥- باب إذا اصطلحوا على صلح جور حديث رقم (٢٦٩٧) .","vol":"1","page":773},{"text":"ردّ»\nقالوا: وهذا صريح في أنّ هذا الطلاق المحرم الذي ليس عليه أمره ﷺ مردود وباطل. قالوا: وإذا كان النكاح المنهي عنه لا يصح لأجل النهي، فما الفرق بينه وبين الطلاق؟ وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح، وصححتم ما حرّمه ونهى عنه من الطلاق؟ وليس لكم متمسك في ذلك إلا رواية عن ابن عمر قد خالفها ما هو مثلها أو أحسن منها عن ابن عمر أيضا، فقد أخرج أبو داود «١» عن أبي الزبير أنّه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر، قال أبو الزبير: وأنا أسمع: كيف ترى في رجل طلّق امرأته حائضا فقال: طلّق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله ﷺ، فسأل عمر عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: إنّ عبد الله بن عمر طلّق امرأته وهي حائض.\nقال عبد الله: فردها عليّ ولم يرها شيئا. وليست رواية نافع عن ابن عمر: «مره فليراجعها» «٢» بأصحّ من رواية أبي الزبير عنه: «فردها عليّ ولم يرها شيئا» . وحينئذ يتعيّن الجمع بينهما بحمل المراجعة في قوله: «مره فليراجعها» على الارتجاع والرد إلى حالة الاجتماع كما كانا من قبل، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق البتة.\nوأجاب الجمهور عن ذلك بأنّ الاستدلال بالآية على عدم وقوع الطلاق في الحيض موقوف على أنّ النهي عن الشيء يقتضي الفساد، وهي مسألة أصولية كثرت فيها المذاهب والآراء، وصحّح الحنفية منها أنه لا يقتضي الفساد مطلقا. وقال الشافعية: إنّه يدلّ على الفساد في العبادات وفي المعاملات إذا رجع إلى نفس العقد، أو إلى أمر داخل فيه، أو لازم له.\nفإن رجع إلى أمر مقارن كالبيع وقت نداء الجمعة، فلا يدل على الفساد، والنهي فيما نحن فيه لأمر مقارن، وهو زمان الحيض، فهو عندهم لا يدل على الفساد أيضا.\nوأيّد ذلك بأمر ابن عمر بالرجعة، إذ لو لم يقع الطلاق لم يؤمر بها، وقد قال الله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] وهذا يعمّ كلّ طلاق. وكذلك قوله: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] وقوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ [البقرة: ٢٢٩] وقوله: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ [البقرة: ٢٤١] وهذه كلها عمومات لا يجوز تخصيصها إلا بنص أو إجماع، والمطلقة في الحيض داخلة في هذه العمومات.\nوأما\nقوله ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ»\nفما أصحه وما أبعده\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٢٢٨)، كتاب الطلاق، باب في طلاق السنة حديث رقم (٢١٨٥) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٩٣)، ١٨- كتاب الطلاق، ١- باب تحريم طلاق الحائض حديث رقم (١/ ١٤٧١)، والبخاري في الصحيح (٦/ ١٩٩)، ٦٨- كتاب الطلاق، ١- باب قول الله تعالى:\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حديث رقم (٥٢٥١) .","vol":"1","page":774},{"text":"عن محل النزاع، فإنّ وقوع طلاق الحائض مشروع، فلا يقال فيه: إنه عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ، فهو مردود، وتحريم الطلاق في الحيض لا يمنع ترتيب أثره وحكمه عليه، كالظهار، فإنّه منكر من القول وزور، ولا شكّ في ترتيب أثره وحكمه عليه، وهو تحريم الزوجة إلى أن يكفّر، فهكذا الطلاق البدعي محرّم، ويترتب عليه أثره، إلى أن تراجع، وكذلك القذف محرّم، ويترتب عليه أثره من الحدود والشهادة.\nوكذلك وطء الزوجة في الحيض محرّم، ويترتب عليه أثره وحكمه، حتى ولو دخل بزوجته وهي حائض اعتبر ذلك وطأ يقرّر المهر ويوجب العدة.\nوكذلك الإيمان وهو أصل العقود وأجلها وأشرفها يزول بالكلام المحرّم إذا كان كفرا، فكيف لا يزول عقد النكاح بالطّلاق المحرم، الذي وضع لإزالته؟ وكذلك طلاق الهازل يقع مع تحريمه، لأنّه لا يحلّ الهزل بآيات الله، فإذا وقع طلاق الهازل مع تحريمه فطلاق الجادّ أولى أن يقع مع تحريمه.\nوالفرق بين النكاح المحرّم والطلاق المحرّم أنّ للنكاح عقد يتضمن حلّ الزوجة، وملك بضعها، فلا يكون إلا على الوجه المأذون فيه شرعا، فإنّ الأبضاع في الأصل على التحريم، ولا يباح منها إلا ما أباحه الشارع بخلاف الطلاق، فإنه إسقاط لحقه، وإزالة لملكه، وذلك لا يتوقف على كون السبب المزيل مأذونا فيه شرعا. على أن من النكاح ما يكون محرما ويقع عقده صحيحا، كمن عقد على مخطوبة الغير، فإنّ الإقدام على هذا النكاح حرام، ومع ذلك إذا وقع العقد كان صحيحا.\nوأما رواية أبي الزبير عن ابن عمر فردّها عليّ، ولم يرها شيئا، فهي مردودة لمخالفة أبي الزبير فيها من هو أوثق منه، قال أبو داود: والأحاديث كلّها على خلاف ما قال أبو الزبير.\nوقال الشافعي: ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير عنه، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا تخالفا، وكذلك قال الخطابيّ. وقال ابن عبد البر: تفرّد بهذه الرواية أبو الزبير، وقد روى الحديث عن ابن عمر جماعة أجلة، فلم يقل ذلك أحد منهم، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه.\nوقال بعض أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا.\nواستدل الشافعيّ بقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ على أن الأقراء الأطهار، ووجه الاستدلال به أنّ اللام هي لام الوقت، أي فطلقوهن وقت عدتهن، وفد فسر النبي ﷺ هذه الآية بهذا التفسير،\nففي «الصحيحين» «١» عن ابن عمر ﵄ أنه طلّق امرأته وهي حائض في عهد النبي ﷺ، فسأل عمر النبيّ ﷺ عن ذلك، فقال\n_________\n(١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":775},{"text":"رسول الله ﷺ: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء»\nفبيّن النبي ﷺ أنّ العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي الطهر الذي بعد الحيضة، ولو كان القرء هو الحيض كان قد طلقها قبل العدة، لا في العدة، وكان ذلك تطويلا عليها. ويشهد لهذا الذي ذهب إليه الشافعي قراءة ابن مسعود فطلقوهن لقبل طهرهن.\nوقال الذاهبون إلى أن الأقراء الحيض: إنّ أهل العربية يفرّقون بين لام الوقت وفي التي للظرفية، فإذا أتوا باللام لم يكن الزمان المذكور بعدها إلا ماضيا أو منتظرا، ومتى أتوا بفي لم يكن الزمان المجرور بها إلا مقارنا للفعل، واعتبر ذلك في قولك:\n(كتبته لثلاث خلون) و(كتبته بثلاث بقين) و(كتبته في ثلاث) ففي المثال الأول تكون الكتابة بعد مضي الثلاث، وفي المثال الثاني تكون الكتابة قبل حلول الثلاث، وفي المثال الثالث تكون الكتابة في نفس الثلاث وفي أثنائها. إذا تقرر ذلك يكون قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ معناه فطلقوهن لاستقبال عدتهن، لا في عدتهم، إذ من المحال أن يكون الطلاق وهو سبب العدة واقعا في العدة، وإذا كانت العدة التي تطلّق لها النساء مستقبلة بعد الطلاق، فالمستقبل بعدها إنما هو الحيض، فإنّ الطاهر لا تستقبل الطهر، إذ هي فيه، وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها.\nولكن المعروف أن اللام إذا دخلت الوقت أفادت معنى التوقيت، واختصاص بذلك الوقت على الاتصال، لا استقبال الوقت، فلا تقول: كتبته لثلاث بقين إلا إذا كنت حين الكتابة متلبسا بأولها، فيكون معنى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ فطلقوهنّ للوقت الذي يشرعن فيه في العدة على الاتصال بالطلاق.\nواستدل بعض الناس بالآية على أنّ نفس الطلاق مباح، فإنّه إنما نهي عنه إذا كان سببا في تطويل مدة التربص، فاقتضى ذلك أنه إذا خلا عن هذا لم يكن منهيا عنه، بل كان مأذونا فيه، ولا يخفى على المنصف أنّ الآية لم تدل على أكثر من حرمة الطلاق في الحيض.\nوَأَحْصُوا الْعِدَّةَ أصل الإحصاء العد بالحصا، كما كانت عادة العرب قديما، ثم توسع فيه، فاستعمل في ضبط العدد وإكماله، فمعنى إحصاء العدة ضبطها وإكمالها ثلاثة قروء كوامل.\nوإحصاء العدة واجب لإجزاء أحكامها فيها: من حق الرجعة للزوج، والإشهاد عليها، ونفقة الزوجة وسكناها، وعدم خروجها من بيتها قبل انقضائها، والإشهاد على فراقها إذا بانت، وتزوج غيرها من النساء ممن لمن يكن يجوز له جمعها إليها.","vol":"1","page":776},{"text":"وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ في الإضرار بهنّ بتطويل العدة عليهن.\nلا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ نهي للأزواج عن إخراج المطلقات المعتدات من مساكنهنّ عند الطلاق إلى أن تنتهي العدة، ونهي للمعتدات عن الخروج منها، وفيه دليل على وجوب السكنى لهنّ ما دمن في العدة، وستطلع على كلام في ذلك.\nوأضاف البيوت إليهنّ وهي لأزواجهنّ لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكناها، كأنّها ملك لهنّ.\nواختلفت آراء الفقهاء في ملازمة المعتدة بيت الفراق، أهو خالص حقّ الزوجين أم هو حقّ لهما وللشرع؟\nفالصحيح عند الحنفية أنّ للشرع في ذلك حقا لا يملك الزوجان إسقاطه. وعلى ذلك يكون قوله تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ دالّا على حرمة إخراجهنّ بمنطوقه، وعلى حرمة الإذن لهنّ في الخروج بإشارته، لأنّ الإذن في المحرّم محرّم. كأنه قيل لا تخرجوهن ولا تأذنوا لهم في الخروج إذا طلبن ذلك وَلا يَخْرُجْنَ بأنفسهم إن أردن.\nوذهب الشافعية إلى أن ملازمتها بيت الفراق خالص حقهما، فلو اتفقا على الانتقال جاز، لأنّ الحقّ لا يعدوهما، وعليه يكون المعنى: لا تستبدّوا بإخراجهنّ، ولا يخرجن باستبدادهنّ.\nإِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ اختار بعض المفسّرين أنّ الفاحشة المبيّنة هي نفس الخروج قبل انقضاء العدة. وأنّ هذا الاستثناء راجع إلى قوله تعالى: وَلا يَخْرُجْنَ والمعنى: لا يطلق لهن في الخروج إلا في الخروج الذي هو معصية وفاحشة، ومعلوم أنه لا يطلق لهن في المعصية والفاحشة، فيكون ذلك منعا عن الخروج على أبلغ وجه.\nومنه ما روى مسلم في «صحيحه» عن ابن عباس، وقد عرض عليه بعض الناس كتابا كانوا يزعمون أنّ فيه قضاء عليّ كرم الله وجهه، فقال: ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضلّ. يريد: أنه لم يقض بهذا أبدا، لأنه لا يقضي به إلا إذا كان قد ضلّ، ومعلوم أنّ عليا لم يضل، فهو لم يقض به، وهذا أسلوب من أساليب العربية البديعة البليغة، تقول: لا تسب أخاك إلا أن تكون قاطع رحم، ولا تزن إلا أن تكون فاسقا فاجرا. روي هذا الوجه من التأويل عن ابن عمرو والسدي وابن السائب والنخعي، وبه أخذ أبو حنيفة ﵀.\nوقال ابن عباس: إلّا أن تبذو على أهله، فإذا فعلت ذلك حلّ لهم أن يخرجوها.\nوقد أمر النبيّ ﷺ فاطمة بنت قيس بالانتقال حين بذت على أحمائها.\nوقال الحسن وزيد بن أسلم: الفاحشة المبيّنة الزنى، فإذا زنت أخرجت لإقامة الحد.","vol":"1","page":777},{"text":"وقيل: الفاحشة المبينة تطلق على النشوز.\nقال الجصاص «١»: هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ، وجائز أن يكون جمعها مرادا، فيكون خروجها فاحشة، وإذا زنت أخرجت للحد، وإذا بذت على أهله أخرجت أيضا، قال: وما ذكرنا من التأويل المراد يدل على جواز انتقالها للعذر، لأنّ الله تعالى قد أباح لها الخروج للأعذار التي وصفنا.\nولكنّك تعلم أننا إذا خرّجنا الآية على المعنى الأول فإنّها تدلّ على أنه لا يباح خروجها بحال، فكيف يقول الجصاص: وجائز أن يكون جميع هذه المعاني مرادا؟\nوَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي الأحكام السابقة حدود الله التي حدّها وعيّنها لعباده، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ أي ومن يتجاوز هذه الحدود المذكورة فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ فقد حمّل نفسه وزرا، وأكسبها إثما، فصار بذلك لها ظالما وعليها متعديا. أو فقد ظلم نفسه بتعريضها للضرر الدنيوي، كما سيأتي تفصيله.\nلا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا هذه جملة مستأنفة مسوقة لتعليل مضمون الشرطية السابقة.\nوالخطاب فيها للمتعدي بطريق الالتفات، لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدي.\nوالمعنى: من يتعدّى حدود الله فقد عرّض نفسه للضرر، فإنك لا تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر، لعل الله يحدث في قلبك بعد الذي فعلت من التعدي أمرا يقتضي خلاف ما فعلت، فامتثل أمر ربّك، ولا تطلّق في الحيض، ولا تهمل في إحصاء العدة، ولا تخرج المعتدة من بيتها، لا يحملنك البغض والغضب على أن تفعل شيئا من ذلك، فإنّ الكراهة والمحبة بيد الله مقلب القلوب، فعسى أن ينقلب البغض محبة والمقت مقة، والطلاق رجعة، فانظر لنفسك، وأبق للصلح بابا، ولا تبتّ حبل المودة بتا، فتندم حين لا ينفع الندم، والواقع يصدّق ذلك، فإن الغالب في الطلاق أن يكون نتيجة كراهة كاذبة، أو ثورة غضب جامحة تغمر العقل، وتقوى عليه، حتى إذا تمّ الانفصال، وهدأت الأعصاب، وثاب الرجل إلى رشده، انتابته عوامل القلق والحنين إلى صحبة مضت أن تعود، وتذكّر من زوجته خلالا كان يرضاها، وقلما يخلو أحد من ذلك، كما\nقال ﷺ: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي خلقا»»\nوقد يكون بينهما ولد، أو يظهر بها حمل، فتتأكد الرغبة فيها، والندم على طلاقها.\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص (٣/ ٤٦٢) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١٠٩١)، ١٧- كتاب الرضاع، ١٨- باب الوصية بالنساء حديث رقم (٦١/ ١٤٦٩) . [.....]","vol":"1","page":778},{"text":"قال الله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ هذا من مجاز المشارفة، بقرينة ما بعده، لأنّه لا يؤمر بالإمساك بعد انقضاء العدة، أي فإذا شارفن آخر عدتهنّ فأمسكوهنّ بمعروف، أو فارقوهنّ بمعروف، والإمساك بالمعروف مراجعتهن مع حسن المعاشرة، والإنفاق المناسب، والمفارقة بالمعروف تخليتهنّ حتى تنقضي عدتهن مع إيفائهن حقهن، واتقاء الضّرار بهن.\nوَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أي وأشهدوا عند الرجعة إن اخترتموها، أو الفرقة إن اخترتموها، لأنّ الإشهاد يقطع النزاع، ويدفع الريبة.\nوهذا أمر ندب واستحباب في الرجعة والفرقة، كما في قوله تعالى: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] وللشافعي قول في القديم بوجوب الإشهاد في الرجعة، وأنه شرط في صحتها. والجديد أنه لا يشترط لصحتها الإشهاد عليها، بناء على الأصح أنّها في حكم استدامة النكاح لا ابتدائه، ومن ثمّ لم يحتج فيها لولي ولا لرضاها، وإنما يندب فيها الإشهاد لقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وصرفه عن الوجوب إجماعهم على عدم الوجوب عند الطلاق، فكذلك عن الإمساك.\nوَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ أي أدوا الشهادة أيها الشهود خالصة لوجه الله، وفيه دليل على وجوب إقامة الشهادات عند الحكام على الحقوق كلها، لأنّ الشهادة هنا اسم للجنس، وإن كان مذكورا بعد الأمر بإشهاد ذوي عدل على الرجعة أو الفرقة، لأنّ ذكرها بعده لا يمنع استعمال اللفظ على عمومه.\nذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الإشارة إلى ما تقدّم من الحث على إقامة الشهادة لله، أو إلى ما تقدّم من الأحكام كلها، من إيقاع الطلاق على وجه السنة، وإحصاء العدة، والكف عن الإخراج والخروج، والإشهاد على الرجعة أو الفرق، وإقامة الشهادة لله، أي هذه الأحكام يوعظ بها من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، لأنه المنتفع بها.\nوَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ هذا اعتراض جيء به لتأكيد ما سبق من الأحكام، أي وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ في كل عمله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا من هموم الدنيا ومضارها، وغمرات الموت وأهوال الآخرة وشدائدها، ويرزقه الفوز بخيري الدارين، من وجه لا يخطر بباله، وإذا كان هذا وعدا لعامة المتقين، تناول بعمومه الزوج الذي اتقى الله في الطلاق للسنة، ولم يخرج المعتدة من مسكنها، وأمسك","vol":"1","page":779},{"text":"بمعروف أو فارق بمعروف، واحتاط فأشهد على ما اختار، يعد الله هذا الزوج بالخلاص مما عسى أن يقع فيه من الهموم ومشاكل الزوجية، ويفرّج عنه ما يعتريه من الكروب، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وكذلك يتناول الزوجة التي اتقت الله فيما عليها من حق، فلم تخرج من منزل عدتها، ولم تكتم ما خلق الله في رحمها، فالله يعدها على هذه التقوى بتفريج كربها، ورزقها من حيث لا تحتسب.\nوَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي فهو كافيه جل شأنه في جميع أموره، لأنّ الله هو القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء، الجواد بكل شيء، فإذا فوّض العبد الضعيف أمره إليه كفاه لا محالة ما أهمّه.\nإِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ إنّ الله يبلغ ما يريده سبحانه، ولا يفوته مراد.\nقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا أي إنّه ﷿ قدّر الأشياء قبل وجودها، وعلم مقاديرها وأوقاتها، وإذا كان كلّ شيء من الرزق وغيره لا يكون إلا بتقديره تعالى، ولا يقع إلا حسبما علم، لم يسع العاقل إلا التسليم للقدر، وفي هذه الجملة كسابقتها بيان لوجوب التوكل عليه تعالى، وتفويض الأمر إليه جلّ ثناؤه.\nقال الله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥) أخرج الحاكم، وصححه البيهقي في «سننه» وجماعة عن أبيّ بن كعب أنّ أناسا من أهل المدينة لما نزل قوله تعالى في سورة البقرة: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم تذكر في القرآن: الصغار والكبار اللاتي قد انقطع عنهنّ الحيض، وذات الحمل، فأنزل الله التي في سورة النساء القصرى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ الآية «١» .\nجعل الله عدّة الآيسة ثلاثة أشهر، ولا خلاف بين الفقهاء في أن المرأة ما دامت ترى الحيض فهي من ذوات الأقراء، لا تكون آيسة ولو بلغت مئة سنة.\nإنما خلافهم فيمن انقطع حيضها متى تكون آيسة، وتعتد بالأشهر؟ ألذلك حدّ معين أم ليس له حد معين؟\nوالقائلون بالتحديد مختلفون، فمنهم من قدّره بالسنين. بخمسين سنة وبخمس وخمسين وبستين وباثنتين وستين إلى أقوال أخر، أقصاها خمس وثمانون، ومنهم\n_________\n(١) انظر تفسير ابن جرير الطبري المسمى جامع البيان في تفسير القرآن (٢٨/ ٩١) .","vol":"1","page":780},{"text":"من اعتبره بيأس النساء في بلدها الذي هي فيه، فإنّ المكان إذا كان طيب الهواء والماء كبعض الصحارى يبطئ فيها سنّ اليأس، وقيل: يأس كل النساء إلخ.\nقال أصحاب التحديد: إن اليأس يعتمد غلبة الظن، ومهما انقطع دم المرأة فإنّها لا تزال ترجو عوده، ولا يتأكد الظن بعدم عوده إلا إذا بلغت من السن مبلغا لا يحيض مثلها فيه، وأمر العدد مبني على الاحتياط وطلب اليقين ما أمكن.\nوالقائلون بعدم التحديد يقولون: اليأس ضدّ الرجاء، فإذا كانت المرأة قد يئست من الحيض ولم ترجه فهي آيسة، ولو خالفت في ذلك عادة النساء جميعا، ولو كان لها أربعون سنة أو أقل، كما أنّها ما دامت تحيض وترى الدم وترجوه فهي ليست آيسة، ولو كان لها سبعون سنة أو أكثر، ولو خالفت في ذلك عادة النساء جميعا. وكما أنه يرجع في الاعتداد بالأقراء إلى عادة المعتدة نفسها، لا إلى عادة غيرها، كذلك يرجع في الإياس إلى كل امرأة من نفسها، وكما أنّهم لم يجعلوا للصغر الموجب للاعتداد بالأشهر حدّا، كذلك ينبغي ألا يكون للكبر الموجب للاعتداد بها حدا.\nوينبني على الخلاف في التحديد وعدمه خلافهم في المرأة التي طلّقت، وكانت من ذوات الأقراء، ثم ارتفع حيضها، بماذا تعتد؟\nفأصحاب التحديد يقولون: تنتظر حتى ترى الدم أو تبلغ حدّ اليأس، فتعتد بثلاثة أشهر، ولو كانت مدة التربص أكثر من عشر سنين. وهذا هو مذهب الحنفية وقول الشافعي في الجديد.\nوالذين لا يرون لليأس حدّا يقولون: تتربّص غالب مدة الحمل، ثم تعتد عدة الآيسة، ثم تحلّ للأزواج مهما كانت سنها، قالوا: وقد صحّ عن عمر بن الخطاب ﵁ في امرأة طلّقت، فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم ارتفعت حيضتها، لا تدري ما رفعها، أنّها تتربص تسعة أشهر، فإن استبان بها حمل وإلا اعتدت ثلاثة أشهر. وقد وافقه كثير من الفقهاء على هذا منهم مالك وأحمد والشافعي في القديم.\nوكذلك اختلفوا في متعلّق الارتياب في قوله تعالى: إِنِ ارْتَبْتُمْ فقال جماعة:\nإن ارتبتم في حكمهنّ فلم تدروا ما عدتهن؟ فعدتهن ثلاثة أشهر، وعلى ذلك يكون الشرط بيانا للواقعة التي نزل فيها الحكم من غير قصد للتقييد، فلا مفهوم له عند القائلين بالمفهوم.\nقال آخرون: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أم استحاضة، وإذا كانت هذه عدة المرتاب في دمها، فغير المرتاب في دمها أولى بذلك.\nوقال الزجاج: المعنى: إن ارتبتم في حيضهن، وقد انقطع عنهن الدم، وكن ممن يحيض مثلهن. إلى أقوال أخر.","vol":"1","page":781},{"text":"قال ابن جرير الطبري «١» ﵀: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: عنى بذلك إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم فيهنّ. وذلك أنّ معنى ذلك لو كان كما قاله من قال: إن ارتبتم بدمائهن فلم تدروا أدم حيض أم استحاضة، لقيل: إن ارتبتنّ، لأنهنّ إذا أشكل الدم عليهن فهن المرتابات بدماء أنفسهن لا غيرهن. وفي قوله: إِنِ ارْتَبْتُمْ وخطابه للرجال بذلك دون النساء الدليل الواضح على صحة ما قلنا من أنّ معناه: إن ارتبتم أيها الرجال بالحكم فيهنّ.\nوأخرى: وهي أنّه جل ثناؤه قال: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ واليائسة من المحيض هي التي لا ترجو محيضا للكبر، ومحال أن يقال: واللائي يئسن، ثم يقال: ارتبتم بيأسهن، لأن اليأس هو انقطاع الرجاء، والمرتاب بيأسها مرجو لها، وغير جائز ارتفاع الرجاء ووجوده في وقت واحد اه.\nوهذا الذي اختاره ابن جرير وافقه عليه جمهور المفسرين، وليس عليه اعتراض سوى أن يقال: إذا كان معنى إِنِ ارْتَبْتُمْ إن جهلتم عدتهن فسألتم عنها، فأي فائدة في ذكر هذا الشرط بعد أن كان معلوما في كل الأحكام الشرعية أنّ الله أنزلها لتعليم من لا يعلم؟\nوأجابوا عن ذلك بأنّ المقصود: إن سألتم عن حكمهنّ، وشككتم فيه، فقد بيناه لكم أيها السائلون، ففيه تنويه بشأن السائلين، وبيان لنعمته تعالى عليهم حين أجاب طلبهم، وأزال ما عندهم من الشك والريب، بخلاف المعرض عن طلب العلم الذي لم يخطر بباله، استوفيت عدد النساء أم لم تستوف؟\nوَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ مبتدأ خبر محذوف، أي واللائي لم يحضن كذلك، أي عدتهن ثلاثة أشهر، يريد أنّ المعتدة التي لم يسبق لها حيض تعتد بثلاثة أشهر، سواء أكان عدم حيضها لصغر، أم لعلة، أم لمنعه بدواء.\nولا نعلم خلافا في أنّ التي لم تر الحيض أصلا تعتد بثلاثة أشهر، مهما بلغت من السنّ، إلا رواية عن أحمد ﵀ فيمن بلغت ولم تحض أنّها تتربص تسعة أشهر غالب مدة الحمل، فإن استبان حملها وإلا اعتدت ثلاثة أشهر، فيكون مثلها كمثل التي ارتفع حيضها، لا تدري ما رفعه. والرواية الثانية عن أحمد الموافقة لرأي الجمهور أنها تعتد ثلاثة أشهر، ولم يجعلوا للصغر الموجب للاعتداد بالأشهر حدّا.\nأخذ العلماء من قوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ أن للإنسان أن يزوّج ولده الصغار، لأنّ الله تعالى جعل على من لم تحض من النساء لصغر أو غيره عدة، ولا يكون على الصغيرة عدة إلّا أن يكون لها نكاح.\n_________\n(١) في تفسيره جامع البيان تفسير القرآن المشهور بتفسير الطبري (٢٨/ ٩١) .","vol":"1","page":782},{"text":"وظاهر العموم في قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ وقوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ أنّ الحرة والأمة في ذلك سواء، فكما تعتد الحرة الآيسة أو الصغيرة بثلاثة أشهر، كذلك تعتد الأمة الآيسة أو الصغيرة ثلاثة أشهر، وبهذا قال أهل الظاهر وابن سيرين ومكحول ومالك، وهو أحد الأقوال في مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد ﵏.\nوقال جمهور العلماء: عدة الأشهر فرع وبدل عن عدّة الأقراء، وقد جرى عمل المسلمين من الصحابة والتابعين على أنّ عدة الأمة ذات الأقراء قرآن، ولا يعرف في الصحابة مخالف في ذلك. وبه قال الأئمة الأربعة، وخلائق من فقهاء الأمصار لا يحصون عدا، ذهبوا إلى أنّها على النصف من عدة الحرة. ولولا أنّ القرء لا يمكن تنصيفه لكانت عدتها قرءا ونصفا.\nثم من هؤلاء الفقهاء من قال: عدة الأمة الآيسة والصغيرة شهران، لأن عدتها بالأقراء قرآن، فجعل كلّ شهر مكان قرء، وهو أحد أقوال الشافعي، وأشهر الروايات عن أحمد.\nومنهم من قال: عدتها شهر ونصف، لأن التصنيف في الأشهر ممكن، فتنصفت بخلاف القروء، ونظير هذا أنّ المحرم إذا وجب عليه في جزاء الصيد نصف مدّ أخرجه، فإن أراد الصيام مكانه لم يجز إلا صوم يوم كامل، وهذا هو مذهب أبي حنيفة، والقول الثالث للشافعي، ورواية ثالثة عن أحمد ﵏.\nثم إنّه لا تعارض بين قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وقوله تعالى في سورة البقرة: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] . فإنّ آية البقرة خاصّة بذوات الأقراء، والآيسة والتي لم تحض ليستا من ذوات الأقراء، وهو ظاهر. إنما التعارض بين الآية التي معنا وقوله تعالى فى سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤] فإنّ آية البقرة عامة تشمل ذوات الأقراء واللائي يئسن واللائي لم يحضن، فتقضي بعمومها أنّ عدة الوفاة للآيسة والصغيرة أربعة أشهر وعشرا، والآية التي معنا عامة في السبب الذي من أجله كانت العدة، سواء أكان فرقة حي أم فرقة ميت، فاقتضت بعمومها أنّ عدة الوفاة للآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر، فكان بين النصين تعارض في ظاهرهما.\nلكنّ العلماء يكادون يجمعون على أنّ الآية التي معنا واردة في خصوص عدة الطلاق، لأنّ سياق الآية ظاهر في ذلك، وحينئذ يكون اعتداد الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر خاصا بالمعتدات المطلقات، فلا يكون بين الآيتين تعارض.\nوَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ أجل الشيء مدته كلها، وأجله أيضا آخر","vol":"1","page":783},{"text":"مدته، والمراد بالأجل هنا آخر المدة التي تتربصها المرأة، أي آخر عدتهن أن يضعن حملهن، وظاهر هذا أنّ المعتدة الحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل، سواء أكانت معتدة عن طلاق أم عن وفاة، فتكون الآية معارضة لآية البقرة، وهي قوله تعالى:\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا لأن بين الآيتين عموما وخصوصا من وجه. وذلك أنّ آية البقرة أعم من التي معنا في المعتدات، إذ تشمل الحامل وغير الحامل، وأخص من التي معنا في سبب العدة وهو الوفاة وعلى العكس من ذلك الآية التي معنا، فكان التعارض واقعا بينهما في القدر الذي اجتمعتا عليه واشتركتا فيه، وهو عدة المتوفى عنها الحامل، فآية البقرة تجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا، والآية التي معنا تجعل عدتها مدة حملها، فمتى وضعت فقد انقضت عدتها.\nومن أجل هذا التعارض اختلف السلف في عدة المتوفى عنها إذا كانت حاملا، فقال علي وابن عباس وجماعة من الصحابة ﵃: تعتد بأبعد الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا، وهذا أحد القولين في مذهب مالك ﵀، واختاره سحنون.\nوقال جمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة: إنّ عدتها تنتهي بوضع الحمل، ولو كان الزوج على مغسله فوضعت حلّت.\nفمن ذهب إلى أبعد الأجلين احتجّ بأنّ النصين متعارضان على ما سمعت، ولا يمكن تخصيص العموم في أحدهما بالخصوص في الآخر، لأنّ ذلك إلغاء، ولا يصار إلى الإلغاء إلا إذا تعذّر الجمع، والجمع هنا ممكن، فكان هو المتعين، وبالاعتداد بأبعد الأجلين يحصل الجمع بين النصين، لأنّ مدة الحمل إن زادت فقد تربصت أربعة أشهر وعشرا مع الزيادة، وإن قصرت وتربصت المدة فقد وضعت وتربصت، فيحصل العمل بمقتضى الآيتين.\nوأنت تعلم أنّ هذا إنما هو جمع بين المدتين، ولا يعدّ جمعا بين النصين.\nوإعمالا لعموم كل منهما في مقتضاه، وذلك أنها إذا وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر ثم حكمنا عليها بأنها لا تزال في العدة، كان ذلك إهدارا لمقتضى الحصر والتوقيت في قوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فإنّه ظاهر في أنه لا عدة عليها بعد وضع الحمل، وأنها حلال للأزواج متى وضعت حملها.\nوأصحاب هذا الرأي يحرمونها على الأزواج، ويلزمونها القرار في مسكن العدة إلى أن تنتهي أربعة الأشهر والعشر. فكيف يقال بعد ذلك إنّهم عملوا بمقتضى الآية التي معنا؟\nوكذلك يقال فيمن مضى عليها أربعة أشهر وعشر ولم تضع حملها إذا ألزمناها","vol":"1","page":784},{"text":"الاعتداد إلى وضع الحمل، كان ذلك إهدارا لمقتضى الحصر والتوقيت في قوله تعالى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وهو ظاهر. فلم يكن في هذا المذهب جمع بين النصين، بل فيه إهدار لأحد النصين لا محالة.\nأما الجمهور الذين قالوا: إنّ عدتها تنتهي بوضع الحمل فقط، فدليلهم على ذلك: أنّ السنة الصريحة دلت على اعتبار الحمل فقط. كما\nفي «الصحيحين» «١»\nأنّ سبيعة بنت الحرث الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها تجمّلت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل، فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح إنّك والله ما أنت بناكح حتى تمرّ عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوّج إن بدا لي.\nوصحّ أيضا أنّ أبا سلمة بن عبد الرحمن وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة وهما يذكران المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال فقال ابن عباس: عدّتها آخر الأجلين. وقال أبو سلمة: قد حلت، فجعلا يتنازعان ذلك فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي- يعني أبا سلمة-، فبعثوا كريبا- مولى ابن عباس- إلى أم سلمة ﵂ يسألها عن ذلك، فجاءهم، فأخبرهم أنّ أمّ سلمة قالت: إنّ سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، وإنّها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوّج «٢» .\nوروى الضياء في «المختارة» وابن مردويه وغيرهما عن أبي بن كعب قال: قلت للنبي ﷺ، وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن أهي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها؟ قال: «هي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها» .\nفجاءت السنة مبيّنة أنّ قوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ عام في المطلقة والمتوفى عنها، وأنّ عموم الآية مراد، وإن كان السياق يقتضي أنها خاصة بالمطلقات، فصارت الآية بعد بيان السنة ناصّة على أنّ عدة الحامل المتوفى عنها تنتهي بوضع الحمل فقط، والآية التي معنا نزلت بعد آية البقرة، كما أخرج أبو داود\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١١٢١)، ١١- كتاب الطلاق، ٦- باب المطلقة، حديث رقم (٥٣/ ١٤٨٢)، والبخاري في الصحيح (٦/ ٢٢٣)، ٦٨- كتاب الطلاق، ٣٩- باب وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ حديث رقم (٥٣١٨) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١١٢٢)، ١٨- كتاب الطلاق، ٨- باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، حديث رقم (٥٧/ ١٤٨٥)، والبخاري في الصحيح (٦/ ٧٩)، ٦٥- كتاب التفسير ٢٥- باب وَأُولاتُ الْأَحْمالِ حديث رقم (٤٩٠٩) .","vol":"1","page":785},{"text":"والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود «١» ﵁ أنه قال: من شاء باهلته أنّ الآية التي في سورة النساء الصغرى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ إلخ نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهرا.\nوفي البخاري «٢» عنه أيضا أشهد لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى فتكون الآية التي معنا ناسخة لآية البقرة فيما اجتمعتا عليه، واشتركتا فيه، فصار المراد من الأزواج في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا الآية غير الحوامل من المتوفى عنهن.\nومن الناس من قال: الآية التي معنا خاصة بالمطلقات كما هو ظاهر السياق.\nوآية البقرة خاصّة بالمتوفى عنهن، فلا تعارض بينهما، غير أنّ السنة الصحيحة وردت بإخراج الحوامل من عموم الأزواج في قوله تعالى: وَيَذَرُونَ أَزْواجًا فجعلت المراد منهن غير الحوامل، فكانت آية البقرة مخصوصة بالسنة، وكان حكم الحوامل المتوفى عنهنّ معلوما من السنة لا من الكتاب.\nومنهم من قال: الآية التي معنا أخصّ مطلقا مما في سورة البقرة، وبيان ذلك أنّ الله ذكر في سورة البقرة حكم المطلقات من النساء، وحكم المتوفى عنهنّ في آيتين على التفريق، ثم وردت هذه الآية التي معنا بعدهما مخصّصة في البابين معا، ولا شك أنّ المستفاد من آيتي البقرة هو أنّ عدة المعتدات الحوامل وغير الحوامل إما ثلاثة قروء، وإما أربعة أشهر وعشر، وأن المستفاد من الآية التي معنا أنّ عدة المعتدات الحوامل تنتهي بوضع الحمل، فكانت الآية معنا أخص مطلقا من آيتي البقرة، وقد نزلت بعدهما، فكانت مخصّصة لهما. والله أعلم.\nواقتضى قوله تعالى: أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ أنّ العدة تنقضي بوضع الحمل، وأنّ المرأة إذا وضعت حملها فقد حلّت للأزواج، ولا يتوقف حلّها على طهرها من النفاس خلافا للشعبي والحسن وإبراهيم النخعي وحماد، فإنّهم قالوا: لا يصحّ زواجها حتى تطهر من نفاسها، واحتجوا بقوله في\nحديث سبيعة: «فلما تعلّت من نفاسها»\nأي طهرت منه، ولا حجة لهم فيه، لأنّ ذلك إخبار عنه وقت سؤالها، ولذلك\nقال ﷺ: «إنها حلت حين وضعت»\nولم يعلّل بالطهر من النفاس.\nوكذلك اقتضى قوله تعالى: أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ أنها إذا كانت حاملا بتوأمين لم\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنن (٢/ ٢٧٦)، كتاب الطلاق، باب عدة الحامل حديث رقم (٢٣٠٧)، وابن ماجه في السنن (١/ ٦٥٤)، ١٠- كتاب الطلاق، ٧- باب الحامل حديث رقم (٢٠٣٠)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٥٠٨)، كتاب الطلاق، باب عدة الحامل حديث رقم (١٣٥٢٢) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ٧٩)، ٦٥- كتاب التفسير، ٢- باب وَأُولاتُ الْأَحْمالِ حديث رقم (٤٩١٠) .","vol":"1","page":786},{"text":"تنقض عدتها حتى تضعهما جميعا، واقتضى أيضا أن العدة تنقضي بوضع الحمل، سواء أكان حيا أم ميتا، تام الخلقة أم ناقصها، نفخ فيه الروح أم لم ينفخ.\nوظاهر العموم في قوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أنّ الحرة الأمة في الاعتداد بوضع الحمل سواء، ولا نعلم خلافا في ذلك بين العلماء.\nوَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا أي ومن يخف الله فيأتمر بما أمر به وينته عما نهى عنه يسهّل عليه أمره كله.\nذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ الإشارة إلى ما تقدّم من الأحكام كلّها يقول تعالى ذكره:\nهذا الذي بينت لكم من حكم الطلاق والرجعة والعدة أمر الله أنزله إليكم لتأتمروا له، وتعملوا به وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ يمح ذنوبه من صحائف أعماله، ولا يؤاخذه بها إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١٤] وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ويضاعف له جزاء حسناته، ويجزل له المثوبة على عمله.\nقال الله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ أي أسكنوهنّ بعض مكان سكناكم مِنْ وُجْدِكُمْ بدل: أو عطف بيان لقوله تعالى: مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ. والوجد: الوسع، أي أسكنوهنّ من وسعكم، ومما تطيقونه.\nوظاهر قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ يقتضي وجوب السكنى لكل مطلقة، سواء أكانت رجعية أم بائنا، وسواء أكانت حاملا أم غير حامل.\nوظاهر قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ يقتضي بمنطوقه وجوب النفقة للمطلقات الحوامل، سواء أكنّ رجعيات أم بوائن، وبمفهومه عند القائلين به أنه لا نفقة لغير الحامل، سواء أكانت رجعية أم بائنا.\nوقد أجمع العلماء على أنّ للرجعية السكنى والنفقة، أما السكنى فلقوله تعالى:\nأَسْكِنُوهُنَّ وقوله تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ أما النفقة فلأنّ الرجعية كالزوجة في بقاء حبس الزوج وسلطته عليها، فكان إجماعهم على وجوب النفقة لها، ولو لم تكن حاملا مخصّصا لمفهوم قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ لغير الرجعية عند القائلين بالمفهوم.\nوكذلك على أن للبائن الحامل السكنى والنفقة، لقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ وقوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ.","vol":"1","page":787},{"text":"أما البائن غير الحامل فقد اختلف العلماء في سكناها ونفقتها على ثلاثة أقوال:\nأحدها: وجوب السكنى والنفقة.\nوالثاني: عدم وجوبهما.\nوالثالث: وجوب السكنى دون النفقة.\nفأما وجوب السكنى والنفقة فهو قول عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وكثير من فقهاء الصحابة والتابعين. وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وسائر فقهاء الكوفة:\nاحتجوا لوجوب السكنى بقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ فهو أمر بالسكنى لكل مطلقة. ولوجوب النفقة بأنها جزاء الاحتباس، وهو مشترك بين الحائل والحامل، ولو كان الإنفاق جزاء للحمل لوجب في ماله إذا كان له مال، ولم يقولوا به.\nوقوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ ليس للشرط فيه مفهوم مخالفة، بل فائدته أن الحامل قد يتوهم أنها لا نفقة لها لطول مدة الحمل، فأثبت لها النفقة، ليعلم غيرها بطريق الأولى فهو من مفهوم الموافقة. وقد قال عمر ﵁: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة لا ندري جهلت أم نسيت. يريد قول فاطمة بنت قيس حين طلّقها زوجها البتة: لم يجعل لي رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة.\nوأما القول بأنها لا سكنى لها ولا نفقة فهو مروي عن ابن عباس وأصحابه، وجابر بن عبد الله، وفاطمة بنت قيس من فقيهات نساء الصحابة، وكثير من التابعين، وإليه ذهب إسحاق وداود وأحمد وسائر أهل الحديث، وحجتهم في ذلك حديث فاطمة بنت قيس الذي اتفق على صحته المحدثون.\nأخرج مسلم «١» وغيره عن فاطمة بنت قيس أنّ أبا عمرو بن حفص طلّقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له فقال: «ليس لك عليه نفقة»\nوفي رواية «لا نفقة لك ولا سكنى»\n،\nوفي أخرى للنسائي «٢»\n«إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة» .\nوقالوا: وقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ إنما هو في الرجعيات خاصة، لأنّ الله تعالى ذكر للمطلقات في هذه السورة أحكاما متلازمة، لا ينفك بعضها عن بعض:\nأحدها: أن الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهن.\nوالثاني: أنّهن لا يخرجن.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١١١٤)، ١٨- كتاب الطلاق، ٦- باب المطلقة حديث رقم (١٤٨٠) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١١١٨)، ١٨- كتاب الطلاق، ٦- باب المطلقة، حديث رقم (٤٤/ ١٤٨٠)، والنسائي في السنن (٥- ٦/ ٥١٨- ٥١٩)، كتاب الطلاق، باب الرخصة في خروج المبتوتة، حديث رقم (٣٥٤٧- ٣٥٥١) .","vol":"1","page":788},{"text":"والثالث: أنّ لأزواجهن إمساكهن بالمعروف قبل انقضاء الأجل، أو فرقتهن بالمعروف.\nوالرابع: إشهاد ذوي عدل، وهو إشهاد على ما اختار من الرجعة والفرقة، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك، وأنّه في الرجعيات خاصة بقوله لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا والأمر الذي يرجى إحداثه هاهنا هو المراجعة، كما قال السلف، ثم ذكر سبحانه الأمر بإسكان هؤلاء المطلقات فقال: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ فكان الظاهر من سياق الكلام ونظمه أنّ الضمائر كلها متّحد مفسرها، وأحكامها كلها متلازمة. وكان\nقول النبي ﷺ: «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة»\nمفسّرا لكتاب الله، ومبيّنا للمراد منه، وأنّ الأمر بالإسكان إنما هو في خصوص الرجعيات.\nقالوا: ولو سلمنا أنّ الآية عامة في الرجعيات والبوائن لكان الحديث مخالفا لعمومها، وحينئذ يكون الحديث مخصصا لعموم الآية، فحكمها حكم تخصيص العام من الكتاب بالخاص من السنة، وهو كثير.\nقالوا: وإذا بانت المرأة من زوجها صارت أجنبية، ولم يبق إلّا مجرد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقة كالموطوءة بشبهة أو زنى، ولأنّ النفقة إنما تجب في مقابلة التمكين في الاستمتاع، والبائن لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها، ولأنّ النفقة لو وجبت عليه لأجل عدتها لوجبت للمتوفى عنها من ماله، ولا قائل به.\nوأما القول بأنّ لها السكنى دون النفقة: فهو رأي فقهاء المدينة، وإليه ذهب مالك والشافعي، واحتجوا لوجوب السكنى بظاهر العموم في قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ولعدم وجوب النفقة بحديث فاطمة بنت قيس مع ظاهر قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فإنّ مفهومه أنهنّ إذا لم يكن حوامل لا ينفق عليهن، قالوا: وحديث فاطمة صحيح لا ننكر صحته، ولكنه قد خالف في السكنى ظاهر العموم في قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ ويجب قبيل القول بالتخصيص أو النسخ الجمع بين الحديث والآية ما أمكن. وقد جاء في «الصحيحين» عن عائشة وغيرها أنّ فاطمة كانت امرأة لسنة، وأنها استطالت على أحمائها، فأمرها النبيّ ﷺ بالانتقال من مسكن فراقها.\nوفي «صحيح البخاري» عن عائشة ﵂ أنها قالت: إنّ فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبي ﷺ لها.\nوفي «صحيح مسلم» «١» عن هشام عن أبيه عن فاطمة نفسها قالت: قلت: يا\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١١٢١)، ١٨- كتاب الطلاق، ٦- باب المطلقة حديث رقم (٥٣/ ١٤٨١) .","vol":"1","page":789},{"text":"رسول الله، زوجي طلّقني ثلاثا، وأخاف أن يقتحم علي، قال: فأمرها فتحوّلت. فلما كان من الممكن حمل إسقاط السكنى في الحديث على أنّه كان لاستطالتها على أحمائها، أو لخوفها أن يقتحم عليها، أو لهما معا، تعيّن تأويل الحديث على هذا المعنى، للجمع بينه وبين الآية، وصار المراد من الحديث أنّ النبيّ ﷺ أذن لها في الانتقال لعذر، وهذا لا ينافي وجوب السكنى للمعتدة البائن.\nقال الجصاص «١» في حديث فاطمة بنت قيس: وهذا حديث قد ظهر من السلف النكير على راويه، ومن شرط قبول أخبار الآحاد تعرّيها من نكير السلف اه.\nولما كان هذا ردّا لحديث صححه المحدثون، وأخذ به جمع من الفقهاء والأئمة العارفين بعلل الأحاديث وطرق الجرح والتعديل، أحببنا أن نذكر خلاصة للمطاعن التي وردت على هذا الحديث مع بيان ما فيها.\nروى مسلم في «صحيحه» «٢» عن الأسود بن يزيد أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال- وقد ذكر له قول فاطمة بنت قيس-: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ.\nوروى ابن حزم في «المحلى» والجصاص في «أحكام القرآن» «٣» عن حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان أنه أخبر إبراهيم النخعي بحديث الشعبي عن فاطمة ابنت قيس، فقال له إبراهيم: إنّ عمر بن الخطاب أخبر بقولها فقال: لسنا بتاركي آية في كتاب الله وقول النبيّ ﷺ لقول امرأة لعلها أوهمت! سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«لها السكنى والنفقة» «٤»\n. وفي النسائي «٥» أن الأسود بن يزيد سمع الشعبي يحدّث بحديث فاطمة بنت قيس، فأخذ كفا من حصباء فحصبه وقال: ويلك لم تفتي بمثل هذا؟ قال عمر ﵁: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله ﷺ وإلا لم نترك كتاب ربنا لقول امرأة.\nوروى مسلم في «صحيحه» «٦» أن مروان بن الحكم قال في حديث فاطمة: لم نسمع هذا إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها.\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص (٣/ ٤٦١) .\n(٢) رواه في الصحيح (٢/ ١١١٨)، ١٨- كتاب الطلاق، ٦- باب المطلق حديث رقم (٤٦/ ١٤٨٠) .\n(٣) انظر أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٤٦٠) .\n(٤) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١١١٨)، ١٨- كتاب الطلاق، ٦- باب المطلقة، حديث رقم (٤٤/ ١٤٨٠) .\n(٥) رواه النسائي في السنن (٥- ٦/ ٥١٨)، كتاب الطلاق حديث رقم (٣٥٤٧) . [.....]\n(٦) في الصحيح (٢/ ١١١٨)، ١٨- كتاب الطلاق، ٦- باب المطلقة حديث رقم (٤١/ ١٤٨٠) .","vol":"1","page":790},{"text":"وحاصل هذه المطاعن يرجع إلى أربعة أمور:\nالأول: أنّ راويته امرأة.\nوالثاني: أنّها لم تأت بشاهدين يتابعانها على حديثها.\nوالثالث: أن روايتها تضمنت مخالفة القرآن.\nوالرابع: أن روايتها خالفت السنة.\nفأما أنها امرأة، فإنّ ذلك لا ينبغي أن يعدّ مطعنا، فإن أحدا من أصحاب الجرح والتعديل لم يقل بأنّ الأنوثة من الأمور التي تردّ بها الرواية، ولم يختلفوا في أنّ السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل، وكما أنّ في الرجال عدالة وضبطا كذلك في النساء عدالة وضبط، وكم من سنة تلقتها الأئمة بالقبول عن امرأة، وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس، لا تشاء أن ترى فيها سنة تفرّدت بها امرأة منهنّ إلا رأيتها.\nوأما أنّها لم تأت بشاهدين، فذلك أيضا ليس بجرح ترد له الرواية، ولم يشترط أحد في الرواية نصابا، ولم يكن طلب عمر الشهادة على الرواية وكذلك تحليف عليّ كرّم الله وجهه، إلا تثبتا منهما ﵄، حتّى لا يركب الناس الصعب والذلول في الرواية عن رسول الله ﷺ.\nوقد نقل مثل ذلك عن عمر ﵁ في حديث أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتّى شهد له أبو سعيد الخدري ﵁، وفي حديث المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شهد له محمد بن مسلمة «١» كلّ ذلك كان تثبتا منه ﵁، وتحذيرا من الإكثار في الرواية عن رسول الله ﷺ، لأنّه كان يعتبر الشهادة شرطا في قبول الرواية، وإلا فقد قبل عمر خبر الضحاك بن سنان الكلابي وحده، وقبل لعائشة ﵂ عدّة أخبار تفرّدت بها.\nوأما أن روايتها تضمنت مخالفة القرآن، فقد أجبنا عنه في تقرير مذهب أهل الحديث في سكنى البائن ونفقتها، وحاصله أنّ الآية إما أن تكون خاصّة بالرجعيات كما هو ظاهر السياق، وإما أن تكون عامة في الرجعيات والبوائن.\nفإن كانت خاصة بالرجعيات فلا مخالفة بينها وبين حديث فاطمة، وهو ظاهر، وإليه ذهب الإمام أحمد، ﵀، روى عنه أصحابه أنّه أنكر هذا من قول عمر، وجعل يتبسم ويقول: أين في كتاب الله إيجاب السكنى والنفقة للمطلّقة ثلاثا؟ وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة بنت قيس راوية الحديث، وقالت: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا وأي أمر يحدث بعد الثلاث؟\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٨/ ١٩٠)، ٩٧- كتاب الاعتصام، ١٣- باب ما جاء في اجتهاد القضاء، حديث رقم (٧٣١٧)، ٧٣١٨) .","vol":"1","page":791},{"text":"وإن كانت الآية عامة في الرجعيات والبوائن، فليس هذا أوّل موضع خصّص فيه الكتاب بالسنة، فآية المواريث خصّصت بالسنة الدالة على أن الكافر والقاتل والرقيق لا يرثون، وقوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء: ٢٤] خصّص بقوله ﷺ:\n«لا تنكح المرأة على عمتها» الحديث.\nوأما أنّ روايتها تضمنت مخالفة السنة فلا نجد سنة مخافة لحديث فاطمة، إلا روايتين عن عمر ﵁:\nإحداهما: قوله لا ندع كتاب ربّنا وسنة نبينا، وهذا له حكم المرفوع.\nوالثانية: قوله سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لها السكنى والنفقة» .\nأما الرواية الأولى عن عمر فقد قال فيها الإمام أحمد ﵀: لا يصحّ ذلك عن عمر ﵁ وقال أبو الحسن الدارقطني قوله: «وسنة نبينا» هذه زيادة غير محفوظة، لم يذكرها جماعة من الثقات، بل السنة بيد فاطمة بنت قيس قطعا، ومن له إلمام بسنة رسول الله ﷺ يشهد شهادة الله أنه لم يكن عند عمر ﵁ سنة عن رسول الله أنّ للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة.\nوأمّا الرواية الثانية: فلم يخرّجها فيما نعلم إلا ابن حزم والجصّاص عن حماد عن إبراهيم أنّ عمر إلخ ومعلوم أنّ إبراهيم لم يولد إلا بعد وفاة عمر بسنين، فالخبر منقطع، وقد أنكره علماء الحديث، وصرّح ابن القيم بأنّه مكذوب على عمر، وأنه لو كان هذا عند عمر عن النبي ﷺ لخرست فاطمة وذووها، ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام، فإن كان مخبر أخبر به إبراهيم عن عمر ﵁، وأحسنّا به الظن، كان قد روى قول عمر بالمعنى، وظنّ أن رسول الله ﷺ هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمبتوتة حين قال عمر: لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة.\nوقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران وسعيد بن المسيّب فذكر له ميمون خبر فاطمة بنت قيس فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس.\nفقال له ميمون: لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول الله ﷺ ما فتنت الناس، وإنّ لنا في رسول الله أسوة حسنة اه.\nولا نعلم أحدا من الفقهاء إلّا وقد احتجّ بحديث فاطمة بنت قيس هذا، وأخذ به في بعض الأحكام. وقد ذكر النووي في «شرحه على صحيح مسلم» ستة عشر حكما استنبطها العلماء من هذا الحديث.\nوإذا قد تبيّن أنّ هذه المطاعن مردودة ولم يقدح شيء منها في صحة الحديث لزم القائلين بوجوب السكنى والنفقة للمبتوتة أن يجمعوا بينه وبين الآية ما أمكنهم الجمع، وإلا فالنسخ أو التخصيص.","vol":"1","page":792},{"text":"وقد سلك الجصاص «١» في تأويل الحديث طريقة أقرب إلى الصواب، وأخفّ في الاستهجان من رد الحديث وإنكاره، والطعن فيه بغير مطعن، قال: وللحديث عندنا وجه صحيح يستقيم على مذهبنا فيما روته من نفي السكنى والنفقة، وذلك أنّه قد روي أنها قد استطالت بلسانها على أحمائها، فأمروها بالانتقال، فلما كان سبب النقلة من جهتها، كانت بمنزلة الناشزة، فسقطت نفقتها وسكناها جميعا اه.\nوالخطاب في قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ وقوله تعالى: فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ للأزواج، فاقتضى ذلك بظاهره أنّ السكنى والنفقة إنما تكونان للزوجات المطلقات، لا المتوفى عنهن من الزوجات.\nوقد روى الدارقطني «٢» بإسناد صحيح عنه ﷺ أنه قال: «ليس للحامل المتوفّى عنها زوجها نفقة»\nفالمتوفّى عنها غير الحامل أولى ألا يكون لها نفقة.\nولا نعلم خلافا في ذلك إلا ما روي عن علي وابن مسعود ﵄ أنهما كانا يقولان بوجوب النفقة للمتوفّى عنها من التركة، وظاهر الآية والسنة الصحيحة على خلاف ما يقولان.\nفَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي فإن أرضعن لكم بعد انقضاء عدتهن بوضع حملهن فأدوا إليهنّ أجورهن على الإرضاع، والتزموا ذلك لهن.\nدلّ هذا على أنّ الأمّ إذا رضيت أن ترضع ولدها بأجر المثل، فهي أحقّ به، لوفور شفقتها، فهي أولى بحضانته وإرضاعه من كل أحد، وليس للأب أن يسترضع غيرها حينئذ.\nودلّ على أنّ الأجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل، لا بالعقد، لأنّ الله أوجبها بعد الرضاع، بقوله: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ.\nودلّ أيضا على أنّ نفقة الولد الصغير على أبيه، لأنّه إذا لزمه أجرة الرضاع فكفايته ألزم، ومن ثمّ أجمعوا على ذلك في طفل لا مال له، وألحق به بالغ عاجز كذلك،\nلخبر هند بنت عتبة «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» «٣» .\nوَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ أي ليأمر بعضكم بعضا بجميل في الإرضاع والأجر وغيرهما.\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٤٦٢) .\n(٢) رواه الدارقطني في السنن (٤/ ٢١) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٣٣٨)، ٣٠- كتاب الأقضية، ٤- باب قضية هند حديث رقم (١٧١٤)، والبخاري في الصحيح (٣/ ٢٤)، ٣٤- كتاب البيوع، ٤٤- باب من أجرى أمر الأمصار حديث رقم (٢٢١١) .","vol":"1","page":793},{"text":"وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ أي، وإن ضيّق بعضكم على بعض في الأجرة، أو في الرضاع، كأن تشتطّ الأمّ في الأجرة، أو تأبى الرضاع، أو يشاح الأب في أجرة المثل فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى الكلام على معنى: فليطلب له الأب مرضعة أخرى، وبذلك يظهر الارتباط بين الشرط والجزاء. وإنما اختير ما في النظم الجليل ليكون فيه نوع من المعاتبة للأمّ، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيأبى: سيقضيها غيرك، أي ستقضي وأنت ملوم، ففيه تنبيه على أنّ الأمّ لا ينبغي لها أن تعاسر في رضاع ولدها، فإنّ المبذول من جهتها هو لبنها لولدها، ولبنها غير متموّل، ولا مضنون به في العرف والعادة، وخصوصا من الأم للولد، وليس كذلك المبذول من جهة الأب، فإنّه المال المضنون به عادة، فكانت الأمّ أجدر باللوم، وأحقّ بالعتب.\nودلّ قوله تعالى: وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى على أنّها إذا طلبت أكثر من أجر المثل، فللأب أن يسترضع غيرها ممن يرضى بأجرة المثل، إذا قبل الصبيّ ثدي الأجنبية، ولم يحصل له ضرر بلبنها، وإلا أجبرت الأمّ على إرضاعه بأجرة المثل.\nقال الله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) قدّر الله الرزق: ضيّقه، ولم يبسطه.\nدلت الآية على أنّ نفقة الزوجات والأقارب متفاوتة بحسب اليسار والإعسار.\nولم تقدّر الآية في النفقة شيئا معينا، لا كيلا ولا وزنا، ولا نوعا من الطعام، بل أحالت ذلك على العادة ومتعارف الناس في نفقاتهم، فدلّ ذلك على أنّ النفقة ليست مقدرة شرعا، وإنما تتقدّر بالاجتهاد على مجرى العادة بحسب حال المنفق وكفاية المنفق عليه.\nوأيد ذلك ما أثبت عنه ﷺ من أنه ردّ الأزواج في النفقة إلى المعروف، وهو ما جرى عليه الناس في عرفهم.\nففي «صحيح مسلم» «١» أنه ﷺ قال في خطبة الوداع: «واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف» .\nوفي «الصحيحين» «٢»\nأنّ هند امرأة أبي سفيان قالت له: إنّ أبا سفيان رجل\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٨٨٦)، ١٥- كتاب الحج، ١٨- باب في المتعة بالحج حديث رقم (١٤٦/ ١٢١٨) .\n(٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":794},{"text":"شحيح ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم.\nفقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» .\nولقد جعل رسول الله ﷺ نفقة المرأة مثل نفقة الخادم، وسوّى بينهما في عدم التقدير، وردهما إلى المعروف،\nفقال في الزوجات: «ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف»\nوقال في الخادم: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف» «١»\nولا ريب أنّ نفقة الخادم غير مقدرة، ولم يقل أحد بتقديرها، فكذلك نفقة الزوجة.\nولم يحفظ عن أحد من الصحابة قط تقدير النفقة، لا بمدّ ولا برطل، بل المحفوظ عنهم والذي اتصل به العمل في كل عصر ومصر أنّهم كانوا ينفقون على أهليهم الخبز والإدام من غير تقدير ولا تمليك.\nوصحّ عن ابن عباس في قوله تعالى: مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة: ٨٩] الخبز والزيت. وعن عمر: الخبز والسمن، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون الخبز واللحم، ومثل هذا مرويّ عن عليّ وابن مسعود وابن عمر وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك من الصحابة رضوان الله عليهم، وروي مثله عن كثير من التابعين.\nوبعدم تقدير النفقة قال الجمهور من فقهاء الأمصار.\nوخالف الشافعي وأبو يعلى «٢» فقدّرا نفقة الأزواج، إلا أنّ أبا يعلى قدّرها بالخبز، فجعل الواجب رطلين من الخبز في كل يوم في حق الموسر والمعسر، اعتبارا بالكفّارات، فإنّها لا تختلف قلة وكثرة باختلاف اليسار والإعسار، وإنما تختلف جودة ورداءة، لأنّ الموسر والمعسر سواء في قدر المأكول، وما تقوم به البنية، وإنما يختلفان في جودته، فكذلك النفقة الواجبة.\nوأما الشافعي فإنّه قدرها بالحبّ، فجعل على الفقير مدا، وعلى الموسر مدّين، وعلى المتوسط مدّا ونصفا، قال أصحاب الشافعي: نفقة الزوجات متفاوتة ومقدرة بالمد، ومعينة الجنس وهو الحبّ، فهذه ثلاث دعاوى:\nأما أصل التفاوت فدليله قوله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٢٨٤)، ٢٧- كتاب الأيمان، ١٠- باب إطعام المملوك، حديث رقم (٤١/ ١٦٦٢) .\n(٢) القاضي أبو الحسين بن الفراء البغدادي الحنبلي، كان مفتيا مناظرا عارفا بالمذهب ودقائقه، صلبا في السنة كثير الحط على الأشاعرة توفي سنة (٥٢٦ هـ) انظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد (٢/ ٧٩) .","vol":"1","page":795},{"text":"وأما التقدير بالأمداد وتعيين الحب: فبالقياس على الكفارة، بجامع أنّ كلّا مال وجب بالشرع، ويستقر في الذمة، وأكثر ما وجب في الكفارات لكل مسكين مدان، مثل كفارة الحلق في النسك.\nوأقل ما وجب له مد في كفارة اليمين ونحوه، والمد يكتفي به الزهيد، وينتفع به الرغيب، فلزم الموسر من الأزواج الأكثر، والمعسر منهم الأقل، والمتوسط ما بينهما.\nوأيضا فإنّ النفقة عليهنّ في مقابلة التمتع بهنّ، وشرف القوامة عليهنّ، فاقتضى ذلك تقديرها كما يقدر كل ذي مقابل، وإنما لم تعتبر الكفاية كنفقة القريب لأنّها تجب للمريضة والشبعانة.\nوليس في الآية الكريمة أكثر من الدلالة على أنها متفاوتة، وما اقتضاه حديث هند من تقديرها بالكفاية يجاب عنه بأنّه لم يقدّرها بالكفاية فقط، بل بها بحسب المعروف، وما ذكر من توزيع الأمداد بحسب اليسار والإعسار هو المعروف المستقر في العقول، ولو فتح للنساء باب الكفاية من غير تقدير لوقع التنازع لا إلى غاية، فتعيّن ذلك التقدير اللائق بالعرف.\nقالوا: وقد روي التقدير في الكفارات عن الصحابة، فعن عمر في كفارة اليمين: لكل مسكين صاع من تمر أو شعير، أو نصف صاع من بر. ومثله عن عائشة.\nوعن علي: نصف صاع لكل مسكين.\nوعن زيد بن ثابت: يجزئ لكل مسكين مدّ حنطة، وروي مثله عن ابن عمر، وابن عباس، وابن المسيّب، وابن جبير، ومجاهد، والقاسم، وسالم، وأبي سلمة.\nوقال سليمان بن يسار: أدركت الناس وهم يطعمون في كفارة اليمين مدّا بالمد الأول.\nقالوا:\nوثبت في «الصحيحين» «١» أنّ النبيّ ﷺ قال لكعب بن عجرة في كفارة فدية الأذى: «أطعم ستة مساكين نصف صاع طعاما لكل مسكين»\nفدلّ ذلك على أنّ الإطعام في الكفارات مقدّر بالأمداد من الحبّ المقتات، فجعلنا ذلك أصلا، وعدّيناه إلى نفقة الزوجات لما تقدم.\nومعلوم أنّ الشافعية لم يقولوا بتقدير نفقة الزوجة إلا عند تنازع الزوجين، أمّا إذا تراضيا على أن تأكل من بيته، فأكلت قدر كفايتها، كان ذلك إنفاقا عليها، وليس لها\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ٨٥٩)، ١٥- كتاب الحج، ١٠- باب جواز حلق الرأس حديث رقم (٨٠/ ١٢٠١)، والبخاري في الصحيح (٥/ ١٨٥)، ٦٥- كتاب التفسير، ٣٢- باب (فمن كان منكم مريضا) حديث رقم (٤٥١٧) .","vol":"1","page":796},{"text":"أن تطالبه بنفقة عن المدة التي أكلتها عنده، سواء أأكلت معه أم وحدها، أم أضافها شخص إكراما له، كل ذلك يعتبر إنفاقا عليها، ويسقط نفقتها، لإطباق الناس عليه في زمنه ﷺ وبعده، ولم ينقل خلافه.\nواختار جمع من أصحاب الشافعي أنّ نفقة الزوجات معتبرة بالكفاية لا بالأمداد، لقوة الدليل على ذلك، حتى قال الأذرعي «١»: لا أعرف لإمامنا ﵁ سلفا في التقدير بالأمداد، ولولا الأدب لقلت: الصواب أنها بالمعروف تأسيا واتباعا اه.\nوالمأمور بالإنفاق في قوله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ إلخ الآباء الذين سبق ذكرهم في قوله تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ومن ثمّ كانت الآية أصلا في وجوب النفقة للولد على الأب دون الأمّ.\nودلّ قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ما آتاها على أنّه لا فسخ بالعجز عن الإنفاق على الزوجة، لأنّه قد تضمّن أنه إذا لم يقدر على النفقة لم يكلفه الله الإنفاق في هذه الحال، فلا يجوز إجباره على الطلاق من أجل النفقة، لأنّ فيه إيجاب التفريق لشيء لم يجب عليه، وكذلك قوله تعالى: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا يدلّ على أنه لا يفرّق بينهما من أجل عجزه عن النفقة، لأنّ العسر يرجى له اليسر، كما قال الله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] وبهذا قال أهل الظاهر، وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، وأحد قولي الشافعي رواية عن أحمد ﵏.\nوعلى هذا لا يلزمها تمكينه من الاستمتاع، لأنّه لم يسلم إليها عوضه، كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع لم يجب تسليمه إليه.\nوعلى الزوج تخلية سبيلها، لتكتسب، وتحصل ما تنفقه على نفسها، لأنّ في حبسها بغير نفقة إضرارا بها.\nوالقول بالفسخ مذهب مالك، وأظهر قولي الشافعي، ورواية عن أحمد ﵏، وحجتهم في ذلك خبر الدارقطني والبيهقي في الرجل لا يجد شيئا ينفق على امرأته يفرّق بينهما. قالوا: وقضى به عمر ﵁، ولم يخالفه أحد من الصحابة، وقال ابن المسيّب: إنّه من السنة.\nقالوا: وقد شرع الفسخ بالعنة لإزالة الضرر، والضرر الذي يلحقها بعدم النفقة أشدّ من ضررها بالعنة، فكان الفسخ بالعجز عن النفقة أولى من الفسخ بالعنة.\nوفي تخلية سبيلها للكسب تشويش على الحياة الزوجية، وإخلال بالسكن الذي\n_________\n(١) أحمد بن حمدان أبو العباس شهاب الدين، فقيه شافعي ولد بأذرعات الشام وتفقه بالقاهرة استقر في حلب وتوفي فيها سنة (٧٨٣ هـ) انظر الأعلام للزركلي (١/ ١١٩) .","vol":"1","page":797},{"text":"هو ثمرة الزواج، وما بقاء الزوجية بعد أن خلينا سبيلها، ورفعنا يد الزوج عنها، ولم نلزمها تمكينه من استمتاع بها؟\nوقد تناظر في ذلك مالك وغيره فقال مالك: أدركت الناس يقولون: إذا لم ينفق الرجل على امرأته يفرّق بينهما.\nفقيل له: قد كانت الصحابة ﵃ يعسرون ويحتاجون.\nفقال مالك: ليس الناس اليوم كذلك، إنما تزوجته رجاء اه.\nومعنى كلامه إنّ نساء الصحابة ﵃ كنّ يردن الدار الآخرة وما عند الله، ولم يكن مرادهنّ الدنيا، فلم يكن يبالين بعسر أزواجهن، لأن أزواجهنّ كانوا كذلك، وأما النساء اليوم، فإنما يتزوجن رجاء دنيا الأزواج ونفقتهم وكسوتهم، فالمرأة إنما تدخل اليوم على رجاء الدنيا، فصار هذا المعروف كالمشروط في العقد، وكان عرف الصحابة ﵃ كذلك كالمشروط في العقد، والشرط العرفي في أصل مذهبه كاللفظي.\nوفي المسألة مذهبان آخران:\nأحدهما: أنه إذا أعسر بنفقتها حبس حتى يجد ما ينفقه، وهذا مذهب حكاه الناس عن عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، وهو مذهب غير معقول، لأنّه إذا حبس فمن أين يجد النفقة؟ ولعلّ العنبري من القائلين بالتفريق للإعسار، وأنه يريد أنّ الحاكم إذا أمره بالطلاق فامتنع حبسه حتى يطلّق، أو يظهر له مال، وإلا فالكلام على ظاهره بيّن البطلان.\nوالثاني: أنه لا فسخ، وعليها نفقة نفسها إن كانت غنية، وإن عجز الزوج عن نفقة نفسه أيضا كلّفت المرأة الإنفاق عليه، وهو مذهب ابن حزم، قال في «المحلى»:\nفإن عجز الزوج عن نفقة نفسه وامرأته غنية كلّفت النفقة عليه، لا ترجع بشيء من ذلك إن أيسر. وهذا المذهب مع بطلانه ومخالفته قواعد الشرع وعمل الناس أقرب إلى العقل من مذهب العنبري والله الموفق.\nودلّت الآية أيضا على أنّه ينبغي للإنسان مراعاة حال نفسه في النفقة والصدقة،\nوفي الحديث: «إنّ المؤمن أخذ عن الله أدبا حسنا، إذا هو وسع عليه وسع، وإذا هو قتر عليه قتر» «١» .\n_________\n(١) رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٦/ ٢٣٩) .","vol":"1","page":798},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>من سورة التحريم</span>\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)\nذهب العلماء في سبب نزول الآيتين مذاهب مروية: فروى عكرمة عن ابن عباس أنّها نزلت في الواهبة التي جاءت النبيّ ﷺ فقالت له: إنّي وهبت لك نفسي، فلم يقبلها.\nوقال الحسن وقتادة: بل نزلت في شأن مارية القبطية أمّ إبراهيم، «١» حيث خلا بها النبيّ ﷺ في منزل حفصة، وكانت هذه خرجت إلى منزل أبيها في زيارة، فلما عادت، وعلمت، عتبت على الرسول ﷺ فحرم الرسول ﷺ مارية على نفسه إرضاء لحفصة، وأمرها ألا تخبر أحدا من نسائه، فأخبرت بذلك عائشة، لمصافاة كانت بينهما، فطلّق النبيّ ﷺ حفصة، واعتزل نساءه شهرا، وكان جعل على نفسه أن يحرمهن شهرا، فأنزل الله هذه الآية، فراجع حفصة.\nواستحل مارية، وعاد إلى نسائه.\nوقد اختلف أصحاب هذا القول فيما بينهم: هل كان تحريم مارية بيمين؟\nفقال قتادة والحسن والشعبي: حرمها بيمين.\nوقال غيرهم: حرمها بغير يمين، وهو عن ابن عباس.\nوثالث الأقوال: ما\nثبت في «الصحيح» «٢» عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت: كان النبيّ ﷺ يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها، فتواصيت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له أكلت مغافير، إني أجد منك ريح مغافير- وهو نبت كريه الرائحة- قال: «لا ولكنّي شربت عسلا عند\n_________\n(١) انظر تفسير ابن جرير الطبري، المسمى جامع البيان في تفسير القرآن (٢٨/ ١٠٠) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (٢/ ١١٠٠)، ١٨- كتاب الطلاق، ٣- وجوب الكفارة، حديث رقم (٢٠/ ١٤٧٤)، والبخاري في الصحيح (٦/ ٨١)، ٦٥- كتاب التفسير، ١- باب (يا أيها النبي ...)\nحديث رقم (٤٩١٢) . [.....]","vol":"1","page":799},{"text":"زينب بنت جحش، ولن أعود إليه، وقد حلفت لا تخبري أحدا. يبتغي مرضاة أزواجه» .\nوقد روى مسلم، وأشهب عن مالك أنّ النبي شرب العسل عند حفصة، وروي أنّه كان عند أم سلمة، والأكثر أنّه كان عند زينب بنت جحش، ولعلّ الحادثة تكررت قبل النزول.\nوبعد فيرى ابن العربي «١» أن ما قيل من أنّ الآية نزلت في الواهبة فهو ضعيف من حيث السند، وضعيف من حيث المعنى:\nفأما السند: فرواته غير عدول.\nوأما المعنى: فما يصحّ أن يقال: إن رد النبي ﷺ للهبة كان تحريما، بل هو رفض لها، وللموهوب له شرعا ألا يقبل الهبة.\nوأما ما روي من أنه حرم مارية فهو أمثل في السند وإن قرب من حيث المعنى، لكنّه لم يدوّن في صحيح ولا نقله عدل. قال ابن العربي: إنما الصحيح أنّه كان في العسل، وأنّه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة، وجرى ما جرى، فحلف ألّا يشرب، وأسرّ ذلك، ونزلت الآية في الجميع.\nوبعد، فقد اختلف العلماء في أنّ تحريم النبي ﷺ ما حرّم أكان بيمين، أم لم يصحبه يمين، وقد جرى بناء على ذلك خلاف بين العلماء في أنّ الرجل إذا حرّم شيئا ولم يحلف أيكون ذلك يمينا، فيجب فيه ما يجب في اليمين، أم لا يكون؟ وتشعبت أطراف الخلاف بينهم إلى حدّ كبير، سنقفك على شيء منه بعد التفسير.\nلِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ أي لم تمنع نفسك من شيء أباح الله لك الانتفاع به تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ الابتغاء: الطلب، والجملة حال من فاعل تحرّم. فيكون قيدا للعامل. وقد قال العلماء: إنّ العتاب موجّه إلى هذا القيد، لأنّ الكلام إذا كان مقيّدا بقيد إثباتا أو نفيا، فالنظر فيه إلى القيد، ولا مانع من أن يكون العتاب موجها إلى المقيّد مع قيده.\nويرى البعض أنّ الجملة استئناف، وذلك أنّ الاستفهام ليس على حقيقته، بل هو معاتبة على أنّ التحريم لم يكن عن باعث صحيح، وحينئذ\n_________\n(١) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٨٣٣) .","vol":"1","page":800},{"text":"يكون الاستفهام منشأ لأن يسأل فيقال: وما ينكر منه في التحريم وقد كان الأنبياء يحرّمون كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ [آل عمران: ٩٣] فقيل في جواب هذا السؤال: تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ فكأنّ التحريم لم ينكر لذاته، وإنّما لما اشتمل عليه من الحرص على مرضاة الأزواج، ومثل النبيّ ﷺ أجلّ من أن يقدم على ما يقدم عليه، ويمتنع عما يمتنع منه تبعا لإرضاء النساء.\nوَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ إنّ النبي ﷺ لم يقارف ذنبا، والذي كان منه إنما هو خلاف الأولى، فالإتيان بالغفران والرحمة هنا تكريم للنبيّ ﷺ، حيث جعل ما لا يعدّ ذنبا كأنه ذنب، ولا يكون ذلك إلا لمن سمت منزلته.\nوقد رأيت أنّا فسرنا التحريم هنا بالامتناع، وامتناعه عن شرب العسل أو غيره إنما كان كامتناعه عن أكل الضب، وهو بهذه المثابة لا شيء فيه، وإنما عوتب من أجل أنّ الباعث كان الحرص على مرضاة الأزواج.\nوقد أراد الزمخشريّ «١» أن يقول: بل هو قد قال: إنّ الذي وقع هنا هو أنّ النبيّ ﷺ حرّم من عند نفسه ما أحل الله، فيكون قد غيّر الحكم ابتغاء مرضاة الأزواج فآخذه الله به، وأنكره عليه، وغفر له ما وقع منه من الزلة، وقد شنع العلماء على الزمخشري في قوله هذا.\nوذلك أن تحريم الحلال ينتظم معنيين:\nفقد يراد منه اعتقاد حكم التحريم فيما جعله الله حلالا، وذلك تغيير لحكم الله، وتبديل له على نحو الذي كان من الكفار من تحريمهم البحائر والسوائب والوصائل وغيرها، وكقولهم: هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ [الأنعام: ١٣٨] وعلى نحو ما حكى الله عنهم في قوله: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النحل: ٣٥] وتحريم الحلال بهذا المعنى كفر لا يكون إلا من الكافرين.\nوالمعنى الثاني: الامتناع من الحلال امتناعا مطلقا، أو مؤكّدا باليمين مع اعتقاد حل الفعل الذي امتنع منه، وهذا شيء لا خطر فيه، ولا شيء، وقد امتنع النبيّ ﷺ من أكل الضب،\nوقال: «إنّه لم يكن بأرض\n_________\n(١) انظر كتاب الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للزمخشري (٤/ ٥٦٤) .","vol":"1","page":801},{"text":"قومي» «١»\n. والذي وقع من النبيّ ﷺ كان من هذا النوع، وإنما عوتب على ما صاحب الامتناع من الحرص على مرضاة الأزواج، خصوصا بعد المظاهرة التي كانت منهنّ، ومرضاة مثل هؤلاء ينبغي ألا يحرص عليها.\nوقد اعتذر بعض العلماء عن الزمخشري، وأوّل كلامه.\nقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ الفرض: التقدير، والمراد منه هنا: جعل تحلة اليمين شريعة، والمراد من التحلة الكفارة، والتحلة مصدر حلّل، كالتكرمة مصدر كرّم، وهو مصدر غير قياسي، إذ المصدر القياسي في كلّ منهما: التحليل والتكريم.\nوأصله من الحلّ ضدّ العقد، وذلك أنّ من حلف على شيء فكأنّه قد عقد عليه، لأنّه التزمه. وقد جعل الله الكفارة حلّا لهذا الالتزام.\nوَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ هو سيدكم، ومتولي أموركم، وهو العليم بشأنكم، يعلم ما فيه مصلحتكم، فيشرع لكم ما تقضي به هذه المصلحة، وهو الحكيم الذي لا يصدر عنه إلا كل متقن محكم.\nاختلف العلماء في أنّ التحريم الذي كان من النبي ﷺ هل كان مقترنا بيمين، وظاهر الآية قد يؤيّد القول بالإيجاب، لقوله تعالى: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ إذ هو مشعر بأن ثمة يمينا تحتاج إلى التحلة، وقد جاء في بعض الروايات ما يؤيده.\nواختلفوا أيضا في أنّ النبيّ ﷺ أعطى كفارة، أو لم يفعل.\nوقد ذهب الحسن إلى أنه لم يعط كفارة، ويقول في التوجيه: إن النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو توجيه لا يخلو من شيء، وقد نقل عن الإمام مالك ﵀ في «المدونة» أنّه أعطى الكفارة.\nوقد اختلف العلماء بعد ذلك في الرجل يحرّم شيئا، كأن يقول لزوجته: أنت عليّ حرام، أو الحلال عليّ حرام، ولم يستثن شيئا.\nويقول ابن العربي «٢»: بأنّ للعلماء في تحريم الرجل لزوجته خمسة عشر قولا، يجمعها ثلاثة مقامات:\nالمقام الأول: في جمع الأقوال.\nالثاني: في التوجيه.\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٣/ ١٥٤٣)، ٣٤- كتاب الصيد، ٧- باب إباحة الضب حديث رقم (٤٣/ ١٩٤٥)، والبخاري في الصحيح (٦/ ٢٨٨)، ٧٢- كتاب الذبائح، ٣٣- باب النصب حديث رقم (٥٥٣٧) .\n(٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٨٣٥) .","vol":"1","page":802},{"text":"المقام الثالث: في عد الصور في ذلك.\nونحن نقتصر هنا على جمع الأقوال، ونترك المقامين الآخرين إلى الفقه وعلم الخلاف، فإنّ الآية لا تحتمل كلّ ما قال الفقهاء.\nالقول الأول: روي عن أبي بكر وعائشة والأوزاعي أنّ تحريم الزوجة يمين تلزم فيها الكفارة.\nالقول الثاني: قال ابن مسعود: ليس تحريم الزوجة بيمين، وتلزم فيه الكفارة.\nالقول الثالث: قال عمر بن الخطاب: إنّ تحريم الزوجة طلقة رجعية، وهو رأي الزهري.\nالقول الرابع: أن تحريم الزوجة ظهار، وهو رأي عثمان البتي وأحمد بن حنبل.\nالقول الخامس: قال حماد بن سلمة «١»، وهو رواية عن مالك: أنه طلقة بائنة.\nالقول السادس: أنّه ثلاث تطليقات، وهو مروي عن علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبي هريرة، ومالك.\nالقول السابع: قال أبو حنيفة: إن نوى الطلاق أو الظهار كان ما نوى، وإلّا كانت يمينا، وكان الرجل موليا من امرأته.\nالقول الثامن: قال ابن القاسم «٢»: إنّ من حرّم زوجته لا تنفعه نية الظهار، وإنما يكون طلاقا.\nالقول التاسع: قال يحيى بن عمر «٣»: يكون طلاقا، فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها حتى يكفّر كفارة الظهار.\nالقول العاشر: هو ثلاث قبل الدخول وبعده، لكنه ينوي في التي لم يدخل بها إذا قال: نويت الواحدة، وهو عن مالك وابن القاسم.\nالقول الحادي عشر: هو ثلاث، ولا ينوي بحال، ولا في محل، قال ابن العربي هو قول عبد الملك في «المبسوط» .\n_________\n(١) ابن دينار البصري أبو سلمة، مفتي البصرة، وأحد رجال الحديث ومن النحاة كان حافظا ثقة مأمونا، وكان إماما في العربية، شديدا على المبتدعة، انظر الأعلام للزركلي (٢/ ٢٧٢) .\n(٢) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي المصري أبو عبد الله، فقيه، ولد في مصر سنة (١٩١ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٣/ ٣٢٣) .\n(٣) يحيى بن عمر بن يوسف بن عامر الكناني الأندلسي أبو زكريا فقيه مالكي عالم بالحديث نشأ بقرطبة، وسكن القيروان توفي سنة (٢٨٩ هـ) انظر الأعلام للزركلي (٨/ ١٦٠) .","vol":"1","page":803},{"text":"القول الثاني عشر: هو في التي لم يدخل بها واحدة، وفي التي دخل بها ثلاث، وهو رأي أبي مصعب، ومحمد بن عبد الحكم.\nالقول الثالث عشر: أنّه إن نوى الظهار- وهو أن ينوي أنّها محرمة كتحريم أمه- كان ظهارا، وإن نوى تحريم عينها بجملته بغير طلاق تحريما مطلقا وجبت كفارة يمين، وإن لم ينو شيئا فعليه كفارة يمين، وهو عن الشافعي.\nالقول الرابع عشر: أنّه إن لم ينو شيئا لا يلزمه شيء.\nالقول الخامس عشر: أنّه لا شيء عليه أصلا، قاله مسروق، وربيعة من أهل المدينة.\nوبعد فإنّك ترى أنّ الآية الكريمة ليس فيها أكثر من أنّ الله سبحانه عاتب نبيّه على أنّ منع نفسه شيئا أباحه الله له، والظاهر أنّ هذا المنع كان مصحوبا باليمين، فقال الله: لا تمتنع، وكفّر عن يمينك بالتحلة، وإذا جرينا على ما هو الصحيح من أنّ الحادثة كانت في شرب العسل ازددت يقينا بأنّ كلّ هذه الأقوال التي قبلت في تحريم الزوجة من غير يمين تحتاج إلى أدلتها من غير الآية، فلتطلب في أماكنها، والله المستعان، وبه التوفيق.","vol":"1","page":804},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>من سورة المزمل</span>\nقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)\nقال الحسن وعكرمة وعطاء وجابر: إنّ هذه السورة مكية كلّها. وحكى الأصبهاني أنّها مكية ما عدا الآيتين: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ. وهو مروي عن ابن عباس ﵄.\nوهناك قول ثالث: أنها مكية ما عدا قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ ...\nوقد اعترض السيوطي في «الإتقان» على الأخير بأنه يرده ما أخرجه الحاكم عن عائشة ﵂ أنّ قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ إلخ قد نزل بعد نزول صدر السورة بسنة، لما كان قيام الليل فرضا في أول الإسلام قبل أن تفرض الصلوات الخمس. يعني: وإذا كانت الصلوات الخمس قد شرعت في مكة قبل الهجرة بسنة، وقد تمّ بفرضيتها نسخ ما كان قبلها من فرض القيام، ظهر أنّ آخر المزمل من المكي.\nولعلك تختار القول الأول لما أورده السيوطي على الأخير، ولأنّ أمر الرسول ﷺ بالصبر على أذى الكفار، والإعراض عنهم، وهجرهم، إنما كان في أول الإسلام، قبل أن يكثر أنصار الدعوة الإسلامية، وقبل أن يأذن الله تعالى للمؤمنين المظلومين أن يدفعوا عن أنفسهم بالقوة. على ما يدل عليه الاستقراء، وتتبع موارد الآيات القرآنية التي تأمر بمثل ما ورد في آيتي وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ والتي بعدها.\nيا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) المزّمل بتشديد الزاي والميم: اسم فاعل من تزمّل، وأصله المتزمل، فأدغمت التاء والزاي، ومعناه: المتلفف في ثيابه، ومنه قول ذي الرّمة:\nوكائن تخطت ناقتي من مفازة ... ومن نائم عن ليلها متزمل\nوقرأه أبيّ على الأصل. كما قرئ بتخفيف الزاي، على أنه اسم فاعل أو اسم مفعول.\nوقد اختلف المفسرون في سبب تزمّله ﵊، فقيل: إنه كان نائما بالليل متزمّلا في قطيفة، أو أنه يريد فتلفّف بالقطيفة، فجاءه الملك بنداء الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) إلخ ليدع النوم، ويقوم لما هو أهم، وينهض لعبادة الله في","vol":"1","page":805},{"text":"ناشئة الليل، فإنها خير معين له على تحمّل ما سيرد عليه من الوحي، وما سيلقى عليه من القول الثقيل. وقيل: إنّ تزمّله ﵊ كان لأسفه وحزنه لما بلغه ما كان من المشركين، وما دبّروه من القول السيئ، يدفعون به دعوته. فقد أخرج البزار والطبراني في «الأوسط» وأبو نعيم في «الدلائل» عن جابر ﵁ قال:\nاجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسما تصدّوا الناس عنه.\nفقالوا: كاهن. قالوا: ليس بكاهن، قالوا: مجنون. قالوا: ليس بمجنون، قالوا:\nساحر، قالوا: ليس بساحر. قالوا: يفرّق بين الحبيب وحبيبه، فتفرّق المشركون على ذلك. فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فتزمل في ثيابه، وتدثّر فيها، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) .\nوقد يساعد هذا القول ما ورد في السورة من قوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) على القول بأنّ هاتين الآيتين من المكي، وأنهما نزلتا مع الآيات السابقة.\nغير أنّه يقال: إذا كان هذا هو سبب التزمل، وأنه من أجله أمر النبيّ ﷺ في هذه السورة أن يهجر أولئك، ويصبر عليهم، ولا يأبه لقولهم، فما السبب في أنه لم تذكر الآيتان وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وما بعدها عقب النداء؟ ولماذا فصل بين ذلك بالأوامر الأولى المتعلقة بقيام الليل والذكر والترتيل؟\nوالجواب: أنه لا شك أنّ هذه العبادات تقوّي قلبه ﵊، وتثبّت فؤاده، وتعينه على الصبر والاحتمال والإغضاء عن السوء من أقوال الكافرين.\nوقيل: إنّ السبب هو ما\nورد في حديث جابر المشهور «١» على ما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم أن رسول الله ﷺ قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي، فلم أر شيئا، فرفعت رأسي، فإذا الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض، فجثثت- بمثلثتين مبنيا للمجهول، فزعت- منه رعبا، فرجعت، فقلت: دثروني، دثروني»\nوفي رواية: فجئت أهلي، فقلت:\nزمّلوني زمّلوني، فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) .\nوجمهور العلماء يقولون: وعلى إثرها نزلت يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) وعلى هذا يكون\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ١٤٣)، ١- كتاب الإيمان، ٧٣- باب بدء الوحي حديث رقم (١٦١)، والبخاري في الصحيح (٦/ ٩٧)، ٦٥- كتاب التفسير، حديث رقم (٤٩٢٢)، والترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٣٩٩)، كتاب التفسير، باب ومن سورة المدثر حديث رقم (٣٣٢٥)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٠٦) .","vol":"1","page":806},{"text":"سبب التزمل هو ما عراه ﷺ من الرعب والفزع عند رؤية الملك، وتكون حادثة التزمل هي حادثة التدثر بعينها، أما على القولين الأولين فيصحّ أن يكون السبب واحدا أيضا، كما يصحّ أن يكون مختلفا.\nوالحكمة في ندائه ﵊ بوصف التزمل هو إرادة ملاطفته وإيناسه، على نحو ما كان عليه العرب في مخاطباتهم في مثل هذه الحالة، ومن ذلك\nقول النبي ﷺ لعلي لما غاضب فاطمة، وكان نائما قد لصق بجبينه التراب فقال له:\n«قم أبا ترب» «١» .\nقُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ المراد من قيام الليل صلاة التهجد، وذلك بتقدير الصلاة، أي انهض لصلاة الليل، أو بتضمين (قم) معنى صل.\nوقد أعرب بعض المفسرين: (الليل) ظرفا لفعل القيام، جريا على مذهب البصريين الذين يجوّزون في مثله أن يكون ظرفا، ولو استغرقه الحدث، كما هنا، فإنّ المعنى على إرادة جميع أجزاء الليل حتى يصحّ الاستثناء بقوله: إِلَّا قَلِيلًا فإنّ الاستثناء معيار العموم.\nأما على رأي الكوفيين الذين يمنعون ذلك فنصب الليل يكون من قبيل النصب على المفعولية.\nومعنى قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) انهض للصلاة مستغرقا بها الليل إلا جزءا قليلا منه، ونِصْفَهُ بدل كل من الليل بعد مراعاة الاستثناء، فكأنه قيل: قم نصف الليل، ويصحّ أن يكون بدلا من قَلِيلًا والأمران في قوله تعالى: أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ معطوفان على الأمر الأول. والضميران في (منه) و(عليه) عائدان على الليل بعد مراعاة الاستثناء، والإبدال أيضا. ويصحّ أن يعود على (نصفه) والمآل واحد.\nوحاصل المعنى أنه ﷺ مأمور بأن يقوم من الليل للتهجد، وأنّ الله خيّره أن يقوم نصف الليل، وأن ينقص من النصف مقدارا قليلا، وأن يزيد على ذلك النصف، ولم تقيد الزيادة على النصف بالقلّة، كما قيّد النقص بها، لأنّ الزيادة الكثيرة لا تخلّ بالأمر، بل فيها زيادة برّ وعمل صالح. أمّا النقص الكثير عن النصف فعلى خلاف ذلك، إذ إنّه مخلّ بالمطلوب.\nهذا وقد قال العلماء: إنّه في حالة النقص عن النصف لا يتحقق الوفاء إلا إذا كان النقص لا يبلغ الربع، وهو ظاهر، إذ لا يقال في الاستعمال العربي لمن اقتصر على الربع إنه أنقص من النصف قليلا- ومن العلماء من قال: إنّ القليل هو ما دون\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ١٨٧٤)، ٤٤- كتاب فضائل الصحابة ٤- باب من فضائل علي حديث رقم (٣٨/ ٢٤٠٩) .","vol":"1","page":807},{"text":"السدس، فإذا بلغ النقص السدس، أو تجاوزه كان كثيرا مخلّا بالوفاء.\nلكنه يقال: كيف يكون النصف بدل كلّ من الليل الذي استثنى منه القليل؟\nوكيف يكون نصف الشيء مطابقا له مع استثناء جزء قليل منه؟\nوأجاب المفسرون بأنّه لزيادة الاعتناء بالنصف المقارن للتهجد، وتفضيله بالصلاة فيه على النصف الآخر الخالي من الصلاة، جعل هو أغلب الليل وأكثره، وإن كان في الحقيقة نصفه.\nظاهر توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ وأمره بقيام الليل مع ندائه بالوصف الخاصّ به- وهو التزمل- أنّ التهجد كان فريضة عليه، وأنّ فرضيته كانت خاصة به. وإلى هذا ذهب جمع من العلماء، قالوا: وهو الذي يدلّ عليه قوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [الإسراء: ٧٩] فإنّ قوله: نافِلَةً لَكَ بعد الأمر بالتهجد ظاهر في أن الوجوب من خصائصه ﵊، وليس معنى النافلة في هذه الآية ما يجوز فعله وتركه، فإنّه على هذا الوجه لا يكون خاصا به ﵊، بل معنى كون التهجد نافلة له ﷺ أنّه شيء زائد على ما هو مفروض على غيره من الأمة.\nوذهب جماعة آخرون إلى أنّ وجوب التهجد كان ثابتا في حقّ الأمة أيضا، مستندين إلى قوله تعالى في آخر السورة التي معنا إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ إلخ. فإنه يدلّ على أنّ الصحابة كانوا يقومون من الليل كما كان يقوم النبي ﷺ أدنى من ثلثيه ونصفه وثلثه، وإنه قد خفّف الله عنهم جميعا بأمرهم بالقيام على حسب ما يتيسر لهم، قالوا: ويشهد لهذا ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنّه كان يقول:\nأوّل ما نزل أول المزمل، كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنة «١» .\nوما رواه ابن جرير «٢» عن أبي عبد الرحمن أنه قال: لما نزلت يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قاموا حولا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، حتى نزلت (فاقرءوا ما تيسر منه) قال:\nفاستراح الناس.\nوما أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» «٣» عن سعيد بن هشام أنه سأل عائشة ﵂ عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: ألست تقرأ هذه السورة: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)؟\n_________\n(١) رواه أبو داود في سننه (١/ ٤٨٧)، كتاب الصلاة، باب نسخ قيام الليل، حديث رقم (١٣٠٥) .\n(٢) في تفسيره جامع البيان، المشهور بتفسير الطبري (٢٩/ ٧٩) .\n(٣) رواه الإمام أحمد في المسند (٦/ ٥٤) .","vol":"1","page":808},{"text":"قال: بلى. قالت: فإنّ الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فرضيته.\nوقال بعض الناس: إنّ التهجد لم يكن مفروضا لا على النبي ﷺ، ولا على أحد من أمته، واحتجّوا على ذلك بما يأتي:\n١- ظاهر قوله تعالى في سورة الإسراء نافِلَةً لَكَ [الإسراء: ٧٩] فإنه يفيد أنّ التهجد زيادة لم تتعلق بها الفرضية، وقد علمت ردّه فيما سبق.\n٢- أنّ الأمر في قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ وقوله جلّ شأنه: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ لا يفيد الوجوب، وحمله على الندب أولى، لأنّا وجدنا أوامر الشريعة تارة تفيد الوجوب، وتارة تفيد الندب، فينبغي حمل ما يرد منها على القدر المشترك بينهما، وهو ترجيح جانب الفعل على جانب الترك، دفعا للتجوّز والاشتراك اللفظي وإذا كان الأمر كذلك كان الثابت معنى الندب، لأن تمام معنى الواجب- وهو عدم جواز الترك- لا بدّ له من دليل آخر، كالتوعد على الترك، أو قرينة أخرى تدل على ذلك، وهو غير متوفّر في الأمرين السابقين، فبقي الترك على أصله، وهو الجواز.\nوالجواب يعلم مما تقرر في علم الأصول، وهو أنّ المختار في الأوامر حملها على الإلزام، إلا أن يصرف عن ذلك صارف، وهو مذهب الجمهور.\n٣- أنه تعالى ترك تقدير قيام الليل إلى النبيّ ﷺ، وخيّره بين أن يقوم نصف الليل، أو يزيد عليه، أو ينقص منه، ومثل هذا لا يكون في الواجبات، فإنّ الشأن فيها أن تعيّن وتحدّد مقاديرها، كما في المكتوبات.\nوالجواب: أنه لا مانع من ذلك. وقد عهد في الشريعة أن يفرض الله على المكلف أحد أمور معينة، بحيث لا يجوز له الإخلال بها جميعا، ثم إذا فعل واحدا منها كان قائما بما وجب عليه، فيكون قيام الليل مفروضا، بحيث لا ينقص كثيرا عن النصف، فإذا قام المكلف في الليل قريبا من نصفه فقد حصل الواجب، وإذا زاد إلى النصف أو أكثر منه كان محصّلا للواجب من باب أولى.\nوبعد فهذه أقوال ثلاثة قد عرفت مآخذها، وعرفت الردّ على ما استدل به أصحاب القول الثالث.\nأما ما استند إليه أصحاب القول الأول فيمكن الجواب عنه بأنّ توجيه الخطاب إلى النبيّ ﷺ وحده لا يقتضي تخصيصه بما ورد بعده من الأوامر، فإنّه ﵊ نبيّ متبوع، وخطابه يتناول أمته، كما هو معروف في الأصول، إلّا أن يقوم دليل على الخصوص.","vol":"1","page":809},{"text":"أما آية الإسراء: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [الإسراء: ٧٩] فهي مدنية متأخّرة في النزول عن سورة المزمّل فيصح أن يكون التهجد قد بقي وجوبه على رسول الله ﷺ بعد ما نسخ عن أمته، ويكون معنى الآية: استمر على التهجد بالليل فريضة زائدة لك على ما استقرّ وجوبه على أمتك.\nوالذي يستخلص من ذلك أنّ أرجح الأقوال هو الثاني، وهو القول بأنّ التهجد كان فريضة على النبيّ ﷺ وعلى أمته، إذ هو الذي يمكن أن تأتلف عليه النصوص القرآنية السابقة. ويشهد له ما تقدّم من الآثار عن ابن عباس وعائشة وغيرهما.\nوننتقل بعد ذلك إلى الكلام في بقاء وجوب التهجد وعدمه، وفي تعيين الناسخ على القول بعدم البقاء.\nوللعلماء في ذلك أربعة أقوال:\nالأول: نقل عن الحسن وابن سيرين وابن جبير ما يفيد القول ببقاء وجوب التهجد على الناس جميعا، وأنّ أصل وجوب القيام لم ينسخ، وإنما الذي نسخ هو وجوب قيام جزء مقدّر من الليل لا ينقص كثيرا عن النصف على ما علمت. وهذا قول يخالف ما روي عن عائشة ﵂ على ما سبق، وكذلك يخالف ما روي عن ابن عباس أنّه قال: سقط قيام الليل عن أصحاب رسول الله ﷺ، وصار تطوعا، وبقي بعد ذلك فرضا على رسول الله ﵊.\nويردّه أيضا ما\nثبت في «الصحيحين» «١» أنّ رسول الله ﷺ قال للرجل الذي سأله عما يجب: «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوّع» .\nالقول الثاني: أنّه نسخ عن النبي ﷺ وعن أمته بآخر سورة المزمّل، واستبدل به قراءة القرآن على ما يعطيه ظاهر قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: ٢٠] .\nويدل عليه أيضا ظاهر ما روي عن عائشة ﵂ كما تقدم فإنّ قولها:\nفصار قيام الليل تطوعا، لم تقيده بالأمة.\nالقول الثالث: أنّ وجوب التهجد استمر على النبي وعلى الأمة، حتى نسخ بالصلوات الخمس ليلة المعراج.\nالقول الرابع: أنّه نسخ عن الأمة وحدها، وبقي وجوبه على رسول الله ﷺ على ما يعطيه ظاهر آية الإسراء [٧٩] .\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٤٠)، ١- كتاب الإيمان، ٢- باب بيان الصلوات حديث رقم (٨/ ١١)، والبخاري في الصحيح (١/ ٢٠)، ٢- كتاب الإيمان، ٣٥- باب الزكاة من الإسلام حديث رقم (٤٦) .","vol":"1","page":810},{"text":"ولعلّ الراجح هو هذا القول الأخير، كما أنّ الظاهر أنّ نسخ التهجد لم يحصل دفعة واحدة، فإنّ آخر سورة المزمل يفيد نسخ المقدار الذي بيّن في أولها، ولا يلزم من هذا نسخ وجوب التهجد من أصله، وكان بين آخر السورة وأولها نحو عام، كما ورد في الآثار السابقة.\nأما النسخ أصل الوجوب فإنه كان بافتراض الصلوات الخمس ليلة المعراج، وكان ذلك قبل الهجرة بعام.\nوالظاهر أيضا أنّ هذا كله بالنظر للأمة، فأما النبي ﷺ فإنّ آية الإسراء المدنية تدلّ على أنّ وجوب التهجد قد بقي عليه من بعد هذا، وأنّه استمر وجوبه عليه لم ينسخ إلى آخر حياته ﵊ لعدم ما يدلّ على ذلك النسخ، وهذا هو الذي يشهد له ما تقدّم لك عن ابن عباس أنه يقول: سقط قيام الليل عن أصحاب رسول الله ﷺ وصار تطوعا، وبقي ذلك فرضا على رسول الله ﵊.\nويشهد له أيضا ما صحّ أنه ﷺ لم يدع قيام الليل حضرا ولا سفرا، وأنه كان إذا شغله عن قيام الليل نوم أو وجع صلّى من النهار اثني عشر ركعة. كما ورد عن عائشة في حديثها مع سعيد بن هشام وقد تقدم بعضه. فإنّ مواظبة الرسول ﷺ على قيام الليل في الحضر والسفر، وقضاءه ما فاته من ذلك بعذر النوم أو المرض دليل على استمرار فرضية القيام عليه ﷺ.\nوَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا تقول العرب: ثغر رتل ورتل بالفتح والكسر، إذا كان مفلّجا أو حسن التنضيد، وفي «القاموس»: الرتل محركة: حسن تناسق الشيء، وفيه أيضا:\nورتل الكلام ترتيلا: أحسن تأليفه. وترتّل فيه ترسّل.\nأما أقوال أهل التفسير: فعن ابن عباس أنّ معنى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا بيّنه تبيينا وعن مجاهد: ترسّل فيه ترسلا. وقال قتادة: تثبّت فيه تثبتا. وكلها تدور حول شيء واحد، والمراد: اقرأه في قيامك بالليل على مهل، وتبيّن حروفه، فإنّ ذلك يكون عونا لك ولمن يسمع منك على فهمه وتدبر معانيه.\nأخرج العسكري في «المواعظ» عن عليّ كرّم الله وجهه أنّ رسول الله ﷺ سئل عن هذه الآية فقال: «بيّنه تبيينا، ولا تنثره نثر الدقل، ولا تهذّه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحرّكوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة» «١»\nالدقل بفتح القاف:\nرديء التمر ويابسه. والهذّ: الإسراع، ولقد كان رسول الله ﷺ يقرأ قراءة مرتّلة مفسّرة حرفا حرفا، وكان يقطّع قراءته آية آية، ويمد حروف المد.\n_________\n(١) انظر ما رواه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٦/ ٢٧٧) . [.....]","vol":"1","page":811},{"text":"روى ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أمّ سلمة ﵂ أنّها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: كان يقطّع قراءته آية آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) رواه أحمد وأبو داود والترمذي «١» .\nوأخرج البخاري «٢» عن أنس أنّه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: كانت مدّا، ثم قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) يمد بِسْمِ اللَّهِ ويمد الرَّحْمنِ ويمد الرَّحِيمِ.\nوعلى هذا فليس لأحد من الناس مخالفة في أنّه يقرأ القرآن بترتيل وتبيين حروف، وتحسين مخارج، وإظهار مقاطع، إنما الكلام في التغني به وتلحينه.\nوقد اختلف في ذلك علماء السلف والخلف، فقال بكراهته أنس بن مالك، وسعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، والإمامان مالك وأحمد.\nوروي عن ابن المسيب أنّه سمع عمر بن عبد العزيز يؤم الناس فطرب في قراءته، فأرسل إليه سعيد يقول: أصلحك الله إنّ الأئمة لا تقرأ هكذا. فترك عمر التطريب بعد.\nوروي عن القاسم أنّ رجلا قرأ في مسجد النبي ﷺ فطرب فأنكر ذلك القاسم، وقال: يقول الله ﷿: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ.\nوروى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن الألحان في الصلاة؟ فقال: لا تعجبني، وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم.\nوروي عن أحمد أنّه كان يقول في قراءة الألحان: ما تعجبني، ويقول: القراءة بالألحان بدعة لا تسمع.\nوعن عبد الله بن يزيد العكبري قال: سمعت رجلا يسأل أحمد: ما تقول في القراءة بالألحان؟ فقال له: ما اسمك؟ قال: محمد. قال له: أيسرك أن يقال لك:\nموحامد، ممدودا؟\nوأجاز القراءة بالألحان عمر بن الخطاب، وابن عباس وابن مسعود\n_________\n(١) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ١٧٠)، كتاب التفسير، تفسير فاتحة الكتاب حديث رقم (٢٩٢٧)، وأبو داود في السنن كتاب القراءات حديث رقم (٤٠٠١)، وأحمد في المسند (٦/ ٣٠٢) .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ١٣٦)، ٦٦- كتاب فضائل القرآن، ٢٩- باب مد القراءة حديث رقم (٥٠٤٦) .","vol":"1","page":812},{"text":"وعبد الرحمن بن الأسود بن زيد والإمامان أبو حنيفة والشافعي، واختاره أبو جعفر الطبري وأبو بكر بن العربي.\nفعن عمر بن الخطاب فيما رواه الطبري أنه كان يقول لأبي موسى: ذكّرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن، فيقول عمر: من استطاع أن يتغنّى بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل.\nوابن مسعود كانت تعجبه قراءة علقمة الأسود- وكان حسن الصوت- فكان يقرأ له علقمة، فإذا فرغ قال له: زدني فداك أبي وأمي.\nوعن عطاء بن أبي رباح قال: كان عبد الرحمن بن الأسود يتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان.\nوروى الطحاوي أنّ أبا حنيفة كان يستمع القرآن بالألحان، كما روي أنّ الشافعي كان كذلك.\nهذا هو المأثور عن الأئمة والعلماء في قراءة التلحين والتطريب، والنظر بعد ذلك في أدلتهم.\nاستدل المجيزون بما يأتي:\n١-\nما أخرجه أبو داود والنسائي عن البراء بن عازب أنّ رسول الله ﷺ قال: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» «١» .\n٢-\nوما أخرجه مسلم من قوله ﷺ: «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» .\n٣-\nوما في «البخاري» «٢» عن عبد الله بن مغفّل قال: قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته فرجّع في قراءته.\n٤-\nوما روي أنّ رسول الله ﷺ استمع ليلة لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره بذلك قال: لو كنت أعلم أنّك تسمعه لحبّرته لك تحبيرا، ويروى أن النبي ﷺ لما سمعه قال: «إنّ هذا أعطي مزمارا من مزامير آل داود» «٣» .\n_________\n(١) ما رواه أبو داود في السنن (١/ ٥٤٦)، كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل حديث رقم (١٤٦٨)، والنسائي في السنن (١- ٢/ ٥٢٢)، كتاب الافتتاح حديث رقم (١٠١٦) .\n(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٥٤٧)، ٦- كتاب صلاة المسافرين ٣٥- باب ذكر قراءة النبي حديث رقم (٢٣٧/ ٧٩٤)، والبخاري في الصحيح (٦/ ١٣٧)، ٦٦- كتاب فضائل القرآن، ٣٠- باب الترجيع حديث رقم (٥٠٤٧) .\n(٣) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٥٤٦)، ٦- كتاب صلاة المسافرين، ٣٤- باب استحباب تزيين الصوت حديث رقم (٢٣٥/ ٧٩٣)، والبخاري في الصحيح (٦/ ١٣٧)، ٦٦- كتاب فضائل القرآن، ٣١- باب حسن الصوت، حديث رقم (٥٠٤٨) .","vol":"1","page":813},{"text":"٥-\nوما رواه مسلم «١» عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما أذن الله لشيء أذنه لنبي حسن الصوت يتغنّى بالقرآن»\n. الأذن بفتحتين الاستماع.\n٦- وقالوا أيضا: إنّ الترنم بالقرآن، والتطريب بقراءته من شأنه أن يبعث على الاستماع والإصغاء، وهو أوقع في النفس، وأنفذ في القلب، وأبلغ في التأثير.\nروي أنّ عقبة بن عامر كان من أحسن الناس صوتا فقال له عمر: اعرض عليّ سورة كذا، فعرض عليه، فبكى عمر وقال: ما كنت أظنّ أنها نزلت.\nأما المانعون فاحتجوا بما يأتي:\n١-\nما رواه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله ﷺ قال: «اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتاب والفسق، فإنّه يجيء من بعدي أقوام يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» فقد نعى على من يرجّع بالقرآن ترجيع الغناء والنوح، على نحو ما يفعله أكثر قراء هذا العصر، ووصفهم بفتنة القلوب، كما وصف بها كل من يسمع لهم ويعجبه شأنهم.\n٢-\nوما روي عنه ﷺ أنّه ذكر أشراط الساعة، وذكر أشياء، منها أن يتخذ القرآن مزامير، وقال: «يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم، ولا أفضلهم ليغنيهم غناء» .\n٣-\nوما رواه ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذّن يطرب فقال النبي ﷺ: «إنّ الأذان سهل سمح، فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن» أخرجه الدارقطني «٢»\n. فقد كره النبي ﷺ أن يطرب المؤذن في أذانه، فدلّ ذلك على أنه يكره التطريب في القراءة بطريق أولى.\n٤- وما روي أنّ زيادا النميري جاء إلى أنس ﵁ مع القرّاء فقيل له:\nاقرأ، فرفع صوته وطرب- وكان رفيع الصوت-، فكشف أنس عن وجهه، وكان على وجهه خرقة سوداء، وقال: يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون، وكان إذا رأى شيئا ينكره رفع الخرقة عن وجهه. وهذا له حكم الرفع، فقوله: ما هكذا كانوا يفعلون. دلّ على أنّ القراءة في عهد النبي ﷺ لم تكن على نحو قراءة زياد.\n٥- وقالوا أيضا: إنّ التغني والتطريب يؤدّي إلى أن يزاد على القرآن ما ليس منه، وذلك لأنّه يقتضي مدّ ما ليس بممدود، وهمز ما ليس بمهموز، وجعل الحرف الواحد حروفا كثيرة، وهو لا يجوز. هذا إلى أنّ التلحين من شأنه أن\n_________\n(١) رواه في الصحيح (١/ ٥٤٥)، ٦- كتاب صلاة المسافرين، ٣٤- باب استحباب تزيين الصوت حديث رقم (٢٣٢/ ٧٩٢) .\n(٢) رواه الدارقطني في سننه (٢/ ٨٦)، كتاب الجنائز، باب تخفيف القراءة.","vol":"1","page":814},{"text":"يلهي النفوس بنغمات الصوت، ويصرفها عن الاعتبار وتدبر معاني القرآن.\nهذه أدلة المانعين، وقد تأوّلوا ما أورده المجيزون مما يفيد جواز القراءة بالألحان فقالوا في\nحديث: «زينوا القرآن بأصواتكم»\nإن فيه قلبا، وأصله:\n«زينوا أصواتكم بالقرآن»\nكما قيل في: عرضت الناقة على الحوض، وعلى تسليم أنه ليس في الحديث قلب، فمعنى تزيين القرآن بالأصوات تجويده، وتحسين أدائه بالمد والغنة والإظهار، وضبط كلماته، وتبيين حروفه، وأنت ترى أنّ هذا التأويل بوجهيه بعيد عن لفظ الحديث غاية البعد، وهو على كل حال تأويل لا دليل عليه، ولا موجب له.\nوقالوا في\nالحديث الثاني: «ليس منّا من لم يتغن بالقرآن»\nإنه ليس من الغناء وإنما هو من الاستغناء، كما فسره بذلك سفيان بن عيينة، ومعناه: ليس منا من لم يستغن بالقرآن عن الحديث، أو عن أخبار الأولين. قالوا: وقد ورد التغني بمعنى الاستغناء في كلام العرب. قال الأعشى:\nوكنت امرأ زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغنّي\nوأنت ترى أيضا أنّ تأويل التغني بالاستغناء تأويل بعيد لا دليل عليه، ولذلك لما سئل الشافعي عن هذا التأويل المنسوب لابن عيينة قال: نحن أعلم بهذا، لو أراد به الاستغناء لقال. من لم يستغن بالقرآن، ولكن لما قال: «يتغنّ بالقرآن» علمنا أنه أراد به الغناء. أما بيت الأعشى فلا حجة لهم فيه، فإنّه لا يستقيم معناه على إرادة الاستغناء، وإنما هو بمعنى الإقامة، من قولهم: غنى فلان بمكان كذا إذا أقام، ومنه قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا.\nثم أوّلوا ما ورد في بقية الأحاديث التي استدلّ بها المجيزون من الترجيع والتحبير والتغني مما يرجع لحسن التجويد، وإتقان الأداء.\nوالحق أنّ الأدلة تشهد للمجيزين، وذلك لأنه إذا كان التلحين والتطريب يغيّر من ألفاظ القرآن، ويخلّ بما نقل إلينا من طرق الأداء أو كان تكلّفا وتصنّعا ورفعا وخفضا على نحو توقيعات الموسيقى، فلا كلام في أنّه ممنوع ومحرّم.\nأما إذا كان تحبيرا وترقيقا وتحزينا، وشيئا قضى به اتعاظ القارئ، وكمال تأثّره بمعاني القرآن، فليس هناك من الأدلة ما ينهض على منعه. بل الأدلة شاهدة به وداعية إليه. وعلى هذا ينبغي حمل كل ما أورده المانعون في منع التغني على التغني المذموم الذي يسير فيه القارئ مع الهوى ويلهو به عن تدبر المعنى ويخرج فيه عن الحدود والقوانين المأثورة في الأداء والترتيل. وهذا محمل قريب جدا وهو فوق ذلك مؤيد بتلك النصوص والآثار التي تجيز التغني في قراءة","vol":"1","page":815},{"text":"القرآن وبعد هذا ترى الأدلة كلها متفقة لا تعارض بينها ولا تدافع.\nإِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) الإلقاء: الإنزال: والإيحاء. وعبّر به للإشارة من أول الأمر إلى أنّ ما يوحى به شديد وعظيم.\nوالمراد بالقول الثقيل: القرآن، وثقله باعتبار ما اشتمل عليه من تحميله ﵊ أعباء الرسالة ومهمة التبليغ، وما إلى ذلك من التكاليف التي يتطلّب القيام بها صبرا وجلدا وقوة عزيمة.\nوقيل: إنه ثقيل في نزوله عليه ﷺ، وتلقيه إياه من الوحي، فقد كان ﵊ يكرب عند ذلك، ويرجف، ويشتدّ عليه الأمر.\nروى الشيخان ومالك والترمذي والنسائي عن عائشة «١» ﵂ أنّها قالت: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا.\nأخرج أحمد وابن جرير «٢» وغيرهما عن عائشة أنّ النبيّ ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها، فما تستطيع أن تتحرّك، حتى يسرّى عنه، وتلت إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) .\nوروي أنه ﷺ نزل عليه الوحي مرة، وكان جالسا واضعا فخذه على فخذ زيد بن ثابت، فكادت فخذه ﵊ ترضّ فخذ زيد من شدّة الضغط.\nقيل: معنى ثقله: أنه كلام رصين، فخم، له رجحان ووزن، ليس بالسفساف ولا بالهين الضعيف.\nوقيل: إنّ ثقله كناية عن بقائه على وجه الدهر، لا يزول ولا يتبدل، فإنّ المعهود في الأجسام الثقيلة أنّها تثبت وتبقى في مكانها.\nقال الله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) واختلف المفسرون في المراد بالناشئة. فقيل: إنّها من نشأ من مكانه إذا نهض، فتكون الإضافة في ناشِئَةَ اللَّيْلِ على معنى في. والمعنى: إن النفس أو النفوس الناشئة\n_________\n(١) رواه مسلم في الصحيح (٤/ ١٨١٦)، ٤٣- كتاب الفضائل، ٢٢- باب طب عرق النبي حديث رقم (٨٦/ ٢٣٣٣)، والبخاري في الصحيح (٤/ ٩٥)، ٥٩- كتاب بدء الخلق، ٦- باب ذكر الملائكة، حديث رقم (٣٢١٥)، والترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ٥٥٧)، كتاب المناقب، حديث رقم (٣٦٣٤)، والنسائي في السنن (١- ٢/ ٤٨٥)، كتاب الافتتاح، باب جامع ما جاء في القرآن حديث رقم (٩٣٣) .\n(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان في تفسير القرآن (٢٩/ ٨٠) .","vol":"1","page":816},{"text":"في الليل الناهضة من مضاجعها للعبادة هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا والوطء المواطأة والموافقة، كالوطاء.\nوالقيل: القول كالمقال. والمراد به قراءة القرآن، أو مطلق الذّكر، أي إنها أشد موافقة ومصادفة للخشوع والإخلاص.\nأو أن قلبها يكون بالليل أشد موافقة للسانها منه في سائر الأوقات، إذ يكون القلب في ساعات الليل حاضرا لا يشغله شاغل، ولا يصرفه عن خشية الله صارف.\nوَأَقْوَمُ قِيلًا أي إنّ قولها يكون حينئذ أكثر اعتدالا واستقامة على نهج الصواب، لأنّ الأصوات هادئة، والليل ساكن، فلا يضطرب المصلي، ولا يختلط عليه قوله وقراءته.\nوقيل: إن المراد بناشئة الليل العبادة فيه، ومعنى أن عبادة الليل أشدّ وطأ: أن موافقتها الإخلاص والخشوع في هذا الوقت أعظم منها في أي وقت آخر. أو أنّ قلب العابد فيها يكون أكثر موافقة للسانه منه في غير ذلك من الأوقات.\nوقيل: المراد بناشئة الليل ساعاته، والمعنى عليه كسابقه، ولعلّ أحسن هذه الأقوال أوسطها.\nأما موقع هاتين الآيتين مما قبلهما، فقال بعض المفسرين: إن أولاهما معترضة بين الأمر بالقيام وعلتها التي بينتها الآية الثانية، وهي قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) وإنّ السر في هذا الاعتراض هو تسهيل أمر القيام بالليل عن النبيّ ﷺ بالموازنة بينه وبين ما سيوحى إليه من أنواع التكاليف وشدائد الأعمال.\nولكنّك ترى أنّه لا حاجة إلى جعل الآية الأولى معترضة بين ما قبلها وما بعدها، فإنّ ارتباطها بما قبلها واضح جدّا، وهي منه في منزلة العلة من المعلول، فكأنّ الله تعالى يقول لنبيه: قُمِ اللَّيْلَ وتجرد للعبادة، وأعد نفسك لما سيلقى عليك، لأنّا سنوحي إليك بأمور عظيمة، وسنحمّلك تكاليف ثقيلة تقتضيها طبيعة الرسالة التي اخترناك لها.\nثم إنّ هذا يتضمّن دعوى أنّ العبادة في جوف الليل تعينه ﷺ، وتهيئه لتحمل أعباء الرسالة، والاضطلاع بشؤونها، فتأتي الآية الثانية وهي قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) لتعزيز الدعوى. فهي من سابقتها بمنزلة العلة من المعلول.\nفكأنّ الله جل شأنه يقول: حقا إنّ قيام الليل يعينك على تحمل ما سنلقيه عليك، لأنّ عبادة الليل أشدّ مواطأة وموافقة للإخلاص والخشوع، وأكثر اعتدالا واستقامة على نهج الحق والصواب.","vol":"1","page":817},{"text":"قال الله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) السبح في الأصل: الذهاب في الماء، والتقلّب فيه. ويصحّ أن يطلق عن القيد، فيستعمل في مطلق الذهاب والتقلّب. وعلى هذا يكون معنى الآية: إنّ لك في النهار شغلا كثيرا، وتقلبا في أعمال متنوعة لا تستطيع معها أن تقوم في النهار بما يريده منك من تلك العبادات الخاصة، فلذلك كتبناها عليك في الليل، فيكون هذا تيسيرا على النبيّ ﷺ، وبيانا للحكمة في التخفيف عنه، إذ لم يجمع عليه في النهار بين تلك العبادات وبين ما هو موكول إليه من الأعمال.\nويصحّ أن يكون الغرض توكيد أمر القيام عليه، وأنه يجب أن يتفرّغ له بالليل، إذ يكفي أن يكون له من النهار فسحة طويلة يزاول فيها ما شاء من الأعمال. أما الليل فيجب أن يتوفّر فيه على القيام بحقّ الله وعبادته.\nقال الله تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) التبتل: الانقطاع، يقال بتله وبتّله بالتخفيف والتشديد، بتلا وتبتيلا، فانبتل وتبتّل، ومنه البتول للعذراء المنقطعة عن الأزواج، أو المنقطعة للعبادة.\nيأمر الله ﷾ نبيّه أن يداوم على ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل وقراءة القرآن، فلا يشغله عن ذلك شاغل في ليله ولا نهاره، وأن يجعل همّه كله في إرضاء ربه، ويجرد نفسه عن التعلق بغيره، ويستغرق في مراقبته في كل ما يأتي وما يذر من الأعمال.\nوليس المراد أن ينقطع حتى عن أعمال النهار، ويعكف على الذكر والعبادة، فإنّه يتنافى مع قوله تعالى في الآية السابقة: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) بل المراد التنبيه إلى أنّه ينبغي ألا يشغله السبح في أعمال النهار عن ذكر الله.\nهذا وإنما قيل: تَبْتِيلًا ولم يقل: تبتلا، حتى يتفق مع الفعل قبله، مراعاة للفواصل، وللدلالة على أنّ التبتل والانقطاع يحتاج إلى عمل اختياري منه ﷺ، بأن يجرّد نفسه عن التعلق بغير الله تعالى، ويحصر همه في مراقبته جلّ شأنه، فيحصل التبتل الذي هو أثر لذلك. وقد يقال: فلماذا لم يقل: وتبتل إليه تبتيلا حتى يوافق الفعل مصدره؟\nوالجواب: إنّ ذلك للإشارة إلى أنّ المقصود الأهم إنما هو حصول ذلك الأثر، وهو التبتل.\nقال الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى","vol":"1","page":818},{"text":"وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)\nالمراد من القيام هو ما تقدّم في أول السورة، وهو صلاة التهجد على ما عرفت. وكلمة أَدْنى من الدنو، وهو القرب، فهي في الأصل بمعنى أقرب، تقول:\nرأيت محمّدا في الدرس أدنى التلاميذ من الأستاذ، أي أنه يجلس في أقرب الأمكنة إليه، لكنّها استعملت في الآية بمعنى الأقل، على طريق المجاز المرسل، لأنه إذا قربت المسافة بين الشيئين كانت الأحيان بينهما قليلة.\nقرأ الجمهور: وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ بالنصب عطفا على أَدْنى لأنّه ظرف أو مفعول فيكون المعنى: إنّ الله قد علم أنّك كنت تقوم من الليل للصلاة على هذه الأوجه، فتارة تقوم أقلّ من ثلثيه، وأخرى تقوم نصفه، وثالثة تقوم ثلثه، وهذه القراءة تدلّ على أنّ عمله ﷺ وعمل الصحابة معه كان وفق المأمور به في أول السورة، فإنّه إذا قام أقلّ من الثلثين فقد حقّق الزيادة على النصف، وإذا قام الثلث، فقد صدق أنّه نقص عن النصف قليلا. والنصف مطابق للنصف.\nوحينئذ لا تكون هناك مخالفة، لا بطريق الاختيار، ولا بطريق الاضطرار. ويكون التخفيف عنهم بسبب أنّهم- كما علم الله- لا يطيقون المواظبة على القيام بالمأمور به، إذ لا يمكنهم تقدير الليل، ولا يستطيعون ضبط ساعاته، فإذا حرصوا على الوفاء بالمطلوب اضطروا أن يأخذوا بأكبر المقادير وأوسعها، وفي ذلك مشقة زائدة.\nوقرأ نافع: نِصْفَهُ وثُلُثَهُ بالجر، عطفا على (ثلثيه) فيكون المعنى: إنّ الله علم أنك تقوم أقل من الثلثين مرّة، وأقلّ من النصف مرّة، وأقلّ من الثلث مرّة ثالثة.\nوظاهر أنّ ما دون الثلث لا يوافق المأمور به في أول السورة، وهو أن ينقص من النصف مقدار قليل، فإنّه لم يجر عرف الكلام أن يقال لما دون الثلث- في معرض التقدير بمثل هذه المقادير- إنه أقل من النصف، كما لا يقال لأمر حدث قبيل طلوع الفجر مثلا: إنه حصل بعد العشاء.\nعلى أنّ ما دون الثلث قد جاء في الآية التي معنا مقابلا لما دون النصف، إذ الأحوال الثلاثة هي: القيام أقل من الثلثين، وأقل من النصف، وأقل من الثلث، فيتعين أن يكون قيام ما دون الثلث شيئا غير قيام ما دون النصف وحينئذ لم يأت عملهم في جميع الحالات موافقا للأمر في أول السورة، إذ قيام ما دون الثلث لا يكون امتثالا للأمر بقيام النصف إلا القليل. لكنّ ذلك لما لم يكن عن اختيار وقصد،","vol":"1","page":819},{"text":"بل كان عن محض الضرورة، بسبب أنهم لم يمكنهم ضبط مقادير الزمان مع عذر النوم لم يكن إثما، وانتفت فيه المؤاخذة، وعلى هذا يكون التخفيف عنهم بسبب هذه الضرورة، وهي عدم قدرتهم على إحصاء الوقت وضبط ساعات الليل.\nوبعد فلا تناقض بين القراءتين، فإنّ الآية ليست حديثا عما أمروا به من القيام، بل هي إخبار عن الواقع الذي كان يحصل منهم. وهم كانوا أحيانا يقومون ثلث الليل، ويقومون نصفه، ويقومون قريبا من ثلثيه، وأحيانا يقومون أقلّ من ثلثه، وأقلّ من نصفه، ظنا منهم أنهم وفوا في قيامهم أقلّ من الثلث بالقدر المأمور به، لعدم ضبط الزمن، وتحديد مقاديره. فقراءة النصب توافق الحالات الأولى، وقراءة الجرّ تنزّل على الحالات الثانية.\nوَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وهذا معطوف على الضمير المستكنّ في تَقُومُ وهو وإن كان ضمير رفع متصل، قد سوغ العطف عليه الفصل بينه وبين المعطوف، والمعنى:\nأنّ الله يعلم أنّه كان يقوم كذلك جماعة من الذين آمنوا بك، واتبعوا هداك.\nوقد يقال: إنّ هذا يدلّ على أنّ قيام الليل لم يكن فرضا على جميع الأمة، وهو خلاف ما تقرّر تفسيره في أول السورة، ويخالف أيضا ما دلّت عليه الآثار المتقدمة هناك.\nوالجواب: أنه ليس في الآية ما يفيد أنّ الصحابة رضوان الله عليهم كانوا جميعا يصلّون مع النبي ﷺ صلاة التهجد في جماعة واحدة، فلعلّ بعضهم كان يقيمها في بيته. فلا ينافي ذلك فرضية القيام على الجميع.\nوَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ الكلام هنا على الحصر والاختصاص، أي أنّ الله هو وحده الذي يقدّر الليل والنهار، يعلم مقاديرهما وأجزاءهما، وما مضى من كلّ، وما بقي على التعيين والتحديد.\nوهذا الاختصاص- على ما يقول الزمخشري «١» - مستفاد من تقديم اسم الجلالة مبتدأ، وبناء الفعل عليه.\nأما غير الزمخشري فإنه ينكر عليه مذهبه هذا في الاختصاص، إذ إنّه إذا قيل:\nمحمد يحفظ الدرس، أو يتفقه على فلان، لم يفد ذلك أنه هو وحده الذي يحفظ ويتفقه. فالحصر في الآية مستفاد من سياق الكلام ودلالة المقام.\nعَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ إحصاء الأشياء عدّها، والإحاطة بمقدارها، ويصحّ أن يستعمل في القدرة على الفعل وإطاقته، وكلّ من المعنيين سائغ في الآية.\n_________\n(١) انظر تفسير الكشاف للزمخشري (٤/ ٦٤٣) .","vol":"1","page":820},{"text":"فعلى الأول: يكون الضمير المفعول في تُحْصُوهُ عائدا على مصدر مفهوم من يُقَدِّرُ في الجملة السابقة.\nوالمعنى عليه: علم الله أنكم لم تحصوا تقدير الليل والنهار، ولن تستطيعوا ضبط ساعاتهما، ولا معرفة ما فات من ذلك على التحديد، ولا ما هو آت، وأنكم إذا أخذتم دائما بالأحوط ضعفتم، وشقّ عليكم الأمر، ولذلك خفف الله عنكم في أمر القيام، ورفع عنكم المقدار المحدد، ورخّص لكم أن تقوموا مقدارا ما من الليل غير مقيّد بثلث ولا بغيره.\nوعلى الثاني: يكون الضمير عائدا على القيام المفهوم من تَقُومُ.\nوالمعنى عليه: علم الله أنكم لن تحصوا قيام الليل، أي لن تطيقوه، ولن تستطيعوا المواظبة عليه مقدّرا بذلك المقدار، ولذلك خفف عنكم.\nفَتابَ عَلَيْكُمْ التوبة في الأصل معناها العود والرجوع. يقال: تاب العاصي إذا رجع إلى سبيل الطاعة، ويقال: تاب الله عليه، بمعنى عفا عنه، وعاد عليه بالمغفرة، فالتوبة في قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْكُمْ يصحّ أن تكون بمعنى المغفرة، أي غفر لكم ما كان عساه يفضي إلى مؤاخذتكم من عدم الوفاء بما أمرتم به، إذ كنتم تقومون في بعض الأحوال أقل من ثلث الليل، مع أنكم مأمورون أن تقوموا نصفه على الأقل، لا تنقصون منه إلا قليلا.\nوهذا- كما ترى- إنما يظهر على قراءة نافع ومن وافقه بجر (نصفه) و(ثلثه) . أما على قراءة النصب فيكون معنى فَتابَ عَلَيْكُمْ عاد عليكم بالترخيص والتخفيف، ورجع بكم من عسر إلى يسر، ومن شدة إلى لين، وليس هو من التوبة بمعنى المغفرة.\nفَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ للعلماء في المراد بالقراءة هنا ثلاثة أقوال:\nالأول: - قول من حمل القراءة على ظاهرها، وقال: إن صلاة التهجد قد نسخت بهذا الأمر وصار المطلوب قراءة شيء من القرآن. ثم من هؤلاء من قال: إنّ الأمر بالقراءة للوجوب، ومنهم من حمله على الندب.\nالقول الثاني: أن المراد بالقراءة الصلاة، عبّر عنها لأنّها من أركانها، كما يعبّر عنها بالقيام والركوع والسجود، فيكون معنى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ صلوا ما تيسر لكم من الصلاة.\nويشهد لذلك سياق الآية، وما سبق من الآثار التي تدل على أنّ آخر السورة نسخ أولها، فصار الواجب قيام جزء ما من الليل، ثم نسخ ذلك بفرض المكتوبات الخمس.\nالقول الثالث: - أن المراد قراءة القرآن في الصلاة عملا بدلالة اللفظ مع شهادة السياق وتلك الآثار.","vol":"1","page":821},{"text":"وقد تعلّق بعض الفقهاء بهذه الجملة: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ يستدلون بها على أن المفروض من القراءة في الصلاة ليس سورة معينة، بل ما يطلق عليه اسم القراءة من أي سورة.\nوقبل أن نشرح وجه الدلالة على ذلك، يلزم أن ننبهك إلى أنّ الاستدلال بها لا يستقيم على الوجه الأول من التفسير، فإنّ المراد بالقراءة على هذا الوجه حقيقة التلاوة خارج الصلاة، فلا تعلق لذلك بالموضوع.\nوكذلك لا يستقيم على الوجه الثاني فإنّ القراءة عليه لم يرد بها معناها الحقيقي، بل هي مجاز عن الصلاة كما عرفت، فالتمسك بها إنما يستقيم على الوجه الثالث.\nوذلك أنّه- بعد اتفاق الأئمة على أنّ القراءة في الصلاة من فرائضها- يقول الحنفية: إنّ الفرض مطلق قراءة آية أو ثلاث آيات- على اختلاف القولين بين الإمام وصاحبيه- من أيّ سورة من القرآن، وأنّ الفاتحة غير متعينة للفرضية، فإذا صلّى بها أو بغيرها فقد حصل ركن القراءة. وذلك لأنّ قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ أمر بمطلق القراءة من غير تقييد بفاتحة ولا بغيرها، ومقتضى هذا الأمر وجوب تحصيل المطلق في أي فرد من أفراده.\nقالوا: ويشهد لذلك:\n١-\nما في «الصحيحين» «١» عن أبي هريرة أنّ رجلا دخل المسجد فصلّى، ثم جاء فسلّم على النبيّ ﵊، فردّ عليه النبيّ ﷺ وقال: ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ، فصلّى، ثم جاء فأمره بالرجوع، فعل ذلك ثلاث مرات، فقال:\nوالذي بعثك بالحق ما أحسن غيره. فقال ﵊: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبّر، ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئنّ راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئنّ ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن قائما، ثم اسجد حتى تطمئنّ ساجدا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم افعل ذلك في صلاتك كلّها» .\nعلمه النبيّ ﷺ كيفية الصلاة، وبين له أركانها وشرائطها، ولم يعيّن عليه في ذلك قراءة الفاتحة، بل\nقال له: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن» .\nفلو كانت الفاتحة بخصوصها ركنا لعيّنها له، وعلمه إياها إن كان يجهلها، أو وكل به من يعلمه ذلك.\n٢-\nوما روى أبو داود «٢» عن أبي هريرة من قول النبيّ ﷺ: «لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب»\nفإنّه ظاهر في عدم تعيين الفاتحة.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) رواه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب القراءة حديث رقم (٨١٩) .","vol":"1","page":822},{"text":"٣- أما غير الحنفية فإنّهم يقولون: إنّ قراءة الفاتحة على التعيين فرض لا تجزئ الصلاة بتركها، أو بترك حرف منها، ويقولون: إن الآية- وإن كانت مطلقة- قد قيدتها الأحاديث الصحيحة التي تدلّ على أنّ خصوص الفاتحة ركن. فمن ذلك:\n١-\nما رواه السبعة «١» عن عبادة بن الصامت أنّه ﵊ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»\nقال: النفي هنا يدلّ على انعدام الصلاة الشرعية، لعدم القراءة فيها بالفاتحة، ولا يكون عدم قراءة الفاتحة موجبا لانعدام الصلاة إلا إذا كانت الفاتحة من فرائضها.\nقالوا: ولا يرد على هذا الدليل أنّه مشترك الدلالة وأنّه كما يصحّ أن يقدّر فيه متعلق الجار والمجرور الصحة حتى يكون المعنى: لا صلاة صحيحة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، كذلك يصحّ تقديره بالكمال، فيكون المعنى: لا صلاة كاملة إلخ ومثل هذا لا يصح به الاستدلال.\nقالوا: لا يرد هذا: لأن الأصل في مثل هذا المتعلق أن يقدّر كونا عاما، لعدم القرينة الدالة على الخصوص. فالمعنى: لا صلاة كائنة أو موجودة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وعدم الوجود شرعا هو عدم الصحة، بل أقوى منه. ولو سلّم أنّه كون خاص، فتقدير الصحة أولى، لأن النفي متوجه في لفظ الحديث إلى ذات الصلاة، وإذا كانت الذوات لا يصحّ أن يتوجه عليها النفي، لأنّه من خواص النسب، وتعذّر بذلك حمل اللفظ على حقيقته كان الحمل على أقرب المجاورين أولى، وذلك بتقدير الصحة، فإنّ ما ليس بصحيح أقرب إلى المعدوم مما ليس بكامل.\n٢-\nوما رواه الدارقطني «٢» عن عبادة بن الصامت أنّه ﵊ قال: «لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»\nفإنّ عدم الإجزاء ظاهر جدا في عدم الصحة.\n٣-\nوما رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود عن أبي هريرة «٣» أن رسول الله ﷺ قال: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج»\nالخداج بالكسر: النقصان مأخوذ من خداج الناقة، وهو إلقاؤها ولدها قبل أوانه.\n٤- عمل النبيّ ﷺ فإنّه ﵊ قد واظب على قراءة الفاتحة في كل صلاة من غير ترك، فلولا أنّها ركن لتركها ولو مرة تعليما وتشريعا.\nهذه أدلة الفريقين تجدها في ظاهرها متعارضة، فكان لا بدّ من النظر فيها.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) رواه الدارقطني في سننه (١/ ٣٢٢) . [.....]\n(٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":823},{"text":"وينبغي أن تعلم أولا: أنه لا سبيل إلى دعوى النسخ في شيء من تلك الأحاديث المتعارضة، لأنه لم يوقف فيها على تمييز السابق من اللاحق، فلا بدّ إذا من أحد أمرين: إما الجمع بينهما، وإما ترجيح بعضها على بعض. على أنه متى أمكن أن يجمع بينها فلا ينبغي العدول عنه.\nواعلم أيضا أنه لا مجال للمناقشة في أنّ قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ من قبيل المطلق، وأنّ من يجادل في هذا فهو يحاول أن يلوي الأساليب العربية عن استقامتها. كما أنّ قوله ﷺ للرجل المسيء صلاته: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» من قبيل المطلق أيضا.\nوعلى هذا أجاب الحنفية عما استدل به مخالفوهم من الشافعية وغيرهم بما يأتي:\nقالوا على الدليل الرابع: إنّ عمل النبي ﷺ ومواظبته على قراءة الفاتحة من غير ترك لا يدل على الفرضية، فإنّه ﵊ كما كان يواظب على الفرائض، كان يواظب على الواجبات التي هي أدنى منها، وليس ترك الواجب في بعض الأحيان طريقا متعينا للتمييز بينه وبين الفرض، فإنّ التمييز كما يكون بالفعل يكون بالقول، كأن يقول لهم: إن ترك هذا لا يبطل الصلاة، ولكن لا يجوز أن تتركوه.\nوأجابوا عن حديث أبي هريرة- وهو الدليل الثالث- بأنّ النقصان أعمّ من الفساد، فقد تكون الصلاة ناقصة مع الصحة بأن تكون مستجمعة شروطها وفرائضها وتخلّف شيء من الواجبات، أو السنن فيها فلضرورة الجمع بين الأدلة المتعارضة يحمل النقصان على غير الفاحش الذي يفسد الصلاة، وهو محمل غير بعيد.\nوأجابوا عن الدليل الثاني: وهو ما رواه الدارقطني عن عبادة بن الصامت أنّه ﵊ قال: «لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» بأنّ رواية الجماعة عنه أنّه ﵊ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» أرجح من تلك الرواية، لأنه لا شك أنّ ما اتفق عليه الجماعة أصحّ مما تفرّد به غيرهم ولأنّ كلتا الروايتين- وإن كانت معارضة بظاهرها لإطلاق القرآن- فأقرب الروايتين إليه رواية الجماعة، وأيضا فإنّه يصحّ أن تكون رواية الدارقطني بالمعنى وأنّ الراوي فهم من «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» عدم الإجزاء. فعبّر بلفظ: «لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .","vol":"1","page":824},{"text":"فلم يبق إلا أن يجمع بين هذه وبين قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ.\nوذلك أن الرواية على كل حال حديث آحاد لا تناهض القرآن، ولا تقوى على نسخه، فلو حملنا\nقوله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»\nعلى نفي الصحة لزم أن يكون قاضيا على الكتاب، ناسخا لحكمه، لأنّ مقتضى الكتاب صحة الصلاة بكل قراءة، ولو بغير فاتحة الكتاب، ومقتضى الحديث على ذلك المحمل عدم صحتها، إلا أن يقرأ فيها بالفاتحة، وإذا كان الشافعي ﵀ لا يرى نسخ الكتاب حتى بالحديث المتواتر، كما نصّ على ذلك في «الرسالة» فيلزم ألا يجيز نسخه برواية الآحاد من باب أولى.\nوإذا كانت العبرة في الأمور بمعانيها وحقائقها، لا بأسمائها وألقابها فتغيير حكم الآية بذلك الحديث- على النحو الذي يقول به الشافعية ومن وافقهم- تغيير لا يختلف في شيء عن تغيير النسخ وسمّه بعد ذلك بما شئت.\nوعلى هذا ينبغي أن يحمل الحديث على نفي الكمال، بدليل نصّ الكتاب، وما جاء في حديث المسيء صلاته، ويكون\nقوله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»\nنظير\nقوله ﵊: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»\nوقوله: «لا صلاة للعبد الآبق»\nفإنّ القرينة الدالة على أنّ المراد نفي الكمال متحققة في الجميع، وعلى هذا يتم العمل بالقرآن والحديث، إذ يكون الأول مفيدا أنّ مطلق القراءة فرض في الصلاة.\nوالثاني يفيد أنّ قراءة الفاتحة من الواجبات التي هي دون الفرائض.\nوبعد فالعلماء مختلفون أيضا في محلّ القراءة المفروضة:\nفالحنفية «١» القائلون بأن الفرض مطلق القراءة يقولون: إنها فرض في ركعتين من الصلوات الرباعية.\nأمّا القائلون بأنّ الفرض خصوص الفاتحة، فمنهم من يقول بفرضيتها في كل ركعة من الصلاة كما هو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك.\nومنهم من يقول بفرضيتها في ركعتين كما هي الرواية الأخرى.\nولا نرى أن نعرض هنا لهذه التفاصيل، ومآخذ الأئمة فيها، فإنّ مرجع ذلك كله الحديث وكتب الفروع.\nعَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nالضرب في الأرض: السير فيها، والسفر للتجارة والتعيش.\n_________\n(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١- ٢/ ٥٨) .","vol":"1","page":825},{"text":"عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى قال بعض المفسرين: هذه الجملة مستأنفة لبيان حكمة أخرى لتخفيف قيام الليل بعد الحكمة الأولى، وهي عدم القدرة على إحصاء الوقت وتقدير ساعاته، أي علم أنه سيكون منكم مرضى إلخ كما علم عسر تقدير الأوقات عليكم. ولكنّك ترى أنه كان الظاهر على هذا أن يؤتى بالجملة الثانية عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى. موصولة بالأولى غير مفصولة.\nوظاهر كلام الإمام الرازي «١» أن قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى هو الذي يبيّن حكمة النسخ، وأنه جواب لسؤال تقديري، فكأنه قيل: لم نسخ الله ذلك؟\nفقال: لأنه علم تعذر القيام على المرضى والضاربين في الأرض والمجاهدين في سبيل الله.\nوهذا التوجيه يدل على أنّ قوله تعالى فيما سبق عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ لا مدخل له في النسخ والتخفيف، مع أنّ صريح الآية يخالفه، إذ قد رتب عليه الترخيص بالفاء الدالة على التسبب، وذلك هو قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ.\nفالظاهر أنّ قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى قد جاء مجيء التفصيل بعد الإجمال، فحكمة النسخ واحدة: هي رفع المشقة المترتبة على وجوب القيام الطويل في الليل. أجملت هذه الحكمة في قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ثم فصلت في قوله جلّ شأنه: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى إلخ. فليست هذه لبيان حكمة ثانية للنسخ كما أنها ليست مستقلة بالبيان عن ذلك الإجمال.\nبيّن الله تعالى بذلك ثلاثة أشياء، كلها مقتض للتخفيف على الناس في قيام الليل:\nالأول: المرض. فالمريض يصعب عليه طول التهجد، فإنّ السهر الكثير قد يضاعف علته ويزيد آلامه.\nالثاني: الضرب في الأرض للتجارة.\nوالثالث: الجهاد في سبيل الله.\nفإنّ الضاربين للتجارة وابتغاء الرزق، والمجاهدين في سبيل الله مشتغلون في نهارهم بتلك الأعمال الشديدة، فلو لم يناموا في الليل نوما يستعيدون به ما فقدوه من قوتهم لضعفوا، وكلّوا، وانقطعوا عن كثير من جلائل الأعمال.\nقال المفسرون: إنّ في قرن الضرب في الأرض للتجارة بالجهاد في سبيل الله إشارة إلى أنّ الساعين في معايشهم يقاربون في الأجر المجاهدين.\n_________\n(١) انظر تفسير مفاتيح الغيب المعروف أيضا بالتفسير الكبير للرازي (٣٠/ ١٨٧) .","vol":"1","page":826},{"text":"روى البيهقي وسعيد بن منصور عن عمر ﵁ قال: ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحبّ إليّ من أن يأتيني وأنا بين شعبتي جبل ألتمس من فضل الله تعالى، وتلا هذه الآية وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ إلخ.\nوعن ابن مسعود أنه قال: أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء، ثم قرأ: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ.\nفَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ أعيد هنا هذا الأمر لتوكيد الرخصة وتقديرها، وليعطف عليه ما بعده من بقية الأوامر.\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ اختلف المفسرون في المراد بالصلاة والزكاة هنا، فمنهم من حمل الصلاة على المكتوبات الخمس، والزكاة على زكاة الفطر، قال: لأن الآية مكية، وزكاة المال لم تفرض إلا في المدينة.\nوهذا القول مردود من وجهين:\nالأول: أنّ زكاة الفطر لم تجب إلا بعد الهجرة.\nالثاني: أنّ الراجح في زكاة المال أنّها فرضت في مكة. غير أنه لم يعيّن فيها نصاب خاصّ، ولم تحدد الأنواع التي تجب فيها الزكاة ولا القدر الواجب صرفه للفقراء، إلا في المدينة، فكان الواجب أول الأمر أن يصرف للفقير شيء ما من المال، ويدل لذلك أنّ الزكاة وردت في آيات كثيرة مكية، كما في صدر سورة المؤمنون.\nعلى أنّ هذا التفسير لا يتم في الصلاة إلا على القول بأنّ هذه الآية قد تأخّر نزولها عن صدر السورة بعشر سنين أو أكثر، حتى فرضت المكتوبات ليلة المعراج.\nوبعضهم: حمل الصلاة على المكتوبات أيضا والزكاة على زكاة المال، وفهم كذلك أنّ زكاة المال فرضت في المدينة، فالتزم القول بأنّ هذه الآية مدنية.\nوهو مردود أيضا بما سبق، وبأنّ الراجح- كما علمت أول الكلام على صدر سورة المزمل- أنّ هذه السورة برمتها مكية.\nوبعضهم حمل كلّا من الصلاة والزكاة على التطوع قال: لأنّ سورة المزمل من أوائل ما نزل من القرآن، والمكتوبات الخمس لم تفرض إلا ليلة المعراج في السنة الثانية عشرة من البعثة، وقال في الزكاة ما قاله صاحب الوجه الأول.\nوالحق الذي يتمشّى مع الراجح في تاريخ شرعية الزكاة، ويتفق مع ما تقدم لك","vol":"1","page":827},{"text":"عن ابن عباس وعائشة ﵄ من أنّ آخر سورة المزمل قد نزل بعد صدرها بحول، أو قريب من الحول، هو أنّ الأمر في قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ على ظاهره مفيد للوجوب، وتحمل الصلاة على ما كان مفروضا في النهار أول الأمر:\n(ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي) وتحمل الزكاة على المفروضة أيضا، وهي زكاة المال التي فرضت في السنة الخامسة من البعثة، على ما هو الراجح، وبذلك يتمّ القول، ولا يكون هناك إشكال.\nوَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا في «القاموس»: والقرض (بالفتح) ويكسر: ما سلّفت من إساءة أو إحسان، وما تعطيه لتقضاه. وفيه أيضا: وأقرضه: أعطاه قرضا.\nوحينئذ يكون الكلام من باب المجاز، إذ المراد من إقراض الله إعطاء الفقراء والمساكين ما يعينهم، ويسد خلّتهم، فاستعمل فيه اللفظ الذي يدلّ على إعطاء الله جلّ وعلا، وعبّر فيه بالإقراض، للدلالة على أنّ ثوابه مضمون، وجزاءه لا شكّ في تحققه، كما أنّ القرض لصاحبه لا شكّ في حصوله إذا كان المستقرض وفيا كريما.\nقال بعض المفسرين: إن المراد بالقرض الصدقات المندوبة أمر بها الأمر بالزكاة المفروضة، إذ العطف يقتضي المغايرة.\nوحمله بعض آخر على نفس الزكاة السابقة، وقال: إنّ حكمة العطف إرادة الحث والتشجيع على أداء الزكاة من حيث إنها معتبرة كالقرض، لا يضيع معروفها، ولا ينقص شيء من ثوابها، وإنّ معنى وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا أدوا الزكاة المفروضة عليكم على أحسن الوجوه، بأن تختاروها من أطيب الأموال وأنفعها للفقراء، وتخلصوا في ذلك النية، وترجوا به مرضاة الله. ولعلّ الوجه الأول هو الأرجح.\nوَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا.\nخَيْرًا هو المفعول الثاني لتجدوا، والضمير المنفصل توكيد للمفعول الأول، وهو- وإن كان ضمير رفع- قد وقع موقع ضمير النصب. ويصحّ أن يكون ضمير فصل.\nالمعنى: أنّ أيّ عمل تقدمونه في الدنيا، تبتغون به منفعتكم في الآخرة، سواء أكان متعلقا بالمال، أم بغيره، فإنكم تلقون به عند الله جزاء أحسن منه وأكثر نفعا.\nوفسر ابن عباس المفضّل عليه بالوصية، فقد روي عنه أنه يقول: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت.\nوقيل: إن المراد أنه خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا، إذ الفرق عظيم بين المتاع الدنيوي والنعيم الجزيل الأخروي.","vol":"1","page":828},{"text":"روى البخاري «١» عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «أيّكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله ما منّا من أحد إلا ماله أحبّ إليه! قال:\n«إنما ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر» .\nوَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ختم الله جلّ شأنه القول بطلب الاستغفار مما عسى أن يقع في الأعمال من الخلل أو التقصير، ووعد سبحانه بالرحمة والمغفرة لمن يلجأ إلى جنابه الكريم، إذ أخبر بأنّه عظيم المغفرة واسع الرحمة.\nتم الكتاب بعونه تعالى\n_________\n(١) رواه البخاري في الصحيح (٧/ ٢٢٦)، ٨١- كتاب الرقائق، ١٢- باب ما قدم من ماله حديث رقم (٦٤٤٢) .","vol":"1","page":829}]}